الفصل الأول مقدمة لفهم النظام السياسي في الإسلام
ويشتمل على تلك المباحث:
المبحث الأول: الإسلام دين ودولة ونظام شامل يتناول كل أنشطة الدولة الحديثة.
المبحث الثاني: التعريف بالنظام السياسي الإسلامي.
(المبحث الثالث): مقومات النظام السياسي في الإسلام. وفيه مطالب:
المطلب الأول: المقوم الأول من مقومات النظام السياسي في الإسلام (ولي الأمر أو الحاكم في نظر الإسلام).
المطلب الثاني: المقوم الثاني من مقومات النظام السياسي في الإسلام ( الشوري).
المطلب الثالث: المقوم الثالث من مقومات النظام السياسي في الإسلام ( نظام القضاء).
المطلب الرابع: شئون الدولة في النظام السياسي الإسلامي.
المطلب الخامس: السياسة الداخلية والخارجية في النظام السياسي الإسلامي.
المطلب السادس: حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.
المبحث الرابع: معوقات تطبيق النظام السياسي الذي جاء به الإسلام.
المبحث الخامس: مشروع الدستور الإسلامي الذي قدمه الازهر الشريف.
المبحث السادس: العوامل الربانية الذاتية التي تمنع الاستبداد السياسي في الإسلام.
المبحث السابع: صمام أمن النظام السياسي في الإسلام هو البيعة والطاعة.
المبحث الثامن: القواعد الاضطرارية التي توجبها السياسة الشرعية في النظام السياسي الإسلامي،
المبحث التاسع: الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر.
المبحث الأول الإسلام دين ودولة ونظام شامل يتناول كل أنشطة الدولة الحديثة
[المفتاح الأول]: الإسلام ليس ديناً فقط وإنما هو دين ودولة: الإسلام دين يدين المسلمون به لله وحده، ودولة تحرس الدين وتحفظه وتدعو إليه وتنشره وتعمل على إظهار أمره والتمكين له في الأرض، وإذا قلنا بأنّ الإسلام دولة، فمعنى ذلك أنّه قد وضع أسس وأصول وقواعد جميع الأنظمة الربانية الحكيمة التي يمكن أن تسير عليها دولة الإسلام، من نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وتشريعي وتربوي تعليمي وعسكري وشتى الأنظمة التي تحتاج إليها أعظم الدول وأكثرها تقدما، وإذا كان البشر قد وضعوا للدولة الحديثة شتى أنواع النظم التي تسير حالها وتضبط أعمالها، فإننا لا يمكن أصلاً أن نقار ن بين أنظمة الإسلام وبين النظم الوضعية، وذلك لأنّ أنظمة الإسلام من عند الله تعالى، والنظم الوضعية من صنع البشر، فأنظمة الإسلام ربانية عادلة، وأنظمة البشر المغايرة للإسلام جاهلية جائرة، والله تعالى يقول: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49، 50].
[المفتاح الثاني]: سعي الرسول صلى الله عليه وسلم لبناء الدولة: بدأ النبي صلى الله عليه وسلم العمل لدين الله عز وجل منفردا وذلك بنشر الدين والدعوة إليه والتكوين عليه متدرجا حتى وصل إلى بناء دولة الإسلام وتثبيت دعائمها واستخدامها في نشر الدين وحفظه وإظهار أمره، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى.
(المرحلة الأولى مرحلة الاستضعاف): وهي مرحلة العمل لدين الإسلام في ظل أحكام الاستضعاف، وقد كانت تلك المرحلة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم هي المرحلة المكية وهي التي ابتدأت مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الهجرة إلى المدينة، وقد استمرت تلك المرحلة ثلاث عشرة سنة تقريبا وكانت على فترات أبرزها: (الفترة الأولى): منذ البعثة وحتى السنة الثالثة من البعثة وكانت تتميز بالسرية والتكتم ودعوة من يثق بهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فبدأت (الفترة الثانية): واستمرت حتى السنة العاشرة من البعثة تقريبا وكانت تتميز بالجهر بالدعوة والتركيز على الأقربين قريش ومواليها وفيها حدثت الهجرة الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة والهجرة الثانية إلى الحبشة في السنّة السادسة من البعثة، وفي تلك الفترة: أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة، فقال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}[سورة الحجر الآية 94] فتلقى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الإلهي وانطلق بدعوته الجهرية، إلا أنّ المشركين وقفوا معاندين، ومعارضين لها، طاعنين في صدق دعوته ورسالته، وبالرغم من عنادهم ومعارضتهم لدعوته سلك النبي طريقه في دعوته والوحي يشد من عضده، و يحثه على الصبر، ويؤكد له حتمية نصره فيقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الأنعام الآية 34]، وقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهدا شاقا في سبيل نشر دعوته صابرا محتسبا متيقنا من نصر الله فآمن به من أهل مكة عدد قليل ولكن المشركين أبوا إلا أن يعذبوهم بشتى وسائل التعذيب آنذاك ولم يكن حينها النبي صلى الله عليه وسلم قادرا على حمايتهم فحث المستضعفين منهم على الخروج إلى الحبشة، فقال: ” لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه”([1]) .
أمّا في مكة المكرمة فبالرغم من محاصرة قريش للدعوة وصد الناس عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بأصحابه إلى شعاب مكة يتلو عليهم القرآن ويعلمهم أمور دينهم، (الفترة الثالثة): واستمرت حتى الهجرة وقد واجهت الدعوة المعادة الشديدة من قريش فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان دعوته إلى الناس جميعا في الأسواق وقوافل العرب القادمة من أنحاء الجزيرة لعل قبيلة منهم تنصره وتعينه على تبليغ رسالته، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته وهو يبحث عن منطلقات آمنة بين القبائل وهو يقول: أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلْنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّي ” ([2]) .
وفي الموسم من السنة الحادية عشرة بعد البعثة ” اجتهد صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه على القبائل في الموسم فآمن به ستة من رؤساء الأنصار ورجعوا إلى المدينة ففشا فيها الإسلام”([3]) .
وبإسلام الأنصار برز أول تجمع إسلامي مستقر في جزيرة العرب ” حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، على حماية الدعوة وحماية أهل الإسلام، قد أخرج الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ فَنَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَلَنَا الْجَنَّةُ) ([4]) .
وبعد معاهدة العقبة الثانية أذن الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا إليها أفرادا وجماعات،([5]) .
حتى لحق بهم، وبهجرته إلى المدينة المنورة تكاملت أركان الدولة الإسلامية، عندما وجدت الأمة إقليما تستقر عليه ووجدت السلطة التي تتولى شؤون الأمة وتنظم أمورها وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقا للمجتمع كان بمثابة دستوراً ([6]) .
يحفظ مصالح المجتمع والدولة وفق تعاليم الوحي الإلهي الذي ساوى بين أفراد المجتمع، ولم يفرق بينهم في الحقوق والواجبات، إلا بالتقوى وعلى قاعدة التقوى قام المجتمع الذي يدين بالولاء المطلق لله تعالى، والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به، وينهى عنه.
(المرحلة الثانية: مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها): وتبدأ تلك المرحلة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتمتد إلى صلح الحديبية الذي كان بمثابة الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام، وتلك المرحلة هي مرحلة بناء دولة الإسلام وتدعيم وتثبيت أركانها وذلك بوحدة الصف وبناء القاعدة الصلبة والتآخي التام مع المسلمين، وتلك المرحلة هي مرحلة الإذن في رد العدوان بمثله، وهي مرحلة عقد المعاهدات بما يتوافق وقدرات الدولة الإسلامية النامية، وكان من أهم ملامح تلك المرحلة: الحرص على أمرين: الأول: ترسيخ أركان دولة الإسلام من الداخل وكان ذلك: ببناء المسجد الذي اصبح مركز الانطلاق لنشر الإسلام وأصبح مقر الحكم والقيادة والقضاء وقيادة الجيوش ومحضن التربية الأول، والتآخي بين المهاجرين والأنصار حتى أصبح المسلمون أمة واحدة من دون الناس، وبناء القاعدة الصلبة من المؤمنين والمهاجرين بالتربية والتعليم والتزكية تلك القاعدة التي سيقوم على عاتقها نصرة الدين وتحقيق أهدافه، والاهتمام بتطبيق شرع الله على جميع المستويات الفردية والجماعية تطبيقا كاملا في مجال العبادات والشرائع والشعائر والمعاملات، وبالتالي تقديم النظام التشريعي الواضح الذي يعتبر ركن ودعائمه من دعائم ترسيخ دولة الإسلام وكذلك تقديم النموذج الكامل المثالي للمسلم الحق الذي ارتضى الله عز وجل دينه واستحق بذلك التمكين في الأرض، والأمر الثاني: السياسة الخارجية الحكيمة وذلك بعدم تعريض دولة الإسلام لما لا طاقة لها به، وتمثل ذلك في: عقد المعاهدات مع المجاورين لدولة الإسلام على أساس حسن الجوار والدفاع المشترك وقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وعدم فتح جهات عدائية جديدة ودولة الإسلام لا تزال في مرحلة تثبيت الدعائم، ولذلك لم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم على معاداة أحد حتى يتبين موقفه من دعوة الإسلام، وعدم البدء بالقتال والإذن فقط في رد العدوان قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الأنبياء: 39]، والإعلام الخارجي القبائل المجاورة ولإحياء العرب وتبليغ دعوة الإسلام الهم لعل ذلك يكون سببا في هدايتهم إلى الإسلام وكان أهم وسائل ذلك الإعلام الشعر وذلك لما له من تأثير قوي على العرب.
(المرحلة الثالثة): مرحلة عالمية دولة الإسلام والتمكين لها في الأرض: وتبدأ تلك المرحلة من صلح الحديبية إلى آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى وتستمر وتمتد لتشمل عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام علما وعملا، وتلك المرحلة هي مرحة تبليغ الرسالة إلى البشرية جمعاء وهي مرحلة تطبيق الأحكام النهائية لشرع الإسلام، وهي مرحلة تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي وفق ما قرره الفقهاء من أحكامه حرصاً على أن لا تكون فتنة على وجه الأرض ويكون الدين كله لله، وفي تلك المرحلة كانت الخطوة الأولى هي التفرغ لنشر الدين دعوة الناس جميعا إلى الإسلام فبعد صلح الحديبية وقد كان بمثابة الاعتراف الرسمي بدولة الإسلام قام الرسول صلى الله عليه وسلم بمراسلة الملوك والأمراء داعيا إياهم بالدخول في دين الإسلام، وكانت الخطوة الثانية متمثلة في الصدام الأول دولة الروم في غزوة مؤتة ثم غدر أهل مكة فكان الفتح المبين ففتح مكة زادها تكريما وتشريفا ثم كانت الخطوة التالية، وهي إنهاء الجيوب الوثنية في جزيرة العرب كلها في دين الإسلام، ثم كان التحدي الأكبر لدولة الروم والمتمثل في غزوة تبوك ثم نزول سورة (التوبة) وإنهاء الوجود الوثني تماما من جزيرة العرب ثم حجة الوداع ثم انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وكانت أهم ملامح تك المرحلة ومعالمها: الدعوة العالمية العامة إلى دين الإسلام ومراسلة الملوك والأفراد بذلك، وقتال المشركين كافة حتى يشهدوا بالشهادتين ويدخلوا في دين الإسلام يعملون بشرائعه، ودعوة اهل الكتاب وفي شبهة كتاب إلى الإسلام أو الجزية أو القتال حتى يفتح الله بالنصر المبين، والتمكين لدين الإسلام وبسط سلطانه عليها بإقامة شرعه وحفظ عقيدته ونشرها وتحقيق أهدافه وازال كل طاغوت من على وجه الأرض وتعبيدها لخالقها جل وعلا.
[المفتاح الثالث]: مفهوم الدولـــــــة الإسلامية مفهوم رباني يختلف عن مفهومها عند البشر: هناك فرق كبير بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، فالدولة في تعريف علماء القانون الدستوري هي:” جماعة من الناس تقيم على وجه الدوام في إقليم معين، وتقوم فيهم سلطة حاكمة تتولى تنظيم شؤونهم وتدبير أمورهم في الداخل والخارج،”، فأركان الدولة حسب التعريف هي: الإقليم وهو رقعة من الأرض التي يقوم عليها الشعب إقامة مستقرة ودائمة، والشعب أو الأمة المقيمة على هذه القطعة الجغرافية من الأرض، والسلطة الحاكمة، ولكن دولة الإسلام تختلف عنها بإضافة أركان أخرى، لأنّها الدولة التي تحمل دين الله تعالى وتسعى لتحقيق أهدافه وغاياته، وأهم تلك الأركان الجديدة تتمثل في إقامة شرع الله تعالى وتحكيم الإسلام في كل شؤونها، وتطبيق انظمة الدين السياسية بما فيها من سياسة داخلية وسياسة خارجية، وتطبيق أنظمة الدين الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والجزائية والتربوية والتعليمية والأخلاقية والعسكرية وشتى الأنظمة التي تحتاج إليها الدولة ولكن على هدي الإسلام، وإذا كان البشر قد وضعوا للدولة الحديثة شتى أنواع النظم التي تسير حالها وتضبط أعمالها، فإننا لا يمكن أصلاً أن نقارن بين أنظمة الإسلام وبين النظم الوضعية، وذلك لأنّ أنظمة الإسلام من عند الله تعالى، والنظم الوضعية من صنع البشر.
[المفتاح الرابع]: مهام الدولة الإسلامية: إن أهم مهام الدولة الإسلامية تتمثل في حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض، ومن ثم سياسة الدنيا كلها بالدين: إن مقاصد الدولة الإسلامية عظيمة يعجز عن تحقيقها آحاد المسلمين، ولكن دولة الإسلام بما لها من أنظمة ربانية تستطيع تحقيقها، ويمكن إجمال تلك المقاصد في مقصدين كبيرين، أولهما: حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض، والثاني: سياسة الدنيا كلها به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة:
[المقصد الأول]: حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض: ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وتطبيق أحكامه في علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول، ونشر الدين بالدعوة إليه وحفظ الدين بالحسبة عليه والدفاع عن الدين بالجهاد في سبيل الله من أجل التمكين له في الأرض، وإنشاء وتبني مؤسسات الدعوة إلى الله لنشر الإسلام بين غير المسلمين، وإنشاء وتبني مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحسبة على الدين بين المسلمين، وحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، وإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة، إنشاء وتبني مؤسسات لتعظيم شعائر الله ببناء المساجد ودور العلم الشرعي من مدارس وجامعات، إنشاء وتبني مؤسسات لحفظ أركان الدين ورفع راية التوحيد وإقامة الصلوات وجمع الزكاة، إنشاء وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل، إنشاء وتبني مؤسسات أخلاقية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل، وإنشاء وتبني مؤسسات عسكرية عقيدتها الدفاع عن الإسلام ورفع رايته، والسعي المستمر لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه، والسعي المستمر لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم، وأدلة هذا المقصد (حراسة الدين) من كتاب الله تعالى عديدة منها، قوله تعالى: {إِنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ *} [المائدة: 54-56] وقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} [الْأَنْفال: 60]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} [آل عمران: 104].و[المقصد الثاني]:سياسة الدنيا بالدين: ويشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ولأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة صالحة بدونه، وليس للعدل مجالات محددة في الإسلام بل هو واجب في كل نواحي الحياة المختلفة، كما أنه واجب التطبيق على مستوى المؤسسات في الدولة، وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد، فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس، وخاف أهل البغي والفساد، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع، مثل تنظيم الري وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال، وأدلة هذا المقصد (سياسة الدنيا بالدين) من كتاب الله تعالى عديدة منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]،، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، وقوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].
[المفتاح الخامس]: مـفهــوم النظام الإسلامي الشامل: تعريف النظام لغة واصطلاحاً: يطلق (النظام) في اللغة على ما نظمت فيه الشيء من خيط وغيره، وكل شعبة وأصل منه نظام ونظام كل أمر ملاكه والجمع أنظمة ونظم يقال ليس لأمرهم نظام أي ليس لأمرهم هدى ولا متعلق يتعلق به([7]) .
وعند الفقهاء (النظام) هو: “مجموعة الأوامر والنواهي والإرشادات التي تحدد الطريقة التي يجب اتباعها في تصرف معين “([8]) .
وعلى ذلك فمـفهــوم النظام الإسلامي هو: مجموعة الأصول والمبادئ الكلية التي حددها القرآن الكريم والسنة النبوية في تنظيم كافة شئون الدولة وتشمل النظام السياسي والاجتماعي والمالي (الاقتصادي) والتشريعي والجزائي والتربوي والتعليمي والحسبي والجهادي (العسكري) في الإسلام، والأهداف التي يرسمها النظام الإسلامي الشامل تحقق جميعها الغاية التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها ألا وهي عبادة الله تعالى وحده، كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[سورة الذاريات الآية 56] والعبادة تقتضي الطاعة المطلقة لله تعالى، وتطبيق أنظمة دينه التي شرعها للناس، تلك الأنظمة الربانية الحكيمة الكفيلة بتعبيد الناس لرب العالمين، والجديرة بتحقيق العدالة والمساواة والأمن والسعادة للبشرية جمعاء، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]،
[المفتاح السادس]: أهم خصائص النظام الإسلامي الشامل في دولة الإسلام : من أهم خصائص النظام الإسلامي الشامل في دولة الإسلام ثلاث أمور تميزها عن أي نظام وضعي جاهلي، (أولها): وجوب التقيد بالشرع، و (ثانيها): الشورى وخضوع الدولة لحسبة (محاسبة) علماء الأمة، و (ثالثها): طاعة الدولة في إطار طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، أولاً: وجوب التقيد بالشرع: إنّ منطلق السيادة في الدولة الإسلامية هو الشرع الإلهي وقد جعل الله تعالى الخروج على مسار الشرع كفرا،أو فسقا،أو ظلما فقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[سورة المائدة الآية 44] وقال عزّ وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[سورة المائدة 45] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة 47] والكفر الوارد في الآية إن كان كفر اعتقاد (جحود لحكم الله أو استحلال للحكم بغيره) فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وإن كان الاعتقاد موجود ولكن الحكم بغير ما انزل الله مع الإقرار به فهو كفر عمل، أي كفر دون الكفر الاكبر، وقد أثر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في ذلك قوله: ” هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ” ([9]) .
ثانياً: الشورى وخضوع الدولة لحسبة (محاسبة) علماء الأمة: من أهم قواعد العلاقة بين الأمة والدولة في النظام الإسلامي قاعدتان هما: قاعدة الشورى وقاعدة الحسبة على الدين (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهاتان القاعدتان تمثلان الضمانة الحقيقية في مراقبة السلطة الحاكمة، وضمان سيرها على منهج الله تعالى لا تحيد عنه، فمبدأ الشورى هو من أهم مقومات النظام الإسلامي، وهو أهم عوامل نجاح العمل وصحته وصوابه، ولا يمكن بأي حال أن نتحدث عن أنظمة الإسلام دون أن نتطرق إلى الحديث عن واحد من أهم مميزاتها ؛ ألا وهو (مبدأ الشورى) ولأهميته سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه (سورة الشورى) دلالة على أهمية تحقق هذا المبدأ في أي شأن من شئون المسلمين، ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين مصداقًا لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، فالشورى تمثل الضمانة الحقيقية لتطبيق المنهج الإسلامي المتكامل الذي يعطي أكبر مساحة للمساهمة الجماعية وللمشاركة فيما هو حق وعدل في سياسة الأمة، ومن ثمّ فإن الأمة متمثلة في علماء الشريعة تكون قادرة على رقابة مدى التزام الدولة بمنهج الله بموجب التكليف القرآني الوارد في قوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران الآية 104] فعلى علماء الأمة ومحتسبيها تقع مسؤولية رقابة الدولة ورقابة الانحراف في سلوكها عن منهاج الله تعالى، ثالثاً: طاعة الدولة في إطار طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[سورة النساء الآية 59]، في حدود قوله صلى الله عليه وسلم: (عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ) ([10]) .
فطاعة الله واجبة على الأمة وطاعة رسول الله من طاعة الله ولكن طاعة أولي الأمر رهينة بأمرين أولهما: أن يكون أولو الأمر من جماعة المسلمين لقوله تعالى: {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}، وثانيهما: طاعة أولي الأمر رهينة بانتفاء معصية الله ورسوله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا سارت الدولة على منهاج الإسلام، وجب على الأمة طاعتها في كل ما تأمر به، ومناصرتها بكل جهد من أجل تحقيق غايتها من حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض، ومن ثم سياسة الدنيا كلها به.
[المفتاح السابع]: الفارق العظيم بين النظام الإسلامي والنظام الوضعي الجاهلي: النظام في العرف الجاهلي هو: “مجموعة الأحكام التي اصطلح مجتمع ما على أنها واجبة الاحترام وواجبة التنفيذ لتنظيم الحياة المشتركة لهذا المجتمع وكل ما يخالف هذا النظام يكون باطلا “، وعلى ذلك فسائر الأنظمة الوضعية الجاهلية تقوم على أساس أن الشعب هو الذي يشرع لنفسه وأنّ السيادة في التشريع للشعب، أما النظام الإسلامي فيختلف اختلافا جوهريا عن كل هذه الأنظمة الجاهلية، لأنّه يقوم على أساس أن الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله، فالسيادة فيه لله، والعبودية للبشر، ولذلك فالنظامان لا يلتقيان، أحدهما رباني والثاني جاهلي.
(تنبيه) في فهم الآية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}: إضافة الشيء إلى الجاهلية، أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية ، لا يلزم منها الكفر، وبرهان ذلك: أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه لـمّا عيّر رجلاً: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ([11]) .
كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم أموراً – اتفق أهل السنة على عدم التكفير بها – بأنها من أعمال الجاهلية، منها: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت ([12]) .
وعلى ذلك فلا يقول بالتلازم بين: النسبة للجاهلية والكفر، إلا الخوارج، ورحم الله البخاري حيث بوب بقوله: (باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها ، إلا الشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، وقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء 48، 116]) ([13]) . والمعنى أنّ ما سوى حكم الله العليم الخبير فهو جهل وجاهلية،
***
المبحث الثاني التعريف بالنظام السياسي في الإسلام
[المفتاح الأول]: تعريف النظام السياسي في الإسلام: النظام السياسي في اللغة: (السياسة) لغة: القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((كَانَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاء فَيَكْثُرُونَ” قالُوا: فَمَا تَأْمُرنَا؟ قال: “فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعاهُمْ)) ([14]) . قال ابن الأثير في قوله صلى الله عليه وسلم:(تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ): “أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه ” أهــ ([15]) .
و(النظام) لغة: هو مجموع الأشياء المترابطة المتناسقة المتآلفة التي يكون لها ثبات واطراد، و (في الإسلام) أي وفق شريعة الدين الإسلامي، و (النظام السياسي في الإسلام): هو مجموعة الخطوات أو الإجراءات المتناسقة التي يتم من خلالها تدبير الأمور وتسييرها في الدولة بطريقة صالحة وفق حدود الشريعة التي جاء بها دين الإسلام، هذا بالنظر إلى المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي (للنظام السياسي في الإسلام): أما في الاصطلاح فالمعنى المقصود به: النظام العام للدولة الإسلامية، ونظام الحكم فيها، وكيفية اختيار الحاكم، وحقوقه وواجباته، وحقوق وواجبات المحكوم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والعلاقة بين الدول في حالتي السلم والحرب وفق الشريعة الإسلامية، ونظام تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدَّى حدود الشريعة وأصولها الكلية، وهو يشمل مجموعة الأحكام وما ينتج عنها من هيئات أو مؤسسات وتنظيمات متعلقة بالدولة الإسلامية من حيث إقامة الدولة وإدارتها والمحافظة عليها وتحقيق غايتها، ويدخل في إقامة الدولة الأحكام المتعلقة بنَصْب الخليفة، من حيث حكم توليته وشروطه وواجباته وحقوقه وكيفية اختياره، وصفات من يختاره، وكيفية انتقال السلطة وموجبات ذلك، وحدود صلاحياته، كما يدخل في إدارتها: الأحكام المتعلقة بالسلطة، من حيث أنواعها، ومصدرها، والقيود التي ترد عليها، وأحكام الوزارة و الولايات وتقسيم البلدان، وإنشاء المرافق العامة، وأحكام الشورى، وصفات من يتولون المناصب العامة وحقوق الرعية وواجباتها، كما يدخل في ذلك الأحكام المتعلقة بأمن المجتمع، من حيث الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصب القضاة وإقامة الحدود،، ويدخل في ذلك الحديث عن وضع أهل الذمة وغير المسلمين في الدولة الإسلامية، كما يدخل في ذلك أحكام العلاقات الخارجية، وكل ذلك يتضافر معاً ليكون وحدة واحدة هي النظام السياسي الإسلامي.
[المفتاح الثاني]: السياسة جزء أصيل لا ينفصل عن دين الإسلام: النظام السياسي الإسلامي جزء من أجزاء نظامه الشامل: فإن دين الإسلام قد جاء كاملا شاملا لكل نواحي الحياة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أنظمة الدين الشامل، بل لا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض من حفظ الدين وتطبيق أحكامه إلا من خلال نظام سياسي إسلامي رباني يسوس الدنيا بالإسلام وينتشر الدين ويحقق التوحيد والعدل والاستقرار، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، فما أكثر آيات القرآن الكريم التي تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود، وإقامة شرع الله، والأمر بالشورى، ولزوم طاعة الحكام، ونحو ذلك، وما أكثر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى بيعة الخليفة، وأن من لم يبايعه مات ميتة جاهلة، وما أكثر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى لزوم طاعة الأمير في غير معصية الله، وفي الفقه الإسلامي أبواب كاملة تتناول اجتهادات الفقهاء القائمة على نصوص القرآن والسنة والتي توضح الكثير من الأحكام والقواعد المهمة المتعلقة بالنظام السياسي في الإسلام، ثم كيف يسوغ لجاهل أن ينكر أن الإسلام دولة أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحمل هم الدين وتطبق أهداف رسالته على الأرض، وإلا فمن يرفع راية التوحيد، ومن يقيم شعائر الدين، ومن يعظم شعائره، ومن يطبق الحدود، ومن يحفظ أركان الإسلام، ومن يدافع عن الإسلام وأهله، ومن يطبق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، ومن يحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، ومن يقوم بإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام إن لم يكن هناك نظام سياسي إسلامي تقوم أسسه وقواعده على الكتاب والسنة.
[المفتاح الثالث]: حكم فصل الدين عن السياسة: هذه المقولة إن اعتقدها قائلها عن علم بها ومقاصدها وأهدافها كفر، إذ هو كفر ببعض آيات القرآن التي تنظم الحياة السياسية والتي تحكم النظام السياسي على وجه العموم، والله تعالى يقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 85،86]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وفصل الدين عن السياسة يعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في أي تشريع رباني نص عليه القرآن فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين، وصدق الله تعالى إذ يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
[المفتاح الرابع]: جوانب الثبات والمرونة في النظام السياسي في الإسلام: من عوامل الكمال والعظمة والشمول الزماني والمكاني للنظام السياسي في الإسلام أن فيه جانبان: جانب الثبات، وهو جانب التشريع الرباني، وجانب المرونة القائم على الاجتهاد والتشاور.
(الأول): جانب النص التشريعي في الإسلام تحليلاً وتحريماً، تصحيحاً وإبطالاً، وهذا إنما هو لربِّ الناس، وأحكام هذا الجانب الشرعي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان وهذا الجانب يجب الحكم به وتطبيقه في حياة المسلمين، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، و قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، و قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، و قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، و قال تعالى: {{وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
(الثاني): جانب الاجتهاد، (اجتهاد قائم على تحقيق المصلحة في زمان محدَّد ومكان محدَّد)، وهذا الاجتهاد إنما يكون في أمور ليست من التشريع، وإنما هي من التنظيم والترتيب الذي بها ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء، وما دام أنها تلتزم بأحكام الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وأكثر هذه أمور متعلق بالخبرة البشرية وبتطورات الحياة وتقدُّم الإنسانية في معارفها، وهذا الجانب يمثل الجزء المرن في النظام السياسي الإسلامي، بل وفي كافة أنظمة الدين القيم، وهذا الجانب قائم على الاجتهاد والشورى بين المسلمين فيما يحقق لهم المصلحة، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وأهم شروط وضوابط هذا الجانب: أن لا يوجد في المسألة حكم شرعي ملزم، وأن يكون الاجتهاد فيه محقِّقا للمقصود الذي من أجله وُضع، وأن لا يخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصداً من مقاصد الشريعة، وأن لا يخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية، وأن لا يترتب على وجوده مفسدة تربو على المصلحة التي يحققها، وكلا الجانبين النصي والاجتهادي يمثلان عوامل الثبات والمرونة في دين الله القيم الصالح لكل زمان ومكان، المُصلح لكل زمان ومكان، قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]
[المفتاح الخامس]: مصادر علم النظام السياسي في الإسلام: المصدر الأول من مصادر علم النظام السياسي في الإسلام هو: القرآن الكريم، وهو المصدر الرباني الأول المحفوظ، وقد اشتمل على أسس وقواعد النظام السياسي في الإسلام، ما ترك منها أصلا إلا وبينه، ولا قاعة إلا وضحها، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنعام: 38]، وقال تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله}، و قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}، وقال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، ولهذا فالمصدر الأول لعلم النظام السياسي في الإسلام هو القرآن الكريم، والمصدر الثاني من مصادر علم النظام السياسي في الإسلام هو: السنة النبوية والسيرة النبوية، وهو مصدر معصوم، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4]، فلقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم السياسة بنفسه فكان الرئيس والقائد مع النبوة والرسالة وكان الداعية إلى الله كما كان الحاكم لدولة المسلمين وقد جمع الله تعالى له شؤون الحكم مع شؤون النبوة والرسالة، وكان صلى الله عليه وسلم يقيم فيهم الأحكام الدنيوية من نحو إقامة الحدود وإعلان الجهاد ضد أعداء الله، وعلى ذلك فإن المصدر الثاني لعلم النظام السياسي في الإسلام هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمصدر الثالث: مصادر خاصة متخصصة في النظام السياسي الإسلامي، وهي المؤلفات التي كتبت في مباحث النظام السياسي في الإسلام ومنها على سبيل المثال: الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن الماوردي (364 – 450هـ)، والأحكام السلطانية، لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 – 380هـ)، وغياث الأمم في الْتياث الظُّلَم، لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 – 478هـ)، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لابن تيمية (661- 728هـ)، وبدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله الأندلسي المالكي (توفي سنة 896هـ)، والسياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلاميّة للشيخ عبد الوهاب خلاف (توفي سنة 1376هـ)، والمصدر الرابع: مصادر عامة ذكرت مباحث النظام السياسي أو بعض مباحثه ولم تختص في فقه النظام السياسي ومنها كتب العقيدة لأن بعض مباحث النظام السياسي في الإسلام لاسيما المتعلقة بالإمامة الكبرى، وحق الطاعة وتحريم الخروج على ولي الأمر وغير ذلك من مباحث نجدها في كتب العقيدة، وكتب الفقه الإسلامي إذ الأصل أن جميع أحكام النظام السياسي تكون ضمن مباحث الفقه الإسلامي، لذلك فقد تكلم الفقهاء في الفقه الإسلامي عن أحكام النظام السياسي وكثير من مباحث النظام السياسي من حق البيعة وأحكام الحرب والصلح وأحكام الولايات نجدها جميعها ضمن مباحث كتب الفقه، وكتب تفسير القرآن إذ أن علماء التفسير يتكلمون عن كثير من مباحث الحكم وقواعده ومقاصد الدولة في الإسلام عند تفسيرهم لكثير من الآيات التي تمثل المصدر الأساس لعلم النظام السياسي في الإسلام، وكتب شروح الحديث والسيرة النبوية، وذلك لأن السنة النبوية هي المصدر الثاني لعلم النظام السياسي في الإسلام لذلك نجد كثيرًا من مباحثه في كتب شروح الحديث وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكلم علماء السنة النبوية عن كثير من مباحث حقوق الإمام، والبيعة، وتحريم الخروج على الإمام، ووجوب لزوم الجماعة، وغير ذلك من مباحث هذا العلم، تعد شروح الحديث ومصنفاته ومصنفات السيرة من المصادر الموضحة لمعالم النظام السياسي في الإسلام.
[المفتاح السادس]: مقاصد النظام السياسي في الإسلام (حراسة الدين – سياسة الدنيا بالدين): النظام السياسي في الإسلام وسيلة إلى مقاصد عظيمة يعجز عن تحقيقها آحاد المسلمين، ولكن دولة الإسلام بما لها من نظام سياسي رباني قوي متماسك يستطيع تحقيقها، ويمكن إجمال تلك المقاصد في مقصدين كبيرين، أولهما: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة:
[المقصد الأول]: حراسة الدين: ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه وتطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وتطبيق أحكامه في علاقة الدولة – دار الإسلام – مع غيرها من الدول، وحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، وإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة، وقد سبق بيان ادلتها في المبحث السابق.
[المقصد الثاني]: سياسة الدنيا بالدين، ويشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ولأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة صالحة بدونه، وليس للعدل مجالات محددة في الإسلام بل هو واجب في كل نواحي الحياة المختلفة، كما أنه واجب التطبيق على مستوى المؤسسات في الدولة، وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد، فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس، وخاف أهل البغي والفساد، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع، مثل تنظيم الري وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال، وقد سبق بيان ادلتها في المبحث السابق.
***
المبحث الثالث مقومات النظام السياسي في الإسلام
وفيه مطالب:
المطلب الأول: المقوم الأول من مقومات النظام السياسي في الإسلام (ولي الأمر أو الحاكم في نظر الإسلام).
المطلب الثاني: المقوم الثاني من مقومات النظام السياسي في الإسلام ( الشوري).
المطلب الثالث: المقوم الثالث من مقومات النظام السياسي في الإسلام ( نظام القضاء).
المطلب الرابع: شئون الدولة في النظام السياسي الإسلامي.
المطلب الخامس: السياسة الداخلية والخارجية في النظام السياسي الإسلامي.
المطلب السادس: حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.
المطلب الأول:
المقوم الأول من مقومات النظام السياسي في الإسلام (ولي الأمر أو الحاكم في نظر الإسلام).
[المفتاح الأول]: مقومات النظام السياسي في الإسلام: إن النظام السياسي في الإسلام يقوم على مقومات عديدة: أهمها: (نظام الحكم – نظام الشورى – القضاء – الفصل بين السلطات)، ولا بد من الكلام عن كل واحد من هذه المقومات على حدة.
[المفتاح الثاني]: المقوم الأول من مقومات النظام السياسي في الإسلام: (نظام الحكم – مؤسسة الخلافة): و(الخلافة) هي أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام، فكل المقومات الأخرى تابعة لها، وقد بلغ من أهميتها أن النظام السياسي الإسلامي نفسه سُمِّي بها، فنقول: النظام السياسي في الإسلام، أو نقول اختصاراً (الخلافة)، قال الماوردي في تعريف هذا المنصب الجليل: ” الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا” أهــ([16]) .
وقال إمام الحرمين: ” الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا” أهــ ([17]) .
و(الخليفة) المقصود بالخليفة: هو من يتولى إمرة المسلمين أي: رئاسة الدولة الإسلامية، ويسمى أيضاً بالإمام، أو الأمير، وهو رئيس لدولة موصوفة بوصف الإسلام، دوره فيها حفظ الدين الإسلامي وسياسة حياة المسلمين به.
[المفتاح الثالث]: وجوب نصب الخليفة: ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلا بها، وعلى ذلك فنصب الخليفة الذي يتولى الحكم وإدارة شؤون الناس من فرائض الإسلام التي دلّ عليها القرآن والسنة والإجماع وطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية ولذلك أجمع فقهاء الامة على أنّ نصب الخليفة واجب، نقل إجماعهم الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي، “عقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع” أهــ ([18]) .
وابن خلدون في مقدمته: “إن نصب الإمام واجب، فقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وإلى تسليم النظر اليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعا دالاً على وجوب نصب الإمام ” أهــ ([19]) .
وقال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم. أ. هـ ([20]) .
وقال القرطبي: (ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم. وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه ([21]) .
والواقع العملي: حيث أن كثيراً من أحكام الشريعة يحتاج تنفيذها إلى قوة وسلطان، مثل أحكام الجهاد، وإقامة الحدود والعقوبات، وإقامة العدل بين الناس، فلا بد من نصب الإمام حتى يمكن تنفيذ هذه الأحكام، والخليفة (الإمام) هو من ينوب عن الامة الإسلامية في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعاً، ومن الأدلة على وجوب نصب الإمام:
أولاً: من القرآن الكريم:
قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} الآية [النساء آية 59]، أورد الطبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن أولي الأمر هم الأمراء) ثم قال الطبري: أولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة) ([22]) .
ثانياً: من السنة ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»([23]) .
أي: بيعة الإمام، وهذا واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب، وما رواه الإمام احمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة) ([24]) .
ثالثًا: الإجماع: ومن أهم الأدلة الدالة على وجوب الإمامة الإجماع على ذلك من قبل الأمة، وأول ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على تعيين خليفة للنبي – صلى الله عليه وسلم – بعد وفاته، بل حتى قبل دفنه وتجهيزه ([25]) .
وفي تقديمهم اختيار الخليفة ومبايعته قبل تجهيز النبي – صلى الله عليه وسلم – دلالة على أن ذلك من أهم الواجبات، وإلا لما ساغ تقديمه على دفن الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ويقول النووي: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ..) ([26]) .
ويقول ابن خلدون: (نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالاً على وجوب نصب الإمام) أ – ه([27]) .
ويقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: (إن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج، وعمّ السيف وشمل القحط، وهلكت المواشي، وتعطلت الصناعات، وكان كل من غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيًا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أُسٌّ والسلطان حارس، ومالا أُسَّ له فمهدوم. وما لا حارس له فضائع وعلى الجملة لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم، وما هم عليه من تشتت الأهواء، وتباين الآراء لو خُلُّوا وشأنهم، ولو لم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم , وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدين ونظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعًا، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك. أ. هـ([28]) .
[المفتاح الرابع]: من يملك حق انتخاب الخليفة: بالأساس الأمة هي من التي تملك حق نصب الخليفة قياماً منها بهذا الواجب الشرعي الذي خوطب به المسلمون، يؤكد ذلك ما جاء في المغني “من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته” أهــ([29]) .
فــ (الأساس هو حق الأمة في انتخاب الخليفة) لأنّ الامة هي المخاطبة في القرآن بتنفيذ أحكام الشرع وإعلاء كلمة الله في الأرض وإقامة المجتمع الإسلامي الفاضل فمن ذلك قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} وقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، وقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}، فهذه النصوص وأمثالها كثير تدل على مسؤولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الإسلام، وما دامت الأمة مسؤولة عن تنفيذ أحكام الإسلام، ومطالبة به، فهي تملك – بداهة – السلطة على هذا التنفيذ – بتمليك من الشارع – وحيث إن جماعة المسلمين لا تستطيع أن تباشر سلطانها بصفتها الجماعية لتعذره في الواقع، فقد ظهرت النيابة في الحكم والسلطان، بأن تختار الأمة الخليفة لينوب عنها في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعاً.
