[الفصل الخامس] الحل الأمثل في باب السياسة الشرعية بين أهل السياسة والحكم وبين أهل الدعوة إلى الله
ويشتمل على تلك المفاتيح: (المفتاح الأول): الخلافة العامة قادمة لا محالة.
(المفتاح الثاني): حتى يستقر الامن والأمان في بلاد المسلمين.
(المفتاح الثالث): العمل الجماعي الإسلامي جائز ولكن بضوابط.
(المفتاح الرابع): نصائح للحكام الذين ولاهم الله أمر المسلمين.
(المفتاح الخامس): نصائح لأهل الإسلام فيما يخص ولاة الأمور.
(المفتاح السادس): نصائح للعاملين للإسلام فيما يخص السياسة الشرعية.
(المفتاح السابع): الاستفادة من المنهج الصوفي في باب السياسة الشرعية
***
من أجل السلم العام والتوافق التام فيما بين الحكام والإسلاميين في بلاد المسلمين فإنّه يتم ذلك باعتماد تلك المفاتيح التي دل عليها الشرع الحنيف:
[المفتاح الاول]: الخلافة العامة قادمة لا محالة:
وذلك ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة،)) ([1]) . ولكن زمانها لم يأت بعد ولعله زمان المهدي ورتبته وزمان عيسى عليه السلام، لذلك ينبغي وفقا لعلم السياسة الشرعية اعتماد تلك المبادئ: (أ) يصح في الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل حاكم مسلم في قطره حكم الإمام الأعظم، إلى ان يأتي زمان عودة الخلافة الكبرى، والدول الإسلامية كلها يجب أن تعقد كل منها البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، (ب) من غلب فتولي الحكم واستتب له، في بلد من بلاد المسلمين فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته، حتى وإن لم يستجمع شروط الإمامة ما دام الامر قد استتب له فحينئذ وجبت طاعته، (ت) الأئمة الذين أمر الشرع بطاعتهم هم الأئمة المسلمون الموجودون الذين لهم سلطان وقدرة، (ث) وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية، ووجوب توقيرهم واحترامهم، والدعاء لهم (ج) وجوب الصبر على ظلمهم درئاً للفتنة وحفظا لحرمات أهل الإسلام، (ح) لا يجوز نزع اليد من طاعتهم ما كانوا مسلمين وما اقاموا فينا الصلاة وما لم نر منهم كفرا بواحا لنا فيه من الله برهان لا يختلف عليه مسلمان.
[المفتاح الثاني]: حتى يستقر الامن والأمان في بلاد المسلمين ينبغي اعتماد تلك المبادئ في السمع والطاعة:
(أ) لولاة الامر السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وان لا ننازعهم الامر إلا أن نرى كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان، لحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([2]) .
(ب) ولهم السمع والطاعة وإن ضربوا ظهورنا واخذوا اموالنا، لحديث حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([3]) . وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين.
(ت) ولهم أن لا ننابذهم العداء ولا ننزع عنهم البيعة والعهد ما تركونا نصلي في بيوت الله، لحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([4]) .
(ث) حدود السمع والطاعة فيما ليس بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([5]) .
(ج) ولهم النصيحة بالمعروف، فالدين النصيحة، فإن اخذوا بها فنعم النصيحة، وإن أبو فلا ننزع اليد من طاعتهم، لحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([6]) .
(ح) نعطيهم حقهم ولا نُكلفهم حقنا بل نسال الله تعالى ما لنا، والله لا يُضيع اجر المصلحين، لحديث وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أو فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([7]) .
(خ) نصبر عليهم الصبر الجميل ولا نخرج عن بيعتهم قدر شبر، لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([8]) .
(د) ننصحهم بالحسنى واللين والموعظة الحسنة، لقوله تعالى: – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 43، 44]، ويؤيده قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 17 إلى 19]، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم.
