[الفصل الثالث] الوهابية التيمية والدين الموازي
ويشتمل على تلك المباحث:
(المبحث الأول) نجد وحديث قرن الشيطان.
(المبحث الثاني) ابن تيمية شيخ اسلام الحشوية.
(المبحث الثالث) ابن تيمية والدين الموازي.
(المبحث الرابع) أخطاء ابن عبد الوهاب شيخ الوهابية.
(المبحث الخامس ) الرد على ابن عبد الوهاب في نواقض الإسلام العشرة.
(المبحث السادس) الرد على ابن عبد الوهاب فيما ذكره في كشف الشبهات.
(المبحث السابع) تقييم الحركة السلفية المعاصرة ما لها وما عليها.
(المبحث الثامن ) المباحث الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة.
(المبحث التاسع) يجب الحذر شرعا من كل شاذ غريب في مذاهب الوهابية
(المبحث العاشر) الوهابية ومحاولات سحب البساط من تحت أقدام أهل السنّة.
[تمهيد]: كل من يتابع العالم الإسلامي اليوم من أهل العلم بالدين يعلم حقيقة إنّ أخطر الفرق على أهل السنّة والجماعة في زماننا المعاصر: فرقتان: (الفرقة الأولى): هم الإمامية الصفوية الخمينية الاثني عشرية، و(الفرقة الثانية): هم الوهابية التيمية السلفية، وتكمن خطورة هاتين الفرقتين أنّ الأولى تتمسح في حب آل البيت وتدلس على المسلمين بهم، وآل البيت منهم براء، والفرقة الثانية تتمسح في السلف الكرام وتدلس على المسلمين بهم، والسلف الكرام منهم براء، وهاتان الفرقتان هما بحق أخطر الفرق المعاصرة على أهل الإسلام، فلولا الروافض الصفويين لكانت أوروبا اليوم على دين الإسلام لا تعرف دينا غيره، ولولا الوهابيين وبدعهم وضلالاتهم من الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتبديع والتضليل ومحاربة التخصصات الإسلامية في شتى علوم الدين، وطرحهم الموازي لدين الإسلام الحق في كل أبواب الدين والعلم، لكانت الامة الإسلامية اليوم على منهجية علمية واحدة تخترم أهل التخصص وتتفرع لنشر الدين وحمل تكاليف الدعوة والأمانة، ولهذا أفردت للفرقتين فصلين من فصول الكتاب من أجل استيفاء بدع وضلالات هاتين الفرقتين، اللتين تنتسبا إلى الإسلام وهما اضر الفرق على الإسلام وأهله ولولاهما بعد قدر الله تعالى لكانت الأرض كلها إلا قليلا تنتسب إلى الإسلام فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
***
المبحث الأول نجد وحديث قرن الشيطان
[المفتاح الاول]: النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من الدعاء لأهل نجد: النبي صلى الله عليه وسلم سيد أهل الحياء، ما قال لأحد (لا) قط إلا ان تنتهك محارم الله، قال الله تعالى في حيائه: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53]، ووصفه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري بأنه كان أشَدَّ حَياءً من العَذراءِ في خِدْرِها، وكان صلى الله عليه وسلم والذي كان لا يرد سائلا أبدا، يطلبون منه الدعاء لأهل نجد فيأبى وقد كانوا مسلمين، فإذا به صلى الله عليه وسلم يأبى أن يدعو لأهل نجد، إنّ هذا له مغزى ضروري لابد وان نتدبره.
[المفتاح الثاني]: روايات امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء لنجد وأهل نجد:
(أ) روى البخاري عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([1]) .
(ب) وروى البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان) ([2]) .
(ت) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم ) ([3]).
(ث) وروى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([4])
وفي رواية لمسلم: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([5]) .
(ج) وروى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ([6]) .
(ح) وروى مسلم عن أبي مسعود قال ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: (ألا إن الإيمان ههنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([7]) .
[المفتاح الثالث]: المقصود الحقيقي بنجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: هو إقليم نجد المعروف بالسعودية لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية، ومما يؤكد ذلك سبعة أمور:
(الأمر الأول): نجد في اللغة ما ارتفع من الأرض، ولو نظرنا إلى الخارطة لوجدنا أن نجد السعودية أرض عالية حيث ترتفع إلى ما يقارب الألف متر فوق سطح البحر بينما العراق سهول سهلة لا يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر أكثر من مئتي متر فحسب، فنجد لغة هي الإقليم المعروف في السعودية وهو المقابل للحجاز.
و(الأمر الثاني) أننا لو مددنا خطاً مستقيماً موازياً لخط الاستواء منطلقاً من المدينة إلى حيث تطلع الشمس لمر تماما في قلب إقليم نجد ويمر على الرياض عاصمة السعودية، ثم يكمل مسيره إلى شمال الهند، ولا يمر على العراق، أما لو رسمنا خط بين المدينة و بغداد فإن ميلان هذه الخط أكثر من 45 درجة مما يعني أن العراق تقع إلى إلى الشمال الشرقي من المدينة، أما ساكن المدينة الذي يشير إلى مطلع الشمس فإنه يشير بوضوح إلى إقليم نجد وليس إلى العراق.
و(الامر الثالث) أنّ العرب في الجاهلية كانوا لا يعرفون نجدا على اطلاقه إلا إقليم نجد المقابل للحجاز، وقد ورد ذكره كثيراً في أشعار العرب، فيقول عروة بن الورد مثلاً: (فيوماً على نجدٍ و غارت أهلها، و يوماً بأرضٍ ذاتِ شَثًّ و عَرعَر) والعراق بذلك الوقت كانت فارسية، بل عاصمة الفرس آنذاك كانت المدائن على نهر الفرات في جنوب العراق ولم تسمى العراق أبدا بنجد.
و(الأمر الرابع) قوله صلى الله عليه وسلم: (وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([8]) .
والابل معروفة في نجد وليس العراق بل الابل علامة لأهل نجد دون غيرهم.
و(الامر الخامس) قوله صلى الله عليه وسلم: (حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)، فهنا وصف قرن الشيطان أنه يخرج من مضر وربيعة وهما من جزيرة العرب وليسا من خارجها، وكل أصول أهل نجد ترجع إليهما.
و(الامر السادس) أنّه مما يؤكد أن المقصود بالمشرق هم أهل نجد اليمامة بالسعودية أن لفظ (المشرق) عند العرب هو ما يقع على (نجد)، للحديث الذي ذكره ابن حبان في صحيحه : قوله صلى الله عليه وسلم: (خير أهل المشرق عبد القيس، أسلم الناس كرها، وأسلموا طائعين) ([9]) .
ومعلوم أن هذه القبيلة كانت تنزل جزيرة لعرب وتسكن إقليم نجد المقابل للحجاز وليس العراق ومنهم (أشج عبد القيس رضي الله عنه الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم.
و(الامر السابع) أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لنجد (قرن المنازل) ويسمى أيضا (قرن الثعالب) وهذا بين في أن المراد بها نجد وليس العراق، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرن المنازل) ([10]) .وهو بعيد جدا عن العراق، ولذلك وقت لهم عمر رضي الله عنه (ذات عرق) مما يدل على اختلاف الاتجاهات، فقد أخرج البخاري عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: (لما فُتح هذان المصران أتوا عُمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأهل نجد قرنا وهو جورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شق علينا، قال: فانظروا إلى حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عِرق) ([11]) .
فلو كان العراق بالمشرق كما هو حال لنجد لكان الميقات واحدا، ولكن نجد مشرق المدينة وميقاتها قرن المنازل والعراق جهة الشمال الشرقي بل هي إلى الشمال أقرب فكان ميقاتها ذات عرق.
وهذا لا يدع مجالا للشك بان نجد المقصودة بالأحاديث هي إقليم نجد المعروف والذي اذا أطلق (نجد) فلا يقع إلا عليه، وأهل المشرق لساكني المدينة المنورة هم أهل نجد وليس أهل العراق، وقد جاء في سيرة ابن هشام القصة المشهورة عندما تكلم خطيب بني تميم عطارد بن حاجب عندما وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم يفاخرونه فقال ضمن خطبته: (وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عُدة) ([12]) . فأهل المشرق هم بنو تميم وهم من يسكن إقليم نجد، فلا ينبغي التمحل بتحويل الأنظار إلى ما يُقال أنه نجد العراق لأن العراق سهول سهلة ولا يقال لها نجد، والنجد لا نعرفه إلا الإقليم الذي ظهر فيه اثنان أحدهما مسيلمة الكذاب وأتباعه من قبائل نجد، والثاني محمد بن عبد الوهاب واتباعه من قبائل نجد، وقد استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم باسم الدين، وليس أدل على صدق ما نقول من أنّ اتباعه واتباع فرقته يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية.
[المفتاح الرابع]: أُرجح والله أعلم بأن المقصود بالزلازل والفتن هو ما أحدثته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من فتن لا زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم حيث طرح ابن عبد الوهاب دينا موازيا يوازي دين الله تعالى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو دين يحاول سحب البساط دائما من تحت أقدام أهل السنة لينسبه لنفسه، ومن نظر إلى فتن ابن عبد الوهاب في زمانه وقد اشرت إلى طرف منها لعلم قدر الأهوال التي لاقاها المسلمون في زمانه من آثار تلك الحملة التي أكلت الأخضر واليابس من تراث أمة الإسلام.
[المفتاح الخامس]: ميزان نبوي لمعرفة الحق في هذه الامة:
(أ) حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، ، وضح لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميزانا دقيقا، أخرج ابن ماجة في سننه : عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ))، ([13]) .
فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ))، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ)) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة، وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم.
(ب) القاعدة النبوية ترشدنا إلى اتباع سواد علماء الامة الاعظم على مر عصور الإسلام، وقد كان المسلمون في أول أمرهم أمة واحدة يجمعها الإسلام، إلى أن ظهرت الآراء المفرقة والأهواء المهلكة، فانتظم السواد الاعظم من الامة على مفهوم (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن آراء أهل الحق والنجاة في مقابل الفرق الضالة، ولا يستطيع أحد أن يكابر وينكر أن أهل السنة والجماعة هم سواد المسلمين الاكبر على مر عصور الإسلام، لاسيما وأن كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الكتاب والسنة والإجماع والتخصص العلمي الفريد، هم الذين جمعوا القرآن وكتبوه وحفظوه، ولهم المرجعية في باب حفظ القرآن، ومعرفة القرآن، وعلوم القرآن، وهم أهل الحديث وخاصته، جمعوا الحديث وكتبوه وحفظوه، ولا يعرف المسلمون كلام النبي صلى الله عليه وسلم إلا من مراجعهم الحديثية كالصحيحين وكتب السنن والمسانيد والمستدركات ولا يعرفون علم الرجال إلا من كتب الجرح والتعديل التي كتبها علماء أهل السنة والجماعة، وهم أهل الإجماع، المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وهم أهل التخصص العلمي لهم مدارس متخصصة في جميع علوم الدين، لاسيما علوم المقاصد (العقيدة والفقه والتزكية)، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، (التصوف) هو السعي لتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة.
(ت) الفرقة الوهابية: حاولت مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، فإن سواد أهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام هم أهل المذاهب العقدية والفقهية والصوفية المعروفة والتي لاقت قبولا عند سواد أهل الإسلام الاعظم، وهؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمذهب عقدي أشعري او ماتريدي أو أثري ومذهب فقهي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ومنهاج صوفي للتزكية، وطريقة سلوكية تأخذ بيده نحو رضا الله، إنّ السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف الصالح، ولكن السلفية الحقة الأصيلة بريئة من انتساب الوهابية إليها، بل سلفهم الحشوية والمحسمة والخوارج، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، وآفتهم اتباع المتشابهات وترك المحكمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، والقاعدة عند أهل التخصص أنّ التيميون المغالون في الشيخ ابن تيمية، والوهابيون المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الصحيح الصافي، بل هم عند أهل العلم مزيج مريب من فرق الخروج والحشو.
***
المبحث الثاني ابن تيمية شيخ الحشوية
[المفتاح الأول]: تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: (نصيحة): إذا أردت أن تعرف تاريخ تسلسل ظهور الحشوية فلابد من مطالعة فتاوى الشيخ ابن تيمية لأنّهم سلفه الحقيقيون الذين استند إليهم في رسم صورة العقيدة التي تبناها في ذات الله تعالى، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث في جناب ذاته، وأنه يتجدد له العلم والسمع والبصر والكلام، وأنه يتأثر بالزمان وعليه يكون الزمان فاعلا في ذاته بحيث بتجدد له علم وسمع وبصر وانه يتحرك ويسكن قياسا على الأجسام كلما تجددت الوقائع والحوادث والمخلوقات وأنه يتكلم ويسكت قياسا على الآدميين وانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وان لوازم النزول ممكنه كالحركة والسكون، وان له الوجه واليدين والعينين والقدم والساق صفات عين (ذات) بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف جناب الذات بالحد والنهاية، فوجدت أنّ سلفه في عقيدة الحشو والتجسيم بضع عشرة رجال أحدهم يجوز على الله أن يستوى على جناح بعوضة وابن تيمية لا يرى بأسا بهذا الهراء وعند التحقيق فإني أرى أن نسبة الولد إلى الله أهون من هذا الحمق والجسور على الله، فالبعوضة من أحقر الحشرات أيجوز عند أولي الألباب أن الإله جل جلاله يمكن أن يقعد على جناحها ثم تطير به فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وبعض هؤلاء يصحح رواية الشاب الأمرد ويعتقدونها، وقصة الشاب الأمرد تتمثل فيما أورده الخلال في المنتخب من العلل وأبو يعلى الفراء في ابطال التأويلات ونقله عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (أن محمدًا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ)، وفي رواية أخرى (رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء) ويزعم الخلال وأبو يعلى أنه حديث صحيح يجب اعتقاد معناه، واستفاض القاضي أبو يعلى في شرح الحديث وانه رؤية حقيقية وليست مناما وأن الله تعالى قد خص نبيه صلى الله عليه وسلم من دون الأنبياء ونقل ابن تيمية كلامه في ذلك كله دون أن يعقب عليه بإنكار أو رفض، بل صحح الحديث الذي استدل به أبو يعلى على طوامه،([14]).
هذا مع أنّ الحديث تالف لا تجوز روايته، وقد ضعَّفه ابن الجوزي في (العِلل المتناهية واستنكره الذهبي كما في (سير أعلام النبلاء: وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى: “موضوع مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم”، والحدبث يمكن حمله على أنه رؤيا منامية ففي احدى رواياته: (رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)، وحتى هذه الرؤيا المنامية ضعفها واستنكرها جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد في (المنتخب من العِلل لابن قدامة،) (ويحيى بن معين في تاريخ بغداد للخطيب) (والنسائي في العِلل المتناهية لابن الجوزي) وابن حبان والسبكي في (طبقات الشافعية الكبري (وابن حجر (في تهذيب التهذيب) والسيوطي (في اللآلئ المصنوعة) وقال الذهبي في “ميزان الاعتدال” ” وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحت” أهـ،([15]).
والمنام لا يبنى عليه أي اعتقاد، ويأبى القاضي إلا الإيمان به واعتقاد تفاصيله حتى صفة الجراد الذي من ذهب على حد قوله، ويزعم أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة – على حد قوله – !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، فهذا هو مبلغهم من علم التقديس فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الشاهد: فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات،:
(الأول) هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه.
(الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء.
(الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة.
(الرابع) وهو ذي أضر به أيما ضرر وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة.
(الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
(السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنّة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع.
(السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد.
(الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر.
(العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له.
(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وسيأتي ذكر بعض طوامهم وسبهم لله بنسبة المحال إلى جناب ذاته.
(الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[المفتاح الثاني]: مقاتل بن سليمان ودوره في نشر بدعة الحشو: لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه والحشو متناثرة هنا وهناك، لا يأبه بها أحد حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) حيث ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم مذهبه في التجسيم والتشبيه، أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أحمد بن سيار أنه قال: (مقاتل متروك الحديث كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه) ([16]).
وأخرج بسنده عن الإمام أحمد أنه قال: مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها([17]). وقال ابن حبان: (كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان مشبهاً يشبه الرب بالمخلوقين وكان يكذب مع ذلك في الحديث) ([18]).
فهو الذي تبنى التشبيه والتجسيم، ونقل أقاصيص الأحبار والرهبان، وكان هو و جهم بن صفوان في مسألة التنزيه والتشبيه على طرفي نقيض، فالأول غلا في التنزيه حتى عطّل، ومقاتل غلا في الاثبات حتى شبّه، قال أبو حنيفة: (أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الاثبات حتّى جعله مثل خلقه)، قال عنه وكيع: (كان كذّاباً) أهـ.
وقد مُلئت كتب التفاسير بأقوال مقاتل وآرائه، وأصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المفسر الضال المبتدع مدرسة سيئة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من جهلاء المفسرين والمحدثين، وساهم بموضوعاته في ظهور الحشوية، قال الإمام الأشعري: (حكي عن أصحاب مقاتل أن الله جسم وأن له جثةً وأنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره) ([19]).
وحكى عنه الشهرستاني أنه قال قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فلا بد من تصديقه ([20]).ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما أخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين حبيب الله؟ فيتخطى صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته) ([21]).
وبعد مقاتل ظهر الهشامان: هشام بن الحكم (ت 179ه)، و هشام بن سالم (ت 183 هـ)، وكلاهما مجسم، واتباع الأول هم الهشامية، يحكي الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين أن الهشامية – أصحاب هشام بن الحكم – يذهبون إلى أن الله جسم وله نهاية وحد، وأنه طويل وعريض وعميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، وقرروا أنه نور ساطع، وأنه في مكان دون مكان، وهو نفسه لون، وذهبوا إلى أن الله قد كان لا في مكان، ثم حدث المكان بأن تحرك فحدث المكان بحركته، وكان فيه) أهــ،([22]).
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: (حكى ابن الرواندي عن هشام أنه قال: إن بين معبوده وبين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ولولا ذلك لما دلت عليه، وحكى الكعبي عنه أنه قال: هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، ونقل عنه أنه قال: هو: سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة وأنه يتحرك وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان، وقال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء عنه) انتهى من الملل والنحل، واتباع الثاني هم السالمية، قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل” (وقال هشام بن سالم إنه تعالى على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء: هي نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم،) انتهى، ([23]).
ومذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي، أنهم يقولون: إن كلام الله معانٍ وألفاظ وحروف وأصوات قائمة بذات الرب لم تزل ولا تزال، كلام الرب حروف وأصوات، لكن حروف وكلمات الرب لا يسبق بعضها بعضاً، بل هي مقترنة، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لا يقولون: إن السين بعد الباء والميم بعد السين، بل يقولون: الحروف مقترنة دفعة واحدة يتكلم الرب سبحانه بها دفعة واحدة، فالباء مع السين مع الميم، لكن بالنسبة لسمع الإنسان يسمعها متعاقبة مرتبة، لكن الرب تكلم بها دفعة واحدة، ولهذا تسمى هذه الطائفة بالاقترانية، لأنهم يقولون الحروف مقترنة ليست متعاقبة.
[المفتاح الثالث]: ظهور الكرامية وبدعة التجسيم: الكرامية هم أتباع محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه – سبحانه -جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، وقد تمكنوا بتدثرهم بلباس الزهد أن يسربوا بدعهم إلى المصنفات التي تنتسب إلى العقيدة السلفية، يقول ابن السبكي: (وكان من خبر ابن كرام هذا وهو شيخ سجستاني مجسم أنه سمع يسيراً من الحديث ونشأ بسجستان ثم دخل خراسان وعاد إلى نيسابور وباح بالتجسيم، وكان من إظهار التنسك والتأله والتعبد والتقشف على جانب عظيم فافترق الناس فيه على قولين، منهم المعتقد ومنهم المنتقد، وأثنى عليه فيما بلغني ابن خزيمة واجتمع به غير مرة) أهــ([24]).
وقال تفي الدين الحصني: (، وسمع الحديث الكثير وأظهر التقشف، واتخذ قطعة فرو يجلس عليها ويحفظ ويحدث ويتخشع حتى أخذ بقلوب العوام والضعفاء من الطلبة لوعظه وزهده، حتى حصر من تبعه من الناس فإذا هم سبعون ألفاً،) ([25]).
ولم تمت الكرامية بموت مؤسسها بل تهذبت مقالته في التجسيم وزُيفت حتى كثر أتباعها، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الذين قاموا بمذهبه إسحاق بن محمشاد الذي صنف في فضائل ابن كرام، يقول ابن حجر (إسحاق بن محمشاد روى عن أبي الفضل التميمي حديثاً هو وضعه بقلة حياء منه: “يجيء في آخر الزمان رجل يقال له ابن كرام تحيا السنّة به”، فانظر إلى المادح والممدوح وسند حديثة مجاهيل)، ومن تلاميذ ابن كرام وأتباعه الشاعر أبو الفتح علي بن محمد البستي (ت 402هـ) الذي اتصل بالملك ناصر الدولة سبكتكين وعمل في خدمته فقربه منه حتى تأثر ملك آل سبكتكين بالكرامية فنصروا المذهب وقسوا على مخالفيه، ومن أتباع ابن كرام أبو عبد الله محمد بن الهيصم الذي اجتهد في إرمام مقالة ابن كرام حتى ردها من المحال الفاحش إلى نوع يُفهم بين العقلاء، فمن ذلك أنه عدل بإثبات الجسم إلى معنى زعم أنه المراد وهو القائم بالذات، وهذا هو الرأي الذي مال إليه ابن تيمية، ومنه أيضاً أنه زعم أن الفوقية بمعنى العلو مع إثبات البينونة غير المتناهية بينه وبين خلقه([26]).
وقال الشهرستاني: (قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء … وإلا فمذهب أستاذهم مع كونه محلاً للحوادث، مستوياً على العرش استقراراً مختصة بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويراتُ ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القيام بالنفس، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح، وكيف يستوي الظل والعود أعوج وكيف استوى المذهب وصاحب المقال أهوج) ([27]).
وقال النيسابوري في كتابه الغُنية في أصول الدين: (والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق، وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه، تعالى الله عن قولهم، والدليل على أنه مستغن عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديمًا لأنه قديم، أو يكون حادثًا كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر، والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا، لكان لا يخلو إما أن يكون مِثْل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر، والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصًا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتًا ما أو لا يصل إليه، فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود، فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضًا، ويلزم من ذلك كفران: أحدهما: قدم العالم، لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع، والثاني: اثبات الولد والزوجة) أهـ([28]). [المفتاح الرابع]: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي ودوره في نشر بدعة الحشو:: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو، وهو غير الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي التميمي السمرقندي صاحب كتاب “سنن الدارمي” (المتوفى سنة 255 هــ) رحمه الله، فالحذر من الخلط بين الاثنين، وأبو سعيد الدارمي السجزي الجأهل بعلم التقديس والتنزيه، له كتابان: (الأول): كتاب الرد على الجهمية، و(الثاني) كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد، أما كتاب الرد على الجهمية، فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، أما كتابه الآخر: نقض عثمان بن سعيد على المريسي: زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، ومن مخازيه أنه يقول أن الله تعالى مستقر على العرس ولو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به وأن العرش يقل – أي يحمل – الرحمن، والله حي ودليل على حياته الحركة والانتقال فهناك فرق بين الحي والميت هي الحركة، قال في كتابه ” الرد على بشر المريسي” ما نصه: “الحي القيوم.. يتحرك إذا شاء، وينزل ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط إذا شاء، ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن امارة ما بين الحي والميت التحرك، كل حي متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة” اهـ،([29]). فهذا هو مبلغ السجزي من علم التقديس، يقيس الله تعالى بخلقة وبهذا الكون، وكأن ما يجري على هذا الكون من أمور يجري على الله والعياذ بالله تعالى.
حتى قال الإمام الحافظ محمد زاهد بن حسن الكوثري رحمه الله وهو يرد على كلام الدارمي المجسم: (فإذا معبود هذا الخاسر يقوم ويمشي ويتحرك، ولعل هذا الاعتقاد ورثه هذا السجزي من جيرانه عباد البقر، ومن اعتقد ذلك في إله العالمين يكون كافرًا باتفاق، فياويح من يقتدي بمثله في الصلاة أو يناكحه، فماذا تكون حال من يترضى هذا الكتاب أو يوصي به أشد الوصية أو يطبعه للدعوة إلى ما فية؟ وهذا توحيدكم الذي إليه تدعون الناس) اهـ،
ويقول السجزي هذا في كتابة ما نصه: ” ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم أكبر من السماوات والأرض، فكيف تنكر أيها النفاج أن عرشه يقلّه،”اهـ، ([30]).
قال الإمام الكوثري: ” هذا كلامه في الله سبحانه كأن جواز استقرار معبوده على ظهر بعوضة أمر مفروغ منه مقبول، فيستدل بذلك على جواز استقراره تعالى على العرش الذي هو أوسع من ظهر البعوضة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولا أدري أحدًا من البشر نطق بمثل هذا الهذر قبل هذا السجزي والحراني المؤتم به وأشياعهما” اهـ، وللأسف ابن تيمية ينقل كلام الدارمي السجزي في كتابه ” تلبيس الجهمية” مؤيدا له،([31]).
فهل هذه هي عقيدة السلف الصالح أهل القرون المفضلة الأولى؟!!
[المفتاح الخامس]: كتاب السنّة لابن أبي عاصم ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت 287 هــ): له كتاب (السنة) وكان الأولى أن يسميه كتاب (الحشو) وكان ابن ابي عاصم ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك من مفردات الحشو والتجسيم والبعد كل البعد عن التقديس والتنزيه ومعاني الأحدية والصمدية ونفي المثلية.
[المفتاح السادس]: كتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) ودوره في نشر بدعة الحشو: قلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنّه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
[المفتاح السابع]: كتاب الخلال ودوره في نشر بدعة الحشو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي المشهور بالخلال (ت 311 هــ): صاحب عقيدة جلوس الرحمن – عز وجل – على العرش، وكان يعتمد على الموضوعات والواهيات والإسرائيليات في العقائد فجاء بالغرائب صنّف كتابًا سماه كتاب ” السنة” وما أحراه أن يسميه بكتاب البدعة الذي يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق فهذا معنى الاستواء عنده أو المقام المحمود!! العياذ بالله، !! وقد أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة، والخلال يقول من رد حديث (يقعده على العرش) فهو جهمي ومن رد حديث يقعده على العرش فقد كفر، اعتقاد الجسمية والتكفبر لمن يخالف تلك الوثنية، مع أن الذهبي يقول عن حديث القعود هذا حديث واه والالباني يقول حديث منكر، يكفر المسلمين بحديث منكر واه يخالف الأحدية والصمدية ويجسم الخالق ويحدده فإما ان نعتقد الكفر الموجود في حديث القعود فنكفر عن علم، وإما أن يكفرنا الخصم إن نحن أنكرناه، أمران كلاهما كفر فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[المفتاح الثامن]: كتاب التوحيد لابن خزيمة ودوره في نشر بدعة الحشو: الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311 هــ): تأثر – على علمه بالحديث وجلالة قدره فيه – بابن كرام المجسم، صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه.. ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم ” ([32]).
واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ([33]).
وكتاب التوحيد هذا أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
[المفتاح التاسع]: البربهاري ودوره في نشر بدعة الحشو: الحسن بن علي بن خلف البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش وأنّ هذا هو المقام المحمود، مستدلا بحديث منكر لا يصلح لإثبات حكم في الاستنجاء، وكان يختبر الناس بهذه العقيدة فيكفر من نفى هذا الخبر ويتهمه بالتجهم والزندقة وله فتنة كبيرة عظمت في بغداد في زمانه بسبب هذه العقيدة الوثنية المتلقاه من عقيدة النصارى في أنّ الأب يجلس ابنه عيسى إلى جانبه على كرسيه تعالى الله عن أباطيلهم علوا كبيرا، يقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: (ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكسبون من دور القواد والعامة، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن الذي معه من هو، فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداذ، فركب بدر الخرشني، وهو صاحب الشرطة، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي بغداذ، في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة، ألا يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم، ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءين، فلم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتى يكاد يموت، فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم، ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره، فمنه تارة أنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، ثم طعنكم على خيار الأئمة، ونسبتكم شيعة آل محمد – صلى الله عليه وسلم – (إلى الكفر والضلال، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة، وتشنيعكم على زوارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب، ولا سبب برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتأمرون بزيارته، وتدعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطانا زين لكم هذه المنكرات، وما أغواه، وأمير المؤمنين يقسم بالله قسما جهدا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم ضربا وتشريدا، وقتلا وتبديدا، وليستعملن السيف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم) ([34]).
[المفتاح العاشر]: الحشوية ينسبون كتاب الصفات للإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدَّارَقُطْنِيّ (ت 385 هــ): وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم]، ([35]). لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته في ميزان الإعتدال : (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)، ([36]). ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين (الأول): أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين ([37]).
(الثاني): أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده، نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال ([38]). ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([39]).
وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن.
[المفتاح الحادي عشر]: ابن بطة ودوره في نشر بدعة الحشو: عبيد الله بن محمد أبو عبد الله العُكبري، المعروف بـ ابن بطة العُكْبَرِيّ: (ت 387 هــ): وهو أحد المتهمين بالوضع وحكِّ الكتبِ وهو الذي ألف كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ونال رضا نعسان معطي شهادة الماجستير على تحقيقه وقال: (كتاب الإبانة لابن بطة يعد أكبر موسوعة في العقيدة السلفية، هذا الكتاب يمثل مذهب الإمام أحمد بن حنبل،) وحاشا لمذهب إمام أهل الأثر أن يمثله متهم بالوضع والتصرف في الكتب، أما ابن بطة فقد عُرف صنيعه في ترقيع الأسانيد والتصرف في بعض الكتب بالحك والزيادة والكذب في دعوى السماع عن قوم لم يسمع منهم، كما أشار إليه الخطيب البغدادي في ترجمته وحكم بوضعه أحد الأحاديث [وذلك لأن الدارقطني حكم بانقطاع رواية حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي فقال هذا محال، وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث في تصانيفه فتتبعها وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله،حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال رأيت كتاب ابن بطة بمعجم البغوي في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها، قلت وكذلك ادعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه أبا مريم وزعم أنه دينوري حدثه عن بن قتيبة وابن أبي مريم هذا لم برو عنه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى بن بطة والله أعلم، حدثني عبد الواحد بن علي الأسدي قال قال لي محمد بن أبي الفوارس روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال طلب العلم فريضة على كل مسلم قلت وهذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه علىابن بطة والله أعلم) ([40]).، وقال الإمام الكوثري في تكملة السيف الصقيل: (وابن بطة صاحب “الإبانة” فضح نفسه بأن يزيد في رواية حديث موسى عليه السلام (من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟) ليجعل كلام الله من قبيل كلام الخلق فجمع بين الاختلاق وسوء المعتقد، وابن بطة هذا من أئمة الناظم، ولست في صدد استقصاء أهل الكذب والزيغ من أئمته، نسأل الله المعافاة) أهـ، وكتابه الإبانة كله مبني على الحشو والغلو في التكفير، ومن ذلك: بيان كفر طائفة من الجهمية زعموا أن القرآن ليس في صدور الرجال باب بيان كفرهم وضلالهم وخروجهم عن الملة وإباحة قتلهم، باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك، باب الإيمان بالتعجب وقالت الجهمية: إن الله لا يعجب، باب الإيمان بأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم على صورته، باب التصديق والإيمان بما روي أن الله يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، باب الإيمان بما روي أن الله عز وجل يقبض الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، باب الإيمان بأن لله عز وجل يدين، وكلتا يديه يمينان -باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم بيده، وجنة عدن بيده، وهكذا أكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات تعالى وتقدس.
[المفتاح الثاني عشر]: مُحمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني (ت 395 هـــ): له كتاب التوحيد وله أيضا كتاب الرد على الجهمية، وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة.
[المفتاح الثالث عشر]: حشوية الحنابلة في القرن الخامس ودورهم في نشر بدعة الحشو: حشوية الحنابلة، وهم ثلاثة جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وهذا القاضي هو غير الإمام أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، فاين الثرى من الثريا، قال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه ” العواصم من القواصم” “أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلى الحنبلي كان إذا ذُكِرَ الله سبحانه يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة ” اهـ،([41]). فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الإمام ابن الأثير في كتابه ” الكامل في التاريخ“: (وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا” اهـ، وفي نفس الكتاب يقول ابن الأثير ما نصه عند ذكر السنّة التي توفى فيها ذلك المجسم: ” لقد خري أبو يعلى على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء ” اهـ،([42]).
وسبب ذلك لأنه ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن عبيد الله بن نصر الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهذا من مشايخ الإمام ابن الجوزي، والإمام ابن الجوزي رد عليه كذلك وأبطل عقيدته وأنها ليست عقيدة الإمام ابن حنبل رحمه الله في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه”، قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي التيمي القرشي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: ((ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لادليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة .
[فصل] قلت: وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: {ونفخت فيه من روحي} وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فواعجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له،؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية، وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يفرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ((ينزل إلى السماء الدنيا)) وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله ((ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)) قالوا هذا ضرب مثل الأنعام، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:” إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي ” فقالوا نحمله علي ظاهره فواعجبا من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لاكما يعقل، فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الإمام إلى ذلك، وإذا سكتُ نُسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد) انتهى من الباز الأشهب،[قلت]: هؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وهؤلاء وإن كانوا أعلاما في بعض أبواب العلم إلا أنهم مساكين في أبواب علم أصول الدين عامه كباب الأسماء والأحكام (مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك و السنّة والبدعة) وأشد جهلاً في علوم التنزيه مسلوبي العقل والعرفان عند الحديث على صفات الله يتهافتون على الحشو والتجسيم كما يتهافت الفراش على النار وكم تفطن إلى ذلك بن الجوزي الحنبلي حيث قال فيهم ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، وهم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه.. ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم.. وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة ” فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين، وأما كتابه ابطال التأويلات ففيه طامات: أهونها أنه أثبت (قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات، و كل تلك الروايات موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء معتمدا على الروايات الموضوعة: ((فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)) اهـ،([43]).
بل ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك !!، ، وأثبت (الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى) !! وذكر في ذلك رواية موضوعة: ((إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)) ([44]).
وذكر عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: ((هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)) اهـ !!، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال: ((اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)) اهـ([45]).
!!!، ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب) !! وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم قال أبو يعلى (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش،)) اهـ([46]).
فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء، كما أثبت (التدلي) !! بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله !! فقال ((فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى)) اهـ ([47]).
يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت، ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله، ([48]).
ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود، فذكر في عن كعب الأحبار أنه قال: ((إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)) اهـ، ([49]).
والمحقق يقول: ((الخبر من الإسرائيليات)) اهـ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا، ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: ((المراد من دنوه الدنو من الذات)) ! ([50]). ويذكر: ((نزول ذاته)) !! تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: ((إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته)) ! ([51]). ويذكر: ((هبوط الذات)) !!، و ((الدنو والقرب من الذات)) !! ([52]). و((فأما التجلي فهو راجع إلى الذات)) !!، ثم أثبت الذراعين والصدر) !! ([53]). برواية مكذوبة باطلة، نصها: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)) !! ([54]). ثم قال: ((الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت (الفخذ والأمام والخلف لله) سبحانه وتعالى عن حشو المجسمة) !!!! برواية باطلة: ((إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي)) اهـ، ([55]).
ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: ((إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)) اهـ، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)) اهـ !!!، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة لله مستدلا برواية منكرة باطلة: ((أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك، ومحوت خطيئتك بإبهام يميني)) اهـ !!، ([56]). ثم قال أبو يعلى متحذلقا: ((وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام،)) اهـ، وقال في خبر تالف باطل. ((الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها)) اهـ، ([57]) ويقول في ((، الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته)) اهـ([58]).
ثم أثبت (اللهوات والأضراس) !! صفاتا لله، ففي يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: ((يضحك الله، حتى بدت لهواته وأضراسه)) اهـ([59]). ثم يقول: ((لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها)) اهـ،([60]). ولم يكتف بذلك حتى أثبت (الملل) !! صفة لله،برواية: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) فأثبت الملل له تعالى صفة، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال،)) اهـ ([61]). وأثبت (الفم) !! بأثر باطل ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) اهـ([62]).
ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه)) اهـ !! وأنه: ((صفة قد ورد الخبر بها)) اهـ !!، وأثبت (الجنب) !! صفة لله فقال ((وأما قوله تعالى: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه)) اهـ ([63]).
،ثم أثبت (الهجو والاستهزاء والسخرية) !! من جملة الصفات وقال: ((واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه، وكذلك الاستهزاء والسخرية)) اهـ !! ([64]).
وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله، وقد تقدم بيان تأويل الحبر ر ضي الله عنهما للساق بالشدة، ولكن انظروا لروايات الفراء، أورد أبو يعلى في كتابه من طريق مقاتل بن سليمان قال: ((قال عبدالله بن مسعود في قوله عز وجل: (يوم يكشف عن ساق) يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، يعني نور ساقه اليمين)) اهـ !! ([65]). والرواية حتى أهل الحشو المعاصر لا يقبلونها فقد قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله: ((إسناده ضعيف جدا، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم)) اهـ، ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت ([66]).فقد أورد، قال ابن الأثير في أحداث سنة (459هـ) حيث كانت وفاة أبي يعلى: ((وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، ومولده سنة ثمانين وثلاثمائة، وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك،)) اهـ،([67]).
[المفتاح الرابع عشر]: الهروي ودوره في نشر بدعة الحشو: هو عبد الله بن محمد الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في علماء الأمة الذين رزقهم الله تعالى القبول والتشنيع عليهم وتكفيرهم لاسيما السادة الأشاعرة المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة. وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، وكان يحكي تكفيرهم وشحن كتبه في ذلك، وكان يقول:وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي) ([68]).
[المفتاح الخامس عشر]: الامام ابن تيمية (ت 728 هــ) ودوره في التأسيس لبدعة الحشو: كل من سبق كانوا جميعا سلف ابن تيمية في تبني عقيدة الحشو: لقد أضر مقاتل بن سليمان وهشام بن سالم وابن كرام والسجزي الدارمي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والبربهاري والهروي وابن حامد الوراق والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، لقد أضر هؤلاء بعقيدة ابن تيمية أيما ضرر، وهؤلاء هم سلف ابن تيمية، ويقينا فإنّ اطلاع ابن تيمية على مؤلفات هؤلاء واحسان ظنه فيها وهو لم يكن دارسا لعلم التقديس ولا ملما بقواعده، فتسربت إليه بدع الحشو، ومذهبه هو الحشو ذاته، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد مذهب السلف، بل جدد بناء المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد.
لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات مثل مباحث منزلة العقل الصحيح في الإسلام ودوره في فهم أدلة التنزيه، والتفريق الأصولي بين القديم والحادث وهل يمكن للقديم ان يقبل الحوادث، والتفريق بين المحكم والمتشابه، والتفريق بين الحقيقة والمجاز، وحجية المتواتر والآحاد في باب العقيدة، والسر في التفريق بينهما، وقواعد التقديس والتوحيد والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها لما تشبع به عقله من الحشو الذي تسرب إليه من مراجع الحشوية، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، ولحمل الآيات والأحاديث على المراد الحقيقي منها والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه النزول ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب الاثرية وهو مذهب السلف الصحيح والذي ليس لهم مذهب سواه، وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنّة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح السادس عشر]: الامام محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، فزادت الطين بلة، وقد تقدم بيان ذلك كله في الكتاب الثالث من هذه السلسلة: مفاتيح علم التوحيد والشرك، والله المستعان.
***
المبحث الثالث ابن تيمية والفهم الموازي لعلوم الدين فهما خاطئا يضاهي به فهم المدارس العلمية المتخصصة ويناطح كل مدرسة في تخصصها الذي قامت عليه وأحكمت أصوله وفروعه
[المفتاح الاول]: ابن تيمية كان موسوعة علمية واسعة في شتى علوم الإسلام، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في كل علم على حدة، فكل علم فيه المحكم والمتشابه ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا المتخصصين في هذا العلم او ذاك، ولم يكن هو مطالبا بجمع العلوم كلها بدقه أهلها ومتخصصيها وهذا غير متيسر إلا للأنبياء، وللأسف لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، وهاجم أهل كل علم في تخصصهم، فلم يحترم التخصص العلمي ولا اهله القائمين عليه، مع انّ الله تعالى دعانا إلى احترام أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، فأهل الاستنباط لكل علم هم أهل الخبرة والتخصص ولا يمكن الهجوم على كل العلوم دفعة واحدة إلا بدراسة مقدماتها والتفريق بين محكمه ومتشابهها، كتب في مسائل الإيمان ولم يكن ضبط أحكامها وفرق بين أصولها وفروعها ومحكمه ومتشابهها وأعلم يقينا أنه ألف فيه ولم يكن يعرف عناصر الأصل المنجي من الخلود الأبدي في النار (أقل ما يصح به الإيمان)، ولم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وخلط بين عناصر الأصل والواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، وأورث أتباعه غلوا في مسائل الإيمان ليقترب فيه من مذاهب الخوارج، والف في التوحيد ولكنه لم يكن يفرق ما بين أصل العبادة وصورها ولم يكن يعرف أركانها، ولم يكن يحمل متشابه التوحيد ويرده إلى محكمه، ولم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، وأورث أتباعه غلوا في باب التوحيد والشرك كما أورثهم من قبل غلوا في مسائل الأيمان، وكذلك عندما كتب في علم الاتباع والابتداع لم يحدد بدقة المتخصصين شروط البدعة الضالة ولم يفرق بين الحسنة والسيئة فأورث أتباعه غلوا في باب السنّة والبدعة كما أورثهم من قبل الغلو في باب الإيمان والكفر وباب التوحيد والشرك، وهكذا بدأ الخلل يظهر في باب الأسماء والأحكام عامة بما ينذر بظهور فهم موازي للإسلام يضاهي به فهم المدارس العلمية المتخصصة ويناطح كل مدرسة في تخصصها الذي قامت عليه وأحكمت أصوله وفروعه وفرقت بين محكمه ومتشابهه، ثم كانت الطامة عندما بدأ يتكلم عن الذات الإلهي الأقدس بما لا يعرف ولا يتعلم، ولم يكن قد درس مقدمات الإلهيات ولا قواعد التقديس التي تمنع من الزلل عند الحديث عن جناب الله الأقدس، وكما أنّه ذهل ذهولاً شديداً عن علم التقديس (قسم توحيد الذات)، ولم يستطع هضمه، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن أهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم، فأدخل الحشوية في إطار أهل السنّة، وأثنى على مؤلفاتهم، وفي المقابل صال وجال على علماء الأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة، واكاد أجزم بأنه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث، وطن أنهم على مذهب السلف ولم يكونوا كذلك، وبعد جهوده الكثيفة في نشر مفاهيمه عن الإسلام بأنّه قد أفنى عمره في نصرة مذاهب الحشو والتجسيم وعدم التخصص على حساب أهل السنّة والجماعة أهل التخصص العلمي الدقيق في شتى علوم الدين، وبدأ يبني فهما للإسلام يخصه وحده يجاهد من اجل ترسيخه بين المسلمين بديلا عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية التي أفنى آلاف العلماء فيها أعمارهم.
لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه كما أنّه بسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وهو علم عزير وبسبب عدم مقدرته على هضم مفرداته، هجم على النصوص الشرعية دون فهم حقيقي لمغزاها، ودون تفريق بين محكمه ومتشابهها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من كل الجهات وانه متناه من جهة التحت يقينا، لمحاذاته للعرش وكأنه تصور الإله تعالى وتقدس جسما عظيما له طول وعرض وحجم وشكل وصورة وتخاطيط وانه يجلس على العرش، والكون كله تحته، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته)، وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دلت الدراسات الجغرافية، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، فقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم) أهـ ([69]) .
وقال في الموافقة: (كذلك قوله – تعالى – {لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وقوله {هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}، ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه) أهـ ([70]) .
وعلى ذلك فهو لا يرى في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول أحد من السلف ما يمنع أن يكون الله جسماً، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، ومن ذلك قولا الإمام أحمد، فقد نقل أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها عن الإمام أحمد قال : (وأنكر أحمد على من يقول بالجسم وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل،) اهـ ([71]) .
ودندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته، ولكنه لم يكونوا في مثل حماسه في نشر أفكاره، فهدأت الفتنة حنى جاء الوهابيون فأحيوا مذهبه بما فيه من طوام وأخطاء، محاولين سحب أهل السنّة والجماعة نحو مذهبهم الجديد، بإرهاب فكري يتمثل في تكفير المخالف أو تبديعه أو تضليله إذ هم لسان الحق وسطوته على الأرض كما يحسبون، وباختصار شديد أُشير إلى بعض اخطائه الجسيمة في أبوب العلم والدين والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الثاني]: في مجال علوم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها: (أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين.
(ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة.
(ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات.
(ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض.
(ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة.
(ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء.
(خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة.
(د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين.
(ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وحارب تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة.
[المفتاح الثالث]: ابن تيمية انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك: (أ) إنكاره المجاز في القرآن، مع أنّه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ولولا أنّ مجال الحديث هنا لا يتناسب مع الإطالة في باب المجاز لسردت ستمائة آية تدل على المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والحاصل أنّه تكلف نفيه ولم يكن صوابا.
(ب) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد.
(ت) دندن حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية، مع أنّ الفرق بينهما عظيم، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم، والثاني جائز كبقاء أهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية.
(ث) وقال بحدوث القرآن، وحدوث صفة الكلام، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر.
(ج) وصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، حتى قال في منهاج السنّة النبوية (1: 224): (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل).
(ح) اخترع في صفات الله مقولة لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، مقولة (أنّ صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد)، وإذا كانت الآحاد على زعمه محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول، وقد دخل عليه الشيطان من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت باليقين القاطع أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلم أنّ من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عن ذلك علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(خ) ودندن حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده.
(د) ودندن حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة.
(ذ) كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء.
(ر) كما دندن حول فناء عذاب أهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].
[المفتاح الرابع]: في مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله.
هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ) في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: (أما بعد: فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام) أهـ ([72]) .
[المفتاح الخامس]: في مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها، وتجريح أكابرها، وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيت الرسول: أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أمّا حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ([73]) .
فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع أهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية.
[المفتاح السادس]: [6] في مجال الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، حتى قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة والد الحلي الذي ألف ابن تيمية كتابه منهاج السنة النبوية في الرد عليه: (وكم من مبالغة له لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه) أهـ،([74]) . وقال في الدرر الكامنة: أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف فيها نص الكتاب، وأن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه، ولقوله أيضا فيه: أنه كان مخذولا، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة) أهـ،([75]) . كما خانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد، وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم كحجة الإسلام الغزالي والإمام الرازي وغيرهما من الأكابر، وصال علي خيرة علماء عصره ونال منهم، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه من أجل أن يحفظوا الناس من أخطائه.
[المفتاح السابع]: قول ابن تيمية بقيام الحوادث بذات الله تعالى من أبشع انحرافاته عن منهاج أهل السنّة فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي: حيث كان يعتقد أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى أي أن الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة ثم اتصف بها، قال ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل)، ([76]) .
وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية شبرًا بشبر، قال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم) أهــ ([77]) .
فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، نسال الله السلامة
[المفتاح الثامن]: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول، ومن ذلك كتابه (العقيدة الحموية): وهي جواب لسؤال ورد من حماه حول آيات الصفات كالاستواء وأحاديث الصفات كالأصابع والقدم، فتتطاول على مذهب أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة بما لم يفهمه ولم يفرق بين المحكمات والمتشابهات من الصفات ومال إلى مذهب الحشو والتجسيم، واستطال به على أهل التخصص، وتطاول على الأشاعرة بأنّهم يقولون: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهم لم يُطلقوا القول بذلك، وحاشاهم وهم أهل الرسوخ في العلم والحق، ولكنّهم خصوه بما يتعلق بالرد على أهل البدع كالمعتزلة والحشوية وبما يتعلق بتقرير مذهب الفرقة الناجية، والانتصار لمذهب التسبيح والتقديس مذهب أهل الحق على مذاهب أهل الباطل والفرق الضالة، وإلا فهم يقولون بالتفويض كما هو حال السلف، وهل كان يسع السلف السكوت على بدع الحشو التشبيه، وهم أرقى الناس تنزيها وتقديسا لله.
ومن ذلك أيضا كتابه: (نقض أساس التقديس): ويسمونه أحيانا (كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) وأحياناً: (نقض تأسيس الجهمية)، والكتاب من أسوأ كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس وبيان مذهب أهل الحق تجاه المعتزلة والحشوية الذين مال إليهم ابن تيمية وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ، ويا ويله منه ومن أهل السنّة جميعا يوم القيامة، الأشاعرة، ومن ذلك أيضا: كتاب (درء تعارض العقل والنقل)، ألفه وهو لا يعلم ما هو العقل الصريح ولا ما هو النقل الصحيح ومعناه المقصود في الشرع والذي فهمه أهل التخصص من الأشاعرة والأثرية والماتريدية، فما كان أغناه عن الحديث عن علم لا يعلم أسسه ولا قواعده، ومن أفتى بغير علم لازمه الخطأ وفتن الناس عن الصواب، ومن ذلك ايضاً: (القاعدة المراكشية) ألفها لإثبات العلو الحسي، والرد على أهل الحق فيما أصلوه من قواعد التقديس التي تعصم من الحشو في مسائل: (العلو) و(الاستواء على العرش)، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة التدمرية) دندن فيها حول المتشابه من الصفات بقصد إثباتها على ظاهرها، وخاض في القدر بما لا يعلم من عواقب ولوازم الفساد في قوله، وأقله نصرة مذاهب المعتزلة والاقتراب منها، وما ألجأه إلى الخوض في ذلك كله إلا الجدال والخصومة مع أهل السنّة الأشاعرة، ومن ذلك ايضاً: (شرح الأصفهانية)، والاصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين محمد بن محمود بن عباد الاصبهاني، على منهاج الأشاعرة، وهو لم يشرحها وإنما ألف شرح الأصفهانية بقصد الرد عليها، كما ألف تلميذه ابن أبي العز الطحاوية للرد على ما فيها من التقديس والتنزيه كقوله – أي الطحاوي – رحمه الله: (ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، وها هنا رد ابن تيمية على الأصفهاني في كل مسائل التنزيه من كلامه في الصفات والإيمان والنبوات، وكأنّه لا يرضى عن الحشو بديلا.
ومن ذلك ايضاً: (المناظرة حول الواسطية)، وهي تسجيل لما جرى حول كتابه (الواسطية) من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وبينوا له الصواب فلم يفهمه، ثم حشا مناظرته بالحشو في مسائل التأويل، والحرف والصوت، والاستواء، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات) نفى فيها المجاز وهو شطر اللغة الحسن وكابر الجمهور في إثباتهم للمجاز، وآل به نفي المجاز إلى الحشو في باب المتشابهات، وإثبات ظاهر المتشابهات بما يؤول إلى الفتنة والبدعة والتجسيم، ووصف الله تعالى بما يُفيد العلو الحسي على العرش، وبالغ في رد التاويل مع أنّه لا مناص منه، فإن أثبت العلو الحسي أول القرب والمعية لا محالة، وإن فهم المجاز في كليهما استراح وأراح، ومن ذلك ايضاً: (التسعينية) خصصها للحديث عن أنّ كلام الله تعالى لابد ان يكون بحرف وصوت، وأن الكلام إن لم يكن بصوت فلا يسمى كلاما، وخصصها للرد على أهل الحق (الأشاعرة) في مسألة الكلام النفسي التي جاء بها أولاً القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلم أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، {قَالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، ولكنّه بالغ في الرد على أهل الحق من تسعين وجها من حشو الكلام وهرطقته مما لا يفهم هو المقصود منه، ومما يُضحك المتخصصين على سوء فهمه ورداءة تصوره في كل ما يتعلق بالتقديس فإن قلبه أُشرب بالتشبيه، وهو لا يدرك أبعاد ذلكم التشبيه والذي لا يدركه إلا أهل التخصص الراسخين في علم التقديس.
ومن ذلك ايضاً: (النبوات): ما أتى فيه بشيء مفيد فالصواب فيه ما قاله المتخصصون من الأشاعرة وكل ما خالفهم فيه نصر فيه قول الحشوية ممن لا خلاق لهم ولا عقل ولا خلق، وبدلا من أن يشكر الأشاعرة على تقرير الحق في مسائل النبوات، (ومن لا يشكر الناس على المعروف لا يشكر الله) أخذ ينشر الزلات التي افتراها المغرضون على الباقلاني والغزالي مما يبرؤون من الفهم السقيم لها، ومن ذلك ايضاً: كتابه (الإيمان): غالى فيه بما يُقربه من مذهب المعتزلة وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو والله لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،، ولقد كلفت من جهة شرعية بتلخيص كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، وهي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من تلامذتهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان، ومن ذلك ايضاً: كلامه في (شرح حديث النزول) فسود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك مجسم محدود ينزل ويصعد، وإن لم يكن كلامه في (شرح حديث النزول) من الحشو المرذول فليس في الدُنيا حشو ولا تحسيم، وما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، فبالله هل تلك عقائد أهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، بالله عليك يا رجل إنّ الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد او يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق، ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب، وثلث الليل في حق مسلمي امريكا كما هو في حق مسلمي البلاد العربية، فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم.
[المفتاح التاسع]: ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه: لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث،، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه.
وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وعلى مذهبه فإنّه سبحانه يبقى – أستغفر الله – نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دلت الدراسات الجغرافية، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، كما دندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح العاشر]: من رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه:
(أ) وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً.
(ب) تحريم التوسّل بالأولياء والصالحين، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله، مع أنّ الشرك ضد التوحيد، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا، ومن صرفها بغير اعتقاد، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة.
(ت) تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك، وهذا أطم الطامات، حيث انفرد به عن علماء الإسلام، وحمل حديث (لا تشد الرحال) على غير محامله، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة للزيارة بالحديث، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور، وهي جائزة باتفاق، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال، إنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره، وهو مطلب قرآني، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} الآية، ولكن ابن تيمية، يُخالف ذلك كله، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به، وبأتباعه من بعده.
[المفتاح الحادي عشر]: إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد سوى المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، هاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين، حتى انتشلها من الظلام، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا ينبغي، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام.
فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما له من كرامة عند اللّه، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني عشر]: هل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها، وعن الفقه وأدلته، وعن التزكية وأسرارها، نعم نقدر له مكانته، ولكنّه ليس بالمعصوم، ولا بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، نحترم علمه ونذكر أخطاءه، ونضيف علمه إلى تراث علم أهل السنّة والجماعة، بعد غربلته على أيدي المتخصصين، ونستدل بأقواله، ولا مانع عند الخطأ أن نقول: أخطأ في تقرير تلك المسألة، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص، لكان آية في العلم، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر ما توهمه معقولاً، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول، فلا هو – يرحمه الله – يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه، وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته، وأنا لا أتجنى عليه، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهلا التخصص والعرفان، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة، إلى ناحية المجسمة، – وهو لا يدرك ذلك – بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين، ولكن أبى الله تعالى العصمة إلا لرسوله، وأبى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه، ونقول أصاب في كذا، وأخطأ في كذا، وخالف الجمهور في كذا، ونأخذ بقوله في كذا، ونخالفه في كذا، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها.
[المفتاح الثالث عشر]: (تنبيه): الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، وبين مدرسة الإمام ابن تيمية العلمية، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس، فصنعت في النور، وهذبت في النور، وانتشرت في النور، فكانت في مأمن من الخطأ الكبير والخلل الجسيم، وها هي مدارس العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء، وأساطين أهل العلم، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، أمّا مدرسة ابن تيمية فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه قد صُنعت في السجون والخفاء، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه، ولم تُؤصل في النور، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي، وقد أشار الإمام الحافظ تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في مقدمة رسالته الدرة المضية إلى أخطاء ابن تيمية وشذوذاته فقال: (أما بعد، فإنه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داع إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّس، وأن الافتقار إلى الجزء -أي افتقار الله إلى الجزء- ليس بمحال ,وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأن القرءان محدَث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزامه بالقول بأنه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّة من الملل ولا نِحلة من النحل، لم يدخل في فرقة من الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم هِمة، وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِل جملته بالنسبة لما أَحدث في الفروع) اهـ، وهي كما سماها درة مضية فلله دره من أمام.
***
المبحث الرابع أخطاء الشيخ محمد ابن عبد الوهاب شيخ الوهابية
[المفتاح الاول]: تبنى محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار ابن تيمية والتي تبين خطؤها بقوة السيف والسنان، ولكن زاد الطين بلة بما أضاف إليها من اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
[المفتاح الثاني]: ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً أو له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقاده ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} [الزمر: 3]، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة , وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد , وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من والفتن.
[المفتاح الثالث]: وفي مجال توحيد الربوبية: قال في مجموعة التوحيد: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون}” أهـ ([78]) . والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة، منها: أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت، له في لك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين.
أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير، وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير ([79]) .
والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41]، كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين وهي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره للكون وما فيه، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم، إذ لا يعقل أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [النحل: 20إلى 22]، وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، وقوله تعالى: {وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66]، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أن آلهتهم هذه تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، ومن هنا نعلم مدى الخطأ الجسيم في ادعاء أن المشركين كانوا على توحيد الربوبية.
[المفتاح الرابع]: وفي مجال الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر واتهام الأمة بالوقوع في الشرك الأكبر: فكما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي}.
ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفي، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله،
[المفتاح الخامس]: والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وليس هو من قبيل تهوين ما فعله الجهلاء من بناء المساجد على القبور، وما يفعلونه عند مقابر الصالحين، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعار هم هو (لا إله إلا الله)، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين.
[المفتاح السادس]: والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ومنهم أهل البدعة والضلالة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا ينبغي، إن كلمة (صوفي) مثلها مثل كلمة (سلفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة – منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا – كلمة ثناء، وصفة مدح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف.
[المفتاح السابع]: استحلال دماء وأموال مخالفيه: فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله.
[المفتاح الثامن]: غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم: هناك العديد من نصوص محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومن تلك النصوص، قوله: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد: (الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ… فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١].
(الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨].
(الثالثة): إنّه ظهر صلى الله عليه وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم.
(الرابعة): إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: الآية ٦٥]، ([80]) وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات، حيث يقول في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ” أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين ” ([81]) .
فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة، كما ذكرنا في كتاب الاصلاح الثالث ” التأسيس في علم التوحيد “، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم، وإنّما عبادة غير الله: {ما نعبدهم إلا}، فقد أقروا بعبادتهم، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط، إذ المسلم لا يعبد إلا الله، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله، ويقول في موضع آخر ما نصه: ” إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى ” [كشف الشبهات، ص ٤]، وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له، وإنّما توسل به إلى الله، ويقول أيضاً: ” تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه، والذبح كله للّه، والنذر كله للّه، والاستغاثة كلها باللّه ” أهـ، وهذه كما ذكرت في كتاب الإصلاح الثالث ” التأسيس لعلم التوحيد ” كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة، ويقول أيضاً: « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء »، وهذا خطأ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير، ويقول أيضاً: « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة »، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة، بل لعبادتهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، ويقول: ” إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، وكفّر من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول اللّه ” أهـ، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً، ويقول أيضاً – وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-: ” اقرأ عليه: {ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين} فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه؟ فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم ” أهـ، ([82]) .
وهذا أيضاٍ خطأ، لأنّ الدعاء بنية العبادة، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً، عبادة، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون موحدون، لا يعبدون غير الله، ويعلمون أنّ هؤلاء جميعا عباد صالحون لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا الشفاعة بفضل الله، فلا يجوز تشبيه دعاء المشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية، بدعاء المسلمين الموحدون، ومن خلال تلك القواعد المغلوطة توصل محمد بن عبد الوهاب إلى تكفير المسلمين واستحلال محارمهم، وأنهم أشد كفراً من المشركيين الأصليين.
[المفتاح التاسع]: من العلماء الرادّين على أخطاء الشيخ محمّد بن عبد الوهاب: أخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب في رسالته: الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، وعليها مقدمة الشيخ محمّد بن سليمان الكردي الشافعي الّتي قرّظ بها رسالته، ورسالة تجريد سيف الجهاد لمدّعي الاجتهاد لشيخه العلامة عبد اللّه بن عبد اللطيف الشافعي، ورسالة الصواعق والرعود للعلامة عفيف الدين عبداللّه بن داود الحنبلي، ورسالة تهكّم المقلدين بمن ادّعى تجديد الدين للعلاّمة المحقق محمّد بن عبدالرحمن ابن عفالق الحنبلي، وقد ترصّد فيه لكل مسألة من المسائل الّتي ابتدعها وردّ عليها بأبلغ رد، ورسالة للعلامة أحمد بن علي القباني البصري الشافعي، ورسالة للعلامة عبدالوهاب بن أحمد بركات الشافعي الأحمدي المكي، ورسالة الصارم الهندي في عنق النجدي للشيخ عطاء المكي، ورسالة للشيخ عبد اللّه بن عيسى المويسي، ورسالة للشيخ أحمد المصري الإحسائي، ورسالة السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر، للسيد علوي بن أحمد الحداد، ورسالة للشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عبداللطيف الإحسائي، ورسالة تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء والأولياء، للعلامة عبداللّه بن إبراهيم ميرغني، ورسالة الانتصار للأولياء الأبرار للعلامة طاهر سنبل الحنفي، ومجموعة أجوبة وردود نظماً ونثراً لأكابر علماء المذاهب الأربعة، من أهل الحرمين الشريفين والأحساء والبصرة وبغداد وحلب واليمن وغيرها، ومصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام للعلامة السيد علوي بن الحداد، ورسالة الدرر السنية في الرد على الوهابية لمفتي مكة السيد أحمد زيني دحلان المتوفي سنة ١٣٠٤ هـ، ورسالة شواهد الحق في التوسل بسيد الخلق للشيخ يوسف النبهاني، ورسالة الفجر الصادق لجميل صدقي الزهاوي، ورسالة إظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبي والولي الصدوق للشيخ المشرفي المالكي الجزائري، ورسالة في جواز التوسل، للشيخ المهدي الوازناني مفتي فاس، ورسالة غوث العباد في بيان الرشاد للشيخ مصطفي الحمامي المصرى، ورسالة البراهين الساطعة للعلامة الشيخ سلامة العزامي المتوفي سنة ١٣٧٩ هـ، ورسالة النقول الشرعية في الردّ على الوهابية » للشيخ حسن الشطي الحنبلي الدمشقي، ورسالة في حكم التوسل بالأنبياء والأولياء، للشيخ محمّد حسنين مخلوف، ورسالة المقالات الوفية في الردّ على الوهابية للشيخ حسن قزبك، ورسالة الأقوال المرضية في الردّ على الوهابية للشيخ عطا الكسم الدمشقي، والردود أكثر مما ذكر.
[المفتاح العاشر]: من أقوال العلماء في بيان غلو الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه: قال زيني دحلان في الدرر السمية: ” كان محمد بن عبد الوهاب يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة: ومن توسل بالنبي فقد كفر، وكان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكاراً شديداً، فقال لأخيه يوماً: كم أركان الإسلام يا محمد؟ فقال: خمسة فقال أنت جعلتها ستة: السادس: من لم يتبعك فليس بمسلم، هذا عندك ركن سادس للإسلام، ولما طال النزاع بينه وبين أخيه فخاف على نفسه، فارتحل إلى المدينة المنورة، وألّف رسالة في الرد على محمد بن عبدالوهاب وأرسلها له، فلم ينته، وألّف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الردّ عليه وأرسلوها إليه، فلم ينته ” أهـ [الدرر السنية في الرد على الوهابية، ص ٣٩ ـ ٤٠]، وقال جميل صدقي الزهاوي: كان محمد بن عبدالوهاب يسمي جماعته من أهل بلده، الأنصار; وكان يسمي متابعيه من الخارج، المهاجرين; وكان يأمر من حج حجة الإسلام قبل اتّباعه أن يحج ثانياً قائلا إنّ حجتك الأُولى غير مقبولة لأنك حججتها وأنت مشرك، ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: اشهد على نفسك أنك كنت كافراً، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على فلان وفلان (يسمي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنهم كانوا كفاراً، فإن شهد بذلك قبله، وكان يصرّح بتكفير الاُمة منذ ستمائة سنة، ويكفّر كل من لا يتبعه وإن كان من أتقى المسلمين، ويسميهم مشركين، ويستحل دماءهم وأموالهم، ويثبت الإيمان لمن اتّبعه، وكان يكره الصلاة على النبي بعد الأذان، وينهى عن ذكرها ليلة الجمعة وعن الجهر بها على المنابر، ويعاقب من يفعل ذلك عقاباً شديداً، حتّى أنه قتل رجلا أعمى مؤذناً لم ينته عن الصلاة على النبي بعد الأذان، ويلبس على أتباعه أن ذلك كله محافظة على التوحيد، كان قد أحرق كثيراً من كتب الصلاة على النبي، كدلائل الخيرات وغيرها، وكذلك أحرق كثيراً من كتب الفقه والتفسير والحديث مما هو مخالف لأباطيله ” أهـ ([83]) .
[المفتاح الحادي عشر]: مآسي المسلمين من غلو الوهابيين: ترتب على غلو الوهابيين في فهم مسائل وأحكام التوحيد والشرك: استحلال دماء المسلمين، لغير سبب شرعي صحيح، وإليك الأمثلة: (أ) هاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك !! وكانت تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة، ودخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ: 1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية، واسمه وادي الوج، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء، ويذكر المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتي – وهو ذو هوى وهابي – في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم (حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون، واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا رأيهم مع من يحاربهم) ([84]) .
(ب) احتلال مكة المكرمة: بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف عام 1217 هـ: 1802 م، بدأوا بمهاجمة مكة المكرمة بعد استيلائهم على الطائف مباشرة فدخلوها سنة 1218هـ: 1803م كما ذكر ذلك عبدالله بن الشريف حسين في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر)، أما مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي النجدي فيذكر ذلك في أحداث سنة 1220هـ، ومن أحداث تلك الفترة المشؤومة في محرم 1220هـ: 1805م أن الوهابية راحوا يقتلون الحاج ويأسرون من يمر بهم، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة، ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها، ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة، بل وكما يذكر مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان، وأكلت الكلاب، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس([85]) .
(ت) منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحرام: يذكر المؤرخ عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ الحادثة التالية ص 139: ” فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي، ورجالا معه … وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره عبدالله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه، ويقول مفتخراً ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم ” أهـ([86]) .
(ث) من مجازر الوهابية ضد الحجيج: في سنة 1341هـ: 1921م التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج، فلما وصل الفريقان إلى وادي (تنومة) والوهابيون في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا، انقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان، وقد برر الوهابيون هذه الفعلة بأنّهم ظنوا أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها، وهو عذر أقبح من ذنب كما ترى، ([87]) .
(ج) حرق المكتبة العربية بمكة المكرمة: أحرق الوهابية المكتبةَ العربية في مكة المكرمة وهي من أنفس مكتبات العالم، إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60,000) من الكتب النادرة، وحوالي أربعين ألف (40,000) مخطوطة، بعضها مما أملاه النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.
(ح) استباحة دماء المسلمين في المساجد: جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام: ” يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ([88]) .
ولنا أن نتساءل كيف يكون مشركاً من قُتل في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة، وهو يعبد الله، (خ) الهجوم على الكويت: وذلك بزعم أنّهم مشركون حلال الدم والمال، فوجهوا إليها الغارات تنهب وتقتل وتسلب وتسبي، وكانت الحملة الأولى سنة 1205 هـ: 1790 م، ثم تلتها حملة أخرى سنة 1213هـ: 1798 م، وثالثة سنة 1223 هـ: 1808 م ووصلوا في هذه الأخيرة إلى الجهراء، وأعادوا الكرة سنة 1338 هـ: 1920م فكانت معركة (الجهراء) المعروفة.
(د) البطش والإبادة لجميع قبائل العرب التي تُخالفهم: لقد نالت شدة وبطش الوهابية العديد من المسلمين، حتى أبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد وآل رشيد معروفة، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين، وكيف أخرجوهم من الملة والدين، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون، فليرجع إلى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية، فإن في هذا الكتاب من تعسفهم ومعاملتهم للمسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان.
(ذ) حرب أهل المدينة: جاء في كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد: ” أجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها… وضيَّقوا على أهل المدينة، وقطعوا عليهم السوابل، وأقاموا على ذلك سنين ” أهـ. ([89])
(ر) غزو الشام: وقد غزا الوهابية هذيل الشام بقيادة عثمان المضايفي في حوالى سنة 1214هـ: 1799م فقتلوا وسبوا النساء، ثمَّ غزوا اللفاع حيث يقيم أشراف بني عمرو فقتلوا منهم عدداً، ونهبوهم وسلبوا النساء حتى أنهم جردوهن من الثياب، فطلبوا الأمان وتوهبوا،، ابادة أهل الحجاز في تربة وحزبة: وهما قريتان بالحجاز انقض عليهما جنود الوهابية في أواخر شعبان 1337هـ: 1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل، وقد أحصي من قتل في تربة وحدها فبلغوا ثلاثة آلاف من المدنيين العزَّل.
(س) غزو الإحساء: جاء في عنوان المجد: في أحداث 1210 هـ، ” فلما استووا على ركائبهم (أي الجند الوهابي) وساروا ثوروا بنادقهم دفعة واحدة، فأظلمت السماء وأرجفت الأرض، وثار عج الدخان في الجو، وأسقط كثير من الحوامل في الإحساء، ثم نزل سعود في الرقيقة … فأقام في ذلك المنزل يقتل من أراد قتله، ويجلي من أراد جلاءه، ويحبس من أراد حبسه، ويأخذ من الأموال، ويهدم من المحال، ويبني ثغوراً، ويهدم دوراً، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم،، ثم يقول عن القتل وذلك بعد الاستسلام،، فهذا مقتول في البلد، وهذا يخرجونه إلى الخيام، ويضرب عنقه عند خيمة سعود، حتى أفناهم إلا قليلا، وحاز سعود في تلك الغزوة ما لا يحصى).
(ش) غزو البحرين وقطر وعمان: امتنع العتوب في البحرين عن دفع الجزية فهاجمهم الوهابية وقتلوا منهم الكثير، وأوقعوا بهم خسائر جسيمة،، وقد هاجم الوهابية البحرين مرات عديدة، ومنها الحادثة الشهيرة التي رواها مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه (عنوان المجد) حين قتل الوهابية من أهل البحرين 1400 رجل فانتقم الله لأهل البحرين فانفجر البارود داخل السفن الوهابية المغيرة فمات الجند الوهابي حرقاً وغرقا، يقول صاحب عنوان المجد، ” ثم دخلت السنة السادسة بعد المائتين والألف وفيها غزا سليمان بن عفيصان بأمر عبد العزيز بجيش من أهل الخرج وغيرهم، وقصد قطر المعروف بين عمان والبحرين، فصادف منهم غزواً نحو خمسين مطية فناوخهم، فقاتلوا وهزمهم سليمان، وقتلهم إلا القليل، وأخذ ركبهم، ويقول كذلك، عندما تحدث عن أحداث 1209 هـ (،، ثم سار بهم إبراهيم بن عفيصان فقصد ناحية قطر، وأغار على أهله فأخذ إبلا كثيرة من بواديهم وأموالهم.
(ص) غزوة الشقرة على قبائل شمر: جاء في عنوان نجد: ” وفيها (أي سنة 1206 هـ) كانت غزوة الشقرة وذلك أن سعوداً سار بالجيوش الكثيفة من جميع نجد الحاضرة والبادية، وقصد ناحية جبل شمر، وقد ذكر له قبائل كثيرة من البوادي من مطير وحرب وغيرهم، وهم على الماء المعروف بالشقرة قريب من جبل شمر، فعدا عليهم سعود وأخذهم جملة وحاز منهم أموالاً عظيمة، الإبل أكثر من ثمانية آلاف بعير، وأخذ جميع أغنامهم ومحلتهم وأمتعتهم، وأكثر من عشرين فرساً، قتل عليهم عدة رجال، ثم رحل سعود بجميع تلك الغنائم وأخرج خمسها !! وقسم باقيها غنيمة في المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان ” أهـ،([90]) . فمتى كان هؤلاء كفاراً تحلُّ دماؤهم وأموالهم، ووجه الوهابية قواتهم إلى عمان، يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي: ” ثمَّ سعود أرسل إلى عمان عبدالله بن مزروع صاحب منفوحة وعدة رجال من أهل نجد و أمرهم بنزول قصره البريمي المعروف في عمان، مطلق المطيري بجيش من أهل نجد …، فقاتل أهل الباطنة سحار ونواحيها، وقاتلوا سعيد بن سلطان صاحب مسكة (مسقط) ودام القتال بينهم وقتل من عسكر عزان مقتلة عظيمة بلغت القتلى نحو خمسمائة رجل، ثم أنه اجتمع مع مطلق المطيرى جميع من هو من رعية سعود من أهل عمان، فنازل أهل سحار بألوف من المقاتلة، ودخلت سنة خمس وعشرين وهم على ذلك يقتلون ويغنمون، وأخذ مطلق ومن معه قرى كثيرة من نواحى سحار من أهل الباطنة، وبايع غالبهم على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، ولم يبق محارب إلا مسكة ونواحيها مملكة سعيد وما تحت ولاية عزان من سحار، وغنموا منها غنائم كثيرة، وبعثوا الأخماس إلى سعود في الدرعية ” أهـ. ([91]) .
(ض) غزو العراق واليمن والشام: يقول صاحب عنوان المجد، ” وفيها (أي سنة 1220 هـ) سار سعود بالجيوش المنصورة، والخيل والجياد المسومة المشهورة من جميع نجد ونواحيها وبواديها، وقصد جهة الشمال نوازل بلد المشهد المعروف في العراق، وفرق عليه المسلمين من كلِّ جهة، وأمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله !! … ثم رحل منه سعود فانحاز على الزملات من عربان غزية فأخذ مواشيهم ثمَّ ورد الهندية المعروفة، ثم اجتاز بحلل الخزاعل، وجرى بينه وبينهم مناوشة قتال وطرد خيل، ثم سار وقصد السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمَّر أشجارها، ووقع بينهم رمي وقتال، ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمى، ورحل منه إلى وطنه ” أهـ([92]) . ولقد احتل الوهابية صنعاء وأمعنوا فيها قتلا، ونهبوا خيراتها، يقول مؤرخهم في غزو الحديدة: ” وحاصروا بندر الحديدة وأخذوه …فتجهز صالح المذكور إلى زبيد وجنوده وقومه فسار إليه بجيش عديد من قبائل عديدة حاضرة و بادية نحو ثلاثة الآف مقاتل فنازل أهل زبيد وأخذوه عنوة ونهبوا منها من الأموال والأمتاع شيئا كثيرا… وعزل صالح الأخماس وبعثها إلى الدرعية ” أهـ،([93]) . فأي إسلام هذا الذي يحلُّ الإغارة على المسلمين؟ وفي بلاد الشام: هاجم الوهابية حوران سنة 1225هـ: 1810م فأحرقوا ونهبوا وسبوا بعد أن قتلوا حتى الأطفال ناهيك عن الكبار، ثمَّ توسعت الغزوات الوهابية حتى بلغت مدينة حلب وقطعوا الطريق بين الشام والعراق، وكانت سراياهم تصل إلى القادسية، وقد قتلوا خلقاً كثيراً خلال غاراتهم تلك، (وبعد) فهذه بعض الأحداث الدامية التي ارتكبها الوهابية في حق المسلمين، ولنا أن نقول: ما هو الفرق بين تصرف الخوارج وتصرف هؤلاء مع أهل القبلة من المسلمين، وهل كانوا حقيقة يُقاتلون كفاراً مشركين، أم يُقاتلون أهل الإسلام والتوحيد، الذين يدينون بلا إله إلا الله؟ وكيف بعد ذلك أنّ نصدق أنّهم السلفية على طريق السلف، اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
***
المبحث الخامس تعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(تنبيه): أتناول في هذا المبحث مفاتيح التعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبيان الضوابط الفقهية التي تمنع طلبة العلم من الغلو في فهمها بما يؤول بهم إلى الغلو في تكفير أهل القبلة في أمور لا تصل بهم أبدا إلى ذلك الحد، جاء في مجموعة التوحيد – من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب: [[ اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة: (الأول): الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر، و (الثاني): من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً، و (الثالث): من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر، و (الرابع): من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر، و (الخامس): من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولو عمل به – كفر، و (السادس): من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}، و (السابع): السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعلى: {وما هم بضارين به من احد إلا بأذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم}، و (الثامن): مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، و (التاسع): من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم – كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام – فهو كافر، و (العاشر): الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون} “] أهـ([94]) .