[المفتاح الخامس]: طرق انعقاد الإمامة: انعقدت الخلافة لأبي بكر الصديق بالاختيار، وانعقدت لعمر الفاروق بالاستخلاف، وانعقدت لعثمان رضي الله عنه بالترشيح، وانعقدت لعلي رضي الله عنه بالبيعة، (الحالة الأولى): الاختيار: وهي بيعة الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه حيث اجتمع الصحابة رضوان الله عليهم في السقيفة وبايعوه ثم بايعه الناس في المسجد فكان بالاختيار، بعضهم نظر إلى هذا الذي حدث في السقيفة فقال: هؤلاء هم أهل الحل والعقد الذين اجتمعوا في السقيفة من المهاجرين والأنصار، فسماهم أهل الحل والعقد، فاختار الخليفة أهل الحل والعقد ثم كانت البيعة العامة في المسجد، و(الحالة الثانية): الاستخلاف: وهو أنْ يحدّد الخليفة العدل إذا حضرته مقدّمات الوفاة الخليفة من بعده، كما فعل الصديق رضي الله عنه واختار للأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتولى عمر رضي الله عنه بعده بالاستخلاف ثم البيعة العامة في المسجد، أخرج البخاري عن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قيل لعمر: ألا تستخلف قال: (إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم) ([30]) .
قال الماوردي في الأحكام السلطانية0: (وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته)، ([31]) . والاستخلاف يشترط فيه رضى المسلمين، فإذا استخلف الخليفة الأول الخليفة الثاني يشترط فيه أن يرضاه المسلمون، قال أبو يعلى: (الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين) ([32]) .
و(الحالة الثالثة): الانتخاب وهو أنْ يجعل الخليفة الأمر بين جماعة من المؤمنين يختاروا من بينهم، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل الشورى في ستة يختاروا من بينهم واحدا فاختاروا عثمان ثم يبايعه الناس، و(الحالة الرابعة): البيعة المباشرة، وهو ما حدث مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث كانت بيعته عامة في المسجد عندما جاءه الثوار عرضوا عليه البيعة فأبى إلا أن تكون البيعة في المسجد، فما بايعه الناس إلا في المسجد وبايعهم طلحة والزبير وغيرهم رضوان الله عليهم، وبايعه الناس في المسجد وصار خليفة فكأنها مثل الأولى وهو الاختيار من اختاره الناس فهو الخليفة، قال النووي شرح مسلم (أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة) ([33]) .
، وهناك (حالة خامسة): مستجدة استجدتها ظروف الامة وواقعها ألا وهي التغلب: (التغلب): أي يقاتل المسلمين ويحكمهم قهرا، المتغلب عاص وآثم وليس هذا من منهاج الخلافة الراشدة، فالخلفاء الراشدون رضوان الله عنهم لم يتغلب أحد منهم ولم يبايعهم المسلمون مكرهين وإنما كانت بيعتهم بيعة رضى، وإنما العلماء فيما بعد في عهد بني أمية وبني العباس أفتوا بحكم الواقع فقالوا بالمصلحة يعتبر خليفة، قال النووي في: (وأما الطريق الثالث، فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الامام، فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، أي راعى فيها المصلحة فإن لم يكن جامعا للشرائط بأن كان فاسقا، أو جاهلا، فوجهان، أصحهما: انعقادها لما ذكرناه وإن كان عاصيا بفعله) أه([34]) .
وجاء في الاحكام السلطانية لأبي يعلى: (قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (ومن غلب عليهم -يعني الولاة- بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً) واحتج الإمام أحمد بما ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: (وأصلي وراء من غلب) أه([35]) .
وأخرج أبي سعيد في [الطبقات– بسند جيد – عن زيد ابن أقال: (ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدي إليه زكاة ماله)، ([36]) .
وفي صحيح البخاري، كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس، عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: (كتب: أني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وان بني قد أقروا بمثل ذلك) ([37]) .
وقوله: (حيث اجتمع الناس على عبد الله عبد الملك)، يريد: ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان، وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير – رضي الله عنه –، وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك واستقر له الأمر بايعه،([38]) .
وهذا الذي فعله ابن عمر من مبايعة المتغلب هو الذي عليه الأئمة، وانعقد عليه اجماع الفقهاء، روى البيهقي في مناقب الشافعي عن حرملة قال: (سمعت الشافعي يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمي خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة) أهـــ ([39]) .
وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح، فقال: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء) أهـــ ([40]) .
[المفتاح السادس]: كيف تختار الأمة الخليفة؟: انتخاب الخليفة من حق الأمة المسلمة جميعها، ولما كانت الأمة فيها الجاهل بهذه الأمور، وفيها العامي من أهل الحرف والصناعات، وفيها الصغير، ومن لا يصلح لاختيار الصواب، لذا ينوب عن الأمة في ذلك: (أهل العقد والحل في الامة) أو ما يسميه الفقهاء (أهل الاختيار) أو ما يمكن تسميته بــ (مجلس شورى المسلمين)، فهذا الأمر متروك لهم، فيتعين عليهم اختياره و نصبه ويجب على الخلق طاعته، ويذهب بعض الفقهاء إلى أن أهل الحل والعقد هم الأمراء والحكماء والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع اليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة” ويفهم من هذا القول أن أهل العقد والحل هم المتبعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة والإخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الامور والحرص على مصالح الأمة، وهو قول جمهور الفقهاء، ويذهب البعض إلى وضع شروط لأهل العقد والحل تعينهم على صواب الاختيار، وقد أجمل الماوردي هذه الشروط بقوله: ” فأما أهل الاختيار، فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: أحدها: العدالة الجامعة لشروطها، والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف” أهــ [الأحكام السلطانية: ص 8]، وهذا القول لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع إلا من خلال مجلس مستقل يجمع أهل العلم والفقه بالدين المعروفين بالعلم والعمل والرئاسة في الدين والمعروفين بالحكمة والعدالة وحسن السيرة بين المسلمين، وهذا المجلس قد يسمى (مجلس أهل العقد والحل) أو (مجلس الشورى) ويناط به اختيار من هو للأمة أصلح وبتدبير المصالح أقوم، وله دور أهم هو دور الحسبة على أعمال الخليفة، لتقييم وتقويم أعمال النظام الحاكم في البلاد، ومن ثم له القدرة على عزل الخليفة متى خرج عن دوره في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وأما علاقة (هذا المجلس) بالأمة فهي علاقة النائب والوكيل، فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة – الخليفة – نيابة عن الأمة، ومن ثم يعتبر انتخابهم له ملزماً للأمة، وعزلهم له ملزما للأمة كذلك، متى كانت آليات العزل ممكنة متاحة.
[المفتاح السابع]: (ولاية العهد) أو (الاستخلاف): الأمة هي التي تختار الخليفة عن طريق (أهل الحل والعقد)، ولكن يجوز للخليفة إذا حضرته مقدمات الوفاة أن يعهد إلى من يرى فيهم الصلاح لهذا الأمر، ولكن لا يُعترف به خليفة للمسلمين حتى ينال ثقة (مجلس شورى المسلمين) الذي ينوب عن الامة في اختيار الخليفة، فإن رضي به المجلس صار الخليفة وإلا رشح (مجلس شورى المسلمين) بعض من يصلح للخلافة ويكون التصويت عليه من قبلهم، والأصل في (ولاية العهد) أنه وقع فعلاً في عصر الخلفاء الراشدين فقد عهد أبو بكر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وعهد عمر إلى ستة يختارون من بينهم واحداً للخلافة، وعلى هاتين السابقتين اعتمد الفقهاء في اثبات جواز ولاية العهد واعتبروا جواز هذا المسلك ثابتاً بالإجماع، ولكنه وفق الضوابط السابقة، فلا تنعقد له البيعة بولاية العهد، وإنما تنعقد بعهد (مجلس شورى المسلمين) الوكيل عن الأمة في اختيار الخليفة، فقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية للفقيه أبي يعلى الحنبلي ” يجوز للإمام أن يعهد إلى امام بعده،،، ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد للإمامة،، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين،،، إن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت” أهــ([41]) .
ومعنى هذا: أن ولايه العهد ما هي إلا ترشيح للخلافة لا أكثر، والدليل على ذلك أنه في سابقة عهد أبي بكر إلى عمر، شاور أبو بكر أهل الحل والعقد في رغبته في العهد إلى عمر فاظهروا رضاهم وموافقتهم، وهذا ثابت في التاريخ، وعلى هذا يكون عهد أبي بكر إلى عمر كأنه عهد من أهل الحل والعقد بالإمامة إلى عمر بعد وفاة الخليفة، وعلى هذا التوجيه يمكن اعتبار عهد أبي بكر كاشفاً لارادة أهل الحل والعقد، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب إلى الستة لاختيار خليفة منهم، فقد آل أمر الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فقام باستشارة كبار الصحابة وأهل الحل والعقد ثلاثة أيام بلياليها فرآهم يرضون بعثمان بن عفان فأعلن عند ذاك اختياره له ومبايعته له فبايعه المسلمون، فيكون اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان كاشفاً عن اختيار أهل الحل والعقد ولذلك بايعوه، فالأمر في الحالتين ترشيح للخلافة، يليه انعقادها بعهد (مجلس شورى المسلمين) الوكيل عن الأمة في اختيار الخليفة، ثم تتم بيعة الامة بعد ذلك، ففيما تقدم نرى ضابطين لعقد الإمامة، الأول: توافر شروط استحقاق الخلافة في الشخص المختار لذلك، والثاني: موافقة أهل الاختيار (الحل والعقد) عليه، ولا يجوز الافتئات على حق الأمة في اختيار الخليفة بإلغاء دور (مجلس شورى المسلمين) في بيعة الخليفة، فما لم يعلن أهل الحل والعقد اختيارهم الصريح وبيعتهم الصريحة لا يصير المعهود إليه – المرشح – خليفة، وقد جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحذر من الافتئات على حق الأمة في اختيار الخليفة والتعجل فيه بالرأي دون الرجوع إلى أهل العقد والحل (مجلس شورى المسلمين)، منها حديث (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ([42]) ومثله حديث(أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ([43]) .ومثله حديث: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([44]) .
[المفتاح الثامن]: (شروط الخليفة): الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الخليفة: الشروط التي لا بد أن تتوفر في الخليفة مجموعة من عدة شروط جمعها العلماء بناءً على طبيعة عمل الخليفة، وهذه الشروط مأخوذة من: (أولا): شروط التكليف العامة وهي الإسلام والبلوغ والعقل، (ثانيا: شروط الولاية عامةً وهي العدالة والحرية، ثالثا: شروط الإمامة العامة المنصوص عليها وهي القرشية والمجمع عليها وهي الذكورة، رابعا: شروط اجتهادية مصلحية وهي الاجتهاد والكفاءة النفسية والجسدية، وقد جمعها الماوردي بقولة ـ: ” الشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثانية: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه” أهــ([45]) .
ولبيان تلك الشروط: الشرط الأول: الإسلام: لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]} والخلافة أعظم السبيل فلا تكون لغير مسلم أبدا، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، منكم أي من المؤمنين، “قال: ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال، والإجماع هو على الإمارة العامة وليس على غيرها، قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: “قال القاضي عياض أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل”.
والشرط الثاني: البلوغ. لقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء:5]، فالسفيه كالطفل الصغير لا نعطيه المال، فمن باب أولى لا نعطيه الدولة،([46]) . قال ابن حزم في الفصل (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة ولا إمامة صبي)، ([47]) .فلا يولى الخلافة امرأة ولا صبي وهذا محل إجماع من المسلمين.
والشرط الثالث: العقل: قال ابن حزم في مراتب الإجماع (واتفقوا أن الامامة لا تجوز لامرأة ولا لكافر ولا لصبي لم يبلغ وأنه لا يجوز أن يعقد لمجنون)، ([48]) .
والشرط الرابع: الحرية: قال ابن حجر في فتح الباري : “قال ابن بطال: (وأجمعت الأمة على أنها أي الإمامة لا تكون في العبيد)، ([49]) .
فالعبد لا يملك نفسه ولا يملك أمره، فهل نوليه على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم!.
والشرط الخامس: الذكورية، قال ابن حزم في الفصل “وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة ولا إمامة صبي.”. “،([50])
والشرط السادس: العلم: قال الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام : “إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع”،([51]) .
وقال الرملي في نهاية المحتاج: قال إن هذا الشرط أن يكون الخليفة مجتهدا محكي فيه الإجماع، وذهب بعض أهل العلم إلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد ليس بشرط.، ([52]) .
قال الشهرستاني في الملل والنحل “ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد ولا خبير بمواقع الاجتهاد ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد فيراجعه في الأحكام ويستفتي منه الحلال والحرام ويجب أن يكون في الجملة الذي هو أمير المؤمنين ذا رأي متين وبصر في الحوادث نافذ.”، ([53]) .
وذكر الغزالي في كتاب فضائح الباطنية أن الاجتهاد ليس شرطا في الخليفة قال: “وليست رتبة الاجتهاد مما لا بد منه في الامامة ضرورة بل الورع الداعي الى مراجعة أهل العلم فيه كاف فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأي فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه” ([54]) .
والشرط السابع: العدالة: وهذا محكي فيه الإجماع أيضا، قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]: “لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الامامة لفاسق”،([55]) .
والشرط الثامن: القرشية: والقرشية شرط في الخلافة وليست في كل إمارة لكن في الخلافة هي شرط.، والمقصود بالقرشية أن يكون الخليفة من قريش من أي بطون قريش فلا يشترط أن يكون هاشميا فقد يكون فقد يكون أمويا أو تيميا أو عدويا أو مخزوميا، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري عن مُعَاويَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ هَذَا الأمْرَ في قُرَيشٍ، لا يُعَاديهِم أَحَدٌ إِلا كَبَّهُ اللهُ على وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ) ([56]) .
وأخرج البخاري عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يَزَالُ هذا الأمر في قُريشٍ ما بقيَ منهم اثنانِ) ([57]) .وأخرج الإمام أحمد في المسند عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَقَفَ فَأَخَذَ، بِعِضَادَتيِ الْبَابِ، فَقَالَ: “الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقٌّ، وَلَكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، مَا إِذَا اسْتُرْحِمُوا رَحِمُوا، وَإِذَا حَكَمُوا عَدَلُوا، وَإِذَا عَاهَدُوا وَفَّوْا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”،([58]) .
قال النووي في شرحه على مسلم “هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة “،([59]) .
وممن نقل الإجماع على شرط القرشية النووي الماوردي والأيجي والغزالي وابن خلدون، والذين خالفوا شرط القرشية هم الخوارج والمعتزلة وبعض الفقهاء المعاصرين، والشرط التاسع: الكفاءة الجسمية والنفسية، والمقصود أن يكون صحيح البدن أي سليم الحواس وسليم الأعضاء والحواس المقصود بها الحواس الخمس، وهذه محل نظر واجتهاد ليس فيها نص، وقد ذكر هذا الشرط الماوردي وأبو يعلى في الأحكام السلطانية، وكذلك الكفاءة النفسية: أي أن يكون شجاعا جريئا على إقامة الحدود واقتحام الحروب عارفا بالسياسة وحسن التدبير.
قال أبو يعلى في الاحكام السلطانية: “الثالث: أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة واقامة الحدود لا تأخذه رأفة في ذلك والذب عن الأمة، وقال الماوردي وهو يعدد شروط الإمام العام: “الخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.” ([60]) .
(تنبيه) هذه الشروط المتقدمة جميعها إنما هي شرط استحقاق المنصب، وأما تولي المنصب فيضاف له شرط آخر، وهو الموافقة عليه واختياره من أهل العقد والحل، وفيه يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: ” ومن استجمع الشروط المتفق عليها لا يصير إماماً له على الناس حق الطاعة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد” ([61]) .
[المفتاح التاسع]: (واجبات الخليفة): الخليفة هو رأس النظام السياسي في الإسلام ولذلك يجب على الخليفة أن يطبق جميع مقاصد النظام السياسي في الإسلام وهي واجبات شرعية كثيرة خلاصتها الحفاظ على الدين وحراسته، وتحقيق مصالح المسلمين الشــرعية والدنيوية ودرء المفاسد عنهم، ([62]) .
قال الماوردي في الأحكام السلطانية “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”،([63]) . وقال الجويني في الغياثي: “الإمامة رياسة تامة، وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا”،([64]) . وقد اجمل الفقهاء واجبات الخليفة وحقوقه فجعلوا أهم الحقوق عشرة واهم الواجبات عشرة.
[المفتاح العاشر]: أهم الواجبات على الحكام عشرة: فالواجب الأول: حماية بيضة الإسلام والذب عنها إما في كل إقليم – إن كان خليفة – أو في القطر المختص به إن كان مفوضاً إليه، فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش و تجنيد الجنود وتحصين الثغور بالعدة المانعة، والعدة الدافعة، وبالنظر في ترتيب الأجناد في الجهات على حسب الحاجات وتقدير إقطاعهم، وأرزاقهم، وصلاح أحوالهم.
و(الواجب الثاني): حفظ الدين على أصوله المقررة وقواعده المحررة، ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين، ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله، ورفع مناره ومحله، ومخالطة العلماء الأعلام، النصحاء لدين الإسلام ومشاورتهم في موارد الأحكام، ومصادر النقض والإبرام، قال الله – تعالي – لنبيه صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر}، قال الحسن: (كان – والله – غنياً عن المشاورة ولكن أراد أن يستن لهم).
و(الواجب الثالث): إقامة شعائر الإسلام كفروض الصلوات والجمع والجماعات والأذان والإقامة، والخطابة، والإقامة، ومنه النظر في أمر الصيام والفطر وأهلته، وحج البيت الحرام وعمرته، ومنه: الاعتناء بالأعياد وتيسير الحجيج من نواحي البلاد،وإصلاح طرقها وأمنها في مسيرهم وانتخاب من ينظر أمورهم.
و(الواجب الرابع): فصل القضايا والأحكام بتقليد الولاة والحكام لقطع المنازعات بين الخصوم، وكف المظالم عن المظلوم ولا يولي ذلك إلا من يثق بديانته وصيانته من العلماء والصلحاء، والكفاءة ليعلم حال الولاة مع الرعية فإن مسئول عنهم ن مطالب بالجناية منهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل راع مسئول عن رعيته).
و(الواجب الخامس): إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه، وأقل ما يجب في كل سنة مرة، إن كان بالمسلمين قوة فإن دعت الحاجة إلي أكثر منه، وجب بقدر الحاجة ولا يخلي سنة من جهاد إلا لعذر، كضعف بالمسلمين – والعياذ بالله تعالي – واشتغالهم بفكاك أسراهم واستنقاذ بلاد أستولي الكفار عليها، ويبدأ بقتال من يليه من الكفار إلا إذا قصده الأبعد فيبدأ بقتاله لدفعه.
و(الواجب السادس): إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية، صيانة لمحارم الله عن التجرؤ عليها، ولحقوق العباد عن التخطي إليها ويسوى في الحدود بين القوي والضعيف والوضيع والشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم: أنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع ويتركون الشريف، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها).
و(الواجب السابع): جباية الزكوات والجزية من أهلها، وأموال الفيء والخراج عند محلها وصرف ذلك في مصارفه الشرعية وجهاته المرضية، وضبط جهات ذلك إلي الثقات من العمال.
و(الواجب الثامن): النظر في أوقاف البر والقربات وصرفها فيما هي له من الجهات وعمارة القناطر وتسهيل سبل الخيرات.
و(الواجب التاسع): النظر في قسم الغنائم وتقسيمها، وصرف أخماسها إلي مستحقيها.
و(الواجب العاشر): العدل في سلطانه وسلوك موارده في جميع شأنه، قال – تعالي -: {أن الله يأمر بالعدل والإحسان.}، وقال – تعالي -: {وإذا قلتم فاعدلوا}، وفي كلام الحكمة: عدل الملك حياة الرعية وروح المملكة، فما بقاء جسد لا روح فيه؟ !، فيجب على من حكمه الله – تعالي – في عباده وملكه شيئاً من بلاده ن أن يجعل العدل اصل اعتماده ن وقاعدة استناده، لما فيه من مصالح العباد، وعمارة البلاد، ولأن نعم الله يجب شكرها، وأن يكون الشكر على قدرها، ونعمة الله على السلطان فوق كل نعمة، فيجب أن يكون شكره أعظم من كل شكر، وأفضل ما يشكر به السلطان لله – تعالي -: إقامة العدل فيما حكمه فيه، وقد اتفقت شرائع الأنبياء، وآراء الحكماء والعقلاء، أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات،وأن الظلم والجور سبب لخراب الممالك واقتحام المهالك ولا شك عندهم في ذلك) ([65]) .
[المفتاح الحادي عشر]: أهم حقوق الحاكم المسلم على الرعية: قال الماوردي -على سبيل الإجمال-: ” وإذا قام الإمام بما ذكرته من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة، ما لم يتغير حاله” أهــ وعند التفصيل فإنّ أهم حقوق الحاكم المسلم على الرعية عشرة:
(الحق الأول): بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً في كل ما يأمر به أو ينهي عنه إلا أن يكون معصية، (الحق الثاني): بذل النصيحة له سراً وعلانية.
(الحق الثالث): القيام بنصرتهم باطناً وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدي المعتدين.
(الحق الرابع): أن يعرف له حقه وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام.
(الحق الخامس): إيقاظه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته، شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه.
(الحق السادس): تحذيره من عدو يقصده بسوء.
(الحق السابع): إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم، لينظر لنفسه في خلاص ذمته، وللأمة في مصالح ملكه ورعيته.
(الحق الثامن): إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة,
(الحق التاسع): رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة.
(الحق العاشر): الذب عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل، في الظاهر والباطن والسر والعلانية.
[المفتاح الثاني عشر]: موجبات عزل الخليفة عن الخلافة: صرح الفقهاء أن موجبات عزل الخليفة عن الخلافة خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجاً يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة، ومن الأمور التي ذكرها الفقهاء والتي توجب عزل الخليفة: (1) ردة الخليفة وخروجه عن الإسلام، (2) الجنون المطبق، وظهور الخبل في العقل والعته في الرأي، (3) وقوع الخليفة في الأسر وبُعْد تَوَقُّع خلاصه، فإنه ينبغي في تلك الحالات أن يُعزل عن الخلافة، ويستأنف أهل الحل والعقد اختيار من يستحق الخلافة.
[المفتاح الثالث عشر]: (متى يمكن تنفيذ العزل): إذا كانت الأمة تملك حق عزل الخليفة عند وجود السبب الشرعي الداعي لذلك، إلا ان وجود السبب الشرعي للعزل لا يعني بالضرورة لزوم تنفيذ العزل، لأنه عند التنفيذ يجب أن ينظر في إمكانه ونتائجه، فإذا كان تنفيذه ممكناً وعلم أنه لا تترتب على العزل نتائج مضرة بالأمة تربو على عدم عزله، وجب العزل في هذه الحالة، وإذا علم أن التنفيذ غير ممكن أو ممكن بذاته ولكن تترتب عليه نتائج مضرة بالأمة تزيد على أضرار بقائه وعدم عزله، وجب أو ترجح عدم التنفيذ، لأن من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل على إزالته المنكر مستلزماً أو مقتضياً وقوع منكر أعظم منه.
المطلب الثاني:
المقوم الثاني من مقومات النظام السياسي في الإسلام ( الشوري)
[المفتاح الأول]: المقوم الثاني من مقومات النظام السياسي في الإسلام: (نظام الشورى): وتُعرَّف الشورى بأنها استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بها، والشورى طلب الرأي ممن هو أهل له من أهل التخصص والعلم، والشورى في الإسلام منوطة بفئة من علماء وقادة المسلمين يُطلق عليهم (أهل الشورى) أو (الحلِّ والعقد) أو (أهل الاختيار)، ويشمل هؤلاء العلماء (كل في مجال تخصصه) والقادة ووجهاء المسلمين ممن جعل الله تعالى لهم القبول عند عامة المسلمين.
[المفتاح الثاني]: أهمية الشورى: مبدأ الشورى هو من أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام وهو أهم عوامل نجاح العمل وصحته وصوابه،ولا يمكن بأي حال أن نتحدث عن النظام السياسي في الإسلام دون أن نتطرق إلى الحديث عن واحد من أهم مميزات هذا النظام الرباني المبدع، ألا وهو (مبدأ الشورى) ولأهميته سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه (سورة الشورى) دلالة على أهمية تحقق هذا المبدأ في أي شأن من شئون المسلمين، ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين مصداقًا لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.
[المفتاح الثالث]: حكم الشورى: يتراوح قول الفقهاء في الشورى بين الندب والوجوب، والتفصيل: أن هناك أمور لا تدخل فيها الشورى، وهو ما تبيَّن فيه حكم الشرع بإيجاب أو تحريم فلا تدخل المشاورة فيه، لقضاء الله ورسوله في ذلك: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، ولا تكون الشورى فيه إلا في كيفية التنفيذ، إذا كان هناك أكثر من طريقة لتنفيذه، وهناك أمور تتعلق بمصالح الأمة الجسيمة ولم يتضح وجه الصواب فيها لولي الأمر، فهذه ينبغي فيها المشاورة، وهناك أمور تستحب المشاورة فيها: وهي كل ما يراد اتخاذ قرار فيه، ووجه الصواب واضح لولي الأمر، فإنه يستحب لولي الأمر المشاورة فيه، وجمهور اهل الفقه على أنّ الشورى ملزمة في حالة العرض على أهل الشورى باعتبار أن الإلزام ورد في قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: من الآية 159). أي: إلزام الحاكم بعرض الأمر على أهل الشورى، ويجمع الفقهاء والعلماء على ذلك.
ولكن هل يلتزم الحاكم بالقرار الصادر من أهل الشورى وينفذه؟ لقد اختلف الفقهاء والعلماء في الإجابة عن هذا السؤال، فالجمهور يرى: أن من حق الحاكم أن يأخذ برأي أهل الشورى ويستمع إلى آرائهم وينتفع بها، ولا يلزمه تنفيذها، والفريق الآخر يرى: ضرورة التزام الحاكم برأي أهل الشورى وتنفيذ ما اتفقوا عليه، وهؤلاء قالوا: إن القول بعدم إلزامية الشورى يفضي إلى إفراغ الشورى من معناها، فلا مناص من القول بأنّ الشورى حيث تكون في النظام السياسي فهي ملزمة وواجبة، وإلا فالإبطال لحكمة الحكم الشرعيّ لا مفرَّ منها، والمسألة محل خلاف بين أهل العلم، فلعلها تكون ملزمة في أمور وغير ملزمة في أخرى. فتكون ملزمة إذا كانت المشاورة في حكم شرعي لا يعرفه الإمام أو في قضايا فنية يختص بمعرفتها أهل الخبرة والاختصاص. وأما الأحكام والقضايا الاجتهادية التي لم يرد فيها دليل ولا شبه دليل وإنما هي مسائل اجتهادية فعلى الإمام أن يعمل رأيه ثم يعزم على ما يؤديه اجتهاده، وله كذلك في مثل هذه الحالة أن يستنير بآراء العلماء وذوي الخبرة، وعامة الفقهاء يستفاد من كلامهم أن الأمير إذا استشار مع أهل شوراه، فإنه يأخذ من ذلك بما يراه صواباً، وما يبدو له راجحا، وبما هو في نظره حق أو أقرب إلى الحق. فالمرجع في النهاية. هو رأيه وتقديره. وهذا هو معنى “الشورى المعلمة.
أما عن كيفية أداء الشورى وطريقة اختيار أعضائها ونظمها، فإن الشارع، سبحانه وتعالى، قد أوجب مبدأ الشورى دون أن يحدد شكلاً معينًا لها، ومن هنا اكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام، وتركت لأولياء الأمور وضع القواعد اللازمة لتنفيذه تبعًا لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات. والتطور الحضاري للبشر، وقد ترك الرسول، صلى الله عليه وسلم، مبدأ الشورى دون أن يحدد له قواعد يسير عليها المسلمون من بعده، وذلك لأن الشورى من الأمور التي يتعذر وضع قواعد مفصلة لها تصلح لكل زمان ومكان، بل ينبغي تجديد وسائلها وأساليبها لملاءمة التطور الدائم وملاحقة عجلة الزمن، والرسول صلى الله عليه وسلم، كان يعلم بما ستؤول إليه الدولة الإسلامية من اتساع وفتوحات، ومن استيعاب لأجناس وشعوب متباينة ومتفاوتة في الطبيعة والتكوين، ولذا ترك وسائل تطبيق مبدأ الشورى قابلة للتطوير الدائم تبعًا للظروف المناسبة وبما يعود بالنفع على البشر.
[المفتاح الرابع]: شكل مجلس الشورى: الحق أن الشريعة جاءت بالكليات التي تدل على أهمية تطبيق الشورى في النظام الإسلامي، والتي تدل على مواصفات أفراد هذا المجلس، وعلى مهامه تجاه منظومة الحكم في دولة الإسلام، ولكنها تركت شكل المجلس وأعداد أفراده وطرق انعقاده لاجتهاد أولى الأمر والعلم من المسلمين، شريطة أن يقوم على مهامه على أتم حال.
[المفتاح الخامس]: العلاقة بين مسمى ” مجلس الشورى ” ومسمى ” أهل الحل والعقد “: هناك خيط دقيق يربط بين المسميين، وقد خلط بعض الفقهاء بين المعنيين، بسبب عدم التفصيل إذ أنّ بعضهم يرى أن الشورى ليست ملزمة، ثم يرى من صلاحيات أهل الحل والعقد عزل الخليفة، فظن أن مجلس الشورى ليس هو مجلس أهل الحل والعقد، وظن أن الأول يمثله العلماء والثاني يمثله القادة وذوو الشوكة والقوة من المسلمين، وهاهنا لبس يحتاج إلى تفصيل، وهو أن مجالس الشورى قد تتعدد، كلٌ في مجال تخصصه، وهذه المجالس المتعددة مهمتها استشارية ليست ملزمة، وليس هاهنا مقصودنا عن تلك المجالس الاستشارية، ولكن مقصودنا ونحن نتحدث عن النظام السياسي في دين الإسلام هو: (مجلس الشورى العام) الذي يمثل صفوة علماء المسلمين، وخاصة قادتهم الذين إذا اجتمعوا على رأي واحد،فلا ينبغي للخليفة مخالفتهم فيه، وإذا اختلفوا جميعا ردوا أمرهم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
[المفتاح السادس]: طبيعة اختلاف أهل الحل والعقد مع الخليفة: الاختلاف في مسائل الاجتهاد (التي ليس فيها نص ملزم) ليس لهم أن يلزموه برأيهم لأن هذا من حقوق ولايته، وعليهم أن يطيعوه فيه، أما إذا كان الخلاف (مما لا يسوغ فيه الخلاف) كأن يكون مخالفا لدين الإسلام مخالفة يقينية، تصل به إلى الكفر البواح، أو تعد خروجاً منه على القواعد الدينية، أو تعد مخالفة صريحة للغاية التي نُصب من أجلها، وهي حراسة الدين وسياسة الدنيا به،، فإن أهل الحل والعقد يُنبهونه، فإذا لم يقبل الخليفة، فإن أهل الحل والعقد يصدرون حكماً بعزل الخليفة، وبصدور هذا الحكم يفقد الخليفة منصبه وما يترتب عليه من حقوق وصلاحيات، ولا تجب له على أحد طاعة، ويستأنف أهل الحل والعقد عقد الخلافة لمن يرونه صالحا لها.
[المفتاح السابع]: مهام مجلس شورى المسلمين – أهل الحل والعقد -: لأهل الحل والعقد في النظام السياسي الإسلامي ثلاث وظائف أساسية: الأول: اختيار الخليفة، والثاني: الحسبة على أعمال الخلافة والمتابعة والمراقبة لأعمال الخلافة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،، والثالث: عزل الخليفة إن فعل ما يتوجب ذلك، ويمكن لأهل الحل والعقد أن يتابعوا ويراقبوا مؤسسة الخلافة وما ارتبط بها من المعاونين، كالوزراء وأمراء الأقاليم ونحوهم، لضمان تقيدهم بالشريعة وعدم الخروج عليها، ولكن ليس لأهل الحل والعقد أن يتدخلوا في أعمال الخليفة، إنما عليهم المراقبة والمتابعة والتأكد من جريان الأمور على الوجه الشرعي المطلوب، ولهم أن يستعينوا في عملهم بمن يحتاجون إليه من العلماء والفقهاء والقضاة وأصحاب الاختصاصات، كما أنه ليس لأهل الحل والعقد ولاية على الخليفة، بل هو له الولاية عليهم، وهم فيمن يبايعه على السمع والطاعة، وعليهم أن يطيعوا الخليفة فيما يأمرهم به، مثلهم في ذلك مثل باقي الرعية، إلا أن يأمرهم بعدم القيام بوظائفهم من المتابعة والمراقبة لمؤسسة الخلافة، فذلك لا يجوز، لأنهم يؤدون واجباً شرعياً، والخليفة لا يملك عزل واحد من أهل الحل والعقد ما دام قائماً بواجباته من غير إخلال بها.
[المفتاح الثامن]: الفرق العظيم بين الشورى والديمقراطية: نظام الشورى في الإسلام يختلف كثيرًا عن النظم الديمقراطية الوضعية، فالديمقراطية التي تعتبر حكم الشعب للشعب، ينتج عنها أن الشعب هو الذي يضع دستوره وقوانينه، وهو السلطة القضائية التي تحكم بين الناس بتطبيق القوانين التي يراها الشعب، وحتى يتمكن الشعب من مباشرة سلطة التشريع، ووضع القوانين، والفصل بين السلطات، يتم اللجوء إلى إجراء انتخابات عامة، والتي ينتج عنها اختيار مجموعة من الأفراد، يكونون قادرين على مراقبة سائر السلطات، ومن حق هذه الهيئة المنتخبة عزل الوزراء، ومحاسبة المسئولين وعلى رأسهم رئيس الدولة، ومع وجاهة هذا الأمر إلا أن نظام الشورى الإسلامي يختلف عن هذا التصور، فالديمقراطية عند أصحابها تقوم على حقيقة مفادها أن السيادة للشعب، ولا حكم إلا للشعب، فما استقر عليه تصويت رأي الشعب فهو الشرع، وهو القانون، حتى لو كان استحلال الربا، أو استحلال الزنا، أو استحلال شرب الخمر، فالسيادة في الديمقراطية للشعب وحده لا شريك له في التشريع وإصدار القوانين، أما الشورى في الإسلام فهي تقوم على حقيقةٍ واضحة جلية، مفادها أنّ الحكم هو حكم الله المنزَّل بواسطة الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن السيادة لله لا مشرع إلا هو ولا معقب لحكمه ولا إله إلا هو، ومجال الشورى محصور في إطار الشرع لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا، وإنما هو الاجتهاد في فهم مقاصد الشرع، والاجتهاد في رسم الخطط المنهجية لتطبيق شرع الله.
وهناك فرق عظيم بين الشورى والديمقراطية، ومن أحسن الظن في الديمقراطية من المسلمين إنما نظر إلى قواعدها التطبيقية التي تشابه الشورى إلى حد كبير، ولكنه غفل عن حقيقتها، وحقيقة معتقدها ومفاده، أن الله تعالى (معاذ الله) هو رب القلوب ودور العبادة وحسب، وأنه لا دخل لدين الله تعالى في التشريع بين البشر، والسيادة فيه إنما هي لتصويت الشعب، ومجلس الشعب هو المشرع، وما رآه جائزا فهو الجائز ولو كان في شرع الله تعالى حراما، ولهذا نجزم أن الفرق بين الشورى والديمقراطية عند من يعلم أصولهما وما قامتا عليه هو الفرق بين الإيمان والكفر، هذا عند من يعلم بحقيقة حالهما، ولكن لغياب هذا التأصيل عند بعض علماء المسلمين، افتتن بمزايا الديمقراطية وهو لا يدري أنها بمثابة السم في العسل، فالأصل الذي تقوم عليه الديمقراطية مخالف لأصل الإسلام، حيث تقوم الديمقراطية على حكم الشعب وكونه المشرِّع ومصدر السلطات، وهذا يتنافى مع أصل الإسلام القائم على أن التشريع حق خالص لله تعالى، وأن الحكم ليس إلا لله تعالى، وأن التحاكم وبيان الحلال والحرام ليس إلا إلى شرع الله، فلئن كانت الديمقراطية هي حكم الشعب فإن الإسلام هو حكم الشرع الرباني، وهذا أمر يدركه كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فالشعب في النهاية عبيد مخلوقون ليس لهم إلا التسليم والانقياد لله تعالى إن كانوا مسلمين، ومن الأدلة على ذلك:قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [يوسف:40] أي ليس الحكم إلا لله، والديمقراطية تقول: ليس الحكم إلا للشعب، وقوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54]، فكما أنه لا خالق إلا الله فلا آمر ولا ناهي إلا هو سبحانه، أما الديمقراطية فتقول: إن الأمر والنهي والتشريع للشعب، وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، فالحكم لله عند التنازع والاختلاف، أما الديمقراطية فتقول: إن الحكم للشعب عند الاختلاف، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، فالأمر هنا للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل حاكم بعده بأن يحكم بما أنزل الله، أما الديمقراطية فتقول للحاكم: احكم بما يراه الشعب.
[المفتاح التاسع]: مشاكل الديمقراطية مع الإسلام:
المشكلة الأولى: عدم قبول النظام الديمقراطي لأحكام الإسلام إلا إذا وافقت الأغلبية عليها، فالمعيار في النظام الديمقراطي هو قبول الأغلبية وليس كون مصدر الحكم من الله تعالى، وإخضاع أحكام الله لأهواء البشر ورغباتهم مخالف للدين الإسلامي كما سبق بيانه، فالواجب هو العمل بحكم الله تعالى وافقت على ذلك الأغلبية أم لم توافق، بل لقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]، وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].
والمشكلة الثانية: إباحة النظام الديمقراطي لما حرَّمه الإسلام إذا وافقت الأغلبية على ذلك، وهذا يشمل إباحة الموبقات الأخلاقية كالزنا واللواط وشرب الخمور وحماية فاعليها بقوة القانون والنظام إذا قدِّر ووافقت الأغلبية على هذا التشريع المبيح لما حرَّم الله، ولذا فقد جاء في القانون الوضعي لبعض الدول الإسلامية التي ترفع شعار الديمقراطية: (لا يُعاقب القانون على جريمة هتك العرض إذا ما كانت الفتاة بالغة وتم الفعل برضاها)، وهذا إن اعتقده المسلم على سبيل التشريع فهو استحلال لما حرم الله، واستحلال ما حرم الله تعالى كفر بواح نسأل الله السلامة.