[المفتاح الثالث] العمل الجماعي الإسلامي جائز ولكن بضوابط:
(1) العمل الجماعي الإسلامي جائز لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، والأمة هي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في الجسد الواحد، ويقول الله تعالى: {وَتعاونوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تعاونوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، والتعاون لا يحدث إلا بوجود أطراف متعاونة متشاركة، مع ضرورة التفريق بين جماعة المسلمين الكبرى وبين جماعات الدعوة والعمل، فالأولى (جماعة المسلمين) أمارتها أمارة عامة، وهي واجبة البيعة والطاعة في عنق كل مسلم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية))، وصاحب هذه البيعة هو الحاكم، وهذه لا يجوز تعددها في القطر الواحد، لما يؤدي ذلك إلى الهرج والمرج والتدافع وما ينتج عنه من سفك الدماء واستحلال الحرمات، ولهذا جاء فيها الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، وهذه الجماعة هي المقصودة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع))، وأميرها هو خليفة المسلمين الذي جاء في حقه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية))، أما جماعات الدعوة والحسبة وغيرها فهي جماعات خاصة في اطار الجماعة الكبرى جماعة المسلمين، وأمارتها إمرة خاصة لا تأخذ حكم البيعة الكبرى أبدا لأنّها إمرة في شأن معين وجانب خاص من جوانب الدين، و(البيعة) داخل تلك الجماعات الخاصة لا تتعدى كونها مجرد عهد والتزام يلتزم فيه المجتمعون بطاعة من اختاروه قائداً أو رئيساً عليهم في إطار خدمة الدين فإن رأى ما هو أنفع للإسلام جاز له أن يختار الأنفع والأقرب لخدمة الدين، فلا بد هنا من الانتباه والتفريق بين جماعة المسلمين العامة وأحكامها وأحكام بيعتها الملزمة، وما وبين الجماعات الخاصة وبيعتها التطوعية، وعدم الخلط ما بين هذه وتلك، لما يؤدي الخلط بينهما إلى عواقب وخيمة على الإسلام والمسلمين.
(2) الدعوة إلى الله من خير أعمال التعاون على البر والتقوى لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]، وقوله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا،،،)) ([9]) .وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه:(فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النعَم) ([10]) .
فالدعوة إلى الإسلام أعظم الثغور أجرا وأحسنها أثرا.
(3) الحسبة على الدين والامر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أسباب خيرية هذه الامة، قال تعالى: {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104]، وقال تعالى: – في وصف رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم -: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]، ووصف الله تعالى أمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية لهذا السبب، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ووصف المؤمنين بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71]، ولكن في اطار النصح والإرشاد، وليس التغيير بالقوة وجمع الأعوان وإلا صاروا دولة داخل الدولة، والإسلام لا يقبل وضعا كهذا أبدا، والامر خطير جد لا هزل فيه، ومن نازع السلطان في صلاحياته، فلا مجال إلا للتخلص منه، وأنّ سفك دم المنازع للسلطان أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج، واعظم أخطاء جماعات الحسبة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر أنها كانت تقوم بتغير المنكرات في المجتمع باليد، مع جمع الاعوان واستمال السلاح دونما تقيد بدرجات الحسبة ولا مراحلها ولا ضوابطها، وهذا جهل عظيم بباب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة على الدين، فإنّ الأصل في إنكار المنكرات باليد أنه حق لولي الأمر (الدولة) ومن ينوب عنه من الجهات المختصة، كالشرطة والهيئات الرسمية المختصة بذلك، ولا يجوز للأفراد آحاداً القيام به، فلا يجوز لآحاد الناس الاحتساب باليد (تغيير المنكر فعلياً) في وجود دولة قائمة ومستقرة، بل يجب الاقتصار على الإنكار باللسان والقلب، وذلك لانّ تغيير المنكر باليد هو من اختصاص سلطات الدولة (الشرطة، الهيئات الرسمية) تجنباً للمفاسد العظيمة، والفوضى، واختلال الأمن.
