[الفصل الثالث] أخطاء الإسلاميين في باب السياسة الشرعية
ويتناول تلك المباحث:
(1) أخطاء الإسلامين العامة في مسائل السياسة الشرعية.
(2) أخطاء الإخوان المسلمين في باب السياسة الشرعية.
(3) أخطاء التيارات الحسبية في باب السياسة الشرعية.
(4) أخطاء التيارات الجهادية في باب السياسة الشرعية.
(5) حلقات الوصل المفقودة في باب السياسة الشرعية بين الإسلاميين وبين حكام المسلمين.
***
المبحث الأول أخطاء الإسلامين العامة في مسائل السياسة الشرعية
الخطأ الأول: يتجاهل الإسلاميون تماما القوى العالمية التي تُمسك بزمام الأمور في العالم، فيكلفون الحكام ما لا يطيقون، ويطالبونهم بتطبيق شرع الله كاملا مهما كلفه ذلك من تضحيات وانا على يقين بانهم لو وصلوا إلى سدة الحكم لما أمكنهم ان يفعلوا ما يطلبونه من حكامهم، وها هو أحمد الشرع رئيس سوريا كان ينادي أيام الكفاح بفتح القدس، وان تحرير سوريا لن يتوقف إلا بتحرير القدس، فلما وصل إلى سدة الحكم ورأى القوى المسيطرة على العالم ومن ثم على سوريا رضي باقل القليل، بل وتنازل لإسرائيل عن أرض سورية في مقابل التعايش وحفظ الدم السوري، ولست أراه مخطئا ولكن أين كلامه عن القدس، أولا قبل ان يصل إلى رأس الحكم، فلما وصل ووجد الضغوط الامريكية والصهيونية والعالمية وانه إن عاندهم أورث قومه الهلاك والبوار وما لا يطيقون فكان الصواب هو ما فعله فما لا يدرك كله لا يترك جله.
الخطأ الثاني: يعتقد بعض الإسلاميين أن تغيير أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية واجب، من أجل إقامة الخلافة، والحقيقة أنهم يفتئتون على الشرع في هذا الباب، لأنّ الشريعة تامرهم بالصبر على ظلم الحكام وجورهم ما داموا مسلمين، وما لم تصدر عنهم أمور كفرية لا اختلاف فيها عندنا فيها من الله برهان، وهذا لم يحصل في اكثر بلاد المسلمين، والامر الثاني أنهم إن نجحوا في تغيير أنظمة الحكم فسيفاجئون بالقوى التي تسيطر على العالم وسيعرفون انها أكبر من طاقتهم، ولن يقدروا على إقامة الخلافة كما يزعمون، وذلك لأنها رتبة المهدي الذي يصلح الله تعالى له الأرض في ساعة، وستكون النتيجة إن نجحوا وهيهات ودون النجاح سنون من الهرج والمرج وسفك الدماء، والنتيجة استبدال حكم بحكم آخر مع المخاطرة بدماء المسلمين في تجارب لن تورد المسلمين إلا موارد الضعف أو الهلاك، مع ما فيه من مخالفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخروج على الحكام المسلمين وإن كانوا ظالمين وشق عصا الطاعة، وتوهين قوى الامة امام اعدائها الأصليين، من اليهود والصليبيين والمشركين.
الخطأ الثالث: خطأ جماعات الحسبة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث كانت تقوم بتغير المنكرات في المجتمع باليد، مع جمع الاعوان واستمال السلاح دونما تقيد بدرجات الحسبة ولا مراحلها ولا ضوابطها، وهذا جهل عظيم بباب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة على الدين، فإنّ الأصل في إنكار المنكرات باليد أنه حق لولي الأمر (الدولة) ومن ينوب عنه من الجهات المختصة، كالشرطة والهيئات الرسمية المختصة بذلك، ولا يجوز للأفراد آحاداً القيام به، فلا يجوز لآحاد الناس الاحتساب باليد (تغيير المنكر فعلياً) في وجود دولة قائمة ومستقرة، بل يجب الاقتصار على الإنكار باللسان والقلب، وذلك لانّ تغيير المنكر باليد هو من اختصاص سلطات الدولة (الشرطة، الهيئات الرسمية) تجنباً للمفاسد العظيمة، والفوضى، واختلال الأمن، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه)، فتغيير المنكرات باليد هو حق من له ولاية، كالسلطان أو من ينوب عنه، أو الاب في ولايته لابنائه وزوجه، وقيام هؤلاء بتغيير المناكر باليد في ظل وجود السلطان، سيؤدي إلى مفسدة أكبر، وهي ضياع هيبة السلطان أو الاشتباك معه، فحينئذ يسقط وجوب الإنكار باليد، ويقتصر على اللسان، والواجب على المسلم في ظل الدولة النصح، التوجيه، والإبلاغ عن المخالفات، وليس أخذ التغيير باليد، ومراتب إنكار المنكر: ثلاثة، والأصل فيها حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- مرفوعاً ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) ([1]) .
(المرتبة الأولى): الإنكار باليد، وهي أقوى مراتب الإنكار وأعلاها، وذلك كإراقة الخمر، وكإلزام الناس بالصلاة، وهي خاصة بمن كان له ولاية على مرتكب المنكر كالسلطان أو من ينوب عنه كوالي الحسبة وموظفيه كل بحسب اختصاصه وكذا المسلم مع أهله وولده، و(المرتبة الثانية): الإنكار باللسان وضوابطه: وهي خاصة بالعلماء لانهم أعرف الناس باحكام الحسبة على الدين والمتفق فيه والمختلف عليه، و(المرتبة الثالثة): الإنكار بالقلب، وهذه خاصة بالعامة من المسلمين فيما يتعلق بالمجتمع، أما في خاصة انفسهم ومن لهم ولاية عليهم فتسري في حقه المراتب الثلاث، وبهذا يتبين لنا أن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الداعي إلى الله على علم وبصيرة، لا بد له من معرفة مراتب إنكار المنكر وضوابطها وخطواتها، والالتزام بالعمل بها، حتى ينجح في دعوته، وتؤتي ثمارها الطيبة.
الخطأ الرابع: خطأ جماعات الجهاد في سبيل الله: في الافتئات على الشرع: وإذا كنا نقول بأنّ الحسبة العامة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع إذا احتاج للتغيير باليد والقوة والاستعانة بالأعوان، لا يجوز أبدا في بلاد المسلمين، إلا بإذن من السلطات، فكيف يكون الحال إذا تعلق الامر بالجهاد، وهو لا يحتاج إلى جمع الاعوان واستعمال السلاح وحسب بل يحتاج إلى تجييش الجيوش ورفع الالوية والتدريب والاعداد، ولابد له من وجود امير للجهاد، ولابد للجهاد من اجتماع الكلمة والراية والاعداد أقصى استطاعة، فهل يتسنى ذلك من وراء الدولة والسلطات، والاتجاه الجهادي حتى يخرج من تلك الإلزامات كفر الدولة وكفر القائمين على الحكم فيها وكفر الجيش والشرطة بل وأجهزة الدولة كافة في سبيل الخروج من الزامات صحة الجهاد، وهل يفعل ذلك إلا الخوارج، وهم من الفرق الضالة، وهل يختلف عاقلان في ان الجهاد الصحيح مرد إلى الدولة وانه افتئات على الشرع وعلى أولي الامر وذوي السلطات، ثم اعلان الفصائل الجهادية للجهاد فجهادهم على من؟ ولمصلحة من؟ إنه قتال المسلمين وحسب، وهو يقع في لمصلحة الكافرين الأصليين من اليهود والصليبيين والمشركين، وكل ما شاهدناه من جهاد هؤلاء هو اغتيالات عشوائية لمسلمين أصليين أو سياح أجانب مستأمنين أو في مواجهة حكومات مسلمة توهن قوة الدولة أمام أعداء المسلمين وتهلك المنسبين إلى تلك الجماعات، من المغرر بهم، أو عمليات غير محسوبة في بلاد الكفار يجني ثمار شؤمها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نسال الله السلامة.
الخطأ الخامس: اعتماد البعض لآليات غير شرعية من أجل الوصول إلى حكم البلاد عن طريق الانقلابات أو المظاهرات أو التحالفات، وكلها افتئات على الشرع وخروج عن الصواب ومخالفة لأدلة الشرع، فإذا خسروا أوردوا أنفسهم موارد الهلاك وعرضوا أنفسهم من البلاء ما لا يطيقون وعرضوا أهليهم وأسرهم كذلك من الفتنة ما هو فوق الطاقة، والشرع الحنيف لم يُجز لهم أصلا الدخول في هذه المهالك والتعرض لسيف السلطان، فلا الشريعة وافقوا ولا أنفسهم صانوا واضاعوا دينهم ودنياهم إلا ما رحم الله.
الخطأ السادس: الإسلاميون يوهمون أنفسهم واتباعهم بأنهم إن وصلوا إلى الحكم ونازعوا الحكام سلطانهم أنهم هكذا طبقوا أعظم الجهاد، وهم لا يفهمون الحديث الوارد في الباب حق الفهم، فقوله صلى الله عليه وسلم: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ([2]) .
والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط: (الضابط الأول): أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات، (الضابط الثاني): الهدي القرآني في معاملة الحكام، قال تعالى – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 43، 44]، (الضابط الثالث): منطوق الحديث وفيه (كلمة عدل عند) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب، وتقويض دعائم الحكم وهيبته، (الضابط الرابع): أن تكون كلمة حق صادقة، فكم من كلمة حق أريد بها باطل، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك، وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى، خالصاً لله وحده، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته، (الضابط الخامس): منطوق الحديث (كلمة عدل) أو في الرواية الثانية (كلمة حق)، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة، أو إعلان العصيان والمخالفة، (الضابط السادس): قائل الحق إما أن يكون آمنا على نفسه فيجب عليه الإنكار انتصارا لدين الله تعالى، وإما أن يكون غير آمن على نفسه، وآنذاك فإن كان قتله أو أذاه سوف يعود على الدين بالعزة والنصر، فهذا هو الذي يُشرع له ذلك، وإما أنه لن يعود على الدين بنفع ولا ضر، فله أن يجهر بالحق، وإما أن يلحق بالدين أو بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ) ([3]) .
وكما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل، قال قيل لأسامة رضي الله عنه: (أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ) ([4]).
الخطأ السابع: معاداة الإسلاميين للحكام المسلمين ليست شرعية، ما داموا يطمعون هم أن يصلوا إلى الحكم، لأن الطامع غير مأمون ولا موثوق، وفي الحديث: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله، أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه) ([5]) . وكان الأولى بهم اتباع الشرع وعدم نزع اليد من الطاعة والله ناصر دينه لا محالة، فالأوْلى بهم، أن ينصحوا للحكام، بدل مزاحمتهم فيما اختصهم الله تعالى به، نؤدي إليهم حقهم ونسأل الله تعالى الذي لنا.
الخطأ الثامن: النظام العالمي والقوى الخفية التي تسيطر على العالم هي التي تدير الأمور في بلدنا والبلاد المحيطة، فلم تعد مسألة الحكم محصورة محليا، فيما بين الحاكم والشعب، بل إن الأمر قد صار أعقد من ذلك بكثير، فالنظام العالمي يسيطر على مفاصل الدول والحكومات، فكثير من حكام العالم الإسلامي يأخذون احكام الاكراه، نسال الله السلامة، ومن أجل كل هذا نطالب الإسلاميين بالتزام السياسة الشرعية كما جاءت في الكتاب والسنّة بغير افتئات على أي منهما والتزام الشرع والتقيد بأحكامه فإنّ فيها النجاة وفي مخالفتها الهلاك والبوار، نسأل الله السلامة.
(فائدة): أفضل مثال ونموذج أراه يحتذى به كنمط صحيح للسياسة الشرعية في يومنا هذا هو النمط الصوفي: ولست أقصد من ذلك التصوف الخرافي الذي يقوم على تهويل الكرامات والركض خلف القصص والمبالغات ولا تصوف الطبل والزمر ولا تصوف الرايات والاعياد والموالد والمناسبات، ولكن اقصد أهل التصوف السني الرشيد أهل الجد والعمل أهل السير والذكر أهل التزكية والإحسان، أولئك الذين باعوا الدنيا للآخرة فلا تساوي الدنيا عندهم جناح بعوضة فإن نصحوا فلله نصحوا النصيحة الخالصة، وللدين انتصروا، ليس لغيره، أماتوا انفسهم في الله فلا يتحركون إلا به ولا ينصحون إلا ابتغاء رضاه، ينصحون بالرفق واللين ولا يكلفون المنصوح ما لا يطيق، ولا ما لا يقدر عليه، والكل يعرف عزوفهم عن الدنيا وزهرتها، دعائهم للسلطان مستجاب والله يحفظ البلاد والعباد بهم وببركة ذكرهم لله فمن أراد السياسة الشرعية وجدها عندهم ومن أراد الادب في النصيحة فهم أهل العلم والحلم والادب، لقد كان الإمام الرباني عبد الحليم محمود ينصح الحكام ويخلص النصيحة لهم وكان من بركة نصحه للسادات ودعائه له أن نصرنا الله على اليهود في حرب أكتوبر، فلم نشط الإسلاميون كان من ثمرة جهودهم أن قتلوا السادات وأبدلوه بمن هو اقل منه صلاحا واكثر ضعفا، وهكذا كل تدخل للإسلاميين في باب الحكم والرئاسة يكون افتئاتا على الشرع ووبالا على الامة، نصروا الضباط في ثورة يوليو على الملك فكانوا بعد ذلك لما رأوا اعمال الضباط صاروا يترحمون على أيام الملك رحمة يتمنون رجوعها، وهكذا كلما تدخلوا في باب السياسة الشرعية بما لا يحق لهم أضروا بالعباد والبلاد، فالقصد ان النمط الشرعي الملائم للسياسة الشرعية هو النمط الصوفي يحبون كل المسلمين ولا يضمرون العداوة لأحد ويدعون للمسلمين ويدعون لأولياء الأمور الذين جعل الله تعالى لهم سلطانا على المسلمين وبيعتهم بيعة تشريف وبركة ولا يوجد عندهم ما يسرون به ولا ما يعملونه في الخفاء فالدولة تأمن جانبهم والسلطان لا يعاديهم وهذه من أصح محاور العمل الإسلامي في ظل الوضع الراهن للمسلمين، ولا بأس بعد ذلك أن يركز اهل الدعوة على الدعوة واهل الحسبة على الحسبة واهل العمل الخيري عليه كما يركز اهل التصوف على الذكر والفكر، في أطر السياسة الشرعية الصحيحة من الشرعية والعلنية والسلمية والتعايش مع جميع الأطراف، ويقضي الله للإسلام أمرا كان مفعولا.
***
المبحث الثاني أخطاء الإخوان المسلمين في باب السياسة الشرعية
الإخوان المسلمون: جماعة إسلامية نشأت في مصر أواخر العشرينات أسسها الشيخ الشهيد حسن البنا رحمه الله، وكانت تهدف إلى إعادة الخلافة الإسلامية وتصحيح أوضاع المسلمين والدعوة إلى العودة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية والدفاع عن قضايا المسلمين، وما لبثت الحركة أن دخلت في صراع مع القصر الملكي، والنفوذ البريطاني، وقد انتشرت الحركة مابين (1928) ونهاية الأربعينات انتشارا واسعا في مصر، وامتدت إلى بلاد الشام وغيرها، و توجف الإنكليز منها شرا، ولاسيما بعد مساهمات مجاهدي الإخوان في مصر وسوريا في حرب اليهود سنة (1948)، ثم تآمر الإنكليز على الحركة، وأجبروا الملك فاروق على اضطهاد الجماعة فأودع المجاهدون العائدون من فلسطين في السجون، واغتال الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى وغفر له، ثم كان للتنظيم الخاص (السري) الذي أنشأه دور في مقاومة الإنكليز في منطقة قناة السويس، ثم اتفق الإخوان مع الضباط الأحرار على إسقاط الملك فاروق، ونجح انقلاب الضباط الأحرار في سنة 1952، وتولى اللواء نجيب رئاسة الدولة، ثم انتقلت الرئاسة لجمال عبد الناصر الذي تنكر للإخوان وانقلب عليهم وأودع قياداتهم في السجون سنة 1954، وأعدم الكثير منهم من أبطال الجهاد ومقاومة الإنكليز.
[المفتاح الأول]: دين الإسلام هو الدين الخاتم، والنبي صلى الله عليه وسلم أُرسل إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة، والمسلمون من بعده مسؤولون في تبليغ الأمانة إلى الناس كافة، ولذلك كان الإسلام هو دين الدعوة إلى الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من أجل أن يصل الإسلام إلى كل شبر على أرض الله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا شرع الإسلام العمل الجماعي المتعاون على البر والتقوى من أجل حمل الأمانة وتبليغها للناس كافة، يقول الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد، ويقول الله تعالى: {وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ،،}[المائدة: 2]، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة))، والطائفة هي الجماعة من الناس، و(الاخوان المسلمون): جماعة إسلامية حملت على عاتقها الدعوة إلى الله وتبليغ رسالة الإسلام إلى الناس، وهي جماعة واسعة النطاق كبيرة النشاط عظيمة التغلغل في أحشاء مجتمعاتنا المسلمة , لها جهد كبير ومشكور بحمد الله تعالى في إعادة الناس إلى الاعتزاز بالإسلام عقيدة وشريعة واخلاقا في زمان سيطر فيه الغرب بأفكارهم وأنظمتهم وقوتهم، كان من أهم غاياتهم: إصلاح الفرد نفسه، تكوين البيت المسلم، وإرشاد المجتمع، وتحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، وإصلاح الحكومة، وإعادة الكيان الدولي للأمة الاسلامية، واستاذية العالم بنشر دعوة الاسلام في ربوعه [الامام الشهيد في مجموعة الرسائل]، وكذلك: صياغة الشخصية الإنسانية صياغة إسلامية، وإقامة الدولة الاسلامية في كل قطر، وتوحيد الأمة الإسلامية، وإحياء منصب الخلافة، وإقامة دولة الإسلام العالمية [الشيخ سعيد حوى في جند الله ثقافة وأخلاقا]، ومن اهم حسنات الإخوان أنها جماعة قامت في وقت صعب حرج كان فيه أغلب بلاد العالم الاسلامي تحت وطأة الاحتلال الغربي (انجلترا وفرنسا)، وقد كانت المجتمعات المسلمة منصرفة عن دينها وقد ظهرت فيها ثقافات غربية تنم عن البعد العام عن دينها وفهم شموله لكل ما يحيط بالإنسان من شئون وأعمال، فجاءت دعوة الاخوان لتعيد لهؤلاء الفهم الشمولي لدين الاسلام وأنه دين ودولة ومصحف وسيف ودعوة وجهاد وأنه يتناول كل ما يحيط بالمسلم من أنظمة وأنشطة بشرية يضع لها القواعد والاصول التي تنظمها وفق حكم الله وعدله وعلمه جل وعلا بما يصلح الإنسان في الدنيا ويحقق له الفلاح في الدارين الدنيا والآخرة، وجاءت دعوة الإخوان لتحفز الناس على العمل لدين الله عز وجل بنفس السعة والشمول والعالمية عمل جاد من أجل نصرته ونصرة شرائعه وأحكامه، وقد أبلت الجماعة في هذا المجال بلاء حسنا سواء من الناحية النظرية أو من الناحية العملية فقد كانت لها مناهجها وكتاباتها السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية الاسلامية وأنشأت بحمد الله تعالى جيلا كبيرا من العاملين لدين الله عز وجل من العلماء والدعاة، وكان لها بحمد الله جوانب إصلاحية عظيمة كثيرة في مجال التعليم والانفاق وتقديم المساعدات للمحتاجين والاعمال الخيرية عموما، وكان لها بحمد الله جوانب إصلاحية عظيمة في مجال الثقافة الإسلامية العامة وتعريف الناس بأمور دينهم وبحقيقة ما يدور في الخفاء ضد دين الاسلام من أعدائه وكشف مكرهم ومخططاتهم الرهيبة من أجل إبادة الاسلام وأهله حتى يكون المسلم على بينة من اعدائه ومن يعرف الشر أحرى أن لا يقع فيه , فلهم بحمد الله في هذا المجال يد طيبة مباركة، ولهم أيضا يد طيبة في (نشر الثقافة الاسلامية الواسعة): فقد ركز جم غفير من علمائهم على إبراز جوانب الكمال والعظمة في دين الاسلام، وعلى إبراز جوانب الشمول والتكامل والتوسط والاعتدال والسهولة واليسر والوضوح في شريعة دين الاسلام، وركز جم غفير من علمائهم على إظهار الأنظمة العلمية في شرع دين الإسلام والمبنية على أسس ربانية من العدل والعقل والحسن والكمال، كالنظام الاداري في الاسلام والنظام السياسي في دين الاسلام والنظام الاجتماعي في الاسلام والنظام الاقتصادي في الاسلام والنظام القتالي العسكري الجهادي في الاسلام،، إلى آخر تلك الانظمة المتكاملة التي تحتاج إليها الدول والحكومات والشعوب في شتى شئونهم، وركز جم غفير من علمائهم على إظهار مخططات اعداء الدين من اليهود والصهاينة والصليبين والكفار والمشركين، وعلى توضيح أغراضهم الدينية الخبيثة ورسائلهم الحقيرة في حرب دين الله ومعاداة اهله المسلمين , وألقوا الضوء على معاناة المستضعفين من المسلمين في شتى بلدان العالم للاهتمام بقضاياهم ومد يد العون لهم قدر الاستطاعة، وجهود الاخوان في تلك المجالات أورثت العالم الاسلامي وشعوبه ومجتمعاته ثقافة واسعة عن دين الاسلام وخصائصه وجوانب الكمال والحسن فيه وفي شريعته العزاء وأورثتهم علما بمكائد اعداء الدين ومخططاتهم في حرب الاسلام وأهله، فجزاهم الله عن الاسلام وأهله خير الجزاء.
[المفتاح الثاني]: المآخذ العملية المتعلقة بباب السياسة الشرعية والتعامل مع الانظمة الحاكمة، مآخذ قاتلة، وذلك بسبب عدم تبني الموقف الشرعي الصحيح في التعامل مع الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، ولذلك لم تراوح مكانها – على مدار عمرها كله – شداً وجذباً مع الحكام، فأدى التذبذب في هذا الباب وعدم تأصيل باب السياسة الشرعية إلى الافتيات على صلاحيات الحاكم، والتدخل في شؤونه وصلاحياته مما يهيج ما بداخله من بطش وسلطان، فيصب عليهم جام غضبه وسطوة سلطانه، فلا هم تاركون الحكم لأهله سامعون مطيعون في إطار السياسة الشرعية الحكيمة التي جاء بها شرع الإسلام، لا يزاحمون الحكام المسلمين فيما يدور في إطار صلاحياتهم ولا يفتاتون على صلاحياتهم، ولا هم بغاة مسلحون يحمون بيضتهم بسلاحهم، فلذلك يدورون في فلك واحد هو: التنكيل والزج بالسجون والتعذيب حتى إذا اُستحلت حُرماتهم هادنوا، ثم إذا اشتد عودهم وزاحموا الحكام في صلاحياتهم زُج بهم في السجون كرة أخرى، وهذا حالهم في كل دول المسلمين، وعلى مر تاريخهم السياسي المؤسف المرير، يخرجون من أزمة إلى نكسة، ومن نكسة إلى أخرى، والنتيجة أن أضاعوا زهرة شبابهم، ما بين شهيد وسجين، وما بين مشرد وهارب، فلا يتعلمون من تجاربهم ولا يصححون مسارهم، ولا يتقنون السياسة الشرعية الحكيمة التي جاء بها شرع الإسلام، ولا يحققون ما تكاتفوا من اجله لتجديد امر الدين وتحقيق اهدافه، والصواب في تلك المفازة الوعرة هو التقيد بأحكام الشرع دون حماسة زائفة تفتات على كراسي الحكام، ودون ركون ومهادنة تعيش في مهانة على فتات موائد الحكام.
[المفتاح الثالث]: لقد تعجل الإمام الشهيد حسن البنا في مسألة السياسة الشرعية مع الحكام، ووقع في أخطاء شرعية علمية وعملية في هذا الباب، من أبرزها:
(أ) انشاء جهاز سري لاغتيال الأعداء، لقد أنشأه لحرب الإنجليز وطردهم من مصر وهذا هدف عظيم، ولكن السفهاء استخدموه في اغتيال قيادات شعبية مما أدى إلى تبري الإمام منهم ومن أعمالهم عنما تعرض الإخوان جميعهم لبطش الملك والحكومة، وهنا قد يقول القائل: بأنّ الخطأ خطأ القائمين على الجهاز، وليس خطأ الإمام، ويمكننا القول – أيضاً – بأنّ الخطأ خطؤه من عدة جهات: الأولى منها: أنّه أسند قيادة هذا الجهاز الخطير لبعض السفهاء من الشباب الممتلئين حماسة للدين ولكن أيضا الممتلئين جهلاً بخطورة ما يفعلون على العمل الإسلامي والحركة الإسلامية برمتها فكان عليه ان يتحمل مسؤولية اختياره الخاطئ، والجهة الثانية: أنه افتئات على صلاحيات ولي الامر ألا وهو الملك آنذاك، وقد كان مسلما والحاكم المسلم له حقوق وصلاحيات، ينبغي أن يكون أهل العمل الإسلامي أول المحترمين لها وهذا هو الأدب الإسلامي والسياسة الشرعية الرصينة، فإننا طُلاب دين، والدين دين الله يضعه حيث يشاء، والملك لله يرثه من يشاء، ولا ينبغي التعدي على صلاحيات السلطان المسلم مهما كانت الأسباب، أدعو من تشاء إلى الإسلام وإلى العودة إليه فإن حوربت فاصبر والعاقبة للمتقين، ولكن أن تدعو إلى الإسلام وأنت تتدخل في صلاحيات الحاكم فلتتحمل سطوة السلطان وغشم القوة التي تحيط به، والجهة الثالثة: لو تركنا مسألة الافتيات على صلاحيات الحاكم المسلم – لأنّها قد لا تُعجب بعض المتحمسين – فالخطأ هنا في الوضع العملي، والاقتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي، فإن العمل في ظل أحكام الاستضعاف حيث لا دولة ولا منعة تحمي المسلمين، – من خلال سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي المنهاج الواضح للعمل الإسلامي – تحميه ضوابط عظيمة من السلمية والعلنية والصبر وكف اليد وتحمل الأذى، ولم يؤثر عن صاحب الدعوة الأول والأعظم صلى الله عليه وسلم أنّه كون فرق للتصفية والاغتيالات إلا بعد الهجرة وقيام دولة الإسلام القوية التي يفيء إليها المسلمون فتحميهم، وما أسهل ما كان يأمر النبي صلى الله عليه وسلم باغتيال أبي لهب وأبي جهل وعتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة وغيرهم من صناديد الكفر في ظلمة الليل حيث لا حرس ولا حماية وانتهت مشاكل الدعوة وقُضي على أعدائها، ولكن هذا دين والدين لله وحده ومن تعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه.
(ب) تعجل في مخاطبة الملك – بل وكافة الملوك والرؤساء – بخطاب يحمل بين سطوره سمات التهديد والوعيد، وهذا لا يليق بمخاطبة أهل السلطان، فإنّ خطاب أهل السلطة لابد وأن يكون مفعماً باللين والرقة وتأليف القلب، ولنا في القرآن أعظم العظة، فقد ارسل الله عز وجل موسى وهارون إلى فرعون الطاغوت وأمرهما سبحانه بالدعوة باللين والرفق فقال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى}، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها، لأنّ السلطة بيده، فالشدة لا تناسبه، وقد تعني تهديده ووعيده، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته، فالقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك، والملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها، ولا أن يزاحم أهلها فيها، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها، ولهذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني)) ([6]) . ولا شك أنّها فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ)) ([7]) . فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم:(أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)) ([8]) .
(ت) تعجل في المؤتمر السادس حيث صارح بتهديد الحكومات بسبب فسادها، وأشعرها أنّ الدائرة ستكون عليها، وهذا لاشك أنّه لم يكن ملائما لوضع الدعوة من حيث الإمكانات والاستعدادات، وهو تعجل لقطف ثمرة دعوة لم تنضج ولم تكتمل بعد، وقد شعر هو رحمه الله تعالى بذلك الاستعجال عندما قامت الحكومة بجمع أنصاره ووضعهم في السجون والمعتقلات، وكان يقول قبل أن يكرمه الله تعالى بالشهادة بأيام: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لعدت بالجماعة إلى أيام المأثورات أعلم الإسلام وأربي عليه )، يقصد أيام الدعوة والبناء على الدعوة، قبل أن يخوض غمار السياسة التي لا تعرف في كل زمان إلا أنّ الغاية تبرر الوسيلة، أهلها على مر العصور – إلا ما رحم الله – أهل المكر والدهاء والخسة وأهل الغدر والخيانة وسوء الأخلاق، فلما شعر أولئك الساسة بخطره عليهم تمالئوا على اغتياله، نعم لقد أكرمه الله تعالى بالشهادة، ولكن عانت الدعوة – بعده – المرارة من جراء تعجل الثمار قبل نضجها، وهل هناك أكثر مكسباً للدين من الدعوة إليه والبناء على تلك الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم، إن الدعوة تمثل الطهر الذي يليق بأهل الله تعالى من الدعاة والعاملين، وهو مجالهم الذي يتقنون فيه، والسياسة بحر لُجِّى مظلم لا يلجه إلا الداعية القوي الأمين الذي أتقن فن الغوص والسباحة، وتدرب تدريباً طويلا على مواجهة أمواجه العاتية، ودسائسه الرهيبة، وهل وضع الداعية إلى الله تعالى يده يوماً مع الساسة فاستفاد، أبداً، ومطلقاً، هم يستفيدون منه، ولا يخرجون عنه إلا وقد ولجوا في عرضه وأفسدوا سمعته، وأحرقوا بضاعته، وهل يملك الداعية إلا لسان الصدق بين الناس حتى يسمعوه ويطيعوه، فيخرج من بين أيديهم وقد اتهموه بالكذب والدجل والخيانة، يسحبون صفاتهم عليه، وكأنّهم آنذاك أهل العفة والرشاد، وهكذا رأينا كل تحالفات الإخوان مع أهل السياسة في الانتخابات وغيرها، إنّما تصب في مصالح الساسة ويعود وبالها على الإخوان الطاهرين الطيبين.