المشكلة الثالثة: أنّ هناك فارق كبير بين مجلس الشورى الإسلامي وبين المجالس الديمقراطية، فالأول مجلس يعلن السيادة لله وحده، والمرجعية لله وحده، ويعتقد التوحيد لله وحده في العبادة والطاعة وفي الربوبية والحكم والتشريع، أما الثاني فالسيادة فيه للشعب والمرجعية فيه لأغلبية مجلس الشعب، وقد جاء في تفسير ابن كثير للآية ” وقوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم – رضي الله عنه – أنه لما بلغته دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقدم عدي المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي عنق عدي صليب من فضة، فقرأ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم،،، هكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا،” أهــ ([66]) .
والحديث وإن تكلم على ضعفه بعض المحدثين إلا إنه محمول على استحلال الحرام لأن مجرد الطاعة في المعصية لا تكون شركا ولا كفرا، وحديثنا هاهنا على التوصيف، والحديث عن المجالس الديمقراطية كشخصية اعتبارية، وأنها قد تصوت على الحرام (كالربا) ثم تجيز العمل به وتصدر به القوانين وتحكم بها، وهذا يدخل في مفردات الاستحلال إن اعتقده المسلم بقلبه، نعوذ بالله من الخذلان.
ومفتاح فهم الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة 31]، -حنى لا نقع في فهم الخوارج- أن طاعة الأحبار والرهبان لا تخرج عن حالتين: (الأولى): طاعتهم في اعتقاد حل ما حرم الله وحرمة ما أحل الله، إن بدل الرهبان شرع الله بشرع آخر، وهذا كفر مخرج من الملة، و (الثانية) طاعتهم في معصية الله بدون اعتقاد حل ما حرم الله ولا حرمة ما أحل الله ، وهذا ليس بكفر قطعاً، وإلا لزم منه تكفير أهل الذنوب الذين أطاعوا أهواءهم في معصية الله ومخالفة امر الله.
[المفتاح العاشر]: ربانية النظام السياسي في الإسلام: الحكم الحقيقي فيه لله والتشريع حق خالص لله: الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى هو الركن المميز للدولة الإسلامية، فلقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم – وهو رأس دولة الإسلام – بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وبين تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله هو حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله سبحانه وتعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 49-50]، ويتبين مما سبق أن الدولة في الإسلام مخاطبة بأحكام الشرع مكلفة بتنفيذها، وهي تملك – بتمليك الشرع لها – السلطة لتنفيذ هذه الأحكام وحمل الناس عليها، ولكن سلطان الدولة مقيد غير مطلق، مقيد بسلطان الله المطلق الذي له الحاكمية الحقة المطلقة قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا}.
وعلى هذا فإنَّ سلطان الدولة في الإسلام سلطان لتنفيذ لشرع الله، وإذا كان سلطان الدولة في الإسلام مقيد بسلطان الإسلام أي بشرائعه وأحكامه ونظمه، فإنَّ الخليفة – وهو رأس الدولة – من باب الأولى سلطانه في الحكم مقيد أيضاً بسلطان الإسلام، لأن سلطانه، سلطان تنفيذ للشرع، وليس بسلطان ابتداع لشرع، والدولة الإسلامية تخضع في جميع تصرفاتها وشؤونها، كما يخضع جميع الأفراد في جميع تصرفاتهم وعلاقاتهم إلى شرع الله، وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة مرجعيتها شرع الله فإنَّ أي خلاف ينشب يكون مرجعه إلى هذا الشرع، لا إلى شيء غيره، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
المطلب الثالث:
المقوم الثالث من مقومات النظام السياسي في الإسلام: (نظام القضاء – مؤسسة القضاء في الإسلام)
[المفتاح الأول]: المقوم الثالث من مقومات النظام السياسي في الإسلام: (نظام القضاء – مؤسسة القضاء في الإسلام): والقضاء في الإسلام يعد من أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام ومن أهم الوظائف التابعة للدولة الإسلامية، ومهمته الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع، وذلك بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، القضاء أمر لازم لنصرة المظلوم، وقمع الظالم، وقطع الخصومات، وأداء الحقوق إلى مستحقيها، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد، كي يسود النظام في المجتمع، فيأمن كل فرد على نفسه وماله وعلى عرضه وحريته، فتنهض البلدان ويتحقق العمران ويتفرغ الناس لما يصلح دينهم ودنياهم، ومنظومة القضاء في الإسلام تقوم على الحق والعدل، يدل على ذلك قوله تعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} [المائدة: 42]، وقوله تعالى – لنبي الله داود عليه السلام -: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}[ص: 26]قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]،، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
[المفتاح الثاني]: (خطورة مهنة القضاء): وقد نبهت السنة النبوية على خطورة مهنة القضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْـجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْـحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ، فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْـحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْـجَنَّةِ)) ([67]) .
قال المناويّ في فيض القدير ” فيه إنذار عظيم للقضاة التاركين للعدل والأعمال والمقصرين في تحصيل رتب الكمال ” أهــ([68]) .
(حكم تولي القضاء): اتفق الفقهاء على أن القضاء، فرض كفاية إذا قام به بعض الأمة سقط الوجوب عن الباقين وإذا لم يقم به أحد منها أثمت الأمة جميعا، لقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135]، وقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ}[المائدة: 8]، وأما كونه على الكفاية فلأنه أمر بمعروف أو نهي عن منكر وهما على الكفاية، ولأن أمر الناس لا يستقيم بدون القضاء، فكان واجبا عليهم.
[المفتاح الثالث]: (الشروط الواجب توفرها في القاضي): يشترط الفقهاء في القاضي جملة من الشروط والمواصفات التي ينبغي توافرها في شخصيته لكي يتمكن من أداء مهمته على الوجه الأكمل، وهذه الشروط هي: البلوغ:فلا يجوز تقليد الصبي القضاء والعقـل: فلا يجوز تقليد المجنون أو المعتوه أو مختل النظر لكبر السن أو مرض والإســلام:وذلك لأن القضاء ولاية ولا تجوز ولاية غير المسلم على المسلم، قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]،ثم إن القاضي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية وهي دين، وتطبيق الدين يحتاج إلى من يؤمن بهذا الدين،ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط الإسلام في من يتولى القضاء على المسلمين أما تولية القضاء لغير المسلم على غير المسلمين، فقد منعها ولم يجزها جمهور الفقهاء لأن شرط الإسلام عندهم شرط ضروري لا بد منه في من يتولى القضاء سواء كان قضاؤه على المسلمين أو على غير المسلمين وذهب الحنفية إلى جواز تقليد الذمي وهو غير مسلم القضاء على أهل الذمة فقط، والذكورة:وهي شرط عند جمهور الفقهاء، فلا يجوز عندهم تولية المرأة القضاء لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً)) ([69]) . وهو حديث صحيح تلقته الأمة بالقبول، والواقع خير شاهد فإنَّ المرأة تعجز عن النهوض بمهام، ولهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه الراشدين من بعده أنهم ولوا امرأة قضاء ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلكم لوقع ولو مرة واحدة ولم يخل منه جميع البلدان غالبا، وأيضا فإن القاضي يحتاج إلى مخالطة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم والمرأة في الأصل ممنوعة من مخالطة الرجال لما يخاف عليها من الفتنة بسبب هذه المخالطة التي لا ضرورة لها، والعـدالة: ولهذا لا تجوز ولاية الفاسق للقضاء لأنه متهم في دينه، والقضاء أمانة من أعظم الأمانات، والاجـتهاد: وهو الأهلية لاستنباط الأحكام من مصادر التشريع وسـلامة الحـواس: والمراد بها السمع والبصر والكلام:فلا تجوز تولية الأصم لأنه لا يسمع كلام الخصمين ولا تجوز تولية الأعمى لأنه لا يعرف المدعي من المدعى عليه ولا المقر من المقر له،ولا الشاهد من المشهود له أو عليه، ولا تجوز تولية الأخرس لأنه لا يمكنه النطق بالحكم.
[المفتاح الرابع]: (معايير وطرق اختيار القضاة في الإسلام): كان يُرَاعَى في اختيار القضاة الصفات التي تُحَقِّقُ العدالة والمساواة، من العلم، والتقوى، والعدل، والعفَّة، وما يَتَّصِلُ بذلك، ولذلك جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (أنه ينبغي للقاضي أن يتصف بثلاث خصال، هي ألا يُصانع، ولا يُضارِع، ولا يتَّبع المطامع) ([70]) .
و(المصانعة): أن تصنع له شيئًا ليصنع لك شيئًا آخر، وصانع الوالي: رشاه، والمصانعة: الرَّشوة،، و (يضارع): أي يخشع ويخضع ويذل، ويرائي، (استقلالية مؤسسة القضاء في النظام الإسلامي) النظام الإسلامي يتقيد بصفة عامة في كل أصوله وفروعه ومظاهره بغاية عليا هي العدل القائم على التوحيد، وقد تواترت الآيات في وجوب الحكم بالعدل وتحريم الظلم، والقاضي في الإسلام مقيد فيما يقضي به بحكم الله تعالى، فلا يُجيز الشرع تدخل أحد في استقلالية القضاء، ونصوص الشريعة وقواعدها العامة تمنع ولاة الأمور في الأمة من التدخل في القضاء أو التأثير في أدائه بأي وجه من الوجوه، لأن هذا محرم و والنظام السياسي في الإسلام يحيط القاضي بكل مظاهر الإجلال والتكريم، ويوجب على الجميع الامتثال لأحكام القضاء، وكم حدثتنا كتب الأثر عن مخاصمات كان بعض الخلفاء الراشدين وولاة المسلمين ومن بعدهم طرفا فيها وتم استدعاء الخلفاء للإدلاء بالشهادة أمام المحاكم وصدرت ضدهم أحكام القضاة وهم راضون طائعون.
[المفتاح الخامس]: (ابتعاد القضاة عن الشبهات): لما كان مركز القاضي في المجتمع مركزا مهما وخطيراً لأنه هو الذي يفصل بين الناس فينبغي أن يكون محل ثقة واحترام الناس لتطمئن على عدالته في الحكم، لذا فقد نبه الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن القاضي ينبغي أن يبتعد عن أعمال بعينها حتى لا تثار حوله الشكوك والريب،ومما نبه عليه الفقهاء في هذا المجال: منعه من أعمال التجارة لأنه إذا باع واشترى لم يؤمن أن يسامح ويحابي فتميل نفسه عند المحاكمة إلى مسامحة ومحاباة من سامحه وحاباه ويقاس على البيع والشراء سائر أعمال التجارة الأخرى حسب الظروف والأحوال، ومنعه من قبول الهدية، لأنها تورث تهمة المحاباة ومنعه مما يخل بالمروءة، وأن لا يغشى مجتمعات العامة التي لا تناسبه، وألا يمازح ويضاحك الآخرين في مجالسهم أو مجلسه لأن كل ذلك ينزع المهابة والوقار منه والقاضي بحاجة إلى الهيبة والوقار، ومادام أن القاضي قد شغل وقته وفرغ نفسه للحكم بين الناس وما دام أنه منع من التكسب بالتجارة ونحوها ومن كثير من مخالطة الناس وأمر بالتحلي بدرجة عالية من الأخلاق والآداب تكفل له الاحترام والاستقلال في الرأي، ما دام كذلك فإن كل هذا لن يتم له إلا إذا كان له مرتب يتقاضاه من بيت المال يكفل له العيش بأمان دون أن يكون لأحد عليه منه ودون أن يلجأ إلى بعض المكاسب التي لا تليق بمنصبه من هنا فقد نص الفقهاء على أن القاضي ينبغي أن يكون له رزق من بيت المال.
[المفتاح السادس]: (الرقابة على القضاء في النظام الإسلامي – وظيفة قاضي القضاة): اهتمت مؤسسة الحكم والخلافة بالقضاء والقضاة، فشدَّدت الرقابة عليها، منعًا للمحاباة، وتلافيًا للظلم، ولذلك فإنها حرصت على تعيين قاضي القضاة الذي يملك حق عزل القاضي الظالم المتحامل، ويقوم بالتحقيق مع قضاة الأقاليم الذين كانت تُرفع فيهم الشكاوى، فكان يعزل من استحقَّ العزل، ويُبقي من ثبُتت براءته، فــ لقاضي القضاة عزل أي قاضي إذا ظهر عجزه وعدم كفاءته، أو أقر بأنه حكم بجور متعمدا أو ثبت عليه ذلك بالبينة أو ظهر فسق القاضي بارتكاب بعض الأفعال المفسقة كشرب الخمر أو غيره من الكبائر فإنه ينعزل لذلك، وكذلك يتم عزله بسبب الردة أو فقدان أهلية التكليف بسبب الجنون والسفه، وكذلك يتم عزله بسبب فقدان السمع أو البصر أو النطق أو المرض المعجز المقعد عن الحركة والنهوض ولم يرج شفاؤه، قال ابن قدامة: ” فأما إن تغيرت حال القاضي بفسق أو زوال عقل أو مرض يمنعه من القضاء أو اختل فيه بعض شروطه فإنه يعزل بذلك ويتعين على الإمام عزله وجها واحدا.
[المفتاح السابع]: (مجلس القضاء (المحكمة) وآدابها): مجلس القضاء ـ وهو المحكمة ـ ينبغي أن يكون مكان جد وسكينة ووقار ولا مجال فيه للعبث والتطاول وسوء الأدب من قبل الحاضرين سواء كانوا من خصوم الدعوى، أو الشهود أو غيرهم، وإذا جلس القاضي في مجلسه للقضاء فيجب أن يكون في حالة نفسية هادئة راضية حتى يكون مستعدا تمام الاستعداد لسماع الدعاوى وما يقدمه الخصوم من بينات ودفوع، وبهذا جاء الحديث الشريف الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان،))([71]) .
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الغضب ونبه على ما في معناه، ولهذا قال الفقهاء ينبغي أن يكون القاضي خاليا من الجوع الشديد والعطش والفرح الشديد والحزن الكثير والهم العظيم والوجع المؤلم ومدافعة الأخبثين أو أحدهما والنعاس لأن هذه الأشياء ونحوها مثل الغضب من جهة تأثيرها في حالة القاضي النفسية وحضور ذهنه لمقتضيات الدعوى واستعداده المطلوب لسماع أقوال الخصمين، وينبغي أن يكون القاضي في مجلس القضاء غاض البصر كثير الصمت قليل الكلام، يقتصر كلامه على سؤال أو جوابه ولا يرفع بكلامه صوتا إلا لزجر أو تأديب، وأن يلزم العبوس، من غير غضب وأن يكون جلوسه بسكينة ووقار وأن لا يتضاحك ولا يتكلم بما لا علاقة له بأمور الدعوى التي ينظرها، كما أنه ينبغي أن يكون على وضع يزيد من هيبته في قلوب الناس حتى في هيئته لباسه، وهندامه، ولا يتكلم الخصمان إلا إذا وجه القاضي الكلام أو السؤال إليهما أو أذن لهما فيتكلم من أذن له بالكلام وعلى خصمه أن يستمع ولا يقاطع خصمه أثناء كلامه، فإذا انتهي من كلامه جاز له أن يستأذن القاضي ليتكلم، فإذا أذن له تكلم، وإن لم يأذن له سكت والقاضي يستمع لكلام الخصمين دون ضجر ولا ملل ولا إنهاء إلا أن يكون منهما لغط فينهرهما أو ينتهر اللاغط منهما.
[المفتاح الثامن]: (تنفيذ حكم القاضي): للقضاء مراتب ثلاث: المرتبة الأولى: الثبوت، والمرتبة الثانية: الحكم، والمرتبة الثالثة: تنفيذ الحكم، والقضاء بدون تنفيذ لا قيمة له إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ولهذا جاء في كتاب القضاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الموجه إلى أبي موسى الأشعري (فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتابه للأشتر النخعي: (وأعط القاضي من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك)، والقاضي الذي لا تجد أحكامه تنفيذا لا احترام له ولا منزلة وإلا فما قيمة الاحترام والمنزلة بدون ذلك لهذا نجد أن العلماء يضفون على تنفيذ أحكام القاضي منزلة عظيمة حيث جعلوه من حق الله تعالى ومن الفروض، بل جعلوا الدولة تعلن الحرب على من لم يذعن له، فإذا أصدر القاضي حكمه فإنه يجب تنفيذه.
[المفتاح التاسع]: (من آداب القضاء الإسلامي): لقد جعل الإسلام للقضاء آداباً في غاية الفضل منها: عدم جواز القضاء، والقاضي في حالة غضب، أو اضطراب، أو نعاس، حتّى لا تؤثر هذه الحالات على صحة الأحكام الصادرة عنه، ومنها المساواة بين الخصمين، وعدم جواز تلقين الشهود، وقد نهت الشريعة أن يحابي القاضي أحد الخصمين، بكثرة النظر، وحضور الذهن، وتلقين بعض الشهود، فالكل سواسية أمام القضاء، ومنها أنه لا يجوز للقاضي أني يحكم في القضايا دون سماع قول المتداعيين، وإذا جلس إليه الخصمان فلا يقض بينهما حتّى تسمع من الآخر، كما سمع من الأول فانه إذا فعل ذلك تبين له القضاء.
[المفتاح العاشر]: (بعض أهم المبادئ في نظام القضاء الإسلامي):
(1) مبدأ قيام القضاء على الدليل والبرهان): الدليل في القضاء الإسلامي هو المعيار في تمييز الحق من الباطل، وعلى ذلك فكل ادعاء يبقى في نظر القضاء الإسلامي محتاجاً إلى دليل ولا يؤخذ به إلا بالحجة والبرهان، قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة: من الآية111]، وقال تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [سورة النور: من الآية 13]وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) ([72]) .
(2) مبدأ وجوب أداء الشهادة الحق على كل مسلم: حثت الشريعة على أداء الشهادة واعتبرت ذلك واجباً على كل مسلم كما قال تعالى: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [سورة البقرة: 282]، وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّه} [سورة الطلاق: من الآية2]، وقال تعالى: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [سورة البقرة: من الآية 283]، وقال تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [سورة النساء: من الآية 135]، بل ورهب الشارع الكريم من شهادة الزور وجعلها في مرتبة الإشراك بالله واعتبرها من أكبر الكبائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس، وقال ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)) ([73]) .
(3) مبدأ عدالة الشهود في القضاء: في القضاء الإسلامي لا تقبل إلا شهادة العدل الثقة ولا تقبل شهادة الفاسق ولو رضي الخصوم لقوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}[سورة الطلاق: من الآية 2]، وقوله تعالى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم} [سورة المائدة: من الآية106]، وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [سورة البقرة: من الآية 282].
(4) مبدأ الضمير والنظر إلى الحساب الأخروي.
(5) مما يمتاز به القضاء في الإسلام مراعاة الحساب الأخروي وذلك بارتباطه بقاعدة الثواب والعقاب، وهذا المعنى كفيل بتربية الوازع الديني عند المسلم في مجال القضاء، فإن أحكام القضاء تتناول الظاهر، وهي لا تغير الحقائق عند الله، وهذا المبدأ له أثر عظيم في صيانة النظام القضائي في الإسلام بوجه عام.
(6) مبدأ المساواة والعدالة في القضاء الشرعي: الناس مهما اختلفت مقاماتهم فهم أمام شرع الله متساوون لا امتياز لأحد على أحد، وهم أمام تنفيذ ما يختص منه بالقضاء سواء كذلك، لا تفريق بينهم لأي سبب من الأسباب، وهذا هو العدل الرباني العظيم، قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [سورة المائدة: من الآية 8]، ومن السنة النبوية المشرفة، حادثة المرأة من بني مخزوم التي سرقت حلياً وقطيفة، فبعث قومها أسامة بن زيد بن حارثة ليشفع فيها، فرده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ((يا أسامة أتشفع في حد مـن حدود الله، وأيم الله لـو أن فاطمـة بنت محمـد سرقت لقطعـت يدها)) ([74]) .
وفي رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان قاضيه على الكوفة (آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك) ([75]) .
(6) مبدأ سرعة البت في فصل القضاء في المنازعات: من المبادئ التي يرتكز عليها القضاء في الإسلام مبدأ سرعة الفصل في النـزاع، وعدم جواز التأخير بلا مسوغ شرعي، ووجوب إصدار الحكم عند استكمال القاضي سماع كلام الخصمين، وحججهما، وذلك لأن التأخير في إصدار الأحكام بعد توافر أسبابها، وانتقاء موانعها يترتب عليه من المفاسد، وضياع الحقوق الشيء الكثير، ومن قواعد الشريعة العظيمة قوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) ([76]) .
وهذا هو الذي كان عليه القضاء في عهد النبي r، (حيث كان يقضي بين الخصوم في مجلس المخاصمة ولم يكن يرجئهم إلى وقت آخر كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة([77]) .
وسرعة البت في القضايا مشروط بأن يستوف فيها ما يجب استيفاؤه من طرق بيان الحق، أما الحالات التي يجوز فيها تأخير الحكم، فمنها: رجاء الصلح بين الخصمين: لأن الصلح مطلب شرعي وغرض ديني، قال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [سورة النساء: من الآية 128]وأرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور عامة وفي المنازعات خاصة، ولذا لما تنازع عنده رجلان في مواريث لهما قال لهما: ((اذهبا فاقتسما ثم توخيا إلى الحق ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه)) ([78]) .
والموضع الثاني: إذا التبست على القاضي الأمور وأشكلت عليه القضية.
(7) مبدأ السهولة والتيسر في الإجراءات القضائية: من المبادئ العظيمة في الإسلام مبدأ السماحة التي تعني سهولة المعاملة في اعتدال وتوسط بين التضييق والتساهل، والسماحة وصف من الأوصاف القطعية للشريعة الإسلامية قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سورة البقرة: من الآية 185]، وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [سورة الحج: من الآية 78]، وفي السـنة قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين يسر،،))([79]) . ومن هذا المبدأ العام في الشريعة، فإن الإجراءات القضائية في القضاء الإسلامي بنيت على التيسير والتسهيل، بما يوصل إلى إحقاق الحق وإنصاف المظلوم ورد الحقوق إلى أهلها.
(8) مبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع: الذريعة هي الوسيلة، وكما أن وسيلة الواجب واجبة، عملا بالقاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فكذلك وسيلة المحرم محرمة، والمقصود ها هنا (منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات) وقد أخذ القضاء الإسلامي بمبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع، ومن ذلك: أن القاضي ممنوع من قبول الهدية، وما ذلك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى الحيف مع صاحب الهدية، وأن القاضي ممنوع من الحكم بعلمه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمت بعلمي، وأن القاضي لا يقبل شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة.
المطلب الرابع:
شئون الدولة (في النظام السياسي الإسلامي)
[المفتاح الأول]: الولايات الثلاث: (التنفيذية) و(الشرعية) و(القضائية): شئون الدولة (في النظام السياسي الإسلامي) يصرفها ثلاث فئات: الحكام والفقهاء والقضاة، فالحكام يمثلون الهيئة التنفيذية التي تقوم على حراسة الدين وسياسة الدنيا به، والفقهاء يمثلون الهيئة الشرعية التي تستنبط الأحكام من القرآن والسنة، والقضاة يمثلون الهيئة القضائية التي تقضي بالحق والعدل بين الناس، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الولايات في النظام السياسي الإسلامي إلى ثلاث ولايات، ولاية تنفيذية على رأسها الخليفة، وولاية قضائية على رأسها قاضي القضاة، وولاية شرعية من الفقهاء والعلماء بالشريعة تمثل مجلس شورى المسلمين، فــ (الولاية) في الشرع هي (السلطة) في المصطلح المعاصر، وإذا كانت السلطات المعاصرة ثلاثة، فالسلطة التنفيذية يناظرها ولاية الخلافة وما يتفرع عنها من وزارات وولايات، والسلطة القضائية يناظرها: ولاية القضاء، وليس في الإسلام ولاية تشريعية تناظر السلطة التشريعية في الانظمة المعاصرة، وذلك لان التشريع حق خالص لله، ولكن ولاية فقهية شرعية تجتهد في تطبيق شرع الله تعالى وفق قواعد الشرع العامة وأدلته التفصيلية.
[المفتاح الثاني ]: (الولاية التنفيذية): الخليفة هو رأس النظام السياسي في الإسلام، وهو صاحب الولاية العامة في الدولة الإسلامية، والولاية تعني ممارسة السلطة، والخليفة شخص واحد، وحاجات الدولة كثيرة فلا يقدر على القيام بها بنفسه، فيحتاج لذلك أن يستعين على ولايته بمن يصلح لها من المسلمين، فيوليهم الولايات التي بمقتضاها تنتظم الأمور وتتحقق الأهداف.
(الولاية الشرعية): هي الهيئة الفقهية الشرعية التي تملك إعداد دستور للأمة من خلال نصوص الشريعة وفتاوى علماء الأمة، تساهم من خلاله في تطبيق شرع الله، واستنباط التشريعات للحوادث المستجدة من نصوص الشرع، وهي الجهة التي تملك إصدار قواعد تنظم تصرفات المواطنين وغيرهم في دولة الإسلام، ولا يقال لها سلطة تشريعية لأن الشريعة الإسلامية تجعل السلطة التشريعية حقًّا لله تعالى، وهذه الضمانة في التشريع الإسلامي جعلت النظام السياسي في الإسلام يقوم على أسس ربانية تحقق العدل وتحفظ الحقوق وتمنع الظلم والاستبداد.
(الولاية القضائية): وتقوم هذه الولاية بتطبيق الأحكام الشرعية بالفصل في الخصومات وتوقيع العقوبات وفقا للشريعة الإسلامية الغراء، وقديما كان بعض الخلفاء يمارس ولاية القضاة لأنهم مؤهلون لذلك، ولكن ذلك لا يمس استقلال القضاء بشيء، لأن القضاء يستمد استقلاله في الإسلام من التشريع الإسلامي، فالإمام أو القاضي حينما يجتهد إنما يفعل ذلك لا بوصفه خليفة أو قاضيًا وإنما باعتباره مجتهدًا يستنبط الأحكام الشرعية، والجميع تحت حكم الله وهي الضمانة التي جعلت استقلال القضاء في الإسلام لا نظير له في أي نظام وضعي.
[تنبيه]: طبيعة السلطات في النظام الإسلامي تختلف عن النظم الأخرى سواء النظم الغربية الرأسمالية أو النظم الاشتراكية، فالنظام الإسلامي بطبيعته وخصائصه يقوم على إفراد الله تعالى بالتشريع والحكم ويحتوي على ضمانات ربانية تحقق العدل والحرية لجميع أفراد مجتمعه متى ما تم تطبيق هذا النظام تطبيقًا صحيحًا على أسس الشريعة الإسلامية، وخير من يقوم على هذه الولاية، هم فقهاء المسلمين الذين يكونون المجلس الشرعي (مجلس شورى المسلمين)، وهو المقابل للمجالس الديمقراطية التي تنازع الله تعالى حق التشريع والتحليل والتحريم والحظر والإباحة، ودور (السلطة الشرعية) إنما هو إعداد دستور للأمة من خلال نصوص الشريعة وفتاوى علماء الأمة، تساهم من خلاله في تطبيق شرع الله، واستنباط التشريعات للحوادث المستجدة من نصوص الشرع، كما أن من اختصاصات السلطة الشرعية تلك الاجتهادات التي تتناول التنظيم الذي به ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء، والنظام السياسي الإسلامي جعل المجال فيها مرناً يخضع للحاجة وتطور الزمان واجتهاد فقهاء المسلمين، شريطة أن أن لا تخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصداً من مقاصد الشريعة، ولا تخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية ولا يترتب عليها مفسدة تربو على المصلحة التي تحققها.
[المفتاح الثالث ]: أركان الدولة الإسلامية: (الشرع الإسلامي – أولو الأمر – الدار – الرعية): التعريف المعاصر للدولة أنها: مجموعة كبيرة من (الناس)، تعيش على قطعة من (الأرض)، ويقوم على تنظيم هذه الجماعة وإدارة شؤونها في الداخل والخارج في السلم والحرب (هيئة حاكمة)، ويطبق عليها (نظام معين)، وعلى ذلك فإن لها أركان أربعة: الناس والسلطة الحاكمة والأرض والقانون، وإذا طبقنا هذا التعريف على الدولة الإسلامية، وجدناها تقوم أيضاً على أربعة أركان هي: القانون هو (شرع الله) والسلطة الحاكمة وهم (أولو الأمر من المسلمين وعلى رأسهم الخليفة) والناس وهم ثلاثة أقسام (مسلمون وأهل ذمة ومستأمنون) والأرض وهي إما (دار الإسلام أو دار الكفر) و(دار الكفر) قسمان: (دار عهد ودار حرب).
(الركن الأول: الشرع الإسلامي): مرجعية الشرع الإسلامي هو الركن المميز للدولة الإسلامية، فلقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم – وهو رأس دولة الإسلام – بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقد سبق تفصيل ذلك الركن في المبحث السابق: (ربانية النظام السياسي في الإسلام = الحكم الحقيقي فيه لله والتشريع حق خالص لله).
(الركن الثاني: أولو الأمر): على رأس أولو الأمر الخليفة، ويلقب بأمير المؤمنين، يليه نوابه من الوزراء والولاة، وهؤلاء قد أوجب الله تعالى طاعتهم في المنشط والمكره، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وقوله صلى الله عليه وسلم ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) ([80]) .
وعلى عاتق هؤلاء مسؤولية جسيمة تتمثل في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة، ذكرتها في المبحث السابق: مقاصد النظام السياسي في الإسلام (حراسة الدين – سياسة الدنيا بالدين).
(الركن الثالث: الدار) الدار هي الوطن الذي يعيش عليه الشعب، وتطبق فيه أنظمة الدولة، ويطلق عليه أيضاً الإقليم، وتنقسم الدار عند الفقهاء إلى قسمين هما: دار الإسلام ودار الكفر، و ودار الكفر لها قسمان: دار حرب ودار عهد، (دار الإسلام): هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، و (دار الكفر): هي الدار التي تظهر فيها أحكام الكفر ويغلب عليها حكم الكفر، وهي قسمان: (دار العهد) وهي دار الكفر التي ترتبط مع دار الإسلام بعهود ومواثيق، إما مهادنة وإما مصالحة على شروط شرع الإسلام، و(دار الحرب) هي دار الكفر التي لا ترتبط مع دار الإسلام بعهود أو مواثيق، ولا يوجد بينها وبين أهل الإسلام سلام، وتفصيل الأحكام الفقهية لهذه الدور عظيم ومهم، وهو مفصل في كتب الفقه.
(الركن الرابع: الرعية): الأصل في الرعية في الدولة الإسلامية هم: (المسلمون)، وقد يكون هناك غير المسلمين، وهؤلاء إما مستأمنون أو أهل ذمة، و (المسلمون) وهم أهل القبلة ممن جاء بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، ولم ينقضها بناقض يخرج من الإسلام، وهؤلاء قسمان، أهل سنة وهم سواد المسلمين الأعظم، وأهل بدعة، ولكل منهما أحكام تناولت كتب الفقه تفصيلها، ويدخل فيها قتال الفئة الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر الله، ويدخل في الرعية: (المستأمنون): وهم كل من دخل دار الإسلام بأمان طلبه، والمستأمن ليس من رعايا الدولة المسلمة الدائمين، بل يقيم فيها إقامة مؤقتة، وهؤلاء أقسام منها رسل الدول الأخرى من غير المسلمين، وتجار، ومستجيرون -حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم- وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها، ونفهم حكم هؤلاء من خلال قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)} [التوبة: 6]، فهؤلاء لا يُقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ويدخل في الرعية: (أهل الذمة): هم المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم، والذمي هو المعاهد الذي أعطي عهداً يأمن به على ماله ودينه، ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو نائبه، وعقد الذمة عقد لازم مؤبد في قول عامة الفقهاء، ومن أجل ذلك أصبح الذمي أحد رعايا الدولة الإسلامية، و(شروط عقد الذمة): ذكر الفقهاء أنه لا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين هما: (الأول): أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل الأحوال، (الثاني): التزام أحكام الإسلام، بمعنى قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم، (واجبات أهل الذمة): ذكر الفقهاء أن على أهل الذمة واجبات لابد أن يلتزموا بها وأهمها:
(الأول): الالتزام بدفع الجزية، و(الثاني):عدم إحداث دور للعبادة في بلاد الإسلام، و(الثالث): عدم إيواء الجواسيس أو الغش للمسلمين، و(الرابع): عدم التعرض لأحد من المسلمين بالإيذاء، أو الاستهزاء بالدين، و(الخامس): أن لا يمنعوا أحداً من أقربائهم أو ذويهم من الدخول في الإسلام، و(السادس): أن يوقروا المسلمين ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم، و(السابع): أن لا يظهروا شيئاً من عباداتهم أو شعاراتهم كالصلبان ونحوها، و(الثامن): أن لا يبيعوا شيئاً محرماً في الإسلام كالخمر ونحوها.
و(حقوق أهل الذمة): إذا أدى الذمي واجباته، عصمت أموالهم ودماؤهم، وصارت أموالهم لها حرمة أموال المسلمين، وصارت دماؤهم لها حرمة دماء المسلمين، وصار لهم حق الانتفاع بالمرافق العامة كالمسلمين، ومزاولة بعض الأعمال كالتجارة ونحوها، بشرط عدم الإضرار بالمسلمين، وتكفل لهم دولة الإسلام حرية الاعتقاد وإجراء أحكام الأحوال الشخصية الخاصة بهم فيما بينهم، وتتكفل الدولة بالدفاع عنهم ضد من يقصدهم بأذى، وتتكفل الدولة بالنفقة عليهم عند العجز والشيخوخة، فقد ضمن الإسلام لهم كفالة المعيشة الملائمة لهم، وذلك لأنهم رعايا للدولة المسلمة وهي مسئولة عن كل رعاياها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) بل ويجوز للمسلمين برهم وحسن معاملتهم، كما في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في التحذير من ظلمهم، قوله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهِداً لَـمْ يَرحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيْحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً)) ([81]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة)) ([82]) .
(تنبيه) أجاز القرآن الكريم برهم والعدل مع الرفق في معاملتهم، ولكن لا يجوز توليهم ولا التودد إليهم، لأنهم كفروا بالله تعالى وكفروا برسوله صلى الله عليه وسلم، فـــ (لا يجوز توليهم) لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} [المائدة: 51]، ولا يجوز التودد إليهم: لقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، وأما كفرهم بالله لقول النصارى: إن الله ثالث ثلاثة، وقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم، وقولهم المسيح ابن الله، ولقول اليهود عزير ابن الله وقولهم أذلهم الله: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، أنهم أبوا رسالته وأنكروا نبوته واستكبروا عن إتباع دينه.
المطلب الخامس:
(السياسة الداخلية والسياسة الخارجية في النظام السياسي الإسلامي)
[المفتاح الأول]: (السياسة الداخلية والسياسة الخارجية في النظام السياسي الإسلامي): السياسات الداخلية والخارجية في النظام السياسي الإسلامي، سياسات منهجية راسخة، تتسم قواعدها بالثبات والصلاحية لكل زمان ومكان، وتستمد أصولها من الشريعة الإسلامية (الكتاب والسنة)، ودور السلطات فيها الاجتهاد من أجل التطبيق الأمثل لشرع الله وفق حالة المسلمين، ومن يحيط بهم من غير المسلمين، وهي في الحالتين الداخلية والخارجية تقوم على أساس العدل الرباني التام الذي تفرد به النظام السياسي في الإسلام دون سواه من أنظمة البشر، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
(فائدة) في فهم الآية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}: إضافة الشيء إلى الجاهلية، أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية ، لا يلزم منها الكفر، وبرهان ذلك: أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه لـمّا عيّر رجلاً: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ([83]) .
وعلى ذلك فلا يقول بالتلازم بين: النسبة للجاهلية والكفر، إلا الخوارج، والمعنى المُراد: أنّ ما سوى حكم الله العليم الخبير فهو جهل وجاهلية.
[المفتاح الثاني]: (السياسة الداخلية في النظام السياسي الإسلامي): النظام السياسي في الإسلام وسيلة إلى حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، وذكرنا في المبحث السابق أن المقصود من جملة (سياسة الدنيا بالدين)، تشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، وتحقيق المساواة وعدم التفرقة بين المسلمين في الحقوق والواجبات، وإشاعة الأمن والاستقرار، وتأمين الحريات في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد،، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع، وإيجاد سبل العمل الشريفة للقادرين، وكفالة العاجزين والمحتاجين، وضمان العيش الكريم لهم، وقتال الباغين، حتى تنعم البلاد والعباد بالأمن والاستقرار، إن جميع الولايات في الإسلام، ومنها ولاية الشرطة، والمقصود منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة دين الله في الأرض، قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}، فمن واجبات الشرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظ أمن البلاد والعباد، والأخذ على أيدي الجناة والمعتدين، وإقامة الحدود وتنفيذ أحكام القضاء، وتنظيم الناس وكفهم عن التزاحم والفوضى والتعدي في مجالس القضاء، وحراسة الأمراء، وغيرها من الأعمال التي يتولى الإمام أو من ينوبه تفصيلها وتبيينها لهم، وما يخصهم من عمل دون غيرهم من أصحاب الولايات الأخرى، وهذا التفصيل في اختصاصهم من الأعمال، وتنظيم أعمالهم الإدارية يتولى تبيينها وتنظيمها لهم ولاة الأمر في نطاق الشريعة الإسلامية قواعدها وأصولها العامة، أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه: (أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير) ([84]) .
فالشرطة من أسباب قوة الدولة الإسلامية، واستتباب الأمن فيها، والواجب أن يتولى الأمناء المؤهلين القيام بأعمالها وتنظيمها، وقيادة جنودها، وقد قال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}، أي قوينا ملكه بالهيبة والحرس والجند، لأنّ الجند والحرس والشرطة من أعظم الأسباب التي تقوى بها الحكومة الإسلامية ويشد سلطانها، ويبسط نفوذها على نواحي البلاد وأطرافها، والواجب على الشرطة أن يقيموا العدل بين الناس، وأن يتجنبوا الظلم والتعدي عليهم، فإذا تعدى أحدهم على الناس بضرب أو غيره، أو أخذ أموال الناس بغير حق من رشا وغيرها، فعلى ولاة الأمر محاسبته وتنفيذ حكم الله فيه، فإن الشريعة الإسلامية جاءت بحفظ حقوق الناس، وحماية خصوصياتهم، وصون كرامتهم، فلا يجوز للشرط أو غيرهم أن يعتدوا على الناس بالتعذيب أو الضرب أو الحبس في غير العقوبات الشرعية، وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}، وقال صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ([85]) . واخرج الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (سيكون في آخر الزمان شرطة يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله) ([86]) . وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ([87]) .
وفي الصحيحين عن أبي موسى، قال: قلت: يا رسول الله أي الإسلام أفضل قال: ((قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده) ([88]) . ولهذا اكدت الشريعة أنّه يجب على الشرطة ألا يقدموا على سجن أحد وتوقيفه أو ضربه أو تفتيشه إلا بحكم من القضاء الشرعي، فالواجب على أهل الشرطة معرفة الشرع وما يجوز فعله وما لا يجوز لإقامة العدل في الأرض.
