[الفصل الرابع] مباحث مهمة في علم السياسة الشرعية
ويشتمل على تلك المباحث
(1) خصائص دين الإسلام العملية والسياسة الشرعية.
(2) السياسة الشرعية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) السياسة الشرعية في حياة السلف الصالح رضي الله عنهم.
(4) السياسة الشرعية وفقه الواقع المعاصر.
(5) المنظمات اليهودية هي من تحكم العالم اليوم.
(6) حال العالم الإسلامي اليوم.
(7) السياسة الشرعية وسنن الله في النصر والتمكين.
المبحث الأول خصائص دين الإسلام العملية والسياسة الشرعية
[المفتاح الأول]: من اهم مباحث السياسة الشرعية الإسلامية معرفة خصائص دين الإسلام العملية لأنها تعطي التصور الصحيح لما يجب ان يكون عليه أولياء أمور المسلمين من فهم لطبيعة الدين ورسالته العملية على ارض الله تعالى وبين عباده، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ([1]) . والحاكم المسلم مسؤول عن حمل دعوة الحق إلى الناس جميعا، وذلك ببناء مؤسسات دعوية وتبليغية وتعليمية مهمتها الأساسية تبليغ دعوة الإسلام، وهداية الناس إلى الإسلام صراط الله المستقيم ودينه القويم.
[المفتاح الثاني]: دين الإسلام – الذي بعث الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم – هو الدين الخاتم الممتد عبر الزمان والمكان ليعم الأرض جميعا وغلى قيام الساعة، وهو رسالة ربانية شاملة تتناول الدين والدنيا وتنظم العبادات والمعاملات، وهو رسالة ربانية سامية لها عقائد لا بد وان تحفظ وتصان، ولها شرائع لابد وان تطبق وتقام، ولها أهداف على الأرض لابد وان تتحقق، وهو رسالة ربانية خالدة يجب أن تنشر بين الناس جميعا ويجب أن تعم الأرض بأسرها، وهي الرسالة التي بها يعم الخير وينتشر العدل وبها تكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، وبها تزول الفتنة وينتشر التوحيد والإيمان والأمن والعدل السلام على ربوع العالم.
[المفتاح الثالث]: دين الإسلام منهج عملي قويم جاء ليحكم الأرض بالعدل والقسط والميزان: إذ ليس الإسلام عقيدة في القلب وحسب، وليس هو علاقة بين العبد وربه تقطعه وتشغله عن اصلاح من حوله وهدايتهم للدين والخير، بل إن دين الإسلام إضافة إلى كونه عقيدة وشريعة وتزكيه، فإنه منهج عملي قويم جاء ليحكم الأرض بشرع الله عز وجل وينظم الحياة فيها وفق مبادئه الحسنه القيمة التي جاء بها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالبينات وبالهدى وبدين الحق وأيده بالقوة والسلطان والسيف ذي البأس الشديد من أجل إظهار الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون ومن أجل التمكين لشريعة ذلك الدين على الأرض وبسط سلطانه عليها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، قال تعالى: {لَقَدْ أرسلنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ٌ} [الحديد: 25]، وقال تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32،33]، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8، 9].
[المفتاح الرابع]: هدى النبي صلى الله عليه وسلم في العمل الدين الإسلام ومن أجل نصرته: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس التوحيد والصلاة وسائر العبادات والطاعات، وكان كذلك يعلمهم كيف يكون العمل لنشر الدين وحفظه وإظهاره، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله عز وجل ليل نهار ويحتسب على دين الإسلام في كل أموره أمرا بكل معروف، ناهيا عن كل منكر، مجاهدا في سبيل الله جهادا دفاعيا في بادئ أمر الجهاد لأجل حماية دين الإسلام وأهله ثم جهادا طلبيا من أجل نشر الدين وبسط سلطانه، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج من الغزوة إلى الغزوة ويرسل السرية تلو السرية ويباشر القتال تلو القتال نصرة لدين الإسلام وتحقيقا لأهدافه، وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم عمله لهذا الدين منذ بداية بعثته حيث أمره الله عز وجل بالدعوة إليه ونشر رسالة التوحيد فدعا إلى الله وانذر عشيرته الأقربين ثم انذر من حولهم من بطون وقبائل العرب ثم انذر العرب قاطبة ثم انذر العالمين جميعا، وأقام صلى الله عليه وسلم في مكة بضعه عشرة سنة ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزيه وكان يُؤمر بكف اليد والصبر والصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ويأذن الله بالفتح المبين، بدليل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أو أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلى أجل قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء:77]، فقد أمرهم الله تعالى بكف اليد والصبر والصفح في مكة المكرمة، ثم يسر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أسباب الهجرة إلى المدينة وأذن له في الهجرة إليها فهاجر إليها وأقام دوله الإسلام الأولى يرسخ فيها مبادئ الإسلام تعليماً وتربيةً وتزكيةً، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، ويبني فيها القاعدة الصلبة من المؤمنين المتآخين المتعاونين على البر والتقوى، وأتم الله عز وجل له ذلك كله، ثم أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد الدفاعي (في إطار رد العدوان وقتال من قاتله والكف عمن اعتزله ولم يقاتله) كما في قوله تعالى: {أذن لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39-40]، وذلك حتى قويت شوكة المسلمين وترسخت دعائم دولتهم الفتية وآنذاك أمره الله عز وجل بقتال المشركين كافه – الجهاد الطلبي من أجل إظهار الدين والتمكين له وبسط سلطانه على الأرض حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله، كما في قوله تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:39]، وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، فدين الله عز وجل-الإسلام-لا يقبل الله من العباد جميعا دينا سواه، والمسلمون هم جند الرحمن، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين وإمامهم، وقد بعثه الله عز وجل لإظهار دين الله الحق القيم وإخراجا لمن حاد الله عز وجل ورسوله من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمة إلى النور، فمن آمن فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ومن كفر(فلا إكراه في الدين) ولكن في إطار شرع الإسلام الظاهر، وداخل سلطان حكم دين الإسلام دين الله عز وجل، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد الطلبي خير قيام، حتى ارتفعت راية التوحيد ودخل الناس في دين الله أفواجا وصارت كلمة الذين كفروا السفلى وكلمه الله تعالى هي العليا، ومكن الله لدينه في الأرض وكتب له الظهور على الدين، مصداقا لقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرسل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32-33].
[المفتاح الخامس]: هدى السلف الصالح في العمل لدين الإسلام ومن أجل نصرته: سار الصحب الكرام رضي الله عنهم على نفس النهج الكريم والهدى القويم للنبي صلى الله علي وسلم فأخلصوا العمل لدين الله أيما إخلاص وضحوا من أجل نصرته والتمكين له بالنفس والمال وكل ما يملكون، وخلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده الطلبي خير خلافه، فملئوا الأرض دعوه وحسبه وجهادا طلبيا نصره وتمكينا لدين الإسلام، فأظهر الله عز وجل بهم الدين ومكن لهم في الأرض يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويخرجون العباد من عباده العباد إلى عبادة الواحد القهار ومن ظلمة الكفر إلى نور الإسلام وفي جور الأديان المحرفة والملل الباطلة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وحمل التابعون اللواء بعد الصحابة رضي الله عنهم فأكملوا فتوح البلدان ونشر الإسلام حتى وصلت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ودين الإسلام يزداد تمكينا إلى تمكينه ونصره إلى نصرته وظهورا إلى ظهوره، وحمل تابعوا التابعين اللواء بعد التابعين رحمهم الله تعالى- فأكملوا المسيرة مسيرة سلفنا الصالح رضي الله عنهم خير قرون الإسلام وفهما وتطبيقا لمنهج الإسلام فحققوا أهداف العمل الإسلامي واتموها خير تمام، حيث خلافة الإسلام قوية الأرجاء يهابها أعداء الله وأعداء المسلمين، ودولة الإسلام تقيم الفرائض وتعظم الشرائع وتحافظ على العقائد وترفع لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، والفتنة في طريقها للزوال ودين الإسلام يبسط سلطانه على الأرض حتى كاد أن يكون الدين كله لله عملا بقوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} فجزأهم الله عن دين الإسلام خير جزاء.
[المفتاح السادس]: أهم الخصائص العملية لدين الإسلام: تتمثل في أنّ دين الإسلام هو دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة، وهو دين الجماعة الواحدة (جماعة المسلمين) ومن شذ شذ في النار، وهو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه، وهو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة، وهو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه، وهو دين الجد والعمل الجماعي من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته .
[1] دين الإسلام دين الخلافة الواحدة التي تجمع المسلمين على بيعة واحدة، من مات وليس في عنقه بيعه لها مات ميتة جاهليه، فقد أخرج البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه .. الحديث وفيه ((قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك([2]) . والحديث فيه أمر بلزوم جماعة المسلمين، وإمامهم (خليفة المسلمين). وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) ([3]) . والحديث ينصب على مبايعة خليفة المسلمين الذي له حق البيعة في أعناق أهل الحل والعقد، والخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، ولها مقصدين كبيرين، أولهما: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة.[المفتاح السابع]: دين الإسلام هو دين الجماعة الواحدة (جماعة المسلمين)، ومن شذ شذ في النار، دل على ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس في الصحيح: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة وخرج مات ميتة جاهلية)) ([4]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته ميتة جاهلية)) ([5]) . وأخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) ([6]) .
والمقصود باتفاق العلماء أن المقصود بهذه الجماعة جماعة المسلمين التي اجتمع المسلمون على أميرها (الخليفة)، وأما ما سوى ذلك من الجماعات فليس لها أبدا حكم جماعة المسلمين وإمامهم الذي اجتمعوا عليه.
[المفتاح الثامن]: دين الإسلام هو دين الدولة الإسلامية القوية التي تعلي كلمة الدين وترهب أعدائه، فلا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض من حفظ الدين وتطبيق أحكامه إلا من خلال دولة إسلامية تسوس الدنيا بالإسلام وتنتشر الدين وتحقق التوحيد والعدل والاستقرار، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، فما أكثر آيات القرآن الكريم التي تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود، وإقامة شرع الله، والأمر بالشورى، ثم كيف يسوغ لجاهل أن ينكر أن الإسلام دولة أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحمل هم الدين وتطبق أهداف رسالته على الأرض، وإلا فمن يرفع راية التوحيد، ومن يقيم شعائر الدين، ومن يعظم شعائره، ومن يطبق الحدود، ومن يحفظ أركان الإسلام، ومن يدافع عن الإسلام وأهله، ومن يطبق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، ومن يحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية. ومن يقوم بإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام إن لم يكن هناك دولة إسلامية تقوم أسسها وقواعدها على الكتاب والسنة، ووجود دولة الإسلام معلوم بالضرورة من دين الله تعالى، والأدلة على ضرورة وجودها جملة عظيمة من الآيات القرآنية التي لا يمكن تنفيذها إلا إذا وجدت الدولة، منها الآيات التي شرعت أحكام الحدود: كحد السرقة والزنى والقذف وحد الحرابة وأحكام القصاص والدية وسائر العقوبات التي لا يتصور وجودها إلا مع وجود دولة وحكم، ومنها آيات تنظم التصرفات والمعاملات من بيع وإيجار وهبة ووصية وحجر وتفليس ..، ومنها آيات تشرع أحكام الزواج والطلاق والنفقة والرضاعة التي يمكن تسميتها بقانون الأحوال الشخصية، وآيات توجب جمع الزكاة وتحديد مصارفها وأخرى للتضامن والتكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى، وكل هذه الأمور لا يقوم عليها ولا يمكن أن يضطلع بها إلا الحكومات والدول.
[المفتاح التاسع]: دين الإسلام هو دين الحكومة القوية التي تقيم الأركان وتعظم الشعائر وتطبق الأحكام وتحفظ العقائد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حكومة الإسلام بما لها من نظام رباني قوي متماسك تستطيع تحقيق مقاصد الإسلام.
(المقصد الأول): حراسة الدين: ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه وتطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، تطبيق أحكامه في علاقة الدولة – دار الإسلام – مع غيرها من الدول. حمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة نشر الدين بالدعوة إليه وحفظ الدين بالحسبة عليه والدفاع عن الدين بالجهاد في سبيل الله وإنشاء وتبني مؤسسات الدعوة إلى الله لنشر الإسلام بين غير المسلمين وإنشاء وتبني مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحسبة على الدين بين المسلمين وإنشاء وتبني مؤسسات عسكرية عقيدتها الدفاع عن الإسلام ورفع رايته وإنشاء وتبني مؤسسات لتعظيم شعائر الله ببناء المساجد ودور العلم الشرعي من مدارس وجامعات وإنشاء وتبني مؤسسات لحفظ أركان الدين ورفع راية التوحيد وإقامة الصلوات وجمع الزكاة وإنشاء وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل وإنشاء وتبني مؤسسات أخلاقية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل والسعي المستمر لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه، والسعي المستمر لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم.
و(المقصد الثاني): سياسة الدنيا بالدين، ويشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال.
[المفتاح العاشر]: دين الإسلام رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة: إن دين الإسلام رسالة شاملة متكاملة تضع الأسس والضوابط لكل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أنظمة الدولة الحديثة، وذلك لان دين الإسلام دين كامل تام تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة، بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة، قال تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)} [النحل: 89]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} النساء: 174]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، وقال تعالى {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:].
ومن تكامل المنهج الإسلامي اشتماله على أنظمة شاملة تغطي كافة الأنشطة البشرية المتعددة: ففيه النظام الاجتماعي: الذي يبني العلاقات الاجتماعية على أسس عقائدية وأخلاقية ربانية عظيمة تسعى إلى حفظ ضروريات المجتمع وحاجياته، وتوجب عليه التكافل من أجل تحقيق ذلك، وتسعى إلى تحقيق سعادة وفلاحه في الدنيا والآخرة.
وفيه النظام التربوي والتعليمي: الذي يربي الناس على الفضائل والشمائل والمثل العليا الربانية الحكيمة، ويدعوا الناس إلى العلم وإلى طلب المزيد منه وشرفه سواء كان علم الدين أو كان علم به مصلحة الناس ومبتغاهم.
وفيه النظام المالي (الاقتصادي) الذي يبني العلاقات المالية على أساس العدالة والتكافل بعيدا عن كل الأسباب التحكم والسطوة والاستغلال، والذي يقوم على أسس ربانية حكيمة تجعل (المال) مال الله عز وجل والإنسان مستخلف فيه ولله فيه حقوق، وتجعل (المال) نعمة في يد الأخيار الذين يراعون حقوقه، وتجعل (العمل والكسب الحلال) واجب، وتحرم البطالة والكسب الحرام، وتمنع كنز المال وحسبه على التداول، وتقر بالملكية الفردية شريطة إلا تتعارض مع مصلحة الجماعة، وتجعل الناس شركاء في المرافق العامة التي تعود الناس جميعها بالخير والمنفعة، إلى غير ذلك من قواعد وضوابط ربانية تتحقق من خلالها العدالة الشاملة والتعاون العام وتنتفي كل عوامل الظلم والاستغلال.
وفيه النظام السياسي: الذي يضع الأسس الربانية السليمة لقيام الدولة الإسلامية القوية وإدارتها لأجهزتها المختلفة، محددا حقوق المواطنة وواجباتها، وعلاقات الدولة الداخلية والخارجية، إلى غير ذلك من شؤون السياسة الإسلامية التي أهم ما تقوم عليه من الأسس أساس الولاء لله ورسوله وللمؤمنين والبراءة من أعداء الله ورسوله والمؤمنين، أسس ربانية يتحقق من خلالها أمن المجتمع ونصرة دينه، وفيه النظام الجزائي: الذي يضع الأسس الربانية الحكيمة لتشريعات تضمن سلامة المجتمع من البغي والفاحشة ومن الجريمة والعدوان. تشريعات تستوي فيها الغني والفقير والوجيه والوضيع، كل الناس سواسية أما القضاء، وقضاء الإسلام مستقل له حرمته وله سيادته لا سلطان عليه إلا للشرع فلا مدخل إليه لترغيب أحد أو ترهيبه. تشريع تكفيك فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.
وفيه النظام الحسبي: الذي يتابع المجتمع ويحرص على أن يحفظ للناس دينهم وأعراضهم وأموالهم يأمرهم بكل معروف وينهاهم عن كل منكر.
وفيه النظام الإعلامي الإسلامي الذي يعمل كموجّه أخلاقي لبناء الأمّة، ويحافظ على قيم الإسلام الروحيّة والماديّة، ويلتزم ببناء النظام الأخلاقي في الأمة، وتبني الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح، والتزام الصدق الإعلامي، فرسالة الإعلام في المنظومة الإسلاميّة هي التي تعبّر عن الرسالة الإسلاميّة، وهي التي تحمل القيم والأخلاق إلى سائر الأمم والشعوب، والإسلام هو دين البلاغ والإعلام لجميع الناس بلا استثناء،، والنبي صلى الله عليه وسلم ما بُعث إلا لإعلام الناس برسالة الإسلام ودعوتهم للتمسك بها والعمل من أجلها، والدعوة إلى الله عز وجل ما هي إلا إعلام للناس عن رسالة الإسلام، من هنا يتبين لنا أهمية الإعلام في الرسالة الإسلامية والدعوة إلى الله عز وجل من خلالها.
وفيه النظام الجهادي (العسكري): الذي يسعى لإعلاء راية الدين وكلمته ونشر النور وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الظلم إلى العدل ومن الكفر إلى الإيمان. والذي يسعى لحماية حرمات المسلمين وسد ثغورهم وإرهاب أعدائهم، وشرع الإسلام يضع الأسس الربانية القويمة التي تقوم عليها حياة الجهاد حياة العزة والكرامة في الدنيا والعلو والرقعة في درجات الأخرة.
وكل تلك الأنظمة وغيرها مما يحتاج إليه الناس في مجالات الحياة الدنيا وأنشطتها جاء شرع الإسلام بكل قواعدها وأصولها العامة الأساسية في صورة تامة كاملة يكمل بعضها بعضا بما يخدم البشرية جمعاء –فضلا عن أهل الإسلام –ويسير بها نحو الأمن والأمان والسعادة والاستقرار بحكمة خالق الإنسان {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، وهذه الأنظمة لابد وأن تطبق في حياة الناس: فلم يجعل الله عز وجل للإنسان اختيارا في إتباعها والسير وفق أحكامها بل أوجب عليه الاحتكام إليها وحبل ذلك من أصل الإيمان بالله تعالى، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقال تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114]، وقال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
[المفتاح الحادي عشر]: دين الإسلام هو دين الدعوة والحسبة والجهاد من أجل نشر الدين وحفظه ونصرته وبسط سلطانه: دين الإسلام هو الدين الخاتم الذي ختم الله به الرسالات جميعا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم)) مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)) ([7]) .
والنبي صلى الله عليه وسلم هو الرسول هو الذي أخذ الله عز وجل من جميع الأنبياء والمرسلين قبله الميثاق على الإيمان به ونصرته، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}، ولذلك فما من بني ولا رسول قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا وبشر قومه وإتباعه به صلى الله عليه وسلم ومن ذلك بشارة بني الله عيسى عليه السلام به صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6]، ودين الإسلام إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة: وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، ودين الإسلام الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من عباده دينا سواه: وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، لذا وجب على المسلمين جميعا حمله إلى الناس جميعا، بالدعوة إليه والحسبة عليه والجهاد في سبيل نشره وحفظه وإظهاره على الدين كله ولو كره المشركون.
[المفتاح الثاني عشر]: في مجال الدعوة إلى الله تعالى: قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف: 108]، وقال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً، قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، وأجر الداعي إلى الله عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا…)) ([8]) . وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للداعية من أجر عظيم، فقال لعلي رضي الله عنه: ((فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم)) ([9]) .
[المفتاح الثالث عشر]: في مجال الحسبة على الدين: قال تعالى: – في وصف رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، ووصف الله تعالى أمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية لهذا السبب، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ووصف المؤمنين بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71].
[المفتاح الرابع عشر]: في مجال الجهاد في سبيل الله تعالى: قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]، وقال تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39]، وقال تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]
[المفتاح الخامس عشر]: دين الإسلام هو دين الجد والعمل من أجل حمل الأمانة وحفظ الإسلام ونصرته: يقول الله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد، ويقول الله تعالى: {وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ..}[المائدة: 2]، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة))، والطائفة هي الجماعة من الناس، ودين الإسلام يحتاج إلى رجال يجددون أمره ويؤنسون غربته ويحققون أهدافه.
[تنبيه]: ضرورة التفريق بين جماعة المسلمين الكبرى وبين جماعات الدعوة والعمل: لقد ظهر بعد سقوط خلافة الإسلام – في أكثر أقطار أهل الإسلام – جماعات ترفع لواء العمل الجماعي من أجل تحقيق أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده، وهذه الجماعات تتنوع ما بين جماعات دعوية تتخصص في الدعوة إلى الله تعالى، وجماعات علمية تربوية تتخصص في نشر العلم والفضيلة، وجماعات حسبية تتخصص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجماعات شمولية إصلاحية تتبنى كافة جوانب العمل الإسلامي السابقة، ولا بدَّ – ها هنا – من التفريق بين الجماعة العامة (جماعة المسلمين)، وبين الجماعات الخاصة (جماعات من المسلمين)، فالأولى (جماعة المسلمين) أمارتها أمارة عامة هي الخلافة، وهي واجبة البيعة والطاعة في عنق كل مسلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية))، وهذه لا يجوز تعددها، لا سيما في القطر الواحد عند الضرورة، لما يؤدي ذلك إلى الهرج والمرج والتدافع وما ينتج عنه من سفك الدماء واستحلال الحرمات، ولهذا جاء فيها الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، وأحاديث طاعة الأمراء والصبر على جورهم وظلمهم، كحديث البخاري: ((اسمعوا وأطيعوا، و إن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة))، وحديث مسلم: ((يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون .. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا))، وهذه الجماعة هي المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع))، وأميرها هو خليفة المسلمين الذي جاء في حقه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية))، أما جماعات الدعوة والحسبة وغيرها فهي جماعات خاصة في اطار الجماعة الكبرى جماعة المسلمين، وأمارتها إمرة خاصة لا تأخذ حكم البيعة الكبرى أبدا لأنّها إمرة في شأن معين وجانب خاص من جوانب الدين.
و(البيعة) داخل تلك الجماعات الخاصة لا تتعدى كونها مجرد عهد والتزام يلتزم فيه المجتمعون بطاعة من اختاروه أميراً أو قائداً أو رئيساً عليهم في إطار خدمة الدين فإن رأى ما هو أنفع للإسلام جاز له أن يختار الأنفع والأقرب لخدمة الدين، وهذه الجماعات ينبغي – إن كانت تريد نصرة الإسلام حقاً – ان تتكامل وتتوافق لا ان تتعادى وتتفرق ويضاد عمل كلٍ منها الآخر فيحدث الضعف والفشل، كما في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، فلا بد هنا من الانتباه والتفريق بين جماعة المسلمين العامة وأحكامها وأحكام بيعتها الملزمة، وما وبين الجماعات الخاصة وبيعتها التطوعية، وعدم الخلط ما بين هذه وتلك، لما يؤدي الخلط بينهما إلى عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين.
[المفتاح السادس عشر]: معرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده: إن أهم أهداف العمل الإسلامي تتمثل في تلك الأهداف: (1) بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام، (2) الإعذار إلى الله تعالى بتبليغ رسالته إلى الناس كافة، (3) نشر الدين وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، (4) حفظ الدين وعقائده وشرائعه وأخلاقه بالحسبة عليه، (5) بناء المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية، (6) بناء المجتمع الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية، (7) بناء دولة الإسلام القوية القادرة على رفع لواء الدين وإظهار أمره وبسط سلطانه، (8) نصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم وتحرير بلاد المسلمين المغتصبة، (9) إحياء الخلافة الراشدة التي تحرس الدين وتسوس الدنيا به وتجمع المسلمين على وبيعة واحدة، (10) بسط سلطان الدين والتمكين له في الأرض وإزالة الفتنة من عليها حتى يكون الدين كله لله، والمحافظة على تلك الأهداف قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل.
الهدف الأول: بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام: وهذا البلاغ هو أداء أمانة تبليغ هذا الدين إلى الناس كافة، نستجيب به لأمر الله عز وجل، وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ لولا الدعوة إلى الله والعمل من أجل دين الله تعالى، لما قام لله على الأرض دين، ولا انتشر توحيد وإسلام، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلى الناس كافة، قال تعالى {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..} الآية. [المائدة: 67]، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة، قال تعالى {قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأمر سبحانه المسلمين بأن تتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة (أمانة بيان الحق والبلاغ المبين بدين الإسلام)،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104]، والعمل لدين الله تعالى (دعوة إليه وحسبة عليه وجهادا في سبيل حفظه ونشره) فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين، وذلك لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ في الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوَاْ إليهمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ويتعين الوجوب على أهل العلم من المسلمين الذين أخذ الله عليهم الميثاق ببيان العلم وعدم كتمانه كما قال تعالى: {وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..}[آل عمران:187] والمقصود به تحذير العلماء من المسلمين من فعل ذلك، وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون* إلا الذين تأبوا، وأصلحوا، وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} [البقرة:159-160]، وقـال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [البقرة:174]، ويتأكد الوجوب في هذه الأيام نظراً إلى بعد الناس عن الإسلام وجهلهم به وغفلة المسلمين عن دينهم وعن التمسك به وبعقائده وشرائعه وأخلاقه وآدابه وتزكيته و نظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة والدعوات المضللة التي تخالف الإسلام، فإن العمل لدين الله عز وجل أصبح اليوم أكثر وجوبا على جميع العلماء ليبلغوا دين الله عز وجل ويحملوا أمانته .
الهدف الثاني: الإعذار إلى الله تعالى بتبليغ رسالته إلى الناس كافة: قال الله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وإتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة: وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي…}، وقال تعالى: {{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى}، فإقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة هو ضمن أهداف الدعوة إلى الله التي هي أساس العمل لدين الله تعالى والمدعو: إما أن يستجيب ويهتدي فيتحقق هدف هداية الناس إلى الحق، وإما أن يعاند ويكفر فيتحقق هدف إقامة الحجة لله تبارك وتعالى وينقطع عذر المعاند إمام ربه يوم القيامة: قال تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَأهم وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}، وقال تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله عز وجل بأذنه وسراجا منيرا، ورسالته صلى الله عليه وسلم تمتد إلى قيام الساعة فهو النبي الخاتم ودينه الإسلام هو الدين الراسخ المهيمن على كافة الأديان قبله ولا يقبل عز وجل من العباد جميعا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه، ولذلك فحمل لواء الدعوة إلى دين الإسلام واجب على امة النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبلغ الدعوة أرجاء الأرض وحتى تقوم الحجة على العباد جميعا به وحتى تعذر امة النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الأمانة.
الهدف الثالث: نشر الدين وإخراج الناس من الظلمات إلى النور: ومن الضلال إلى الهدى والرشاد، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان، قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم:{المر* كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} (إبراهيم:1-4). وخاطب المولى تبارك وتعالى أمة الإسلام بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:110)، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام، فقال له رستم: لمإذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ([10]) . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (فو الله لان يهدي الله بك رجلا وأحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم)
الهدف الرابع: حفظ الدين بالحسبة عليه: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتسب على كل أمر من أمور الدين ويحتسب على جميع الناس على أهل بيته الكرام وعلى صحبه الكرام وعلى المسلمين أجمعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) ([11]) .
وحمل لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أعظم القربات وأوجب الواجبات على امة النبي صلى الله عليه وسلم من أجل إيجاد ذلك المجتمع المسلم الذي يتمثل للإسلام قولا وعملا وتحقيقا والذي تنتشر فيه فضاءل الإسلام وتنتفي عن نواهيه، قال تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران 104، وقال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وتؤمنون بالله)
الهدف الخامس: إيجاد المسلم الحقيقي الذي يلتزم بدين الإسلام عقيدة وشريعة وتزكية: وفي ذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: [لأن يهدي الله بك رجلاً وأحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم] ([12]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: [يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك.. الحديث] ([13]) .
إن إيجاد ذلك المسلم الذي يخلص دينه لله بالتوحيد والإتباع لهو من أعظم أهداف العمل الإسلامي، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الدعوي والحسبي و التعليمي والتربوي يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المسلم الحقيقي الذي يختلط الإسلام بدمه ولحمة ويرى عزته في التمسك بدينه يعض عليه بالنواجذ، وقد امتن الله عز وجل على المؤمنين بأن أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لتزكيتهم وتعليمهم العلم النافع وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين قال الله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}، وحمل لواء التربية والتزكية والتعليم واجب على امة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلم المسلم من دينه ما يصح به اعتقاده وما تصح به عبادته ومعاملاته وآداب واخلاقه وما تزكوا به نفسه وما يسلم به قلبه (يوم لا ينفع مال ولا بنون لا من اتى الله بقلب سليم) قال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إليهمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]
الهدف السادس: تكوين المجتمع المسلم الذي يمتثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا: قال سبحانه وتعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2)، وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران:164]، ذلك المجتمع الذي تقام فيه الأركان والفرائض وتعظم فيه الشرائع وتظهر ثمار التزكية بالتواد والتآخي والتعاون على البر والتقوى والإيثار والحب في الله، ذلك المجتمع الذي تنشر فيه فضائل الإسلام من الإيمان والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم الحسبي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يهدف دائما إلى إيجاد ذلك المجتمع الذي يتمثل بالإسلام قولا وعملا وتحقيقا والذي ينتفي عنه كل ما نهي دين الإسلام عنه.
الهدف السابع: بناء دولة الإسلام القوية التي تحفظ على المسلمين دينهم وتزود عنه وتحمل لوائه وتنصره وتحقق أهدافه: تلك الدولة التي تحفظ عقائد الإسلام وتطبق أحكامه وشرائعه وتقيم أركانه وتعظم شعائره وتعز أهله وترهب أعدائه، وتلك الدولة التي ترفع لواءه وتسير به إلى الإمام نحو إظهار أمر الدين وبسط سلطانه والتمكين له في الأرض وحتى تزول الفتنة ويكون الدين كله لله، وقد كان تركيز عمل النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة تلك الدولة التي تجمع المسلمين تحت وحده واحدة وولاء واحد وقيادة مسلمة واحدة تعمل من أجل نصرة الدين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ويطلب منهم نصرته ونصرة دينه، وظل أمل النبي صلى الله عيه وسلم قائما إلى أن أذن الله عز وجل له في الهجرة إلى المدينة وأقام فيها دولة الإسلام الأولى والتي ما لبثت أن اشتدت حتى شمل سلطانها على أيام تابعي التابعين أكثر المعمورة، فقد تكفل الله عز وجل بنصرة عباده المخلصين في نصرة دينه وشرعه، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} [الحج: 40- 41]، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}
الهدف الثامن: نصرة المستضعفين من المسلمين في أنحاء العالم وتحرير فلسطين المغتصبة من قبل اليهود أعداء الدين: فما أكثر المسلمين المستضعفين من المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وقد خاطبنا الله تعالى بقوله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 75، 76]، وتحرير فلسطين المغتصبة من قبل اليهود أعداء الدين، وقد بشرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بطردهم، فقال صلى الله عليه وسلم ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود)) ([14]) .
الهدف التاسع: عودة الخلافة الراشدة التي تنوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسية الدنيا به: تلك الخلافة التي تجمع المسلمين جميعا في مختلف أنحاء وأقطار العالم الإسلامي كله تحت بيعة واحدة وراية واحدة، ترهب أعداء الله واعداء المسلمين، تلك الخلافة التي تحمي حرمات المسلمين في أنحاء العالم وتمد لهم يد العون والنصر، وقد اجمع علماء أهل السنة والجماعة قاطبة على وجوب تنصيب خيفة للمسلمين نقل ذلك الإجماع: الماوردي في الأحكام السلطانية والنووي في شرح صحيح مسلم ، وابن الحزم في الملل والنحل ([15]) .
وغيرهم ممن تقل ذلك الإجماع كثير، وأمة المسلمين من دون خليفة يوحد كلمتها وينظم صفوفها تظل في اختلاف واضطراب وذهاب القوة والبأس ويستهين أعداء الإسلام بها ويتجرؤون على أهلها لا يحفظون لهم إلا ولا ذمه، وأمة المسلمين بدون خليفة يوحد كلمتها ويجمع صفوفها تتقطع حتما إلى أجزاء منقسمة على بعضها البعض ويعادي بعضها بعضا وتظل الأمة حائرة في فرقة وفشل يذيق البعض منها بأس البعض، كما أن أمة المسلمين بدون خليفة يوحد كلمتها ويجمع صفوفها تكون ابعد ما تكون عن النصر والتمكين، وبشارات النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تؤكد عودة الخلافة الراشدة السائرة على منهاج النبوة، وذلك كائن لا محالة ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم.
الهدف العاشر: إعادة بناء حضارة الإسلام العالمية وإظهاره على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام لا يقف بينه وبينهم حاجز يمنع وصوله صحيحا إليهم ويمنعهم من قبوله متى شاءوا قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}، إنّ من أهم أهداف العمل الإسلامي نشر الدين وإظهاره على الدين كله وإزالة الفتنة من على الأرض والتخلية بين الناس جميعا وبين دين الإسلام لا يقف بينه وبينهم حاجز يمنع وصوله صحيحا إليهم ويمنعهم من قبوله متى شاءوا، قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28]، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8، 9]، وقد كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد تثبيت دعائم دولة الإسلام موجها نحو نشر الدين وتبليغه للناس أجمعين إزالة كل قوة تقف حجر عثرة تحول دون انتشار المد الإسلامي الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان، ولذلك أعلن النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد الطلبي من أجل نشر الدين وبسط سلطانه وإعلاء كلمته والتمكين له في الأرض وإزالة كل فتنة تقف في وجه المد الإسلامي المبارك، وقد كان عمله امتثالا لقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}، وقوله تعالى {وقاتلوا المشركين كافه كما يقاتلوكم كافه}، وقوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وقوله تعالى {فَإذا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَأبوا وأقاموا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.}، ولقوله صلى الله عليه وسلم : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([16]) .
وهذا في حق جزيرة العرب إما في حق غيرهم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد على الإسلام أو الجزية عن يد وهم صاغرون وإما القتال حتى تُزال الفتنه ويكون الدين كله لله، وليس معنى إزالة الفتنة الإكراه على دين الإسلام فلا إكراه في الدين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، يؤمن عن اعتقاده ويقين – لأنه لا يقبل عند الله تعالى إلا هذا الإيمان، أو يكفر بزيغه وضلاله لأنه لا إكراه في الدين ولكن يخضع لسلطان العدل سلطان دين الإسلام دين الله الذي لا يقبل من العباد جميعا دينا سواه، ونفهم من ذلك أن إزالة الفتنه تعني إزالة قوى الكفر والعدوان والطغيان التي تقف حجر عثرة وحاجز يمنع من وصول الإسلام صحيحا إلى الناس جميعا أو يمنعهم من الدخول فيه وقبوله متى شاءوا، وقد كان ذلك من أعظم مهمات أمة النبي صلى الله عليه وسلم على أرض الله وبين عباده.
