الفصل الثاني أخطاء الإسلاميين في باب الإيمان والكفر مما يؤدي إلى تكفير الحكام الظلمة بغير وجه حق وتحقيق القول في بيان أنواع فر تارك الحكم بما أنزل الله، والرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين
وقد اشتمل هذا الفصل على مدخل وسبعة مباحث:
(المبحث الأول): درر ومفاتيح من فقه مسائل الإيمان في الكتاب والسنّة.
(المبحث الثاني): درر ومفاتيح من فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة.
(المبحث الثالث): قواعد التكفير عند اهل السنّة والجماعة.
(المبحث الرابع): تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله.
(المبحث الخامس): درر ومفاتيح من فقه مسائل الشريعة في باب الإيمان والكفر.
(المبحث السادس): الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين.
(المبحث السابع): خطورة الغلو في التكفير بلا ضابط من الفقه ولا وازع من الدين
***
مدخل يتناول: التعريف بجماعات الغلو في التكفير
المفتاح الأول: جماعات الغلو في التكفير: هي جماعات غالية نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصية، والتكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة فهم يكفرون كل من أرتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون العلماء لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم، أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، وهؤلاء كغيرهم من أصحاب البدع الذي اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه فما وافق أقوالهم من السنة قبلوه وما خالفها تحايلوا في رده أو رد دلالته.
المفتاح الثاني: من أخطر مظاهر الجهل والتطرف والغلو عند أولئك التكفيريين:
(أ) ضعف البصيرة بحقيقة الدين.
(ب) والاتجاه الظاهري الجلد في فهم النصوص.
(ت) التمسك بحرفية النصوص دون التغلغل الى فهم فحواها ومعرفة مقاصدها.
(ث) الاشتغال بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية التي تتفاوت فيها الأفهام وتتعارض فيها الأدلة، والاختلاف فيها لا يمثل كبير اختلاف عن القضايا الكبرى التي تتعلق بوجود الأمة الاسلامية وهويتها.
(ج) الاسراف في التحريم، والميل دائما الى التضييق والتشديد والاسراف في القول بالتحريم مع تحذير القرآن الكريم والسنة والسلف من ذلك، فقد قال تعالى: { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وكان السلف لا يطلقون الحرام الا ما علم تحريمه جزما، فاذا لم يجزم بتحريمه قالوا: (نكره كذا أو لا نراه أو نحو ذلك من العبارات ولا يصرحون بالتحريم) والمتشددون يجنحون الى التحريم دائما مع وجود الكراهة أو يجنحون الى التشدد والتضييق مع وجود التيسير.
(ح) واتباع المتشابهات المحتملات المعاني وحمالات الوجوه، وترك المحكمات البينات الواضحات، لذا نراهم يعتمدون على المتشابهات في تكفير الأمة واستحلال دمائها ولو ردوا المتشابه الى المحكم لحكموا بالعدل والحق.
(خ) وعدم تلقي العلم على أيدي العلماء المتخصصين بمعرفته، واعتماد أكثرهم على بضاعة الكتب والصحف والقراءة من غير تلقي العلم على أيدي العلماء المتخصصين مما يجعلهم يسيئون الفهم ويستنبطون الأحكام الخاطئة الجائرة.
(د) وضعف البصيرة بالواقع والحياة والتاريخ وسنن الكون، فتجد أحدهم يريد ما لا يكون ويطلب مالا يوجد ويتخيل ما لا يقع ويفهم الوقائع على غير حقيقتها ويفسرها وفقا لأوهام رسخت في رأسه لا أساس لها من سنن الله في خلقه ولا من احكامه في شرعه، وهو يريد ان يغير المجتمع كله، افكاره ومشاعره وتقاليده واخلاقه وانظمته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوسائل واهية واساليب خاطئة.
(ذ) والمجازفة والغلو في تكفير عصاه المسلمين فأخرجوا اهل الاسلام من الملة وحكموا عليهم بالكفر نتيجة لشبهة أو هوى أو تقليد لضال أو جاهل.
المفتاح الثالث: من أهم أسباب ظهور ظاهرة التكفير وانتشارها:
(أ) الجهل في معرفة أنواع الكفر، والتفريق بين الكفرين: الأكبر والأصغر.
(ب) قلة بضاعة هؤلاء من العلم الشرعي ومن فقه الإسلام وأصوله، وعدم تعمقهم في العلوم الشرعية، الأمر الذي جعلهم يأخذون ببعض النصوص دون بعض، أو يأخذون بالمتشابهات، وينسون المحكمات، أو يأخذون بالجزئيات ويغفلون القواعد الكلية، أو يفهمون بعض النصوص فهما سطحيا سريعا، إلى غير ذلك من الأمور اللازمة لمن يتصدر للفتوى في هذه الأمور الخطيرة، دون أهلية كافية، فالإخلاص وحده لا يكفي، ما لم يسنده فقه عميق لشريعة الإسلام، وإلا وقع صاحبه فيما وقع فيه الخوارج من قبل، الذين صحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد. هذا مع شدة حرصهم على العقيدة والتنسك، ولهذا كان أئمة السلف يوصون بطلب العلم قبل التعبد والجهاد، حتى لا ينحرف عن طريق الله من حيث لا يدري.
المفتاح الرابع: من أبرز مظاهر غلو هؤلاء في الدين:
(أ) التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر في الأمور الاجتهادية والأمور المحتملة، وكثيرا ما يجعل الأمور الاجتهادية أمورا مقطوعة ويقينية ليس فيها الا قول واحد وهو قوله، ومن ثم يظهر الإرهاب الفكري بالتبديع والتكفير.
(ب) والتزام التشدد مع قيام موجبات التيسير الزام جمهور الناس بما لم يلزمهم الله به، والتشدد في غير موضعه، والغلظة والخشونة والفظاظة والخشونة في الأسلوب في الدعوة خلافا لأمر الله ورسوله فقد قال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
(ت) سوء الظن بالناس، فالأصل عندهم هو الاتهام، ولا يقتصر سوء الظن عند هؤلاء على العامة بل يتعدى الى الخاصة وخاصة الخاصة، فاذا أفتي فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله ورفع الحرج عنهم فهو في نظرهم متهاون في الدين.
(ث) لا يرون الا المثالب ولا ينظرون إلا إلى السيئات، وهذه نظرة منحرفة، قال تعالى: { وانحراف عن الطريق السليم فالله يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135].
(ج) لديهم ميل إلى التكفير، يكفرون الحكام والمحكومين والعلماء والناس وكل من خالفهم، إمّا مبتدع وإما مشرك وإمّا كافر مرتد حلال الدم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاتهام بالكفر، ففي الحديث الصحيح (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر باء به أحدهما) ([1]) .
المفتاح الخامس: مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا تختص بأحد دون أحد: فهي تتناول كل مسلم يحكم بين أبنائه أو أزواجه أو اخوانه فلا تختص بالحاكم فقط ولا بالقاضي فقط، بل تتناول كل من حكم بين اثنين، وعليه فالحكم سواء في حق الحاكم أو غير الحاكم على السواء، ومن حكم بغير ما انزل الله يتناوله حكم الآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، والحمد لله على إجماع علماء أهل السنة والجماعة على أن الآية ليست على ظاهرها، وأنّ لها تفصيلا وإلا كفرت الامة كلها، لأنه ليس من مسلم إلا ويحكم كل يوم في أمور عديدة فلو اخطأ حكم الله كفر، والتفصيل هو أن الجاحد لحكم الله يكفر الكفر الأكبر، ويدخل في الجحود التكذيب بحكم الله أو تفضيل غير حكم الله على الله، أما من حكم بغير شرع الله مقرا به مصدقا له فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها، وسيأتي تفصيل ذلك بالأدلة عن شاء الله، ويكفينا تفسير حبر الامة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق ([2]) .
((قلت)) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره: (وقال عكرمة: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية([3]) .
فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله، فكل من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فلا يلزم دخوله تحت الآية {ومن لم يحكم} لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال: (فيه إضمار أي {ومن لم يحكم بما أنزل الله} رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد} ([4]) .
فهذا قول ابن عباس وأصحابه، ولا يعلم لهم مخالف من عصرهم، ولم يخالفه في هذا الفهم إلا الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي، فإن قال متحذلق: الأصل عند الإطلاق {الكافرون}، انصراف الكفر إلى للكفر الأكبر، فالجواب: أن من جحد الحكم فقد كفر بقلبه وجوارحه فاستحق الكفر الأكبر، ومن أقر بالحكم بقلبه واعتقده ولكنه خالفه، فهذا لا يلحق به الكفر الأكبر لأنه اتى بالأصل وهو الاعتقاد، ومن من المسلمين يحكم في كل اموره في بيته وفي عمله وبين اخوانه وبين اعدائه بكل ما انزل الله، فلا يسلم من الآية إن فسرناها على ظاهرها أحد.
المفتاح السادس: إنّ أهم أسباب فتنة التكفير هو الجهل بمباحث علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه وأحكام الكفر والتكفير في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون، وتحويلهم إلى أشلاء، وما أدبيات التكفيريين القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد، ونحن إذا رجعنا إلى الفقه وضوابطه في فهم مسائل الإيمان والكفر قضينا على فكر الخوارج و المعتزلة ومن سار على قواعدهم من التكفيرين ولذلك حرصت في هذا الفصل على تأصيل مذهب اهل السنّة والجماعة في باب الإيمان والكفر والرد على شبهات هؤلاء التكفيرين، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
***
المبحث الأول درر ومفاتيح من فقه مسائل الإيمان في الكتاب والسنّة
[تنبيه]: في الكتاب الثاني من هذه السلسلة (سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية التي يحتاجها طالب العلم الشرعي): مفاتيح علم أحكام الإيمان والكفر، ذكرت هناك أهم مفاتيح اهل السنّة والجماعة في فهم علم الإيمان والكفر، وذكرت أنّه علم ضروري لضبط مسائل واحكام الإيمان والكفر على الاعتدال الذي جاء به دين الإسلام، وأنّ مفاتيح هذا العلم غاية في الأهمية لأنها تُحصن طالب العلم من الإفراط والتفريط، الافراط الذي يؤول إلى الغلو في التكفير والاقتراب من مذاهب الخوارج والمعتزلة، والتفريط الذي يؤول إلى إهمال قيمة العمل والاقتراب من مذاهب الإرجاء والجهمية، الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وذكرت إنّ هذا العلم العظيم هو من جملة العلوم التي أرى أنه لا مناص لطلبة العلم الشرعي من تجديد الطلب له وذلك لتحقيق الاعتدال الشرعي في باب الإيمان، فعلم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة المحققين من أهم العلوم التي ادى غياب مفاتيحها الصحيحة إلى الخلل الفكري والعقدي بين فرق المسلمين، وهو علم بالغ الأهمية للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين، ومن اهم مفاتيح هذا العلم.
المفتاح الأول: من الفقه في هذا العلم التفريق بين إيمانين، الأول: (الإيمان المطلق)، وهو الإيمان الذي يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً من غير عذاب، و الإيمان الثاني (مطلق الإيمان) وهو أدنى ما يصح به الإيمان وينجي فقط من الخلود الأبدي في النار، وهذا الإيمان هو: أصل الإيمان الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، وهو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً.
المفتاح الثاني: من الفقه في هذا العلم: تقسيم الإيمان إلى أصل وفرع، وأصل الإيمان هو أقل ما يصح به الإيمان وفرع الإيمان يدخل فيه كافة شعب الإيمان وكافة شرائع الدين، ثم تقسيم فرع الإيمان إلى فرع واجب يتناول أداء الواجبات والكف عن المحرمات وهو ما يسمى (الإيمان الواجب) وفرع مستحب يتناول ما زاد على الواجب من السنن والمندوبات، وهو ما يسمى (الإيمان المستحب ومنزلة الإحسان)، ومعرفـة وتحديد أدنى الإيمـان (أصل الإيمان) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، وهو الذي يأخذ المرء به اسم الإيمان وحكمه، ومن خلاله يتم ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً، وبالتالي متى مُيز الأصل عن الواجب انضبطت أسماء الملة وأحكامها وعُرف الكافر المرتد من الكافر في إطار الملة من الفاسق وهكذا، وإذا تميز الأصل عن الواجب استطاع طالب العلم الشرعي فضلاً عن العالم أن يضع الضوابط الصحيحة لمسائل تكفير أهل القبلة والاحتياط الراسخ فيها وعدم الخطأ في هذه المسائل دون تمييز بين من صح له أصل إيمانه ومن لم يصح له هذا الأصل، ودون تمييز واضح بين نواقض الإيمان المخرجة من الملة إلى الكفر الأكبر وبين نواقص الإيمان التي تنقص من درجته ولا تنقضه بالكلية.
المفتاح الثالث: أقسام الإيمان ثلاثة: (الأصل) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، و (الواجب) الذي أوجبه الله تعالى على عباده، و (المستحب) الذي به كمال الإيمان، القسم الأول: وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار.
والقسم الثاني: وهو الإيمان الواجب المأمور به، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ( الإيمان الواجب ) وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، والقسم الثالث: وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل.
المفتاح الرابع: ضد أصل الإيمان: الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها تكاسلا كفر ولكن دون كفر، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان، فإن تكرر كان ضده الفسوق، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب، فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال، والتفصيل حين التفصيل.
المفتاح الخامس: الإيمان قول وعمل: قـول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح: هناك عناصر أربعة تدخل جميعا في مسمى الإيمان الشرعي الذي جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه العناصر هي: الأول (قـول القلب): ويشمل معرفة القلب بالشهادتين وعلمه بهما وتصديقه إياهما، والثاني (عمل القلب): ويشمل كافة أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والمحبة والخشية والإخلاص وغيرها من أعمال القلب، والثالث: (قول اللسان): ويدخل فيه الإقرار بالشهادتين وتـلاوة القـرآن وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من عبارات اللسان، والرابع (عمل الجوارح): ويدخل فيه كافة أعمال الجوارح من أداء الفـرائض والمندوبات والكف عن المحرمات والمكروهات، ولكل عنصر من تلك العناصر الأربعة أدلته من كتاب الله وسنة نبيه.
المفتاح السادس: المعرفة الصحيحة لعناصر أصل الإيمان والإحاطة بأحكام هذا الأصل من أهم وأدق الفقه في مسائل الإيمان، وهي من أهم الفقه في باب أسماء الملة وأحكامها، وذلك لأن صاحب أصل الإيمان له في الدنيا اسم الإسلام وحكمه ولا يخلد في الآخرة في النار خلود الجاحدين، ولأنه الحد الفاصل بين الإيمان والكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، فمن أتى به وحافظ عليه فلم ينقضه بناقض كانت له أحكام الإيمان الدنيوية والأخروية، بمعنى أنه: سيكون له اسم الإيمان وحكمه فيعامل معاملة المسلمين في الدنيا فيأخذ أحكامهم بأن تحل لزوجته المسلمة البقاء معه ويحل لأولاده المسلمين أن يبقوا تحت سلطانه، و إذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين ويورث ماله، وتجوز عليه الرحمة والمغفرة، وينجو من الوصف بالكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار وينجو من أحكامه الدنيوية، فلا يحل دمه ردة وإن كان قد يحل حداً وعقوبة، وإذا مات يغسّل ويصلى عليه ويدفن في مدافن المسلمين وتجوز عليه الرحمة التي تعم كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها بقلبه تصديقاً وانقياداً.
المفتاح السابع: أصل الإيمان محله القلب وهو قول وعمل ولا يصح أصل الإيمان الذي وقر في القلب حتى يظهر أثره على جارحة اللسان بالإقرار، وعناصر الأصل ثلاثة لا رابع لها، هي: إقرار اللسان، وقول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث، لأنه إذا انتفى إقرار اللسان لم نعلم بإيمان المرء، وهذا هو كفر الجحود، وإذا انتفى قول القلب (التصديق) حل محله كفر التكذيب، أو الشك، أو النفاق، وإذا انتفى عمل القلب (الانقياد) حل محله كفر الاستكبار والإباء، وهو كفر ابليس الرجيم، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب، والادلة على ذلك من كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا، ذكرتها في الرسالة بالتفصيل.
وخلاصة القول: عناصر أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر ثلاثة هي: (1) إقرار اللسان (2) قول القلب (التصديق) (3) عمل القلب (الانقياد والتعظيم)، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنّة والجماعة في الباب.
المفتاح الثامن: عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا رابع لها، هي: إقرار اللسان، وقول القلب (التصديق)، وعمل القلب (الانقياد)، ولا يمكن أن يستغني الأصل عن أحد تلك العناصر الثلاث، أما عمل الجارحة فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع فإن كان واجبا دخل في الفرع الواجب وإن كان مستحبا دخل في الفرع المستحب، وصاحب الإيمان الأصل وإن كان له اسم الإيمان وحكمه إلا إنه إن وقف على هذا الحد لا يزيد عليه ولا يتعداه إلى شعب الإيمان الواجب فهو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الهلاك وعلى شفا جرف هار من الكفر، لأن الإيمان يزيد وينقص، وهذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه بالزيادة إن نقص إيمانه دخل في الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، كما أنّ الله عز وجل لم يمتدح إلا أصحاب الإيمان الواجب الذين يؤدون ما أوجبه الله عز وجل عليهم من أعمال الإيمان، قياماً بالواجبات وكفاً عن المحرمات، أما هذا الواقف على أصل الإيمان لا يتعداه فإنه إن مات عليه فهو من أهل الوعيد بالنار، بل دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يدخل النار، ولا تنفعه شفاعة المؤمنين ولا شفاعة الملائكة ولا شفاعة النبيين، بل ولا شفاعة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم، حتى تناله شفاعة الرحمن فيخرج مع أصحاب القبضة لما أتى به من أصل الإيمان.
(فائدة جليلة): في بيان العناصر الأساسية التي يتركب منها أصل الإيمان): أول ما يدل على الإيمان هو إقرار اللسان، ولكن إقرار اللسان لا يكفي لان المنافق يقر بلسانه وهو مكذب بقلبه، فلا يصح إيمانه، فكان لابد من وجود التصديق، مع الإقرار، ولكن ابليس الرجيم كان مقرا بالوحدانية لله ومصدقا بقلبه أنه هو الله، ولكنه اكفر الخلق لأنه لم يكفر بسبب التكذيب ولكن بسبب العناد، فدل ذلك على انه لابد مع الإقرار والتصديق انقياد القلب، فظهرت أجزاء الأصل الذي به يصح ادنى الإيمان، ويتمثل في إقرار اللسان وتصديق القلب وانقياد القلب، فكيف نعمل إزاء اجماع السلف على ان الإيمان قول وعمل، نقول نعم أصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان الواجب قول وعمل وفرع الإيمان المستحب كذلك قول وعمل، فالأصل قول وعمل، قول القلب: التصديق وعمل القلب: الانقياد، والأثر المترتب على ايمان القلب هو إقرار اللسان، فظهر بذلك ان ادنى ما يصح به الإيمان عند المسلمين له ثلاثة عناصر لا يصح إلا بها، التصديق (قول القلب)، والانقياد (عمل القلب)، ولازمهما وهو إقرار اللسان، وما زاد دخل في الإيمان الواجب من أداء الأركان والفرائض والكف عن المحرمات، وما زاد دخل في الإيمان المستحب من أداء السنن والنوافل والكف عن المكروهات.
وتحقيق الأصل ادنى ما يصح به الإيمان، وهو التصديق والانقياد والاقرار، وضد التصديق التكذيب، وضد الانقياد الاستكبار، وضد الإقرار الامتناع، وانتفاء شيء من عناصر الأصل كفر اكبر مخرج من الملة، أما اذا استقرت عناصر الأصل فهو أدنى ما يصح به الإيمان، أما ترك الأركان تكاسلا مع الإقرار بها، وأهمها: (الصلاة) كفر دون الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، ولكنه أعظم من سائر الكبائر ولهذا نص الشرع على ان ترك الصلاة كفر، فإن كان جحودا لفرضيتها فهو الكفر الأكبر وإن كان تكاسلا فهو الكفر دون الكفر الأكبر وسمي كفرا لأنه أعظم من الكبائر لكونه يفتح بابا نحو سوء الخاتمة والكفر الأكبر نعوذ بالله من الخذلان.
والخلاصة: عناصر أصل الإيمان وأدنى ما يصح به الإيمان ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق) وعمل القلـب (الانقياد) وإقرار اللسـان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الفرع ويشمل: الواجب والمستحب.
(فائدة أخرى مهمة جدا): في بيان لماذا نحرص على خروج العمل من أصل الإيمان وندخله في الإيمان الواجب: تكمن قيمة اخراج عمل الجارحة عن أصل الإيمان في مخالفة الفرق الضالة كالمعتزلة والخوارج الذين أدخلوه في الأصل فكان سيفا لهم على تكفير أهل القبلة واستحلال حرماتهم، وهذا حال كل من وافقهم في ادخال عمل الجارحة في أصل الإيمان نجد فيه غلوا في تكفير المسلمين لا محالة، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب العلماء المحققين لمذهب أهل السنّة والجماعة في المسألة، وأدلتهم في ذلك تصعب على الإحصاء، ومنها أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، ولا يُقال ها هنا أنّ العطف من باب عطف الخاص على العام، لأنّ ذلك خلاف الأصل، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة إلا أن توجد القرينة الصارفة ولا قرينة هنا على الخروج عن الأصل بل كثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة، فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء، أضف إلى ذلك الآيات العديدة في كتاب الله عز وجل والدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب، ومثاله قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، والآيات العديدة في كتاب الله عز وجل والدالة على أن أصل الكفر ومنبعه هو القلب، ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ}، والأحاديث الكثيرة الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب، منها قوله صلى الله عليه وسلم ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت.. الحديث))، كما أنّ معنى الإيمان في اللغة العربية التصديق ومعنى الإسلام في اللغة الانقياد فإذا علمنا أنه لا يصح إسلام بلا تصديق وإلا كان نفاقاً، ولا يصح إيمان بلا انقياد وإلا كان إباءً واستكباراً علمنا أن الأصل الذي لا يصح به الإسلام على الحقيقة ولا الإيمان على الحقيقة هو تصديق القلب وانقياده وعمله فإنه يظهر ولا بد على الجوارح، فإن أدنى هذا التلازم هو تلفظ اللسان – وهو جارحة –، وإذا قلنا بقاعدة أهل السنّة والجماعة من تلازم الظاهر والباطن وأن ما وقر في القلب ظهر على الجارحة، وأن أدنى ذلك التلفظ بالشهادتين، وعلى ذلك تستقيم الأدلة جميعها، على أن أصل الإيمان في القلب لا يتعداه ويشمل قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد)، وهناك قاعدة أصيلة قال بها أهل السنّة وهي تلازم الظاهر والباطن وأدنى التلازم الحاصل لحد الإيمان الأدنى هو عمل جارحة اللسان وذلك بالإقرار بالشهادتين، ومن نظر إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن حد الإيمان الأدنى كما في أحاديث الشفاعة يشمل من قال لا إلا الله نقول له لا يصح الإقرار إلا بالتصديق وهو قول القلب والانقياد وهو عمل القلب وعلى ذلك تلتقي الأدلة وحاصلها أن عناصر حد الإيمان الأدنى ثلاثة هي الإقرار والتصديق والانقياد، وبهذا يتضح أن أدنى الإيمان قول وعمل، قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، والعمل خارج عن الأصل داخل في الفرع الواجب والمستحب.
وقد لخص هذه المقولة الإمام الشافعي بقوله: (الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل فالمخل بالأول وحده منافق والمخل بالثاني وحده كافر والمخل بالثالث وحده فاسق ينجو مـن الخلـود في النـار ويدخل الجنـة) [نقله عنه البدر العيني في كتابه عمدة القارئ شرح صحيح البخاري]، ونقل الطحاوي عن مذهب أهل السنّة: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) [العقيدة الطحاوية]، وقد استفاد علماء أهل السنّة من هذه القاعدة أيما استفادة في تقعيد قواعد الإيمان والكفر بما يمنع الإسراف في التكفير، وتكفير أهل القبلة بترك الأعمال كما فعلت الخوارج وكما فعلت المعتزلة في سلب مسمى الإيمان عنهم، فكانت تلك القاعدة صمام امن لأهل السنّة يمتنعون به من تكفير من لا يستحق الكفر، ومن أجمل القواعد التي بنوها على اخراج أعمال الجارحة عن اصل الإيمان، وادخاله في الواجب، قولهم: (أ) الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل كفر أصغر، فلا يجوز تكفير المسلمين بترك الاعمال ما دام الاعتقاد صحيحا.
(ب) الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب، وبهذا تتوافق النصوص ويظهر فقه أهل السنّة والجماعة على سائر الفرق، ومن قواعدهم الجليلة في الباب والمستفادة من هذه القاعدة: (ث) التفريق بين الاعمال الكفرية التي تدل على كفر القلب وجحوده كإهانة المصاحف وسب الدين، وبين الاعمال التي يكون التفريط فيها بسبب التكاسل والضعف كترك الصلاة، وشرب الخمر والزنا، فالأولى لازمة للكفر الأكبر لأنها نابعة عن كفر القلب، والثانية لابد من التفريق فيها بين الجحود والاستحلال وهو عمل القلب، وبين التكاسل المحض مع سلامة الاعتقاد، ومن قواعدهم الجليلة في الباب والمستفادة من هذه القاعدة أيضا: (ث) أنّ التـولي عن الطاعـة: كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط، فكل ما امر الشرع الحكيم به، إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار ابتداء، (ج) وضوح الرؤية في مسألة كفر تارك الحكم بما أنزل الله، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط، (ح) كذلك تحقيق القول في كفر تارك الصلاة وبيان أن ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب {جحد الصلاة} وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، (خ) وكذلك تحقيق القول في مسألة كفر تولي الكافرين، وبيان أنّه كفر أكبر لمن كانت الموالاة على أساس الدين، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكانت الموالاة على أساس الدنيا.