(4) أما أمر الجهاد، فلا يصح ولا يجوز إلا بإذن الدولة ومن خلالها، لا يصلح إلا بذاك، وكل دعوى جهاد من خلفها فلا يصح، واكبر أخطاء جماعات الجهاد يكمن في الافتئات على الشرع: وإذا كنا نقول بأنّ الحسبة العامة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع إذا احتاج للتغيير باليد والقوة والاستعانة بالأعوان، لا يجوز أبدا في بلاد المسلمين، إلا بإذن من السلطات، فكيف يكون الحال إذا تعلق الامر بالجهاد، وهو لا يحتاج إلى جمع الاعوان واستعمال السلاح وحسب بل يحتاج إلى تجييش الجيوش ورفع الالوية والتدريب والاعداد، ولابد له من وجود امير للجهاد، ولابد للجهاد من اجتماع الكلمة والراية والاعداد أقصى استطاعة، فهل يتسنى ذلك من وراء الدولة والسلطات، والاتجاه الجهادي إن صح اطلاق اللقب عليه ولا أرى ذلك لانها جماعات خروج وليس جهاد، فهؤلاء حتى يخرجوا من ذلك المازق وتلك الإلزامات كفروا الدولة وكفروا القائمين على الحكم فيها وكفروا الجيش والشرطة بل وأجهزة الدولة كافة في سبيل الخروج من الزامات صحة الجهاد، وهل يفعل ذلك إلا الخوارج، وهم من الفرق الضالة، وهل يختلف عاقلان في ان الجهاد الصحيح مرد إلى الدولة وانه افتئات على الشرع وعلى أولي الامر وذوي السلطات، ثم اعلان الفصائل الجهادية للجهاد فجهادهم على من؟ ولمصلحة من؟ إنه قتال المسلمين وحسب، وهو يقع في لمصلحة الكافرين الأصليين من اليهود والصليبيين والمشركين، وكل ما شاهدناه من جهاد هؤلاء هو اغتيالات عشوائية لمسلمين أصليين أو سياح أجانب مستأمنين أو في مواجهة حكومات مسلمة توهن قوة الدولة أمام أعداء المسلمين وتهلك المنسبين إلى تلك الجماعات، من المغرر بهم، أو عمليات غير محسوبة في بلاد الكفار يجني ثمار شؤمها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نسال الله السلامة.
[المفتاح الرابع] من أهم نصائح للحكام الذين ولاهم الله أمر المسلمين:
(1) الحرص والعمل على تحكيم الشريعة الإسلامية، قدر الطاقة، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء: 65]، وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور: 51)، وما تفرق المسلمون وما ذلوا ولا هانوا على الأمم إلا بتركهم تحكيم شريعة ربهم، وقال سبحانه: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49، 50]، ونعلم يقيناً أنّ أعداء الإسلام من اليهود واتباعهم يرفضون هذا الامر تماما، وأنّهم سوف يجيشون الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة ويستعملون كافة الوسائل والقوى الإعلامية والاقتصادية والعسكرية من أجل القضاء على أي حاكم مسلم تسول له نفسه تطبيق شرع الله تعالى على شعبه كما أراد الله، وكما جاء في دين الله، ولكن لابد من الصدق في طاعة الله تعالى، ولا بد من خدمة دين الله تعالى بتطبيق شرعه، والاستعانة على ذلك بالله فهو أقوى من كل قوي وهو تعالى أعز من كل عزيز، جبروته فوق كل جبروت وقهره فوق كل عباده، لا يكون إلا ما شاء، ولا ينفع غيره ولا يضر إلا بإذنه، فقد قال الله تعالى في سبعة مواضع من القرآن:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وأمر الله تعالى به أنبياءه المرسلين فقال تعالى: {{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفي بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا} وقال تعالى::{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وإن من أصول الإيمان الثقة بالله تعالى وصدق التوكل عليه، والعلم بأنّه لا يكون إلا ما شاء، ولا ينفع غيره ولا يضر إلا بإذنه، فالأمر كله إلى الله وحده لا شريك، فهو الضار النافع، لا ينفع أحدٌ ولا شيء إلا بإذنه، ولا يضر أحد ولا شيء إلا بإذنه، فوجب أن لا تتعلق القلوب خوفا ورجاء إلا به، ولا استعانة وتوكلا إلا عليه سبحانه، وقد أخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) ([11]) .