الهدف الحادي عشر: المحافظة على تلك الأهداف السابقة محققة قائمة يتوارثها المسلمون جيلا بعد جيل: إن الكفار والمشركين والمنافقين لا يزالون على مر العصور والأيام على مكرهم وكيدهم وعدائهم لدين الله عز وجل الإسلام وأهله، قال تعالى {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}، وقال تعالى {ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم}، وقال تعالى {لتجدن أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا}، وهؤلاء الكافرين ينفقون أموالهم لحرب الإسلام وأهله، قال تعالى {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} وهؤلاء متى وجدوا في المسلمين ضعفا أو فرجه تسللوا منها ليمكروا بالمسلمين ومتى تمكنوا منهم فلا يرقبون فيهم يومئذ إلا ولا ذمة، لذلك وجب على امة الإسلام أخذ الحيطة والحذر الدائمين قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا}، ووجب على أمة الإسلام الإعداد الدائم من أجل الحفاظ على أهداف رسالة دين الإسلام قائمة محققه ومن أجل إرهاب أعداء الله على طول الدوام فلا تسول لهم أنفسهم بالكيد للإسلام وأهله، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}.
[بشارة]: تحقيق تلك الأهداف الغالية ليس ضربا من الخيال أو حديثا عن المستحيل بل هو كائن لا محالة، كائن لا محالة مهما بلغ ضعف أمة الإسلام فلابد وان يكون لها أياما من أيام الله الكريمات التي تنزل فيها الكرامات وينزل فيها نصر الله لعباده المؤمنين قال تعالى(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)، وقد دلت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق كافة تلك الأهداف المنشودة، قال تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، وقال تعالى (سورة الصف {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِي الأرض, فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا, وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا, وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ)) ([17]) .، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر) ([18]) . وقوله صلى الله عليه وسلم ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه شجر اليهود)) ([19]) . ولا يقف الأمر عند ذلك الحد بل يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح روما عاصمة أهل الصليب وإن ذلك كائن لا محالة، فيقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما روى الإمام احمد عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ الحديث، وفيه: (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية) ([20]) . ([رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في السلسة قائلا: وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني، كما هو معروف، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بأذن الله تعالى ولا بد، ولتعلمن نبأه بعد حين،([21]) .
وأخرج مسلم في صحيحه ((قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ) ([22]) .
ففتح الروم قادم لا محالة كما فتحت فارس من قبل، وكما فتحت القسطنطينية من قبل، ستفتح روما، وترتفع عليها راية الإسلام،، فهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد أن النصر والتمكين قادم لا محالة مهما ظهر على امة الإسلام من ضعف أو هزيمة ومهما ظهر على أعداء الدين من قوة أو نصر مؤقت، فدين الله سيبلغ مبلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيتا الا أدخله تحت سلطان دين الإسلام بعز يعز الله به الإسلام وأهله وبذل يذل الله به الكفر وأهله، والحاصل أن ظهور الدين الإسلامي على الدين كله كائن ولو كره المشركون والتمكين للإسلام قادم لا محالة ولو تكالب على امة الإسلام من بأقطار الأرض جميعا، ولكن القضية الهامة تكمن فينا نحن المسلمين، قال تعالى:{يا أيها الذين امنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، وقال تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} .
[المفتاح السابع عشر]: الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده تتمثل في: 1- الدعوة إلى الله تعالى، 2- البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم الشرعي الراسخ، 3-الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 4-الإعداد الجهادي لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين، 5-الجهاد في سبيل الله من أجل نشر الدين وإظهار أمره وإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله، 6- العمل الجاد المنضبط بالشرع والسياسة الشرعية الإسلامية لنصرة قضايا الدين.
الوسيلة الأولى: الدعوة إلى الله تعالى: هي اشرف رسالة وأعظم قربة إلى الله تعالى فهي عمل الأنبياء ومهمة المرسلين، وهي أفضل الأعمال لأنها وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {يَأَيّهَا النّبِي إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً} [الأحزاب: 45]، والداعي إلى الله هو أحسن الناس قولاً، قال تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إلى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، وأجر الداعي إلى الله عظيم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا…)) ([23]) . وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما للداعية من أجر عظيم، فقال لعلي رضي الله عنه: ((فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً وأحدا خير لك من حُمْرِ النعَم)) ([24]) .
ولولا الدعوة إلى الله لما قام لله على الأرض دين، ولا انتشر توحيد وإسلام، ولهذا أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغها إلى الناس كاملة، قال تعالى {يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ..} الآية. [المائدة: 67]، وأمره سبحانه بأن تكون الدعوة إلى الله تعالى هي سبيله وسبيل إتباعه إلى قيام الساعة، قال تعالى: {قُلْ هـَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَني وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وأمر سبحانه المسلمين بأن يتخصص طائفة منهم لحمل تلك الأمانة (أمانة الدعوة إلى الإسلام)،قال تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104]، والدعـوة إلى الله فرض كفاية على الأمة الإسلامية جميعها، إذا قام بها من يكفي للقيام بأعبائها سقط الإثم عن الباقين، وذلك لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فى الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوَاْ إليهمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]،
الوسيلة الثانية: البناء على الدعوة بالتربية والتزكية والتعليم: ويقصد به تربية المسلم على مبادئ الإسلام العقائدية والشرعية والأخلاقية، وصبغة بمحتوى رسالة دين الإسلام حتى يتحقق فيه إسلام الوجه لله والمتابعة الحقة لرسول الله عز وجل صلى الله عليه وسلم، والبناء على الدعوة هو المتمم لأثر الدعوة وهو يقوم على التربية الإسلامية الحقة والتزكية الإسلامية الخالصة والتعليم الشرعي الصحيح الراسخ، وهذه الأسس الثلاثة جمعتها آية في كتاب الله تعالى وضحت وسائل البناء على الدعوة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، فأعظم التربية تكون بملازمة كتاب الله عز وجل وتدبره وتدارسه ومعاهده سماعة وتلاوته، وأحسن التزكية تكون في هدى النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يترك مجالا و لا سبيلا إلى تزكية النفس أو سلامة القلب أو مكارم الأخلاق وحسن الأدب وبالتالي سبيلا إلى مرضاة الله عز وجل والقرب من الا ووضحه وبينه أتم بيان والعلم الراسخ الصحيح النافع هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الحكمة التي خرجت من مشكاة النبوية والوحي (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) أو جهود العلماء الراسخين في العلم في بيان معنى الكتاب والسنة واستخراج أحكامها.
الوسيلة الثالثة: الاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أوجب الواجبات وأعظم القربات وابرز صفات المؤمنين، وفيه مصلحة الأمة ونجاتها وبه يحافظ على الدين نقيا ظاهرا بعقائده وأركانه وشرائعه وأخلاقه وفي إهماله الخطر العظيم والفساد الكبير حيث تضيع العقائد والأركان وتُهمل الشرائع وتنتهك المحرمات وتنتشر الفواحش والرذائل، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة النبي صلى الله عليه وسلم على كافة الأمم، والأمة التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستحق اللعن من الله تعالى، وللحسبة بركة عظيمة على المسلمين وتكمن فائدتها في أمور عظيمة منها: إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار دينه والحفاظ عليه بين المسلمين فلا ينتقص من عقائده ولا تهمل أركانه ولا تغيب فرائضه ولا تنتهك محرماته، وهي سبيل إلى إيجاد المجتمع المسلم الحقيقي الذي تقام في الأركان وتطبق فيه الشرائع وتعظم فيه الشعائر وتصان فيه العقائد والأخلاق، والنبي صلى الله عليه وسلم باشر الحسبة على الدين بنفسه في كل أمور الدين في العقائد وفي المعاملات وفي العبادات، احتسب على أهل بيته وعلى أصحابه وعلى المسلمين جميعا ولم يترك صغيرا ولا كبيرا من أمور الدين يحتاج إلى الحسبة إلا واحتسب عليه، وكما احتسب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان صلى الله عليه وسلم مثالا عظيما للرفق واللين والحلم وسعة الصدر وهو الموصوف من الله تعالى بقوله عز وجل {ولَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الأمر}، وما اشد حاجتنا اليوم: إلى مناهج متكاملة للاحتساب على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تراعي مراحل الحسبة وأحكامها وآدابها ودرجاتها التي قررها الفقهاء وتستوجب الخيرية التي ذكرها الله تعالى في قوله سبحانه: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وتؤمنون بالله}،
الوسيلة الرابعة: الاعداد للجهاد في سبيل الله تعالى: وأحكام ذلك الأعداد- قدر الاستطاعة – عملا بقوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، والإعداد واجب شرعي من جهة الأمر في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا}، ومن جهة أنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والجهاد في سبيل الله تعالى أعلى الواجبات وذروة سنام الإسلام، ولا يتم الجهاد إلا بالإعداد له، والإعداد ينبغي أن يكون بأقصى استطاعة ممكنة وأكبر جهد ممكن، والملاحظ في الآية الكريمة أنّ كلمة: {قُوَّةٍ} جاءت نكره لتفنيد الشمول والعموم بكل قوة وبكل ما يؤدي الى القوة التي ترهب اعداء الله وآخرين من دونهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، سواء أكانت قوة معنوية ايمانية أو كانت قوة مادية من العدة والعتاد ووحدة الصفوف، وهذا الاعداد ينبغي ان يكون قويا متقنا حتى يستوجب ارهاب اعداء الله اعداء المسلمين وغيرهم من المتربصين بالإسلام، ثم نبه القرآن الكريم أنّ إنفاق المسلمين في سبيل الإعداد سوف يوف اليهم اضعافا مضاعفة: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}، وأهم مجالات الاعداد: (أ) إعداء الرجال: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}، {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، رجال: {يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ}، (ب) وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم، فالوحدة قوة والتفرق ضعف: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}، (ت) الإعداد المادي وقوة السلاح: الإعداد المادي وهو يشمل جميع أسباب القوة المادية ابتداءً ببناء الإنسان لجسمه بناءً قوياً، وانتهاءً بامتلاك أحدث ما توصل إليه الإنسان من صناعات في مجال العتاد والسلاح، وقد أخرج مسلم: عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: (({أعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، إلا إن القوة الرمي)) ([25]) . والمقصود بالرمي كل فنون الرماية بالمدافع والصواريخ وغيرها مما تفوق فيه العدو وكان سبباً في ظهوره علينا.
الوسيلة الخامسة: الجهاد في سبيل الله تعالى بالنفس والمال: وهذا الجهاد هو ذروه سنام دين الإسلام وأعلى سهم فيه، إذ ليس بعد التضحية بالنفس والمال في سبيل نصرة دين الحق والذود عنه أو التمكين له في الأرض عمل، والمجاهدون في سبيل الله تعالى حملوا على أعناقهم وأكتافهم رسالة تجديد أمر الدين ونضرته وضحوا من أجل ذلك الغالي والثمين وكل ما يملكون من حطام الدنيا الفانية، فإن عاشوا عاشوا عيشة العزة والكرامة، وإن ماتوا فلهم الشهادة فهنيئا لهم أجرهم عند الله تعالى – في الحالتين – وما أعظمه من اجر، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 إلى 171]، وفي مجال الجهاد من أجل نصرة الدين وإظهار أمره وبسط سلطانه، اشترى الله عز وجل من المؤمنين أنفسهم وأموالهم على الجهاد في سبيل الله وعلى أن لهم الجنة قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أوفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ومعلوم-في شرع الإسلام- أن للجهاد في سبيل الله تعالى أحكامه الشرعية التي تختلف وفقا لطبيعة الجهاد فالجهاد الدفاعي: (عند هجوم الأعداء على ديار المسلمين)، له أحكامه الخاصة به والتي تجيز للابن أن يخرج للجهاد دون أذن أبيه وللمرأة دون أذن زوجها، والجهاد الطلبي: (من أجل نشر رسالة الدين والتمكين له في الأرض وبسط سلطانه عليها) له أحكامه الشرعية الخاصة به وله شروطه التي ينبغي أن يستوفيها ومنها: وجود الإمام الممكن الظاهر الذي يعلن الجهاد ويقاتل المسلمون من خلفه، ووجود الإعداد المسبق- قدر الاستطاعة-وبما يرهب أعداء الله، ويلزم له أحكام تتعلق به كإذن الأبوين للابن وإذن الدائن للمدين.
(تنبيه) لا بأس من وجود جماعات تتعاون على البر والتقوى وتعمل في مجالات الدعوة والحسبة والتربية والتعليم والعمل الخيرى، شأنها في ذلك شأن أهل التصوف في الاجتماع على الأذكار والاوراد، فلا بأس من وجود جماعات دعوية تتخصص في الدعوة إلى الله تعالى، وجماعات علمية تربوية تتخصص في نشر العلم والفضيلة، وجماعات حسبية تتخصص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق مراحلها المعتمدة في الشرع الإسلامي، شريطة الالتزام بالسياسة الشرعية فيما يتعلق بالحكام، ومن ذلك، قوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 44]، وما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ((دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)) ([26]) . وما أخرجه مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)) ([27]) .وما أخرجه مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أو فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)) ([28]) . وما أخرجه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)) ([29]) .
[بشارة نبوية غالية] عودة الخلافة كائنة حتما، فقد اخرج الإمام أحمد وغيره عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة،))([30]) .
***
المبحث الثاني السياسة الشرعية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
[المفتاح الأول]: من تدبر منهج النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله تعالى يجد انه كله سياسة شرعية وعمل للإسلام وتحقيق غاياته وأهدافه وفق الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة، لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم العمل لدين الله عز وجل منفردا وذلك بنشر الدين والدعوة إليه والبناء عليه متدرجا حتى وصل إلى إظهار الدين على الدين كله وحتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس كافة في دين الله أفواجا، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى، وكل مرحلة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها قواعدها وملامحها وضوابطها التي تضيء لها النجاح في الوصول إلى تحقيق أهدافها وذلك حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى المراحل وأعظمها ألا وهي مرحلة التمكين في الأرض ورفع لواء الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وتلك المرحلة (مرحلة التمكين) هي أهم المراحل وذلك لأنها المرحلة الأخيرة التي ينبغي للمسلمين أن يعملوا جادين من أجل الوصول إليها ثم المحافظة عليها وعلى استمرارها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وتلك المرحلة (مرحلة التمكين في الأرض) هي المرحلة التي سلمها النبي صلى الله عليه وسلم لصحبه الكرام وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، (ومرحلة التمكين): وهي المرحلة التي حافظ عليها سلفنا الصالح خير قرون الإسلام (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) ورسخوا وجودها حتى بسط الدين سلطانه على أرجاء الأرض يملأها خيرا وعدلا وتوحيدا وإيمانا وإسلاما لله رب العالمين.
[المفتاح الثاني]: أبرز المراحل العملية التي مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم لدين الله تعالى: ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة الاستضعاف، والمرحلة الثانية: مرحلة إقامة الدولة وتثبيت دعائمها والجهاد الدفاعي من أجل ذلك، والمرحلة الثالثة: مرحلة التمكين في الأرض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة وإظهار الدين كله لله، وقد كانت المراحل وفق تسديد الله عز وجل لخطى نبيه صلى الله عليه وسلم يعلمه أولويات كل مرحلة وملامحها وضوابطها وما يصلح لها وما يصلحها، والناظر المتمعن لتلك الملامح والضوابط التي تحكم كل مرحلة عملية مر بها عمل النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها تخضع إلى حد كبير للظروف والإمكانيات المادية والمعنوية التي كان عليها واقع المسلمين آنذاك، ويجد أنها تخضع إلى حد كبير للأخذ بأسباب التغيير والنصر والتمكين ولسنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير، وهكذا سار النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل الإسلامي من مرحلة إلى أخرى حتى مكن الله عز وجل لدينه في الأرض، وفي كل مرحلة في تلك المراحل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق أهدافها ويهيئ أسباب التحول إلى مرحلة التي تليها، والله عز وجل يؤتيه أسباب ذلك التدرج حتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا.
[المفتاح الثالث]: [المرحلة الأولى مرحلة الاستضعاف]: ونعني بها مرحلة العمل لدين الإسلام في ظل أحكام الاستضعاف، وقد كانت تلك المرحلة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم هي المرحلة المكية وهي التي ابتدأت مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الهجرة إلى المدينة، وقد استمرت تلك المرحلة ثلاث عشرة سنة تقريبا وكانت على خطوات أبرزها: (الخطوة الأولى): منذ البعثة وحتى السنة الثالثة من البعثة وكانت تتميز بالسرية والتكتم ودعوة من يثق بهم النبي صلى الله عليه وسلم، (الخطوة الثانية): واستمرت حتى السنة العاشرة من البعثة تقريبا وكانت تتميز بالجهر بالدعوة والتركيز على الأقربين قريش ومواليها، (الخطوة الثالثة): واستمرت حتى الهجرة وقد واجهت الدعوة المعادة الشديدة من قريش فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان دعوته إلى الناس جميعا في الأسواق وقوافل العرب القادمة من أنحاء الجزيرة لعل قبيلة منهم تنصره وتعينه على تبليغ رسالته حتى ساق الله عز وجل إليه نفرا من أهل المدينة شرح الله صدورهم للإيمان وعقد معهم بيعة العقبة الأولى ثم الثانية ثم أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى المدينة حيث بدأت المرحلة الثانية من المراحل العملية التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
أهم ملامح المرحلة الأولى (مرحلة الاستضعاف):
(أ) نشر مبادئ الدعوة الإسلامية مع الشغف بها والانقطاع إليها بجميع الجهد والطاقة، (ب) الاهتمام بالتربية والبناء على الدعوة، (ت) سلمية الدعوة إلى دين الإسلام، (ت) العلنية في نشر مبادئ الإسلام العقائدية والتشريعية والأخلاقية، (ث) السرية في بناء الجماعة وتكوينها وخططها العملية، (ج) البحث الدائم عن النصير الذي ينصر الدعوة ويحمي أصحابها.
(أ) نشر مبادئ الدعوة الإسلامية مع الشغف بها والانقطاع إليها بجميع الجهد والطاقة: وقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم على العمل الدعوي يصل ليله نهاره ويعطي جل وقته واهتمامه له، يدعوا أهل بيته وأقاربه وأصحابه وذوي عشيرته ويدعوا بطون قريش في نواديهم وأماكن تجمعهم ويطوف على الناس في الأسواق ويمر على قوافل العرب التي تقصد بيت الله الحرام يدعوهم جميعا إلى الإسلام ويعرض نفسه عليهم لعلها تنصره وتعينه على حمل رسالته للناس أجمعين، ولم يزده البلاء له ولأصحابه إلا إصرارا على الدعوة إلى الله وهداية الناس إلى دين الإسلام وإلى نصرته ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان شعار النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة قول الله تعالى:{ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النحل: 125]، وقول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي..} [يوسف: 108].
(ب) الاهتمام بالتربية والبناء على الدعوة: وذلك بتربية الداخلين إلى دين الإسلام على هدى الإسلام والعمل على تزكيتهم وتكوينهم على مبادئ الدعوة وصبغهم بمحتواها وأفكارها وتعاليمها وذلك عن طريق (1) تعليمهم أمر دينهم، (2) تطبيق الإسلام في حياتهم، (3) تعميق معاني الإخوة فيما بينهم، (4) التواصي بالحق والتواصي بالصبر على طريق الدعوة واحتساب ذلك عند الله تعالى، وقد كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول الله تعالى:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ..} [الكهف: 28]، وكان من نتائج التربية والبناء أن بنيت القاعدة الصلبة من المهاجرين والتي قامت على أكتافها رسالة الإسلام بعد ذلك.
(ت) سلمية الدعوة إلى دين الإسلام: فقد أمر المسلمون في تلك المرحلة بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال واستعمال السلاح ولا في رد العدوان بل أمروا بالعفو والصفح والصبر، كما في قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14]، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..} [النساء: 77]، فدل ذلك على انهم كانوا يؤمرون في مكه بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة حيث قال الله تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ..} [الأنبياء: 39-40]، واستعمال السلاح في تلك الآونة له عواقب وخيمة على المسلمين جميعا وعلى العمل الإسلامي كله حيث لا يوجد استعداد التام للمواجهة ولعدم استقلالية الجماعة المسلمة أو تميز المؤمنين عن الكافرين، واستعمال السلاح في تلك المواقف هو من باب تغيير المنكر بوقوع منكرا أكبر منه وذلك محرم وممنوع، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس غيره على محارم الله وحرمات المسلمين كان يرى آل ياسر وهم يعذبون ولم يكن يزيد عن قوله صلى الله عليه وسلم ((صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) ([31]) . وأخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهـما: ((أن عبد الرحمن بن عـوف وأصحـاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشـركون، فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعـفو فلا تقاتلوا)) ([32]) .
فدل ذلك على أنهم كانوا يؤمرون في مكة بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة حيث تكونت الدولة الوليدة وتحتاج إلى من يدافع عنها، وسلمية الدعوة والعمل الإسلامي كان لحكمة عظيمة فالحركة الإسلامية الأولى على يد النبي صلى الله عليه وسلم لم يجف عودها ولم تقف على قدميها بعد، والسلمية لها أمر حتمي، وهو من سنة الله في خلقه وكونه ولم تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا حيث تراعي الحركة إمكانياتها وقدراتها حيث لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وعليها أن تأخذ بأسباب القوة والنصر والغلبة، ولهذا لم نسمع صدام مسلح بين الجماعة المسلمة وبين الكافرين في تلك المرحلة ولم نسمع أيضا عن حالات اغتيالات لشخصيات بارزة من صناديد الكفر وآنذاك، بل كان جهد النبي صلى الله عليه وسلم مركزا على نشر مبادئ الدعوة والبناء عليها في إطار السلمية التامة والبعد عم ساحة الصدام المسلح وتأجيل المواجهة قدر الاستطاعة وذلك بالعفو والصفح والصبر حتى أذن الله بالفرج والفتح المبين.
(ت) العلنية في نشر مبادئ الإسلام العقائدية والتشريعية والأخلاقية: فالعلنية هي الخط العام للدعوة الإسلامية وهي السبيل الواضح الصريح وهي اقصر الطرق إلى نشر دين الإسلام والدعوة إليه ونشر مبادئه العقائدية والتشريعية والأخلاقية، ولذلك كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الجهر بالحق وتبليغ رسالات الله لا يخاف في الله لومة لائم ولا يخش في ذلك الا الله عملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، وعملا بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحدا إِلَّا اللَّهَ ..} [الأحزاب: 39]، وعملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45-46].
(ث) البحث الدائم عن النصير الذي ينصر الدعوة ويحمي أصحابها: ففي مرحلة الاستضعاف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبحث دائما عن النصير الذي ينصر رسالته ويحمي أصحابها وكان صلى الله عليه وسلم يبحث دائما عن الأرض ذات المنعة حيث يتاح العمل لدين الله دونما خطر يهددها وهي في مهدها لم يقف على قدميها بعد، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب التي لها المنعة والقوة لعل قبيلة منهم تنصره وتقوم بالدين وتحيط به من كافة جوانبه، وقد خرج صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى الطائف لعل ثقيفا تنصره وتؤمن برسالته ولكنه لاقى منهم اشد البلاء، ومع بحثه صلى الله عليه وسلم عن استقلالية الأرض التي تقف عليها الجماعة المسلمة وتنطلق منها نحو نشر الدين والتمكين له عقد صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى ثم الثانية واشترط فيها على الأنصار ان يحموه ويمنعوه بما يمنعون به أهليهم وأولادهم وبايعه الأنصار على ذلك وبعدها أذن النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته في الهجرة إلى المدينة ثم اذن الله تعالى له في الهجرة فهاجر إليها وهناك بدأت المرحلة الثانية من فواصل العمل الإسلامي نحو نصرة الدين والتمكين له في الأرض.
أهم ضوابط مرحلة الاستضعاف
(أ) كف اليد والحرص التام على عدم مواجهة العدوان بالعدوان والانتقام بل الصبر والعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره وفتحه وفرجه القريب، فقد منع المسلمون من استعمال السلاح ولم يؤذن لهم فيه وعند اشتداد البلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يأذن لأصحابه في الهجرة وكان ذلك في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة.
(ب) الصبر على الإسلام وتحمل الأذى والبلاء في سبيل ذلك: فهذا هو طريق الإيمان قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3]، وقال تعالى {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 142-143]، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أصحابه بالصبر على البلاء كقوله صلى الله عليه وسلم ((صبرا أل ياسر فإن موعدكم الجنة))
(ت) عدم الاستعجال في قطف ثمار العمل قبل نضجها: وكان ذلك واضحا من رد النبي صلى الله عليه وسلكم على خباب بن الأرت رضي الله عنه حين جاءه وطلب منه الاستنصار للمسلمين، فقد اخرج البخاري عن أبي عبد الله خباب ابن الأرت رضي الله عنه قال: ((شكونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهو متوسِّدٌ بُردةً له في ظلِّ الكعبةِ، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان مَن قبلكم، يؤخذ الرجلُ فيحفرُ له في الأرضِ، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشارِ فيوضع على رأسِه فيجعلُ نصفين، ويمشط بأمشاطِ الحديدِ ما دون لحمه وعظمه، فما يصدُّه ذلك عن دينه، واللهِ لَيُتمَّنَّ هذا الأمرَ، حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرمَوتٍ، لا يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجِلون) ([33]) .
أهم أولويات تلك المرحلة: (مرحلة الاستضعاف)
(أ) الاهتمام الشديد بتبليغ دعوة الإسلام ونشرها وهداية الناس إلى دين الحق، (ب) انتشار الدعوة وعدم الجمود بها في مكان واحد أو على وسيلة واحدة بكل وسيلة ممكنة، (ت) الاصطفاء المستمر لرجال الدعوة والتربية والتعليم لأولئك النفر لبناء القاعدة الصلبة المؤمنة، (ث) الحرص التام على أرواح أولئك الرجال والتفكير المستمر في إنقاذ المستضعفين فهم بكافة الوسائل الممكنة ولو أدى ذلك إلى الهجرة عن مكان الدعوة.
[المفتاح الرابع]: المرحلة الثانية: مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها، وتبدأ تلك المرحلة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتمتد إلى صلح الحديبية الذي كان بمثابة الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام، وتلك المرحلة هي مرحلة بناء دولة الإسلام وتدعيم وتثبيت أركانها وذلك بوحدة الصف وبناء القاعدة الصلبة والتآخي التام مع المسلمين، وتلك المرحلة هي مرحلة الإذن في رد العدوان بمثله، وهي مرحلة عقد المعاهدات وفق قدرات الدولة الإسلامية النامية.
أهم ملامح المرحلة الثانية: مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها
(أولاً) الحرص على ترسيخ أركان دولة الإسلام من الداخل: وكان ذلك: (1) ببناء المسجد الذي اصبح مركز الانطلاق لنشر الإسلام وأصبح مقر الحكم والقيادة والقضاء وقيادة الجيوش ومحضن التربية الأول.
(2) التآخي بين المهاجرين والأنصار حتى أصبح المسلمون أمة واحدة من دون الناس.
(3) بناء القاعدة الصلبة من المؤمنين والمهاجرين بالتربية والتعليم والتزكية تلك القاعدة التي سيقوم على عاتقها نصرة الدين وتحقيق أهدافه.
(3) الاهتمام بتطبيق شرع الله على جميع المستويات الفردية والجماعية تطبيقا كاملا في مجال العبادات والشرائع والشعائر والمعاملات، وبالتالي تقديم النظام التشريعي الواضح الذي يعتبر ركن ودعائمه من دعائم ترسيخ دولة الإسلام وكذلك تقديم النموذج الكامل المثالي للمسلم الحق الذي ارتضى الله عز وجل دينه واستحق بذلك التمكين في الأرض.
(ثانياً): السياسة الخارجية الحكيمة وذلك بعدم تعريض دولة الإسلام لما لا طاقة لها به، وتمثل في: (1) عقد المعاهدات مع المجاورين لدولة الإسلام على أساس حسن الجوار والدفاع المشترك وقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
(2) عدم فتح جهات عدائية جديدة ودولة الإسلام لا تزال في مرحلة تثبيت الدعائم، ولذلك لم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم على معاداة أحد حتى يتبين موقفه من دعوة الإسلام.
(3) عدم البدء بالقتال والإذن فقط في رد العدوان قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الأنبياء: 39].
(4) إرسال فرق الاغتيالات لتصفية المعادين المهاجرين بالعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وذوي التأثير القوي على الرأي العام وتأليبه على المسلمين . وذلك لإرهاب المتربصين بالدعوة، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في نفر من الأوس لاغتيال كعب ابن الأشرف وأرسل صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك في نفر من الخزرج لاغتيال سلام ابن ابي الحقيق وغيرهم وكان لذلك أثره العظيم في بث الرعب في صفوف اليهود وإرهابهم.
(5) الإعلام الخارجي القبائل المجاورة ولإحياء العرب وتبليغ دعوة الإسلام الهم لعل ذلك يكون سببا في هدايتهم إلى الإسلام وكان أهم وسائل ذلك الإعلام الشعر وذلك لما له من تأثير قوي على العرب.
أهم ضوابط المرحلة الثانية: مرحلة بناء الدولة:
(1) عدم البدء بالعدوان والإذن فقط في رد العدوان لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا..} [البقرة: 190]، (2) حفظ العهود والمواثيق: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه والعاقبة للمتقين وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم مواثيقه مع إليهم حتى غدروا به ونكثوا عهودهم معه وكان أول من نكث العهد منهم بنو قينقاع فحاربهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عن المدينة ثم بنو قريظة فحاصرهم وقتل الرجال وسبى النساء والولدان ثم خيبر فحاربهم وكانت شطرين الأول خمسة حصون بالثاني ثلاثة حصون ففتحها الله جميعا على المسلمين وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود عن خيبر فطلبوا منه أن يتركهم يصلحون الأرض ولهم شطر الزرع فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم،
[المفتاح الخامس]: [المرحلة الثالثة: مرحلة العزة والتمكين في الأرض]: وتبدأ تلك المرحلة من صلح الحديبية إلى آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى وتستمر وتمتد لتشمل عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام علما وعملا، وتلك المرحلة هي مرحة تبليغ الرسالة إلى البشرية جمعاء وهي مرحلة تطبيق الأحكام النهائية لشرع الإسلام وتحقيق الأهداف العامة النهائية لدين الإسلام وهي مرحلة تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي وقتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة على وجه الأرض ويكون الدين كله لله فيخضع الكل لسلطان الإسلام إما بالدخول في دين الإسلام أو بالجزية عن يد وهم صاغرون، وفي تلك المرحلة كانت الخطوة الأولى هي التفرغ لنشر الدين دعوة الناس جميعا إلى الإسلام فبعد صلح الحديبية وقد كان بمثابة الاعتراف الرسمي بدولة الإسلام قال الرسول صلى الله عليه وسلم بمراسلة الملوك والأمراء داعيا إياهم بالدخول في دين الإسلام الذي لا يقبل الله من عباده سواه، وكانت الخطوة الثانية متمثلة في الصدام الأول دولة الروم في غزوة مؤتة ثم غدر أهل مكة فكان الفتح المبين ففتح مكة زادها تكريما وتشريفا ثم كانت الخطوة التالية، وهي إنهاء الجيوب الوثنية في جزيرة العرب كلها في دين الإسلام، ثم كان التحدي الأكبر لدولة الروم والمتمثل في غزوة تبوك ثم نزول سورة (التوبة) وإنهاء الوجود الوثني تماما من جزيرة العرب ثم حجة الوداع ثم انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.
أهم ملامح مرحلة التمكين
(1) الدعوة العالمية العامة إلى دين الإسلام ومراسلة الملوك والأفراد بذلك، (2) قتال المشركين كافة حتى يشهدوا بالشهادتين ويدخلوا في دين الإسلام يعملون بشرائعه، (3) دعوة اهل الكتاب وفي شبهة كتاب إلى الإسلام أو الجزية أو القتال حتى يفتح الله بالنصر المبين، (4) التمكين لدين الإسلام في الأرض وبسط سلطانه عليها بإقامة شرعه وحفظ عقيدته ونشرها وتحقيق أهدافه، وازال كل طاغوت من على وجه الأرض وتعبيدها لخالقها جل وعلا، كل ذلك امتثالا لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: 105]، وقوله تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ..} [البقرة: 193]، وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقوله تعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} [الأنبياء: 41].
[المفتاح السادس]: تلك خطوط عريضة وملامح أساسية وضوابط عامة لأبرز مراحل عمل النبي صلى الله عليه وسلم الثلاث للتمكين لدين الإسلام وإظهاره على الدين كله، وقد تبين منها أنه صلى الله عليه وسلم كان في كل مرحلة من مراحل العمل الإسلامي له سياسته الشرعية الحكيمة التي تحكمها وتوجهها آيات القران الخالدة، وقد تبين لنا تماما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأسباب واعتنائه بالسنن الربانية ومراعاتها وهو الرسول المرسل من خالق الأسباب ومسبباتها وقد كان المولى جل وعلا قادر على أن يمكن لنبيه صلى الله عليه وسلم دونما ابتلاء أو اخذ بالأسباب التدرج والنصر والتمكين ولكنه سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]، فهذا هو المنهج العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الإسلام في الأرض وإظهاره على الدين كله وتحقيق أهدافه جميعا على الأرض، وهذا المنهج ينبغي لأهل الإسلام أن يجعلوه دليل عملهم ونبراس طريقهم وهم سائرون في طاعة الله والعمل لدينه، ولعل ابرز سمات هذا المنهج:
(1) التدرج العملي بما يتوافق مع إمكانيات الجماعة المؤمنة وقدراتها المعنوية والمادية، (2) الأخذ التام بأسباب التغيير والنصر والتمكين والنجاح والغلبة والفلاح، لقد مر منهج النبي صلى الله عليه وسلم بمراحل عملية كان أبرزها: (1) مرحلة الاستضعاف، (2) مرحلة بناء الدولة وتثيب دعائمها، (3) مرحلة العزة والتمكين والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله، وقد كان لكل مرحلة من المراحل ملامحها وضوابطها التي تؤهل العمل الإسلامي للنجاح والوصول إلى تحقيق أهدافه فيها، والمذاهب الفقهية الاربعة المعتمدة لدى أهل السنّة والجماعة، جميعها تنظر إلى مقاصد الشرع، وتعمل بالمصلحة، إما دليلاً مستقلاً كالمالكية، أو ضمن الأدلة المتفق عليها كالقياس أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة والإجماع، بشرط أن لا تنافي أصلا من أصول الشرع الثابتة، ولا تعارض دليلا من أدلته القطعية، ولهذا يصبح من اليسير على أهل الفقه في الدين أن يوفقوا بين الأحكام الشرعية النهائية المحكمة المستقرة وبين التدرج العملي للوصول إلى تحقيق أهداف العمل الإسلامي، وقد يقول قائل: إنّ أحكام الشرع المستقرة النهائية كانت على الجهاد الطلبي، فكيف يُستساغ أن يؤمر المسلمون مع أعدائهم أحيانا بكف اليد والصبر والصفح والعفو، مع أنّ الأحكام النهائية الثابتة المستقرة في دين الإسلام تأمر بالجهاد الطلبي، والناظر بعلم وفقه ووعي وتؤده إلى الأحكام الشرعية النهائية المستقرة يجد أن لها شروطها التي لا بد وأن تستكمل قبل البدء فيها، ويجد لها ظروفا وأوضاعا لا بد وان تهيئ للقيام الصحيح بتلك الأعمال وللتطبيق السليم لتلك الأحكام، فالجهاد الطلبي على سبيل المثال يستلزم شروطا لا بد من توفرها قبل البدء فيه وإلا كان الأمر استعجالا ومخاطرة وتواكلا قد يؤدي إلى تغير المنكر بما هو أكبر منه، وعلى ذلك فلا يصح تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي دون تحقق تلك الشروط وإلا كان الأمر أقرب إلى الفوضى والهلاك منه إلى الشرع والواقع، وأقرب إلى الجهل منه إلى العلم وأقرب إلى التواكل منه إلى التوكل.