وكل هذه القواعد الجلية لم تكن لتؤصل لولا قاعدة التفريق بين أصل الإيمان وواجبه ومستحبه، وجعل عناصر الأصل ثلاثة هي: قول القلــب (التصديق)، وعمل القلـب (الانقياد)، وإقرار اللسـان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن الأصل داخل في الإيمان الواجب، وأنّ تحقيق الأصل ادنى ما يصح به الإيمان، وهو التصديق والانقياد والاقرار، وضد التصديق التكذيب، وضد الانقياد الاستكبار، وهو كفر ابليس الرجيم، قال تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}، وضد الإقرار الامتناع، وانتفاء شيء من عناصر الأصل كفر اكبر مخرج من الملة، أما اذا استقرت عناصر الأصل فهو أدنى ما يصح به الإيمان، أما ترك الأركان تكاسلا مع الإقرار بها، وأهمها: (الصلاة) كفر دون الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، ولكنه أعظم من سائر الكبائر ولهذا نص الشرع على ان ترك الصلاة كفر، فإن كان جحودا لفرضيتها فهو الكفر الأكبر وإن كان تكاسلا فهو الكفر دون الكفر الأكبر وسمي كفرا لأنه أعظم من الكبائر لكونه يفتح بابا نحو سوء الخاتمة نعوذ بالله من الخذلان، (الشاهد): انه لولا هذا التأصيل الراسخ لما استطاع علماء أهل السنّة والجماعة من تأصيل أغلب قواعد الإيمان والكفر على هدي من الكتاب والسنّة في توسط عجيب، ودقة متناهية، وفقه حكيم، وفي المبحث التالي تأصيل القاعدة بأدلة الكتاب والسنّة وأقوال علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العل.
المفتاح التاسع: من فقه مسائل وأحكام الإيمان الكامل: أن نعلم أنّ الإيمان الكامل قسمان: (الأول): وهو الإيمان الكامل الكمال المأمور به وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ( الإيمان الواجب ) وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، و (الثاني): وهو الإيمان الكامل الكمال المستحب وهو بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل، والإيمان الكامل هو الإيمان المقصود بالثناء المطلق كما في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47] وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72]، وذلك لأن الإيمان الكامل هو الإيمان المطلق الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويسمح لصاحبه بدخول الجنة ابتداء، وهذا هو الواجب منه أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين، وحدود الإيمان الواجب: أداء الفرائض، والكف عن المحرمات، والوقوف عند حدود الله دون تعد لها، ودرجات الإيمان المستحب عديدة: تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات، والتنزه عن الشبهات والمكروهات، وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح، فإذا ما حقق العبد الإيمان الواجب فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرم عليه ظاهراً وباطناً فقد استحق اسم الإيمان المطلق، فإن مات على ذلك دخل الجنة بلا عذاب، فإذا زاد العبد على ذلك ما شاء الله له أن يزيد، بأن اجتنب المكروهات ونأى بنفسه على المشتبهات، وأتى بالمستحبات بقدر ما ييسر الله له ذلك، فقد دخل في دائرة الإيمان الكامل المستحب، وتفاوت العباد في هذه المرتبة يقابله تفاوتهم في درجات الجنة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
***
المبحث الثاني درر ومفاتيح من فقه مسائل الكفر في الكتاب السنّة
[المفتاح الأول]: معاني الكفر بين اللغة والشرع: جاء الكفر في معاجم اللغة على معان عديدة تؤول جميعها إلى معنيين: الأول: وهو الأصل لمعنـى الكفـر في اللغة ويأتـي على معنـى الستـر والتغطيـة، ومنه يسمى (الليل) (بالكافر) لأنه يستر كل شيء بظلمته، ومنه قيل (للزراع) الكفار لأنهم يغطون البذر بالتراب، وقيل للثوب الذي يغطي الدروع بكافر الدروع، وكل شيء غطى شيئا فقد كفره، والثاني: وهـو أشهر معاني الكفـر وأكثرهـا استعمـالا وهـو الجحـود، ومنه يسمى جاحـد النعمـة (كافرا) ويقال (كفر بالنعمة) أي جحدها وأنكرهـا، ويقـال (كافر بالله) أي جاحد له، ويقال (كافر حقه) أي جحده حقه، ويقال (كفَّره) أي نسبه إلى الكفر والجحود، و (الجحود) عبارة عن تكذيب المرء أو استكباره عن الانقياد لما علم بصحته وصدقه واستيقن بقلبه، ولذلك كان الجحود في حقيقته ستر وتغطية في قلب الكافر من الإقرار بوحدانية الله، وتغطيته وستره لفطرة الله عز وجل التي فطر عليها قلوب الناس جميعا من الإقرار بربوبيته سبحانه وألوهيته جل شأنه.
ولهذا كان الجحود أعظم الكفر وهو غالب كفر البشرية جمعاء، ولهذا وصف الله عز وجل به الكفار جميعا ووصف به أهل النار كلهم وهو كفر إبليس الرجيم وفرعون وقومه وقوم نوح وعاد وثمود وهو كفر أهل الكتاب – اليهود والنصارى – وهو كفر المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم، دل على ذلك كله كتاب الله عز وجل، فمن وصف أهل النار بالجحود: قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28].
ومع أن كفر الاعتقاد المخرج من الملة له أنواع ستة هي (التكذيب، والجحود، والعناد، والإعراض، والشك، والنفاق) إلا أن تركيز آيات الكتاب العزيز على كفر الجحود لأنه أكثرها وقوعا ولأنه يشملهم جميعا، ولذلك علمنا السر في اقتصار كثير من علماء أهل السنّة والجماعة المحققين في تعريف الكفر الأكبر على الجحود وذلك لأن الكفر أصله الجحود وكل كافر فهو جاحد لما فطره الله عز وجل عليه: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] من الإقرار القلبي بربوبية الله عز وجل وألوهيته، تلك الفطرة التي تظهر عند الشدائد كما في قوله تعالى {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22]، وقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، فكل كافر هو في حقيقته جاحد لله، ولما فطره الله عليه من التوحيد والتصديق [سيأتي في مبحث العذر بالجهل بيان حقيقة تلك الفطرة وأنها حجة على العباد إلا أن الله عز وجل لكمال رحمته لم يجعلها الحجة التامة حتى يبعث الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين ومذكرين بتلك الفطرة]،.
ومن أقوال العلماء في تأصيل معاني الكفر وأهمها الجحود: قال الطحاوي في عقيدته التي تلقاها علماء أهل السنّة والجماعة بالقبول: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) ([5]) .
فجعل المضاد للإيمان هو كفر الجحود مع أن كفر الاعتقاد أنواعه كثيرة ولكن لغلبة كفر الجحود على البشر عبّر عن الكفر عامة بكفر الجحود، وقال النووي: حيث يقول عد شرحه لحديث ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)): ((وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله فإذا تقرر هذا العمل فقيل في تأويل الحديث أقوال أحدها: أنه في المستحل والثاني أن المراد كفر الإحسان والنعمة لا الجحود والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه والرابع أنه كفعل الكفار)أهــ ([6]) . والشاهد من قوله الوجه الثاني (المراد كفر النعمة لا كفر الجحود) فهنا استعاض أيضاً عن ذكر الكفر الأكبر بكفر الجحود.
[المفتاح الثاني]: فقه مسائل الكفر كما جاءت في كتاب الله: عددت ألفاظ (الكفر) التي وردت في كتاب الله تعالى فوجدتها تزيد على أربعمائة لفظاً وفي هذا دلالة كافية على أهمية مسائل الإيمان والكفر لأنهما أساس أسماء هذه الملة وأحكامها، وأردت بعد ذلك أن أعرف نسبة كفر العمل إلى كفر الاعتقاد (الجحود) في كتاب الله عز وجل، فوجدت الآيات التي تتحدث عن كفر العمل لا تتجاوز عدد أصابع اليدين بحال من الأحوال وقد راجعت تفسيرها جميعها فوجدت علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على حملها على كفر العمل المصاحب لكفر الاعتقاد وإلا فهي كفر في إطار الملة لا يخرج عنها – وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر – في حين وجدت باقي الآيات تشير كلها – وهي كما ذكرت تزيد على الأربعمائة – تتحدث عن كفر الاعتقاد بأنواعه الستة: [التكذيب، والجحود، والعناد، والإعراض، والشك، والنفاق]،
فمن الآيات الدالة على كفر التكذيب: وما أكثرها فإنها تربوا على المائتين وخمسين آية، قوله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} [الحج: 42]، وقوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام: 66]
ومن الآيات الدالة على كفر الجحود وهو كفر اعتقاد أيضا: قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 51]، ومن الآيات الدالة على كفر العناد: ومنه الإباء والاستكبار والكبر فكل هذه الصفات تدخل ضمن كفر العناد وهو كفر اعتقاد كذلك: قوله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، وقوله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89]، وقوله تعالى: {فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 99]
ومن الآيات الدالة على كفر النفاق والمقصود به تكذيب النفاق مع إقرار اللسان: ويسميه العلماء {النفاق الاعتقادي} وهو كفر أكبر صاحبه أسوأ حالا من الكفـار الأصلييـن في النـار، قال تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، ومنه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، وقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]
ومن الآيات الدالة على كفر الشك وهو كفر اعتقاد: لأن معناه عدم جزم القلب بالتصديق ولا التكذيب، وصاحب الشك هو ما وصفه القرآن الكريم بالمرتاب ووصفه بمرض القلب: قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23 – 24].
ومن الآيات الدالة على كفر الإعراض: وهو كفر اعتقادي يتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57] فدلت الآية على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد {على قلوبهم أكنة} وإعراض الآذان عن السماع: {وفي آذانهم وقرا}، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار والجوارح عن الطاعة، ومثلها قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 3 – 5] وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها.
والمفسرون متفقون على أنها في حق الكافرين الأصليين الذين لم يؤمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عنها وكان جوابهم لبلاغه إننا لا نفقه ما تقول ولا نعيه بقلوبنا ولا نسمعه بآذاننا سماع فهم وعلم أي ولا نفهم ما تقول فاعمل لدينك فإننا عاملون لديننا، ومثلها قوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] فالإعراض هنا إعراض عن الإيمان بها والتصديق لها بدليل قولهم بعد رؤيتها {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} أي سحر مستحكم شديد الإحكام يعلوا كل سحر، وقد تتبعت آيات الإعراض في كتاب الله عز وجل فوجدت الآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء – أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارحه، وقد رأيت البعض يفهم كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظن أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها، وظن أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، فإن نقض – والعياذ بالله – إقراره وتصديقه يؤول به إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة فهذا كفر ردة وليس كفر إعراض، فأين الإعراض هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان.
[المفتاح الثالث]: آيات كفر العمل وعلاقتها بالكفر الأكبر: المتدبر لآيات القرآن الكريم يرى الفرق الكبير بين كفر الاعتقاد وكفر العمل وقد راجعت هذه الآيات التي تتحدث عن كفر العمل – وهي قليلة جدا – في تفاسير علماء أهل السنّة والجماعة، فوجدت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ومن بعدهم بقية السلف الصالح رحمهم الله، ثم علماء أهل السنّة والجماعة اتفقوا على تأويل هذه الآيات بما يدل بوضوح لا شك فيه أن كفر العمل لا يمكن أن يكون كفرا أكبر حتى يصاحبه كفر الاعتقاد، وبمعنى أوضح أنه إذا ثبت إيمان القلب بيقين فإن العمل المجرد الذي حكم الشرع بكفر صاحبه إنما هو في إطار كفر دون كفر فلا يخرج من الملة ولا يوجب لصاحبه الخلود الأبدي في النار، وهذا – كما سيتبين إن شاء الله – اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة المحققون، وأهم هذه الآيات التي تتحدث عن أو تشير إلى كفر العمل:
(الآية الأولى): قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، والملاحظ من الآية أنها جعلت مناط الكفر فيها هو ترك الحكم بما أنزل الله، ومع جعل الآية مناط الحكم فيها على الترك فقد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة فيها على تأويل حبر الأمة الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم له بالفقه في الدين عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما وعامة الصحابة رضي الله عنهم على أن مناط الكفر الأكبر هو جحود حكم الله عز وجل (الذي يصاحبه جحود أصل الإيمان من الإقرار والتصديق والانقياد القلبي) وليس مجرد الترك، وأن الترك المجرد الخالي عن الجحود فهذا من نوع الكفر في إطار الملة وهو ما عبروا عنه بقولهم كفر دون كفر فلا يأخذ صاحبه اسم الكفر الأكبر وحكمه، بل هو كفر في إطار الملة حيث له اسم الملة وحكمها، وسيأتي في المبحث الرابع من هذا الفصل (تحقيـق القـول في مسـألة ترك الحكم بما أنـزل الله) نقل مذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة الحاكمية مؤصلا بأقوال العديد من الأئمة الأعلام.
(الآية الثانية): قوله تعـالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]، ونفي الإيمان في الآية ليس معناه نفي أصل الإيمان، الذي ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإنما نفي الكمال الواجب، الذي ضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومما يؤكد ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ([7]) .
.و قوله صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن » . قيل: ومن يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) ([8]) .
ثم إنّ الآية رتبت الحكم على ثلاثة مواقف: (الأول): من لم يحكّم الرسول صلى الله عليه وسلم، و (الثاني): من وجد في نفسه حرجا على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، و (الثالث) من لم يسلّم بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم تسليما قلبيا مطلقا، وهذه جميعها درجات عالية في الإيمان، فمن جعل المنفي هو أصل الإيمان، لزمه أن يكفر هؤلاء الكفر الاكبر، مع انه لن تتحقق تلك الثلاثة إلا للصديقين والصالحين، وقد جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (لـمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب ! إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم ! فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم، فقال: ما الذي بلغني عنكم ؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون . قال: « أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ؟ لو سلك الناس وادياً أو شِعْباً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً ، لسلكتُ وادي الأنصار أو شعب الأنصار، قـالوا: يا رسـول الله: قد رضينا) ([9]) .
فهل كفرت الأنصار بهذا الحرج، وفي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جئنه يناشدنه العدلَ في بنت أبي قحافة (عائشة رضي الله عنها) ([10]) وهل كفرت أمهات المؤمنين بهذا الاعتراض، وعلى ذلك فلا يحتج بظاهر هذه الآية على الكفر الأكبر سوى الخوارج، ثم إنّ سبب نزول هذه الآية يساعدنا على فهم الآية، فقد نزلت في رجل أنصاري بدري، والبدريون محفوظون من الوقوع في الكفر الأكبر، وذلك أنه جرت بين الزبير وذاك الرجل رضي الله عنهما خصومة، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء أغضب الأنصاري فقال: أنْ كان ابن عمّتك ؟!([11]) .
قلما غضب ذلك الصحابي رضي الله عنه ولم يقع منه التسليم الكامل بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر نزلت الآية لتدلنا على كمال الإيمان وكمال الادب مع قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(الآية الثالثة): قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء 60]، وهذه الآية نزلت في المنافقين الذين وقر التكذيب في قلوبهم، فمن كان هذا حاله فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولكن من كان قلبه عامرا بالتصديق لله ولرسوله واخطأ ففي الخطأ الذنب والتقصير وترجى له التوبة، فمن أراد ان يتحاكم إلى غير شرع الله وكان منافقا كان كافرا الكفر الأكبر وهو في الدرك الأسفل من النار، ومن أراد ذلك وهو مقر بشرع الله غير جاحد له، فقد شابه المنافقين في فعلهم ولا يأخذ حكمهم لأنه ليس منافقا جاحدا مكذبا مثلهم، أي انّه شابه المنافقين في صفة من صفاتهم، وهذا لا يوجب لهم الكفر إلا بدليل آخر، وإذا ورد الاحتمال لم يُكفَّر به ، لأن التكفير لا يقوم على أمر محتمل، بل لا يبنى إلا على اليقين، فوجب الاحتياط فيه,
(الآية الرابعة): قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، والملاحظ في الآية أنها أمرت بالطاعة، والمتبادر إلي الذهن عند ذكر الطاعة هو طاعة الجوارح بالعمل، والآية أشارت إلي أنّ التولي عن هذه الطاعة كفر بدليل قوله تعالى بعدها {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فوصفت المتولين عن الطاعة بالكفر، ومع ذلك فقد اتفقت كلمه العلماء والفقهاء على تفصيل المسألة وأنّ للطاعة شقان، (الأول): طاعة القلب وهو الاعتقاد، و(الثاني): هو العمل وهو طاعة الجوارح، وأن الأصل طاعة القلب (الاعتقاد) فهو الذي تتوقف على وجوده طاعة الجوارح، فإن وجدت فلا يوصف تارك عمل الجارحة بالكفر الأكبر، بل هو كفر عملي في إطار الملة، وكذلك فلا يوصف تارك عمل الجارحة وحده بالتولي التام الذي يتبعه الكفر الأكبر، بل هو تول ناقص سبقته طاعة القلب بالاعتقاد فلا يوصف بالكفر الأكبر البتة، ومن حمل الآية من العلماء على الكفر الأكبر فهم أنها نزلت في حق وفد نجران من النصارى الذين قدموا عليه صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالإيمان برسالته ودينه وكتابه فأبوا ذلك فنزلت فيهم الآية {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] ولا يخفى أنّ الطاعة هاهنا هي اعتقاد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى تصديقه والانقياد لما يدعوا إليه، وبهذا اتفقت كلمة المفسرين على حمل الآية على محملها الصحيح.
(الآية الخامسة): قوله تعالى في حق بنى إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 84 – 85]، والشاهد من الآية على الكفر العملي أنّ الله عز وجل ذكر كفر بنى إسرائيل ببعض الكتاب لكونهم يقتلون بعضهم بعضاً ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأنّ جزاء الكفر ببعض آيات الكتاب هو الخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة.
قلت: قد اتفقت كلمة أهل السنّة والجماعة على أنّ القتل والطرد والاعتداء على حقوق المال والعرض ومثالـه من الكبائـر والآثام إنما هو في إطار الفسوق وإن وصفه الشـارع سبحانـه أو رسوله صلى الله عليه وسلم بالكفر فهو كفر في إطار الملة، ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([12]) .
قال النووي في تأويله ( وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله ) ([13]) . وإنمـا تكفيـر أمثـال هؤلاء لا يكون إلا عند الخوارج الذين يكّفـرون بمطلـق المعاصي والآثـام.
(الآية السادسة): قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47]، والشاهد من الآية على الكفر العملي هو أن التولي هاهنا قد يحمل على تولي الجوارح عن طاعة الرسول وذلك بعد الإقرار بالإيمان بالله والرسول والإقرار بالطاعة، والآية نفت عن أولئك الإيمان، والتولي عن الطاعة هاهنا ينبغي أن يفهم في إطار القاعدة ( المأمور به إذا تركه العبد فإمّا أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكـون، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيـمان به، وترك بعضه وهو العمل به فصار له حسنة وسيئة )، وعلى ذلك فالتولي في الآية إن قصد به تولى القلب عن الاعتقاد دخل في إطار الكفر الأكبر وإن قصد به تولى الجوارح عن الطاعة دخل في إطار الكفر دون الكفر، ونفي الإيمان هو نفي للإيمان المطلق (الإيمان الواجب لا أصل الإيمان).
وقد حمل الطبري رحمه الله الآية على الوجهين، فجعلها في حق المنافقين نفاقاً اعتقادياً كفر أكبر، ونفي لأصل الإيمان من القلب وفي حق المسلمين (المقرين المصدقين المنقادين) تأنيب وتأديب، وقال القرطبي رحمه الله، وهو يحمل الآية على المنافقين الذين يقولون بألسنتهم من الإيمان ما ليس في قلوبهم، (قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] ) قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ} يعنى المنافقين، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص،{وأطعنا} أي ويقولون، وكذبوا {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} ) ([14]) .
(الآيات السابعة والثامنة والتاسعة)، وقد جمعت هذه الآيات بين التكذيب والتولي وهى: قوله تعالى {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: 31 – 32]، وقوله تعالى {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 15 – 16]، وقوله تعالى على لسان نبي الله موسى ونبي الله هارون على نبينا وعليهما السلام{إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [طه: 48]، وهذه الآيات تجمع بين أمرين وتفصل بينهما ألا وهما التكذيب القلبي والتولي عن الطاعة بالجارحة، فمن اتصف بالأمرين كليهما فهو من أكفر الخلق وهو الأشقى يوم القيامة أي الأكثر شقاءً من غيره، ومن اتصف بالتكذيب لم ينفعه العمل لأن المنافقين كانوا على زمان النبي صلى الله عليه وسلم يصلون ويزكون نفاقـاً وريـاءً وسُمعه فحكـم عليهـم القـرآن بقوله تعالى: {إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، ومن اعتقد بقلبه وأعرض وتولى بجوارحه فهذا يستحق العذاب ويدخل في إطار الوعيد ولكن حاله الكفر في إطار الملة (كفر دون كفر) لأنه أتى بالإيمان الأصل الذي ينجى من الخلود الأبدي في النار، والضابط لمسائل التكذيب والتولي هو تعلقهما بالقلب أو الجارحة فإن كان بالقلب فهو كفر أكبر، وإن كان بالجوارح المجردة كان كفراً دون الكفر الأكبر، وإلا فالتصديق والتكذيب يكون كلاهما بالقلب والجوارح، وإن كان غلب على الجوارح وإلا فالحديث: ((كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ([15]) .
معلوم أن المقصود زنا الفرج وهو عمل جارحة، وكذلك التولي يكون بالقلب ويكون بالجارحة إلا أنه بتطبيق القاعدة فقد ذكر كليهما يكون التكذيب غير التولي ويكون التكذيب يُقصد به القلب خاصة والتولي تولى الجارحة خاصة.
(الآية العاشرة): قوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]، الشاهد من الآية على الكفر الذي نحن بصدد الحديث عنه وعن فقه أحكامه هو قوله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} فإذا سألت فأين الكفر هاهنا وما علاقته بعمل الجوارح، ” قلت ” الكفر هاهنا هو الشرك، وذلك لأن القاعدة التي يقول بها فقهاء أهل السنّة والجماعة هي ” كل شرك بالله كفر “، حتى قال الحافظ ابن حجر عند تفسير قـوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، (والمراد به ـ أي الشرك ـ في هذه الآية الكفر لأن من جحد بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان كافراً ولو لم يجعل مع الله إلهاً آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف ) ([16]) .
، وأما علاقة الكفر هاهنا بعمل الجوارح هو أن الآية جعلت مناط الكفر هو طاعة المشركين في أكل الميتة، وما نهى الله عنه مما لم يذكر اسم الله عليه وهذا هو ظاهر الآية، وهو ظاهر لم يقل به إلا الخوارج وأشباههم، فالمعتمد عند أهل السنّة والجماعة أنّ الآية محمولة على استحلال ما حّرم الله والاستحلال اعتقاد فمن استحل ما حرم الله فقد كفر بإجماع أهل السنّة والجماعة، ومن لم يستحل فأطاع بجوارحه دون استحلال فلا يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة بإجماع أهل السنّة والجماعة، وعلى ذلك فالتأويـل الصحيـح للآية هو ما قاله المفسرون من أهل السنّة والجماعة ومنهم ابن العربي حيث يقول: ( إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم، مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع ) أهـ ([17]) .
والتأويل الصحيح للآية هو ما قاله القرطبي: ( دلت الآية على أن من استحل شيئاً مما حرّم الله تعالى صار به مشركاً، وقد حرّم الله سبحانه وتعالى الميتة نصاً فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك) ([18])
[المفتاح الرابع]: فقـه أحكـام الكفـر كما جاءت في سنـة النبي صلــى الله عليه وسلـم: كنت أظن أن أول من أصل قاعدة (كفر داخل إطار الملة) هو الحبر البحر العلامة عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، وذلك بسبب ما رآه من غلو الخوارج، فأصلها حماية الأمة من تكفير بعضها بعضاً بالأعمال المحتملة وبالمعاصي والآثام، وكان تأصيله متمثلاً في تأويله للآية الكريمة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] فحملها على أنها كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وعلى أنّه إن صاحب الترك جحود (اعتقاد) فهو كفر أكبر موجب للخلود الأبدي في النار وإن لم يصاحبها جحود فهو كفر دون كفر فلا يخلد صاحبه في النار خلود الكافرين، كان هذا هو الظن السابق حتى اطلعت على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعلمت يقيناً أن هذه القاعدة أصّلها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة تلك الأحاديث التي تدل على كفر دون كفر: قوله صلى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([19]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ([20]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اثنتان في الناس هما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)) ([21]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من رجل يدعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر)) ([22]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيما عبد أبعد من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)) ([23]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما)) ([24]) .وجماهير السلف والخلف والمحققون من علماء أهل السنّة والجماعة يدخلون ضمن هذه الأحاديث، أحاديث كفر تارك الصلاة، ومن تلك الأحاديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) ([25]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة)) ([26]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ([27]) .