[المفتاح الثالث]: (السياسة الخارجية في النظام السياسي الإسلامي): إن أهم الوظائف الخارجية التي تقوم بها الدولة الإسلامية: الدعوة إلى الإسلام، ونشر تعاليمه بين البشر، فالدولة الإسلامية بطبيعتها دولة ذات رسالة عالمية تحملها إلى الناس كافة، ولذلك فهي دولة عالمية تسمو على القومية والإقليمية والعنصرية، ونظرا لهذه العالمية والعقيدة النشطة المتفاعلة مع العالم، نجد أن سياساتها الخارجية متشعبة متداخلة، تقوم على هم تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم أجمع، وقد أراحنا فقهاء المسلمين بجهودهم العظيمة في بيان أهم أسس وأصول تلك السياسات في حالات السلم والحرب والدعوة والجهاد.
[المفتاح الرابع]: [الأصل في علاقة أمة الإسلام بغيرها من الأمم]: تساؤل هل السلم هو الأصل أم الحرب هو الأصل، أم الدعوة إلى الله وإلى دين الإسلام هو الأصل، فإن كان الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو: (السلم)، فمقتضى ذلك أنه هو القاعدة العامة، والحرب أمر استثنائي خارق للقاعدة، أما إذا كان الأصل في هذه العلاقة هو: (الحرب)، فذلك يقتضي أنها القاعدة العامة، والسلم استثناء عكس القاعدة السابقة، فالعلاقة قائمة على الحرب والقتال، حتى يطرأ ما يوقفها من اتفاقات ومواثيق، وعندها يكون السلم الذي هو: الصلح، وإن كان الأصل هو الدعوة إلى الله، فالعلاقة هي علاقة الامر بالعروف والنهي عن المنكر لإنقاذ البشرية من غضب الله ومن عذاب الله واستحقت الامة به الخيرية العامة على جميع الأمم، مصداقا لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].
وقد جاء في هذه المسألة ثلاثة أقول مآلها جميعا إلى القول الثالث:
(القول الأول): أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو: الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة، فقد جاء في شرح “العناية على الهداية” للبابرتي الحنفي قوله: (وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية واجب وإن لم يبدأوا بالقتال، للعمومات الواردة في ذلك كقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين} و{قاتلوهم حتى لا تكون فتنة} و{كتب عليكم القتال} وغيرها، فإن قيل العمومات معارضة بقوله تعالى: {فإن قاتلوكم فقاتلوهم} فإنه يدل على أن قتال الكفار إنما يجب إذا بدأوا القتال، أجيب بأنه منسوخ) أهــ([89]) . وفي باب الهدنة مع الكفار، قال الشيرازي الشافعي في: “المهذب”: (“فإن لم يكن في الهدنة مصلحة لم يجز عقدها لقوله عز وجل: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم}، فإن كان فيها مصلحة بأن يرجو إسلامهم أو بذل الجزية أو معاونتهم على قتال غيرهم، جاز أن يهادن أربعة أشهر) ([90]) .
وفي باب الهدنة أيضا قال البهوتي الحنبلي في: “كشاف القناع”: (ولا تصح الهدنة إلا حيث جاز تأخير الجهاد لمصلحة، فمتى رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم أو في أدائهم للجزية أو غير ذلك من المصالح جاز له عقدها) أهـــ([91]) .
وظاهر عبارات هؤلاء الفقهاء تدل على أن القتال هو الأصل ولابد من استمراره، ولا يجوز تأخيره، بل إن الهدنة لا تجوز إلا عند الحاجة والأصل عدمها، مما يدل على أن الحرب هي الأصل عند هؤلاء الفقهاء، والسلم استثناء لا يتم إلا بسبب هدنة مؤقتة أو صلح أو عقد ذمة أو أداء جزية، وأدلة هذا الفريق من القرآن: آيات تأمر بقتال الكفار مطلقا كقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] وقوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] وقوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} [الأنفال: 65] وقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [البقرة: 191]، وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] وقوله تعالى: {واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 05]، وهذه الآية تسمى آية السيف قيل أنها نسخت مائة وأربعا وعشرين آية من الآيات التي تأمر بالإعراض عن المشركين، والصفح عنهم([92]) .
، أما أدلتهم من السنة، فقد استدلوا بأحاديث ورد الأمر فيها بالقتال حتى تحقق الغاية منه وهي: اعتناق الإسلام، ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) ([93]) .
ومعنى الحديث أن للسيف المقام الأول في تقرير دعوة التوحيد لقوله عليه السلام: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([94]) .
(القول الثاني): في هذه المسألة هو: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي: السلم، وبه قال بعض المالكية.
وأدلتهم من القرآن فهي أربعة أنواع: (النوع الأول): الآيات التي أمر الله تعالى فيها بالسلم، وحث على قبوله من الكفار حين اللجوء إليه ومنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} [البقرة: 208]، وقوله تعالى: {فإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} [الأنفال: 61]، وقوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90]، قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مومنا تبتغون عرض الحياة الدنيا} [النساء: 94]، .
و(النوع الثاني): الآيات التي قيد الله فيها الأمر بقتال الكفار في حال اعتدائهم وظلمهم للمسلمين كقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 190-193]، وقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} [الحج: 39 و40].
و(النوع الثالث): الآيات التي أباح الله فيها صلة الكفار غير المقاتلين والبر بهم والإحسان إليهم، كقوله تعالى: {“لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم، وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 08].
و(النوع الرابع): الآيات التي لا تبيح الإكراه في الدين كقوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 255]، وأدلة هذا الفريق من السنة والذين قالوا: أن الأصل مع الكفار: السلم لا الحرب فكثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا) ([95]) .
ففي الحديث نهي نبوي عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو، وهذا يدل على أن الحرب طارئة، وليست قاعدة في علاقة المسلم بغيره، لذلك لا يشرع للمسلم أن يتمناها إلا إذا قدمت أسبابها وتوفرت دواعيها وبواعثها، كما استدل هذا الفريق من العلماء لقوله بأنه لا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان والعميان والأزمنة والأجراء والفلاحين في حرثهم، إلا إذا قاتلوا أو شاركوا برأي أو إمداد، قالوا: لو كان الأصل مع الكفار الحرب لما استثنى الشرع هؤلاء، فاستثناؤهم برهان ودليل على أن القتال إنما هو لمن يقاتل دفعا لعدوانه، وقالوا: إن وسائل الإكراه والقهر لا يمكن أن تنجح أبدا لفرض الدين في القلوب والنفوس، لأن الدين أساسه الاقتناع، وهذا شيء قلبي محض، واعتقاد داخلي، وما كان كذلك فطريقه الحجة، والبرهان والاقتناع، لا لإكراه والقوة، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99].
و(القول الثالث): في هذه المسألة هو: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو دعوتهم أولا إلى الإسلام، رحمة بهم من الكفر ومن عذاب الله تعالى، فإنّ الإسلام هو الدين الأوحد المقبول عند الله تعالى، قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، وقال الله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وهذا الدين يُطالب به بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة الناسُ كافة، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]،ـ وقال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار ) ([96]) .
و(الإسلام): دعوة عالمية، ورسالة خاتمة للرسالات السابقة، أرادها الله عز وجل أن تكون دعوة إنسانية موجهة لجميع البشر، لا تخاطب أقواما بعينهم، ولا أجناسا بذاتهم، رضيها الله للعالمين دينا، فكانت الدين الكامل الذي أتم الله به النعمة {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] وقد تواردت النصوص الشرعية بدلالتها القاطعة على عموم رسالة الإسلام، وعالميتها، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة الناس بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28] وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158]. والقرآن الكريم {إن هو إلا ذكر للعالمين} [التوبة: 27] وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] فهذه الدعوة الأخيرة الخاتمة الناسخة للدعوات السابقة، رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها، وللأجيال كلها وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها القرآن الكريم معجزة مستمرة إلى قيام الساعة لكل أمة، ولكل جيل، وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بإبلاغ هذه الدعوة، فصدع بالأمر، ودعا الناس جميعا إلى دين الله {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} [المائدة: 67]، وقد تواترت الاحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرسل سرايا المجاهدين يأمرهم ان يبدأوا بدعوة الناس إلى الإسلام، فأن قبلوا كانوا من المسلمين وإن أبوا تٌعرض عليهم الجزية فإن قبلوا عصموا دماءهم وإن ابوا إلا القتال فيتحتم الجهاد، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب يوم خيبر: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن تكون لك حمر النّعم) ([97]) .
واخرج مسلم في صحيحه: كان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم يقول: “اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) ([98]) .
واخرج الإمام احمد عن ابن عباس رضي الله عنهما: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم) ([99]) .
وقال الطبري: (أجمعت الحجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهار الدعوة وإقامة الحجة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمراء السرايا بدعوة من لم تبلغه الدعوة) أهــ ([100]) .
وبناء على ذلك يمكن أن ندرك أن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى على اختلاف أديانها وأجناسها ولغاتها ليست في حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب، ابتداء، “وإنما هي علاقة دعوة، فالأمة المسلمة أمة دعوة عالمية تفتح أبواب رحمة الله تعالى لأهل الأرض أجمعين، وبعد القيام بواجب الدعوة، وتبليغ الدين للناس أجمعين، والتعريف بالإسلام على نطاق واسع، تكون علاقة السلم أو الحرب مع الآخرين، بعد تحديد موقفهم من دعوة الإسلام قبولا أو رفضا، يقول العلامة أبو القاسم السمناني الحنفي [ت 499]: (وكل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام قديما، فالسنة أن يدعى إلى الإسلام، ويعلم ما يدعى إليه ونبين له شرائعه وفرائضه وأحكامه، فإن أسلم كف عنه وخلي وشأنه، ودعي إلى التحول إلى دار الإسلام والكون فيها، فإن لم يجب إلى ذلك كله، دعي إلى الجزية، فإن بذلها كف عنه، وإن امتنع استعين بالله وقوتلوا على اسم الله وملة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أهــ ([101]) .
ويقول الكاساني [ت 785 هـ] رحمه الله: (إن كانت الدعوة لم تبلغهم، فعلى المجاهدين الافتتاح بالدعوة الإسلامية باللسان لقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]، ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة، لأن الإيمان، وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع، لكف الله تعالى حرم قتلهم قبل بعث الرسول وبلوغ الدعوة إياهم فضلا منه ومنة، قطعا لمعذرتهم بالكلية، ولئلا يبقى لهم شبهة عذر فيقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك، كما يجب تقديم هذه الدعوة كذلك، لأن القتال ما فرض لعينه وذاته بل للدعوة إلى الإسلام، والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ، والثانية أهون من الأولى لأن في القتال مخاطرة بالروح والنفس والمال، وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها) أهــ([102]) .
فإذا قام المسلمون بواجب الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام وتعاليمه حتى يتعرف عليه أهل الأمم الأخرى، عندئذ ينقسم غير المسلمين نحو الإسلام إلى أقسام ثلاثة، لكل قسم معاملة خاصة وعلاقة محددة، وهذه الأقسام الثلاثة هي:
(أولا): القسم الأول: من يستجيب منهم لدعوة الإسلام، ويعتنق دينها، فهؤلاء إخواننا، لهم مالنا وعليهم ما علينا قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] وقال عز من قائل أيضا: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 05]، و(ثانيا): من لا يقبل دعوة الإسلام ولا يدخل فيه، لكنه لا يقف في طريق دعوته، ولا يقاتل من يدعو إليه ويلقي للمسلمين السلم سواء كان من أهل العهد أو لم يكن، فهؤلاء الأصل في العلاقة بهم: المسالمة ما لم يعتدوا بقول أو فعل، وعلى أمثال هؤلاء تحمل الآيات التي أمر الله فيها بالسلم، وأباح فيها الإحسان والبر للكفار كقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 08]. وقوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} [الأنفال: 61] وقوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90]، أي فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه.
وأما (القسم الثالث): من يرفض الدخول في الإسلام، ويقف في طريق دعوته، محاربا المسلمين أو معاونا غيره لحربهم، أو ناقضا عهده معهم، فهؤلاء الأصل في حقهم الحرب، وهي المرحلة التالية بعد دعوتهم إلى الإسلام، وعلى هؤلاء وأمثالهم تحمل الآيات الواردة في قتال الكفار والمشركين، كقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] وقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [البقرة: 193]، وقوله تعالى: {واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 05]، وقال الإمام النووي رحمه الله: (الناس صنفان فأما الذين قاتلوا أهل السلام أو أجلوهم عن أوطانهم أو أعانوا على شيء من ذلك، فمن الظلم المنهي عنه أن يتولاهم المسلمون، ويحسنوا إليهم، ولهؤلاء وأمثالهم شرع القتال ليفسحوا للدعوة سبيلها، وأما الذين لم يفعلوا شيئا من ذلك فلا على المسلمين في الإحسان إليهم، والبذل لهم، ولو كان هؤلاء ممن أمر بقتالهم لما ساغ ذلك، فعسى أن يكون فيه قوة لهم، مع أن إضعاف العدو بكل وسيلة من أخص ما يعني به المحاربون) أهــ([103]) .
وبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، ويتم إعمالها جميعا، وتنزل النصوص على محالها، وبه نعلم العلاقة بين أمة الإسلام وغيرها من الأمم، وانها دعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم فهذا محل اتفاق بين أهل العلم، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) أهــ([104]) .
[المفتاح الخامس]: (أهم مبادئ العلاقات الدولية في النظام السياسي في الإسلام): إن أهم مبادئ العلاقات الدولية في الإسلام ثلاثة: (الأول): تحقيق العدالة والوفاء بالعهود والمواثيق و(الثاني): مراعاة المصلحة العامة لدعوة الإسلام ودولة الإسلام و(الثالث): مراعاة موازين القوى في العالم، حتى لا نغرر باهل الإسلام.
[1] تحقيق العدالة والوفاء بالعهود والمواثيق: وتقتضي العدالة في مجال العلاقات الدولية أن تبنى كافة العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية على أساس: العدالة لكافة الأطراف، وعدم الجور على طرف فيها من جرّاء هذا الاتفاق أو تلك المعاهدة، و تحقيق العدالة يضمن عدم القويُّ البغيَ والظلمَ على الضعيف، كما هو واقع جميع العلاقات الدولية اليوم التي تقوم على الظلم ومحاباة القوي الظالم على الضعيف العاجز، وحتى لا تظل قيم العدالة مجرد دعاوى فارغة من مضمونها ومحتواها، وقد ورد الأمر الرباني باحترام العهود، والوفاء بالعقود والالتزامات على أكمل وجه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91]، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)} [الْإِسراء: 34].
[2] ومراعاة المصلحة العامة لدولة الإسلام: حيث ذكر الفقهاء أن مدار العلاقات الخارجية لدولة الإسلام (سلماً أو حرباً)، مبني على مراعاة المصلحة العامة للدعوة الإسلامية، وحالة المسلمين، فكل أمر يجلب نفعاً إسلاميا للعالم كله وليس للمسلمين فحسب يكون وفق قواعد الإسلام العامة، وكل امر يحقق مصلحة للدعوة الإسلامية فهو مطلب إسلامي.
[3] ومراعاة موازين القوى ف ي العالم: وهو أمر خطير لا يمكن إهماله بأي حال، وإلا تعرض العالم الإسلامي للخطر، وقد نص الفقهاء على ضرورة مراعاة حالة المسلمين قوة وضعفا في أمور العلاقات الخارجية وفي كلا الحالتين (السلم والحرب)، وقد وضح القرآن الكريم معايير القوة والضعف التي تجعل النظام السياسي الإسلامي على بينة من أمره، قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الْأَنْفال: 66]فإن كان المسلمون يعانون من ضعف في قدراتهم العسكرية فعليهم أن لا يشتبكوا في حرب مع من هو أقوى منهم وأكثر تفوقاً بحيث يغلب على الظن أن يلحق الهزيمة بالمسلمين، فآيات الصبر تتناول حالة الضعف، وآيات الطلب تتناول حالة القوة، واتفق الفقهاء والساسة من علماء المسلمين، على أن أن الأمر بالكف عن الكفار في حال الضعف ليس من المنسوخ في الشريعة، وإنما هو من قبيل (ما أُمر به لسبب) فإذا زال السبب زال الحكم، وإذا وجِد السبب عاد الحكم، وعليه فإن حكم الكف عن قتال الكفار يدور مع سببه وهو الضعف وعدم القدرة، وقد نص على ذلك الفقهاء([105]) .
ويقول ابن جُزي المالكي: (وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى، وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار، وقال أبو المعالي: لا خلاف في ذلك” أهــ، ([106]) .
، ويقول ابن تيمية ” فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين ” أهــ ([107]) .
ويقول الشوكاني: (إذا علم المسلمون بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم، مستظهرون عليهم، فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم … وقد استدل على ذلك بقوله عز وجل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]) أهــ ([108]) . والنقل عن الفقهاء في ذلك يطول، وحاصله أن فقهاء الأمة كلهم متفقون على ضرورة مراعاة حال القوة والضعف حين اتخاذ ولي الأمر لقراراته في مسائل العلاقات الخارجية في حالتي السلم والحرب.
[المفتاح السادس]: (العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية حالة السلم): تحقيق السلم في العالم هدف من أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله، بل وما أحوج دولة الإسلام لحالة السلم لنشر الدين والدعوة إلى الله في أرجاء الأرض، ولولا تكالب الكفار على دعوة الإسلام وحربهم له، لكانت الأرض جميعا تنعم بالسلم والسلام، والقرآن الكريم يبين لنا حقيقة هذا الأمر بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، ومن الأمور التي تعزز حالة السلم في النظام السياسي الإسلامي مشروعية المعاهدات والاتفاقيات بشرط أن تكون من المباحات التي لا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ومما يدل عليها، قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال:61]، و قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4]، وقوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72]، وقد صالح الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين في صلح الحديبية وغيره، أما مدة المعاهدة: فللفقهاء في مدة المعاهدة قولان:
(الأول) أن لا تتجاوز عشر سنوات قابلة للتجديد، اقتداء بصلح الحديبية وهو قول الشافعية ([109]) .
و(الثاني) جواز أن تكون مدة المعاهدة لمدة طويلة ما دامت الحاجة قائمة لها، ولكن لا بد أن تكون محددة معلومة، كي لا يكون ذلك ذريعة لتعطيل الجهاد في سبيل الله، وهو قول الحنفية والمالكي ة والحنابلة ([110]) .
ويجوز في حالة السلم تبادل الرسل والسفارات والتبادل التجاري والاقتصادي وكل ما من شأنه خدمة الإسلام والمسلمين شريطة أن لا يحل حراما ولا يحرم حلالا من دين الله تعالى، وتنتهي المعاهدة بانتهاء مدتها، أو إذا نقضها الطرف الآخر كلياً أو جزئياً، كما نقض المشركون من أهل مكة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستفيد المسلمون من إجراء المعاهدات مع الكفار في ترك القتال، والدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام، والإعداد عملا بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الْأَنْفال: 60].
[المفتاح السابع]: (العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية في حالة الحرب): شرع الله تعالى الجهاد في الإسلام لغايات عظيمة تقصر عنها عقول الحكماء، من أدناها: حماية المصالح الدينية والدنيوية للمسلمين، ومن أعظمها: نشر الدين وبسط سلطانه على الأرض كلها حتى لا تكون فتنة شرك أو كفر، ويكون الدين كله لله، فينتشر السلم والسلام والعدل والبركة ورحمة الله تعالى على أرجاء الأرض كلها، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، فالله تعالى يعلم من فوائد الجهاد ما لا نعلم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقد أخبرنا سبحانه بعلمه الكامل أن الكفار لا يتركون قتالنا مهما سالمناهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، لهذا كان الأمر الرباني يطالب المسلمين بضرورة الإعداد حسب استطاعتهم لكل أنواع القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية، كي يرهب الأعداء، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60]، فالإعداد الجيد يرهب أعداء الله، ويحقق الردع للمعتدين، وبالتالي يساهم في نشر السلام والأمان في الأرض.
[المفتاح الثامن]: (مسوغات الحرب في الإسلام): الحرب في الإسلام وسيلة وليست غاية، فإن الإسلام دين السلم، وقد اشتق الله تعالى (الإسلام) من (السلام)، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208]و(السلم) هو كافة شرائع الإسلام، وإنما الحرب في الإسلام وسيلة لأمور عديدة أهمها رد العدوان والدفاع عن الدين والنفس والأهل والمال والوطن، وتأديب ناكثى العهد من المعاهدين، وإغاثة المظلومين من المسلمين،، وحماية الدعوة إلى الله، وتأمين حرية الاعتقاد للناس جميعا، ورد من يفتنوهم عن دين الإسلام، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ظاهرا على الكفر والشرك، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32-33].
[المفتاح التاسع]: (بين جهاد الدفاع وجهاد الطلب): جهاد الدفع: هو أن تدفع عدوا كافرا اعتدى على بلاد وحرمات المسلمين بجيشه، وهذا النوع من الجهاد فرض عين على جميع المسلمين الذين ينزل بساحتهم وديارهم العدو الصائل، فإن لم يكفوا لرد العدوان تعين واجب الجهاد على من بجوارهم من المسلمين إلى أن تتحقق الكفاية لرد عدوان المعتدين عن البلاد وحرمات العباد، وهذا النوع من الجهاد ينفر للجهاد كل امرئ بنفسه وما يملك،و يأثم كل مسلم على تركه أشد الإثم لكونه ترَك بلاد ونساء وذراري المسلمين غنيمة للكفار، وفي هذا الجهاد إذا لم تكن بالحاضرين كفاية صار الجهاد في حق البعيد فرض عين الأقرب فالأقرب حتى يعم الفرض الأرض كلها إلى أن يخرج الكفار من بلاد الإسلام ويُصَدّوا عنها، وفي هذا الجهاد لا يُدعى العدو إلى الإسلام، بل يقاتل بدون دعوة لأنه معتدي، في هذا الجهاد لا يُعتبر فيه التكافؤ في العدد والعدة بين المسلمين والكفار، لأنه لو فر الرجال خلص العدو إلى نساء وذراري المسلمين، فيجب قتالهم على كل حال، وفيه لا يعتبر إذن الوالدين، ولا إذن ولي الأمر، ولا يشترط له إماما عاما ولا جماعة، أما جهاد الطلب: هو أن يطلب المسلمون العدو الكافر في بلادهم وديارهم، وهذا النوع من الجهاد يحتاج تنظيما إلى الدولة والإمام،ولا يعاقب المسلم على تركه إذا حصلت الكفاية بغيره، إلا أنّ الحديث دل على أن من لم يغزو أو يحدث نفسه بالغزو يموت على شعبة من النفاق، ومن حضر الصف فلا يجوز له التولي إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وفي جهاد الطلب يدعى العدو إلى الإسلام، ويُخيَّر بين الإسلام أو الجزية أو القتال، ويمهل ثلاثة أيام، وفيه يُعتبر التكافؤ في العدد والعدة، فإن كان العدو أكثر من الضعف جاز الفرار، ولا يجوز بغير عذر شرعي، لأن الفرار من السبع الموبقات، وفي جهاد الطلب يجب إذن الوالدين، إلا أن يكونا غير مسلمين، ويُكره الغزو فيه بدون إذن الإمام.
[فائدة]: (من أخلاق الإسلام مع المحاربين) يحرم التمثيل بجثث قتلى العدو، فحالة الحرب في الإسلام لا تبرر الخروج على قواعد العدل والإنصاف، كما لا يجوز قطع الأشجار المثمرة لغير حاجة، ولا يجوز قتل غير المقاتلين، ككبار السن والنساء والأطفال، وكذلك فإنه ينبغي حسن معاملة الأسرى وإطعامهم وكسوتهم وعدم إكراههم على الإسلام وتحريم تعذيبهم.
المطلب السادس:
حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم
حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم: يتمتع غير المسلمين المقيمون في بلاد المسلمين بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
[1] أول تلك الضمانات: (ضمان حرية المعتقد): يعتقد المسلمون أن دينهم هو الحق المبين، وأن ما عداه إنما هي ديانات حُرفت ونُسخت بالإسلام أو ضلالات وقع فيها البشر جهلاً منهم بحقيقة الدين والمعتقد، وقد عمل المسلمون على استمالة الأمم والشعوب التي اختلطوا بها إلى الإسلام، وذلك بما آتاهم الله من حجة ظاهرة وخلق قويم ودين ميسر تقبله الفطر ولا تستغلق عن فهم مبادئه العقول، ومع ذلك لم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم، على دين الإسلام لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، وقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]، وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118– 119].
فمهمة المسلمين الدعوة إلى الله لا أسلمة الناس، مهمتهم هي البلاغ فحسب، والله يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال تعالى {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 82]، وقال تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]، وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22]، وقوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15].
لقد كرم الله تعالى الجنس البشري على سائر مخلوقات الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، وبموجبه وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وعليه فالإنسان يختار ما يشاء من المعتقد، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، والله يتولى في الآخرة حسابه، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
[2] ثاني تلك الضمانات: حرية ممارسة العبادة: فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران أماناً شمل سلامة كنائسهم وعدم التدخل في شؤونهم وعباداتهم، وأعطاهم على ذلك ذمة الله ورسوله، أخرج ابن سعد في الطبقات: (وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته) ([111]) . ووفق هذا الهدي السمح سار الخلفاء الراشدون من بعده صلى الله عليه وسلم، فقد ضمن الخليفة عمر بن الخطاب نحوه في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، وفيها: ( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم .. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين) ([112]) . وحين فتح خالد بن الوليد رضي الله عنه دمشق كتب لأهلها: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء والمؤمنين) ([113]) . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: (لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار) ([114]) . وقال أبو الوليد الباجي: (إن أهل الذمة يقرون على دينهم ويكونون من دينهم على ما كانوا عليه، لا يمنعون من شيءٍ منه في باطن أمرهم، وإنما يمنعون من إظهاره في المحافل والأسواق) ([115]) .
[3] ثالث تلك الضمانات: حسن العشرة والمعاملة الحسنة: فقد أمر الله في القرآن الكريم المسلمين ببر مخالفيهم في الدين، الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة: 8)، والبر أعلى أنواع المعاملة، فقد أمر الله به في باب التعامل مع الوالدين، وقد وضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( البر حسن الخلق )) ([116]) . قال القرافي وهو يعدد صوراً للبر أمر بها المسلم تجاه أهل الذمة: (ولين القول على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته، لطفاً منا بهم، لا خوفاً وتعظيماً، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، نصيحتهم في جميع أمور دينهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم .. فإن ذلك من مكارم الأخلاق.. امتثالاً لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم) ([117]) . وقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان: 15]، قال الخطابي: (فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة، وإن كان الولد مسلماً) ([118]) . وقال محمد بن الحسن: (يجب على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين لقوله تعالى: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً} [لقمان: 15]، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب في نعم الله، ويدعهما يموتان جوعاً، والنوازل والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، استحقاقهم باعتبار الولاد بمنزلة استحقاق الأبوين) ([119]) . ومن البر وصلة الأرحام عيادة المريض، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم جاراً له من اليهود في مرضه، وقعد عند رأسه([120]) .
[4] رابع تلك الضمانات: العدل في معاملتهم ورفع الظلم عنهم: لقد أمر القرآن الكريم بالعدل، وخصَّ – بمزيد تأكيده – على العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، قال القرطبي: ” ودلت الآية أيضاً على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يُقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثلة بهم غير جائزة، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا، وغمّونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثله قصداً لإيصال الغم والحزن إليهم) أهــ ([121]) . وقال البيضاوي: “لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمُثلة وقذف وقتل نساء وصِبية ونقض عهد، تشفياً مما في قلوبكم {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي: العدل أقرب للتقوى) أهــ ([122]) . وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصماً للمعتدي عليهم، فقال: (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة) ([123]) .
[5] خامس تلك الضمانات: التكافل الاجتماعي: فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، وقد أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة، في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) ([124]) . وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد، دون اعتبار لجنس أو دين ن قال ابن بطال: “فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق , فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك) ([125]) . وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195]، وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين: كنت مع سفيان بن سلمة، فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} [الإنسان: 8]، كما أجاز الفقهاء الوقف لهم، واعتبروه من وجوه البر التي يحبها الله، يقول محمد بن الحسن الشيباني: ” ويصح [الوقف] على أهل الذمة، لأنهم يملكون ملكاً محترماً، وتجوز الصدقة عليهم .. وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين، وروي أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم، ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين من أهل الذمة وغيرهم، صح) أهــ ([126]) . وهذا كما رأينا بعض البر والعدل الذي حثَّ عليه القرآن الكريم، حين ذكر أهل الذمة المسالمين الذين لا يعتدون على المسلمين، فقال: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، ويفصل الإمام القرافي في شرحه للبر والعدل المأمور به في معاملة غير المسلمين، فيقول: “وأما ما أمر به من برِّهم من غير مودة باطنية، فالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم .. وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم) أهــ ([127]) . ويقول الخرشي المالكي في شرحه على مختصر خليل: “دفع الضرر وكشف الأذى عن المسلمين أو ما في حكمهم من أهل الذمة من فروض الكفايات، من إطعام جائع وستر عورة، حيث لم تفِ الصدقات ولا بيت المال بذلك) ([128]) .
[فائدة]: في بيان حكم الجزية وحكمة تشريعها: يعيب الجاهلون والحاقدون من غير المسلمين على المسلمين ما قرره القرآن من الجزية على الذين رفضوا الدخول في الإسلام، في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، واعتبروا ذلك نوعاً من الإكراه على الإسلام، واعتبروها جزاء على الكفر، وأنها نوع من الظلم لأهل الذمة، وزاد نفورهم من هذه الشرعة حين قرؤوا قوله تعالى: {وهم صاغرون} فأخطؤوا في فهمها، فلابد من بيان معناها وحكمتها وحكمها، و(الجزية) في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي)، تقول العرب: “جزى، يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه”، والجزية مشتق على وزن فِعلة من المجازاة، بمعنى “أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن”، وقيل: بل هي من الإجزاء “لأنها تجزئ عن الذمي) ([129]) . وعلى كلا المعنيين فهي ليست عقوبة ينالها الكافر على كفره، ولو كانت الجزية عقوبة على الكفر لما أسقطت عن النساء والشيوخ والأطفال لاشتراكهم في صفة الكفر، بل لو كان كذلك لزاد مقدارها على الرهبان ورجال الدين، بدلاً من أن يُعفوا منها، قال الباجي: “الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض، لإقامتهم في بلاد المسلمين والذبِّ عنهم والحماية لهم) أهـــ ([130]) .
وأما الجزية عند أهل الاصطلاح فعرفها ابن قدامة بقوله: “هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام) أهــ ([131]) . وأصل تشريع الجزية في الإسلام هو قوله تعالى: قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وأول ما نلحظ في الآية أنّ خطاب إلى المؤمنين تأمرهم بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم، قال القرطبي: (قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين … وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني) أهـــ([132]) . وقال مالك: (مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة) أهـــ([133]) . وقال ابن حجر: (لا تؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمِن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات) أهـــ([134]) . وقد كتب عمر بذلك إلى أمراء الأجناد: (لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسي) ([135]) . أي ناهز الاحتلام، وهو من يقدر عادة على حمل السلاح، وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تجاوز جزية الفرد الدينار الواحد في كل سنة، فحين أرسل النبي معاذاً إلى اليمن أخذ من كل حالم منهم ديناراً، يقول معاذ: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة [هذه زكاة على المسلمين منهم]، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله مَعافر[للجزية]) ([136]) . والمعافري: الثياب، وعلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وارضاه كانت الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورِق: أربعين درهماً، مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام([137]) . والذي يظهر من هذا التفاوت أن مقدار الجزية متروك للإمام، قال ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار([138]) . لكنه على كل حال لن يجاوز هذه المبالغ البسيطة التي تراعي حالة الناس ويسارهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، وهو ما نفهمه من وصية عمر للخليفة بعده بأهل الذمة، إذ يقول: ( وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم) ([139]) . قال ابن حجر: (ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه) ([140]) . وأما من عجز عن دفع هذا المبلغ الزهيد، فإن الفقهاء أسقطوها عنه، قال القاضي أبو يعلى: (وتسقط الجزية عن الفقير وعن الشيخ وعن الزَمِن) ([141]) . وفي مقابل هذه الدنانير المعدودات فإن المسلمين يلتزمون بالدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواحهم في سبيل حماية أهل ذمتهم. فقد ضمنه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لربيعة الحضرمي، إذ يقول: (وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين، وأن أرضهم بريئة من الجور) ([142]) . فيوبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط، حين قال: (نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا) ([143]) . وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق: (فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم) ([144]) . قال أبو الوليد الباجي: (وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم) ([145]) . وأكد فقهاء الإسلام على حق أهل الذمة بالحماية، واعتبروا قيام المسلمين به من الوفاء بالعهود الذي تحرسه الشريعة وتأمر به، قال الماورديّ: (ويلتزم ـ أي الإمام ـ لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين) ([146]) . وقال النوويّ: (ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالاً، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم) ([147]) . وقال ابن قدامة: (لجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة) ([148]) . وينقل القرافي عن ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم، فيقول: (من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة) ([149]) . ويعلق القرافي فيقول: (فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صوناً لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم) ([150]) . ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي: (يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى) ([151]) .
وهذه الأحكام الشرعية لا تختص بأهل الذمة، بل تسري على كل من كان ببلاد المسلمين من المعاهدين والمستأمنين، فإنهم جميعاً أهل ذمة، يقول السرخسي: (قد بيَّنا أنّ المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل منعة، فحالهم كحالِ أهل الذمّة في وجوب نصرتِهم على أمير المسلمين، ودفع الظلم عنهم، لأنّهم تحت ولايته، ألا ترى أنّه كان يجب على الإمام والمسلمين اتّباعهم لاستنقاذهم من أيدي المشركين الذين قهروهم ما لم يدخلوا حصونَهم ومدائنهم، كما يجب عليهم ذلك إذا وقع الظهور على المسلمين، أو على أهل الذمّة؟ وكذلك لو أنّ هؤلاء المستأمنين كانوا من أهل دار الموادعة، دخلوا إلينا بتلك الموادعة) ([152]) . وحين عجز المسلمون عن حماية أهل الذمة ردوا إليهم ما أخذوه من الجزية لفوات شرطها، وهو الحماية، فقد روى القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج وغيره من أصحاب السير عن مكحول أن الأخبار تتابعت على أبي عبيدة بجموع الروم، فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين، فكتب أبو عبيدة لكل والٍ ممن خلَّفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جُبي منهم من الجزية والخراج، كتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم ، إن نصرنا الله عليهم) ([153]) . وحين قام أهل الذمة بالمشاركة بالذود عن بلادهم أسقط عنهم المسلمون الجزية، كما صنع معاوية رضي الله عنه مع الأرمن ولما تعهد الجراجمة (قريباً من أنطاكيا) بالقيام بالدفاع عن ثغرهم مع المسلمين، وأن يكونوا عيوناً للمسلمين وأعواناً لهم، أسقط عنهم أبو عبيدة رضي الله عنه الجزية، بل صالحهم على أن ينفلوا مع المسلمين إذا غنموا في حربهم إلى جانب المسلمين) ([154]) . وبمثله صالح رضي الله عنه أهل السامرة فأسقط عنهم الجزية، يقول البلاذري: “كانوا عيوناً وأدلاء للمسلمين على جزية رؤوسهم) ([155]) . وأما أهل جرجان، فقد نقل الطبري أن سويد بن مقرن رفع الجزية عمن يقوم بحمايتها منهم، وكتب لهم بذلك كتاباً جاء فيه: ” إن لكم الذمة، وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء (أي الجزية) في كل سنة على قدر طاقتكم، على كل حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاؤه (جزيته) في معونته عوضاً من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، ولا يغير شيء من ذلك هو إليهم، ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين، ولم يبد منهم سل ولا غل) ([156]) . ومثله ما كتبه عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب لأهل أذربيجان، فقد أعطاهم “كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن يؤدوا الجزية، على قدر طاقتهم ليس على صبي ولا امرأة، ولا زمِن ليس في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء … ومن حشر منهم في سنة (أي دعي للمشاركة في الدفاع) وضع عنه جزاء تلك السنة”. ثم يضيف الطبري بأن عتبة قدم بالكتاب على الخليفة عمر ” وذلك أن عمر كان يأخذ عماله بموافاة الموسم في كل سنة، يحجر عليهم بذلك الظلم، ويحجزهم به عنه) ([157]) . ومثله أيضاً كتب سراقة بن عمرو لأهل أرمينيا، فقد تضمن عهدهم: (أن ينفروا لكل غارة، وينفذوا لكل أمر ناب أو لم ينب، رآه الوالي صلاحاً، على أن توضع الجزاء عمن أجاب إلى ذلك.. والحشر عوض من جزائهم، ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء.. فإن حشروا وضع ذلك عنهم) ([158]) . وهذا ما شهدت به الأعداء، ففي كتاب الحضارة الإسلامية يقول آدم ميتز: (وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح) ([159]) . ويوافقه المؤرخ توماس أرنولد، فيقول: (ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين – كما يريدنا بعض الباحثين على الظن – لوناً من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين) ([160]) . ويقول ول ديورانت: (ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح.. وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم) ([161]) . ، وحين يعجز دافع الجزية عنها فإنها تسقط عنه، لا بل ويدفع له من بيت مال المسلمين ما يكفيه ويقوته، وفي بيان هذا يقول أبو الوليد الباجي: (إذا اجتمعت على الذمي جزية سنتين أو أكثر لم تتداخل في قول الشافعي، وتتداخل في قول أبي حنيفة، وتجب عليه جزية سنةٍ واحدةٍ، والظاهر من مذهب مالكٍ أنه إن كان فر منها أخذ منه للسنين الماضية، وإن كان ذلك لعجزٍ لم تتداخل، ولم يبق في ذمته ما يعجز عنه من السنين.. وهذا القول مبني على أن الفقير لا جزية عليه ولا تبقى في ذمته) ([162]) . وقال القرطبي: (وأما عقوبتهم إذا امتنعوا عن أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه، ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء) ([163]) . وأما عن تفسير قوله تعالى: {عن يدٍ} فقال ابن حجر: (أي عن طيب نفس، وكل من أطاع لقاهرٍ وأعطاه عن طيب نفس من يد فقد أعطاه عن يد، وقيل معنى قوله: {عن يد} أي نعمة منكم عليهم , وقيل: يعطيها من يده ولا يبعث بها) ([164]) . وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله: {وهم صاغرون}، فهو معنى لا يمكن أن يتنافى مع ما رأيناه في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب البر والعدل، وحرمة الظلم والعنت، وهو ما فهمه علماء الإسلام، ففسره الشافعي بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة، وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين، فقال: (أن يكونوا قياماً، والآخذ لها جلوسا)، إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه، لا بفضله عليهم، يقول القرطبي في تفسيره: (فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى، ويد الآخذ عليا) ([165]) . ولما تكلم بعض الفقهاء في اذلال المعطي للجزية بصور مهينة ما انزل الله بها من سلطان، تعقبه النووي بقوله: (هذه الهيئة باطلة، ولا نعلم لها أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها بعضهم .. فالصواب الجزم ببطلانها، وردها على من اخترعها، ولم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً منها) ([166]) . ولما ذكر ابن القيم صوراً شبيهة ذكرها الفقهاء عقّب بقوله: (وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك، والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار) ([167]) . ونقل النووي عن جمهور العلماء قولهم: (تؤخذ برفق كأخذ الديون) ([168]) . وليست الحماية السبب الوحيد الذي لأجله شرعت الجزية، بل ذكر العلماء أموراً، منها أن الجزية والصغار وسيلة ضغط محدودة تدفع الذمي إلى التفكر في الإسلام والاطلاع على محاسنه والاهتداء إليه والفوز بالجنة، قال ابن حجر: (قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام) ([169]) . فهل بعد عظمة الإسلام وسماحته من عظمة وسماحة، وصدق الله تعالى إذ يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
المبحث الرابع معوقات تطبيق النظام السياسي الذي جاء به الإسلام
[المفتاح الأول]: أسباب تأخر نضج النظام السياسي الإسلامي: لقد حوى الكتاب والسنّة في الآيات والاحاديث والسيرة النبوية الشريفة كل لبنات النظام السياسي الذي يقوم على الحق والعدل ولكن تأخر جمع الفقهاء لها، وأهم أسباب ذلك، أنّ الخلافة الراشدة لم تتجاوز ال ثلاثين عاما بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة) ([170]) . والناظر إلى الناحية العملية التي كان عليها النظام السياسي والحكم بعد الخلافة الراشدة – باستثناء فترات قليلة – يجد أنها لم تلتزم بأحكام الإسلام في كل شؤونها، وكان الحاكم المتغلب يتصرف في الامة الإسلامية تصرف المالك لها، ولم تعد مهمة الحاكم حماية الدين وسياسة الدنيا به، بل مصالح الحكام وأعوانهم، ولم يدع الحكام المجال للعلماء والفقهاء في وضع فقه السياسة الشرعية للحكم موضع التنفيذ، وخاف الفقهاء المخلصون من بطش الحكام الظالمين، فتركوا الخلافة لأهل العصبية يتصرفون فيها تصرف الملوك الوارثين الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى أوجب طاعتهم والخضوع لهم في كل شيء، فكان صعبا على الفقهاء بمفردهم ان يضعوا منظومة للحكم كما أرادها الإسلام، ولا أن يضعوا نظاما شرعيا ثابتا للخلافة يقوم على ادلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، يقيد به سلطة الخليفة بنصوص الشرع، ويحتم عليه مشاورة أهل العلم والفقه والشورى في الأمر، ولم يوجد من الحكام المخلصين من استطاع جعل هذا النظام الرباني في السياسة والحكم موضع التنفيذ.