وعلى ذلك فالمرحلية العملية لا تعني أبدا مخالفة الأحكام الشرعية الثابتة المستقرة ولا تعني أبدا تعطيلها بل تعني السير الجاد نحو استيفاء شروطها وتهيئة الأوضاع والظروف للقيام بها خير قيام، والمرحلة العملية تعني كذلك الأخذ بأسباب النجاح وتعني التحرك وفق الإمكانيات المتاحة وتعني الواقعية الشرعية في معالجة الأوضاع المتردية للعالم الإسلامي، وتعني التأسي بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي في التمكين لدين الإسلام في الأرض، وليس من التدرج العملي في شيء أن نعطل حكما شرعيا أو أن نكتم علما، أو أن نترك عملا شرعيا متاحا ممكنا، أو أن نخفي أهدافا أوجب الشرع العمل من أجل تحقيقها، فكل ذلك من الوهن ومن حب الدنيا ومن كراهية الموت في سبيل الله، والتدرج العملي الحكيم لا يعني ذلك مطلقا، بل يعني قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أمرتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَلَا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أولِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 112-113]،، وكذلك قوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أمرتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأمرتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أعمالنَا وَلَكُمْ أعمالكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإليه الْمَصِيرُ} [الشورى: 15]، والآيات نزلت في بداية الدعوة وهي توضح الطريق نحو النصر واستحقاق رضا الرحمن،
***
المبحث الثالث السياسة الشرعية في حياة السلف الصالح الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام
[المفتاح الأول]: منهج سلفنا الصالح (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) العملي كان هو الامتداد الطبيعي والترسيخ الحق للمرحلة الأخيرة من منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي (مرحلة التمكين في الأرض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة وجعل الدين كله لله)، وهؤلاء السلف الكرام أتموا تلك المرحلة خير تمام وقاموا بالمحافظة عليها ورسخوا أهدافها وبسطوا سلطان الدين على عظم الأرض، ولو امتد بهم الزمان لما وجد على الأرض إلا دين الإسلام ولما وجد على الأرض إلا سلطان الإسلام، وقد قام هؤلاء السلف الصالح رضي الله عنهم بالجهاد الطلبي خير قيام تطبيقا لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ..} [الأنفال: 39]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً..} [التوبة: 36]، وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) ([34]) .
فقاتلوا دولة الفرس حتى أزالوها من على الأرض وادخلوها في دين الإسلام وأنقذوهم به من النار، وقاتلوا دولة الروم على الإسلام أو الجزية أو القتل، فمنهم من دخل في دين الله مسلما له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ومنهم من قبل الجزية عن يد وهم صاغر طائع لسلطان دين الله وأحكامه ومنهم من امتنع فقاتله السلف بالسيف حتى قتلوهم وطهروا الأرض من رجسهم، اشتغلوا بالجهاد وآثره عن غيرهم كيف وتركه وهو عين التهلكة التي قال فيها المولى جل وعلا {وَلَا تُلْقُوا بِأيديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، فدانت لهم الأرض مشارقها ومغاربها يعبدونها لله ويجعلون راية الإسلام عالية وأحكامه ممكنه وكلمته على الناس هي العليا، وذلت لهم الجبابرة وأزالوا الطواغيت من على وجه الأرض وطهروها من الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد، واخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وفي جور الأديان الباطلة والمحرفة إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فجزاهم الله عن عملهم لدين الإسلام خير جزاء، وقد مر بنا فيما سبق أسباب عدم حديث أولئك الإعلام عن علوم العمل الإسلامي وقواعده وضوابطه ومراحله وأهدافه، وذلك لأنهم قاموا بذلك كله خير قيام والكلام فيه يكون كتحصيل الحاصل ليس إلا ولم يكن يخطر ببالهم أبدا انة سيأتي على المسلمين زمان بلا خلافة ولا حكومة ولا دولة واحدة ووحدة ترفع شعار الإسلام عاليا وتعمل على تحقيق الأهداف الدين كلها دون مراهنة أو تقصير، ولم يكن يخطر ببالهم أبدا انه سيأتي على المسلمين زمان لا يحكم بشرع الله ويستبدل بالقانون الوضعي، …إلى غير ذلك مما جد على المسلمين في حاضرنا المؤسف المرير، ولكن بعد العسر يسرا وبعد الشدة فرجا وتجديد أمر الدين كائن لا محالة ببشارات النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك كائن ولو كره المشركون ولو اجتمع الإنس والجن على منعه {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171-173] واليك بعضا من أعمال أولئك السلف الصالح في العمل لنصرة دين الإسلام ونشر دعوته ورفع رايته والتمكين لسلطانه في الأرض.
[المفتاح الثاني]: المنهج العملي على عهد الصديق رضي الله عنه: عهد الصديق رضي الله عنه كان عهد التتمة لمرحلة العزة والتمكين، وعهد الجهاد الطلبي في سبيل الله، وقد قضى رضي الله عنه على المرتدين وقاتل مانعي الزكاة وأنفذ جيش أسامة واستأنف الفتوحات الإسلامية فوجه خالد رضي الله عنه نحو العراق وأبي عبيده رضي الله عنه إلى الشام وعلى عهده رضي الله عنه فتح الله على المسلمين أغلب الجزيرة والعراق والشام.
[المفتاح الثالث]: المنهج العملي على عهد الفاروق رضي الله عنه: عهد الفارق رضي الله عنه هو عهد التتمة لمرحلة العزة والتمكين، وعهد الجهاد الطلبي في سبيل الله، وقد أكمل رضي الله عنه فتح العراق وفارس: وكان ذلك في (القادسية) على يد القائد الفاتح سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه واستمر زاحفا حتى المدائن عاصمة الفرس وصلى فاتحا في فصر كسرى مع جنده المسلمين، ثم كانت نهاوند فتح الفتوح على يد الفاتح حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ثم فتحوا أصبهان وسائر من فرسان، ثم توجهت الجيوش على عهده رضي الله عنه إلى بلاد ما وراء النهر حتى قارب بلاد السند وصارت فارس كلها في عهدة في نطاق دولة الإسلام، وأكمل رضي الله عنه فتح الشام: فتحت الأردن ودمشق على يد القائد الفاتح أبو عبيده الجراح رضي الله عنه ولم يبق إلا بيت المقدس طلب أهلها الصلح بحضور أمير المؤمنين رضي الله عنهم فذهب إليها وتسلم المدينة وكتب لأهلها أمانا على أموالهم وأنفسهم وشعائر دينهم، وفتحت مصر على عهده رضي الله عنه بقيادة الفاتح عمرو بن العاص رضي الله عنه وتوفي رضي الله عنه والجزيرة والشام والعراق ومصر وفارس كلها في نطاق دولة الإسلام.
[المفتاح الرابع]: المنهج العملي على عهد ذو النورين رضي الله عنه: المنهج العملي على عهد ذو النورين رضي الله عنه هو أيضا امتداد لمرحلة التمكين والجهاد الطلبي في سبيل الله، امتدت الفتوحات على عهده إلى غرب أفريقيا وبلاد ما وراء النهر حتى وصل المسلمون إلى (كابول) في أفغانستان (وعزفه) في بلاد الأتراك وعمورية وأذربيجان وأقصى بلاد أرمينية وأجزاء من طبرستان جنوب بحر القزوين، وامتدت الضياء على عهده لتشمل النوبة والسودان جنوب مصر، وامتدت أيضا لتشمل على جزيرة قبرص وكافة جزر البحر المتوسط عن طريق أساطيل المد الإسلامي بقيادة القائد الفاتح معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وتوفي رضي الله عنه وكل تلك البلاد تحت لواء الإسلام وتحت سلطانه .
[المفتاح الخامس]: المنهج العملي على عهد أبي السبطين علي رضي الله عنه: في عهده رضي الله عنه توقف الجهاد الطلبي بسبب الفتن والخلافات، وانشغل رضي الله عنه بتوحيد كلمة المسلمين وتوحيد الصف الإسلامي عن إتمام مسيرة الفتوح والجهاد الطلبي في سبيل الله، إذ وحدة الصف الداخلية مقدمة على فتح البلدان الخارجية كما يقدم رأس المال على الربح، وفي تلك الآونة قاتل الخوارج وسن لأمة الإسلام التعامل معهم وسائر فرق المسلمين الضالة، وكان رضي الله عنه أولى لطائفتين بالحق.
[المفتاح السادس]: الفتوحات على زمن التابعين وتابعي التابعين: في عهدهم وصلت الفتوحات إلى القسطنطينية –مدينة هرقل- وحاصروها سبع سنوات دون أن يأذن الله بالفتح – وقد فتحت بحمد الله تعالى في القرن الثامن في عهد الخلافة العثمانية -، ووصلت الفتوحات في عهدهم أيضا إلى الأندلس وشملت قرطبة وغرناطة وطليطلة وغيرها من البلاد الأندلس، ووصلوا إلى فرنسا قريبا من باريس وكانت هناك موقعة بلاد الشهداء، وامتدت أيضا حتى شملت ما وراء النهرين وحتى كثغر من بلاد الصين وكثير في شمال السند، وعلى ذلك فلقد كان شغل السلف الصالح (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) هو الجهاد الطلبي من أجل ألا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وقد كان منهجهم في ذلك هو الامتداد والتنمية للمرحلة الأخيرة من مراحل منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي.
[تنبيه]: لا يصح قياس حالنا العملي – اليوم – على حال السلف الصالح العملي، إذ أن منهج السلف الصالح رضي الله عنهم العملي كان الامتداد الطبيعي والترسيخ الحقيقي للمرحلة النهائية من منهج النبي صلى الله عليه وسلم العملي (مرحلة التمكين في الأرض والجهاد الطلبي لإزالة الفتنة)، فقد ورثوا رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرحلة الجهاد الطلبي وقاموا بها حق قيام ورسخوا ملامحها حتى بسطوا سلطان الدين على معظم الأرض آنذاك ولو امتد بهم الزمان لما وجد على الأرض سوى سلطان الإسلام، أما اليوم فقد تغير الحال وأمة المسلمين مستضعفة، وأعداء الإسلام تكالبوا عليها من كل جانب يستحلون حرماتها ويعبثون بمقدراتها، وقد زادت الفجوة العسكرية بينهم وبين المسلمين، بما يستحيل معه دخول صراعات معها دون سابق إعداد هائل يكافئ موازين القوي والصراع، فقد ازدادت قوة أعداء الإسلام بصورة يصعب معها مجرد تخيل دخول أي حرب ضدها، بالقوى المتواضعة التي يملكها المسلمون، حتى أصبح المسلمون في ديارهم لا يملكون قرارهم بأنفسهم فما أشبهنا بحالة الاستضعاف الأولى التي ينبغي السير على هدى من ملامحها وضوابطها حتى نستحق سنن التغيير وحتى نقوى على مواجهة الباطل.
[المفتاح السابع]: الفتوحات في عهد بني أمية: في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (41 – 60هـ) استمرت الفتوحات في صعود، فقد امتدت شرقا إلى ما وراء النهر وفتحت بخارى وبلاد الصغد، وتوغل المسلمون في إفريقية واستولوا على (قابس) و (بنزرت) و (سوسة) على يد معاوية ابن حديج، أمير إفريقية، ثم فتحت (قفصة) و (قسنطينة) على يد عقبة بن نافع، وفي المشرق تم فتح خراسان و سجستان بعد انتقاضهما واستمرت غارات الصوائف في جبهة الروم، وتوالت الغارات البحرية على جزيرتي (صقلية) و (رودوس) تلك الغارات التي مهدت للاستيلاء عليهما، وفي عام 48هـ أرسل معاوية حملة استطلاعية إلى ضواحي القسطنطينية ليختبر خط الدفاع البيزنطي عن العاصمة (القسطنطينية)، وفي عام 53هـ وجه معاوية حملة لغزو هذه المدينة بقيادة ابنه يزيد ومعه قائد البحر سفيان بن عوف الأزدي، وضم إليه الصحابي الجليل أبا أيوب الأنصاري، وعادت الحملة بعد حصار دام سبع سنوات، وفيها توفي أبو أيوب ودفن قرب أسوار القسطنطينية.
وفي عهد يزيد بن معاوية (60 – 64هـ) اقتصرت الفتوحات على توغل عقبة بن نافع في إفريقية وبلوغه ساحل البحر الأطلسي، وغزا المسلمون خوارزم من بلاد ما وراء النهر، وقد مضى أكثر أيام خلافته في صراع مع الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما والذي انتهى بقتل الحسين، وفي صراع مع عبد الله بن الزبير وقد طلب الخلافة بعد استشهاد الحسين.
وفي عهد عبد الملك بن مروان (64 – 86هـ) توقفت الفتوحات عند حدودها السابقة، ما عدا بعض التوسع في بلاد ما وراء النهر، وكان سبب ذلك اشتغال عبد الملك في صراعه مع ابن الزبير واشتغاله بقمع الثورات والفتن التي أثارها الشيعة والخوارج، وقد أرهقت عبد الملك واضطرته إلى مصالحة الروم على مال لوقف هجومهم على الثغور الإسلامية.
وفي عهد الوليد بن عبد الملك (86 – 96هـ) أخذت مسيرة الفتوح في صعود، فقد توغل أخوه مسلمة بن عبد الملك في أذربيجان وفتح عددا من القلاع والحصون، واتسع الفتح فيما وراء النهر على يد قتيبة بن مسلم ففتحت (بخارى) و(سمرقند) و(بلاد الشاش) و(فرغانة) و(كاشان) وامتدت فتوحات قتيبة إلى دلتا نهر جيحون، وفي إفريقية أكمل موسى بن نصير أمير إفريقية، فتح المغرب وفي سنة 86هـ وجه حملة بحرية بقيادة عياش بن آشيل فغزا صقلية وعاد منها بغنائم، وجهز موسى جيشا بقيادة مولاه طارق بن زياد فاجتاز البحر إلى الأندلس سنة 93هـ وانتصر على ملك القوط (رودريق) في معركة جرت في (شذونة)، ثم لحق به موسى بن نصير واشترك معه في فتح بعض الأقاليم الأسبانية,، وفي الهند توغل محمد بن القاسم الثقفي فيها وفتح كثيرا من قلاعها ومدنها.
وفي عهد سليمان بن عبد الملك (96 – 99هـ) اجتاز قتيبة بن مسلم حدود الصين وفتح مدينة (كاشغر)، وفي الأندلس توغل عبد العزيز بن موسى، -وكان قد خلف أباه في إمارة الأندلس- في أسبانيا، وفتح عددا من أقاليمها، وفتح يزيد بن المهلب أمير خراسان جرجان و قهستان و طبرستان، وجهز سليمان حملة بحرية بقيادة عمر بن هبيرة، وأخرى برية بقيادة أخيه مسلمة، فحاصرت القسطنطينية من البر والبحر، وعادت بأمر من عمر بن عبد العزيز بعد توليه الخلافة.
وفي عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، (99 – 101هـ) اجتاز المسلمون جبال (البرتات – البيرينيه) إلى بلاد الغال (فرنسا) بقيادة السمح بن مالك، أمير الأندلس، واستولوا على (أربونة – ناربون) و (طولوشة – تولوز)، ولم تتسع الفتوحات في عهد عمر إلى أبعد من ذلك لقصر مدة خلافته. وفي عهد يزيد بن عبد الملك (101 – 105هـ) توغل المسلمون في بلاد الغال (فرنسا) بقيادة عنبسة بن سحيم أمير الأندلس، حتى بلغ أعلى نهر الرون وقام الأسطول الإسلامي في المغرب بغارات على جزيرة صقلية وجزيرة سردينية.
وفي خلافة هشام بن عبد الملك (105 – 125هـ) صعدت مسيرة الفتوحات الإسلامية إلى أبعد غاياتها وبلغت الأوج، فقد غزا أسد بن عبد الله القسري، أمير خراسان ما وراء النهر بلاد الصغد والترك، وغزا الحجاج بن عبد الملك بن مروان بلاد الخزر وأرمينية وبلاد اللان وفرض عليها الجزية، وتابع الجراح الحكمي أمير أرمينية غزو بلاد الخزر، ولما استشهد سنة 112هـ خلفه في الإمارة مروان بن محمد فغزا أقاليم بحر الخزر (قزوين) ووطد الحكم الإسلامي فيها، وفي بلاد السند توغل الجنيد بن عبد الرحمن المري فيها وفتح عددا من بلدانها، ثم توقف الفتح حتى أيام الغزنويين في أواخر القرن الرابع والقرن الخامس الهجري، وفي بلاد الغال غزا عبد الرحمن الغافقي، أمير الأندلس، جنوبها الغربي واستولى على مدينة (بوردو) ثم صعد شمالا والتقى مع (شار مارتل) بين مدينتي (تور) و (بواتيه) في معركة ضارية جرت سنة (114هـ – 732م) استشهد فيها عبد الرحمن وهزم جيشه، بسبب انشغال الجند بحماية الغنائم التي كانوا غنموها، واستشهد معه في تلك المعركة كثير من المسلمين، حتى أطلق على تلك المعركة (بلاط الشهداء)، وخلف عبد الرحمن في إمارة الأندلس عبد الملك بن قطن، فغزا بلاد (البشكنس – الباسك)، وفي إفريقية وجه عبيد الله بن الحبحاب أمير إفريقية، جيشا بقيادة حبيب بن أبي عبيدة الفهري ففتح بلاد السوس وغزا أرض السودان (السنيغال)، وفي البحر المتوسط غزا الأسطول الإسلامي، بقيادة حسان بن محمد بن أبي بكر جزيرتي (ساردينية) و (كورسيكا)، وتوجه أسطول آخر بقيادة حبيب بن أبي عبيدة الفهري ومعه ابنه عبد الرحمن، فغزا جزيرة (صقلية) سنة 122هـ والتحم مع الأسطول البيزنطي في معركة هزم فيها هذا الأسطول، وكان في نية حبيب أن يمضي في الفتح حتى يستولي على الجزيرة كلها، غير أن ثورة البربر اضطرته إلى العودة، وفي جبهة الروم استمرت غزوات الصوائف و الشواتي، كشأنها في عهد الخلفاء السابقين، وبوفاة هشام بن عبد الملك تنتهي المرحلة المروانية الأولى، وفيها امتدت رقعة الدولة الإسلامية من أسبانيا والبحر الأطلسي والمغرب الأقصى إلى حدود بلاد الهند والصين، ومن بحر الخزر وأرمينية إلى المحيط الهندي.
[المفتاح الثامن]: الفتوحات في عهد الدولة العباسية: وقفت الدولة العباسية عند الحدود التي انتهت إليها الدولة الأموية قبل سقوطها، وما جرى في عهد الدولة العباسية إنما كان إخضاعا لأقاليم انتقضت عليها وتم إخضاعها، فكأنما فتحت من جديد، كانتقاض بعض نواح فيما وراء النهر سنة 134هـ، وانتقاض طبرستان سنة 142هـ، وانتقاض سجستان سنة 152هـ، وانتقاض جرجان سنة 167هـ، وقد كانت هذه الانتفاضات ثورات على الحكم العباسي أو تمردا عليه قمعت بشدة وعنف، وقد استمرت غزوات الصوائف في جبهة الروم واقتصرت على حماية الثغور الإسلامية، الجزرية والشامية، وتتابعت من عام 142هـ حتى عام 191هـ وتوقفت بعد ذلك إلى عام 215، بسبب الحرب الأهلية بين الأمين والمأمون، من أجل الخلافة، وما تبعها من أحداث، ولما استقر الملك للمأمون استأنف حملات الصوائف، وكان آخرها الحملة التي قادها بنفسه سنة 218هـ وتوقف بها عند مدينة طرسوس، توقفت حملات الصوائف بعد ذلك، وأصبحت الثغور الإسلامية هدفا لغارات الروم، ففي سنة 243هـ أغار الروم على الثغور الجزرية وبلغوا مدينة (شمشاط) واقتربوا من مدينة (آمد – ديار بكر) كما أغاروا سنة 245هـ على الثغور الشامية من جهة (أنطاكية) ولم تفلح حملات الصوائف التي قادها قائدان شهيران وهما: علي بن يحيى الأرميني، وعمر بن عبد الله الأقطع، في صد غارات الروم واستشهد الاثنان في عراك معهم، على أننا لا بد أن نشير إلى ثلاث حملات عسكرية ضخمة توجهت إلى بلاد الروم وكانت حملات تأديبية: (الأولى): وجهها الخليفة المهدي سنة 165هـ بقيادة ابنه هارون الرشيد وفيها بلغ القسطنطينية فهادنته الملكة (إيرين) وعقدت معه صلحا مع جزية سنوية مجزية، و(الثانية): قادها الرشيد بنفسه وهو خليفة سنة 187هـ عندما نقض الإمبراطور(نقفور) الذي خلف(إيرين) الهدنة، وأرسل رسالة حادة للرشيد، فكتب له الرشيد على ظهرها مجيبا: (من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، أتاني كتابك يا ابن الفاجرة ! والجواب ما ترى لا ما تسمع !!)، ثم غزاه وانتصر عليه، فصالحه الإمبراطور (نقفور) وعقد معه هدنة جديدة، و(الثالثة): الحملة التي قادها الخليفة المعتصم بالله بنفسه سنة 223هـ انتقاما من الروم الذين أغاروا على ثغور الجزيرة ودخلوا مدينة (زبطرة) فنهبوا وسبوا النساء وهدموا المدينة، وكانت غارة الروم هذه بطلب من الثائر بابك الخرمي الذي كانت جيوش الخليفة تلاحقه، فلما ضيقت عليه الخناق طلب من الإمبراطور البيزنطي (تيئوفيل) أن يشن الغارات على الثغور الإسلامية ليضطر الخليفة إلى سحب جيوشه عنه، وقد استجاب الإمبراطور لمطلبه وزحف على الثغور، ولكن بعد أن كان بابك قد وقع في قبضة جيش الخليفة حيث أسره (الإفشين) قائد المعتصم، فقد روت كتب التاريخ أن امرأة من نساء المسلمين كانت مأسورة في عمورية فاستغاثت بالمعتصم، ونادت: (وا معتصماه) ! فقال لها الرومي: ليأتك المعتصم على حصان أبلق، فبلغ ذلك المعتصم، فأمر بتجييش جيش حمل فيه ثمانين ألف حصان أبلق ! وقد نفذ المعتصم حملته المشهورة وكان في جيشه جم غفير من العلماء والصالحين المشاهير منهم محمد بن واسع رحمه الله والتقى المعتصم مع جيش الإمبراطور في معركة جرت في (عمورية) انتهت بهزيمة الروم وأسر الإمبراطور، وتخريب عمورية وتحريقها، وإذا كان من فتح في هذا العصر من دولة بني العباس، فهو فتح صقلية الذي تولاه الأمراء الأغالبة، أمراء إفريقية، ففي سنة 212هـ جهز الأمير زيادة الأول بن إبراهيم بن الأغلب حملة بحرية بقيادة القاضي العالم المجاهد: أسد بن الفرات رحمه الله، ومنها أغاروا على جزيرة مالطة وافتتحوها أيام محمد بن الأغلب سنة 261هـ، وعبروا مضيق مسينا وغزوا قلورية وهي المنطقة الواقعة في أقصى الجنوب من شبه جزيرة إيطاليا.
***
المبحث الرابع السياسة الشرعية وفقه الواقع المعاصر
[المفتاح الأول]: تعريف فقه الواقع: الفقهاء والأصوليون يقصدون من هذا العلم (فقه الواقع الإسلامي): المعرفة الصحيحة المحيطة بالواقع المتعلق بالفتوى، وذلك لأن الفتوى كما هو مقرر تتعلق بالزمان والمكان وتتغير وفق أحوال المسلمين، ضمن شروط قد تخصص العام، أو تقيد المطلق، ولكن لا تعطل حكما ولا تحل حراما أو تحرم حلالا، والفقهاء والأصوليون يرون ضرورة هذا العلم للفتوى الصحيحة لأن فقه الواقع عندهم يوازي فقه النص وبدون أحدهما يختل نظام الفتوى ويكثر الخطى فيه، أما أهل السياسة الشرعية فالمقصود عندهم بـ (فقه الواقع الإسلامي): هو ذلك العلم الذي يقوم على المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر من حيث جوانب القوة والضعف، والعدد والعتاد، مقارنةً بغيره من واقع الأمم، والفهم الصحيح لكيفية التعامل الشرعي معه من أجل إصلاحه، وجوانب فقه الواقع الإسلامي: (معرفة الواقع)، و (كيفية إصلاح الواقع): الجانب الأول: معرفة واقع الأمة الإسلامية المعاصر: ويشمل المعرفة الدقيقة والفهم العميق للواقع الإسلامي المعاصر، ومقارنته بغيره من واقع الأمم من حيث القوة والضعف، ويتناول معرفة أعدائه الحقيقيين، وما يكيدون له من مكائد وما يدبرون له من خطط، ومعرفة أشد الناس له عداوة، وأقربهم إليه مودة، ومعرفة القوى الحقيقية المهيمنة على الوضع العالمي، ومعرفة مخططاتها الخبيثة لحرب الإسلام والمسلمين، ومعرفة ما عندها من إمكانات لتحقيق مخططاتها، والجانب الثاني: معرفة الطريق إلى تغيير الواقع الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين: ويتناول معرفة السبل المشروعة لحماية الأمة من أعدائها، وإفشال مخططاتهم، ومن ثم تفوقها عليهم والسير قدما نحو تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية العالمية على أرض الله تعالى وبين عباده.
[المفتاح الثاني]: أهمية فقه الواقع: إن دراسة فقه الواقع في جوانبه المتعددة يعطي تكاملا في الرؤية، وبعدا في النظر، وتخطيطا دقيقا لمستقبل العمل الإسلامي، ويضع العلاجات المناسبة لكل المعوقات التي تعترض طريق الإصلاح، وإذا غفل المسلمون المصلحون عن فقه واقعنا، فإن خططهم الإصلاحية ستبوء بالفشل الذريع لأنها ستصطدم بسنن التغيير والتمكين، وتلك السنن لا تجامل أحدا، قال تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]، إن من أهم أسباب تخلف العمل الإسلامي في عصرها الحاضر هو الجهل بالواقع، وغفلة القائمين على العمل الإسلامي عن الحجم الرهيب من الكيد الذي يكيده الأعداء ويخططون له، فقد أحكموا سيطرتهم على مقدرات الدول الإسلامية ضمن مخطط محكم رهيب، ونحن لا نستوعب حجم القدرات الهائلة التي يملكها هؤلاء، إن هذا العلم يحتاج إلى فقهاء نابهين، ومصلحين موهوبين، وساسة حاذقين، يستوعبون القواعد الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمثل أسس وأركان هذا العلم، ويستوعبون سنن الله تعالى في التغيير والإصلاح والتمكين ثم التوسع في دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية كالتاريخ وسنن تبديل الأمم وإصلاح الدول والمجتمعات، مع استيعاب لأصول علوم السياسة والإعلام والاقتصاد المؤثرة في تطور المجتمعات، ثم التوسع بعد ذلك في جمع وإحصاء البيانات الدقيقة عن واقع الأمة وحالها وحال أفرادها وفئاتها المتعددة، ودراسة مخططات الأعداء ضد الأمة، ومواطن القوة والضعف لديهم، ومن ثم المقدرة على رسم الخطط وبناء الاستراتيجيات الملائمة للإصلاح.
[المفتاح الثالث]: القرآن الكريم هو المصدر والأساس الأول لفقه الواقع: كتاب الله تعالى تبيان لكل قواعد هذا العلم، كما قال تعالى – في وصف كتابه الكريم -: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، فقد وضح لنا القرآن الكريم الأعداء، ودرجات العداوة، فقال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة: 82 إلى 84]، ثم بين لنا صفات اليهود، وصفات المشركين حتى لا ننخدع فيهم، وبين لنا صفات النصارى التي تجعلهم أقرب الناس لنا مودة، حتى نكون على بينة من أمرنا، فالقرآن الكريم رسم صورة متكاملة عن اليهود، سوء أدب مع الله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}، وتكذيب وقتل للأنبياء {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}، ونبذ العهود {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ونقض للعهود وكفر بآيات الله وقتل للأنبياء {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا}، وأخلاق سيئة ليست على أحد من البشر {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}، ملعونون من أنبيائهم لسوء أخلاقهم {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}، فهل مثل هؤلاء نطمع في الصلح معهم، والعيش سوياً في سلام، هيهات هيهات، قال الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وقل مثل ذلك في بيان القرآن الكريم الشافي لصفات المشركين – العدو الثاني للمؤمنين -، قال تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وقال تعالى: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}، ومثله في بيان صفات النصارى الذين هم أقربهم لنا مودة، قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}، فمن كان بتلك الصفات كان حريا أن يكون أقربهم لنا مودة، وإلا فهم كما قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}، وفيهم جاء الأمر القرآني: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
[المفتاح الرابع]: السنة النبوية هي المصدر والأساس الثاني لفقه الواقع: رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، وعلى ذلك فالسنة النبوية هي المصدر والأساس الثاني لفقه الواقع، فلو أمعنا النظر في سيرته صلى الله عليه وسلم في التمكين لدين الله من البداية وحتى جاء نصر الله تعالى والفتح، سنجد فيها القواعد الشرعية التي تعين على فهم الواقع، وإتباع الأسلوب الأمثل في العمل لدين الله تعالى، وكيفية الدعوة والحسبة والجهاد، وقواعد التعامل مع المنافقين والكافرين، فما أحوج فقه الواقع لمنهاج النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته في التمكين لدين الله تعالى، وقد لخصت – بحمد الله تعالى – سيرته في التمكين لدين الله تعالى في مبحث ((هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله)) فراجعها هناك، إذ هي نبراس يضيء طريق العاملين لدين الله تعالى وفق ظروف الواقع المعاصر مهما كان أليما.
[المفتاح الخامس]: سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم هي المصدر والأساس الثالث لفقه الواقع: إن دراسة سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم – وخاصة سير الخلفاء الراشدين – في العمل لدين الله تعالى هي المصدر والأساس الثالث لفقه الواقع، فكم نحتاج إلى دراسة موقف أبي بكر رضي الله عنه من المرتدين ومن مانعي الزكاة، وموقفه من إرسال الجيوش لفتح فارس والروم (أقوى دول العالم في ذاك الزمان)، وكم نحتاج إلى دراسة سيرة عمر رضي الله عنه وفي بناء أكبر وأقوى وأعدل وأنظم دولة عرفها تاريخ البشر، وكم نحتاج إلى دراسة سيرة عثمان رضي الله تعالى عنه صاحب التوسعات والفتوحات التي شملت البر والبحر، وكم نحتاج إلى دراسة سيرة علي رضي الله تعالى عنه في محاربة البغاة والخارجين على دولة الإسلام، وحزمه معهم، وكم نحتاج إلى دراسة سيرة الصحابة الكرام الذين عبر عن أهدافهم ربعي بن عامر رضي الله تعالى عنه بقوله لرستم قائد الفرس ((إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)) .
[المفتاح السادس]: الفقه الإسلامي واجتهادات الفقهاء هي المصدر والأساس الرابع لفقه الواقع: لقد أكرم الله تعالى أمة الإسلام أن جعل فيها فقهاء عظام تركوا لنا ثروة هائلة من القواعد المرنة والضوابط الحكيمة والأحكام الملائمة للتعامل مع الأحداث وفق إمكانات أهل الإسلام، فكانت تلك القواعد هي المصدر الرابع والواسع لفقه الواقع، وهذه القواعد تعتمد على أمرين: (أولهما): مقاصد الشريعة العامة التي تهدف إلى تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، (والثاني): مصادر التشريع الإسلامي الخاضعة للاجتهاد وهي: (القياس) و(الاستصلاح أو المصالح المرسلة) و(الاستحسان) و (العرف) و(الاستصحاب) – على اختلاف لفظي بين الفقهاء في إقرار بعضها وعند تحقيق المناطات وتحرير مواطن النزاع جميعهم يتفق عليها -، وجميع تلك المصادر تضع (الواقع) نصب أعينها، وهي تمثل الباب الواسع لاجتهادات المصلحين في بناء منظومة متكاملة للعمل لدين الله تعالى تناسب الزمان والمكان وفق معطيات الحاضر ووفق فقه الواقع المعاصر، بصورة مرحلية شريطة أن لا تحل من دين الله تعالى حراما ولا تحرم منه حلالا، لقد اتفق الفقهاء المجتهدون على أن من أهم مقاصد الشريعة تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ومن التطبيقات العملية لتلك القاعدة المتعلقة بفقه الواقع، جواز الهدنة المؤقتة مع الأعداء – ولو مع اعطائهم المال – إذا عُلم ضعف المسلمين وقوة الأعداء، والخوف على المسلمين منهم، ولذلك ينبغي للقائمين على العمل الإسلامي مراعاة الواقع عند رسم الخطط للنهوض بالعمل الإسلامي من الاستضعاف إلى التمكين.
[المفتاح السابع]: فقه كيفية إصلاح الواقع من خلال تدبر القرآن الكريم: ليس أدل على مراعاة الواقع من تتبع آيات القرآن الكريم حسب زمن النزول، فالقرآن الذي كان ينزل بمكة كان يركز على بيان ما يناسب المؤمنين الجدد، والدعوة الإسلامية الوليدة، من بيان أركان العقيدة، وبيان الأسس العامة للتشريع، وأصول مكارم الأخلاق، أما من الناحية العملية فقد كان يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في تلك المرحلة – بما يناسب واقعهم وحفاظا على استمرارية دعوتهم الناشئة – بالصبر والعفو والصفح وكف اليد،كما في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}،وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}، وقوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14]، ولم يؤذن لهم في القتال واستعمال السلاح ولا في رد العدوان بل أمروا بالصبر، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أيديكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..} [النساء: 77]، وأخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهـما: ((أن عبد الرحمن بن عـوف وأصحـاباً له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشـركون، فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعـفو فلا تقاتلوا)) ([35]) .
فدل ذلك على أنهم كانوا يؤمرون في مكة بكف اليد ولم يؤذن لهم في القتال الا بعد الهجرة إلى المدينة – حيث تكونت الدولة الوليدة وتحتاج إلى من يدافع عنها – قال الله تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الأنبياء: 39 – 41]، وفي تلك الفترة، كتب على المؤمنين الجهاد الدفاعي، ورد العدوان، كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 195]، وقوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90]، ثم لما ترسخ وجود الدولة المسلمة، بدأت مرحلة التمكين في الأرض، والجهاد الطلبي من أجل إظهار الدين، كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الْأَنْفال: 39]، وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقوله تعالى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} [الأنبياء: 41]
[المفتاح الثامن]: فقه كيفية إصلاح الواقع من خلال سيرة الرسول: لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم العمل لدين الله عز وجل منفردا وذلك بنشر الدين والدعوة إليه والبناء عليه متدرجا حتى وصل إلى إظهار الدين على الدين كله وحتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس كافة في دين الله أفواجا، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى، وكل مرحلة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت لها قواعدها وملامحها وضوابطها التي تضيء لها النجاح في الوصول إلى تحقيق أهدافها وذلك حتى وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى المراحل وأعظمها ألا وهي مرحلة التمكين في الأرض ورفع لواء الجهاد الطلبي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
[المفتاح التاسع]: أهم قواعد علم فقه الواقع الرئيسة: لقد أراحنا القرآن الكريم عن البحث في قواعد هذا العلم الأصيل، حيث وضح لنا (بعلم الله الكامل بالغيب) أهم قواعد هذا العلم التي بها نعرف أعداءنا ودرجات عداوتهم لنا، ووضح لنا السبيل الواضح إلى إفشال مخططاتهم والتغلب عليهم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55] ففي القرآن الكريم الاستبانة الواضحة لسبيل الأعداء المجرمين، وهل فقه الواقع سوى معرفة سبيل المجرمين، ومعرفة أهدافهم ومخططاتهم:
القاعدة الأولى: الإسلام دين الله تعالى على الأرض، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم، فالدين المعتبر عند الله – بعد بعثة النبي وإلى قيام الساعة – هو دين الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، ولا يقبل الله تعالى من العباد بعد بعثته دينا سواه، وهذا المعنى السابق لدين الإسلام يطالب به الناس جميعا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، وهو من أهل النار وبئس المصير، هذا وإن أمن بجميع الأنبياء والمرسلين قبله –وقد سمع بدعوته صلى الله عليه وسلم –لم ينفعه ذلك الإيمان مثقال ذره حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبعه على دينه الذي جاء به من عند الله، وإلا فهو الكافر حقا، وأعد الله تعالى للكافرين عذابا مهينا، والأدلة على ذلك واضحة بينه قد تناولناها في الباب الأول من هذا الكتاب.