) فقد اتفق علماء أهل السنّة على تأويل تلك الأحاديث وإلا وقعت الأمة في الذي وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير أهل القبلة بالذنوب والمعاصي، وعلى سبيل المثال فالحديث الأول ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر))، والحديث الثـاني: ((لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) قد حّل القرآن الكريم إشكالهما وذلك في مثل قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، وقوله تعالى في حق العفو عن القاتل المسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178]، فقد دلت الآية الأولى على أنّ المؤمنين قد يقاتل بعضهم بعضاً، ولا يزول عنهم اسم الإيمان بالكلية، فقد سماهم الله عز وجل مؤمنين مع اقتتالهم، ودلت الآية الثانية على أن أخوة المؤمنين باقية بين القاتل المسلم وبين أولياء دم القتيل والشاهد عليه قوله تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} فأخوة الإيمان باقية ولم تزول بإرتكاب الكبيرة (القتل).
ولهـذا كان الضابط الفقهي أن الإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، قال النووي: في شرح الحديث الأول (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر): ( أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفراً يخرج من الملة، كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله، إذ تقرر هذا في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أنّ المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلي الكفر والرابع أنه كفعل الكفار ) ([28]) .
وقال النووي أيضاً: وذلك عند شرحه للحديث الثاني ((لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ما نصه: (قيل معناه سبعة أقوال: أحدهما أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، والثاني المراد كفر النعمة وحق الإسلام، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه، والرابع أنه فعل كفعل الكفار، والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابي وغيره المراد بالكفّار المتكفرون بالسلاح، يُقال تكفر الرجل بسلاحه، إذا لبسه ثم نسب إلي الأزهري قوله في كتابه حديث اللغة: يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابي معناه لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم ) ([29]) .وإنما أورد الإمام النووي هذه التأويلات جميعاً ليدلنا على أن ظاهر الحديث لم يقل به أحد من علماء أهل السنّة والجماعة وإلا وقع الناس فيما وقعت فيه الخوارج من قبل من تكفير المسلمين بالمعاصي والآثام.
(فائدة): جماهير السلف والخلف متفقون على إلحاق أحاديث تارك الصلاة بهذه القاعدة (كفر دون كفر)، المحققون من فقهاء أهل السنّة والجماعة يقولون بإلحاق أحاديث تارك الصلاة ببقية الأحاديث التي دلت على الكفر دون الكفر الأكبر، ولهم في ذلك أدلة راجحة واضحة كثيرة قد أشرت إلي أهمها عند حديثي على حكم تارك الصلاة [تحقيق القول في كفر تارك الصلاة، وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط،]، ومن هذه الأدلة بإيجاز:
(1) قولهم أنّ حمل الآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] على الكفر دون الكفر الأكبر أشد وأعسر من حمل الحديث، ومع ذلك اتفق علماء أهل السنّة والجماعة على تأويل الآية، ثم خالف البعض في تأويل الحديث بزعم أن الكفر في الحديث جاء مُعرفاً {بألـ} الدالة على كمال مسمى الكفر، ووجه صعوبة حمل الآية على الكفر دون الكفر الأكبر عن الحديث أنّ كلمة الكفر في الآية جاء أيضاً معرفاً {بألـ} الدالة على كمال معنى الكفر، إضافة إلى مؤكدات أخرى منها أن تقرير الحكم في الآية جاء بصيغة الشرط وجوابه {ومن لم يحكم … فأولئك} ومنها أنّ جواب الشرط جاء بصورة المبتدأ والخبر {فأولئك … الكافرون}، ومنها إدخال الضمير {هم} بين المبتدأ والخبر وهو من الضمائر المؤكدة التي تفيد ـ هاهنا ـ اختصاصي المبتدأ والخبر، والحاصل أنّ الآية متى عاملناها على أصول اللغة وقواعدها دلّت على كمال مسمى الكفر، وهو الكفر الأكبر ولكن اتفاق علماء أهل السنّة والجماعة على أن مناط هذا الكفر الأكبر هو الجحود وليس مجرد الترك، وهاهنا ما المانع في حمل الحديث على نفس محمل الآية مع أنّ حمل الآية أشد وأعسر وقد حملها عليه كافة علماء أهل السنّة والجماعة وأنتم معهم في ذلك والعلة التي قلتم بها في ترك الصلاة مـن دخـول (الـ) على كفر تارك الصلاة في الحديث (بين الرجل وبين الكفر) موجودة في الآية مع وجود مؤكدات أخرى في الآية لا نجدها في الحديث.
(2) صح الحديث أنّ تارك الصلاة تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة كافر كفرا أكبر أبداً، والحديث تمامه ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذب وإن شاء غفر له)) ([30]) . وإذا قد صح الحديث لزم القول به وعدم إهماله عند تقرير حكم مسألة تارك الصلاة.
(3) ما المانع أن يُحمل تارك الصلاة على نفس القاعدة التي حمل عليها قاتل المؤمن بغير وجه حق لا سيما وصيغة الأحاديث متفقة على وصف كليهما بالكفر، فهاهنا {لا ترجعوا بعدى كفاراً} و{قتاله كفر} وهناك {وبين الكفر ترك الصلاة} و{فمن تركها فقد كفر}، وقد علمنا أن زيادة (الـ) لا تغير من حقيقة الحكم بدلالة الآية السابقة.
(4] حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو قول جماهير السلف والخلف وهو القول الذي اتفق عليه الفقهاء المحققون والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبو حنيفة وقول للإمام أحمد قال عنه ابن قدامه الحنبلي: ( والرواية الثانية ـ أي عن الإمام أحمد في حكم تارك الصلاة القتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار عبد الله بن بطة ـ من فقهاء الحنابلة ـ وأنكر قول من قال أنه يكفر وذكر أنّ المذهب ـ أي الحنبلي ـ على هذا لم يجد في المذهب خلافاً، وبعد قول أكثر الفقهاء وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي … إلى أن قال وهو يشير إلى أنه إجماع المسلمين … ولأن ذلك إجماع المسلمين فلا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فرّق بين زوجين لترك الصلاة مع أحدهما لكثرة تاركي الصلاة ولو كان كافراً لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافاً في أنّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها ولو كان مرتداً لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام ) ([31]) .
(5) حمل تارك الصلاة على نفس القاعدة هو القول الذي يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة جمعاً يأخذ بكافة الأدلة، فهو يقول بكفر تارك الصلاة للأدلة المكفرة، ويجعله دون الكفر الأكبر، لكونه داخل تحت المشيئة ولأن الكفر الأكبر هو ما كان ضد أصل الإيمان فإذا علمنا أنّ عمل الجوارح والصلاة منه داخل في الإيمان الواجب كان ضده الكفر دون الكفر الأكبر وبهذا تتوافق القواعد الأصولية ويتم الجمع بين الأدلة جميعها، ولهذا قال النووي في المجموع ونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن أشار إلى أنه أجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث فقال الشنقيطي رحمه الله: ( وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة، لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن، وإذا حمل الكفر والشرك المذكورين في الحديث في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن، وقال النووي في شرح المهذب ـ بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ـ أي الكفر الأكبر ـ ما نصه: (ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث، وأمّا الجواب عمّا احتج به من كفره، من حديث جابر وبريده ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها محل الغرض منه)) ([32]) .
” قلت ” وهو عند النووي في شرح المهذب ([33]) .
[المفتاح الخامس]: الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: هذه القاعدة: (الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله) قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله.
[من تطبيقات العلماء لهذه القاعدة]: (يقول ابن عبد البر): وهو يطبق القاعدة -: وذلك بعد ذكره لحديث ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له))، قال: ( فيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله إذا كان موحداً مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً مقراً وإن لم يعمل، وهذا يرد على المعتزلة والخوارج بأسرهـا، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلماً قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافراً إلا برفع ما كان به مسلماً وهو الجحود لما كان أقرّ به واعتقده، والله أعلم ) ([34]) .
، و(يقول الإمام القرطبي) رحمه الله -: وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] وليس قوله تعالى {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما أن الكافر لا يكون مؤمناً إلاّ باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافراً من حيث لا يقصد الكفر ولا يختاره بإجماع أهـ،([35]) .
و(يقول ابن العربي): عند تطبيقه لهذه القاعدة: وذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ( إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركاً إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع ) ([36]) .
فمناط الكفر الأكبر – ومنه الشرك الأكبر – في الآية هو الطاعة في الاعتقاد أما إذا صح العقد والاعتقاد فالطاعة آنذاك تكون من باب المعصية ولله دره عندما قال ( فافهموا ذلك في كل موضع ) أي عمموا هذه القاعدة الرصينة في كل موضع لأنها قاعدة مطردة عند أهل السنّة والجماعة بخلاف بقية الفرق الضالة في مسائل الاعتقاد لاسيما باب الإيمان والكفر، و(يقول): ابن القيم – وهو يطبق هذه القاعدة: ( فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلاّ عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنّة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم، قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]: ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه، وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}قال: هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة، وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، وهذا الذي قاله عطاء بيّن في القرآن، لمن فهمه فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافراً، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً وليس الكافران على حد سواء ([37]) .
ويستفاد من كلامه أنّ: الإيمان العملي يضاده الكفر العملي، وأنّ الإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وأنّ هذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وأنّه عند تطبيق هذه القاعدة على ترك الحكم بما أنزل الله نجد أنّ مناط الكفر الأكبر في الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} هو الجحد، وأختم بقول العلامة الطحاوي رحمه الله: وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة: ( ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه ) أهـ،([38]) .
وبيان قوله رحمه الله: أن أهل القبلة مسلمون مؤمنون بما جاءوا به من الإقرار والتصديق – أي الانقيادي لأنه قول أهل السنّة قاطبة، وأن أهل السنّة والجماعة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بالذنوب والمعاصي إلاّ إن لازمها استحلالا قلبياً، وأن باب الإسلام هو الإقرار والتصديق الانقيادي ومن هذا الباب يدخل المرء إلى الإسلام وكما أنه دخل من هذا الباب فلا يخرج إلا منه بمعنى أنه لا يكفر الكفر الأكبر حتى يصدر منه ما يناقض إقراره وتصديقه وانقياده، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام الطحاوي بالاستحلال والجحود.
[المفتاح السادس]: الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة: [الإقرار والتصديق والانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة: أصل الإيمان كما حققناه عند فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر: ومنه عدم الإقرار بالشهادتين أصلاً أو التلفظ بكلمة الكفر الناقضة للإقرار أو إقرار الكفر المناقض للإيمان أو جحود شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله في كتاب الله تعالى أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتواترة، ويدخل فيه سبّ الله أو سب رسوله أو دينه أو كتابه لأن ذلك ناقض لأصل الإقرار، إذ الإقرار ينبئ عن التصديق والانقياد والسب ينبئ عن التكذيب أو الاستكبار أو كليهما، ويدخل فيه أيضاً الاستهزاء بالله أو برسوله أو بدينه أو بكتابه إذ الإقرار ينبئ عن التعظيم والاحترام والاستهزاء ينبئ عن الاستخفاف وعدم الاحترام فلذا كان ناقضاً للإقرار، وكل ما كان ناقضاً للتصديق فهو كفر أكبر: ومنه الشك وهو عدم التصديق الجازم بل التردد بين التصديق والتكذيب ومنه التكذيب ومنه النفاق، وهو إظهار التصديق باللسان مع تبطن الكفر.
وكل ما كان ناقضاً للانقياد كان كفراً أكبر: ومنه العناد والكبر والإباء والاستكبار، وكـل ما كـان مصاحبـاً بانتفـاء عناصـر الإيمـان الثلاثـة كـان كفـراً أكبـر، ومنه كفر الجهل بجهل الإقرار والتصديق والانقياد، وكفر الإعراض وهو الإعراض عن الإقرار والتصديق والانقياد والفرق بينهمـا أن الأول لم يسمـع بالرسالـة فهـو جأهل والثاني سمع عنها فأعرض، وهكذا فالكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب، ولكل هذه الأنواع أدلتها التي قال بها فقهاء أهل السنّة والجماعة الأعلام، وأعمال الجوارح كما حققناها عند فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وبعضها أقرب من بعض إلى أصل الإيمان، وأقر بها إلى أصل الإيمان إقامة الصلاة، ولهذا غلّظ الشرع في تركها ووصف تاركها بالكفر وهو عند جمهور المحققين – وغيره من أعمال الجوارح من باب الأولى – داخل في إطار كفر دون كفر، وصاحبه لا يخرج من الملة بالكلية وإن كان يُخشى عليه ذلك لكونه على شفا جرف هار يوشك أن ينهار به إلى الكفر الأكبر، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين، يقول الإمام البيهقي: – عند تفسيره لقول الله تعالى {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]، (فدل ذلك على أن للإيمان ضدين أو أن من الإيمان ما ينقضه الكفر ومن الإيمان ما ينقضه الفسوق) …… وقوله: عند تفسيره لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ،} [البروج: 11] ( معناه إن الذين آمنوا الإيمان الناقل عن الكفر، ثم لم يقتصروا عليه ولكنهم ضموا إليه الصالحات فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل ) ([39]) .
والواضح من كلامه – رحمه الله – أن الإيمان الناقل عن الكفر هو أصل الإيمان الذي ذكر من قبل أنه الإقرار والتصديق – الانقيادي لأنه مقصود أهل السنّة من التصديق وإن ما عدا ذلك فلا يؤثر في الكفر الأكبر، وإنما يدخل في باب الفسوق كما ذكر في النقل السابق مباشرة.
وقوله في كتابه الاعتقاد (ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها وأنها على ثلاثة أقسام): قسم يكفر بتركه وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده، – وقسم يفسق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم، – وقسم يكون بتركه مخطئاً للأفضل غير فاسق ولا كافر وهـو مـا يكـون مـن العبـادات طوعاً ([40]) .
[المفتاح السابع]: الأعمال الكفرية كالسجود للأوثان وإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب: وكلام علماء أهل السنّة يصب في أمر واحد وهو أن هذه الأعمال لا تقع إلاّ من كافر وأنها كفر أكبر لتعلقها بكفر القلب، وبالتالي فارقت بقية الأعمال في كونها كفر أكبر بذاتها لا تحتاج إلى استحلال لأنها تحمل في طياتها وجنباتها الاستحلال بخلاف القتل والزنا وشرب الخمر لما كانت معاصي لا تحمل في طياتها الاستحلال، أُشترط لها الاستحلال حتى تصل بصاحبها إلى الكفـر، أما هذه الأعمال فلا تحتاج إليه، لأنها وما شاكلها ليست من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شيء من ذلك فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد، يقول القاضي عياض: ( وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ) ([41]) .
(تنبيه): أخطأ البعض فزعم أن هذه الأعمال تحتاج إلى استحلال حتى يحكم على فاعلها بالكفر الأكبر المخرج من الملة، وهذا خطأ لأنه تسوية بين هذه الأعمال التي تلازم انتفاء أصل الإيمان من القلب، وبين غيرها من المعاصي المجردة التي لا تلازم انتفاء أصل الإيمان من القلب، وبالتالي فتح المجال للتلاعب بالدين وفعل الكفر مع الزعم بعدم استحلاله، وهذا شأن المنافقين والزنادقة، قال تعالى في بيان حالهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65، 66]، فهذا حال المستهزئين بشرع الله، وهو يختلف عن حال العصاة المنكسرة قلوبهم إحساسا بالذنب بعد المعصية، فالمعصية شيء والكفر شيء آخر فلا ينبغي الخلط بينهما، وقد قال تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7]، فجعل الإيمان شيئاً واحداً وجعل مقابلة الكفر والفسوق والعصيان فعلمنا أن الكفر غير الفسوق غير العصيان ولكل منها مجاله وأحكامه، وعليه فإنّ ترك الصلاة يستوجب الاستفسار عن تارك الصلاة هل تركها تكاسلا ام جحودا، لأنّ الأول كفر في إطار الملة، والثاني كفر اكبر مخرج من الملة، أما إهانة المصحف وتمزيقه -على سبيل المثال- فلا يحتاج إلى استفسار عن حالة القلب، لأنّ هذا العمل عمل كفري يستلزم كفر القلب، فلا يحتاج إلى بيان جحود أو تكاسل، ولكن فقط يحتاج إلى بيان القصد، بمعنى هل هو يعلم انه مصحف ام لا، فلعله ظنه كتابا آخر فمزقه بالخطأ.
(تنبيه): لعل سائل يسأل إذا كان الأمر كذلك وأن هذه الأعمال حكم العلماء على فاعلها بالكفر الأكبر فلم لا نسحب الحكم على العمل نفسه ونجعل هناك عمل مكفر كالسجود للأصنام وقول مكفر كالسب واعتقاد مكفر كالإباء والاستكبار وكالتكذيب وكالشك، ونريح أنفسنا من عناء التفصيل، والإجابة على هذا التساؤل تتمثل في أن: هذا التفصيل هو من خصائص أهل السنّة والجماعة الناجية، أهل الفقه والعلم والتوسط والاعتدال، فلا هم غالوا غلّو الخوارج والمعتزلة فكفروا الأمة بالأعمال المجردة الخالية عن الاعتقاد أو نفوا عنهم الإيمان وجعلوهم لا مؤمنين ولا كافرين، ولا هم قصروا تقصير المرجئة، فاشترطوا الاستحلال حتى لهذه الأعمال التي نعلم بيقين تلازمها مع كفر الباطن فنعطي الفسحة لأصحاب الانحلال والزندقة للاستهزاء بالدين بدعوى عدم استحلال ذلك وأن ذلك ما دام بغير استحلال فهو في إطار المعاصي وليس من أبواب الكفر الأكبر، وليس هو كذلك، ولا يخفى أن هذه القواعد التي قال بها أهل السنّة والجماعة تعتبر بحق لجام العوام عن الولوج في مسائل الحكم بالكفر والتكفير، لأن الكفر كفر القلب أصلاً وهذا للحكم عليه يحتاج إلى فقهاء علماء يقيسون أحواله بما يظهر على لسانه وجوارحه ويحملون المتشابه على المحكم حتى يأتي حكمهم قسطاً عدلاً كما جاء به شرع الإسلام، ولو أردنا أن نعلم فوائد هذه القواعد التي قال به فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر فعلينا أن ننظر إلى تلك الفرق التي لا تأبه بهذه القواعد فنجدها تتراشق بالتكفير وتتسابق إلى استحلال دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق ولا علم ولا هدى ولا كتاب مبين.
[المفتاح الثامن]: التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط: وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه، فكل ما امر الشرع الحكيم به، إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً.
(تنبيه) بخصوص قاعدة التولي عن الطاعة: رأيت بعض المتعجلين في مسائل التكفير يسارعون في تكفير كل من تولى عن الطاعة بجوارحه وإن كان مقراً بها بقلبه مستدلين بمثل قول الله تعالى {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47]، وقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: 31 – 32]، وهم للأسف لا يفهمون معنى التولي في هذه الآيات فالتولي قسمان الأول يكون بالقلب والجارحة وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، والثاني يكون بالجارحة مع إيمان القلب واعتقاده وهذا ليس كفراً أكبر البتة، بل ينبغي فهمه ضمن إطار (التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط)، وأنّ الأول كافر الكفر الأكبر، والثاني صارت له حسنة بإيمانه بقلبه وسيئة بتركه بجوارحه، وهو لا يكفر الكفر الأكبر بحال، وإلاّ فما معنى قول أهل السنّة ( ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ) وعلى ذلك فالمعنى الصحيح الذي ينبغي أن يفهم غي الآيات إن التولي يتناول المتولي بقلبه عن الاعتقاد والإيمان وبجوارحه عن العمل فهذا التولي كفر أكبر مخرج من الملة وأما إن كان التولي بالجارحة والقلب مطمئن بالإيمان فهذا من جنس الذنوب والكبائر والمعاصي التي أجمع أهل السنّة والجماعة على عدم كفره بقولهم ( لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله )، وإلاّ فإن لم نفهم الآية في ضوء هذه القاعدة الفقهية العامة حصل المحظور من تكفير الأمة بعضها بغير ضابط، ولهذا حرص علماء أهل السنّة والجماعة على تقييد الكفر بالاستحلال، وكم كانت من أعظم القواعد التي منعت من تكفير المسلمين لبعضهم بعضاً، وفي غياب فهم مثل هذه القاعدة خرجت الخوارج نسأل الله السلامة.
***
المبحث الثالث قواعد التكفير عند اهل السنّة والجماعة
المفتاح الأول: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.
المفتاح الثاني: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، ف (الكفر الأكبر): هو الكفر المناقض لأصل الإيمان (الإقرار والتصديق والانقياد)، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد: فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق، وكفر الجحود يضاد الإقرار، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد، وكفر الشك يضاد التصديق، وكفر النفاق يضاد التصديق، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها العلماء في أنواع الكفر الأكبر، والكفر الأكبر: يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما (الكفر دون الكفر الأكبر): وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله، واستحلاله كفر أكبر، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره، والظن السيئ بالله، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار، ” قلت “، ومن أمثلته أيضاً عند جمهور السلف والخلف وغالب الفقهاء ترك الصلاة لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم لهم بسوء الخاتمة، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة.
المفتاح الثالث: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد: هذه القاعدة: قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، ومن أمثلة على تطبيقات العلماء لهذه القاعدة: يقول الطحاوي وهو يشير إلى عقيدة أهل السنّة: ( ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله وبكل ما قاله وأخبر مصدقين، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إلى أن قال ولا يخرج العبد من الإيمان إلاّ بجحود ما أدخله فيه ) أهـ([42]) .
المفتاح الرابع: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، فما كان ضد الإقرار فهو كفر أكبر.
المفتاح الخامس: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، يقول القاضي عياض: (وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم والشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام) أهـ ([43]) .
المفتاح السادس: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط: وهذه أيضاً قاعدة رصينة قال بها علماء أهل السنّة والجماعة الراسخون في العلم والفقه، فإنّ المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار ابتداء.
المفتاح السابع: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ كفر تارك الحكم بما أنزل الله، كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط، وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، من أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله، فقد حكم بقبله بما أنزل الله، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة، ومن جحد حكم الله بقلبه، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة، وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة
المفتاح الثامن: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب {جحد الصلاة}، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، و كل ما قيل في مسألة (ترك الحكم بما أنزل الله) من التفريق بين التارك الجاحد والتارك المقر، وجعل الأول من الكفر الأكبر المخرج من الملة، والثاني من الكفر العملي الذي هو دون الكفر الأكبر يصح حمله على تارك الصلاة، بل هو في مسألة (تارك الصلاة) أظهر وأولى، وهذا هو المتعين المصير إليه لأنه يوافق القواعد الأصولية ويجمع بين الأدلة المتعارضة، إضافة إلى أنه قول جماهير السلف والخلف والأئمة العلماء كما أشار إلى ذلـك ابـن قدامـة في المغـني والنووي في المجموع والشوكاني في نيل الأوطار ([44]) .
وهذا ما دعا الشنقيطي رحمه الله إلى أن يقول: {وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور أنه كفر غير مخرج من الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن، وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن، وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه:(ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث، وأما الجواب عمّا احتج به من كفره من حديث جابر وبُريدة ورواية ابن شقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل، وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها انتهى محل الغرض منه) ([45]) .