(ث) إنّ ضرورة أن يحدث التوافق الإسلامي بين طوائف أهل السنّة والجماعة في ظل توافق شرعي سديد مع الأنظمة الحاكمة التي تحكم أقطار المسلمين أمر حتمي تفرضه الضرورة والشرع والامر الواقع، وهذا هو الجو الصحي الذي تثمر فيه الدعوة الإسلامية الصحيحة ثمارها، وهذا الأمر هو ما حرص عليه شرع الإسلام أتم حرص، وأرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، في ظل منظومة من السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة التي تضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الافتئات عليها، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه، هذه المنظومة الشرعية التي تضبط العلاقة الشرعية الصحيحة بين النظام الحاكم والمحكوم، فيتم فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين التيار الإسلامي وعلمائه، وبين أهل السياسة والحكم، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة، وعلى حكمة وموعظة حسنة، وتمتلئ بالرأفة والرحمة، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات.
من اهم الاحاديث: (1) أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ((دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)) ([9]) . وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا)) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ))، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، ((إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)).
(والـحديث الثاني): أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)) ([10]) . وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين للحديث السابق.
(والـحديث الثالث): أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)) ([11]) . يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، ((؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ))، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة ((أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة))،.
[المفتاح الرابع]: تقييم تجربة الإخوان في سوريا (مشكلة حماة): أيضا بسبب التذبذب في باب السياسة الشرعية وعدم تأصيل مسائلها تم القضاء على اكثر من 25 ألفا من كوادر الإخوان من حفظة القرآن في أزمة حماة، حيث دامت المجزرة 27 يوماً بدءاً من 2 شباط/فبراير 1982 م، وسقط ضحية هذه العملية العسكرية قرابة أربعين ألفاً من المسلمين، وهدمت أحياء بكاملها على رؤوس أصحابها، فيما هاجر عشرات الآلاف من سكّان المدينة هرباً من القتل والذّبح والتنكيل، ويروي الشيخ سعيد حوى الاحداث التي وقعت في حماة وذلك في كتابه: (هذه تجربتي وهذه شهادتي) وقد كان هو آنذاك قائد الفرع العسكري للجماعة، ومما يستفاد من شهادته وخلاصة تجربته، أنّ السياسة الشرعية تحتم على الإسلاميين العمل السلمي، وعدم المواجهة مع الدول التي تملك القوة والعتاد بحيث لا يكون في مقدور الإسلاميين مواجهة تلك الدول بأسلحة بدائية وقوة محدودة، ومرورا بكتابه (هذه تجربتي وهذه شهادتي)، بدا بالعتاب على الاخوان في زمان المجزرة أنّ بقية الاخوان في بقية المحافظات لم تنتفض انتفاضة حماة، وأنّ الاقتصار في تبني نهج المواجهة كان في حماة فقط دون غيرها من المدن السورية، وأنهم تركوها وحدها تتعرض لانتقام النظام، وانّ موقف بلد واحد (حماة) في سوريا ليس كافيًا لإسقاط نظام الأسد، مشيرًا إلى انه كان من الضرورة بحال وجود تنسيق شامل واتفاق تام بين الإخوان في كافة المحافظات السورية، واعتبر أن النظام استغل المواجهة بينه وبين بعض قوى الاخوان لتصفية الوجود الإسلامي في حماة، وأقر بانّ استدراج الدولة للحركة نحو مواجهة عسكرية غير متكافئة في ذلك التوقيت كان خطأً استراتيجياً لدى حركة الإخوان أدى إلى نتائج كارثية، وذكر انّ (إيران) كانت تدعم النظام السوري بكل قوتها بينما كان نظام صدام حسين بالعراق يدعم حركة الإخوان ولكنه سرعان ما تخلى عنها، وتركها وحيدة تلقى مصيرها، وفي النهاية، واجهت حماة مصيرها المأساوي، ووقعت المجزرة التي تجاوزت كل التوقعات، وأدى ذلك إلى فقدان قيادة الإخوان مصداقيتها بين أعضائها الذين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بسبب طريقة تعامل القيادة مع الأحداث. يقول سعيد حوى: (لقد حدد أديب الجاجي أمراضنا في القيادة وهي أننا لا ننطلق على ضوء رؤية واحدة، ولا نظرية متكاملة، ولا نحسن التعامل مع بعضنا، وأن آلية العمل في القيادة والأجهزة ليست صحيحة) أهــ([12]) .
وبعد مذبحة حماة مباشرة، سعى حوى لتهدئة مشاعر شباب الإخوان الملتهبة، وألغى “خطة النفير” في مارس/آذار 1982، بعدما أدرك أن تنفيذها سيؤدي إلى مزيد من المجازر، كان هذا القرار منطقيًا في ظل التفوق العسكري الكبير للنظام، ثم قرر مجلس شورى الإخوان تشكيل لجنة برئاسة “محمد علي الهاشمي” للتحقيق في الأحداث، ولكن لم يتم نشر التقرير علنًا، ولا يزال محتواه سرًا حتى اليوم، ومن الواضح أن كل طرف حمل المسؤولية على الآخر، حتى حوى نفسه ألقي باللوم على “علي البيانوني”، وفي هذه المعضلة مضى يقول: (كان علي البيانوني دائم التشنج داخل القيادة، وأصبحنا نعاني منه في كل جلسة، وكان بعض كبار الحلبيين وراءه بشكل دائم ومنهم الشيخ عبد الفتاح، لذلك رأيت بعد أحداث حماة واختيار قيادة جديدة أن يعاد الجهاز العسكري له، لأن ذلك وحده هو الذي يمرر المرحلة ويبقي وحدة الجماعة) أهـ ([13]) .
لقد كانت مذبحة حماة لحظة فاصلة للإخوان السوريين، أعقبها سنوات من الفوضى والاستقالات والانقسامات والنفي القسري ورعاية مجتمع الآلاف من المنفيين، وفقدان الجماعة تركيزها، إذ ظلت لعقود بلا قاعدة داخل البلاد، وتشتت أعضاؤها في مختلف أنحاء العالم، وقبع آخرون في السجون. ونتيجة لذلك، تركت هذه المذبحة ندوبًا لا تزال ظاهرة حتى اليوم، أما الشيخ سعيد حوى فقد استقال من قيادة الجماعة وتم تعيين زهير سالم في عام 1985، وفي هذا يقول الشيخ حوى: (كان أهم سبب في استقالتي أنني أرى القصور والعجز وكنت أشعر أن بقائي هو شهادة زور على أن الأمور سائرة في طريقها الصحيح) ([14]) .
وعلى أي حال، تعرض سعيد حوى لانتقادات حادة من تلميذه الجهادي أبي مصعب المنحدر من حلب، وقد حمل “عشيرة حماة” مسؤولية الأحداث التي أدت إلى المذبحة، وقد رأي أبي مصعب أن القيادة العسكرية للإخوان “ميتة منذ ولادتها” يديرها شيوخ يفتقرون إلى العزيمة وعقليتهم “لا حرب ولا سلام”.، وبشكل خاص انتقد أبي مصعب “الفرع العسكري” للإخوان بقيادة حوى، والذي اعتبره مثل التنظيم الإخواني الدعوي منظمًا في لجان، الأمر الذي دفع أبي مصعب للسخرية من القيادة العسكرية لـ حوى باعتبار أنها “أقرب إلى مجلس إدارة مؤسسة مالية”، إذ يرى أبو مصعب أن قيادة العمل العسكري تختلف عن العمل الدعوي، وجدير بالذكر أن وجهة نظره السلبية متطابقة أيضًا مع جهاديين سوريين آخرين، كذلك يؤكد أبي مصعب أن حوى ساهم برأيه في حدوث أخطاء كارثية، ويقول أبو مصعب السوري: (الشيخ سعيد حوى كان شيخنا وكنا نجلس ونسأله أحيانًا، أنا أعرفه واشتغلت معه، وهو أخطأ أخطاء فاحشة وفظيعة في الجهاد، ولكنه فعلها من باب حسن النية ومن باب الديكتاتورية.. هو في كتاباته يقول أن الشورى مُلزمة وأن الأكثرية تُلزم، ولكن في الواقع كان لا يسمح لأحد أن يتكلم أمامه، لا أن يُلزمه برأي) أهــ، وبعد المذبحة، تغيرت بعض قناعات الشيخ حوى، حيث أصبح أكثر اهتمامًا بالوعظ والتعليم والفكر بدلًا من السياسة والجهاد، وهو موقف يعكس إلى حد كبير صدمة الحدث، وفي المقابل، سافر تلميذه أبو مصعب السوري إلى أفغانستان في أواخر الثمانينيات للقتال ضد السوفييت، وفي الواقع، كل من عايش الشيخ سعيد حوى رحمه الله، كان يقول انه كان في السنوات الأخيرة من حياته كان يعيش أياما مليئة بخيبة الأمل، بسبب نكبة حماة، وانّ سنوات سعيد حوى الأخيرة منذ المذبحة وحتى وفاته في العاصمة الأردنية عام 1988 مثلت فترة انتقالية مهمة في تفكيره، حيث كان قبل مجزرة حماة يعارض الديمقراطية أشد المعارضه، وبعد المجزرة وفي خطوة أشبه بالانقلاب على موقفه السابق، دافع عن الديمقراطية وشجع الإسلاميين على تبنيها، فقد كتب في كتابه “جند الله تخطيطًا” والذي أملاه على ولده معاذ في آخر حياته: (نحن نرى أن الديمقراطية في العالم الإسلامي مآلها أن ينتصر الإسلام، ولذلك فإننا نحذر أنفسنا وإخواننا من محاربة الديمقراطية العملية، بل نرى أن المطالبة بمزيد من الديمقراطية هو الطريق العملي لانتصار الإسلام) ([15]) .
فهو يرى أن وسائل التغيير العنيفة أثبتت أنها كارثية، ولذا أصر على أن السلمية هي المناخ الأكثر ملاءمة لتحقيق الإصلاح ونجاح الإسلام في المستقبل، وفي العديد من كتبه الأخيرة فضل المسار السلمي للتغيير ورفض طريق الثورة والجهاد المسلح للوصول إلى الحكم، ودعا إلى حرية الدعوة وتحقيق الإصلاح من خلال العملية السلمية، والعجيب أنّ تجربة الشيخ سعيد حوى والتي كان من نتائجها قتل أكثر من 40 ألفا من الأسر المسلمة في حماة واستشهاد أكثر من 25 ألفا من خيرة حملة القرآن، في سوريا، العجيب ان هذه المجزرة لم تُدرس ولم يأخذ منها الإخوان العبر والعظات ولم توجد لها مراجعة ولا حتى تعليق، ولذلك تكرر المشهد مرة أخرى وبصورة مختلفة في تجربتهم المصرية، عقب احداث يناير 2011، وإذا لم نستفد من اخطائنا وإذا بلغ بنا الاستهتار إلى هذا الحد في باب السياسة الشرعية فمتى نستفيد، وقد روى البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يُلدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ واحد مرتين) [متفق عليه]، والعجيب انه لا توجد إلى الآن ولا حتى محاولة يتيمة للمراجعة بعد مقتل 40 الف مسلم بسبب تلك المهاترات.
[المفتاح الرابع]: تقييم تجربة الإخوان في حكم مصر: نجحت الجماعة في الوصول إلى حكم مصر عبر انتخابات ديمقراطية بعد ثورة يناير 2011، ثم بدأ يظهر التخبط، ولم تستطع التعامل بحنكة مع مؤسسات الدولة العميقة مما تسبب في الفشل في إدارة الدولة، والارتباك في اتخاذ القرارات، وغياب رؤية واضحة للمؤسسات، وبسبب الجمود التفاوضي واقتصار الأمر على مواقف متشنجة لا تتسم بمرونة التفاوض مع مؤسسات الدولة العميقة (الجيش، القضاء، الشرطة)، واقتصارها على خطابات وعظية لا تليق بالموقف السياسي، ولم يدم الامر طويلا حيث آل الامر إلى عزل الدكتور محمد مرسي في 2013، وقد شارك في عزله العديد من طوائف المشهد المصري ومنهم شيخ الازهر الذي لم تستطع الجماعة ان تكسبه إلى صفها، وكان السقوط سريعا ومروعا، ويمكن تلخيص أسباب فشل التجربة الاخوانية في حكم مصر في النقاط الأساسية التالية:
(1) نقص الخبرة في إدارة الدولة، فلا يوجد تصور واضح لإدارة الدولة ولا توجد كوادر متخصصة من الجماعة مؤهلة لإدارة الدولة، وتحريك مفاصلها المهمة ولا يوجد تصور لحل مشكلة استكمال نقص تلك الك1وادر، مع عدم التعايش مع كوادر ما يعرف بالدولة العميقة التي ظلت مهيمنة على تسيير الأمور في الخفاء.
(2) التحديات السياسية الرهيبة وفشلها في كسب اقرب الناس إليها كالأزهر الشريف واهل التصوف، بل راهنت على الوهابيين ممن لا عهد لهم ولا ذمة فرق ضالة وجماعات موغلة في الهمجية والتعصب والإرهاب ونكران الجميل، لا عهد ولا اخلاق ولا خلاق ولا ذمة ولا عهد، يرونهم ضالين، فباعوهم من اول الطريق.
(3) القرارات أحادية الجانب والقرارات الفردية التي تفتقر إلى تقدير الواقع وتقدير القوى القديمة والمؤسسات العميقة والقوى الخارجية المؤثرة.
(4) الفشل الإعلامي الذريع في بيان الفكرة الإخوانية في إدارة الدولة وما هو المشروع الإصلاحي الذي جاءت به وهل هو مشروع عميق تقوم عليه كوادر مؤهلة ام انه مجرد مشروع دعائي لا حقيقة خلفه. (5) تفاقم الأزمات: فلم تنجح الجماعة في تقديم حلول ابتكارية للمشكلات الاقتصادية الموروثة، وانا لا أنكر المكائد الكبيرة والدعاية المضادة المهولة ولكن كل ذلك يتوقعه أقل الناس حزما فكيف لم يعمل له الاخوان الف حساب.
(6) الجمود التفاوضي والتصلب والعنجهية التفاوضية فقد اختار المرشد مجموعة من المفاوضين المتعجرفين لا يتقنون إلا الخطب العنترية الجوفاء وهم مغرمون بالمواجهة والصياح والعويل اكثر من حرصهم على إدارة الازمات وحل المشكلات.
(7) الجمود الفكري في مواجهة الازمات فلا توجد رؤية سياسية واضحة تتماشى مع متطلبات الدولة، وما يحيط بها من مخاطر وما يحل بها من أزمات، ولا يوجد لديها علاج للمشكلات ولا منع الانقسامات ولا كسب الأصدقاء، بل لها موهبتها الخاصة في استعداء الأعداء وخسارة الأصدقاء.
(8) عدم الشفافية في طرح الأمور أين وصلت امام الشعب حتى يكون على بينة من الأمور، فلابد من وجود اهل فراسة علموا أين تسير الأمور فكان لابد من اطلاع الشعب على المستجدات، وهكذا ظل خطابها أسير تنظير متضارب عتيق لا يصلح لا للازمات ولا للمستجدات، ولا لعلاج المعضلات، وسيقولون: أنّ سبب الفشل هو المكائد والمؤامرات، والتساؤل المنطقي: ألم تكونوا تتوقعون تلك المؤامرات، والطامة ليست في ذلك كله، وإنما هي في إدارة الازمة بعد عزل الدكتور مرسي رحمه الله، فقد ظهر واضحا استهانة القيادة بالكوادر الشبابية المخلصة واهدارها بلا جدوى ولا فائدة، وليس ادل على ذلك من قول المرشد العام (صدورنا اقوى من الرصاص) وهذه مقولة تنم عن تسرع وتعنت واستهتار بأرواح الكوادر الشبابية لدى الاخوان وقد كان اكثرهم من حفظة القرآن، وكانت النتيجة أنهم أضاعوا زهرة شباب الجماعة بلا طائل وكان العقلاء والحكماء يتوسلون إليهم ويقبلون أيديهم أن يقوموا بفض اعتصام رابعة سلميا لان الامر قد انتهى، ولا طائل من تحدي السلطات سوى استعدائها وما يؤول إليه هذا الاستعداء من دخول البلاد في الهرج والمرج وسفك الدماء، ولكن التعنت والجهل الفاضح بعلم السياسة الشرعية والاستهانة بالدماء وتعريضها للموت بلا طائل كان هو السائد ولولا لطف الله لكانت الخسائر اكبر بكثير، فقد جمعوا كوادرهم المخلصة في مكان واحد، (ميدان رابعة) وجازفوا بهم وعرضوهم للهلاك، وكان يمكن للقيادة الجديدة إن ارادت ان تحاصر الميدان من كل جهة فلا يخرج احد على قيد الحياة ووقتها كانت البراميل المتفجرة تلقى على المتظاهرين في سوريا فلا المجتمع الدولي تحرك ولا حرك ساكنا، وكان يمكن للقيادة المصرية ان تفعل ذلك بالمعتصمين في رابعة، فلا أدري كيف أتعجب من مجازفة قيادات الإخوان بحياة الشباب بلا طائل ولا جدوى، فقد مات منهم من مات والبقية يقضون أعمارهم في المعتقلات والسجون وكل هذا يعكس المدى السطحي والضحل لفهم السياسة الشرعية في إدارة الازمات، والعجيب انه حتى اليوم لا توجد مراجعات لتلك القيادات عما اقترفته من ظلم وحمق في حق كوادر الإخوان، ووالله لو كانت تلك الكوادر التي تمثل زهرة الإخوان قططا وليست بشرا لأشفق عليها كل مسلم يخشى الله ويتقيه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، هذا فيما يتعلق بعلم السياسة الشرعية الذي نحن بصدد تأصيل قواعده وذكر مفاتيحه، أما بقية الجوانب فأمرها هين، لقد انتهت التجربة بالفشل الذريع، والشماعة جاهزة لابد للمؤمن من الصبر على سنّة الابتلاء، فهي سنة الله ولن تجد لسنّة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا والتساؤل الجدي لماذا هذه السنّة بالذات هي التي تلازم الاخوان ألم يسمعوا عن سنن النصر والتمكين وسنن الفلاح والنجاح، أم انّ الامر لا يعدو شماعة الفشل الجاهزة لكل مصيبة يفتعلونها يهدرون بها كوادرهم منذ عهد الملك مرورا بجمال عبد الناصر والسادات ومبارك والامر لا يزال على حاله في زماننا المعاصر فلا مراجعات ولا تراجعات كالفراش لا يجد الراحة إلا إن القى بنفسه في اتون النار، والخلاصة: انتهت التجربة بعزل الجماعة من السلطة في 2013، وفقدانها لكوادرها وزهرة شبابها بعديد من الأسباب أهمها الجهل بعلم السياسة الشرعية في تيسير أمور الدولة وما لا يدرك كله لا يترك جله، والتصلب في المواقف وسوء التقدير السياسي مع القريب والبعيد، والمراهنة على التيار الوهابي الذي ليست لأكثرهم عهد ولا ذمة، ونقص الكفاءة الإدارية أضف إلى ذلك قوة مقاومة مؤسسات الدولة العميقة فكانت النتيجة المتوقعة الفشل الذريع والخسارة الفادحة.
[المفتاح الخامس]: ومن المآخذ العلمية التي تتعلق بمنهاج أهل السنّة والجماعة والدقة في تحديد إطار الفرقة الناجية، وأهم تلك المآخذ: مآخذ تتعلق بمباحث الإيمان والتكفير، وضرورة التفريق فيها بين منهج الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله – وتلامذته، وبين منهج تلامذة الشهيد سيد قطب – رحمه الله -، ولهذا كان موقف الأستاذ حسن الهضيبي رائعا عندما تصدى لفتنة التكفير في كتابه دعاة لا قضاة، وهذا هو الخط الاساس في جماعة الإخوان المسلمين، ولكن لا يمنع من وجود تيار قطبي قيادي داخل الإخوان وصل إلى مكاتب الإرشاد يتبنى قضايا أكثر تشددا في هذا الباب وفي أبواب التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، لقد تسربت بعض الأفكار الحشوية إلى الإخوان عن طريق القطبيين، ومن ثم نفست سمومها وغلوها داخل بعض صفوف الإخوان، مما ينبغي الحذر منه، وهناك مآخذ علمية تتعلق بعدم الحزم وعدم الدقة والتميع في تبني جوانب الصواب الشرعية عند التعرض للخلاف بين مدارس التخصص العلمي وبين معارضيهم من غير المتخصصين، ومثال ذلك: الخلاف العلمي بين (أهل السنّة الأشاعرة) وبين السلفية المعاصرة التي تميل إلى الحشو على حساب التقديس بسبب جهلها بهذا العلم وعسر هضمها له مهما ادعت المعرفة به وشقشقت الكلام في مباحثه، ومثاله أيضاً: التميع في تبني جوانب الصواب الشرعية عند التعرض للخلاف بين الصوفية وبين بعض أهل السلفية المعاصرة التي تميل إلى تبديع التصوف برمته وإن كان صحيحا، وإلى الإجهاز عليه والقضاء على أهله دون تفريق بين أهله الصالحين وبين أدعيائه المفسدين، والتصوف ثلث الدين، فإنّ للدين ثلاثة مراتب هي: الإسلام والإيمان والإحسان، تخصص في مرتبة (الإسلام) الفقهاء، والمدارس المتخصصة فيه هي المذاهب الفقهية الأربعة، وتخصص في (الإيمان) الأصوليون والمدارس المتخصصة ثلاثة هي الأثرية والأشعرية والماتريدية، وتخصص في (الإحسان) أهل التصوف السني الصحيح ومدارسه معروفة متعددة، ولابد من احترام التخصص، ولا مناص منه، أمّا التميع العلمي ومجاملة أهل الضوضاء والشغب على حساب أهل التخصص والفضل فلا يجوز في دين الله تعالى ولا ينبغي، وهذا من أسباب عدم التوفيق والنجاح، والله اعلم.
[المفتاح السادس]: لقد انحاز الإخوان المسلمون إلى المنهج السلفي الوهابي المتشدد على حساب أهل التخصص العلمي، وربما كانت البداية مصاحبة للحملة الناصرية على الجماعة، وفرار عدد من قادتها واستقرارهم بدول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية محضن الدعوة السلفية بمفهومها الوهابي المتشدد، فكان لا مفر من التأثر بالبيئة مع المعايشة لها، فالمؤسسة الدينية هناك كانت تفرض رؤيتها الدينية، خاصة في مجال المعتقد السلفي، فكانت تفرض على كل الأئمة والوعاظ والدعاة ومقيمي الشعائر ومدرسي اللغة العربية الاختبار في العقيدة السلفية للتأكد من أن الشخص ليس أشعريا أو صوفيا وإلا تم ترحيله على الفور، أضف إلى ذلك جهود القطبيين – وأكثرهم اليوم قيادات الإخوان – المستمرة في جذب الوسطية الإخوانية نحو المنهج السلفي المتشدد على حساب أهل التخصص العلمي، الشاهد لقد تم جذب الوسطية الإخوانية التي بناها الإمام البنا إلى التقارب مع الوهابية السلفية المتشددة على حساب التخصص العلمي، وكان لذلك أكبر الأثر في فقدانها الوسطية النموذجية، وأثر على علاقتها بكافة الفصائل والطوائف الإسلامية الأخرى، ولم ترض عنهم الاتجاهات السلفية الوهابية المتشددة بالطبع، لأنّ السلفيين والوهابية أنفسهم لا يرضون عن أنفسهم إلا بالمبالغة في إظهار التشدد حتى لا يتهم أحدهم ببدعة التهاون في أمر الدين، لقد ارتفعت أسهم الرافد السلفي داخل الجماعة على حساب الاتجاه الوسطي حتى وصلنا إلى دعاة الإخوان المتوهبين الذين جمعوا بين الإخوان والسلفية المعاصرة الموافقة للمزاج الوهابي المتشدد، وهؤلاء هم اليوم أكثر مصادر التثقيف والدعوة بين الإخوان.
[المفتاح السابع]: أخطاء في المواقف العقدية التي تتعلق بالفرق الضالة، (خاصة الشيعة الإمامية والوهابية) وتصويب تلك المواقف
(أ) لقد كان ولا يزال موقف الإخوان من الشيعية موقفا متساهلا: وذلك بسبب منهج الجماعة القائم على الإفراط في إحسان الظن بالمسلمين وعدم التدقيق على خلفياتهم العقدية، حتى لو كان انتمائهم لفرقة من فرق الضلالة، في البداية شجع الإمام حسن البنا دعوة التقريب مع الشيعة، وكان من المؤيدين لجماعة التقريب في مصر، وذكر الشيخ مصطفى السباعي، المراقب العام للإخوان في سوريا في كتابه ” السنة النبوية ” موقفه المؤيد للتقريب مع الشيعة، والاستاذ عمر التلمساني، المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين كتب مقالاً في مجلة الدعوة العدد 105 يوليو 1985 بعنوان (شيعة وسنة) قال فيه: التقريب بين الشيعة والسنة واجب الفقهاء الآن، وقال فيه أيضاً: ولم تفتر علاقة الإخوان بزعماء الشيعة فاتصلوا بآية الله الكاشاني واستضافوا في مصر نوّاب صفوي، وقال أيضاً: ” وبعيداً عن كل الخلافات السياسية بين الشيعة وغيرهم، فما يزال الإخوان المسلمون حريصين كل الحرص على أن يقوم شيء من التقارب المحسوس بين المذاهب المختلفة في صفوف المسلمين “، وقال أيضاً:” إن فقهاء الطائفتين – يقصد السنّة والشيعة – يعتبرون مقصرين في واجبهم الديني إذا لم يعملوا على تحقيق هذا التقريب الذي يتمناه كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها “، وقد أبرق الإخوان المسلمون على لسان المرشد آنذاك: الشيخ حامد أبي النصر البلاغ التالي: ” الإخوان المسلمون يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخميني، القائد الذي فجر الثورة الإسلامية ضد الطغاة، ويسألون الله له المغفرة والرحمة ويقدمون خالص العزاء لحكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية والشعب الإيراني الكريم، إنا لله وإنا إليه راجعون ” ([16]) .
والشيخ العلامة محمد الغزالي يقول في كتابه “كيف نفهم الإسلام” ص 142:” ولم تنج العقائد من عقبى الاضطراب الذي أصاب سياسة الحكم وذلك أن شهوات الاستعلاء و الاستئثار أقحمت فيها ما ليس منها فإذا المسلمون قسمان كبيران (شيعة وسنة) مع أن الفريقين يؤمنان بالله وحده وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يزيد أحدهما على الآخر في استجماع عناصر الاعتقاد التي تصلح بها الدين وتلتمس النجاة“) أهــ ، وقال أيضاُ: (وكان خاتمة المطاف أن جعل الشقاق بين الشيعة و السنة متصلاً بأصول العقيدة!! ليتمزق الدين الواحد مزقتين وتتشعب الأمة الواحدة إلى شعبتين كلاهما يتربص بالآخر الدوائر، بل يتربص به ريب المنون، إن كل أمرئ يعين على هذه الفرقة بكلمة فهو ممن تتناولهم الآية {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} ، وقال أيضاُ: ( فإن الفريقين يقيمان صلتهما بالإسلام على الإيمان بكتاب الله وسنة رسوله فإن اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية و التشريعية فإن مذاهب المسلمين كلها سواء في أن للمجتهد أجره أخطأ أم أصاب”، ثم يقول:” إن المدى بين الشيعة و السنة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة والمذهب الفقهي لمالك أو الشافعي”، ثم يختم الغزالي كلامه بقوله: ” ونحن نرى الجميع سواء في نشدان الحقيقة وإن اختلفت الأساليب” أهـ، ([17]) .
وقال المستشار سالم البهنساوي أحد مفكري الإخوان: منذ أن تكونت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية والتي ساهم فيها الإمام البنا والإمام القمي والتعاون قائم بين الإخوان المسلمين والشيعة، وقد أدى ذلك إلى زيارة الإمام نواب صفوي سنة 1945 م للقاهرة، ولا غرو في ذلك فمناهج الجماعتين تؤدي إلى هذا التفاهم، وقد منح الأستاذ فتحي يكن – وهو من أبرز زعماء الإخوان وقادتهم – الخميني الرافضي لقب مجدد الإسلام إذ قال: (قلة قليلة من مجددي الإسلام في هذا العصر الذين طرحوا الإسلام كبديل عالمي، والإمام الخميني رحمه الله يعتبر من هؤلاء([18]) .
نعم لقد شعر الكثير من الإخوان فعلا بخطر هذه الفرقة الرافضية، وتراجعوا عن التقريب بين أهل السنة وبينهم لما علموا بحقيقة ما عليه أهل التشيع من الاعتقاد الضال، والنية السوداء تجاه أهل السنّة والجماعة , ومن هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي بعدما تبين له ما عليه أهل الرفض من العداء للإسلام وأهله، لقد انشغل الإخوان منذ بدايتهم بمفهوم الوحدة الإسلامية، وكان هذا من مبادئهم التي غرسها الإمام حسن البنا اقتداءً بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، حتى اشتُهِر عنه قوله ” نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”، وهو مفهوم صحيح، لو وُضِع في مكانه الصحيح، والمتمثل في التعاون بين المسلمين من أهل السنة من أهل المذاهب الفقهية المختلفة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وبين الجماعات العاملة للإسلام،،، ولكن الإخوان طبَّقوا هذا المفهوم دون وعي على أهل البدع والأهواء من الشيعة المارقين المحاربين لأهل السنة، أضف إلى ذلك القصور في التحليل السياسي للوضع الحقيقي للشيعة في إيران، مثل المذابح التي أقامها الشيعة في العراق للسنة من أهله، والتي قضوا فيها على عشرات الآلاف منهم، ومثل تعاونهم الفاضح مع القوات الأمريكية، وقيامهم بتهجير العائلات السنية بالقوة من بعض المدن العراقية، والقتل على الهوية، وكاستيلائهم على المراكز القيادية في الدولة العراقية بمساعدة ودعم قوات الاحتلال الأمريكي بعد نشر وترويج أكاذيبهم حول تعدادهم في العراق، حتى جعلوا أنفسهم أغلبية بالتزوير الفاضح، حيث السنة في الحقيقة هم الأغلبية، كما أنّ المشروع الشيعي الإيراني مشروع لضرب أهل السنّة في سوريا والعراق والعالم كله، كما أنّ التحالف الغادر بين إيران وإسرائيل وأمريكا إنما هو تحالف لأجل ضرب الإسلام الحقيقي المتمثل في أهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الثامن]: الموقف الضبابي من الوهابية: مع انّه يجب الحذر كل الحذر من كل قول أو فكر أو رأي جاءت به الوهابية مخالف لما عليه أهل السنّة والجماعة، وذلك لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء لنجد وذكر انها أرض الفتن ورأس الكفر ومنها يطلع قرن الشيطان، فالحذر الحذر من كل ما خالفت فيه تلك الفرقة لمذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة أو في الفقه أو في التصوف، ولم يرد في السنة النبوية ذكر للفرقة (الوهابية) صراحةً، لأنّ هذا المصطلح ببساطة نشأ لاحقاً نسبةً إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري حيث ظهر بنجد وكانت له دعوته الوهابية التي جمعت ما بين الحشو والتجسيم وما بين الخروج والتكفير وأضافت إلى ذلك مذهبا جديدا في التوحيد يفوق الخوارج القدامى غلوا وتكفيرا وسفكا لدماء المسلمين، بدعوى عدم فهم معاني الشهادتين وعدم فهم حقيقة التوحيد، واتهموا الامة كلها -عداهم- بالشرك والكفر، وكانت فتنة اكلت الأخضر واليابس في نجد والحجاز وعم غلوها أغلب أقطار الدول الإسلامية، و لا زالت آثارها إلى اليوم نعاني منها أشد العناء، حشو وتجسيم للذات الإلهية وغلو في التكفير والتشريك والتبديع ومحاربة التخصص الإسلامي المتمثل في مدارسه المعروفة في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطر هذه الفرقة بما اعلمه الله من علم الغيب، وأول ذلك امتناعه عن الدعاء لنجد وذكر انّ منها يطلع قرن الشيطان، وانّ راس الكفر هناك حيث الفخر والكبر والخيلاء، وأن بها الزلازل الدينية والفتن العظيمة التي تفتن المسلمين عن دينهم، والتي تعوذ منها النبي صلى الله عليه وسلم (أ) روى البخاري عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([19]) .