(2) إقامة الدين وحفظه: فإن مما يجب عل الأئمة: إقامة الدين وحفظه، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13]، وإقامة الدين تتحقق بنشر العلم وتعليم عوام المسلمين ما لا يسعهم جهله من دين الإسلام، كالطهارة والصلاة ومهمات من أحكام الزكاة والصوم والحج، والمعاملات، وحقوق ذويهم عليهم، وتنشئة الصغار على حب العلم الشرعي ومعرفة فضله وحسن عاقبته في العاجلة والآجلة، وفضل التوسع فيه وعلو منزلة أهله، ومقامهم في الدين وبين المسلمين، وعند رب العالمين يوم القيامة، واختيار طائفة من الأمة تتأهل لحمل أمانة العلم بحفظه والعمل به وتعليمه، بحيث يكونوا مراجع للأمة في التعليم والإفتاء والقضاء والاجتهاد في بيان أحكام النوازل والأمور المستجدة.
(3) إظهار شعائر الملة وإقامة أركان الإسلام الظاهرة: ويكون ذلك ببناء المساجد وعمارتها بالصلاة والذكر، وتعليم العلم الشرعي، وربط الناس بها، والعناية بالدعوة إلى الله تعالى والحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين، وتأهيل طائفة يحصل بها مقصود الدعوة والحسبة، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: ١٠٤]
(4) الدفاع عن المسلمين وحمايتهم وحفظ الحدود والثغور: فإن الدفاع عن الرعية وأموالهم وأعراضهم من أهم واجبات الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) ([12]) .
ومن أهم مهام الإمام إعداد القوة اللازمة وإقامة عَلَمَ الجهاد وتجييش الجيوش وتجهيز الغُزاة بالقوة الكافية الرادعة، والقيام بكل ما يحتاجونه من بيت المال، وجهاد أهل الكفر بعد دعوتهم إلى الإسلام، وبيان محاسنه وما لهم منه وما لله من حق عليهم فيه، لإعلاء كلمة الله، وكفِّ شرِّ أعداء الله، وتحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة النافعة الرادعة، حتى لا يظفر الأعداء بغفلة ينتهكون فيه الحُرَم المحترمة، أو يسفكون بها الدماء المعصومة، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:٦٠]
(5) إقامة العدل بين الرعية: قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في بدايتهم: (الإمام العادل)، وفي مسند الإمام أحمد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر) ([13]) . وإن العدل بين الناس من أسباب استقامة أحوال الرعية واستقرار الدولة، فإن الدولة تدوم مع العدل ولو كانت كافرة، ولا تبقى مع الظلم ولو كانت مسلمة، ولذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:٩٠]
(6) النصح للرعية: فيعمل على جلب ما فيه النفع لهم، ودفع ما فيه الضرر، وليأخذ على أيدي الفاسدين المفسدين، من أصحاب الدعوات الهدامة، والعقائد الباطلة، لمنع شرورهم، وحماية الأمة من فسادهم، أخرج مسلم في صحيحه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من راعٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لها، إلا حرَّم الله عليه رائحة الجنة) ([14]) . وأخرج في صحيحه عن مَعقِل بن يَسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من أميرٍ يَلِي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة) ([15]) . وقد دلَّت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، كما جاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها) ([16]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من ولاَّه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلَّتِهم وفقرِهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة) ([17]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عنه، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) ([18]) .
(7) الرفق واللين والحلم في التعامل مع الرعية: لقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن وَلِي من أمر أمتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفق به) ([19]) . وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثلَ الأعلى في الرفق، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) ([20]) . ووصفه القرآن الكريم بقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128، 129]، وقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، ولهذا ينبغي على الإمام سياسة الرعية باللين والرفق، وأن يجتهد في قضاء حوائج العباد وإيصال الخير إليهم، وكف الشرِّ وإبعاد الضرر عنهم، ورعاية مصالحهم، والاهتمام بشؤونهم، والنصيحة لهم في جميع الأحوال.
(8) مشاورة أهل الرأي من الرعية: لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38]، وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم) ([21]) .
(9) تفقد أحوال الرعية وأن لا يحتجب عنهم: أخرج الإمام أحمد عن عمرو بن مرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من إمام أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة، إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته) ([22]) .
