الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: إنّ من معاني شهادة أن محمداً رسول الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً e هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق الله تعالى، وما ذرأ، وما برأ نفساً ـ أكرم عليه من محمد – e -، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} الحجر: 72]، إنّ من أهم أخلاق المسلم مع رسول الله e: مَحَبَّتُهُ – e -، إِذْ هِيَ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ – تَعَالَى-، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بوجودها ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بكمالها وهو أن تكون محبة النبي – e – تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] فَالآيَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ -تَعَالَى- وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ –e– يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ مَهْمَا كَانَ، وَهَذِهِ المَحَبَّةُ العَظِيمَةُ لِلنَّبِيِّ –e– لَازِمُهَا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ –e– أَوْلَى بِالمُؤْمِنِ مِنْ أَيِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَهْمَا كَانَ قُرْبُهُ مِنْهُ وَمَحَبَّتُهُ لَهُ، بَلْ هُوَ –e– أَوْلَى بِالمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا أَعْظَمَ المَحَبَّةِ، وَيُقَدِّمُهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، رَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ –e– قَالَ: “مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمُ: “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ”، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ –e– أَنَّهُ قَالَ: (أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ) ([1]) .
إِنَّ المَحَبَّةَ الكَامِلَةَ لِلنَّبِيِّ – e – الَّتِي يَنْجُو بِهَا العَبْدُ مِنَ العَذَابِ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا النَّعِيمَ، يَجِبُ أَنْ تَتَجَاوَزَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِ لِنَفْسِهِ، وَتَتَخَطَّى مَحَبَّتَهُ لِوَالِدَيْهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِ، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله e: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ([2]) . وقوله e: (فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) ([3]) .
لقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في أخلاقهم مع الرسول e، وأضرب في هذه الحلقة عشرين مثالا، على محبة الصحابة للنبي e، وتقديمهم أمر رسول الله e على خاصة أنفسهم، ومن ذلك:
(1) (الموقف الأول): أخرج البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قال: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ e وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ e: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ e الْآنَ يَا عُمَرُ) ([4]) .
(2) (موقف آخر): أخرج البخاري عَنْ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: (كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) ([5]) .
(3) (موقف آخر): أخرج البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ e عَنْ السَّاعَةِ فَقَال: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ e فَقَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ e أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ e وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ) ([6]) .
(4) (موقف آخر): أخرج مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ) ([7]) .
(5) (موقف آخر): عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ قَالَ: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ e بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ)([8]) .
(6): (موقف آخر): جاء في أسد الغابة للحافظ ابن حجر، وجاء في الشفا، للقاضي عياض: أرسل النبي e زيداً بن الدثنة في سرية عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي، ليفقهوا من أسلم من عضل والقارة في الدين ويقرئوهم القرآن، حتى إذا كانوا بالرجيع أتتهم هذيل فقاتلوهم، ووقع بعضهم في الأسر، ومنهم زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فأمر به مولى له يقال له: نسطاس فخرج به إلى التنعيم فضرب عنقه ولما أرادوا قتله قال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: نشدتك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً) ([9]) .
(7) (موقف آخر): أخرج البخاري: لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}، ظن الصحابي الجليل ثابت ابن قيس رضي الله عنه أنه المقصود في الآية فحبس نفسه في بيته لأنه بحسب رأيه رأى أنه قد آذى النبي e وتجاوز الأدب معه، على الرغم من أن طبيعة صوته جهورياً دون أن يقصد رفعه على صوت النبي e، فقد أخرج البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ e افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ فَقَالَ: شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ e فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ –أحد الرواة- فَرَجَعَ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة) ) ([10]) .
(8) (موقف آخر): أخرج البخاري في قصة عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى الرسول e في الحديبية يكلمه في أمر قريش، وقد انتدبته قريش لذلك، وعندما رأى حب الصحابة للنبي e، رجع إلى قريش فقال لهم: (أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه تعظيم أصحاب محمد، والله إن تنخم نخامة إلاّ وقعت في كف رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له) ([11]) .