(تنبيه) هذه النواقض العشرة أصبحت العمدة عند أكثر من يتحدثون عن نواقض الإسلام في زمان الشيخ ابن عبد الوهاب وإلى زماننا هذا، لذا وجب بيان ضوابطها الشرعية التي تمنع من الخطأ في فهمها، لاسيما وان تلك النواقض إن لم تنضبط بضوابط الشرع صارت سيفا مسلطا على رقاب أهل القبلة بالتكفير والتشريك نسأل الله الفقه في الدين، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
[الناقض الأول وبيان ضابطه]: [ قوله ” الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر ]:
[ قلت ]: الشرك في عبادة الله تعالى كفر أكبر ولكن له عند الفقهاء أصل وله صور، فالأصل هو الاعتقاد، وهو أن يصرف العبد مفردات العبادة بنية العبادة لمن يرى له صفات الربوبية أو الألوهية، فهذا شرك أكبر لا مرية فيه، أما صرف الصور الخالية من الاعتقاد فهذه ليست من باب الشرك الأكبر أبدا، وإنما هي من باب شرك دون شرك، فلا يترتب عليها لا تكفير ولا استحلال حرمات المسلمين.
وبيان ذلك: أنّ المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنّها آلهة لها صفات الألوهية واستحقاق العبادة بما لها من مفردات الربوبية كالنصرة والعزة واجابة الدعاء والشفاعة قصراً على الله، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى – في حق مشركي قريش -: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7 ]، كما اعتقدوا أنّها أنداد لله، والند هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير، ويدل عليه قوله تعالى:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [ فصلت: 9 ]، وقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ ابراهيم: 30 ].
كما اعتقدوا التسوية بين الله وبين معبوداتهم في الربوبية والألوهية: كما في قوله تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [ الشعراء: 96 إلى 98 ]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات الربوبية والألوهية، كما اعتقدوا شراكتها في الربوبية ومفرداتها من التصريف والتدبير والقدرة الذاتية على النفع والضر والإعزاز والنصر: كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [ مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [ يس: 74 ]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [ الأنبياء: 43 ]وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [ هود: 101 ]، والمعنى أنّهم كانوا يدعونهم ويعبدونهم وهم ينتظرون أن يغنوا عنهم من الاله شيئا، وقد كان الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [ هود: 54 ]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] قال البغوي في تفسير الآية:{وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}: ” وذلك أنهم خوفوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ” أهـ ([95]) .
والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها لها صفات الألوهية والربوبية، وأنّها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، والسؤال المهم الآن: هل كان الناس زمان الشيخ يعتقدون في الاولياء والصالحين نفس الاعتقاد، وهل كانوا إذا ذكرهم الشيخ بالشهادتين، يقولون كما قال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7 ]، هل كانوا كذلك ام كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وانّ محمدا رسول الله، هل زعم أحد منهم أنه يعبد يوسف أو شمسان أو تاج من دون الله كما ذكر هو في كشف الشبهات وكفر كل من يعتقد فيهم الصلاح والولاية، من دون الله أو يظن له شراكة مع الله في التدبير والتصريف مستقلا عن الله، كما يزعم مشركو قريش لآلهتهم.
(المصيبة الكبرى) أنّ الشيخ لم يجعل للعبادة ضابطا يجعلها عبادة، فليس مجرد صرف العمل العبادي خاليا عن الاعتقاد يعتبر عبادة، فإن ضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبادة، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل توحيد العبادة وشرك العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو: ((الاعتقاد))، وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) [ أخرجه مسلم ]، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وخلاصة الأمر في التعريف الفقهي الصحيح للعبادة: هو عبارة عن الأفعال والأقوال الظاهرة والباطنة الدالة على الذل والخضوع المقترن باعتقاد الربوبية والألوهية أو شيء من مفرداتهما في حقّ المخضوع له، فكل طاعة تقترن بالاعتقاد تكون عبادة، فمن صرفها لله وحده فهو موحد، وإن صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً، والعبادة (أي عبادة)، لها أصل وصورة، فالأصل هو العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له وهي اعتقاد الألوهية والربوبية فيه، والصورة هي الفعل أو القول الدال على الطاعة مع المحبة والخضوع و التذلّل، ومثال ذلك: من صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي، وما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الدعاء تبعاً للعقيدة، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، وما قيل في السجود والدعاء يقال مثله في الذبح، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الذبح تبعاً للعقيدة، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو الإلهية فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الاكبر، وما قيل العبادات السابقة يقال مثله في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الربوبية وصفاتها، والإلهية ومفرداتها فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفقهاء أهل السنة متفقون على التفصيل في مسألة الشفاعة تبعاً للعقيدة، فمن صرفها لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها كالشراكة في التدبير أو الشفاعة لللازمة على الله تعالى، فهذا الشرك الاكبر، والآيات التي تثبت الشفاعة تستثني من شاء الله تعالى، كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [ طه: 109]، وما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وكما علمنا القرآن الكريم قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، فقال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ الفاتحة: 5 ]، كذلك علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [ البقرة: 45 ]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [ البقرة: 153 ].
وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، وبعد فهذا هو الضابط العام لمفردات العبادات التي ينبغي أن لا تصرف إلا لله وحده، فصرفها لغير الله تعالى بنية العبادة لذلك الغير كفر وشرك بالله، وصرفها لمن نعتقد فيه الربوبية والالوهية (لأنهما متلازمان) أو بعض صفاتهما فهو كفر وشرك بالله، وإن خلت من النية والاعتقاد، فهي وفق حكمها الشرعي فقد تكون شرك دون شرك وقد تكون كبيرة من الكبائر، وقد تكون جائزة كالاستعانة بالأسباب مع ربط القلب بخالق الأسباب، وعلى ذلك: فالتعريف الصحيح الضابط لفهم معنى الشرك الأكبر المناقض لتوحيد الالوهية: إنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد الألوهية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء من الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف السجود لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أشرك في ألوهية الله تعالى، وأتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه.
(تنبيه): لا يصح بأي حال مقارنة حال المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم بحال المسلمين الناطقين للشهادتين المعتقدين لهما، فالمشركون زمان النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يرضون بتوحيد الألوهية وكانوا يعترضون أشد الاعتراض على قول لا إله إلا الله، وقد وصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وبقوله تعالى {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ ص: آية 4 إلى آية 8 ]، وكانوا يشركون أوثانهم مع الله تعالى حتى في الشفاعة فكانوا يجعلون لهم الحق الواجب من الشفاعة (الشفاعة الملزمة)، كأنهم شركاء لله عز وجل في ملكه وملكوته، فمن فعل ذلك من أهل القبلة كان من المشركين شركا لنا فيه من الله تعالى برهان، -وهذا لم يحدث ابدا من مسلم قط على مر عصور الإسلام- ومن استأنف أن ينسب عبادته لغير الله – وهذا هو الحاصل- وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وإذا قيل له أأنت تعبد هذا الميت، قال على الفور معاذ الله فإني لا أعبد إلا الله ولا اعتقد الإلهية ولا الربوبية ولا استحقاق العبودية إلا لله، فهذا الرجل لا تبلغ حاله الشرك الأكبر بحال، ما كان الإقرار على التوحيد واعتقاده صحيحين، وإلا فما من إنسان إلا وهو يصرف بعضا من مفردات العبودية لغير الله إلا ما رحم الله، فمن خشي غير الله فقد صرف الخشية لغير الله، ومن خاف من مخلوق كمن خاف من سبع مفترس فقد صرف مفردة من مفردات العبودية وهي الخوف لغير الله، ومن أحب غير الله فقد صرف مفردة من مفردات العبادة لغير الله، وهكذا لا يسلم التوحيد -على مذهب هؤلاء – لأحد.
ولذلك كان لابد للمسألة من ضابط، فمن خاف من سبع مفترس نعلم أنه لم يصرف إليه الخوف العبادي، ومن خشي ملكا ظالما نعلم أنه لم يصرف إليه الخشية العبادية، ومن رجا غنيا أو ملكا نعلم أنه لم يصرف إليه الرجاء العبادي، وهكذا من ذبح للجن اتقاء شرهم فلم يقع في الشرك الأكبر لأنه لم يصرف إليهم مفردة العبودية بنية العبادة، وإنما ذبح على ظنه اتقاء شرهم كما يكذب المرء على الملك الظالم اتقاء شره، فهذا في عداد الكبائر وليس في عداد الشركيات، ويدخل في إطار المنكرات، ولكن أن ننسب ذلك إلى الردة والكفر الأكبر، فهذا لاشك غلو في فهم مسائل الشرك، وكذلك فمن دعا الميت وقع في مظهر من مظاهر الشرك لصرف مفردة من مفردات العبودية لغير الله بدون نية العبادة، فلا يكون من الشرك الأكبر لأن هذا الداعي تحيط به شبهات تمنع حتما من رميه بالكفر الأكبر المخرج من الملة، وهذه الشبهات منها أنه مقر بلا إله إلا الله، وأنه يزعم – والآثار تؤيده – أن المسلم في قبره يسمع من يناديه ويستأنس بمن يزوره، فهو من هذا الباب يناجي حيا يسمعه وليس ميتا، والآثار تدل على الحياة في البرزخ، وأن الموتى يردون السلام على من زارهم وسلم عليهم، ثم هو يتعلل بأنه يطلب من هذا الولي – على حد زعمه – أن يدعو الله له ليس إلا، وهو يعلم أن الضر والنفع بيد الله وحده، وهو مثل قول المسلم لأخيه لا تنساني من دعائك يا أخي، فهذا خطأ، ولكن أين هذا الخطأ أو الجهل من الشرك الأكبر المخرج من الملة، لأنه يعتقد أن الولي الصالح الذي يدعوه لا يملك من الأمر شيئا، بعكس حال المشركين الذين كانوا يزعمون أن لآلهتهم شراكة مع الله واستحقاق الوساطة في الشفاعة والنصرة والتدبير بدليل قوله تعالى: { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الانعام:94].
ولعل فيما سبق بيان ضابط الشرك الأكبر في مسألة الدعاء، وخلاصته أن الدعاء قسمان، دعاء عبادة لمن نظن فيه الربوبية والألوهية ونصرف له العبودية، ودعاء مسألة لمن نظن فيه قضاء الحاجة على سبيل السبب، إذ كل ما سوى الله تعالى سبب قدَّره مسبب الأسباب سبحانه لقضاء الحوائج، فالغريق يدعو من ينقذه دعاء مسألة لظنه فيه أنه سبب لإنقاذه من الغرق، والسائل المتعلم يدعو العالم دعاء مسألة لظنه أنه سبب لإدلاله على الصواب في المسألة، وهكذا كل دعاء ليس فيه صرف عبودية لمن يظن فيه الربوبية والألوهية فهو دعاء مسألة لا دعاء عبادة ودعاء المسألة لا يبلغ بصاحبه الكفر مهما كان حاله لأن الشرك الأكبر متعلق بدعاء العبادة الذي يصرف لمن يظن فيه الألوهية والربوبية.
وقد يقول قائل أن مناط المسألة هو التفريق بين دعاء من يقدر على الشيء ودعاء من لا يقدر عليه وأن ذلك هو مناط الكفر في المسألة، قلت: قال العلماء أن هذا المناط لا ينضبط، وذلك لأن قدرة العباد نسبية، ومثال ذلك الصحابي الذي سقطت عينه على خده ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعيدها له، ومعلوم أن ذلك ليس في مقدور بشر، ولكنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقينه أن الله على كل شيء قدير، وأنه يستجيب دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقدرة العباد نسبية إلا أنها إذا اتصلت بقدرة الله انتفت النسبية، لأن الله على كل شيء قدير، فهذا المثال وغيره من الشواهد لا يتعلق السؤال فيه لمقدور البشر، وإنما تعلق بقدرة الله الذي هو على كل شيء قدير، ولهذا قال العلماء من ظن أن أحدا قادرا على أدنى شيء باستقلال قدرته فقد أتى ببهتان عظيم، لأنه لا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، فلهذا لا ينضبط مناط الاستقلال في القدرة.
وعلماء الأصول لا يجيزون تعلق الحكم بمناط غير منضبط في الأحكام العملية، فما بالنا بالأحكام الاعتقادية وأخطرها الحكم على الناس بالكفر الأكبر والشرك الأكبر المخرج من الملة، ومثالها كذلك مسألة الاستغاثة بالأموات لأنه لا يُسّلم لك أنه ميت لا يسمع، بل يقول أنه يسمع نداءه، وأن المستغيث بمنزلة التائه أو الغريق الذي يستغيث بمن ينقذه من الغرق والموت، أو بمنزلة صاحب الحريق الذي يستغيث بمن يطفئ معه هذه النار، وهو مع ذلك لا يُسّلم أنه يستغيث بالميت على سبيل أن الميت يملك الضر والنفع استقلالا من دون الله، بل يقول أنه يطلب من الميت أن يدعو له الله لعل دعواه أن تكون مستجابة، كمثل من ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستغيث به أن يرد عليه عينه وقد أصابها سهم فوقعت على خده، فهو لم يستغث بقدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المستقلة، وإنما بما له من وجاهة عند الله، وأن دعاءه لله مستجاب بخلاف غيره، وهذه التأويلات – على وجه العموم – لا تزال في إطار التأويل المستساغ، فيبقى معذورا بالتأويل المانع من تكفيره اتهامه بالشرك الأكبر، ومثلها الذبح، فهو مفردة من مفردات العبودية لقوله تعالى (فصل لربك وانحر) والذبح أنواع، فمن الناس من يذبح لمجرد الطعام وهذا جائز، ومنهم من يذبح على سبيل العبادة وهذا صرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك، وضابطه اصطحاب نية العبادة في الذبح، ومن الناس من يذبح للجن مثلا خوفا من ضرهم لا عبادة لهم، فهذا كبيرة من الكبائر ولم يقل أحد من علماء المسلمين المتقدمين أنه شرك أكبر ولا كفر أكبر إلا إن كان على سبيل العبودية للجن، أما لمجرد الخوف من إيذائهم فهذا بمنزلة الكبائر لا أكثر، ولا علاقة له بالشرك أبدا، ومن خالف في ذلك فليراجع أقوال علماء الأمة الفقهاء في هذه المسألة، وليرجع إلى مؤلفات الفقه المتخصصة ليعرف حكم الشرع في المسألة، وهناك من يذبح للولي والرجل الصالح والميت لا على سبيل العبودية يقينا ولكن على سبيل إهداء ثوابها إلى الميت، فهذا له الأجر والثواب، لأنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز عمل العبادة والطاعة وإهداء ثوابها للميت، وهناك من يذبح للميت على سبيل الإكرام لحاله وشأنه كما يذبح الناس الذبائح عند مقدم الملوك والرؤساء على سبيل الإكرام، وهذا لا تصل إلى الشرك الأكبر بحال، وهناك من يذبح في تلك الأماكن تبركا بالصالحين، وإطعاما للمساكين، كما جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي: (وعن إبراهيم الحربي قال: قبر معروف الترياق المجرب يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء) ([96]) .، فهذه أمور لا تبلغ مبلغ الشرك، ولا علاقة لها بالشرك، لا أصلا ولا صورة.
وهكذا الطواف فهو مفردة من مفردات العبودية، ولكنه عبودية مخصوصة بمكان، وهو الكعبة المشرفة زادها الله تشريفا، فمن طاف بغير البيت الحرام ابتغاء مرضاة الله فهذه بدعة منشؤها الجهل أو الهوى، ومن طاف بغير البيت الحرام على سبيل العبودية لغير الله فهذا وقع في الشرك الأكبر ولا كرامة، ولكن أين من يطوف بهذه النبية، حتى المسلم يطوف حول الكعبة ولا يعبدها، إنما طوافه طاعة لله، ومن طاف بغير البيت الحرام على سبيل الاحترام والتبجيل لصاحب القبر مثلا، فهذا قد أتى كبيرة من الكبائر وبدعة ضلالة، ولكنه لا يبلغ الشرك الأكبر، ومثله مثل من سجد لغير الله على سبيل الاحترام والتكريم، وقد صحت قصة معاذ في السجود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل الاحترام ونهاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، وأوضح له أن السجود على سبيل الاحترام لو كان جائزا لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها احتراما، ولا يمكن أن يكون افتراض الجواز مبنيا على سبيل العبودية، لأن فعل ذلك على سبيل العبودية شرك أكبر بالله تعالى، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يضع الاستثناء أبدا في محل الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر، ويؤكده أن السجود على سبيل الاحترام كان جائزا في الأمم السابقة، وأصول الدين – وأهمها التوحيد – واحدة في جميع الملل لا تقبل النسخ، وهذا يؤكد أن السجود على سبيل الاحترام لا يكون صرفا للعبودية لغير الله إلا إذا كان بنية العبادة.
وحاصل الأمر أن هناك فرقا بين الشرك في أصل العبادة بحيث يعلم العابد أنه عابد لغير الله راضيا بذلك، وبين من صرف مفردة من مفردات العبودية لغير الله – في الظاهر – لا على سبيل العبودية ولكن على سبيل آخر، وعلى ذلك فالضابط الفقهي لهذا الناقض الأول هو أن يكون الفعل بنية العبادة وصاحبه مقر بعبادته لغير الله، فإن حامت الشبهات حول الفعل وظهرت التأويلات حوله، نزل من مرتبة الشرك الأكبر إلى مرتبة البدعة والضلالة، أو مرتبة المعصية أو مرتبة الجهل، وهذا هو الفقه في الدين ان ننزل كل واقعة على حكمها اللائق بها، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
وحاصل الفقه في المسألة السابقة أن هناك فرق بين الأعمال التي تصلح للعبادة وبين أصل العبادة نفسها، فمفردات العبادة لا تكون عبادة إلا باصطحاب نية العبادة، ومن فعلها بنية أخرى غير العبادة فلا يكون صرفها لغير الله من باب الشرك وإنما من أبواب أخرى كالمعصية والبدعة وغيرها، وقد دللنا على ذلك بالسجود والنذر والذبح وغيرها من مفردات العبادة.
(تنبيه ثان): إن الفرق عظيم بين ما يفعله جهلة المسلمين وبين ما كان يفعله مشركو العرب على زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالمشركون على زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يدعون الأوثان والأصنام، وكانوا يعتقدون في أصنامهم كشف الضر والتصريف والتدبير وكانوا يعتقدون أن لها القدرة على الضر، وكانوا يخوفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ضرر آلهتهم، فمما سبق يتبين أن دعاء المشركين لأصنامهم كان دعاء عبادة يتضح فيه وجود نية العبادة ونية صرفها لغير الله من آلهتهم المزعومة، ويتضح فيه اعتقادهم لبعض الربوبية فيمن يدعونه، فيرجون منه النفع والضر والنصرة والإعزاز والغنى، ويتضح فيه كذلك اعتقادهم أن هذه آلهة مع الله شركاء لله على سبيل المقاسمة والشراكة الإلزامية في صفات الربوبية والألوهية، مع العلم بأن هؤلاء المشركين رفضوا شهادة التوحيد واستكبروا عنها وتعجبوا من جعل الآلهة إلها واحدا كما ذكر ذلك عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) وقوله تعالى حكاية عنهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) وذلك لما رسخ في اعتقادهم من شرك التسوية الذي أشار الله تعالى إليه في قوله تعالى حكاية عن المشركين (قالوا تالله إن كنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين).
أما الجهلاء من المسلمين فهؤلاء يدعون الأولياء الصالحين على سبيل أنهم صالحون لهم وجاهة عند الله في استجابة الدعاء، وهي طرف من وجاهة الأنبياء، كما قال الله تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام (وكان عند الله وجيها) أي مستجاب الدعاء، وأنهم أحياء في قبورهم يسمعون من يزورهم ويأنسون به ويفرحون بقدومه، ثم هم يقرون بأنهم لا يعبدون إلا الله، ويعلمون أن الضر والنفع بيد الله وحده، وهذا يجعل الأمر كله في إطار مظاهر الجهل والابتداع.
و (الخلاصة): الشيخ النجدي طبق هذا الناقض: [الناقض الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار}، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر]: على المسلمين وليس على المشركين، وصدق فيه قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، وهذا الأثر البخاري ذكره تعليقا بصيغة الجزم في صحيحة، فقال: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)، قال ابن حجر عن أصل هذا الخبر: وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين) أهـ ([97]) .
وهذا والله ما حدث، انطلق إلى آيات نزلت في الكفار والمشركين الأصليين، فجعلها على المسلمين والموحدين والمؤمنين، فاستحل بمفاهيمه المغلوطة عن العبادة والشرك حرمات المسلمين، وكان يهاجمهم ويسمي ذلك غزوات على المشركين، يستبيح دماءهم وأموالهم وحرماتهم بفهم قاصر للعبادة يخلو من ضابطه الرصين، ألا وهو صرف العمل العبادي لمن يعتقد فيه الربوبية والإلهية من دون الله، واثبات ذلك على مسلمي زمانه دونه خرط القتاد،
***
[الناقض الثاني وبيان ضابطه]: [من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسالهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً].
[قلت]: وهذا الناقض لا بد من التفصيل فيه، فإن ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لقد وقع الشيخ النجدي في ثلاثة أخطاء، استحل بها دماء المسلمين المؤمنين الموحدين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
الخطأ الأول: أنّه ظن أن اعتقاد الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر، وتلك مصيبة، لأنّ الشفاعة ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين من امته، والخطأ الثاني: أنّه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، وتلك مصيبة أخرى لأنّ أصل الوسيلة جائز شرعا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ المائدة: 35 ]، والآية عامة في إثبات أصل التوسل وفضيلته، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [ الإسراء: 57 ].
والخطأ الثالث: أنّه لم يفرق بين التوسل المشروع الذي أجازه جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وبين الشرك الأكبر بالله، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفرط عقد التكفير والتشريك وسالت دماء المسلمين في زمانه في كل مكان بالحجاز ونجد،
(الخطأ الأول): ظنّ الشيخ النجدي أنّ الشفاعة يمكن أن يكون موجبا مستقلا للوقوع في الشرك الأكبر: واستدل لذلك بالآية: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [ الزمر: 43، 44] وهذا الاستدلال يكون في محله إذا كان اعتقاد الشفاعة المستقلة جبرا على الله، فإن هذا كان اعتقاد المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن عندهم: الشفاعة بمعنى الواسطة ولكن اعتقادهم كان بالشفاعة الجبرية بما لها من شراكة في الملك والتدبير، ولذلك أبوا ان يقولوا لا إله إلا الله، وكانوا يقولون رغبة عنها ورفضا لها: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا إله الا الله، واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون هل هؤلاء يعتقدون في الشفاعة كما يعتقد سائر المسلمين ممن يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله عن قبول واعتقاد، سبحانك إن هذا إلا بهتان عظيم، بل ومن تدبر آية الأنعام علم ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [ الأنعام: 94]، فجمع الله تعالى بين اعتقادهم الشفاعة وزعمهم أن لها الشراكة في الربوبية والملك والتدبير {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فكيف هان على الشيخ أن يساوي بين هؤلاء وبين المسلمين بل ويصفهم بأنهم أشد كفرا من كفار قريش ومشركيهم ممن عبدوا الاوثان والأصنام.
(الخطأ الثاني): ظنّ الشيخ النجدي أنّ ضابط الشرك الأكبر في المسألة هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء دون عقيدة تدفعهم إلى ذلك، وحقيقة الامر أنّ المشركين الأصليين زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يزعمون بالشفاعة الجبرية لآلهتهم التي عبدوها من دون الله، وأما المسلمون زمان الشيخ النجدي كانوا يعتقدون بأنّ الله تعالى أعطى النبي صلى الله عليه وسلم لواء الشفاعة يوم القيامة، فعقيدتهم تختلف تماما عن عقيدة المشركين، المسلمون موحدون ينطقون الشهادتين ويعتقدون أنّ الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليست استقلالا عن الله، بل ارتضى الله شفاعته كما دلت على ذلك أحاديث الصحاح، فيشفع في حق المقصرين من أمته، والمشركون عباد الاصنام والأوثان يعبدون آلهة من دون الله ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عن الإله الأكبر، بموجب شراكة في ما بين الآلهة في التدبير والتصريف، كما في قوله تعالى: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، فهم يعتقدون أنهم شركاء لله ولذلك أبوا ان يشهدوا بلا إله إلا الله، وكانوا يقولون أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، فكيف هان على الشيخ ان يسوى بين هؤلاء وأولئك، وصدق الله تعالى حيث يقول: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].
ولعل سبب المغالطة التي وقع فيها الشيخ النجدي، أنّه ظن أن اتخاذ الوسائط المجرد بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط هو الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة، وسبب هذا الخلل هو الفهم المغلوط لقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، فالآية تبدأ بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد) ويشمل كافة أقسام التوحيد من توحيد الذات والأسماء والصفات والأفعال ويشمل توحيد الربوبية بكافة مفرداتها وتوحيد الإلوهية بكافة مفرداتها، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[ مريم: 81 ]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها آلهة تحقق لهم العز، ولذلك عبدوها، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[ يس: 74 ]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية (ما نعبدهم إلا)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته.
وسبب آخر لهذا الخلل ألا وهو الفهم المغلوط لقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [ يونس: 18 ]، فالمتدبر لها يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق نعلم خطأ من جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء، ولما كان الشيخ النجدي لا يفهم المراد من الآيات فهم الفقيه الواعي، ولا يفهم حقائق الإيمان والكفر كما يفهمها أهل التخصص، ولا طبيعة التوحيد والشرك، ولم يستوعب الآيات التي توضح كيف كان الشر ك ومعتقداته عند المشركين، ولا يعرف ضابطا يرجع إليه في فهم الآيات انزلها على أهل القبلة، كما جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) أهـ ([98]) .
(الخطأ الثالث): لم يفرق الشيخ النجدي بين التوسل المشروع الذي أجازه جمهور الفقهاء وبين الشرك الأكبر بالله، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفرط عقد التكفير والتشريك وسالت دماء المسلمين في زمانه في كل مكان بالحجاز ونجد، [هناك فارق عظيم بين التوسل وبين الشرك بالله لم يعلمه الشيخ النجدي]: (التوسل): هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل رضا الله، فالله عز وجل أمرنا بالتوسل بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [ المائدة: 35 ]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [ الإسراء: 57 ]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولبيان الخطأ والمغالطة في فهم المقصود من التوسل: ظن الشيخ النجدي أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل عظيم في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خلل جسيم وفهم خاطئ مغلوط لموضوع التوسل، إذ التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وهذا هو السر في الخلاف الحاصل بين بعض طوائف أهل السنة والجماعة، فلو حررنا موضع النزاع في فهم التوسل، ونظرنا إلى الوسائل المشروعة للتوسل، فما أجازه الشرع من معاني التوسل أجزناه، وما منعه الشرع من معاني التوسل منعناه، لا نفتئت على الشرع ولا نتقدم عليه برأي دون دليل، ولكن الحوار في اطار الفقه وليس الشرك والكفر، والفقه صواب وخطأ، فأين الشيخ وإين التوسل.
وأتباع الشيخ النجدي المانعون من التوسل بالأنبياء والصالحين يستدلون بأدلة أجنبية عن موضع الخلاف، من نحو استدلالهم بقوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} والآية تصرح بأنهم عبدوهم، ومن نحو استدلالهم بقوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً} والمتوسل لم يدع إلا الله، واستدلالهم بنحو قوله تعالى {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم، والمتوسل لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه، وكاستدلالهم بقوله تعالى {وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله} فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء أو ولي من الاولياء، هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله {ليس لك من الأمر شيء} {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} فإن هاتين الآيتين ليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى.
[(تنبيه) في تحرير المعنى المقصود من التوسل]: التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، والمتوسِّلُ المسلم الموحد لا يعبد إلا الله، ولا يرجو سوى الله، ولا يدع إلا الله وحده، فالله وحده – في عقيدة كل مسلم – هو المالك القادر المهيمن، وهو وحده المعطي والمانع، وهو وحده المعز والمذل، وهو وحده النافع والضار ولكن المتوسّل اتخذ قربة شرعية جائزة – أجازها الكتاب والسنة – رجاء قبول مبتغاه عند الله، وليس التوسل – أبداً – اتخاذ واسطة بين العبد وربه، كما كان يفعل المشركون بقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ ص: آية 4 إلى آية 8 ].
فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [ الزمر: 3 ]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط، وجمهور أهل السنة والجماعة من المدارس الفقهية المتخصصة (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل في الفصل المقبل)، جمهورهم يرون جواز التوسل بالصالحين أحياء وامواتا لأن المتوسل إنما يتوسل بهم إلى الله تعالى الحي الذي لا يموت، والتوسل قضية فقهية لا علاقة لها بالتوحيد والشرك، ولكن الشيخ النجدي أبى إلا أن يضع بصمته التكفيرية وسيفه المسلول على البسطاء من أهل التوحيد والإسلام فأباد خضراءهم واستحل دماءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
***
[الناقض الثالث وبيان ضابطه]: [من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر]
[قلت]: القاعدة صحيحة: (من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر)، ولكنها تُطبق على الكفار الأصليين الذين لم يقبلوا بالشهادتين أصلا من عباد الاوثان والاصنام وعلى أهل الكتاب الذيم لم يقبلوا بالشهادتين، ولكن هذا الناقض لا يطبق على الموحدين البته، لأنهم يشهدون بالشهادتين، وإنما يطبق على عباد الاصنام والاوثان واليهود والنصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، ، وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 30 و 31]، وفي النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]، والذين قال الله تعالى فيهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، أما الموحدون فهيهات هيهات أن يطبق عليهم هذا الناقض: [[من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر]، والشيخ النجدي يريد أن يكفر المسلمين من أهل زمانه، ثم يكفر من توقف عن تكفيرهم، والنتيجة الحتمية هي كفر أهل الإسلام قاطبة في مشارق الأرض ومغاربها إلا اتباعه من الوهابيين، نسأل الله السلامة فوالله ما بلغ الخوارج الاصليون معشار ما بلغه هؤلاء الوهابيون من تكفير الامة واستحلال حرماتها.
واعود فأنبه: إن تعلق الأمر بالشرك الأكبر وفق ضوابطه التي قررها الفقهاء، فبه ونعم، فالناقض يُطبق على المرتدين، ولكن من كانت ردته بإجماع من علماء الامة لهم فيه من الله برهان، أما إن تعلق الامر بالشرك في إطار الملة، أو مجرد الذنوب والمعاصي فهذا لا يصح تطبيق هذه القاعدة عليه أبدا، وقد تقدم بيان خطأ مفاهيم الشيخ وأتباعه عن الشرك الأكبر وأنه شرك اعتقاد، وأن الشرك في إطار الملة هو ما تعلق بالعمل والعقد سليم، فهذ المبدأ صحيح في المشركين الاصلين وعبدة الأوثان.
أما أهل الإسلام فلا يطبق عليهم هذا الضابط لقرينة التوحيد وشهادة التوحيد وقبول الإسلام جملة وتفصيلا، لقد طبق الشيخ رحمه الله هذه القاعدة على مسلمين موحدين، بدعوى أنهم لم يكفروا صوفية زمانه، واهل التصوف على زمانه مسلمون موحدون، وكل من توقف عن تكفيرهم كان محقا، ولم يسلم لا هؤلاء ولا هؤلاء من تكفير الشيخ لهم واستحلال دماءهم واموالهم، ومرد ذلك كله إلى ذهول الشيخ عن حقيقة العبودية، وانها اعتقاد وعمل، وانها أصل وصور، وذهوله عن حقيقة الشرك الذي كان عليه المشركين، ظن انّ اعمال العبادات المجردة عن الاعتقاد هي الداعي إلى الوقوع في الشرك الاكبر وهيهات، هيهات فإنا لله وإنا إليه راجعون.
***
[الناقض الرابع وبيان ضابطه]: [من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر].
[قلت]: هذا ناقض اعتقادي لقوله: [ من اعتقد ]، ونحن نتفق معه في أنه ناقض اعتقادي ينقض دعوى الشهادتين، لأنه يدخل في معنى شهادة التوحيد اعتقاد أن الله تعالى أحسن الحاكمين، وأنه لا يشرك في حكمه أحدا، ولكن المصيبة عند الشيخ كانت في التطبيق المعكوس للقاعدة، فالشيخ النجدي كان يرى أنّ فهمه للتوحيد هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من خالفه في فهمه المغلوط للتوحيد بل وأغلب جوانب الدين، طبق عليه القاعدة: [من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر]، بمعنى [من اعتقد أن غير هدي محمد بن عبد الوهاب أكمل من هديه، فهو كافر، أو من اعتقد أنّ فهم غير محمد بن عبد الوهاب للدين أحسن من فهمه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر]، ولذلك كان يسمي علماء عصره من الفقهاء والأولياء بالطواغيت، وكان يرى أن من يسمع كلامهم عن الدعوة النجدية أو يتوقف في حالهم بأنّه كافر حلال الدم والعرض والمال، وهذا والله ما حدث وما يحدث، وكانت الفتنة التي اطل من خلالها قرن الشيطان الذي جاء في حديث البخاري في صحيحه: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ:(اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا”، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: “هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) ([99]) . وأخرج البخاريُ ومسلم عن مُسَدَّدٌ عن يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِهِ نَحْوَ اليَمَنِ فَقَالَ ((الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا، أَلاَ إِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)) ([100]) .
ونجد الحجاز هي جهة المشرق تماما بالنسبة إلى أهل المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) من طريق معمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام على المنبر فقال: ((الفتنة ههنا، الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس))، ([101]) . وأخرج البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الفتنة من قبل المشرق) ([102]) . ومسلم في كتاب الفتن، باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان بنحوه كلاهما من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مستقبل المشرق يقول: ((ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان))، ([103]) .
ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام (قرن الشيطان) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (قوله قرن الشمس ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال) ([104]) . وفي تحفة الأحوذي (قرن الشيطان: أي حزبه وأهل وقته وزمانه وأعوانه، وقيل يحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال) أهــ([105]) .
قلت: ومن نظر إلى الخريطة وجد أنّ نجد تقع تماما في جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة المنورة حيث أشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يفند زعم بعض المغرضين والمنتفعين والكذابين: أنّ نجد المقصودة هي منطقة بالعراق، وآخرون أنّها منطقة بالشام، وكلامهم يفتقد إلى أدنى التحقيق والإنصاف، وذلك لأنّ نَجد الحِجاز كانت أرض الفَدّادين رِعاءِ الإبِل، والعراق كانت أرض زراعة وصناعة وتجارة وما كانت آنذاك أرضًا لرِعاء الإبل، كما أنّ “نجد” الحجاز هي بلاد ربيعة ومضر وليس نجد العِراق أو الشام ثم نحن لا نعلم نجدا معروفا إذا أطلق لفظ ” نجد ” سوى نجد الحجاز، والتي ظهر منها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه من علماء الدعوة النجدية، التي ينتسبون إليها، وليس القصد من ذلك التجريح في أهل نجد، ولكن المقصود الحذر ثم الحذر مما ينفرد به (الشيخ النجدي) ومن يتسمون بـ (علماء الدعوة النجدية) من علوم الدين لأنه آنذاك يكون يقينا من الباطل الذي نفخ فيه الشيطان بقرنه، لأن الأحاديث دلت على التحذير من هذه المنطقة ومما يخرج منها من الضلال الذي يُخالف ما عليه عامة أهل السنة والجماعة من علوم الدين، فالحذر الحذر من مفاهيم هؤلاء المغلوطة المعكوسة عن الإسلام وعن الإيمان والكفر، وعن التوحيد وعن الشرك، وعن السنّة والبدعة وعن كل ما تفردوا به عن علماء المسلمين، آلا هل بلغت اللهم فاشهد، فإنهم كما كان يرى ابن عمر من يكفر المسلمين ويستحل حرماتهم، فقد جاء في صحيح البخاري: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) ([106]) . نسأل الله السلامة
***
[الناقض الخامس وبيان ضابطه]: [من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولو عمل به – كفر]
وها هنا لابد من معرفة ضابط البغض والكراهة، وذلك لأن الجنة حُفت بالمكاره، والله تعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، ويقول: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، ففرق ما بين الكره الأول، والكره الثاني، فالكره الأول ليس ناشئا عن كراهة التشريع الرباني، وإنما لسبب آخر وهو ما جبلت عليه النفس من حب الدنيا وكراهية الموت مع إقراره بفضل القتال في الإسلام فهو لم يكره أمر الله، ولذلك كان لابد من معرفة نوع البغض، وأنه بغض الدين الناشئ عن انتفاء انقياد القلب وتعظيمه لأمر الله، فهذا الانقياد (عمل القلب)، وإقرار اللسان، فإن انتفى أحدها انتفى الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، وانتفى التوحيد وحل محله الشرك الأكبر، أما البغض الناشئ عن ثقل التكاليف الربانية ومعارضتها لرغبات الإنسان فهذا من ضعف الإيمان، ولا علاقة له بالتوحيد والشرك الأكبر، فإنك نادرا ما تجد امرأة لا تبغض تعدد الزوجات لأنه يضاد رغبتها في تملك الزوج، مع أنه شرع الله، ونادرا ما تجد رجلا يحب الجهاد في سبيل الله، لأنه قد يسلب منه الحياة، وإلا فإن من أعظم القربات إسباغ الوضوء على المكاره، ومما سبق نعلم أن ضابط البغض في الآية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، هو انتفاء انقياد القلب وتعظيمه لأمر الله.
(تنبيه): الشيخ النجدي طبق هذه القاعدة وهذا الناقض: [من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – ولو عمل به – كفر]، على أهل القبلة (أهل لا إله إلا الله) وذلك بطريق ملتو فريد عجيب، ألا وهو: ما دام الشيخ النجدي هو الوحيد منذ قرون عديدة الذي فهم الدين كما أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنّ من أبغض ما جاء به الشيخ النجدي كان كمن أبغض شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي صار الناقض في حقيقته هو (من أبغض شيئاً مما جاء به محمد ابن عبد الوهاب – ولو عمل به – كفر الكفر الأكبر الموجب لاستحلال دمه وماله في الدنيا والخلود الابدي في النار يوم القيامة]، فهذا هو التطبيق العملي الحقيقي لهذا الناقض عند الشيخ النجدي وعلماء الدعوة النجدية قاطبة.