لقد استطاع الفقهاء -في الكتب والمراجع- صياغة النظام السياسي الإسلامي على الأسس الربانية التي تبين حقوق الحكام وواجباتهم وفقًا للقواعد الشرعية التي تجمع بين مصالح الدين ومصالح الدنيا، في أحسن نظام يقوم على افراد الله تعالى بالحكم والتشريع على اعتبار انها السلطة العليا التي يرجع إليها الجميع فتمنع من تغول السلطات بعضها على بعض، ويقوم أيضا على مبدأ الشورى واعلاء قيم العدل والمساواة والحرية، ومع ثراء الامة بتلك المؤلفات التي قدمها الفقهاء فيما يخص النظام السياسي الإسلامي والذي ينبغي ان يكون أحسن نظام على وجه الأرض، ومع ذلك فلم يأخذ حقه من التطبيق إلا في أوقات محدودة من تاريخ امة الإسلام، ومن اهم تلك المراجع: كتاب (الأحكام السلطانية) للإمام أبي الحسن علي بن محمد حبيب الماوردي (ت 450هـ)، وكتاب (غياث الأمم في التياث الظلم) للإمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الملقب بإمام الحرمين (ت 478هـ)، وكتاب: (الاحكام السلطانية) للقاضي الحنبلي أبي يعلى الفراء (ت 458هـ).
[المفتاح الثاني]: معوقات تطبيق النظام السياسي الذي جاء به الإسلام: ذكرنا فيما سبق المعالم الرئيسة المتعلقة بالنظام السياسي في الإسلام، ونرى الفرق شاسعا بين هذا النظام الرباني، الذي نحقق به العبودية لله في الأرض، وبين الأنظمة المعاصرة التي لا تدين إلا بمبدأ القوة والعنصرية واستضعاف الشعوب سياسيا واقتصاديا وعسكريا، والتحديات أمام أمة الإسلام رهيبة، منها تحديات خارجية صعبة ومعوقات داخلية.
[فمن التحديات الخارجية]: أنّ الدول العظمى بما تملك من عدة وعتاد تحارب الإسلام وتتبنى استراتيجية القضاء على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ولذلك فهي تضغط على الحكام المسلمين حتى لا يطبقوا شرع الله، في أي منحى من مناحي الحياة فكيف بالحياة السياسية التي تقوم على اعلاء راية الإسلام وتطبيق شرع الله، والغرب بعد القضاء على الشيوعية تحولوا إلى الإسلام باعتباره العدو الأكبر والخطر الأقرب على فلسفة الغرب المادي، وتحركهم في ذلك القوى اليهودية التي تملك العالم وتحرك رؤساء الدول الكبرى نحو معاداة كل ما هو إسلامي، واليهود وهم كما ذكرهم الله تعالى في كتابه الكريم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، فكيف حالهم وهم أصحاب الثروات الهائلة والنفوذ الاقتصادي والسياسي والإعلامي في العالم بأسره، وشعارهم ” أبيدوا الإسلام ودمروا أهله “، وهذه القوى العالمية ترفض بشدة عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى، وهي التي سعت قديما بكل قوة حتى تمكنت من إسقاط الخلافة العثمانية وتفتيت دولة الخلافة إلى دول متفرقة متنافرة، وهي تسعى اليوم إلى تفتيت المفتت، وتقسيم المقسم، حتى لا تقوم للمسلمين قومة بعدها أبدا، ولولا حفظ الله تعالى لهذه الأمة، ما بقي لها أثر، بسبب التحديات التي تفوق الوصف والتي تواجهها، أضف إلى ذلك الغزو الثقافي الذي نال من معرفتنا بالإسلام، هذا الغزو الرهيب الذي يحاول صهر المسلمين في بوتقة الأفكار والثقافة الغربية، وتدمير عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام، فأنى لهؤلاء أن يقبلوا بظهور خلافة الإسلام من جديد، عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى.
[ومن التحديات الداخلية]: سيطرت الفكر العلماني الذي يعتقد فصل الدين عن الدولة على أجهزة الحكم في الكثير من الدول الإسلامية، وهذا الفكر معروف بموالاة أصحابه للمعسكر الغربي المادي المعادي للإسلام، وكلاهما يرفض رفضا باتا عودة النظام السياسي الإسلامي في بلاد المسلمين من جديد، أما الفقهاء والعلماء فمغلوب على أمر أكثرهم في ظل هذا التيار الجارف الذي يرفض تطبيق شرع الله، وأما الشعوب فالكثير منهم إلا ما رحم الله يجهل موضع النظام السياسي الإسلامي من دين الله تعالى، وبعضهم يظن -مع الجهل- أن لا دين مع السياسة ولا سياسة مع الدين، وبعضهم مخدوع بالعلمانية، والبعض الآخر بالليبرالية، والبعض كذلك بالديمقراطية، وهم لا يعلمون أنها فلسفات غربية تضاد النظام الإسلامي جملة وتفصيلا، أضف إلى ذلك اتهام البعض لكل من ينادي بعودة النظام السياسي الإسلامي بأنّ لديه مطامع بالحكم وانه يريد استغلال الدين للحصول علي أهداف ومكاسب سياسية، أضف إلى ذلك الانهزامية والتخلف الذي تُعاني منه الدول الإسلامية، وهم يرون عودة الخلافة أمرا مستحيلا، ولكنها عائدة لا محالة، وقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعودتها بقوله صلى الله عليه وسلم ((ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)) ([171]) .
***
المبحث الخامس الدستور الإسلامي الذي وضعه الأزهر الشريف عام 1978
هذا هو الدستور الإسلامي الذي وضعه الأزهر الشريف 1978: وهو أرضية صالحة لكل من أراد أن يتبنى المشروع الإسلامي، وهو حري بإعطاء صورة عن النظام السياسي الإسلامي بغير افراط ولا تفريط، ففي الخامس والعشرين من شهر المحرم عام 1398هـ الموافق الخامس من يناير عام 1978م أصدر الإمام الأكبر عبد الحليم محمود قراره، المرقوم بالحادي عشر بتشكيل لجنة من مجمع البحوث الإسلامية لوضع الدستور الإسلامي تنفيذا لقرارات وتوصيات المؤتمر الثامن للمجمع، فتشكلت اللجنة على أعلى مستوى من مستويات المجمع وأعد الدستور الإسلامي على أتم وجه وأكمله، بسم الله الرحمن الرحيم، مشروع الدستور الإسلامي مقدم من الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية: (1) جاء في قرارات وتوصيات المؤتمر الثامن لمجمع البحوث الإسلامية الذي انعقد بالقاهرة في ذي القعدة سنة 1397 هـ الموافق أكتوبر سنة 1977 م: يوصي المؤتمر أن يقوم الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بصفة خاصة بوضع دستور إسلامي ليكون تحت طلب أية دولة تريد أن تأخذ بالشريعة الإسلامية منهاجاً لحياتها , ويرى أن تؤخذ في الاعتبار عند وضع هذا الدستور أن يعتمد على المبادئ المتفق عليها بين المذاهب الإسلامية كلما أمكن ذلك.
(2) تنفيذاً لهذه التوصية قرر مجلس مجمع البحوث الإسلامية بجلسته المنعقدة في 11 من المحرم سنة 1977م إسناد وضع هذا المشروع إلى لجنة الأبحاث الدستورية الإسلامية بالمجمع، على أن يدعى لهذه اللجنة الشخصيات التي يمكن أن تسهم في وضع هذا المشروع.
(3) بناءً على ذلك قام فضيلة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر ورئيس مجمع البحوث الإسلامية بتأليف لجنة عليا بجانب السادة أعضاء لجنة الأبحاث الدستورية بالمجمع من نخبة من كبار الشخصيات المشتغلين بالفقه الإسلامي والقانون الدستوري لتتولى هذه المهمة.
(4) قررت اللجنة العليا المشار إليها عند اجتماعها برئاسة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر تأليف لجنة فرعية منبثقة عن اللجنة العليا تقوم بوضع الدراسات والبحوث وإعداد مشروع هذا الدستور على أن يعرض بعد انجازه على اللجنة العليا، (5) تابعت اللجنة الفرعية اجتماعاتها أسبوعيا بصفة دورية حتى انتهت من إعداد المشروع ووضعه في صيغته النهائية ثم رفعته إلى اللجنة العليا، وقد تضمن هذا المشروع تسعة أبواب تحتوي على ثلاث وتسعين مادة مفصلة على الوجه الآتي: الباب الأول الأمة الإسلامية 4 مواد، الباب الثاني أسس المجتمع الإسلامي 13 مادة، الباب الثالث الاقتصاد الإسلامي 10 مواد، الباب الرابع الحقوق والحريات الفردية 16 مادة، الباب الخامس الإمام 17 مادة، الباب السادس القضاء 23 مادة، الباب السابع الشورى والرقابة سن القوانين مادتان، الباب الثامن الحكومة مادتان، الباب التاسع أحكام عاملة انتقالية 7مواد، – والأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية تتقدم بهذا المشروع للعرض على المؤتمر التاسع للمجمع تنفيذاً لتوصية المؤتمر الثامن، الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية، دكتور / الحسيني عبد المجيد هاشم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول: الأمة الإسلامية
مادة / 1: المسلمون أمة واحدة، والشريعة الإسلامية مصدر كل تقنين.
مادة / 2: يجوز أن تتعدد الدول في الأمة الإسلامية وأن تتنوع أشكال الحكم فيها.
مادة / 3: يجوز للدولة أن تتحد مع دولة إسلامية فأكثر في الشكل الذي يتفق عليه .
مادة / 4: يقوم الشعب بمراقبة الإمام وأعوانه وسائر الحكام ومحاسبتهم وفق أحكام الشريعة الإسلامية
الباب الثاني: أسس المجتمع الإسلامي
مادة / 5: التعاون والتكامل أساس المجتمع .
مادة / 6: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض ويأثم من يقصر فيه مع القدرة عليه .
مادة / 7: الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وتكفل الدولة دعم الأسرة وحماية الأمومة ورعاية الطفولة وتهيئة الوسائل المحققة لذلك.
مادة / 8: حماية الأسرة واجب الدولة بالتشجيع على الزواج وتيسير أسبابه المادية بالإسكان والمعونات الممكنة وتكريم الحياة الزوجية وتهيئة الوسائل لحسن تبعة المرأة لزوجها وخدمة أولادها واعتبار العناية بالأسرة أول واجباته.
مادة / 9: العناية بسلامة الأمة وصحة الأفراد واجب الدولة، وعليها توفير الخدمات الطبية المجانية للمواطنين من وقائية وعلاجية.
مادة / 10: طلب العلم فريضة والتعليم واجب الدولة وفقاً للقانون.
مادة / 11: التربية الدينية منهج أساسي في جميع مراحل التعليم .
مادة / 12: تلتزم الدولة بتعليم المسلمين الأمور المجمع عليها: من الفرائض، وتدريس السيرة النبوية، وسيرة الخلفاء الراشدين، دراسة وافية على مدار سنوات التعليم.
مادة / 13: تلتزم الدولة بتحفيظ ما تيسر من القرآن الكريم للمسلمين في سنوات التعليم حسب أنواع الدراسة، كما تنشئ معاهد خاصة بالقرآن الكريم لتحفيظه لغير الطلاب، وتطبع المصحف الكريم، وتيسر تداوله.
مادة /14: التبرج محظور، والتصاون واجب، وتصدر الدولة القوانين والقرارات لصيانة الشعور العام من الابتذال وفقا ًلأحكام الشريعة الإسلامية.
مادة / 15: اللغة العربية اللغة الرسمية، والتاريخ الهجري واجب ذكره في المكاتبات الرسمية
مادة / 16: الولاية العامة منوطة بمصلحة الرعية، وخاصة حماية الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعرض .
مادة / 17: لا يكفي أن تكون الغايات مشروعة، بل يجب في جميع الحالات أن تكون الوسائل مطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية .
الباب الثالث: الاقتصاد الإسلامي
مادة / 18: يقوم الاقتصاد على مبادئ الشريعة الإسلامية بما يكفل الكرامة الإنسانية والعدالة. الاجتماعية ويوجب السعي في الحياة بالفكر والعمل ويحمي الكسب الحلال.
مادة / 19: حرية التجارة والصناعة والزراعة مكفولة في حدود الشريعة الإسلامية.
مادة / 20: تضع الدولة خططاً للتنمية الاقتصادية وفقاً للشريعة الإسلامية.
مادة / 21: تقاوم الدولة الاحتكار ولا تتدخل في الأسعار الا للضرورة .
مادة / 22: تشجع الدولة على تعمير الصحراء وتوسيع رقعة الأرض المنزرعة.
مادة / 23: لا يجوز التعامل بالربا أخذاً، أو عطاءً، أو أن يستر أي تصرف معاملة ربوية .
مادة / 24: للدولة ملكية ما في باطن الأرض من المعادن والخامات وغيرها من الثروات الطبيعية.
مادة / 25: كل مال لا مالك له يكون ملكاً لبيت المال، وينظم القانون طريقة تملك الأفراد له .
مادة / 26: تصرف الدولة الزكاة التي يقدمها إليها الأفراد في مصارفها الشرعية.
مادة / 27: الوقف على الخيرات جائز، ويصدر قانون بتنظيمه من جميع النواحي.
الباب الرابع الحقوق والحريات الفردية:
مادة / 28: العدل والمساواة أساس الحكم، وحقوق الدفاع والتقاضي مكفولة، ولا يجوز المساس بها.
مادة / 29: الاعتقاد الديني والفكري وحرية العمل وإبداء الرأي بالقول والكناية أو غيرهما وإنشاء الجمعيات والنقابات والانضمام إليها والحرية الشخصية وحرية الانتقال والاجتماع كلها حقوق طبيعية أساسية تكفلها الدولة في حدود الشريعة الإسلامية .
مادة / 30: للمساكن والمراسلات والخصوصيات حرمة والتجسس محظور، ويحدد القانون ما يَرِدُ على هذه الحرمة من قيود تمارسها الدولة في جرائم الخيانة العظمى،أو الخطر الداهم، ولا تكون تلك الممارسة إلا بإذن قضائي.
مادة / 31: حق التنقل داخل البلاد وخارجها مباح، ولا يُمنع المواطنون من السفر الى الخارج، ولا إلزامهم البقاء في مكان دون آخر إلا بحكم قضائي، يبين القاضي أسبابه، ولا يجوز نفيُ المواطنين
مادة / 32: تسليم اللاجئين السياسيين محظور، وينظم تسليم المجرمين العاديين باتفاقات مع الدول المعنية.
مادة / 33: تعذيب الأشخاص جريمة، ولا تسقط الجريمة أو العقوبة طول حياة من يرتكبها، ويلتزم فاعلها أو الشريك فيها بالمسئولية عنها في ماله، فان كان بمساعدة موظف أو بموافقته أو بالسكوت عنها فهو شريك في الجريمة جنائياً، ومسئول مدنياً، وتسأل معه الحكومة بالتضامن.
مادة / 34: يعاقب بعقوبة التعزير الموظف الذي تقع في اختصاصه جريمة تعذيب علم بها ولم يبلغ السلطات المختصة عنها .
مادة / 35: لا يطل [يهدر] دمٌ في الإسلام، وعلى الدولة تعويض المستحقين من قتلى لا يعرف قاتلهم، أو عجزة لا يعرف من أعجزهم، أو عُرِفَ ولم يوجد لديه مالٌ يكفل التعويض .
مادة / 36: لكل إنسان حق تقديم الشكوى عن جريمة تقع عليه أو على غيره أو على اختلاس المال العام أو تبديده.
مادة / 37: حق العمل والكسب والتملك مكفول، ولا يجوز المساس به إلا بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية.
مادة / 38: للمرأة أن تعمل في حدود أحكام الشريعة الإسلامية.
مادة / 39: تكفل الدولة حرية الملك وحقوق الملكية وحرمتها، ولا تجوز المصادرة العامة بأية أداة كانت، أما المصادرة الخاصة فلا تكون إلا بحكم قضائي.
مادة / 40: لا تنزع ملكية أحد إلا للمصلحة العامة، ومقابل تعويض كامل، وفقاً لأحكام القانون المنظم لذلك.
مادة / 41: إنشاء الصحف مباح، والصحافة حرة، وذلك كله في حدود أحكام الشريعة الإسلامية
مادة / 42: للمواطنين حق تكوين الجمعيات والنقابات على الوجه المبين في القانون، ويحظر منها ما يكون نشاطه معادياً لنظام المجتمع، أو سرِّياً ذا طابع عسكري، أو مخالفاً بأي وجه من الوجوه لأحكام الشريعة الإسلامية.
مادة / 43: تمارس الحقوق وفقاً لمقاصد الشريعة.
الباب الخامس: الإمام
مادة / 44: يكون للدولة إمام، وتجب الطاعة له، وإن خولف في الرأي .
مادة / 45: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا للإمام في أمرٍ مقطوعٍ بمخالفته للشريعة.
مادة / 46: يبين القانون طريقة البيعة العامة في اختيار الإمام، على أن تتم البيعة العامة تحت إشراف القضاء، وتكون البيعة بالأغلبية المطلوبة لأصوات المشتركين في البيعة.
مادة / 47: يشترط للمرشح لرئاسة الدولة: الإسلام، والذكورة، والبلوغ، والعقل، والصلاح، والعلم بأحكام الشريعة الإسلامية.
مادة / 48: يتم تعيين الإمام ببيعة عامة من جميع طبقات الأمة طبقاً للقانون، ويجوز للمرأة أن تطلب الاشتراك في الانتخاب متى استوفت شروطه، وتمكن من الانتخاب.
مادة / 49: لا جناح على من أبدى رأيه ضد البيعة للإمام قبل تمامها.
مادة / 50: لأصحاب الحق في البيعة عزل الإمام متى تحقق سببه، وبالطريقة التي يبينها القانون.
مادة / 51: يخضع الإمام للقضاء، وله الحضور أمامه بوكيل عنه.
مادة / 52: يتمتع رئيس الدولة بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطنون، ويلتزم بما يلتزمون به، وتسري في حقه الأحكام المالية التي يحددها القانون .
مادة / 53: لا تجوز الوصية للإمام، أو الوقف عليه، أو على أقاربه حتى الدرجة الرابعة، إلا أن تكون وصية ممن يرثه الإمام، كما لا يجوز للإمام أن يشتري أو يستأجر شيئاً من أملاك الدولة أو أن يبيع أو يؤجر شيئاً من أملاكه إليها .
مادة / 54: الهدايا للإمام غلول، وما يتم منها يضاف إلى بيت المال.
مادة / 55: الامام قدوة للرعية في العدل والإحسان والعمل الصالح وهو يشارك غيره من أئمة المسلمين في كل ما يهم الجماعة الإسلامية، كما يبعث بعثاً للحج كل عام يشارك به في مؤتمرات المسلمين الرسمية وغير الرسمية.
مادة / 56: الإمام مسئول عن قيادة جيشه لجهاد العدو، وحفظ الثغور، وتراب الوطن، وإقامة الحدود، وعقد المعاهدات بعد إقرارها.
مادة / 57: الإمام مسئول عن تمكين الأفراد والجماعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الفرائض.
مادة / 58: يعين الإمام موظفي الدولة، ويجوز أن يُخَوِّلَ القانونُ غيرَه تعيين الموظفين من غير المستويات العليا.
مادة / 59: العفو عن الجرائم فيما عدا الحدود لا يكون إلا بقانون، وللإمام العفو عن عقوبات الجرائم في ظروف خاصة فيما عدا عقوبات الحدود والخيانة العظمى.
مادة / 60: للإمام عند الضرورة اتخاذ تدابير استثنائية يبينها القانون اذا قامت قلاقل أو قام ما ينذر بحدوث قلاقل أو تهديد كيان الدولة أو حرب أهلية أو حرب مع إحدى الدول، على أن يعرضها على المجلس النيابي خلال أسبوع من اتخاذها، واذا لم يكن قد تم انتخاب المجلس فيدعي المجلس القديم، وتبطل هذه التدابير إن لم يتبع فيها هذا الإجراء، ويصدر قانون بتنظيم هذه التدابير الاستثنائية، والآثار المترتبة عليها، والجهات المختصة باتخاذها، وكيفية تسوية الآثار المترتبة عليها في حالة عدم إقرارها.
الباب السادس: القضاء
مادة / 61: يحكم القضاء بالعدل وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
مادة / 62: الناس سواسية أمام القضاء ولا يجوز تمييز أحد أو فئة بمحاكم خاصة.
مادة / 63: لا يجوز إنشاء محاكم خاصة أو حرمان صاحب قضية من قاضيه الطبيعي .
مادة / 64: لا يجوز منع القضاء من سماع الدعوى ضد الإمام أو الحاكم.
مادة / 65: تصدر الأحكام وتنفذ باسم الله الرحمن الرحيم، ولا يخضع القاضي في قضائه لغير الشريعة الإسلامية.
مادة / 66: تنفيذ الأحكام مسئولية الدولة، والامتناع أو التراخي في تنفيذها جريمة يعاقب عليها
مادة / 67: تكفل الدولة استقلال القضاء، والمساس باستقلاله جريمة .
مادة / 68: تختار الدولة للقضاء أصلح المؤهلين له من الرجال، وتُيَسِّر أداءه لعمله.
مادة / 69: يشترط في جرائم الحدود أن يحضر المتهم المحاكمة وأن يحضر معه محام يختاره هو أو تندبه الدولة إن لم يختر هو محامياً.
مادة / 70: مجلس القضاء علني، وللعامة حضوره، ولا يجوز جعله سرياً إلا لضرورة شرعية.
مادة / 71: توقيع عقوبات الحدود الشرعية في جرائم الزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب الخمر والردة.
مادة / 72: يحدد القانون التعزيرات التي يوقعها القاضي في غير جرائم الحدود.
مادة / 73: يبين القانون أحكام القسامة، ولا يجوز أن تجاوز المسئولية المدنية مقادير الديات.
مادة / 74: يبين القانون شروط قبول التوبة وأحكامها.
مادة / 75: لا يحكم بالإعدام في جناية إلا إذا امتنع الصلح أو عفو ولي الدم.
مادة / 76: يجوز التصالح في القصاص على أكتر من الدية.
مادة / 77: يجوز أن تتساوى المرأة والرجل في الدية.
مادة / 78: شروط القصاص في الجروح التماثل الكامل، وكمال اليقين بذلك للقاضي
مادة / 79: الجلد هو العقوبة الأساسية في التعزيرات، والحبس محظور إلا في جرائم معدودة، ولمدة محدودة يبينها القاضي.
مادة / 80: لا يجوز إذلال المحبوس أو إرهاقه أو الاساءة إلى كرامته.
مادة / 81: تنشأ محكمة دستورية عليا تختص بالفصل في مدى مطابقة القوانين واللوائح لأحكام الشريعة الإسلامية وأحكام هذا الدستور، ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى.
مادة / 82: ينشأ ديوان للمظالم يحدد القانون تشكيله واختصاصاته ومرتبات أعضائه.
الباب السابع: الشورى والرقابة وسن القوانين
مادة / 83: يكون للدولة مجلس للشورى يمارس الاختصاصات الآتية:
(1) سن القوانين بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية .
(2) اعتماد الموازنة السنوية للدولة وحسابها الختامي.
(3) ممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
(4) تقرير مسئولية الوزارة عن أعمالها وسحب الثقة بها عند الاقتضاء.
مادة / 84: يحدد القانون شروط الانتخاب، وطريقة إحداثه وشروط العضوية، وذلك على أساس من الشورى على وجه يكفل مشاركة كل بالغ عاقل حسن السمعة في إبداء رأيه، وكذلك كيفية معاملة أعضاء المجلس من الناحية المالية، ويضع المجلس لائحته الداخلية.
الباب الثامن: الحكومة
مادة / 85: تتولى الحكومة مسئولية إدارة شئون الحكم وتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة وتكون مسئولة أمام الإمام.
مادة / 86: يحدد القانون شروط تعيين الوزراء والأعمال المحظورة عليهم أثناء تولي مناصبهم، وطريقة محاكمتهم عما يقع منهم في عملهم.
الباب التاسع: أحكام عامة وانتقالية
مادة / 87: مدينة (؟) حاضرة البلاد.
مادة / 88: يبين القانون علَمَ الدولة، وشعارها، ويحدد الأحكام الخاصة بكلٍّ منها.
مادة / 89: تسري القوانين على ما يقع من تاريخ نفاذها، ولا تسري بأثر رجعي إلا فيما تنص عليه، ويلزم لذلك موافقة ثلثي أعضاء المجلس النيابي، ولا تجوز الرجعة في المسائل الجنائية.
مادة / 90: تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها، ويعمل بها بعد شهر من اليوم التالي لتاريخ نشرها إلا إذا حدد لذلك ميعاد آخر.
مادة / 91: لكل من الإمام والمجلس النيابي طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها، والأسباب الداعية إلى هذا التعديل، فإذا كان الطلب صادراً من المجلس النيابي وجب أن يكون مُوَقَّعاً عليه من ثلث أعضاء المجلس على الأقل، وفي جميع الأحوال يناقش المجلس مبدأ التعديل، ويصدر قراراً في شأنه بأغلبية ثلثي أعضائه، فإذا رفض الطلب فلا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مضي سنة على هذا الرفض، وإذا وافق المجلس النيابي على مبدأ التعديل يناقش بعد شهرين من تاريخ هذه المرافقة المواد المطلوب تعديلها، فإذا وافق على التعديل ثلثا أعضاء المجلس عرض على الأمة لاستفتائها في شأنه، فإذا وافق على التعديل اعتبر نافذاً من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.
مادة / 92: كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقى صحيحاً ونافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور، فإذا كانت مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية وجب إلغاؤها واستبدالها بغيرها .
المبحث السادس العوامل الربانية الذاتية التي تمنع الاستبداد السياسي في الإسلام
العوامل الربانية التي تمنع من الاستبداد السياسي في الإسلام وتغول الحكام على الامة: عوامل عديدة منها: العامل الأول: أن السلطة العليا في التشريع هي لله وحده، والحكم والتشريع حق خالص لله، ولا مرجع للامة حكاما ومحكومين إلا لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعامل الثاني: أنّ التدبير لله يمهل ولا يهمل وأنه سبحانه سيحاسب على الصغير والكبير فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فمن أراد التغول على الامة أخذه الله لا محالة اخذ عزيز مقتدر، والعامل الثالث: أنّ الله حافظ دينه وحافظ امة نبيه صلى الله عليه وسلم لا محالة، وإلى قيام الساعة، فمن أراد بها خيرا حفظه الله ومن أراد بها شرا جعل تدبيره تدميره والدائرة عليه، والعامل الرابع: جعلت الشريعة للإمام العادل من الأجر ما يفوق الوصف، والإمام الظالم عاقبة ظلمه عند الله وخيمة، والعامل الخامس: الشورى لأهل العلم بالدين إلزامية وكل ذلك يحد من الاستبداد والاعتلاء بالقرار، والعامل السادس: التغليظ على حفظ حرمة المسلم ودمه وعرضه وماله وان حقها عند الله عظيم، والعامل السابع: رقابة الأمة بعلمائها ودعاتها على الحاكم والنصيحة لله والجهر بالحق والحسبة على الدين وأنّ الطَّاعة لا تكون إلا في المعروف.
[العامل الأول]: أن السلطة العليا هي لله، والحكم والتشريع حق خالص لله: قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57]، وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام: 62]، وقال تعالى: {لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وقال تعالى: {ولاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26]، وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10].
فالحكم بما أنزل الله فرض عين على كل مسلم حاكما كان أو محكوما، ويتضمن خمسة قواعد: (القاعدة الأولى): وجوب الحكم بشرع الله تعالى، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة 49]، و(القاعدة الثانية): وجوب التحاكم إلى شرع الله تعالى مع الرضا والتسليم لشريعته، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]، و (القاعدة الثالثة): الوعيد لمن لم يحكم بشرع الله تعالى، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 45]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة 47]، و اتفق العلماء أنّ من استحل الحكم بغير ما انزل الله فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، ومن أقر وظلم فقد ظلم وفسق، و(القاعدة الرابعة): الحذر من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعـالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور 63]، و(القاعدة الخامسة): حكم الله تبارك وتعالى أحسن الأحكام، قال تعـالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة 50]، وكل المسلمين حكاما ومحكومين يعلمون أنه يجب عليهم أن يطبقوا شرع الله وانهم مساءلون أمام الله عن تطبيق شرعه.
[العامل الثاني]: أنّ التدبير في الملك والملكوت لله وحده، يمهل ولا يهمل، يمهل من عصاه، فإن تاب إلى ربه ورجع وآب كان ذلك رحمة من الله تعالى عليه، وإن استمر في طغيانه فإنّ الله تعالى يمهل، ولا يهمل، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تبارك وتعالى يملي -وربما قال يمهل- للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ([172]) .
و(الإمهال): يعكس رحمة الله وحلمه وصبره على عباده، فهو لا يعجل العقوبة بل يعطي الوقت لعلّ الإنسان يتغير ويتوب. وهذا يتجلى في قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45]، و (عدم الإهمال): يدل على عدل الله التام، فمهما تأخر الجزاء أو الحساب، فإنه لا يضيع شيء عند الله. إنما يُؤجل لحكمة يعلمها هو، وهو سبحانه يحاسب على الصغير والكبير فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فمن أراد التغول على الامة أخذه الله اخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، فالملك لله يؤتيه من يشاء، وينزعه عمن يشاء، وهو يمهل ولا يهمل، لقوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 15-17]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]، وفال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8].
[العامل الثالث]: أنّ الله حافظ دينه وحافظ امة نبيه صلى الله عليه وسلم لا محالة، فمن أراد بها خيرا حفظه الله ومن أراد بها شرا جعل تدبيره تدميره والدائرة عليه، وهذه القضية تعتبر من الركائز الإيمانية التي تبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين، قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8-9]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28]، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32-33]، وحفظ الدين كائن لا محالة ببشارات النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك كائن ولو كره المشركون ولو اجتمع الإنس والجن على منعه {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171-173]، وبشارات النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تؤكد عودة الخلافة الراشدة السائرة على منهاج النبوة، وذلك كائن لا محالة ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم، والبشارة ببلوغ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها: عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر) ([173]) .
والبشارة بفتح روما على أيدي المجاهدين المسلمين: روى الإمام احمد عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ الحديث، وفيه: (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية) ([174]) .
والبشارة بالنصر على اليهود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود)) ([175]) .
ومن رحمة الله تعالى انه قال في كتابه الكريم: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، والجملة مستقبلية فلن يجعل الله تعالى للكافرين على اهل الإيمان أي سبيل.
[العامل الرابع]: وجوب العدل بين العباد: حيث رتبت الشريعة على عدل الإمام من الاجر ما يفوق أجورا كثيرة منها انه يومه في العدل خير من عبادة مائة سنة وانه مجاب الدعوة، وقد جاء في كتاب سراج الملوك – الباب الخامس في فضل الولاة والقضاة إذا عدلوا: (وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم،([176]) .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه،([177]) . وروى كثير بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر([178]) .
، وروى أبو هريرة رضي الله عنه يرفعه قال: لعمل الإمام العادل في رعيته يوماً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة([179]) . وقال قيس بن سعد: ليوم من إمام عادل خير من عبادة رجل في بيته ستين سنة. وقال مسروق: لأن أقضي بالحق يوماً أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله. وروي أن سعد بن إبراهيم وأبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن مصعب بن شرحبيل ومحمد بن صفوان، قالوا لسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت: لقضاء يوم بالحق أفضل عند الله من صلواتك عمرك) أهــ،
أن السلطان أعظم الناس أجراً إذا عدل: يقول العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام (وعلى الجملة فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجراً من جميع الأنام – بإجماع أهل الإسلام -، لأنهم يقومون بجلب كل صالح كامل، ودرء كل فاسد شامل، فإذا أمر الإمام بجلب المصالح العامة ودرء المفاسد العامة، كان له أجر بحسب ما دعا إليه من المصالح العامة، وزجر عنه من المفاسد، ولو كان ذلك بكلمة واحدة لأجر عليها بعدد متعلقاتها …) أهـ، وقال: (وأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم – يعني القاضي -، لأن ما يجلبه من المصالح ويدرؤه من المفاسد أتم وأعم) ([180]) .
وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل ….) الحديث، قال الحافظ: (المراد به صاحب الولاية العظمي، ويلتحق به كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين، فعدل فيه) أه([181]) .
[العامل الخامس]: الشورى لأهل العلم بالدين إلزامية وكل ذلك يحد من الاستبداد والاعتلاء بالقرار، وقد ذكر الله تعالى الشورى بين ركني الصلاة والزكاة في قوله تبارك وتعالى: {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} فكما أن المؤمنين يحافظون على الصلاة ويؤدون الزكاة فكذلك من وصفهم وخلقهم الدائم الذي لا ينفكون عنه أنهم يتشاورون في أمورهم، إن الشورى يحصل بها سداد رأي والتوصل إلى الحق والصواب، والبعد عن الخطأ، وقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، إن عدم الشورى معناه الاستبداد، وإنّ مبدأ الشورى هو من أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام، ولأهميته سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه (سورة الشورى) دلالة على أهمية تحقق هذا المبدأ في أي شأن من شئون المسلمين، ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين مصداقًا لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
[العامل السادس]: التغليظ على حفظ حرمة المسلم ودمه وعرضه وماله وأنّ حقها عند الله عظيم، فالمُسلِمُ شأنُه عظيم، وحقُّه كبير، وله حُرْمَةٌ على أخيه المُسلمِ، واللهُ تعالى يقول: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30]. وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. وقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ… بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ. كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) ([182]) . وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ وَيَقُول: (مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ المُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا) ([183]) .
[العامل السابع]: رقابة الأمة بعلمائها ودعاتها على الحاكم والنصيحة لله والجهر بالحق والحسبة على الدين وأنّ الطَّاعة لا تكون إلا في المعروف، فقد حرم الإسلام على العلماء كتمان العلم الشرعي النافع، وتوعد كاتمه بعقوبة شديدة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]، وأخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن سُئِلَ عَن عِلمٍ فكَتَمه، ألْجَمه اللهُ بلِجامٍ مِن نارٍ يومَ القِيامة) ([184]) .
فلا يجوز للعالم أن يقدم على طاعته وخدمة دينه أحداً بل عليه أن لا يخاف من أحد في تبليغ رسالة الله سبحانه، كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39]، وروى الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله) ([185]) . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ فقال: (كلمة حق عند سلطان جائر) ([186]) .
وطاعة الحكام لا تكون إلا في المعروف ومعناها ان لا تكون في معصية الله، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([187]) .
وأخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أُمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) ([188]) . وذكر النووي في شرح الحديث: (قال العلماء: معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا)أهـ([189]) .
***
المبحث السابع الأمن في النظام السياسي في الإسلام يتمثل في أمرين هما (البيعة) الصادقة و (الطاعة) في غير المعصية
العوامل الربانية التي تعد صمام الامن للنظام الإسلامي كثيرة وكلها تؤول إلى البيعة الصادقة والطاعة في غير المعصية، ومن تلك العوامل الربانية: العامل الأول: أنّ طاعة الحاكم من طاعة الله وطاعة رسوله، وبالتالي فهي واجبة شرعا، العامل الثاني: أنّ من خرج عن الطاعة شبرا فقد دخل في الجاهلية، العامل الثالث: الطاعة تكون في العسر واليسر والمنشط والمكره والاثرة وفي كل الأحوال، العامل الرابع: الطاعة وإن اخذوا مالك ظلما وجلدوك تجبرا، فالجماعة أولى من الفرد، العامل الخامس: الطاعة في كل الأحوال إلا في معصية الله، العامل السادس: لا يجوز نزع اليد من الطاعة مهما بلغ الظلم مداه، العامل السابع: لا يجوز نزع اليد إلا في حالة الكفر البواح، العامل الثامن: لا يجوز نزع اليد إلا في حالة منع المسلمين من الصلاة، العامل التاسع، لا يجوز نزع اليد إلا في حالة تركهم للصلاة، العامل العاشر: الولاة كالآباء لا يجوز نصحهم إلا باللين والرفق، العامل الحادي عشر: لا يجوز التحزب عليهم ولا الافتئات على صلاحيات حكمهم، العامل الثاني عشر: اعطاءهم حقوقهم كاملة ونصرتهم والنصح لهم والدعاء لهم، وكل تلك العوامل يمكن جمعها في مبدأين الأول: (البيعة الصادقة)، والثاني، (الطاعة في المعروف).