المفتاح التاسع: من فقه مسائل وأحكام الكفر: أن نعلم أنّ كفر تولي الكافرين كفر أكبر للموالي على أساس الدين، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكانت الموالاة على أساس الدنيا والعقد والاعتقاد سليمين: إنّ شرع الإسلام شرع محكم يوافق بعضه بعضاً {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ومن توافق هذا الشرع المحكم هو ما اتفق عليه الأئمة المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة أنّ أصل الإيمان الذي يصح به اسم الإيمان وحكمه هو الإقرار والاعتقاد، وأنّ عمل الجوارح خارج عن أصل الإيمان الفاصل بين الإيمان الأصل والكفر الأكبر داخل في الإيمان الواجب الفاصل بين الإيمان الواجب والكفر في إطار الملة . وعلى ذلك فمن أتى بالإقرار والاعتقاد للشرع وأحكامه ولم ينقضهما بناقض متعلق بهما فقد سلم عقده وقلبه وهو في منجى من الخلود الأبدي في النار مهما قصّر بـه عمله، ومن أقر بالشرع واعتقده ثم قصّر به عمله فقد أخلّ بالإيمان الواجب الذي ضده الكفر في إطار الملة فلا يحكم بردته لأنه قد أتى بحسنة الاعتقاد والإقرار . ومع تطبيق هذه القاعدة الحكيمة التي حبا الله عز وجل بها فقهاء أهل السنّة والجماعة في مسألة الموالاة والمعاداة نعلم يقيناً أنّ مناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة هو الموالاة الباطنة للكافرين على دينهم، أمّا من وقع في موالاة ظاهرة وقلبه سليم وعقده سليم ولم يوال على الكفر ولا لأجله وإنما لحاجة أو شهوة أو هوى فاسد فهو كافر ولكنـه في إطـار الملـة، لاشك أنّ الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة . ومع ذلك فالمفرّط فيهما مثله تماماً مثل تارك الحكم بما أنزل الله وتارك الصلاة وتسري عليه قواعد الشريعة الضابطة للمسألتين اللتين سبقتاه، وينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، وهو الضابط الذي وضحناه وأصلناه في القواعد السابقة . فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة . وهذا هو الفقه الذي حبا به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن، ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: (هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين)، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم . فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة وصاحب الكفر دون الكفر عموماً على خطر عظيم لقربه من هاوية الكفر الأكبر، ومعاداة المؤمنين كذلك لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون معاداة قلبه متعلقة بإسلامهم وإيمانهم . فمن عادى المؤمنين على دُنيا أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فكفره في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر} . فالقتال هنا كفر ولكنه بإجمـاع أهل السنّة كفر في إطار الملة وإلاّ كفّر بعضنا بعضاً بالمعاصي والآثام، وقد ثبت بنص القرآن أنّ المؤمنين يكون بينهم اقتتال وهم على اسم الإيمان وحكمه كما في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.. إلى قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} الآية [الحجرات: 9 – 10]، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام، فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة، وليس هذا تهويناً من شأن الموالاة والمعاداة، فشأنها عظيم ويكفي أنّ ما كان منها ظاهراً فهو (كفر) في إطار الملة وليس بالأمر الهين لفظ الكفر ولا بالأمر السهل أن يوصف المرء بالكفر في إطار الملة فهو أشد وأخطر من الكبائر عامة، والمحرمات كافة لأنه قريب من الكفر الأكبر وصاحبه على خطر عظيم إن لم تتداركه رحمة الله بالتثبيت، وكما أنه ليس تهويناً من شأن الولاء والبراء، فهو كذلك انضباط بضوابط أهل الحق – أهل السنّة والجماعة الناجية – في مسائل الإيمان والكفر، فلا يكفّرون إلاّ من يستحق الكفر بضوابطه الرصينة، ولا يسوون بين الجاحد المنكر والمقر المعتقد فيكفّرون كليهما بالعمل الظاهر دون التثبت من سلامة العقد والقلب، وهذه من حِكمَ الشريعة الباهرة التي خصّ الله تعالى بها أهل الفقه في الدين، أهل السنّة والجماعة الناجية، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
***
المبحث الرابع تحقيق القول في كفر تارك الحكم بما أنزل الله وبيان أنّه كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان وهو المقر المنقاد بقول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) وقول اللسان (الإقرار)، وتفريطه في عمل الجارحة فقط
[المفتاح الأول]: قال تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [سورة المائدة: 41 ـ 44]، قلت الصحيح في بيان سبب نزول هذه الآية هو ما أخرجه الأئمة البخاري ومسلم ومالك وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ماذا تجدون في التوراة في شأن الرجم)) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام، كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة، ((قلت)) هذا لفظ البخاري في صحيحة والإمام مالك في موطئه، وأخرجه مسلم وأبو داود بألفاظ متقاربة وجميعهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهذا الحديث أخرجه كذلك مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضى الله عنه، وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه، وأخرجه أبو داود وابن ماجة عن جابر رضى الله عنه، وعلى ذلك فالحديث رواه أربعة من الصحابة هم: عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وأخرجه من الأئمة مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، ([46]) .
وقال ابن كثير وهو يتحدث عن تفسير الآيات ( والصحيح أنها نزلت في اليهوديين الذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيدهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين ) ([47]) .
ومن تدبر هذا السبب الصحيح في نزول الآيات وتدبر حالة اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون} الآيات، رأى أن حالهم هو الاستحلال للحكم بغير ما أنزل الله والزعم بأنه شـرع الله وحكـم الله، والشاهد لذلك من حديث البخاري (( ) فهم قاتلهم الله يزعمون أن حكم الله في التوراة هو الفضيحة والجلد وليس الرجم ويؤكد ذلك سياق الحديث وفيه ((قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على أية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها)) فاليهود بدلوا حكم الله عز وجل في الزنا ـ الرجم ـ وجعلوا مكانه الفضيحة والجلد وزعموا أنه حكم الله تعالى واستحلوا الحكم به اعتقاداً، بدليل أنهم لما سئلوا عن حكم الله في الزنا أخبروا أنه الجلد والفضيحة وجحدوا حكم الله تعالى الحقيقي وهو الرجم، وعلى ذلك فالفقه الصحيح لسبب النـزول والفهم والصواب للآية في إطار هذا السبب هو أن ترك الحكم بما أنزل الله والذي ابتلى به اليهود هو الترك الكلي متناولاً الاعتقاد والعمل وهو جحود حكم الله وإبداله بغيره من وضع البشر ثم نسبته إلى الله تعالى واستحلال الحكم به، وهذا هو المناط الحقيقي للآية وفق سبب النزول، وسيأتي أن ذلك هو قول الصحابة والسلف وعلماء أهل السنّة والجماعة عامــة، (فائدة): في ضرورة معرفة سبب نزول الآيات: العلماء متفقون على أن العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومع ذلك فهم متفقون كذلك على أهمية معرفة سبب النزول البالغة حيث تعين على الفهم الصحيح لمعنى الآيات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن صورة سبب النزول قطعية الدخول في حكم الآية، بمعنى أن من أتى بنفس صنيع اليهود من جحود حكم الله واستحلال الحكم بغيره ونسبته إلى شرع الله فهو داخل في حكم الآية حتى وإن كان من أمة الإسلام، وفي بيان ذلك يقول السيوطي وهو يتكلم عن فوائد معرفة أسباب النـزول (ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ماعدا صورته، فإنه دخول صورة السبب قطعي وإخراجها باجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب) ([48]) .
[المفتاح الثاني]: أقوال الصحابة والتابعين حول الآية والتوفيـق الصحيـح بيـن هـذه الأقـوال جميعـاً: بحمد الله تعالى وتحدثاً بنعمته طالعت أكثر التفاسير المطبوعة المقبولة عند علماء أهل السنّة والجماعة وذلك لاستيفاء الأقوال الواردة حول قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، ومن تتبعي لهذه التفاسير، يمكنني القول بأن أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حول هذه الآية يمكن أن تؤول إلى خمسة أقوال جميعها متوافقة لا اختلاف فيها ولا تعارض إلاّ عند من لم يفهم مقصود السلف ولم يحمل أقوال بعضهم على بعض:
[القول الأول]: أنها ليست في المسلمين وإنما هي في الكفار وقد ورد هذا القول عن بعض التابعين (فقد أخرج الطبـري بسنـده عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ليس في أهل الإسلام منها شيء، هي في الكفار([49]) .
[القـول الثانـي]: أنهـا نزلـت في أهل الكتـاب وفـي الكافريـن جميعــاً وقال بهذا القول من الصحابة رضي الله عنهم البراء بن عازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس ومن التابعين كثير منهم أبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبدالله وغيرهم، فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال ((مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا، والله، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إن ي أول من أحيا أمرك إذا أماتوه، قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ،} [المائدة: 41]، يقولون: ائتوا محمدا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: {و وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، قـال: في اليهـود إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: في اليهود، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، قال: في الكفار كلها ([50]) .
وقال ابن كثير في تفسيره: ( وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قـال الـبراء بن عـازب وحذيفة ابن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم نزلت في أهل الكتـاب زاد الحسن البصـري وهي علينـا واجبـة ) أهـ،([51]) .
((قلت)) والفارق بين هذا القول والقول السابق له أن القول الأول ينفى كون الآية تخص المسلمين كما نقلنا قول أبي صالح من التابعين ليس في أهل الإسلام منها شيء وإنما هي في الكفار، والقول الثاني يتفق مع الأول في أنها في الكفار ولكنه لا ينبغي تعلقها بالمسلمين بدليل اجتهاد الحسن البصري بأنها في أهل الكتاب وهي علينا واجبة، والحق الذي أراه أن القولين ليس بينهما تعارض لأن لكل قول منهما مغزى سيتضح أكثر عند عرض بقية الأقوال.
[القول الثالث]: أنّ حكم الآية يتناول المسلمين ويقصد به الكفر في إطـار الملة {كفر دون كفر} وقد جاء هذا القول صحيحاً عن حبر الأمة وفقيهها ـ الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالعلم والفقه ـ عبدالله بن عباس رضى الله عنهما، وبه قال عامة أصحابه كعطاء وطاوس، أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال هي به كفر وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسلـه وأخرج أيضاَ بسنده عن ابن طـاوس عـن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فمن فعل هذا فقد كفر، قال ابن عباس إذا فعل ذلك فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وكذا} وأخرج أيضا عن ابن طاوس عن أبيه قال: سُئل ابن عباس عن قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: هي به كفر، قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله وأخرج أيضاً عن طاوس {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: ليس بكفر ينقل عن الملة وأخرج أيضاَ عنه {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: كفر لا ينقل عن الملة، قال: وقال عطاء: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق أهـ وأخرج أيضاً عن عطاء قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{فأولئك هم الظالمون}{فأولئك هم الفاسقون} قال كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم} ([52]) .
وقد نقل بعض هذه الآثار الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإيمان وهو يتحدث عن الكفر في إطار الملة فقال: ((وأما الفرقان الشاهد عليه ـ أي الكفر دون الكفر ـ في التنزيل فقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقال ابن عباس ( ليس بكفر ينقل عن الملة ) وقال عطاء بن أبي رباح (كفر دون كفر) فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار الحكم بغير ما أنزل الله ([53]) .
[القول الرابع]: أن حكم الآية يتناول المسلمين وله تفصيل فمن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً للحكم فهو كافر الكفر الأكبر ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو مقر به معتقد له فهو ظالم فاسق وكفره دون الكفر الأكبر، وقد أخرج ابن جرير الطبري عن على بن أبي طلحة عن بن عباس قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال:من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق([54]) .
((قلت)) وما قاله فقيه الأمة ابن عباس أوضحه تلميذه عكرمة فقد ذكر ابن حبان في تفسيره ((وقال عكرمة: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أماً من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلاً أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية ([55]) .
ومن تدبر كلام عكرمة ـ رحمه الله ـ عرف التفسير الأوفى للآية فإن الله تعالى جعل الكفر من نصيب من لم يحكم بما أنزل الله، وعكرمة رحمه الله أوضح أن من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله بقلبه وإن لم يفعله بجوارحه فهو تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية {ومن لم يحكم} لأنه قد حكم بقلبه بما أنزل الله فليس هو تارك بالكلية لحكم الله فلا يكفر الكفر الأكبر بخلاف الجاحد لأنه ما حكم بما أنزل الله البتة، ونقل القرطبي ـ رحمه الله ـ هكذا القول أيضاً عن مجاهد تلميذ ابن عباس رضى الله عنهما فقال: ((وقيل فيه إضمار أي {ومن لم يحكم بما أنزل الله} رداً للقرآن وجحودا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عبـاس ومجاهـد} ([56]) .
[القـول الخامـس]: أن حكـم الآية يتنـاول المسلميـن ويقصـد بـه الكفـر: ((قلت)) تتبعت أقوال السلف التي دلت على أن حكم الآية يتناول المسلمين وأطلقت عليه لفظ الكفر دون تفصيل لكونهم جحدوا أو أقروا، فوجدتها جميعها تحمل المعنيين فهي مطلقة لم تحدد المقصود هل هو كفر أكبر أو كفر دون كفر، ولم أجد أحد من السلف (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) يصرح أن مجرد الترك مع الإقرار كفر أكبر كما يقوله بعض المتهورين من المعاصرين، وسأورد بحمد الله تعالى جميع الآثار التي قد توهم هذا الفهم السقيم وأحملها على محاملها الصحيحة التي تتعين على أهل الفقه والبصيرة في العلم والدين، ويكون هذا الحمل الصحيح كمدخل لجمع كافة أقوال السلف في الآية حتى نرى أنها جميعاً متوافقة تخرج من مشكاة الكتاب والسنّة فلا تعارض بينها أبداً وإنما لكل قول مغزاه ومقصده الذي يتناول بيان جانب من جوانب هذه الآية الكريمة الحكيمة، أخرج ابن جرير الطبري عن سالم بن أبى الجعد قال، قيل لعبد الله {أي ابن مسعود} ما السحت قال الرشوة، قالوا في الحكم قال: ذاك الكفر
أهـ وأخرج كذلك عن مسروق قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نري السحت إلاّ الرشوة في الحكم، قال عبد الله: ذاك الكفر وأخرج كذلك عن هاشم بن صبيح قال: شفع مسروق لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضـب غضبـاً شديداً، وقال لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتـك، ولا أكلـم فيما بقى من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يرفع بها ظلماً فأهدى له فقبل فهو سحت فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر وأخرج الطبري كذلك بسنده عن مسروق قال سألت ابن مسعود عن السحت قال: الرشا، فقلت في الحكم؟ قال ذاك الكفر} أهـ([57]) . أخرج الطبري بسنده عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت، قال فقالا أفي الحكم؟ قال ذاك الكفر ثم تلا هذه الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ([58]) . وأخرج كذلك بسنده عن الشعبي {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: هذا في المسلمين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} قال: النصارى} أهـ وأخرج عنه قال: في هؤلاء الآيات التي في المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال فينا أهل الإسلام {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} قال: في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} قـال في النصـارى} وأخرج بسنده عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي لهـذه الأمة بها أهـ وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قـال: نزلت في اليهود وهي علينا واجبه} أهـ وأخرج أيضاً عن السًدى {ومن لم يحكم بما أنزل الله} يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا وجار وهو يعلم فهو من الكافرين}} ([59]) . وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني ((وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال لا ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية، وأخرج عبد بن حميد عن على كرم الله وجهه أنه سأله عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم، قال ذاك الكفر، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك } ([60]) . ـ وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل ((ونقل في الباب عن ابن مسعود والحسـن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق،وإليه ذهب السدي لأنه ظاهر الخطاب، ثم قال وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمداً وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل فلا يدخل في هذا الوعيد..، انتهى)) } ([61]) . ((قلت)) فهذه جميع الآثار الواردة بخصوص هذا القول وهى كما ترى ليس في واحد منها تصريح بأنه الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما إطلاق لفظ الكفر، والقاعدة الرصينة عند أهل السنّة والجماعة والتي دل عليها حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي وجود الكفر الأكبر والكفر دون كفر.
[المفتاح الثالث]: الجمع والتوفيق بين كافة الأقوال السابقة حتى نراها وكأنها نسيج واحد لا اختلا ف فيه]: الجمع بين الأدلة والتوفيق بينها ـ عند التعارض ـ أولى من الترجيح، فكيف إذا كانت الأدلة غير متعارضة ولكل منها مغزى خاص يدل على جانب من جوانب الحكم، هاهنا يتعيـن حمل كل قول على ما يناسبه وإلاً خالفنا قواعد الأصول والفقه في الدين عامة، وقـد ذكرنا خمسـة أقوال في تفسير السلف للآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وهـذه الأقـوال جميعهـا متوافقـة لـو فهمنـا القصـد مـن كـل قـول:
فالقول الأول: يشير إلى أن الكفر الأكبر لا يتناول المسلمين بهذه الآية متى ما كان المسلم مقراً للحكم بقلبه معتذراً عن مخالفته بجـوارحه، وأهل هـذا القول يعلمون تمامـاً أن القاعدة الأصولية تقول بأن العبرة في نصوص الشرع [الكتاب والسنة] بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمع العلم بهذه القاعدة (العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والآية جاءت مصدرة بمن الشرطية {ومن لم يحكم} وهى من صيغ العموم، بل من أبلغ صيغ العموم، ومع الظن بأجلة التابعين الذين قالوا بأن الآية ليس في أهل الإسلام منها شيء أنهم يراعون هذه القاعدة ـ وهو الظن الجدير بهم ـ، نعلم أنهم كانوا يقصدون شيئاً واحداً هو أن أحكام الكفر الأكبر المتعلقة بهذه الآية لا يخص المسلمين منها شيء متى ما أتوا بالإقرار والاعتقاد لحكم هذه الآية، وخلاصة القول الأول أن أحكام الكفر الأكبر في الآية لا تتناول المسلمين المقربين بالأحكام المعتقدين لها تصديقاً وانقياداً قلبياً، أم الجحد فهو كفر بذاته لأي شرع جاء به الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فجحد الحكم بما أنزل الله كفر أكبر وصاحبه ليس بمسلم و على ذلك فليس في أهل الإسلام من الآية شيء إلا أن يكفروا الكفر الأكبر بجحود ما أنزل الله.
وأما القول الثاني: وقد قال به جمع من الصحابة والتابعين وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيحي مسلم أنه قال عن الآيات {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{الظالمون}{الفاسقون} أنها في الكفار كلها، وهذا القول كسابقه تماماً فالمقصود به أن أحكام الكفر الأكبر لا تتنزل على أهل القبلة إلا أن يكفر أحد منهم بجحود ما أنزل الله، وهذا القول من أوضح الدلالات على أن الترك المجرد للحكم مع وجود الاعتقاد به والإقرار لا يخرج صاحبه من الملة ولا تتنزل عليه أحكام الآية لأنه لا يزال من أهل القبلة بما أتى به من أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، وإذا كانت القاعدة الأصولية تقول بأن [العبرة في نصوص الشرع بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] فإن هذه الآية من هذا الباب واجبة على المسلمين ولكنها في إطار الكفر داخل إطار الملة، ولهذا فإن من قال بأنها في الكفر كلها وأنها في أهل الكتاب قد جاءت آثار عنهم تدل على أنها واجبة في حق المسلمين، ويكون ذلك بكونه كفر ولكن كفر داخل إطار الملة، كما جاء عن حذيفة في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قـال: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قدر الشراك} أ هـ، وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي البحتري قال سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}{فأولئك هم الظالمون}{فأولئك هم الفاسقون} قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل؟ قال نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة، كلاً والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك}([62]) . وحذيفة رضي الله عنه نقل عنه الأئمة أن الآيات في أهل الكتاب وفي الكافريـن جميعاً، والتوفيق الصحيح بين القولين أنه إذا كان القصد الكفر الأكبر فهو لا يتناول أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له، وإذا كان القصد الكفر في إطار الملة فهو يتناول المسلمين، وليس هذا اجتهاد في التوفيق بين القولين ولكنه الأمر الذي جاء صراحة عن البحر الحبر عبد الله بان عباس رضى الله عنهما، قال ابن كثير(وقال ابن أبي حاتم، حدثنا سفيان بن عيينه عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}قال ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه}([63]) .
والشاهد من الأثر أن ابن عباس يقر بأنه كفر ولكنه ليس الكفر الأكبر الذي يذهب إليه الخوارج وإنما هو كفر في إطار الملة ويؤيد هذا الفهم ما قاله طاوس صاحب الحبر ابن عباس رضى الله عنهما قال ابن كثير: ((وقال عبد الرزاق ـ أيضاً ـ أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قولـه {ومن لم يحكم} الآية قال: هي به كفر ـ قال ابن طاوس وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله} ([64]) . والشاهد من الأثر هو قول ابن عباس رضي الله عنهما ((هي به كفر)) فابن عباس رضى الله عنهما لم ينف كونه كفر لأنه كفر بنص الكتاب {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وأوضح أعلم الناس بعلم ابن عباس طاوس أنه كفر في إطار الملة وليس كالكفر الأكبر بالله وملائكته وكتبه ورسله، ((قلت)) فإذا كان عبد الله بن عباس يقر بكونه كفر ثم يبين أنه في إطار الملة فينبغي حمـل مـراد أهل القول الثاني: نزلت في أهل الكتاب والكافرين جميعاً، على أنه إن قصد به الكفر الأكبر فلا يدخل فيه أهل القبلة المقرين بالحكم المعتقدين له، وإن قصد به كفر في إطار الملة فهذا واجب في حق أهل القبلة من التاركين للحكم بجوارحهم وهم على الإقرار والاعتقاد للحكم والإقرار بالذنب.
وأما القول الثالث: أن حكمها يتناول المسلمين وهو كفر دون كفر: فهذا القول أوضح من نهار، وهو القول الذي به حقنت دماء أهل القبلة أن تعبث بهـا الخوارج، وهو مصداق للقاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في أحاديث عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) ([65]) وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) ([66]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم ((اثنتان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت)) ([67]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلاً كفر)) ([68]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)) ([69]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) ([70]) وهو كذلك مصداق للفقه الذي حبى الله عز وجل به فقيه الأمة وعالمها عبد الله بن عباس فيما صح عنه من طرق عديدة متواترة لا سبيل لردها ولا تضعيفها، ((قلت)) فهذه الآثار متواترة أوردها جميع من صنف في هذا العلم، وهي في مجموعها صحيحة لا سبيل إلى تضعيفها جملة لأنها يقوى بعضها بعضا، ويقويها من جهة أخرى ما تواتر عن أئمة التابعين عطاء وطاوس وغيرها من تلامذة حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول الثالث يوافق القولين قبله ولا تعارض بين الأقوال الثلاثة البتة لأن الأول نفى أن يكون في المسلمين من الآية شيء والمقصود نفى الكفر الأكبر عن المسلم المعتقد للحكم المقر به وإن لم يلتزم به معصية، والثاني أنه نزل في أهل الكتاب لأنهم جحدوا حكم الله واستحلوا الحكم بغيره ونسبوه إلى الله ولا يفعل ذلك أحد من أهل القبلة إلا أن يكون حاله حالهم في الكفر سواء، والثالث أن هذا الحكم إن تناول المسلم المعتقد للحكم المقر به فهو من باب الكفر في إطار الملة وهو ما عبر عنه الحبر ابن عباس رضى الله عنهما بقوله {كفر دون كفر} وقوله {هي بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} وقوله {كفر لا ينقل عن الملة} وقوله {ليس بالكفر الذي يذهبون إليه} وقد أشرنا إلى هذه الآثار بما يغني عن الإفادة ها هنا.
أما القول الرابع فهو غاية الجمع بين الأقوال جميعها وخلاصة الفقه في التوفيق الصحيح بينهما وتفصيل البيان في أحوالها، فخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ، ومن كانت من المسلمين حاله كحال اليهود في جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره أو اختراع حكم ونسبه إلى الله على أنه حكم الله، فهذا جميعه كفر أكبر مخرج من الملة وصاحبه كافر الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين والكافرين، وأما من كان مقرا للحكم معتقداً له كما أمر الله تعالى، ولكن غلبت عليه شهوته أو نفسه الأمارة بالسوء أو أكره فحكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بحكم الله معتقد له مقر بتقصيره في الحكم بغير ما أنزل الله فهذا كفره في إطار الملة وهو القول الثالث كما بيناه، وفي بيان هذا القول الرابع سبق ونقلنا قول بن عباس رضى الله عنهما، [من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به فهو ظالم فاسق] وقول صاحبه عكرمة ـ من أجل التابعين علماً وفضلاً ـ [إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاد فهو حاكم بما أنزل الله ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت الآية]، وقول مجاهد [وقيل فيه إضمار أي، ومن لم يحكم بما أنزل الله] ردا للقرآن وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر.
أما القول الخامس والذي ظن البعض أنه يخالف هذه الأقوال الأربعة، فليس كما ظنوا وإنما هو موافق لها تماما، وجميعها نسيج واحد لا ترى فيه أي اختلاف، وقد نقلت بحمد الله كل ما يتعلق بهذا القول من التفاسير التي وقعت بين يدي وجميعها كما رأينا تطلق لفظ الكفر دون تعيين لكونه كفر أكبر أم كفر دون كفر، وعلى ذلك وجب معاملتها وفق الأصول العامة للشريعة والتي لا يسعنا مخالفتها وإلاّ آل الحال بنا إلى مآل الخوارج من تكفير الأمة بمطلق المعاصي والآثام، هذه الأصول التي عاملنا بها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة كقوله صلى الله عيه وسلم [وقتاله كفر] وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((اثنان في الناس هما كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت)) وحمل الجمهور من العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر))، فأصول الشريعة حتمت علينا حمل هذه الأحاديث على الكفر دون الكفر وإلا وقع سيف التكفير بين أهل القبلة وكفر المسلمون بعضهم بعضاً بالمعاصي والآثام، وإذا قال قائل فما الداعي إلى أن جاء التعبير عنها بلفظ الكفر قلنا هذه قاعدة عظيمة أرساها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمنا الفارق بين المعاصي وبين الذنوب التي هي من قبيل الكفر في إطار الملة، فهذه الذنوب التي عبر عنها الحديث الشريف بلفظ الكفر دلالة على خطورتها على أصل الإيمان وأن صاحب هذه الأعمال التي هي من قبيل الكفر دون كفر، هو في حقيقة أمره على شفا حفرة من الكفر الأكبر وعلى شفا جرف هاو يكاد ينهار به إلى الخلود الأبدي في النار، وعلى ذلك فينبغي حمل كلام الصحابة والتابعين على نفس المحمل الذي حملنا عليه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل ((الكفر دون كفر)) لا سيما وأنه لم ينقل عن واحد منهم أن قصده الكفر الأكبر المخرج من الملة بل الكفر بإطلاق، ولو تدبرنا قول حبر الأمة ابن عباس وقد سئل عن الآية فقال ((هي بهم كفر وليس كمن كفـر بالله …،)) وقد سبق ذكره لعلمنا أنه رضي الله عنه لم ينف عنهم صفة الكفر بل أثبتها لهم ثم فصل بما حباه الله تعالى من الفقه في الدين والبصيرة في أصوله وضوابطه فقال ((وليس كمن كفر بالله ((فأثبت الكفر ثم وضح أنه غير الكفر الذي يذهب إليه الخوارج من كونه الكفر الأكبر وقد نقلنا عنه قوله ((ليس بالكفر الذي يذهبون إليه)) وهذا المحمل هو المتحتم علينا جميعاً، من جهة أنه المحمل الذي يجمع الأقوال الخمسة جميعاً في إطار واحد لا اختلاف فيه.