(9) (موقف آخر): أخرج الحاكم في المستدرك: عن أبي أمامة الباهلي عن أبي أيوب قال لما نزل علي رسول الله e قلت بأبي أنت وأمي أني أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله e إني أرفق بي أن أكون في السفلى لما يغشانا من الناس، قال فلقد رأيت جرة لنا انكسرت فاهريق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها، ننشف بـها الماء فرقـاً أن يصل إلى رسول الله e شيء يؤذيه) ([12]) .
(10) (موقف آخر): (مر النبي e بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها بأحد، فلما نعوا لها قالت : فما فعل رسول الله e؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت : أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير إليها حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَلَلٌ ـ تريد صغيرة) ([13]) .
(11) (موقف آخر): (قال زيدُ بنُ ثابت: بعثنى رسُولُ اللهِ e يوم أُحُدٍ أطلُب سعدَ بنَ الرَّبيعِ، فقال لي: (إنْ رَأَيْتَهُ فأقرئه منِّى السَّلاَمَ وقُلْ لهُ: (يقولُ لَكَ رسُولُ الله e: كَيْفَ تَجِدُكَ)؟ قالَ: فجعلتُ أطوفُ بَيْنَ القَتْلَى، فأتيتُه وهو بآخِرِ رَمَق، وفيه سبعونَ ضربةً ما بين طعنةٍ برُمح، وضربةٍ بسيف، ورميةٍ بسهم فقلت: يا سعدُ إنَّ رسولَ الله e يقرأ عليكَ السَّلامَ، ويقول لك: أخبرني كيف تَجِدُكَ؟ فقال: وعلى رسولِ الله e السلامُ، قل له: يا رسُولَ اللهِ أَجِدُ ريحَ الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذْرَ لكم عند الله إن خُلِصَ إلى رَسُولِ اللهِ e وفيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نفسُهُ من وقته) ([14]) . سعد بن الربيع رضي الله عنه في آخر لحظات عمره وقد أثقلت جسده الجراح يوم أحد، لا يسأل إلا عن رسول الله، ويُحَمِّل أخوته الأنصار المسؤولية أمام الله إن وصل الكفار إليه.
(12) (موقف آخر): أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلنَّ كلهنَّ مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق! ما عندي إلا ماء، فقال: (من يضيف هذا الليلة رحمه الله) فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنَّا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي e فقال: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)]، ([15]) .
(13) (موقف آخر من مواقف المحبة): صهيب الرومي رضي الله عنه لما خرج من مكة مهاجراً يريد الالتحاق بحبيبه ونبيه e لحق به كفار قريش يريدون منعه من إكمال مسيره نحو الغاية التي يريد، فأعطاهم ما يملك، فتركوه وشأنه فأنزل الله تبارك وتعالى فيه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، وهكذا هو شأن الصحابة الكرام يضحي أحدهم بما يملك لينال شرف الصحبة مع النبي e، ذكر الإمام القرطبي في [تفسيره]: نزلت {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} في صيهب فإنه أقبل مهاجراً إلى رسول الله e فأتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته وأخذ قوسه وقال: لقد علمتم أني من أرماكم، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما قَدِم على رسـول الله e نزلت: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} الآية، فقال له رسول الله e: ربح البيع أبا يحيى، وتلا عليه الآية، أخرجه رزين وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما، وقال المفسرون: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى فقال له صهيب: وبيعك فلا يخسر فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا وقرأ عليه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}) أه([16]) .