***
[الناقض السادس وبيان ضابطه]: [ من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}]
[قلت]: القاعدة صحيحة والناقض صحيح، و (الاستهزاء بالدين) لا يقع إلاّ من كافر لتعلق الاستهزاء بكفر القلب، من انتفاء التصديق أو الانقياد والتعظيم، ولا يكون الاستهزاء إلا مع زوال أصل الإيمان من القلب (قول القلب وعمله أو أحدهما)، وإذا زال أصل الإيمان حل محله الكفر، فهذه الأعمال لا تصدر إلا من كافر، أو زنديق متلاعب بالملة، زال من قلبه التصديق فصار منافقاً أو زال من قلبه الانقياد والمحبة فصار زنديقا كافراً، (تنبيه) تطبيق الشيخ النجدي للناقض يختلف عن تطبيق أهل العلم له، فالشيخ النجدي يرى أنّ الله تعالى آتاه -وحده- دونا عن امة النبي صلى الله عليه وسلم الفهم الصحيح والوحيد للتوحيد، وانا لا اتجنى عليه فهذا كلامه لا يختلف على ذلك أحد، فقد جاء في [تاريخ نجد لابن غنام ] يقول الشيخ النجدي وهو يتحدث عن نفسه، على زعم ابن غنام وهو من اتباعه: ((الرسالة العاشرة للشيخ المجدد: من محمد بن عبد الوهاب إلى أهل الرياض و منفوحة: وأنا أخبركم عن نفسي: والله الذي لا إله إلا هو لقد طلبت العلم، واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى “لا إله إلا الله” ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي – ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء “العارض” أنه عرف معنى “لا إله إلا الله” أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحدا عرف ذلك – فقد كذب، وافترى، ولبّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه)) ([107]) .
وعلى نفسها جنت براقش، فالشيخ النجدي يزعم أنه المكتشف الوحيد لمعاني التوحيد، فليس أحد قبله حاز هذا السبق وكل من زعم أنه يعرف معاني التوحيد التي جاء بها الشيخ النجدي فقد كذب وافترى ولبّس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه، وقوله أخطر مما نتصور، إذ معناه أنه لم يكن أحد قبله على الإسلام وعلى العلم بالتوحيد منذ قرون مديدة وبالتحديد منذ القرن الثامن حيث كان يعيش شيخه الأوحد ابن تيمية والذي استوحى من كلامه بعض هذا الذي فهمه، ثم جاء بمزيد بيان عليه، وهكذا أُختزل الإسلام في ابن تيمية وابن عبد الوهاب، فمن خالف فهم الشيخ النجدي للإسلام والتوحيد والدين، تُطبق عليه فورا قاعدة التكفير والناقض السادس، ومنطوقه: [ من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو ثوابه، أو عقابه، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}]، وتطبيقه على أرض الواقع يكون كالآتي: [ من استهزأ بشيء من فهم محمد بن عبد الوهاب لدين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كفر واتى بناقض للتوحيد، والدليل قوله تعالى: {ولئن سالتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}] فيا أمة التوحيد ويا خير امة أُخرجت للناس هل يُعقل أنّ الامة كلها كانت على الشرك والضلال قرونا عديدة حتى جاء الشيخ النجدي فأخرج لهم الفهم العجيب والدين الموازي الجديد للإسلام، هل هذا يُعقل يا أولى الالباب، (الآن الآن الآن): فقط علمت لماذا أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لنجد بالبركة وذكر انها أرض الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان، لعله الدين الموازي الذي اتي به الشيخ النجدي مما أُوحي إليه من مفاهيم التوحيد والشرك والإيمان والكفر والسنّة والبدعة إلى آخر مفردات الدين الموازي الذي عليه علماء الدعوة النجدية ولو كان صحيحا هذا الفهم لبادر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء لهم لا عليهم فاعتبروا يا أُولي الالباب.
***
[الناقض السابع وبيان ضابطه]: [السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به، كفر، والدليل قوله تعلى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}]
أقول: (السحر) فيه الخلاف بين العلماء هل هو من المكفرات المخرجات من ملة الإسلام إلى الكفر الأكبر أم أنه من كبائر الكبائر، وقد عدّه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من السبع الموبقات، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) ([108]) .وقد اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن تعلم السحر وتعليمه وممارسته حرام، قال ابن قدامة – رحمه الله – في “المغني: (فإن تعلُم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم) أهــ([109]) . وقال الإمام النووي رحمه الله في “شرح مسلم”: ” وأما تعلمه – أي السحر – وتعليمه فحرام “([110]) .ورغم اتفاقهم على حرمة تعلم السحر وتعليمه وممارسته إلا أنهم اختلفوا في تكفير فاعله، فقد ذهب جمع من العلماء إلى تكفيره مستدلين على ذلك بقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}، وذهب الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في عمل الساحر ما يوجب الكفر، كفر بذلك، وإلا لم يكفر، واستدل الشافعية بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) ([111]) . قالوا: دل الحديث على أن السحر ليس من الشرك بإطلاق، ولكن منه ما هو معصية موبقة كقتل النفس وشبهها، واستدلوا أيضاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالاً لعتقها فباعتها عائشة ولم تقتلها “” ([112]) . رواه الشافعي والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين، قال ابن قدامة تعليقا على أثر عائشة: ” لو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها “” ([113]) . ، وقال الشيخ الشنقيطي: ” التحقيق في هذه المسألة – يعني تكفير الساحر – هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة ” البقرة ” فانه كفر بلا نزاع،.([114]) . وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر، هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء، لكن ولع الشيخ النجدي واتباعه بالتكفير يجرى التكفير فيه مجرى الدم من العروق، لذلك اتخذ قراره ورجح -على اعتبار أنه من أهل الترجيح- أنه ناقض للتوحيد مخرج من الملة، وهو من اهون ترجيحاته في العلم وفي الدين، ولعل كل من تكلم بكلام غير مفهوم هو عنه من السحر الذي يكفر فاعله ويخرج من الملة وبالتالي نقوم بسفك دمه وتوزيع ماله على المجاهدين من اتباع طريقته.
***
[الناقض الثامن وبيان ضابطه]: [مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]
أقول: الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء من الكافرين هو من أوجب الفرائض وأعظم الواجبات، وأنّ المفرّط فيهما على خطر عظيم من دينه نسأل الله السلامة، ومع ذلك فالمفرّط فيهما ينطبق عليه الضابط الذي أجراه الله تعالى على لسان الحبر البحر عبد الله بن عباس من التفريق بين الكفر الأكبر والكفر في إطار الملة، فموالاة الكفّار ليست كفراً بإطلاقها وإنما لها مناطـات إذا توافـرت كـان الكفر الأكبر وإذا لم تتوفر كان الكفر في إطار الملة، وهذا هو الفقه الذي حبى به الله عز وجل أهل السنّة والجماعة الناجية فلا يكفّرون إلاّ المستحق للكفر بخلاف الفرق الضالة التي يكفر بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً دون ضابط يمنع من التراشق بالكفر واللعن.
ومناط الكفر الأكبر في مسألة الموالاة والمعاداة: (هو الموالاة القلبية الاعتقادية على الدين أو المعاداة القلبية الاعتقادية على الدين)، فموالاة الكافرين لا تبلغ بصاحبها الردّة والكفر الأكبر حتى تكون موالاة قلبية متعلقة بكفرهم ودينهم، فمن والى الكفّار وشايعهم على الدُنيا لرحم أو حاجة وعقده سليم وقلبه سليم فهذا كفر في إطار الملة ولا يبلغ بصاحبه الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإذا وجد في المسلمين من يوالي الكافرين بنوع من أنواع الولاء ثم أعلن بلسانه أنّ عقده سليم وقلبه سليم وأنه بريء منهم ومن كفرهم وأنه ما والاهم إلاّ مداراة أو مصادفة لرحم عندهم أو حاجة أو مصلحة فهذا لا تبلغ به الموالاة إلى الكفر الأكبر لسلامة قلبه وعقده وموالاته كفر في إطار الملة.
وقد اتفق أهل العلم بالتفسير وبالحديث على أنّ سبب نزول آيات سورة الممتحنة، هو موالاة حاطب رضي الله عنه للمشركين، ولم تكن الموالاة على أساس الدين، وإنما كانت على أمر من أمور الدنيا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة:1]، وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والإمـام أحمـد قصة حاطب، وأخرج البخاري رحمه الله عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها) فذهبنا تعادى بنا خلينا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب ابن أبي بلتعه إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما هذا يا حاطب؟) قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله إني كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أنّ أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد صدقكم)، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم (إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، ([115]) .
فهذه هي قصة حاطب رضي الله عنـه، والإلمام بهذه القصة ورواياتها المتعددة في الصحيحين والسنن تدلنا في مجموعها على أنّ الموالاة التي تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر هي الموالاة الباطنة على الكفر، دون الظاهرة، والموالاة الظاهرة فهي وإن كانت خطيرة وعظيمة إلاّ أنها كفر في إطار الملة، ولا تبلغ بصاحبها الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإلاّ لاستتاب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً من هذا الكفر بعدما أقسم له حاطب أنه مؤمن بالله ورسوله، وأنه ما فعل ذلك ردة عن دينه ولكن مصانعة للمشركين لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد، ولنـا هنــا وقفتــان:
(الأولى): أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه في قوله ولم يستتبه من الكفر، فدلّ ذلك على أنّ الموالاة الظاهرة على الدُنيا ليست من قبيل الكفر الأكبر، وإنما هي من باب الكفر في إطار الملة، ومعلوم أنّ كل كفر أو ذنب في إطار الملة لا يحتاج إلى استتابة من الكفر، إذ الاستتابة على الكفر إنما هي تتعلق بالكفر الأكبر دون الأصغر.
(الثانية): وهي مؤكدة للأولى فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأهل بدر، والله عز وجل لا يغفر أن يُشرك به، ومن المعلوم أنّ الآية تتعلق بالكفر الأكبر، وعليه أجمع العلماء، وعلى ذلك فأهل بدر عصمهم الله عز وجل من الكفر الأكبر، ولمّا كان حاطب بدريا فهو بعيد عن الكفر الأكبر، ولمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله))، نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق، فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر ويُبين لنا أن الرحمن بفضله ورحمته غفر لأهل بدر ذنوبهم فقد أعلمه الله تعالى أن الله غفر له ذلته العظيمة بما تقدم من صالح عمله عندما شهد بدراً، وقد يقال لعلّ الموالاة الظاهرة كفر أكبر وحاطب قد تاب منها فتاب الله عليه والله يقبل توبة الكافر والمشرك متى تاب.
(قلت) لو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر] وإلاّ لكتم النبي صلى الله عليه وسلم بعض العلم ومن ادعى ذلك كفر، ولم يأتنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجلّ ذلك البيان ثم ذكره في موضع آخر، مما يدل يقيناً على أنّ الولاء قسمان ظاهر لأجل الدُنيا، وباطن لأجل الدين، فما كان منها من قبل الأول فهو كفر في إطار الملة، وما كان منها من قبيل الثاني فهو كفر وردّة عن دين الله، فكيف إذا جمع له القسمان فذاك الكافر الـذي فيـه قولـه تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، ومن تمت له الموالاة الظاهرة بمفردها لمداراة أو تقية فذاك الذي نزل فيه قول الله تعالى {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، وعلى ذلك فمناط التكفير في مسألة الموالاة والمعاداة: هو موالاة الكافر ظاهراً وباطناً على الكفر و معاداة المؤمن ظاهراً وباطنـاً على الإسـلام، فإذا تخلف هذا الضابط أو أحد شروطه وجوانبه كأن كانت الموالاة ظاهراً دون الباطن أو كانت لدُنيا وليست لدين فهي كفر في إطار الملة وليست بالردّة، والشيخ النجدي كالعادة ذهل عن هذا الضابط، وبالتالي كفّر الكثير والكثير من أهل القبلة بغير استحقاق بدعوى مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، بمنطوق الناقض الذي فصله لتكفير البقية الباقية من أهل القبلة سوى اتباعه فقال: [[الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، هذا هو المنطوق، اما التطبيق العملي له عنده وبين اتباعه [مظاهرة المشركين – يقصد بهم أهل التصوف والاشاعرة والفقهاء من هذه الامة الذين هم علماؤها وأولياؤه ا- ومعاونتهم على المسلمين -يقصد نفسه واتباعه ممن فهموا التوحيد الجديد-، والدليل عنده على كفر هؤلاء المسلمين الذين أمسكوا العصا من المنتصف فلم يكفروا الامة جمعاء ولم يتبعوا الشيخ النجدي في فهمه الجديد للدين وللتوحيد، فهؤلاء الذين امتنعوا عن تكفير الامة متمثلة في أهل التصوف واهل الأصول والعقيدة واهل الفقه فهؤلاء كفار لقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}]، فمن تولى غير الوهابيين فهم منهم ولما كان غير الوهابيون ليسوا على التوحيد فمن يتولهم فإنه منهم ولا كرامة فإن الله لا يهدي هؤلاء القوم الظالمين، هذا فهمهم للناقض وهذا تطبيقه له فإنا لله وإنا إليه راجعون وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) ([116]) . نسأل الله السلامة،
***
[الناقض التاسع وبيان ضابطه]: [من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم – كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام – فهو كافر]
[قلت]: وهذا ناقض اعتقادي، ينقض دعوى شطر الشهادة ((محمد رسول الله))، وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وهي تعني إفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والكلام على مجمله صحيح، ولكن تطبيق الشيخ له كان في غاية الغرابة، فإنه اعتبر فهمه للتوحيد، والذي لم يقل به احد قبله، اعتبره هو الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، وتلك طامة عظيمة لأنّه طبق القاعدة على كل من خالف فهمه للشهادتين وللتوحيد، وكانوا في زمانه كافة علماء الشريعة ولم يتبعه على فهمه إلا أوباش الاعراب الذين لا علم لهم ولا فهم ولا حلم، فكانت النتيجة تكفير بالجملة واستحلال بالجملة لقطاعات عريضة من امة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فتنة ابيد فيها قبائل بأكملها بسبب الخلل في تطبيق القاعدة، [من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. فهو كافر]، فكل من خالف فهم الشيخ النجدي للدين اعتبروه معتقدا انه يسعه الخروج على شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وطبقوا عليه القاعدة دون رحمة ولا هوادة، وكانت فتنة عظيمة بنجد ظهر منها قرن الشيطان متمثلا في استحلال حرمات المسلمين على أساس من الدين، وعمت شرارها وأكلت نيرانها أكثر المسلمين في ارجاء الأرض كلها في زمان الشيخ، ولا زالت آثارها العلمية والعملية موجودة حتى يومنا هذا.
***
[الناقض العاشر وبيان ضابطه]: [الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون}]، [قلت]: كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله) لا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، يقصدون به الكفر الأكبر، لأن الاعراض الكلي ينتفي هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان، فإذا أضاف إلى الإقرار اعتقاد القلب فقد اتى بأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، و(ضابط الكفر الأكبر في الاعراض)، هو الاعراض التام ويتناول بالدرجة الأولى إعراض القلب عن تصديق الرسالة والانقياد لها وإعراض اللسان عن الإقرار بها: وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [ الكهف: 57 ] يدل على أن كفر الإعراض يشتمل إعراض القلوب عن الاعتقاد {على قلوبهم أكنة} وإعراض الآذان عن السماع: {وفي آذانهم وقرا}، ومن باب الأولى إعراض اللسان عن الإقرار والجوارح عن الطاعة، ومثلها قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [ فصلت: 3 – 5 ]، وكفر الإعراض في الآية يشمل إعراض القلوب عن قبول الحق وهو شهادة التوحيد وإعراض الآذان عن سماعها ومن باب الأولى معاندة اللسان بعدم الإقرار بها.
والآيات التي تحكم بكفر الإعراض الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار كلها – دون استثناء – أتت في حق الكافر الأصلي الذي أعرض عن الإقرار بالشهادتين فلم يقل بها ولم يصدقها ولم ينقاد لها لا بقلبه ولا بجوارحه، وقد رأيت بعض علماء الدعوة النجدية يفهمون كفر الإعراض على غير هدي الكتاب الكريم فظنوا أن كفر الإعراض الأكبر يتناول من أقر بالشهادتين ثم أعرض عن العمل بموجبها، وظنوا أن ترك جنس عمل الجوارح كفر إعراض عن دين الله عز وجل لا يعمل به، ونسى هذا أن من أقر بالشهادتين ولو بلسانه فقد نجا من كفر الإعراض الأكبر لأنه انقاد بلسانه فلم يعرض، فإن صاحبه تصديق القلب وانقياده فقد صح له أصل إيمانه فله اسم الإيمان وحكمه، وإن صاحبه تكذيب القلب فهو كفر نفاق ولا يسمى عند العلماء كفر إعراض البتة، لأن الاعراض الكلي ينتفي هاهنا لمن أتى بإقرار اللسان، وهذا الناقض: [الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون}] طبقه الشيخ على أهل القبلة الذين يشهدون بالشهادتين فكل معرض عن دعوتهم الوهابية ومفاهيمهم المغلوطة عن التوحيد والشرك وعن الإيمان والكفر، اعتبروه معرضا عن دين الله، ووصفوه بأنه أشد اعراضا واشد كفرا واشد شركا من كفار قريش زمان النبي صلى الله عليه وسلم، واستحلوا بذلك دمه وقسموا ماله فيما بينهم فإنا لله وإنا إليه راجعون، (وبعد) كان هذا هو التعقيب على نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبيان الضوابط الفقهية الضرورية لتصحيح المفاهيم وبيان المراد الحقيقي من تلك النواقض وبيان مفاتيح العلم التي تحمي طلبة العلم الشرعي من الغلو في فهم تلك النواقض بما يؤول بهم إلى مذاهب الخوارج من الغلو في التكفير واستحلال حرمات المسلمين بآيات نزلت في المشركين فأنزلوها على المسلمين كما تفطن لذلك الصحابي الجليل والعبد الصالح عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذكر البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم: فقال: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) أهـ ([117]) .
(تنبيه): اليوم بعد مرور قرنين على هذه الفتنة التي كان لها اكبر الأثر في تفرق المسلمين وتشتيتهم، الحمد لله قل الغلو، ولكن الآثار لا تزال باقية متمثلة في الطرح العلمي المتشدد في أغلب جوانب الدين، في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، في قضايا الإيمان والكفر وفي قضايا التوحيد والشرك وفي قضايا السنّة والبدعة، أما علم التقديس والتنزيه فهم عنه عراء وجهلهم فيه جهل مركب وهم في باب التقديس حشوية مجسمة لا يعرفون شيئا عن قواعد التقديس والتنزيه، وهم من أضل الفرق في باب التقديس والتنزيه، والشيعة على ما هم عليه من الضلال والخوارج على طوامهم أحسن منهم حالا في علم التقديس، فإنا لله وإنا إليه راجعون،
***
المبحث السادس تعقيب على كتاب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبد الوهاب
(تنبيه): أتناول في هذا المبحث بيان الأخطاء الموجودة في كتيب كشف الشبهات للشيخ النجدي محمد بن عبد الوهاب، ورغم صغر حجم الكتيب فقد استخرجت منه ثلاثين خطأً جليا وأعرضت عن بقية الأخطاء اليسيرة، وما ابتغي بذلك إلا وجه الله، وارشاد المسلمين إلى القواعد المانعة من الغلو في باب التوحيد والشرك، وتحذيرهم من الانسياق وراء شبهات الغلو في التكفير والتشريك واستحلال حرمات أهل القبلة بما لا ينبغي ولا يصح في دين الله تعالى،
قال في بداية الكتيب: [[اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين]]، ([118]) . في هذا النص عدة أخطاء جسيمة ومغالطات كبيرة
[الخطأ الأول]: قوله: [[اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة]] فتعريف التوحيد بهذه الطريقة فيه قصور، لأن التوحيد أعم من ذلك فهو يشتمل على توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يشتمل على توحيد الربوبية، وتوحيد العبودية، والشيخ رحمه الله قصر تعريف التوحيد على توحيد العبودية، وذهل بالكلية عن أهم أقسام التوحيد قسم توحيد الذات (غلم التنزيه والتقديس)، فمعنى (لا إله إلا الله): نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والإلهية، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه، و (لا إله إلا الله) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية، وهو يشمل أقسام التوحيد كلها وليس توحيد العبودية فحسب، والأمر الثاني وهو الأخطر أنّ الشيخ ذهل عن ضابط التوحيد ألا وهو اعتقاد الإلهية والربوبية فيمن تصرف إليه العبادات والطاعات والذهول عن هذا الضابط سيجل صاحبه يُكفّر كل من يصرف عبادة في الظاهر لغير الله، وهذا نفسه لو رأى نبي الله يعقوب عليه السلام، وهو يخر هو وأبناؤه سجدا ليوسف، لكفّره واحل دمه، لأنه صرف السجود لغير الله، ولكان الشرك من نصيب (الأسباط) ذرية يعقوب جميعها، قال تعالى: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [ يوسف:99 و 100]، وهذا نفسه لو رأى جنديا يقف بخشوع أمام قائده يطيعه في كل امر لأسقط عليه الكفر لمجرد الخضوع والخشوع والتسليم والانقياد والطاعة، فهل يقول هذا عاقل.
وكل ما حدث في زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من استحلال لدماء المسلمين في نجد والحجاز إنما كان بسبب هذا الخلل في تفسير العبادة، رأوا المسلمين يتوسلون بالصالحين وقد أجاز لهم ذلك عامة فقهاء المذاهب الأربعة ومع ذلك كفروهم بدعوى الشرك، ولنا ان نتساءل ألم يكونوا يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكيف نجعلهم كمثل أولئل الذين رفضوا الشهادة واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) } [ الصافات: 35 و 36]، وكانوا يقولون، كما حكى عنهم القرآن الكريم: { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ ص: 4 إلى 7]، وعلى مذهبهم السقيم كفرت الملائكة عندما سجدت لآدم وصرفت العبادة لغير الله وعبت آدم من دون الله، هذه والله طريقتهم، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
[الخطأ الثاني]: قوله: (فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً)، (أقول): وهذا الخطأ من الشيخ هو سبب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالشرك، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، وذلك لأن الله تعالى ما أرسل نوحا عليه السلام إلى قوم غلوا في الصالحين، وإنما إلى قوم عبدوا الأوثان من دون الله واتخذوها آلهة من دون الله، قال تعالى حكاية عنهم، {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، فقد سموها آلهة.
[الخطأ الثالث]: قوله: (وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين)، (أقول): فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكسر صور الصالحين، وإنما كسر الأوثان والأصنام التي اتخذها الناس آلهة من دون الله، اعتقدوا فيها صفات الربوبية، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وهي التي كانت تعبد من دون الله.
[الخطأ الرابع]: قوله: (أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً)، (أقول): هذا خلل شديد، حيث وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، ثم إنهم كانوا مشركين في العبادة، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، وهل كانت عبادتهم إلا المكاء والتصدية، كما في قوله تعالى: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُـوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، فهل يصح بعد ذلك وصفهم بقوله: ((أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً)).
[الخطأ الخامس]: قوله: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين)، (أقول): أساس هذا الخطأ أنه جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء: بدون أن يصاحبه اعتقاد ألوهية الوسيط، مع أن الموجب لشرك العبادة الشرك الأكبر المخرج من الملة هو اعتقاد إلهية الوسيط، وسبب هذا الخطأ هو الخلل في فهم الآية: قوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وقد مر بنا أنّ المشركين أقروا بعبادتهم لأصنامهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ}، وهذا لا يقر به مسلم أنه يعبد غير الله، ثم إن الله تعالى قد كذبهم في ادعائهم بأن الغرض من عبادتهم هو التقرب إلى الله سبحانه ولهذا ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وإنما كان شركهم الأكبر هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها.
وسبب هذا الخطأ أيضا: هو الخلل في فهم الآية قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]،، فالمتدبر للآية يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والمسلم لا يقول ذلك أبدا، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، ومما سبق يعلم خطا الشيخ في جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
[الخطأ السادس]: قوله: [هؤلاء المشركون مقرون ويشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره، فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشهدون بهذا فاقرأ قوله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:31] وغير ذلك من الآيات]] ([119]) .
(أقول): يشير رحمه الله إلى أنهم على توحيد الربوبية، وسوف يقولوها صراحة بعد عدة أسطر ((وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام)) وهذا باطل، لانهم كانوا معترفين ببعض مفردات الربوبية ولم يكونوا على توحيد الربوبية: كانوا على إيمان ببعض مفردات الربوبية كالخلق والرزق، وكفر بالبعض الآخر كالبعث والنشور والانفراد بتدبير الأمور، وكذلك كانوا يشركون أصنامهم مع الله ويعتقدون أن لها تدبيرا مستقلا في الكون وأنها تحفظهم وترزقهم وتنصرهم وتشفع لهم عند رب السماء والأرض شفاعة جبرية على الله بما لها من صفات الألوهية والربوبية في اعتقادهم، وهؤلاء لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الربوبية لأنهم أشركوها لأصنامهم مع الله، كما أنه لا يمكن بحال وصفهم بتوحيد الألوهية إن عبدوا الله وأشركوا معه غيره من معبوداتهم الباطلة.
والقرآن الكريم يشير إلى الشرك الواقع في الربوبية عند مشركي قريش، الذين جعلهم الشيخ النجدي أهون شركا من مسلمي زمانه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء: 43]، كما أن الكفار يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، والمشركون كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الإلهية والربوبية: قال تعالى واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات التي تحكي عقيدة المشركين و هي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره وتصريفه للكون وما فيه، ونستفيد مما سبق أنّ المشركين لم يكونوا على توحيد الربوبية أبداً، كما أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود آلهة مع الله لها قدرة ذاتية على النصرة أو الضر والنفع على نحو مستقل عن الله بل وبلا إذن من الله لأنهم شركاء لله {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام]، وأنّ الشيخ عندما ظنّ أنهم كانوا على توحيدها لم يكن أبدا على صواب في ذلك.
[الخطأ السابع]: قوله: [فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد) ] ([120]) .
(أقول): أولا: ليس (توحيد العبادة) وحسب هو الذي جحدوه بل جحدوا كل أقسام التوحيد متمثلا في جحدهم لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويدخل فيها كافة أقسام التوحيد، والشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفقه معنى (العبادة)، إذ توهم أنّ إتيان الأعمال التي تصلح للعبادة لا تقع إلا عبادة، وهذا خطأ جسيم آل به إلى اتهام أهل الإسلام بالوقوع في الشرك الأكبر وآل به ذلك إلى استحلال دماءهم واموالهم، فإنه لما رأى أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود وغيره من مفردات العبادة تخيَّل أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك.
ويرى السواد الأعظم من علماء المسلمين خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية او لربوبية، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به – من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى، لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى لأن الله تعالى لا يأمر عباده بالشرك ولا يرضى به ولا يأمر بالفحشاء، فالسجود مثلاً “، وهو أقرب إلى التذلل من سواه، ” لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو الإلهية.
فالنية (الاعتقاد): على هذا هي الحد الفاصل بين الحكم على العمل بأنه عبادة أو لا يدخل في مسماها، ولما رأى الشيخ عبد الوهاب أنه ليس كل داع لأحد أو مستنجد به أو مستعين به يعتبر شركاً، فتشوا عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، فأجازوا من ذلك ما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنعوا من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأن العبد سواء أكان حيا أو ميتا فإنه لا يقدر على شيء استقلالا ولا حول لأحد ولا قوة إلا بالله، فلا فرق في ذلك بين حي وميت، ولا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، أما أهل السنة فحين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، وكذلك فإن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب ” الروح ” لابن القيم فصول فحواها “أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على سماع الأحياء ورؤيتهم “.
وإذ تبين فساد هذه الضوابط في الجواز والمنع تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه كان العمل أو القول إذا كان لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وبهذا نعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة، وعامة المسلمين الذين يرون جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالصالحين، قلوب هؤلاء مستقرة على (لا إله إلا الله)، وعلى أن من يُتوسل بهم من الأنبياء والصالحين هم مجرد أسباب لا استقلال لهم بنفع ولا ضر، وليس لهم من الربوبية شيء، إذن كيف ينطبق على هؤلاء المسلمين القائلين لا معبود بحق إلا الله، ما ينطبق على المشركين الذين أقروا بعبادة غير الله، حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي}، سبحانك هذا بهتان عظيم وقياس غير مستقيم.
[الخطأ الثامن]: قوله: [كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجن:18] وقال: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ [الرعد:14]، وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله،]]، (أقول): قوله: [كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً] هل كان المشركون يفعلون ذلك حقا، أم هو التمهيد لإسقاط حكم الشرك الأكبر على أهل القبلة، واستحلال دمائهم وأموالهم، وقوله: [قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده]، نعم لأن شركهم كان شركا أكبر، اتخذوا شركاء مع الله وعبدوا آلهة من دون الله وجحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله: [وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله]، ([121]) .
(أقول): يمهد الشيخ لإسقاط الحكم على المسلمين حتى يتمكن من استحلال دماءهم وأموالهم، وأنه كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتل المشركين بسبب صرف تلك الأعمال لغير الله، فإنه يجب على اتباع الشيخ قتال المسلمين من مجرد صرف تلك الأعمال إلى غير الله، وهاهنا ذهل الشيخ عن ضابط العبادة الذي يجعل تلك الأعمال من باب الشرك الأكبر، فإن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) [أخرجه مسلم]، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة بنية العبادة، فلابد أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف الصور بغير اعتقاد، فلا يكون شركا أبدا، وإلا لكفر نبي الله يعقوب عليه السلام بالسجود ليوسف عليه السلام ولكفرت الملائكة لسجودها لآدم، بدعوى الشرك، وصرف العبادة إلى غير الله، إذن الفقه في مفهوم العبادة يقتضي أن نفهم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة أبدا ولا علاقة لها بالشرك لأنّ الشرك عقيدة تتمثل في اتخاذ آلهة مع الله، كما حكى القرآن الكريم عن المشركين، { وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6]،
[الخطأ التاسع]: قوله – وهو يتكلم عن المشركين -: [وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون]، ([122]) .
(أقول): قد أشرت إلى خطأ الشيخ في قوله ((وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام))، لأنهم لم يكونوا على توحيد الربوبية، فإنهم اعتقدوا بعض مفردات الربوبية في آلهتهم التي عبدوها من دون الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، ثم قوله بعد ذلك: ((وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم))، لم تكن شفاعتهم هي التي أحلت دماءهم وأموالهم، فإن ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الشفاعة، فمن اعتقد لاحد شفاعةً الزاماً على الله تعالى بما للشافع من شراكة توجب له الشفاعة، فهذا من الشرك الأكبر، أما من اعتقد أنها تفضلاٍ من الله تعالى لمن شاء من الصالحين من عباده، فهذه عقيدة أهل الإسلام، وهي ثابتة بفضل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجميع المسلمين عالمهم وجاهلهم يعرف ذلك، وأنها لا تكون جبرا على الله، فشتان ما بين شفاعة المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم أن شفاعتها بموجب شراكتها لله في تدبير الأمور بدليل قوله تعالى {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} [الأنعام: 94].
[الخطأ العاشر]: قوله – وهو يتحدث عن المشركين -: [[وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد. فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) ]]، ([123]) .
(أقول): من هم المشركون الذين يقصدهم الشيخ في قوله (ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد)، أليس هم عامة المسلمين في نجد والحجاز، ثم إنه ليس بصحيح أن كفار قريش يعنون بالإله ما يعنيه هؤلاء فإنهم يقصدون بالسيد إما الرئيس فيهم، أو من كان من نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم الأشراف، ومراد الشيخ أن الناس في زمانه يعتقدون في السادة ما يعتقده كفار قريش في الأصنام التي يسمونها الآلهة، وهذا غلو خطير، فالمسلمون في زمانه كانوا يعتقدون أنه لا إله إلا الله ويؤمنون بمعناها، وهي شهادة التوحيد فكيف يصفهم بالمشركين ثم يستحل دماءهم وأموالهم.
[الخطأ الحادي عشر]: قوله: [[والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها، والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: {قولوا: لا إله إلا الله}، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله]] ([124]) .
(أقول): للأسف الشديد هو لا يعلم المعنى الصحيح لشهادة التوحيد، وأنها تشمل أقسام التوحيد كافه، وقد ذهل هو عن توحيد الذات وقواعد التقديس التي تعصم من الحشو والتجسيم، ثم ذهل عن موقع الاعتقاد من الشهادة، وأن اعتقاد التوحيد هو الأساس، وأن الطاعات لا تكون عبودية وتوحيد إلا إن صاحب صرفها اعتقاد إلهية وربوبية واستحقاق العبودية لمن تصرف إليه، وفي هذا الغلط في تفسير العبادة يقول الشيخ سلامة القضاعي العزامي في كتابه فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: (إنّ الغلط في تفسير العبادة، المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، فأنّهم فسروا العبادة بالإتيان بأقصى غاية الخضوع، و أرادوا بذلك المعنى اللغوي، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث من استقراء مواردها في الشرع، فانّه الاِتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً، باعتقاد ربوبية المخضوع له، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً، في كثير ولا قليل مهما كان المأتي به و لو سجوداً، و إنّما كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له) أهـ ([125]) .
[الخطأ الثاني عشر]: قوله: [[إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلمٍ وحُجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقابل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبيناته، فلا تخف ولا تحزن إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76]، والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين، .. وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا]] ([126]) .
(أقول): يصف أهل العلم من المسلمين في زمانه بالشياطين، والمشركين، ثم يصف أتباعه بأنهم الموحدون، ويصفهم بأن الواحد منهم يغلب ألفا من علماء وفقهاء المذاهب الأربعة وقد كانوا هم آنذاك الذين حاولوا مناقشته في تصوراته المغلوطة حول العبادة.
[الخطأ الثالث عشر]: قوله: [[فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران:7]، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: {إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم}]] ([127]) .
(أقول): الشيخ رحمه الله جعل المحكم متشابها، والمتشابه محكما، فإن المحكم هو أن من أتى بشهادة التوحيد مقرا بها معتقدا لها فهو مسلم له حكم المسلمين من حرمة دمه وماله، ومن المحكم ان المشركين كانوا يشركون في الربوبية والعبودية وأنهم اتخذوا آلهة مع الله، ومن المتشابه ما يزعمه هو من كون المشركين كانوا على توحيد الربوبية وأنهم اتخذوا الأوثان والأصنام واسطة للتقرب إلى الله فقط، يستدل لذلك بقوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، مع أن أول الآية وآخرها رد على أخطائه، فإن أولها إقرار بأنهم عبدوها من دون الله، وآخرها تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وهم ما عبدوها إلا لاعتقادهم فيها أنها تنصرهم وتعزهم من دون الله، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}.
[الخطأ الرابع عشر]: قوله: [[مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، أو استدل بالشفاعة أنها حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلاماً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18] هذا أمر محكم بين، لا يقدر أحد أن يغيير معناه]] ([128]) .
(أقول): بل هذا هو المتشابه الذي آل بالشيخ إلى تشريك المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، ثم قال: [[وما ذكرته لي أيها المشرك]]، وانظر إلى اتهامه المسلمين بالشرك في قوله [أيها المشرك]، [من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أعرف معناه]، الحمد لله يعترف بجهله عن معرفة معناه، [ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالف كلام الله عز وجل، وهذا جواب سديد]، والله لا سديد ولا رشيد وهو أساسا لا يعرف ضابط العبودية الذي يجعل صرفها لله تعالى توحيد وصرفها لغير الله شرك أكبر].
[الخطأ الخامس عشر]: قوله: [[وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه: منها قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن عبد القادر أو غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مُقرِّون بما ذكرت، ومُقرِّون بأن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه]] ([129]) .
(أقول): لم يقاتلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على مجرد الجاه والشفاعة، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم لأنهم جحدوا شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، وقد وضح القرآن حالهم بقوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ}، ثم إن لمعنى الجاه والشفاعة عند المسلمين معنى مغاير تماما لما عند المشركين، وفي الجاه يقول تعالى: {وكان عند الله وجيها}، وفي الشفاعة تواترت الأحاديث عن أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الشافع المشفع، وأن الله تعالى قد ارتضى شفاعته، أما الشفاعة عن المشركين كانت جبرية على الله بمقتضى اعتقادهم بأنها شركاء لله في تدبير المملكة، كما في قوله تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.
[الخطأ السادس عشر]: قوله: [[فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟ فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة]]، ([130]) .
(أقول): قد تقدم بيان أنهم مشركون في أخص صفات الربوبية من التدبير والتصريف والإعزاز والإذلال، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}، فكيف يقول: [الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة]، وقد كذبهم الله تعالى في ادعاء الشفاعة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، فكيف نصدق الشيخ ونعرض عما جاء نصا في القرآن في أنهم كاذبون.
[الخطأ السابع عشر]: قوله: [[ولكن إذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الصالحين والأصنام ومنهم من يدعو الأولياء، ويدعون عيسى ابن مريم وأمه]] ([131])
(أقول): شتان ما بين معتقد المسلمين والمشركين في الدعاء، فالمشركون يدعون هؤلاء وهم يعتقدون فيهم الإلهية والربوبية والشراكة مع الله في استحقاق العبودية {قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا} أقروا بعبادتهم، وكما في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، و قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا}،
[الخطأ الثامن عشر]: قوله: [[فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم]] ([132]) .
(أقول): هذا خطأ جسيم، فإن كفرهم لم يكن لمجرد قصد الأصنام، وقصد الصالحين، وإنما لأنهم اعتقدوا فيهم الإلهية والربوبية والشراكة مع الله في استحقاق العبودية، وهذه هي مفردات الشرك الأكبر بالله، والشيخ ها هنا يريد أن يقحم التوسل بالصالحين في باب الشرك بالله، وشتان ما بين هذا وذاك، فإن الفارق عظيم بين التوسل وبين الشرك بالله، فالتوسل هو التقرب إلى الله، والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 35]، والآية عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته، ولم تتعرض للوسائل الشرعية الجائزة في باب التوسل، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]، والآية كذلك عامة في إثبات شرعية التوسل وفضيلته.