وكل هذه الأقوال منقولة عن كثير من الصحابة والتابعين والحمل متعين عند المقدرة كما قاله علماء الأصول، والجمع أولى من، دعوى النسخ أو الترجيح، ((قلت)) وهذا ما دعا الأئمة العلماء أن يحملوا كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه والحسن البصري وإبراهيم النخعي والسدي رحمهم الله على تفصيله الصحيح وفق قواعد الشريعة العامة التي جاء بها الكتاب وتأصلت بالسنّة وظهرت بهدي السلف الصالح، فمن ذلك:
(1) نجد الجصاص رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على من حكم بغير ما أنزل الله مخبرا أنه من عند الله لأنها صورة سبب النـزول تماماً، فقال ((وقال ابن مسعود والحسن ((وهي عامة)) يعني فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبراً أنه حكم الله ومن فعل هذا فقد كفر)) ([71]) ويقول في موضع آخر ((وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافركما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك)) ([72]) .
(2) ونجد الإمام القرطبي رحمه الله يحمل كلام ابن مسعود والحسن على الجحود والاستحلال فقال ( وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقداً ذلك مستحلاً له ) ([73]) .
(3) ونجد أبو حبان صاحب البحر المحيط يحمل كلام ابن مسعود وإبراهيم النخعي على الكفر دون الكفر، فقال ( وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ولكن كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق يعني أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة ) ([74]) .
ونجده كذلك يحمل كلام السدي على الجحود فيقول ((وقال السدي: من خالف حكم الله وتركه عامدا وتجاوزه وهو يعلم فهو من الكافرين حقاً ويحمل ذلك على الجحود فهو الكفر ضد الإيمان)) ([75]) .
(4) ونجد ابن عطية يحمل كلام من أطلق لفظ الكفر على التارك لحكم الله بأنه في هذه الأمة كفر في إطار الملة فيقول ( وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناوله كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان، وهذه بعض أمثلة لحمل الفقهاء القول الخامس على أنه كفر دون كفر أو كفر أكبر إن صاحبه جحود وكفر دون كفر إن كان مع إقرار واعتقاد، أو كفر أكبر إن حدث تبديل لحكم الله مع نسبة الحكم الجديد إلى شرع الله وأنه من عند الله واستلال الحكم بين الناس به، وهذا هو الحمل الواجب المتعين حتى تستقيم الأقوال جميعها وتتآلف ولا تختلف وهذا هو الظن بخيرة علماء الأمة علماء الصحابة والتابعين، واليك في المفتاح التالي أقوال أكثر من ثلاثين عالماً من علماء الأمة يؤيد ذلك ويؤكده ويدلنا على أنه مذهب أهل السنّة والجماعة الذي صرح به الأئمة الأعلام الراسخون في العلم والفقه والدين.
[المفتاح الرابع]: أقوال الأئمة العلماء في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله: أقوال الأئمة العلماء في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، ترجح أن الآية في حق المسلمين تتناول المسلمين وأنها في حق الجاحد كفر أكبر، لأنه لم يحكم بما أنزل الله البتة، وأنها في حق المقر المعتقد بقلبه كفر دون كفر، لأنه حكم بقلبه بما أنزل الله فلم يترك الحكم بما أنزل الله بالكلية فصار الكفر في حقه كفراً عملياً مجرداً لا يخرج من الملة وإن كان صاحبه على خطر عظيم وهو خطر الكفر في إطار الملة، ومعلوم يقيناً أنه أشد على صاحبه وأخطر من أكبر الكبائر، نسأل الله السلامة وحسن العاقبة: قال الطبري رحمه الله: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى، فإن قال قائل: فإن الله ـ تعالى ذكره ـ قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟، قيل: إن الله تعالى عمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس ([76]) .
وقال الواحدي رحمه الله في تفسيره: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء ([77]) .
(وقال الطحاوي رحمه الله في بيان الكفر دون الكفر الأكبر بالله حين شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم {قتاله كفر} ((ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} على ما تأوله فعن ابن طاوس عن أبيه قال قيل لابن عباس {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال هي كفره وليس كمن كفر بالله تعالى واليوم الآخر، و عن طاوس قال ((قلت لابن عباس: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر)) ([78]) .
وقال أبو جعفر النحاس رحمه الله: ((هم اليهود إن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جاحدا له كما غير اليهود فهو كافر ظالم فاسق)) ([79]) .
وقال الثعالبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ( وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان وهذا تأويل حسن ) ([80]) .
وقال ابن عبد البر رحمه الله وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس وهي عامة فينا قالوا ليس كفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء )([81]) .
وقال في حديثه عن الخوارج ( وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ونحو هذا وروي عن ابن عباس في قول الله عز وجل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر ) ([82]) .
وقال الغزالي رحمه الله: قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة قلنا المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له ([83]) .
وقال ابن العربي رحمه الله: المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} اختلف فيه المفسرون ; فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون كله لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول ; لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة، قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ; فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنّة في الغفران للمذنبين، ([84]) .
وقال أبو بكر الجصاص رحمه الله: قال أبو بكر قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود فلا يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة([85]) . وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: ( قال عكرمة: قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم ) ([86]) .
وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون} نزلت كلها في الكفار ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم وعلىهذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة وقيل فيهإضمار أي ومنلم يحكم بماأنزل اللهردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا، قال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساقالمسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له([87]) .
وقال النسفي رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهينا به {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس رضى الله عنهما من لم يحكم جاحدا فهو كافر و إن لم يكن جاحدا فهو فاسق ظالم وقال ابن مسعود رضى الله عنه هو عام في اليهود وغيرهم، إلى أن قال: يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث فيكون كافرا ظالما فاسقا لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر وقيل {ومن لم يحكم بما أنزل الله}فهو كافر بنعمة الله ظالم في حكمه فاسق في فعله([88]) .
وقال البغوي رحمه الله: ( وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات فقال إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات وقال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا ) ([89]) .
وقال البيضاوي رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}مستهيناً به منكراً له {فأولئك هم الكافرون} لاستهانتهم به، وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقولـه {الكافرون} و {الظالمون} و{الفاسقون}، فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بالحكم على خلاقه، وفسقهم بالخروج عنه([90]) . وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} عن حكمه أو عن الإيمان إن كان مستهينا به ([91]) .
وقال أبو السعود رحمه الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله}كائنا من كان دون المخاطبين خاصة فانهم مندرجون فيه اندراجا أوليا أي من لم يحكم بذلك مستهينا به منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه من تحريف آيات الله تعالى اقتضاء بينا {فأولئك} إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها {هم الكافرون}لاستهانتهم به([92]) .
وقال ابن كثير رحمه الله: (({ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً، وقال هاهنا {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا) ([93]) .
وقال الشاطبي رحمه الله: ((ومثله قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} مع أنها نزلت في اليهود والسياق يدل على ذلك، ثم إن العلماء عمُّوا بها غير الكفار، وقالوا: كُفرٌ دون كفر)) ([94]) .
وقال أبو حيان رحمه الله: وقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ظاهر هذا العموم، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود، وإلى أنها عامة في اليهود غيرهم ذهب ابن مسعود، وابراهيم، وعطاء، وجماعة ولكنْ كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق يعني: إنّ كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله: ابن عباس وطاووس.. واحتجت الخوارج بهذه الآية على أنّ كل من عصى الله تعالى فهو كافر، وقالوا: هي نص في كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافراً _ ثم ذكر أقوال المفسرين في تأويل الآية ثم اختار قول عكرمة فقال _ وقال عكرمة: إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف أنه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاد، فهو حاكم بما أنزل الله، لكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية،([95]) .
وقال ابن حجر رحمه الله: واقتصر المصنف على تلاوة الآيتين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.. الفاسقون، الآيتان} لإمكان تناولهما المسلمين بخلاف الأولى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فإنها في حق من استحل الحكم بخلاف ما أنزل الله تعالى وأما الآخرتان فهما لأعم من ذلك ([96]) .
وقال صاحب كتاب (تذكرة الأريب في تفسير الغريب) رحمه الله: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا فهو كافر فإن مال إلى الهوى من غير جحد فهو ظالم وفاسد)) ([97]) .
[المفتاح الخامس]: التحذير ممن ترك المناط الذي اجتمعت عليه أقوال علماء أهل السنّة وهو (مناط الجحد والإقرار) للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر، وابتكر مناطات جديدة غير منضبطة: بعض المعاصرين لم يرض بضابط أهل السنّة والجماعة في المسألة وهو ضابط الجحد والإقرار، وأراد أن يحتاط للشريعة بأكثر مما احتاطت هي لنفسها، فترك مناط (الاعتقاد): والمتمثل في التفريق بين الجحد والاقرار، وجعل المناط هو التفريق بين من جعل الأصل هو النظر إلى أحكام الشرع يرجع إليها ولكنه يجوز في قضية معينة شهوة أو معصية فهذا لا يكفر إلا باستحلال، أما من جعل الأصل في النظر هو القوانين الوضعية يحكم بها فهذا كفر أكبر بنفسه دون النظر إلى حالة كونه مقر بالشرع معتقد له أم لا، وقد يبدو هذا التفريق لأول وهلة وجيهاً، ولكن مع تدبره تجد أن به أخطاء ليست باليسيرة.
أهمها: أنه تغيير للمناط الذي اتفق عليه أهل السنّة والجماعة من جعل الجحد والإقرار هو الأصل المنضبط الذي ترد إليه الأحكام، وأنه اعتبار لأصل جديد يرد إليه أمر التفريق بين نوعي الكفر في الآية دون الأصل العام الذي اعتبرته الشريعة وهو الإقرار بالإسلام على الجملة واعتقاد كافة شرائعه وعقائده على وجه الإجمال، أن هذا الأصل الجديد فيه تحكم ليس عليه دليل من الشرع بالإضافة إلى أن علته لا تنضبط بضابط محدد، فما هو عدد الأقضيات التي يكفر بها صاحبها الكفر الأكبر، وما هو حد الكفر الاكبر لمن جعل أحكام الشرع هي المرجع ثم لم يحكم بحكم واحد منها فهل آنذاك نعود إلى إقراره بالأصل أم نجعل له ضابط آخر أم نعود إلى الأصل الذي اعتبرته الشريعة من جعل الإقرار المجمل والجحد هو ميزان الحكم بالتفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر، إن ديننا دين الاتباع وهو مبني على الاتباع وليس فيه ابتكار ولا اختراع بل هذا من المحدثات التي نهانا عنها شرعنا الحنيف فكيف يجوز لنا إحداث مناطات جديدة لأحكام تواترت أقوال الصاحبة والتابعين على تحديد ضابطها الأصلي، وعلى العموم فبيان هذه الأخطاء سيأتي تباعاً مع معرفتنا بالشبهة الأساسية التي دخلت على هؤلاء فظنوها أصلاً يفرقون به بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، مع أن هذا أخطر الأمور وأهم مسائل الأسماء والأحكام الواجب التأني في حقها والتزام هدى السلف الصالح في بيانها وتفصيل أحكامها لا التهور والاندفاع وبناء أحكام تحكم على بعض المسلمين بالكفر وتخرجهم من الملة باجتهادات جديدة مسبوقة باتفاق السلف على تحديد مناط مغاير لما ذهب إليه هؤلاء،
والمدخل الأول لبيان خطأ هذا القول: أن الأصل الذي نحكم به بالإسلام والكفر هو الإقرار بالشهادتين واعتقاد ما يدخل في إطار معناهما ولوازمهما من أقوال وأعمال واعتقادات، ومعنى ذلك أن الأصل هو الإقرار المجمل بدين الإسلام وكافة عقائده وشرائعه وأحكامه مع اعتقاد جميع ذلك على وجه الإجمال، فمن جحد شيئاً ولو يسيراً من المعلوم من الدين بالضرورة فإن جحده كفر وهو يكفر الكفر الأكبر بعد استيفاء شروطه وانتفاء موانعه، فمن جحد حرفاً من القرآن أو فريضة من الفرائض أو حكماً من أحكام الشرع فكأنما جحد الشريعة كلها فمتى قامت عليه الحجة الشرعية المعتبرة كفر بها الكفر الأكبر، ومن أقر إجمالاً بالإسلام وتفصيلاً بما يتطلب ذلك مع اعتقاده فلا يكفر الكفر الأكبر وإن خالفت أعماله هذا الإقرار لشهوة أو معصية أو غيره من المعاصي والكبائر، وهذا الأصل العام هو ما جعله ابن عباس رضي الله عنهما ضابط الحكم وعلى تفصيله سارت جماعة – أهل السنّة والجماعة – فمن أقر بشرع الله تعالى وحكمه واعتقده فهو مسلم عنده أصل الإيمان وله اسمه وحكمه ولا يكفر الكفر الأكبر حتى ينقض هذا الأصل بنواقضه التي ذكرناها عند الحديث على فقه مسائل الكفر، وتمهيد الرسالة على طوله وغالب هذا الباب إنما هو لتأصيل هذه القاعدة الرصينة التي أرساها علماء أهل السنّة والجماعة المقتدى بهم في الدين، وبتطبيق هذا الأصل الرصين على مسائل ترك الحكم بما أنزل الله نعلم أنه الضابط الرصين المنضبط الذي لا نحتاج بعده لا إلى أصل آخر ولا إلى فرع، وإنما يكون تجاوزه والبحث عن ضابط آخر هو من باب الافتئات على الشرع، فمن جحد الحكم فهو كافر {أي الأكبر} ومن أقر فهو ظالم فاسق كفره دون الكفر الأكبر، أما الأصل الذي أتى به هؤلاء فليس له دليل لا من الكتاب ولا من السنّة ولا من قول صحابي ولا تابعي ولا حتى عالم من علماء الأمة المقتدى بهم في الدين، قصاراه فهمهم الخاطئ لكلام ابن القيم و ابن أبي العز و أحمد شاكر، وسيأتي بيان المعنى الصحيح الذي قصده هؤلاء الأئمة العلماء والفهم الخاطئ الذي فهمه أصحاب هذا المناط الجديد من كلامهم، والذي ينبغي الإشارة إليه أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتلاعب بمناطات الشريعة المنضبطة إلا بدليل من كتاب أو سنة أو هدى لأعلام الصحابة تلقته علماء الأمة بالإقرار والقبول، والآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] عامة، والحكم يتناول قول القلب وعمله (اعتقاد الحكم) وقول اللسان(الإقرار بالحكم) وعمل الجوارح (القيام بالحكم) ولله در ابن حزم حيث يقول: (كل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء) ([98]) .
ومن تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحكم يجد فيها تعلق الحكم بالاعتقاد مثلما تعلقه بالعمل ومثاله قوله تعالى: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 153 – 154] يقول الطبري رحمه الله: وقوله: (مالكم كيف تحكمون} يقول بئس الحكم تحكمون أيها القوم أن يكون لله البنات ولكم البنون وأنتم لا ترضون البنات لأنفسكم فتجعلون له مالا ترضونه لأنفسكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل([99]) . ويقول القرطبي رحمه الله: ( ألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم ) ([100]) . ويقول ابن كثير رحمه الله: ( ثم قال تعالى منكرا عليهم أصطفى البنات على البنين أي أي شيء يحمله أن يختار البنات دون البنين.. ولهذا قال (تبارك وتعالى مالكم كيف تحكمون أيمالكم عقول تتدبرون بها ما تقولون ([101]) . ويقول البغوي رحمه الله: ( ألا ساء ما يحكمون بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين ) ([102]) . وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] يقول الواحدي رحمه الله: قوله ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ” ثم ذم فعلهم فقال ساء ما يحكمون أي ساء الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوه لله على جهة التبرز إلى الأوثان ([103]) .
وقوله تعالى {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، [يونس: 35] يقول الواحدي رحمه الله: {كيف تحكمون} “يعني كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكا) ([104]) . ويقول النسفي رحمه الله: ( {فما لكم كيف تحكمون} بالباطل حيث تزعمون أنهم انداد الله([105]) .
ويقول البغوي رحمه الله: {ما لكم كيف تحكمون} كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا([106]) .
وقوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] يقول الطبري رحمه الله: ((وقوله)) {ساء ما يحكمون} يقول تعالى ذكره بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ([107]) . وقوله تعالى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 – 36] يقول الطبري رحمه الله: ذلك وقوله: {مالكم كيف تحكمون} أتجعلون المطيع لله من عبيده والعاصي له منهم في كرامته سواء يقول جل ثناؤه لا تسووا بينهما فإنهما لا يستويان عند الله بل المطيع له الكرامة الدائمة والعاصي له الهوان الباقي([108]) . ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسيرها {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} إنكار لقول الكفرة فإنهم كانوا يقولون إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالا منهمكما نحن عليه في الدنيا {ما لكم كيف تحكمون} التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي([109]) . (وقوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] يقول أبو السعود رحمه الله: أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا أي يفوتونا فلا نقدر على مجازاتهم.. {ساء ما يحكمون} أي بئس الذي يحكمونه حكمهم ذلك أو بئس حكما يحكمونه حكمهم ذلك ([110]) .
فهذه الآيات جميعها عند تدبرها نجد أنها تتناول قضايا اعتقادية وتعبر عنها بلفظ الحكم، وبذلك يكون ترك الحكم في قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (له تعلقان تعلق اعتقادي يوجب الكفر الأكبر المخرج من الملة، وتعلق عملي محض يوجب الكفر في إطار الملة، فمن ترك الحكم بجانبيه العملي والاعتقادي استحق الحكم الكلي للآية) {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ومن تركه وهو معتقد له أي مصدق به منقاد له مقر به فهذا كفره في إطار الملة وهذا ما تواترت عليه أقوال الأئمة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس حبر الأمة وفقيهها، والسنّة دلتنا على أن هناك كفر أكبر وكفر دون كفر، وقد ذكرنا أحاديث عديدة تؤكد هذه القاعدة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر فقهها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، وعامة الصحابة ومنهم ابن عباس وعامة التابعين وعامة علماء أهل السنّة على اعتبار الضابط الذي ذكرناه.
وقد نقلت أقوال ما يزيد على خمسين من العلماء الأئمة كلهم يقر بهذا الضابط (ضابط الجحد والإقرار فمن جحد فهو كافر ومن أقر فهو ظالم فاسق وكفره في إطار الملة) وبعضهم نقل الإجماع على ذلك كابن عبد البر في التمهيد وقد نقلناه عنه، فبالضابط الذي ذكرناه تتفق أدلة الكتاب والسنّة وأقوال السلف والعلماء الأئمة فما الداعي إلى إحداث ضابط جديد، مع أن ضابط علماء أهل السنّة هو في نفسه واضح منضبط والجحد لا يتجزأ فمن جحد بآية فقد جحد بالقرآن كله ومن جحد حكماً من الشرع فقد جحد الشرع كله، أما أصلهم الذي يقولون به لا ينضبط ولا يتصور تصوراً واحداً عند أفهام الناس فما المقصود باعتبار أحكام الشرع هل هو الاعتقاد بها وبهذا نرجع إلى أصلنا الذي ذكرناه عن السلف، أم هو مجرد الإقرار بأن الشرع هو مصدر القانون ثم بعد ذلك لا تؤثر المخالفة لأن الأصل موجود، وهذا داخل في الأصل الأول لأن ضابط (الجحد والإقرار) الذي قال به علماء أهل السنّة يدخل فيه الإقرار المجمل بأحكام الشرع والإقرار المفصل متى تطلب ذلك، وبهذا فلا حاجة للأصل الجديد، أم هو مجرد النظر في كتب الشريعة وليس كتب القانون ثم الحكم بعد ذلك بما يشاء إذ لا يؤثر على الأصل وهذا مناط جديد لا نعلم أحداً من علماء الأمة قال به ومآل قول هؤلاء هو هذا المناط ومجرد النظر لا يفيد شيئاً في إطار الجحد والإقرار، فمن أقر فقد أغناه إقراره عن مجرد النظر في كتب الشرع وإن جحد فقد أخرجه جحده من الملة بالكلية، أم هو ضرورة الحكم بأحكام الشرع بعمل الجارحة في كافة الأحكام ولا تضر في ذلك قضية أو قضيتان خالف فيهما بسبب المعصية والهوى والشهوة، قلنا فما الضابط للعدد وما حده ومن أين استنبطوه ومن من العلماء قال به، ومعلوم أن مناط الكفر لا يكون بالأعداد أبداً وإلا لكفرنا الزاني لإدمانه على الزنا أو شارب الخمر لإدمانه على شرب الخمر، ومعلوم أن هذا مذهب الخوارج، وعلى ذلك فالأصل الذي أصلوه لا ينضبط أولاً وفيه إحداث لحكم جديد مخالف لحكم السلف والعلماء الأئمة ثانياً، وكلاهما لا يجوز في الشرع وهو افتئات عليه بما لا ينبغي.
(تنبيه هام): أصحاب هذا القول دخل عليهم داخلة من عدم تصور الأصل العام الذي قال به السلف وهو الاعتقاد المجمل لدين الإسلام والمفصل لما يتطلب ذلك في حينه، وظنوا أن الحكم إنما يتناول الفصل بين الخصومات أو حدود الشرع ولم يتصوروا أن الحكم أعم من ذلك وأوسع بالتالي فضابطه أعم وأوسع من مجرد النظر في أحكامه ثم لا تضر مخالفته بعد ذلك بهوى أو معصية، والقرآن الكريم دلنا على أن الحكم أوسع من مجرد النظر في الحدود والخصومات بل هو يتناول الاعتقاد وأمور العقيدة كما أسلفنا، ومن ذلك قوله تعالى: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 153 – 154] فهل الآية تتناول فصل خصومة بين الناس أو تطبيق حد على بعضهم ليس كذلك وإنما هي تتناول اعتقاد المشركين أن الملائكة بنات الله فردت الآية على مستوى فهمهم للحجة لأنها إنما تناقشهم فكيف تحكمون، أنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ثم تنسبون إلى الله أنه يتخذ بناتاً أيصطفي البنات لنفسه ويرزقكم أنتم بالبنين أيصح هذا في ميزان العقل والفهم، الشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذه العقيدة الفاسدة بلفظ {فما لكم كيف تحكمون} فهو حكم وإن كان في أمور العقيدة، وآية ثانية وهي قوله تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 – 36] فالمشركون ينكرون البعث والنشور وهذه عقيدة كافرة وجحد للإيمان باليوم الآخر، والشاهد من الآية أن القرآن الكريم عبر عن هذا الجحود باليوم الآخر والبعث والنشور بلفظ {كيف تحكمون}، فالحكم أوسع من أن نحصره في مجرد فصل خصومات أو إنفاذ حدود ولما كان عاماً فالأصل الضابط له لا بد وأن يكون عاماً عظيماً يحوي كافة جوانبه ومعانيه، فكان الأصح والأولى هو اعتبار الأصل العام الذي اعتبره علماء أهل السنّة والجماعة أصلاً لا يرضون له بديلاً وهو ضابط الجحد والإقرار فمن جحد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فكفره في إطار الملة، وهو في الحالتين كافر لعموم الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ولكن الجاحد لم يأت بأي شيء يدل على أنه حكم بما أنزل الله لانتفاء حكم القلب وإقراره بالحكم، والمقر المعتقد قد أدى بعض الحكم فليس تاركاً بالكلية للحكم فكان كفره في إطار الملة لا يخرج منها إلا بجحد أو استحلال {جحد الحكم بما أنزل الله أو استحلال الحكم بغيره}.
(تنبيه آخر): القصد منه فهم جوانب الجحد وبالتالي نحيط بمذهب السلف من كافة جوانبه، الجحد يتناول قول القلب وعمله: فالجحد المتعلق بقول القلب (التصديق) هو التكذيب وهذا نادر لأن قلوب العباد فطرت على معرفة الله والتصديق بوجوده، والجحد المتعلق بعمل القلب (الانقياد) هو الإباء والاستكبار والعلو والعناد وهذا غالب كفر العباد ومنه جحد إبليس وكفره وجحد اليهود وكفرهم وجحد فرعون وأتباعه وكفرهم، وعلى ذلك فجحد حكم الله له صور عديدة منها: تفضيل حكم غير الله على حكم الله، أو الاستهزاء بحكم الله كحال من وصف أحكام قطع اليد بالوحشية، أو التنقص من حكم الله، أو مساواة حكم الله تعالى بحكم غيره وهذا جحد لأفضلية حكم الله واعتقاد وجوب إفراده بالحكم والتشريع، أو إظهار النية والعزم على عدم تطبيق شرع الله وحكمه إن عاجلاً أو آجلاً لما فيه من الدلالة على عناد القلب واستكباره، وبذا نعلم أن ضابط السلف وهو ضابط أهل السنّة جميعاً (من الجحد والإقرار) هو الفقه والعلم وفيه الصيانة للشرع وأحكامه وفيه الغنية عن اجتهادات هؤلاء، وهذا الضابط لو تدبر فيه الجميع لعلموا أنه جامع شامل يدخل فيه كافة صور الكفر المطلقة من الانتساب إلى الرايات الاعتقادية والفكرية المخالفة جملة وتفصيلاً لحكم الإسلام وشرعه كالعلمانية وذلك لأن إعلان اعتقاد ما تدعو إليه صورة من صور الجحد الذي جعله السلف والأئمة مناط الكفر في الآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]،
والمدخل الثاني لبيان خطأ هذا القول: فهو سؤالنا لهم ما الضابط لهذا المناط الذي جعلتموه أصلاً للحد الفاصل بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر في إطار الملة، وأنتم تقولون إذا حكم في قضية معينة لهوى أو معصية لا يكفر وإذا جعله أصلاً يكفر، فهب أن رجلاً يرجع إلى الشرع في قضاياه ثم جار في واحدة اثنتين ثلاث ثم آل الأمر به إلى ترك الحكم بما أنزل الله في كافة القضايا مع أنه يجعل الأصل الرجوع إلى أحكام الشرع، فهل يكفر عند الجور في الثانية أو عند الجور في بعضها أو عند الجور في جميعها، فإن قلتم في الثانية لم تجدوا دليلاً على ذلك البتة وكذلك إن قلتم في بعضها دون بعض لأن الشرع لم يجعل العدد ضابطاً للكفر وعدمه وإن قلتم في جميعها قلنا لكم ناقضتم أصلكم الذي أصلتموه لأن الرجل يرجع إلى أحكام الشرع وهذا هو مناط الكفر الأكبر عندكم، وإن قلتم لا يكفر رجعتم حتماً إلى الاعتقاد والجحد وهو ضابط أهل السنة، وإلا فما ضابط الرجوع إلى الشرع وهو لا يحكم بشيء منه، إن كان مجرد النظر في كتب الفقه فهذا لا يصلح ضابطاً ولا يقول به أحد من العقلاء فضلاً عن العلماء إذ لا يستطيع الجاحد أن يقول الشريعة مصدر القانون ويضع كتب الفقه على الرفوف ولا يحكم بشيء منها، ويقول أنه الأصل الذي أقررتموه، مع ما يبدو عليه من علامات الجحد والاستكبار، لذا كان اعتبار ضابط أهل السنّة هو الأصل العام لكافة أحكام الشريعة هو الصواب وهو النجاة من التعارض والاختلاف.