(10) متابعة أمور البلاد بنفسه: مما يجب على الإمام متابعة أمور البلاد بنفسه، وذلك بأن يباشر الإمام الأعظم بنفسه مُشَارَفَة الأمور، ويتتبع الأحوال ليطلع على سير الأمور وأداء ذوي الولايات والعمَّال، اشتغالًا بسياسة الأمة وحراسة الملة وتحقيق الأمانة، ولا يعوِّل على تفويض الأمور إلى غيره تفرغًا لعبادة أو تشاغلًا بلهوٍ أو لذة، فقد يُخَوَّن الأمين، ويُغَشَّ الناصح، ويفرِّط القادر، فلا بد من متابعة ذوي الولايات ومسئولي الجهات، للاطمئنان على قيامهم بوظائفهم، وأدائهم لأماناتهم، وحسن سياستهم وعدلهم في رعيتهم على أكمل وجه، فمن أحسن شَكَرَه وكافأه وأعانه، ومن قصَّر أو عجز أو خان أو فرط عزَلَه وحاسبه، وولَّى خيرًا منه مكانه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وأتباعهم يهتمون بأمر العمال وذوي الولايات، فيجتهدون في اختيار الأكفاء، ويحاسبونهم على التقصير والتفريط أو الاعتداء.
(11) محاربة الفساد في المجتمع: فإنّ فيه خير للبلاد والعباد، وقد قال الحق عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]، وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16]، (ففسقوا فيها) أي لم يلتزموا بالشرع، فدمرهم الله تدميرًا، كما سئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أنهلك وفينا الصالحون؟) فقال (صلى الله عليه وسلم) (نعم، إذا كثر الخبث) ([23]) . والله سبحانه حليم صبور، ولكنه سبحانه إذا أسف أنزل نقمته، قال تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 55، 56]
(12) تبني دعاة الإسلام وعلمائهم والمصلحين منهم وتيسير عملهم لما في ذلك من خير كبير للبلاد والعباد: أما البلاد: فإن الله سبحانه قد قضى ألا يهلك البلاد وإن وجد فيها بعض المفاسد إذا وجد بها الدعاة المصلحون، كما قال سبحانه (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]، فهؤلاء المصلحون يدفع الله بهم البلاء عن البلاد بدعوتهم ودعائهم، ويحفظ غيرهم بهم، وأما العباد: فإن عمل الدعاة إلى الله من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى تقليل معدلات الجرائم والانحرافات بأنواعها وهذا يجلب الرزق الإلهي والبركة، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) (الأعراف: 96)، وقال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً) (الجن: 16).
(13) تقوية مناهج تدريس الدين الإسلامي: ورفع مستواها وبصفة خاصة في المعاهد والكليات الإسلامية (كالأزهر الشريف) لرفع المستوى الشرعي للخريجين والدعاة، مع رفع مرتباتهم وامتيازاتهم لتعود إليهم ريادة الشباب والأمة، بما يحصن الشباب من الغلو والأمة من الانحرافات.
(14) تولية الأكفاء الأمناء للمناصب أساس كل خير وصلاح وإصلاح: العدالة مشترطة فيمن يتولى الولايات على المسلمين أن يقدم مصالح الناس على مصلحته الخاصة. وجمع الله هذه الصفات في قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، وقوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124)، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قالوا: كيف إضاعتها؟ قال صلى الله عليه وسلم: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله)، الحديث([24]) . فمما يجب على الإمام: نصب وتولية الأكْفَاء الأمناء النصحاء، من القضاة والمفتين، وأمراء الجهات، وبقية أهل الولايات الذين توفر القوة والأمانة فيقومون خير القيام فيما يفوضه الإمام إليهم من ولايات وأعمال، وفيما يكِلُه إليهم من الأمانة والأموال، لتكون الأعمال مضبوطة، والأمانات والأموال محفوظة، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد، أو مذهب، أو طريقة، أو جنس، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]،
(15) التخلص من البطالة: التي تدفع إلى اليأس والإحباط، وذلك باتخاذ كل التدابير الكفيلة بتنشيط الاقتصاد وزيادة فرص العمل لاستيعاب الشباب ويتبع ذلك تخفيف معدلات الفقر والجريمة والعنوسة والانحرافات الأخلاقية.