(ب) وروى البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان) ([20]) .
(ت) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم ) ([21]).
(ث) وروى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([22])
وفي رواية لمسلم: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([23]) .
(ج) وروى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ([24]) .
(ح) وروى مسلم عن أبي مسعود قال ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: (ألا إن الإيمان ههنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([25]) .
المقصود الحقيقي بنجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: هو إقليم نجد المعروف بالسعودية لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية، وأهل المشرق لساكني المدينة المنورة هم أهل نجد وليس أهل العراق، فكان الأحرى بالألباني أن يتق الله ولا يلوي أعناق النصوص ليزعم انّ نجد المقصودة هي العراق، فلا مشرق للمدينة إلا نجد، والابل لا تُعرف إلا في نجد، وربيعة ومضر لا نعرفها إلا في نجد، فليتق الله كل متقول يريد ان يٌبعد عن نجد مسبة أنها أرض الفتن وان بها رأس الكفر وان منها يطلع قرن الشيطان، فأول ذلك مسيلمة الكذاب وآخرهم الحشوي المجسم الخارجي الموغل في التكفير والتشريك والتبديع واستحلال دماء المسلمين وأموالهم محمد بن عبد الوهاب النجدي المعروف، وتلامذته يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية فلم المكابرة ونفي ان تكون نجد هي المقصودة بالأحاديث ولا نعلم نجدا في الدنيا سواها، وخصوصا أن أهلها مقرون بذلك وانظر كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) لعلماء نجد، أو كتاب: (عنوان المجد في تاريخ نجد) لابن بشر، وكتاب (تاريخ نجد) للشيخ حسين بن غنَّام، فكلها قد تسمى بنجد فلم المكابرة ولماذا التدليس، وفظائعهم في بلاد المسلمين معروفة وقد استباحوا دماء المسلمين في المساجد، وقتلوا العلماء وأغاروا على كل البلاد في نجد والحجاز وابادوا قبائل بكاملها ونهبوا أموال المسلمين واستحلوا حرماتهم ودماءهم وفتكوا بكل من طالته أيديهم من المسلمين بسبب عقائدهم الزائغة واخلاقهم المنحرفة، ومن قرأ كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) أو كتاب: (عنوان المجد في تاريخ نجد) لابن بشر، أو كتاب (تاريخ نجد) للشيخ حسين بن غنَّام فإنه سيجد فيهما العجب العجاب من تكفير أهل القبلة واستحلال حرماتهم، وكانوا أشبه بقطاع طرق يستغلون الدين من أجل التكسب للدنيا وكانوا همجا لا يعرفون الرحمة عند مقاتلة المسلمين، وكم نكثوا من العهود وقتل الأسرى واتباع الفارين منهم يقتلون ويفتكون لا يعرفون إلا ولا عهدا ولا ذمة، حتى دانت لهم نجد ثم الحجاز ثم غالب الجزيرة العربية بقوة السيف والسنان والبطش والجبروت.
ومن كبر وخيلاء وغرور الوهابيين يرون أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، فأنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة شاذة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر الشيخ ابن تيمية ومدرسته، مع ما على هذا وذاك من ملاحظات وشذوذات في كل أبواب العلم، وقد علمنا تأثر الشيخ ابن تيمية بالحشوية القدامى واغتر بهم واتخذهم سلفا له ينسب قوله إليهم وينسب قولهم إلى السلف الصالح، وقد علمنا كذلك المفردات الشاذة التي أدخلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الدين في أبواب التوحيد والعقيدة والفقه والتزكية، وهكذا اختزل الوهابيون كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم على مر عصور الإسلام.
والاعجب أن الوهابيين صاروا يصنفون المذاهب العلمية واهل العلم وفق مقاييسهم المغلوطة، مما يمثل أكبر الخطر على صورة الدين وسعته ووسطيته واحترام تخصصاته العلمية العقدية والفقهية والصوفية، وهؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، والوهابيون يعملون ليل نهار من أجل احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم المغلوط للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء محمد بن عبد الوهاب، والوهابية عُرفت بمفردات شاذة في علم التقديس وعلم الإيمان وعلم التوحيد وعلم الاتباع كما عّرفت بمعاداتها للمدارس المتخصصة في العقيدة والتصوف، وهي ترفض مفردات عقدية أجمع عليها المتخصصون في العقيدة كالتقديس لله عن المكان والزمان والجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والابعاض والجوارح، وهي ترفض مفردات سلوكية أجازتها المدارس المتخصصة، ومن ذلك: التوسل والتبرك وزيارة القبور وهي ترفض كل مفردات أهل التصوف ويعتبرونها شركا أو ابتداعا في الدين، وهم مع ذلك لا يفوتون مناسبة أو فرصة ينسبون انفسهم إلى أهل السنّة والجماعة وانهم المتحدث الرسمي الوحيد والاوحد عن أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العلم في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وينسبون المدارس المتخصصة إلى البدعة والضلالة ولا يرضون إلا أن يكونوا هم أهل السنّة والجماعة ويرون انفسهم من يمثل الإسلام الصافي الخالص من الشرك ومن البدع، ومن دونهم مشركون أو كافرون أو مبتدعون، ولا يعلمون انهم أتوا بفهم لدين الإسلام يوازي ويزاحم ما عليه المتخصصون من مدارس أهل السنّة والجماعة.
[المفتاح التاسع]: من المآخذ العملية أيضاً: أخطاء واضحة في باب المواقف العقدية من الديمقراطية والعلمانية وابرام التحالفات مع أصحابها، لانّ دعوة الإسلام نقية كالثوب الأبيض أقل شيء يدنسها، وكذلك أخطاء في المواقف العقدية تتعلق بمعرفة حقائق المذهب الشيعي المتطرف وعداوته لأهل الإسلام، وأخطاء في باب المواقف السياسية والدعوية والحسبية والجهادية وتصويبها، وأخطاء في باب القيادة واتخاذ القرار وصياغة القرار وتصويبها، وأخطاء في باب الموازنات بين المصالح والمفاسد وتصويبها، ومتى استطاع الإخوان إعادة صياغة الموقف السياسي الشرعي الصحيح من النظام الحاكم. وإعادة صياغة الموقف الشرعي الصحيح من الديمقراطية والعلمانية ومؤسساتهما، وإعادة صياغة الموقف الشرعي الصحيح من التحالفات، وإعادة صياغة الموقف الشرعي الصحيح من الدعوة والحسبة والجهاد والعمل من أجل الإصلاح، متى أحسنوا ذلك – وهو الظن بهم – فسيكونون أقرب العاملين للإسلام إلى خدمة الإسلام.
و(الخلاصة) من أجل الإصلاح ينبغي على الإخوان:
(1) إعادة صياغة الموقف المتعلق بالمدارس التخصصية المعبرة عن أهل السنّة والجماعة في كافة التخصصات العلمية بعيدا عن أهل الحشو والتجسيم، (الأشاعرة والماتريدية) في العقيدة، والمذاهب الفقهية الأربعة في الفقه، ومناهج التصوف السني الرشيد في التزكية.
(2) إعادة صياغة الموقف السياسي الشرعي الصحيح من الأنظمة الحاكمة في أقطار المسلمين.
(3) إعادة صياغة الموقف الشرعي الصحيح من الديمقراطية والعلمانية ومؤسساتهما، وصياغة الموقف الشرعي الصحيح من التحالفات السياسية.
(4) إعادة صياغة الموقف الشرعي الصحيح من الدعوة والحسبة والجهاد والعمل من أجل الإسلام.
***
المبحث الثالث أخطاء التيارات الحسبية في باب السياسة الشرعية
[المفتاح الأول]: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام، متوقف على القيام به قيام الدين وحفظ شرائعه وتعظيم شعائره وعلو كلمته، ومتوقف عليه صلاح البلاد والعباد في دينهم ودنياهم، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وفي اهماله يظهر الفساد في البر والبحر وتنتشر المنكرات ويعم العذاب وتضيع عرى الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أبرز ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أبرز صفات المؤمنين، كما وصفهم الله تعالى بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب النجاة من عذاب الدنيا، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]، وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أسباب النصر والتمكين، قال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنِ يِنَصُرُهُ إنَّ اللهَ لَقَوىُّ عَزيزُ * الَّذيِنَ إن مَّكَّناهُم في الأَرضِ أقَامُوا الّصلاةَ وأتُوا الزكاةَ وَأمَرُوا بِالمعرُوفِ ونَهَوا عَنِ المُنكَرِ وللهِ عَاقِبةُ الأمُورِ} [الحج: 40، 41].
والاتجاه الحسبي هو الاتجاه القائم على ثغور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيقاً لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ويكون فرض عين على من يشاهده بحسب قدرته، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) ([26]) .
[المفتاح الثاني]: الأصل في إنكار المنكرات باليد أنه حق لولي الأمر (الدولة) ومن ينوب عنه من الجهات المختصة، كالشرطة والهيئات الرسمية المختصة بذلك، ولا يجوز للأفراد آحاداً القيام به، فلا يجوز لآحاد الناس الاحتساب باليد (تغيير المنكر فعلياً) في وجود دولة قائمة ومستقرة، بل يجب الاقتصار على الإنكار باللسان والقلب، وذلك لانّ تغيير المنكر باليد هو من اختصاص سلطات الدولة (الشرطة، الهيئات الرسمية) تجنباً للمفاسد العظيمة، والفوضى، واختلال الأمن، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه)، فتغيير المنكرات باليد سيؤدي إلى مفسدة أكبر، فيسقط وجوب الإنكار باليد، ويقتصر على اللسان، والواجب على المسلم في ظل الدولة النصح، التوجيه، والإبلاغ عن المخالفات، وليس أخذ حق القانون باليد.
[المفتاح الثالث]: مراتب إنكار المنكر: الأصل في ذلك حديث أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- مرفوعاً ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) ([27]) . وعن عبد الله ابن مسعود –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل،،))([28]) .
وفيما يلي مراتب إنكار المنكر: (المرتبة الأولى): الإنكار باليد وشروطه: وهي أقوى مراتب الإنكار وأعلاها، وذلك كإراقة الخمر، وكإلزام الناس بالصلاة، وبحكم الله الواجب اتباعه ونحو ذلك، وذلك لمن كان له ولاية على مرتكب المنكر كالسلطان أو من ينيبه عنه كوالي الحسبة وموظفيه كل بحسب اختصاصه وكذا المسلم مع أهله وولده، يلزمهم بأمر الله، ويمنعهم مما حرم الله، باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام يقوم بهذا حسب الوسع والطاقة، فمن لم تكن له ولاية فلا يجوز له الافتئات على الشرع ولا يجوز له جمع الاعوان وتغيير المناكر باليد وإنما حده النصح باللسان وإبلاغ السلطات وبهذا تسقط عنه الفريضة.
و(المرتبة الثانية): الإنكار باللسان وضوابطه: وذلك حينما لا يستطيع من رأى المنكر تغييره بيده لعدم سلطته على مرتكبه، أو لما يترتب عليه من المفسدة، فإنه ينتقل إلى التغيير باللسان، وذلك بتعريف الناس بالحكم الشرعي بأن هذا محرم ومنهي عنه، فقد يرتكب المنكر لجهله به، فيمكن انكار المنكر عن طريق الوعظ، والنصح، والارشاد، والترغيب، والترهيب، ونحو ذلك من البيان، وهذه المرتبة يلتقي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدعوة إلى الله، فكلاهما بيان للحق وترغيب فيه، وتنبيه على الباطل، وتحذير منه، وتخويف وترهيب عنه، بما يناسب حال المخاطب ويقتضيه المقام([29]) .
ولتغيير المنكر باللسان أربع خطوات: الخطوة الأولى: التعريف باللين واللطف، والخطوة الثانية: النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى، والخطوة الثالثة: الغلظة بالقول: وهذه الخطوة يلجأ إليها المُنكر بعد عدم جدوى أسلوب اللطف واللين، فحينئذ يغلظ له القول، ويزجره مع مراعاة قواعد الشرع في ذلك، وعليه ألا ينطق إلا بالصدق، ولا يطيل لسانه بما لا يحتاج إليه بل على قدر الحاجة، والخطوة الرابعة: التهديد والتخويف: وهذه الخطوة هي آخر المحاولات في النهي باللسان، ويعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل كأن يقال لمرتكب المنكر: إن لم تنته عن هذا الفعل لأخبرن بك السُلطات لتسجنك وتعاقبك) أهــ([30]) .
و(المرتبة الثالثة): الإنكار بالقلب: إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان، انتهى إلى الإنكار بالقلب فيكره المنكر بقلـــبه، ويبغضـه، ويبغض أهله – يعلم الله ذلك منه – إذا عجز عن تغييره بيده ولسانه – وهذا الواجب لا يسقط عن المؤمن بوجه من الوجوه، إذ لا عذر يمنعه ولا شيء يحول بينه وبينه، وليس هناك شيء من التغيير ما هو أقل منه، كما جاء في حديث أبي سعيد ((وذلك أضعف الإيمان)) يعني أقل ما يمكن به تغيير المنكر، وكذلك الحديث الآخر عن ابن مسعود رضي الله عنه ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))، أي لم يبق بعد هذا من الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن ويثاب عليه، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان، وبهذا يتبين لنا أن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الداعي إلى الله على علم وبصيرة، لا بد له من معرفة مراتب إنكار المنكر وضوابطها وخطواتها، والالتزام بالعمل بها، حتى ينجح في دعوته، وتؤتي ثمارها الطيبة.
[المفتاح الرابع]: من أهم المآخذ والأخطاء على التيار الحسبي: أنّ جماعات الحسبة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تقوم بتغير المنكرات في المجتمع باليد، دونما تقيد بدرجات الحسبة ولا مراحلها ولا ضوابطها، فكانوا يعترضون سبيل فرق الأفراح أثناء عودتهم من الأفراح ويقومون بضربهم وتحطيم آلاتهم، وكانوا أحيانا يهجمون على الأعراس التي بها تلك الفرق فيكسرون الآلات ويضربون المدعوين ويقلبون العرس إلى مأتم، ويصدون الناس عن دين الله تعالى بما يفعلونه من ضرب العباد وإفساد أعراسهم، وكانوا إذا زعم أحدهم وجود منكر في أحد البيوت كشرب خمر أو واقعة زنا اقتحموا البيت، وشهروا بمن فيه وهتكوا سترهم وضربوهم الضرب المبرح، فكانوا هم الشرطة وهم القضاة وهم الجلادون، وكانوا مغرمين بحرق محلات الشرائط بدعوى وجود مخالفات شرعية بها فيحرقون محلاتها بمن فيها، وكثيرا ما قاموا برش ماء نار على المتبرجات بدعوى أنهن قائمات على منكر فيشوهون اجسادهن ووجوههن ما بقي من أعمارهن، كما كانوا يتوجهون إلى الأسواق والحدائق العامة للبحث عن المنكرات وتغييرها باليد مستدلين بالحديث الذي لم يعرفوا فقهه آنذاك: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) [أخرجه مسلم]، فكانوا يظنون أنّ البدء بالتغيير باليد دليل على قوة الإيمان، وكان أكثر ما يقومون به من الحسبة داخل المساجد، وغالبها على المسائل الاجتهادية المختلف فيها فقهياً، والتي فيها السعة، كالتلفظ بالنية و الجهر بختم الصلاة و القنوت في الفجر، فلا يراعون حرمة المساجد، ويملئونها بالضجيج والتشاجر ورفع الصوت والتخاصم وربما وصل الأمر إلى ضرب المصلين، أمّا بيوتهم فلم تخلو من التشاجر مع الوالدين بزعم إنكار المنكر، وتحطيم أجهزة التلفاز، واعرف أحدهم كان أبوه يتفرج على التلفاز فباغته وألقى التلفاز من الدور الرابع فأصبح هشيما، وقاطعه أبواه، وقطع رحمه بسبب التنطع في إنكار المنكر وتغييره مباشرة باليد دون تقيد بدرجات ومراحل تغيير المنكر التي أقرها الفقهاء، فكانت تلك الاخطاء الجسيمة من أسباب الصدام مع السلطات بما يسببونه من افتئات عليها، ومن أسباب الصد عن الدعوة إلى الله، وتنفير الناس عنها، ومن أسباب ذعر الشعوب المسلمة من تطبيق شرع الله تعالى ظناً منهم أنّ ما يفعله هؤلاء المحتسبون هو تطبيق الشرع كما أراده الله تعالى.
ومن أجل تصحيح مسار الاتجاه الحسبي، أنقل ها هنا مقتطفات مفيدة من كتاب النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين، وذلك من أجل ترشيد الاتجاه الحسبي وترشيد مسيرته من أجل تصحيح المسار.
[المفتاح الخامس]: مقتطفات مفيدة من كتاب النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين، تأليف وإعداد: علي محمد علي الشريف، وأســــــامة ابراهيم حافظ، والكاتبان كانا من قيادات العمل الحسبي في جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كانا ضمن قيادات حسبية تقوم بتغير المنكرات في المجتمع باليد، ثم بعد أن رأوا آثار الأعمال السلبية على الدعوة وعلى الحسبة وعلى المسلمين، كانت المراجعات، وليست الفضيلة في عدم الوقوع في الخطأ، وإنّما هي أكمل عند الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار، فلله درهما، يطرح الكاتبان في المقدمة سؤالا هاماً يقول: لماذا المراجعة الآن؟ ويجيبان على ذلك: (أسباب كثيرة توجب هذه المراجعة ابرزها اكتشاف الأخطاء والأوبة منها، وتصحيح المسار، وكف النفس عن العجب والغرور بما تعلم من أخطائها لتتواضع لله وتخشع له، هذا عن أثرها في اثراء الفقه بالحوار مع النفس والغير، وتنشيط روح الاجتهاد، والتخلي عن الجمود على القديم وادعاء العصمة له مع تأكيد مرجعية الشرع، والتخلص من المرجعيات الدنيوية للأشخاص أو المبادئ والافكار ولا يخفى أثر تكرار المراجعة في تربية المجتمع على إحسان الظن بالناصحين وافتراض الصدق فيهم، فالحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق الناس بها).
الباب الأول: الإخلاص في الحسبة: يبدأ المؤلفان هذا الباب بقولهما: (تتعدد صور التجاوز في عملية الاحتساب، فلكم رأينا وسمعنا عن بعض من تصدى لهذا الأمر لا لشيء إلا لأنه يوافق رغائبه في التسلط والقهر على الناس، فسمعنا عن بعضهم يتغافل عن بعض مراحل الاحتساب اشباعا لشهوة العنف، بل انه كثيرا ما يحزن ان زال المنكر قبل قدومه لأنه حرم لذة التشفي من صاحب المعصية، ولو كانت نيته صالحة لكان فرحه بزوال المنكر قبل وصوله أشد اذ أن المحتسب الصادق لا يبغى إلا الخير للناس.
الباب الثاني: إياكم والظن: الظن السيئ كما عرفه ابن كثير (التهمة والتخون في غير محله، وعدم التحقيق في الأمور، والحكم على الشيء بدون دليل) و(وتكمن خطورة انتشار ظاهرة الظن السيئ في المجتمع ان افراده لا يشعرون بالأمان والاستقرار تجاه بعضهم، اذ يتربصون بكل كلمة أو حركة تصدر من الآخرين لكي تبنى عليها جبال من الخيالات والأوهام والتوقعات السيئة التي تتحول في النفس الى حقائق يتعامل افراد المجتمع بعضهم البعض على أساسها، فيتجهم في وجه هذا ويقاطع هذا، بل وقد يضرب أو يقتل الآخرين مستنداً على هذه الظنون المتراكمة في خياله المريض بينما هي لا وجود لها في الواقع،([31]) .
الباب الثالث: ولا تجسسوا: يعرف المؤلفان التجسس كما عرفه الألوسي: (هو البحث عما هو مخبأ من احوال الناس وهو من الجس أي اللمس لمعرفة حقيقة الملمس) وكذلك النهي القرآني صريح في قوله تعالى: {ولا تجسسوا}، وكذلك النهي النبوي: (ولاتحسسوا ولاتجسسوا) وقوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الايمان الى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فانه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) “،([32]) .فالمنكر حرام والتجسس بحثا عنه حرام ولا ينبغي الوقوع في محرم مقطوع به عند صاحبة وهو التجسس للبحث عن محرم مظنون قد يكون موجودا وقد لا يكون، قال رجل لعمر رضي الله عنه: (ان فلانا لا يصحو، لا يفيق من الخمر فقال: انظر الى الساعة التي يضع فيها شرابه فأتني فأتاه، فقال قد وضع شرابه فانطلقا حتى استأذن عليه فعزل شــرابه ثم دخلا فقال عمر: (والله اني لأجد ريح الشراب) فقال: (يا بن الخطاب وانت بهذا الم ينهك الله عن التجسس فعرفها عمر فخرج وتركه)، وفي نهاية هذا الباب يقول المؤلفان: (فلينتبه كل من يتصدى للاحتساب لذلك الخط الأحمر فلا يتشوق الى المنكرات، ولا يتلصص على البيوت، ولا يعترض رجلا يسير مع امرأة دونما ريبة أو يسأل من تلك التي معك فكل هذا وأمثاله تجسس منهي عنه، ويسوق الإمام الغزالي في إحيائه نماذج للتجسس المذموم وعلى منوالها فقس إذ يقول: فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبره بما في داره.
الباب الرابع: لو سترته بثوبك: يقول المؤلفان في هذا الباب أن التشهير بصاحب المعصية يكسر حواجز الحياء التي تمنعه من التبجح و المجاهرة بمعصيته وتشيع هذا المنكر بين الناس وتولد في قلوبهم الاستهانة به، لذا كان الستر على صاحب المعصية ضابطاً هاما يحيط هذا الواجب العظيم بروح التواضع والدعوة وينظمه في منظومة الإسلام المتكاملة، وأعظم الدروس درس النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الأنصار الذين جاءوه بمولى لهم قد زنى ليقيم عليه الحد وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يسأله تفاصيل إقراره ويفتح له أبواب النجاة وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ” ([33]) . وهنا منع صلى الله عليه وسلم وليها من تعييرها والتشهير بها، وفي حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم:” من رأى عورة فسترها كان كمن استحيا موءودة من قبرها “([34]) . وفي حديث ابن عباس يرفعه:” من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته “،([35]) .
ويقول المؤلفان في ختام هذا الباب:” نعم الستر هو هدى النبي صلى الله عليه وسلم في الاحتساب على أصحاب المنكرات ” وقد وعد الشارع الحكيم من يستر على صاحب المعصية بالستر في الدنيا و الآخرة بل وبدخول الجنة وذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:” من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا و الآخرة” وكذا في حديث أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:” لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة “،([36]) .
ثم يقولان: ولا يخفى أن الستر على أصحاب المنكرات يعد من أهم واقيات المجتمع من إشاعة الفاحشة و انتشارها بين الناس، و هو الهدف الأساسي من الحسبة و التصدي لأهل الانحراف “،
الباب الخامس: لا ضرر ولا ضرار: يقول المؤلفان أن الاحتساب الذي يتسبب في إيقاع الأذى بالغير، والاحتساب الذي يتخطى قواعد الحسبة الشرعية كلها من التعدي المنهي عنه، ولذلك كانت القاعدة الشرعية التي يوجزها الحديث:” لا ضرر ولا ضرار” باباً هاماً من ضوابط الحسبة، ويضيفان ان الأصل أن الضرر يزال ولكن لا ينبغي أن تتم هذه الازالة عن طريق إلحاق الضرر بالآخرين، وفي نهاية الباب يستند المؤلفان إلى الإمام الغزالي حيث يقول:” فإذا تعدى الأذى في حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين محظور ” وهذا في الأقارب و الجيران و هم أرجى للتنازل عن الحقوق والمسامحة بها فكيف بمن بعدت شقته فهو بلا شك أولى.
الباب السادس: و لا تحمل الناس على مذهبك: يقول المؤلفان في هذا الصدد:” ولذلك تتعجب كثيراً عندما ترى البعض من قليلي العلم ومن لا اجتهاد لهم يتصدون بالحسبة من أمور جرت فيها العقول والإفهام مجراها واختلف العلماء منذ أن نشأ الفقه حولها،،”، ويقول الإمام الغزالي في الأحباء: “شرط تغيير المنكر أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر وتناوله ميراث ذوي الأرحام و جلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى ذلك من مجاري الاجتهاد ” ويضيف العز بن عبد السلام ثلاثة ضوابط تفصيلية وهي: أن من اعتقد تحريم شيء مختلف فيه ينكر عليه لأنه في اعتقاد نفسه واقع في حرام، أن من تبنى حل الشيء المختلف في حرمته لا ينكر عليه لأن مذهبه هذا الحل، أن من لم يعتقد حلاً ولا حرمة في المسألة محل الاجتهاد فإنه يرشـــد دون انكار، ويقول المؤلفان ” وبمثل هذه المعاني يعلق أبو يعلي في أحكامه على الاحتساب في الأمور محل الاجتهاد فيقول ” أما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في الانكار ألا أن يكون مما ضعف فيه الخلاف و كان ذريعة لمحظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة لربا النسيئة المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة ربما صار ذريعة إلى استباح الزنا “، ثم يقولان:” فإن الخلاف حتى لو كان ضعيفاً ما دام لا يؤدي لمفسدة فإنه داعي للإنكار فيه،،، “، ويخلص المؤلفان في هذا الباب إلى التالي: الأمور محل الاجتهاد لا إنكار فيها، لا يجوز الانكار إلا في الخلاف الشاذ الذي ينقض الحكم في مثله لمخالفته إجماعاً أو نصاً قطعياً، في المعاملات الخلاف الضعيف لا إنكار فيه إلا أن يؤدي إلى محرم متفق عليه هنا الإنكار على وجهين عند الشافعية والأفضل إرشاد المحتسب عليه للعقود محل الاتفاق، ونختتم بعبارة الإمام أحمد بن حنبل وهو يوصي كل محتسب على مر الزمان:” لا تحمل الناس على مذهبك ”
الباب السابع: من يحرم الرفق يحرم الخير كله: يقول المؤلفان أن من أهم آداب المحتسب التي نبه عليها العلماء و حذروا أشد التحذير من تجاهلها أنه يكون متحلياً بالعلم والرفق و الصبر ” فلا ينبغي للمحتسب أن يزيد النصيحة مراراً بأسلوبه الجافي الغليظ لتكون أدعى للقبول وذلك أن الحسبة ليست هدفاً بحد ذاتها وانما هي وسيلة لتحقيق مصلحة المجتمع، والرسول صلى الله عليه و سلم قدوة في ذلك وقد وصفه القرآن الكريم ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك “، وفي حديث لعائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه ” ([37]) . وعنها:” ان الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينتزع من شيء إلا شانه “([38]) . وفي الحديث أيضاً ” من يحرم الرفق يحرم الخير كله “([39]) .
ويفسر المؤلفان ذلك بقولهما ” يحرم خير الدنيا فيرفض الناس عمله وينفضوا من حوله ويتعرض للنبذ والزجر والإعراض ويحرم خير الآخرة ويحرم إرضاء الله تعالى وعظيم فضله ومنته”، ويشير المؤلفان إلى عدد من الآيات الكريمة التي تحث على حسن الخلق:” وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم “، ” وهُدوا إلى الطيب من القول وهُدوا إلى صراط الحميد “، أما في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نماذج عمليه في أدب الرفق في الحسبة والنصح، منها حديث الفتى الذي أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال:” يا نبي الله ائذن لي بالزنا، فصاح الناس به فقال صلى الله عليه وسلم: قربوه أُدن، فدنا حتى جلس بين يديه فقال له: أتحبه لأمك؟ فقال: لا جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا جعلني الله فداك، فقال له: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم،، “، وفيه أيضاً ” بال إعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال صلى الله عليه وسلم دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين “،([40])
ويقول المؤلفان:” إن الرفق قرين الحسبة وكذلك فإن القرآن قرن به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين الصبر على ما يصيب المحتسب في قوله سبحانه و تعالى:” يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور “، والصبر قرين الرفق والحلم والمحتسب كثيراً ما يتعرض لرد غير مناسب فإن كان غضوباً تحولت الحسبة إلى شجار، ويشير المؤلفان إلى مقتطفات من أقوال الإمام الغزالي في هذا السياق مثل:” فيجب تعريفه باللطف من غير عنف،، وذلك لأن ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والحمق،، والتجهيل إيذاء وقلما يرضى الإنسان أن ينسب إلى الجهل بالأمور ولا سيما بالشرع “، “وإذا كان التعريف كشفاً للعورة مؤذياً للقلب فلا بد وأن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق وهكذا يتلطف به ليحصل له التعريف من غير إيذاء فإن إيذاء المسلم حرام محذور وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو البول، ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل به محذور إيذاء المسلم – مع الاستغناء عنه – فقد غسل الدم بالبول “، ويشير الإمام الغزالي إلى آفة عظيمة وهي الاستعلاء ورمي الآخرين بالجهل:” وها هنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها فإنها مهلكة وهي أن العالم يرى عند التعريف عن نفسه بالعلم و ذل غيره بالجهل،،” فقد جاء في الحديث:” فلا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر “([41])
الباب الثامن: و بالوالدين إحسانا: ” وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ” أي منكر أشد من الشرك والدعوة إليه والمجاهدة على اتباعه ولكن الأمر مع الوالدين شيء آخر، ولذلك يخطئ كثيراً من يلتزم منهج الله عز وجل ثم تراه يتجهم لوالديه ويعاملهما أسوأ معاملة لأنهما على منكر كيف ذلك وقد منع القرآن حتى كلمة ((أف)) ” فلا تقل لهما أف”، وقد قرن الله الإحسان إليهما بعبادته فقال:” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ” وقال تعالى:” واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاَ وبالوالدين إحسانا “، ويقول المؤلفان: يخطئ كثيراً من ينسى إيجادهم له من عدم بأمر الله عز و جل وقيامهما على رعايته وتربيته، والله تعالى يقول:” ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ” ويقول:” ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين “، ” أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ” وفي الحديث:” رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة “([42]) .