(14) (موقف آخر من مواقف المحبة): أخرج البخاري في صحيحه باب (كيف كان عيش النبي e وأصحابه، وتخليهم من الدنيا): (أن أبا هريرة كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمد بكبدي على الأرضِ من الجوع، وإن كنت لأشد الحجرَ على بطني من الجوعِ، ولقد قعدتُ يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم e فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: (يا أبا هر) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق)، ومضى فاتَّبعته، فدخل فأستأذن، فأذن لي فدخل، فوجد لبناً في قدح فقال: (من أين هذا اللبن)، قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: (أبا هر). قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (إلحق إلى أهل الصفة فادعهم لي)، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله e بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: (يا أبا هر)، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (خذ فأعطهم) قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد عليَّ القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي e وقد رويَّ القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم فقال: (أبا هر)، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت)، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: (اقعد فاشرب)، فقعدت فشربت، فقال: (أشرب)، فشربت فما زال يقول: (أشرب) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: (فأرني)، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة) ([17]) .
(15) (موقف آخر من مواقف المحبة): قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على أبنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله e طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت : بل هو فراش رسول الله e، وأنت رجل مشرك نجس) ([18]) .
(16) (موقف آخر من مواقف المحبة): أخرج البخاري في صحيحه: عن سالم أبن عبد الله: أنه سمع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يحدث: أن عمر بن الخطاب، حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله e قد شهد بدرا، توفي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله e فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟، قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أن رسول الله e قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله e، ولو تركها لقبلتها،([19]) .
(17) (موقف آخر من مواقف المحبة): عمر القوي الأمين لا يتحمل خبر وفاة النبي e: أخرج الترمذي في خبر وفاة النبي e: وقف عمر بن الخطاب يقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله e توفي، وإن رسول الله e ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله e فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات، وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله e وهو مغشي بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكي، ثم قال : بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مِتَّهَا، ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال : اجلس يا عمر، فأبي عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد: من كان منكم يعبد محمداً e فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا، وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144]، قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها، قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تُقُلِّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي e قد مات، وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على أهل المدينة أرجاؤها وآفاقها، قال أنس: ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله e، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا دخل علينا أظلم من يوم مات فيه رسول الله e ، وعنه قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله e المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، ولما نفضنا عن رسول الله e الأيدي، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا) ([20]) .
(18) (موقف آخر من مواقف المحبة):أخرج الإمام أحمد وابن هشام في سيرته عن أبي سعيد الخدري قال : لما أعطي رسول اللّه e ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ، حتى قال قائلهم : لقي واللّه رسول اللّه e قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا رسول اللّه إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟)، قال : يا رسول اللّه ما أنا إلا من قومي، قال : (فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة)، فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه e فحمد اللّه وأثني عليه، ثم قال: (يا معشر الأنصار ما قَالَهٌ بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها على في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه؟ وعالة فأغناكم اللّه؟ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم؟) قالوا: بلي، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفْضَل ُ ثم قال : (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟) قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه؟ للّه ورسوله المن والفضل، قال: (أما واللّه لو شئتم لقلتم فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ: أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسَيْنَاك، أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه e إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) فبكي القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا: رضينا برسول اللّه e قَسْمًا وحظا ً، ثم انصرف رسول اللّه e وتفرقوا)،([21]) .
اللهم ارزقنا حب النبي المصطفى المختار… كما أحبه المهاجرون والأنصار، اللهم آمين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([9]) أسد الغابة 1/ 298، الشفا، 2/105.
([11]) صحيح البخاري 3/193 ح 2731.
([12]) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/521 ح5939 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه
([14]) سير أعلام النبلاء 1/319، البداية والنهاية 5/424.
([15]) صحيح مسلم 3/1624 ح 2054.
([17]) صحيح البخاري 8/96 ح 6452.
([18]) تفسير البغوي 5/319 سيرة ابن هشام 2/396، سير اعلام النبلاء 2/155.
([19]) صحيح البخاري 7/13 ح 5122.
([20]) سنن الترمذي 5/588 ح 3618،
([21]) مسند أحمد 18/254 ح 11730، سيرة ابن هشام 2/498. البداية والنهاية 7/96.