أما خطأ الشيخ في فهم المقصود من التوسل: هو ظنه أنَّ المقصود من التوسل هو اتخاذ واسطة بين العبد وربه، وأدى هذا الظن إلى خلل في فهم موضوع التوسل، واعتقاد أنه مخالف للتوحيد ويفتح بابا إلى الشرك، وإلى غلو في تقييم بحث التوسل وإلحاقه بباب التوحيد، واعتقاد أن المتوسلين إنما يدعون غير الله، ويتخذونهم وسطاء يقربونهم إلى الله زلفا، وهذا خطأ جسيم وفهم خاطئ لموضوع التوسل، لأن التوسل إنما هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس من باب اتخاذ واسطة بين العبد وربه أبدا، وكل ما أورده الشيخ محمد ابن عبد الوهاب من أدلة لإدخال التوسل في دائرة الشرك، إنما هي أدلة مغلوطة فهمها فهما خطأ ثم عممها على المسلمين، من مثل قوله تعالى {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فإن قول المشركين: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يعبدهم بل علم أن لهم مزية عند الله بصلاحهم فتوسل بهم إلى الله تعالى لذلك، ومثل قوله تعالى {فلا تدعوا مع الله أحداً}، فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره، والمسلم المتوسل بالصالحين لم يدع إلا الله، ولم يعبد إلا الله، ولم يعتقد لا ربوبية ولا إلهية ولا استحقاق عبودية إلا لله، هذا هو حال جمهور المتوسلين من المسلمين فكيف يعمم الشيخ عليهم وقوعهم في الشرك الأكبر واتخاذ الشفعاء على نحو ما يفعل المشركون، وهل اعتقاد المسلمين في الشفاعة كمثل اعتقاد المشركين حتى يقول ذلك، فشتان بين مسلم لا يعبد إلا الله، ويستأفف من نسبة عبادته إلى غير الله، ولا يرضى أبداً أن يقال عنه أنه عابد لغير الله، وهو يقر بالقرآن والإسلام وأركان الإيمان، ويشهد بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، عن يقين واعتقاد، فهل يستوي هذا مع من يستنكف عن التوحيد والإسلام والإيمان، ويزعم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ساحر كذاب، وقد صور القرآن الكريم حالهم بقوله تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: آية 4 إلى آية 8]، فهل من العدل والإنصاف في دين الله تعالى أن نساوي بين توسل المسلم الذي أقر بالتوحيد والإسلام والإيمان، وبين اتخاذ المشرك وسائط إلى الله على زعمه الكاذب الذي كذبه القرآن الكريم، وجعله كاذب كفار حرمه الله تعالى من الهداية، قال تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3]، وعلى ذلك فإن المعنى المقصود من (التوسل) إذا قاله المسلم، هو طلب القربى إلى الله تعالى بالوسائل الجائزة شرعاً، وليس المقصود به أبداً اتخاذ واسطة بين الله تعالى وبين العبد على غرار ما يفعله المشركون المنكرون لرسالة الإسلام، وهنا إذ تحرر موضع النزاع في معنى التوسل، بقي أن نعلم ما هي أنواع التوسل الجائزة شرعا، فنقول لها سمعاً وطاعةً، ولا نتقدم على الشرع الحكيم برأي أو هوى أو غلو أو تقصير، أو إفراط أو تفريط.
[الخطأ التاسع عشر]: قوله: [[فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شئ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم، فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ فاقرأ عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ [يونس:18]]]، ([133]) .
(أقول): تكرار لأخطائه السابقة في فهم التوسل ومعرفة الفارق بينه وبين الشرك الأكبر وضابط كل منهما، ولي هنا وقفه لفهم الآيتين، [فقه الآية الأولى وبيان خطأ من استدل بآية الزمر للتوصل إلى اتهام جهلاء المسلمين بالشرك الأكبر المخرج من الملة]: قال تعالى {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}[سورة الزمر: 3]، تبدأ الآية بذكر الدين الخالص الذي هو (التوحيد)، ثم قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، الولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا}[مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ}[يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}[سورة هود]وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في قسم توحيد العبودية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله، [فقه الآية الثانية وبيان خطأ الشيخ في جعل ضابط الشرك الأكبر هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء]: قوله تعالى:: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، فالمتدبر للآية الكريمة يفقه منها أمور ضرورية: الأول: الإقرار بعبادة غير الله {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، والثاني: اعتقاد شركاء مع الله في ألوهيته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، والثالث: تكذيب الله تعالى لهم في ادعائهم بأنهم يتخذون هذه الأصنام مجرد شفعاء لهم عند الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}، والرابع: ضابط الشرك الأكبر في الآيات هو اعتقاد آلهة مع الله وصرف العبادة لها، إذن بهذا البيان نعلم خطا الشيخ محمد ابن عبد الوهاب في جعل ضابط الشرك الأكبر في الآيتين هو مجرد اتخاذ الوسائل والشفعاء والوسطاء.
[الخطأ العشرون]: قوله: [[فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الإلتجاء إلى الصالحين، ودعاءهم ليس بعبادةٍ، فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم، فقل له: بين له هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟ فلا بد أن يقول لك: نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنه عبادة لله ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم،]] ([134]) .
(أقول): مشكلة الشيخ أنه لا يفرق بين أصل العبادة وصور العبادة، ولا يجعل الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى)) [أخرجه مسلم]، ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي.
والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة مع اعتقاد استحقاقه لأن تصرف إليه العبودية، فمن صرف العبادة بنية العبادة لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وعلى ذلك فإن العبودية لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية واستحقاق العبودية لمن تصرف له العبادة، ولها (للعبادة) صور تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له فلا يكون عبادة ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي التي لا يجوز فعلها بحال.
إذن من الفقه في مفهوم (الدعاء)، أن نفصل فنقول: من دعا من يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنّه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، كما أنّه ليس كل دعاء عبادة، فهناك الدعاء بمعنى النداء، كما في قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25]، وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح: 5]، هذا أمر، والأمر الثاني أنّه ليس كل دعاء مسأله يكون دعاء عبادة، لأنّ دعاء العبادة من شرطه أن يدعو الداعي وهو يعتقد بألوهية وربوبية المستعان به على اجابة الدعاء، كأن يعتقد قدرته المستقلة على اجابة الدعاء، أو قدرته الذاتية على افادة الداعي من دون الله، ولأجل هذا المعنى كان دعاء عبدة الاَصنام عبادة لاعتقادهم بأُلوهيتها، كما قال تعالى: {فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الّتي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود: 101]، وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْويلاً} [الاِسراء: 56، 57]وقوله تعالى: {وَ لا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} [يونس: 106]، فهذا هو الدعاء المساوي للعبادة، والذي صرفه لغير الله تعالى يكون شركاً بالله، لأنه مصاحب لاعتقاد ألوهية وربوبية المستعان به على اجابة الدعاء، فلو كان الداعي يعتقد فيمن يدعوه أحد صفات الربوبية والألوهية كالتصريف والتدبير من دون الله، فهذا الدعاء عبادة، وإن كان يتوسل به إلى الله فهذا توسل له حكم التوسل، فإن من توسل إلى الله تعالى بعباده الصالحين، وهو يوقن انهم وسيلة إلى الله لا حول لها ولا قوة إلا بالله، وإنما يتقرب إلى الله تعالى بصلاحهم عملا بمطلق الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فهذا ليس بشرك ولا يناقض التوحيد، وإنما هو خلاف فقهي بين طوائف أهل السنة والجماعة، والخلاف الفقهي لا ينشأ عنه تبديع ولا تفسيق، فضلا عن الاتهام بالشرك الأكبر والردة والخروج من الإسلام وما يتبع ذلك من استحلال دمه وماله، وجمهور الفقهاء على جواز التوسل، ولم نجد على مر عصور الإسلام من يعبد الاولياء ولا الصالحين، ولا اعتقدوا فيهم سوى انهم من عباد الله الصالحين، الين نتوسل يهم إلى الله، فأين هؤلاء من الكفر والشرك الذين رمى محمد بن عبد الوهاب أهل الإسلام بالشرك والكفر واستحل بلك دماءهم وأموالهم.
[الخطأ الحادي والعشرون]: قوله: [[فقل له: فإذا عملت بقول الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة، فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر، ويقول نعم، وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا]] ([135]) .
(أقول): الظاهر جدا هو ذهول الشيخ عن كل ضوابط أهل السنة والجماعة في باب التوحيد والشرك، فإن من الفقه في فهم مفردات العبادة التي من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر: هو أنّ العبادة لها أصل هو اعتقاد الربوبية والألوهية لمن تصرف له الطاعة المصحوبة بالحب والتذلل والخضوع والخوف والرجاء، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون الطاعة عبادة من صرفها لغير الله تعالى كان مشركاً الشرك الأكبر، والعبادة لها صور ومفردات تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، ولكل مفردة من هذه العبادات ركنان: الركن الأول: الاعتقاد أو ما يسميه العلماء القصد والنية للعبادة، والركن الثاني: العمل العبادي الدال على الطاعة والانقياد، فمن صرف العبادة بركنيها إلى غير الله صار مشركا الشرك الأكبر بالله وخرج من دين الإسلام إلى الكفر، ومن صرف العمل أو القول العبادي بغير اعتقاد ربوبية وألوهية واستحقاق العبودية لمن يصرف إليه فليس من الشرك الأكبر المخرج من الملة وفعله أو قوله يدور بين الشرك في إطار الملة أو البدعة أو المعصية ولا تستحل محارمه بغير اعتقاد، وأن من الفقه في مفهوم (الذبح) أن من ذبح لمن يعتقد فيه صفات الربوبية أو بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بنية الإكرام أو الاحترام، أو بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا من المحرمات ولكن لا يدخل في باب الشرك الأكبر.
[الخطأ الثاني والعشرون]: قوله: [[إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء]] ([136]) .
(أقول): انظر إلى مقارنته بين المشركين الأصليين الذين حاربهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبين المسلمين الذين استحل الشيخ محمد ابن عبد الوهاب دماءهم وأموالهم بدعوى الشرك الأكبر، في مفاهيم مغلوطة في ذهنه، ناشئة عن خطأ تصوره للعبادة، وأنه لما رأى أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم تخيل أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، ويرى علماء أهل السنة والجماعة من الأصوليين والفقهاء خطأ هذا المفهوم، وأن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الربوبية أو صفات الإلهية، فكيف نقول عن الذين حكى القرآن الكريم حالهم: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36]، هؤلاء الذين استكبروا عن قول لا غله الا الله، واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون هل هؤلاء أصح عقولا واخف شركا ممن يقول لا إله الا الله محمد رسول الله، إن هذا إلا بهتان عظيم.
[الخطأ الثالث والعشرون]: قوله: [[فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم فاصغ سمعك لجوابها، وهي إنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، .. فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاُ من هذه الأمور كفر؟ ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل]] ([137]) .
(أقول): سبحان الله، وهل جحد أحد من أهل الإسلام التوحيد، أو جحد شيئا مما يدخل بالضرورة من علوم الشهادتين، ثم كيف يجحدون التوحيد وهم مقرون بالشهادتين وهما أساس التوحيد، فإين هو من قواعد الشريعة العامة الضابطة لفقه مسائل التوحيد والشرك، ومنها أن: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر، و أن من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، و أن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، و أن العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، و ان المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر، أو بالشرك الأكبر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة، و أنه لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره ولا يجوز اتهامه بالشرك الأكبر بالأمور المحتملة للشرك الأكبر وغيره، وانه لابد من اعتبــار القصــد في نواقــض الإيمان وفي نواقض التوحيد، وأنه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك دون شرك أو النفـاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، و أن خطـورة تكفـير المسلـم أو اتهامه بالشرك الأكبر عظيمة عند الله، ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، وهؤلاء الذين استحل الشيخ دماءهم واموالهم وحرماتهم ما ارتكبوا أمرا مكفرا ولا جحدوا شيئا من دين الله، والشيخ يقتلهم علة مسائل خلافية القول الراجح معهم وليس معه فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[الخطأ الرابع والعشرون]: قوله: [[ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)،]] ([138]) .
(أقول): بنو حنيفة يّدعون أن مسيلمة نبي، قالوا ذلك وقاتلوا عليه وجحدوا معلوما من الدين بالضرورة ألا وهو قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}، فأين هؤلاء من المسلمين الذين يقولون نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله الخاتم، ويعتقدون أنه لا رب ولا إله ولا معبود بحق سوى الله، ثم قوله: [فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟]، فهل في المسلمين من اعتقد إلهية شمسان أو يوسف أو غيرهما، وهل في المسلمين من اعتقد ربوبية شمسان أو يوسف أو غيرهما، وهل في المسلمين من استحل صرف العبودية لشمسان أو يوسف أو غيرهما، سبحانك ها بهتان عظيم.
[الخطأ الخامس والعشرون]: قوله: [[ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي رضي الله عنه وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي، مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟]] ([139]) .
(أقول): هذا تلبيس: فإن السبئية اتباع عبدالله بن سبأ هم الذين اعتقدوا في الإمام علي رضي الله عنه أنه رب معبود، وصرحوا باعتقادهم وعرضوا عليه ذلك فكفّرهم وحرّقهم، فكيف يساوى بين هؤلاء وبين من يقول لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا تصرف العبودية إلا إليه، يقول [[أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يكفر؟]]، هؤلاء اعتقدوا في علي رضي الله عنه الإلهية، وقالوا أنت الإله، فهل سمعنا أحد يقول عن تاج أو غيره من الصالحين أنهم آلهة، أريد مثالا واحد لذلك، ولو حدث لكانت حالة فردية، ولم تحدث، أما تكفير قبائل بكاملها لهذا الادعاء لا يصح ولا يجوز.
[الخطأ السادس والعشرون]: قوله: [[ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والقران، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب “باب حكم المرتد” وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة كل نوعٍ منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب]] ([140]) .
(أقول): اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أن: الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد، وهذه القاعدة: قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، كما أن الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار.
والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء ومنه السب، وأعمال الجوارح كما حققها فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، ومن أهم قواعد أهل السنة والجماعة الضابطة لهذا الباب، قولهم: ان الأعمال الكفرية كإهانة المصاحف وسب الأنبياء والاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب، إذن أين باب الردة وأين ما هو فيه من اتهام المسلمين بالشرك الأكبر ويقاتلهم عليه ويستحل دماءهم وأموالهم بسببه،.
[الخطأ السابع والعشرون]: قوله: [[ومن الدليل على ذلك أيضاً حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، وقول ناسٍ من الصحابة: {اجعل لنا ذات أنواط} فحلف صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً، ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا: {اجعل لنا ذات أنواط} لم يكفروا. فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب]] ([141]) .
(أقول): إنَّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد سألوا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ، فلم يُجِبْهُمْ إلى طلبهم،، وذلك لأنّ هذا الطلب العملي بأن تكون لهم شجرة ينوطون بها سلاحَهم ويستمدُّون منها البركةَ والنصرَ يفتح طريقا خطيرا إلى اعتقاد النصر عند غير الله، ولهذا أنكر عليهم صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أشدَّ الإنكار باعتبار ما قد يؤول إليه الحال بعد أزمان، فكان انكاره حسما لمادة الشرك، والصحابة لم يطلبوا الشرك الأكبر يقينًا، وإنما طلبوا أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح، ويستمدُّون من الله بها البركة والنصر، ولا يستمدُّون منها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اللهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فأنكر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلِّقين عليها سلاحهم، حتى لا يتعلق القلب بغير الله، والقاعدة الأصولية تقول: الشرك الأكبر: شرك اعتقاد، والشرك العملي هو شرك دون شرك، ولا يخرج من الملة ما كان العقد سليم على التوحيد، والقاعدة الأصولية تقول: الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}[يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، إذن نستفيد من ذلك ان التوحيد الاعتقادي يضاده الشرك الأكبر المخرج من الملة، وان التوحيد العملي يضاده الشرك العملي (الشرك في إطار الملة) حتى يأتي على أصل التوحيد الذي مقره القلب والاعتقاد، ثم لنا أن نتساءل ؟ اين طلب المسلمون في عصر الشيخ اتخاذ إلهاً غير الله جل جلاله ؟! بل هم مقرون بشهادة التوحيد، كافرون بكل ما يعبد من دون الله، ولا أرى إلا أنّ الشيح كان يبحث عن أي طريقة يكفرهم بها ويستح بها أموالهم.
[الخطأ الثامن والعشرون]: قوله: [[ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً، والجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله]]، ([142]) .
(أقول): ما قيل في مفردات العبادة يُقال مثله في الاستعانة، فمن استعان بمن يظن به صفات الربوبية والالوهية أو بعضها، فقد أشرك الشرك الاكبر المناقض لتوحيد الألوهية، ومن استعان بمن يظن فيه النفع بإذن الله تعالى وحده، فهذا لا علاقة له بمعاني التوحيد والشرك، وذلك لأنّ كل مسلم لابد له أن يستعين بالأسباب التي جعلها الله تعالى بمثابة القوانين الضابطة للحياة، فمن طلب المال استعان عليه بالعمل، وهو يعلم أنّ الرزق بيد الله تعالى، ومن طلب الولد استعان عليه بالزواج، وهو يعلم أنّ الولد بيد الله يهب لمن يشاء، ويجعل من يشاء عقيما، وهكذا، وقد جعل الإسلام الأخذ بالأسباب من أركان التوكل الصحيح على الله، وهو لا ينافي افراد الله تعالى بالاستعانة كما في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فالآية قصر للاستعانة بالله وحده، والقصد على وجه الاستقلال، فإنه لا يملك التدبير والتصريف إلا هو، وكما علمنا القرآن الكريم توحيد الاستعانة بالله تعالى، فقد علمنا الأخذ بالأسباب ومنها الاستعانة بالصبر والصلاة، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153} [البقرة: 153]،
وضابط الاستعانة، أنّ من اعتقد أنّ أحداً له تأثير مستقل من دون الله فهذا شرك الاستعانة، ومن اعتقد أنّ الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس لأحد معه أمر ولا تأثير، فلا بأس أن يأخذ بأسباب التوفيق والقبول والقربى من الله، والخلاصة أنّ الرب الناصر القادر هو الله وحده، ولكنّه ـ مع ذلك أقام هذا الكون على سلسلة من الاَسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمره، والأخذ بهذه الأسباب مع تعلق القلب بالله وحده هو عين التوكل على الله، ولكن لما رأى الشيخ أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة ظن أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، وهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، الذين فقهوا أن المشركين كانوا يأتون تلك الأعمال بنية العبادة لمن اعتقدوا فيهم شيئاً من صفات الإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبادة، فإن المشركين لما اعتقدوا لآلهتهم تلك الخصائص زاولوا تلك الأعمال لهم بنية عبادتهم، ولو كان مجرد إتيان العمل الذي يصلح للتعبد به _ من دون اقتران نية العبادة لمن يعتقده رباً – هو الشرك إن وقع لغيره تعالى لما جاء بعض تلك الأعمال مأموراً به لغيره تعالى، كالسجود وهو أقوى صور العبادة لو كان مجرد إتيانه هو العبادة أو الشرك لما أمر الله به لآدم ولما حلّ في شريعة قط كالسجود ليوسف على وجه التحية والتكريم، فلما جاء السجود صالحاً لأن يكون سجود عبادة وشرك، وأن لا يكون سجود عبادة وشرك تبين أن إتيان أي عمل ليس عبادة لذاته ولا شركاً في نفسه إلا أن يجتمع مع إتيانه نية العبادة به لمن يعتقد فيه شيئاً من صفات الربوبية أو خصائصها، وكذلك ها هنا في الحديث ((الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)) ([143]) .الحديث يدل على أن من الاستغاثة ما لا يكون شركا، تورط الشيخ وأخذ يبحث عن مخارج، ويفتش عن ضوابط لما يصل إلى درجة الشرك وما لا يصل إليه، من أمور الاستغاثة والاستعانة، فأجاز من ذلك مما كان لحي حاضر فيما يقدر عليه، ومنع من ذلك ما كان لغائب أو ميت، ولا معنى لبناء الجواز والمنع على ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه لأنه لا يعتقد أنّ العبد يخلق أفعال نفسه إلا المعتزلة ومن قلَّدهم، والمسلمون حين يدعون أحداً أو يستنجدون به أو يستعينون به حياً كان أو ميتاً، حاضراً أو غائباً يعتقدون أنه لا يقدر على شيء ولا استقلال له بنفع أو ضر وإنما هو سبب من الأسباب يسخره الله، ولا معنى كذلك لبناء الجواز والمنع على الحياة والموت لأن المعنى الذي أجيزت به الاستغاثة مثلاً بالأحياء هو أنهم سامعون قادرون على الدعاء وغيره وذلك موجود على أتم وجوهه في عامة موتى المسلمين فضلاً عن خاصتهم إذ صحت الأحاديث بحياتهم ولوازمها من السمع والبصر والكلام والسلام والتزاور والقدرة على دعائهم للأحياء لا سيما لقرابتهم وزوارهم، وفي كتاب “الروح” لابن القيم فصول تُفيد ” أنه قد تواتر بأنّ لأهل القبور قدرة على التصّرف والترائي للأحياء “، ومن أدلته على ذلك: أن الله تعالى أخبر عن الشهداء بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [سورة البقرة: 154]{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون} [سورة آل عمران: 169]، وإن الأنبياء، والصديقين وكثيرًا من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداءَ كأكابر الصحابة، أفضل من الشهداء بلا شك ولا مرية، فإذا ثبتت الحياة للشهداء فثبوتها لمن هو أفضل منهم أولى، على أن حياة الأنبياء مصرّح بها في الأحاديث الثابتة، وأيضا من السنة الصحيحة ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال: أنهم الآن يسمعون ما أقول، ([144]) .
2 – وفي رواية في الصحيح (البخاري): أن النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فأنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) ([145]) . وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) ([146]) . رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الحافظ الذهبي، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام) ([147]) .رواه النسائي وغيره وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير، وحديث: أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لناولكم العافية.) ([148]) .
قال ابن القيم: قال: (فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية) وهذا السلام والخطاب والنداء الموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، وإذا صلى قريبا منهم شاهدوه، وعلموا صلاته، وغبطوه على ذلك) انتهى كلام ابن القيم كما في كتابه الروح([149]) .
وإذ تبين فساد هذه الضوابط التي قال بها أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجواز والمنع، تبين أنّ الضابط الصحيح للتفرقة بين الجواز والمنع هو أنه إذا كان العمل أو القول لمن لا يعتقده رباً فليس من العبادة في شيء، أما إن وقع بنية العبادة لمن يعتقد ربوبيته واستقلاله بالنفع والضر وقبول شفاعته بحكم شراكته في الربوبية فذلك الذي يعتبر عبادة إن صرف لله، وشركاً إن صُرف لغيره لا فرق في ذلك بين حاضر وغائب ولا ميت وحي ولا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة ولا يوم القيامة، وما خلا عن نية العبادة لا يقال أنه عبادة لغير الله إلا أن يكون الشارع قد جعل نفس العمل كفراً كالسجود للصنم يكفر فاعله ولو لم تعرف نيته لأنّ ذلك إمارة على اعتقاد ربوبيته ومظنة للشرك، وبهذا البيان تعلم أنّ مسمى العبادة شرعاً لا يدخل فيه شيء مما يفعله السواد الأعظم من المسلمين من توسل واستغاثة وغيرهما، فعدُّ ذلك من الشرك المخرج عن الملة إنما يجر إليه الجهل بمعنى الشرك والعبادة.
(تنبيه) فرق الشيخ في الاستغاثة بين الحي والميت على أساس قدرة الحي، وعدم قدرة الميت، مع أنه عند التحقيق فلا قدرة لهذا ولا لذاك إلا بالله، والذين يكفرهم الشيخ يقرون بأنه لا قدرة لا لهذا ولا لذاك إلا بالله، فمن أحق بالتوحيد الخالص من يعتقد قدرة الحي دون الميت أم من يُحيل القدرة إلى الله وحده، أي الفريقين أحق بالتوحيد يا شيخ.
[الخطأ التاسع والعشرون]: قوله: [[ولنختم الكلام بمسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر مرتد معاند ككفر فرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: أن هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه حق، ولكننا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: {اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [التوبة:9]وغير ذلك من الآيات، كقوله {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} [البقرة:146]،]] ([150]) .
(أقول): نعم هذه مسألة عظيمة، ومشكلة الشيخ أنه لا يفرق بين الاعتقاد والعمل، فإن الشريعة الحكيمة جعلت الأصل هو اعتقاد القلب فإن اعتقد القلب الإيمان والتوحيد فصاحب ذلك الاعتقاد له اسم الإيمان وحكمه، وإن اعتقد القلب الكفر فصاحب ذلك الاعتقاد هو الكافر الكفر الأكبر، وإن اعتقد القلب الشرك فصاحب ذلك الاعتقاد هو المشرك الشرك الأكبر، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، سوى ما دل على انتفاء عمل القلب من الاستهزاء والسب، وكذلك فكل ما كان من الشرك يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو شرك دون كفر، والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تدل على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((التقوى هاهنا))، ويشير إلى صدره ثلاثاً، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم، ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) ([151]) .
والآيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تدل على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}وقوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى:{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى:{لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ .. إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر، والقاعدة الأصولية تقول أيضاً أن الشرك الأكبر: شرك اعتقاد، والشرك العملي هو شرك دون شرك، ولا يخرج من الملة ما كان العقد سليم على التوحيد، وتقول أنّ: الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله، وهذه قاعدة مطردة عند علماء أهل السنّة والجماعة الفقهاء، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف ودوسها بالأقدام وإلقائها في الحشوش وهذه لا إشكال فيها ولا تأثير لها على اطراد القاعدة، إذ هذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، وكذلك فإن الكفر الأكبر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة، [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر عند فقهاء أهل السنّة والجماعة، هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وأصل الإيمان كما حققه فقهاء أهل السنّة والجماعة يشمل ثلاثة عناصر قول القلب وهو التصديق وعمل القلب وهو الانقياد وقول اللسان وهو الإقرار، والكفر الأكبر عند هؤلاء الفقهاء العلماء هو ما كان ضداً لهذا الأصل كله أو لعنصر من عناصره الثلاثة، ويدخل فيه عندهم أنواع كثيرة منها: كفر التكذيب وكفر الجحود وكفر العناد وكفر الإعراض وكفر النفاق وكفر الشك وكفر الاستهزاء، وأعمال الجوارح كما حققها فقهاء أهل السنّة لا تدخل في أصل الإيمان ولكنها تدخل في الإيمان الواجب، وكل ما حكم الشرع عليه بانتفاء الإيمان أو بالبراءة منه أو بالكفر أو بالشرك أو بالنفاق ولم يكن داخلاً في أصل الإيمان فهو باتفاق المحققين كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، فلا يخرج من الملة بالكلية، وصاحبه وإن كان يخشى عليه سوء العاقبة والخاتمة إلاّ أنه لا يزال له اسم الإيمان وحكمه حتى يأتي كفر ناقض لأصل الإيمان لنا فيه برهان بين، كما أن من قواعد أهل السنة والجماعة أن المسلم قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، ولا يكون بذلك كافرا ولا مشركا، بل هو كفر دون كفر وشرك دون شرك ونفاق دون نفاق، وهذا من أعظم أصول أهل السنّة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، كما في قوله تعـالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، فإنّ الله تعالى أثبـت لهـم إيمانـاُ بـه سبحانـه مـع وقوع الشـرك دون شرك، إذن نستفيد من ذلك ان التوحيد الاعتقادي يضاده الشرك الأكبر المخرج من الملة، وان التوحيد العملي يضاده الشرك العملي (الشرك في إطار الملة) حتى يأتي على أصل التوحيد الذي مقره القلب والاعتقاد.
وقول الشيخ: (فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فإن اختل شئ من هذا لم يكن الرجل مسلماً) مصيبة بكل المقاييس لأنه هاهنا يكفر بالمعاصي، لأن اختلال العمل ليس له معنى سوى التكفير بالمعاصي، وهذا فعل الخوارج، وإن كنت أرى أن الخوارج يكفرون بالكبائر ولكن الشيخ يكفر بمسائل خلافية كالتوسل وغيره مما أجازه جمهور فقهاء الامة الإسلامية
[الخطأ الثلاثون]: قوله: [[ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما، قوله تعالى: لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر ويعمل به خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها]]، ([152]) .
(أقول): قد تقدم سبب هذا الكفر وأنه كفر استهزاء يضاد التعظيم الذي يجب ان يقر في القلب مع أصل الإيمان، وأن علماء أهل السنه والجماعة يقولون: ان الأعمال الكفرية كالاستهزاء بالديـن مستلزمة لكفر القلب ودالة عليه، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب،
[الخطأ الحادي والثلاثون]: قوله: [[والآية الثانية قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل:107،106] فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعل على موجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، فالآية تدل على هذا من وجهين: الأول قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ، فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره أحد عليها، والثاني قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، والله سبحانه وتعالى أعلم وأعز وأكرم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم]] ([153]) .
(أقول): هذا الكلام فيه عظائم ومجازفات: أولها قوله: ((فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان)) وقد ذهل الشيخ عن قواعد أهل السنة والجماعة في باب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، واهمها: أن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، و أن العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، وانه قد يوجد في المؤمن بعض شعب الكفـر (الكفر دون كفر) أو الشرك دون شرك أو النفـاق العملي) وهـو مـع ذلـك مسلـم له اسـم الإيمـان وحكمـه، إذن العــذر بالجهــل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الاكبر أو بالشرك الأكبر، والعــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبر أو بالشرك الأكبر، والمجازفة الثانية: قوله: ((وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحةً بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله))، فهل يكفر كل من ارتكب كفرا ظاهرا بسبب الخوف أو المداراة، أو المشحةً بأهله أو عشيرته أو ماله، على حد قول الشيخ، حتى وإن كان الاعتقاد سليما والإقرار سليما، ولماذا لم يكفر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حاطبا عندما قام بفعل الكفر، ووالى المشركين على المؤمنين، فإنه لما قال: [يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لَقَدْ صَدَقَكُمْ]، ولمّا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالتوبة من هذا الذنب ولم يوضح ما يدل على أنه ردّة مُخرج من الملة ويحتاج إلى تجديد إسلامه، دلّ ذلك كله على أنّ ما فعله حاطب ليس من إطار الكفر الأكبر، فالموالاة الظاهرة والتي وقع فيها حاطب رضي الله عنه ليست مخرجة من الملة بالكلية، بل هي في إطار الملة ولهذا أقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عثرته وأخبر بفضل أهل بدر وهو منهم، ولو تدبرنا قول حاطب رضي الله عنه ((نعلم أنه يؤكد أنها موالاة ظاهرة لا تتعدى ذلك إلى القلب لأن القلب مؤمن بالله ورسوله وصدقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وأمر المسلمين أن لا يقولوا له إلاّ خيراً، بمعنى لا يتهموه بكفر ولا نفاق . فاعتذار حاطب لدرء الكفر الأكبر بقوله: (والله يا نبي الله إني لمؤمن بالله ورسوله) هو اقتصار الموالاة على الظاهر دون الباطن، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقبل بهذا الاعتذار لدرء الكفر الأكبر، ولو كانت الموالاة الظاهرة دون الباطنة كفر أكبر بذاتها لوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لحاطب لمّا اعتذر له بثبات الإيمان في قلبه وأنها مجرد موالاة ظاهرة، وبيّن له أن هذا العـذر لا يُفيد لأن الموالاة ظاهرها وباطنها سواء، وبيّن له ضرورة التوبة من الكفر الأكبر الذي وقع فيه، فهل لنا أنّ نظن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة لاسيما والدواعي كلها تطلب ذلك والبيان ليس في أمر هين وإنما هو في أهم مسائل الدين [الإيمان والكفر]،
أما المجازفة الثالثة في استدلاله بالآية: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} ثم قوله بعدها: فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد والجهل والبغض للدين ومحبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين، أقول فهل حظوظ الدنيا تبيح اتهام المسلم الموحد بالشرك الأكبر واستحلال دمه وماله، وهل ذنوبنا جميعا إلا من جراء حظوظ النفس والدنيا، فهل يؤول بنا الغلو في التكفير والتشريك إلى تكفير الامة بالذنوب والخطايا أو بسبب الجهل والخرافة، وأما المجازفة الرابعة فهي إعراضه عن بقية الآية وعدم التعرض لفقهها والمستفاد منها، فإن الله تعالى قال: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، فلم لا يكون المناط في الكفر هو شرح الصدر بالكفر، والرضا به، كما أن مناط الإيمان اطمئنان القلب بالإيمان والرضى به، وأما المجازفة الخامسة فهي ذهوله عن ضابط الكفر في الآية فإن الآية تقول: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، فإن المناط هو شرح الصدر بالكفر والرضا به، وليس كما ظن الشيخ انه مجرد استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، فإن العاصي والزاني وشارب الخمر ومرتكب المعصية يستحب وقت المعصية الحياة الدنيا على الآخرة، ولم يزعم احد أنه يكفر، وبعد فهذا ما تيسر في بيان الأخطاء الموجودة في كتيب كشف الشبهات للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، ولا ابتغي من وراء ذلك سوى النصح للمسلمين، وإِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
***
المبحث السابع تقييم الدعوة الوهابية المنتسبة إلى الشيخ ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب
[المفتاح الأول]: إن أكثر أصحاب هذه الدعوة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين، وهذا ادعاء محض، إذ هناك أخطاء منهجية في الفكر، والتطبيق على السواء، حيث تتسم تلك الحركة على تنوع فصائلها العلمية والعملية والتراثية والجهادية بالجمود في التفكير، وأنها ترى الحق حكرا عليها في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى السطحية منها إلى العلم الراسخ المتخصص، وفي آرائها الفقهية المتشددة المولعة بتحريم الحلال والتضييق على عباد الله فيما جعل الشرع الحكيم فيه سعة ودفعا للحرج، كما أنّها تعمل جادة بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية، وإثبات الحد لله، ومثل المبالغة في شن الحرب على التأويل السائغ الذي لا مفر منه للجمع الصحيح بين النصوص المتشابهة وحملها على أمهاتها من المحكمات شأن كل أهل العلم الراسخين فيه، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف أهل السنّة والجماعة، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد، وما عارضوه فهو الضلال، فشددوا النكير على المخالفين، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق.
ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى سلفية جهادية أُبتليت بالغلو في تكفير المخالفين، ولو كانوا من السلفية نفسها، والسلفية المُدخلية والجامية التي تُبدع المجاهدين والدعاة والمصلحين، والسلفية العلمية التراثية التي تستخرج من بطون الكتب الكثير مما يثير الخلاف ويشق الصف، والسلفية العلمية الحسبية والسلفية العملية الدعوية والسلفية العملية القطبية والسلفية القبورية، والسلفية الحاكمية، والسلفية السرورية، وهكذا انشطرت السلفية إلى عشرات الطوائف والفصائل، أكثرها يبدع أكثرها، وبعضها يكفّر بعضها، والعلاقة السائدة بينها هي علاقة العداوة والبغضاء بدلا من المحبة والإخاء، إنّ السلفية الحقة هي امتثال هذا الدين بأخلاقه ومبادئه وعقائده وشرائعه، والرجوع في فهمه والعمل من أجله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إنّ أهم ما يميز السلفيين الصادقين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما، والاستعانة على فهمهما بما كتبه المتخصصون من أهل العلم السائرين على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ولاشك أنّ: للحركة السلفية المعاصرة دورها في الصحوة الإسلامية، ولكنها مع ذلك تورطت في أخطاء كثيرة، لابد من تصحيحها.
[المفتاح الثاني]: أهم الأخطاء المنهجية عند الحركة الوهابية والسلفية المنتسبة إلى الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب:
(1) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وأدى ذلك إلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو وزيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك.
(2) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، واليونان أصلا كانوا عباد اوثان، فأين هم من التقديس.
(3) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، فهم لعدم التخصص جعلوا المتشابه محكما والمحكم متشابها.
ومثال على ذلك، سورة الإخلاص، فهي تعدل ثلث القران، وهي من المحكمات فلا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها عند فهم معانيها إنما تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات أما المتشابه الذي نُهينا عن تتبعه فإنما هو كل ما يتعلق بتكييف الذات وأهل الزيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم المريضة شكل الذات والله منزه عن الأشكال كلها لأنها علامات الخلق، تدل على ان لها خالق خصصها بأشكالها وصورها، والله خالق لا مخلوق، مُصَوِرٌ لا مُصَوَر، قاهر لا مقهور، ولذلك تجد أن كل مؤلفاتهم تتتبع لهذه للمتشابهات: باب الصورة باب الوجه باب اليد باب اليمين باب الأصابع، باب الأنامل، باب العين، باب الساق، باب الضروس واللهوات، باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، لقد تسربت إلى (السلفية المعاصرة) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة، أما أهل التخصص فإنهم يرومون تنزيه الذات وتقديسها وتسبيحها بتتبع المحكمات، وتجنب المتشابهات.
وسورة الإخلاص تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة أهل الإسلام:
(الأصل الأول): (الله أحد) وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (الأحدية) تعني، أنه أحد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (الاحد) يكون بنفي الكثرة في الذات وينفي تبعض الذات، تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، {قل هو الله أحد}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات.
(وقد يتعلق الوهابيون)، بالمتشابه من آيات الوجه واليد والعين في القرآن الكريم، يريدون اثبات الأبعاض لله والجوارح ويرسمون بها شكلا لله في أذهانهم، فهم يدلسون بقولهم صفات الوجه واليد والعين ، فنحن نقول صفات فلماذا يوقدون الحرب علينا، إلا إذا كان مقصدهم منها الجوارح والأعضاء والاجزاء، وكأن سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن لم تبلغهم وفيها (الأحد) تقديس عن الأبعاض والأجزاء، وفيها (الصمد) تقديس عن التركيب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وللرد على جهل هؤلاء، أقول: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال.
و(الأصل الثاني): (الله الصمد) وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة، ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له كمال الحياة والقيومية، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، ومن معاني الصمدية الثبات وعدم قبول التغير والحدوث، والله له القدم الازلي فلا يقبل التغير ولا الحدوث، و(الصمدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
و(الأصل الثالث): {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ولا يصح أن يكون له ابن أو أب لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث.
و(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن، وكلها تقديس لله عن الإدراك لأن الاحدية تمنع الإدراك والصمدية تدل على الكمال المطلق، ونفي الوالد والولد دليل على القدم الأزلي، ونفي المثلية دليل على التقديس عن الجسمية إذ كل الخلائق متماثلة في الاستراك بالجسمية ولوازم الجسمية.
وخلافنا مع الوهابية فيما يتعلق بكنه الذات، هم – لجهلهم بقواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص – يتكلمون في كنه الذات وشكل الذات ويصممون على أن الوجه والعين واليد والاصابع والانامل والقدم صفات أعيان لله (جوارح) ولكن بلفظ لطيف، وهي عند الحقيقة اللغوية المستعملة عند العرب ليست صفات للذات وإنما هي ملامح للوجه وللذات وقد قال العلماء انها صفات وليست جوارح للابتعاد عن التجسيم والتكييف، والمجسمة ومن تبعهم من أهل الحشو يحومون حول التجسيم بغير فهم ولا علم ويصممون على أنّ الاستواء على الحقيقة وصرح ابن القيم انه الجلوس على العرش والجلوس يحتاج إلى جوارح يجلس بها الجالس على الشيء، والله أحد مقدس عن الجوارح، ويتهم أهل التقديس بانهم يعبدون العدم وأنهم يقولون ليس فوق العرش إله، وحسبهم الله من هذا الاتهام الباطل، كل ما في الامر أنهم يقولون بأنّ جناب الذات غيب الغيوب لا يُدرك، وانه أحد صمد مقدس عن الوجود الحسي في المكان ومن الجلوس الحسي على عرش مخلوق مربوب، فالاستواء استواء صفات التدبير لان الله تعالى قال {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}[يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، وقد تكرر المفتاح في سورة السجدة، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع)، كما انّ الإحاطة احاطة صفات في قوله تعالى: {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، لأننا علمنا المفتاح من قوله تعالى: {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، غيب لا يدرك، تنزه وجوده عن الكيف، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا احتياج للنكان، موجود لا يجرى عليه في وجوده زمان، كيف وهو خالق المكان والزمان، غيب الغيوب لا يدرك.