(16) أن يكافئ المحسن ويعاقب المسيء: وهذا من الحزم والقوة التي ينبغي أن يتصف بها الإمام، وهو كذلك من العدل الذي أوجبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]، وكما قال الله تعالى عن الملك العادل ذي القرنين: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87 – 88]، فلا بد من محاسبة الولاة وأرباب المناصب والعمال، فيكافئ المحسن، ويأخذ على يد المقصِّر والمسيء، وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأَزْد، يقال له: ابن اللُّتْبِية، على الصدقة، فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، قال صلى الله عليه وسلم: (فهلاَّ جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر أيُهدَى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَرُ، ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرَة إبْطيه: اللهم هل بلَّغت، اللهم هل بلغت، ثلاثًا) ([25]) .
وأخرج مسلم في صحيحه عن عَدِي بن عَمِيرة الكندي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن استعملناه منكم على عمل، فكتمَنا مِخْيطًا فما فوقه، كان غُلولاً يأتي به يوم القيامة، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله، اقبَل عني عملك، قال: وما لك؟، قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقوله الآن: مَن استعملناه منكم على عمل، فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى) ([26]) .
(17) توفير الأمن والاستقرار: مما يجب على الإمام توفير الأمن في المدن والقرى، وكافة جهات البلد، وتأمين الطرق والمرافق العامة وأموال الناس وسائر حرماتهم، وتأمين الضعفاء من الأقوياء، والأخيار من الأشرار، وذلك بتوفير كافة وسائل الأمن، وجهاد أهل البغي، وقطَّاع الطرق، وكل من تسوِّل له نفسُه العبث بأمن البلد وحرمات الأمة، لقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العرنيين بتنفيذ حكم الله تعالى في المحارِبين الذين سعوا في الأرض فسادًا.
(18) جباية الصدقات واستثمار الثروات وتنمية التجارة: ومما يجب على الإمام جباية الفيء والصدقات، وتنمية استثمار المعادن والثروات، وتنظيم التجارة في الأمة، وفيما بينها وبين الأمم الأخرى على النحو الذي جاء به الشرع نصًّا أو اجتهادًا، من غير عسف ولا خسف.
(19) تقدير العطاءات والمرتَّبات والمصروفات العامّة والخاصّة ودفعها لمستحقيها: ومما يجب على الإمام تقدير العطاءات والمرتَّبات والمصروفات العامّة والخاصّة من بيت المال، من غير سَرَف ولا تقصير فيه، ودفعه إلى مستحقه وجهته في وقته من غير تأخير ولا مماطلة.
(20) تهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم: فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، وقد أشار الفقهاء إلى ذلك، فقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته “رد المحتار على الدر المختار”: (ومن فروض الكفاية الصنائع المحتاج إليها) أهـ ([27]) .
ومن الواضح أن الصنائع المحتاج إليها تختلف باختلاف العصور والأزمان، فما كان الناس يحتاجونه في الأمس قد يحتاجون إلى غيره اليوم، فعلى الإمام ملاحظة ذلك وتهيئة وسائله، ويترتب على اعتبار تحصيل الصناعات والحرف المحتاج إليها من فروض الكفايات لحوق الاثم بالأمة وبالحكام إذا قصروا في تحصيلها، وثبوت حق الحكام في اجبار أصحاب الصناعات على القيام بها إذا امتنعوا عنها، وهذا ما صرح به الفقهاء، فقد قال ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية (إن لولي الأمر اجبار اصحاب الحرف والصناعات على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن القيام وكان في الناس حاجة إلى صناعاتهم) ([28]) .