وقال صلى الله عليه وسلم:” ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاُ: قلنا بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين “،([43]) . أما فيما يخص الحسبة مع الوالدين فلا يجوز معهما الزجر والنهي أو غير ذلك لأن الله أمر مصاحبتهما بمعروف، ويختم المؤلفان هذا الباب و يقولان:” والشرع منع الاحتساب عليهم بما يؤذيهم أو يضرهم و كذا منع أيضاً أن يحتسب على الغير فيؤدي احتسابه هذا إلى الإضرار بالوالدين مما نهى عنه في الاحتساب عليهم، بل هو ممنوع من كل عمل من شأنه أن يسبب أضراراً بوالديه من الغير، ويدللان على ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه و سلم:” إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، فقالوا: يا رسول الله وهل يسب الرجل والديه، قال: نعم يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه “([44]) .
الباب التاسع: العجز يسقط التكليف: يقول المؤلفان:” ولا يخفى أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر له مقصود حدده الشارع الحكيم، ومصلحة ينبغي أن تتحقق بحماية المجتمع من المفاسد والمساهمة في التصدي للانحراف وتحصيل مصلحة الدين والدنيا لكل من المحتسب والمحتسب عليه فإن تقاعد هذا العمل عن تحصيل مقصوده بل وأنتج مفسدة شديدة للمحتسب أو لغير المحتسب دون تحصيل مصلحة يصبح العمل هنا غير مطلوب وفي هذا المعنى يضع سلطان العلماء العز بن عبد السلام قاعدته الذهبية ” كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل ” ويقول المؤلفان ” والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف ككل تكاليف الشرع، يدخل تحت هذه القاعدة فلا يأتي المرء منه تكليفاً إلا ما كان في مقدوره ولا يطالب إلا بما يقدر عليه منه، يقول العز بن عبد السلام: من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن البعض فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه “، ويذكر المؤلفان قول الإمام الغزالي:” من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كون المحتسب قادراً،، ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه إذ كل من أحب الله يكره المعصية وينكرها،،” ويضيف الغزالي في هذا الشأن ” أن يجتمع المعينان –خوف المكروه وعدم تغيير المنكر – بأن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويضرب إن تكلم فلا تجب عليه الحسبة، بل ربما تحرم في بعض المواضع “، إذن فكل إيذاء في البدن أو المال أو الجاه يسقط التكليف بالحسبة و يتفاوت درجات النهي عن الأمر قرباً أو بعداً بقدر الضرر وقد تصل على التحريم الشديد “، ويخلص المؤلفان إلى مجموعة من النقاط في كل ذلك منها: أن التكليف مناطه الاستطاعة والعجز يسقطه، وأن الاستطاعة هي ما دون قدرة الإنسان وطاقته دون حرج ومشقة، وأن من العجز التعرض للإيذاء في البدن والمال والجاه، وإن سقوط التغيير باليد واللسان لا يعني سقوطه عن القلب بكراهية المنكر والزوال عنه، وإن من مسقطات الحسبة العلم بعدم جدوى الاحتساب في إزالة المنكر، وإن اجتماع المكروه وعدم الجدوى قد يصلان بالاحتساب إلى الحرمة، وإن من الضرر المسقط للاحتساب إيقاع الفتنة بين الناس وتمزيق صف المسلمين.
الباب العاشر: عدم الاحتساب باليد خشية وقوع ضرر أشد: بداية يتساءل المؤلفان ما إذا ظن المحتسب أن المنكر لن يزول بل ماذا لو غلب على ظنه أن المنكر سيتحول بحسبته إلى منكرات أعظم كثيراً من المنكر الذي تصدى له؟ هل يستمر في حسبته أم ينتهي عنها و يتوقف؟ وهل إذا استمر في حسبته متجاهلاً ما ينتج عنها من عواقب يكون محسناً أم مسيئاً؟ ويشير المؤلفان إلى أن بعض التصرفات التي وقعت مثل سكب ماء النار على وجوه المسلمات المتبرجات بدعوى الحسبة مما أثار الذعر بين النساء وتهييج المجتمع على المحجبات أو تحطيم الأضرحة المجهولة أو السعي إلى الإيقاع بشبكات الدعارة بأسلوب فوضوي لا يراعي ثوابت المجتمع و ظروف البلدة فيتسبب في وأد الدعوة لسنين طويلة، فالعمل في ظاهره حسبة وتصد لمنكر ظاهر ولكن المصلحة فيه مخالفة كما يقول الإمام الغزالي:”،،، عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي الوجوب بكل حال، ونحن إنما نستثني عنه بطريق التخصيص ما إذا علم أنه لا فائدة فيه إما بالإجماع أو بقياس ظاهر وهو أن الأمر ليس يراد لعينه بل للمأمور فإذا علم اليأس عنه فلا فائدة فيه “، ثم يقول المؤلفان:” فمن غلب على ظنه زيادة المنكر بالاحتساب حرم عليه بلا شك في ذلك،،”، ويختتمان هذا الباب:” و بقي أن نقول: هذا من فقه الحسبة قد غفل عنه بعضنا وتسببت هذه الغفلة أو التغافل في مفاسد عانينا ولا زلنا نعاني أثرها،، فإن شرائع الإسلام يكمل بعضها بعضاً لأنها من عند العليم الخبير ولا يمكن أن تتعارض أو تتصادم، فالحسبة لا يمكن أن تصطدم بالدعوة وإنكار المنكر يسير على التوازي مع هداية الخلائق وأي خلل في تطبيق شعيرة من الشعائر قد يؤدي إلى اضطراب يؤثر على شعائر أخرى “.
الباب الحادي عشر: ميزان الشريعة للحسبة الصحيحة: يقول المؤلفان أن هناك درجات ينبغي أن تمر بها عملية الاحتساب سواء من المحتسب المعين أو المتطوع و هي:
(1) التعريف: وهنا يفترض الفقهاء جهل المحتسب عليه أو أنه اذا عرف أنها معصية سوف يسارع إلى تركها، وعلى المحتسب أن يبين ذلك بالرفق واللطف والإيضاح.
(2) النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله.
(3) السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن: فينبغي ان يكون الكلام صدقاً فلا يجوز أن يوصف بما ليس فيه و كذا لا ينبغي ألا يكون فحشاً و يلزم أيضاً ألا يصل إلى القذف والرمي بالزنا وإنما يقال له ألفاظ تنم على الزجر، كما أن هذا لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاذ المرحلتين التي تسبقه وكذلك الالتزام بالآداب الشرعية.
(4) التغيير باليد: اعتاد الفقهاء إذا ما تعرضوا لمرحلة استعمال اليد في التصدي للجرائم والانحرافات أن يقسموها إلى مراحل ثلاث: (الأولى): قصد المنكر بالعنف دون صاحبه كانتزاع زجاجة الخمر أو المادة المخدرة مثلاً، (الثانية): التهديد بالضرب، (الثالثة): المباشرة في الضرب بعد فشل المحاولات الأخرى، ويشير المؤلفان إلى الضوابط الشرعية الصحيحة لتحقيق المصلحة و دفع المفسدة وهي: أن يكون المحتسب هو المعين وفي حالة غيابه يكون للفرد منع ما اصطلح المجتمع والقانون من المنكر والتصدي له، ولا يجوز إيذاء صاحب المنكر أو إيقاع العقوبة فهذه ليست من سلطته وإنما هي للقاضي و القاضي وحده، (5) شهر السلاح و جمع الأعوان: لا يجوز جمهور العلماء جمع الأعوان وشهر الأسلحة لإزالة المنكر دون الرجوع للسلطان والحصول على إذن.
الباب الثاني عشر: نماذج من التجاوز على أرض الواقع: يقول المؤلفان:” و نحن إذ نسوق هذه النماذج لا نبتغي من ذلك إلغاء الحسبة وهي فرض شرعي وإنما نذكر ذلك رجاء تقويم وتصحيح خلل شاع لكي ينضبط الناس بميزان الشرع.
(المثال الأول): اعتراض البعض سبيل من يمشي مع امرأة و هذا لا يجوز للمحتسب المتطوع أو المحتسب المعين، لأنه لا يجوز أخذ الناس بسوء الظن و الريبة وافتراض التهمة ويقول الماوردي ويوافقه أبو يعلى في أحكامهما السلطانية:” و إذا رأى وقفة رجل مع إمرأة في طريق سابلة – يعني مطروقة – لم تظهر منهما إمارات الريب لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار فما يجد الناس براً من هذا.
(المثال الثاني): اعتراض سبيل فرق الأفراح أثناء عودتهم من الأفراح و تحطيم آلاتهم وهذا فيه مخالفات منها أن الحسبة لا تكون إلا في منكر قائم ثم أن التعزير و الضرب من العقوبات الشرعية التي ليس على المحتسب – لاسيما المتطوع – أن يفعلها و إنما يفعل ذلك القاضي وبعد التحقيق والحكم كما أنّه لا يجوز ترصد أصحاب المنكرات والتلصص والتجسس عليهم لضبطهم بل الاحتساب يكون في المنكر الظاهر القائم.
(المثال الثالث): زعم البعض وجود منكر في أحد البيوت كواقعة زنا مثلاً واقتحامهم البيت والتشهير بمن فيه وضربهم وفي ذلك مخالفات شرعية كثيرة منها: أنه لا يجوز البحث عن منكر و التجسس لضبطه كما لا يجوز اقتحام البيوت على منكر مستور و التشهير بصاحب المنكر و ضربه لأن ذلك من اختصاص السلطة.
(المثال الرابع): كثيراً ما يرى البعض سكراناً في الطريق فينهالون عليه ضرباً وهذه مخالفة لأن السكران ليس قائماً على منكر فقد شرب وانتهى ثم ان الضرب تعزير وهو من اختصاص القاضي؟
(المثال الخامس): حرق محلات الشرائط بدعوى وجود بعض الشرائط بها مخالفات شرعية، وهذه مخالفة لأن المحل به شرائط مشروعة وأخرى غير مشروعة فلا يجوز أن يتعدى إزالة المنكر إلى الإضرار بما ليس بمنكر كما أن الذي أحرق لم يتدرج في درجات التغيير.
(المثال السادس): قيام بعض الشباب برش ماء نار على بعض المتبرجات بدعوى أنهن قائمات على منكر وهذا من أبشع المخالفات لأن المحتسب ليس من وظيفته عقوبة صاحب المنكر لأن هذا دور السلطات.
(المثال السابع): يقوم البعض في مواجهة بعض المسائل المختلف فيها فقهياً داخل المساجد كالتلفظ بالنية و الجهر بختم الصلاة و القنوت في الفجر بالتشاجر و رفع الصوت بل والتخاصم بما فيه فساد ذات البين وهذا فيه من المنكرات والأخطاء ما هو أشد مما توهمه المحتسب: (أ) أن هذه المسائل خلافية لا يجوز أصلاً الإنكار على فاعلها، (ب) أن ما يترتب على الانكار فيها من منكر كان أشد من المنكر المحتسب فيه، (ت) أن في ذلك إسقاط لهيبة المسجد و إفساد لعباده الموجودين في المسجد، (المثال الثامن): تحطيم الآلات الموسيقية في الأعراس والعبث في الأثاث وضرب المدعوين وفي ذلك مخالفات كثيرة إذ ان تحطيم العرس منكر عظيم وآثاره عظيمة أشد من أي منكر آخر متوهم يبرر ذلك، ثم ان أثر ذلك على المجتمع والناس منفر وضار يجب تجنبه كما أن تحطيم الأشياء المباحة من المحظور غير الجائز وفوق ذلك أن هذا الفعل يشكل استفزازاً أمنياً خطيراً يمثل تعدياً على سلطان الدولة.
(المثال التاسع): تحطيم التليفـــــزيون في المنزل بدعوى أنه يقدم منكرات وهذا مخالفة من عدة وجوه: (أ) التليفزيون كآلة تحمل الحسن و القبيح و لا يجوز وصفها بالمنكر إذ أن فيها من الخير الشيء الكثير، (ب) أن مثل هذا التصرف – مع عدم مشروعيته – من شأنه استعداء الوالدين والأهل دون مبرر شرعي على فاعله وعلى الدين ككل الذي يزعم أنه يأمره بذلك، وقد أمر الله بالإحسان إلى الوالدين لا باستعدائهما.
(المثال العاشر): قيام بعض الشباب في مجموعات و التوجه إلى الحدائق العامة أو الأسواق للبحث عن المنكرات لتغييرها والمخالفة هنا أن المنكر لا يجوز التنقيب عما غاب عنك، ثم ان جمع الأعوان وشهر السلاح لتغيير المنكر يرفضه جمهور الفقهاء لما يترتب عليها من فتنة، ويختتم المؤلفان هذا الكتاب بقولهما:” وكان لا بد من وقفة مراجعة وتصحيح وقفة توقف الصورة السابقة وتمحوها لتضع الصورة الصحيحة أمام الناس سواء من أراد منهم التصدي لهذا الواجب العظيم أم قصر به حاله، صورة تبين المحتسب كداعية مشفق حريص على الأخذ بأيدي الناس إلى الحق والدين، يعيش مع مجتمعه باعتباره فرداً منهم يحبهم و يحبونه، يجعل الحسبة كنبراس هداية للناس لا كسيف مسلط على رقابهم ” انتهى من اختصار كتاب النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين.
***
المبحث الرابع أخطاء التيارات الجهادية في باب السياسة الشرعية
[المفتاح الأول]: الجهاد في سبيل الله تعالى من أعظم الطاعات والقربات والمجاهدون في سبيل الله تعالى في أعالي الدرجات، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10-13]، وقال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]، وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169-171]، وقال تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 95، 96]، وقال تعالى:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}]التوبة: 19-20[، وأخرج البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: ((سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)) ([45]) .
وأخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: ((قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) ([46]) . وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: (لا أجده) قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر)؟ قال: (ومن يستطيع ذلك؟)([47]) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق)) ([48]) .
والجهاد باق إلى قيام الساعة، فقد أخرج أبو داود عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار) ([49]) . وأخرج أبو داود عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال[50]) .
و(الاتجاه الجهادي المعاصر): وقع في أخطاء شرعية وفكرية وتطبيقية قاتلة أدت إلى خسائر فادحة في أفراده وجماعاته.
[المفتاح الثاني]: معلومات أساسية مهمة عن فقه الجهاد:
[1] حكم الجهاد في سبيل الله تعالى: ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يدفع العدو سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفى أثم الجميع، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]، وما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعث إلى بني لحيان وقال ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعدين، أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج([51]) .
وذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات: (الحالة الأولى): إذا حضر المسلم المكلف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]، وقوله سبحانه: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16]، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التولي يوم الزحف من السبع الموبقات [متفق عليه]، (الحالة الثانية): إذا نزل الكفار بلدا من بلدان المسلمين تعين على أهله قتالهم ودفعهم وطردهم منها، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويب دأ الوجوب بالأقرب فالأقرب، (الحالة الثالثة): إذا استنفر إمام المسلمين قوماً لزمهم النفير معه – لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38، 39] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا استنفرتم فانفروا)) ([52]) .
[2] أنواع الجهاد والفرق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب: للجهاد نوعان: (الأول): جهاد الدفع والمقصود به قتال العد و وصده عن بلاد الإسلام إن اعتدى الكفار على بلاد المسلمين، و (الثاني): جهاد الطلب: والمقصود به غزو الكفار – غير المعاهدين – في بلادهم على ثلاثة عروض، فإما أن يسلموا وإما أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وإما القتال، وجهاد الدفع فرض عين باتفاق العلماء، حتى يخرج العدو من بلاد المسلمين أو يُصدَّ عنها، وجهاد الطلب فرض كفاية إذا فعله من تحصل الكفاية بهم سقط عن الباقين، فإذا احتاج المسلمون له وهو يستطيع الوصول إليهم صار في حقه فرض عين، و جهاد الدفع لا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، فيجب على كل مسلم حسب قدرته، ويجاهد الرجل بغير إذن والديه، وتجاهد المرأة بغير إذن زوجها، ويجاهد المدين بغير إذن دائنه، وإذا لم تكن بالحاضرين كفاية للدفع صار الجهاد في حق القريب فرض عين الأقرب فالأقرب حتى يعم الفرض الأرض كلها إلى أن يخرج الكفار من بلاد الإسلام ويُصَدّوا عنها، أما جهاد الطلب فيعتبر من شروطه الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة، وإذن الوالدين، وإذن المدين، وتارك جهاد الدفع يأثم على تركه أشد الإثم لكونه ترَك بلاد ونساء وذراري المسلمين غنيمة للكفار، وتارك جهاد الطلب لا يعاقب على تركه إذا حصلت الكفاية بغيره، إلا أنّ من لم يغزو أو يحدث نفسه بالغزو يموت على شعبة من النفاق، ومن حضر الصف فلا يجوز له التولي إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، ولا يسبق جهاد الدفع دعوة للعدو إلى الإسلام لأنه معتدي، أما جهاد الطلب فإنه يسبقه دعوة العدو – إذا لم يبلغه من قَبل – إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتال، و جهاد الدفع لا يعتبر فيه التكافؤ في العدد أو العتاد، لأنه لو فر الرجال خلص العدو إلى نساء وذراري المسلمين، فيجب قتالهم على كل حال حتى تسلم بلاد الإسلام ويصد العدو عن نساء وذراري المسلمين، أما جهاد الطلب فيعتبر فيه التكافؤ، فإن كان العدو أكثر من الضعف جاز الفرار إلى فئة، أو مكيدة حسب المصلحة، ولا يجوز بغير عذر شرعي.
[3] في التفريق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب: قال النووي – رحمه الله – في المنهاج: كان الجهاد على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم فرض كفاية وقيل عين، وأما بعده فللكفار حالان: (أحدهما): يكونون ببلادهم ففرض كفاية إذا فعله من فيهم كفاية سقط الحرج عن الباقين، قال ولا جهاد على صبى ومجنون وامرأة ومريض وذي عرج بيّن وأقطع وأشل وعبد وعادم أهبة قتال وكل عذر يمنع من وجوب الحج منع الجهاد إلا خوف طريق من كفار وكذا من لصوص المسلمين على الصحيح والدَيْنُ الحال يحرم سفر جهاد وغيره إلا بإذن غريمه والمؤجل لا وقيل يمنع سفراً مخوفاً ويحرم جهاد إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين، فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا وجب الرجوع إن لم يحضر الصف فإن شرع في قتال حرم الانصراف في الأظهر، (الثاني): يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن فإن أمكن تأهب لقتال وجب الممكن حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن وقيل إن حصلت مقاومة بأحرار اشترط إذن سيده، وإلا فمن قصد دفع عن نفسه بالممكن إن علم أنه إن أخذ قتل وإن جوز الأسر فله أن يستسلم ومن هو دون مسافة قصر من البلدة كأهلها ومن على المسافة يلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم، قيل وإن كفوا ولو أسروا مسلماً فالأصح وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه) أهـ([53]) .
وقال القرطبي: إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً، شباناً وشيوخاً، كل على قدر طاقته من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم أيضاً الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في ذلك) أه([54]) .
[4] شروط الجهاد وشروط صحة الجهاد: ذكر الفقهاء أن الجهاد نوعان: جهاد دفع إذا أغار الكفار على بلاد المسلمين، وجهاد الدفع لا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، أما جهاد الطلب حيث يقوم المسلمون بغزو الكفار في بلادهم فيعتبر من شروطه: (الشرط الأول): الإسلام: فلا يجب الجهاد على الكفار، لأن الكافر غير مطالب بالتكاليف الشرعية، كما أنه غير مأمون في الجهاد، لقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله) [التوبة: 111]، وقوله عز وجل (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) [النساء: 95]، فالخطاب في هذه الآيات موجه إلى المؤمنين دون الكفار، (الشرط الثاني): البلوغ: فلا جهاد على الصبي، وذلك لأن الجهاد عبادة بدنية فلا يجب على الصبي كالصوم والصلاة والحج ولأن الجهاد وبذل الوسع والطاقة بالقتال، والصبي ضعيف البنية لا يستطيع المبالغة في القتال، ولما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة)) ([55]) .
(الشرط الثالث): العقل: فلا جهاد على المجنون، لأنه غير مطالب بالتكاليف الشرعية لعدم إدراكه، ولقوله صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)) ([56]) .
(الشرط الرابع): الذكورة: فلا يجب الجهاد على المرأة، لأنها ليست من أهل القتال، لضعف بنيتها وعدم تحملها، وأنها مأمورة بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ فيه مخالطة الرجال والمبارزة ورفع الأصوات، ومع أن النساء غير مخاطبات بالجهاد، ومع ذلك فقد كن يخرجن متطوعات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لسقي الماء ومداواة الجرحى والمرضى ومناولة السهام، وقد أخرج الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال: جهادكن الحج)) ([57]) . وأخرج مسلم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه سلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى)) ([58]) . وأخرج مسلم عن أم عطية الأنصارية قالت: ” غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى)) ([59]) . وأخرج مسلم كذلك عن أنس أن أم سليم ” اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا الخنجر، قلت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك)) ([60]) .
فهذه الأحاديث تدل على أنه يجوز للنساء أن يخرجن للجهاد متطوعات لمعاونة الجيش، وأن يحملن معهن ما يدافعن به عن أنفسهن إذا شعرن بالخطر عليهن، فهذه المواقف لم يكن الجهاد فيها واجباً على المرأة، ولا كانت مأمورة به إنما خرجت متطوعة.
(الشرط الخامس): الحرية: فلا جهاد على العبد، لقوله جل شأنه (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) [التوبة: 41] وقوله سبحانه وتعالى: (وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) [الصف: 11]، الخطاب في الآيتين بالجهاد بالمال والنفس، والعبد لا يملكهما، لأنه لا مال له، ومنافعه مستحقة لسيده، فلم يشمله الخطاب ([61]) . .
(الشرط السادس): السلامة من الضرر: والمراد به: السلامة من العمى والعرج والمرض فلا جهاد على هؤلاء: لقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [الفتح: 17]، لأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد، وكذلك المريض مرضا شديدا لا يجب عليه الجهاد، أما المرض اليسير الذي لا يمنع إمكان الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع وجوب الجهاد، لأنه لا يتعذر معه الجهاد، إذ هذه المشقة لا تنفك عنها العبادة فلا تسقط الوجوب.
(الشرط السابع): وجود النفقة: فلا جهاد على الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه فاضلاً عن نفقة أولاده لقوله جل شأنه: {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} [التوبة: 91]، ولا بد من وجود راحلة لقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92]، وإن بذل له الإمام ما يحتاج إليه من سلاح يقاتل به وراحلة يسافر عليها وجب عليه أن يقبل ويجاهد، لأن ما يعطيه الإمام حق له، وإن بذل له غير الإمام لم يلزمه قبوله، لأنه اكتساب مال لتجب به العبادة فلم يجب.
(الشرط الثامن): عدم الدين: فإذا كان المسلم البالغ العاقل القادر على القتال عليه دين لأحد لا يجب عليه الجهاد، إلا بإذن صاحب الدين، أو يترك له وفاء أو يقيم به كفيلاً، أو يوثقه برهن – لما روى عن أبي قتادة رضي الله عنه – أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله كفر الله خطاياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتلت في سبيل الله صابراً مقبلاً غير مدبر كفر الله خطاياك إلا الدين، كذلك قال لي جبريل) ([62]) .
(الشرط التاسع): استئذان أبويه إن كانا مسلمين: فلا يجب الجهاد على المكلف إلا بعد أن يستأذن والديه، لما أخرج البخاري عن ابن مسعود قال: ” سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ فقال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله ” ([63]) . ولما أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)) ([64]) . فهذان الحديثان يدلان على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد، وذلك لأن الجهاد فرض كفاية ينوب عنه غيره فيه، وبر الوالدين فرض يتعين عليه، لأنه لا ينوب عنه في غيره، أما إذا تعين الجهاد فلا إذن ([65]) .
[5] شروط صحة جهاد الطلب: ذكرنا أنّ جهاد الدفع حيث دهم الكفار بلاد المسلمين لا شرط له، وإنّما يدفع المسلم بحسب الإمكان، فيجب على كل مسلم حسب قدرته، وإذا لم تكن بالحاضرين كفاية للدفع صار الجهاد في حق القريب فرض عين الأقرب فالأقرب حتى يعم الفرض الأرض كلها إلى أن يخرج الكفار من بلاد الإسلام ويُصَدّوا عنها.
أما جهاد الطلب فله شروط حتى لا يكون الأمر تغريرا بالمسلمين، ومن تلك الشروط: (1) الاعداد للحرب: لقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) [الأنفال: 60]، فقبل الشروع في القتال، لا بد أن يكون الجيش على أهبة الاستعداد لمواجهة أي خطر من الأعداء ودفعه، والاستعداد نوعان: الأول: إعداد مادي: وهو إعداد الجيش إعدادا قويا من حيث العدد والعدة، إعدادا يتحقق به إرهاب العدو وبث روح الذعر والخوف فيهم ويخذلهم عن القتال، والثاني: إعداد معنوي: وهو لا يقل شأنا عن الإعداد المادي، بل هو أكثر أهمية، وله أبلغ الأثر في انتصارات المسلمين في معارك عديدة لم يقارن جيش المسلمين بجيش الأعداء فيها من حيث العدد والعدة، ولكن كانت انتصارات المسلمين بفضل الله وإيمانهم به، والله سبحانه وتعالى أنزل العديد من الآيات القرآنية التي ترفع الروح المعنوية للمجاهدين منها: قوله عز وجل: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)[الأنفال: 9]، وقوله تعالى: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) [الأنفال: 12]، وقوله تعالى: (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) [الأنفال: 66].
(2) وجود أمير للجهاد: من الأمور التي لا بد منها قبل الحرب وجود أمير للجهاد، وذلك لأن المجاهدين يحتاجون إلى اجتماع الرأي والكلمة، ولفعله صلى الله عليه وسلم، ما بعث جيشا أو سرية إلا عين لها قائدا، بل في بعض الغزوات عين أكثر من قائد، كما حدث في غزوة مؤتة، فأمّر النبي صلى الله عليه وسلم على الجيش زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، وإن طاعة الأمير والخضوع لرأيه من طاعة الله رسوله صلى الله عليه وسلم لما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([66]) .
(3) الدعوة قبل القتال: الكفار إما أن يكونوا بلغتهم دعوة الإسلام أو لا، فإن لم تبلغهم الدعوة فلا يقاتلون حتى يدعون إلى الإسلام، لأنه لا يلزم الإسلام قبل العلم، لقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125]، ولقوله عز وجل: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]، والدعوة قبل القتال تكون بتخييره بين إحدى ثلاث خصال: الأولى: الإسلام، والثانية: الخضوع لجماعة المسلمين وإعطاء الجزية، والثالثة: القتال، وتكون المهلة لمدة ثلاثة أيام، أما من بلغتهم الدعوة فلا يجب دعوتهم لأن الدعوة قد وصلتهم.
[المفتاح الثالث]: أهم المآخذ والأخطاء على التيار الجهادي:
[1] من أهم المآخذ والأخطاء على التيار الجهادي هو الافتئات على الشرع: وإذا كنا نقول بأنّ الحسبة العامة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع إذا احتاج للتغيير باليد والقوة والاستعانة بالأعوان، لا يجوز أبدا في بلاد المسلمين، إلا بإذن من السلطات، وذلك لأنّ ذلك جعله الشرع الحكيم من حق للدولة ولم يجعل منه شيئا لأفراد الرعية، وإلا صار الهرج والمرج والفوضى، فكيف يكون الحال إذا تعلق الامر بالجهاد، وهو لا يحتاج إلى جمع الاعوان واستعمال السلاح وحسب بل يحتاج إلى تجييش الجيوش ورفع الالوية والتدريب والاعداد، ولابد له من وجود امير للجهاد، ولابد للجهاد من اجتماع الكلمة والراية والاعداد أقصى استطاعة، فهل يتسنى ذلك من وراء الدولة والسلطات، الاتجاه الجهادي حتى يخرج من تلك الإلزامات كفر الدولة وكفر القائمين على الحكم فيها وكفر الجيش والشرطة بل وأجهزة الدولة كافة في سبيل الخروج من الزامات صحة الجهاد، وهل يفعل ذلك إلا الخوارج، وهم من الفرق الضالة، وهل يختلف عاقلان في ان الجهاد الصحيح مرده إلى الدولة وأنه افتئات على الشرع وعلى أولي الامر وذوي السلطات، ثم اعلان الفصائل الجهادية للجهاد فجهادهم على من؟ ولمصلحة من؟ إنه قتال المسلمين وحسب، وهو يقع في لمصلحة الكافرين الأصليين من اليهود والصليبيين والمشركين، وكل ما شاهدناه من جهاد هؤلاء هو اغتيالات عشوائية لمسلمين أصليين أو سياح أجانب مستأمنين أو في مواجهة حكومات مسلمة توهن قوة الدولة أمام أعداء المسلمين وتهلك المنتسبين إلى تلك الجماعات، من المغرر بهم، أو عمليات غير محسوبة في بلاد الكفار يجني ثمار شؤمها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها كما حدث في احداث 11 سبتمبر سنة 2001، علي سبيل المثال، أو في مواجهة جيوش قتالية صليبية في حروب غير متكافئة لا تنكئي الكافرين ولا تعصم دماء المجاهدين، فكل ثمار هذا التيار كانت وبالا على المسلمين وتشويها لسمعة المسلمين في العالم والاضرار بمستقبل الدعوة الإسلامية فحسبنا الله ونعم الوكيل لا نشكك في اخلاصهم ولكن نبرأ إلى الله من آثار تعجلهم، والخوارج كانوا من أصدق المسلمين في التضحية بأرواحهم في سبيل دعوتهم ولكنهم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم) ([67]) وفي وصفهم جاء حديث الترمذي عن أبي أمامة قال عنهم يرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم:(كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه)([68])
[2] أخطاء جسيمة في المنهج والتفكير: ومن أبرز تلك الأخطاء ما يلي:
(1) مخالفة أعمالهم للشرع الحنيف الذي وضع أعظم الضوابط للجهاد حتى يكون صحيحا لا شبهة فيه، فهل أجاز الإسلام لهم ان يكونوا دولة داخل الدولة وسلطة داخل السلطة وهل أجاز الإسلام لهم الافتئات على الشرع وعمل أعمال غدر ليست مسؤولة تكون عاقبتها الهرج والمرج واستحلال الدماء. (2) تسرب أفكار التشدد إلى مناهج الجهاديين: فالأكثر على منهج الوهابيين الأوائل ممن لديهم غلو في التكفير والتبديع والتشريك واستحلال الحرمات والاستهتار والاستهانة بسفك الدماء، فالأرواح عندهم رخيصة وما أيسر ان يتهم أحدهم بلدة كاملة بالكفر أو الشرك أو البدعة والضلالة، وقد ظهر ذلك في أدبياتهم وسلوكياتهم، فأغلب مؤلفاتهم في تكفير الدول والأنظمة الحاكمة والشعوب، فالجيش كافر والشرطة كافرة ومنظومة القضاء كلها كافرة، وكل من يعمل في أجهزة تلك الدول فهو كافر، وكل من توقف في كفرهم فهو كافر وكل من سكت عن الذي هم فيه فهو كافر، وهذا ليس مسلك أهل السنّة والجماعة وإنما هو مسلك الخوارج، وظهر هذا المسلك في فتاواهم بجواز التفجير العشوائي بين المسلمين وبين الذميين وبين السياح المستأمنين وكل آحاد الكافرين الذين يقدرون عليهم في بلاد المسلمين أو في بلدانهم، واستحلال أموالهم واستحلال خديعتهم واستدراجهم والغدر بهم، ولا أعلم أنّ شيئا من هذه الاخلاق هي اخلاق المسلمين الذين وصف الله تعالى نبيهم بقوله {وإنك لعلى خلق عظيم}، وهو صلى الله عليه وسلم القائل: (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق)، فأي اخلاق عليها هؤلاء الذين يزعمون انهم على ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، فهذا الفكر التكفيري الموغل في استحلال الدماء والحرمات لم يكن ابدا هو الجهاد الذي امر الله تعالى به ورسوله، بل ما شوه الإسلام في بلاد الغرب والشرق ووقف حجر عثرة أمام انتشار دعوة الإسلام سوى هؤلاء الذين ضربوا للإسلام أسوا الصور في الغدر والخديعة واستحلال الدماء.