القاعدة الثانية: المسلمون هم المؤمنون بالله، ومن عداهم كفار بالله، على درجات أدناهم أهل الكتاب، قال تعالى – في بيان أن الناس قسمين مؤمن وكافر{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [التغابن: 2] وقال تعالى – في بيان كفر أهل الكتاب -: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:72]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة:73]،وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[التوبة: 30- 33]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]
القاعدة الثالثة: الكفر ملة واحدة، والكفار يوالى بعضهم بعضا على المسلمين، وأكثرهم يكنون للمسلمين العداوة والبغضاء: والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، وقوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]، وقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109]
القاعدة الرابعة: عداوة الكافرين للمسلمين تتفاوت أشدها عداوة اليهود والمشركين، وأقربهم مودة الذين قالوا إنا النصارى: قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82].
القاعدة الخامسة: نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين من دون المؤمنين: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة، 51]
القاعدة السادسة: المنافقون أشد خطرا على الأمة من الكافرين: قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، وقال تعالى – آمرا النبي صلى الله عليه وسلم بجهادهم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9]، وحذرهم الله تعالى عاقبة نفاقهم بقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيـلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 60- 62]، ولهذا جاءت كثير من الآيات مفصلة ومبينة لصفات المنافقين، وفاضحة لمآربهم وغاياتهم، وأفرد الله تعالى لهم سورة مستقلة تتحدث عن نفاقهم (سورة المنافقين)، وأظهر الكثير من صفاتهم في (سورة البقرة)، و(سورة الأحزاب)، و(سورة محمد)، وجعل سبحانه (سورة التوبة) فاضحة لخداعهم وتضليلهم ومؤامراتهم.
القاعدة السابعة: ولاء المنافقين للمنافقين، وولاء المؤمنين للمؤمنين: قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} الآية [التوبة: 67]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]
القاعدة الثامنة: أعداء المسلمين كثيرون، منهم من نعلمهم؟، ومنهم من لا نعلمهم، وضرورة الإعداد لإرهاب أعداء المسلمين: قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} [الأنفال: 60]
القاعدة التاسعة: أهم الإعداد الوحدة وتراص الصفوف وموالاة المؤمنون بعضهم بعضا: قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)} [الصف: 4]
القاعدة العاشرة: كتب الله تعالى النصر لعباده المؤمنين إن نصروا دين الله تعالى واستحقوا سنن التمكين في الأرض: قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أعمالهُمْ} [محمد: 7- 8]، وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21]، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]
***
المبحث الخامس المنظمات اليهودية هي من تحكم العالم اليوم
[المفتاح الأول]: من اهم ما يتعلق بالسياسة الشرعية الإسلامية هو معرفة العدو الذي يكاد يحكم العالم اليوم ويتحكم في الدول الكبرى برؤسائها ووزرائها ومشرعيها والمتنفذين فيها يسيرونها من وراء حجاب فلا يتفطن لهم إلا من أورثه الله تعالى الفطنة والفراسة في معرفة الواقع العالم اليوم، قهناك منظمات يهودية صهيونية سرية تحكم العالم الغربي والصلبي، وهؤلاء هم اليد الخفية التي تحيك المؤامرات وتحاول احكام قبضتها على العالم ولها مصالح تعلمها ولها ايديولوجياتها الخاصة بها، ولها طرقها الخبيثة في تحقيق غاياتها والوصول الى تحقيقها، ولها أساليب فاسدة هي صنع مفكريها ومخططيها، ولها قوة قادرة على اختراق جدار الدول مما جعل منها قوة مسيطرة ومهيمنة على العالم، تعارف الكتاب على تسميتها بحكومة العالم الخفية، وهذه المنظمات السرية والشريرة والتي تكون الحكومة الخفية تتدخل في شؤون البشر وهي منتشرة في امريكا وروسيا وأوروبا وتتعامل بالإشارات والرموز، وهي تملك مفاتيح الاقتصاد في العالم وتملك الذهب وتملك شركات الطاقة وشركات السلاح ولها أذرع في كافة الدوائر الحكومية والمدنية والدولية، وهي التي تُرشح الرؤساء في كافة الدول الكبرى وتدعمهم حتى يصلوا إلى مواقع القرار، فإذا وصلوا صاروا موظفين لدى تلك المنظمة الخفية التي تسيطر على مفاصل القرار في العالم، وإذا فكر احدهم في مخالفة قراراتها جهزوا له فضيحة أخلاقية أو مالية تطيح به فإن كان نزيها فالاغتيال مصيره، وهذه المؤسسة الخفية تشمل في داخلها منظمات خفية مثل الماسونية والروتشيلديين والمتنورين، ومنظمات الروتاري واللايونز والعديد من المنتديات والجمعيات، والمنظمات السرية الأخرى وهي تمثل الأذرع الطويلة التي تحقق لتلك المنظمة السرية أطماعها، ومن اهم الاهداف المشتركة لهذه المنظمات الصهيونية:
(أ) العمل على تقويض الأديان وتهديم المبادئ الأخلاقية والفكرية والدينية ونشر الفوضى والانحلال والإِرهاب والإِلحاد.
(ب) العمل على تقسيم غير اليهود إلى أمم منابذة تتصارع بشكل دائم وتسليحها وتدبير حوادث لتشابكها وبث سموم النزاع داخل البلد الواحد وإحياء روح الأقليات الطائفية العنصرية.
(ت) استعمال الرشوة بالمال والجنس مع الجميع وخاصة مع ذوي المناصب الحساسة لضمهم لخدمة الماسونية والغاية عندهم تبرر الوسيلة.
(ث) إحاطة الشخص الذي يقع في حبائلهم بالشباك من كل جانب لإِحكام السيطرة عليه وتسييره كما يريدون وهو ينفذ صاغراً كل أوامرهم، والشخص الذي يلبي رغبتهم في الانضمام إليهم يشترطون عليه التجرد من كل رابط ديني أو أخلاقي أو وطني ويجعل ولاءه خالصاً للماسونية، وإذا تململ الشخص أو عارض في شيء تدبر له فضيحة كبرى وقد يكون مصيره القتل.
(ج) كل شخص استفادوا منه ولم تعد لهم به حاجة يعملون على التخلص منه بأية وسيلة ممكنة و يملكون عصابات إرهابية لتنفيذ العمليات الإِجرامية للتخلص من كل من يقف في طريقهم عن قصد أو عن غير قصد.
(ح) يسعون للسيطرة على رؤساء الدول لضمان تنفيذ أهدافهم التدميرية والسيطرة على الشخصيات البارزة في مختلف الاختصاصات لتكون أعمالهم متكاملة.
(خ) السيطرة على أجهزة الدعاية والصحافة والنشر والإِعلام واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعلية من خلال بث الأخبار المختلقة والأباطيل والدسائس الكاذبة حتى تصبح كأنها حقائق لتحويل عقول الجماهير وطمس الحقائق أمامهم.
(د) دعوة الشباب والشابات إلى الانغماس في الرذيلة وتوفير أسبابها لهم وإباحة الاتصال بالمحارم وتوهين العلاقات الزوجية وتحطيم الرباط الأسري من خلال إباحة الجنس واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة.
(ذ) السيطرة على المنظمات الدولية بترؤسها من قبل أحد الماسونيين كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمات الطلبة والشباب والشابات في العالم.
(ر) لهم نفوذ واسع في العالم من خلال الزعماء الذي اصطادتهم فأصبحوا كالدمى في يديها خوفاً على أنفسهم وعلى كراسيهم ولهم محافل في كل العالم تقريباً حيث تستقطب هذه المحافل الشخصيات في كل بلدٍ لضمان سيطرتها عليه تسمى محافلها الرسمية بـ (مناطق الروتاري و الليونز)، والتي تسيطر على كل الجمعيات والمنظمات الدولية ومنظمات الشباب لتضمن سير العالم كما تريد ولتضمن أن يكون القرار دائماً بيدها، خلاصة القول: اليهود يخططون للسيطرة على العالم، ويوقدون الحروب بين الأمم والدول ليتكسبوا من ذلك، وصدق الله تعالى حيث يقول:{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، وهم أشد الناس عداوة لأمة الإسلام، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82]، ولقد ورد في القرآن الكريم أنه من شدة عداوتهم للمؤمنين: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [سورة التوبة (32)]، و{يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [سورة الصف (8)]
[المفتاح الثاني]: من أخطر المؤسسات التي تنتمي إلى حكومة العالم الخفية من أباطرة المال اليهود الصهيونيين: (الماسونية) و (الروتشيلديون) و(النورانيون) و (منظمة العظام والجمجمة) و(كنائس الشيطان) و (نوادي الروتاري واللايونز) و (منظمة البلاك ووتر) وهذه المؤسسات هي التي تعين عن طريق أذرعها الطويلة رؤساء أمريكا وأوربا وروسيا وهي التي تعين النواب في مجالس الشيوخ والكونجرس، وهي التي تشرف على تعينات كل المسؤولين المهمين في مفاصل تلك الدول،
[أولا: الماسونية]: الماسونية معناها البناؤون الأحرار، وهي منظمة صهيونية سرية هدامة، إرهابية غامضة، محكمة التنظيم تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم وتدعو غير اليهود إلى الإلحاد والإباحية والفساد، لإضعافهم، وتتستر تحت شعارات خداعة مثل الحرية و الإخاء والمساواة و الإنسانية كل أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، من يوثقهم عهداً بحفظ الأسرار، ويقيمون ما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام تمهيداً لخلق جمهورية ديمقراطية عالمية – كما يدعون – وتتخذ الوصولية والنفعية أساساً لتحقيق أغراضها في تكوين حكومة لا دينية عالمية ماسونية.
[ثانيا: الروتشيلديون]: وتعود العائلة في اصولها الى يهود الخزر، وهم في اصطلاح اليهود هم من اليهود الاشكناز، ويعتبر فيليب روتشيلد مؤسس العائلة الروتشلدية، ذلك اليهودي، الشره النهم الذي أنجب عشرة أولاد، خمسة منهم ذكور إلى جانب خمسة بنات اُناث مبتدءاً من ألمانيا ليتوسّع مفتتحاً عشرة فروع له أخرى في أميركا وعدّة دول أوروبية بأسماء بنيه و بناته العشرة و بتوجيه مركزي منه ليشغلها بالصيرفة والأسهم و السندات الى جانب مقاولات تجهيز الدوائر الحكوميّة وخصوصاً الوزارات الحربية بـ (الميرة والعينة)، ثم لتبلغ ذروة تحكّمه بسيطرته على رأس المال العالمي في رفع و تخفيض العملات و البورصة والأسهم و السندات مسيطراً بها على حكومات الدول الغربية عبر مؤسساته العملاقة التي تسيطر على مفاتيح الاقتصاد العالمي منذ القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، فالروتشيلديّون وراء الحربين الكونيتين (العالميتين) المدمّرتين، إضافة إلى الكثير من الحروب و النزاعات في العالم، فهم يجيدون افتعالها وإشعال شرارتها، ومن ثمّ تزويد طرفي نزاعها على حد سواء ابتداءً من (الميرة والعينة) الملابس الأغذية إلى جميع الأسلحة الخفيفة والثقيلة إضافة للعتاد الحربي وتأمين طرق الإمدادات اللوجستية و حتى التزويد بالماكنة الإعلامية من مطابع و صحف وإذاعات و (الفضائيات) في عصرنا الحديث هذا، وعندما مات امشيل روتشيلد وفي وصيته وضع قوانين محددة لورثته ليتبعوها: (1) جميع المناصب الادارية والمواقع الحساسة في تجارات وشركات العائلة لا يمكن ان تعطى الا لأفراد من العائلة ولا يشارك في تجارة و ادارة اعمال العائلة الا الاعضاء الذكور فقط، (2) يجب الا يعلم احد بمقدار ثروات الروتشيلد ويجب الا يصل الى وسائل الاعلام مقدار ما يملكه الروتشيلديون، (3) يراس مجلس الادارة للعائلة الابن الاكبر من الابن الاكبر ولا يمكن التخلي عن هذا الشرط الا اذا وافقت اغلبية العائلة على اختيار شخص آخر، والروتشيلديون هم أصحاب أكبر البنوك في العالم وهم وكلاء الذهب لأكبر بنوك أميركا وأوروبا وروسيا، ولهم سيطرة كاملة على شركات الطاقة وعلى البنوك وعلى الذهب.
[ثالثا: النورانيون]: تعتبر هذه المنظمة التوأم الثانية للماسونية فتبدأ سنة 1770م عن طريق آدم وايزهاوبت المسيحي الألماني (توفي 1830م) الذي استقطبته الماسونية ووضع الخطة الحديثة للماسونية بهدف السيطرة على العالم وانتهى المشروع سنة 1776م، ووضع أول محفل في هذه الفترة وسمَّاه (المحفل النوراني) نسبة إلى الشيطان الذي يقدسونه; وكان الذي استقطب وايز هاوبت آمشل ماير باور مؤسس دار روتشيلد، والذي خطط للسيطرة على النقد الأوربي بتولي إصدار العملات، والإشراف على المصارف، واستطاع وايز هاوبت ومن معه استقطاب ألفي رجل من كبار الساسة والمفكرين وأسسوا بهم المحفل الرئيسي المسمى بمحفل الشرق الأوسط، وفيه تم إخضاع هؤلاء الساسة لخدمة الماسونية، وأعلنوا شعارات براقة تخفي حقيقتهم، وقد تميزت الحقبة الألمانية بصياغة المخططات ليأتي من بعد ذلك وضع تلك المخططات موضع التنفيذ على أرض الواقع، وهكذا فإن المجمع النوراني قد أنشيء لتنفيذ الإيحاءات التي يتلقاها كبار الحاخامين من معبودهم لوسيفر الشيطان، خلال طقوسهم، والغرض من قيام هذا المجمع تدمير جميع الحكومات والأديان من أجل قيام مملكة الشيطان، وفرض عبادة الشيطان، ويتم الوصول إلى هذا الهدف عن طريق تقسيم الشعوب، والتي يسميها اليهود بالجوييم (لفظ بمعنى القطعان البشرية يطلقه اليهود على البشر من الأديان الأخرى) إلى معسكرات متنابذة تتصارع إلى الأبد حول عدد من المشاكل التي تتولد دونما توقف، اقتصادية وسياسية وعنصرية واجتماعية وغيرها، ويقتضي المخطط تسليح هذه المعسكرات بعد خلقها، ثم يجري تدبير (حادث) في كل فترة يكون من شأنه أن تنقض هذه المعسكرات على بعضها البعض فتضعف نفسها محطمة الحكومات الوطنية والمؤسسات الدينية، وبعد تدمير جميع الممالك والأديان الجوييمية يقوم النورنيون ببناء مملكة الشيطان في جميع أنحاء العالم.
[رابعا: منظمة العظام والجمجمة]: تأسست المنظمة الصهيونية (منظمة الجمجمة والعظام) في جامعة يال الأميركية عام 1830، عندما استقر النورانيون في امريكا رأت الماسونية إحداث هذه المرتبة الماسونية لإعداد الأجيال الماسونية المتنفذة، ويوجد مقر هذه المنظمة في جامعة يال الاميركية وهو مبنى غريب الشكل مبني من الرخام وبدون نوافذ ولا يعرف عنه الناس الكثير، يطلق عليه (المعبد) وهو المقر الرئيسي لجمعية العظام والجمجمة السرية وجميع اعضاء الجمعية ممنوعون من الحديث عنها وعما يدور داخل هذا المبنى، وهذه المنظمة وجدت لتعمل كأرض لتربية الرؤساء المستقبليين، وأعضاء مجلس الشيوخ وقادة الصناعة، وفي مسعاها لخلق نظام عالمي جديد يقلص الحريات الفردية ويحصر القوة المطلقة في يد مجموعة صغيرة من العائلات الثرية، ونجحت منظمة الجمجمة والعظام في اختراق جميع المؤسسات الأمريكية وخاصة الإعلامية في كل أمريكا، ويعتبر البروتستانتيون النخبة المفضلة للاختيار للانخراط في هذه الجمعية من بين الطلبة، وقد استطاعت هذه الجمعية بعد مرور أكثر من 170 عاما، مد شبكتها وخيوطها داخل كل شرائح المجتمع الأمريكي، وتمكنت هذه الجمعية من إيصال ثلاثة من أفرادها إلى رئاسة الولايات المتحدة، وإلى جانب هؤلاء قاضيين إلى محكمة العدل، وواحد إلى رئاسة وكالة المخابرات المركزية، وحجزت للعديد من أعضائها مقاعد في مجلس النواب، ناهيك عن رجال الأعمال الذين يتربعون على عرش الاقتصاد الأمريكي، أولئك الذين تحكموا بالاقتصاد العالمي فحكموا الجمعية بيد من حديد، ويعتبر أخطر جهاز حكومي في أمريكا في أيديهم حيث يسيطرون على رئاسة وكالة المخابرات المركزية ومختلف أقسامها، وقد كانت دوما مرتع أعضاء جمعية الجمجمة والعظام التي تدفع بأعضائها إلى أروقة هذه الوكالة الأكثر أهمية في البلاد، وتؤمن هذه المنظمة باستراتيجية تسمى: فرض النظام بالقوة بعد إشاعة الفوضى والقلاقل، وتاريخ هذه المنظمة وأهدافها يساعدنا على فهم واستقراء مفهوم النظام العالمي الجديد التي تروج له الولايات المتحدة وتخوض الحروب والاعتداءات ضد الشعوب الأخرى من أجل فرض المفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهذا المفهوم في ظل مسوغات وإرهاصات العولمة و في هذا السياق نصت أهداف المنظمة على إقامة نظام عالمي جديد تسيطر عليه حكومة الولايات المتحدة، فأعضاء هذه المنظمة يؤمنون انه من خلال وجود حكومة قوية وقوة عسكرية ضخمة في الولايات المتحدة يمكن السيطرة على شؤون العالم السياسية والاقتصادية والمالية وإنشاء ما يسمى نظام عالمي جديد، وتؤمن هذه المنظمة ونتيجة للعلاقة التاريخية مع اليهودية السياسية والماسونية بإقامة علاقة فريدة وقوية مع (إسرائيل) وهو ما يوضح لماذا يصبح حكام أميركا اكثر حماسا من اليهود انفسهم في الدفاع عن مصالح الكيان الصهيوني ومعاداة العرب والتنكر لحقوقهم التي أقرتها القرارات الدولية، ومن فهم طبيعة هذه المنظمة السرية وأهدافها السياسية يجعله يستوعب طبيعة العدوانية السياسية والتهديدات المستمرة بشن الحروب الذي اعتادت الادارات الامريكية الصهيونية المتعاقبة على استخدامها ضد الكثير من الدول والشعوب، فأعضاء هذه المنظمة يؤمنون بما يسمى بالتفوق العسكري كأسلوب وحيد للسيطرة على الشؤون السياسية الدولية، وهو ما يجعلنا نفهم لماذا يجعلون اميركا تنسحب من معاهدات الحد من انتشار الأسلحة النووية والباليستية والحد من الأسلحة البيولوجية والكيميائية ولم يكتفوا بذلك بل أكدوا على الاستمرار في برنامج التسلح وبرنامج حرب النجوم وأنظمة توجيه الصواريخ العابرة للقارات والباليستية بالأقمار الصناعية، وأعضاء المنظمات السرية والصهيونية العديدة (الماسونية ومنظمة الجماجم والعظام) تملك تأثيرا كبيرا في انتخاب الرئيس الأميركي وصناع القرار في الإدارة الأميركية ولا يستطيع أي شخص في الحكومة الأميركية رفض طلباتهم وإلا واجه مصيرا اسود أو فضيحة والتاريخ الأميركي مملوء بالدلائل و تؤكده أيضا تصريحات المسؤولين هناك.
[خامسا: كنائس الشيطان]: وهذه أيضا صنعتها الصهيونية لإضلال البشر، وليس كما يظن البعض أن عبدة الشيطان ما هم إلا جماعة من المغرقين في الانحراف من غير أن يكون لانحرافهم أي مرجع تنظيمي أو سند فكري يستندون إليه، فجماعة عبدة الشيطان تابعة للقوى الصهيونية الخفية التي تحكم العالم، تأسست كنيسة الشيطان في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، سنة 1966، ولعبدة الشيطان أفكار اعتنقوها وجعلوا منها عقيدة يدينون بها، ومنها أنهم لا يتورعون عن القتل وسفك الدماء، بل يعدون قتل البشر – لا سيما الأطفال منهم لأنهم الأطهر – هي القرابين الأفضل للتقرب إلى الشيطان، وغايتهم من عبادة الشيطان الدخول إلى ما يسمونه عالم النور وذلك عن طريق الدخول في حالة من النشوة والكمال أو الصفاء الذهني، وللوصول إلى هذه الحالة يستخدمون الموسيقى والخمور والمخدرات والعقاقير وبالطبع الممارسات الجنسية الطبيعي منها والشاذ أيضا، الفردي منها والجماعي، ولعبدة الشيطان مراتب يترقون فيها، تبدأ من المرتبة الأولى التي لا يدخلها العضو الجديد إلا بعد اجتياز اختبار مقزز ومنفر، وهكذا كل درجة لا ينالها العضو إلا باختبار، وكل اختبار أصعب من الذي قبله حتى يصل إلى المرتبة السابعة التي لم ينلها إلا عدد يسير من اتباع اليهود.
[سادسا: نوادي الروتاري واللايونز]: هي تنظيمات يهودية الإدارة صهيونية النشاط تهدف لهدم الأديان غير اليهودية، والروتاري ما هو إلا صورة أخرى من الماسونية، وقد نفي الروتاري هذه المزاعم لفترة طويلة غير أن هيئة التاريخ المئوي للروتاري ذكرت أن الصلات بين الروتاري والماسونية هي صلات قديمة، كما أن هناك محفلا ماسونيا يعرف بالمحفل الروتاري جميع أعضائه هم من أعضاء الروتاري كذلك، فضلا عن ذلك فقد ذكر بول هاريس مؤسس الروتاري أن الروتاري هو أخوية (على غرار الماسونية) والماسونية والروتاري يتشابهان في كثير من الشعارات المرسومة والمكتوبة وفي استعمال العديد من الأدوات مثل المطرقة والجرس، وقد صدرت بيانات من جهات إسلامية ومن الفاتيكان تأثم من ينضم لعضوية الروتاري.
[سابعا: منظمة البلاك ووتر] (جيش امريكا السري): هؤلاء عبارة عن جيش مرتزقة يعملون كقتلة مأجورين من الولايات المتحدة من خلال شركة بلاك ووتر، وهى شركه مشبوهة،، تمتلك من العتاد مالا تمتلكه دول كثيرة مجتمعة وتسيطر علي مراكز صناعة القرار في أمريكا، ويعمل بها قتله مأجورون جلهم من المساجين والمجرمين الخطرين من بينهم أولئك الفرسان بعد إعطائهم مسحة تبريرية صهيوصليبية لما يقومون به من اعمال تخريبية لم تأمر بها أي شريعة، وقد اتفقت معهم ادارة الاحتلال الامريكي على اخضاع مدينه الفلوجة بالعراق بعد فشلهم في مواجهة المقاومة العراقية، فقام فرسان مالطا بأوامر من شركة بلاك ووتر بإرتكاب أبشع جرائم حرب تفوق جرائم أجدادهم إبان الحروب الصليبية، ان فرسان مالطا يشكلون ثانى قوة عسكرية بعد الجيش الأمريكي النظامي في العراق، وكان تقرير صحفي قد كشف النقاب عن أكبر شركة قتل خاصة في العراق تسمى فرسان مالطا تعتبر ثاني قوة عسكرية بعد جيش الاحتلال الأمريكي، وهي ضمن عدة شركات أبرمت عقوداً مع الإدارة الامريكية للقيام بمهام إجرامية وتصفيات وإبادة في العراق وفي الصومال وفي السودان، ويؤمن أفرادها أن الحرب في بلاد المسلمين حرب مقدسة تتبع الحروب الصليبية.
[المفتاح الثالث]: من اظهر ما يدل على دناءة هؤلاء ما تسمى عندهم بــ (برتوكولات بني صهيون) تشيب لها الرؤوس من دناءة ما فيها، واليهود يقومون بتنفيذ ما جاء فيها على مراحل طويلة الأمد، واننا لو عرفنا الحقيقة وأدركناها،سوف يسهل علينا قراءة الأحداث السابقة والحالية لأنها ليست غيبًا وإنما هي مؤامرة تدبرها قوي سرية خفية عنا، وتحاول أن تقنعنا أن كل شيء يتم بشكل طبيعي منطقي، وفي الحقيقة إن كل شيء يتم بشكل سري، وهذه البروتوكولات توضح أشياء عديدة: أهمها (أ) بيان مدى الدور الدنيء الذي تقوم به منظمات اليهود لاسيما الصهيونية في إفساد البشر والتلاعب بمصائرهم وكأنهم لا ينتمون إلى الإنسانية التي ينتمي إليها اليهود عليهم لعنة الله.
(ب) كشفت البرتوكولات نظرة اليهود لغيرهم من البشر وأنهم ليسوا سوى حيوانات تشبه الإنسان خلقها إله اليهود لخدمة اليهود، وليست لهم ادنى حقوق في دنيا اليهود، سوى العمل لخدمة بني صهيون، (ت) كشفت البرتوكولات زيف الدعاوى المعاصرة إلى الحق والإخاء والمساواة، وهي كلمات حق أُريد بها الباطل من الفوضى والدمار والخراب.
(ث) كشفت البرتوكولات مدى التحكم السياسي الذي وصلت إليه منظمات اليهود السرية في التحكم في جميع القرارات والتوجهات السياسية في العالم.
(ج) كشفت البرتوكولات متى تلاعب اليهود بالاقتصاد العالمي وتحكمهم في موارده الكبرى واستغلالهم له أسوأ الاستغلال.
(ح) كشفت البرتوكولات أنّ أكثر الحروب الدموية في العالم هي من صنع دسائس اليهود، قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، (خ) كشفت البرتوكولات مدى تحكم اليهود في رؤساء العالم المتقدم أمريكا وأوروبا وروسيا، وكيف انهم يعملون لصالح اليهود ولخدمة الصهيونية العالمية وتطبيق أهدافها.
(د) كشفت البرتوكولات مدى استغلال اليهود لمقدرات الدول الكبرى وخاصة أمريكا في تنفيذ مخططاتهم عن طرق السيطرة على أصحاب القرار قي تلك الدول.
(ذ) إنّ دراسة البرتوكولات مفيدة لأهل الإسلام من جهات عديدة أهمها: أنّها تعلم كيف يكون التخطيط الدقيق المتواصل لمستقبل الدعوة في ظل الموانع والعوائق والتحديات، كما أنّها تكشف ألاعيب العدو ودسائسه، وأنصح كل عامل للإسلام يريد انّ يُلم بفقه الواقع أنّ يدرس تلك البرتوكولات بدقة وعمق ليفهم المحرك الأساسي والمغزى المقصود من أكثر القرارات والمواقف السياسية والاقتصادية التي تُسّير العالم في زماننا المعاصر.
[المفتاح الرابع]: حول بروتوكولات حكماء صهيون: جاء في كتاب كيف انحرف العالم منشور على موقع النت، تحت عنوان: الأخطبوط اليهودي وكيف يحكم العالم: [ما هي البروتوكولات: عقد زعماء الصهيونية حتّى سنة 1951 ثلاثة وعشرين مؤتمرًا لدراسة الخطط التي تؤدي إلى تأسيس مملكة صهيون العالمية.. وكان أول مؤتمراتهم في مدينة بال بسويسرة سنة 1897 برئاسة زعيمهم (هرتزل)، وقد اجتمع فيه نحو ثلاثمائة من أعتى حكماء صهيون كانوا يمثلون خمسين جمعية يهودية، وقرروا فيه خطتهم السرية لاستعباد العالم كله تحت تاج ملك من نسل داود، وتتلخص الخطط المتفق عليها، في تدبير الوسائل للقبض على زمام السياسة العالمية من وراء القبض على زمام الصيرفة والسيطرة على الذهب والطاقة والدولار، وتتعدد وسائل الفتنة التي تمهد لقلب النظام العالمي وتهدده في كيانه بإشاعة الفوضى والإباحية بين شعوبه وتسليط المذاهب الفاسدة والدعوات المنكرة على عقول أبنائه، وتقويض كل دعامة من دعائم الدين أو الوطنية أو الخلق القويم، ولكن استطاعت سيدة فرنسية أن تختلس بعض هذه الوثائق ثم تفر بها، ودفعتها إلى العالم الروسي (سرجي نيلوس) فأدرك خطورتها وتنبأ بكثير من الأحداث الخطيرة التي وقعت بعد ذلك بسنوات كما قدرها، منها نبوءته بتحطيم القيصرية في روسيا ونشر الشيوعية فيها وحكمها حكمًا استبداديًا غاشمًا واتخاذها مركزًا لنشر المؤامرات والقلاقل في العالم، ومنها نبوءته بسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية على أيدي اليهود قبل تأسيس إسرائيل، ومنها نبوءته بعودة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة إسرائيل فيها، ومنها نبؤءته بسقوط الملكيات في أوروبا، وإثارة حروب عالمية لأول مرة في التاريخ يخسر فيها الغالب والمغلوب معًا ولا يظفر بمغنمها إلا اليهود.. وقد نشبت منها حربان، واليهود يهيئون الأحوال الآن لنشوب الثالثة!! ومن نبوءته أيضًا نشر الفتن والقلاقل والأزمات الاقتصادية دوليًا، وبنيان الاقتصاد على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود، وغير ذلك من النبوءات كثير.
[المفتاح الخامس]: [الخطوط العامّة لما جاء بالبروتوكولات]:
(1) لليهود منذ قرون خطة سرية غايتها الاستيلاء على العالم أجمع، لمصلحة اليهود وحدهم، وكان ينقحها حكماؤهم طورًا فطورًا حسب الأحوال، مع وحدة الغاية.
(2) تنضح هذه الخطة السرية بما أثر عن اليهود من الحقد على الأمم لا سيما المسيحيين، كما تنضح بالحرص على السيطرة العالمية.
(3) يسعى اليهود لهدم الحكومات في كل الأقطار، والاستعاضة عنها بحكومة ملكية استبدادية يهودية، ويهيئون كل الوسائل لهدم الحكومات لاسيما الملكية.. ومن هذه الوسائل إغراء الملوك باضطهاد الشعوب، وإغراء الشعوب بالتمرد على الملوك، متوسلين لذلك بنشر مبادئ الحرية والمساواة، ونحوها مع تفسيرها تفسيرًا خاصًا يؤذي الجانبين، وبمحاولة إبقاء كل من قوة الحكومة وقوة الشعب متعاديتين، وإبقاء كل منها في توجس وخوف دائم من الأخرى، وإفساد الحكام وزعماء الشعوب، ومحاربة كل ذكاء يظهر بين الأميين، مع الاستعانة على تحقيق ذلك كله بالنساء والمال والمناصب والمكايد.. وما إلى ذلك من وسائل الفتنة.. ويكون مقر الحكومة الإسرائيلية في أورشليم.
(4) إلقاء بذور الخلاف والشغب في كل الدول، عن طريق الجمعيات السرية السياسية والدينية والفنية والرياضية والمحافل الماسونية، والأندية على اختلاف نشاطها، والجمعيات العلنية من كل لون، ونقل الدول من التسامح إلى التطرف السياسي والديني، فالاشتراكية، فالإباحية، فالفوضوية، فاستحالة تطبيق مبادئ المساواة، هذا كله مع التمسك بإبقاء الأمة اليهودية متماسكة بعيدة عن التأثر بالتعاليم التي تضرّها، ولكنها تضر غيرها.
(5) يرون أن طرق الحكم الحاضرة في العالم جميعًا فاسدة، والواجب زيادة إفسادها في تدرج إلى أن يحين الوقت لقيام المملكة اليهودية على العالم، لأن حكم الناس صناعة مقدسة سامية سرية، لا يتقنها في رأيهم إلا نخبة موهوبة ممتازة من اليهود الذين أتقنوا التدرّب التقليدي عليها، وكشفت لهم أسرارها التي استنبطها حكماء صهيون من تجارب التاريخ خلال قرون طويلة، وهي تُمنح لهم سرًا، وليست السياسة بأي حال من عمل الشعوب أو العباقرة غير المخلوقين لها بين الأميين.
(6) يجب أن يساسَ الناس كما تساسُ قطعان البهائم الحقيرة، وكل الأميين ـ حتى الزعماء الممتازين منهم ـ إنما هم قطع شطرنج في أيدي اليهود، تسهل استمالتهم واستعبادهم بالتهديد أو المال أو النساء أو المناصب أو نحوها.
(7) يجب أن توضع تحت أيدي اليهود ـ لأنهم المحتكرون للذهب ـ كل وسائل الطبع والنشر والصحافة والمدارس والجامعات والمسارح وشركات السينما ودورها والعلوم والقوانين والمضاربات وغيرها.
(8) إنّ الذهب الذي يحتكره اليهود هو أقوى الأسلحة لإثارة الرأي العام وإفساد الشبان والقضاء على الضمائر والأديان والقوميات ونظام الأسرة، وإغراء الناس بالشهوات البهيمية الضارة، وإشاعة الرذيلة والانحلال، حتى تستنزف قوى الأمميين استنزافًا، فلا تجد مفرًا من القذف بأنفسها تحت أقدام اليهود. (9) وضع أسس الاقتصاد العالمي على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود، لا على أساس قوة العمل والإنتاج والثروات الأخرى، مع إحداث الأزمات الاقتصادية العالمية على الدوام كي لا يستريح العالم أبدًا، فيضطر إلى الاستعانة باليهود لكشف كروبه، ويرضى صاغرًا مغتبطًا بالسلطة اليهودية العالمية،
[المفتاح السادس]: [مختصر بروتوكولات حكماء صهيون]: وذلك خشية الاطالة وإلا فإني أوصي كل مسلم مهتم بمعرفة اليد الخفية التي تتحكم في حكومات العالم فليقرأ البروتوكولات كاملة وان يقرا كتاب احجار على رقعة الشطرنج فإنه مفيد في هذا الباب
[البرتوكول الأول]: الفوضى والتحرّريّة والثورات والحروب:
(أ) ذوو الطبائع الفاسدة من الناس أكثر عددًا من ذوي الطبائع النبيلة.. لذا فخير النتائج في حكم العالم هو ما ينتزع بالعنف والإرهاب، لا بالمناقشات الأكاديمية، فالحق يكمن في القوة.