والمدخل الثالث لبيان خطأ هذا القول: فهو أن ضابطهم هذا فيه قصور، بمعنى أنه إذا جاء من يقول لهم أنا أجعل الأصل في قانون الأحوال الشخصية هو الشرع لقالوا له حتماً لا يصح ذلك لأن الأصل عام يتناول أحكام المعاملات والحدود والعقوبات والفصل بين المنازعات، نقول لهم آنذاك بل الأصل أعم من ذلك، فإنكم أبيتم على من احتج لكم بالأصل في قانون الاحوال الشخصية إلا بالأصل الأعم ونحن كذلك نحتج عليكم بما هو أعم وأشمل فالحكم يتناول الأمور الاعتقادية والتشريعية والسلوكية والحكم بما أنزل الله يشمل ذلك كله وقد ذكرنا عند قوله تعالى {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون} وقوله تعالى {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 – 36] وقول تعالى {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] وقوله تعالى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] أن الحكم هنا يتناول جوانب اعتقادية وقد سماه الله حكماً وبالتالي فالضابط الأعم والأشمل هو ضابط الصحابة والتابعين والعلماء كافة وهو ضابط الإقرار والجحد كما بيناه بضوابطه الحكيمة التي قال علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام.
والمدخل الرابع لبيان خطأ هذا القول: فهو أن ديننا مبني على الاتباع للكتاب والسنّة والاقتداء بهدى السلف الصالح وجميع ذلك بين لنا الضابط العام الصحيح الذي لا ينخرم في شيء من جوانبه، وقولكم محدث اجتهدتم في إحداثه احتياطاً للشريعة والشريعة لا تحتاج لمفتئت عليها بل تحتاج لفقهاء يفهمون ضوابطها الصحيحة ويعملون بها، لو تركت الشريعة لمن شاء أن يحتاط لها لكان مذهب الخوارج والعياذ بالله أفضل المذاهب لأنهم يكفرون بمجرد المخالفة والمعصية والذنب، وكأمثلة لبعض المعاصرين الذين يقولون بهذا القول:
[(1) الدكتور عبد الله أحمد القادري]: قال وهو يتحدث عن مناط الكفر دون كفر في الآية: (النوع الرابع: أن يحكم بغير ما أنزل الله في جزئية من الجزئيات وهو يعتقد أنه عاص وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم وأن الواجب هو الحكم بما أنزل الله ولكنه غلبه هواه لمال أو جاه أو قرابة ففعل ما فعل، فيجب حمل {كفر دون كفر} على النوع الرابع وهذا هو اللائق بعلماء السلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة) ([111]) .
ومن الأخطاء الواضحة في النص جعل المناط هو المخالفة في جزئية من الجزئيات وهذه لا تنضبط إذ ما الفارق بين معصية واحدة ومعصيتين إذا اعتبرت الأولى معصية فالثانية والثالثة معصية ما لم تنال الاعتقاد، وكذلك قوله ((هذا هو اللائق بالسلف الذين يكفرون من أنكر وجوب الطهارة)) فالمعلوم أن الإنكار من الجحد والجحد لا يتجزأ فجحد حكم من الشريعة كمن جحد الشريعة كلها، وعلى ذلك فجحد وجوب الطهارة جحد لكافة عقائد وشرائع الإسلام لأنه تكذيب للشارع في إيجابه للطهارة، أما قوله فهذا هو اللائق بالسلف، فالسلف يليق بهم كل فضل ولكن اللائق بنا نحن أن نفهم كلام السلف وأن نفقه ضوابطهم في أسماء الملة وأحكامها على وجه العموم، والسلف لم يجعلوا الجزئية والجزئيات ضابطا لأن الأعداد لا تنضبط وإلا لكفرنا مدمن الخمر لأن جزئيات شربه للخمر كثيرة وعامة، ولكن السلف جعلوا الضابط هو الإقرار والجحد وهو الضابط المحكم الصالح لكافة شرائع الإسلام اللهم إلا الأعمال التي لا تكون إلا مع انتفاء عمل القلب وقد أكثرنا في بيانها من قبل.
[(2) الأستاذ عبد الله بن محمد القرني]: قال في بيان الضابط للكفر الأكبر والأصغر: ( وأما الكفر الأصغر فبنحو الحكم بغير الشريعة في قضية معينه لأجل الشهوة وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أه([112]) .
(قلت) أما قوله قضية معينة وقضايا متعددة فسبق ووضحنا أن هذا الضابط في نفسه لا ينضبط، وأما قوله (وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما) فليس هذا قول حبر الأمة ولا هو مراده ومع تتبعي لغالب التفاسير المطبوعة وأقوال عبد الله بن عباس فيها لم أجد موضعاً واحداً ذكر فيه ابن عباس رضي الله عنهما التفريق بين قضية وعدة قضايا، فمن المجازفة العلمية أن ننسب هذا الفهم إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بل الصحيح عن حبر الأمة أنه جعل المناط هو الجحد والإقرار فمن جحد فقد كفر الكفر الأكبر ومن أقر فليس الكفر الذي يذهبون إليه وإنما هو كفر دون كفر وهو في إطار الظلم والفسق، هذا تصريح ابن عباس بنفسه فمن الخطأ أن ننسب إليه قولاً لم يقله ولم يشر إليه البتة.
[(3) قول الدكتور صلاح الصاوي]: قال – وهو يأتي بمناط جديد -: (يمكن تفصيل القول في قضية الحكم بغير ما أنزل الله، ذلك أن تعبير الحكم بغير ما أنزل الله قد يقصد به عمل القضاة والمنفذين وقد يقصد به عمل الأصوليين الشرعيين … إن قصد به عمل القضاة والمنفذين نظر: فإن كان مرده إلى تكذيب الحكم الشرعي أورده فهو كفر أكبر يخرج من الملة وإن كان مرده إلى عارض من هوى أو شهوة أو نحوه مع بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنّة أو ما حمل عليهما بطريق الاجتهاد فهو من جنس الذنوب والمعاصي، وإن قصد به المعنى الأصولي التشريعي فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا يبقى معه من الإيمان حبة خردل كما قال تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ،} [الشورى: 21] والذي يخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف {كفر دون كفر} في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية([113]) .
، (قلت): إذا رجعنا إلى المنقول عنه نجده يأتي بقول جديد فهو يجعل مناط الحكم والتفريق بين حال الحاكمين هو النظر إلى اختصاصه فإن كان من القضاة والمنفذين فهذا عليه مناط حبر الأمة ابن عباس بالكفر الأكبر والأصغر وفق الجحد والإقرار، ولكنه لا ينسى أن يضع له ضابطاً إضافياً هو بقاء التحاكم ابتداء إلى الكتاب والسنّة وهذا الضابط لا فائدة منه لأنه موجود عند كل مسلم يقر بالإسلام إجمالاً وبكافة عقائده وشرائعه، ولكنه لم يقصد منه ذلك إنما قصده للتفريق بين من يحكم بالقوانين الوضعية وبين من قال بأن الأصل الشرع حتى وإن حكم بالقوانين الوضعية بعد ذلك، وهذا الضابط كما ذكرنا زائد عن ضوابط أهل السنّة ولا قيمة له، لأن مناط الحكم هو الإقرار والجحد فمن أقر بالشريعة كان إقراره بمثابة جعل الشريعة هي الأصل ومن جحدها كان جحوده بمثابة جعل القوانين الوضعية هي الأصل، أما ما يقوله هو فلا ضابط له بل ولا معنى له إلا الإقرار والجحد وإلا فما هو مناط ضابط جعل الشريعة هي الأصل أو القوانين الوضعية هل الأصل إلا الإقرار بإحداهما والجحود بالأخرى، الشاهد وإن كان هذا الحاكم من المشرعين للقوانين فليس لهذه الصورة عنده إلا الكفر الأكبر البواح وهذا أيضاً خلط لمناطات الحكم بمعنى أنه ما الفرق بين الزاني الذي يزني بموجب الشهوة والمعصية وبين الديوث الذي يرتب للفاحشة وينظم لها ويضع لها ما يشبه الأطر والضوابط التي يصنعها الأصولي التشريعي الذي تحدث عنه الدكتور صلاح الصاوي، فهل يسوغ لنا ذلك أن نتهم الثاني بالكفر لأن معصيته لم تكن عن شهوة عارضة وإنما لكونه خطط لها ورتب لها، وهل يسوغ لنا ذلك أن نكفر السارق الذي يضع الخطط قبل معصيته بأيام وشهور لأنها لم تكن ناشئة عن تنفيذ محض وإنما تخطيط وترتيب وتشريع، وقد يعترض هو على وصفنا له بكلمة تشريع، والحق أنه عند التدبر لا يفرق بين هذه وتلك شيء فالمشرع إن كان يشرع بجحد لشرع الله – بأي وجه من أوجه الجحد المتناولة لعمل القلب وقوله – فهذا كفر أكبر وإن كان يشرع على وجه المعصية المجردة فمثله مثل السارق الذي يخطط لمعصيته والديوث الذي يخطط للفاحشة وجميع ذلك في إطار الفواحش والمعاصي ما كان بعيداً عن اعتقاد القلب وجحوده، وبذلك نكون رجعنا اضطرارا إلى الضابط الأساسي العام الذي صرح به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وسارت عليه الفرقة الناجية من بعده أهل السنّة والجماعة، وبهذا نعلم خطأه في قوله (فلا جدال في أن لهذه الصورة مناطاً واحداً وتكييفاً واحداً هو الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي لا تبقى معه من الإيمان حبة خردل) وكلامه صواب متى ما كان التشريع ناشئاً من جحد لشرع الله – على المعنى الواسع للجحد كما ذكرناه، وبالتالي فلا حاجة له إلى تشقيق القول بمناط جديد هو في حققته المناط الأصلي وأما إن كان يقصد مجرد العمل الخالي عن الاعتقاد فهذا قد علمنا باتفاق الأئمة والعلماء أنه مخالف لأصول أهل السنّة وقواعدهم الغراء، ثم ذهب يستدل لمذهبه الذي كما يقول – لا جدال فيه – بقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} وقد ذكرت تفسيرها الصحيح في المطلب السابق فراجعه هناك بالضرورة فإنه يمنع الغلو في المسألة، وقوله: (والذي نخلص إليه من ذلك أن قول بعض السلف {كفر دون كفر} في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية) أهــ به أخطاء، (الأول): قوله (بعض السلف) وكأنه يشير إلى الخلاف في المسألة وأن بعضاً فقط هو الذي قال بكفر دون كفر، (قلت) قاعدة كفر دون كفر قاعدة رصينة دلت عليها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها أهل السنّة والجماعة في مقابل فرق الخوارج والمعتزلة، وهم متفقون على حمل آية المائدة عليها وذكر ابن عبد البر إجماع العلماء عليها، فكيف يتسنى لأحد أن يقول بعض بصيغة توحي بالتمريض لمجرد أنه لا يرضى بما رضي به أهل العلم، و(الثاني): قوله (لا ينصرف مناطه إلى مناط التحاكم إلى القوانين الوضعية) أقول فما علة ما يقول وما سببه وما المسوغ لهذا الرأي وعندنا ضابط الأئمة الرصين (الجحد والإقرار) فلماذا إحداث مناطات جديدة والمناط الصحيح يستوفي المطلوب وعليه إجماع الأئمة، فمن جحد الشرع بأي معاني الجحد التي أشرنا إليها فقد كفر ومن حافظ على أصل إقراره واعتقاده ولم يأت بجحد فهو مسلم، ثم أود أن أنبه إلى أن ديننا دين اتباع واقتداء فما الداعي إلى إحداث أقوال جديدة واعتبار مناطات حديثة تخالف هدى الشرع وضوابطه، كما ذكر صاحبنا من التفريق بين عمل القضاة والمنفذين وبين عمل الأصوليين التشريعين ونحن هنا وهناك وبالتالي اعتماده كمناط الحكم أولى من الاختراع والابتكار.
[(4) قول الأستاذ محمد شاكر الشريف]: قال: ( فصل في بيان متى يكون الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً لا يخرجه من الملة؟ ثم جعل شروطاً ثلاثة لذلك هي: أن يكون ملزماً ومتقبلاً ظاهراً وباطناً لكل حكم أو تشريع جاء عن الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون مقراً ومعترفاً بأنه ترك الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى في القضية أو الواقعة المعينة التي يحكم فيها صار آثماً وأن حكمه خطأ وأن حكم الله هو الصواب، وأن يكون الحكم المخالف حكماً في وقائع الإيمان وليس في الأمور الكلية العامة وهذا الشرط الثالث مما غمض فهمه والتنبيه على كثير من المعاصرين([114]) .
، (قلت): حاصل كلامه هو أنه جعل هذه المناطات المتعلقة بمسألة الكفر دون كفر، المناط الأول: الانقياد ظاهراً باللسان وباطناً بالاعتقاد للحكم وهذا لا غبار فيه لأنه مناط السلف، المناط الثاني: الإقرار بالتقصير والإثم لمعصية ترك الحكم بما أنزل الله وهذا لازم للمناط الأول لا ينفك عنه فلا غبار عليه، المناط الثالث: أن تكون المخالفة في قضية أو واقعة معينة وليس في أمر كلي عام، فهذا الشرط الثالث قد غمض فهمه والتنبيه عليه ليس كما يقول على كثير من المعاصرين، بل وعلى جميع السلف الكرام حتى لم يجعلوه مناطاً إضافياً يلازم مناط الجحد والإقرار واكتشفه هو بعد هذه القرون الطويلة في الإسلام، ولعل قائلاً لم يحدث على مر عصور الإسلام أن تنحت الشريعة في كافة جوانبها كما هو في زماننا المعاصر ولهذا وجب وضع المناط المناسب لهذا الزمان وهذه الحالة الشاذة التي لم تعهد لها الأمة مثيلاً من قبل، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنه عند التحقيق ليس وجيهاً وذلك لأن إجماع العلماء على أن ترك الحكم بما أنزل الله مع الإقرار والاعتقاد هو كفر دون كفر وإجماعهم على أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو مقر بشرع الله فهي كبيرة من الكبائر وقد حكى ذلك الإجماع إمام المغرب وحافظها ابن عبد البر، وبالتالي فالمعصية لا تنضبط بعدد ولا بقدر وإلا كان الإصرار على الكبيرة كفر، وكان هذا مدخلاً لتكفير العصاة وأصحاب الكبائر، وبالتالي فمناط الكفر ليس عدد المعاصي ولا عدد الوقائع وإنما المناط هو كفر القلب وكفر القلب يكون بالجحد والجحد له صور عديدة منها الإقرار بتفضيل أحكام الجاهلية على حكم الله تعالى أو التنقص من شرع الله أو الاستهزاء به أو اعتقاد عدم أحقيته أو عدم صلاحيته أو مساواته بغيره فهذه كلها دلائل الجحد وهو مناط السلف للتفريق بين الكفر الأكبر والكفر دون كفر، لا اجتهادات المعاصرين كل يدلو بدلوه في مسألة فيها السلف قديماً ووضعوا لها الضوابط التي لا تحتاج إلى افتئات أو تدخل، وبهذا أكون قد أشرت إلى بعض أقوال المعاصرين المخالفين في هذه المسألة بوضع مناطات جديدة والتفريق بين واقعة ووقائع وبين وقائع أعيان وأمور كلية يتساوى فيها جميعاً عمل القلب وهم يفرقون على أساس عمل الجارحة مع أن مناط الكفر الأكبر هو كفر القلب والذي يدل عليه الجحد بأحد صوره التى وضحها العلماء، ولعلني أثقلت في النقد على إخوان لي أرى أن الحماس والإخلاص قد دفعهم لوضع مناطات تحمس الشريعة، والدافع لهذا النقد هو بيان أن الشريعة لا تحتاج إلى مناطات جديدة لأن الله تعالى قد جعل فيها مقوماتها الذاتية لحمايتها وحمى جنابها، والمطلوب منا ليس الحماس والحمية الدافعة لإحداث مناطات جديدة ولكن المطلوب هو العلم والفقه الدافع لحفظ الشريعة على حالها الرباني وتطبيق أحكامها العقائدية والتشريعية على الناس كما أراد الشارع الحكيم والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
(تنبيه): صور الجحد متعددة أهمها: جحد أحقية حكم الله ورسوله، وتفضيل غير شرع الله على شرع الله، ومساواة شرع غير شرع الله بشرع الله، واستحلال الحكم بغير شرع الله، مع ملاحظة أن الجحد لا يتجزأ بمعنى أن من جحد شيئاً يسيراً من شرع الله كان بمثابة الجحد للشرع وأحكامه وهو في إطار الكفر المطلق حتى تجري عليه أحكام الشرع الخاصة بالتعيين، كما أنّ الانتساب العقائدي إلى المذاهب العلمانية والشيوعية وغيرها من دعاوى الإلحاد المعاصرة جحد لحكم الله وشرعه وكفر أكبر على سبيل الكفر المطلق الذي يحتاج عند التعيين إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع، فالحذر الحذر من هذه المذاهب نسأل الله السلامة.
***
المبحث الخامس درر ومفاتيح من فقه مسائل الشريعة في باب الإيمان والكفر
المفتاح الاول: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر) ودليل ذلك ما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) ([115]) . صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال (لا إله إلا الله) إلاّ تقية وهرباً من القتل، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً.
المفتاح الثاني: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، ودليل ذلك ما جاء في حديث الشفاعة، وفيه: ((ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) ([116]) .
المفتاح الثالث: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: وجوب الاحتياط عند الحكـم علي أي مسلم بالكفر الاكبر، ووجوب ترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه)، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم(أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)([117]).
المفتاح الرابع: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره)، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره: هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة، ولكنها تحتمل الكفر وغيره، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها،
المفتاح الخامس: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (الأعذار الشرعية التي تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر، كثيرة منها: العذر بالجهل، والعذر بالخطأ، والعذر بالتأويل، والعذر بالإكراه، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول، لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن)) ([118]) .
والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه، فهذا يأثم ويعّذر، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال (قد فعلت) ([119]) .
فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة بذلك.
المفتاح السادس: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة)، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير، قال تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون، وتقوم عليهم الحجة بذلك، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في:
(الضابط الأول): الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث، جهة صفة الحُجة، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة.
و(الضابط الثاني): لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه.
و(الضابط الثالث): فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير: وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم.
المفتاح السابع: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بضبط مسائل وأحكام الإيمان والكفر: (قاعدة: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم)، فلا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين: إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق ((كلها في النار إلا واحدة)) أن نحكم عليها بأنها في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبا الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك.
المفتاح الثامن: مجمل قواعد الإيمان التي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة الناجية: (1) الإيمان قول وعمل، (2) الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، (3) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن، (4) أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، (5) ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، (6) أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، (7) أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار، (8) عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها:ا لأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، (9) أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، (10) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها، (11) فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو (الإيمان الكامل) وهو الأشهر عندهم، (12) الإيمان الكامل قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، الثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب، (13) الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، (14) الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان، (15) الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات، (16) الإيمــان ثــلاث مراتـب: أعلاها مرتبة الإحسان: – وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، المؤدي لكافة شرائع الإيمان فرضاً ونفلاً (فعلاً وتركاً) وهي مرتبة أصحاب الدرجات العُلا في جنـة الخلد . ويليها مرتبة الإيمان: – (الإيمان الواجب وهي مرتبة المقتصد) المؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات، وأقلها مرتبة الإسلام: (مرتبة الظالم لنفسه) وهو المؤدي للأركان الخمسة وأهمها الصلاة ولكنه مقصّر في أداء بعض الفرائض والواجبات والواقع على بعض الكبائر والمحرمات، وصاحب هذه المرتبة إلى المشيئة إن شاء الله عز وجل غفر له وإن شاء عذبه حتى يخرج من النار بشفاعة المؤمنين والملائكة والنبيين، وأدنى هذه المرتبة الثالثة: (مرتبة أصل الإيمان وحدّه الأدنى الذي يصح به الإيمان) وهي درجة التوحيد المجرد، وصاحبها هو الذي جاء فيه قسم الله عز وجل ((وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله)) أي معتقداً لها وهؤلاء هم آخر أهل النار خروجاً من النار وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة وأدناهم فيها منزلة، وليس بعد ذلك سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين المكذبيـن.
المفتاح التاسع: مجمل قواعد التكفير التي أصلها السادة علماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة الناجية: (القاعدة الأولى): الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه زوال الاعتقاد بـزوال قـول القلب (تصديقه) أو بزوال عمله (انقياده).
و(القاعدة الثانية): الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب،.
و(القاعدة الثالثة): الأعمال الكفرية كالسجود للأصنام والاستهزاء بالدين وسب الأنبياء وإهانة المصاحف وما شاكلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في الحقيقة كفر اعتقاد ناشئ عن غياب عمل القلب من الانقياد والتعظيم.
(القاعدة الرابعة): التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وهو كفر في إطار الملة إذا صحّ العقد والاعتقاد واقتصر التولي على كفر الجارحة.
(القاعدة الخامسة): تارك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر للجاحد لحكم الله، وللمستحل بالحكم بغير ما أنزل الله، الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وهو كفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المعتقد لحكم الله تعالى، وكان تفريطه في عمل الجارحة فقط.
(القاعدة السادسة): تارك الصلاة كافر، وهو كفر أكبر للجاحد لفرضية الصلاة، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المعتقد لها، واقتصر تفريطه في عمل الجارحة فقط تكاسلا، و (القاعدة السابعة): من تولى الكافرين على المسلمين كفر، وكفره أكبر لمن تولاهم على دينهم، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر المعتقد لوجوب موالاة المسلمين على الكافرين، وكانت موالاتهم على غير دينهم ومعتقدهم.
***
المبحث السادس الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين
[المفتاح الأول]: الرد الموجز على خطأ من أدخل أعمال الجوارح في أصل الإيمان وجعل تركها من نوع الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار لا خلود الجاحدين المكذبين: يستند هؤلاء في هذه المسألة إلى أدلة تحويها سبعة أقسام:
[القسم الأول]: فهمهم من أحاديث الشفاعة أن الشفاعة لا تنال سوى المصلين يعرفهم الشافعون بعلامة اثر السجود و إذا كان الأمر كذلك فإن الصلاة ـ وهي من أعمال الجوارح ـ داخلة في أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار، و ذهل هؤلاء عن أن هذه الشفاعة التي يتحدثون عنها إنما هي شفاعات المؤمنين لإخوانهم و شفاعات الملائكة للمصلين، ولكن هناك يقيناً بعد هذه الشفاعات شفاعات أعلى للنبيين ثم شفاعات ثلاثة للنبي صلى الله عليه وسلم تنال من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، ثم تأتي بعد ذلك شفاعة الرحمن لأصحاب القبضة و هم الذين أتو بالإقرار المجرد عن أعمال الجوارح فلم يعملوا خيرا قط و لو كان لهم عمل زائد على الإقرار و الاعتقاد لأخرجتهم شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم، وأما قولهم بأن الشفاعات لا تنال سوى المصلين فهذا دليل على عدم إلمامهم بأحاديث الباب الواضحة الدالة على ما ذكرنا من الشفاعات الدالة على سعة رحمة الله و عظيم فضله.