(3) انتساب هؤلاء إلى مسمى السلفية أوهم الناس انه هكذا كان السلف الصالح من امة النبي صلى الله عليه وسلم مما رسم صورة عن الإسلام دين السلام ودين الرحمة ودين الاخلاق على انه دين القتل والغدر والنهب والسرقة وسفك الدماء، والمشكلة تزداد خطرا في ان طرحهم للإسلام، يطرحونه على أنّه هو الطرح الوحيد للإسلام، وكل من عداهم كافرون أو منافقون أو متقاعسون عن أداء امانة الإسلام التي في نظرهم هي رسالة القتل والتفجير.
(3) السذاجة والحمق في العمل للدين: فأي فائدة في تفجير طائرات مدنية يركبها مدنيون وأي فائدة في تحطيم برج التجارة الدولي وكان اغلب من يملكونه المسلمون، سوى انهيار دول إسلامية برمتها، وأي فائدة في قتل السياح المستأمنين، وأي فائدة تعود على المسلمين في اغتيال رئيس أو وزير، يعقب اغتياله حملات من الاعتقال والتعذيب واكثر من يتم وقوع العقاب عليهم من الأبرياء لان أخوة الجهاد يفجرون ويختفون، في الأنفاق فلا يظهرون إلا لإتمام عملية غدر أخرى، والحكومات لا تفرق بين إسلامي وآخر، فيتم التنكيل بكل من تقع انظارهم عليه ويشكون فيه، وجماعات الجهاد في مأمن في الانفاق.
(4) ضعف المستوى العلمي والادبي والأخلاقي لدى اكثر هؤلاء، وكل ما لديهم من علم إنما هو قاصر على التكفير بمفردات الحكم والولاء والبراء والتوحيد والشرك على المفهوم الوهابي، وهم بالطبع لا يعرفون تفاصيل الحكم الشرعي في هذه المسائل، بل يتبنون الوجه الذي فيه التكفير والتشريك وسوء الظن بالمسلمين، وقد بلغ بهم الجهل انهم يجهلون فقه الجهاد الذي ينتسبون إليه ويرفعون رايته، فلا يعلمون الفرق بين جهاد الدفع وجهاد الطلب وما هي شروط صحة الجهاد وما هي شروط وجوبه، وامورا كثيرة من مسائل واحكام الجهاد يجهلونها أو يتبنون فيها جانب الغلو واقصاء الراي الآخر.
(5) ترك الجهاد الحقيقي جهاد الكفار والمشركين وتبني جهاد المسلمين الذين هم في نظرهم مرتدون، فتركوا الأعداء ودخلوا في دوامة لا تنتهي من الصراع والمواجهة مع أنظمة الحكم في بلاد المسلمين، يدورون معهم في حلقات مفرغة، يستفيد منها أعداء الإسلام من اليهود واعوانهم، وصار جهادهم حرب استنزاف لا طائل من ورائها، سوى قتل المسلمين، وصدق فيهم وصف الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الشرك وعبادة الاوثان).
(6) يظن اكثر المنتسبين إلى تلك التنظيمات أنّ الجهاد في سبيل الله غاية في حد ذاته، وهذا خلل في الفهم، فإنّ الجهاد ليس هدفا في ذاته ولا غاية، إنما هو وسيلة لرفع راية الدين وإعلاء لكلمة الله تعالى، فإذا لم يحقق الجهاد غايته كان ممنوعا لما فيه من اراقة الدماء وذهاب الأرواح والأموال، والجهاد مع عدم تحقيق الغاية منه: غلو وتشدد مذموم في الشريعة، والآية الكريمة {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله}، فالقتال فرض لمنع الفتنه، أما إذا أدى القتال إلى فتنه ولم يحقق مقاصده المشروعة، فهو ممنوع شرعا وعقلا،،، واذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات وتزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منهما فان الأمر والنهي منهما وان كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، وإن كان الذي يفوق من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به بل يكون محرما اذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، والشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وتحصيل أعظم المصلحتين وتقليلها، وأنها ترجيح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين وتفويت ادناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال ادناهما، قال تعالى: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}، وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن المسلمين اذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب الظن على أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في اعدائهم اذا ما اجمعوا قتالهم ينبغي ان تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لان المصلحة المقابلة وهي حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع، ويقرر العز بن عبدالسلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلاً: (اذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفس ومن شفاء صدور الكفار وارغام أهل الاسلام وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة)
[3] أخطاء جسيمة في فقه الواقع:
(أ) الغياب التام لفقه الواقع بعد غياب فقه الشرع لديهم، أفكار ساذجة وتصورات حمقاء، يظنون انهم بقتل رئيس ستخرج جموع الشعوب لمبايعتهم بالخلافة، ألم تكونوا منذ قليل تكفرون تلك الشعوب فكيف ستحرج لكم جموعهم للمبايعة، وأذكر انني مرة ناقشت احدهم عن جدوى عمليات الاغتيال والقتل العشوائي فكان جوابه أن علينا تطبيق شرع الله، وليكن بعد ذلك ما يكون، فإذا قلت لهم أين في شرع الله التكفير الجماعي والقتل العشوائي، نظر شذرا كانه يقول أين سيوف المجاهدين من رقبة امثالك. (ب) يظنون أنّ إقامة الخلافة لابد وان تكون على عاتقهم وأنهم مطالبون بها، وانّ عليهم إيجاد الأرض ثم ثلاثمائة من المجاهدين ثم اعلان الخلافة الجهاد الطلبي لسبي بنات بني الأصفر، بنات أوروبا والامريكتين، وهم لا يملكون سوى بعض البنادق المسروقة ولا يعلمون ما وصلت إليه تلك الدول من التكنولوجيا والتقدم في باب السلاح والعتاد، وانّ اهلاك دول بحالها وكامل شعوبها لا يحتاج منهم سوى الضغط على أزرار الحواسيب لديهم، وهذا التدني في انخفاض مستوى العلم بفقه الواقع انعكس على مناهجهم وفحوى خطاباتهم، واختلال نظرياتهم وفهمهم للدين مما جعلهم اضحوكة الأعداء، والمثال السيء للدين والمتدينين.
(ت) انتهجت تلك التنظيمات جانب السرية المطلقة في العمل، وعلى عيوب السرية، لأنها تعني -عند الدولة- العمل العسكري لا مفهوم له عندها سوى ذلك، ولذلك فهي تحرمه وتجرمه، كذلك واجهت تلك التنظيمات إشكالات في طلب العلم الشرعي، وبسبب ذلك كان اغلبهم من العوام في باب العلم الشرعي فلا علم ولا ادب ولا حلم، ولذلك فهم دائما يعانون من انخفاض المستوى العلمي الشرعي، يفتقرون إلى العلماء، ولذلك سادهم الجهلاء المتنطعون وأوردوهم موارد الهلاك.
(ث) كالفراش يبحثون عن النار لتأكلهم، فإنهم لجهلهم بالقران يخالفون القرآن في قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، يحملون أنفسهم مالا طاقة لهم به، وخرجوا حاملين السلاح على الدولة المسلمة يهلكون انفسهم في حرب أهل القبلة، والقاء النفس في التهلكة منهى عنه شرعا وعقلا وهؤلاء يهلكون انفسهم دون أي نفع للإسلام والمسلمين، بل هم يتسببون في العديد من المفاسد والشر، والتضييق على الدعوة الاسلامية وعلى رجالها وعلى كل ما هو إسلامي، فكأنهم قطاع طريق على الدعوة الإسلامية في صورة المدافع عنها، وهذا لا شك في منعه وتحريمه.
[4] أخطاء جسيمة في باب اخلاق الإسلام، فالإسلام دين الاخلاق والرحمة فلا غدر ولا خيانة ولا غش ولا خديعة، ولا نهب ولا سرقة، وهؤلاء عندهم الحياة كلها حرب والحرب خدعة لذا يستحلون النهب والسرقة من أجل تغطية نفقات الجهاد، ويستحلون قتل المدنيين إذا تترس بهم المرتدون، وليس المرتدون في نظرهم سوى مخالفي مناهجهم من أهل الإسلام، لقد نهى الإسلام عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والزراع والعمال والرهبان وسائر المدنيين ممن لا علاقة لهم بالحرب والقتال، وانه لا يجوز التمثيل بهم، وهؤلاء يُجيزون تفجير القنابل في الباصات والقتل العشوائي للمسلمين والذميين والمستأمنين، وتحويلهم إلى أشلاء، والله تعالى يقول: {قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، ويقول سبحانه: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل والله لا يحب الفساد}، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وان ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)، والإسلام لا يُجيز قتل أو قتال الكفار والمشركين قبل دعوتهم إلى الإسلام، والإسلام لا يجيز نقض العهد لقول الله سبحانه وتعالى: ” وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا”، وقول الله تعالى: ” وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم “، وقول الله تعالى: ” فأتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم “، وقول النبي صلى اله عليه و سلم ” لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان “، ولا يجوز قتل المستأمن ولا ترويعه، وقال تعالى: {وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه}، وهؤلاء يجيزون اختطاف السياح طلبا للفدية وإذا قلت لهم لماذا هذا قالوا لتغطية نفقات الجهاد، فهل يجوز الجهاد بمال مسروق أو مال حرام، وهم يجيزون قتل هؤلاء السياح الذين يدخلون البلدان الإسلامية سواء بتأشيرة من الدولة أو بدعوة من الشركات السياحية أو من الأفراد أومن الهيئات الأخرى فإن كل ذلك يعتبر أماناً لهم: فلا يحل التعرض لهم بالقتل أو التعرض لأموالهم أو أعراضهم، إنّ أحرى المسائل وأولى القضايا بالتدقيق فيها، ولزوم الورع في تناولها، والتأني في الخوض فيها، هي مسائل الجهاد في سبيل الله والتي تتعرض للدماء والأموال، فالواجب الاحتياط فيها أشد ما يكون الاحتياط، ولا يليق أبدا أن يتصدى لمسائل الجهاد والدماء والأموال قوم حدثاء الأسنان يقولون من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم يتلون القرآن لا يجاوز حناجرهم ليس لديهم من العلم سوى بضاعة مزجاة من التكفير والتشريك والتبديع وسفك الدماء واستحلال الحرمات، نسال الله السلامة.
[المفتاح الرابع]: بعد تلك المآخذ هل يصح تسمية هذا التيار بالتيار الجهادي: الجهاد ذروة سنام الدين، واعلى سهم فيه، والمجاهدون طائفة من اكابر المحسنين، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، واعمال المجاهدين هي أعمال اهل الإحسان، وعند توصيف أعمال هذا التيار نجد انهم ابعد ما يكونون عن الجهاد، وان شرف الجهاد لا يمثله هؤلاء، فهل الدواعش على سبيل المثال مجاهدون ام خوارج، لا يمكن أن نسميهم مجاهدين لانهم لا يمثلون الجهاد، ولا يقفون على ثغر الجهاد بل هم خوارج ارهابيون تكفيريون يبرأ منهم الجهاد، فالمجاهد لا يغدر والمجاهد لا يسرق والمجاهد لا يظلم والمجاهد لا يسفك الدم المحرم والمجاهد لا يقتل بالمتفجرات قتل عشواء، ولا يقتل الأبرياء، ولا يقتل الذميين ولا المعاهدين ولا الغافلين ولا يكون المثال السيء عن الإسلام والمسلمين.
[المفتاح الخامس]: مما جاء في وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم، للشيخ السيد إمام بن عبد العزيز الشريف]: وهو المعروف بعبد القادر عبد العزيز الشريف مؤلف: كتاب (العمدة في إعداد العدة)، وكتاب (الجامع في طلب العلم الشريف) واللذان كانا أهم مراجع جماعة الجهاد، وهذه الوثيقة قد اشتملت على بعض حلقات ترشيد الجهاد في مصر والعالم، ومما اعترض به عليهم:
(1) أن المبني على الفاسد فاسد: وان الجهاديين كانوا يقومون بعمليات سرقة واختطاف من أجل تغطية نفقات الجهاد وان ذلك فاسد، وانّ الله تعالى لا يقبل إلا طيبا، وانّ من استولى على مال حرام ليؤدي طاعة، فإنّ استيلاءه حرام وطاعته فاسـدة غـير مقبولة عند الله لقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27]،، وهذا لم يتق الله لا (أولاً) ولا (ثانيًا)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) [رواه مسلم]، ومن هنا كانت القاعدة الفقهية “المبني على الفاسد فاسد” ولا يحل لمسلم أن يرتكب ما حرم الله عليه ليؤدي ما لم يوجبه الله عليه.
(2) حفظ المسلمين من مقاصد الشريعة: وانه إذا كان المقصود من الجهاد إظهار الدين والتمكين لأهله كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال: 39)، ومن أجل هذا يبذل المسلمون أنفسهم، وكان حفظ الدين مقدمًا على حفظ النفس في الضرورات الشرعية الخمس، وإنما تبذل النفوس في الجهاد حين يغلب على الظن النصر وإظهار الدين، أما إذا غلب على الظن هلاك النفوس والإضرار بالمسلمين في ما لا يعود بإظهار الدين من مواجهات مع أعدائه فيجب والحال كذلك المحافظة على المسلمين ولا يجوز تعريضهم هم أو ذراريهم لمهالك يمكن اجتنابها.
(3) جهاد بلا جدوى: فالمحافظة على المسلمين وعدم الدفع بهم إلى خوض ما لا يعود على الدين بنفع أو ظهور من المواجهات المهلكة واجب، وهو الصواب، وهذا حكم باق إلى آخر الزمان بدليل نهي الله للمسيح عليه السلام ومن معه عن قتال يأجوج ومأجوج، وإذا تأملت في هذا المعنى ونظرت في ما تخوضه الجماعات الجهادية في بعض البلدان من مواجهات لا جدوى منها بل المفسدة فيها غالبة محققة، أدركت خطأ ما هم عليه، وقد صالح النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة في الحديبية وتنازل للكفار في أمور لم يتحملها بعض الصحابة حتى قال عمر رضي الله عنه (ألسنا على الحق؟،،، أليسوا على الباطل؟،،، فلم نعطي الدنية في ديننا)؟ الحديث([69]) . وتنازل النبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من أنه كانت له دولة مستقلة ومنعة ومعه جيش وبيعة على الموت (بيعة الرضوان) ومع كونه مؤيدًا بالوحي والملائكة عليهم السلام، ومع قوله صلى الله عليه وسلم – قبل ذلك عقب غزوة الأحزاب عام 4هـ – (لا تغزوكم قريش بعد اليوم ولكن تغزوهم)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم موفقًا في الحرب والسلم يضع كل منهما في موضعه تشريعًا منه للمسلمين، وهذا الصلح الذي ضاق به بعض الصحابة رضي الله عنهم سماه الله فتحًا – كما سبق – لما ترتب عليه من شيوع الأمن وانتشار دعوة الإسلام، وعلى العكس من ذلك هناك من تراهم فاشلين في الحرب وفي السلم على السواء.
(4) للجهاد مقدمات ومقومات: وسواء كان ترك الحكم بالشريعة كفرًا أو كفرًا دون كفر أو معصية،،، فإننا لا نرى أن الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين باسم الجهاد هو الخيار المناسب للسعي لتطبيق الشريعة، فالجهاد لا بد له من مقدمات ومقومات تعتبر من شروط وجوبه فإذا انعدمت سقط الوجوب، ومنها دار الهجرة والنصرة (كالمدينة) أو دار الأمن (كالحبشة بالنسبة للصحابة) أو القاعدة الآمنة (كأبي بصير)، والنفقة اللازمة للجهاد، وتأمين ذراري المسلمين (نسائهم وعيالهم) والتكافؤ في العدد والعدة بين طرفي الصدام، والفئة التي يمكن التحيز إليها، وتميز الصفوف حتى لا تنتهك دماء المعصومين وحرمتهم، كل هذه المقومات مفقودة بما يجعل الجهاد لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة من إظهار الدين وتحكيم الشريعة، وهذا هو الواقع فعلاً في معظم البلدان، فلم تفلح في ذلك معظم الجماعات الإسلامية رغم التضحيات الجسيمة التي قدمتها، ولهذا لم يفرض الله سبحانه الجهاد على المسلمين وهم مستضعفون بمكة قبل الهجرة لعدم توفر مقومات نجاحه، وبعض الذين حاولوا الالتفاف على نقص المقومات في عصرنا الحاضر وقعوا في محظورات شرعية، منها: قتل معصومين بدعوى التترس في غير موضعه، واستحلال أموال لا تحل بالسطو والخطف بدعوى تمويل الجهاد، وقد سبق بيان فساد ذلك، والغدر ونقض العهد ممن دخل بلاد الكفار بإذنهم فخانهم، والعجز عن تأمين ذراري المسلمين وقت الصدام بما يعرضهم للتلف والفتن، وتلقي أموال والاستعانة بأنظمة حكم في دول أخرى ليست بأفضل من بلدانهم لقتال أهل بلدهم بما أوقعهم في فخ العمالة وحروب الوكالة، فيبدأ شأنه مجاهدًا ويصير عميلاً مرتزقًا، ولو شئت أن أقول منهم فلان وفلان لقلت، واضطرار البعض إلى عمل لجوء سياسي لدى الدول الأجنبية (بلاد الكفار الأصليين) فيكون بذلك قد دخل تحت حكم الكفار وقوانينهم باختياره، في حين أن القوانين المخالفة للشريعة تجري عليه في بلده بغير اختياره.
(5) معاندة السنن: وقد كانت هذه أمثلة لبعض المحظورات التي ارتكبوها، وبهذا يفعل المسلم ما لا يحل له شرعًا (كهذه المحظورات) للقيام بما لا يجب عليه شرعًا (من الجهاد العاجز عنه)، وإنما ألجأهم إلى هذا معاندة السنن وتكليفهم أنفسهم بما يعجزون عنه، والتكليف بما لا يطاق لا يجوز شرعًا بإجماع أهل العلم، كما هو موضح في كتب (أصول الفقه)، ولهذا فإننا نرى أن الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين لأجل تحكيم الشريعة لا يجب في ضوء الظروف السابقة سواء كان هذا باسم الجهاد أو باسم تغيير المنكرات باليد، كل هذا لا يجوز ولا يجب، ولا يجوز التعرض لقوات هذه الحكومات (من الجيش والشرطة وقوات الأمن) بالأذى لما في ذلك من المفاسد الكثيرة، وننصح بذلك جميع المسلمين، ونرى أن الاشتغال بالدعوة الإسلامية وتقريب المسلمين من دينهم بما يؤدي إلى تقليل المفاسد الشائعة أجدى نفعًا للإسلام وللمسلمين والذين خالفوا في ذلك ولجأوا إلى الصدام لا هم أقاموا الدين ولا أبقوا على أنفسهم وأهاليهم ولا حافظوا على بلادهم من المفاسد والخراب، وفي القاعدة الفقهية (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) أو (التعجل علة الحرمان) ومن عجز عن الدعوة والتغيير باللسان أنكر بقلبه، وقال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، وسيأتي كلام آخر في هذا الموضوع بالتنبيه الثاني بآخر هذه الوثيقة إن شاء الله، وبعض من رأى أن يصطدم بالسلطات في بلاد المسلمين وعجز عن ذلك لجأ إلى مسالك جانبية لإزعاج السلطات وذلك بضرب المدنيين أو الأجانب والسياح ببلاد المسلمين، وكل هذا غير جائز شرعا كما سنذكره في البنود التالية إن شاء الله وإنما ألجأهم إلى ذلك تكليفهم أنفسهم بما لم يوجبه الله عليهم فعالجوا الخطأ بخطأ ثان، وأنبّه هنا على أن تقسيم الناس إلى مدنيين وعسكريين هو تقسيم مُحدث، ولكنا سوف نستعمله لشيوعه لتقريب الفهم في البنود التالية، والمقصود بالمدنيين في بلاد الكفار: غير المقاتلة منهم، والمقصود بالمدنيين في بلاد المسلمين: عامة الناس.
(6) [عمليات تنظيم الجهاد في مصر]: أول عملية انتحارية: والطفلة شيماء الضحية الأشهر، في 18 أغسطس من عام 1993 أصدر الظواهري تكليفا لعناصر التنظيم بتنفيذ عملية اغتيال تستهدف وزير الداخلية آنذاك حسن الألفي، وهدد من خلال بيانات أرسلها بالفاكس حينئذ لوكالات الأنباء بالمزيد من عمليات العنف الأخرى ضد عدد من كبار المسؤولين المصريين، ووصفت هذه العملية بأنها أول عملية انتحارية تشهدها مصر في تاريخها الحديث في أغسطس، حيث فجّر القيادي نزيه نصحي راشد وزميله ضياء الدين محمود حافظ دراجة بخارية ملغومة في موكبه أثناء مروره بشارع الشيخ ريحان بميدان التحرير، وهو ما نتج عنه مقتلهما، بينما نجا الوزير بعد إصابته في ذراعه اليمنى، في حين قتل كل من منصور عبد الفتاح منصور وإبراهيم يونس الشرفا ومحمد أحمد قطب، وإصابة بعض المواطنين وإتلاف عدد من السيارات، عقب الحادث اكتشفت أجهزة الأمن أن تنظيم الجهاد وراء الحادث، بعد الكشف عن شخصية (نزيه نصحي) وتم القبض على 18 متهماً من أعضاء التنظيم، وتم إحالتهم إلى المحكمة العسكرية التي عاقبت خمسة منهم بالإعدام، بينما عوقب باقي المتهمين بالسجن، ومع الضغط على عناصر التنظيم حدث خلل كبير في بنية الجماعة، أدى إلى اعتقال أعداد كبيرة منهم، وفي أكتوبر من عام 1993، اكتشف 800 عضو في التنظيم، على رأسهم مجدي سالم رئيس الجماعة في القاهرة بسبب فشل محاولة سرقة سيارة نقل لاستخدامها في نقل أسلحة عسكرية كان يخطط للاستيلاء عليها، نتيجة تراجع الموارد المالية للجماعة وانقطاع السبل بهم، من أجل عاطف صدقي: كانت الحصة الأخيرة في مدرسة المقريزي بمصر الجديدة قد انتهت، وبدأ التلاميذ في الخروج من باب المدرسة،، عندما استقرت شظايا الانفجار في جسد نحيف يحمل اسم (شيماء)،، تلك الطفلة التي راحت ضحية محاولة أعضاء من تنظيم (الجهاد) اغتيال الدكتور عاطف صدقي، رئيس الوزراء الأسبق في 26 سبتمبر 1993، بعد سلسلة من عمليات تنظيم الجهاد في مصر، جاء الدور على الدكتور عاطف صدقي، رصده أعضاء التنظيم، وكانت تحركاته تحت منظار التنظيم، خط سيره من مجلس الوزراء إلى منزله بشارع الخليفة المأمون بمصر الجديدة كتاب مفتوح لهم، زرع المتهمون متفجرات وأنابيب غاز داخل سيارة كانت تقف أمام المدرسة، التي يمر من أمامها موكب رئيس الوزراء، وما إن مر الموكب حتى انفجرت السيارة، دون وقوع إصابات في الهدف أو حراسه، فقد أخطأ المتهم في تقدير الموعد وكان الضحايا ممن لا ذنب لهم، حيث لقيت الطفلة (شيماء) مصرعها، متأثرة بجروحها من شظايا الانفجار، وأصيب 14 آخرون من زملائها بالمدرسة والمارة في الشارع، الجميع عرف بالحادث وظهرت صورة السيارة المفخخة على شاشات التلفزيون، وكان من بين المشاهدين صاحب معرض سيارات، فزع عندما شاهد السيارة، فهي تلك السيارة التي باعها قبل أيام من الحادث لشخصين، أبلغ المشاهد المباحث بأوصافهما، وبعد أيام شاهد أحدهما يستقل (تاكسي)، فتعقبه وأمسك به، ليدخل الحادث في سلك القضاء، ويترك الأحزان والألم لأسرة الطفلة (شيماء).
(7) موانع قتل السائحين: النهي عن التعرض بالأذى للأجانب والسياح في بلاد المسلمين: نرى أن الأجانب القادمين والمقيمين في بلاد المسلمين لا يجوز التعرض لهم بقتل أو نهب أو إيذاء سواء قدموا للسياحة أو العمل أو التجارة ونحوها، وذلك لأسباب كثيرة تمنع إيذاءهم،منها: • المانع الأول: أنهم قد يكون فيهم مسلمون، وقتل المسلم عمدًا بغير حق من كبائر الذنوب ومن السبع الموبقات، وقد قال الله تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([70]) .
وفي الحديث الصحيح أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا) ([71]) . وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) (النساء: 94)، فإذا كان تبين أحوال الناس واجبًا وقت القتال حتى لا يقع المسلم في خطيئة قتل مسلم، فكيف يكون الحال مع الأجانب والسياح في غير وقت القتال، وهم ما جاءوا لقتال؟ (8) دار الإسلام ودار الحرب: قديمًا كان الناس متميزين: المسلمون في دار الإسلام، والكفار في دار الحرب ومن أسلم منهم هاجر إلى دار الإسلام، وأهل الذمة في دار الإسلام يتميزون في المظهر عن المسلمين، وكل هذا لا وجود له اليوم، والغالب على الناس اليوم هو جهالة الحال وخصوصا مع عدم وجود دار إسلام تقبل بهجرة من أسلم في بلاد الكفار، ومع العجز عن إلزام الكفار بلبس الغيار (التميز في المظهر) بسبب العجز أصلاً عن إقامة الحكم الإسلامي، فأصبح المسلمون منتشرين في معظم بلدان العالم لا يتميزون في المظهر عن غيرهم، مما يدل على أنه من الخطأ اعتبار جنسية الإنسان (انتسابه لبلد ما) أو لغته أو لون بشرته أو مظهر ثيابه دليلاً على إسلامه أو كفره، أو دليلاً على جواز قتله، فالتميز متعذر عليهم، والتمييز متعسر علينا، والتبين واجب علينا، والمسلم معصوم بإسلامه أينما كان، والشبهة قائمة، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) ([72]) . فإذا تعذر التبين وجب الكف عن الجميع للشبهة، والقاعدة الفقهية تنص على أنه (إذا اختلط الحلال أو المباح مع الحرام ولم يتميزا غلب جانب الحرام ويجب تغليب حكمه في المنع).
والمانع الثاني: أمان شرعي: أن هؤلاء الأجانب قد يقدمون إلى بلاد المسلمين بدعوة أو بعقد عمل من مسلم صاحب عمل أو صاحب شركة سياحة، وهذا أمان شرعي صحيح لا شك فيه، أما تأشيرة السلطات بعد ذلك فلا تغير شيئًا من حكم أمان المسلم لهم، ونقض أمان المسلم بالتعرض لمن دعاهم من الأجانب بالأذى من كبائر الذنوب المفسقة لأن فيه وعيدًا باللعن كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ([73]) .
ومعنى (ذمة) العهد والعقد ومنه الأمان، ومعنى (أخفر مسلمًا) أي نقض عهده بإيذائه لمن عاهده من غير المسلمين، وفي الصحيح أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا) [رواه البخاري]، ومع جهالة حال هؤلاء الأجانب من جهة ديانتهم ومن جهة الأمان، فالشبهة قائمة والكف عنهم واجب، والمانع الثالث: قتل الكفار: أنه لو فرض أن الأجانب ببلادنا كفار لا عهد لهم، فإن معظمهم ممن لا يجوز للمسلم أن يتعمد قتلهم حتى حين التحام القتال مع الكفار إذا كانوا في معسكر الكفار، فكيف يحل تعمد قتلهم ابتداء وهم منفردون؟ مثل النساء والأطفال والشيوخ والعمال والرهبان، وقد ورد النهي عن قتل هؤلاء في الأحاديث الصحيحة عن ابن عمر وأنس وبريدة بن الحصيب وغيرهم من الصحابة، كما ورد النهي عن ذلك في وصايا الخلفاء الراشدين كأبي بكر وعمر لقادة جيوش المسلمين رضي الله عنهما، فتعمد قتلهم فيه مجافاة صريحة لصحيح الشرع، ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان) ([74]) . وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا) ([75]) . وقال صلى الله عليه وسلم (لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا) ([76])، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلاً صغيرًا ولا امرأة) ([77]) .