[العامل الأول]: أنّ طاعة الحاكم من طاعة الله وطاعة رسوله، وبالتالي فهي واجبة شرعا، وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه فردوه إلى الله، يعني بذلك فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك من كتاب الله فاتبعوا ما وجدتم، .. فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا، وإن كان ميتا فمن سنته) ([190]) . ولهذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([191]) .
ولا شك أنّها فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([192]) . فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([193]) .
[العامل الثاني]: الوفاء التام بالبيعة فلا يجوز الخروج عن طاعتهم ولو شبرا واحدا، وأنّ من خرج عن الطاعة شبرا فقد دخل في الجاهلية: فقد أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([194]) .
وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر)، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، (مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) وأخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([195]) وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام، وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ([196]) .
والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج، وأخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ([197]) . والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم، أو أراد تفريق كلمة المسلمين، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) ([198]) . والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم.
[العامل الثالث]: الطاعة تكون في العسر واليسر والمنشط والمكره والاثرة وفي كل الأحوال، أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([199]) . يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم، (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)، واخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ([200]) . وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً، واخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([201]) . [وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا.
روى ابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد) ([202]) . قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: (قد تركتكم على البيضاء) وفي رواية عن المحجة البيضاء وهي جادة الطريق مفعلة من الحج القصد والميم زائدة (ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك … إلى ان قال: (وعليكم بالطاعة) أي الزموها (وإن كان) الأمير عليكم من جهة الإمام (عبدا حبشيا) فاسمعوا له وأطيعوا (فإنما المؤمن كالجمل الأنف) أي المأنوف وهو الذي عقر أنفه فلم يمتنع على قائده والقياس مأنوف لأنه مفعول به فجاء هذا شاذا (حيثما قيد انقاد) انتهى،([203]) . (قلت): هكذا يرسم النبي صلى الله عليه وسلم السياسة الشرعية ويصف المؤمن بانه كالجمل المربوط من انفه حيثما قيد انقاد، والانف من اشد المناطق الحساسة عند الجمل فمتى ربط منها تذلل وانقاد، وكان لقائده كظله، وهو تشبيه عجيب من النبي صلى الله عليه وسلم لحالة المؤمن مع أولى الامر، مراعاة للشرع ومراعاة للمصلحة العامة للبلاد والعباد .
[العامل الرابع]: الطاعة وإن اخذوا مالك ظلما وجلدوك تجبرا، فالجماعة أولى من الفرد، أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([204]) .
وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين، وقد زعم بعض المتعجلين ان قوله صلى الله عليه وسلم: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) معناه إن ضرب ظهرك في حد من حدود الله وإن اخذ مالك في حق من حقوق الزكاة أو النفقة وهذا باطل، لأنّ الجلد في الحد حق من حقوق الله لا مجاملة فيه ولابد للسلطان من تطبيق شرع الله وكذلك اخذ المال في حقه، فلم يفد الحديث شيئا زائدا، وهذا باطل وإن تدبرنا الحديث من اوله في وصف هؤلاء الامراء: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ ِنْسٍ) لعلمنا أنهم ظلمة معتدون ولكن لا يصلح مع السلطان إلا السمع والطاعة، فكان هذا من اعظم الدروس النبوية في بيان الموقف من السلطان، لما يترتب على الخروج عليه من مفاسد أعظم من المفاسد الحاصلة من أخذ المال وجلد الظهر، وهذا الذي وردت به النصوص النبوية الشريفة، وهذا هو الذي أيده التاريخ على مر عصوره وأيده الواقع المعاصر إلى يومنا هذا ونحن نرى أن الخروج بالسيف يفضي إلى فتن يترتب عليها الهرج والمرج والقتل والفساد في الدماء والأموال أضعاف لأضعاف ما يخرج الناس من أجله، فكان الامر النبوي بالصبر على جور الحكام هو من باب الموازنة بين المفاسد الحاصلة والمفاسد المتوقَّعة، وهذا من أعظم الدروس النبوية في السياسة الشرعية، والشرع والعقل قد دلَّا على وجوب تحمل المفسدة الأدنى لدفع الأعلى، وللحديث مبحث مستقل أورده بعد قليل.
[العامل الخامس]: الطاعة في كل الأحوال إلا في معصية الله: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([205]) . وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([206]) . وأخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) ([207]) .
والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث: (فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى، قال العلماء: معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا) أهـ([208]) . وقال السندي رحمه الله: (يقودكم بكتاب الله: فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم) ([209]) .
فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله، أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة، قلت: وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام والالتزام المجمل بكتاب الله تعالى، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى، والتفصيل في الأمر: أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، ف (منكم) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية، فإن خالف كتاب الله، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته.
[العامل السادس]: لا يجوز نزع اليد من الطاعة مهما بلغ الظلم مداه: أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([210])والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([211]) . ، وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا، وأخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال: (أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([212]) .وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام.
[العامل السابع]: لا يجوز نزع اليد إلا في حالة الكفر البواح: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([213]) .
وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)
[العامل الثامن]: لا يجوز نزع اليد إلا في حالة منع المسلمين من الصلاة: أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة). ([214]) .
يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، (قَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ)، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة).
[العامل التاسع]: لا يجوز نزع اليد إلا في حالة تركهم للصلاة: أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([215]) .
وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ)، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ)، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب (وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم، ألا وهو ترك الصلاة، لأنها صلة العبد المسلم بربه، فمن تركها فقد كفر، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك.
[العامل العاشر]: الولاة كالآباء لا يجوز نصحهم إلا باللين والرفق: قال تعالى: آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 43، 44]، ويؤيده قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 17 إلى 19]، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها، لأنّ السلطة بيده، فالشدة لا تناسبه، وقد تعني تهديده ووعيده، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته.
[العامل الحادي عشر]:: ولاة الامر لا يجوز التحزب عليهم ولا الافتئات على صلاحيات حكمهم: يستدل البعض جهلا بحديث أبي سعيد الخدري الذي اخرجه مسلم: قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([216]) .
وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة، ومن أهم ذلك، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، كما أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، لأن في ذلك إذهاباً لهيبة السلطان، وتخريب البلاد، وضياع الأمن ومصالح المسلمين، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين، وحديث (من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، هو خطاب لجميع الأمة، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه، ولكن هذا مشروط بشروط منها: ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد، أو شهر سيف، ونحو ذلك، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان، فإن كان السلطان، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين (فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا يخفي)، ([217]) . وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله -: (لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول )وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين: التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك) أهـ ([218]) .وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها) اهـ، ([219]) .
[العامل الثاني عشر]: الولاة يجب اعطاءهم حقوقهم كاملة ونصرتهم والنصح لهم والدعاء لهم: السلطان ظل الله في الأرض، من عظم امره فقد عظم شعائر الله، ومن أكرم السلطان، أكرمه الله، ومن أهان السلطان أهانه الله، وأن الله تعالى يزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، لأنّ الله تعالى يمنع به من الهرج والمرج والفوضى، أكثر ما يمنع بالقرآن، لأن الكثير من الناس على ضعف الإيمان فلا تؤثر فيهم زواجر القرآن، بقدر ما يخافون من عقوبة الحاكم، ونصيحة السلطان واجبة وخيانته محرمة، أخرج مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا: لمن؟ قال: للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم) ([220]) . وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم، وأخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: (قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ قال قلتُ: فما تأمرني؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ، فإنها لكَ نافلةً) ([221]) . وفي الحديث الحرص على ملازمة الحكام، حتى في الهيئة والصورة العامة (فإن أدركتَها معهم فصلِّ)، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم، قال الإمام بدر الدين ابن جماعة: (الحق الرابع أي من حقوق الحاكم: أن يعرف أن له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالي له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعله بعض المنتسبين إلي الزهد من قلة الأدب معهم فليس من السنة) أهـ([222]) .
وقد جاء الأثر عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه أنّه قال: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ([223]) .
وأخرج ابن أبي عاصم في السنّة: (جاء في بعض ألفاظ حديث أبي بكرة رضي الله عنه: (من أجل سلطان الله، أجله الله يوم القيامة) وفي بعض الفاظه: (السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرم الله ومن أهانه أهانه الله) ([224]) .
والمعنى يدفع الله به الأذى عن الناس، كما أن الظل يدفع أذى حر الشمس، وذكر البيهقي في (الشعب) عن أبي عثمان سعيد ابن اسماعيل الواعظ الزاهد: أنّه قال: (فانصح للسلطان وأكثر له من الدعاء بالإصلاح والرشاد، بالقول والعمل والحكم، فإنهم إذا صلحوا، صلح العباد بصلاحهم، وإياك أن تدعو عليهم بالعنة، فيزدادوا شراً، ويزداد البلاء على المسلمين ولكن ادعوا لهم بالتوبة فيتركوا الشر، فيرتفع البلاء عن المؤمنين) أهـ([225]) .
ونقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله تعالي: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251]، قال: (قيل في معناه: لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ}([226]) .
وجاء في تفسير القرطبي: (ورحم الله سهل بن عبد الله التستري حينما قال: (لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين: أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين: أفسدوا دنياهم وأخراهم) أهـ([227]) .
كذلك فإنّ من قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة النهي عن سب الحكام حتى ولو كانوا جائرين، وقد ثبت في الصحيحين: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت) ([228]) . وفي الصحيحين أيضاً: عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه، (قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده) ([229]) .
وأخرج الترمذي عن زياد بن كسيب العدوى قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق فقال أبو بلال: أنظروا إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق، فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)، ([230]) . واخرج ابن أبي عاصم: عن أنس بن مالك، قال: نهانا كبراؤنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب) ([231]) . عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوننا عن سب الأمراء)، ([232]) . وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: (إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه) ([233]) . وأخرج ابن سعد عن هلال بن أبي حميد، قال: سمعت عبد الله بن عكيم يقول: (لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان، فيقال له: يا أبا معبد أو أعنت على دمه؟ ! فيقول: أني أعد ذكر مساوية عوناً على دمه) ([234]) . وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن أبي إسحاق السبيعي، أنه قال: (ما سب قوم أميرهم، إلا حرموا خيره) ([235]) . وأخرج أبو عمر الداني في السنن الواردة في الفتن عن معاذ بن جبل، قال: (الأمير من أمر الله عز وجل، فمن طعن في الأمير فإنما يطعن في أمر الله عز وجل) ([236]) .
كما انّ المثبط عن طاعة ولي الأمر والمثير عليه يستحق العقوبة الشرعية، وهذه قاعدة مهمة من قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة التي تمنع من إثارة الشغب والقلاقل والتثبيط عن الحكام، وذلك لأنّ التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج، والخروج يؤدي إلى الهرج والمرج والفتنة، ولهذا تضمنت الشريعة الحكمية جواز التعزير الرادع لمن قام بإثارة الشغب على الحاكم المسلم، قال الشوكاني رحمه الله في شرح قول صاحب الأزهار: (ويؤدب من يثبط عنه، فالواجب دفعه عن هذا التثبيط، فإن كف، وإلا كان مستحقاً لتغليظ العقوبة، والحيلولة بينه وبين من صار يسعى لديه بالتثبيط بحبس أو غيره، لأنه مرتكب لمحرم عظيم، وساع في إثارة فتنة تراق بسببها الدماء، وتهتك عندها الحرم، وفي هذا التثبيط نزع ليده من طاعة الإمام، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من نزع يداً من طاعة الإمام، فإنه يجيء يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت موتة جاهلية) أهـ([237]) .
وقال ابن فرحون في تبصرة الحكام: (من تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين لزمته العقوبة الشديدة، ويسجن شهراً، ومن خالف أميراً، وقد كرر دعوته، لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام) أهـ، ([238]) . وكذلك فإنّه من أعظم قواعد السياسة الشرعية الرصينة الحكيمة في هذا الباب: الدعاء للحكام والامراء بصلاح الحال، وقد قال بعض الصالحين: لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان، لأنّ بصلاحه تصلح الرعية.
(تنبيه): ليس الهدف من ذكر تلك القواعد الشرعية في باب السياسة الشرعية المبالغة في مداهنة الحاكم، وليس الهدف كذلك تبرير أخطاء الحكام، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس، أما ما يتعلق بدين الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين، كما سيأتي بيانها، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان، ونزع يد الطاعة منهم، أو الخروج المسلح عليهم، فهذا ما نهت عنه الشريعة إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، فإن معاداة الحكام المسلمين لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة، ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين.
***
المبحث الثامن القواعد الاضطرارية التي توجبها السياسة الشرعية في النظام السياسي الإسلامي
(القاعدة الاولى): نصب الإمام فرض واجب على المسلمين، (القاعدة الثانية): وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، (القاعدة الثالثة): من غلب فتولي الحكم واستتب له، فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته، (القاعدة الرابعة): إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة واستتب له الأمر وجبت طاعته، (القاعدة الخامسة): يصح في الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم، (القاعدة السادسة): الأئمة الذين أمر الشرع بطاعتهم هم الأئمة الموجودون الذين لهم سلطان وقدرة، (القاعدة السابعة): حدود طاعة الحاكم المسلم متعلقة بالاستطاعة وبالطاعة في غير معصية، (القاعدة الثامنة): حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم.
[القاعدة الأولى]: نصب الإمام فرض واجب على المسلمين: نصب الإمام فرض واجب على المسلمين، وقد حكى الإجماع على ذلك أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن لأنّه لا خلاف في ذلك، ومما يدل على ذلك اجتماع الصحابة رضي الله عنهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار الخليفة، وذلك قبل الاشتغال بدفنه صلى الله عليه وسلم، جاء في [الأحكام السلطانية:] – لأبي الحسن الماوردي-: (وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب – بالإجماع -، وإن شذ عنهم الأصم)، ([239]) .
وقال القرطبي – رحمه الله تعالي – في [الجامع لأحكام القرآن]: (ولا خلاف في جواب ذلك – أي: عقد الإمامة – بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله، واتبعه على رأيه ومذهبه) اهـ،([240]) .
ومن الأدلة على وجوب نصبه: أن الشرع علق أحكاماً كثيرة بالإمام منها قوله- تعالي – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)، فكيف يأمر – تعالي – بطاعة الإمام وليس وجوده واجباً؟ وكيف يموت – من يموت وليس في عنقه بيعة – ميتة جاهلية، والخلاصة كما قال القاضي أبو يعلى: (وهي (تنصيب الإمام) فرض على الكفاية، مخاطب بها طائفتان من الناس، أحدهما: أهل الاجتهاد، حتى يختاروا، والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة، حتى ينتصب أحدهم للإمامة) أهـ ([241]) .
[القاعدة الثانية]: وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة والترهيب من نقضها: الإمام القائم المستقر هو الذي تجب له البيعة، وهو الذي جاء التغليظ على نقض بيعته، وقد دل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه– كتاب الإمارة – أن عبد الله بن عمر جاء إلي عبد الله بن مطيع – حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية -، فقال عبد الله بن مطيع: أطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: أني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية) ([242]) .
وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا بايع أحدا بعد بيعته ليزيد وفاء للعهد، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ابن علية: حدثني صخر بن جورية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنية وأهله، ثم تشهد، ثم قال: (أما بعد، فإننا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال: هذا غدرة فلان)، وإن من أعظم الغدر – إلا أن يكون الإشراك بالله -: أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله، ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه) ([243]) .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالي – في [الفتح ] (وفي هذا الحديث جواب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق) أهـ،([244]) .
[القاعدة الثالثة]: من غلب فتولي الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته وتحرم منازعته ومعصيته: القاعدة الرصينة التي تمنع من الهرج واستحلال الدماء تتمثل في أنّ من غلب فتولي الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته، جاء في عقيدة الإمام احمد التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (… ومن غلب عليهم يعني: الولاة – بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، براً كان أو فاجراً) اهـ ([245]) .
واحتج الإمام أحمد بما ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: (وأصلي وراء من غلب) ([246]) .
وأخرج أبي سعيد في الطبقات عن زيد ابن أقال: (ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدي إليه زكاة ماله) ([247]) . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، قال: (كتب: أني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وان بني قد أقروا بمثل ذلك) ([248]) .
وجاء في الفتح: (قوله: (حيث اجتمع الناس على عبد الله عبد الملك)، يريد: ابن مروان بن الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان، وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير – رضي الله عنه –، وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك واستقر له الأمر بايعه) أهــــ([249]) .
وروى البيهقي في مناقب الشافعي: عن حرملة قال: (سمعت الشافعي يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمي خليفة، ويجمع الناس عليه، فهو خليفة) أهـــ ([250]) .
وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء) أهــ([251]) .
[القاعدة الرابعة]: إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته، وحرمت معصيته: وهذه القاعدة من القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج واستحلال الدماء أيضاً أنّ الإمام المتغلب المتمكن الذي استتب له الأمر، هو الذي تجب له البيعة حقنا للدماء، حتى ولو لم يستجمع شروط الإمامة، قال الغزالي: (لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته، لأنا بين أن نحرك فتنة بالاستبدال، فما يلقي المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة، فلا يهدم أصل المصلحة شغفاً بمزاياها، كالذي يبني قصر ويهدم مصراً، وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام، وبفساد الأقضية وذلك محال، ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم، فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة؟ ! اهـ ([252]) .
وقد نقل الشاطبي في الاعتصام كلام الإمام الغزالي، ثم قال: (هذا ما قال – يعني: الغزالي -، وهو متجه بحسب النظر المصلحي وهو ملائم لتصرفات الشرع وإن لم يعضده نص على التعيين. وما قرره هو اصل مذهب مالك …) ([253]) .
وجاء في الاعتصام كذلك: (وروى البخاري عن نافع، قال: (لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع بن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وأني لا أعلم أحد منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه([254]) .
قال بن العربي: وقد قال ابن الخياط أن بيعة عبد الله لزيد كانت كرها، وأين يزيد من ابن عمر؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار من التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد، لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك؟ قال وهذا أصل عظيم فتفهموه والزموه، ترشدوا) أهـــ([255]) .
[القاعدة الخامسة]: يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم: وهذه القاعدة من القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء فيصح عند الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم، قال الصنعاني في سبل السلام: عند شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات، فميتته ميتة جاهلية) [أخرجه مسلم]، قوله: عن الطاعة، أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة أجتمع عليه أهل الإسلام، لقلت فائدته، وقوله: (وفارق الجماعة)، أي: خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم) أهـ ([256]) .
وقال الشوكاني في شرح صاحب الأزهار: (ولا يصح إمامان): (وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلي ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكيف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد …. فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها) أهـ([257]) .
فهذه اقوال الفقهاء عندما يستجد على الامة جديد فإن السياسة الشرعية تعامل واقعا متغيرا تستقي منه أقرب الاحكام إلى شرع الله تعالى وتحقيقا لمفاصده، قال القاضي المالكي ابن الأزرق في بدائع السلك في طبائع الملك: (أن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان، قال بن عرفة – فيما حكاه الأبي عنه -: فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة، جاز نصب غيره في ذلك القطر، وللشيخ علم الدين يجوز ذلك للضرورة …) اهـ ([258]) .
وقد حكي ابن كثير الخلاف في هذه المسألة، قبل ان يكون امرا واقعا، فقال: (وحكي إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك، قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب …) اهـ ([259]) .
وقال المازري في كتابه المعلم بفوائد مسلم: (العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلي أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره حتى يضطروا إلي إقامة إمام بدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم) اهـ ([260]) .
وعلى ذلك فإنه من باب الضرورة يثبت شرعاً لهؤلاء الحكام المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم من الطاعة والبيعة، فيسمع لهم ويطاع لهم، ويحرم الخروج عليهم.
[القاعدة السادسة]: الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة: من القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء أيضاً: أنّ الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة، ولا يُعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة له على شيء أصلاً، والدليل على ذلك أن مقاصد الإمامة التي جاء الشرع بها من إقامة العدل بين الناس وإظهار شعائر الله تعالي وإقامة الحدود ونحو ذلك لا يمكن أن يقوم بها سوى الحاكم الموجود الذي له قدرة وسلطان وله في اعناق رجاله بيعة وطاعة، فهذا هو الذي له قدرة على إنقاذ مقاصد الإمامة، وتأمن به السبل وتجتمع عليه الكلمة، وتحفظ به بيضة أهل الإسلام، فمن خرج عليه فقد أعان الهرج والمرج وسعى في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين
[القاعدة السابعة]: حدود طاعة الحاكم المسلم متعلقة بالاستطاعة وبالطاعة في غير معصية، والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر وحتى في حالة الأثرة والظلم تجب طاعة الحاكم فيما ليس من معصية الله، واسداء النصيحة له بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته:
(أولاً) الاستطاعة: لقوله تعالي: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ولما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع) ([261]) .
(ثانياً): الطاعة في غير معصية: لما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([262]) . فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة، ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([263]) .
(ثالثاً) الصبر على المكروه: للحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة جاهلية) ([264]) .
(رابعاً): الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وحتى في حالة الأثرة عليه وظلمه وأخذ ماله وجلد ظهره، للحديث المتفق عليه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([265]) .
وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)، ولحديث مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([266]) . وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين.
(خامساً): إسداء النصيحة له بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، وقد جعلت الشريعة بحكمة سياستها الشرعية، أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وضياع الأمن ومصالح المسلمين، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين.
[القاعدة الثامنة]: حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم: إنّ من الفقه في الدين أن يعلم المسلم حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، فإذا كان إنكار منكر من جعلك الله تعالى ولياً لأمرهم كالأبناء ومن تعول يختلف عن إنكار منكر من لا تعول ومن ليس لك عليهم ولاية، وهذا كذلك يختلف عن إنكار منكر أحد الوالدين مثلاً، فإن لكل مقام مقال، وقد جعلت الشريعة الحكيمة لكل عمل حكمه الخاص به، وقد ذكرت سابقاً: أنّ السياسة الشرعية الحكيمة جعلت اسداء النصيحة للحاكم بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، قال ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك، ذكره القاضي، وغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين بالتعريف والوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك) أهـ([267]) .
وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها) اهـ، ([268]) .
وقال الشوكاني: (ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله، وقد قدمنا: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعني متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله،ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) أهـ، ([269]) .
(قلت): فإذا كان هذا كلامه في حق عامة أصحاب النفوذ، فكيف بالسلطان، ويؤيد ذلك: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أسامة بن زيد، أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه؟ فقال: (أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه) ([270]) .
، قال الحافظ ابن حجر في [الفتح ]، قوله: (قد كلمته سراً دون أن أفتح باباً)، أي باب الإنكار على الأئمة علانية، خشية أن تفترق الكلمة … وقال عياض: مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً، فذلك أجدر بالقول. اهـ.، ([271]) .
وما أخرجه الترمذي: قال: حدثنا بندار: حدثنا أبو داود: حدثنا حميد بن مهران، عن سعد بن أوس، عن زياد بن كسيب العدوى، قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر – وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال: انظر إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق ! فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)، ([272]) .
قال الترمذي: حسن غريب اهـ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند من الطريق نفسه دون ذكر القصة ولفظه:(من أكرم سلطان الله في الدنيا، أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله في الدنيا، أهانه الله يوم القيامة)([273]).
وما أخرجه ابن أبي شيبة في [المصنف]، وسعيد بن منصور في سننه عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، قال: قال عبد الله: (إذا أتيت الأمير المؤمر، فلا تأته على رؤوس الناس)، ([274]) .
ولله در الإمام النووي حيث يقول: (التأدب مع الكبار، وأنهم يسارون بما كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يجاهرون فقد يكون في المجاهرة به مفسدة) اهـ([275]) .
(فائدة): جاء في كتاب فقه الدعوة في إنكار المنكر لعبد الحميد البلالي باختصار يسير: تحت عنوان: [فقه الدعوة في إنكار المنكر على الحكام]: [(الإنكار على أصحاب النفوذ): أصحاب النفوذ هم أصحاب اتخاذ القرار في كل مكان، سواء في البلد ككل أو في الوزارة، أو مكان العمل، فصاحب القرار قد يكون رئيساً للدولة أو يكون وزيراً، أو يكون مديراً، أو رئيس قسم وهكذا، وكل هؤلاء يستمد سلطته وقراره من المسؤول الأول في البلاد. وقديماً قيل: (إذ صلح الراعي صلحت الرعية)، وقيل أيضاً: (الناس على دين ملوكهم) وقيل: (كما تكونوا يولى عليكم) ومما يرويه التاريخ لنا أن أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه، عندما جيء بتاج كسرى إليه قال: (إن قوماً أدوا هذا لأمناء)، فقال له على: (إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا) ([276]) .
فالناس من طبعهم التأثر برؤسائهم. فإذا كانوا يقلدونه في ملبسه، وعاداته الخاصة، فهم كذلك على استعداد في تقليده في صلاحه وتقواه وورعه وإخلاصه، ولهذا السبب قال الإمام ابن الجوزي: (وأولى من أهديت إليه النصائح السلطان) ويعلل السبب بقوله: (لأن في صلاحه صلاح الخلق كلهم)، ولذلك قال الحكماء: (صلاح الوالي خير من خصب الزمان) وقال الأحنف لمعاوية: (أنت الزمان فإن صلحت صلح الناس) ([277]) .
[حديث الإنكار على الأمراء]: عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع. قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا) ([278]) .
وهذا الحديث وإن كان مختصاً فيمن يحكم بما أنزل الله من الخلفاء وغيرهم ممن يفعلون بعض المعاصي ما يجعل عملهم خليطا بين ما هو موافق للشرع، وما هو مخالف له، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يرسم في هذا الحديث خطوطاً عريضة لنوع خاص من الإنكار، وهو ما يختص بأصحاب النفوذ والسلطان، يقول الإمام النووي: ((فتعرفون وتنكرون) أي تعرفون بعض أحوالهم وأقوالهم لموافقها للشرع، وتنكرون بعضها لمخالفتها له (فمن كره) ذلك المنكر بلسانه، بأن أمكن تغييره بالقول فقد (برئ) من النفاق والمداهنة (ومن أنكر) بقلبه فقط، ومنعه الضعف من إظهار النكير فقد (سلم) من العقوبة على تركه النكير ظاهراً (ولكن من رضى) أي من رضى بالمنكر (وتابع) عليه في العمل فهو الذى لم يبرأ من المداهنة والنفاق، ولم يسلم من العقوبة، فهو الذى شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطغيان) ([279]) .
ويقول الإمام النووي: (وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه) ([280]) .
نستخرج من ذلك أنه لابد من الإنكار على أصحاب النفوذ، ولكن بأسلوب يختلف مع من دونهم، وذلك لما يترتب في الغالب على الإنكار عليهم من المفاسد التي تضر الدعوة والدعاة، فتسبب إعاقة العمل عن تكوين القاعدة الصلبة من خلال الجمهور، وحتى تخرج الحركة الإسلامية نفسها من إثم السكوت على المنكر ومن حمى المداهنة والنفاق، لابد من الاستفادة من القواعد المستخرجة من الحديث، لتكون المفتاح لقواعد الإنكار على أصحاب النفوذ.
(القاعدة الأولى: الابتعاد عن الإنكار باليد): يفضل الابتعاد عن الإنكار باليد معهم ما كان لذلك سبيل، كما ذكرنا ذلك في أكثر من موضع، ونظراً لما يترتب على ذلك من الضرر الكثير للدعوة والدعاة، ولا تستخدم اليد في رد المنكر من أصحاب النفوذ إلا في حالة الدفاع عن النفس والعرض.
(القاعدة الثانية: الحكمة بالإنكار باللسان): فمن أمكنه تغيير منكر السلطان باللسان، فله ذلك، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، بل ويكون ذلك مرغوباً فيه إذا كان السلطان يستمع أو أنه مجبور على الاستماع بسبب ضغط شعبى أو لأى سبب آخر. وللحكمة صور كثيرة يمكن تطبيق كل منها في الوقت المناسب والظروف المناسبة، وأحد هذه الصور: إظهار حرص الداعية على السلطان وخوفه من النار.
(القاعدة الثالثة: ترك الإنكار باللسان): أما إن كان السلطان من أصحاب البطش والقسوة، ترجأ عملية الإنكار باللسان إلى أن يهيئ الله وضعاً يستطاع فيه الإنكار باللسان، وهذا لا يعني عدم الإنكار بالقلب، وأنه كما قال الإمام النووي: (لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضا به، أو بأن لا يكرهه بقلبه، أو بالمتابعة عليه)، هكذا تظل جذوة الإنكار مشتعلة في قلبه، حتى يغير الله وضعاً يستطيع فيه أن ينكر بلسانه أوب بيده، لتحرق تلك الجذوة الكامنة في قلبه المنكر الذى سكت عنه أيام الفتنة. وهكذا يكون فن الإنكار وفقهه، فلا نستبق المراحل حتى لا نندم.
(القاعدة الرابعة: ضرورة إظهار الزهد في الرئاسة): الكثير من الولاة خطأ، هو نفسه، أو يتم إقناعه من قبل بطانة السوء، أو أعداء الأمة عن طريق الصحافة المضللة أو الكتب المكذوبة، بأن هدف الحركة الإسلامية، هو السيطرة على مقاليد الحكم، فيتخذ بسبب هذا الظن الخاطئ إجراءات احتياطية، كالتضييق على أفراد الحركة الإسلامية والسجن والاضطهاد والتشريد والاستئصال في بعض الأحيان، حين يبلغ به الظن إلى درجة اليقين، وفي لحظات الغضب الشديد، والتعلق العنيف بالعرش، تختلط عليه الأمور بين ادعاءات أعداء الأمة وافتراءاتهم، وتشويههم لمطالب الحركة الإسلامية، وبين مطالب الحركة الإسلامية الحقيقية، والتي هي (الحكم بما أنزل الله) دون الالتفات إلى شخصية الحاكم أو الطريقة التي أتى بها إلى سدة الحكم ما دام يحكم بما أنزل الله ويهيئ المجتمع لذلك، وأنهم ليسوا حريصين على أن يكونوا هم الحكام، وإنما حرصهم الأول أن يعود حق الله المسلوب من البشر، وتعود خاصية الإله التي أسندها الإنسان لنفسه دون وجه حق، فانتشر بسبب ذلك الظلم، وعم أرجاء العالم، واختل النظام، وأصبحت الفوضى هي القانون الذى يحكم البشر بعد أن غاب قانون الله وحكمه، ولابد للدعاة وللحركة الإسلامية بمجموعها من إعلام الولاة بهذه الحقيقة، فلعل ذلك يكون سبباً لإزالة بعض العوائق عن طريقهم في تبليغ دعوة ربهم.
(القاعدة الخامسة: ترك النصيحة في الملأ): وهو أصل عظيم، وقاعدة جليلة في الإنكار على أصحاب النفوذ، وقد مر معنا في حديثنا في بعض قواعد الإنكار كلام العلماء في ذلك وكراهيتهم لهذا الأمر. وإذا كانت النصيحة أو الإنكار في الملأ من الأمور المكروهة عند عامة الناس، فهى أشد كراهة في حق أصحاب النفوذ، وهى أكثر شدة عليهم ممن عداهم، حتى جعلت الرشيد، والذى يعتبر من خيرة خلفاء بني العباس يذكر للأصمعي بعض مبادئ النصح لصحاب السلطان، كان أولها عدم النصح في الملأ، إذ يقول: (يا عبد الملك، أنت أعلم منا، ونحن أعقل منك، فلا تعلمنا في ملأ، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر الاستحقاق فلا تزد، إلا أن نستدعى ذلك منك. وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم، وأبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم) ([281]) .
(القاعدة السادسة: عدم إظهار الأستاذية): يقول الماوردي: (وليخرج تعليمه مخرج المذاكرة والمحاضرة، ولا مخرج التعليم والإفادة، لأن لتأخير التعليم خجلة تقصير، يجل السلطان عنها، فإن ظهر منه خطأ أو زلل، في قول أو عمل،لم يجاهر بالرد، وعرض باستدراك ذلك، وإصلاح خلله، وحكى أن عبد الملك بن مروان قال للشعبي كم عطاءك؟ قال: ألفين، قال: لحنت، قال: لما ترك أمير المؤمنين الإعراب، كرهت أن أعرب كلامي عليه) أهـ([282]) .
انظر إلى أدبه مع أمير المؤمنين، وفقهه بالإنكار، كيف أنه لم يبد له أنه أخطأ بالنحو، بل التمس له العذر، وجعله في موضع التارك للإعراب مع معرفته له، فقال: (لما ترك أمير المؤمنين الإعراب) مراعاة منه لما يراود النفس من الغضب إذا تبوأت مثل هذا المنصب.
(القاعدة السابعة: ترك التخشين في الموعظة): ونلتقى مرة ثانية مع الرشيد الذى علم الأصمعي مبادئ الإنكار على السلطان، يتصدى له ناسك لا يعرف شيئا من هذه المبادئ، وأغرى حب الرشيد للعلماء واستماعه لمواعظهم، فأغلظ له بالموعظة بينما كان في صيده، فقال له الرشيد: (يا هذا، أنصفني في المخاطبة والمسألة، قال الناسك: ذلك أقل ما يجب لك، قال: أخبرني، أأنا شر وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون، قال: فأخبرني، أأنت خير أم موسى بن عمران؟ قال: بل موسى صفي الله وكليمه، قال الرشيد: أفما علمت أنه لما بعثه الله وأخاه هارون إلى فرعون قال لهما: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر و يخشى}، قال: نعم، قال: هذا فرعون في عتوه وجبروته. أنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم، أؤدي فرائض الله على، ولا أعبد أحداً سواه، أقف عند أكبر حدوده، وأمره ونهيه، فوعظتني بأغلظ الألفاظ، وأشنعها، وأخشن الكلام , وافظعه، فلا بأدب الله تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنياً، قال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين، وأنا استغفرك، قال: قد غفر لك الله، وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها) أهـ ([283]) .
وقد يكون الداعية متمنياً أن يموت خير ميتة، وأن يحوز على أعظم الجهاد بكلمة حق يقولها في وجه سلطان جائر، فيها من الغلظة والخشونة ما يناسب مناكر ذلك السلطان الجائر، ولكن لابد أن يزن الوضع الذى هو فيه، فإن كان الضرر الذى يعقب هذه الكلمة الخشنة منحصراً فيه هو، فن كان الضرر الذى يعقب هذه الكلمة الخشنة منحصراً فيه هو، فلا بأس بقولها إذا كان هذا هو الأسلوب الرادع لمثل هؤلاء الطواغيت، أما إذا علم أن الضرر سيتعداه لباقي أفراد الحركة الإسلامية، فلا يجوز، ويبين هذا الأمر الإمام ابن الجوزى إذ يقول: (الجائز من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول، نحو يا ظالم، يا من لا يخالف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء) ([284]) .
(القاعدة الثامنة: اختصار الموعظة): نقل ابن مفلح عن كتابه (الآداب الشرعية) قول على بن سليمان (نه يستحسن مع الرؤساء الإيجاز والاختصار، لأن الإكثار يضجرهم حتى ربما يصيرهم إلى استقباح الحسن مما يكاتبون به، والرد عما يسألون) أهـ([285]) .
ذلك لأن كثرة انشغالهم بأمور الرعية، وما يتهددهم من مخاطر داخلية وخارجية، ومتابعتهم للمسؤولين على مرافق البلد لا يجعل لهم متسعاً من الوقت للإصغاء للمواعظ المطولة والتي يغلب عليها الطابع الإنشائي أكثر من أي شيء آخر] أه([286]) .
ـ من كتاب فقه الدعوة لعبد الحميد البلالي باحتصار يسير
المبحث التاسع الرد الحازم الباهر على من يرى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر
ويتناول تلك الموضوعات:
المطلب الأول: جمهور علماء أهل السنّة والجماعة لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الجائر.
المطلب الثاني: أحاديث يُفهم منها الإنكار على الحكام وبيان الفهم الصحيح لتلك الأحاديث.
المطلب الثالث: مفاتيح دفع الإشكال عن حديث: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك).
المطلب الرابع: مفاتيح الرد على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر.
المطلب الخامس: ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام.
المطلب السادس: هل يُعتبر تحريم الخروج على الحاكم الجائر إجماعا أم ترجيحا بحكم السياسة الشرعية
***
المطلب الاول
جمهور علماء أهل السنّة والجماعة
لا يرون الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر
[المفتاح الأول]: نسب النووي إلى أهل السنّة والجماعة الإجماع على تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين، قال النووي في شرح حديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً): (ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، إلى أن قال: قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم) أهـ([287]) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: – في شرح حديث حذيفة في لزوم الجماعة – (وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة) أهـ ([288]) .
وقال في ترجمة الحسن بن صالح: (وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر) ([289]) .
(قلت): مستند الإجماع في ذلك كتاب الله تعالى، والكثير من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكر مستند أدلتهم من كتاب الله تعالى، ومنها: قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، قال ابن عطية في تفسير هذه الآية: (لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم …) أه([290]) .
ـ وقال النووي – رحمه الله تعالي -: (المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء والعلماء) أهـ ([291]) .
وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالي – في تفسيره: (وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة.. إلي أن قال: فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالي ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره) أهـ،([292]) .
وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري، فقال: (الحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء) أهـ([293]) .
وقد سبق ذكر أكثر من عشرين حديثاً صحيحاً جميعها يدل على وجوب الصبر على جور الحكام ما كانوا مسلمين، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([294]) . وحديث حذيفة رضي الله عنه: (تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([295]) . وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([296]) . وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([297]) .
[المفتاح الثاني]: أقوال علماء أهل السنة والجماعة في عدم جواز الخروج على الولاة الظلمة: (1) [الإمام الحسن البصري: (وفاته: 110هـ)]: روى ابن سعد عن أبي التيَّاح قال: (كان الحسن البصري ينهى عن الخروج على الحجَّاج بن يوسف الثقفي، ويأمر بالكف عنه) أهــ ([298]) . وروى ابن سعد عن عمرو بن يزيد العبدي، قال: سمعت الحسن البصري يقول: (لو أن الناس إذا ابتُلُوا من قِبَل سلطانهم صبروا، ما لَبِثوا أن يُفَرَّج عنهم، ولكنهم يجزعون إلى السيف فيوكَلون إليه، فوالله ما جاؤوا بيوم خير قط) أهــ([299]) .