[القسم الثاني]: إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل و أنه يحوي أربعة عناصر هي قول القلب و عمل القلب و قول اللسان و عمل الجوارح، و بالتالي فإخراج عمل الجوارح عن الإيمان يعتبر إرجاءً و خروجاً عن هدى السلف الصالح بل و إجماعهم إلى فرقة ضالة و هي المرجئة وردت آثارا كثيرة عن السلف في تبديعهم والنهي عن مجالسهم، وذهل هؤلاء الأفاضل أن الإيمان عند السلف الكرام و عند أهل السنة والجماعة السائرون على هدى السلف يزيد وينقص و يقبل الزيادة و النقصان و على ذلك فهو عندهم درجات بعضها أقل من بعض و بعضها أعلى من بعض و كلها داخلة في مسمى الإيمان، وإنه إذا كان الإيمان درجات فقد جعل له الأئمة الكرام مراتب ثلاثة وكل مرتبة تحوى درجات عديدة و أقل هذا الإيمان هو أصله الذي متى ما نقص زال الإيمان جميعه و انتفى اسمه و حكمه، وما زاد على الأصل فهو في إطار فرع الإيمان، وهذا الفرع منه ما هو الواجب ومنه ما هو المستحب. والإيمان عندهم ثلاث مراتب، مرتبة الظالم لنفسه وأدناها تحقق الأصل وإلا كان المرء بدون اكتمال هذا الأصل كافراً الكفر الأكبر المخرج من الملة، وتلي تلك المرتبة مرتبة المقتصد الذي يؤدي الواجبات ويكف عن الكبائر المحرمات ويلي تلك المرتبة مرتبة السابق بالخيرات المسارع إلى كل مندوب والمبتعد عن كل مكروه، واتفق الأئمة على أن هذا الأصل يحويه القلب وهو قول القلب وعمل القلب، وأنه لا يصح الإيمان بمجرد قول القلب (التصديق) وإلا كان إيمانه كإيمان إبليس واليهود والمشركون الذين كانوا يعلمون صدق الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولكنه انتفى من قلوبهم (الانقياد) عمل القلب، وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الأصل قول وعمل وهو قول القلب من المعرفة والتصديق وعمل القلب من الانقياد والخضوع والإذعان للأمر والنهي، وحد انقياد القلب قبوله بالأمر والنهي، ولازم هذا الأصل هو الإقرار باللسان، وأجمع أهل السنة والجماعة – إلا خلافاً لا يعتد به – على أن الفرع قول وعمل وأنه مسمى الإيمان الواسع ويدخل فيه جميع شرائع الإيمان من أقوال القلب وأعماله الأصلية والواجبة والمستحبة ومن أقوال اللسان وعباداته وكافة أعمال الجوارح من الصلاة والزكاة وغيرها، فإذا فهمنا هذا الفقه الذي حبى الله عز وجل به أئمة أهل السنة والجماعة الأعلام علمنا أنه لا خلاف البتة بين قولهم وبين إطلاق السلف لفظ (الإيمان قول وعمل) كتعريف للإيمان، بل قولهم هو التفصيل الصحيح للمجمل الذي عبر به السلف عن تعريف الإيمان، وحاصله أن الإيمان قول وعمل، أصله قول وعمل ولازمه إقرار اللسان، وفرعه قول وعمل الأصل يحتوي على قول القلب وعمل القلب وعمل القلب ولازمه إقرار اللسان، والفرع يحتوي على جميع شرائع الإيمان ومنها أعمال الجوارح بل وبقية أعمال القلب الواجبة.
[القسم الثالث]: تلازم الظاهر والباطن وهي قاعدة محكمة قال بها علماء أهل السنة، ومن خلال هذه القاعدة حكموا بأن الإيمان الباطن لا بد وأن يتبعه ويلازمه إيمان الظاهر بأعمال الجوارح، ولكنهم في استدلالهم بنصوص هذا القسم جهلوا أمراً هاماً وهو أن التلازم بين الظاهر والباطن يختلف باختلاف قوة الإيمان ودرجته، ولما كان للإيمان أصل وفرع، فتلازم الأصل هو حركة اللسان بالإقرار بالشهادتين وكافة ما يطلب من شرائع الدين ولهذا وجدنا المحققين من علماء أهل السنة ينصون على تلازم إقرار اللسان مع أصل الإيمان الواقر في القلب: قول القلب (التصديق) وعمله (الانقياد) وأنه لا يصح أصل الإيمان إلا بثلاثة عناصر تصديق القلب وانقياده ولازمهما الحتمي من الإقرار بالشهادتين، أما فرع الإيمان وهو ما زاد على أصل الإيمان ودخل في إطار الواجب، فلازمه أداء الواجبات والفرائض والكف عن المحرمات، وأما فرع الإيمان الزائد على الواجب وهو الإيمان المستحب الكامل فلازمه – غلاؤه على لوازم الإيمان الواجب – أداء النوافل والكف عن المكروهات، وخلاصة الأمر أن لكل قسم من أقسام الإيمان لازمه ولازمه الأصل الإقرار ولازم الواجب أداء الفرائض والكف عن المحرمات ولازم المستحب أداء السنن والكف عن المكروهات، فإن انتفت أعمال الجوارح الداخلة في إطار الإيمان المستحب علمنا أن صاحب هذا الإيمان ليس من أهل هذه المرتبة، وإن انتفت أعمال الجوارح الداخلة في إطار الإيمان المستحب علمنا أن صاحب هذا الإيمان ليس من أهل هذه المرتبة، وإن انتفى الإقرار – وهو عمل جارحة اللسان – علمنا أن هذا الممتنع عن الإقرار كافر الكفر الأكبر لأنه ليس من أهل مرتبة أصل الإيمان وحده الأدنى الذي أصله في القلب من قول القلب وعمله ولازمه من الإقرار، ولما خفي هذا التقسيم الذي قال الفقهاء على أولئك المعاصرين ظنوا أن القاعدة المحكمة تنص على دخول أعمال الجوارح في أصل الإيمان فحكموا بالكفر الأكبر على تارك أعمال الجوارح دون اعتبار الإقرار والنظر إليه مع أنه أدنى لازم اعتد به أهل السنة والجماعة ونصوا عليه، وسيأتي بإذن الله تعالى تفصيل ذلك وتأصيله في الرد التفصيلي على أدلتهم التابعة لهذا القسم.
[القسم الرابع]: آيات في كتاب الله تعالى تحكم بالكفر على المتولي عن الطاعة، وظنوا من هذه الآيات أن المقصود بالتولي عن الطاعة هو التولي عنها بأعمال الجوارح، وبالتالي استدلوا بهذه الآيات على دخول جنس عمل الجوارح في أصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، ولكنهم في استدلالهم بنصوص هذا القسم جهلوا أمراً هاماً وهو: أنّ التولي عن الطاعة قد يكون بالقلب والجوارح فهذا كفر أكبر لأنه يلازمه جحود القلب وقد يكون بالجوارح فقط مع اعتقاد القلب لوجوبه، فهذا قد صارت له حسنه بطاعة القلب (الاعتقاد) وسيئه (بمعصية الجوارح) فلا يكفر الكفر الأكبر أبداً ومطلقاً.
[القسم الخامس]: استدلالهم بأحاديث كفر تارك الصلاة ونقلهم إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة والممتنع عن الزكاة، وظنوا أن هذا الإجماع من أقوى الأدلة الشرعية على كفر تارك جنس عمل الجوارح، وذلك لكون الصلاة والزكاة من أعمال الجوارح، ولكن في استدلالهم بأدلة هذا القسم جهلوا أموراً هامة: الأول: أن الخلاف في مسألة تارك الصلاة خلاف معتبر بين أئمة أهل السنة والجماعة ويستحيل صحة الإجماع مع مخالفة كثير من السلف والخلف لهذا الإجماع، بل ذكر النووي أنه قول جماهير السلف والخلف وأن المصير إليه متعين لأنه القول الذي يجمع بين مختلف الأدلة، الثاني: أن الأحاديث نصت على كفر تارك الصلاة، فالإجماع المتعين على تسمية تارك الصلاة كافر لدلالة النصوص الصحيحة عليه ويبقى فقه هذا الكفر هل هو كفر أكبر أم كفر دون كفر أي كفر داخل إطار الملة، فصاحبه يسمى كافراً وإن كان في نفس الوقت وقد نصت أحاديث على كفر المقاتل للمسلمين والقاتل من باب الاولى ثم جعلت للقاتل أخوة الإيمان بدليل قوله تعالى في حق القاتل (فمن عفى له من أخيه شيء فهو كافر ولكن كفر دون كفر بدليل باحتفاظه بأخوة الإيمان وهو شيء أجمع عليه علماء أهل السنة، فما المانع أن يكون المقصود بإجماعهم هو إجماعهم على أنه كفر ولكن داخل في إطار الملة و هو قول جماهير السلف و الخلف من أئمة الفقه والعلم و الدين بل وهو قول الأئمة المجتهدين الكبار الثلاثة مالك وأبو حنيفة والشافعي وهو رواية صحيحة عن الإمام أحمد صححها ابن قدامة المقدسي في كتابه المغني، الثالث: أن النصوص ولت كذلك على عدم كفر تارك الزكاة الكفر الأكبر لكونه تحت المشيئة – وهذا هو قول أكثر الفقهاء الأئمة المقتدى بهم في العلم والدين، وهذا الأمر يقوي جانب أنه كفر في إطار الملة وليس كفراً أكبر ما كان مقراً بالزكاة ناوياً لأدائها، بخلاف الجاحد لها بقلبه أو بدا على صفحات لسانه وعمله ما يدل على جحوده لها وإنكاره لفرضيتها، الرابع: أن السعي إلى تصحيح هذا الإجماع وحمله على الكفر الأكبر إساءة واضحة لغالب أئمة الدين الذين جعل الله تعالى لهم قدم صدق في الأمة وجعل لعلمهم القبول في الأرض، إذ كيف يتأتى لهم مخالفة إجماع الصحابة مع الأصوليون أكثرهم على أن مخالفة الإجماع لا سيما إجماع الصحابة كفر، وبالتالي لا بد من إعادة النظر في فهم نصوص هذا القسم بما يلائم الصواب والعدل وحسن الظن بأئمة العلماء المقتدى بهم في ملة الإسلام، وبما يخالف الغلو الذي لا يأخذ بصاحبه إلا إلى الهلاك ((هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً: الحديث … و إياكم والغلو في الدين)) وكلا الحديثين حذر من الغلو الذي يؤول بصاحبه إلى هلاكه، (قلت) وسيأتي بإذن الله تعالى عند الرد التفصيلي بيان جوانب هذا القسم وبيان الراجح في هذه المسالة مدعماً بأصول الشريعة العامة وأدلة الكتاب والسنة وأقوال أكثر أئمة الفقه المجتهدين.
[القسم السادس]: استدلالهم بأقوال بعض أئمة العلم في زمان التابعين وبعده كنافع وسعيد بن جبير والحكم بن عتبة وكالحميدي والآجري في كفر تارك الصلاة أو كفر المباني الأربعة العملية أو دخول العمل في أصل الإيمان، وكل ما استدلوا به في هذا القسم لم يفهموا أبعاده الأصولية والفقهية، بل أخذوه على ظاهره، مع أن في نفس جميع ما استدلوا به من أقوال هؤلاء مفاتيح فهم النصوص وتنزيلها على ما أرادوه منها، فكل ما جاء في كفر المباني الأربعة مبني على الجحود لها أو الامتناع الاستكباري الذي يلمح منه انتفاء عمل القلب وهو الانقياد للحكم، وإلا فالحكم بالكفر على تارك المباني الأربعة بمجرد الترك قول شاذ لا يوافق عليه أكثر الأئمة الفقهاء بدلالة الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، والجمهور على خلافه، فلا ينبغي جعله من الأصول التي يستدل بها على أسس الإيمان والكفر والحكم على الناس من خلاله، وكذا فإن كفر تارك الصلاة مسألة خلافية رجح كثير من الأئمة أنه كفر دون كفر وبالتالي لا يصح اعتماده كأصل لا سيما وقد صرح شارح العقيدة الطحاوية أن من قال من العلماء بكفر تارك الصلاة لم يجعله أصلا اعتقادياً يكفر به تارك العمل دائماً قال بكفره لأدلة إضافية أي تقبل الاجتهاد، وكذا فإن العمل قسمان عمل القلب وعمل الجوارح وحمل كلام السلف على أحدهما يتأتى بالعلم بفهم السلف للإيمان وتقسيمهم له لأصل وفرع وحدود كل قسم، وهذا ما لم يتحقق المعاصرون منه، والرد على تلك الشبهات سيأتي بالتفصيل بعد هذا البيان المجمل للأقسام التي تنضوي تحتها أدلتهم.
[القسم السابع]: قولهم بأن من الأعمال المجردة ما هو كفر أكبر وبالتالي فمن الأعمال ما يدخل في أصل الإيمان وتركه كفر أكبر مخرج من الملة، وسأفرد لهذا الأمر مبحثاً مستقبلاً لبيان أوجه الصواب والخطأ فيه، ولكن لا مانع من الإشارة إليه الآن موجزاً، وهو أن فهمهم لهذه القاعدة خطأ محض، والأعمال المجردة ليس فيها كفر أكبر البتة، بل الكفر الأكبر اعتقادي، صحيح هناك أعمال حكم أهل السنة على المتلبس بها بالكفر الأكبر كسب الدين وإهانة المصاحف والاستهزاء بالدين والسجود للأصنام، ولكنهم – أي العلماء الفقهاء المحققون من أئمة العلماء المنتسبين إلى السلف والتحقيق – يقولون بأن هذه الأعمال دليل على ما في القلب من العناد والكفر ودليل على انتفاء عمل القلب من الانقياد وبالتالي هو كفر عملي فيما يظهر للناس وهو في حقيقته كفر اعتقادي لا يكون إلا من كافر، وبهذا الفقه قال ابن تيميه والقاضي عياض والعلامة الشوكاني ونقله الشيخ حافظ حكمي عن عامة السلف وعلماء أهل السنة، وبعد: فهذه الأقسام السبعة التي تحوي غالب أدلتهم وهي كما ذكرت لم يفهموها على وجهها الذي أراده علماء أهل السنة الأئمة وقد تناولت بيانها ببعض من التفصيل في كتابي مفاتيح علم الإيمان والكفر من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية لمن أراد المزيد من الاستدلال.
[المفتاح الثاني]: الرد على من كفّر بعمل الجوارح المجرد الكفر الأكبر، دون تفريق بين أعمال كفريه من نوع الكفر الأكبر، وأعمال كفريه من نوع الكفر في إطار الملة: ذهب بعض المعاصرين كعبد القادر بن عبد العزيز في كتابه الجامع لطلب العلم، في الاستدلال على كفر كل من ترك حكم الله بمجرد القول دون اعتبار لاعتقاد القلب وإقرار اللسان. فذهب بداية إلى إثبات أن الآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، [المائدة:44]، في صياغتها اللغوية تدل على الكفر الأكبر، وهذا هو الصواب، إلاّ أنه لم يفهم ما فهمه علماء أهل السنّة من المقصود بالترك، وأنه ترك كلى، فيتناول عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب في الآية جحد حكم الله أو استحلال الحكم بغيره، وعمل الجوارح هو تركها لحكم الله، ثم بني على ذلك أن مناط الآية هو مجرد ترك الجارحة ولو مع الاعتقاد للحكم والإقرار به، ثم أسقط حكم الآية على أمة الإسلام إلا قليلاً وكفّر بها الحكام والقضاة والعاملون في وظائف الدولة، والقائمون على المجالس التشريعية والأجهزة التنفيذية ولم يترك من الأمة أحداً إلا هو وشيعته، ولا أدرى كيف ترضى نفسية مسلم سوي يسمع أن الله تعالى شهد لهذه الأمة بالخيرية ثم يسوغ لنفسه تكفيرها إلا قليلاً، وإليك ما أستدل به على أنّ المقصود بالآية إذا عاملناها بقواعد اللغة الكفر الأكبر المخرج من الملة، قال في كتابه الجامع لطلب العلم: ((أن الله سبحانه وتعالى قد أكد الكفر في هذه الآية وبالغ في وصفه وتغليظه بأسلوب هو من أقوى أساليب اللغة في إفادة المعنى وهو: أ – مجيء الكفر بلفظ الاسم وهو دال على ثبوت الكفر ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث، ب – تصدير الاسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى {الكافرون} بما يعنى أنه الكفر الأكبر كما سبق ذكره في المقدمة الثانية عشرة، ج – إتيانه سبحانه بجملة جواب الشرط في صورة مبتدأ وخبر معرفتين {أولئك… الكافرون}، وذلك من علامات انحصار الخبر {الكفر} في المبتدأ {أولئك} وهو اسم إشارة يعود على{من لم يحكم بما أنزل الله} وانحصار الخبر المعرف بأل في المبتدأ فيه مبالغة في حصول كمال معناه في المحكوم عليه {وهو المبتدأ} أي مبالغة في حصول كمال الكفر لأولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله.. د – ومجيء المبتدأ في جملة جواب الشرط في صيغة اسم الإشارة {أولئك} زيادة في الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله {من لم يحكم ……} باستحقاق الكفر، هـ – وتقديم المبتدأ على الخبر في جملة جواب الشرط وإن كان هو الأصل في اللغة إلا أنه يفيد في أن كون المبتدأ {أولئك} متصفاً بالخبر {الكافرون} هو المطلوب بيانه، كما أن هذا التقديم يفيد زيادة تخصيص، و – وإدخال ضمير الفصل {هم} بين المبتدأ والخبر {أولئك هم الكافرون} يفيد اختصاص المبتدأ بالخبر، أي اختصاص أولئك {الذين لم يحكموا بما أنزل الله} بالكفر، والخلاصة: أن أسلوب هذه الآية من جهة بنية ألفاظها وتركيبها بلغ الغاية في إفادة المعنى، وهو أن أولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله قد بلغوا الغاية في الكفر) ([120]) .
((قلت)) كلامه في هذه الجزئية حق ولكنه كما أشرت لم يفهم ما فهمه السلف من معنى الترك وأنه يتناول ترك عمل القلب {الاعتقاد} وترك عمل الجوارح، وهذا الترك الكلى يحتم الكفـر الأكبر، أما الترك الجزئي المتعلق بالجارحة مع بقاء إقرار اللسان وانقياد القلب وتصديقه واعتقاده للحكم فهذا كفر في إطار الملة، وقد نقلت أكثر من ستين قولاً لأئمة الفقهاء والعلماء كلهم على هذا التفصيل، أما هذا المؤلف فقد سلك مسلك الغلو فراح يذكر بعد ذلك أن مناط الكفر الأكبر هو ترك عمل الجوارح ثم راح يسقط حكم الآية على أكثر أهل القبلة، فقــال: في بيان أن مجرد ترك الجارحة كفر أكبر، وإقراره بمخالفته بذلك من أهل العلم ثم تطاوله عليهم بوصفهم بالإرجاء الذي لا يعلم هو حدّه ولا ضابطه، ((فقد ذهب البعض وهم كثير ـ إلى أن من ترك الحكم بما أنزل الله لا يكفر إلا أن يكون جاحداً للحكم الذي تركه أو مستحلاً لتركه، أما إن فعل ذلك لهوى أو شهوة فلا يكفر، وهذا محض قول غلاة المرجئة الذين كفرهم السلف، فقد قال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، ولا يختلف أهل العلم وأهل اللغة أن الكفر المعرف بأل ـ كما في هذه الآية هو الكفر الأكبر كما لا يختلف أهل العلم في أن الكفر إذا أطلق في القرآن فهو الكفر الأكبر،…. فدلـت الآيـة على كفـر من ترك الحكـم بما أنـزل الله، وعلق الحكم بالكفر على مجرد التـرك ) ([121]) .
ثم أسقط الحكم بالكفر الأكبر على كل من خالف فكره فقال: ( وبهذا تعلم أن تارك الحكم بما أنزل الله ـ كالسلاطين والقضاة في البلاد المحكومة بقوانين وضعية ـ هو كافر كفراً أكبر بمجرد تركه دون نظر إلى جحد أو استحلال، فإذا أضاف إلى ذلك الحكم بشرع مخالف لشرع الله فهذا سبب مكفر آخر غير الترك، فيكفر أيضاً من هذا الوجه فإذا أضاف إلى ذلك وضعه للتشريعات المخالفة فهذا سبب مكفر ثالث، فالسلاطين والمشرعون والقضاة بهذه البلاد كلهم كفار كفراً أكبر، ومنهم من ترتب كفره على علة واحدة منهم من ترتب كفره على علتين ومنهم من ترتب كفره على ثلاث علل كل منها مكفرة بذاتها ) ([122]) .
ولأن الغلّو لا يقف عند حد، فقد أطلق المؤلف لقلمه العنان في تكفير الأمة جميعاً إلا من كان على مثل حاله، بسبب فهمه الخاطئ والذي يضاهي فهم الخوارج للآيـة الكريمـة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وإعراضه عن فهم فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة لهذه الآية وضوابطهم لتطبيقها على أهل القبلة، يقول: ـ في بيان حال شتى بلدان المسلمين ـ: إن البلاد المحكومة بقوانين وضعية ـ كما هو الحال في شتى بلدان المسلمين اليوم ـ لها أحكام خطيرة يجب أن يعلمها كل مسلم ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة، وهن هذه الأحكام: أ – أن حكام هذه البلاد كفار كفراً أكبر خارجون من ملة الإسلام، ب – أن قضاة هذه البلاد كفار كفراً أكبر، هذا يعنى تحريم العمل بهذه المهنة، ودليل كفر هؤلاء الحكام والقضاة هو قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافـرون} [المائدة: 44] …، ج – أنه لا يجوز التحاكم لمحاكم هذه البلاد ولا العمل بها، ومن تحاكم إلى قوانينهم راضياً بها فهو كافر أيضاً، د – أن أعضاء الهيئات التشريعية بهذه البلاد ـ كالبرلمان ومجلس الأمة ونحوه ـ كفاراً كفراً أكبر ـ لأنهم هم الذين يجيزون العمل بهذه القوانين الكافرة وهم الذين يشرعون ما يستجد منها، هـ – أن الذين ينتخبون أعضاء هذه البرلمانات هم كفار كفراً أكبر، لأنهم بانتخابهم هذا إنما يتخذونهم أرباباً مشرعين من دون الله، فالعبرة بالمسمى، ويكفر أيضاً كل من دعا إلى هذه الانتخابات أو شجع الناس على المشاركة فيها، ودليل كفر نواب البرلمانات هو قوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وقولـه تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ولم يختلف المفسرون في أن هذه الربوبية كانت في التشريع من دون الله، فنواب البرلمانات هم أرباب ينازعون الله حق التشريع، والذين ينتخبونهم يتخذونهم أرباباً من دون الله،..، و – أنه تحرم مبايعة هؤلاء الحكام على تقلد الحكم بهذه البلاد أو على الاستمرار فيه كما يجرى في الاستفتاءات الخاصة بذلك، لما في هذه المبايعة من إرادة دوام الكفر، ومن أراد ذلك كفـر، ز – أن الجنود المدافعين عن هذه الأوضاع الكافرة هم كفار كفراً أكبر، لأنهم إنما يقاتلون في سبيل الطاغوت قال تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76] والطاغوت الذي يقاتلون في سبيله هنا هو طاغوت الحكم المتمثل في الدساتير والقوانين الوضعية والحكام الذين يحكمون بها قال تعالى {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء:60]، فكل ما تحوكم إليه من دون الله فهو طاغوت، ويدخل في هذا الحكم كل من يدافع عن هذه الأنظمة الكفرية بالقتال دونها كالجنود، أو يدافع عنها بالقول كبعض الصحافيين والإعلاميين والمشايخ. ولهذا فإنه تحرم الخدمة في جيوش هذه الدول الكافرة…، ح – أنه لا طاعة لحكام هذه الدول على مسلم ولا يجب عليه الالتزام بقوانينها، بل هو في حلٍ من مخالفتها كيفما شاء بشرطين: ألا يفعل مالا يجوز له شرعاً وألا يؤذى مسلماً أو يظلمه، ط – أن البلد المحكومة بقوانين كافرة دار كفر، فإن كانت تحكم من قبل بالشريعة ثم طرأت عليها قوانين الكفار وما زال يسكنها المسلمون، فهي دار كفر طارئ) أهــ ([123]) .
ثم تكلم عن كفر من سماهم أنصار الطواغيت وأدخل فيهم كثير من العلماء والعاّمة ثم ذكر أنّ كفرهم على التعيين لا يحتاج إلى استيفاء شروط وانتفاء موانع قال: ( وعلى هذا فأنصار الطواغيت في بحثنا هنا هم: أ – المناصرون بالأقوال، ويأتي على رأسهم بعض علماء السوء والمتعالمين الذين يسبغون الشرعية الإسلامية على الحكام الكافرين ويدرأون عنهم تهمة الكفر ويُسفّهون المسلمين المجاهدين الخارجين عليهم ويتهمونهم بالمروق والضلال ويغرون الحكام بهم. كما يدخل في المناصرون بالقول: بعض الكتاب والصحافيين والإعلاميين الذين يقومون بنفس هذا العمل، ب – المناصرون بالأفعال، ويأتي على رأسهم جنود الحكام الكافرين، سواء في ذلك جنود الجيش أو جنود الشرطة، الردء منهم والمباشر، فهؤلاء مُعَدّون بحكم دساتير هذه البلاد وقوانينها للقيام بأمور منها أ – المحافظة على النظام العام للدولة بما يعنى استمرار العمل بالدساتير والقوانيين الوضعية الكفرية ومعاقبة كل من يعارض ذلك أو يحاول تغييره، ب – حماية الشرعية الدستورية: وهى عبارة تعنى حماية الحاكم الكافر نفسه، لأنه يُعد عندهم حاكماً شرعياً بموجب الدستور، لأنه قد جرى نصبه وفق الإجراءات المبينة بالدستور الوضعي، ت – تأكيد سيادة القانون: بتنفيذ ما يوجبه الدستور والقانون ويدخل في ذلك تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الوضعية الطاغوتيه، ويدخل في أنصار الطواغيت كل من نصرهم بقول أو فعل مِن غير مَـن ذكرنا هنا حتى ولو كان هذا المناصر حكومة دولة أخرى فإنه يلحقها نفس الحكم. فهذا هو الطاغوت وهؤلاء هم أنصاره ) أهـ([124]) .