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تغدروا، ولا تغلّوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) ([78]) . وعن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقتلوا الذرية في الحرب) فقالوا: يا رسول الله أو ليس هم أولاد المشركين؟ قال: (أو ليس خياركم أولاد المشركين) ([79]) .
والذرية والوليد هم الأطفال، والعسيف هم العمال والأجراء، وأصحاب الصوامع هم الرهبان غير المقاتلين، فهذه أحاديث صريحة في النهي عن قتل كل هؤلاء عمدًا حتى حال الحرب، وفيها أيضًا النهي عن الغدر بنقض العهود، والنهي عن المثلة (وهي تشويه جثث القتلى) فكيف بالتفجير؟
والمانع الرابع: المعاملة بالمثل: أن الأصل في التعامل مع الكفار هو المعاملة بالمثل إلا فيما لا يجوز شرعًا، والتعامل بالمثل مبني على قوله تعالى (فمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: 7)، وجعل سبحانه ذلك من خصال التقوى، ولما استشار عمال الثغور عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مقدار ما يفرضونه من العشور (الجمارك) على تجار أهل الحرب إذا قدموا دار الإسلام قال لهم عمر رضي الله عنه (خذوا منهم مثل ما يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم) فبني ذلك على قاعدة (المعاملة بالمثل) من كتب (الخراج) لأبي يوسف ويحيى بن آدم و(الأموال) لأبي عبيد بن سلام، واليوم يوجد في بلاد الكفار الأصليين ملايين المسلمين يقيمون ويعملون بأمان، وإن حدثت خروقات في هذا فليست هي الأصل، وكذلك إذا دخل المسلم بلادهم بأمانهم (تأشيرة) فإنهم يحترمون دمه وماله وإذا اعتدى عليه أحد اهتموا بالأمر فليس هو مهدر الدم والمال عندهم، وهذا هو صلب عقد الأمان وحقيقته (سواء كان اسمه تأشيرة أو فيزا) فيجب معاملتهم بالمثل إذا قدموا إلى بلاد المسلمين بما يعتبرونه موافقة على قدومهم أيا ما كانت الجهة التي سمحت لهم بالقدوم.
والمانع الخامس: (ثارات الجاهلية) أنه إذا كانت للمسلم خصومة مع حكومة بلده أو مع حكومة بلد الأجانب وهو عاجز عن النيل من خصمه فلماذا يدفع هؤلاء الثمن ومعظمهم ممن لا يجوز للمسلم أن يتعمد قتلهم ابتداءً وإن تيقن كفرهم كما سبق بيانه؟ وهل هذا المسلك إلا ثارات الجاهلية؟ التي نهى الله عنها في قوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام: 164)، وقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، وكان الصحابي خبيب بن عدي رضي الله عنه أسيرًا عند كفار مكة (بعد حادث بعث الرجيع) وهو متيقن أنهم سيقتلونه، وجاءه صبي منهم يزحف ومع خبيب الموسي وبوسعه أن يقتل الصبي انتقامًا منهم أو يأخذه رهينة، ومع ذلك لم يؤذ الصبي لأنه لا يجوز له أن يقتله، ولما رأى خبيب الفزع لدى أم الصبي قال لها (أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك) فقالت أم الصبي بعد ذلك (والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب) والحديث بطوله [رواه البخاري]، ([80]) . ولم يرد خبيب أن يختم حياته بذنب، فكيف بمن يقتل وينسف بلا حساب من لا يجوز قتله من الكفار، ومن لا يعلم ديانتهم من الأجانب؟ وكيف بمن يقتل الأجانب ويقتل معهم أهل بلده من المسلمين أو مجهولي الحال بالجملة؟ وقد أمره ربه بالتبين على كل حال.
والمانع السادس: (المعاملة بالحسنى): أن هؤلاء الأجانب والسياح في جملتهم ما جاءوا بلاد المسلمين لحرب أو لقتال، فتجري عليهم المعاملة بالحسنى الواردة في قوله تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، هذا هو ما شرعه الله معهم ومع أمثالهم (أن تبروهم) من البر وهو المعاملة الحسنة وفعل الخير معهم، و(تقسطوا إليهم) أي تعدلوا معهم ولا تظلموهم، لا أن تقتلوهم على حين غرة، وبعد: فهذه ستة موانع يكفي كل منها بمفرده للكف عن الأجانب والسياح وعدم التعرض لهم بسوء أو أذى، فكيف إذا اجتمعت كل هذه الموانع أو بعضها في حقهم؟ وأنا لم أذكر ضمن هذه الموانع تأشيرة السلطات في بلدان المسلمين والتي قد لا يعتبرها البعض مانعًا، وإنما ذكرت غيرها من الموانع، هذا مع العلم بأن أبا عمر بن عبد البر رحمه الله قد ذكر في كتابه (الاستذكار في ذكر مذاهب علماء الأمصار) أن عامة أهل العلم على أن كل ما فهمه الكافر أنه أمان له من جانب المسلمين فهو أمان معتبر أهـ ([81]) .والسياحة مشروعة في الجملة ومن المباحات، وكذلك معاملة الكفار والمشركين بالبيع والشراء والإجارة والهدية ونحوها كل هذا جائز وبوب عليه البخاري رحمه الله في كتب البيوع والهبة والمزارعة والإجارة من صحيحه، أما ما يرتكبه بعض الأجانب أو السياح من المنكرات في بلدان المسلمين فليست عقوبتها القتل وما هم عليه من الكفر أعظم، والكفار يقرون على الكفر والمنكرات (كالخمر والخنزير) في دار الإسلام بعقد الذمة، كما أن المستضعف لا يجب عليه تغيير المنكر باليد كما سبق في البنود السابقة، فكيف بالقتل؟ وقد كان الكفار يرتكبون أفحش المنكرات ويطوفون بالكعبة وهم عرايا تمامًا حتى عام 9هـ ولم يتعرض لهم أحد من المسلمين حتى نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قبل وفاته بسنة واحدة، وأرسل عليًا رضي الله عنه ينادي فيهم (لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) ([82]) .
(9) الالتزام بالحكم الشرعي، والخلاصة: أننا نرى أنه لا يجوز التعرض بالأذى من قتل أو نهب أو غيره للأجانب والسياح القادمين والمقيمين في بلاد المسلمين، وندعو جميع المسلمين إلى الالتزام بهذا الحكم الشرعي وعدم مخالفته، كما نرى أنه لا يجوز بحال استحلال قتل إنسان لمجرد انتسابه إلى بلد من البلدان (أي القتل على الجنسية) هذه بدعة لا سابقة لها في سلف الأمة، وليس انتساب إنسان إلى بلد ما دليلاً على إسلامه أو كفره، وإنما المراد من الانتساب إلى البلدان ونحوها مجرد التعريف كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، فجعل الله الانتساب إلى شعب أو قبيلة مجرد وسيلة للتعريف بالشخص، ثم أتبعه بما يؤكد أن الانتساب ليس معيار تفضيل، وإنما هذا بالتقوى والدين، وقد جمع الإسلام بين سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وبين أبي بكر العربي رضي الله عنه، فالقتل على الجنسية بدعة منكرة لا سابقة لها في سلف الأمة، وكذلك أيضًا لا يجوز بحال الحكم بإسلام إنسان أو كفره أو استحلال قتله بناءً على لون بشرته أو شعره أو لأنه يتكلم لغة أجنبية أو لأنه يلبس ثيابًا إفرنجية، ليس شيء من هذا دليل كفر أو إسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([83]) .
وفي عصر الصحابة رضي الله عنهم تم فتح معظم بلدان فارس والروم، ولم يقوموا في فتوحاتهم بقتل كل الناس سكان بلاد المشركين، ولم يقاتلوا أو يقتلوا إلا من انتصب لقتالهم منهم، فليس كل كافر يجب أو يجوز قتله، والكفر عقوبته في الآخرة، أما عقوبات الدنيا فهي لدفع العدوان والفساد، (10) الغدر بالأجانب في بلادهم: نهي من دخل بلاد الأجانب بإذنهم عن الغدر بهم “وهي مسألة العمليات الجهادية من داخل دار الحرب”، كان جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم للكفار غزوا من الخارج عند الاستطاعة، بمواجهة جيش المسلمين لجيش الكفار، ولم يرسلوا أحدًا من المسلمين للقيام بعمليات جهادية داخل بلاد فارس أو الروم أو مكة قبل فتحها فيما نعلمه، وما يفعله بعض المسلمين اليوم من القيام بهذه العمليات داخل بلاد الكفار نرى أنه لا يجوز شرعا لسببين: [السبب الأول: انتشار المسلمين في معظم بلدان العالم في هذا الزمان يجعل من المحتمل إصابة مسلمين بما يعم إتلافه كالتفجيرات، وقتل المسلم كبيرة من الموبقات والتبين واجب، والشبهة قائمة، فالكف عن ذلك واجب، وليست دار الحرب اليوم مختصة بالكفار كما كانت الحال قديما، بل المسلمون اليوم في كل هذه البلدان سواء من سكانها الأصليين أو من الوافدين إليها، ووجود المسلمين بين الكفار أمر جائز كما قال تعالى: “،، فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ،، ” (النساء: 92)، وقال تعالى: “إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالولدَان لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً” (النساء: 98)، وقد يكون المسلمون بين الكفار مجهولين لنا غير متميزين كما قال تعالى: “،، وَلوْلا رِجَال مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لمْ تَعْلمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلمٍ ليُدْخِل اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لوْ تَزَيَّلوا لعَذَّبْنَا الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَليماً” (الفتح: 25)، ولا يجوز قتل المسلمين المختلطين بالكفار بدعوى “التترس” لأن قتل الترس المسلم ليس في إجازته نص وإنما هو اجتهاد ولا يجوز إلا للضرورة ضمن القاعدة العامة: ” وَقَدْ فَصَّل لكُم مَّا حَرَّمَ عَليْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُررْتُمْ إِليْهِ،، ” (الأنعام: 119)، ولا ضرورة لذلك في هذه العمليات الحربية داخل بلاد الكفار، لأنها من العمليات الهجومية (جهاد الطلب) الذي لا ضرر على المسلمين من تركه أو تأجيله، ومن أجاز قتل الترس المسلم من الفقهاء إنما أجازه في جهاد الدفع وللضرورة عند الخوف على المسلمين إذا توقفوا عن قتل الترس المسلم قتلهم الكفار وقتلوه ولا يمكن للمسلمين قتال الكفار المهاجمين إلا بقتل من يحتمون به من المسلمين (الترس المسلم) جاز قتله في هذه الحال عملاً بقاعدة “يرتكب أخف الضررين” وليست هذا هي الحال في العمليات داخل بلاد الكفار، فلا يجوز الإقدام عليها لاحتمال سقوط قتلى من المسلمين المخالطين لهم، السبب الثاني: أن من دخل بلاد الكفار بأمانهم لا يحل له أن يخونهم في شيء، والتأشيرة اليوم هي إذن دخول وهي بلا شك عقد أمان منهم لمن أذنوا له بدخول بلادهم لعمل أو تجارة أو دراسة أو سياحة ونحوها، لأن حقيقة عقد الأمان عصمة الدم والمال، والمسلم إذا دخل بلاد الكفار اليوم فإنهم يحترمون دمه وماله وإذا اعتدى عليه أحد يهتمون بذلك ويحاكمون من اعتدى عليه ويعوضونه، فليس هو مهدرًا عندهم، فيجب على هذا المسلم الوفاء لهم لقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ،، ” (المائدة: 1)، حتى قال محمد بن الحسن الشيباني في كتابه “السير الكبير” “إن المسلم إذا زور خطهم ودخل به بلاد الكفار وصدقوه، وجب عليه الوفاء لهم” هذا حاصل كلامه، (وتزوير خطهم) هو ما يسمى اليوم بالتأشيرة المزورة، ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة ومن تلاميذ الإمام مالك رحمهم الله، والكفار ما أعطوه الأمان وسمحوا له بدخول بلادهم لكي يخونهم بل على أن يؤمنهم فيجب عليه ذلك وإن لم يشترطوه عليه صراحة لأنه مفهوم، وتنص القاعدة الفقهية على أن “المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا” فإن خانهم فقد ارتكب كبيرة يفسق بها للوعيد الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من ظلم معاهدًا أو ذميًا لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا”، وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان“([84]) . ومن خيانتهم والغدر بهم الاعتداء على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وتفجير طائراتهم وقطاراتهم وعمائرهم وفنادقهم ونحو ذلك، ولا يدخل هذا في حديث (الحرب خدعة) ([85]) . لأن خداع العدو لا يحل إن كان غدرًا، وهذا غدر ونقض لعقد الأمان (التأشيرة) فلا يجوز، وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم “إنا لا يصلح في ديننا الغدر الحديث [متفق عليه]، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم من علامات المنافق أنه “إذا عاهد غدر” ([86]) .
وأنه “إذا اؤتمن خان” ([87])وفي هذا قال ابن قدامة رحمه الله في أبواب الجهاد من كتابه “المغني ج9” “لا يجوز للمسلم أن يخون أهل دار الحرب إذا دخل ديارهم بأمان منهم لأن خيانتهم محرمة، ولا يصلح في دين الله الغدر” وقال في موضع آخر “الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم” أهـ ” ([88]) وكلامه هذا لا نعلم فيه خلافًا بين العلماء.
(11) الغدر نفاق ومن الكبائر: وبهذا تعلم أن ما يقوم به بعض المسلمين في البلاد الأجنبية اليوم من التفجيرات والقتل وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة، والاحتيال للاستيلاء على أموالهم، والاحتيال على شركات التأمين، والهروب من المساكن قبل دفع الإيجارات وتسديد فواتير التليفون وغيره، بحجة أنهم كفار، تعلم أن هذا كله حرام ولا يجوز شرعًا وهو غدر، والغدر نفاق ومن الكبائر ومرتكب الكبيرة إن مات بلا توبة يخشى عليه من عذاب النار يوم القيامة إلا إن شاء الله تعالى أن يغفر له، وهذا من علم الغيب قال تعالى: “إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلكَ لمَن يَشَاءُ،،” (النساء: 116)، ونحن نرى أن هذا كله حرام وننهى جميع المسلمين عنه، ويجب أن يتنزه المسلم عن هذه المحرمات من الغدر والفتك والخيانة،، وقديمًا أسلم كثير من الكفار بعدما خالطوا المسلمين ورأوا ما هم عليه من مكارم الأخلاق من العدل والإنصاف والوفاء وعفة اليد واللسان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له” ([89]) .
(12) نهانا الله عن العدوان في كل شؤوننا: وإذا كانت بعض الدول الكافرة تعتدي على بعض بلاد المسلمين وتقتل بلا تمييز، فإن هذا لا يبيح لنا الرد بالمثل، لأن الله سبحانه قد أخبرنا بأن الكفار دأبهم العدوان في قوله تعالى: “لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلـئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ” (التوبة: 10)، ومـع ذلـك نهانـا سبحانه عن العدوان في كل شؤوننا ومنها حال الجهاد والقتال فقال تعالى: “وَقَاتِلواْ فِي سَبِيل اللهِ الذِينَ يُقَاتِلونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ المُعْتَدِينَ “(البقرة: 190)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم “أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك” رواه الترمذي وأبو داود وحسنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، فالعدوان والخيانة ليسا من الأمور التي تجوز المعاملة فيها بالمثل، بل إن هذه النصوص الصريحة تمنع من ذلك، ومن العدوان المنهي عنه مع الأعداء: قتل من لا يجوز قتله منهم والغدر ونقض العهود وتخريب العمران لغير ضرورة الجهاد، ولهذا فقد سبق القول: إن القاعدة في معاملة أهل الحرب هي المعاملة بالمثل إلا في ما لا يجوز شرعًا، فالمعاملة بالمثل ليست على إطلاقها بلا ضوابط، ويجب أن يتنزه المسلمون عن الحرب اللاأخلاقية وإن فعلها العدو.
(13) قتل المدنيين في بلاد الكفار: ويرى البعض جواز قتل المدنيين (غير المقاتلين من الكفار) في بلاد الكفار لجواز قتل الترس الكافـر (الدروع البشرية) إذا دعت الحاجة إلى ذلك مستدلاً بحديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه وفيه سأل أنهم يُبيتون (أي يقاتلون في الليل) المشركين فيصيبون من ذراريهم (نسائهم وعيالهم) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “هم منهم” الحديث ([90]) . وهذا فهم خطأ، فمن دخل بلادهم بأمانهم لا يجوز له الغدر ولا يجوز له قتل العسكريين ولا المدنيين منهم، فلا يجوز تعمد قتل هؤلاء، ويكفيك قول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالعُقُودِ،،” (المائدة: 1)، ويكفيك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنا لا يصلح في ديننا الغدر”، فمن دخل بلاد الكفار بإذنهم (تأشيرتهم ولو من المطار) لا يحل له أبدا أن يغدر بهم ولا أن يعتدي عليهم بأي شكل.
(14) حكم قتل المدنيين: بقيت كلمة أخرى وهي أن أهل الدين الذين يبتغون وجه الله لا يغدرون، وأن الغدر من العلامات الفارقة بين أهل الإيمان وبين أهل النفاق (وإذا عاهد غدر)، كما أن الغدر من العلامات الفارقة بين طلاب الدين وبين طلاب الدنيا، وعن هذه الخصلة سأل هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية أرسل إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الإسلام ولما بلغت رسالته على هرقل عظيم الروم – وكان أيضًا من علماء النصارى – طلب من جنوده أن يبحثوا بالشام عن أناس من قوم النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءوه بأبي سفيان ولم يكن قد أسلم بعد وكان في تجارة بالشام، فسأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم (هل يغدر) قال أبو سفيان (لا) فقال هرقل (وكذلك الرسل لا تغدر) ضمن أسئلة أخرى حتى قال هرقل (ولقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أعلم أنه منكم) الحديث بطوله([91]) .
[متفق عليه]، فلا ينبغي لمسلم أن يفرح بأعمال الغدر لأنها من المعايب وليست من المفاخر.(15) عمليات حربية: وبقيت كلمة أخيرة في هذا البند، وهي للمسلمين المقيمين بالبلاد الأجنبية والذين يُقدم بعضهم على إلحاق الأذى بهذه البلاد وبأهلها، فإنني أقول: إنه ليس من المروءة أن تنزل بقومٍ ولو كانوا كافرين غير معاهدين يأذنون لك في دخول دارهم والإقامة بها ويؤمنونك على نفسك ومالك ويمنحونك فرصة العمل أو التعليم لديهم أو يمنحونك حق اللجوء السياسي مع الحياة الكريمة لديهم ونحو ذلك من أعمال المعروف ثم تغدر بهم تقتيلاً وتخريبًا، لم يكن هذا من خُلق النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سيرته، وقد قال الله تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، لقد كان خُلق النبي صلى الله عليه وسلم شكر الناس وَرَدّ الجميل لكل من أسدى إليه معروفًا، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في فِكاك أسرى بدر من المشركين (لو كان المُطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) ([92]) .
(16) تحريف الكلم: هكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع من أسدى إليه معروفًا من المشركين، فلا تصدق الذين يحرضونك على خلاف ذلك فإنهم ليسوا من أهل الفقه في الدين، ولا تغتر في استدلالهم بآية أو حديث فإنهم (يحرفون الكلم عن مواضعه) ويستدلون بها على غير وجهها الصحيح، وإنما هم يدعُون إلى الباطل بأدلة من الحق، فأقول للمقيمين بالبلاد الأجنبية ولجميع المسلمين احذروا هؤلاء الجهَّال واحترسوا من أبطال الإنترنت وزعماء الميكروفونات الذين أدمنوا إصدار البيانات والذين يُلقون بكم إلى المحرقة ثم يهربون حتى عن نسائهم وعيالهم، فقد ألقوا من قبلكم بالكثيرين إلى المحارق والقبور والسجون وبأموال أجهزة مخابرات، والأسماء موجودة وكذلك المبالغ، وأقول لكل مخدوع بهؤلاء: (ستعلمُ حين ينجلي الغُبار،، أَفَرسٌ تحت رِجلك أم حمار) هؤلاء الجهلة الجبناء الذين يُشعلون الحرائق ثم يهربون ويتركون غيرهم يحترق بها، أما جهاد الكفار وَرَدّ عدوانهم فطرقه معروفة في علم الفقه، وليس منها الغدر ونقض العهود، ويكفيك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة (إنا لا يصلح في ديننا الغدر)، ولم يقبل منه مال غدرته، والحديث بطوله في البخاري وهو حديث الحديبية. (17) النهي عن قتل المدنيين: سبق أنه لا يجوز الصدام مع السلطات الحاكمة في بلاد المسلمين من أجل تحكيم الشريعة، ولا يجوز التعرض لقوات هذه الحكومات بالأذى للأسباب المذكورة في البند السادس، وقد عجز البعض عن الصدام مع هذه السلطات فلجأ إلى إزعاجها بارتكاب ما لا يحل له من قتل عامة الناس (المدنيين) لأنهم أهداف سهلة لا حراسة لهم ولا هم مسلحون، وأحيانا يبتلي الله سبحانه عباده بتسهيل المعصية ليختبر صدق إيمانهم وخشيتهم له، ومن هذا يدرك المسلم أن سهولة فعل شيء ما لا تجيز فعله حتى يعلم حكم الله فيه، ومن هذا الباب قتل المدنيين لأنهم أهداف سهلة، والذي يمنع نفسه من المعصية مع سهولتها وقدرته على ارتكابها هو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الذين قال الله فيهم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 3]، ذكره ابن كثير في تفسيره. ([93]) .
(18) الفسق والمعاصي: لا شك في أن الفسق والمعاصي لا تخرج فاعلها من الإسلام، كما أن السكوت عن المنكرات أو الكفر ليس دليل الرضا، وغير صحيح البناء على القاعدة: (إن الرضا بالكفر كفر) أو قاعدة (من لم يكفَّر الكافر فهو كافر)ن فيكفر بها جمهور الناس، وهذا غير صحيح لجواز الإنكار بالقلب، ولأن المستضعف لا يجب عليه الإنكار باليد ولا باللسان إن خشي على نفسه، بل له رخصة في التقية عند الخوف، من هنا كانت القاعدة الفقهية: (لا ينسب إلى ساكت قول) إلا ما استثنى الشارع مثل سكوت الفتاة البكر دليل موافقتها على الزواج، فلا يجوز الحكم على الناس بناءً على سكوتهم ولا على اقترافهم بعض المنكرات، وقد أثبت الله الإيمان لمن يكتم إيمانه ويتخفى بدينه واعتقاده فكيف ينسب للساكت قول أو حكـم؟ قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28]، كما حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان لمن أنكر المنكر بقلبه وإن لم ينكره بلسانه ولا بيده أي أنه ساكت لم ينطق بشيء ولم يُكفِّر الكافر ولا أنكر المنكر فكيف يُسلب عن هذا حكم الإيمان بعدما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
(19) “مستور الحال“: الناس فيهم “مستور الحال” وهو من كان ظاهره الإسلام ولم يظهر منه ما ينقض إسلامه، فهذا معصوم الدم والمال قطعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([94]) .
وتعمد قتله من أعظم الكبائر كما سبق، وقتله فيه حقوق دنيوية وعقوبات أخروية، وتصح الصلاة خلف مستور الحال وتؤكل ذبيحته من دون اشتراط تبين حاله أو اختبار عقيدته، فكل من ظهرت منه شعائر الإسلام ولم يظهر منه ما ينقض إسلامه لا يجوز التوقف في إثبات حكم الإسلام له لقوله تعالى (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً) (النساء: 94)، ولحديث أسامة بن زيد في ذلك، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم) ([95]) .
فالتوقف في إثبات الإسلام لمن أظهر شعائره فيه مخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة، وإنما يجوز التبين أو يجب في مستور الحال في مواضع منها قوله تعالى: {إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: 10]، ومنها الأمور التي يشترط لها مرتبة أعلى من الإسلام الظاهر وهي مرتبة العدالة في ما يشترط له العدالة: كالشهود وتقليد الولايات والمناصب وفي الزواج لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2]، وقوله تعالى (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: 95)، وتعرف عدالة المسلم بمراقبة أحواله وبسؤال المسلمين العدول عنه كما في قول عمر السابق (فأتني بمن يعرفك) لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143)، ولما أثنى المسلمون على ميت قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم (وجبت،، أنتم شهداء الله في الأرض) الحديث ([96]) . هذا بعض ما يتعلق بمستور الحال، (20) “مجهول الحال”: والناس فيهم “مجهول الحال” وهو من لم يظهر منه ما يدل على إسلامه أو كفره، وهذا حال كثير من الناس، وهذا من مواضع التبين الواجب، فيجب الكف عنه ولا يتعرض له المسلم بأذى، ولا يجب تبين حاله إلا في المعاملات التي يشترط فيها معرفة الديانة أو العدالة كما سبق في مستور الحال،، وقديمًا كان يحكم لمجهول الحال في دار الإسلام بالإسلام ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم (تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) ([97]) .
لأنه لا يجوز ابتداء غير المسلم بالسلام، وذهب البعض إلى إجراء حكم الدار على ساكنيها، ورتب على هذا أن مجهول الحال بدار الكفر كافر، وهذا خطأ إذ قد أجاز الله كتمان الإيمان للمستضعف بدار الكفر، وأكد سبحانه ذلك بقوله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الفتح: 25]، وقد كانت مكة دار كفر حتى فتحها عام 8هـ، وكان يسكنها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل الهجرة وبقى فيها المستضعفون بعد الهجرة، وهم مؤمنون ولم يجر على أحد منهم حكم الدار، والصحيح أن مجهول الحال لا يقطع له بحكم حتى يتبين حـاله لقـوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94]، فكيف يجوز مهاجمة هؤلاء بما يعم إتلافه (التفجيرات) وما الداعي لذلك شرعًا؟ ولو افترضـنا وجـود الداعـي فكـيف يجوز مهاجمة مجهولي الحال بدون تبين وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 94]، وقد ذكر الله سبحانه هذه الآية بعدما ذكر الوعيد لمن قتل مؤمنًا متعمدًا في الآية السابقة عليها، وكرر في هذه الآية الأمر بالتبين لتأكيد وجوبه، وحذر من الإقدام على قتل مجهولي الحال لتحصيل الأغراض الدنيوية، ونبه عباده أنهم كانوا على هذه الصفة من قبل (كذلك كنتم من قبل) ليكون هذا زاجرًا لهم عن التسرع في التعرض للناس وسفك دمائهم، ولا أظن أن التعرض لعامة الناس في بلدان المسلمين اليوم من الجهاد في سبيل الله في شيء مثل ما حدث من تفجير الفنادق والعمارات ووسائل النقل، هذا كله لا يجوز ولو بدعوى جواز قتل الترس المسلم أو الكافر، فلا يجوز قتل المدنيين في بلاد المسلمين وفيهم المسلم وغير المسلم وفيهم مستور الحال ومجهول الحال، وقتلهم بالجملة في التفجيرات ونحوها متردد بين الحرام القطعي وبين الشبهة وفي الحديث الصحيح (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) وإذا اختلط الحرام بالحلال يحرم الكل، ولا يوجد أي مبرر شرعي للتعرض لهم أصلاً وننهي عن ذلك أنفسنا وجميع المسلمين أشد النهي، والمنكرات التي يرتكبها بعض الناس ليست عقوبتها الشرعية القتل والتفجير، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرض للناس بلا تمييز، وتوعد فاعل ذلك بأنه ليس من النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الصيغة من علامات الكبائر، فقال صلى الله عليه وسلم: (من خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها فليس مني) ([98]) . وهذه هي العشوائية في أذية الناس، أما يكفي للمسلم زاجرا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا) ([99]) . وقال صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء) ([100]) .
(21) التمييز في شروط الذمة: والتمييز الوارد في شروط الذمة هو في الأصل مستفاد مما تواتر عن النبي صلي الله علية وسلم – تواتراً معنوياً – من الأمر بمخالفة اليهود والنصارى، ومن قوله صلي الله علية وسلم: (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) ([101]) .
فالقول بأن النصارى مازالوا أهل ذمة قول غير صحيح وغير سديد ومخالف للشرع وللواقع معا، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: (أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما أنزل الله على محمد صلي الله علية وسلم لقوله)، ومع ذلك، فنحن نرى وجوب معاملتهم بالحسنى وعدم التعرض لهم بأذى، وننصح جميع المسلمين بذلك لأسباب منها:
1 – أنهم ليسوا هم الذين أسقطوا عن أنفسهم عقد الذمة، وإنما ترتب ذلك على تحكيم القوانين الحديثة التي تجري على الجميع مسلمين وغير مسلمين.
2 – أن الغالب عليهم معاملتهم للمسلمين بالحسنى، فيجب معاملتهم كذلك بحسب (قاعدة المعاملة بالمثل إلا فيما لا يجوز شرعا) وقد سبقت هذه القاعدة في البنود السابقة، وأيضًا لقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، ومعنى “تبروهم” من البر وهو الإحسان، و”تقسطوا” من القسط وهو العدل، فكل من لم يؤذ المسلمين تجب معاملته بالعدل والإحسان.
3 – إنهم جيران المسلمين في السكن والعمل والدراسة، والإحسان إلى الجار (من مسلم وغير مسلم) واجب شرعا وليس مجرد استحباب لقول النبي صلي الله علية وسلم في الصحيح: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ([102]) .
وفي رواية (فلا يؤذ جاره)، ولم يقصر ذلك على الجار المسلم وإنما أطلق اللفظ ليشمل عموم الجار أي كل جار (مسلم وغير مسلم)، وجعل صلي الله علية وسلم إكرام الجار من شروط الإيمان (من كان يؤمن) بما يعني أن تركه من الكبائر والفسق، ويتأكد ذلك بنفي الإيمان الوارد في قوله صلي الله علية وسلم (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) [متفق عليه]، فمن آذى جاره بأي شكل من أشكال الإيذاء فهو فاسق مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب، (22) قتل كل اليهود: وأعلم أيها المسلم أنه لا يوجد شيء في الشريعة اسمه قتل كل اليهود والنصارى الذين يسميهم البعض بالصليبيين، ولو كان هذا صحيحا ما بقى على وجه الأرض الآن من اليهود والنصارى إلا القليل، وما بقى منهم أحد في بلاد المسلمين فقد عاش هؤلاء رعايا لهم حقوقهم في ديار الإسلام قديما، يجوز للمسلم أن يعاملهم بالمعاملات التجارية وغير التجارية المختلفة وأن ينكح نساءهم، وقد جمع هذه الأحكام ابن القيم رحمه الله في كتابه “أحكام أهل الذمة”، أما قتالهم فالصحيح أنه يقاتل المعتدي منهم في جهاد الدفع، ويقاتل من انتصب منهم لقتال المسلمين في جهاد الطلب، هذا ما استقر عليه فقه المسلمين قبل غلبة الأهواء على الناس، فليحذر المسلم من إطلاقات الجهال في هذا الشأن، فالأمر له ضوابط وفيه تفصيل، وليس كل يهودي أو نصراني يجب أو يجوز قتله.