(ب) الحرية السياسية ليست حقيقة، بل فكرة، ويجب اتخاذها طعمًا لجذب العامة، إذا أراد المرء أن ينتزع سلطة منافس له، خاصّةً إذا كان موبوءًا بأفكار الحرية والتحررية، فيتخلى عن بعض سلطته بإرادته.. وبهذا ما على الحكومة الجديدة إلا أن تحل محل القديمة التي أضعفتها التحررية، لأن قوة الجمهور العمياء لا تستطيع البقاء يومًا واحدًا بلا قائد.
(ت) لا يمكن أن تتحقق الحرية، فقد طغت سلطة الذهب على الحكام المتحررين ولم تعد الديانة هي الحاكمة.. ولو أعطيَ الشعبُ الحكم الذاتي فترة وجيزة، فستبدأ المنازعات والاختلافات التي سرعان ما تتفاقم، فتصير معارك اجتماعية، وتندلع النيران في الدول ويزول أثرها كل الزوال.
(ث) إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق في شيء، لهذا فلا بد لطالب الحكم من الالتجاء إلى المكر والرياء، فإن الشمائل الإنسانية العظيمة مثل الإخلاص والأمانة تصير رذائل في السياسة.
(ج) يجب إنهاك الدول بالهزاهز الداخلية والحروب الأهلية والخارجيّة، حتّى تخرب نهائيًا، وبذلك تقع في قبضتنا حينما تُضطرّ إلى الاستدانة منّا، فنحن نسيطر على اقتصاد العالم ونمسك المال كلّه في أيدينا.
(ح) يجب علينا إشاعة الأفكار التحرّريّة لتحطيم كيان القواعد والنظم القائمة، والإمساك بالقوانين وإعادة تنظيم الهيئات.. وبذلك يتمّ وضع دكتاتور جديد على أولئك الذين تخلّوا بمحض رغبتهم عن قوتهم! وفي ظلّ اضطراب المجتمع ستكون قوتنا أشد من أي قوة أخرى، لأنها ستكون مستورةً حتى اللحظة المناسبة.
(خ) ومن خلال الفساد الذي نلجأ لنشره، ستظهر للعالم فائدة قيام حكم يهوديّ حازم يعيد بناء النظام الذي حطمته التحررية.
(د) وعلينا إغواء الناس بالخمر والمجون المبكر عن طريق وكلائنا وتابعينا من المعلمين، والخدم في البيوتات الغنية، والنساء في أماكن اللهو، بالإضافة لمن يُسمّين “نساء المجتمع” والراغبات من زملائهن في الفساد والترف.
(ذ) شعارنا هو كل وسائل الخديعة والرشوة والخيانة إذا كانت تخدم في تحقيق غاياتنا.. هذا مع اللجوء إلى العنف ومصادرة الأملاك وإصدار أحكام الإعدام، لتعزيز الفزع الذي يولد الطاعة العمياء.
(ر) لقد حرّكنا الثورة الفرنسيّة، وجعلنا شعارها “الحرية والمساواة والإخاء” ليردّدها الناس كالببغاوات.. وهي كلمات تفتقد للاتفاق فيما بينها، حتّى ليناقض بعضها بعضًا.. فلا توجد مساواة في الطبيعة، التي خلقت أنماطًا غير متساوية في العقل والشخصية والأخلاق والطاقة.. وبهذا تمكّنّا من سحق كيان الأرستقراطية الأممية التي كانت الحماية الوحيدة للبلاد ضد أطماعنا، وأقمنا بدلا منها أرستقراطية من عندنا على أساس الغنى والثروة وعلى علم الاقتصاد السياسيّ الذي روجه علماؤنا.
[البرتوكول الثاني]: السيطرة على الحكم والتعليم والصحافة:
(أ) إنّ الحروب سباق اقتصادي، يقع فيه الجانبان تحت رحمة وكلائنا، بسبب حاجتهما لمساعداتنا الماليّة.
(ب) سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج في أيدي مستشارينا العلماء الحكماء الذين دربوا خصيصًا على حكم العالم منذ الطفولة الباكرة.
(ت) إن الطبقات المتعلمة ستأخذ جزافًا في مزاولة المعرفة التي حصلتها من العلم الذي قدمه إليها وكلاؤنا.. ولاحظوا هنا أن نجاح داروين وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل.. والأمر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي واضح لنا بالتأكيد.
(ث) بمساعدة صحافتنا سنزيد ثقة الأمميّن زيادة مطردة بالقوانين النظرية التي أوحينا إليهم بها.. إن الصحافة هي القوة العظيمة التي بها نوجّه الناس.. ومن خلال الصحافة أحرزنا نفوذًا، وبقينا نحن وراء الستار (لاحظ أنّ التلفزيون لم يكن قد اخترع في هذه اللحظة، ولو كان قد اخترع، لاكتفى به اليهود عن باقي الوسائل في تحقيق خططهم!!.. إنّ هذا يرجع أنّ تأثير التلفزيون يشمل كلّ طوائف المجتمع، الرجل والمرأة والطفل، المثقّف والمتعلّم والأمّيّ والجاهل!)
[البرتوكول الثالث]: إسقاط الملكيّة والأرستقراطيّة:
(أ) إنّ رؤساء الدول مقودون بقوتهم المطلقة على المكيدة والدس بفضل المخاوف السائدة في القصور.. ولكي نغريهم بأن يسيئوا استعمال حقوقهم وضعنا القوي كل واحدة منها ضد غيرها، بأن شجعنا ميولهم التحررية نحو الاستقلال، ووضعنا أسلحة في أيدي كل الأحزاب وجعلنا السلطة هدف كل طموح إلى الرفعة.. وقد أقمنا ميادين تشتجر فوقها الحروب الحزبية بلا ضوابط ولا التزامات. وسرعان ما ستنطلق الفوضى، وسيظهر الإفلاس في كل مكان. وسوف يهيئ سوء استعمال السلطة تفتت كل الهيئات لا محالة، وسينهار كل شيء صريعًا تحت ضربات الشعب الهائج.
(ب) لقد حرصنا على أن نقحم حقوقًا للهيئات خيالية محضة، فإن كل ما يسمى “حقوق البشر” لا وجود له إلا في المثل التي لا يمكن تطبيقها عمليًا. ماذا يفيد عاملاً أجيرًا قد حنى العمل الشاق ظهره، وضاق بحظه ـ أن يكون لثرثارٍ حق الكلام، أو يجد صحفي حق نشر أي نوع من التفاهات؟ ماذا ينفع الدستور العمال الأجراء إذا هم لم يظفروا منه بفائدة غير الفضلات التي نطرحها إليهم من موائدنا جزاء أصواتهم لانتخاب وكلائنا؟.. إن الحقوق الشعبية سخرية من الفقير، فإن ضرورات العمل اليومي تقعد به عن الظفر بأي فائدة منها.
(ت) تحت حمايتنا أباد الرعاع الأرستقراطية التي عضدت الناس وحمتهم لأجل منفعتهم وسعادتهم، والآن يقع الشعب تحت نير الماكرين من المستغلين والأغنياء المحدثين.
(ث) إننا نقصد أن نظهر كما لو كنا المحررين للعمال من هذا الظلم، حينما ننصحهم بأن يلتحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين.. ونحن على الدوام نتظاهر بأننا نساعد العمال طوعًا لمبدأ الأخوة والمصلحة العامة للإنسانية، وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية.
(ج) إن قوتنا تكمن في أن يبقى العامل في فقر ومرض دائمين، ليبقى عبدًا لإرادتنا.. إن الجوع سيخول رأس المال حقوقًا على العامل أكثر مما تستطيع سلطة الحاكم الشرعية.
(ح) نحن نحكم الطوائف باستغلال مشاعر الحسد والبغضاء التي يؤججها الضيق والفقر، وهذه المشاعر هي وسائلنا التي نكتسح بها كل من يصدوننا عن سبيلنا.
(خ) انه لحتم لازم أن يعرف كل إنسان فيما بعد أن المساواة الحقّة لا يمكن أن توجد.. ومنشأ ذلك اختلاف طبقات أنواع العمل المتباينة.. (أرجو أن ينتبه دعاة المساواة بين الرجل والمرأة إلى هذا الكلام، فاليهود سيكرّرون مرارا عبر هذا الكتاب أنّ فكرة المساواة هي فكرة عقيمة، وهي أنسب وسيلة لتحطيم أيّ مجتمع ليسيطروا عليه.. وسأترك لهم أن يستنتجوا من أين نبتت فكرة حرّيّة المرأة وما شابهها!!)، (د) إن كلمة “الحرية” تزج بالمجتمع في نزاع مع كل القوى وذلك هو السبب في أنه يجب علينا ـ حين نستحوذ على السلطة ـ أن نمحق كلمة الحرية من معجم الإنسانية باعتبار أنها رمز القوة الوحشية الذي يمسخ الشعب حيوانات متعطشة إلى الدماء.
(ذ) يؤمن الجمهور في جهله إيمانا أعمى بالكلمات المطبوعة وبالأوهام الخاطئة التي أوحينا بها إليه كما يجب، وهو يحمل البغضاء لكل الطبقات التي يظن أنها أعلى منه، لأنه لا يفهم أهمية كل فئة.. إن هذه البغضاء ستصير أشد مضاء حيث تكون الأزمات الاقتصادية عالمية بكل الوسائل الممكنة التي في قبضتنا.. وبهذا سنقذف إلى الشوارع بجموع جرارة من عمال أوروبا، لتسفك دماء أولئك الذين تحسدهم منذ الطفولة، وستكون قادرة يومئذ على انتهاب ما لهم من أملاك.. إنها لن تستطيع أن تضرنا، لأن لحظة الهجوم ستكون معروفة لدينا، وسنتخذ الاحتياطات لحماية مصالحنا.
(ر) نحن الآن ـ كقوة دولية ـ فوق المتناول، لأنه لو هاجمتنا إحدى الحكومات الأممية لقامت بنصرنا أخريات.
[البروتوكول الرابع]: تدمير الدين والسيطرة على التجارة:
(أ) إن الناس المحكومين بالإيمان سيكونون موضوعين تحت حماية هيئاتهم الدينية وسيعيشون في هدوء واطمئنان وثقة تحت إرشاد أئمتهم الروحيين، وسيخضعون لمشية الله على الأرض.. وهذا هو السبب الذي يحتم علينا أن ننتزع فكرة الله ذاتها من عقول المسيحيين، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورية مادية، بحيث نبقيهم منهمكين في الصناعة والتجارة، وهكذا ستنصرف كل الأمم إلى مصالحها، ولن تفطن في هذا الصراع العالمي إلى عدوها المشترك.
(ب) يجب علينا أن نضع التجارة على أساس المضاربة، وبهذا لن تستقر خيرات الأرض المستخلصة بالاستثمار في أيدي الأمميين بل ستعبر خلال المضاربات إلى خزائننا، كما سيخلق الصراع من أجل التفوق والمضاربة في عالم الأعمال مجتمعًا أنانيا غليظ القلب منحل الأخلاق كارها للدين والسياسة.. وستكون شهوة الذهب رائده الوحيد واللذات المادية مذهبه الأصيل.. وحينئذ ستنضم إلينا الطبقات الوضعية ضد منافسينا ـ الذين هم الممتازون من الأمميين ـ تنفيسًا عن كراهيتهم المحضة للطبقات العليا.
[البرتوكول الخامس]: تفريغ السياسة من مضمونها:
(أ) بعد أن تكون المجتمعات قد تفشت الرشوة والفساد في كل أنحائها: حيث الغنى بالخبث والتدليس، وحيث الخلافات متحكمة على الدوام، والفضائل في حاجة إلى أن تعززها العقوبات والقوانين الصارمة، لا المبادئ المطاعة عن رغبة، وحيث المشاعر الوطنية والدينية مطموسة في العقائد العلمانية.. حينئذٍ سننظم حكومة مركزية قوية، وسنضبط حياة رعايانا السياسية بقوانين جديدة تكبح كل حرية، وكل نزعات تحررية يسمح بها الأمميون، وبذلك يعظم سلطاننا بحيث يستطيع سحق الساخطين المتمردين من غير اليهود.
(ب) حينما كان الناس ينظرون إلى ملوكهم نظرهم إلى إرادة الله كانوا يخضعون في هدوء لاستبداد ملوكهم.. ولكن منذ اليوم الذي أوحينا فيه إلى العامة بفكرة حقوقهم الذاتية ـ اخذوا ينظرون إلى الملوك نظرهم إلى أبناء الفناء العاديين.. ولقد سقطت المسحة المقدسة عن رؤوس الملوك في نظر الرعاع، فانتقلت القوة إلى الشوارع فصارت كالمُلك المشاع، فاختطفناها.
(ت) لقد بذرنا الخلاف بين كل واحد وغيره بنشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرنًا.. وبهذا لن تجد أيّ حكومة منفردة سندًا لها من جاراتها حين تدعوها إلى مساعدتها ضدنا، لأن كل واحدة منها ستظن أن أي عمل ضدنا هو نكبة على كيانها الذاتي.
(ث) إن الحكومات لا تستطيع أبدًا أن تبرم معاهدة ولو صغيرة دون أن نتدخل فيها سرًا.
(ج) يجب الحصول على احتكار مطلق للصناعة والتجارة، ليكون لرأس المال مجال حر، يمنح التجارة قوة سياسية، بحيث يظلم التجار الجماهير بانتهاز الفرص.
(ح) يجب أن نضعف عقول الشعب بالانتقاد ونزعة المعارضة لنفقدها قوة الإدراك ونسحرها بالكلام الأجوف.
(خ) سننظم هيئات يبرهن أعضاؤها بالخطب البليغة والوعود الكاذبة على مساعداتهم للشعوب في سبيل “التقدم”.. وسنزيف مظهرًا تحرريًا لكل الهيئات وكل الاتجاهات، وسيكون خطباؤها ثرثارين بلا حد، حتى إنهم سينهكون الشعب بخطبهم، وسيجد الشعب خطابة من كل نوع أكثر مما يكفيه ويقنعه.
(د) لضمان الرأي العام يجب أولاً أن نحيره بتغييرات من جميع النواحي لكل أساليب الآراء المتناقضة حتى يضيع الأمميون في متاهتهم.. وعندئذ سيفهمون أن خير ما يسلكون من طرق هو أن لا يكون لهم رأي في السياسية!!
(ذ) هذه السياسية ستساعدنا أيضا في بذر الخلافات بين الهيئات، وفي تفكيك كل القوى المتجمعة، وفي تثبيط كل تفوق فردي ربما يعوق أغراضنا بأي أسلوب من الأساليب.
(ر) سنضع موضع الحكومات القائمة ماردًا يسمى إدارة الحكومة العليا وستمتد أيديه كالمخالب الطويلة المدى، وتحت إمرته سيكون له نظام يستحيل معه أن يفشل في إخضاع كل الأقطار.
[البروتوكول السادس]: السيطرة على الصناعة والزراعة:
(أ) سنبدأ سريعًا بتنظيم احتكارات عظيمة نمتصّ من خلالها الثروات الواسعة للأمميين، إلى حد أنها ستهبط جميعها وتهبط معها الثقة بحكومتها يوم نسحب أموالنا وتقع الأزمة السياسية.
(ب) يجب علينا أن نجرد الأرستقراطيين من أراضيهم عن طريق فرض الأجور والضرائب لتبقى منافع الأرض في أحط مستوى ممكن. . وسرعان ما سينهار الأرستقراطيون من الأميين، لأنهم غير قادرين على القناعة بالقليل.
(ت) يجب أن نفرض كل سيطرة ممكنة على الصناعة والتجارة، وعلى المضاربة التي ستحول دون زيادة رؤوس الأموال الخاصة، ودون إنهاض الزراعة بتحرير الأرض من الديون والرهون العقارية، وبهذا ستحول المضاربات كل ثروة العالم إلى أيدينا.
(ث) ولكي نخرب صناعة الأميين، ونساعد المضاربات سنشجع حب الترف المطلق، وسنزيد الأجور التي لن تساعد العمال في ظلّ الزيادة المستمرّة للأسعار، ولكنّها سترهق أصحاب المصانع.. وسنرفع أثمان الضروريات الأولية متخذين سوء المحصولات الزراعية عذرًا عن ذلك.. كما سننسف بمهارة أسس الإنتاج ببذر الفوضى بين العمال، وبتشجيعهم على إدمان المسكرات.. وسنطرد كل ذكاء أممي من الأرض.. وسنستر كلّ ذلك برغبتنا في مساعدة الطبقات العاملة على حل المشكلات الاقتصادية الكبرى، وستعاون الدعاية لنظرياتنا الاقتصادية على ذلك بكل وسيلة ممكنة.
[البرتوكول السابع]: إشعال الحروب العالميّة:
(أ) إن ضخامة الجيش، وزيادة القوة البوليسية ضروريتان لإتمام الخطط سابقة الذكر.. لذلك لا بدّ أن يكون إلى جانبنا طبقة صعاليك ضخمة، وجيش كثير وبوليس مخلص لأغراضنا.
(ب) لو عارضتنا أيّ دولة، فسندفع الدول المجاورة لها إلى إعلان الحرب عليها.. وإذا غدر هؤلاء الجيران فقرروا الاتحاد ضدنا ـ فسنجيب على ذلك بخلق حرب عالمية.
(ت) من أجل أن نظهر استعبادنا لجميع حكومات أوروبا، سوف نبين قوتنا لواحدة منها متوسلين بجرائم العنف وذلك هو ما يقال له حكم الإرهاب وإذا اتفقوا جميعًا ضدنا فعندئذ سنجيبهم بالمدافع الأمريكية أو الصينية أو اليابانية.
[البرتوكول الثامن]: تفريغ القوانين من مضامينها:
(أ) يجب أن نلجأ إلى أعظم التعبيرات تعقيدًا وإشكالا في معظم القانون حتى تبدو للعامة أنها من أعلى نمط أخلاقي، وأنها عادلة وطبيعية حقًا.
(ب) ما دام ملء المناصب الحكومية بإخواننا اليهود غير مأمون بعد (لم يعد كذلك الآن في أمريكا وأوروبا)، فسوف نعد بهذه المناصب الخطيرة إلى القوم الذين ساءت صحائفهم وأخلاقهم، كي تقف مخازيهم فاصلاً بين الأمة وبينهم، حتّى إذا عصوا أوامرنا توقعوا المحاكمة والسجن، وبهذا سيدافعون عن مصالحنا حتى النفس الأخير.
[البروتوكول التاسع]: تدمير الأخلاق ونشر العملاء:
(أ) عليكم أن توجهوا التفاتًا خاصًا إلى الأخلاق الخاصة بالأمة التي فيها تعملون، ولن يستغرقكم الأمر مضي عشر سنوات حتّى تغيّروا أشد الأخلاق تماسكًا، وبهذا تخضع هذه الأمّة لنا.
(ب) إن الكلمات التحررية لشعارنا الماسوني هي “الحرية والمساواة والإخاء”.. إنّ هذه الأفكار كفيلة بتدمير كل القوى الحاكمة إلا قوتنا.
(ت) حين تعارضنا حكومة من الحكومات فإن ذلك أمر صوري، متخذ بكامل معرفتنا ورضانا، كما أننا محتاجون إلى إنجازاتهم المعادية للسامية، كيما نتمكن من حفظ إخواننا الصغار في نظام، نتيجة إحساسهم بالاضطهاد!!
(ث) إننا نسخر في خدمتنا أناسًا من جميع المذاهب والأحزاب، من رجال يرغبون في إعادة الملكيات، واشتراكيين، وشيوعيين، وحالمين بكل أنواع الأفكار المثاليّة، لينسف كل واحد منهم على طريقته الخاصة ما بقي من السلطة، ويحاول أن يحطم كل القوانين القائمة.. وبهذا تتعذب الحكومات، وتستعد من أجل السلام لتقديم أي تضحية، ولكننا لن نمنحهم أي سلام حتى يعترفوا في ضراعة بحكومتنا الدولية العليا. (ج) إن لنا يدًا في حق الحكم، وحق الانتخاب، وسياسة الصحافة، وتعزيز حرية الأفراد، وفيما لا يزال أعظم خطرًا وهو التعليم الذي هو الدعامة الكبرى للحياة الحرة.. ولقد خدعنا الجيل الناشئ من الأمميين. وجعلناه فاسدًا متعفنًا بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لدينا زيفها التامّ.. (تذكّر ما قلناه في مقال “ثقافة تنحرف عن الطريق” عن تدريس نظريّة داروين على أنّها تاريخ في التعليم العصريّ!!)، (ح) لقد حصلنا على نتائج مفيدة خارقة من غير تعديل فعلي للقوانين السارية من قبل، بل بتحريفها في بساطة، وبوضع تفسيرات لها لم يقصد إليها مشترعوها.. ومن هنا قام مذهب عدم التمسك بحرفية القانون، بل الحكم بالضمير!!
[البروتوكول العاشر]: وضع الدساتير المهلهلة:
(أ) حينما تناقش مسائل توزيع السلطة، وحرية الكلام، وحرية الصحافة والعقيدة، وحقوق تكوين الهيئات، والمساواة في نظر القانون، وحرمة الممتلكات والمساكن، ومسألة سرية فرض الضرائب والقوة الرجعية للقوانين، فإنّ من غير المستحسن مناقشتها علنًا أمام العامة.. وحيثما تستلزم الأحوال ذكرها للرعاع يجب أن تنشر عنها بعض قرارات بغير مُضيٍّ في التفصيل، فالمبدأ الذي لا يذاع علنًا يترك لنا حرية العمل.
(ب) إذا أوحينا إلى عقل كل فرد فكرة أهميته الذاتية فسوف ندمر الحياة الأسرية بين الأمميين، فتفسد أهميتها التربوية، وسنعوق الرجال ذوي العقول الحصيفة عن الوصول إلى الصدارة.. إن كل من يسمون متحررين فوضويين، كل واحد منهم يجري وراء طيف الحرية ظانًا أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء، أي أن كل واحد منهم ساقط في حالة فوضى في المعارضة التي يفضلها لمجرد الرغبة في المعارضة، (ت) الدستور ليس أكثر من مدرسة للفتن والاختلافات والمشاحنات والهيجانات الحزبية العميقة، وكل شيء يُضعف نفوذ الحكومة.
(ث) لقد وضعنا في مكان الملك أضحوكة في شخص رئيس يشبهه .. قد اخترناه من الدهماء بين مخلوقاتنا وعبيدنا.. وسندبر انتخاب أمثال هؤلاء الرؤساء ممن تكون صحائفهم السابقة مسودة بفضيحة أو صفة أخرى سرية مربية، حتّى يكون منفذًا وفيًا لأغراضنا، لأنه سيخشى التشهير.
(ج) سنعطي الرئيس سلطة إعلان الحكم العرفي، بحجّة أن كونه رئيس الجيش يمنحه هذا الحق لحماية الدستور الجمهوري الجديد وبهذا لن يكون أحد غيرنا مهيمنًا على التشريع.
(ح) سنحرم المجالس الشعبيّة حق السؤال عن القصد من الخطط التي تتخذها الحكومة بحجة أنّها من أسرار الدولة.. وسيكون حقًا لرئيس الجمهورية أن يعين رئيسًا ووكيلاً لمجلس النواب ومثلهما لمجلس الشيوخ، وسنستبدل بفترات الانعقاد المستمرة للبرلمانات فترات قصيرة مدى شهور قليلة.
(خ) وسيكون لرئيس الجمهورية ـ باعتباره رأس السلطة التنفيذية ـ حق دعوة البرلمان وحله (ألم تسأل نفسك كيف يراقب مجلس الشعب الحكومة والرئيس بحيث يمكنه عزل الرئيس إذا ثبت تجاوزه، بينما يحقّ للرئيس حلّه في أيّ وقت؟!) وسيكون للرئيس في حالة حل المجلس إرجاء الدعوة لبرلمان جديد.. وسنغري الوزراء وكبار الموظفين الإداريين الآخرين الذين يحيطون بالرئيس، كي يموّهوا أوامره، بأن يصدروا التعليمات من جانبهم، حتّى يتحملوا المسؤولية بدلاً من الرئيس عن هذه الانتهاكات الصارخة للدستور.. وبإرشادنا سيفسر الرئيس القوانين التي يمكن فهمها بوجوه عدة.
(د) سيكون للرئيس كذلك حقّ نقض القوانين وحق اقتراح قوانين وقتية جديدة، بل له كذلك إجراء تعديلات في العمل الدستوري للحكومة محتجًا بأنه أمر تقتضيه سعادة البلاد.
(ذ) مثل هذه الامتيازات سنقدمها في دستور البلاد لتغطية النقص التدريجي لكل الحقوق الدستورية، إلى أن يصرخ الناس الذين مزقتهم الخلافات وتعذبوا تحت إفلاس حكامهم هاتفين: “اخلعوهم، وأعطونا حاكمًا عالميًا واحدًا يستطيع أن يوحدنا، ويمحق كل أسباب الخلاف، وهي الحدود والقوميات والأديان والديون الدولية ونحوها.. حاكمًا يستطيع أن يمنحنا السلام والراحة اللذين لا يمكن أن يوجدوا في ظل حكومة رؤسائنا وملوكنا وممثلينا “.
(ر) لابد أن يستمر في كل البلاد اضطراب العلاقات القائمة بين الشعوب والحكومات، فتستمر العداوات والحروب، والكراهية، والموت استشهادًا، هذا مع الجوع والفقر، ومع تفشي الأمراض وكل ذلك سيمتد إلى حد أن لا يرى الأمميون أي مخرج لهم من متاعبهم غير أن يلجأوا إلى الاحتماء بأموالنا وسلطتنا الكاملة.
[البروتوكول الحادي عشر]: السيطرة العالمية:
(أ) مجلس الدولة الأعلى أو مجلس الشورى الأعلى، كان ولا يزال أقوى تعبير عن سلطة الحكم، وسيبقى الواجهة الخارجية للسلطة الاشتراكية. أو بالأحرى ما يسمى بلجنة تحرير القوانين والأنظمة التابعة للحاكم، وهذا هو برنامج الدستور الجديد. سننشئ الأوضاع اللازمة للقانون والحق والعدالة، حتى يبدو أن هذه العناصر الثلاثة قد تبوأت مكانها المعد لها. ونفعل ذلك بثلاث طرق:
(1) في قالب مشروعات قوانين تحال على السلطة التشريعية (2) في قالب مراسيم مجلس الوزراء (3) وفي حالة سنوح الفرصة المؤاتية في شكل ثورة تهبّ رياحها داخل الدولة، وبعد أن نكون قد فرغنا من ترتيب هذه الأمور على مواقيت، فإننا نتحول إلى جهة أخرى، فنُعنى بتفصيل ما يتعلق بالمناحي التي بها تتم مجاري الثورة عي طريق أجهزة الدولة في الاتجاه المقرر. وأعني بهذه المناحي حرية الصحافة، حق تأليف الجمعيات والأحزاب والهيئات، حرية الرأي والضمير، حق التصويت في الانتخاب، وغير ذلك مما يجب أن يمحى ويغيب إلى الأبد من ذهن الإنسان، أو أن يُعدَّل تعديلاً ينسف حتى الأساس، شرط أن يقع هذا كله غداة إعلان الدستور الجديد بلا تراخٍ. وهذا مستطاع الآن في هذه الفترة، فنصدر أوامرنا كلها دفعة واحدة، ولا نؤخر منها شيئاً، إذ لو أخرناها أقل تأخير وأُلحق بالدستور تعديل تالٍ، فكل تعديل ذو بال يقع على هذا الوجه، لا بد أن يكون فيه خطر، للسبب التالي: إذا كانت مادة التعديل خشنة فظة، وكانت طريقة الاقتراح خشنة فظة كذلك، مع قصر نظر المقترح في موضوعه، فقد يشمخ المقترح بأنفه ويعتقد أن هذا التعديل يفتح الباب لأمثاله ينسجون في الاقتراح على منواله، وحينئذ يقال بأننا قد اعترفنا بأخطائنا، وهذا ينال من الهيبة المحيطة بسلطتنا المعصومة، أو يقال أنه قد دخلت علينا مخاوف فاضطررنا إلى المسايرة و المجاراة، و على هذا الموقف لا يشكرنا أحد، بل يظنون أننا نزلنا على الإكراه، وغُلِبنا على أمرنا. وكل وجه من هذه الوجوه ضارّ بسمعتنا بين يدي الدستور الجديد. وأما ما نريد، فهو أن تعترف الشعوب فورا، و حرارة الانقلاب لم تبرد بعد، بأننا أقوياء، ولا سبيل لأحد إلى زحزحتنا قيد شعرة، و كلنا بأس رهيب من قرننا إلى قدمنا، فلا نحسب حساب أحد، ولا نخاف الخوف الذي يضطرنا إلى الأخذ برأي أحد، ونحن على استعداد في كل وقت ومكان أن نسحق كل من ينبس بكلمة اعتراض، ونثبت أننا قد مَلكَنا الأمر كله على الغوييم.
[البروتوكول الثاني عشر]: السيطرة على النشر:
(أ) إن كلمة الحرية التي يمكن أن تفسر بوجوه شتى سنعرّفها نحن هكذا “الحرية هي حق عمل ما يسمح به القانون”.. وبهذا نحدّد أين تكون الحرية، وأين ينبغي أن لا تكون، وذلك لسبب بسيط هو أن القانون لن يسمح إلا بما نرغب نحن فيه.
(ب) وسيكون علينا أن نظفر بإدارة شركات النشر الأخرى، فلن ينفعنا أن نهيمن على الصحافة الدورية بينما لا نزال عرضة لهجمات النشرات والكتب.. وسنحول إنتاج النشر موردًا من موارد الثروة يدر الربح لحكومتنا، بتقديم ضريبة دمغة معينة وبإجبار الناشرين على أن يقدموا لنا تأمينا، لكي نؤمن حكومتنا من كل أنواع الحملات.. وإذا وقع هجوم فسنفرض الغرامات عن يمين وشمال، وسنعتذر عن مصادرة النشرات بأنّها تثير الرأي العام على غير قاعدة ولا أساس.. وستكون بين النشرات الهجومية نشرات نصدرها نحن لهذا الغرض، ولكنها لا تهاجم إلا النقط التي نعتزم تغييرها في سياستنا.
(ت) لن يصل طرف من خبر إلى المجتمع من غير أن يمر على إرادتنا، فالأخبار تتسلمها وكالات إخباريّة قليلة في كل أنحاء العالم، وهي لن تنشر إلا ما نختار نحن التصريح به من الأخبار، بحيث لن ترى الشعوب أمور العالم إلا من خلال المناظير الملونة التي وضعناها فوق أعينها!! (ث) كلِّ إنسان يرغب في أن يصير ناشرًا أو طابعًا سيكون مضطرًا إلى الحصول على شهادة ورخصة ستسحبان منه إذا وقعت منه مخالفة.
(ج) ستكره الضرائب على النشرات الكتّاب على أن ينشروا كتبًا طويلة، وبهذا لن تنتشر بين العامة من أجل طولها، ومن أجل أثمانها العالية .. بينما سننشر نحن كتبًا رخيصة الثمن كي نعلم العامة ونوجه عقولها في الاتجاهات التي نرغب فيها.
(ح) إنّ كون المؤلفين مسئولين أمام القانون سيضعهم في أيدينا، ولن يجد من يرغب مهاجمتنا بقلمه ناشرًا ينشر له.
(خ) لن تكون لناشر بمفرده الشجاعة على إفشاء أسرارنا، والسبب هو أنه لا أحد منهم يؤذن له بالدخول في عالم الأدب، ما لم يكن يحمل سمات بعض الأعمال المخزية في حياته الماضية، التي نهدّده بفضحها.
(د) قبل طبع أي نوع من الأعمال سيكون على الناشر أو الطابع أن يلتمس من السلطات إذنا بنشر العمل المذكور، وبذلك سنعرف سلفًا كل مؤامرة ضدنا، وسنكون قادرين على سحق رأسها بمعرفة المكيدة سلفًا ونشر بيان عنها.
(ذ) ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات، وبهذا سنعطل التأثير السيئ لكل صحيفة مستقلة، ونظفر بسلطان كبير جدًا على العقل الإنساني.
(ر) حتّى لا يرتاب الشعب في هذه الإجراءات، ستظهر الصحف الدورية التي ننشرها كأنها معارضة لنظراتنا وآرائنا، فتوحي بذلك بالثقة إلى القراء، وتعرض منظرًا جذابًا لأعدائنا الذين لا يرتابون فينا، وسيقعون لذلك في شركنا.
(ز) في الصف الأول سنضع الصحافة الرسمية، وستكون دائمًا يقظة للدفاع عن مصالحنا، وفي الصف الثاني سنضع الصحافة شبه الرسمية التي سيكون واجبها استمالة المحايد وفاتر الهمة، وفي الصف الثالث سنضع الصحافة التي تتضمن معارضتنا، والتي ستظهر في إحدى طبعاتها مخاصمة لنا، وسيتخذ أعداؤنا الحقيقيون هذه المعارضة معتمدًا لهم، وسيتركون لنا أن نكشف أوراقهم بذلك.
(س) ستكون لنا جرائد شتى تؤيد الطوائف المختلفة: من أرستقراطية وجمهورية، وثورية، بل فوضوية أيضًا، لتجس بها نبض الرأي العام المتقلب .. وحين يمضي الثرثارون في توهم أنهم يرددون رأي جريدتهم الحزبية فإنهم في الواقع يرددون رأينا الخاص، أو الرأي الذي نريده.
(ش) وباسم الهيئة المركزية للصحافة سننظم اجتماعات أدبية، لمناقشة سياستنا ومناقضتها من ناحية سطحية.. وسيستمر أعضاؤنا في مجادلات زائفة شكلية مع الجرائد الرسمية.. وبهذا نجعل الناس يعتقدون أن حرية الكلام لا تزال قائمة، كما سيظهر معارضونا كأنّما يأتون باتهامات زائفة ضدنا، لأنهم عاجزون عن أن يجدوا أساسًا حقيقيًا يستندون عليه لنقض سياستنا وهدمها.
(ص) وبفضل هذه الإجراءات سنكون قادرين على إثارة عقل الشعب وتهدئته في المسائل السياسية، بطبع أخبار صحيحة أو زائفة، حقائق أو ما يناقضها، حسبما يوافق غرضنا.
(ض) حينما نصل إلى التحول إلى مملكتنا يجب أن لا نسمح للصحافة بأن تصف الحوادث الإجرامية: حتّى يعتقد الشعب أن المنهج الجديد مقنع وناجح إلى حد أن الإجرام قد زال.
[البروتوكول الثالث عشر]: تغييب وعي الجماهير:
(أ) إن أولئك الذين قد نستخدمهم في صحافتنا من الأمميين سيناقشون بإيعاز منا ما يشغل الناس بالنقاشات والمناظرات، حتّى نصدر نحن القوانين التي نحتاج إليها، ونضعها أمام الجمهور على أنها حقائق ناجزة.
(ب) لن يطلب استئناف النظر فيما تقرر إمضاؤه، فستحول الصحافة نظر الجمهور بعيدًا بمشكلات جديدة، بحيث يسرع المغامرون السياسيون الأغبياء والرعاع إلى مناقشتها.
(ت) كما سنلهي الناس أيضًا بأنواع شتى من الملاهي والألعاب والرياضات (انظر إلى هوس الشعوب بكرة القدم) ومزجيات للفراغ والمجامع العامة وهلم جرا.. (لاحظ أنّ ذلك مكتوب قبل اختراع التلفزيون، الذي حقّق لليهود أكثر ممّا كانوا يحلمون به، وشغل الناس بالأغاني والإعلانات والمسلسلات والأفلام والراقصات والداعرات، وسمح للمتحكّمين فيه بتربية الأجيال على حسب هواهم!!)