والحاصل: هو التقديس المطلق، لا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل لا يدرك ولا يُكيف غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام، (الشاهد) خلافنا الوهابية ومن حام حول التجسيم من أهل الحشو هو في جناب الذات، وما يتعلق بشكل الذات وهيئة الذات وماهية الذات وكنه الذات، هم يصممون على انّ للذات شكل وهيئة وصورة ومكان منه يدير المملكة، ويتحرك فيه ويدخل إليه ويخرج منه (يحل فيه) والعياذ بالله، وينزل فيه نزولا حقيقيا وكانه جسم من الاجسام، ونسوا ان الغاية من حديث النزول هو استجابة الدعاء في الثلث الأخير من الليل، وليس اثبات النزول الحسي من فوق إلى سفل، وهل إذا قلنا نزل البائع في سلعته فليس معناها عند العقلاء إلا التقليل من سعرها لتباع، فمجاز الله واسع سعة المحيط واوسع ولكنهم لا يعقلون.
(4) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك،
(5) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون، وتحويلهم إلى أشلاء، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد.
(6) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها.
(7) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الخوارج.
(8) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، فالسلف في باب المتشابهات يفوضون المعنى المراد من أساسه، وكثيرا ما يؤثر عنهم قولهم في المتشابهات: (لا كيف ولا معنى)، أي معنى يوحي بالتجسيم وإن كانوا يعلمون المعنى من خلال السياق والسباق اللحاق، فقوله تعالى: { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، ليس المقصود سوى التوسط في النفقة، وقوله تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، ليس المقصود سوى سعة الكرم والعطاء لأنه الكريم والوهاب المعطي، بقرينة (ينفق) كيف يشاء، ولكنهم ينفون المجاز لغاية التجسيم نسال الله السلامة.
(9) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر، وهم منها براء، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك، فنجدهم يعيدون طباعة كتاب (اطال التأويلات) للقاضي الفراء أبي يعلى وهو مرجع في الحشو والتجسيم، وهو غير المحدث الحافظ أبو يعلى، صاحب المسند، وقد سبق ذكر طرفا من فضائحه وايغاله في الحشو والتجسيم، حتى قال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد، ما لفظه: (لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة) أهـ ([154]) .
(10) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، ووصفهم بأقذع الاوصاف، يقولون عنهم الجهمية الاناث، وانهم وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، فلله الامر من قبل ومن بعد،
(11) إهمال مناهج التربية والتزكية، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا، فهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم غلاظ القلوب، وأبى ان يدعو لهم، فقد روى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر([155]) .
وروى الشيخان عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([156]) .
(12) شن الحروب التي لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه،
(13) شن الحروب على التصوف برمته، صالحه وطالحه، بدعوى أن له أصول من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة عند الاتباع.
(14) من مفردات الوهابية النجدية التي خالفوا فيها الامة الإسلامية محاربتهم للتصوف، وتكفيرهم لأكثر الصوفية، حيث يعتبر الوهابية التوسل والاستغاثة من الشرك في الإلهية وهي عند جمهور فقهاء المذاهب الأربعة وعند الصوفية أمور جائزة لا تتعلق بالعقيدة أبدا، ويعتبر الوهابية زيارة أضرحة الأولياء والصالحين بدعا تضاهي عبادة الاوثان في زمان الجاهلية، وهي كذلك عند جمهور فقهاء المذاهب الأربعة وعند الصوفية أمور جائزة لا تتعلق بالعقيدة أبدا، وإنما هي من باب زيارة القبور التي أجازها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتبر الوهابيون ما يفعله اهل التصوف من الاجتماع للذكر وعمل الاذكار الجماعية والالتزام بالأوراد من قبيل بدع الضلالة، وهي كذلك عند جمهور فقهاء المذاهب الأربعة وعند الصوفية أمور جائزة لا تتعلق بالعقيدة أبدا، وإنما هي من باب الاجتهاد في الطاعة تقربا إلى الله، كما يعتبر الوهابيون عقيدة (وحدة الوجود) عقيدة كفرية مخرجة من مله الإسلام، وهم لم يفهموا معاناها الصحيح أبدا، ويظنون أن معناها ان الكون كله يمثل أجزاء من الله، وأن الكل هو، وأنه هو الكل، وأنه عين الأشياء، وهذا لم يقبل به احد من اهل التصوف المقتدى بهم في الطريق، وإنما هو قول الزنادقة وقد عممه الوهابيون على جميع الصوفية، أما وحدة الوجود عند الصوفية، فهي حالة شهودية، والشهود من خصائص البصيرة، وليس البصر، فالبصر يرى والبصيرة تشهد، ولهذا كانت شهادة التوحيد: (أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله) لأنها العقيدة التي لا يساورها شك، وهي الشهادة التي لا تصح إلا بالعلم واليقين والعقيدة والرؤية والسمع والكلام، وأعلاها شهادة البصيرة والروح بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، قال تعالى: { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، وأهل التصوف الحق لا يعتقدون (وحدة الوجود) بل هم يشهدون هذه الوحدة، فهي حالة شهودية تخص الأولياء إذا بلغوا منازل عالية من السير إلى الله، فهم يقولون بما يشهدون، والقرآن الكريم يؤيد شهودهم، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27] ، فالفناء جاء بصيغة الاسم للدلالة على تحقق الفناء، ولا معنى للفناء إلا العدم، وكذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] ، ولا معنى للهلاك إلا العدم، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) ([157]) .
والباطل هو العدم، كما أنّ (الحق) اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الثابت الوجود المتصف بالوجود الدائم وقد تكرر ذكره سبحانه في القرآن الكريم كثيراً، منها: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنبياء: 6] ، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الأنبياء: 62] واسم (الحق) سبحانه أي واجب الوجود المتصف بالوجود الدائم، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به سبحانه، فأهل العرفان من الصوفية حكموا بما شهدوا، وهم أهل بقاء بالله، به يشهدون، وبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، فإن قالوا: بوحدة الوجود، فهم قد حكموا بالحق الأزلي الذي جاء به الشرع، وهم قد حكموا بما شاهدوه، وبما رأوه ببصائرهم، والبصر الحقيقي هو بصر القلب (البصيرة)، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] ، فما ذنب اهل العرفان إن شهدوا بما حجب عنه أكثر الخلق، فلا حجة للنافي على المثبت ولا حجة للجاهل على العالم، وفوق كل ذي علم عليم، وفيه يقول السيد مصطفى كمال الشريف: (الوجود واحد، لأنه صفة ذاتية للحق سبحانه وتعالى، وهو واجب فلا يصح تعدده، والموجود هو الممكن، وهو العالَمُ فصح تعدده باعتبار حقائقه. وقيامُه إِنما هو بذلك الوجود الواجب لذاته، فإِذا زال بقي الوجود كما هو، فالموجود غير الوجود، فلا يصح أن يقال الوجود اثنان: وجود قديم ووجود حادث، إِلا أن يراد بالوجود الثاني الموجود من إِطلاق المصدر على المفعول، فعلى هذا لا يترتب شيء من المحاذير التي ذكرها أهل النظر على وحدة الوجود القائل بها أهل التحقيق) ([158]) .
والحاصل أنّ الوهابية قد اعتدت على الصوفية القائمين على مرتبة الإحسان ومنازل التزكية بغير وجه حق، كعادتها في هدم صروح التخصص الإسلامي العقدي والفقهي والتزكوي، (العقدي) متمثلا في محاربة الأشاعرة والماتريدية أهل التخصص العقدي، و(الفقهي) متمثلا في مخالفة المذاهب الأربعة في كل ما اعتمدوه من فروع الفقه لا سيما في أبواب التوسل والاستغاثة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، و(التزكوي) متمثلا في محاربة اهل التصوف القائمين على التزكية والإحسان، ثلث الإسلام الأعلى، وكعادتهم (الوهابية) في تجاهل التراث الإسلامي العريق وهدم التقاليد الشرعية الموروثة عبر أجيال اهل الإسلام.
(15) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية، ألا وهو اعتماد كلام الشيخ ابن تيمية وكأنه – وحده – المتحدث الصحيح عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة، فقد خالفوه في مسائل عديدة، ولا شك أنه لم يكن متخصصا في كل ما تكلم فيه، وقد ذهل بالكلية عن قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، والتي بسبب ذهوله عنها هجم على أهل الفقه الأكبر في العقيدة (الأشاعرة والماتريدية) وانتقص من كبرائهم – مفاخر العلم – انتقصهم بغير حق، كما أنه غاب عنه مذهب السلف الحقيقي في المتشابه (الذي هو تفويض العلم به إلى الله) وظنه إثبات اللفظ الظاهر على حقيقته وتفويض الكيفية، فاقترب من الحشوية الجهلاء، وظلم مذهب السلف والخلف، واتهم مذهب السلف الصحيح الحقيقي (تفويض العلم بالمتشابه) بأنه شر المذاهب وأنه مذهب أهل الجهل، ولذلك لم يسلم منه الكثير من علماء أهل السنة الأعلام، وأدي ذلك إلى أن خاض في المتشابه على طرائق الحشوية والمشبهة واقترب منهم.
كما أن له تعميمات يعوزها الدقة والتمحيص، وتمثل خطراً على صفاء منهج السلف الصالح، كادعائه بأنه لم ينقل عن السلف الصالح تأويل شيء من المتشابه، وبالتالي اتهم بالبدعة في الدين والخروج عن منهج السلف كل من أول شيئاً من المتشابه، وطار بهذا التعميم الركبان في كل واد، مع أنه ثابت في التفسير عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن كثير من التابعين وتابعي التابعين والأئمة العلماء، وليس تأويلهم لهوى أو بدعة وحاشاهم من ذلك، وإنما هو لضرورة منع اتباع العامة للمتشابه، وضرورة حمل المتشابه على أمهاته من المحكمات، لحفظ عقائد المسلمين من التشبيه والتمثيل، كما أنه – ابن تيمية رحمه الله – تشدد في مسائل الزيارة والتبرك والوسيلة على غير طريقة الفقهاء، وتشدد على طوائف الصوفية من أهل السنة والجماعة بحق أحياناً وبغير وجه حق أحيانا، ونحن لا ننقصه حقه كأحد العلماء، ولكن أن ننجرف مع أخطائه وتشدداته وتعميماته، فهذا لا يرضاه العلماء المنصفون من أهل السنة والجماعة، وهذا ما يأباه منهج التصحيح الذي يأخذ من كل عالم أحسن ما اجتهد فيه، ويصحح ما أخطأ فيه.
(16) يرى أتباع السلفية المعاصرة أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية – والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية.
(17) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعته م فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء محمد بن عبد الوهاب، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
(18) الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى، قد اساء بعض المنتسبين إلى السلفية فهم الخيرية المنصوص عليها في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ظاناً أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي أو فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرن التالي لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، ومع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
(19) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، إن الحركة السلفية المعاصرة في امس الحاجة إلى مراجعات علمية جادة من أجل تصحيح المسار.
***
المبحث الثامن مفاتيح المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة
[الخطأ الأول]: عدم إعمال العقل في فهم نصوص التنزيه.
[الخطأ الثاني]: إساءة ظن الوهابية بعلم التقديس.
[الخطأ الثالث]: خوض الحشوية الوهابية في متشابه الأخبار.
[الخطأ الرابع]: خطأ الحشوية الوهابية في إعلان الحرب على التفويض والتأويل.
[الخطأ الخامس]: خطأ الحشوية الوهابية في إساءة الظن بعلم الكلام السني.
[الخطأ السادس]: خطأ الحشوية الوهابية في نفي المجاز مع انه من بلاغة القرآن.
[الخطأ السابع]: خطأ الحشوية الوهابية في الاستدلال بالظنيات على معارضة القطعيات
[الخطأ الثامن]: خطأ الحشوية الوهابية في جمع المفرق من المتشابهات، ابتغاء الفتنة وتقوية الشبهة.
[الخطأ التاسع]: خطأ الحشوية الوهابية في الاستدلال بالموضوع والضعيف على العقيدة.
[الخطأ العاشر]: خطأ الوهابية في عدم احترام مدارس التخصص العقائدي.
[الخطأ الأول]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة عدم إعمال العقل في فهم نصوص التنزيه
[المفتاح الأول]: أكرم الله تعالى الإنسان بالعقل، كي يحمله عقله على أن يؤمن بربه وخالقه، وكي يفهم به العلم، وكي يميز به بين الخير والشر والضار والنافع، وقد تكرر ذكر العقل بمرادفاته في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة، يُخاطب الناس باستعمال العقل في فهم الآيات الكونية أو الشرعية للوصول إلى منازل العلم والإيمان والإحسان، منها: قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242]، وجعل عقل الآيات ومعرفتها صفة العلماء، فقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، وخاطب الله تعالى أولي العقول (أولي الألباب) في مواضع عديدة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، كما خاطبهم بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى}، وقوله تعالى: {هَل فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}، كما أنّ من آثار العقل التفكر والتدبر والتذكر والنظر والاعتبار والاستبصار والرشد، وقد جاءت آيات القرآن تترا يُشير إلى أهمية ذلك كله، كما في قوله تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 176]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51]، وقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ}، إنّ الله تعالى أكرم الإنسان بالعقل، وأنزل عليه القرآن وأمره ان يتدبره بعقله وأن يُعمل فيه فكره، وأكرم رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكمة والسنّة، وجعل نصوص القرآن والسنة لا يمكن فهمها الفهم الصحيح إلا من خلال التفكر والتدبر والفهم الدقيق وإعمال العقل في فقهها وحمل متشابهها على محكمها.
[المفتاح الثاني]: قيمة العقل في فهم النصوص: ترك الإسلام للعقل مساحة واسعة لفهم النصوص وتوضيحها، ولا أدل على ذلك من ان نصوص الشريعة كما هو معلوم منها المحكم ومنها المتشابه، ومنها الواضح ومنها المبهم، ومنها الخاص ومنها العام ومنها المجمل ومنها المفصل، والله تعالى هو من وضع ذلك، ولو شاء سبحانه لجعل كل نصوص الشريعة واضحة ومحكمة ومخصصة، ولما ترك للعقل أي مجال للاجتهاد في تفسير النصوص، ولكنه شاء سبحانه أن يجعل للعقل مساحة واسعة لفهم النصوص وتوضيحها، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشاور الصحابة في كثير من شؤونه، كما أخذ برأي أصحابه وزوجاته في معظم أموره، حتى أنه صلى الله عليه وسلم مدح معاذ بن جبل حينما سأله عندما بعثه إلى اليمن قائلاً:(بم تحكم؟ فقال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم تجد، قال اجتهد رأي ولا آلو: فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي به)) ([159]) .
إن النصوص الشرعية بحاجة إلى تحليل وفهم وفكر وتأمل لاستنباط معانيها، ولا يمكن ذلك الا بالعقل والفكر السوي الصحيح والتأمل والنظر، والاجتهاد ما هو إلا صورة من بيان منهج العقل في فهم الاحكام، ولذلك عرفه العلماء بقولهم: الاجتهاد هو بذل الجهد والوسع في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأصلية والتبعية”، المصادر الأساسية أو النقلية وهما القرآن والسنة، والمصادر التبعية او العقلية وهي القياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب، وقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]، دلالة عظيمة على دور العلماء في استخراج الأحكام الشرعية بواسطة الاجتهاد من خلال النظر والتأمل في النصوص، وقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} [ص: 29]، وتدبر الآيات يكون بفهم معانيها ليتم العمل بها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما بقوله: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))، فلو كان التأويل (أي التفسير) مقصوراً على السماع والنقل كالتنزيل نفسه، لما كان هناك من فائدة لتخصيص ابن عباس بهذا الدعاء، ولو كان علم التفسير مأثوراً كله عن النبي صلى الله عليه وسلم لقال: ((اللهم حفظه التأويل))، فدل ذلك على أن المراد بالتأويل الوارد في الدعاء هو أمر آخر وراء النقل والسماع، ألا وهو اعمال العقل في فهم النصوص، ومنه يتبين أن التأويل الصحيح لا حرج منه بهدف حمل المشابه على أمهاته من المحكم، وتقليل دائرة المتشابه ووأد الفتنة والزيغ وإزالة الفتنة والبدعة.
[المفتاح الثالث]: دور العقل في فهم نصوص التنزيه: يعجز العقل عن معرفة ذات اللّه تعالى لأن المخلوق لا يستوعب الخالق، ومحدث الذات لا يدرك كنه قديم الذات والسلطان والصفات، ولكن للعقل أكبر دور في فهم نصوص التنزيه، وبالتالي منع الحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى، ومن ذلك: قوله تعالى {ليس كمثله شيء} يدل على تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، سبحانه لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث حقيقة الذات والأسماء والصفات والأفعال، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء، فهو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، الرحمن على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، وهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، وهو الواحد القهار، وهو الأحد الصمد، وهو الحي القيوم، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا, فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة، فذات الله تعالى تقدس عن أن تدركه البصائر النافذة فضلا عن الأبصار، وأعظم عن أن تتوهمه الظنون أو تتصوره الأفكار.
[المفتاح الرابع]: دور العقل في فهم قواعد التنزيه: يتمثل في اعتقاد اتصاف جناب الذات بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، فإن علم التقديس والتنزيه يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا له حد ينتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد له، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، أما التخصص في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان، ولأن المكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، فلا يصح ان يحيط به مكان، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء، ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن ذات الله، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، وليس معنى ذلك الاتساع الحسي والكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، فلا حد لذاته تنتهي إليه، ولا مقدار لها يحدد قدرها، لأنّ الحد مهما اتسع ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق، والخالق – سبحانه – لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، وليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، ومن الآية نعلم انّ الذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها، كما أنّ دور العقل يتمثل في الاعتراف بالعجز عن الإدراك، وذلك بتصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التنزيه العقلي والقلبي مع التنزيه اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، كما أنّ دور العقل يتمثل في التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى وتصفية الاعتقاد من أدران التشبيه والتجسيم والتمثيل والتكييف.
[المفتاح الخامس]: أمثلة لبيان خطأ الحشوية الوهابية في عدم إعمال العقل في فهم نصوص التنزيه: الحشوية أعداء العقل، يظنون – جهلاً وتلبيسا من تلبيسات إبليس الرجيم عليهم – أنّ تمام الإيمان والتسليم يكون بإلغاء دور العقل في فهم النصوص، وهل صار العلماء علماء والفقهاء فقهاء إلا باستعمال العقل وإجهاده في فهم النصوص والجمع بينها، فلمّا ألغوا دور العقل، عاشوا في العقيدة بالحس الذي سيطر على أوهامهم.
(فإنّ قلت لهم): إنّ أي شيء محدود لا يصلح أن يكون إلها، وذلك لأنّ الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، ولأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، هو القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار، القاهر فوق عباده، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود، لأنّه مقهور عليها، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، تنزه عن الحد والمقدار.
(قال لك أحسنهم حالا – وذلك لأنّ منهم من يتجاسر على اثبات الحد الحسي لذات الله -): لم يأت الحد في الكتاب والسنّة فلا ننفيه ولا نثبته، يا سبحان الله، أليس (الله أكبر) نفي للحد،، أليس (الواحد القهار) نفي للحد، لأنّ القهار قاهر للحد، فلا بداية ولا نهاية ولا يقهره حد ولا مقدار، أليس (الأحد الصمد) نفي للحد، أليس كل الخلق لهم حد والله تعالى يقول (ليس كمثله شيء)، ويقول (ولم يكن له كفوا أحد)، إنه لا يفهم تلك الأدلة ولا يرد العلم كما أمره الله تعالى للمتخصصين فيه كما يُفهم من قوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول}، وقوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر}، أي أهل التخصص، وقوله تعالى {ولا ينبئك مثل خبير}، المتخصص في علمه، ماذا تفعل معه وهو لا يفهم ولا يرد العلم إلى أهله، تتنزل للنقاش معه من اجل انقاذه، (تقول له): هل يأكل ربنا تقدس وتعالى، يقول بملء فيه معاذ الله لا يأكل، لماذا ؟ يقول: لأنّ الأكل دليل على الحاجة والحاجة نقص، قلنا له والحد غاية والغاية دليل على النقص، ولكنه يفهم الأولى لسهولتها، ولا يفهم الثانية لخفائها على غير المتخصص.
(وإن قلت له): إنّ كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره، إلا أنّه محدود متناهي مقدر بمقدار، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقال تعالى: {جعل الله لكل شيء قدرا}، وقال تعالى: {وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}، ومعنى الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، وأن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على انه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل، قال لك: آتني بدليل من القرآن على أنّ الله تعالى منزه عن الحد فأقبله، تقول له: أوليس قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً} دليل على أن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق، والله تعالى هو الخالق.
(قال لك): لا أفهم هذا الدليل، (تقول له): القاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (الله أكبر) ويدخل في معانيها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار.
(يقول لك): هذا لم يرد به كتاب ولا سنّة، (فإن قلت له): لقد اتفق المتخصصون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى {وهو رب العرش العظيم} كما أنه رب العالمين جميعا، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، هل يحتاج إلى شيء يحمله، أو شيء يحيط به ويحويه، مهما بلغ اتساعه وحجمه، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش، وهو الغني عنها، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(وأنبه وأكرر) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى، بلا حد ولا مقدار، لأنّ الحد مهما اتسع فهو مخلوق، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه، والخالق – سبحانه – لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر، أو اعظم منه، لأنّ من أسمائه الحسنى: الكبير المتعال، والعلي العظيم، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة، فليوقن أنّه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات.
(وأنبه أيضا): تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، له حد الربوبية والإلهية، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
إنّ من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، مع قوله تعالى {فإني قريب}، مع قوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، مع قوله تعالى {والله بكل شيء محيط}، وقوله تعالى {وكان الله بكل شيء محيطا}، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار.
ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية: إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} وكما قال تعالى:{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وكما قال تعالى {واسجد واقترب}، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ (إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) [أخرجه البخاري] وقوله صلى الله عليه وسلم (أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) [أخرجه البخاري] ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس.
(إذا قلنا له): إنه لا يُقال أنه سبحانه داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه، لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الأجسام المخلوقة، ولا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق، (فإنّه يقول): لا داخل ولا خارج تناقض، (نقول): هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، الله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، وليس كمثل أفعاله أفعال، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، (تقول له): عند إعمال العقل وتدبره لقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([160]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره) ([161]). نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن الوجود الزماني، وكمال منزه عن الوجود المكاني، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، إذ هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فلا يجري عليه زمان، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فلا يحويه المكان، وإذا لم يكن قبل (الله) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كما أنّ كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، وقال تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، أيضا ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، (أيضا): ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون: أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة والله تعالى خالق مقدِر (بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهــ، ([162]) .
(أيضا): عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد.
إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء المقدس عن الحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان، و(أيضا): (الأحدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، وذلك لأن الأحدية تنافي الكثرة والانقسام والأجزاء، والموجود في المكان، يمينه يمين المكان، ويساره يسار المكان، واليمين واليسار والفوق والتحت يلزم منها الكثرة والانقسام وكل ذلك يضاد الأحدية، وأيضا (الصمدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنّه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنه لو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (لا إله إلا هو الحى القيوم) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره، والله تعالى كما أنّه منزه عن المكان فإنّه كذلك منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
(يقول الحشوي غير الدارس لعلم الأصول): لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره، ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير.
والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن أو متحرك لهما أمثال كثيرة، أو منزه عن السكون والحركة لا تماثل بينه وبينها ليس كمثله شيء ألا وهو الله تعالى وتقدس، إنّ الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) .
إنّ الحشوي الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا.
لقد أخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود.
وأخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين.
وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم).
(يقول لك): هذا من علم الكلام، وعلم الكلام من علوم اليونان، تقول له: إن اليونان كانوا يعبدون الأوثان، وما أبعدهم عن هذا التقديس فأين ذلك من علوم عباد الأصنام والأجسام والأوثان، ثم إن علم الكلام نوعان: نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وقالوا في أهله ما قالوا، ونوع آخر يمثل ركائز التقديس والتسبيح والتنزيه، وهو العلم الراسخ الذي لابد من دراسته لأنّه علم توحيد الذات الذي يمنع من نسبة النقص أو العيب أو العجز إلى الله، وهذا العلم مطلوب لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد، ولتقريب أهمية هذا العلم الراسخ إلى ذهنه، (تقول له): هل ربنا موجود بيننا بذاته على الأرض، قال حاش لله، فإن قلت لم ؟ قال أنجعله في الأرض حيث المزابل والحشوش، وحيث شبه الحلول في القاذورات سبحانك هذا بهتان عظيم.
(تقول له): فإنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {فإني قريب}[البقرة: 186]، ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، وظاهر الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته، (قال لك): المراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة، ومن كان كذلك كان قريبا حقا وصدقا، (تقول له): نعم ما قلت، فلم لا تعمم القاعدة، فإنه كما الأرض خلقه فإنّ السماء خلقه والعرش خلقه، والكون بالذات فيهما شبه حلول في المخلوقات كما قررت أنت من قبل، قال لك وكيف أفعل بقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16].
(فإن قلت له): إنّ الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو مرتبة الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان.
(قال لك): فكيف أفعل بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، فإن قلت له: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه عديدة تزيد على العشرة، فيأتي بمعنى: التمكن والاستقرار: ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} أي أن سفينة نوح عليه السلام استقرت على جبل الجودي، ويقال: استوى الرجل على ظهر دابته أي استقر عليها، ويأتي بمعنى الاستقامة والاعتدال: ومنه قوله تعالى: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [سورة الفتح] أي الزرع، ويأتي بمعنى التمام: ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [سورة القصص]) أي تمت قوته الجسدية، ويأتي بمعنى الاستيلاء أي القهر: يقال استوى فلان على بلدة كذا إذا احتوى على مقاليد الملك واستولى عليها وحازها، قال اللغوي الفيومي في [المصباح المنير]: (واستوى على سرير الملك كناية عن التملك وإن لم يجلس عليه) اهـ ([163]) .
ويأتي بمعنى النضج: (استوى الطعام أي نضج)، ويأتي بمعنى القصد أو الإقبال: استوى إلى العراق: أي قصد إليها)، ويأتي بمعنى التماثل والتساوي: استوى القوم في المال إذا لم يفضل منهم أحد على غيره وتساووا فيه وهم فيه سواء، ويأتي بمعنى الجلوس: يقال: استوى على السرير إذا جلس عليه، ويأتي بمعنى العلو، والاستواء بمعنى العلو قد يكون بالرتبة وقد يكون بالمكان، وللاستواء في اللغة غير ذلك من المعاني، فلابد وأن نعرف من تلك المعاني ما يستحيل على جنابه من معاني النقص والعجز والعيب والحدثان، والاستواء بمعنى الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود، والاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده ويحيزه وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق، والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة.
وهو جل شأنه القريب منا، ولكنه قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وقد علم الراسخ في علم الأصول أنّ سياق آيات الاستواء جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء {يدبر الأمر}.
أعود فأقول: لقد أخطأت الطائفة الحشوية التي تنتسب إلى السلفية خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في استعمال العقل في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات)، لو تواضعوا للعلم ودرسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون.
[الخطأ الثاني]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة إساءة ظن الوهابية بعلم التقديس
[المفتاح الأول]: المقصود من ذلك العلم هو بيان التنزيه والتقديس والتسبيح والتوحيد المتعلق بجناب بذات الله تعالى، وما يجب له سبحانه من صفات الكمال والجلال والإكرام، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يستحيل في حق ذاته سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث، ومشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، قال جل شأنه (ليس كمثله شيء) وقال تعالى (ولا يحيطون به علما) وقال تعالى (سبحانه وتعالى عما يصفون) وقال تعالى (هل تعلم له سميا) أي مثيلا وقال تعالى (ولم يكن له كفوا أحد)، و علم التقديس: (علم توحيد الذات) يتمثل في تنزيه ذات الله تعالى عن كل مثيل والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى لأنه كما هو مقرر في الأصول فيما يتعلق بذات الله تعالى (العجز عن درك الإدراك إدراك والخوض في معرفة كنه ذات الله كفر وإشراك).
وإنما المقصود من هذا العلم _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض، فيصل طالب علم التقديس إلى عبادة الإله الواحد القهار الكبير المتعال الحي القيوم الأحد الصمد الغني الحميد الذي ليس كمثله شيء لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، ولَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى.
ويؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق جناب ذات الله سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، وكما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن هذا العلم يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها إلا المتخصصون.
ومن تلك القواعد التي أصلها المتخصصون:
القاعدة الأولى: تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الثانية: تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، القاعدة الثالثة: تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، القاعدة الرابعة: تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، القاعدة الخامسة: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، القاعدة السادسة: تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة السابعة: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الثامنة: تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، القاعدة التاسعة: تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، القاعدة العاشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الحادية عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، القاعدة الثانية عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة، القاعدة الثالثة عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل، القاعدة الرابعة عشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره، القاعدة الخامسة عشرة: رؤية ذات الله تعالى في الآخرة.
ومن تلك القواعد: قواعد لفقه الصفات الخبرية: ومنها: تحديد دائرة المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار، وبيان أنّ كل خبر يعارض الأدلة القطعية والآيات المحكمة فهو متشابه لا بد من رده إلى المحكم،وبيان أبعاد مذهب السلف الحق في باب الصفات والأخبار المتشابهات، وبيان أنّه تفويض المعنى المراد مع الحفاظ على علم التقديس والتنزيه، وحل الإشكالات المتعلقة بعلم التنزيه وتصفية العلم من شوائب الحشو والتجسيم وحل اشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم، والقضاء على شبه المجسمة من اثبات الجارحة والصورة والشكل والأعضاء، وإثبات الحد والجهة والمقدار، وإثبات الحركة والسكون والكون في المكان، وحل اشكاليات الاستواء والجهة والمكان والحدوث وحلول الحوادث.
ومن تلك القواعد: قواعد معرفة المدارس المتخصصة في باب العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، ومنها: بيان مدارس أهل السنّة والجماعة الثلاث في باب العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية، وبيان أنّ الأثرية هم الامتداد الحقيقي لمذهب السلف، وبيان القواعد الأثرية في فهم الصفات الخبرية، وبيان أنّ الأشعرية والماتريدية امتداد السلف والمتخصصون في الرد على الطوائف الضالة، وبيان قواعد التقديس التي ساهم الأشعرية والماتريدية في تأصيلها، وبيان فضل الطائفة السنية (الأثرية والأشاعرة والماتريدية) على مرعصور الإسلام، ويتناول قواعد معرفة اللبس في انتساب الحشوية الوهابية إلى السلف وبيان أنّ الكثير من متسلفة اليوم ليسوا على منهج السلف الحقيقي الصافي، إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، من لا يعرف هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
***
[الخطأ الثالث]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خوض الحشوية الوهابية في متشابه الأخبار
[المفتاح الأول]: قد تقدم بيان المتشابه وحكمه، وبيان المحكم والمتشابه في باب الصفات والأخبار، بما يغني عن اعادته هنا، ولكن لجهل الحشوية الوهابية بهذا العلم خاضت في هذا الباب بما نهى الله تعالى عته، أخذوا بظواهر المتشابهات، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، وهم ينتسبون إلى السلف، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، إنّهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية الوهابية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية المتشابهة، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية.
لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، بل الشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف السفهاء، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات، يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وعن روح عقائد التقديس والتنزيه التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
***
[الخطأ الرابع]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خطأ الحشوية الوهابية في إعلان الحرب على التفويض والتأويل مع انهما المذهبان الصحيحان للسف الكرام
[المفتاح الأول]: هناك نصوص توهم الجارحة كالعين واليد، ونصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، ونصوص توهم النقص والحد، ومذهب السلف فيها تفويض معنى المتشابه أو حمله على محكمه بالتأويل الصحيح، فالخط العام السائد: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، وهم أعلم الناس بمعنى قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد}، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وما فيها من التنزيه ونفي الكفء والمثيل والسمي، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، وأما الخط الخاص فقد كان يتمثل في حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وذلك بالتأويل الصحيح، فإن (التأويل الصحيح بضوابطه فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([164])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([165])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([166])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([167])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([168]) . فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل). (قلت) ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز، أما أهل الحشو والتجسيم فقد اعلنوا الحرب على التفويض والتأويل وجعل أهلهما من شر أهل البدعة، فلقد طعن أئمة الحشو والجهل بقواعد التقديس في مسلك تفويض المعنى الذي قام عليه مذهب السلف الحقيقي، حتى جعلوه شر أقوال أهل البدع، وقد تسرب ذلك إلى معتقد ابن تيمية حتى قال: ” فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد ” ([169]) . وسمى أهل التفويض بأهل التجهيل فقال: ” وأما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف يقولون إن الرسول لم يعرف معانيَ ما أنزل الله إليه من آيات الصفات،، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك،،) ([170]) .
وإذا كان أهل الحشو والتجسيم قد بالغوا في القدح في مسلك التفويض فمن باب الأولى أن يبالغوا في القدح في التأويل، ووصفوه بأنّه أصلُ كلِ بدعة وأنه شرٌ من التشبيه والتعطيل وأنه الطاغوت الأكبر، مع أنّه ثابت عن السلف الكرام، ولا مناص من اعتماده في كثير من المتشابهات، ولهذا قال إمام الحرمين الجويني: (ومما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية الوهابية بآيات يوافقون على تأويلها حتى إذا سلكوا مسلك التأويل عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع، فمما يعارَضون به قوله تعالى: ” وهو معكم أينما كنتم ” [لآية (4) من سورة الحديد] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر حلوا عقدة إصرارهم في حمل الاستواء على العرش على الكون عليه، والتزموا فضائح لا يبوء بها عاقل، وإن حملوا قوله: “وهو معكم أينما كنتم” على الإحاطة بالخفيات فقد تسوغوا التأويل) ([171]) .
[الخطأ الخامس]من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خطأ الحشوية الوهابية في إساءة الظن بعلم الكلام السني ونسبته إلى علوم اليونان مع أنه قائم على الكتاب والسنّة
[المفتاح الأول]: علم الكلام نوعان: نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل والاعتزال، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وكل ما ورد عن السلف الكرام في ذم علم الكلام فإنّما يعود على هذا النوع الباطل، ونوع آخر يقوم على التقديس والتسبيح والتنزيه على منهاج أهل السنّة والجماعة، وهو العلم الراسخ الذي لابد من دراسته لأنّه علم توحيد الذات الذي يمنع من نسبة النقص أو العيب أو العجز إلى الله، وهذا العلم مطلوب حتماً لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد.
[المفتاح الثاني]: المقصود بعلم الكلام الراسخ: هو العلم الذي يعنى بمعرفة الله تعالى والإيمان به ومعرفة ما يجب له سبحانه وما يستحيل عليه وما يجوز له سبحانه، مع معرفة سائر ما هو من أركان الإيمان الستة ويلحق بها، وهو من أشرف العلوم وأهمها وأكرمها لأن شرف العلم يتبع شرف المعلوم لكن بشرط أن لا يخرج عن مدلول الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع العدول وفهم العقول السليمة في حدود القواعد الشرعية وقواعد اللغة العربية الأصيلة، ويعتبر علم الكلام من أشدّ العلوم خطورة، حيث أنّ الخطأ في أصوله وقواعده يؤول إلى البدعة والضلالة والفرقة والندامة، ومما يزيد من أهمية دراسة هذا العلم أنّ الأمة الإسلامية صدق فيها خبر المعصوم صلى الله عليه وسلم، وتفرقت فرقا جميعها يستحق الوعيد بالنّار إلا واحدة على المعتقد الحق الوسط العدل بين المغالين والجافين والمبطلين، هذه الفرقة هي ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من العلم والعمل، وما كان عليه السلف الصالح حقا من التقديس والتفويض وحمل المتشابهات على أمهاتها من المحكم، هذه الفرقة الناجية التي تقوم على التمسك بما جاء في الكتاب والسنة، بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف، إذ هم أهل التخصص والاستنباط، لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، فقد أوضحت الآية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة، وقد استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، والثانية: الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، والثالثة: الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة، وهم الذين ضبطوا علم الكلام السني وأصول العقيدة الصحيحة.
[المفتاح الثالث]: تعريف علم الكلام: قال مفخرة أهل الأصول القاضي عضد الدين الأيجي في مواقفه: (الكلام علمٌ يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة، بإيراد الحجج، ودفع الشبهة) ([172]) .
وبهذا التعريف يدخل في علم الكلام كل ما يتعلق بالاعتقاد، ويخرج منه ما يتعلق بالأعمال، وقال ابن خلدون في مقدّمته: (هو علمٌ يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة، بالأدلّة العقليّة، والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنّة) ([173]) .
، فقيده بمذاهب السلف وأهل السنّة، وأخرج منه مباحث أهل الاعتزال، وقال الجرجانيّ في تعريفه: (علمٌ يُبحث فيه عن ذات الله تعالى، وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام) ([174]) .
وبهذا التعريف يدخل علم التقديس المستمد من الكتاب والسنّة في أول مبادئ علم الكلام (علمٌ يُبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته)، كما أنّه جعل قيده على قانون الإسلام، فأخرج مباحث الفلسفة الخارجة عن عقائد الإسلام.
[المفتاح الرابع]: منزلة علم الكلام من سائر علوم الإسلام: لدين الإسلام القيم مراتب ثلاثة: الأولى: (الإسلام)، وهي خمسَةُ أركانٍ بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) ([175]) .
والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم الشريعة، ويسمى علم الفقه، والمرتبة الثانية هي: (الإيمان)، وهي ستّة أركان بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وتُؤمنَ بالقَدَر خَيْره وشَرِّه)) ([176]) .
والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم العقيدة وله مسميات عديدة منها علم الإيما ن، وعلم التوحيد، وعلم الكلام، والمرتبة الثالثة هي: (الإحسان)، ولها منازل عديدة تبدأ بالمراقبة وتنتهي بالمشاهدة، وهذا ما فهمه العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) ([177]) .
والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم: (التصوف السني الرشيد) وهو القائم على مرتبة الإحسان، ومعنى ذلك: أنّ علوم الدين الأساسية ثلاثة: (علم العقيدة) ويُسمّى: (علم الإيمان) أو (علم أصول الدِّين) أو (علم التوحيد) أو (علم الكلام)، والخلاف في أصول هذا العلم خطير، لأنّه خلاف بين حق وضلال وسنة وبدعة، وفرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، والعلم الثاني (علم الشريعة) ويُسمّى: (علم الفقه) والخلاف فيه خلاف بين صواب وخطأ ولا يؤدي إلى فرقة وضلال والفرقة الناجية بالعقيدة الصائبة (أهل السنة والجماعة) لها مدارس متخصصة ضبطت الفقه وأصوله وعلومه (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، والعلم الثالث: علم التزكية ويسمّى: (علم الأخلاق) أو (علم السلوك) أو (التصوف) وهو طريق السالكين إلى الله وله مدارس متخصصة ضبطت السلوك وأصوله وعلومه.
[المفتاح الخامس]: موضوع علم الكلام السني: علم الكلام السني هو المرادف لعلم العقيدة، وعلم أصول الدين، ولذلك فإن المحور الأساس الذي تدور حوله أكثر مسائل علم الكلام السني هو أركان الإيمان الستة (الإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر)، وأهمها على الإطلاق الإيمان بالله تعالى ويدخل فيه تقديس ذاته وصفاته وأفعاله، والمباحث التي يهتم علم الكلام بتناولها:
(أ) يهتم علم الكلام بدراسة أركان الإيمان الستة (الإيمان بالله تعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر) على منهاج الكتاب والسنّة.
(ب) يهتم علم الكلام بكل مباحث علم التقديس وتنزيه ذات الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه، (ت) يهتم علم الكلام بكل مباحث علم التوحيد وتوحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، (ث) يهتم علم الكلام بمباحث السنّة والبدعة لحفظ أهل السنّة والجماعة من كل ابتداع يؤول بأحدهم إلى رؤوس الفرق الضالة، (ج) يهتم علم الكلام بكل مباحث علم العقيدة الإسلاميّة الحقّة (عقيدة أهل السنّة والجماعة الناجية) والدفاع عنها، مقابل آراء أهل البدع والشبهات، (ح) يهتم علم الكلام بكل المباحث التي تُظهر عوار الفرق الضالة التي حادت عن طريق أهل النجاة، وأصول تلك الفرق الضالة: الشيعة والخوارج والمعتزلة والحشوية والمرجئة، لأنّها أكثر الفرق الضالة أتباعا.
[المفتاح السادس]: مناهج الاستدلال على الاعتقاد في علم الكلام على منهاج أهل السنة والجماعة: تعتمد مناهج الاستدلال على الأدلّة والبراهين العقليّة والنقليّة لتقرير مذهب أهل السنّة والجماعة في كافة مباحث العقيدة، ويعملون العقل في فهم أدلة الكتاب والسنّة ويحملون المتشابه على أمهاته من المحكم، عملا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي المحكم: تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم واليقين والفقه في الدين، لأن المحكم أصل العلم، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وفي المتشابه: تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – صحيحا على لفظ الجلالة (اللَّهُ) أو على قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، على اختلاف طبيعة المتشابه، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
[المفتاح السابع]: الغاية من علم الكلام: معرفة عقائد أهل السنّة والجماعة الناجية ونشرها وإظهارها وتعليمها لأهل الإسلام، والدفاع عن العقيدة الصحيحة، والحفاظ على إيمان ومعتقدات أهل الإسلام، وعلم الكلام هو أهمّ وأبرز العلوم الإسلاميّة التي أخذت على عاتقها ومسؤوليّتها الدفاع عن الدين، وردّ الشبهات، ورفع الإشكالات، ودفع الاعتراضات، إنّ علم الكلام يتناول (الإيمان)، وضد الإيمان الكفر، ويتناول (التوحيد)، وضد التوحيد الشرك والخلود الأبدي في النار، وهو علم يتعلق بتقديس الله تعالى، وما كان كذلك كان لاشك أشرف العلوم وأهم العلوم، وأفضل العلوم، وكان مقدّماً على سائر العلوم، وسابقاً عليها، ولأجل هذا سماه السلف علم الفقه الأكبر، وسماه أهل التخصص علم أصول الدين وعلم العقيدة ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين، ويمكن إجمال فوائد هذا العلم العظيم في: معرفة أصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل و البرهان، والقدرة على إثبات قواعد العقائد بالدليل و الحجة، والقدرة على إبطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد، وبيان الإطار العام لأهل السنة والجماعة أهل الحق في العقائد، ومعرفة الفرق الضالة المستحقة الوعيد بالنار وإقامة الحجة عليهم
***
[الخطأ السادس]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خطأ الحشوية الوهابية في نفي المجاز مع انه من بلاغة القرآن
[المفتاح الأول]: القرآن هو المعجزة التي جاءت في زمن الفصاحة والبيان، تحدى بها الله تعالى بلغاء العرب وفصحائهم، فعجزا عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سوره الكريمة، مع أنّه نزل بلغتهم جاء على طرائقهم في البيان والكلام، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]، وقال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28]، وكل ما اشتملت عليه اللغة من البلاغة والفصاحة فقد جاء القرآن بأعلى ما اللغة من جمال وبيان، ومن ذلك (المجاز) الذي هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول: (ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما) أهـ ([178]) . وقال الزركشي: (لو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن) ([179]) .
وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط: (والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين) أهـ ([180]) .
وقال الشوكاني: (وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة) ([181]) .
[المفتاح الثاني]: القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، ومن أدلة القرآن الكريم على المجاز، قوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 93]، فلم نسمع عن شراب اسمه العجل، ولم نسمع عن قلوب تشرب، وإنما هو التعبير المجازي الذي يدل على أنّهم عبدوا العجل، وأنّ قلوبهم قد امتلأت بحب العجل كإله من دون الله، والمعنى المقصود وأشربوا في قلوبهم حب العجل بسبب كفرهم، وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72]، والعمى يُطلق في الحقيقة على البصر، فهل من كان أعمى البصر في الدُنيا يكون أعمى في الأخرة، وما ذنبه إن كان مؤمنا بالله، أم أنّ المعنى المقصود: من كان في الدُنيا أعمى البصيرة كان في الآخرة أعمى البصر جزاء كفره، وعلمنا ذلك بقرينة قوله تعالى: {وَأَضَلُّ سَبِيلًا}، فالضلال يُلازم عمى البصيرة ولا علاقة له بعمى البصر.
[المفتاح الثالث]: أنواع المجاز في القرآن: أنواع المجاز في القرآن كثيرة منها: المجاز العقلي، ومنه الإسنادُ إلى المكانِ، نحو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ}، فقد أسندَ الجريَ إلى الأنهار، وهي أمكنةٌ للمياهِ، وليستْ جاريةً بل الجاري ماؤُها وعلاقته الملابسة، ونحو {فما ربحت تجارتهم}، والتجارة لا تربح فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها، ونحو قوله تعالى {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا} نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببًا لها، وكقوله تعالى {يومًا يجعل الولدان شيبًا} نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه، وكقوله تعالى {فأمه هاوية} فاسم الأم الهاوية مجاز: أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع، ومنها المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ في ما وُضع لـه أولاً، وأنواعه كثيرة، منها: إطلاق اسم الكل على الجزء نحو {يجعلون أصابعهم في آذانهم}، أي أناملهم، وإطلاق الجزء على الكل نحو {ويبقى وجه ربك}، أي ذاته، وإطلاق اسم الخاص على العام نحو {إنا رسول رب العالمين}، أي رسولاه، وإطلاق اسم العام على الخاص نحو {ويستغفرون لمن في الأرض}، أي للمؤمنين !، وإطلاق اسم اللازم على الملزوم نحو {هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة}، أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له، وإطلاق المسبّب على السبب نحو {ينزل لكم من السماء رزقاً}، أي مطراً يتسبب عنه الرزق، وإطلاق السبب على المسبّب نحو {ما كانوا يستطيعون السمع}، أي القبول والعمل، وتسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو {وآتوا اليتامى أموالهم}، أي الذين كانوا يتامى، وتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه {إني أراني أعصر خمراً}، أي عنباً يؤول إلى الخمرية، وإطلاق اسم الحالّ على المحل نحو {ففي رحمة الله هم فيها خالدون}، أي في الجنة محل الرحمة، وإطلاق اسم المحل على الحالّ نحو {فليدع ناديه}، أي أهل ناديه،، وتسمية الشيء باسم آلته نحو {واجعل لي لسان صدق}، أي ثناءً لأن اللسان آلته، وتسمية الشيء باسم ضده نحو {فبشرهم بعذاب أليم}، والبشارة للخبر السار، وإضافة الفعل إلى ما لا يصح منه، تشبيهاً نحو {جداراً يريد أن ينقض}، وإطلاق الفعل والمراد مشارفته وإرادته {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}، أي أردتم القيام، {وإذا قرأت القرآن فاستعذْ}، أي أردت القراءة، ومنه قلب الإسناد نحو {ما إنَّ مفاتحه لتنؤ بالعصبة}، أي لتنوء العصبة بها، وهناك من المجاز: (الاستعارة) ويمكن تقسيمُ الاستعارة إلى تصريحية وإلى مكنية: فالاستعارةُ التصريحيةُ: هي ما صُرَّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ، كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، والصراطُ الطريقُ، فقد شبَّه الدينَ بالصراطِ بجامعِ التوصيل إلى الهدفِ في كلٍّ منهما وحذفَ المشبَّه وهو الإسلامُ وأبقى المشبَّهَ بهِ، وقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، فقد شبَّه الكفرَ بالظلماتِ والإيمانَ بالنورِ وحذفَ المشبَّه وأبقى المشبَّهَ به، والاستعارةُ المكنيَّةُ: هي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهَ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه، كقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، فقد شبَّه الذلَّ بالطائرِ، وحذف المشبَّه به ولكنْ رمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ وهو الجناحُ، فلم يذكر من أركانِ التشبيه إلا الذلَّ وهو المشبَّهُ، وهناك من المجاز (الكناية)، ومن أنواع الكناية: الكنايةٌ عن موصوفٍ: كقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} كناية عن السفينةِ والدسر هي المسامير، والكناية عن الصفة ومنه قوله تعالى: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} كناية عن الهيمنة والقدرة، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، كنايةٌ عن الربوبية والقهر وتمام القدرةِ، وقوةِ التمكُّنِ والاستيلاءِ، وقوله تعالى {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} كناية عن القدرة، والمجاز لو ذهبنا نتتبعه لوجدناه في أكثر القرآن، وهو قمة البلاغة في تقرير المعاني، ومنكر المجاز ظاهري جلد مكابر معاند للمعلوم من لغة العرب بالضرورة، وإلا فكيف نفهم قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، فهل القرية يأتيها رزقها أم أهل القرية، وهل للجوع لباس، وهل للخوف مذاق، أم أنّها بلاغة المجاز في تصوير حال الكافرين عندما أبدلهم الله تعالى الرزق والرغد بالجوع والأمن بالخوف، وقوله تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26]، فهل يستطيع أحد ان يخبرنا بطعم المخزي ومزاق الخزي في قوله تعالى: {فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ}، أم أنّه المجاز على بيان عاقبة التكذيب، ولو ذهبا نستطرد في ذكر المجاز في القرآن الكريم لما أسعفتنا المجلدات، ومن السخف والجهل باللغة والبلاغة والبيان إنكار المجاز من القرآن، نعم: هناك من كابر وأنكر المجاز في القرآن، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، وذلك محال على الله تعالى، وهذا من الجهل باللغة، فإنّ ” من قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما، والمجاز هو علم البيان بأجمعه، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة، لأن مجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، فالقرآن كتاب العربية الأكبر، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي، وبعده التشبيهي، ورصده الاستعاري، وتهذيبه الكنائي، وكل ما سبق من مفردات المجاز، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة، وليس الأمر كذلك، ثم نفي المجاز لا علاقة له بنفي الحقيقة، وهم يخلطون ما بين المجاز والحقيقة، وما نملك وقد حُرموا لذة الاستمتاع ببلاغة القرآن بسبب بدعتهم، ولهم بواعث لإنكار المجاز مريبة، لأن إنكار المجاز مكابرة، ولكن هناك بواعث كامنة دفعت هؤلاء إلى إنكار المجاز، منها:
(1) مناصرتهم لعقيدة الحشو أو التجسيم تعالى الله عما يقول: فهم بإنكارهم المجاز لسان حالهم يقول: إنهم لا يقصدون التجسيم ولكن ما حيلتهم والنصوص تفيد ذلك؟ فلابد من الإيمان بالوجه والعين واليد على ظاهر اللغة، ثم يخرجون من ذلك إلى أن جمهور الأمة المنزهين لله سبحانه لا يؤمنون بالقرآن ولا بالسنة !
(2): إبطالهم للتأويل الذي ينزه الله عن النقص والذي يحمل المتشابه على أمهاته من المحكم، وبالتالي يقوون مذاهبهم في الحشو التجسيم، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الرابع]: لقد أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن، وقد جاء هذا الانكار بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، وهذا من الجهل باللغة، فإنّ المجاز هو علم البيان بأجمعه، وهو أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة، ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، لقد وقف العرب عاجزين أمام حسّ القرآن المجازي، ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن الإضافات البيانية الاصيلة، كالكناية والتشبيه والاستعارات وأنواع المجاز وهذه الأبواب هي اصل البلاغة، التي كانت من عوامل اعجاز القرآن، وأما ما استدل به من أن المجاز كذب لأنه يُنفي فيصدق نفيه، فهذا مغالطة، لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة، فلا ينافي صدق إثبات المجاز، فلا علاقة للمجاز بنفي الصدق، إن وضوح المجاز أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنَّ المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، لقد أنكر الامام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المجاز في القرآن، وادعى ابن تيمية أنه لم يقل به احد من السلف، وقد نسي أن الأمام أحمد يقول به وقد اكد ذلك من الحنابلة أبو يعلى وابن عقيل وأبو الخطاب، وهم قائلون بالمجاز تبعا لإمامهم، ودعوى بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة مردودة، فلقد ثبت أن التأليف في مجاز اللغة كان في قرون السلف، وممن لهم رسالة في المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، كما أن لفظ (المجاز) مجرد مصطلح والمصطلحات غالبا ما تتأخر في الظهور عن موضوع العلم نفسه، وهذا في كل العلوم، وليس في علوم اللغة فحسب، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أشرف من استعمل المجاز عندما قال عن مآثر الجاهلية ((إنها موضوعة تحت قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم))، وعندما تاول عليه الصلاة والسلام الخيطين الابيض والأسود بالليل والنهار، وقوله صلى الله عليه وسلم ((كل ربا الجاهلية موضوع، وأول ما أضع ربا العباس))، وما أكثر تطبيقات علماء الأمة وعلى رأسهم الصحابة – على وابن مسعود وابن عباس وغيرهم – والتابعون وتابعو التابعين بعدهم، وعلماء الامة على ذلك، حتى قال الشوكاني انكار المجاز مكابرة، وقد ورد عن ابن عباس الحبر البحر، في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا)، وشرحه رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة)، وشرحه رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي وتفسيره رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، ومن استعمال التابعين للمجاز: ففي قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقوله تعالى {يوم يكشف عن ساق} قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد بن جبير: شدة الأمر، و قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) قال مجاهد (قبلة الله)، وقوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه) قال الضحاك وأبو عبيدة: (إلا هو)، وقوله تعالى: (وجاء ربك) قال الحسن البصري (مجيء أمره وقضائه)، وقوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال الحسن: في طاعة الله، ومن استعمال تابعي التابعين للمجاز: قول الإمام مالك بن أنس في شرح حديث النزول،: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ وقول الإمام أحمد في {وجاء ربك}، قال جاء ثوابه، ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه، وقول الإمام البخاري في قوله تعالى (كلّ شيء هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) وقول الإمام الطبري في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة.
[المفتاح الخامس]: ما هي بواعث ابن تيمية لإنكار المجاز؟:
(الباعث الاول) مناصرته لعقيدة التجسيم، تعالى الله عما يقول: فهو بإنكاره المجاز يريد أن يقول: إنه لا يقصد التجسيم ولا يريده ولكن ما حيلته والنصوص تفيد ذلك؟ فنصوص القرآن والسنة ذكرت الوجه واليدين والعينين والقدم والساق وهي على الحقيقة، والنزول وهو على حقيقته وألف فيه مجلد يهرف فيه بذكر الخلاف هل عند النزول يخلو العرش ام لا يخلو.
و(الباعث الثاني): زعمه قيام الحوادث بالذات الإلهي تعالى وتقدس عما يقول، لان النصوص ذكرت ما يدل على تجدد الارادة والعلم والسمع والبصر، ونفي المجاز يقوي بدعته، و(الباعث الثالث) أن يخرج من ذلك بمحصلة هي: أن جمهور الأمة السادة الأشاعرة المنزهين لله سبحانه مبتدعة ضالون معطلون للنصوص التي تدل على الوجه واليد والعين والساق، والخلاصة: أنّ القرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين، فما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، وأنّ من انكر المجاز لم ينكره لقناعة علمية وإنما لأسباب ضعيفة واهية وأهداف حشوية مزمنة وأجندة بدعية خطيرة نسأل الله السلامة.
***
[الخطأ السابع]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خطأ الوهابية في الاستدلال بالظنيات على معارضة القطعيات وجهلهم بمرتبة أخبار الآحاد الظنية ومدى الاستدلال بها على العقائد القطعية
[المفتاح الأول]: الاعتقاد هو التصديق الجازم الذي لا يقبل التشكيك، والعقيدة الصحيحة لا تقوم إلا على اليقين، ولا مدخل للظنون إلى العقائد، وإنّ من أهم شروط الاعتقاد الصحيح أن يكون قائما على اليقين الجازم، لا على الظن والتخمين، ولهذا قرر علماء الأصول أنّ الاعتقاد الصحيح يجب أن يُسلَك فيه مسالك اليقين، ولا يؤْخَذ إلا من دليل قطعي، ولا يجوز أن تُؤْخَذ من دليل ظني، فغير الدليل القطعي لا يصح بناء العقيدة عليه، بل يستحيل عقلا، لأن الاعتقاد جَزْم لا يقبل التردد، فإذا بُنِي على ما يحتمل الخطأ مهما قلّ الاحتمال لم يكن اعتقاداً أصلا، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15].
[المفتاح الثاني]: هناك فارق كبير بين الأمور العقائدية والأمور العملية، فالأمور العملية قد تصح بناء على دليل ظني، ولهذا قرر علماء الأصول بجواز العمل بالحديث الضعيف وخصه أكثرهم بفضائل الأعمال، لا في مجال التحليل والتحريم، أمّا أمور العقائد التي يكون الخلاف فيها بين حق وضلال وبين سنّة وبدعة فالأمر مختلف، فلا يُقبل لبناء العقيدة إلا الدليل القطعي سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة، ولهذا فمن أعظم الحشو والزلل في أصول العقيدة أن تُبنى على دليل ظني سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة.
[المفتاح الثالث]: تختلف الأدلة في قوة ورودها إلينا باختلاف طرق نقلها، وتشتمل قسمين رئيسين: الأول: (المتواتر)، وهو: الخبر الذي يرويه جمع، يؤمن من تواطئهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، ويفيد هذا الخبر العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إلى التصديق به والعمل به من غير بحث عن رجاله مطلقا، وهو نوعان الخبر المتواتر اللفظي، والخبر المتواتر المعنوي، وكلاهما يفيد القطع بوروده من طريق لا يتطرق إليه الشك، وهو ما يعبر عنه عند علماء الأصول بقطعي الورود، والخبر المتواتر اللفظي: هو الخبر الذي تواتر لفظه ومعناه بأن رواه جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب مطلقا، فالقرآن لا يقبل من غير التواتر اللفظي، والحديث فيه من المتواتر اللفظي، وفيه من المتواتر المعنوي وفيه أيضاً خبر الآحاد، والحديث المتواتر اللفظي ومثاله ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) ([182]) .
فهذا الحديث رواه جمع من الصحابة باللفظ، وعنهم جماعة من التابعين، وعنهم جماعة من تابعي تابعهم باللفظ والمعنى كليهما، وهناك الخبر المتواتر المعنوي: وهو الحديث الذي تواتر معناه دون لفظه بأن روى معناه جمع يستحيل تواطؤهم في العادة على الكذب، ومنه أحاديث المسح على الخفين مثلا، فقد ورد في جواز ذلك من الأخبار الواردة عن الصحابة نحو سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول وفعل، والتواتر اللفظي تُفيد ألفاظه التواتر، ويمكن الاستدلال بها كألفاظ، والتواتر المعنوي يُفيد بمعناه العام لا بألفاظه التواتر، والتواتر بنوعيه اللفظي والمعنوي يفيد دليلا قطعي الورود كل بحسب نوع تواتره، والقسم الثاني: (خبر الآحاد): وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحد أو اثنان ما لم يبلغ حد التواتر وروى عن ذلك الراوي مثله وهكذا حتى وصلنا بسند طبقات آحاد لا جموع التواتر، وهو ظني الورود لأنّه يمكن للشكوك أن تحوم حول طرق ورود خبر الآحاد، وما احتمل الشكوك فهو ظني الورود.
[المفتاح الرابع]: خبر الآحاد ظني الثبوت لأنّ الواحد لا يؤمن عليه الخطأ ولا الوهم ولا النسيان، هذا إن ضمنا صدقه وعدالته وضبطه وحفظه، فربما روى بالمعنى وربما اختلط عليه لفظ، وقد ثبت في الحديث المتفق عليه أن ذا اليدين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى الظهر أو العصر ركعتين: ” يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ ! فقال له: لم أنس ولم تقصر ثم قال للناس: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم،،)([183]) .
فإنه لما قال ذو اليدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أنسيت أم قصرت الصلاة) أفاد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الظن لاحتمال الوهم والخطأ على ذي اليدين مع كونه راويا عدلا ضابطا ثقة وهو صحابي، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فلما صدقوا خبر ذي اليدين وهم عدد التواتر تحقق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وأفاد العلم، ومما يدل على كون حديث الآحاد يفيد الظن لا اليقين: رد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديث ” تعذيب الميت ببكاء أهله عليه “، والحديث متفق عليه، وردت رضي الله عنها على من قال أو روى أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه وهو ابن عباس رضي الله عنه وغيره، والحديث في صحيح مسلم، ([184]) .
وأنكرت رضي الله عنها على أبي هريرة في حديث: ” الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس ” روى أبو داود الطيالسي ، فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنّه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قاتل الله اليهود يقولون إن الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس سمع آخر الحديث ([185]) .
ولم يسمع أوله،، وكان أبو بكر الصديق يحتاط في قبول أخبار الآحاد، كما في ميراث الجدة، فقال المغيرة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ ! فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه أبو بكر رضي الله عنه ” اه ([186]) .
وعمر رضي الله عنه هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وكان يتوقف في خبر الواحد حتى يتبين، كما في خبر استئذان أبي موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ ! قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع)، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لافعلن بك، فلم يتركه حتى شهد معه صحابي آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، إذن ليس هناك في الأمة أصدق من الصحابة ولا أحفظ منهم ولا أفهم منهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك تثبتوا في خبر الآحاد بينهم، وكذلك ما أكثر ما اختلف الرواة في الفاظ الحديث الواحد والواقعة الواحدة والدارسون لعلم متن الحديث يعلمون ذلك جيدا، وذلك لأنّ الكثير من ديوان السنّة روي بالمعنى، وهذا ما حدا بأهل النحو بمنع الاستدلال على وجوه الإعراب من الحديث لأنّ فيه ما أصابه الوهم والخطأ والنسيان، وفيه ما روي بالمعنى، نعم لقد حفظ الله تعالى السنّة، ولكنّها درجات، فمنها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف، ومنها ما هو متواتر لفظا ومعنى، ومنه ما هو متواتر لفظا، ومنه ما هو حديث آحاد لا يبلغ حد التواتر، لآحاد مهما بلغت قوته فهو ظني الثبوت، وأصول العقائد لا تُبنى إلا على القطعي الثبوت والقطعي الدلالة.
[المفتاح الخامس]: القضية العقائدية التي يبنيها أهل الحشو على لفظة ظنية في حديث آحاد، إذا كانت تُخالف القطعي من الدين فلا يصح أن تقوم على دليل ظني كخبر الآحاد منفردا، وهذا التدقيق وهذا الفقه في دين الله تعالى، وليس معناه التشكيك في خبر الآحاد، وليس معناه الحط من قيمته العلمية، وإنما هو الميزان العدل الذي يعطي كل شيء قدره دون زيادة ولا نقصان، وهو هو القول الرصين الراسخ في العلم والذي يثبت العقيدة ويحميها من كل تناقض أو خلل، وينقيها من كل حشو أو بدعة أو ضلالة، ويجعلها في مأمن من الانحراف والزلل، ومن فضل الله تعالى على أهل السنّة والجماعة أنّه لا توجد قضايا عقدية أساسية انفرد الدليل الظني بإثباتها وليس لها أصلٌ في القرآن الكريم أو السنة المتواترة، سواء أكان تواترًا لفظيًّا أم معنويًّا، فإذا ثبت أصلُ القضية العقدية بالقرآن الكريم أو السنة المتواترة فتقبل أخبار الآحاد الصحيحة في تفاصيلها وفروعها.
[المفتاح السادس]: عدم الأخذ بخبر الواحد في إثبات القضية العقائدية إذا كانت تُخالف القطعي من الدين منفرداً، ليس معناه إنكاره، أو عدم العمل به، وإنما يعني عدم القطع والجزم به في إثبات قضايا العقائد لاسيما التي ظهر فيها الخلاف، فما بالنا بما يُخالف منها العقل الصريح الذي دل على صحته محكم الكتاب، فهذه لا ينبغي أن يكون الدليل الظني ومنه خبر الآحاد دليلا قطعيا في المسألة إذ الظني محال أن يدل بمفرده على القطع في قضية معينه، أضف إلى ذلك أن أخبار الآحاد تخضع للاجتهاد من قبل المتخصصين في علم الحديث في الحكم عليها من حيث الصحة والضعف، وهذه الأمور الاجتهادية تخضع للاتفاق والاختلاف وعلماء الحديث يختلفون في التصحيح و التضعيف بناء على اختلافهم في الشروط التي يضعونها للحكم بصحة الحديث، وبناء على اختلافهم في الحكم على رجال الحديث، كما أنّ منهم المتشددين ومنهم من عُرف بالتساهل، وكذلك فإنه قد يختلف علماء الحديث في الحكم باتصال السند، وفي الحكم بالشذوذ أو النكارة على بعض نصوص الحديث، بل يختلف حكم العالم الواحد فيُجِّرح مَن سبق منه تعديله أو يعكس.
وعلى ذلك فإننا نرى العلماء كثيرا ما يحكمون على بعض الأحاديث بالصحة لتوافر شروط الصحة فيها عندهم، ثم يجدون بعض العلل التي تقدح في صحة ذلك الحديث فيحكمون عليه بما تقتضيه تلك العلة القادحة، وقد يُضعفَّون بعض الأحاديث لعدم توافر شروط الصحة فيها، ثم يجدون ما يقويها، فيحكمون بصحتها وهكذا، وإذا كان الحكم بتصحيح أي حديث من الآحاد أمرا اجتهاديا، ويحتمل أن يكون بخلاف ذلك، فلا يجوز القطع بدلالة ما دل عليه، ومن ادعى غير ذلك فهو معاند للواقع، وقد اتفقت المذاهب الفقهية – إلا أقوال شاذة غير معتد بها في المذاهب الفقهية كلها تنص على أن خبر الآحاد يفيد الظن لعدم عصمة الرواة من النسيان أو الوهم أو الخطأ أو الرواية بالمعنى.
ويمكنني القول بكل يقين أن علماء أهل السنة والجماعة سواء الفقهاء أو أهل الأصول الراسخون غي العلم: نصوا على أن حديث الآحاد يفيد الظن وأن الحديث المتواتر يفيد العلم، وعلى ذلك فلو عارض حديث الآحاد نص القرآن أو حديث متواتر أو أجماع أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة أسقط الاحتجاج بخبر الآحاد لمعارضته لما يفيد القطع والعلم.
ويمكنني القول بكل يقين: أن خبر الآحاد مقبول عند أهل السنّة والجماعة، معمول به في جميع الابواب حتى في أبواب العقيدة فبه يثبت أهل السنّة والجماعة الكثير من علامات الساعة والحساب والحشر والموازيين والسراط، ولكنهم يتوقفون في قبوله إذا عارض نص القرآن أو حديث متواتر أو أجماع أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة، فإنهم يسقطون الاحتجاج بخبر الآحاد لمعارضته لما يفيد القطع والعلم واليقين، وهو لا يزال دليل ظني، لأنّ الآحاد مهما ضمنا صدقهم لا يؤمن عليهم الخطأ ولا الوهم ولا النسيان، وربما روى أحدهم بالمعنى وربما اختلط عليه لفظ، وهكذا، فإنه لا يُعصم من ذلك إلا الأنبياء المعصومين.
ويمكنني القول بكل يقين: أن علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقيدة من مدارسهم الثلاث: يقولون: حديث الآحاد مقبول غير مردود يفيد العمل في جميع الابواب الفقهية ويفيد العلم الظني في قضايا الاعتقاد التي لا معارض لها من القرآن أو السنة أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة، فإنهم يسقطون الاحتجاج بخبر الآحاد لمعارضته آنذاك لما يفيد القطع والعلم واليقين.
ويمكنني القول بكل يقين: أنه مما سبق نعلم خطأ أهل الحشو الجسيم في توسعهم في اثبات أصول العقيدة بخبر الآحاد دون التنبه إلى خطر ذلك في حشو العقيدة بكل ما لا يليق بها مما ملئوا به كتبهم من أصول عقائدهم الباطلة، قال الإمام النووي: “فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها، ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل”، إلى أن قال: وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم، وقال بعضهم: يوجب العلم الظاهر دون الباطن، وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة”، إلى أن قال: “وأما مَن قال يوجب العلم، فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟ والله أعلم) أهــ ([187]) .
***
[الخطأ الثامن]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خطأ الحشوية الوهابية في جمع المفرق من المتشابهات
ابتغاء الفتنة وتقوية الشبهة واعتقاد البدعة
[المفتاح الأول]: هدي السلف الصالح في معاملة المتشابه: هناك مسلكان صحيحان ثابتان عن للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، (المسلك الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، و(المسلك الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، والمسلك الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: وهي النصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد كالاستواء، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و مما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج، مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع، وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، وفي بيان دقة هذا المنهج وتورعه وبيان أهم الأسس والضوابط التي يقوم عليها هذا المنهج العظيم.
[المفتاح الثاني]: يقول الدكتور عبد الحليم محمود في بيان مذهب السلف في معاملة المتشابهات: ” (1) إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار: إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها، فإذا سمع كلمة الصورة: مثلا في قوله، صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد التي هي أجسام، وهى لحوم العظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه، وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاته…
(2) ويجب عليه الايمان والتصديق: وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته..
(3) ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب، وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق.
(4) وبالسؤال عن هذه الأمور يتعرض الإنسان لما لا يطيقه، وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام “الغزالي” أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس، ونفي التشبيه.
(5) ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر..
(6) ويجب الاحتراز عن التصرف: فلا تقول في قوله تعالى:(استوى) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة.
(7) ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد: لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية.
(8) ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى. (9) وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور.. وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي – هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ” ([188]) .
[المفتاح الثالث]: لقد أخطأت الحشوية الوهابية في جمع المفرق من المتشابهات لتقوية الشبهة واعتقاد البدعة، فألفوا مؤلفات نسبوها إلى السنّة وإلى التوحيد – وهي منهما برآء – بل هي كتب الحشو والتدليس والتجسيم، فصنعوا أبواباً، جمعوا المتشابهات ابتغاء الفتنة ولتقوية الشبهة واعتقاد البدعة، فكانوا يقولون باب ” الوجه “، باب ” العين “، باب ” اليد “، باب ” اليمين “، باب ” الأصابع “، باب ” الساق “، باب ” القدم “، باب ” الجنب “، باب ” الصورة “، وهكذا يسردون في تلك الأبواب سائر الأخبار التي توهم الجارحة والجزء والبعض والتشبيه والتجسيم في قلوب العوام، ويقولون: باب ” الاستواء على العرش “، باب ” الفوقية ” ويقصدون بها الفوقية الحسية على العرش، مع أن الله تعالى يخاطبهم بقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، وقوله تعالى {فإني قريب}، ولم لا تكون فوقية الرتبة كما في القرآن {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}، ولم تركب القبط على صدور بني إسرائيل، الشاهد: باب ” الفوقية ” ويقصدون بها الفوقية الحسية على العرش، باب ” الكون في السماء “، باب ” المجيء “، باب: ” الهرولة “، باب ” الضحك “، وهكذا يسردون في تلك الأبواب سائر الأخبار التي توهم الحد والنهاية والكون في المكان والحركة والسكون والتغير والحدوث، والتكيف بالكيفيات النفسية التي تعتري الإنسان مما يوجب التغير والحدوث وقبول الحوادث والمتغيرات وغيرها من طامات مذاهب الحشو والتجسيم، وقد أدى جمع المفرق من المتشابهات إلى تقوية الشبهة واعتقاد البدعة، أمّا هدي السلف الصالح وأتباعهم من أهل السنّة والجماعة في معاملة المتشابه فقد تقدم ويتمثل في: أنّه لا يجوز تتبع المتشابهات، أو الجمع بين الألفاظ المتشابهة في مكان واحد، لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل.
***
[الخطأ التاسع]
من المفاهيم الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة خطأ الحشوية الوهابية في الاستدلال بالموضوع والضعيف على العقيدة مع انه لا يُقبل فيها إلا الصحيح
[المفتاح الأول]: إنّ من أهم أغلاط الحشوية في باب العقيدة أنّهم استدلوا على بعض عقائدهم الفاسدة بالموضوع والضعيف والاسرائيليات، ولم يفرقوا في ذلك بين الصحيح والضعيف، وقد فضحهم بذلك العلامة ابن الجوزي في مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، فقال رحمه الله: ” وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: إلى أن قال: (الرابع): أنهم لم يقرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ” ينزل إلى السماء الدنيا ” وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا…، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الامام إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد ” أهــ ([189]) .
ومن أمثلة تلك الكتب الحشوية المشبوهة والتي عنيت بجمع الموضوع والضعيف والاسرائيليات في باب العقيدة: كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد كلاهما لعثمان بن سعيد الدارمي الحشوي الجاهل بعلم التقديس، أما كتاب الرد على الجهمية، فقد احتج فيه بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه،، أما كتابه الآخر: نقض عثمان بن سعيد على المريسي: زاد فيه إثباتَ الحركة لله عز وجل، وفيه إثباتُ الحد، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، ومثاله أيضا: كتاب التوحيد لابن خزيمة وفيه أبواب عناوينها: ” إثبات الأصابع لله عز وجل “، وباب ” في إثبات القدم “، ونحو ذلك وساق في الكتاب متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، في اثبات أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك مما ساقه من اخبار واهية، وكتاب السنّة المنسوب إلى عبد الله بن أحمد وفي نسبته إليه شك كبير لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، وفي هذا الكتاب: وصف الله عز وجل بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه، وكتاب السنة لابن أبي عاصم، وقد ملأ كتابه بالكثير من الأخبار المنكرة والمتشابهات المضلة، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، مع أنّ أخص معاني الأحدية منع الانقسام والتجزؤ على جناب الذات الإلهي، وفيه أن العرش يئط به من ثقله، مع ان كل ما له ثقل فهو جسم مخلوق له خالق خصصه على ذلك الحجم والمقدار، وفيه أنه سبحانه يقعد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك، وكتاب الإبانة لابن بطة، وهو أحد المتهمين بالوضع وحكِّ الكتبِ وكتابه الإبانة كله مبني على الحشو والتكييف، ومن ذلك: باب الإيمان بأن الله عز وجل يضحك، باب الإيمان بالتعجب وقالت الجهمية: إن الله لا يعجب، باب الإيمان بأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم على صورته، باب التصديق والإيمان بما روي أن الله يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، باب الإيمان بما روي أن الله عز وجل يقبض الأرض بيده، ويطوي السماوات بيمينه، باب الإيمان بأن لله عز وجل يدين، وكلتا يديه يمينان، باب الإيمان بأن الله عز وجل خلق آدم بيده، وجنة عدن بيده، وهكذا أكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات تعالى وتقدس، وكتاب التوحيد لابن مندة، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من الأخبار التالفة، وكتاب السنة للخلال، وقد أطال فيه في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم، وكتاب الأربعين في دلائل التوحيد للهروي الجاهل بعلم التقديس والتنزيه، وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، وككتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وفيه أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء، وكتاب الصفات المنسوب للدارقطني، ولا تصح نسبته إليه لأن في سنده إليه أبو العز بن كادش الوضاع، والعشاري الذي يروي الأباطيل، فأمّا أبو العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) قال الذهبي في ترجمته: (أقر بوضع حديث وتاب وأناب) ([190]).فقد تجرأ على وضع حديث ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يتجرأ بالكذب على الدارقطني، وأما العشاري قال الذهبي في ترجمته: (والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([191]). وفي هذا الكتاب المنسوب للدارقطني أبواب في إثبات القدمين، وأن الكرسي موضع القدمين، وأن للعرش أطيط من ثقل الرحمن، وأن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ونحو ذلك، وكتاب إبطال التأويلات لأبي يعلى الفراء، وفيه طامات: أهونها أنه أثبت قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله، وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وأما كتابه ابطال التأويلات ففيه طامات: أهونها أنه أثبت (قعود النبي صلى الله عليه وسلم على العرش مع الله) !! وأن هذا هو المقام المحمود الذي وعده به ربه، وأن من لم يؤمن بذلك فهو من الفرق الهالكة، وذكر في ذلك روايات، و كل تلك الروايات موضوعة، ثم قال أبو يعلى الفراء معتمدا على الروايات الموضوعة: ((فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)) اهـ،([192]). بل ونقل أبو يعلى عن بعضهم تكفير منكر ذلك !!، ، وأثبت (الاستلقاء والاتكاء والقعود، ورفع إحدى الرجلين على الأخرى) !! وذكر في ذلك رواية موضوعة: ((إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر)) ([193]).
وذكر عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا: ((هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى)) اهـ !!، وقد أثبت أبو يعلى بهذا وذاك وغيره من الباطل صفات لله تعالى وتقدس عن إفكه فقال: ((اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء: منها جواز إطلاق الاستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة بل على صفة لا نعقل معناها، وأن له رجلين كما له يدان، وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفة لا نعقلها)) اهـ([194]).