(23) حكم جهاد المنفرد: استدل البعض بقول الله تعالى: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ) (النساء: 84)، وبما فعله الصحابي أبو بصير – رضي الله عنه – بعد الحديبية على وجوب الجهاد على المسلم ولو كان وحده، وهذا الإطلاق غير صحيح، فليس في هذه الأدلة دليل على وجوب الجهاد على المسلم المنفرد، أما الآية فإنها مدنية نزلت بعد الشروع في التمكين وحصول المسلمين على دار للهجرة والإيواء والنصرة بالمدينة، كما امتن الله عليهم بذلك في قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26]، ولم يفرض الله عليهم الجهاد وهم (قليل مستضعفون) بمكة قبل الهجرة، ولو كان جهاد المنفرد واجبا لفرضه الله عليهم بمكة، ولما شرع الله للمستضعف العزلة والتخفي وكتمان الإيمان، ولأوجب الجهاد على كل من دخل في الإسلام من دون النظر إلى حاله من حيث التمكن والاستضعاف، وهذا كله يبين أن من استدل بهذه الآية على وجوب جهاد المنفرد لم يحسن الاستدلال، واستدل بآية وترك غيرها، ولم يعرف الواجب المناسب لكل واقع، ويؤكد ذلك أن النبي صلي الله علية وسلم وبعد الهجرة وبعد تشريع الجهاد لم يخرج إلى قتال وحده، وذلك لأن مقصود الجهاد هو إظهار الدين، وقتال الرجل أو الرجلين – ولو كانا نبيين – لا يحقق هذا المقصد، ولهذا لم يفعله الأنبياء عليهم السـلام، فكـيف يفـعله آحاد المسلمين، وبهذا يعلم أن الأمر الوارد في قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} [النساء: 84]، إنما هو للحض، وغاية ما يقال فيه أنه لبيان جواز ذلك لكنه ليس للوجوب، ولو كان قتال المنفرد واجبًا لأوجبه الله على المستضعفين، ولما شرع الله لهم جواز العزلة وكتمان الإيمان والتقية، ولما أمرهم بالعفو والصفح والصبر وقت الاستضعاف، ولما أجاز الصلح،،، وقد يرى الإمام أو الأمير تكليف فرد وحده بمهمة فهذا جائز، كما روى البخاري رحمه الله (أن النبي صلي الله علية وسلم بعث الزبير طليعة وحده)، ([103]) .
وفي غزوة الأحزاب أمر النبي صلي الله علية وسلم حذيفة بن اليمان أن يأتيه بخبر المشركين، فاندس بينهم لذلك رضي الله عنهم، أما أن يكون الرجل له أمير وقد بايعه بالإمارة، ثم يقوم بدون إذن أميره وبدون إعلامه بأعمال من جنس الجهاد تعود بتدمير الإمارة كلها وزوال الدولة على يد من استفزهم من أعداء الإسلام، فهذا الرجل يكون بذلك قد نكث بيعته مع أميره وخان وغدر وجلب الدمار على المسلمين وخالف أحكام الدين المستقرة القاضية بأن (أمر الجهاد موكول إلى الإمام)، وهذه كلها من كبائر الذنوب المهلكات، ينكث ويغدر ويهرب ثم يترك آلاف المسلمين الأبرياء يدفعون ثمن نكثه وغدرِهِ، ولو شئت أن أقول منهم فلان وفلان لقلت، – أن يغلب على ظن المنفرد أن قتاله سيعود بنفع على الدين وأهله، لأن هذا هو مقصود الجهاد.
(24) لا ضرر ولا ضرار، – أن لا يعود قتال المنفرد بضرر على الدين وأهله، لقول النبي صلي الله علية وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) وكل ما غلب ضرره وفساده على منفعته فهو حرام ولا يجوز للقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، ولأن (الفساد علة التحريم) ولا يجوز للمسلم أن يقدم على أمر له فيه منفعة ولو كانت طلب الشهادة إذا كان سيعود بالضرر على غيره من المسلمين، وقد قال النبي صلي الله علية وسلم: (المؤمنون كرجل واحد) ([104]) . وفي رواية في الصحيح أيضا: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد) ([105]) .فلا بد للمسلم من مراعاة أحوال بقية المسلمين، وإلا فليس هو من هذا الجسد الواحد أي ليس منهم، فليس من المسلمين من لا يبالي بما يجري على الإسلام وأهله ولا يهتم بهم، ومن هؤلاء من يضرب ثم يهرب ليختبئ ويترك أهل بيته وأتباعه وغيرهم من المسلمين يتحملون عواقب ضربته فيجري عليهم من التقتيل والسجن والتشريد والتجويع والانتقام بصوره على يد أعداء الإسلام ما تنوء الجبال بحمله، فليس هذا من الدين والجهاد في شيء ولا هو من شهامة الرجال، وقد كان أهل الجاهلية يستحيون من ذلك، فكان الفارس منهم يزُود عن أهله وعشيرته وإن قُتل، أما في زماننا هذا فتجد من يَفرّ عن أهله وأتباعه ويتركهم نهبا للقتل والسجن والتشريد ثم تجده لا يستحي ويتاجر بالقضية الفلسطينية التي هي بضاعة المفلسين أصحاب البطولات والزعامات الميكروفونية، فالأمر هو كما قال الشاعر: (لكل داءٍ دواءٌ يُستطب به،، إلا الحماقة أعيت من يداويها)، ومنهم من هرب وأرسل نساءه وأولاده إلى الملاذ الآمن ثم ترك إخوانه وغيرهم من المسلمين ونساءهم وعيالهم فريسة مكشوفة لبطش الأعداء وانتقامهم، ولو شئت أن أقول منهم فلان وفلان لقلت.
(25) الجهاد على عدوان غير جائز: – أن لا يشتمل جهاده على عدوان منهي عنه شرعا، كالعدوان على دماء وأموال من لا يجوز له التعرض لهم من المسلمين وغيرهم، كالمذكورين في كل البنود السابقة: أن لا يكون قتاله غدرا ولا ينقض بقتاله عهدا بينه وبين من يقاتلهم، لقول النبي صلي الله علية وسلم: (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) [متفق عليه] من حديث الحديبية، وقد سبق ذلك، وإذا نظرت في هذه الشروط تجدها كلها قد توافرت فيما قام به أبو بصير – رضي الله عنه – فلا إشكال في ذلك، فقد كانت له قاعدة آمنة مستقلة، ولم يكن تحت سلطان النبي صلي الله علية وسلم، ولم يضر المسلمين بما فعل، ولم يعاهد أحدا فينقض عهدا أو يغدر بفعله، ومع ذلك فإن أبا بصير لم يكن وحده منفردا إلا في أول الأمر وإنما اجتمع إليه كل من هرب من مكة من المسلمين المستضعفين بعد الحديبية حتى كثر عددهم، ولم يحاربوا جيشا يفوقهم عددا وعدة بآلاف الأضعاف، وإنما كانوا يهاجمون بعض المحاربين من مشركي أهل مكة، ولم يكن لدى أهل مكة طيران يقصفونهم به كما هو ممكن اليوم، ولم يتسللوا لعمل عمليات قتالية داخل مكة وبمجرد أن سمح كفار مكة لأبي بصير ومن معه بالالتحاق بالمسلمين في المدينة – بخلاف ما اشترطوه في صلح الحديبية – ترك أبو بصير وأصحابه مناوشتهم لأنها لا تفيد في إظهار الدين وهو مقصود الجهاد، وقد تضرهم.
(26) (تنبيهات): احتج بعض من يرى جواز قتال المسلم المنفرد بأدلة منها قول الله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ} [البقرة: 249]، وقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، ونحو ذلك من الأدلة التي قد يفهم منها البعض جواز تصدي مسلم يحمل سكينا لرتل من دبابات العدو أو لجيش عرمرم، وهذا فهم غير سديد، وهنا عدة تنبيهات على هذه الأدلة وعلى هذا الفهم: – منها أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من آية واحدة أو حديث بدون جمعها مع ما يقيدها أو يخصصها من بقية الأدلة الواردة في نفس المسألة والتي قد تخفي على العامة، ولهذا أوجب الله سؤال أهل العلم بقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أهل الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وبين النبي صلي الله علية وسلم أن فتوى الجهال هي سبيل الضلالة في قوله: (اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) الحديث ([106]) .
فلا يجوز النظر في دليل وترك غيره في موضوعه، فمن أفتى بأن عدة المطلقة ثلاثة قروء معتمدًا على قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، بدون أن يستفصل من السائل عن حال المطلقة فقد أساء وضل وأضل وإن كان قد أجاب بآية من كتاب الله لأنها ليست عامة في جميع المطلقات، وكان الواجب عليه أن يستفصل لأن هناك أصنافا من المطلقات لعدتهن أحكام في نصوص أخرى، فالمطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها البتة لآية سورة الأحزاب رقم 49، والصغيرة والآيسة عدتهن ثلاثة أشهر والحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل لآية سورة الطلاق رقم 4 ولحديث سبيعة رضي الله عنها، والمسلمة المهاجرة إذا تركت زوجًا كافرًا بدار الكفر عدتها حيضة واحدة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، والزوجة الأمة عدتها حيضتان للحديث، والأمة الرقيق تستبرأ بحيضة واحدة للحديث، فلا يجوز النظر في دليل وترك غيره في موضوعه، ويدخل في هذا الاستدلال الخاطئ بما سبق على جهاد المنفرد.
(27) التكافؤ: هناك حد أدنى من التكافؤ في العدد والعدة بين المسلمين وأعدائهم، إذا اختل هذا الحد لم يجب على المسلمين الثبات في الحرب، وهي الآيات بآخر سورة الأنفال، وفيها قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر) ([107]) .
ولم يحصر كثير من العلماء التكافؤ في العدد فقط، وإنما عداه إلى العدة لعموم العلة وهي أن علة التخفيف هي الضعف (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) (الأنفال: 66)، ولو لم يكن التكافؤ في القوة معتبرا كشرط للثبات في الجهاد لما قال الله تعالى: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ)، وذلك لأن الله سبحانه قد رتب أمور الدنيا على نظام الأخذ بالأسباب لا على خوارق العادات والمعجزات والتي قد تحدث، لكنها ليست هي الأصل والعادة وإن كان زمن المعجزات قد انقضى، وإنما الأصل الأخذ بالأسباب لتحقيق نتائج معينة، وذلك حتى يثق الناس في أعمالهم لعمران الدنيا والآخرة، فمن جد وجد ومن زرع حصد ن وقد نبه ابن القيم رحمه الله على ذلك وكيف أخذ النبي صلي الله علية وسلم بالأسباب في كل شأنه في هجرته وفي غزواته وكيف ظاهر بين درعين في غزوة أحد وغير ذلك وهو مؤيد بالوحي، فليس من الأخذ بالأسباب ولا من التكافؤ تصدي مجموعة من المجاهدين لجيش من الأعداء.
(28) أحكام فقهية: منها أن قرار الحرب والجهاد لا يعتمد على الأحكام الفقهية وحدها وإنما مع الخبرة العسكرية، وبهذا أفتى أحمد بن حنبل – رضي الله عنه – بأن الغزو مع الأمير الفاجر القوي أفضل من الغزو مع الأمير الضعيف التقي، والقوة والضعف هنا هما بالنظر إلى خبرته بالحروب، وقال أحمد: (إنما فجوره على نفسه وقوته للمسلمين) وذلك لأن مقصود الجهاد إظهار الدين، واعتبار الخبرة الحربية هو ما جعل النبي صلي الله علية وسلم يُؤمّر أهل الخبرة مثل عمرو بن العاص وخالد بن الوليد على من هم خير منهم في الديانة والسبق إلى الإسلام من أكابر الصحابة رضي الله عنهم لما في ذلك من منفعة للمسلمين، والنظر إلى التكافؤ (في العدد والعدة بين المسلمين وبين عدوهم) مع الخبرة العسكرية هو ما جعل خالد بن الوليد – رضي الله عنه – لم يتأثم من الانحياز “الانسحاب” بجيش المسلمين في غزوة مؤتة بعد مقتل الأمراء الثلاثة الذين نصبهم النبي صلي الله علية وسلم على الجيش في هذه الغزوة، التي كان يواجه فيها ثلاثة آلاف من المسلمين مئتي ألف من الروم، أي بنسبة (ثلاثة إلى مئتين) وقد سمى النبي صلي الله علية وسلم صنيع خالد في هذه الغزوة فتحا، إذ أنقذ جيش المسلمين من المهلكة، وقد نزلت آية: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) (الأنفال: 60) قبل غزوة مؤتة ولم يفهم خالد منها ما فهمه بعض المعاصرين، – ومنها أن الجهاد لو كان واجبا بدون اعتبار التكافؤ في القوة عددا وعدة، وأنه يكفي إعداد ما يستطاع من أي قوة، لو كان هذا الفهم صحيحا لأوجب الله الجهاد على المسلمين وهم مستضعفون بمكة قبل الهجرة وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم، وقد سبق التنبيه على أنه لا يعقل أن يلتزم شاب بدينه اليوم ثم في سنوات معدودة يصير مفتيا وجنرالا في وقت واحد، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه (ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ويتعرض من البلاء لما لا يطيق)، ولا يجوز التضحية بالمسلم فيما لا يفيد ولا ينفع ولا يجوز التكليف بما لا يطاق باتفاق أهل العلم، ومن لم يكن لديه علم بالشرع يرشده فليكن له عقل يعقله ويحجره.
(29) يأمرون غيرهم بما لم يفعلوه: وليعلم المسلم أنه في زماننا هذا قد انسحب قوم وهربوا من أمام العدو بسبب عدم التكافؤ في القوة، حتى فرّوا عن نسائهم وعيالهم وتركوهم فريسة لقصف العدو، وهم في الوقت نفسه يحرضون غيرهم من المسلمين – ممن لا حيلة لهم ولا استطاعة – على التصدي والصمود للأعداء على الرغم من تيقنهم من عدم التكافؤ في القوة، فيأمرون غيرهم بما لم يفعلوه، وقد ذمّ الله فاعل ذلك في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وفي قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]، وليس هذا فحسب بل تجدهم في نفس الوقت الذي يسعون فيه إلى التفاوض مع الأعداء يدفعون غيرهم إلى الصدام مع العدو ويضحون بهم ليستخدموهم كورقة سياسية عند التفاوض مع العدو، وهناك من يريد مسالمة عدوه ولكن بعيدا عن وسائل الإعلام حتى لا تضيع وجاهته عند المعجبين به، فلا تنخدعوا يا معشر الشباب بأبطال الإنترنت وزعماء الميكروفونات وتجار الشعارات الذين هم من كبار المورّدين للقبور والسجون، ولو شئت أن أقول منهم فلان وفلان لقلت، وتعلموا دينكم يا معشر الشباب حتى لا تغتروا بهؤلاء وحتى لا تكونوا ضحايا لشعاراتهم وجعجعتهم.
(30) نصائح لأتباع الجماعات: (1) تعلم دينك: ف (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ([108]) .
، وهناك أمور في الدين يجب على كل مسلم أن يتعلمها قبل البلوغ الذي هو وقت جريان قلم التكليف عليه، وهذا ما يسمى بـ (فرض العين من العلم الشرعي)، ومنه معرفة أركان الإسلام و نواقضه والحلال والحرام، وضابط ما يجب على المسلم تعلمه من دينه بعد فرض العين هو: ألا يقدم على فعل شيء إلا بعد معرفة حكمه الشرعي من جهة الأحكام التكليفية الخمسة (الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه)، فلا يجوز لمسلم أن يفعل شيئًا حتى يعلم حكم الله تعالى فيه، ومن شرف العلم أن الله عز وجل لم يرشد نبينا صلى الله عليه وسلم إلى طلب الاستزادة من شيء في الدنيا إلا العلم فقال جل شأنه: « وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً »(طه: 114)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) ([109]) .
(2) العلم لأجل العمل: ما تعلمته من دينك اعمل بما تستطيعه منه: فإنما يراد العلم لأجل العمل ولا تكلف نفسك ما لم يوجبه الله عليك من الواجبات في حدود قدرتك واستطاعتك، فقد قال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، وقال سبحانه: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) (الطلاق: 7)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ([110]) .
ولا تتأثم ولا تشعر بالحرج في ترك ما عجزت عنه من واجبات الدين فإنه (لا واجب مع العجز)، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا وأبشروا) ([111]) . ومعنى (سددوا) أي الزموا السداد وهو الكمال، فإن لم تستطيعوا (قاربوا) أي اقتربوا منه، ومع ذلك (أبشروا).
(3) المبني على الفاسد فاسد: لا تفعل ما لا يحل لك لتؤدي ما لا يجب عليك: كالذي يسرق ليتصدق، أو كالذي يسطو على أموال الآخرين لتمويل الجهاد، فالكل غير مقبول عند الله، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27)، وفي الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا) ([112]) .
وقال تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) (البقرة: 189)، والقاعدة الفقهية أن (المبني على الفاسد فاسد).
(4) اعلم أن الحكم الشرعي لا يترتب على السبب وحده: بل لا بد من النظر في الشرط والمانع بحسب قاعدة (يترتب الحكم على السبب إذا توافر الشرط وانتفى المانع)، كامتلاك النصاب (سبب لحكم) وجوب الزكاة فيه، إذا (توافر الشرط) ومنه حَوَلان الحول في النقدين وعروض التجارة والأنعام (وانتفى المانع) كالدين المستغرق للنصاب، وهذه القاعدة عامة في معظم أحكام الشريعة ومنها الجهاد قد يوجد سبب وجوبه ولا يجب على فرد معين للعجز أو لعدم النفقة ونحو ذلك، فلا يجوز ترتيب الأحكام بمجرد أسبابها، إلا بعد النظر في الشروط والموانع وقد سبق في البند الثاني بيان الفرق بين الوجوب المطلق وبين الوجوب على المعين، فلا تتعجل في إصدار الأحكام على الناس فهذا من علامات الجهل.
(5) لا تكتفِ برأيك في أمورك: وما أنت مقدم عليه، واستشر من هم أعلم منك وأكثر منك خبرة وأكبر منك سنا من الأمناء، وفي الصحيح لما أشكل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه هل يدخل الشام أم لا في عام الطاعون (18هـ)؟ لم يشر عليه بالرأي السديد من كل من استشارهم إلا أهل الخبرة من كبار السن (وهم مَشيخة قريش من مُسلمة الفتح) وذلك قبل أن يبلغهم الخبر المرفوع من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، والحديث بطوله متفق عليه.
(6) لا تسلم عقلك لغيرك بدعوى السمع والطاعة: فإنك إن أخطأت لن يحمل أحد وزرك يوم القيامة فقد قال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38)، ولا تقبل فتوى بعمل إلا من مؤهل للفتوى كما ذكرته، والجهلاء يشعلون الحرائق، واعلم أن السمع والطاعة هما في الأصل لله وللرسول صلى الله عليه وسلم أي للدليل الشرعي من الكتاب والسنة لا لشخص الأمير، وفي الحديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ([113]) فلا تَلْغِ عقلك، ولا تتبع زعماء الميكروفونات وأبطال الإنترنت الذين يُطيّرون البيانات المحرضة للشباب في الوقت الذي يعيشون فيه في حماية أجهزة مخابرات أو في حماية قبيلة أو في مغارة نائية أو في لجوء سياسي لدى دولة كافرة، وهم يُجعجعون في الميكروفونات، وعلى الإنترنت ويقودون الناس بالجملة إلى القبور وإلى السجون وهم في مأمن، بخلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قيادة جيش المسلمين بنفسه في أغلب الأحوال حتى كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: (كنا إذا اشتد البأس وحَمى الوطيس اتقينا برسول الله) صلى الله عليه وسلم، أما هؤلاء فإنهم إذا اشتد البأس يفرون عن نسائهم وعيالهم وأتباعهم ويتركونهم فريسة لبطش الكافرين وانتقامهم، وهم مع ذلك لا يستحيون ومازالوا يجعجعون.
(7) العهود والمواثيق: الوفاء بالعهد واجب: قال تعالى: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (الإسراء: 34)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) (المائدة: 1)، وهذا واجب مع جميع الناس حتى مع الكفار والمشركين، فقد استوقف كفار قريش عند خروجهم إلى بدر حذيفة بن اليمان وأباه رضي الله عنهما ولم يخلوا سبيلهما إلا بعدما تعهدا لقريش أن لا يقاتلوهما، ثم لقيا النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عند بدر فأجاز ذلك وأمرهما بالوفاء، ولم يشاركا في غزوة بدر ([114]) .
ونقض العهد من الكبائر ومن خصال النفاق (وإذا عاهد غدر) كما في الحديث الصحيح، والعهود يجب الوفاء بها إذا كانت على ما يجوز شرعًا لا على ما يحرم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) ([115]) . ولما ورد في الحديث الصحيح: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط) ([116]) .
ومما يجوز شرعًا أن من التزم وتعهد بعدم الصدام مع السلطات الحاكمة وقواتها في بلده وجب عليه الوفاء بذلك، ولا ينبغي أن يعتبر تعهده من باب: (الحرب خدعة) ([117]) .وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا لا يصلح في ديننا الغدر) ([118]) . والعهود والمواثيق والشروط بين الناس جائزة في الجملة إذا كانت على ما يجوز شرعًا قال تعالى: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ) (النحل: 91).
(8) طلب ما يجب من الرزق أفضل من الاشتغال بنوافل العلم والعبادة: ذكره ابن الجوزي رحمه الله في « صيد الخاطر » لأن المسلم يأثم بتضييع من يعول ولا يأثم بترك نوافل العلم والعبادة، و« اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول »، ([119]) . وسؤال الناس يأتي خدوشًا في وجه صاحبه يوم القيامة، « ولا تزال المسألة بالرجل حتى يلقى الله عز وجل يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم »، ([120]) .
(9) لا تستهن بالذنوب والمعاصي: فقد دخل رجل النار وهو يجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بسبب عباءة سرقها من الغنيمة قبل قسمتها (غلها) الحديث([121]) .
وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (مهما تلاعبت به من شيء فلا تلاعبن بأمر دينك)ن وإذا لم تستطع أن تزيل المنكر فزل عنه واعتزله، فهذا مقتضى إنكار القلب، (10) الجنة ليس لها ثمن إلا الصبر: قال الله تعالى « وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً » (الإنسان: 12)، وقال تعالى: في أصحاب الجنة « وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ » (الرعد: 23، 24)، والصبر هو « حبس النفس على المكاره » وهو أشق شيء على النفس لأنه حمل النفس على خلاف هواها، ومن هنا كان هو ثمن الجنة لما ثبت في الصحيح من أنه « حُفت الجنة بالمكاره »([122]) . فلن يخلص أحد إلى الجنة إلا باحتمال تلك المكاره وهذا هو الصبر، وهو ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) ([123]) .
والثمن هو الصبر، والصبر على مكاره تنقطع عما قريب بالخروج من هذه الدنيا أهون وأيسر من الصبر على المكاره العظمى التي لا تنقطع إلى الأبد في جهنم، أعاذنا الله وإياكم منها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم « يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيهم أجر خمسين » قال الصحابة: يا رسول الله خمسين منا أم منهم؟ قال صلى الله عليه وسلم « بل منكم » ([124]) .
(11) الرجوع إلى الحق واجب وخير من التمادي في الباطل: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (201) [الأعراف: 201]، وقال تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص: 24]، وقال بعض الصالحين « لأن أكون ذنبًا في الحق خير من أن أكون رأسًا في الباطل » والذنب هو آخر الذيل، ولقد رأيت في زماننا المعاصر بعض من ينادى بالحكم بالشريعة الإسلامية ويرفع راية الجهاد من أجل ذلك لا يطبق الشريعة في خاصة نفسه ولا في جماعته الإسلامية إذا جاءت خلاف هواه، وكنت أقول إذا كان هؤلاء المطالبون بتطبيق الشريعة لا يطبقونها على أنفسهم وهم مستضعفون فكيف سيفعلون إذا تمكنوا وحكموا البلاد؟، وما ينكره هؤلاء على الحكام من عدم تطبيق الشريعة يفعلونه وهم مستضعفون، وهذا أحد أسباب خذلان الله لبعض الجماعات الإسلامية، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، وأصبحت المرجعية العليا لديهم للرأي والهوى لا للشرع، ولو شئت أن أقول منهم فلان وفلان لقلت.
(12) كل من سعى في حق ولـم يدركه أو لـم ينتفع به أو أضير بسببه في دنياه تم له أجره عند الله تعالى: وذلك لأن كل ما يحصل عليه المسلم في هذه الدنيا (لقمة خبز فما فوقها) ولو من حلال تنقص من أجره يوم القيامة وتنقص من منزلته في الجنة ونعيمه فيها وإن دخلها ابتداء بلا سابقة عذاب ولا مناقشة حساب، وهذا هو أصل « الزهد في الدنيا » عند الصالحين من أمم جميع الأنبياء عليهم السلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس وكذلك كان عيسى بن مريم عليه السلام أزهد الناس، ذكر أخباره أحمد بن حنبل رحمه الله في كتابه « الزهد »، وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة وهم أصحاب الصُفّة، حتى يقول الأعراب « هؤلاء مجانين »، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم فقال: (لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة) ([125]) .
و« الخصاصة » الجوع الشديد، و« الفاقة » الفقر، وكذلك في الجهاد: من سعى في ذلك بلا إثم ولا عدوان ففشل ولم يدرك نصرًا أو أصـيب فقـد تم له أجـر جهاده عند الله تعالى بخلاف من انتصر وغنم، وبذلك وصف خباب بن الأرت حال مصعب بن عمير الذي قُتل يوم أحد فلم يدرك الفتوحات العظيمة والغنائم الجزيلة التي أصابها المسلمون بعد ذلك فتم لمصعب أجره في الآخرة رضي الله عنه، قال خباب: (هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) ([126]) .
و« نمرة » قطعة قماش، و« الإذخر » نبات طيب الرائحة، و« أينعت » نضجت، و« ثمرته » زهرة الدنيا ونعيمها، و« يهدبها » يقطفها، وروى البخاري رحمه الله حديثًا مثل هذا عن عبد الرحمن بن عوف في شأن مصعب بن عمير وفيه قال عبد الرحمن « ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا » رضي الله عنهما.
(13) حسن الخلق واجب مع جميع الناس مسلمهم وكافرهم: لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم « وخالق الناس بخلق حسن » ([127]) . ولم يقصر أمره على المسلمين، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أن أكثر ما يدخل الناس الجنة « تقوى الله وحسن الخلق »([128]) . وهو من أثقل الأشياء في ميزان العبد يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم « ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء » ([129]) . وقد قال الله تعالى « وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً » (البقرة: 83)، وبرّ الوالدين واجب ولو كانا كافرين، واعلم أن حسن الخلق مظنة توفيق الله للعبد، وهذا أمر يعرفه العقلاء في كل أمة بالاستقراء، ومن هنا لما جاء الوحي جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم أول مرة قال صلى الله عليه وسلم وهو يحكي الخبر لخديجة رضي الله عنها « لقد خشيت على نفسي » فقالت له « كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق » ([130]) . فاستدلت رضي الله عنها على أن من كان على مكارم الأخلاق هذه لا يخزيه الله في شيء بل يوفقه، وفي المقابل فإن كثيرًا من الإخفاقات سببها سوء الأخلاق.
(14) جواز الأخذ بالأيسر وبالرخصة الشرعية لرفع الحرج ودفع المشقة: قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء: 28]، وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، ولهذا قال الشاطبي رحمه الله: (إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع) ([131]) . وقالت عائشة رضي الله عنها: (ما خُيّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا) ([132]) . وقال (صلى الله عليه وسلم): (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً،،([133]) . ومن التنطع وهو التعمق: التشدد في غير موضع التشدد، ولما أمـر النـبي (صلى الله عليه وسلم) الصحابة بالرخصة وقت الشدة فلم يفعل بعضهم وصفهم بقوله: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) ([134]) . فلا يجوز الإنكار على من أخذ بالرخصة الشرعية بعد ورود الشرع بجوازها، ويتدرج ذلك حتى تجوز التقية عند الخوف، ويجوز إظهار الكفر مع طمأنينة القلب عند الإكراه الملجئ كما صنع عمار بن ياسر رضي الله عنهما مع كفار مكة حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عادوا فعد) ([135]) . على أنه يجدر التنبيه هنا على أنه لا تقية ولا خداع في العهود كما سبق بيانه، والرخصة في إظهار الكفر عند الإكراه رخصة خاصة بهذه الأمة الإسلامية يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: في الحديث السابق (وضع عن أمتي) ولم يكن مرخصاً بذلك في الأمم السابقة،، ذكره القرطبي في تفسيره، ويدل عليه أيضًا حديث صهيب في قصة أصحاب الأخدود فلم يترخصوا في إظهار الكفر رغم إحراقهم، ويدل عليه حديث خباب (إن من كان قبلكم كانوا ينشرون بالمناشير)، والحديثان في الصحيحين، رضي الله عنهم أجمعين، فلا يجوز الإنكار على من أخذ بما يجوز من الرخصة الشرعية خصوصا في الشدائد.
(15) محاسبة النفس والتناهي عن المنكر: قال الله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) (المائدة: 78، 79)، وكان من أسباب لعن الله لليهود أنهم تركوا التناهي عن المنكر في ما بينهم، ومع ذلك فقد رأيناهم يحاسبون – في هذا العصر – موشى ديان وغولدا مائير بعد حرب 1973م حتى استقالا، واليوم يحاسبون رئيس إسرائيل (موشى كتساف) ورئيس وزرائهم (أولمرت)، هذا في حين نرى كثيرًا من الجماعات الإسلامية لا تحاسب أنفسها على الخطأ، وبالتالي تتكرر الأخطاء وتتضاعف، وهذا كله من أسباب الخذلان والفشل) أهـــ [كتبها: الدكتور فضل، وهو: السيد إمام بن عبد العزيز الشريف، المعروف بعبد القادر بن عبد العزيز، وهو كان داخل هذا التيار، واعلم الناس به وصدق الله حيث يقول: {ولا ينبئك مثل خبير}،
***
المبحث الخامس حلقات الوصل المفقودة في باب السياسة الشرعية بين الإسلاميين وبين حكام المسلمين
[المفتاح الأول]: يرى الإسلاميون أنهم الواقفون على ثغور العمل الإسلامي، وانهم على علم خاص لا يعلمه لا علماء العقيدة ولا علماء الفقه ولا علماء التصوف، ولا غيرهم وأنهم المؤسسون لعلومه ومن ذلك علوم الدعوة إلى الله تعالى وعلوم الحسبة على الدين وعلوم العمل الجماعي المناصر للإسلام والمتعاون على البر والتقوى، وهذا سهم في الإسلام لا نغمطهم فيه حقهم، ولا شك أنّ لهم نصيب كبير من هذا العلم، ولكنهم عرفوا فيه أشياء وغابت عنهم أيضا أشياء كثيرة، فكان لا بد من وصل الحلقات المفقودة في تلك العلوم ما بين صلاحيات الإسلاميين وصلاحيات المؤسسات العلمية القائمة على ثغور العلم الإسلامي كالأزهر الشريف بعلمائه ومؤسساته وجامعاته على سبيل المثال، وما بين صلاحيات الحكام في هذا الباب.