(ث) سنحاول أن نوجه العقل العام نحو النظريات المبهرجة التقدمية أو التحررية.. لقد نجحنا نجاحًا كاملاً بنظرياتنا في تحويل رؤوس الأمميين الفارغة من العقل نحو الاشتراكية، دون أن يلاحظوا انه وراء كلمة “التقدم” يختفي ضلال وزيغ عن الحق، ما عدا الحالات التي تشير فيها هذه الكلمة إلى كشوف مادية أو علمية!.. إن التقدم فكرة زائفة تعمل على تغطية الحق، بحيث لا يعرفه أحد غيرنا نحن شعب الله المختار الذي اصطفاه ليكون قوامًا على الحق.
[البرتوكول الرابع عشر]: نشر الإلحاد والأدب المريض:
(أ) حينما نمكن لأنفسنا فنكون سادة الأرض ـ لن نبيح قيام أي دين غير ديننا المعترف بوحدانية الله، الذي ارتبط حظنا باختياره إيانا، كما ارتبط به مصير العالم.. ولهذا السبب يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان، حتّى لو كانت النتيجة المؤقتة لهذا هي إثمار ملحدين !!
(ب) سيفضح فلاسفتنا كل مساوئ الديانات الأممية ولكن لن يحكم أحد أبدًا على دياناتنا من وجهة نظرها الحقة، إذ لن يستطيع أحد أبدًا أن يعرفها معرفة شاملة نافذة إلا شعبنا الخاص الذي لن يخاطر بكشف أسرارها.
(ت) لقد نشرنا في كل الدول الكبرى ذوات الزعامة أدبًا مريضًا قذرًا يُغثي النفوس. وسنستمر فترة قصيرة بعد الاعتراف بحكمنا على تشجيع سيطرة مثل هذا الأدب، كي يشير بوضوح إلى اختلافه عن التعاليم التي سنصدرها من موقفنا المحمود
[البروتوكول الخامس عشر]: الانقلابات والخلايا السرّيّة:
(أ) سنحصل على السلطة عن طريق عدد من الانقلابات السياسية المفاجئة التي ستحدث في وقت واحد في جميع الأقطار، وسنقبض على السلطة بسرعة عند إعلان حكوماتها رسميًا أنها عاجزة عن حكم الشعوب.
(ب) ساعتها سنجعل الموت عقابا لتأليف أي جماعة سرية.. أما الجماعات السرية التي تقوم في الوقت الحاضر لتخدم أغراضنا بما فيها الماسونيون الأحرار والأمميون الذين يعرفون أكثر من الحد المناسب لسلامتنا، فإننا سنحلّها وننفي أعضاءها إلى جهات نائية من العالم.. أمّا الماسونيون الذين ربما نعفو عنهم لسبب أو لغيره فسنبقيهم في خوف دائم من النفي، وسنصدر قانونًا يقضي على الأعضاء السابقين في الجمعيات السرية بالنفي من أوروبا حيث سيقوم مركز حكومتنا.
(ت) وإلى أن يأتي الوقت الذي نصل فيه إلى السلطة، سنحاول أن ننشئ ونضاعف خلايا الماسونيين الأحرار في جميع أنحاء العالم، لتكون الأماكن الرئيسية التي سنحصل منها على ما نريد من أخبار، كما أنها ستكون أفضل مراكز للدعاية.. وسنضع الحبائل والمصايد في هذه الخلايا لكل الاشتراكيين وطبقات المجتمع الثورية، وكل الوكلاء في البوليس الدولي السري تقريبًا سيكونون أعضاءً في هذه الخلايا، ليلقوا ستارًا على مشروعاتنا، ويعاقبوا الذين يرفضون الخضوع لنا.
(ث) يُكثر الأمميون من التردد على الخلايا الماسونية عن فضول محض، أو على أمل في نيل نصيبهم من الأشياء الطيبة التي تجري فيها، وبعضهم يغشاها لأنه قادر على الثرثرة بأفكاره الحمقاء أمام المحافل .. والأمميون يبحثون عن عواطف النجاح وتهليلات الاستحسان، ونحن نوزعها جزافًا بلا تحفظ، ولهذا نتركهم يظفرون بنجاحهم، لكي نوجه لخدمة مصالحنا كلَّ من تتملكهم مشاعر الغرور، ومن يتشربون أفكارنا عن غفلة واثقين بصدق عصمتهم الشخصية، وبأنهم وحدهم أصحاب الآراء، وأنهم غير خاضعين فيما يرون لتأثير الآخرين ..
(ج) ما أسهل دفع أمهر الأمميين إلى حالة مضحكة من السذاجة والغفلة بإثارة غروره وإعجابه بنفسه، وما أسهل أن تثبط شجاعته وعزيمته بأهون خيبة، بمجرّد السكوت عن تهليل الاستحسان له، وبذلك ندفعه إلى حالة خضوع ذليل كذل العبد إذ تصده عن الأمل في نجاح جديد!!
(ح) سندفع الأغبياء لتحطيم الفردية الإنسانية بالأفكار الرمزية لمبدأ الجماعية: إنهم لم يفهموا بعد، ولن يفهموا، أن هذا الحلم الوحشي مناقض لقانون الطبيعة الأساسي، فقد خلق الله كل كائن مختلفًا عن كل ما عداه، لكي تكون له بعد ذلك فرديّة مستقلة.. وبينما نبشر بمذهب التحررية لدى الأمميين، فإنّنا سنحفظ شعبنا في خضوع كامل.. إن كل مخلوق في هذا العالم خاضع لسلطة، إن لم تكن سلطة إنسان فسلطة ظروف، أو سلطة طبيعته الخاصة، فهي في كلّ الأحوال سلطة شيء أعظم قوة منه.. فلنكن نحن الشيء الأعظم قوة من أجل القضية العامة.
(خ) سنتلافى العيوبَ السابقةَ في نظامِ القضاءِ الأمميّ، عن طريق: تغليظِ العقوبات في حالاتِ التعدّي على هيبتنا أو في حالاتِ الإهمالِ، وعدم السماح للقضاة بإظهار تسامحهم، لأنّ التسامح اعتداء على قانون العدالة، فهذه الخصلة الفاضلة لا ينبغي أن تظهر إلا في الحياة الخاصة للإنسان، لا في مقدرة القاضي الرسمية التي تؤثر في أسس التربية للنوع البشري، وعدم السماح لأعضاء القانون بالخدمةِ في المحاكم بعد سن الخامسة والخمسين، وذلك لأن الشيوخ أقل اقتداراً على طاعة النظم الحديثة، كما أن مثل هذا الإجراء سيمكننا من إحداث تغييرات عدة في هيئة القضاة ليكونوا خاضعين لأي ضغط من جانبنا، وسنختار قضاتنا من بين الرجال الذين يفهمون أن واجبهم هو العقاب وتطبيق القوانين، وليس الاستغراق في أحلام مذهب التحررية الذي قد ينكب النظام التربوي للحكومة، كما يفعل القضاة الأمميون الآن، وسنلغي حق استئناف الأحكام، ونقصره على مصلحتنا فحسب، حتّى لا تنمو بين الجمهور فكرة أن قضاتنا يحتمل أن يخطئوا فيما يحكمون، وإذا صدر حكم يستلزم إعادة النظر، فسنعزل القاضي الذي أصدره فوراً، ونعاقبه جهراً، حتى لا يتكرر مثل هذا الخطأ فيما بعد.
[البرتوكول السادس عشر]: إفساد التعليم:
(أ) إن المعرفة الخاطئة للسياسة بين أكداس الناس هي منبع الأفكار الخياليّة وهي التي تجعلهم رعايا فاسدين.. لذا فعلينا أن نقدم كل هذه المبادئ في نظامهم التربوي، كي نتمكن من تحطيم بنيانهم الاجتماعي بنجاح كما قد فعلنا.. وحين نستحوذ على السلطة سنبعد من برامج التربية كل المواد التي يمكن أن تمسخ عقول الشباب، وسنصنع منهم أطفالاً طيعين يحبّون حاكمهم، ويرونَ في شخصه الدعامة الرئيسية للسلام والمصلحة العامة.
(ب) إن الرجال يعيشون ويهتدون بأفكار، وإن الشعب إنما يلقن هذه الأفكار عن طريق التربية.. ولقد وضعنا من قبل نظام إخضاع عقول الناس بما يسمى نظام التربية البرهانية حتّى يجعل الأمميين غير قادرين على التفكير باستقلال، وبذلك سينتظرون كالحيوانات الطيعة برهانًا على كل فكرة قبل أن يتمسكوا بها.. إن واحدًا من أحسن وكلائنا في فرنسا وهو (بوروي) هو واضع النظام الجديد للتربية البرهانية.
[البرتوكول السابع عشر]: تحطيم السلطة الدينيّة:
(أ) إن احتراف القانون يجعل الناس يشبون باردين قساة عنيدين، ويجردهم من كل مبادئهم، ويحملهم على أن ينظروا إلى الحياة نظرة غير إنسانية بل قانونية محضة.. معتادين أن يروا الوقائع من وجهة النظر إلى ما يمكن كسبه من الدفاع، لا من وجهة النظر إلى الأثر الذي يمكن أن يكون لمثل هذا الدفاع في السعادة العامة.. لهذا لا يوجد محامٍ يرفض أبدًا الدفاع عن أي قضية.. إنه يحاول الحصول على البراءة بكل الأثمان بالتمسك بالنقط الاحتيالية الصغيرة في التشريع، وبهذه الوسائل سيفسد ذمة المحكمة.
(ب) لقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من الأمميين في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كئودًا في طريقنا. إن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل يومًا فيومًا ولن يطول الوقت حتى تنهار المسيحية بددًا انهيارًا تامًا (ألا تعتقد معي أنّ هذا قد حدث؟).. وسيبقى ما هو أيسر علينا للتصرف مع الديانات الأخرى.
(ت) حينما يحين لنا الوقت كي نحطم البابويّة تحطيمًا تامًا فإن يدًا مجهولة ستعطي إشارة الهجوم.. وحينما يقذف الناس بأنفسهم على الفاتيكان سنظهر نحن كحماة له لوقف المذابح.. وبهذا العمل سننفذ إلى أعماق قلب هذا البلاط، وحينئذ لن يكون لقوة على وجه الأرض أن تخرجنا منه حتى نكون قد دمرنا السلطة البابوية .. إن ملك إسرائيل سيصير البابا الحق للعالم، بطريرك الكنسية الدولية.
(ث) من الوسائل العظيمة الخطيرة لإفساد هيئات الأمميّن، أن نسخر وكلاء ذوي مراكز عالية يلوّثون غيرهم خلال نشاطهم الهدام، بأن يكشفوا وينمّوا ميولهم الفاسدة الخاصة، كالميل إلى إساءة استعمال السلطة والانطلاق في استعمال الرشوة.
البروتوكول الثامن عَشر: تدابير الدفاع السرية:
(أ) عندما نرى ضرورياً لمصلحتنا أن نقوّي دفاعنا السري بالتدابير الصارمة فإننا سنصطنع ما يوهم بوقوع الاختلال، وذلك بالاستعانة بنفر من الخطباء اللسنين، فيلتفُ من حولهم كل من يخلبه القول فينساق إلى غايتهم. فنستمد من حالة الهياج العام العلة والسبب، فتُدَاهم المنازل والمساكن وتقتحم بالتفتيش والمصادرة، وأخْذ الناس بالاستجواب ووضعهم تحت المراقبة وتفنيد حرياتهم، فتنتشر المخاوف وَيعِمّ القلق، وإنما يقوم بهذا عملاؤنا الذين هم طوع أمرنا، يعملون في شرطة حكومات الغوييم.
(ب) علينا أن نتذكر أن هيبة السلطة لا بد لها أن تتناقص وتهزل، إذا كثر اكتشاف المؤامرات عليها: فيأخذ الناس من هذا أن قد عراها الوهن، ويرون مصداق هذا في مواقفها وضعف الوسيلة فيما تصنع، بل يعتقدون ما هو أسوأ: وهو أنها أوغلت في إيقاع الناس في المظالم، وهذا أفعل الأسباب في خرابها. وتعلمون أننا قد هشَّمنا هيبة الملوك، ملوك الغوييم، بما أوقعناه من محاولات اغتيالهم مرات متعددة، على يد عملائنا.
(ت) أما حكامنا فتتولى حراستهم فئةٌ ضئيلة جداً من رجال الحرس، وتقضي الأوضاع المصطنعة من المظاهر والصور الخارجية، بألاّ يستعمل حاكمنا شيئاً من سلطته، إلا في سبيل نفع الأمة وخيرها. ولا يجوز له بحال، أن يجرًّ مغنماً ما لنفسه أو لأسرته. ومستواه السليم هذا، يعلي من مقامه ومكانته في عيون الناس، وقد بلغ درجة التقديس، فيتضح لهم أن رفاهيتهم الجماعية ورفاهية كل فرد في الدولة، كل ذلك موقوف على دقة هذا النظام المتناهي وإحكام تنفيذه.
(ث) أما الجناة والمجرمون في عهدنا، فلا هوادة في أمرهم، فإنهم يُعتقلون ساعة تقوم عليهم الشبهة المؤكدة، ولا يجوز بحال عند مخافة الوقوع في تفسير قانوني غامض، أن يستفيد المتهم بجرم سياسي أو جريرة صغيرة، من ذلك، فائدة إخلاء سبيل. فهنا لا هوادة ولا رحمة. ولكن مع هذا فإذا اقتضى الحال مرةً ما بسبب تأويل نقطةٍ ما تأويلاً مطَّاطاً، أن يسمح بإعادة النظر في دوافع الجرم، وهذا أقصى ما يكون، فلا يمكن أبداً أن يقع مثل هذا في قضايا الأشخاص الذين تورطوا في مسائل لا أحد يكتنه أسرارها إلا الحكومة، وليست كل حكومة تتقن فهم أسرار السياسة الصحيحة.
[البرتوكول التاسع عشر]: إشاعة التمرّد: لقد بذلنا أقصى جهدنا واستخدمنا الصحافة، والخطابة العامة، وكتب التاريخ المدرسية الممحّصة بمهارة، لنوحي للأمميين بفكرة أن القاتل السياسي شهيد وليس مجرما، لأنه مات من أجل فكرة السعادة الإنسانية. إن مثل هذا الإعلان قد ضاعف عدد المتمردين، فامتلأت طبقات وكلائنا بآلاف من الأمميين!
[البروتوكول العشرون]: إغراق الدول في الديون:
(أ) إن فرض ضرائب تصاعدية على الأملاك هو خير الوسائل لمواجهة التكاليف الحكومية، وهكذا تدفع الضرائب دون أن تُرهق الناس، وستتوقف قيمة الضريبة على حجم كل ملكية فردية.. وبهذا ستجبي الحكومة دخلاً أكبر من نظام الضرائب الحاضر (1901 م) الذي يستوي فيه كل الناس… (لاحظ أنّ هذه هي فكرة الشرائح الضريبيّة!!).. إن فرض الضرائب على رؤوس الأموال يقلل من زيادة الثروة في الأيدي الخاصة التي سمحنا لها بتكديسها حتى تعمل كمعادل لحكومة الأمميين ومالياتهم. (ب) وستكون هناك ضرائب دمغة تصاعدية على المبيعات والمشتريات (ضرائب المبيعات!!!!)، مثلها مثل ضرائب التركات وأي انتقال للملكية بغير الدمغة المطلوبة سيعد غير قانوني.. وسيجبر المالك السابق على أن يدفع عمالة بنسبة مئوية على الضريبة من تاريخ البيع.
(ت) إن الأزمات الاقتصادية التي دبرناها بنجاح باهر في البلاد الأممية قد أنجزت عن طريق سحب العملة من التداول، فتراكمت لدينا ثروات ضخمة .. كما أدّي سحب المال من الحكومة إلى استنجادها بنا لإصدار قروض، ممّا وضع على الحكومات أعباء ثقيلة هي فوائد المال المقترض.
(ج) إن تركز الإنتاج في أيدي الرأسمالية قد امتص قوة الناس الإنتاجية حتى جفت، وامتص معها أيضًا ثروة الدولة.
(ح) أظنكم تعرفون أن العملة الذهبية كانت الدمار للدول التي سارت عليها، لأنها لم تستطع أن تفي بمطالب السكان، ولأننا كذلك قد بذلنا أقصى جهدنا لتكديسها وسحبها من التداول.
(خ) إن القروض الخارجية مثل العلق الذي لا يمكن فصله من جسم الحكومة، ولكن حكومات الأمميين لا ترغب في أن تطرح عنها هذا العلق، بل إنّها تزيد عدده.. فإذا كان القرض بفائدة قدرها خمسة من مئة، ففي عشرين سنة ستكون الحكومة قد دفعت بلا ضرورة مبلغًا يعادل القرض لكي تغطي النسبة المئوية، وفي أربعين سنة ستكون قد دفعت ضعفين، وفي ستين سنة ثلاثة أضعاف المقدار، ولكن القرض سيبقى ثابتًا كأنه دين لم يسدد!!.. ثابت من هذه الإحصائية أن هذه القروض تحت نظام الضرائب الحاضرة (1901) تستنفذ آخر مليم من دافع الضرائب الفقير، كي تدفع فوائد للرأسماليين الأجانب الذين اقترضت الدولة منهم المال!!.. وبعد أن رشونا أناسًا لازمين لاستبدال القروض الخارجية بالقروض الداخلية ـ تدفقت كل ثروة الدول إلى خزائننا!
(د) لقد جرّ الحكام الأمميون ـ بإهمالهم أو لفساد وزرائهم أو جهلهم ـ بلادهم إلى الاستدانة من بنوكنا، حتى إنهم لا يستطيعون تأدية هذه الديون، وكان أيسر لهم لو أنهم أخذوا المال من شعبهم مباشرة ـ على صورة ضرائب ـ دون حاجة إلى دفع فائدة.
[البرتوكول الحادي والعشرون]: إغراق الدول بالقروض الداخليّة:
(أ) حين تعلن الحكومة إصدار قرض داخليّ فإنّها تفتح اكتتابًا لسنداتها، وهي تصدرها مخفضة ذات قيم صغيرة جدًا، كي يكون في استطاعة كل إنسان أن يسهم فيها .. والمكتتبون الأوائل يسمح لهم أن يشتروها بأقل من قيمتها الاسمية.. وفي اليوم التالي يُرفع سعرها، كي يظل كل إنسان حريصا على شرائها.. وفي خلال أيام قليلة تمتلئ خزائن الدولة بالمال الذي اكتتب به زيادة على الحد.. ولكن حينما تنتهي هذه المهزلة تظهر حقيقة الدين الكبير جدًا، وتضطر الحكومة من أجل دفع فائدة هذا الدين، إلى الالتجاء إلى قرض جديد هو بدوره لا يُلغي دين الدولة، بل يضيف إليه دينًا آخر!!.. وعندما تنفذ طاقة الحكومة على الاقتراض، يتحتم عليها أن تدفع الفائدة عن القروض بفرض ضرائب جديدة، وهذه الضرائب ليست إلا ديونًا مقترضة لتغطية ديون أخرى.. ثم تأتي فترة تحويلات الديون، ولكن هذه التحويلات إنما تقلل قيمة الفائدة فحسب، ولا تلغي الدين، ولذلك لا يمكن أن تتم إلا بموافقة أصحاب الديون.. وحين تعلن هذه التحويلات يعطى الدائنون الحق في قبولها أو في استرداد أموالهم إذا لم يرغبوا في قبول التحويلات، فإذا طالب كل إنسان برد ماله فستكون الحكومة قد اصطيدت بطعمها الذي أرادت الصيد به، ولن تكون في مقام يمكنها من إرجاع المال كله.
(ب) الحكومات الأممية لا تفهم كثيرًا في الماليات، وتفضل معاناة هبوط قيمة الضمانات والتأمينات وإنقاص الفوائد، بالمخاطرة في عملية مالية أخرى لاستثمار المال من جديد.. وهكذا كلما حاولوا التخلص من دين ربما ارتفع إلى عدة ملايين!!
(ت) بمثل هذا العمل ستعترف الحكومة اعترافًا صريحًا بإفلاسها الذاتي، مما سيبين للشعب تبيينًا واضحًا أن مصالحه الذاتية لا تتمشى بعامة مع مصالح حكومته.
[البروتوكول الثاني والعشرون]: الذهب:
(أ) في أيدينا تتركز قوة الذهب، الذي ظللنا نكدسه خلال قرون كثيرة جدًا .. ففي خلال يومين تستطيع أن نسحب أي مقدار منه من حجرات كنزنا السرية.
(ب) حينما نصل للحكم سنجعل واضحًا لكل إنسان أن الحرية لا تقوم على التحلل والفساد أو على حق الناس في عمل ما يسرهم عمله، وكذلك مقام الإنسان وقوته لا يعطيانه الحق في نشر المبادئ الهدامة كحرية العقيدة والمساواة ونحوهما من الأفكار.. وسنجعل واضحًا أيضًا أن الحرية الفردية لا تؤدي إلى أن لكل رجل الحق في أن يصير ثائرًا، أو أن يثير غيره بإلقاء خطب مضحكة على الجماهير القلقة المضطربة.. سنعلم العالم أن الحرية الصحيحة لا تقوم إلا على عدم الاعتداء على شخص الإنسان وملكه ما دام يتمسك تمسكًا صادقًا بكل قوانين الحياة الاجتماعية.. ونعلّم العالم أن مقام الإنسان متوقف على تصوره لحقوق غيره من الناس، وأن شرفه يردعه عن الأفكار المبهرجة في موضوع ذاته.
[المفتاح السابع]: لمن لا زال لديه شكّ في صحّة البروتوكولات؟: يكفي أن يقرأ البروتوكولات ليعلم أنّ كلّ حرف فيه قد تحقّق، ليس في الغرب فقط، بل وفي العالم العربيّ والإسلاميّ، وأعتقد أنّه لا بدّ لكل مسلم أن يعيد تفكيره، خاصة بعد الاحتلال الأمريكيّ لأفغانستان والعراق، وتدمير ليبيا والسودان وسوريا واليمن وإيران وهي في طريقها لقيام مملكة بني صهيون على أطلال المسجد الأقصى، ولكن هيهات فللكون رب يدبره ويحميه، وقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم بان العاقبة للمتقين، واننا وهم نسير إلى ملاحم آخر الزمان وأن النصر فيها للمسلمين هم ينتظرون المسيح الدجال وسياتي ونحن ننتظر المسيح عيسى عليه السلام وسينزل ويقضي على دجالهم ويقيم العدل في الأرض وتكون ملحمة يُحارب معنا الحجر والشجر يقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، وصدق الله العظيم حيث يقول {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}،
[المفتاح الثامن]: اليهود اليوم هم من يحكم العالم اليوم: اليهود هم من يحكم العالم اليوم، وليس هذا من قبيل نظرية المؤامرة بل هي الحقيقة، وقد قال الله تعالى عنهم: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، هم يخططون الخطط البعيدة المدى على مدى أجيال، وكل جيل يسلم الجيل الذي يليه ما وصل إليه لينطلق إلى الامام نحو حكم العالم، واقتضت سنّة الله تعالى ان من جد ولو كان كافرا وجد، ومن زرع حصد، فهذه من سنن الله التي لن نجد لها تبديلا ولا تحويلا، فهم -مهما بلغوا من قذارة وعدم الإنسانية- يستحقون ما وصلوا إليه لانهم يخططون خططا بعيدة المدى لا يجني الجيل الأول منها شيئا ولا الجيل الثاني في مقابل أن تصل إلى أهدافها، جاء في كتاب: (كيف انحرف العالم): الأخطبوط اليهودي وكيف يحكم العالم: بتصرف يسير:
[1] الديانة اليهودية ديانة عنصريّة محرّفة: الديانة اليهودية هي معتقد، اختلط فيه شيء من بقايا مشوّهة لكتب أنبيائهم، مع آراء وتفسيرات أحبارهم، ومعتقدات وأساطير وخرافات الأقوام، التي عاشوا فيما بينها على مرّ العصور، ومصدر هذه العقيدة في الأصل هو التوراة، التي كُتبت بشكلها النهائي في القرن الأول الميلادي، قبل خروجهم النهائي من فلسطين وتشتّتهم في كافة أرجاء الأرض، وفيما بعد السبي البابلي، قام كهنتهم وأحبارهم (حكماؤهم) بتأليف كُتب جمعوا فيها، معتقداتهم وآراءهم وشروحهم للتوراة، وقالوا إنها القانون الشفوي، الذي لم يأتِ به موسى عليه السلام مكتوبا، والذي تناقلوه شفاهة عبر الأجيال، وجُمعت هذه المؤلفات فيما سُمّي بالتلمود، والذي يعتبرونه أكثر قُدسية من التوراة نفسها، ولديهما تلمودان أحدهما جُمع في (فلسطين) عام 400 م وسُميَ (تلمود أورشليم)، والآخر جُمع في بابل عام 500 م وسُميَ (تلمود بابل) وهو الأشهر، وقد كان التلمود يُعامل بسرية فيما بين اليهود، وقد تم طبعه في (أوروبا) في القرون الوسطى، وكلّما أُكتشف أمره في الدول الأوربية، كان يُصادر ويُجمع ويُحرق، وكان اكتشافه سببا في كثير من حالات الاضطهاد والتعذيب والقتل والنفي لليهود، ومن هذا نخلص إلى أن الديانة اليهودية، هي ما جاء من معتقدات في التلمود أولا وثانيا وثالثا …، والتوراة على ما بقي فيها من وحي أخيرا.
[2] ماهية التلمود ومعتقدات اليهود: قال د. (جوزيف باركلي) أحد الباحثين في التلمود: “وبعض أقوال التلمود مُبالغ فيه وبعضها كريه، وبعضها الآخر كفر، ولكنها تشكّل في صورتها المخلوطة أثراً غير عادي، للجهد الإنساني، وللعقل الإنساني، وللحماقة الإنسانية”، ويقول (بولس حنا مسعد) في مقدمة كتابه (همجية التعاليم الصهيونية): ” للمسيحي إنجيله يبشّر به العالم، وللمسلم قرآنه ينشره بين جميع الشعوب، أما الإسرائيلي فله كتابان: كتاب معروف وهو التوراة لا يعمل به، والآخر مجهول لا يعرفه العالم وهو التلمود، يفضّله على الأول ويدرسه خفية، وهو أساس كل مصيبة.. والنصارى يؤمنون بأن الله هو أبو الجميع، والمسلمين يعترفون بأن الله رب العالمين.. أما الصهيونيون يريدون أن يكون الإله لهم وحدهم !!.. زد على ذلك، أن التلمود ينصّ على أن جميع خيرات الأرض، ملك لبني إسرائيل، وأن النصارى والمسلمين وعبدة الأوثان خلقوا عبيدا لهم!!”
[3] الناس يهود وجوييم: قسم اليهود الناس قسمين: يهودًا وجوييم أو أممًا “أي غير يهود”.. ومعنى جوييم عندهم وثنيون وكفرة وبهائم وأنجاس، ويعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وانه لا يسمح بعبادته ولا يتقبلها إلا لليهود وحدهم، لهذا فهم المؤمنون وغيرهم جوييم أي كفرة، واليهود يعتقدون ـ حسب أقوال التوراة والتلمود ـ أن نفوسهم وحدهم مخلوقة من نفس الله وأن عنصرهم من عنصره، وأن الله منحهم الصورة البشرية تكريمًا لهم، على حين أنه خلق غيرهم “الجوييم” من طينة شيطانية أو حيوانية نجسة، ولم يخلق الجوييم إلا لخدمة اليهود، ولم يمنحهم الصورة البشرية إلا محاكاة لليهود، لكي يسهل التعامل بين الطائفتين إكراما لليهود! ومن حق اليهود بل واجبهم المقدس معاملة الأمميين كالبهائم، فالآداب التي يتمسك بها اليهود لا يجوز أن يلتزموها إلا في معاملة بعضهم بعضًا، ولهم أن يسرقوا الأمميّن ويغووهم ويكذبوا عليهم ويخدعوهم ويغتصبوا أموالهم ويهتكوا أعراضهم ويقتلوهم إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم، فالله لا يعاقبهم على هذه الجرائم بل يعدها قربات وحسنات يثيبهم عليها ولا يرضى منهم إلا بها، ولا يعفيهم منها إلاَّ مضطرين، وقد أشار القرآن إلى هذه العقيدة الإجرامية، جاء في سورة آل عمران: {وَمِنْ أهل الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} [ال عمران: 75]، أي لسنا ملتزمين بمراعاة أي شريعة كريمة مع الأميين، جدير بالذكر أن اليهود قد نظروا إلى العرب في الجاهليّة، باعتبارهم أمة مُحتقرة، من العار الزواج بعربية، يعبدون الأصنام، مرتكبو تسعة أعشار الجرائم في العالم، صفتهم الغدر وكراهية اليهود، كانوا قادة تخريب الهيكل مع (نبوخذ نصر).
[4] عنصريّة اليهود من التلمود: والتلمود يقول: “إن اليهود أحب إلى الله والملائكة، وإنهم من عنصر الله كالولد من عنصر أبيه، ومن يصفع اليهود كمن يصفع الله، والموت جزاء الأمميّ إذا ضرب اليهودي، ولولا اليهود لارتفعت البركة من الأرض واحتجبت الشمس وانقطع المطر، واليهود يفضلون الأمميين كما يفضل الإنسان البهيمة، والأمميون جميعًا كلاب وخنازير، وبيوتهم كحظائر البهائم نجاسة، ويحرم على اليهودي العطف على الأمميّ لأنه عدوه وعدو الله، والتقية أو المدارة معه جائزة للضرورة تجنبًا لأذاه، وكل خير يصنعه يهودي مع أممي فهو خطيئة عظمى، وكل شيء يفعله معه قربان لله يثيبه عليه، والربا غير الفاحش جائز مع اليهودي كما شرع موسى وصموئيل (في رأيهم)، والربا الفاحش جائز مع غيره.. وكل ما على الأرض ملك لليهود، فما تحت أيدي الأمميين مغتصب من اليهود وعليهم استرداده منهم بكل الوسائل”، واليهود ينتظرون مسيحًا يخلصهم من الخضوع للأميين على شرط ألا يكون في صورة قديس، كما ظهر (عيسى بن مريم) كي يخلصهم من الخطايا الخلقية، ولذلك أنكروه، لكن على شرط أن يكون في صورة ملك من نسل (داود) يعيد الملك إلى إسرائيل، ويخضع الممالك كلها لليهود، وهذا لا يتأتى إلا بالقضاء على السلطة في كل الأقطار الأممية، لأن السلطة على شعوب العالم من اختصاص اليهود حسب وعد الله وتقديره، وواجب اليهود أن يكونوا وحدهم المتسلطين على كل مكان يحلون فيه، وطالما هم بعيدون عن السلطة العالمية فهم غرباء أو منفيون، وعندما يظفر المسيح اليهودي بالسلطة على العالم يستعبد كل الأمم ويبيد المسيحيين، وعندئذ فحسب يصبح أبناء إسرائيل وحدهم الأغنياء، لأن خيرات العالم التي خلقت لهم ستكون في قبضتهم خالصة، ولا حياة لشعوب الأرض فيها بدون اليهود، هذه تعاليم التلمود وهي متفقة مع برتوكولات حكماء صهيون.
[5] عنصريّة اليهود من التوراة المحرّفة: تقول التوراة: “سيقوم الرب ويقيس الأرض ويجعل عبدة الأوثان (الأمميين) تحت يد إسرائيل.. ويسلم جميع ممتلكاتهم إلى اليهود”، وفي آخر سفر المزامير (الزبور) ما ترجمته: “هللوا غنوا للرب ترنيمة جديدة تسبيحة له في جماعة الأنقياء.. ليفرح إسرائيل بخالقه. وليبتهج بنو صهيون بملكهم.. ليسبحوا اسمه برقص، وليرنموا له بدفٍّ وعود، لأن الرب راض عن شعبه، وهو يجمل الودعاء بالخلاص ليبهج الأتقياء بالمجد، وليرنموا على مضاجعهم، تنويهات الله في أفواههم، وسيف ذو حدين في أيديهم، كي ينزلوا نقمتهم بالأمم، وتأديباتهم بالشعوب، ويأسروا ملوكهم بقيود، وأشرافهم بأغلال من حديد، وينفذوا فيهم الحكم المكتوب.. وهذا كرامة لجميع أتقيائه.. هللويا” (المزمور 149)، ومن تعاليم التوراة أيضا، أنّ من يحاكم اليهود بجريمة السرقة أو القتل أو الخداع أو الغش فهو يجدف على الله، وإذا وجد اليهودي لقيطة لأممي حرم عليه ردها إليه، لأن في ردها تقوية لكافر ضد اليهود.. وإذا انتصر اليهود في معركة وجب عليهم استئصال أعدائهم عن آخرهم، ومن يخالف ذلك فقد خالف الشريعة وعصى الله، وهذا ما فعلوه حسب شريعتهم، عند دخولهم فلسطين بعد موسى لأول مرة ضد الكنعانيين والآدميين وغيرهم، وهذا ما فعلوه ويفعلونه مع عرب فلسطين حتّى اليوم، فحربهم دائمًا حرب إبادة، وما شان غزة عنا ببعيد، ويقول فيلسوف اليهود الكبير (موسى بن ميمون) إن زنا اليهودي باليهودية حرام، وزناه بالأممية مباح، لأن الأممية كالبهيمة.. وإذا أقسم اليهودي لأخيه كان عليه أن يبرّ بقسمه، ولكنه غير مطالب بالوفاء مع الأممي، إله اليهود وأنبياؤهم: وإله اليهود “يهوه”ـ كما تصوره كتبهم المقدسة ـ ليست له إلا صفات شيطان. إن قارئ التوراة إذا حاول أن يتبين صفات “يهوه رب الجنود” وسيرته مع “شعبه المختار” ـ وجب عليه أن يتصوره مخلوقًا شيطانيًا مسرفًا في الحب والتدليل لشعبه المختار، وهو أعجز المخلوقات حيلة في سياستهم وسياسة خصومهم، فبينما هو راض عنهم كل الرضا إذا هو ساخط عليهم كل السخط، وهو مفرط في الحقد والكراهة لأعدائهم، فهو ينزل ضرباته عليهم في إسراف وجنون وقسوة لا حد لها، وينتقم لأتفه الأسباب أبشع انتقام، وهو ـ رغم قدرته التي لا حد لها ـ مخلوق “جبان” فهو ينكص عن محاربة بعض أعدائه وأعدائهم، لأن للأعداء في الحروب عجلات قوية، فهو يترك اليهود بشأنهم، ولا يخوض معهم في حربهم لهم خوفًا من هذه الضربات !!.. إلى غير ذلك من الفروض المستحيلة التي لا يستطيع العقل أن يحتفظ بوحدته معها، ويكاد ينسحق تحت وطأتها، وفيما يلي عيّنات من معتقداتهم التي يجدّفون فيها على الله سبحانه: – التلمود فوق التوراة، والحاخام فوق الله، – الله يقرأ وهو واقف على قدميه، – ما يقوله الحاخام يفعله الله، – تعاليم اللاهوتيين في التلمود، أطيب من كلام الشريعة (كلام الله)، – الخطايا المُقترفة ضد التلمود أعظم من المقترفة ضد التوراة، – يأخذ الله برأي الربانيين على الأرض، في المشاكل التي تنشأ في السماء، – كلمات الربانيين أشدّ عذوبة من كلمات الأنبياء، وذلك لأن كلماتهم هي كلمات الله، – تاب الله عن تركه بني إسرائيل يرتطمون في الشقاء كمن يتوب عن إثم شخصي، – عندما يُقسم الله في كل مرة بدون مُبرّر معقول، فمن اللازم أن يحلّ قسمه بقسم آخر نظيره، – أقسم الله بغير عدل وارتكب خطيئة الكذب لكي يلقي السلام والوئام بين سارة وإبراهيم، – اليهود أحبّ إلى الله من الملائكة، فالذي يصفع اليهودي كمن يصفع العناية الإلهية سواء بسواء، وهذا يُفسر لنا استحقاق الوثني وغير اليهودي الموت إذا ضرب يهوديا، – إذا أراد الرجل أن يقترف ذنبا فعليه أن يذهب إلى مكان، هو مجهول فيه، لئلا يُهين الله علانية، والمثل العليا لليهود هم أنبياؤهم وأبطالهم كما تصورهم التوراة والتلمود وغيرهما، وسير ربانييهم وزعمائهم عامة.. هؤلاء المثل المقدسون هم أسوأ مثل للإنسان، فكتبهم المقدسة تحكي من فضائح إلههم وأنبيائهم وعظمائهم ـ كالزنا وزنا المحارم والقتل والفواحش ـ ما يسلك أكثرهم في عداد أكابر المجرمين.. يكفي أن تعرف أنّهم يعتقدون أنّ (إبراهيم) قد أكل 74 رجلا، وشرب دمائهم دفعة واحدة، ولذلك كان له قوة 74 رجلا!! إنّ هذا مصدر من مصادر الشر في نفوس اليهود الذين هم أشد الناس تمسكًا بشرائعهم الهمجية، وجمودًا على مأثوراتهم الإجرامية، ولذلك كانت نياتهم ـ من الوجهة الأخلاقية ـ دون كل الشرائع حتى الوثنية الوحشية، ذلك لأن كل وثنية تلزم أتباعها في معاملة غيرهم ببعض الآداب الفاضلة، على حين أن اليهودية تعفي أتباعها من كل قانون مع غير اليهود، وتبيح لهم كل رذيلة معهم، وتحتكر لهم نعم الدنيا ومتع الجنة.