(21) استثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية الرفاه الاقتصادي والعيش الكريم: قال عبد الكريم زيدان في كتابه أصول الدعوة: (وقد أشار الفقهاء إلى هذا الواجب، فقد قال الفقيه المشهور أبو يوسف في كتابه القيم “الخراج” الذي وجهه إلى الخليفة هارون الرشيد: إن على الخليفة أن يأمر بحفر الأنهار واجراء الماء فيها وتحميل بيت المال وحده نفقات ذلك وهذا نص كلامه: “فإذا اجتمعوا – أي أهل الخبرة – على أن في ذلك – أي في حفر الأنهار – صلاحاً وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد. وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا اصلاح ذلك لهم أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم”([29]) .
وما ذكره أبو يوسف رحمه الله هو من قبيل التمثيل لا الحصر، يدل على ذلك عبارته الأخيرة “وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا إصلاح ذلك لهم أجيبوا اليه” كما يمكن القياس على ما ذكره أبو يوسف جميع الأعمال اللازمة لاستغلال ثروات البلاد وخيراتها على وجه يعود بالنفع العميم على الجميع فهذه يجب القيام بها،
(22) القيام بما أوجه الله تعالى على الحكام من واجبات ومهام: ومهام الحاكم المسلم تتمثل في الوكالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق أهداف رسالة الإسلام العشرة على أرض الله تعالى وبين عباده، فالحاكم المسلم هو خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونائبه في تحقيق أهداف رسالة الإسلام العشرة على أرض الله تعالى وبين عباده، وتتمثل تلك المهام العشرة فيما يلي: (المهمة الأولى): البلاغ المبين بدين الإسلام: قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وقال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران]، وقد امتدح الله تعالى الدعاة إلى الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفي بِاللَّهِ حَسِيبًا}، والحاكم المسلم مسؤول عن حمل دعوة الإسلام إلى الناس جميعا، وذلك ببناء صرح إعلامي إسلامي شامخ ونظام إعلامي متكامل يتبنى توصيل دعوة الإسلام الصحيحة إلى كافة البشر في مشارق الأرض ومغاربها.
و(المهمة الثانية): إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة: قال الله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، وأتباع الرسل يخلفونهم في هذه المهمة، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، والحاكم المسلم مسؤول عن إقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة إلى الناس جميعا، وذلك ببناء مؤسسات وجامعات علمية متخصصة في علوم الدين تقوم بإقامة الحجة والإعذار إلى الله بأداء الأمانة وتوصيل دعوة الإسلام الصحيحة إلى كافة البشر في مشارق الأرض ومغاربها.
و(المهمة الثالثة): دعوة الناس إلى الإسلام صراط الله المستقيم ودينه القويم: من أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية دعوة الناس إلى صراط الله المستقيم ودينه القويم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى والرشاد، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ظلم العباد إلى العدل والرحمة والإحسان، قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: {المر* كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} (إبراهيم:1-4). وقال تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم} (المؤمنون:17) وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم* صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض إلا إلى الله تصير الأمور} (الشورى:52-53)، وخاطب المولى تبارك وتعالى أمة الإسلام بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران:110]، وجعلها خير الأمم لقيامها بحق الرسالة فقال سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران:110]، وقد أجمل الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه مهمة أمة الإسلام بقوله، عندما أرسله سعد بن أبي وقاص لرستم قائد الفرس يدعوه إلى الإسلام، فقال له رستم: لماذا جئتم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ([30]) . والحاكم المسلم مسؤول عن حمل دعوة الحق إلى الناس جميعا، وذلك ببناء مؤسسات دعوية وتبليغية مهمتها الأساسية تبليغ دعوة الإسلام، وهداية الناس إلى الإسلام صراط الله المستقيم ودينه القويم.
و(المهمة الرابعة): إيجاد المؤمن الصالح: وفي ذلك جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: [لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم] ([31]) . (متفق عليه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: [يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك.. الحديث] ([32]) .
و(المهمة الخامسة): إيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام: من أهم أهداف الدعوة إلى الله تعالى العمل لإيجاد المجتمع الصالح الملتزم بدين الإسلام والذي يعبد الله سبحانه وتعالى ويعمل من أجل رفع رايته ونصرة شريعته، قال سبحانه وتعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة:2)، وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران: 164].