ثم لم يهدأ حتى وصف الله تعالى بأنه في صورة (شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب) !! وكتب في ذلك صفحات كثيرة من الكتاب ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وكلها روايات موضوعة، ونقل أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، ثم قال أبو يعلى في 1/146: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش،)) اهـ([195]). فهذه بعض مخازي أبي يعلى الفراء، كما أثبت (التدلي) !! بقوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على أن المتدلي هو الله !! فقال ((فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى)) اهـ ([196]). يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت، ولم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله، ([197]).
ولم يتورع عن اتبات صفات بكلام اليهود، فذكر في عن كعب الأحبار أنه قال: ((إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واط على بعضك، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه)) اهـ، ([198]).
والمحقق يقول: ((الخبر من الإسرائيليات)) اهـ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا، ولأن أبو يعلى حشوي جلد، فإنه مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في رواية (إن الله يدني العبد يوم القيامة) فيقول: ((المراد من دنوه الدنو من الذات)) ! ([199]). ويذكر: ((نزول ذاته)) !! تعالى وتقدس، يستدل لذلك بخبر موضوع: ((إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته)) ! ([200]). ويذكر: ((هبوط الذات)) !!، و ((الدنو والقرب من الذات)) !! ([201]) و((فأما التجلي فهو راجع إلى الذات)) !!، ثم أثبت الذراعين والصدر) !! ([202]). برواية مكذوبة باطلة، نصها: ((خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)) !! ([203]).
ثم قال: ((الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)) اهـ !! فأثبت الذراعين والصدر والنور صفات، وأثبت (الفخذ والأمام والخلف لله) سبحانه وتعالى عن حشو المجسمة) !!!! برواية باطلة: ((إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي)) اهـ، ([204]).
ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: ((إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)) اهـ، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)) اهـ !!!، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، جعل الفخذ صفة لله تعالى وتقدس، والفخذ من العورة في شريعة الإسلام، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم أثبت (الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها) !! بروايات لا يثبت بها شيء حتى في الوضوء، فأثبت الإبهام صفة لله مستدلا برواية منكرة باطلة: ((أوحى الله إلى داود: ارفع رأسك فقد غفرت لك، ومحوت خطيئتك بإبهام يميني)) اهـ !!، ([205]). ثم قال أبو يعلى متحذلقا: ((وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام،)) اهـ، وقال في خبر تالف باطل. ((الخبر على ظاهره في إثبات الأصابع والسبابة والتي تليها)) اهـ، ([206]) ويقول في ((، الخنصر وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته)) اهـ([207]).
ثم أثبت (اللهوات والأضراس) !! صفاتا لله، ففي يذكر أبو يعلى خبرا باطلا نصه: ((يضحك الله، حتى بدت لهواته وأضراسه)) اهـ([208]). ثم يقول: ((لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناها)) اهـ،([209]).
ولم يكتف بذلك حتى أثبت (الملل) !! صفة لله،برواية: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)) فأثبت الملل له تعالى صفة، ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل لا على معنى السآمة والاستثقال،)) اهـ !! ([210]). وأثبت (الفم) !! بأثر باطل ((كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) اهـ([211]).
ثم قال: ((اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه)) اهـ !! وأنه: ((صفة قد ورد الخبر بها)) اهـ !!، وأثبت (الجنب) !! صفة لله فقال ((وأما قوله تعالى: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه)) اهـ ([212]).
،ثم أثبت (الهجو والاستهزاء والسخرية) !! من جملة الصفات وقال: ((واعلم أنه غير ممتنع على أصولنا إطلاق الهجو عليه سبحانه، وكذلك الاستهزاء والسخرية)) اهـ !! ([213]).
وعند إثبات الساق أورد روايات موضوعة مآلها كلها إلى التجسيم والعياذ بالله، وقد تقدم بيان تأويل الحبر ر ضي الله عنهما للساق بالشدة، ولكن انظروا لروايات الفراء، أورد أبو يعلى في كتابه من طريق مقاتل بن سليمان قال: ((قال عبدالله بن مسعود في قوله عز وجل: (يوم يكشف عن ساق) يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، يعني نور ساقه اليمين)) اهـ !! ([214]).
والرواية حتى أهل الحشو المعاصر لا يقبلونها فقد قال محقق الكتاب وهو حشوي مثله: ((إسناده ضعيف جدا، ومقاتل بن سليمان متهم ورمي بالتجسيم)) اهـ، ثم لم يتورع حتى أسند رواية إلى الجن بأن الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض كان مستقرا على الحوت ([215]).وهو الذي قال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد، ما لفظه: ((لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة)) اهـ ([216]) .
كما في (دفع شبه التشبيه) لابن الجوزي وقال الحافظ أبي الفرج عبدالرحمن بن الجوزي الحنبلي في مقدمة كتابه (دفع شبه التشبيه بأكف التنـزيه) ((ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبدالله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني، فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس فسمعوا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه الصلاة والسلام على صورته فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين، وفما ولهوات وأضراسا، وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس !! وقالوا: يجوز أن يَمَسَّ ويُمَسَّ !! ويدني العبد من ذاته وقال بعضهم: ويتنفس، ثم إنهم يرضون العوام بقولهم: لا كما يُعقل !،،)) اهـ، ([217]) .
وقال في آخر الكتاب: ((ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا: ليس هذا المذهب، قلت: ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد، ونفيت عنه كذب المنقولات، وهذيان المقولات، غير مقلد فيما أعتقده،،)) اهـ ([218]) .
وبعد فهذه أمثلة لكتب الحشو التي جُمعت فيها الأخبار المتشابهة والمتونُ المنكرة في ما يسمونه كتبَ التوحيد والسنةَ والردَ على الجهمية، وهي في حقيقة الأمر كتب الجهل بما يلزم من التقديس والتنزيه لذات الله تعالى وتقدس، وهي كتب الحشو والبدعة والتجسيم،
***
[الخطأ العاشر]
خطأ الوهابية في عدم احترام مدارس التخصص العقائدي
المتمثل في مذاهب (الأثرية والأشاعرة والماتريدية)
تلك المدارس المؤصلة على منهاج أهل السنّة والجماعة
[المفتاح الأول]: دين الإسلام يدعو إلى التخصص وإلى احترام التخصص: قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 12].
وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، واحترام التخصص العلمي والرد إلى المدارس المتخصصة في علوم الإسلام واجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ، وواجب يحتمه العقل السديد، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه.
[المفتاح الثاني]: إن الخطوة العملية الصحيحة الأولى نحو تصحيح المسار العلمي هي: احترام التخصص العلمي الذي يؤدى حتماً إلى تقارب الصفوف وتكاملها، ومعرفة المدارس العلمية المتخصصة في أبواب العلم على منهاج أهل السنّة والجماعة، وتحديد المرجعية العلمية إليها دون غيرها، ورد الأمور المتنازع عليها إلى الكتاب والسنّة بفهم المدارس العلمية للمتخصصة في علوم الدين على منهاج أهل السنّة والجماعة فنأخذ بما اتفقت عليه من أصول العلم ومحكماته، ويسعنا ما وسعها من الاختلاف.
أمّا تقديم مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية فهو أخطر الخطر لأنّ ذلك سيؤدي حتماً إلى الخلل والتنازع والاختلاف، فإنّ العلوم الإسلامية ما أوسعها وما أكثر تخصصاتها، ولهذا ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن، وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح، وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وكان من ثمرة التخصص في العقيدة بعد ظهور الأئمة الثلاثة وتتلمذ العلماء على أيديهم نشأة ثلاث مدارس متخصصة في الأصول على منهاج أهل السنّة والجماعة لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف في عمق التاريخ الإسلامي، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية.
[المفتاح الثالث]: المصائب العلمية الناشئة عن عدم احترام التخصص: عندما يفتي المحدث الغير دارس للفقه فيما يتعلق بمسائل الفقه والحلال والحرام يحدث الخلل، وتأتينا المصائب، وعندما يحكم الفقيه الغير دارس لعلوم الحديث على مدى صحة حديث ما يحدث الخطأ، وعندما يتكلم الفقيه أو المحدث الغير دارس لقواعد التقديس والتوحيد في ذات الله تعالى وصفاته، تأتينا المصائب والكوارث ويحدث الخلل وننسب إلى الله تعالى ما لا يجوز نسبته إلى الله، والعالم الرباني هو الذي يجمع أصول كل علم من تلك العلوم متطفلاً على المتخصصين فيه، فيحرز نفسه من الوقوع في الخطأ، ثم يتخصص في المجال الذي يحب.
أما ما نراه اليوم من الفوضى العلمية، فنجد الرجل الموسوعة الذي يفتي في الحديث على أنّه حامل لواء التصحيح والتضعيف، ويفتى في الفقه على أنّه الفقيه بالكتاب والسنّة، ثم هو نفسه يهجم على المتخصصين في العقيدة، فيبدع مدارس برمتها ولا يعلم المسكين أنّهم المتخصصون في علمهم وأهل الخبرة فيه، وأنّ ما ألجأهم إلى موقفهم هو التوفيق بين النصوص والفقه في دين الله تعالى وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، ويظن المغرور أنّ الله تعالى اصطفاه على أولئك الأصفياء، وآتاه من العلم ما لم يؤتهم، ولا يعلم المفتون أنّ الشيطان قد لبس عليه دينه ودخل عليه من باب التهجم على أهل الاختصاص من العلم، ولا يعلم المسكين أنّهم سواد علماء الأمة المدافعون عن عقيدة أهل السنة والجماعة القائمون على ثغورها، ولا يعلم المسكين أنّ في تبديعهم خروجه هو عن إطار أهل السنّة والجماعة، ولا يعلم المسكين أنّهم الخبراء في علمهم الذي أفنوا أعمارهم فيه، إنّ منشأ ذلك كله إنما من جراء عدم احترام التخصص والمتخصصين على مر عصور الإسلام، ولو احترم تخصصهم لتتلمذ على أيديهم يُعلمونه قواعد علمهم وأصوله.
[المفتاح الرابع]: المرجعية العلمية الصحيحة الواحدة التي ترفع الخلاف بين طوائف أهل السنّة والجماعة هي مرجعية الرد إلى مدارس العلم المتخصصة على منهاج أهل السنّة والجماعة: هناك بحمد الله تعالى آيتان في كتاب الله تعالى يرتفع بهما الخلاف – إن فهمناهما الفهم الصحيح، الآية الأولى، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، والآية الثانية، قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].
فالآية الأولى: أوضحت أنّ المرجعية الأساسية عند النزاع والخلاف هي الكتاب والسنّة، ولما كانت الأفهام قد تختلف أيضا في فهم أدلة الكتاب والسنّة، أوضحت الآية الثانية من الذين يحق الرجوع إلى أفهامهم للكتاب والسنّة ألا وهم العلماء المتخصصون، ونحمد الله تعالى أنّ جعل خصيصة لأهل السنّة والجماعة الناجية لا يُشاركهم فيها أحد من الفرق الإسلامية الأخرى ألا وهو التخصص العلمي ووجود المذاهب العلمية المتخصصة.
وقد استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، والثانية: الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، والثالثة: الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة.
واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تؤصل، ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، ولهم في التزكية والأخلاق والتصوف طرق ومدارس على منهاج أهل السنّة والجماعة، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم، وتشمل مرجعيتهم تلك المدارس العلمية المؤصلة، فنأخذ ما اجتمعت عليه المدارس العلمية السنّية رأيا واحدا لا نرضى له بديلا ولا نلتفت إلى غيره، ويسعنا ما وسعهم من الاختلاف في الامور الاجتهادية والفرعيات الدقيقة التي تخضع للوجوه المتعددة والاحتمالات المختلفة، وتلك الامور يستحيل جمع الناس فيها على قول واحد لاحتمالات النصوص واختلاف المدارك بين العلماء.
[المفتاح الخامس]: يرى الوهابية أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية الاخرى – والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية.
[المفتاح السادس]: الخطأ العلمي القائم على احتكار المتسلفة لمصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء الإمام ابن تيمية، وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
ونقطة مهمة ألا وهي: لقد اساء هؤلاء فهم الخيرية المنصوص عليها في احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لانهم ظنوا أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي او فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرن التالي لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، ومع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
[المفتاح السابع]: الخطأ والخطر والحذر كل الحذر من تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، وهم أعلم الناس بدين الله عز وجل وأرسخ الناس إحاطة بعلومه وجوانبه وأقل الناس تكلفا في أمره وأبعد الناس غلوا في فهمه أو تفريطا في القيام بجوانبه، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم فإنهم كانوا على الهدى القويم والصراط المستقيم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن هناك نقاط لابد وأن توضع على الحروف عند تناول هذا الأمر.
(النقطة الأولى): تتمثل في أنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى ابن تيمية انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى فينبغي مناقشة آراء ابن تيمية لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
و(النقطة الثانية): تتمثل في أنّ دعوى السلفية المعاصرة تنتسب إلى محمد بن عبد الوهاب انتسابا لصيقا لأنّه المؤسس لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، وهو قد أحال أغلب آرائه إلى ابن تيمية ثم أضاف أشياء وآراء واجتهادات ينبغي مناقشتها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
و(النقطة الثالثة): تتمثل في تقييم مدى أصالة المدرسة السلفية المعاصرة، وبناءً على تلك النقاط ودراستها وتمحيصها يمكننا تقييم دعوى طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية.
وعلى سبيل الاجمال والتذكير فــ [النقطة الأولى]: ابن تيمية رحمه الله تعالى: لم يكن معصوماً، ولم يجمع كل علوم الإسلام، وهذا غير متيسر لأحد، ولم يكن متخصصاً تخصصاً دقيقاً في أحد علوم الإسلام بحيث يُشار إليه فيه بالبنان، ومع ذلك لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، ولكن كانت تنقصه في غالب الأحيان دقة المتخصصين في ذلك العلم، كما أنّه ذهل ذهولاً شديداً عن علم التقديس، ولم يستطع هضمه، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن أهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم، فأدخل الحشوية في إطار أهل السنّة، وأثنى على مؤلفاتهم، وفي المقابل صال وجال على علماء الأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة، كما أنّه ذهل عن حمل المتشابه على المحكم في أبواب الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، كما يفعل المتخصصون، فصال وجال في باب الاسماء والاحكام بأخطاء آلت بمتبعيه إلى الغلو والخلل في جميع تلك الأبواب.
و[النقطة الثانية]: تقييم مذهب محمد بن عبد الوهاب في شتى أقسام العلم لمعرفة مدي تمثيله لمذهب السلف، ومدى قربه أو بعده عن مذهب السلف في بعض أقسام العلم: لقد تبنى الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار الإمام ابن تيمية بقوة السيف والسنان، ولكن أيضاً: كانت له كذلك اجتهادات خاطئة مرعبة جسيمة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
و[النقطة الثالثة]: تتمثل في تقييم مدى أصالة الحركة السلفية المعاصرة: إنّ مسمَّى الحركة السلفية المعاصرة نقصد به امتداد المدرسة النجدية الوهابية، إن أكثر أصحاب هذه الحركة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين، فمع تنوع فصائلها العلمية والعملية والتراثية والجهادية والمُدخلية والجامية والسرورية والقطبية والتكفيرية، ومع انها جميعا تتسم بالسطحية في الطرح لاسيما في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى الحشو والتجسيم منها إلى العلم الراسخ المتخصص، فإنها جميعا تعمل بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية، ومثل المبالغة في شن الحرب على التأويل السائغ الذي لا مفر منه للجمع الصحيح بين النصوص المتشابهة وحملها على أمهاتها من المحكمات شأن كل أهل العلم الراسخين فيه، وهم عند التحقيق يتبعون المنهج الحشوي البعيد كل البعد عن التقديس والتنزيه واحترام المتخصصين في علوم الدين، إنهم يزعمون انهم المتحدث الرسمي الوحيد عن أهل السنة وأن أفهامهم للدين هي الدين بعينه، وهم في حقيقة الامر حشوية يقطعون الطريق على أهل العلم المنزهين المقدسين لله المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل الحق، من الأثرية والأشاعرة والماتريدية، وما ذاك إلا لأنّهم لم يدرس قواعد هذا العلم على أيدي أصحابه من المتخصصين، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب التصورات الخاطئة عن الدين وعن علوم الدين في صراعات كبيرة مع بقية طوائف أهل السنّة والجماعة، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد، وما عارضوه فهو الضلال، فشددوا النكير على المخالفين، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق.
ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى طوائف عديدة أكثرها يبدع أكثرها، وبعضها يكفّر بعضها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وهذا كله بين السلفيين أنفسهم، فما بالنا إن كان تقييمهم ينال الآخرين، وعليه فإنّ الرد العلمي الصحيح والمنهجية العلمية السديدة لا تكون إلا إلى مدارس العلم المتخصصة فيه، فهو الذي يرفع النزاع، فالأمر الذي اتفقت عليه مدارس العلم المتخصصة فيه نأخذه رأياً واحداً، وما اختلفوا فيه وسعنا ما وسعهم من الاختلاف، دون تنازع أو شقاق، ولو ذهبنا نُقارن بين المرجعيتين، (مرجعية الرد إلى المدرسة السلفية ومرجعية الرد إلى المدارس المتخصصة) لوجدنا الدقة في مرجعية أهل المذاهب العلمية المتخصصة، فلم نسمع منهم أحدا يكفر أخاه إلا بضوابط دونها العلم الراسخ، ولا استحل دمه وماله وعرضه إلا بضوابط وضعها المتخصصون، ولم نسمع عن موجات التبديع والتفسيق التي اُبتلينا بها في هذا الزمان، (أمّا الرد المنضبط الدقيق): فمثاله: إذا حدث خلاف في قضية عقدية مثلاً (تنزيه ذات الله تعالى عن الحد او الجارحة أو المكان) فالقول فيها ما قالت المدارس المتخصصة الأشعرية أو الماتريدية أو الأثرية وجميعها مجمع على تنزيه الله تعالى عن تلك النقائص التي تضاد الكمال الواجب لله تعالى والتي هي سمات المخلوقات والمحدثات التي تنزه الله تعالى عنها {ليس كمثله شيء}، ولا عبرة لمن خالف تلك المدارس المتخصصة من الحشوية والمجسمة والمشبهة وأنصاف الجهلاء وأصحاب الجهل المركب من الموتورين الصائلين على الكتاب والسنّة وما فيهما من التنزيه وهم يدعون – خطأً – الصولة لهما والانتفاض لنصرتهما، وهكذا فإنّ لكل علم له أهله المتخصصون وله مدارسه السنّية المتأصلة العريقة.
[المفتاح الثامن]: الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، وبين مدرسة ابن تيمية العلمية: أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس، فصنعت في النور، وهذبت في النور، وانتشرت في النور، فكانت في مأمن من الخطأ الكبير والخلل الجسيم، وها هي مدارس العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء، وأساطين أهل العلم، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.
أمّا مدرسة ابن تيمية – فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه – قد صُنعت في السجون والخفاء، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه، ولم تُؤصل في النور، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
المبحث التاسع يجب الحذر شرعا من كل شاذ غريب في مذاهب الوهابية
[المفتاح الأول]: يجب الحذر كل الحذر عن كل قول او فكر أو رأي جاءت به الوهابية مخالف لما عليه اهل السنّة والجماعة وذلك لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء لنجد وذكر انها أرض الفتن ورأس الكفر ومنها يخرج قرن الشيطان، فالحذر الحذر من كل ما خالفت فيه تلك الفرقة لمذاهب اهل السنّة والجماعة في العقيدة او في الفقه او في التصوف، ولم يرد في السنة النبوية ذكر للفرقة (الوهابية) صراحةً، لأنّ هذا المصطلح ببساطة نشأ لاحقاً نسبةً إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري حيث ظهر بنجد وكانت له دعوته الوهابية التي جمعت ما بين الحشو والتجسيم وما بين الخروج والتكفير وأضافت إلى ذلك مذهبا جديدا في التوحيد يفوق الخوارج القدامى غلوا وتكفيرا وسفكا لدماء المسلمين بدعوى عدم فهم الشهادتين وعدم فهم التوحيد، واتهموا الامة كلها -عداهم- بالشرك والكفر، وكانت فتنة اكلت الأخضر واليابس في نجد والحجاز وعم غلوها أغلب أقطار الدول الإسلامية، و لا زالت آثارها إلى اليوم نعاني منها أشد العناء، حشو وتجسيم للذات الإلهية وغلو في التكفير والتشريك والتبديع ومحاربة التخصص الإسلامي المتمثل في مدارسه المعروفة في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطر هذه الفرقة بما اعلمه الله من علم الغيب، وأول ذلك امتناعه عن الدعاء لنجد وذكر انّ منها يطلع قرن الشيطان، وانّ راس الكفر هناك حيث الفخر والكبر والخيلاء، وأن بها الزلازل الدينية والفتن العظيمة التي تفتن المسلمين عن دينهم، والتي تعوذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك روى البخاري عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([219]) .
وروى البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان) ([220]) . وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم ) ([221]) .
وروى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([222]) . وفي رواية لمسلم: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([223]) . وروى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ([224]) . وروى مسلم عن أبي مسعود قال ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: (ألا إن الإيمان ههنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([225]) .
والمقصود الحقيقي بنجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: هو إقليم نجد المعروف بالسعودية لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية، وأهل المشرق لساكني المدينة المنورة هم أهل نجد وليس أهل العراق، فكان الأحرى بالألباني أن يتق الله ولا يلوي أعناق النصوص ليزعم انّ نجد المقصودة هي العراق، فلا مشرق للمدينة إلا نجد، والابل لا تُعرف إلا في نجد، وربيعة ومضر لا نعرفها إلا في نجد، فليتق الله كل متقول يريد ان يٌبعد عن نجد مسبة أنها أرض الفتن وان بها رأس الكفر وان منها يطلع قرن الشيطان، فأول ذلك مسيلمة الكذاب وآخرهم الحشوي المجسم الخارجي الموغل في التكفير والتشريك والتبديع واستحلال دماء المسلمين وأموالهم محمد بن عبد الوهاب النجدي المعروف، وتلامذته يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية فلم المكابرة ونفي ان تكون نجد هي المقصودة بالأحاديث ولا نعلم نجدا في الدنيا سواها، وخصوصا أن أهلها مقرون بذلك وانظر كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) لعلماء نجد، أو كتاب: (عنوان المجد في تاريخ نجد) لابن بشر، وكتاب (تاريخ نجد) للشيخ حسين بن غنَّام ، فكلها قد تسمى بنجد فلم المكابرة ولماذا التدليس، وانا على يقين بأن المقصود بالزلازل والفتن هو ما أحدثته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من فتن لا زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم حيث طرح ابن عبد الوهاب دينا موازيا يوازي دين الله تعالى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو دين يحاول سحب البساط دائما من تحت أقدام أهل السنة لينسبه لنفسه، ومن نظر إلى فتن ابن عبد الوهاب في زمانه وقد اشرت إلى طرف منها لعلم قدر الأهوال التي لاقاها المسلمون في زمانه من آثار تلك الحملة التي أكلت الأخضر واليابس من تراث أمة الإسلام.
[المفتاح الثاني]: انطباق أحاديث الخوارج على اتباع محمد بن عبد الوهاب: أخرج البخاري: عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ([226]) .
واخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ ناسٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، ويَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فيه حتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إلى فُوقِهِ، قيلَ ما سِيماهُمْ؟ قالَ: سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ – أوْ قالَ: التَّسْبِيدُ) ([227]) .
، وأخرج الترمذي وابن ماجة والامام احمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم) ([228]) .
ووالله لا أعلم فرقة تنطبق عليها الأحاديث سوى اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهم أتوا في آخر الزمان فلا يعقل ان المقصود بهم من خرجوا زمان الإمام علي رضي الله عنه وهم حدثاء الأسنان سفهاء العقول يقولون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم يكفرون المسلمين بمتشابهات القرآن ويستحلون دماءهم واموالهم بمتشابهات القرآن، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لأنّ من كفر مسلما بغير حق فقد باء عليه الكفر، ولا نعلم مشرقا للمدينة المنورة على الخريطة سوى نجد، فلا تنطبق الاحاديث إلا عليهم ، وما مشرق المدينة إلا نجد، وقد خرج الوهابية منها، بل ودَعوا الناس للهجرة إليهم، (سيماهم التحليق)، وكانت تلك سيما اتباع النجدي محمد بن عبد الوهاب، وقد ثبت أن الشيخ محمد ابن عبدالوهاب كان يأمر من يدخل في طاعته بحلق شعره لينشأ بشعر جديد لم يشرك فيه، ولم يفعل ذلك أحد سواهم، وفظائعهم في بلاد المسلمين معروفة وقد استباحوا دماء المسلمين في المساجد، وقتلوا العلماء وأغاروا على كل البلاد في نجد والحجاز وابادوا قبائل بكاملها ونهبوا أموال المسلمين واستحلوا حرماتهم ودماءهم وفتكوا بكل من طالته أيديهم من المسلمين بسبب عقائدهم الزائغة واخلاقهم المنحرفة.
ومن قرأ كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) أو كتاب: (عنوان المجد في تاريخ نجد) لابن بشر ، أو كتاب (تاريخ نجد) للشيخ حسين بن غنَّام فإنه سيجد فيهما العجب العجاب من تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم، وكانوا أشيه بقطاع طرق يستغلون الدين من اجل التكسب للدنيا وكانوا همجا لا يعرفون الرحمة عند مقاتلة المسلمين، وكم نكثوا من العهود وقتل الأسرى واتباع الفارين منهم يقتلون ويفتكون لا يعرفون إلا ولا عهدا ولا ذمة ، حتى دانت لهم نجد ثم الحجاز ثم غالب الجزيرة العربية بقوة السيف والسنان والبطش والجبروت،
[المفتاح الثالث]: الوهابيون يستبيحون دماء المسلمين في المساجد: فقد جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنَّام: ( يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ) ([229]) .
ويقول ابن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد: (فلما سلَّم من الصلاة قام إليه من ذكرنا فقتلوه) ([230]) .
والفقهاء يقولون إنّ المرتد لا يقتل غيلة حتى يستتاب، وهؤلاء قتلوه في مصلاه بالمسجد، فأي خروج بعد هذا الخروج وأي فتنة بعد تلك الفتنة.
[المفتاح الرابع]: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحذرنا من كل شاذ وغريب يأتي إلينا من نجد، فقد جاء وصفها في الأحاديث الصحيحة بانها منزوعة البركة أبى الرسول صلى الله عليه وسلم ان يدعو لها بالبركة ، وانها أرض الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشطان، ولذلك فلا بد من الحذر كل الحذر من كل ما هو وهابي مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولابد من الحذر من مذهبهم في الإلهيات فإنّ مذهبهم فيه الحشو والتجسيم، ولابد من الحذر من مذهبهم في الإيمان فإنهم يدخلون عمل الجارحة في أصل الإيمان وهذا حشو وخروج واعتزال، ولابد من الحذر من مذهبهم في التوحيد والشرك فأنه الشر بعينه وبه استحلوا دماء المسلمين وحرماتهم واتهموهم بالشرك الأكبر وجعلوا مشركي مكة زمان النبي صلى الله عليه وسلم أخف شركا من مسلمي زمانهم ، زلابد من الحذر من مذهبهم في البدعة فإنه الهوس التبديعي بعينه يبدعون ما لا يدخل تحت البدعة أصلا ويبدعون كل من عمل بالحديث الضعيف ويبدعون كل من خالف مذهبهم وكأن ابن عبد الوهاب النجدي رسول من عند الله وليس خارجي قاطع طريق مجسم يستهين بشعائر الله كغزوه لمكة والمدينة حفظهما الله تعالى، وقتل المسلمين في المساجد، ويستحل حرمات الله ورسوله والمؤمنين، والحاصل لابد من الحذر كل الحذر من كل شاذ وغريب في الدين يأتي إلينا من نجد، واهل نجد، وقد وصفها الله تعالى بأنها أرض الفخر والكبر والخيلاء بها رأس وانها أرض الزلازل والفتن، ويطلع منها قرن الشيطان، وهي منبت الخوارج يخرجون آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، سيماهم التحليق وليس ينطبق هذا سوى على اتباع محمد بن عبد الوهاب نسال الله السلامة.
***
المبحث العاشر الوهابية ومحاولات سحب البساط من تحت أقدام أهل السنّة
[المفتاح الأول]: على مر عصور الإسلام وفي عمق التاريخ الإسلامي نجد أنّ أهل السنّة والجماعة: هم أهل المذاهب المتخصصة في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، هم أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، استقر لهم على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، (الأولى): المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و(الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و(الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهم أهل الفقه في الدين، ويأخذون الفقه عن الأئمة الأربعة، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تُراجع ولم تنتشر ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وهم (أهل السنة والجماعة) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية السنّية)، ومن أشهرها عند أهل السنة والجماعة الطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة القادرية، وكلها تنتمي في أصولها العريضة إلى أهل السنّة والجماعة الناجية، إلا من شذ، ولا عبرة بالشاذ، ونحن نتكلم على مجمل الداخلين في إطار أهل السنّة والجماعة الناجية إن شاء الله تعالى، فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، و(الوهابيون دائما نراهم ينسبون أنفسهم إلى أهل السنّة والجماعة، بل وحاولوا كثيرا حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة الأصلين إلى ان يتسنى لهم اخراج أهل السنّة الجماعة الحقيقيين من اطار اهل السنّة والجماعة، وهيهات هيهات فالميزان الرباني لا زال عاملا والميزان النبوي لا زال عاملا، وسواد أهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام -رغما عن انف الوهابيين- هم سواد أهل الإسلام الأعظم.
[المفتاح الثاني]: من كبر وخيلاء وغرور الوهابيين يرون أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، فأنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة شاذة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر الشيخ ابن تيمية ومدرسته، مع ما على هذا وذاك من ملاحظات وشذوذات في كل أبواب العلم ، وقد علمنا تأثر الشيخ ابن تيمية بالحشوية القدامى واغتر بهم واتخذهم سلفا له ينسب قوله إليهم وينسب قولهم إلى السلف الصالح، وقد علمنا كذلك المفردات الشاذة التي أدخلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الدين في أبواب التوحيد والعقيدة والفقه والتزكية، وهكذا اختزل الوهابيون كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام، والاعجب أن الوهابيين صاروا يصنفون المذاهب العلمية واهل العلم وفق مقاييسهم المغلوطة، مما يمثل أكبر الخطر على صورة الدين وسعته ووسطيته واحترام تخصصاته العلمية العقدية والفقهية والصوفية.
[المفتاح الثالث]: هؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمذهب عقدي أشعري اوماتريدي أو أثري ومذهب فقهي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ومنهاج صوفي للتزكية، وطريقة سلوكية تأخذ بيده نحو رضا الله، إنّ السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف الصالح، ولكن السلفية الحقة الأصيلة بريئة من انتساب الوهابية إليها، بل سلفهم الحشوية والمحسمة والخوارج، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، وآفتهم اتباع المتشابهات وترك المحكمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، والقاعدة عند أهل التخصص أنّ التيميون المغالون في الشيخ ابن تيمية، والوهابيون المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الصحيح الصافي، بل هم عند أهل العلم مزيج مريب من فرق الخروج والحشو.
[المفتاح الرابع]: الوهابيون يعملون ليل نهار من أجل احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم المغلوط للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء محمد بن عبد الوهاب، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم الشاذة جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، والوهابية عُرفت بمفردات شاذة في علم التقديس وعلم الإيمان وعلم التوحيد وعلم الاتباع كما عّرفت بمعاداتها للمدارس المتخصصة في العقيدة والتصوف، وهي ترفض مفردات عقدية أجمع عليها المتخصصون في العقيدة كالتقديس لله عن المكان والزمان والجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والابعاض والجوارح، وهي ترفض مفردات سلوكية أجازتها المدارس المتخصصة، ومن ذلك: التوسل والتبرك وزيارة القبور وهي ترفض كل مفردات أهل التصوف ويعتبرونها شركا أو ابتداعا في الدين، وهم مع ذلك لا يفتون مناسبة او فرصة ينسبون انفسهم إلى اهل السنّة والجماعة وانهم المتحدث الرسمي الوحيد والاوحد عن أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العلم في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وينسبون المدارس المتخصصة إلى البدعة والضلالة ولا يرضون إلا أن يكونوا هم اهل السنّة والجماعة ويرون انفسهم من يمثل الإسلام الصافي الخالص من الشرك ومن البدع، ولا يعلمون انهم أتوا بفهم لدين الإسلام يوازي ويزاحم ما عليه المتخصصون من مدارس اهل السنّة والجماعة.
([1]) صحيح البخاري 2/33 ح 1037.
([2]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([3]) صحيح البخاري 4/127 ح 3301.
([4]) صحيح البخاري 9/302 ح 5410، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([5]) صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([6]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([9]) صحيح ابن حبان 4/375 ح 3606.
([10]) صحيح البخاري3/17 ح 1845، صحيح مسلم 2/839 ح 1181.
([11]) صحيح البخاري 2/135 ح 1531.
([13]) المستدرك علي الصحيحين1/200 ح 394.
([14]) بيان تلبيس الجهمية: 7/ 290-356، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – 1426هـ.
([15]) العِلل المتناهية لابن الجوزي 1/36، سير أعلام النبلاء 10/113، طبقات الشافعية الكبري للسبكي 2/312، المنتخب من العلل لابن قدامة ص 284، تاريخ بغداد للخطيب 13/311، العلل لمتناهية 1/130، الثقات لابن حيان 2/245، طبقات الشافغية الكبري2/312، تهذيب التهذيب لابن حجر 10/86 ، اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/30، ميزان الاعتدال للذهبي1/594.
([18]) المجروحون لابن حبان 2: 15.
([19]) ميزان الاعتدال 4: 174 وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي.
([24]) طبقات الشافعية لابن السبكي 2: 35.
([26]) الملل والنحل للشهرستاني111.
([28]) الغنية في أصول الدين، ص: 73-75.
([29]) الرد على بشر المريسي للسجزي ” ص 20 .
([31]) تلبيس الجهمية لابن تيمية ” ص568.
([32]) الأسماء والصفات للبيهقي، ص 342.
([34]) الكامل لابن الأثير 7/41.
([35]) تبديد الظلام المخيم 206
([37]) تدريب الراوي للسيوطي ج 1: 329.
([41]) العواصم من القواصم” ص 209.
([42]) الكامل في التاريخ” 8/16.، 8/104.
([43]) ابطال التأويلات لأبويعلي 2/485.
([44]) المرجع السابق 1/73و 1/187.
([45]) المرجع السابق1/188و 1/90.
([46]) المرجع السابق 1/133و 1/144.
([48]) المرجع السابق 1/178 و 2/328.
([67]) الكامل لابن الأثير8/209.
([68]) بيان تلبيس الجهمية 2: 400، وانظر هذه الحكاية في سير أعلام النبلاء 16/ 478.
([69]) بيان تلبيس الجهمية: 1/337.
([70]) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: 1: 62.
([71]) اعتقاد الإمام أحمد (ص 7- 8).
([73]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189.
([74]) لسان الميزان لابن حجر 8/551.
([75]) الدرر الكامنة لابن حجر 1/181.
([76]) منهاج السنة النبوية 2/380
([77]) التبصير في الدين (ص: 66- 67)
([78]) مجموعة التوحيد ص 15 – 16.
([79]) تهذيب اللغة ج14 ص 51 و المفردات ص 486.
([80]) رسالة أربع قواعد ص 201: 202.
([84]) من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي 2/554.
([85]) عنوان المجد في تاريخ نجد عثمان النجدي 1/135.
([87]) صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، لمحمد عوض الخطيب، ص 198-199، عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي،ص 139.
([88]) تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام:
([89]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([90]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([92]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([94]) نواقض الإسلام، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجموعة التوحيد
([96]) سير أعلام النبلاء: ج 9: 343.
([107]) تاريخ نجد ابن غنام ص 309 .
([108]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([109]) المغني لابن قدامة 9/29.
([110]) شرح النووي علي مسلم 14/176.
([111]) صحيح البخاري 4/10 ح 2766، صحيح مسلم 1/92 ح 89.
([112]) مسند أحمد40/154 ح 24126،
([113]) المغني لابن قدامة 9/30.
([114]) اضواء البيان في ايضاح القران 4/50.
([115]) صحيح البخاري 6/149 ح 4890.
([116]) صحيح البخاري 8/29 ح 6720.
([125]) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الاَكوان: 111.
([143]) صحيح البخاري 4/134 ح3340.
([144]) صحيح البخاري5/77 ح 3980.
([145]) صحيح البخاري 2/98 ح 1370.
([146]) مسند أحمد7/343 ح 4320. رواه الحاكم في المستدرك 2/456 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
([147]) السنن الكبري للنسائي 10/504 ح 10366.
([151]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([154]) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه، لابن الجوزي ص10.
([157]) صحيح البخاري 5/42 ح 3841.
([158]) رسالة وحدة الوجود للعلامة مصطفى كمال الشريف ص27 – 28.
([159]) سنن أبي داوود 5/444 ح 3591، سنن الترمذي 3/608 ح 1327.
([160]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([161]) صحيح البخاري 9/124 ح 7418.
([162]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([172]) المواقف عضدالدين الايجي : ج1ص 31.
([173]) تاريخ ابن خلدون: 1/580.
([175]) صحيح البخاري 1/11 ح 8.
([178]) أسرار البلاغة: صـ ٣9١.
([179]) البرهان في علوم القرآن: ٢/٢٥٥.
([180]) تفسير البحر المحيط، سورة البقرة، آية 115. 1/587.
([181]) إرشاد الفحول للشوكاني 1/67.
([182]) صحيح البخاري 1/33 ح 110.
([183]) صحيح البخاري 2/68 ح 1229.
([184]) صحيح مسلم 2/640 ح 829.
([185]) مسند أبو داود الطيالسي (ص 215)،
([186]) المستدرك علي الصحيحين 4/376 ح 7978.
([187]) شرح النووي على مسلم (1/131- 132)
([188]) التفكير الفلسفي في الاسلام صـ 134 الى 144.
([189]) مقدمة كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه.
([190]) ميزان الإعتدال 1: 259.
([192]) ابطال التأويلات لأبويعلي 2/485.
([193]) المرجع السابق 1/73و 1/187.
([194]) المرجع السابق1/188و 1/90.
([195]) المرجع السابق 1/133و 1/144.
([197]) المرجع السابق 1/178 و 2/328.
([219]) صحيح البخاري 2/33 ح 1037.
([220]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([221]) صحيح البخاري 4/127 ح 3301.
([222]) صحيح البخاري 9/302 ح 5410، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([223]) صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([224]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([226]) صحيح البخاري 6/197 ح 5057.
([227]) صحيح البخاري 9/162 ح 7562، صحيح مسلم 2/744 ح 1064.