[6] كثرة أنبياء اليهود: ومن الظواهر البارزة في تاريخهم كثرة أنبيائهم، وهذا شيء ينفردون به دون سائر الأمم، ولا تعليل له إلا السوء العريق في دخائلهم المنكوسة، ولولا هذا السوء لما احتاجوا إلى معشار هذا العدد من الأنبياء والمصلحين، ولكنهم لمسخ طبائعهم العريق كانوا على الدوام أهل سوء، فكلما حسنت حالهم على يد نبي أو مصلح ثم مات، ارتدوا إلى سوئهم وعصيانهم، فاحتاجوا سريعًا إلى غيره، وهكذا دواليك. فكثرة أنبيائهم ليست مفخرة من مفاخرهم كما يريدون أن يفهموا ويُفهموا الناس!! لقد وصفهم كثير من أنبيائهم في كتبهم المقدسة بأنهم شعب غليظ القلب صلب الرقبة، وبأنهم أبناء القردة والخنازير وقتلة الأنبياء، وقد لاقوا حيثما حلوا، اضطهادات تثير الحسرة في قلب كل إنسان، ولكن إجماع كل الأمم على اضطهادهم ظاهرة تستحق التعليل، ولا علة لها إلا سوء طبائعهم وإحساس كل الأمم بأنهم خطر عليها في السلم والحرب.. وقد أفادتهم هذه الاضطهادات كثيرًا، إذ حملتهم على أن يتماسكوا ويتعاونوا لدفع الأذى عن أنفسهم، كما حملت صغارهم على الطاعة العمياء لزعمائهم طوال عصور الاضطهاد.
[7] اليهوديّة متآمرون: كان مكر أخوة (يوسف) وتآمرهم ضدّه بسبب غيرتهم منه، هو أول فسادهم وإفسادهم في الأرض، وكان ـ كما ترى ـ موجّها ضد أخيهم وأبيهم.. ومنذ ذلك اليوم، احترف بنو إسرائيل فنون التآمر ومارسوه حتّى فيما بينهم، منذ نشأتهم وحتى نهاية مملكتهم الأولى في فلسطين، وبعد السبي البابلي وشتاتهم في شتى بقاع الأرض، أصبح بعض من تآمرهم يُحاك ضد الشعوب التي يقيمون فيما بينها، وقد كان تطلّعهم دائما وأبدا إلى الملك والقوة والغنى والأفضلية، وكان سبيلهم إلى ذلك جمع المال بطرق غير مشروعة من ربا ونصب واحتيال، والتقرب من أصحاب السلطة والنفوذ بالإغواء والإغراء، للتلاعب بهم وتحريكهم من وراء الستار، لإيقاع الفتن والحروب بين الشعوب، لضمان السيطرة لتلبية مصالحهم واحتياجاتهم، ولذلك تجدهم يجتمعون ويُخطّطون في السر والعلن، ويعملون باستمرار بلا كلل أو ملل، وتاريخهم قديما وحديثا غني بالأمثلة والشواهد.
[8] رفض نبوة موسى عليه السلام: وعندما بعث سبحانه لهم موسى عليه السلام لم يستجيبوا له بسهولة، وعانى منهم عليه السلام ما عاناه، في رحلته معهم من مصر إلى الأرض المقدّسة، وبعد موته عليه السلام، وبعد انقضاء سنوات التحريم الأربعين، لم يطلبوا من نبيهم قيادتهم للقتال لدخول الأرض المقدسة، وإنما طلبوا منه أن يبعث الله لهم مَلِكا وذلك طمعا في المُلْك، وقد منّ الله عليهم به، فكانت مملكتهم الأولى في الأرض المقدسة بقيادة داود وسليمان، الذين لم يكن لبني إسرائيل معهما حول ولا قوة، إذ لم يستطع مترفوهم وفسقتهم، من الوصول والتغلغل والتدخل في شؤون الحكم، لاجتماع الملك والنبوة فيهما عليهما السلام، بل لعنهم داود آنذاك كما لعنهم عيسى عليه السلام من بعد.
[9] عيسى عليه السلام لم يوافق أهواءهم: ومع بقاء بعضهم في الأرض المقدسة، وعودة بعض المسبيين من بابل إليها بعد مدة من الزمن، كانت أعينهم تتطلع إلى المُلك من جديد، إذ كانت لديهم عدة نبوءات، الأولى بعيسى عليه السلام الذي سيُبعث من جبال ساعير (القدس)، فانتظروه ليقيم لهم ملكهم الثاني، إلى أن بُعث عيسى في زمن الحكم الروماني لفلسطين، فدعاهم للعودة إلى الله والمحبة والسلام، وعندما جاءهم بما لم يوافق أهواءهم، بالرغم من توافق صفته مع ما جاءت به التوراة، حاربوه وعادوه وكادوا له وتآمروا عليه، وحرضّوا الرومان الوثنيين على قتله وصلبه.
[10] (لوثر) صاحب المذهب المسيحي البروتستانتي يُمكّن اليهود من احتلال أوروبا اقتصاديا: وعندما تم تدمير السلطة الكنسية، التي قام بها الإصلاحيون في أوروبا (بفعل اليهود أنفسهم)، وضُمّت التوراة إلى الإنجيل في كتب النصارى المقدسة، وجد اليهود بعض القبول في الدول الأوروبية، فعادوا إليها شيئا فشيئا، ليسيطروا عليها هذه المرّة سيطرةً مذهلة، ويسخّروها لخدمة أغراضهم الدنيئة.
[11] اليهودية تعبث بالأديان والثقافات لمصلحتها: يسلم اليهودي أو ينتصر نفاقًا ليفسد الإسلام أو المسيحية، أو يوجه تعاليم هذا الدين الجديد وتقاليده وجهة تعود بالخير على اليهود، أو تبث روح المودة لهم والعطف عليهم.. وحيثما ظهر مبدأ أو دين أو مذهب علمي أو فلسفي، هب اليهود ليكونوا من ورائه، ويتصرفوا معه بما ينفعهم، وحيث ظهر اضطهاد لهم ظهرت الدعوة إلى الحرية والإخاء والمساواة،
[12] عداء اليهود للإسلام وتربّصهم به: تاريخهم مع الإسلام هو تاريخهم مع كل دين ومذهب: حاربوه في البدء ظاهرًا أعنف حرب، حتى إذا فشلوا ارتدوا يسالمونه سلامًا كان شرًا عليه من حربه الظاهرة! فقد نشط (عبد الله بن سبأ) اليهودي، فقد عمل على إثارة غضبة المسلمين على خليفتهم (عثمان بن عفّان) رضي الله عنه، وكلّما طُرد من إحدى الأمصار ذهب إلى غيرها ونشط هذا النشاط المرعب.. وهكذا أخذ في تنقلاته بين (العراق) و(مصر) و(الشام) يؤسس “الخلايا السرية” التي تنقم على (عثمان) وتثير الفتنة عليه، حتّى أغري الرعاع، وأفسد ثقة الجميع بعضهم ببعض، حتى انتهي الأمر بقتل (عثمان) رضي الله عنه وانقسام المسلمين أحزابًا.. ولقد استمرّ يثير الأحزاب المختصمة بعضها على بعض، ويغريها بالقتال، حتّى نجح في إشعال القتال بين جيش (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه وأصحاب الجمل قبل أن يأمر به القواد، في الوقتِ الذي كان المسلمونَ فيه على وشكِ التصالح، ومن ناحية أخرى، سعى (عبد الله بن سبأ) لنشر المبادئ الهدامة للإسلام، فدعا إلى الإيمان برجعة النبي بعد موته، وبعد مقتل (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه أعلن أنه ينكر قتله ولو أتوه برأسه ميتًا سبعين مرة!! وهكذا انخدع المسلمون فحشدوا في كتبهم وعقولهم خرافات التوراة!! كما كان لليهود اليد الطولى في هدم الخلافة العثمانية الإسلاميّة وتحويل تركيا من دولة خلافة إسلاميّة إلى دولة علمانيّة منذ انقلاب “أتاتورك” عامَ 1924، فلو بقيت الخلافة العثمانية قائمة ـ رغم ضعفها وصوريّتها ـ لما أمكن قيام وطن يهودي في فلسطين.. لهذا نكب اليهود تركيا بتسليط بريطانيا عليها أثناء الحرب العالمية الأولى، وكادت بريطانيا تعقد الصلح مع تركيا أثناءها، ولكن اليهود عطلوه بزعامة (حاييم ويزمان) رئيس إسرائيل ـ كما ذكر هو في مذكراته ـ وبمساعدة بعض النساء، فحالوا دون الصلح بينهما، حتى تخرب تركيا وتنحل خلافتها وتمتد حاجة بريطانيا بشدة إلى اليهود، كما كان لهم نصيب كبير في إلغاء الخلافة، وكان أحد الثلاثة الذين سلموا الخليفة قرار العزل يهوديًا.. وكان لنفوذهم أكبر الأثر في طرح تركيا دينها الإسلامي وقوانينها الإسلامية ومحاربة اللغة العربية والتبرؤ من صلاتها بالعرب.. ولقد تظاهر يهود “الدونمة” في سلانيك وغيرها بالإسلام، ودعوا إلى الجامعة الطورانية للتخلص من الإسلام واللغة العربية وصلة الترك بالعرب، وكان لذلك أثره في أن اصطبغ بهذه الألوان حكم مصطفى كمال الملقب بأتاتورك، وقد كان فيه عرق من “الدونمة”. وكان حاخام اليهود (حايم ناحوم) أفندي هناك، هو الذي فتح لليهود يومئذ باب الهجرة إلى تركيا ليكونوا بالقرب من فلسطين، ثم صار مبعوث (مصطفى كمال) إلى مؤتمر لوزان ثم عينه حاخامًا لليهود في مصر.. ولقد اعترفت (تركيا) بإسرائيل عند قيامها وصوّتت معها في هيئة الأمم وأمدّتها بالأسلحة وجمعت لها الأقوات، هذا غيضٌ من فيض ما فعله اليهود مع العرب والمسلمين، وهو نفس ما يفعلونه مع المسيحيين، فهم قد اندسوا من وراء المسيحية حتى صار كثير من المسيحيين يعترفون لهم بقداسة كتبهم، ويلقونها هي وأبطالها بالولاء. وقد أفلحت الدعاية اليهودية في طبع كثير من العقائد والنحل بما يحقق مصلحتهم، فنرى روح الولاء والتهليل لبني إسرائيل ومقدساتهم يهيمن على بعض المقدسات المسيحية والإسلامية. ولذلك يتحرج كثير من المسلمين والمسيحيين عن مقابلة أعمال الإسرائيليين بما تستحقه من النظر الصحيح والجزاء الرادع، اعتقادًا منهم بأن هذه هي إرادة الله.
[13] التخريب الثقافي والروحي: ولو نظرنا إلى العصر الحديث لرأينا أن اليهود من وراء كل مذهب وفلسفة ونظرية وكل نشاط إنساني، فما ظهر مذهب فكان مؤديًا إلى مسهم بالأذى من قريب أو بعيد إلا قتلوه، أو حوّروه بما يفسده هو وينفعهم هم.. وكل ما كان مؤديًا إلى خير لهم مباشرة روّجوه في كل أنحاء العالم ورفعوا صاحبه بين أساتذة الثقافة العالميين ولو كان حقيرًا، وكذلك يروجون لكل قلم ما دامت آثاره عن قصد أو غير قصد تساعد على إفساد الناس ورفع شأن اليهود، كما فعلوا مع (نيتشه) الذي تهجم على المسيحية وأخلاقها، وقسم الأخلاق قسمين: أخلاق سادة كالعنف والاستخفاف بالمبادئ، وأخلاق عبيد كالرحمة والبر، مما يتفق وروح اليهودية وتاريخها، وكذلك روجوا مذهب التطور وأولوه تأويلات ما خطرت لـ (داروين) على بال، واستخدموه في القضاء على الأديان والقوميات والقوانين والفنون، وهم يعبثون بعلوم الاقتصاد والاجتماع ومقارنة الأديان ويسخّرونها لمصلحتهم لإفساد الآداب والنظم والثقافات والعقول في كل أنحاء العالم، ويدسون فيها نظريات مبهرجة لا يفطن إلى زيفها إلا الموهوبون ذوو العقول المستقلة، وهم وراء كل زيّ من أزياء الفكر والعقيدة والملبس والسلوك ما دام لهم في رواجه منفعة، وهم أحرص على ترويجه إذا كان يحقق لهم المنفعة، ويجلب لغيرهم الضرر. ولا تخلو بلد كبيرة من مركز دعاية فكرية تروّج لأمثال هذه الأزياء المذهبية والاتجاهات الهدامة.. ومن مقال للأستاذ العقاد عن “الوجودية: الجانب المريض منها” قال ما نصه: “ولن تفهم المدارس الحديثة في أوروبا ما لم تفهم هذه الحقيقة التي لا شك فيها، وهي أن إصبعا من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية، وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها مجتمع الإنسان في جميع الأزمان.
فاليهودي (كارل ماركس) وراء الشيوعية التي تهدم قواعد الأخلاق والأديان، واليهودي (دركيم)وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهودي ـ أو نصف اليهودي ـ (سارتر) وراء الوجودية التي نشأت معززة لكرامة الفرد، فجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة بآفات القنوط والانحلال.. ومن الخير أن تدرس المذاهب الفكرية، بل الأزياء الفكرية كلما شاع منها في أوروبا مذهب جديد. ولكن من الشر أن تدرس بعناوينها وظواهرها دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة والتدبير المقصود “، وقل مثل ذلك في (سيجموند فرويد) اليهودي الذي هو من وراء علم النفس، والذي أرجع كل الميول والآداب الدينية والخلقية والفنية والصوفية والأسرية إلى الغريزة الجنسية، كي يبطل قداستها، ويخجل الإنسان منها ويُزهّده فيها، ويسلب الإنسان إيمانه بسموّها ما دامت راجعة إلى أدنى ما يرى في نفسه، وبهذا تنحط في نظره صلاته بأسرته ومجتمعه والكون وما وراءه.. ولو جعل (فرويد) الغريزة الوالدية (الأبوة والأمومة) هي المرجع، لكان أبعد من الشطط والشناعة وأدنى إلى القصد والسداد، وقل مثل ذلك في علم مقارنة الأديان التي يحاول اليهود أن يمحو قداستها ويظهروا الأنبياء مظهر الدجالين، وكذلك حركة الاستشراق التي تقوم على بعث الكتب القديمة، فهي في العربية تزحم مكاتبنا بأتفه الكتب التي لا تُفيد علمًا، ولا تُؤدب خلقًا، ولا تُهذّب عقلاً، فكأنما تؤسّس المكاتب لتكون متاحف لحفظ هذه المومياوات الخالية من الحياة، والتي لا يمكن أن تحيي عقلاً أو قلبًا أو ذوقًا، بل هي تغري الإنسان ـ لتفاهة محتوياتها وكثرتها وتفككها ـ بالنفور منها إذا كان سليم الطبع والعقل، أو تحمله على التمسّك بتفاهاتها فتورثه الغرور والغباء والكبرياء، وكذلك يروج اليهود كل المعارف التافهة والشهوانية والإلحادية فينا وفي غيرنا الآن) انتهى
[14] الفيروس اليهودي: يلعب اليهود دور الفيروس باقتدار، فحينما يغزو الفيروس أيّ خليّة، فإنّه يسيطر عليها ويسخّرها لإنتاج مادّته الوراثيّة، مقابل إهمال وظيفتها الأساسيّة، فإذا أنهكها وقضى عليها، تركها لخليّة أخرى، وهكذا، هذا هو ما فعله اليهود مع بريطانيا، التي نجحوا بذهبهم وعملائهم وإعلامهم في تسخيرها لخدمة مصالحهم، فلقد تمكن رئيس وزراء بريطانيا اليهودي (دزرائيلي) بذهب اليهودي (روتشيلد)، من أن يشتري نصيب مصر في أسهم قناة السويس لبريطانيا بأربعة ملايين جنيه، كي تكون بريطانيا إلى جوارهم في فلسطين، فتساعدهم على إنشاء وطنهم القومي.. وقد تسلطت بريطانيا على فلسطين عقب الحرب العالمية الأولى عن طريق الانتداب، وجعلت أول مندوب سام لبريطانيا وأول نائب عام لها في فلسطين يهوديين، وفتحت لهم أبواب الهجرة على مصراعيها بعد الانتداب، وتحت حمايتها أسس اليهود مستعمراتهم وزرعوها، وكونوا جامعتهم ومدارسهم ومعابدهم، ودربوا فرق جيشهم، فلما نضجت الثمرة تركوها خالصة لهم، ولقد كان لبريطانيا ومن ورائها اليهود، الدور الأكبر في هدم الدولة العثمانيّة، وإنهاء الخلافة الإسلاميّة التي كانت العائق الأخير أمام قيام دولة إسرائيل، ولقد كان حرص بريطانيا الدائم على نفوذها في الشرق الأوسط ليس فقط لحماية مصالحها، ولكن لتحمي (إسرائيل) الضعيفة من جيرانها العرب، ولقد قامت بريطانيا بدور “البلطجي” أو الخفير القوي مع مستغل الأرض الضعيف مستأجرًا أو مالكًا، فهي تحمي مصالح اليهود في كل بلد لها فيه نفوذ، لقاء ما تجنيه من نفع هناك على أيديهم، ولقاء ما لهم من نفوذ اقتصادي وغيره في العالم، وهي تنثر الفرقةَ بينَ العربِ وتمنع وحدتهم، حتّى لا تزداد قوّتهم فيقهروا إسرائيل، وبعد انهيار الإمبراطورية البريطانيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، نالت أمريكا هذا الشرف، وهي تلعب هذا الدور الحقير بحذافيره حتّى الآن، ونفوذ اليهود في أمريكا لا يعادله نفوذ، فهم الذين مكروا لبريطانيا حتى أخرجوا (أمريكا) من عزلتها التقليدية عن مشاكل العالم، فحاربت في صف بريطانيا في الحرب العالمية الأولى.. ومقابل ذلك حصل اليهود على وعد اليهوديّ “بلفور” بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وحمل الدول جميعًا على الاعتراف بالوعد في مؤتمر الصلح.. ولقد عملت بريطانيا بعد انتزاع فلسطين من الخلافة العثمانية ووضعها تحت الانتداب، وكان في إخراج أمريكا من عزلتها فوائد أخرى: منها تحطيم الرأسمالية غير اليهودية في أمريكا، وفتح أسواق جديدة لرؤوس الأموال اليهودية الأمريكية التي كانت سياسية العزلة تحول بينها وبين الانسياح في أقطار العالم خارج أمريكا.. والسياسة في أمريكا الآن خاضعة إلى حد بعيد لنفوذ اليهود، وهم يملكون كثيرًا من المناصب، فكثير من الوزراء وأعضاء الكونجرس من اليهود أو صنائعهم.. وقد نجح اليهود بعد الحرب العالميّة الثانية في جعل الدولار الأمريكي أساس النقد في العالم، وفي أيديهم قوة الدولار، كان اليهود هم الذين دعوا إلى إنشاء عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وكان أكثر السكرتيرين فيها يهودًا، وكذلك دعوا إلى إنشاء مجلس الأمن وهيئة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يزل أعضاء مختلف وفود البلاد إلى هذه المؤسسات جميعهم أو أكثريتهم من اليهود أو صنائعهم، أو من يعطفون عليهم، واليونسكو منظمة تكاد تكون يهودية خالصة موضوعًا، وشبه يهودية شكلاً.
[15] حربٌ دونَ طلقات: تعتبرُ الأساليبُ الدعائيّةُ هي الأهمَّ في انتشارِ النفوذِ الصهيونيّ، وفي الولاياتِ المتّحدةِ تسيطرُ المنظّماتُ الصهيونيّةُ على الغالبيةِ العظمى من المؤسّساتِ الإعلاميّة:
(أ) يوجدُ حوالَيْ ثلثِ دورِ النشرِ الصهيونيةِ في الولاياتِ المتّحدة، يموّلُها الصندوقُ القوميُّ الصهيونيُّ وكبارُ الرأسماليّينَ اليهودِ الصهاينة، وهي تقومُ بتغطيةِ الأحداثِ في الشرقِ الأوسطِ بما يخدمُ المجلسَ اليهوديَّ العالمي.
(ب) يحتلُّ اليهودُ مراكزَ قياديّةً في وسائلِ الإعلامِ الأمريكيّةِ الحكوميّةِ والجماهيريّةِ وغيرِها، حيثُ يتواجدونَ في كافّةِ هيئاتِ تحريرِ الصحفِ والمجلاتِ والمناصبِ الحسّاسةِ فيها، كرؤساء للتحريرِ ومحرّرينَ رئيسيّين، حيثُ يتحكّمونَ في كلِّ الموادِّ المطبوعةِ لديهم، بحيثُ لا يتعرّضُ أحدٌ لانتقادِ اليهودِ أو (إسرائيل)، خوفًا من سلطةِ رؤسائِه.
(ت) حتى رؤساءُ التحريرِ من غيرِ ذوي الميولِ الصهيونيّة، فإنّهم ينتهجونَ النهجَ ذاتَه، خوفًا من الدخولِ في المشاحناتِ مع شخصيّاتٍ صهيونيّةٍ مؤثّرة، وخوفًا من فقدانِ مكاسبِ الدعاياتِ والإعلاناتِ في مطبوعاتِهم، والتي تفوقُ مكاسبَ حرّيّةِ الصحافةِ الوهميّة !
(ث) يفرضُ التأثيرُ الصهيونيُّ نوعًا من الرقابةِ على بيعِ الورقِ والصحفِ والمجلات، واحتكارًا تامًّا لتوزيعِ الصحف.
(ج) يُنفقُ الصهاينةُ مبالغَ طائلةً لتحييدِ قراراتِ الأممِ المتّحدة، حيثُ تذهبُ هذه المبالغُ لتنشيطِ الصحفِ الكبرى، ولشراءِ بعضِ الشخصيّاتِ السياسيّةِ وحاملي الألقابِ الكبيرةِ وأصحابِ المناصبِ والكتّابِ وعلماءِ الاجتماعِ والنجومِ السينمائيّين، وغيرِهم من الشخصيّاتِ الهامّةِ التي تميلُ لحمايةِ الصهيونيّةِ من الاتّجاهاتِ المعاديةِ لها.
[16] التغلغلُ الصهيونيُّ في السياسةِ الأمريكيّة: يشكّلُ اليهودُ في أمريكا جماعةَ ضغطٍ سياسيّةً أخطبوطيّة، حيثُ يلعبونَ دورًا كبيرًا في السياسةِ الأمريكيّة:
(أ) يمارسُ اللوبي الصهيونيُّ الضغوطَ المختلفة، ويخلقُ جوًّا من الإرهاب، ويستخدمُ كافّةَ أشكالِ المكافآتِ، ويمنحُ الأجورَ المرتفعةَ لكلِّ من يُلقي محاضرةً خاصّةً بالمنظّمةِ اليهوديّة.
(ب) يساهمُ الرأسماليّونَ اليهودُ في الولاياتِ المتّحدةِ بـ 40% من نفقاتِ الانتخاباتِ للحزبِ الجمهوريّ، و65% للحزبِ الديمقراطيّ!!
(ت) يتمتّعُ أصدقاءُ (إسرائيل) في ولايةِ (نيويورك) بـ 65% من مقاعدِ الكونجرس، (ث) يصوّتُ 80% من مجلسِ الشيوخ، و77% من أعضاءِ مجلسِ النّوابِ على القراراتِ المعاديةِ للعرب، والمقترحةِ من قبَلِ اللوبي الصهيوني.
(ج) في عامِ 1987، نشرت صحيفةُ (نيويورك تايمز) أنَّ كافّةَ المرشّحينَ للرئاسةِ الأمريكيّةِ أجرَوا لقاءاتٍ مع مندوبي الصهاينة، تدورُ حولَ مواقفِهم من مشكلةِ الشرقِ الأوسط.. واعتُبرَ ناجحًا في “الامتحانِ” من أعلنَ عن دعمِه غيرِ المحدودِ لـ (إسرائيل) !،
(ح) يقدّمُ البيتُ الأبيضُ دعمًا مطلقًا لكلِّ جرائمِ (إسرائيل)، ويبدو هذا جليًّا في استخدامِ (أمريكا) المستمرِّ للفيتو لمنعِ إصدارِ أيِّ قرارٍ في مجلسِ الأمنِ يُدينُ (إسرائيل)..
(خ) تضمُّ المخابراتُ المركزيّةُ الأمريكيّةُ مجموعةً خاصّةً يُطلقُ عليها “القسمُ اليهوديّ”، معنيّةٌ باشتراكِ الموسادِ الإسرائيليِّ في عملياتِ التجسّسِ الأمريكيّة!
(د) هذا، ويقفُ في قمّةِ اللوبي الصهيونيِّ عدّةُ منظمّاتٍ، منها: (مجلس رؤساءِ المنظّماتِ اليهوديّةِ الرئيسيّةِ في الولاياتِ المتّحدة)، ومهمّتُها الضغطُ على البيتِ الأبيض، و(اللجنةُ الخاصّةُ بالعلاقاتِ الاجتماعيّةِ الأمريكيّةِ الإسرائيليّة)، ومهمّتُها الضغطُ على الكونجرس، و(المجلسُ الوطنيُّ للدفاعِ عن اليهودِ السوفيت)، ويضمُّ 4 ملايين عضو، و(بناي برايت)، و(اللجنةُ اليهوديّةُ الأمريكيّة)، و (الكونجرس اليهودي الأمريكي)، و(مجلسُ الكنائسِ اليهوديّةِ الأمريكيّة)، ويضمُّ أكثرَ من 500 منظّمة.
[17] الدعم الأمريكي لـ (إسرائيل): إنَّ للصهاينةِ الأمريكيّينَ دورًا كبيرًا في دعمِ الدولةِ الصهيونيّة، وسنكتفي هنا ببعضِ الأمثلةِ التي توضّحُ هذا:
(أ) حتّى عامِ 1955، كانَ خمسُ أصحابِ الملايين في أمريكا من اليهود.
(ب) غالبيةُ المصارفِ والبنوكِ والمؤسّساتِ الماليةِ في الغربِ و(أمريكا) يمتلكُها اليهود.
(ت) بلغت تبرعاتُ الصهاينةِ الأمريكيّينَ لـ (إسرائيلَ) في بدايةِ الثمانيناتِ 600 مليون دولار سنويًّا، (ث) وفي أوائلِ 1982، بلغَ حجمُ مساعداتِ المنظّماتِ الصهيونيّةِ الأمريكيّةِ لدعمِ العدوانِ الإسرائيليِّ على (لبنان) مليارَ دولار.
(ج) ساهمتِ العديدُ من الشركاتِ الأمريكيّةِ الاحتكاريّةِ في دعمِ الصناعةِ الحربيّةِ الإسرائيلية.
(ح) تمتلكُ العديدُ من الشركاتِ الأمريكيّةِ فروعًا في (إسرائيل)، فالشركةُ الأمريكيّةُ “جنرال تليفون أند الكترونيكس”، تمتلكُ ثلثَ أسهمِ الشركةِ الإسرائيليّةِ للالكترونيّات “تاديرن”.
(خ) أعلنَ الديبلوماسيُّ الأمريكيُّ (د. نيس)، أنَّ الولاياتِ المتّحدةَ في بدايةِ السبعيناتِ، قدّمت لـ (إسرائيلَ) مُعطياتٍ ومعلوماتٍ تقنيّةً متطوّرةً جدًّا، تتعلّقُ بالاستخدامِ الفعّالِ للسلاحِ النوويِّ في الشرقِ الأوسط، (ز) تعملُ مراكزُ البحثِ العلميِّ في (إسرائيل) بالمشاريعِ المتعلّقةِ بطلباتِ الهيئاتِ الحكوميّةِ الأمريكيّة، لا سيّما وزارةَ الدفاعِ الأمريكيّةِ (البنتاجون)، حيثُ تدرسُ هذه المراكزُ مواصفاتِ (إسرائيل) الطبيعيّةَ والجوّيّةَ من أجل الأغراضِ العسكريّةِ، وفاعليّةِ الأسلحةِ، والقدرةِ القتاليّةِ للجنود، وإمكانيّاتِ استخدامِ التقنياتِ المختلفة، والموادِّ الكيميائيّةِ والفيروساتِ المرضيّة.
[18] العولمة: العولمة: كلفظ مُجرّد مصطلح مُبهم، ويصبح مفهوما وتضح ماهيته عندما تُضاف إليه كلمة أخرى، كأن نقول عولمة الثقافة وعولمة الاقتصاد، وبما أننا نعلم أن من يُنادي بالعولمة ويدعوا إليها هي أمريكا، فذلك يعني أولا: تعميم الثقافة الأمريكية، وثانيا: تعميم النظام الاقتصادي الأمريكي الرأسمالي.. وبشكل شمولي هو فرض الحضارة الأمريكية الغربية بكافة جوانبها، كأسلوب جديد للحياة على كافة شعوب العالم! ولو قمنا بتقييم بسيط للحضارة الأمريكية، لوجدنا أن من رسم وشكّل معالم وأبعاد هذه الحضارة، منذ بدايات القرن الماضي هم الأسياد الجدد لأمريكا، أعني أرباب المال اليهود من خلال سيطرتهم المطلقة على كافة أدوات الإنتاج الأمريكي الاقتصادي والثقافي، أما ملامح الحضارة الأمريكية، فهي في الواقع ترجمة حيّة لما يحمله اليهود من عقائد كفرية إلحادية، لا تؤمن إلا بكل ما هو محسوس، تدعوا إلى تأليه رأس المال والاقتصاد وعبادة أصحابه. وتدعوا إلى أخلاقيات اجتماعية تلمودية، سِمتُها الانحلال والإباحية والدعوة لممارسة كل رذيلة والتحلل من كل فضيلة، نخلص إلى القول إلى أن الغاية من العولمة، هو نشر العقيدة اليهودية المادية الدنيوية، الخاصة بأصحاب البروتوكولات اليهود تمهيدا لضربتهم النهائية، وفي أواخر القرن الماضي، تمكن اليهود من نشر هذه العقيدة في أمريكا والدول الغربية، وبعد أن استحكمت قبضتهم على مواقع صنع القرار فيها، من خلال امتلاكهم لرؤوس الأموال المحرّكة لاقتصاديات هذه الدول.. ومع انتهاء الحرب الباردة وتفرّد أمريكا بحكم العالم، امتلك هؤلاء القوة العظمى والوحيدة في العالم فأصبح لدى هؤلاء القدرة أكثر من أي وقت مضى – حسب تصورهم – على تنفيذ ما تبقى من خطوات مخططهم الشيطاني، ولما أصبحت الرياح مواتية لهم، جلس أسياد العالم وائتمروا فتفتّقت أذهانهم، عن هذه الأفكار الجهنمية الخاصة بمنظمة التجارة العالمية وقوانينها، ومتطلبات الانتساب إليها لاختراق جميع الحواجز الاقتصادية، التي أقامتها الحكومات لحماية ثرواتها الوطنية، من الانسياب التلقائي إلى جيوب أرباب المال اليهود، وجاءت العولمة الثقافية بوسائلها: المطبوعات والراديو والسينما والتلفاز والفيديو والأطباق اللاقطة وأخيرا الإنترنت.. وكان ابتكار الإنترنت بمُشاركة الأطباق اللاقطة، التي أُجبرت الدول العربية على السماح بدخولها، أكبر ضربة لما أقامه هؤلاء من حواجز لحماية شعوبهم من الغزو الثقافي الغربي، وجاءت العولمة الاقتصادية لترفع الرسوم الجمركية عنها، لتصبح في متناول من لا يملك ثمن رغيف الخبز، ولتكون بمثابة حصان طروادة ولكن بحلّة جديدة، لتصل إلى البدوي في خيمته، والمشرّد في كهفه، والموظف في مكان عمله، والطالب في جامعته ومدرسته، وحتى الطفل في مهده، بعد هذا العرض نستطيع تعريف لفظ العولمة على أنها: مصطلح مضلل استعمل كغطاء للتعبير عن برنامج يهودي أمريكي لتهويد العالم بأسره.. أدواته الثقافية هي وسائل الاتصال والإعلام المختلفة، وأدواته الاقتصادية صندوق النقد والبنك الدولي والخصخصة ومنظمة التجارة العالمية.. وغايته خلق ديانة مادية جديدة تحت عنوان الثقافة والتحضّر، ونهب ثروات الشعوب تحت عنوان تحرير التجارة، وذلك لتهيئة الأجواء لظهور اليهود كأسياد للعالم بأسره، عندما يحين الوقت المناسب لذلك.
[19] أخطار العولمة على أرض الواقع: (الخطر الاجتماعي): يتمثّل في ضرب منظومة العقائد والقيم والأخلاق، لدى الشعوب المختلفة في العالم، وذلك بتشكيل أجيال جديدة، تبحث بشتى الوسائل والسبل عما يُشبع غرائزها ورغباتها ونزواتها، لتهبط بالإنسان إلى ما دون مرتبة الحيوان، وبذلك يسهل على مخططي المؤامرة اليهود سياسة هذه الأجيال وتذليلها.. وبالتالي لن تكون هناك معارضة لمثل هؤلاء فيما لو حُكموا من قبل سادة العالم الجدد ملوك الإلحاد والإباحية.