وقال في بيان حكمهم: ( وحكم أنصار هؤلاء الطواغيت هو فرع عن الحكم على الطواغيت، وحكم هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله أنهم مرتدون، أما حكم أنصارهم من علماء السوء والإعلاميين والجنود وغيرهم فهم كُفّار على التعيين في الحكم الظاهر ) أهــ([125]) .
((قلت)) الطامة أنه كفّر هؤلاء على التعيين كما نص عليه ” فهم كفّار على التعيين في الحكم الظاهر ” ومعنى التعيين أنه لا يحتاج إلى استيفاء شروط الكفر ولا استيفاء انتفاء موانعه ثم من هم هؤلاء الذين كفّرهم أليسوا في مجموعهم عامة المسلمين في بلدان المسلمين. بل هم جميع المسلمين إلا أقل القليل فهل الأمة التي جعلها الله تعالى خير الأمم يكون هذا حالها، وحقاً فمن قال هلك المسلمون فهو أهلكهم. وها هو يكفّـر من سماهم علماء السوء، وقد ذكر منهم الشيخ الشعراوي مع صدقه ونزاهته، والغلو يصنع هذا وأكثر، وها هو يكفر الجنود هكذا بإطلاق وهو يعلم أن خدمة الجيش إلزامية على كل مواطن في بلدان المسلمين وكل أمرئ حتماً يتعرض في زمان من عمره لهذه الفتنة وغالب العامة فيهم من الجهل ما فيهم فهل يكفر هؤلاء على التعيين كما قال المؤلف أم يعذرون بالجهل أم أن الأمور لا تؤخذ بهذا الغلوّ الذي إذا أهلك فإنما يهلك صاحبه كما قال صلى الله عليه وسلم: {هلك المتنطعون … قالها ثلاثاً}، ثم قال: ـ وهو يدلنا على خلاصة ما أداه إليــه غلّــوه ـ ((والخلاصة: أن مجرد تعمد ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر، فترك الحكم ذنب مُكَفّر ـ شأنه في ذلك شأن ترك الصلاة أو سب الله والرسول صلى الله عليه وسلم ـ فهذه ذنوب مكفّرة يكفر فاعلها بمجرد فعلها، ومن اشترط الجحد أو الاستحلال للتكفير بهذه الذنوب المكفرة فقد قال بقول غلاة المرجئة ـ الذين أكفرهم السلف ـ من حيث يدرى أو من حيث لا يدرى. واعلم أن هذا الخطأ الذي وقع فيه الهضيبي قد وقع فيه معظم المعاصرين مقلدين في ذلك لابن أبى العز في شرحه للعقيدة الطحاوية ولابن القيم في مدارج السالكين وأقوالهم كلها لا أصل لها ولا تقوم على دليل معتبر. وبهذا تعلم أن المعنى الصحيح لقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] أن كل من تعمد ترك الحكم بما أنزل الله فهو كافر كفراً أكبر، فكيف إذا انضاف إلى هذا التركِ الحكمُ بغيره، وهذا الحكم بالكفر الأكبر يعم كل من ترك حكم الله وكل من حكم بغيره سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل كقضاة الشرع أو كان يحكم بغير الشريعة في الأصل، ولا يستثنى من هذا الحكم أحد إلا المجتهد المخطئ من قضاة الشرع فإن المأثم مرفوع عنه بنص حديث عمرو بن العاص مرفوعاً ( وإذا حكم فاجتهد فأخطأ له أجر ) ([126]) .
الحديث متفق عليه. ويدخل في هذا الحكم دخولاً أولياً القضاة الحاكمين بالقوانين الوضعية، فإنهم ملتزمون بموجب الدستور والقانون أن يتركوا الحكم بما أنزل الله وأن يحكموا بغير ما أنزل الله بالقوانين الوضعيـة. وهم يفعلون هذا عامدين طواعية واختياراً منهم للعمل بهذه المهنة، عالمين بمخالفة ما يحكمون به لشريعة الله بحكم دراستهم للشريعة في كليات الحقوق وغير ذلك، فهؤلاء القضاة كفار كفـراً أكبر، ولا نرى أي احتمال لوجود مانع من موانع التكفير في حق أيٍّ منهم، هذا هو الصواب في هذه المسألة، والله تعالى أعلم أهــ ([127]) .
((قلت)): أنظر إلى غلوّه حتى قال بعد تخطئته للهضيبى: ( مقلدين في ذلك لابن أبى العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية ولابن القيم في مدارج السالكين وأقوالهم كلها لا أصل لها ولا تقوم على دليل معتبر) أهـ. وحق لي أن أتعجب، وقد نقلت أقوال قريب من ستين عالماً ممن يشار إليهم بالبنان كالإمام أحمد بن حنبل وأبى عبيد القاسم بن سلام ومحمد بن نصر المروزي وقبلهم من أئمة التابعين، وبعدهم من أئمة العلماء كلهم على التفصيل الذي ذكره حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، أهؤلاء كلهم أقوالهم لا أصل لها ولا تقوم على دليل معتبر، والمعتبر عنده فهمه هو للآية وهو الفهم المضاهي لفهم الخوارج والذي آل به رضي أم لم يرض إلى غلوّ في التكفير يضاهى به قول الخوارج حتى كفّر به الأمة إلا قليلاً نسـأل الله السلامة، ثم مع تدبر بقية النقل عنه نجده يصر على كفر كل من لم يحكم بغير ما أنزل الله سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل أو لا، قال ((وهذا الحكم بالكفر الأكبر يعم كل من ترك حكم الله وكل من حكم بغيره سواء كان يحكم بالشريعة في الأصل كقضاة الشرع أو كان يحكم بغير الشريعة في الأصل)) أ هـ. ثم يُصر على دخول القضاة أولياً وأنه لا يوجد أي احتمال البتة في التردد في كفرهم لعدم وجود أي مانع من موانع التكفير في حق أي منهم فقال ((فهؤلاء القضاة كفار كفراً أكبر، ولا نرى أي احتمال لوجود مانع من موانع التكفير في حق أي منهم وهذا هو الصواب في هذه المسألة)) أهــ، وقال: – وهو يُكفّر كل من لم يأخذ بغّلوه في فهم الآية -: ( والخلاصة، أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعاً قطعياً ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفَـهُ، فمن خالف في هذا الحكم فقد كَفَر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم ) ([128]) .
ومعنى خلاصته الخطيرة أن كل من لم يكفّر أنصار الطواغيت على التعيين فهو كافر، وقال: تحت عنوان: يُحكم على الممتنعين عن القدرة بدون استتابة، أي بدون تبيُن الشروط والموانع وكأنه يُنبه على أمر هام: ((تنبيه) على الفرق بين المنفرد والمقدور عليه، فالواحد من جنود المرتدين إذا ابتعد عن معسكره أو مقر عمله فإن هذا لا يُصـيره مقدوراً عليه، وإنما يُسمى هذا بالمنفرد وهو الشاذ، كما في حديث الرجل الذي قتل نفسه لما أثخنته الجراح وفيه أنه كان لا يدع من المشركين شاذّة ولا فاذّة إلا اتبعها فضربها بسيفه [حديث 742 بالبخاري] والشاذ هو المنفرد عن جماعة. والفاذ هو المنفرد الذي لم يكن في جماعة قبلاً. فالجندي الذي ابتعد عن معسكره هو منفرد شاذ وهو مع هذا ما زال ممتنعاً عن القدرة لأن طائفته يمكنها نجدته وإغاثته وتتعقب من يتعرض له وتنتصر له بعقاب من تعرّض له. وما دام ممتنعاً فإنه يُحكم عليه بدون تبين الشروط والموانـع) أهـ([129]) .
ومعنى كلامه أن جنود المرتدين ـ وهم أنصار الحكام وقد توسع في بيان أصنافهم حتى شمل غالب الأمة ـ كلهم كفّار غير مقدور عليهم وبالتالي لا يُحتـاج وحالهم هكذا إلى تبين شروط وموانع وأن جميعهم على هذا الحال مهدورة دماءهم وأموالهم، وهكذا نجد عبد القادر وأمثاله يسقطون أحكاماً بالتكفير على أهل القبلة وسفك دمائهم واستحلال حرماتهم، دون استيفاء شروط وانتفاء موانع، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
***
المبحث السابع خطورة الغلو في التكفير بلا ضابط من الفقه ولا ورع في الدين
[المفتاح الأول]: خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحه: أهل السنّة والجماعة يخالفون عامة الفرق في هذا الامر فالملاحظ على غالب الفرق الضالة الولوج في مسالك تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أمّا علماء أهل السنّة والجماعة فهم أشد الناس حرصاً على الاحتياط في تكفير المسلمين، وذلك لأنهم يعلمون أن تكفير المسلم جدّ خطير لأنه يعني أنه مرتد مهدور الدّم والمال، يجب على أولياء أمر المسلمين قتله بعد استتابته وإقامة الحُجة عليه، ويعني أنه لا يحل لزوجته البقاء معه لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة زوجة لكافر، ويعني أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين بل تجري عليه أحكام الكفّار من عدم تغسيله وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين ولا يُورث ماله، وهو إذا مات على حالة من الكفر فلا تجوز الرحمة عليه بل يستوجب اللعنة والخلود الأبدي في النار،
[المفتاح الثاني]: من أدلة علماء أهل السنّة والجماعة على قاعدة خطورة تكفير المسلم ووجوب الاحتياط عند الحكم عليه، أحاديث عديدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها: (1) قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلاّ رجعـت عليـه) ([130]) .
(2) قوله صلى الله عليه وسلم: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه) ([131]) .
(3) قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) ([132]) .
(4) قوله صلى الله عليه وسلم:(ثلاث من أصل الإيمان الكف عّمن قال لا إله إلاّ الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالقدر)([133])
[المفتاح الثالث]: من أقوال علماء أهل السنّة والجماعة التي تدل على حرصهم الشديد على عدم تكفير المسلم إلاّ بالشيء المجمع عليه: يقول الغزالي رحمه الله: (والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم) أهــ ([134]) .
ويقول أيضاً: (لم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلابد من دليل عليه، وثبت لنا أنّ العصمة مستفادة من قول (لا إله إلاّ الله) قطعاً فلا يدفع ذلك إلاّ بقاطع، وهذا القدر كاف في التنبيه على أنّ إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان، فإن البرهان إمّا أصل أو قياس على أصل والأصل هو التكذيب الصريح، ومن ليس بمكذب فليس في معنى الكذب أصلاً يتبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة) أهــ([135]) .
والمستفاد من هذا النقل أنّ من أقر بالشهادتين فإن له العصمة (عصمة الدم والمال) بيقين فلا تدفع إلاّ بيقين مماثل كالتكذيب الصريح بشيء من دين الله قامت عليه الحُجة الشرعية بـه، ويقول النووي رحمه الله: ( أعلم أنّ مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع ـ الخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ـ وأنّ من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حُكم بردته وكفره إلاّ أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفى عليه، فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذلك من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة ) ([136]) .
، فالنووي رحمه الله ينسب إلى مذهب أهل الحق عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب وعدم تكفير أحد من أهل الفرق الضالة والأهواء والبدع ممن يقر بالإسلام ويعتقده، وأنه لا يكفر بيقين إلاّ من جحد المعلوم من الدين بالضرورة أو المستحل للمحرمات التي يُعلم تحريمها بالضرورة ولا يكفر حتى تقام عليه الحُجة الشرعية بذلك، ويقول ابن عبد البرّ رحمه الله: ـ( كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين ثم أذنب ذنباً أو تأول تأويلاً فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام، لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب حُجـة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلاّ باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنّة والجماعة ـ وهم أهل الفقه والأثر ـ على أنّ أحداً لا يخرجه ذنبه ـ وإن عظم ـ من الإسلام وخالفهم أهل البدع، فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له كتاب أو سنّة ) أهـ،([137]) .
ولله دره، فكل من ثبت له عقد الإسلام بإجماع فهذا لا يكفر إلاّ بإجماع آخر أو دليل لا معارض له بحيث يمكن به ترجيح جانب عدم الكفر، ولله دره فكم بلغ من احتياطه في مسائل التكفير حتى أنه يقول (فالواجب في النظر أن لا يكفر إلاّ من اتفق الجميع على تكفيره أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له.
[المفتاح الرابع]: المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحجة الشرعية: علماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة وبعض المتعجلين في مسائل التكفير دون التحقق من استيفاء شروطه وانتفاء موانعه، والذي عليه أهل السنّة والجماعة أن المسلم المتلبس بالكفر لا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة الشرعية بالكفر ولا يتوقف ذلك على حديث العهد بالإسلام ومثله، فقد يكون مولوداً بدار إسلام ولكن غاب عليه أن ما فعله كفر أكبر أو تأول ذلك وهو لا يظن أن ما وقع فيه هو الكفر الأكبر، ولذلك فإقامة الحُجة ليست مقصورة على حديث العهد بالإسلام فقط وإنما على كل مسلم أقر بالإسلام وتلبس بالكفر، قال ابن قدامة المقدسي حيث يقرر تلك القاعدة بقوله: (وقد رُوى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ، فيخرج فيمن كان مثلهم مثل حكمهم، وكذلك كل جأهل بشيء يمكن أن يجهله لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك ) ([138]) .
وقال العينى في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: ((أشار البخاري بهذه الآية الكريمة إلى أن قتال الخوارج والملحدين لا يجب إلاّ بعد إقامة الحُجة عليهم وإظهار بطلان دلائلهم والدليل عليه هذه الآية لأنها تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون)) ([139]) .
[المفتاح الخامس]: [ضوابط أهل العلم في إقامة الحُجة وكونها معتبرة شرعاً]: لأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث قواعد لا يسع أهل العلم اهمالها، وإلاّ آل الأمر بهم إلى التعجل في تكفير أهل القبلة، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في: (1) لا تكون الحجة معتبرة شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها، (2) لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه، (3) عند الاختلاف في تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير،
(الضابط الأول): لا تكون الحجة معتبره شرعاً حتى تستوفي شروطها من جهة صفتها وصفة من يقيمها وصفة إقامتها: والحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث، جهة صفة الحُجة، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة صحيحة صريحة أو إجماع أهل العلم، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالإسلام والعدالة والعلم والدليل على ذلك قوله تعالى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] فالنذارة لا تكون إلاّ من فقيه ولهذا يقول ابن حـزم في كتـاب الإحكـام ( وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين، فإذا كان الراوي عدلاً حافظاً لما تفقه فيه أو ضابطاً له بكتابة وجب قبول نذارته، فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابة فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل، أو غافل هو أم حافظ أو ضابط ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه، فيلزمنا حينئذ قبول نذارته أو يثبت عندنا جرحته أو قلة حفظه وضبطه فيلزمنا إطراح خبره ) ([140]) .
وعلى ذلك فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية على هؤلاء الذين يجهلونه، والله تعالى إنما أمر الجأهل أن يسأل من يعتقد أنه من أهل العلم بدليـل قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [ابراهيم: 4]، فإذا كان لا يعرف لغة مقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة عليه إلاّ بترجمان يترجم الحُجة إلى لغته التي يفهمها، ويُشترط فيها كذلك أن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها، ودليل ذلك قوله تعالى {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]، وقوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، وهذا الأمر هو ما دعا ابن حزم لأن يقول ( وصفة قيام الحُجة هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها ) ([141]) .
وعلى ذلك فالحُجة المعتبرة شرعاً يُشترط فيها كل ما سبق سواءً فيما يتعلق بصفة الحُجة نفسها أو صفة من يقيمها أو صفة إقامتها، فإن اختل شرط من تلك الشروط فلا يصح تكفير المسلم الذي يشهد الشهادتين بحُجة ناقصة أو غير معتبرة شرعاً، فهذا من صفات المتعجلين في التكفير الذين لا يعلمون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الدالة على خطورة تكفير المسلم والتي منها قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان ما قال وإلاّ رجعت عليه)) ([142]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلاّ حار عليه)) ([143]) .
(الضابط الثاني): لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه: وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(الأول): شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً عاقلاً عالماً بأن فعله مكفر متعمداً قاصداً لفعله مختاراً له بإرادته، وعلى ذلك فشروط الفاعل بمفرده خمسة لابد وأن تتحقق فيه وهي: البلوغ والعقل والعلم بكون ما وقع فيه مكفّر الكفر الأكبر المخرج من الملة والتعمد والقصد لهذا الكفر والاختيار التام له بحيث لا توجد عنده شبهة إكراه.
و(الثاني): شروط في الفعل نفسه (الذي هو سبب الكفر) وهذه الشروط تتمثل في أن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة، لأن من دخل الإسلام بيقين (أي الإقرار بالشهادتين) لا يخرج منه إلاّ بيقين، ولا يجوز الحكم على المسلم بالكفر واستحلال دمه وماله وعرضه بغير يقين، ومن شروط الفعل أن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره، كالسجود للعَالِم مثلاً، فقد يكون بقصد العبادة وهذا كفر أكبر وقد يكون بقصد التعظيم والتكريم وهذا معصية لا تصل إلى حد الكفر، ومن شروط الفعل أن يكون الدليل الشرعي صريح الدلالة على كفره الكفر الأكبر المخرج من الملة فإن، كان محتمل الدلالة فلا يجوز التكفير به، إذ الاحتياط في أمر المسلم أهم شرعاً من المجازفة بتكفيره.
و(الثالث): شروط في إثبات الكفر على صاحبه، وذلك لأنه قد يكفر الشخص ثم لا يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقتلهم بكفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر وإلاّ قتله، لم يحدث ذلك لأنهم ما ثبت كفرهم بشهادة مسلمين وإنما كان كفرهم فيما بين بعضهم بعضا، وكبير المنافقين أبي بن أبي سلول لمّا نزل فيه قولـه تعـالى {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] ما شهد عليه إلاّ غُلام من قومه فقط وهو زيد ابن أرقم رضي الله عنه وأرضاه ـ ولذلك لم يقم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّ الكفر ولا ثبت أنه استتابه قط،.
أمّا موانع تكفير المسلم التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في:
(أولاً): موانع في المعين وهي كثيرة منها الصغر والجنون فكلاهما لا يؤاخذ بشيء من أحكام الكفر لارتفاع القلم عن أقواله وأفعاله في هذا الشأن، وكذلك فمنها الخطأ كالذي ينطق بالكفر وهو لا يقصده لقوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ،} [الأحزاب: 5]، فإذا كان المعين بالغاً عاقلاً قاصداً للكفر كانت الموانع في حقه ثلاثة هي الجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع:
(أ) مانع الجهل: – ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر وهو يجهل أنه كفر أكبر مخرج من الملة، فجهله يمنع من الحكم عليه بالكفر حتى يُعّرف وينتفي عنه مانع الجهل.
(ب) مانع التأويل: – ومثاله أن يقع المسلم في الكفر الأكبر متأولاً لدليل شرعي ظنه يدل على عدم الكفر فأخذ به، أو بسبب عدم فهمه للدليل الشرعي الدّال على الكفر الأكبر فتأول لما وقع فيه من الكفر الأكبر وهو في قرارة نفسه لا يراه كفراً أكبر فهذا عند أهل السنّة والجماعة معذور بتأويله فلا يكفر إلاّ بعد أن تقام عليه الحُجة الشرعية المعتبرة شرعاً، والمتعجل بتكفيره مخالف لهدي أهل السنّة والجماعة.
(ت) مانع الإكراه: – ودليله قوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 16]، ومثاله أن يُكره المسلم على كلمة الكفر بتهديد بالقتل أو بالعذاب الشديد وغير ذلك من أمثلة الإكراه الملجئ إلى النطق بكلمة الكفر،
(الضابط الثالث): عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير: وهذا الضابط هو من أهم ما يميز أهل السنّة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره، وفي بيان هذا الضابط: يقول الإمام أبو حامد الغزالي: ( والذي ينبغي الاحتراز منه التكفير ما وجد إليه سبيلا فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم ) ([144]) .
***
([1]) صحيح البخاري 8/26 ح 6104، صحيح مسلم 1/79 ح 60 واللفظ له.
([3]) البحر المحيط لابن حبان جـ3/493 ط، دار إحياء التراث.
([5]) شرح العقيدة الطحاوية ص 331، ط المكتب الإسلامي.
([6]) شرح مسلم للنووي ج2 / 54.
([8]) المصدر السابق 6/10 ح 6016.
([9]) صحيح البخاري 5/158 ح 4332. صحيح مسلم 2/735 ح 1059.
([10]) صحيح البخاري 3/156 ح 2581،
([11]) صحيح البخاري 3/111 2359، 2359، 2362،و 3/187 ح 2708، .
([14]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج11/292 – 293.
([15]) صحيح البخاري 8/125 ح 6612، صحيح مسلم 4/2046 ح2657.
([17]) أحكام القرآن لابن العربي: 2: 275.
([18]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 7/77.
([19]) صحيح مسلم 1/81 ح6 شرح مسلم ج2/54.
([20]) صحيح البخاري 1/35 ح 121، صحيح مسلم 1/81 ح 65. فتح الباري ج13/21، وشرح النووي ج 2/55.
([21]) صحيح مسلم 1/82 ح 67، شرح النووي ج 2/57.
([22]) صحيح البخاري 8/77 ح 6362، فتح الباري 6/421.
([23]) صحيح مسلم 1/83 ح 68، شرح النووي 2/57.
([24]) الحديث سبق تخريجه ، فتح الباري 10/423 وشرح النووي 2/49.
([25]) صحيح مسلم 1/88 ح 82 شرح النووي ج2/70.
([26]) أخرجه مسلم 1/88 ح 82، شرح النووي 2/70.
([27]) أخرجه الخمسة عن بريدة صحيح الجامع الصغير 2/760، 3/ 414.
([28]) صحيح مسلم بشرح النووي ج 2/54.
([30]) الموطأ 1/123 ح 14، مسند أحمد 37/366 ح 22693، سنن أبي داود 2/560 ح 1420. وصححه جمع غفير من المحققين منهم النووي والشوكاني.
([31]) المغنى لابن قدامه ج 2/157 ـ 158.
([34]) التمهيد حـ 23 / 288 – 290.
([35]) تفسير القرطبي حـ 16 / 308.
([36]) أحكام القرآن لابن العربي حـ2/752.
([37]) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم ص 26 – 27 ط، دار الحديث
([38]) شرح العقيدة الطحاوية 313.
([39]) شعب الإيمان للبيهقي 1/44 و 1/49.
([40]) الاعتقاد للبيهقي ص 175.
([41]) الشفا للقاضي عياض 2/611.
([42]) العقيدة الطحاوية ص 313.
([43]) الشفا للقاضي عياض 2/611.
([44]) المغني لابن قدامة 2/157،المجموع للنووي 3/14 نيل الأوطار 1/291.
([46]) صحيح البخاري 4/206، الموطــأ 2/819 صحيح مسلم3/1317 ح 1691سنن أبي داود 6/494 ح4446 جـ4/154 وما بعده مسند الإمام أحمد 1/451 ح سنن ابن ماجة 3/125ح (2558).
([48]) الإتقان في علوم القرآن 1/28.
([50]) صحيح مسلم ك الحدود 3/1327 ح 1700 مسند الإمام أحمد 30/490.
([53]) كتاب الإيمان لأبي عبيد ص45 ط، المكتب الإسلامي.
([55]) البحر المحيط لابن حبان 4/270. ط دار الفكر
([57]) تفسير الطبري 8/429:430.
([59]) المصدر السابق 8/463. 464 ، 465.
([71]) أحكام القرآن للجصاص 4/ 93.
([73]) الجامع لأحكام القرآن ج6/190.
([77]) تفسير الواحدي( الوجيز) ج 1 / 321.
([79]) الناسخ والمنسوخ للنحاس: ج1 / 402.
([81]) التمهيد لابن عبد البر ج5 / 74: 75.
([84]) أحكام القرآ لابن العربي ج2 / 127.
([92]) تفسير أبي السعود ج3 / 42.
([93]) تفسير القرآن العظيم 3/120.
([94]) الموافقات للشاطبي 4/39.
([95]) تفسير البحرالمحيط 4/270.
([97]) تذكرة الأريب في تفسير الغريب ص 83.
([99]) تفسير الطبري ج: 19/643.
([100]) تفسير القرطبي: ج 10 / 118.
([102]) تفسير البغوي: ج 3 / 83.
([103]) تفسير الواحدي: ج 1 / 377
([104]) المصدر السابق ج 1 / 497.
([105]) تفسير النسفي: ج 2 /22.
([106]) تفسير البغوي: ج 2 / 353.
([109]) تفسير البيضاوي: ج 5 / 236.
([110]) تفسير أبي السعود: ج 7 / 30.
([111]) الردة عن الإسلام ص57 – 58 ط، مكتبة طيبة 1405 ه
([112]) ضوابط التكفير عند أهل السنّة ص 256.
([113]) تحكيم الشريعة وصلته بأصل الدين ص 41 – 42.
([114]) إن الله هو الحكم ص 88 – 91.
([116]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510.
([118]) صحيح البخاري 9/123 ح 7416.
([119]) صحيح مسلم 1/116 ح 126.
([120]) الجامع في طلب العلم جـ 2/860.
([121]) الجامع لعبد القادر صـ 466.
([123]) المصدر السابق ص 476: 477.
([126]) صحيح البخاري 9/108 ح7352، صحيح مسلم 3/411 ح 1716.
([127]) الجامع في طلب العلم ص 523.
([133]) سنن ابوداود 4/184 ح 2532،[الترمذي ح (1978) وقال حديث حسن وصححه ابن حبان (48) والحاكم 1/12:13 ووافقه الذهبي.
([134]) الاقتصاد في الاعتقاد ص 135.
([138]) المغني لابن قدامة حـ10/86.