(2) [الإمام سفيان الثوري: (وفاته: 161 هـ)]: قال الثوري رحمه الله: (الصلاة خلف كل بَرٍّ وفاجر، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، والصبر تحت لواء السلطان، جَارَ أم عدل) أهــ([300]) .
(3) [الإمام علي بن المديني: (وفاته: 234هـ)]: قال الإمام علي بن المَدِيني رحمه الله: (السمع والطاعة للأئمة وأمراء المؤمنين البَر والفاجر، ومَن ولي الخلافة بإجماع الناس ورضاهم، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَبِيت ليلة إلا وعليه إمام، برًّا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين، والغزو مع الأمراء ماضٍ إلى يوم القيامة، البَرِّ والفاجر، لا يترك، وقسمةُ الفيء وإقامة الحدود للأئمة ماضيةٌ ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعَهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة، قد برئ مَن دفعها إليهم، وأجزأت عنه، برًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف مَن ولاَّه جائزةٌ قائمة ركعتان، مَن أعادها فهو مبتدِع، تاركٌ للإيمان مخالف، وليس له من فضل الجمعة شيء إذا لم يرَ الجمعة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، والسنَّة أن يصلوا خلفهم، لا يكون في صدره حرجٌ من ذلك، ومَن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد اجتمع عليه الناس فأقرُّوا له بالخلافة بأي وجه كانت، برضًا أو بغلبة فهو شاقٌّ، هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثارَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مات الخارجُ عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن عمل ذلك فهو مبتدع، على غير السنَّة) أهـــ ([301]) .
(4) [الإمام أحمد بن حنبل: (وفاته: 241هـ)]: قال الخلاَّل: أخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر، أن أبا الحارث حدَّثهم، قال: سألتُ أبا عبدالله أحمد بن حنبل في أمرٍ كان حدث ببغداد، وهمَّ قوم بالخروج، فقلت: يا أبا عبدالله، ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: (سبحان الله! الدماءَ الدماءَ، لا أرى ذلك، ولا آمُرُ به، الصبر على ما نحن فيه خيرٌ من الفتنة، يسفك فيها الدماء، وتستباح فيها الأموال، وتنتهك فيها المحارم، أما علمتَ ما كان الناس فيه؟ يعني: أيام الفتنة، قلتُ: والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبدالله؟ قال: وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمَّت الفتنةُ، وانقطعت السبل، الصبرَ على هذا، ويسلَمُ لك دينُك خيرٌ لك)، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء لا أرى ذلك، ولا آمر به) أهـــ ([302]) .
وقال الخلاَّل: أخبرني علي بن عيسى، قال: سمعت حنبلاً يقول في ولاية الواثق: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبدالله أحمد بن حنبل: أبو بكر بن عبيد، وإبراهيم بن علي المطبخي، وفضل بن عاصم، فجاؤوا إلى أبي عبدالله، فاستأذنت لهم، فقالوا: يا أبا عبدالله، هذا الأمر قد تفاقم وفشا، يعنون إظهارَه لخلْق القرآن، وغير ذلك، فقال لهم أبو عبدالله: فما تريدون؟ قالوا: أن نشاورَك في أنَّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم أبو عبدالله ساعة، وقال لهم: عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقُّوا عصا المسلمين، ولا تَسفكوا دماءكم) أهــ([303]) .
(5) [الإمام أبو زُرْعة الرازي: (وفاته: 264 هـ)] قال أبو زُرعة الرازي رحمه الله: (لا نكفِّر أهل القبلة بذنوبهم، ونَكِل أسرارهم إلى الله عز وجل ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهرٍ وزمان، ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاَّه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، نتَّبعُ السنَّةَ والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرْقة، وأنَّ الجهاد ماضٍ منذ بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين، لا يُبطله شيء) أهــ([304]) .
(6) [الإمام الطحاوي: (وفاته: 321 ه)]: قال الإمام الطحاوي رحمه الله: (لا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة) أهــ ([305]) .
(7) [الإمام أبو الحسن الأشعري: (وفاته: 324 هـ)]: قال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: (وأجمع علماء أهل السنَّة على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى أن كلَّ مَن وَلِي شيئًا من أمورهم عن رضا، أو غلبة، وامتدت طاعته من برٍّ وفاجر، لا يلزم الخروج عليهم بالسيف جارَ ظَلَم أو عدل، وعلى أن يُغْزَى معهم العدوُّ، ويُحَجَّ معهم البيت، وتُدْفَعَ إليهم الصدقات إذا طلبوها، ويُصلَّى خلفهم الجُمَعُ والأعياد) أهــ([306]) .
[وقال الإمام أبو الحسن الأشعري أيضًا عن اعتقاد أهل السنة: (ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وألا يخرجوا عليهم بالسيف، وألا يقاتلوا في الفتنة) أهــ([307]) .(8) [القاضي عِياض: (وفاته: 544هـ)]: قال القاضي عياض رحمه الله: (قال جماهيرُ أهل السنَّة من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين: لا ينعزل السلطان بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروجُ عليه بذلك، بل يجب وعظُه وتخويفه، للأحاديث الواردة) أهــ ([308]) .
(9) [الإمام النووي: (وفاته: 676هـ)] قال النووي رحمه الله: (لا تنازعوا ولاةَ الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكِروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فَسَقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديثُ بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهل السنَّة أنه لا ينعزل السلطان، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقةِ الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثرَ منها في بقائه) أهـ([309]) .
***
المطلب الثاني
أحاديث يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم وبيان فقه تلك الأحاديث وفق السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة
[الحديث الأول]: قوله صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ([310]) .
والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط:
(الضابط الأول): أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات.
(الضابط الثاني): الهدي القرآني في معاملة الحكام، قال تعالى – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 43، 44].
(الضابط الثالث): منطوق الحديث وفيه (كلمة عدل عند) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب، وتقويض دعائم الحكم وهيبته، ثم ينبغي أن تكون كلمة حق صادقة، فكم من كلمة حق أريد بها باطل، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى، خالصاً لله وحده، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته.
(الضابط الرابع): منطوق الحديث (كلمة عدل) أو في الرواية الثانية (كلمة حق)، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته.
(الضابط الخامس): قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة فإما أن يكون آمنا على نفسه فيجب عليه الإنكار انتصارا لدين الله تعالى، وإما أن يكون غير آمن على نفسه، وآنذاك فإن كان قتله أو أذاه سوف يعود على الدين بالعزة والنصر، فهذا هو الذي يُشرع له ذلك، وإما أنه لن يعود على الدين بنفع ولا ضر، فله أن يجهر بالحق، وإما أن يلحق بالدين أو بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ) ([311]) . دون قوله: من أراد أن يَنْصَحَ لسلطان بأمرِ .. فحسن لغيره]، وكما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل، قال قيل لأسامة رضي الله عنه: (أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ) ([312]) .
[الحديث الثاني]: أخرج أحمد والحاكم في المستدرك أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي ثنا أبو نعيم و أبو حذيفة قالا: ثنا سفيان عن الحسن بن عمرو عن محمد بن مسلم بن السائب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم)، قال الحاكم: صحيح الإسناد و لم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والسيوطي وأحمد شاكر، والأربعة – كما ذكر علماء الحديث – متساهلون في الحكم على الحديث، والحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد ضعفه الألباني والأرناؤوط والوادعي والحويني.
(أ) ذكر من صحح الحديث: الحديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وقال: (رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد) أهـ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير ونسبه لأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: (رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد، إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط، فلذلك لم أذكره) أهـ.([313]) .
(ب) الحديث ضعفه الشيخ الالباني في السلسلة الضعيفة وقال: ” ضعيف، أخرجه أحمد و الحاكم من طريق أبي الزبير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، قال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، و أقول كلا ليس بصحيح، فإن أبا الزبير لم يسمع من ابن عمرو كما قال ابن معين وأبو حاتم، .. و لذلك فإني أقطع بضعف هذا الإسناد، و الله أعلم، (ت) الحديث ضعفه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد ، وقال: ( إسناده ضعيف، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن أبا الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدْرُس- لم يسمع من عبد الله بن عمرو، فيما قاله أبو حاتم في المراسيل هـ،([314]) .
(ج) والحديث ضعفه الشيخ إسحاق الحويني في: النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ، وقال مقبل بن هادي الوادعي في تحقيقه على الحديث في مستدرك الحاكم قال: محمد بن مسلم هو محمد بن مسلم بن تدرس وليس بابن السائب , قال البيهقي: ان ابا الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو فهو منقطع أهـ من فيض القدير بتصرف , وكذا في ” جامع التحصيل ” عن ابن معين وابي حاتم لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص أهـ , وقوله هنا ابن السائب غلط فهو ابن تدرس ) أهـ([315]) .
(ث): فقه الحديث على اعتبار قبوله سنداً: الحديث عام في كل ظالم، وهو من باب إنكار المنكر، وقد جاءت الشريعة بإنكار المنكر، وهو أحد أسباب خيرية هذه الأمة، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وهو أبرز صفات المؤمنين، كما وصفهم الله تعالى بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، ولابد من أن يكون في الأمة من يجهر بالحق، ويقول للظالم أنت ظالم، ولابد من إنكار المنكر، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء، من خلال فهم قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 44].
ومن خلال فهم الأحاديث الصحيحة المحكمة كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([316]) . وحديث حذيفة رضي الله عنه: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([317]) . وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([318]) وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([319]) . وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([320]) . وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([321]) .
وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين، ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج.
[الحديث الثالث]: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([322]) .
قال ابن رجب في شرح الحديث: (هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة، وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح فقال التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره ومع هذا متي خاف على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم قال أحمد لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول) ([323]) . [قلت]: يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه، (الأول): الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة، قال ابن الصلاح: (وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم وليس في لفظه ذكر هذه الأمة والله أعلم) أهـ ([324]) .
(الثاني) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة – وقد تقدم جزء منها – على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان.
(الثالث) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه،، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد: أنّه سئل عن هذا الحديث فقال: (الحارث بن فضيل – وهو من رواة الحديث – ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله: (اصبروا حتى تلقوني) ([325]) .
(قلت): وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير([326]) . ولم يخرجه في الصحيح، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح، قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال: الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (اصبروا حتى تلقوني) ([327]) .
(الرابع): لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم، ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق، لما يُفضي على الأمة من الشرور، ولما يولد من المفاسد، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه)([328]) .وقال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: (وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان: فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم) اهـ ([329]) .
[الحديث الرابع]: حديث أبي سعيد الخدري: قال صلى الله عليه وسلم: : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([330]) .
وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة، ومن أهم ذلك، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، كما أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وضياع الأمن ومصالح المسلمين، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين، وحديث (من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فهذا حديث خطاب لجميع الأمة، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه، ولكن هذا مشروط بشروط منها: ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد، أو شهر سيف، ونحو ذلك، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان، فإن كان السلطان، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين: (فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا يخفي) ([331]) . وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله -: (لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول) ([332]) .
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين: التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك) أه([333]) .وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها) اهـ، ([334]) .
[الحديث الخامس]: حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ) ([335]) .
وفي رواية: (أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده) ([336]) .
(قلت): الحديث عام في كل ظالم (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ)، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم، فيستثنى من عموم الحديث، وسبب ذلك هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه، وما قيل في الأحاديث السابقة يُقال هنا: من أنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره.
[الحديث السادس]: قوله صلى الله عليه وسلم: : (لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) ([337]) .
(قلت): الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم، و إنكار المنكر سبب النجاة من عذاب الدنيا، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]، وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116]، ولابد من أن يكون في الأمة من يجهر بالحق، ويقول للظالم أنت ظالم، ولابد من إنكار المنكر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه).
وهذا على وجه العموم، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف، والصبر، وتنهى عن الخروج، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق، لما يُفضي على الأمة من الشرور، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهـ ([338]) .
[الحديث السابع]: أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: : ((إن أُمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) ([339]) . استدل به من يرى أنّ طاعة ولي الامر متوقفة على التمسك بكتاب الله (يقودكم بكتاب الله)، وهذا فهم خاطئ للحديث، فإنّ مقصد الحديث الانقياد المجمل بالإسلام وتعاليم الإسلام، قال النووي في شرحه للحديث: (ومقصوده: التنبيه على نهاية خسته، فإن العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجدعه نقص آخر، وفي الحديث الآخر: كأن رأسه زبيبة ومن هذه الصفات مجموعة فيه فهو في نهاية الخسة، والعادة أن يكون ممتهنا في أرذل الأعمال، فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى، قال العلماء: معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا، فإن قيل: كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيا؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه، لا أن الخليفة يكون عبدا، والثاني: أن المراد لو قهر عبد مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه، ووجبت طاعته، ولم يجز شق العصا عليه، والله أعلم) ([340]) .
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم: (عبدا حبشيا يقودكم بكتاب الله) أي: بالإسلام وحكم كتاب الله وإن جار انتهى، وقال السيوطي في الديباج على مسلم: (يقودكم بكتاب الله) .. أي ما دام متمسكا بالاسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كان في نفسه ودينه فاسمعوا له وأطيعوا انتهى.
***
المطلب الثالث
مفاتيح دفع الإشكال عن حديث: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)
[المفتاح الاول]: أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([341]) .
[المفتاح الثاني]: الحديث أخرجه مسلم وأخرجه الإمام البخاري كذلك([342]) . ولكن بدون هذه الزيادة: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) وإنما أورد هذه الزيادة مسلم من طريق أبي سلام عن حذيفة بن اليمان، قال النووي رحمه الله: (قال الدارقطني: هذا عندي مرسل، لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة، وهو كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيح متصل بالطريق الأول، وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى. وقد قدمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل إذا رُوي من طريق آخر متصلًا تبيّنّا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان) أهــ([343]) .
والحديث له متابعة من رواية خالد بن سبيع عن حذيفة، أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده ونعيم بن حماد في الفتن ، ووصله كذلك الطبراني في المعجم الأوسط: عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَتَكُونُ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي أَجْسَادِ الْإِنْسِ، قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَال: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ، وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([344]) .
وأخرجه كذلك موصولا الحاكم عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ وفيه: (تَسْمَعُ لِلْأَمِيرِ الْأَعْظَمِ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ) ([345]) .
[المفتاح الثالث]: ابن حزم يصحح الرواية ولكنه زعم أن ذلك محمول على أن يفعل الإمام ذلك بوجه حقّ، أو له فيه تأويل محتمل، فقال: (أما أمره صلى الله عليه وسلم بِالصبرِ على أَخذ المَال وَضرب الظّهْر فَإِنَّمَا ذَلِك بِلَا شكّ إِذا تولى الإِمَام ذَلِك بِحَقّ، وَهَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ أَنه فرض علينا الصَّبْر لَهُ وَأمَّا إِن كَانَ ذَلِك بباطل فمعاذ الله أَن يَأْمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالصبرِ على ذَلِك)([346]) .
وللأسف فإن الذي حمل ابن حزم على هذا التأويل هو ترجيحه لقول المعتزلة الذين يقولون بوجوب الخروج على الحاكم الظالم بالسيف، فقال رحمه الله: (سلُّ السيوف فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَاجِب إِذا لم يُمكن دفع الْمُنكر إِلَّا بذلك. قَالُوا: فَإِذا كَانَ أهل الْحق فِي عِصَابَة يُمكنهُم الدّفع وَلَا ييأسون من الظفر فَفرض عَلَيْهِم ذَلِك، وَإِن كَانُوا فِي عدد لَا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كَانُوا فِي سَعَة من ترك التَّغْيِير بِالْيَد) ([347]) .
ولا شك في فساد هذا المذهب، فإنه لا قائل به من أهل السنّة والجماعة بهذا الإطلاق، بل كان مذهبا قديما قبل تأصيل المسألة، قال به من خرجوا على الحجاج ويزيد، وكان حاملهم على ذلك فشو الظلم، وظنهم أن الخروج سوف يحقق إزالة هذا الظلم أو تقليله، ولكن الحاصل أنّ اهل السنّة والجماعة أجمعوا بعد تلك التجارب الفاشلة وما نجم عنها من مفاسد عظيمة في الدين والدنيا على حرمة الخروج بالسيف، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (قولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور. وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك، لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر) أهــ([348]) .
وقال النووي رحمه الله: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهلُ السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا فغلطٌ من قائله مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهــ ([349]) .
وكلام العلماء واضح في أن الإجماع انعقد بعد ذلك على تحريم الخروج، لما يترتب عليه من مفاسد أعظم من المفاسد الحاصلة، وهذا الذي وردت به النصوص، وأيده التاريخ والواقع المعاصر إلى يومنا هذا أن الخروج بالسيف يفضي إلى فتن، ويترتب عليه فساد في الدماء والأموال أضعاف ما يخرج الناس من أجله، وابن حزم لم يأخذ بهذا القول إلا بسبب انتصاره لقول المعتزلة في وجوب الخروج بالسيف على الحاكم الظالم، فهذا هو الذي حمل ابن حزم على الانتصار لهذا المذهب الفاسد.
[المفتاح الرابع]: هذا الذي صار إليه ابن حزم بسبب ظنه القاصر [أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُعين على ظلم، وهو لا يعلم انه ليس من باب الحفاظ على الحقوق ولكنه من باب درء المفاسد بارتكاب اخف الضررين، لأنّه لا يصلح مع السلطان إلا السمع والطاعة، فكان هذا من اعظم الدروس النبوية في بيان الموقف من السلطان، لما يترتب على الخروج عليه من مفاسد أعظم من المفاسد الحاصلة من أخذ المال وجلد الظهر، وهذا الذي وردت به النصوص النبوية الشريفة، ونحن نرى أن الخروج بالسيف يفضي إلى فتن يترتب عليها الهرج والمرج والقتل والفساد في الدماء والأموال أضعاف ما يخرج الناس من أجله، فكان الامر النبوي بالصبر على جور الحكام هو من باب الموازنة بين المفاسد الحاصلة والمفاسد المتوقَّعة، وهذا من أعظم الدروس النبوية في السياسة الشرعية، والشرع والعقل قد دلَّا على وجوب تحمل المفسدة.
[المفتاح الخامس]: جمهور اهل العلم على أنّ الحديث محمول على أن يفعل الإمامُ ذلك ظلمًا وعدوانا بغير حق، فعندها واجب المسلم المظلوم الصبر على ذلك، وعدم نزع اليد من الطاعة في المعروف، وعدم الخروج على هذا الحاكم المسلم بسبب هذه المظلمة التي وقعت عليه، وهو قول أكثر شراح الحديث، ولذلك ذكروه في أبواب (الفتن) و(الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم)، ومن ذلك قال ابن هبيرة رحمه الله: (وفيه أيضًا: أن المؤمن إذا بلي بذلك في وقت أمير جائر من ضرب ظهره وأخذ ماله فإنه لا يخرج عليه ولا يحاربه، بل يسمع ويطيع، فإنه بخروجه يزيد الفتن شرا) أهــ([350]) .
وقال النووي رحمه الله: (وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية) أهــ([351]) .
، وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله: (هذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد، وترك الخروج عليه، مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك) أهــ ([352]) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وإلى ذلك الإشارة بقوله: (الزم جماعة المسلمين وإمامهم، يعني: ولو جار. ويوضح ذلك رواية أبي الأسود: (ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك) وكان مثلُ ذلك كثيرًا في إمارة الحجاج ونحوه… وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور) أهـــ ([353]) .
والنقول في ذلك عن العلماء كثيرة جدًّا بحمد الله.
[المفتاح السادس]: الأمر بالصبر على ظلم الحكام لا يعني الخنوع والرضا بالظلم، كما فهم ابن حزم وغيره ولكن هو من باب الموازنة بين المفاسد الحاصلة والمفاسد المتوقَّعة، والشرع والعقل قد دلَّا على وجوب تحمل المفسدة الأدنى لدفع الأعلى، ومما يجزم به كل عاقل ودارس للشريعة أن المفاسد الواقعة بسبب الخروج على الأئمة بالسيف أعظم من المفاسد الحاصلة، وبهذا أتت الشريعة، وهذا ما دل عليه التاريخ والواقع، وهذا هو أحد محاور السياسة الشرعية الحكيمة في ترجيح بعض المصالح على بعض ودفع المفاسد الكبرى بما هو أقل، ثم ليس معنى الصبر على جور الحكام إلغاء فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة على الدين، فالصبر لا ينافي الحسبة شرط ان تكون وفق ما قرره الفقهاء عند الحسبة على الحكام ان تكون باللين والنصح والإرشاد بغير استهانة بهم ولا تشهيرا عليهم ولا تأليبا للرعية عليهم واعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وقد فصلنا الضوابط اللازمة لهذا الحديث في المبحث السابق.
[المفتاح السابع]: يظن البعض أنّ هذا الحديث مخالف لأحاديث دفع الصائل كحديث البخاري: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) ([354]) . حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أرأيت إن جاء رجل يُريد اخذ مالي؟ قال صلى الله عليه وسلم: (فلا تعطه مالك) قال أرأيت إن قاتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم: (قاتله)، قال أرأيت إن قتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم: (فأنت شهيد) قال أرأيت إن قتلته؟ قال صلى الله عليه وسلم: (هو في النار) ([355]) .
والجواب من وجهين: (الوجه الأول): أن أحاديث دفع الصائل يستثنى منها الحكام لما سبق من النهي عن قتال الأئمة، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه) أهـــ ([356]) .
وقال الشوكاني رحمه الله: (قَوْلُه: وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُك وَأُخِذَ مَالُك فَاسْمَعْ وَأَطِع) فيه دليل على وجوب طاعة الأمراء، وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم، فيكون هذا مخصِّصًا لعموم قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وَقَوْلِهِ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] أهــ ([357]) .
و(الوجه الثاني): أن دفع الصائل مأمور بتركه في أزمنة الفتنة، لئلا يجرّ إلى فتن أعظم، وعليه يحمل حديث: (فَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْقَاتِل) أخرجه أحمد في المسند وصححه ابن حجر في الفتح ، ([358]) .
وقال ابن قتيبة في الجمع بين أحاديث البابين: (أراد بقوله: (من قتل دون ماله فهو شهيد) من قاتل اللصوص عن ماله حتى يقتل في منزله وفي أسفاره، وأراد بقوله: (كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل) أي: افعل هذا في زمن الفتنة، واختلاف الناس على التأويل، وتنازع سلطانين، كل واحد منهما يطلب الأمر ويدعيه لنفسه بحجة) أهــ([359]) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وفَرَّق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام، فحمل الحديث عليها، وأما في حال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدًا) أهـ([360]) .
[المفتاح الثامن]: خلاصة الامر الحديث صحيح والمعنى المستفاد منه واضح معلوم لعلماء أهل السنّة والجماعة وانه حاش لله ان يكون كما ظن الجهلاء أنه إن صح فيكون بمثابة الاعانة على الظلم والجور، فهذا من قصور الفهم والفقه، والحديث من باب السياسة الشرعية وهو من أعظم الدروس النبوية في السياسة الشرعية، والشرع والعقل قد دلَّا على وجوب تحمل المفسدة الأدنى لدفع الأعلى، وكل الأحاديث النبوية والتي أوردنا ذكرها في المبحث الأول تمثل سردية متطابقة متكاملة يؤيد بعضها بعضا وكلها تأمر بالصبر على جور الأئمة والسلاطين وتمنع من الخروج على حكام المسلمين وعدم نزع اليد عن بيعتهم وعدم الخروج عليهم وعدم مفارقتهم ولو قيد شبر وان نؤدي إليهم حقهم كاملا ولو كانوا ظلمة فاسقين درءا للمفسدة وترجيحا للمصلحة العامة للمسلمين على المصالح الخاصة لبعض الافراد، وهي ليست من باب الرضا بالظلم والعياذ بالله،
***
المطلب الرابع
مفاتيح الرد على من رأى
جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر
[المفتاح الأول]: استدلالهم بقول ابن حزم في الفصل: (إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك .. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير، وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم، كأنس بن مالك، وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين .. ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين، ومن بعدهم كعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر، وكعبدالله بن عمر، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد بن عبدالله بن الحسن، وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبدالله، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء، كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم أو حديث إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا) ([361]) .هذا النقل عن ابن حزم في مسألة الخروج على الحاكم يحتاج إلى تفصيل، فإن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، كان هو الأمير، فكيف يستدل بفعله على جواز الخروج على الأمير، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير رضي الله عنهما لم يخرجا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقصد ابطال امامته، وإنما كانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه، ولم يبدؤا قتالا، وكذلك كان حال معاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير، فلا يصح الاستدلال بعمل هؤلاء الصحابة على جواز الخروج على الحاكم المسلم، وهل كان أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه جائرا، وحاشاه، حتى يسوغ الخروج عليه، بل يمكن الاستدلال بالعكس وهو أنّه يجوز للإمام الخروج بالجيش لتأديب الفئة الباغية المتحزبة على خلاف ما يأمر به، وهذا ما فعله أمير المؤمنين على رضي الله عنه، والحاصل أنّ استدلال ابن حزم بفعل بعض الصحابة وتابعيهم على وجوب الخروج على الحكام بمجرد الجور والظلم كل هذا من غرائب ابن حزم ومن سار على قوله، ومعلوم عند أكثر الفقهاء أن مخالفات ابن حزم لا تخرق الإجماع في الفقه لأنّه – مع علمه الواسع – ظاهري لا يدرك القياس ولا الفقه، هذا في الفقه فكيف في أمور السياسة الشرعية التي ينشأ عن أدنى خطأ فيها سفك الدماء واستحلال الحرمات مع الويلات والفوضى مما يغيظ القريب ويرضي العدو، ثم استدلاله بخروج الحسين رضي الله عنه على يزيد، وهل في الدنيا آنذاك وبعده مثل الحسين سيد شباب أهل الجنّة حتى يخرج على الحاكم الجائر، ثم نظرنا إلى نتيجة خروجه وما أعقبها من مآسي على آل البيت رضي الله عنهم والمسلمين جميعا، وسيأتي الرد على تلك الشبهة عند الحديث على الدليل السادس، وهل خروج العباسيون على الأمويين كان خيرا مع ما كان فيه من سفك لدماء الكثير من المسلمين، ونحن نعلم أنهم انقلبوا بعد ذلك على آل البيت بأشد مما فعل الأمويون، إنّ التاريخ لهو خير عبرة على نتائج الخروج المسلح على حكام المسلمين على مر عصور التاريخ، وقد مر بنا نهي الرسول صلى الله عليه وسلم الشديد من الخروج على ولاة أمر المسلمين ما أقاموا فيهم الصلاة وكانوا مسلمين لم يأتوا بكفر بواح لا يختلف عليه أحد من علماء أهل السنّة والجماعة كاستحلال ما حرّم الله، أو جحد ما فرض الله من فرائض.
[المفتاح الثاني]: استدلالهم بقول الله تعالى: {فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ}، يقولون: قد أمر الله تعالى بقتال الفئة الباغية، وقد علق الحكم على وصف البغي، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، وقالوا بأن عموم الآية يتناول سلطة البغي، المنحاز إليها طائفة البغي، الظالمة لبقية المسلمين، فهي طائفة بلا ريب، وهي باغية بلا شك، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها، عملا بظاهر القـــــرآن، وهذا تعسف في الاستدلال لأنّ الأمر موجه في الآية إلى أولي الامر بالأولوية، وهم المكلفون بقتال الفئة الباغية، كما أنهم المكلفون بإقامة الحدود والحكم بين المسلمين، ثم كيف يستقيم لعامة المسلمين مقاتلة أولى الأمر بغير إمام يقودهم، وكيف يأتي هذا الإمام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ومعلوم أنّ البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، يبايعه أهل الحل والعقد، فإذا بايعوه ثبتت ولايته، وبعدها يجب على عامة الناس أن يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى، فكيف يتسنى تنزيل الآية على قتال حكام المسلمين ما كانوا على الإسلام، قال ابن تيمية: (ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته، والله تعالى لم يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان ولا أمر بقتال الباغين ابتداء بل قال: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء فكيف يأمر بقتال ولاة الأمر ابتداء) أهـ ([362]) . استدلالهم بقول الله تعالى: {قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن}، وهذا استدلال بعيد، إذ المقصود من عهد الله تعالى في قوله تعالى: {لاَ يَنالُ عَهْدِي} قد يكون (النبوة) كما جاء عن ابن عباس، وقد يكون المراد به في الآخرة وليس في الدنيا كما جاء عن قتادة، وقد يكون المقصود بها الإمامة التي يصح الاقتداء بها، وقد يكون المقصود بالظالمين في قوله تعالى: {لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن} أي الكافرون والمشركون، كما جاء عن سعيد بن جبير قال: (لا ينال عهدي الظالمين: المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم، يقول: لا يكون إمام مشرك، وعلى ذلك فالاستدلال بالآية على جواز الخروج على الحاكم المسلم الجائر لا يستقيم.
لاسيما مع النصوص النبوية الدالة على تحريم الخروج على الحاكم المسلم ولو كان ظالمًا جائرا فاسقا ما دام في دائرة الإسلام، ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهَا سَتَكُونُ بَـعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُـنْــكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْـحَقَّ الَّذِي عَـلَيْـكُمْ وَتَسْأَلُونَ الله الَّذِي لَــــكُمْ) ([363]) . وما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([364]) . وما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([365]) . وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أو فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ) ([366]) . وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ(مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــة)([367]) .
ولهذا جاء في تفسير القرطبي عند قوله تعالى: {قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَ يَنالُ عَهْدِي الظّالميِن}، قال رحمه الله: (الحادية والعشرون: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله، على ما تقدم من القول فيه . فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة، والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه ; لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض، والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فاعلمه) أهـ([368]) . فانظر كيف نسب القول إلى مذهب المعتزلة والخوارج.
[المفتاح الثالث]: استدلالهم بالنصوص النبوية التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين، فمن ذلك: حديث: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ)، ([369]) . وحديث: (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم)، ([370]) . وحديث: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([371]) . وحديث: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([372]) .وحديث: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ) ([373]) . وحديث:(لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) ([374]) . قلت: وقد تقدم بيان فقه هذه الأحاديث، وأنّها تُفهم في إطار إنكار المنكر العام، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء، من خلال فهم قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 44]، ومن خلال الأحاديث الصحيحة المحكمة، والتي تدعو إلى الصبر على جور الحكام، مراعاة للمصالح العامة للمسلمين، كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([375]) . ، وحديث حذيفة رضي الله عنه: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([376]) . وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([377]) . وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([378]) . وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([379]) وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([380]) . وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين، ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة،، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج، وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تقدم. [المفتاح الرابع]: استلالهم بأقوال بعض الفقهاء في وجوب خلع الحاكم إن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة، ومن ذلك قول القاضي عياض: (فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه) أه([381]) .(قلت) مفتاح فهم نصوص الفقهاء بداخلها، فعند الكفر البواح تسقط الطاعة ويجب الخروج والخلع فإن تحقق العجز وجبت الهجرة والفرار بالدين، وعند البدعة يجوز بشرط القدرة، وإلا لا يجوز، وهنا أذكر قول الفقهاء في بيان تلك الحالة، فالفقهاء فصلوا في الأمر تمام التفصيل، وفرقوا بين الحاكم الكافر والحاكم الجائر والحاكم الذي ازداد جوره وفساده بحيث عرّض الدين والبلاد والعباد لخطر لا يمكن السكوت عليه، فالأول: وهو الحاكم الكافر أو الذي طرأ عليه الكفر البواح فأوجبوا الخروج عليه، وجعلوه من باب الجهاد، قال النووي: (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل .. فلو طرأ عليه كفر .. خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيامُ عليه وخلعُه ونصبُ إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر .. فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه) ([382]) .
وقال ابن حجر: (فإن أحدث جوراً بعد أن كان عدلاً فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه) أهـ وقال أيضاً: (ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) أهـ ([383]) .
والثاني: وهو الحاكم المسلم الجائر، فأوجبوا في حقه النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن منعوا من الخروج عليه، فأما النصيحة فلقوله صلى الله عليه وسلم: (ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ) ([384]) .
فالأولى لعلماء المسلمين إذا رأوا في ولي أمرهم ما ينكَر عليه أن يبادروا إلى نصحه، وأن يكونوا عوناً له على سلوك الطريق المستقيم ولا يكونوا عوناً للشيطان عليه، ولا يسعوا في تأليب العامة عليه ولا ينزعوا يداً من طاعة ما لم يرَ المسلمون منه كفراً بواحاً كما جاء في الحديث المتفق عليه عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسـرنا ويسـرنا وأثرة علينـا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه، إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان) ([385]) .
ومعنى كفراً بواحاً: أي الكفر الظاهر الذي لا خفاء به. قال ابن حجر: (قال الخطابي: معنى قوله: بواحاً، يريد ظاهراً بادياً، من قولهم: باح بالشيء يبوح به بوحاً وبواحاً إذا أذاعه وأظهره… قوله: عندكم من الله فيه برهان: أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل) ([386]) .
وقال ابن بطال: (فيه ترك الخروج على أئمة الجور، ولزوم السمع والطاعة لهم، والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلِّب طاعته لازمة، ما أقام الجُمُعات والجهاد، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء) ([387]) .
قال النووي في شرح حديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً): (ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن واراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهـ([388]) .
وأمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو واجب واجبان لا يسقطه وجوب الطاعة في المعروف، فإذا ترك ولي الأمر بعض ما يجب عليه من حقوق الرعية، أو قصر في تحصيلها، أو صدر منه ما منعت منه الشريعة، فإنه يؤمَر بالمعروف ويُنهَى عن المنكر حسبما دلت على ذلك نصوص الشريعة، والثالث: وهو الحاكم الذي ازداد جوره وظلمه وفسقه بحيث يعرض الدين والبلاد والعباد في خطر لا يمكن السكوت عليه بحال، فهاهنا يجب الموازنة بين عزله والخروج عليه، وبين بقائه وتحمل مصائبه، من حيث المصالح والمفاسد قال إمام الحرمين الجويني: (فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم فإنْ أمكنَ كفُّ يدِه , وتوليةِ غيرِه بالصفاتِ المعتبَرَةِ , فالبِدارَ البِدارَ , وإن لَم يُمكن ذلك لاستظهارِه بالشوكةِ إلا بإراقةِ الدماءِ , ومصادمةِ الأهوالِ , فالوجهُ أن يقاسَ ما الناسُ مندفعون إليه , مُبْتَلُونَ به بما يعرضُ وقوعُه , فإنْ كانَ الواقعُ الناجزُ أكثرَ مما يُتَوقَّعُ , فيجبُ احتمالُ المتوقَّعِ , وإلا فلا يَسُوغُ التشاغلُ بالدّفع , بل يتعيَّنُ الصبرُ والابتهالُ إلى الله تعالى .. وإن علمنا أنه لا يتأتَّى نصب إمام دون اقتحامِ داهية وإراقةِ دماء، ومصادمةِ أحوال جمَّة الأهوال، وإهلاكِ أنفسٍ ونزفِ أموال، فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلَون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدَّر وقوعه في روم الدفع، فيجب احتمال المتوَّقع له لدفع البلاء الناجز وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع) أهـ ([389]) .
ولأنّ الأمر جد خطير، والتعرض للحاكم شر مستطير، استدرك الجويني على كلامه السابق بقوله: (ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف بسببه ضياع البيضة، وتبدُّد دعائم الإسلام، ولم نجد مَنْ ننصبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل مطاعٌ ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسباً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فَلْيمضِ في ذلك قُدُماً. والله نصيره على الشرط المقدَّم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ويرتفع بما يتوقع) أهـ ([390]) .
ومنه نعلم خطورة ترك آحاد الناس يثورون على الحاكم فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سبباً في ازدياد المحن وإثارة الفتن، ولكن لابد من الاتفاق مسبقاً على أمير يناضلون تحت لوائه، ولا يكون ذلك كله إلا عند القدرة والأمن من الفتنة والهرج والمرج، لأنّ الدماء آنذاك كلها دماء المسلمين،
[المفتاح الخامس]: استدلالهم بخروج سيد شباب أهل الجنة الحسينَ بنَ عليٍّ رضي الله عنهما، وخروج عبد الله ابن الزبير رضي الله عنهما ومَن تابعهما من خيار المسلمين على يزيد، وعلى بني أمية زمان الحجاج , والرد على هذه الشبهة يكون من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم تمنع من الخروج على الحكام بسبب الجور أو الظلم أو الفسوق أو العصيان، ولم تستثنِ إلا الكفر البواح الذي لا خلاف عليه، وقد تقدم ذكر ثلاثين حديثاً في هذا الباب تدعو إلى الصبر على جور الحكام، والسمع والطاعة لهم فيما ليس من معصية الله، وعدم مفارقة جماعتهم، وعدم الخروج عليهم إلا في حالة الكفر البواح الذي لا يختلف عليه عالمان.
والوجه الثاني: أن الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما، قد خالفهم الصحابةُ في ذلك , فقد أخرج البخاري عن نافع , قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة » , وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله , وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب لـه القتال , وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه) ([391]) . وقال العلامة ابن الأثير عن خروج الحسين رضي الله عنه: (فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة , فتجهز للمسير , فنهاه جماعة , منهم: أخوه محمد ابن الحنفية وابن عمر وابن عباس وغيرهم) أهـ([392]) . وقال ابن تيمية: (وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر , وسعيد بن المسيب , وعلي بن الحسين , وغيرهم: ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري , ومجاهد , وغيرهما: ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث) أه([393]) . وقال أيضاً: (ولهذا لما أراد الحسين – رضي الله عنه – أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتباً كثيرة: أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: ألاّ يخرج) أهـ([394]) .
وقال ابن كثير – عن خروج الحسين – رضي الله عنه –: (ولما استشعر الناس خروجه: أشفقوا عليه من ذلك , وحذروه منه , وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة لـه بعدم الخروج إلى العراق , وأمروه بالمقام بمكة , وذكروا ما جرى لأبيه وأخيه معهم) أهـ ([395]) .
وذكر ابن كثير آثاراً عديدة تدل على نصيحة الصحابة للحسين رضي الله عنه بعدم الخروج، منها، قول عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما: (استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي الناس وبك , لنشبت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب) أهـ([396]) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما له ولابن الزبير رضي الله عنهما: (اتقيا الله، ولا تفرقا بين جماعة المسلمين) ([397]) .
والوجه الثالث: أن الإجماع استقرّ بعد ذلك على منع الخروج على الحاكم، إلا في حالة الكفر الصريح فقط، قال النووي – بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير وخروج بعض التابعين -: (قال القاضي: وقيل إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم) أهـ ([398]) .
وقال ابن تيمية: (ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين) أهـ([399]) .
وقال ابن حجر في التهذيب عند ترجمة: الحسن بن صالح بن حي: (وقولهم: (وكان يرى السيف) يعني أنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور , وهذا مذهبٌ للسلف قديم . لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه، ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبّر) أهـ ([400]) .