[المفتاح الثاني]: يرى الإسلاميون أنّ دين الإسلام منهج عملي قويم جاء ليحكم الأرض بالعدل والقسط والميزان: وانه إضافة إلى كونه عقيدة وشريعة وتزكيه، فإنه منهج عملي قويم جاء ليحكم الأرض بشرع الله عز وجل وينظم الحياة فيها وفق مبادئه الحسنه القيمة التي جاء بها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنّه قد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالبينات وبالهدى وبدين الحق وأيده بالقوة والسلطان من أجل إظهار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون، وكل ذلك حق وصدق، ونتفق في أنّ الدعوة إلى الله من أعظم مهام الإسلاميين، لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]، وقوله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا،،،))([136]) . وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ((فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم)) ([137]) . فالدعوة إلى الإسلام أعظم الثغور أجرا وأحسنها أثرا، ولهم كذلك ان يقوموا بواجب الحسبة على الدين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن في اطار النصح والإرشاد، وليس التغيير بالقوة وجمع الأعوان وإلا صاروا دولة داخل الدولة، والإسلام لا يقبل وضعا كهذا بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ([138]) .
والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه، وأن من نازع السلطان في صلاحياته، فلا مجال إلا للتخلص منه، وأنّ سفك دم المنازع للسلطان أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج، أما أمر الجهاد، فلا يصح ولا يجوز إلا في عباءة الدولة ومن خلالها، لا يصلح إلا بذاك.
[المفتاح الثالث]: يرى الإسلاميون انّ منهاجهم في العمل للإسلام هو منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله عز وجل ليل نهار ويحتسب على دين الإسلام في كل أموره أمرا بكل معروف، ناهيا عن كل منكر، مجاهدا في سبيل الله جهادا دفاعيا في بادئ أمر الجهاد لأجل حماية دين الإسلام وأهله ثم جهادا طلبيا من أجل نشر الدين وبسط سلطانه، وكل ما يقوله الإسلاميون حق وصدق وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وكان هو الرسول المعصوم وكان هو الحاكم القائد وكان هو الداعية الملهم وهو المحتسب الأول وهو سيد المجاهدين في سبيل الله، ويستحيل أن يقوم فرد أو جماعة بعينها بكل مهام النبي صلى الله عليه وسلم إلا ان تكون جماعة المسلمين هي من تنوب عنه في إتمام رسالته، وإنما كان الامر كذلك ليقتدي به الخليفة في موقعه والقائد بين جماعته والداعية في دعوته والمحتسب في حسبته والمجاهد في جهاده والمعلم في أداء رسالته أما أن تتكلف جماعة من المسلمين وتزعم انها تنوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمل امانة الدين فهذا افتئات على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وافتئات على دين الإسلام فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته في مجال ولايته، فهل تظن جماعة الاخوان مثلا انّ الشيخ البنا رحمه الله ينوب عن النبي في أداء الرسالة دعوة وحسبة وتربية وتعليما وجهادا في سبيل الله، فوالله إنها لمرتبة قصر عنها أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب، فكفانا تكلفا وافتئاتا على الشرع، والدين واسع والأصولي يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في عقيدته والفقيه يقتدي به في علم الفقه والصوفي يقتدي به في علم التزكية والإحسان والداعية يقتدي به في دعوته والمحتسب يقتدي به في حسبته والحاكم يقتدي به في عدله ورحمته.
فهل نختزل (الإسلام) في شخص فلان وعلان والله ولا أبو بكر رضي الله عنه ينوب عنه في حمل الرسالة من كل جوانبها، حتى نزعم ذلك لغيره رضي الله عنه وأرضاه، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، والمتشبع بما ليس عنده كلابس ثوبي زور، والمتكلف بشيء ليس من طاقته ولا من مرتبته فهو من المتكلفين، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص 86].
[المفتاح الرابع]: يرى الإسلاميون انّ وجوب العمل الإسلامي الجاد – اليوم- آكد من ذي قبل لأسباب عديدة: منها: غياب خلافة المسلمين التي تعد العدة لإرهاب أعداء الله والتي تعلن الجهاد لنصرة المستضعفين من المسلمين، ومنها ما آل إليه حال الشعوب الإسلامية من التفريط في أركان الإسلام وفرائضه والاستهانة بحرماته ومنها أنّ العلماء والعاملين لدين الإسلام في مختلف أقطار الإسلام من الدعاة والمصلحين، نسبتهم في المجتمع غير مؤثرة مما يستوجب التضامن والتكامل والعمل الجماعي المؤسسي من أجل نصرة الدين وتحقيق أهدافه، وهذا كله حق وصدق ولكن ليس كل زمام الأمور في يد الإسلاميين، فهناك أمور يُفطم عنها من ليسوا من أهلها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه) ([139]) .
فلا ينبغي لاحد ان يطلب الإمارة من أجل الإصلاح، وإلا تكالب الناس واشرأبت أعناقهم طلبا للرياسة، وكذلك فقد جاء في الحديث المتفق عليه عن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([140]) .
وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام، فما الحل كلنا يُريد الإصلاح وكلنا يٌريد الصلاح ولكن نحن نسير في قدر الله نعمل ما بوسعنا ولا نتكلف أمورا لا طاقة لنا بها ولم يجعل الشرع طريقا إليها، فما لنا ومزاحمة السلاطين، الواجب علينا أن نصلح قدر المستطاع في اطار ما سمح الشرع لنا، والدعاء سلاحنا والعبادة وسيلتنا ولكن ان نزاحم الحكام صلاحياتهم من أجل نصرة الدين، والله ما فُتح هذا الامر إلا وجلب شرا مستطيرا، باب الدعوة مفتوح وباب العبادة مفتوح ليل نهار وباب التربية والتعليم مفتوح.
واما الحكام فعلاجهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([141]) .
وعلاجهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:(اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([142]) .وعلاجهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([143]) .
(الصوفية) -على بعض المآخذ الحالية- يعتكفون ليل نهار ويجوبون البلاد طولا وعرضا لهم منهاجهم في العمل بالإسلام والعمل للإسلام والدعوة إلى الإسلام ولكن هل تعرض لهم احد؟ والجواب لا ، لانهم ما تعرضوا لصلاحيات الحكام ولا اشرأبت اعناقهم يوما للوصول إلى كرسي الحكام، ولا زاحموهم يوما في سلطانهم، وهكذا سنّة الله من يشغب على السلطان يبطش به السلطان ويقتله، فهل يستطيع الإسلاميون بنفس المناهج التي هم عليها يقومون بالدعوة إلى الله والعمل للإسلام بلا تحزب يثير ريبة الحكام، ولا افتئات على صلاحيتهم، وهذا ما استشعره الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله قبل استشهاده بأيام وهو يقول: (لو استقبلت من امري ما استدبرت لعدت بالجماعة إلى أيام المأثورات)، أي أيام الدعوة والذكر يُظهر بعض الندم على استعدائه سلطات الملك والحكومة وما كان بعد ذلك من الصدام والبلاء.
[المفتاح الخامس]: يرى الإسلاميون أنّ الإسلام هو دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة، من مات وليس في عنقه بيعه لها مات ميتة جاهليه، وانّه هو دين الجماعة الواحدة (جماعة المسلمين)، ومن شذ شذ في النار، وانّه هو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه، ولا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض من حفظ الدين وتطبيق أحكامه إلا من خلال دولة إسلامية تسوس الدنيا بالإسلام وتنشر الدين وتحقق التوحيد والعدل والاستقرار، وانّه هو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وانّه هو رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة، وانّه هو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه: وانّه هو دين الجد والعمل الجماعي المتعاون من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته.
وكلامهم حق وصدق وتلك خصائص الإسلام العلمية على أرض الله وبين عباده، ولكن لابد من معرفة المجال الشرعي المسموح للإسلاميين بالعمل من خلاله بلا تكلف ولا افتئات، فلا يختلف مسلمان في أنّ دين الإسلام هو دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة، من مات وليس في عنقه بيعه لها مات ميتة جاهليه، فهذا كله حق، ولكن من الذي يتحمل مسؤولية الخلافة، أليس هم أهل الحل والعقد، وهم حاليا قادة العالم الإسلامي ورؤساء الدول الإسلامية، فان قصر فيها هؤلاء فهم المحاسبون عليها، لا باس ان نبين للأمة أهمية الخلافة ولا باس أن ندعو المسلمين إلى اعتقادها والعمل على تحقيقها، ولكن هل يجوز لفصيل إسلامي أن يحمل على عاتقة الوصول إلى الخلافة بالسلاح والقوة، أو بالتحالفات والسياسة، ألا يُعد ذلك تحرشا بالسلطات واستعداء لها وشياطين الجن والإنس تنفخ في الامر بما يُصور لهم أنّ الامر طلب للكرسي وخروج على ولاة الامر، فلذلك ليس أمام الإسلاميين سوى التذكير بهذه الخلافة وبيان أهميتها، وفي الحديث المتفق عليه عندما سأل الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان الرسول صلى الله عليه وسلم: (قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([144]) .
فلم يطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم إعادة انشاء الجماعة ولا تأسيسها من جديد، ولم يقل له أنت ومن أتبعك الجماعة، فهذه أمور قدرية تتبع أقدار الله تعالى في الأمة، وانما كانت النصيحة النبوية: (قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)، فإن كانت الجماعة موجودة والإمام ظاهر فالسمع والطاعة وإلا فالابتعاد عن الفتنة حتى يأذن الله.
وللفقهاء رأي حصيف وجميل، وهو أنه: يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم، وهذا الرأي: من القواعد الرصينة التي تمنع من الهرج والمرج واستحلال الدماء، قال الشوكاني في شرح كلام صاحب الأزهار: (ولا يصح إمامان): (وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته، وبايعه أهله، كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته، لتباعد الأقطار، فأنه قد لا يبلغ إلي ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد،، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا، فهو مباهت ولا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها) أهـ ([145]) .
وقال المازري في ” المعلم “: (العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلي أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت، وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره حتى يضطروا إلي إقامة إمام بدبرهم، فإن ذلك يسوغ لهم) اهـ، ([146]) .
والنقول في ذلك كثيرة، وعليه يثبت شرعاً لحكام البلاد الإسلامية ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجوداً، فالأمر قد عالجه الفقهاء، والامر واسع، وقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم ان الخلافة ستعود ولكن مع تدبر الاحاديث سيوقن أنها سترجع بعد الملك الجبري الذي نحن فيه مع المهدي من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلح الله تعالى له الأمور في يوم وليلة، فلم نتكلف امرا لا يسمح لنا الشرع بتكلفه، وليس معنى ذلك التوقف عن العمل للإسلام بل العمل يزيد والجهد يتركز في العمل للدين ذاته وليس للخلافة من أجل الدين، فهي استدارة لم يُطالبنا بها الشرع.
[المفتاح السادس]: يرى الإسلاميون أنّ الإسلام هو دين الجماعة الواحدة (جماعة المسلمين)، ومن شذ شذ في النار، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته ميتة جاهلية)) ([147]) . وأخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) ([148]) .
وها حق وصدق ولكن المقصود باتفاق العلماء بهذه الجماعة هي جماعة المسلمين التي من شذ عنها شذ إلى النار، وقال الخطابي: من خرج عن طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر المجتمع عليه فقد ضل وهلك، ” أهــ وبهذا يعلم أن المراد بالجماعة في هذه الأحاديث (جماعة المسلمين) التي اجتمع المسلمون على أميرها (الخليفة)، وأما ما سوى ذلك من الجماعات فليس لها حكم جماعة المسلمين وإمامهم الذي اجتمعوا عليه، فلا يحق لأي فصيل من فصائل الإسلاميين أن يزعم ان جماعتهم هي جماعة المسلمين، بل كلهم جماعات من المسلمين وحسب، يسرى عليهم جميعا شرع الإسلام، وان البيعة بينها بيعة تطوع لا إلزام كمثل جماعة المسلمين التي من شذ عنها شذ إلى النار.
[المفتاح السابع]: يرى الإسلاميون أنّ الإسلام هو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه، فلا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض إلا من خلال دولة إسلامية تسوس الدنيا بالإسلام وتنشر الدين وتحقق التوحيد والعدل والاستقرار، وكل ذلك حق وصدق ولكن ما هو الطريق الشرعي لبناء هذه الدولة المنشودة، هل هو طريق الانقلابات والخروج أم هو طريق العمل السياسي والتحالفات السياسية وقد ثبت انه عقيم لا خير من ورائه ولا جدوى في استعماله، أو هو طريق الدعوة إلى الله والنصح والإرشاد والإصلاح بلا افتئات على حقوق أولياء الأمور الحاليين، وانا لا امجد فيهم فالله حسيب كل مسلم، ولكن نعطيهم حقوقهم التي جعلها الشرع لهم ونسأل الله ما لنا وما عدا ذلك افتئات على الشرع.
[المفتاح الثامن]: يرى الإسلاميون أنّ الإسلام هو رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة، وذلك لان دين الإسلام دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة، بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة، قال تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89]، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:]، فكل ذلك حق وصدق، ولكن المنوط بتحقيق ذلك كله الخليفة المسلم أو من ينوب عنه من حكام المسلمين، والإسلاميون يقومون على ثغر البيان والتعريف وتثقيف الامة بذلك كله، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وما لا يدرك كله لا يترك جله، فإذا تعذر تحقيق أمر ما بشكل كامل، فلا ينبغي التخلي عنه كلياً، بل يجب فعل ما يمكن فعله منه، ومن قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها فلا يلزمه إلا ما كان تحت الاستطاعة، فالانظمة تتبع الدولة ونظامها الحاكم وعلى الإسلاميين تثقيف الامة بمعرفة هذه الأنظمة الإسلامية وضرورة تطبيقها، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يفتئت الإسلاميون بفرضها بالقوة فإن لهم باب النصح والإرشاد ولم يجعل الشرع فرضها بالقوة إليهم بل ذلك تعد على صلاحيات أولياء الأمور، وافتئات عليهم.
[المفتاح التاسع]: يرى الإسلاميون أنّ الإسلام هو دين الدعوة إلى الله والحسبة على الدين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو دين الجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه، فالدعوة العامة إلى الإسلام والتمسك به هي دعوة الرشاد، ومن حق كل مسلم قدر الاستطاعة ولكن الحاصل ان الإسلاميين يدعون بالأساس إلى جماعاتهم ومن ثم العمل للإسلام من خلال مفاهيمهم وجماعتهم، وهنا مكمن الخلل، لان الذي يظهر للحكام ان الدعوة ليست إلى الإسلام بل إلى فكر الجماعة أو فكر التنظيم، فلابد من إعادة صياغة بنود العمل الإسلامي من جديد بمناهج لا تعرف إلا الجد والعمل يتم فيها صياغة أطر وضوابط العمل الإسلامي والغايات والاهداف والوسائل ونظم البيعة والولاء والبراء، ولكن في اطار التخصص وعدم الافتئات على أحد، فحينها تؤتي الدعوة ثمارها والحسبة نتائجها ولو سألني احد عن النموذج الذي يمكن من خلاله تعديل الإسلاميين لمناهجهم واوضاعهم لقلت لهم خير من يقيسون عليه مناهج أهل التصوف ولكن بصيغ تناسب الدعوة والحسبة والعمل للإسلام، فلا يشك احد في ان علم اهل التصوف لله لا يطلبون سوى رضاه ولا يشغبون على الحكام صلاحياتهم وفي نفس الوقت يعملون للدين والجميع يحبهم ولا يشك في نياتهم احد، فلم لا نعمم الطريقة ولكن بمناهج تناسب الدعوة والحسبة والإصلاح.
[المفتاح العاشر]: يرى الإسلاميون أنّ الإسلام هو دين الجد والعمل الجماعي المتعاون من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته: يقول الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد، ويقول الله تعالى: {وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ،،}[المائدة: 2]، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة، ولكن في ظل التفريق التام ما بين جماعة المسلمين الكبرى وبين جماعات الدعوة والعمل، فــ (البيعة) داخل تلك الجماعات الخاصة لا تتعدى كونها مجرد عهد والتزام يلتزم فيه المجتمعون بطاعة من اختاروه أميراً أو قائداً أو رئيساً عليهم في إطار خدمة الدين فإن رأى ما هو أنفع للإسلام جاز له أن يختار الأنفع والأقرب لخدمة الدين، وهذه الجماعات ينبغي أن تراعي ما سمح لها الشرع بفعله دونما تعد عليه، بما يدخل في صلاحيات أولياء الأمور، وكذلك ينبغي لها ان تتكامل وتتوافق لا ان تتعادى وتتفرق ويضاد عمل كلٍ منها الآخر فتصبح عالة على الدين بدلا من العمل له، فلا بد هنا من التفريق بين جماعة المسلمين العامة وأحكامها وأحكام بيعتها الملزمة، وما بين الجماعات الخاصة وبيعتها التطوعية، وعدم الخلط ما بين هذه وتلك، لما يؤدي الخلط من عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين.
[المفتاح الحادي عشر]: يرى الإسلاميون أنّ أهم أهداف العمل الإسلامي تتمثل في تلك الأهداف: بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام، والإعذار إلى الله تعالى بتبليغ رسالته إلى الناس كافة، ونشر الدين وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، حفظ الدين وعقائده وشرائعه وأخلاقه بالحسبة عليه، وبناء المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية، وبناء المجتمع الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية، وبناء دولة الإسلام القوية القادرة على رفع لواء الدين وإظهار أمره وبسط سلطانه، ونصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم وتحرير بلاد المسلمين المغتصبة، وإحياء الخلافة الراشدة التي تحرس الدين وتسوس الدنيا به وتجمع المسلمين على بيعة واحدة، بسط سلطان الدين والتمكين له في الأرض وإزالة الفتنة من عليها حتى يكون الدين كله لله، المحافظة على تلك الأهداف قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل وهذه الأهداف حق لابد من العمل الجاد من أجل تحقيقها، ولكن لكل هدف منها غاية سامية ووسيلة شرعية صحيحة لا غبار عليها، وهذه الأهداف حق وصدق منها ما يدخل ضمن الاطار العام الذي يصلح للدعاة والمصلحين، ومنها ما يتعلق بصلاحيات الدولة والسلطان، والمسلم الحق يعطي كل ذي حق حقه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([149]) .وقال صلى الله عليه وسلمَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([150]) .وقال صلى الله عليه وسلم: ((أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) ([151]) .
نلتزم معهم بالشرع ونعطيهم حقهم ونسأل الله حقنا والله ناصر دينه لا محالة بغير تكلف منا ولا افتئات.
[المفتاح الثاني عشر]: يعتقد الإسلاميون أنّ الوسائل الشرعية الصحيحة لتحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية تتمثل في: 1- الدعوة إلى الله تعالى، 2- البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ، 3-الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 4-الإعداد الجهادي لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين، 5-الجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله، 6- العمل الجماعي المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين، وهذا كله حق لا مرية فيه، والدعوة إلى الله تعالى: هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم، فهو من اعظم القربات إلى الله، لأنها امتداد لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، والبناء على الدعوة كان هو غالب جهد النبي صلى الله عليه وسلم والله تعالى يأمره بالصبر عليه، قال تعالى {واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}، والبناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم مهمة كل عالم مؤهل لتدريس العلم، فليس هو حكرا على أحد، ولكن بشرط العلم بالدين وعقيدته وشريعته واحسانه.
وكذلك فإنّ الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى، والحسبة على الدين ينبغي أن تقتصر -فيما يتعلق بالمنكرات العامة- على إطار النصح والإرشاد بغير استعمال القوة وجمع الاعوان وحمل السلاح، لكل واحد منهم الولاية عن من يعول كأبنائه وزوجته أما المنكرات العامة فلا سبيل إلى الحسبة عليها إلا بالنصح والإرشاد وما عدا ذلك تعد على سلطات الأمة لا يصح بحال، وإلا آل الامر إلى الهرج والمرج والفساد، وما أشد حاجة الحسبة على الدين إلى الرفق واللين، فإنه صلى الله عليه وسلم كان مثالا عظيما للرفق واللين والحلم وسعة الصدر وهو الموصوف من الله تعالى بقوله عز وجل {ولَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الأمر}، وما اشد حاجتنا اليوم: إلى مناهج مدروسة للاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تراعي مراحل الحسبة وأحكامها وآدابها ودرجاتها التي قررها الفقهاء وتراعي كذلك صلاحيات المحتسب حتى لا يكون عالة على الحسبة بدلا من ان يكون من أهلها، إذ الحسبة من أدق الأعمال الإسلامية وأكثرها احتياجا إلى العلم والفقه في الدين وإلى موازنات دقيقة لا يتقنها إلا العلماء الراسخون في العلم وذوو بصيرة في العمل وما يصلحه، وهذا ما يتعلق بالحسبة، أما بقية الوسائل كالإعداد والجهاد، فهي من صلاحيات الدولة فهي التي تقر السلم والقتال وهي التي ترفع راية الجهاد وعلى عاتقها الاعداد، ومن اهم الاعداد هو الإعداد المادي وقوة السلاح، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: (({أعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، إلا إن القوة الرمي)) ([152]) .
والمقصود بالرمي كل فنون الرماية بالمدافع والصواريخ وغيرها مما تفوق فيه العدو وكان سبباً في ظهوره علينا، وهذه كلها صلاحيات الدولة وليست صلاحيات الافراد ولا الجماعات، والله حافظ دينه وناصره لا محالة.
[بشارة نبوية غالية] عودة الخلافة كائنة حتما، فقد اخرج الإمام أحمد وغيره عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة،))([153]) .
وما على الإسلاميين الا العمل الجاد الصادق المنضبط بالشرع الحنيف لا يستعجل الأمر قبل أوانه وفي نفس الوقت لا يداهن ولا يركن إلى الظالمين بل ديدنه العمل المخلص الجاد المتقن السائر وفق ضوابط الشرع حتى يأذن الله بالنصر ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
***
([4]) صحيح البخاري 4/121 ح 3267، صحيح مسلم 4/2290 ح 2989.
([5]) صحيح البخاري 9/64 ح 7149.صحيح مسلم 3/1456 ح 1733.
([12]) هذه تجربتي وهذه شهادتي): صـ51.
([16]) مجلة الغرباء عدد 7 سنة 1989 تصدر في بريطانيا)، وانظر مجلة الأمان 89/28 1994.
([17]) كيف نفهم الإسلام” ص 142 وما بعدها.
([18]) مجلة الشهاب وهي مجلة تنتمي إلى الإخوان، عدد 2، شوال 1412.
([19]) صحيح البخاري 2/33 ح 1037.
([20]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([21]) صحيح البخاري 4/127 ح 3301.
([22]) صحيح البخاري 9/302 ح 5410، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([23]) صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([24]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([29]) إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، 2 / 402.
([31]) النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين،: علي محمد علي الشريف، وأســــــامة ابراهيم حافظ ص(45).
([32]) سنن ابن ماجة 3/580 ح 2546.
([33]) صحيح البخاري 3/83 ح 2234.
([34]) سنن أبي داود 7/253 ح 4891.
([35]) سنن ابن ماجة 3/580 ح 2546.
([36]) المعجم الأوسط 2/131 ح 1480.
([37]) صحيح مسلم 4/2003 ح 2593.
([38]) صحيح مسلم 4/2004 ح 2594.
([39]) المصدر السابق 4/2003 ح 2592.
([40]) صحيح البخاري 1/54 ح 220.
([42]) صحيح مسلم 4/1978 ح 2551.
([43]) صحيح البخاري 3/172 ح 2654.
([44]) المصدر السابق 8/3 ح 5973.
([45]) صحيح البخاري 1/14 ح 26، صحيح مسلم 1/89 ح 85.
([46]) صحيح البخاري 4/16 ح 2792، صحيح مسلم 3/1499 ح 1880.
([47]) صحيح البخاري 4/15 ح 2785.
([48]) صحيح مسلم 3/1517 ح 1910.
([49]) سنن أبي داود 4/184 ح 2532.
([50]) المصدر السابق 4/141 ح 2484.
([51]) صحيح مسلم 3/1507 ح 1896. البحر الرائق لابن نجيم 5 / 76، مجمع الأنهر 1 / 632، بداية المجتهد 2 / 278، القوانين الفقهية ص 126، المجموع 18 / 48، مغني المحتاج 4 / 208، شرح منتهى الارادات 2 / 91، المغنى 9 / 178، المحلى 7 / 291]
([52]) صحيح البخاري 4/15 ح 2783، صحيح مسلم 3/1488 ح 1864، بدائع الصنائع 7 / 98، ملتقى الأبحر ص 355، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 348، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 174 – 175، نهاية المحتاج 8 / 58 – 59، شرح الزركشي 6 / 427، العدة شرح العمدة ص .582
([54]) تفسير القرطبي 4/2990-2991.
([55]) صحيح مسلم 3/1490 ح 1868.
([56]) مسند أحمد 41/224 ح 24694، المستدرك 4/430 ح 8171.
([57]) مسند أحمد 40/484 ح 24423، صحيح البخاري 4/32 ح 2875.
([58]) صحيح مسلم 3/1443 ح 1810.
([59]) المصدر السابق 3/1474 ح 1812.
([60]) المصدر السابق 3/1442 ح 1809.
([61]) البحر الرائق 5 / 77، مجمع الأنهر 1 / 633، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 175، الخرشى 3 / 111، المجموع 18 / 52، نهاية المحتاج 8 / 56، المغنى 9 / 180، المقنع ص 86.
([62]) صحيح مسلم 3/1501 ح 1885.
([63]) صحيح البخاري 4/14 ح 2782.
([64]) المصدر السابق 4/59 ح 3004.
([65]) بدائع الصنائع 7 / 98، ملتقى الأبحر ص 355، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 348، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 174 – 175، نهاية المحتاج 8 / 58 – 59، العدة شرح العمدة ص 582.
([66]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([67]) مسند أحمد 6/381 ح 3831، سنن ابن ماجة 1/116 ح 168.
([68]) سنن الترمذي 5/226 ح 3000.، المستدرك 2/163 ح 2654.
([69]) صحيح البخاري 3/193 ح 2731.
([72]) صحيح مسلم 3/1219 ح 1599.
([73]) صحيح البخاري 4/102 ح 3179. صحيح مسلم 2/994 ح 1370.
([74]) صحيح البخاري 4/61 ح 3015، صحيح مسلم 3/1364 ح 1744.
([75]) صحيح مسلم 3/1357 ح 1731.
([76]) مسند أحمد 25/371 ح 15992.
([77]) سنن ابي داود 4/256 ح 2614.
([78]) مسند أحمد 4/461 ح 2728.
([79]) المصدر السابق 24/356 ح 15589.
([80]) صحيح البخاري 5/78 3989.
([81]) الاستذكار في ذكر مذاهب علماء الأمصار5/37.
([82]) صحيح البخاري 6/65 ح 4657.
([83]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([84]) صحيح مسلم 3/1360 ح 1736.
([85]) صحيح البخاري 4/64 ح 3030، صحيح مسلم 3/1362 ح 1740.
([86]) صحيح البخاري 1/16 ح 34.صحيح مسلم 1/78 ح 58.
([88]) المغني لابن قدامة 13/184.
([89]) مسند أحمد 19/376 ح 12383.
([92]) صحيح البخاري 4/91 ح 3139.
([95]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.
([96]) صحيح البخاري 2/97 ح 1367، صحيح مسلم 2/655 ح 949.
([97]) صحيح البخاري 8/52 ح 6236.
([98]) صحيح مسلم 3/1477 ح 1848.
([101]) المعجم الصغير 2/153 ح 948.
([102]) صحيح البخاري 8/11 ح 6019، صحيح مسلم 1/68 ح 47.
([103]) صحيح البخاري 9/89 ح 7261.
([104]) صحيح مسلم 4/2000 ح 2586.
([105]) المصدر السابق 4/1999 ح 2585.
([106]) صحيح البخاري 1/31 ح 100.
([107]) المعجم الكبير 11/93 ح 11151.
([108]) سنن ابن ماجة 1/151 ح 224.
([109]) صحيح البخاري 1/25 ح 71. صحيح مسلم 2/719 ح 1037.
([110]) مسند أحمد 16/179 ح 10255.
([111]) صحيح البخاري 8/98 ح 6467.
([112]) صحيح مسلم 2/703 ح 1015.
([113]) سنن الترمذي 4/668 ح 2518.
([115]) سنن الترمذي 3/626 ح 1352.
([116]) مسند أحمد 42/321 ح 25504.
([119]) صحيح البخاري 2/112 ح 1427.
([120]) صحيح البخاري 2/123 ح1474. صحيح مسلم 2/720 ح 1040.
([122]) صحيح البخاري 8/102 ح 6487.
([123]) سنن الترمذي 4/633 ح 2450.
([124]) سنن الترمذي 5/257 ح 3058.
([125]) سنن الترمذي 4/583 ح 2368.
([126]) صحيح البخاري 5/56 ح 3897.
([127]) سنن الترمذي 4/355 ح 1978. وحسنه.
([128]) المصدر السابق 4/ 363 ح 2004. وقال حديث حسن صحيح،
([129]) المصدر السابق 4/362 ح 2002. وقال حديث حسن صحيح.
([132]) صحيح البخاري 4/189 ح 3560.
([133]) صحيح مسلم 4/2055 ح 2670.
([134]) المصدر السابق 2/785 ح 1114.
([135]) المستدرك 2/389 ح 3362.
([136]) صحيح مسلم 4/2060 ح 2674.
([137]) صحيح البخاري 4/60 ح 3009، صحيح مسلم 4/1872 ح 2406.
([138]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1853.
([145]) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار ص 941.
([146]) المعلم بفوائد مسلم 3/55.