(أما الخطر الاقتصادي): فيتمثّل في ضرب قوانين الحماية التي وُضعت للمحافظة على الثروة الوطنية، وذلك لتسهيل عملية سلب ثروات الشعوب، وتكديسها في المصارف العالمية وإفقارها وتجويعها.. إذ لم يكفهم ما يقوم به البنك الدولي وصندوق النقد والخصخصة من نهب لثروات الشعوب، من خلال تغلغل الاستثمارات اليهودية في شتى أقطار العالم، بعد كل هزة أو أزمة اقتصادية مفتعلة بشكل مباشر أو غير مباشر.. فموجة الخصخصة التي هي أحد برامج صندوق النقد الدولي، أتاحت لرؤوس الأموال اليهودية الدخول للدول العربية، تحت مُسميات شركات أجنبية عالمية كبرى، أو عن طريق شركات محلية بأسماء عربية صورية مقابل حفنة من الدولارات، بل ابتكروا ما هو أخطر بكثير، ألا وهو (منظمة التجارة العالمية) والتي تدعو لتحرير التجارة وتحرير رأس المال.. والملاحظ أن كل مبادئهم الهدامّة عادة ما تحمل صفة التحرير أو التحرر!! أما المراد من وراء ذلك في الحقيقة، فهو السطو على مكتسبات الدول الغنية والفقيرة بطرق شرعية ملتوية، مغطّاة بأوراق التغليف البراقّة الملوّنة، لتسحر أعين الشعوب المسحوقة بما يُشبه عملية التنويم المغناطيسي، وبعد أن تمكّنوا من خلق قطعان من المستهلكين، تنظر بعين القداسة لكل ما هو غربي ومستورد، من منتجات ثقافية وتكنولوجية استهلاكية الطابع، جاءوا باتفاقيات هذه المنظمة لرفع القيود من قوانين جمركية وضريبية على السلع المستوردة، وذلك بغية فتح الأسواق الوطنية للسلع الأجنبية، وبالتالي تتهافت المجتمعات الاستهلاكية على تلك السلع، فتتسرّب العملة الوطنية إلى الخارج بلا توقف، ويترتّب على ذلك عجز كبير في ميزانيات دول العالم الثالث، التي لا تملك صناعات منافسة تعوّض وتعيد جزءًا من العملة المفقودة، وسيظهر التأثير المدمّر على شعوب الدول التي انضمّت لهذه المنظمة، خلال فترة ربما لا تزيد عن سنة أو سنتين، وذلك عندما تبدأ المؤسسات والشركات الوطنية بالإفلاس والانهيار تباعا، ومن ثم انتشار البطالة والفقر والجوع بين مواطنيها انتشار النار في الهشيم، إنّ هناك فرقا شاسعا بين فلسفة الاقتصاد وفلسفة الدمار والخراب.. تقضي فلسفة الاقتصاد بأن تنفق أقل مما تُنتج، وتدّخر الفائض لتقلبات الزمن.. وأما فلسفة الدمار والخراب تقضي بأن تنفق أضعاف أضعاف ما تنتج، لتنتهي في أحضان صندوق النقد الدولي.
[20] وماذا بعد: واضح من تهالك مجتمعاتنا واختراقها وضعفا وضياعها، أن اليهود قد صاروا قاب قوسين أو أدنى، من الوصول إلى هدفهم النهائي في ظرف سنين قليلة، وأ نجاحهم لا يعتمد في الدرجة الأولى على ذكائهم ومكرهم ودهائهم فحسب، بل يعتمد كذلك على سهولة وقوع النفس البشرية أسيرة لأهوائها وأطماعها، فلديهم قانون شبه حتمي انه لا يصل إلى الرئاسة في الدول الكبرى صاحبة القرار والتأثير على العالم إلا من يكون ولاؤه التام لهم أو من يمسكون عليه زلات أخلاقية أو مالية تجعله دمية في أيديهم فينفذ لهم ما يريدون ولو كان على عكس مصالح بلاده، أو يكون مصيره الاغتيال، وأكاد اجزم ان كل رؤساء أميركا في ال 100 سنة الماضية كانوا من هذا القبيل، وما ضرب أفغانستان والعراق واليمن وسوريا وآخرا ايران إلا من هذا المخطط الذي يسيرون عليه نحو إقامة دولة اليهود الكبرى من النيل إلى الفرات ومنه يحكمون العالم، هذا مكرهم، ونجيب عليهم بقوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا، يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ، وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ}، وقوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ، فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، طُغْيَانًا وَكُفْرًا، وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
***
المبحث السادس حال العالم الإسلامي والأمة الإسلامية
[المفتاح الأول]: تعداد المسلمين في العالم: تجاوز العالم حاجز الثمانية مليارات نسمة، ويقدر حاليا بنحو 8.3 مليار نسمة اعتباراً من أوائل عام 2026، وبناءً على أحدث التقديرات لعام 2026، يُقدر عدد المسلمين في العالم بنحو 2.06 مليار نسمة، وهو ما يمثل حوالي 25% إلى 26% من إجمالي سكان الكوكب، والدول الأكثر احتضاناً للمسلمين(تقديرات 2025/2026) هي: إندونيسيا: تظل في الصدارة بنحو 249مليون مسلم، يليها باكستان: تأتي ثانيةً بنحو 246 مليون مسلم، يليها الهند: تضم أكبر أقلية مسلمة في العالم بنحو 213 مليون مسلم، ثم بنغلاديش: حوالي 159مليون مسلم، ثم نيجيريا: أكبر دولة مسلمة في أفريقيا بنحو 116 مليون مسلم، ثم مصر: أكبر دولة عربية من حيث عدد المسلمين بنحو 100 مليون مسلم، ويُعد الإسلام الديانة الأسرع نمواً في العالم حالياً، وتُشير التوقعات إلى أن عدد المسلمين قد يصل إلى 2.2 مليار بحلول عام 2030، وقد يتساوى مع عدد المسيحيين عالمياً بحلول عام 2050، ومنه نعلم أن المسلمون تزيد نسبتهم على خمس سكان العالم، وتكاد تصل إلى الربع، ولكنهم غثاء لا تأثير لهم في عالم الأرض، لأنهم متفرقون، ومنه نعلم أن اليهود قلة (ستة عشر مليونا) ولكنهم يحكمون العالم تقريبا ويسيطرون عليه في مجال السياسة والاقتصاد والسلاح والإعلام، يحركون الدول وفق مخططاتهم، ويوقدون الحروب لمصالحهم، وهم – كما وصفهم الله تعالى – أشد الناس عداوة للمسلمين، ومنه نعلم أن النصارى كثرة (ملياران وربع) وهم – كما وصفهم الله تعالى – أقربهم مودة للمسلمين ولكنهم أحجار على رقعة الشطرنج، يلعب بهم اليهود في أوربا والأمريكيتين وروسيا كيفما أحبوا عن طريق تجمعات الضغط اليهودية التي تملك المال والذهب، وأوراق الضغط ونقاط الضعف لكل زعيم سياسي في أمريكا وروسيا و أوربا صغير أو كبير، ومنه نعلم أن المشركين كثرة فهم يبلغون أكثر من نصف سكان الأرض في الصين والهند واليابان والكوريتين وغيرها، وهؤلاء كما وصفهم الله تعالى بالصف الثاني في العداء للمسلمين بعد اليهود لقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، ومنه نعلم أن الملاحدة والدهريون والشيوعيون في الأرض كثير وهم يحاربون الأديان ويرفضون الإيمان، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، والمسلمون صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . فقال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) ([36]) . فهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أحبوا الدنيا وحرصوا عليها وكرهوا لقاء الله، فهم غثاء لا تأثير لهم في عالم الأرض، لأنهم متفرقون متناحرون كرهوا الموت وأحبوا الدنيا فشغلتهم، وساهم في زيادة هذا الوهن جهود الأعداء الإصليين من اليهود والمشركين والصليبين في تعميق شقة الخلاف بين طوائف المسلمين وبلاد المسلمين وقادة المسلمين.
[المفتاح الثاني]: عتاد المسلمين: المسلمون – في مجال العتاد – متخلفون لا يصنعون سلاحا ولا يملكون منه إلا ما سمح لهم به أعداؤهم فقط، مما عفى عليه الزمان من خردة السلاح، وهم يستعملونه في إبادة بعضهم بعضا، يحاربنا الأعداء حربا إلكترونية بعتاد لا قبل لنا بمعرفته ولا بصده، أشبه ما تكون عندهم بألعاب الحاسوب الإلكترونية، ونحن نمثل ضحاياها، هذا هو الواقع المعاصر لحال المسلمين، ولكن – والحمد الله – لا نزال نمتلك أساب النصر – وأهمها قوة الله الغالب إن نحن نصرنا دينه وعدنا إلى شرعه وحققنا العبودية له وأخلصنا العمل في سبيله.
[المفتاح الثالث]: الشعوب الإسلامية مغلوبة على أمرها، أراد لها أعداؤها أن يكون جل وقتها المكابدة لأجل لقمة العيش في الدنيا لا أكثر، وما زاد فإنما هو للملذات والمشغلات، ويمكن تلخيص واقع المسلمين اليوم تحت عناوين رئيسية ثلاثة: (أولا): ذهاب بعض عرى الدين عند أكثرية المسلمين، (ثانيا): ذهاب الدنيا لدى الغاليين الساحقة من المسلمين، (ثالثا): تسلط الأعداء وتحكمهم في كافة مناحي حياة المسلمين، ولنقف على نبذة من التفصيل في هذه العناوين.
(أولاً): ضياع بعض عرى الدين: يتجلى ذلك في مظاهر إهمال الصلاة وضعف التدين لدى الكثير من المسلمين، في البيع والشراء وفي أداء الامانات، وأول تلك العرى ضياعا هي الحكم بما انزل الله، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة) ([37]) . وقد تحقق إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ونقض الحكم بشكل متدرج، فقد كانت الثلمة الأولى بانصرام الخلافة الراشدة التي سارت على هدي النبوة بعد ثلاثين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، وعقب ذلك تحول الحكم إلى نظام الملك العضوض الوراثي على يد بني أمية، ثم استمر ذلك في ملك بني العباس ومن تلاهم من الملوك الطوائف، إلى أن وصلت الأحوال إلى سقوط الخلافة العثمانية واحلال القانون الفرنسي محل احكام الشريعة، وهكذا مر الحكم الذي نقض عروة عروة بالمراحل التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه من حديث حذيفة: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت) ([38]) .
ثانيا: ذهاب الدنيا: وأما عن ذهاب دنيا أكثر المسلمين، فإن الأكثرية الساحقة من المسلمين تعيش في هذا الزمان تحت خط الفقر، ورغم ثراء العالم الإسلامي بالموارد والثروات فإنّ منطقة الخليج العربي على سبيل المثال تحتوي على أكبر احتياطي للنفط المعروف في العالم، وهي تحوي 75% من احتياطي النفط المعروف في الأرض، وأنها تنتج أكثر من 16 مليون برميل نفط يوميا، ومع ذلك فإن النسبة الغالبة من المسلمين ترزح تحت خط الفقر، والسر في ذلك أنّ الثروات تسرق من مصادرها، لأنها تستخرج كلها عبر شركات أجنبية تشرف على مراحل الاستخراج والتسويق والتجارة، وتدير البنوك الدولية حيث تستقر الأرصدة، فتستكمل دائرة السرقة من البداية إلى النهاية!! ذلك أن السرقة تبدأ من عقد العقود مع الحكومات، حيث يذهب ما بين 40-60% إليهم عبر عقود الشراكة، وهذه أول مراحل السرقة! ثم تأتي المرحلة الثانية من السرقة بتزوير كميات المواد المستخرجة لأنهم هم المشرفون على استخراجها بواسطة مهندسيهم وخبرائهم، ثم تأتي ثالث مراحل السرقة، في تحديد أسعار هذه المواد وتسويقها عالميا بأبخس الأثمان، ويكفي أن نعرف أن السعر الحقيقي المفترض أن يكون لبرميل النفط الخام إذا ما قيس بأسعار المواد المصنعة، ودوره في تشغيل مصانعها هو بحسب بعض مراكز الدراسات الاقتصادية العالمية في بلاد الغرب ذاته يجب أن يكون 260 دولار للبرميل الواحد، في حين لم يتجاوز في الحقيقة سعره عالميا في المتوسط عن 60 دولار!!، وقد ينخفض في بعض الأحيان عن 40 دولار!! كل ذلك لأن أسياد البورصة العالمية التي تلعب باسعار البضائع الأساسية، وقيمة العملات الدولية، وأكثرهم من اليهود ومن كبار الرأسماليين الصليبيين، ثم تأتي المرحلة الرابعة من السرقة، حين تنتقل حصة بلادنا من ثمن هذه المواد إلى بنوكهم، لتتحول إلى أرقام و أصفار الكترونية متراكمة عندهم في الحسابات يشغلون بها اقتصادهم ولا يسمحون لحكوماتنا أن تسحب منها إلا كميات محدودة ومحسوبة، لتذهب معظمها في شراء المواد الصناعية والأسلحة واحتياجاتنا مما نستورده من عالمهم المصنع، حيث يفرضون أسعار موادهم كما يحبون ويشتهون! بل يفرضون على بلادنا نوع وكميات السلاح والذخائر الذي نستورده! وسعره طبعا! لتكتشف في نهاية المطاف أننا لا نحصل من ثرواتنا إلا على نسب مئوية مضحكة يذهب معظمها للحسابات السرية في البنوك السويسرية والأوروبية والأمريكية ذات الإدارة اليهودية، ولا يصل للشعوب إلا ما يغطي نفقات تلك الحكومات وبعض مشاريعها الأساسية، أما معظم الثروات المعدنية فهي تسرق بنفس الطريقة وتنقل غالبا على شكل فلزات وأحجار ومواد خام للتصدير، بحيث لا تصنع وتستخلص محليا حتى لا يكون في أكثر تلك البلاد بنى تحتية صناعية ولا تستعمل اليد العاملة المحلية فيها إلا على صفة حمالين من المناجم إلى موانئ التصدير، هذا ناهيك عما تفرضه أمريكا على معظم حكومات بلادنا من فواتير تكاليف غزواتها في بلادنا على شكل نفقات قوات (حفظ السلام) و (المساعدات العسكرية) المزعومة!! وهو الاسم الملطف للاستعمار العسكري الحديث، كما فعلت أمريكا بالسعودية عندما قدرت تكاليف (عاصفة الصحراء/ تحرير الكويت) بـ (560 مليار دولار)! فاستولت على ميزانية السعودية لديها وجعلت ما عجزت عنه على شكل ديون ربوية جعلت السعودية – أكبر مصدر للنفط في العالم – دولة مدينة ربويا لصندوق النقد الدولي!! هذا بعض ما كشفته وسائل الإعلام، والمخفي عنا أدهى وأعظم وأمر.
أضف إلى ذلك: سوء توزيع الثروة في بلادنا الإسلامية: وذلك بحكم التقسيم السياسي الاستعماري لبلاد العالم الإسلامي وتوزيعها بين دول غنية متخمة ضعيفة مسروقة ودول فقيرة هالكة،، ففي حين يصل متوسط دخل الفرد في بعض البلاد الإسلامية مثل بنغلادش وأفغانستان وبعض البلاد الأفريقية الإسلامية ليقل عن 100 دولار في السنة للفرد! أي نحو ربع دولار يوميا يصل متوسط دخل الفرد في البلاد الخليجية إلى عشرات آلاف الدولارات سنويا للفرد الواحد حيث تسجل بعضها أعلى معدل لدخل الفرد في العالم، ثم هناك سوء توزيع ثروة داخل كل بلد، ففي حين تصل ثروة بعض الأفراد في بعض البلاد الإسلامية إلى مرتبة المليارديرات، تجد بعض أفراد المسلمين يموتون جوعا وتسحق البطالة معظم بلاد المسلمين، مع أن من أساسيات ديننا أن أمة الإسلام واحدة، وأن ذمتهم واحدة، وتكاملهم واحد، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرنا بأنه ما آمن من بات شبعان وجاره جائع، وانّ مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، إن غياب عدالة توزيع المال، جعل أكثر الناس يظلم بعضهم بعضا، حتى أن الظلم كاد أن يكون عرفا مقبولا، لا تكاد تجد عليه اعتراضا من أحد، وكأنه قدر مقدور، وقد أودى الفقر بكثير من الشباب والرجال إلى الرحيل عن بلادهم طلبا لموارد الرزق، حتى صارت كثير من بلاد المسلمين مصدرا لتصدير العمالة الرخيصة المهاجرة إلى كافة أنحاء العالم ليضيع الرجال شبابهم بعيدا عن أسرهم ونسائهم وأطفالهم من أجل كفاف العيش.
(ثالثا): تسلط الأعداء وتحكمهم في كافة مناحي حياة المسلمين: العالم الإسلامي اليوم يعيش حالة من التسلط الكامل للأعداء على جميع مقدراتهم وسبل حياتهم بشكل كبير، ويتجلى ذلك في مظاهر عدة من أهمها:
(أ) تحويل بلاد المسلمين إلى ميدان لنهب الثروات وسوق لتصريف منتجاتهم: لقد أشرف الاستعمار على عمليات استخراج الثروات النفطية والمعدنية وغيرها من الموارد، ثم الإشراف على نقلها وتحديد أسعارها والتجارة بها والاستيلاء على أثمانها في بنوكهم الصليبية اليهودية، وفي مقابل ذلك يقوم الغرب المستعمر في بلادنا التي تضم نحو خمس سكان الأرض، بتحويلها إلى سوق لتصريف منتجاته بدءا من الأسلحة والآليات و الكمبيوترات ومختلف منتجات التكنولوجيا، وانتهاء بالصناعات الاستهلاكية العادية من أنواع الأطعمة والملبوسات والمواد الاستهلاكية المصنعة، فالمسلمون يستوردون من الخارج كل شيء تقريبا.
(ب) تسخير اليد العاملة الإسلامية لخدمة صناعات الأعداء: فبسبب سياسات التجويع والحصار وحكومات الظلم،،، هاجر من بلاد المسلمين ملايين العمال، ومئات الآلاف العلماء والمثقفين وحملة الشهادات إلى بلاد الغرب ولاسيما أوروبا وأمريكا، ليسدوا ثغرات ضخمة في البنية التحتية لمصانعهم بأبخس الأثمان،،وفوق ذلك فإن الدول الرأسمالية الغربية جميعها ولاسيما الأوروبية قد أنشأت مصانعها المتخصصة في الصناعات البسيطة والمتوسطة في بلاد المسلمين، ولاسيما في مجالات الأغذية والملبوسات والمواد الاستهلاكية تحت مسمى (الماركات) العالمية الشهيرة التابعة لها، لتستفيد من رخص اليد العاملة في بلادنا دون أن تخل بالقاعدة الصارمة المفروضة من قبلهم بأن لا تكون تلك الصناعات من مستوى التكنولوجيا حتى لا تستفيد تلك البلاد من الخبرات الصناعية.
(ت) سلب الإرادة لصالح العدو: فإن ارادت أي دولة مسلمة لسحب ودائعها من البنوك الامريكية والاوربية فلا تستطيع بحجة أن الاقتصاد عندهم لا يحتمل ذلك، وكذلك فإنّ تدخل المؤسسات المالية الدولية للمستعمرين في السياسات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية فأشهر من أن ننقل الأمثلة عليه، وقد وصل الأمر اليوم بفقدان الأمة الإسلامية لإرادتها، وسلب العدو لهذه الإرادة، أن يصل ذلك لمجال أخص خصوصيات الأمة، وهو مناهج التربية والتعليم التي تتدخل أمريكا والغرب اليوم فيها، وتملك القدرة على أن تحذف وتضيف فيها،ووصل الأمر حتى للخطب في المساجد، فالأمة الإسلامية مسلوبة الإرادة أمام أعدائها.
(ث) الاحتلال العسكري المباشر وغير المباشر لكافة بلاد العالم الإسلامي: فالعالم الإسلامي اليوم محتل من قبل الأعداء إما بصورة مباشرة وإما بصورة غير مباشرة، واكبر مثال على ذلك ما فعله الكيان الصهيوني مع المسلمين في غزة ولم تستطع الدول الإسلامية بكاملها من عمل شيء، ولو نظرنا إلى سوريا والعراق والسودان وغيرها كثير من الدول الإسلامية نجدها قد فقدت استقلالها تماما في ظل التهديد اليهودي والامريكي، وأما باقي بلاد العالم الإسلامي قاطبة، فهي تحت الاحتلال غير المباشر وذلك عن طريق الاحتلال الاقتصادي للاحتكارات الرأسمالية الكبرى، وبانتشار القواعد العسكرية البرية والبحرية والجوية في جميع أجزائه، وبشبكة مكاتب الإستخبارات الأجنبية التي انتشرت في جميع بلاد المسلمين بشكل علني أو بستار المنظمات والمؤسسات المتنوعة.
(ج) التبعية الثقافية والفكرية للعدو: وذلك بسبب مظاهر الإحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي والأمني التي ربطت الأمة بعجلة العدو الصليبي اليهودي في كافة المجالات، جاء دور الاستعمار الفكري والثقافي والاجتماعي،، حيث تسن القوانين وتوضع المخططات وتعقد المعاهدات وتبرمج وسائل الإعلام والتربية والتعليم والثقافة لتغريب مجتمعاتنا وإعادة صياغتها وهيكلتها تبعا لهوى المستعمر، فتارة باسم حقوق الإنسان، وتارة باسم تحرير المرأة، وتارة باسم التطبيع الثقافي، وتارة باسم التطوير الاجتماعي، وأخرى لتحديث المناهج التعليمية، ولبرامج إعادة صياغة المجتمعات،، وهكذا، حتى طال تدخل العدو برامج تدريس الأطفال في المرحلة الابتدائية فما فوقها، حيث تتدخل الأمم المتحدة وبرامج اليونسكو، فضلا عن سفارات الدول الغربية في تقرير ما يجوز ومالا يجوز في مواد الدراسة، بل بلغ تدخل هؤلاء في تحديد ما يقال وما لا يقال في خطب الجمعة حتى منعوا فيها ذكر اليهود والنصارى بالسوء، حتى في السعودية! بلاد التوحيد المزعومة، ناهيك عن ما يسمح بنشره وما لا يسمح في الصحف والمجلات وجميع أوجه النشاط الفكري والأدبي، وقد أجبر الغرب حكومات بلادنا على توقيع معاهدات على برامج اجتماعية تتنافى مع أسس ديننا وأعرافنا وتقاليدنا.
والخلاصة: تبعية كاملة لما سمي (النظام العالمي الجديد) فلا حول ولا قوة، ومع ذلك الوهن، فالحمد لله لا تزال أمة النبي صلى الله عليه وسلم لها الخيرية على سائر الأمم، فلا يزال في شعوبها الإسلام والإيمان والإحسان، والصلاة والصيام وتلاوة القرآن، ومتى تمسكت بدينها وقرآنها ولجأت إلى ربها واقتدت بنبيها صلى الله عليه وسلم مكن الله لها دينها ونصرها على القوم الكافرين، والله حافظ امة المسلمين إلى قيام الساعة، ففي الحديث الذي أخرجه النسائي عن خباب بن الأرت قال يا رسول الله بأبي أنت وأمي لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها) ([39]) .
فمن معاني الحديث أنّ أمة النبي صلى الله عليه وسلم في مأمن من عذاب الاستئصال، (أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها)، كما أهلك الله قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وغيرهم من الذين عصوا الله عز وجل، وعصوا رسله، “فأعطانيها”،: فأجابه الله عز وجل فيها، ودعا الله عز وجل (أن لا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها)، الشاهد فلن يجعل الله للكافرين من اليهود والمشركين والصليبين سبيلا على امة الإسلام ولو اجتمع لهم من بأقطار الأرض جميعا، والثالثة الاختلاف فيما بيننا وان يكون بأسنا بيننا شديد وهذا حاصل لا محالة، للحديث: (وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعا فمنعنيها)
***
المبحث السابع السياسة الشرعية وسنن الله العامة التي لا تتبدل ولا تتغير ولا تجامل احدا
[المفتاح الأول]: من أهم أبواب فقة السياسة الشرعية: فقه سنن الله تعالى في عباده وخلقه، فإنها سنن غلابة لا تتحول ولا تتبدلن والجاهل لتلك السنن يمشي مكبا على وجهة لا يرى ابعد من قدميه وهو لمن كانت تلك حالة أن يتعثر وأن يخيب رجاؤه وان يعارض سنن الله الغالبة التي لا يقف في وجهها شيء الا دمره وصدق المولى إذا يقول:{فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]، ومن اهم تلك السنن: سنن الله في التغيير والتبديل و سنن الفلاح والغلبة، وسنن الله في النصر والتمكين وسنن الله في المنافقين وسنن الله .
[المفتاح الثاني]: سنة التغيير: (1) المولى عز وجل قضت سنته تعالى أنه سبحانه لا يغير حال قوم حتى يغيروا هم من حالهم سواء من الحال الحسن إلى الحال السيئ أو من الحال السيئ إلى الحال الحسن، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال -53]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وإذا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11] ومن تلك الآيات نستخرج أمرين: الأمر الأول: أن الله عز وجل لا يغير حال قوم من الضعف والذلة والهوان إلى حال العزة والقوة والتمكين حتى يبدأ هؤلاء القوم بإرادة ذلك التغيير والله جل وعلا يعين ذلك المجتمع على تغيير حاله فلن أتي التغيير دون أن يكون ساعيا إلى التغيير، وكذلك العكس فان سنة الله جل وعلا في التغيير اقتضت أن لا يغير ما بقوم من القوة والعزة والتمكين إلى حال الذلة والمهانة والفقر والهزيمة إلا إن فعلوا هم أسباب ذلك الانهيار والتغيير وآنذاك يستحقون من الله عز وجل سنة التغيير وتبديل النعم إلى نقم، والأمر الثاني: أن التعبير القرآني جاء بلفظ (قوم) ليدل على أن سنة التغيير سنة جماعية تنطبق على المجتمعات والدول وليس على الأفراد كأفراد، فسنة التغيير سنة جماعية وليست فردية.
[المفتاح الثالث]: سنن الفلاح والغلبة: قضت سنة الله جل وعلا أن حزبه هو الغالبون وأن جنده هم الغالبون ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، قال تعالى: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56]، وقال تعالى:{أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، وقال تعالى:{وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173]، وقد وضح القران الكريم صفات حزب الله ومتى اتصف العاملون للإسلام بتلك الصفات فقد ضمن المولى تعالى لهم الغلبة والتمكين في الأرض، ولفظ (حزب) يدل على أن سنة الغلبة هاهنا جماعية أيضا، وفي صفات حزب الله تعالى يقول المولى جل وعلا:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذلة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أعزة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 54-56]، ويقول عز وجل:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أو أَبْنَاءَهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22]، فهذه الآيات الكريمات اشتملت على صفات حزب الله الذي يستحق من الله عز وجل وعلا الغلبة والفلاح في الدنيا والآخرة وأهم تلك الصفات:
(1) (يحبهم) الله جل وعلا: والله يحب المحسنين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين ويحب المتوكلين ويحب المقسطين ويحب المتقين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص والمقصود به وحدة الصف، وفي المقابل فإن الله عز وجل لا يحب الكافرين ولا يحب الظالمين ولا يحب المفسدين ولا يحب المعتدين ولا يحب الخائنين ولا يحب المستكبرين ولا يحب الفرحين ولا يحب كل مختال فخور ولا يحب كل خوان أثيم ولا يحب كل كفار أثيم (2) (ويحبونه) وعلامة حبهم هم للمولى جل وعلا إتباع النبي صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ..} [آل عمران: 31]، (3) أذلة على المؤمنين، (4) أعزة على الكافرين، (5) يجاهدون في سبيل الله، (6) لا يخافون لومة لائم، (7) الولاء لا يكون إلا لله وحدة ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، (8) البراءة من الكافرين ولو كانوا أباءهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، فالجماعة المسلمة التي تستحق تلك الصفات وتستوفيها هي حزب الله الذي له الغلبة والفلاح في الدنيا والآخرة.
[المفتاح الرابع]: سنن النصر والتمكين: قضت سنة الله عز وجل أن ينصر من نصره وأن يمكن في الأرض للمؤمنين الصالحين الذين ارتضى الله عز وجل وعلا دينهم ولأولئك الآخذين بأسباب النصر والتمكين المعنوية والمادية وأولئك المحسنين، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّأهم فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأمروا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور} [الأنبياء: 40-41]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، وقال تعالى:{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأخرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 11-13]، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ* وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَأوأهم النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور: 54-56]، وقال تعالى في حكاية عن ذي القرنين:{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 84، 85]، والإعداد هو في الأساس الأخذ بأسباب النصر والتمكين قال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، وفي ذلك يتبين أن أهم أسباب النصر والتمكين: (أ) نصرة دين الله بالعمل من أجل حفظه ونشره وتحقيق أهدافه، (ب) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ج) الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله بالمال والنفس، (د) طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والإيمان والعمل الصالح، (ه) الأخذ بأسباب النصر والتمكين المعنوية والمادية، (و) الإعداد وهو في أهم أسباب النصر والتمكين.
[المفتاح الخامس]: سنة الابتلاء: قال الله عز وجل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإذا أوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أولَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 10-11]، والنبي صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء))، ([40]) .
فالابتلاء سنة في سنن الله جل وعلا في عبادة المؤمنين ولهذا فينبغي أن لا يزيد البلاء للمؤمن إلا قوة وصلابة وإصرارا على السير في طريق الحق وطريق نصره الدين والتمكين له، وعلى العاملين للإسلام الا تثنيهم الابتلاءات والتمحيصات الربانية عن العمل الجاد من أجل نصرة دين الإسلام.
[المفتاح السادس]: (سنة التدافع بين الحق والباطل): وهي سنة عامة وثابتة ومطردة، تحكم كل المجتمعات والحضارات، قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] وقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] وقال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]، وقال تعالى:{ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعمالهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ *وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4-6]، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، والآيات في هذا المجال كثيرة وكلها تدل على أن المواجهة بين اهل الحق واهل الباطل سنة من سنن الله عز وجل في خلقه وفي رسالاته ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، والحمد لله أن جعل لتلك السنة سنة أخرى تلازمها ألا وهي أن النصر حليف المؤمنين إن أخذوا بأسباب ذلك النصر، قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا *سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 22-23]، وقال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الأنبياء: 40]، وقال تعالى: {ي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
[المفتاح السابع]: سنة الصبر: الصبر طريق إلى التمكين وهو طريق إلى النصر وهو سبب من أهم أسباب الإمداد الرباني بالنصر والتثبيت، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمرنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا..} [الأعراف: 137]، وقال تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125]، فثمرة الصبر الإمامة والتمكين ونيل معيه الله ورضاه وبشارته لعباده الصابرين بالنصر والتثبيت.
[المفتاح الثامن]: (سنة الابتلاء): قال الله عز وجل:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإذا أوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أولَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 10-11]، والنبي صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء))، فالابتلاء سنة في سنن الله جل وعلا في عبادة المؤمنين ولهذا فينبغي أن لا يزيد البلاء للمؤمن إلا قوة وصلابة وإصرارا على السير في طريق الحق وطريق نصره الدين والتمكين له، وعلى العاملين للإسلام الا تثنيهم الابتلاءات والتمحيصات الربانية عن العمل الجاد من أجل نصرة دين الإسلام.
[المفتاح التاسع]: (سنة التدرج): المراد بها أخد الناس بالتغيير شيئا فشيئا ومرحلة فمرحلة، فقد جعل الله تعالى التدرج سنة كونية وسنة شرعية أيضا، فمن الناحية الكونية اقتضت حكمته خلق السماوات والأرض في ستة أيام، قال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الأعراف: 53]، وكان سبحانه قادرا أن يقول لها: كن فتكون، ومن الناحية الشرعية فقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى التوحيد وتثبيت العقيدة السليمة، ثم كان التشريع شيئا فشيئا، كما فرضت فرائض وحرمت محرمات بالتدريج، وفي هذا المعنى تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبدا) ([41]) .
[المفتاح العاشر]: (سنة الأجل المسمى): هي سنّة متممة لسنّة التدرج، فقد جعل الله تعالى لكل شيء أجلا مسمى يبلغ فيه نضجه وكماله، فلا ينبغي أن يستعجل الشيء قبل أن يبلغ أجله المقدر لمثله، ومن القواعد المقررة في الإسلام أن “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه “، فان الزرع إذا حصد قبل إبانه، والثمر إذا قطف قبل أوانه لا ينتفع به النفع المرجو بل يضر ولا ينفع، وكذلك التغيير لا يتم إلا باستيفاء شروطه، فقد جعل الله تعالى لكل شيء أجلا مسمى، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61]، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالصبر، وعدم الاستعجال، قال الله تعالى: {خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون} [الأنبياء: 37]، وقال تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا} [الإسراء: 11]، وقال تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11]، وقال تعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} [الأحقاف: 35]، وضرب الله تعالى لرسوله وللمؤمنين معه مثلا بمن خلا قبلهم من أصحاب الرسالات، والذين صبروا على شدة الابتلاء، وطول الطريق، وصعوبة انتظار النصر، ولم يستعجلوا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، فنصر الله تعالى قريب ولكن اقتضت سنة الله تعالى أن يكون له أجل مسمى.
[المفتاح الحادي عشر]: (وسنن الله تعالى الكونية والتشريعية فوق الحصر والبيان)، ولابد لمن أراد استيعاب بعض تلك السنن أن يتدبر القرآن الكريم، فإنّه المرجع والأصل لمن أراد معرفة تلك السنن التي لا تعرف المجاملة، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، وقال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}، وقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} وقال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}، ومن تلك السنن التي أشار إليها القرآن الكريم:
(سنة تداول أيام النصر والهزيمة): وهي سنة تحكم حركة الحياة وحركة التاريخ، وتتمثل في نظام التعاقب والتناوب بين الدول والشعوب، قال تعالى: {ودليلها قوله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 141].
و(سنة الاستخلاف للنظر في عمل الأمم): قال تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
و(سنّة الأرزاق بالقدر المعلوم) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}، وقال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}
و(سنة الله تعالى في الهداية والضلال): قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، وقال تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ}
و(سنة تبديل النعم) قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
و(سنّة الإملاء) قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}
و(سنّة الفتنة) قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
و(سنّة الله تعالى في الذين يكتمون الحق): قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}، و (سنّة الركون إلى الظالمين) قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}
و(سنّة الصراع بين أهل الحق واهل الباطل): قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}، وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}
و (سنّة الاصطفاء والمن) قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}، وقال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
و(سنّة التقوى)، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}،، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}
و(سنّة الجزاء من جنس العمل)، قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}
و(سنّة الاستبدال):، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، وقال تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وقال تعالى: {هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}
و(سنّة الله تعالى في التنازع) قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}
و(سنّة الله تعالى في النصر بعد اليأس)، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}
و(سنّة المد والإمهال) قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا}،، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}،، وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}، وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}، وبعد فتلك بعض سنن الله تعالى التي لا تعرف المجاملة، قال تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا}،
***
([7]) صحيح البخاري 4/186 ح 3535، صحيح مسلم 4/1791 ح 2286.
([14]) صحيح مسلم 4/2239 ح 2922.
([15]) الأحكام السلطانية ص35، والنووي في شرح صحيح مسلم ج12 ص 205، وابن الحزم في الملل والنحل ج3 ص87.
([16]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([17]) صحيح مسلم 4/2215 ح 2889.
([18]) مسند أحمد 28/155 ح 16957، المستدرك 4/477 ح 8326 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
([19]) صحيح مسلم 4/2239 ح 2922.
([20]) مسند أحمد11/224 ح 6645، مسند الدارمي 1/196 ح 493. الأوائل لأبي عاصم ص 90 ح 110.
([22]) صحيح مسلم 4/2225 ح 2900.
([31]) مسند أحمد 1/493 ح 440، المستدرك 3/432 ح 5646.
([32]) السنن الكبرى للنسائي 4/264 ح 4279، المستدرك 2/76 ح 2377.
([33]) صحيح البخاري:9/20 ح (6943)
([36]) مسند أحمد 37/82 ح 22397، سنن ابي داود 6/355 ح 4297.
([39]) السنن الكبرى للنسائي 2/129 ح 1334.