والوجه الرابع: خروج الزبير والحسين رضي الله عنهما كان فتنة وابتلاء، ولا يصح الاستدلال بالفتنة على توثيق حكم شرعي.
[المفتاح السادس]: استدلالات عقلية تتمثل في (قولهم): العجب ممن يحرمون خلع السلطة الجائرة، فيكونون سببا لبقاء الظلم الذي كتب الله تعالى تعجيل عقوبته، وتستفيد السلطة الظالمة المستبدة من توقيعاتهم على جورها، ليبقى ويزداد كما وكيفا، ويتخـذ أشكالا وألوانا، (وقولهم): ثم العجب منهم والله كل العجب، أنهم يدندنون على دوران الشريعة على حفظ الضروريات الخمس، حفظ الدين، والعقل، والعرض، والمال، والنفس، ثم يٌقِرّون بقاء سلطة تنقض هذه الضروريات نقضا، فيعطّلون أعظم مقاصد الشريعة العادلة التي ما أنزل الله تعالى إلا لبسط العدل على الناس، وإزالة الظلم، وحفظ الحياة من الفساد، (وقولهم): فأي تناقض تأتي به شريعة قـط، أعظم من هذا التناقض، أن لو كان إقرار السلطة الجائرة، وتركها تنشر الظلم، بلا نكير، ولا تغيير، من أصولها !! (وقولهم): وأيَّ معنى لشريعة قط إن خلت من تحقيق العدل، وإزالة الظلم؟! وإنها لجناية على دين الإسلام أعظم جناية، وتشويه يصدّ عن سبيله أيّ تشويه، أن يقال في هذا الزمان الذي تثور فيه الشعوب مطالبة بحقوقها فتحصل عليها، وتكف يد الظالمين عن الأموال، والأعراض، والدماء، وعن العبث بمقدرات الأمة، وأن يقال: إن شريعة الله تعالى تأمر المسلمين أن يكونوا عونا للظلم بسكوتهم عليه، وإقرارهــم له، قالوا: وكيف يحقّ لكم ـ أيها المحرمون خلع السلطات الجائرة بالقوة لــوم الشعوب أن تطلب الخَلاَصات السياسية، في غير هذه الشريعة، إن كنتم تقولون لهم إنّ فقهها السياسي قائم على إقرار الظلم، بل تشريع أسباب بقاءه بتحريم تغييره؟!!، (ثم قولهم): وإذا تبيّن أن القول بتحريم خلع السلطة الجائرة، معارض لمقاصد الشريعة، وهو ذريعة لصدّ الناس عن اتباعها فيما هو من أعظم حاجاتهم الحياتية، علم بطلان هذا المذهب وفساده، وتناقضه، والحمد لله، والرد على هذا الاستدلال العقلي من جانبين: (الأول): شرعي يتمثل في أمر الشريعة الحكيمة بالصبر على جور الحكام المسلمين والنهي عن الخروج عليهم بالسلاح وغيره لغاية عظيمة هي حقن الدماء ومنع الفوضى واعانة الحكام على تولي مهامهم الجسام، وحتى لا يكون الخروج عليهم عون للشيطان عليهم فيسفكون الدماء، ويؤدي انكار المنكر عليهم إلى وقوع مناكر عظيمة ما أغنانا عنها لو التزمنا الشريعة الحكيمة.
و(الجانب الثاني): عقلي واقعي يتمثل في النظر على مر تاريخ الإسلام لم يؤد الخروج إلا إلى سفك الدماء واستحلال الحرمات والهرج والمرج والفشل الذريع في غالب الأحيان، ومن استقرأ التاريخ بإنصاف علم ذلك يقيناً، ثم إنّ من شروط الخروج القدرة، وهل تتيسر القدرة اليوم في ظل اقتصار احتكار الأسلحة الثقيلة والفتاكة في أيدي الحكام، وآنذاك فإنّ القول بجواز الخروج عليهم ما هو إلا تغرير بأهل الإسلام.
***
المطلب الخامس
هل يُعتبر تحريم الخروج على الحاكم الجائر إجماعا حقيقيا
أم ترجيحا بحكم السياسة الشرعية
[المفتاح الأول]: احقاقا للحق فإنّ الإجماع على حرمة الخروج على الحاكم الظالم هو اجماع حاصل بعد الخلاف وإنما صار الإجماع لما رآه العلماء من النتائج الكارثية لعملية الخروج على الحكام الظلمة، والخروج عليهم كان مذهبا قديما لبعض السلف قبل تأصيل المسألة، قال به من خرجوا على الحجاج ويزيد، وكان حاملهم على ذلك ظنهم أن الخروج سوف يحقق إزالة هذا الظلم أو تقليله، ولكن الحاصل أنّ اهل السنّة والجماعة أجمعوا بعد تلك التجارب الفاشلة وما نجم عنها من مفاسد عظيمة في الدين والدنيا على حرمة الخروج بالسيف، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (قولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور. وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك، لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر) أهــ([401]) .
وقال النووي رحمه الله: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهلُ السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا فغلطٌ من قائله مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهــ([402]) .
وكلام العلماء واضح في أن الإجماع انعقد بعد ذلك على تحريم الخروج، لما يترتب عليه من مفاسد أعظم من المفاسد الحاصلة، ولكنني أقول أنّ من جمع الاحاديث النبوية الصحيحة الواردة في الباب علم يقينا ان مذهب بعض السلف القديم في جواز الخروج على الحكام الظلمة كان على خطأ وانّه نشأ بسبب عدم التأصيل الشرعي لهذا العلم، وعلى ذلك فالإجماع الحادث بعد فتن الخروج أيام السلف اجماع صحيح دلت عليه النصوص المتكاثرة من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وأيده التاريخ والواقع القديم والمعاصر إلى يومنا هذا أن الخروج بالسيف يفضي إلى فتن، ويترتب عليه فساد في الدماء والأموال أضعاف ما يخرج الناس من أجله، ومن أظهر تلك الاحاديث التي تؤيد الاجماع الحادث، ما اذكره في المفتاح التالي.
[المفتاح الثاني]: من الأحاديث الدالة على صحة الإجماع الحادث بعد الخلاف:
[الـحديث الأول]: أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ((دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)) ([403]) .
و[الـحديث الثاني]: أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)) ([404]) .
و[الـحديث الثالث]: أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)) ([405]) .
و[الحديث الرابع]: أخرج مسلم عَنْ وائل بن ح جر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أو فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)) ([406]) .
و[الـحديث الخامس]: أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)) ([407]) .
و[الـحديث السادس]: أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)) ([408]) .
و[الـحديث السابع]: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ)) ([409]) .
و[الـحديث الثامن]: أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) ([410]) .
و[الـحديث التاسع]: أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) ([411]) .
و[الحديث العاشر]: أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال: ((أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) ([412]) .وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام.
(تنبيه) من درس تلك الاحاديث بفقه وتجرد علم يقينا أن الاجماع الذي ذكره النووي وابن حجر اجماع صحيح ولكنه اجماع حادث بعد الخلاف، فهل يلغي الخلاف القديم فيه القولان، والله تعالى اعلم، وليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث المبالغة في مداهنة الحاكم، أو تنزيهه كما يفعل البعض من إضفاء صفات الكمال عليه، وليس الهدف كذلك تبرير أخطاء الحكام، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم، أما ما يتعلق بدين الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين.
[المفتاح الثالث]: مسالة مهمة في بيان حكم الإجماع الحادث بعد الخلاف: الاجماع الحادث بعد الخلاف هو اتفاق الفقهاء في عصر لاحق على أحد قولين أو أكثر اختلف فيها من قبلهم، وهل يعتبر حجة شرعية ويقطع الخلاف السابق وبذلك يتعين العمل بالقول الذي تم الاجماع عليه، أم يظل الخلاف قائما لا يرتفع، وقول الجمهور هو الراجح وهو أنه يعتبر حجة شرعية ويقطع الخلاف السابق وهذا عند جمهور الأصوليين والفقهاء، بينما يرى بعض الأصوليين كالإمام الباقلاني والقاضي عبد الوهاب المالكي أنّه لا يكون إجماعا، لأن اختلافهم أولا إجماع على تسويغ الخلاف، فلا ينقضه رجوع بعضهم عن رأيه عدم انعقاده، معتبرا أن الخلاف المستقر لا يرتفع، وللجمهور أدلة كثيرة، منها اختلاف الصحابة على الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الاجماع على أبي بكر رضي الله عنه، واختلف الصحابة رضي الله عنهم في قتال مانعي الزكاة ثم اتفقوا عليه، فصار حكم القتال هو الاجماع، وخلاصة القول في مثل تلك الحوادث التي يكون الخلاف أولا ثم يحدث الاجماع في حينها، فالمذهب المعتمد فيها هو أن الإجماع الحادث يرفع الخلاف السابق ويكون حجة ملزمة.
ولكن صورة الخلاف في مسألة الخروج على الحاكم الظالم تختلف، فإن الصورة الأولى كالاختلاف في حكم مانع الزكاة، صورته: حدوث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد، فهذا الإجماع الحادث يرفع الخلاف المتقدم. وهو مذهب الجمهور، واختاره الماوردي، والمرداوي، أما صورة الخلاف في مسألة الخروج على الحاكم الظالم فتختلف حيث حدث الإجماع بعد الخلاف في عصرين مختلفين، والمختار عند الجمهور من الفقهاء أنه لا يرفع الخلاف، ولا يكون إجماعا، ولا يصير القول الآخر مهجورا، ولا يعتبر الذاهب إليه خارقا للإجماع، وهو مذهب جمهور الشافعية، ومنهم: الخطيب البغدادي، والشيرازي، والغزالي، وأكثر الحنابلة، ومنهم: القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وهو مذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية مثل: القرافي، واستدلوا على ذلك بما يلي:
(أ) أن هذا الاتفاق فتيا بعض الأمة لا كلها حتى يعتبر إجماعا، لأن الذين ماتوا على القول الآخر من الأمة أيضا، ولا يبطل مذهبهم بموتهم، بدليل أن الصحابة إذا أجمعت على شيء ثم انقرضوا، لم يصح أن يجمع التابعون على خلافه، فكل واحد من الفريقين كالأحياء الباقين في كل عصر فيما أفتوا به، ولهذا تحفظ أقوالهم وتنقل ويحتج لهم وعليهم، فإذا كانوا بمنزلة الأحياء وجب ألا ينعقد الإجماع مع اختلافهم، وإذا ثبت أن حكم قول الميت باق، فمن أسقط حكمه كان كمن أسقط قولهم مع بقائهم، وهذا لا يجوز.
(ب) اختلاف الصحابة على قولين اتفاق منهم على تسويغ الأخذ بكل منهما، فلا يبطل إجماعهم بقول من سواهم، فإذا أجمع التابعون على أحد القولين لم يجز رفع إجماع الصحابة بإجماعهم، لأن إجماع الصحابة أقوى من إجماعهم، كما لو أجمعت على قول واحد، ثم أجمع التابعون على خلافه.
(ت) أن التابعين لو كانوا في عصر الصحابة وخالفوا الصحابة بأن اتفقوا هم دون الصحابة على قول، لا يكون إجماعا، فلأن لا يكون إجماعا بعد عصر الصحابة من باب أولى، لأن أعلى مراتب التابعين أن يلحقوا بعصر الصحابة، ويكونوا من أهل الاجتهاد قبل انقراضهم، وأدنى مراتبهم أن ينقرض الصحابة قبل أن يلحقوا بهم، فكان قولهم إذا خالفوهم دون قولهم إذا عاصروهم وخالفوهم، ثم ثبت أن التابعين لو لحقوا بالصحابة، والصحابة على قولين، وأجمعوا على أحد القولين، لم يسقط القول الآخر بما أجمعوا عليه، وقد أجمع معهم أهل القول الثاني، فعدم سقوط القول الآخر بعد انقراض الصحابة أولى.
(ث) إذا اختلف الصحابة على قولين، فانقرضوا وبقي واحد من الصحابة، وهو من أهل أحد القولين، ثم أجمع التابعون على قول من لم يبق منهم أحد، لم يكن إجماعا، لبقاء واحد من أهل القول الذي خالفوه، وإذا مات هذا الواحد صار ما أجمع عليه التابعون إجماعا بانقراض هذا الواحد، وموت الإنسان ليس بقول ولا حجة، فكيف يكون الإجماع منعقدا بموت واحد ؟ وقيل: يصير إجماعا ويسقط القول الآخر، وهو قول أكثر الحنفية، وهو قول بعض المالكية كالقرافي، وبعض الشافعية كأبي بكر القفال.
[المفتاح الرابع]: ليس الخلاف في مسألة الخروج على الحاكم الظالم على اطلاقه لكثرة الاحاديث الدلة على وجوب الصبر عليهم وعدم نزع اليد من طاعتهم لاسيما وان الامر يترتب عليه سفك للدماء وهرج ومرج وقتل واستحلال حرمات المسلمين، فالأمر جد وليس بالهزل وتعريض الامة للفتنة حرام شرعا، وصنيع أهل السنة والجماعة العملي يدل على اعتماد الاجماع الحادث في هذه المسألة بعد الخلاف، ومنه استدلوا بحرمة الخروج على السلطان بانعقاد الاجماع بعد الخلاف، فقد استقر قول أهل السنة على عدم الخروج على السلطان، وحكى الإمام أحمد في (أصول السنة) [وعلي بن المديني والرازيان في رسالتهما في الاعتقاد، وابن أبي زيد القيرواني والمزني ([413]) .
وعدد كبير من أئمة السنة يذكرون إجماعَ أهل السنة على ذلك بل نصوا على أن من خالف فهو مبتدع، فهذا يدل على أنهم يرون أن المسألة إجماعيه ولو أنه حصل خلاف قبل ذلك في عهد التابعين، وهذا لم ينجم عن الخلاف في هذه المسائلة من الفتن والكوارث والمصائب واستحلال حرمات اهل الإسلام.
(فائدة): حكم مخالفة الإجماع: مسائل الإجماع ليست متساوية في القوة وليست على درجة واحدة، فلا يمكن حينئذ الحكم على مخالف الإجماع بحكم واحد، بل المختار التفصيل على النحو الآتي
: (أ) من أنكر مجمعا عليه مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة مثلا، وأعداد الركعات، وتحريم الزنا والسرقة، فإنه يكفر لا لمخالفة الإجماع، بل لإنكاره أمرا ثبت بالتواتر وعلم من الدين بالضرورة، وإنما حكم بكفره لأنه صار بخلافه جاحدا كافرا لما قُطع به من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان كالجاحد لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن هذا الإنكار لا يصدر إلا من مكذب بالشرع.
(ب) من خالف الإجماع الحاصل بعد الخلاف لاعتقاده أنه ليس بحجة فلا يكفر وإن كان مخطئا، واختاره كثير من الفقهاء.
(ت) إن كان طريق ثبوت الإجماع ليس بالتواتر فلم ينقل أهل الإجماع الحكم بالتواتر عن صاحب الشرع، فلا يكفر منكره، وهو اختيار كثير من الفقهاء منهم الغزالي، وصفي الدين الهندي، وغيرهما. (ث) إن كان الإجماع ظنيا فأجمعوا على أن مخالف الحكم الثابت به لا يكفر، وممن ذكر الإجماع على ذلك: علاء الدين البخاري، والعضد الايجي، وصفي الدين الهندي.
***
المطلب السادس
ضوابط الفقه الحكيمة عند لزوم الخروج على الحكام
[المفتاح الأول]: يحرم الخروج على حكام المسلمين إلا بشرطين واضحين: الأول: الردة، و الثاني: توفر القدرة، (الشرط الأول): (الردة): أن نعلم علم اليقين أن ولي الأمر وقع في كفر بواح عندنا فيه من الكتاب والسنّة برهان، وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فيه: (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([414]) .
قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا أن تروا)، والمراد بالرؤية هنا: العلم اليقيني، أما مجرد الظن، فلا يجوز معه الخروج عليه، قوله صلى الله عليه وسلم: (كُفْرًا بَوَاحًا): أن نعلم أن الذي وقع فيه ولي الأمر (كفرًا بواحًا) أي: صريحًا بيِّنًا ظاهرًا معلنًا لا يحتمل التأويل، وهذا الكفر البواح لا يكون إلا كفراً أكبر، وليس كفراً دون كفر أو فسوق أو عصيان، قال النووي في الحُكَّام: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين) أهـ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ): أي دليل قاطع على أن هذا الفعل كفر أكبر متفق على تكفير فاعله، عندنا فيه من الله تعالى برهان، بأن يكون دل عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع، لقوله: ( عندكم فيه من الله برهان)، هذا ما يتعلق بالشرط الأول، أما الشرط الثاني: أن تكون عندنا (القدرة) على إزاحته، وهذا الشرط يؤخذ من عموم النصوص الدالة على تحريم قتل النفس بغير حق، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة، كقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}، وقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، لأنه إذا لم يكن لدينا القدرة على إزاحته قضى علينا، فيكون الخروج عليه حينئذٍ من إلقاء النفس في التهلكة، وعموم النصوص التي تدل على اشتراط القدرة، كقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن: 16]، وما جاء في معناها، فإن عدمت القوة، وجب الإعداد لها لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
كما أنّه قد أجاز الشرع الحكيم الخروج على حكام المسلمين الظالمين والفاسقين، بشرطين آخرين هما ترك الصلاة، وتعطيل إقامة الصلاة في الجماعات، ودليل الشرط الأول (ترك الصلاة)، ما أخرجه مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([415]) .
ودليل الشرط الثاني: (تعطيل إقامة الصلاة في المساجد والجماعات) ما أخرجه مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ:سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ🙁خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([416]) .
وقد نقل الإمام النووي الإجماع على ذلك – كما تقدم – فقال: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) أهـ([417]) .
ونقل الحافظ ابن حجر – أيضاً – الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم، فقال: (قال ابن بطال: وفي الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء) أهـ([418]) .
وقال الإمام الشوكاني: (ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أن يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة ولا يذل سلطان الله، وقد قدمنا في أول كتاب السير: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيه في معصية الله فإنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ([419]) .
[المفتاح الثاني]: وقوع الحاكم في شيء من المكفرات لا يلزم منه كفره على التعيين بالضرورة: وذلك أن تكفير المعيَّن مشروط بإقامة الحجة، وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين حتى تقام عليه الحجة وتُبيَّن له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يَزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة، وإقامة الحجة تعني التأكد من توفر شروط تكفير المعيَّن في ذلك المرء ، كالعلم المنافي للجهل، والقصد المنافي للخطأ، والاختيار المنافي للإكراه، وعدم التأويل السائغ المنافي لوجود التأويل السائغ، وعليه: فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر ، فلا يلزم منه كفر كل من وقع فيه، إذ لابد من إقامة الحجة قبل الحكم بالكفر.
[المفتاح الثالث]: الحاكم الكافر الأصلي ليس له سمع ولا طاعة، إذ لا ولاية له بإجماع المسلمين، إذ السمع والطاعة لا تكون إلا للإمام المسلم، والكافر أو المنافق الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا لا طاعة له ولا سمع، قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، وإذا كان الله سبحانه لم يجعل للكافر على ابنته إذا أسلمت ولاية ولا سبيلا، فلا يعقد نكاحها، ولا يحل له ميراثها، ولا يتصرف في مالها، فكيف يكون له ذلك على الأمة كلها يتصرف في دمائها وأرضها وشئونها؟ فإذا كفر الإمام كفراً بواحاً، وارتد عن دين الإسلام، فقد أجمع الفقهاء على سقوط إمامته وطاعته، بل ووجوب الخروج عليه وخلعه، إذ المقصود من الإمامة أصلا إقامة الدين، وسياسة الأمة به، وقد نقل هذا الإجماع كثير من العلماء كالقاضي عياض، نقله عنه الإمام النووي في شرح مسلم: قَالَ الْقَاضِي: (فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه قال ولا تنعقد لفاسق ابتداء فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب) ([420]) .
وقال الحافظ ابن حجر: (إنه – أي الإمام – ينعزل بالكفر إجماعا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض) ([421]) . وقال أيضا: (وقد أجمعوا أنه أي الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنه يقام عليه واختلفوا إذا غصب الأموال وسفك الدماء وانتهك هل يقام عليه أو لا) ([422]) .
وعليه: فإن ارتكب الحاكم كفراً بواحاً ظاهراً لا خفاء فيه، وتوفرت شروط الخروج والتكفير، فإنه يجب القيام عليه، وليس له سمعٌ ولا طاعةٌ، ومن شروط الخروج عليه القدرة، وعدم حصول مفسدة أكبر من مفسدة بقائه.
[المفتاح الرابع]: الخروج على الحاكم المرتد يحتاج إلى استيفاء شروط: (أولها): وقوعه في الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان، (ثانيها): وإقامة الحجة عليه، (ثالثها): القدرة على إزالته، (رابعها): القدرة على تنصيب حاكم مسلم مكانه، (خامسها): ألاّ يترتب على هذا الخروج مفسدة على المسلمين أعظم من مفسدة بقائه، فإن اصطلمت الامة بخروجها عليه وليس عندها القدرة على ازالته ونصب إمام مسلم مكانه، وترتب على خروجها من الفتنة والفساد الكبير ما هو اعظم، وتيقن اهل الحل والعقد الضرر البالغ للمسلمين والذي فيه هلاك العباد والبلاد، كان على اهل الحل والعقد فيها قياس الأمور والصبر حتى يأذن الله، وحتى لا يكون تغير المنكر بما هو أعظم، ولكن إن تقاعسوا عن الخروج عليه لدنيا زائلة أو مصالح دنيوية أثموا جميعا حتى يريحوا البلاد والعباد من هذا المرتد ردة بواحا لا تحتمل التأويل أو التفسير.
***
([1]) السيرة النبوية لابن هشام 1 /321.
([2]) سنن الترمذي 5/184 ح 2925.
([3]) السيرة النبوية لابن هشام 2/428.
([4]) مسند أحمد 37/429 ح 22769.
([5]) السيرة النبوية لابن هشام 2/468 وعيون الأثر لابن سيد الناس 1/ 173.
([6]) السيرة النبوية لابن هشام 2/ 501.
([7]) لسان العرب لابن منظور 14/196.
([8]) معجم لغة الفقهاء لرفيق العجم، 482.
([10]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([11]) صحيح البخاري 1/15 ح30 ، صحيح مسلم 3/1282 ح 1661.
([13]) صحيح البخاري 1/15 ح30 .
([14]) صحيح البخاري 4/169 ح 3455.
([15]) النهاية في غريب الحديث (2/421)
([16]) الأحكام السلطانية: ص 15.
([18]) الأحكام السلطانية للماوردي ص 15، الأحكام السلطانية لابن يعلى الحنبلي ص 19.
([19]) مقدمة ابن خلدون ص 1/240
([20]) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/72.
([21]) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (1/ 264)
([22]) تفسير الطبري: 7/ 177، 182.
([23]) صحيح مسلم 3/1487 ح 1851.
([24]) مسند أحمد 36/485 ح 22160، صحيح ابن حبان 6/56 ح 4866.المستدرك 4/573 ح 8611.
([26]) شرح النووي على صحيح مسلم (12: 205)
([27]) مقدمة ابن خلدون ص 1/240.
([28]) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص 128.
([29]) المغني لابن قدامة الحنبلي 12/243.
([30]) صحيح البخاري 9/81 ح 7218، صحيح مسلم 3/1454 ح 1823.
([31]) الأحكام السلطانية للماوردي ص 30.
([32]) الأحكام السلطانية لأبي يعلي ص 25.
([33]) شرح النووي على صحيح مسلم 12/205.
([35]) الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص 23.
([36]) الطبقات الكبرى لابن سعد 4/193.
([37]) صحيح البخاري 9/77 ح 7203.
([41]) الأحكام السلطانية لابن يعلى الحنبلي ص 26.
([42]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1853.
([43]) صحيح مسلم 3/1479 ح1852.
([44]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1852.
([45]) الأحكام السلطانية ص 20.
([46]) شرح النووي علي مسلم (12/ 229)
([47]) الفصل في الملل والنحل (4/ 89)
([50]) الفصل في الملل والنحل (4/ 89)
([51]) الاعتصام للشاطبي 2/164.
([56]) صحيح البخاري 9/62 ح (7139)
([57]) المصدر السابق 9/62 ح 7140.
([58]) مسند ـأحمد 20/249 ح 12899.
([59]) شرح النووي علي مسلم 12/ 200.
([60]) الاحكام السلطانية صـ 20.
([61]) السياسة الشرعية عبد الوهاب خلاف : ص 63.
([62]) [راجع مبحث مقاصد النظام السياسي في الإسلام (حراسة الدين – سياسة الدنيا بالدين)
([63]) الأحكام السلطانية ص 15.
([65]) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام (ص 61-71)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 19)
([67]) سنن ابن ماجة 3/412 ح 2315، سنن أبي داوود 5/426 ح 3572، سنن الترمذي 3/605 ح 1322.
([68]) فيض القدير للمناوي 4/538.
([69]) صحيح البخاري 6/8 ح 4425.
([70]) أخبار القضاة: وكيع بن خلف: 1/70.
([71]) صحيح مسلم 3/1342 ح 1717.
([72]) صحيح البخاري 6/35 ح 4552، صحيح مسلم 3/1336 ح 1711.
([73]) صحيح البخاري 3/172 ح 2654 ، صحيح مسلم 1/91 ح 87.
([74]) صحيح البخاري 4/175 ح 3457، صحيح مسلم 3/1315 ح 1688.
([75]) سنن الدار قطني 5/369 ح 4472. السنن الكبرى للبيهقي 10/229 ح 20460.
([76]) موطأ مالك 2/745 ح 31، سنن ابن ماجة 3/432 ح 2341.
([77]) صحيح البخاري 3/111 ح 2359.
([78]) مسند أحمد 44/308 ح 26717. سنن الدار قطني 5/428 ح 4580.
([79]) صحيح البخاري 1/16 ح 39.
([80]) صحيح مسلم 3/1478 ح 1851.
([81]) صحيح البخاري 4/99 ح 3166.
([82]) سنن أبي داوود 4/658 ح 3052.
([84]) صحيح البخاري 9/65 ح 7155.
([85]) صحيح مسلم 3/1680 ح2128.
([86]) المعجم الكبير للطبراني 8/136 ح 7616.
([88]) صحيح البخاري1/11 ح 10 ، صحيح مسلم 1/65 ح 45.
([89]) شرح العناية مع شرح فتح القدير” للبابرتي: 5/441.
([90]) المهذب” للشيرازي: 3/322.
([91]) كشاف القناع” للبهوتي: 3/111 و112.
([92]) الناسخ والمنسوخ في القرآن” لابن خزيمة، ص: 264 و”الناسخ والمنسوخ” لابن حزم: 2/179
([93]) مسند أحمد 9/123 ح 5114.
([94]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([95]) صحيح البخاري 4/51 ح 2965، صحيح مسلم 3/1362 ح 1742.
([97]) صحيح البخاري 5/134 ح 4160 ، صحيح مسلم 4/1872 ح 2406.
([98]) صحيح مسلم 3/1357 ح 1731.
([99]) مسند أحمد 4/16 ح 2105، المعجم الكبير للطبراني 11/132 ح 11270.
([100]) اختلاف الفقهاء” للطبري، ص: 2.
([101]) روضة القضاة وطريق النجاة” للسمناني: 3/1237.
([102]) بدائع الصنائع” للكاساني: 7/100.
([103]) شرح صحيح مسلم” للنووي: 1/98 و99.
([104]) البداية والنهاية 7/39.
([105]) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (2 / 41 – 42) والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (2 / 21).
([106]) القوانين الفقهية ص 98.
([107]) الصارم المسلول لابن تيمية (ص 221).
([110]) فتح القدير (4 / 293)، وشرح الدسوقي (2 / 290)، والمبدع (3 / 398)
([111]) الطبقات الكبرى (1/266)
([114]) رواه أبو عبيد في الأموال ص 123 ح 262.
([115]) المنتقى شرح موطأ مالك 2/178.
([116]) صحيح مسلم 4/1980 ح 2553.
([120]) عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.» صحيح البخاري 2/94 ح 1356.
([121]) الجامع لأحكام القرآن (6/110)
([123]) سنن أبي داوود 4/658 ح 3052.
([124]) صحيح البخاري 9/115 ح 7376.
([126]) الشرح الكبير علي المقنع 16/380.
([128]) شرح الخرشي على مختصر خليل (3/109)
([129]) الجامع لأحكام القرآن (8/114)،: فتح الباري (6/259)
([130]) المنتقى شرح موطأ مالك (2/175)
([131]) المغني لابن قدامة 13/202.
([132]) الجامع لأحكام القرآن (8/72).
([136]) سنن الترمذي 3/11 ح 623، السنن الكبرى للنسائي 3/16 ح 2243.
([139]) صحيح البخاري 2/103 ح 1392.
([141]) الأحكام السلطانية (160)
([142]) الطبقات الكبرى (1/266)
([143]) فتوح مصر وأخبارها ص 90.
([145]) المنتقى شرح موطأ مالك (2/175)
([146]) الأحكام السلطانية ص 223.
([151]) مطالب أولي النهى (2/602)
([152]) السير الكبير وشرحه 1892-1891.
([153]) الخراج لابي يوسف ص 153.
([154]) فتوح البلدان ص 210 و217.
([155]) المصدر السابق ص 215 / 216.
([159]) الحضارة الإسلامية (1/74)
([160]) الدعوة إلى الإسلام (58)
([161]) قصة الحضارة 13/130-131)
([162]) المنتقى شرح موطأ مالك 2/176.
([163]) الجامع لأحكام القرآن (8/73-74)
([165]) الجامع لأحكام القرآن (8/115)
([167]) أحكام أهل الذمة (120-121)
([170]) مسند أحمد 36/485 ح 22160، صحيح ابن حبان 6/56 ح 4866.المستدرك 4/573 ح 8611.
([171]) مسند أحمد 30/355 ح 18406، مسند البزار 7/223 ح 2796، المعجم الكبير للطبراني 1/157 ح 368.
([172]) صحيح البخاري 6/74 ح 4686.
([173]) مسند أحمد 28/155 ح 16957، المستدرك 4/477 ح 8326 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
([174]) مسند أحمد11/224 ح 6645، مسند الدارمي 1/196 ح 493. الأوائل لأبي عاصم ص 90 ح 110.
([175]) صحيح مسلم 4/2239 ح 2922.
([176]) مسند أحمد 13/410 ح 8043، سنن ابن ماجة 2/636 ح 1752.
([177]) صحيح البخاري 1/133 ح 660.
([178]) مسند البزار 12/17 ح 5383.
([181]) فتح الباري (2/144-145)
([182]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([183]) سنن ابن ماجة 5/85 ح 3932.
([184]) سنن ابن ماجة 1/177 ح 264، سنن أبي داود 5/500 ح 3659.
([185]) المستدرك 3/215 ح 4848.
([186]) السنن الكبرى للنسائي 7/193 ح 7786.
([187]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([188]) صحيح مسلم 2/944 ح 1298.
([189]) شرح النووي على مسلم ج 9 /47.
([191]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([192]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([193]) صحيح مسلم 3/1482 ح 1855.
([194]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([195]) صحيح البخاري 4/199ح 3606، صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([196]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1853.
([197]) صحيح مسلم 3/1479 ح1852.
([198]) صحيح البخاري 4/169 ح 3455، صحيح مسلم 3/1471 ح 1842.
([199]) صحيح مسلم 3/1467 ح 1836.
([200]) صحيح مسلم 3/1467ح 1837.
([201]) المصدر السابق 9/62 ح7142.
([202]) مسند أحمد 28/367 ح 17142،سنن ابن ماجة 1/29 ح 43.
([204]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([208]) شرح النووي على مسلم ج 9 /47.
([209]) حاشية السندي على النسائي ج 7/154.
([210]) صحيح مسلم 3/1474 ح1846.
([211]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([212]) صحيح البخاري 9/49 ح 7068.
([213]) صحيح البخاري 9/47 ح7055. صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([214]) صحيح مسلم 3/1481 ح 1855.
([215]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1854.
([217]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص 59.
([218]) الآداب الشرعية (1/176،177.
([219]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص76.
([221]) صحيح مسلم 1/448 ح 648.
([222]) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام صـ 63.
([223]) أخرجه ابن شبة في «تاريخ المدينة» (3 /988)
([224]) السنة لابن ابي عاصم 2/492 ح 1024.
([225]) شعب الايمان 6/26 ح 7401.
([226]) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام (ص 49)]،
([227]) تفسير القرطبي: (5/260261)
([228]) صحيح البخاري 8/32 ح 6136، صحيح مسلم 1/68 ح 47.
([229]) صحيح البخاري1/11 ح 10 ، صحيح مسلم 1/65 ح 45.
([231]) السنة لابن ابي عاصم 2/488 ح 65.
([232]) الثقات لابن حبان (5/314-315)
([233]) شعب الإيمان (7/48) التمهيد (21/287).
([236]) السنن الواردة في الفتن 2/403.
([237]) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ص 942.
([239]) الأحكام السلطانية: ص 5.
([240]) الجامع لأحكام القرآن (1/264)
([241]) الأحكام السلطانية (ص 19)
([243]) مسند أحمد 9/105 ح 5088.
([245]) الأحكام السلطانية لأبي يعلى: (ص 23)
([248]) صحيح البخاري 9/77 ح 7203.
([252]) إحياء علوم الدين 1/115.
([254]) صحيح البخاري 9/57 ح 7111.
([255]) الاعتصام للشاطبي 3/34.
([256]) سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام 7/72.
([257]) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار:ص 941.
([258]) بدائع السلك في طبائع الملك: (1/76-77)
([259]) تفسير ابن كثير: 1/122.
([260]) المعلم بفوائد مسلم 3/55.
([261]) صحيح مسلم 3/1472 ح 1844.
([270]) صحيح البخاري 4/121 ح 3267، صحيح مسلم 4/2290 ح 2989
([272]) سنن الترمذي 4/502 ح 2224.
([273]) مسند أحمد 34/79 ح 20433.
([274]) المصنف لابن أبي شيبة 7/470 ح 37308. سنن سعيد ابن منصور 4/1660 ح 849.
([280]) شرح مسلم للنووى 12/243.
([281]) أدب الدنيا والدين: ص 82.
([286]) من كتاب فقه الدعوة لعبد الحميد البلالي باحتصار يسير.
([287]) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 12: 229.
([289]) تهذيب التهذيب (2 / 288)
([291]) شرح النووي على مسلم: 12/223.
([298]) الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 7 ص: 164.
([300]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، ج 1 ص 173.
([301]) المصدر السابق ج 1 ص 188: 189.
([302]) السنة لأبي بكر الخلال، ج 1 ص 132: 133 رقم 89.
([303]) السنة لأبي بكر الخلال، ج 1 ص 132 رقم 90.
([304]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، ج 1ص 199.
([305]) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، ج 2 ص 132.
([306]) رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري، ص 169.
([307]) مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، ج 1 ص 295.
([308]) مسلم بشرح النووي، ج 12 ص 229.
([309]) المصدر السابق ج 12 ص 229
([310]) سنن ابي داود 6/400 ح 4343، سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.
([311]) مسند أحمد 24/49 ح15333. قال الأرناؤوط: صحيح لغيره
([312]) صحيح البخاري 4/121 ح 3267، صحيح مسلم4/2290 ح 2989.
([313]) مسند أحمد 11/73 ح 6521الترغيب والترهيب 3: 172/ المستدرك علي الصحيحين 4/108 ح 7036 الجامع الصغير ص 1514، مجمع الزوائد 7: 262.
([314]) السلسلة الضعيفة 2: 45 رقم (577)، مسند أحمد 11/73 ح 6521. المراسيل لابي حاتم ص 46 رقم 154.
([315]) النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة 1/52 ح 28 .
([323]) جامع العلوم والحكم 3/954.
([325]) مسائل الإمام أحمد صـ 419.
([326]) التاريخ الكبير(ج 1/ 346)
([327]) صيانة صحيح مسلم صـ 209.
([328]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229)
([329]) صيانة صحيح مسلم صـ 209.
([331]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص 59.
([332]) الآداب الشرعية 1/176،177.
([333]) الآداب الشرعية (1/176،177.
([334]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص76.
([335]) سنن ابي داود 6/394 ح4338، سنن الترمذي 4/467 ح 2168. وقال المنذري في الترغيب والترهيب ج 3/232 إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما وصححه
([336]) مسند أحمد 1/178 ح 1، السنن الكبرى للنسائي 10/88 ح 11092، سنن ابن ماجة 5/142 ح 408.
([337]) سنن ابي داود 6/392 ح 4337. المعجم الكبير 10/146 ح 10267.السنن الكبرى للبيهقي 20/262.
([338]) شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 229.
([339]) صحيح مسلم 2/944 ح 1298.
([340]) شرح النووي على مسلم ج 9 /47.
([341]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([342]) صحيح البخاري 4/199 ح 3606، صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([343]) شرح صحيح مسلم 12/237،238.
([344]) مسند أبي داود 1/354 ح 444، الفتن لنعيم بن حماد 1/144 ح 357،المعجم الأوسط 3/190 ح 2893.
([345]) المستدرك 4/ 547 (8533). وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، ولم يتعقبه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (6/539 ح 2739.]، فالحديث بهذه الزيادة صحيح ثابت إن شاء الله.
([346]) الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4: 133.
([350]) الإفصاح عن معاني الصحاح 2/221.
([352]) المفهم لما أشكل من صحيح مسلم: 4: 39.
([353]) فتح الباري: (13: 36- 37)
([354]) صحيح البخاري 3/136 ح 2480.
([355]) صحيح مسلم 1/124 ح 140.
([358]) مسند أحمد 34/543 ح 21064. فتح الباري 12/297.
([359]) تأويل مختلف الحديث (ص: 234)
([361]) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/171، 172.
([362]) منهاج السنة النبوية، 3،/ 391.
([363]) صحيح مسلم 4/199 ح 3603، صحيح مسلم 3/1472 ح 1843.
([381]) شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229.
([382]) المصدر السابق : 12/229.
([384]) مسند أحمد 21/60 ح 13349، سنن الترمذي 5/34 ح 2658.
([387]) شرح صحيح البخاري لابن بطال: 10/8.
([388]) شرح النووي: ج 12: 229.
([389]) غياث الأمم في التياث الظلَم، ص 106 – 110.
([390]) المصدر السابق ص 115 – 116.
([391]) صحيح البخاري 9/57 ح 7111.
([393]) منهاج السنّة النبوية: 4/529.
([394]) منهاج السنّة النبوية: 4/530.
([395]) البداية والنهاية 8/161.
([398]) شرح النووي على صحيح مسلم: ج 11، ص 433، ح: (4748).
([413]) أصول السنة» للإمام أحمد (ص:٤٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (١/ ١٨٩و 199) مقدمة رسالة القيرواني» (ص:٦١) شرح السنة للمزني (ص:٨٤).
([420]) شرح النووي على مسلم 12/ 229.