و(المهمة السادسة): نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض: قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32-33]، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف، قال تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
و(المهمة السابعة): نشر الخير والمعروف والصلاح والنهي عن الشر والمنكر والفساد: الإسلام دين الله تعالى الذي رضيه لعباده على الأرض لذا فهو دين الدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف ولإرشاد إلى الصلاح، وهو دين النهي عن أي شر أو منكر أو فساد، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، وقال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..} الآية. [الأعراف:157]، وقال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 116، 117]، فالصلاح والنهي عن الفساد هما سبب النجاة من الهلاك، وكل الرسل الذين أرسلهم الله نشروا الخير وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وعن الشر والفساد، وعلى الرغم من تركيزهم الشديد على التوحيد وهو أعظم الخير والمعروف والصلاح وضده الشرك وهو أعظم المنكر والشر والفساد إلا أن ذلك لم يشغلهم عن النهي عن الفساد في الأرض، وكان دائما منهاجهم قوله تعالى {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الْأَعراف: 74] وقوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]، وقوله تعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81]، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151- 152]، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151، 152]، وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الْأَعراف: 85] وقوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، وفي ذلك الهدف الجليل خاطب الله تعالى أمة الرسول بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وجعلهم خير الأمم لقيامهم بهذا الواجب فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ …} الآية [آل عمران: 110].
و(المهمة الثامنة):: عمارة الأرض بالأخلاق العظيمة والقيم الفاضلة: مثل بر الوالدين وصلة الأرحام وتربية الأبناء وإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ومساعدة المحتاج وكفالة اليتيم والعدل في الحكم ولو مع الأعداء، وقد وصف الله تعالى رسوله بالخلق العظيم فقال تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وجعله سبحانه رحمة لجميع الخلائق فقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وجعل رسالته المتممة لمكارم الأخلاق،فقال صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ([33]) .
ولا شك أن دعوة الإسلام قد استفاد منها كل من عرفها حتى وإن كان من غير المسلمين، فإن تعاليم الإسلام التي جاءت بالفضيلة والإحسان، وإقامة العدل ونبذ الظلم، ولو قام الدعاة بحق الدعوة إلى الله ونشروا أخلاق الإسلام العظيمة وقيمه الفاضلة لدخل الناس في دين الله أفواجا لما يرون من عظمته في إقرار السلم والسلام والأمن والأمان والعدل والإحسان، قال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
و(المهمة التاسعة): التعارف مع الشعوب والقبائل والأجناس البشرية لنشر ثقافة الإسلام ومبادئ الدين القيم: قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19] وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} [آل عمران] وقال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)} [يوسف]، وقد جعل الله تعالى أهل الإسلام شهداء على الأمم الباقية لما لهم من فضل علم عليهم بالله وبدينه، قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ …} الآية [الحج: 78]، وإن من أهم أهداف الدعوة الإسلامية التعارف مع الشعوب الأخرى المنتشرة على سطح الأرض من أجل إيصال دعوة الإسلام ومبادئ ذلك الدين القيم إليهم ونشر ثقافة الإسلام بينهم، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
و(المهمة العاشرة): الدفاع عن الإسلام وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام: فإن مع أكثر ما يعوق الدعوة الإسلامية ونشر دين الإسلام هو الفهم الخاطئ لدين الله، مع أنه دين الفطرة والاعتدال، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، فدين الله يلائم فطرة الناس ولو أفسح المجال أمام الناس بصدق لكانوا أمة واحدة على دين التوحيد، ولما كان أعداء الله تعالى يعرفون ذلك أخذوا يحاربون انتشاره بين الناس بنشر المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عنه، ومن أهم أهداف الدعوة إلى الله الدفاع عن الإسلام ومحاربة الانحراف عن صراطه المستقيم وتصحيح المفاهيم المغلوطة والشبهات الزائفة عن الإسلام لأن ذلك من أعظم الدعوة والجهاد من أجل نشر الدين ونصرته.
[المفتاح الخامس] من أهم النصائح لأهل الإسلام فيما يخص ولاة الأمور:
تغليبا للمصلحة العامة لأمة الإسلام فإنه ينبغي:
(1) التماس الاعذار لولاة الأمور في ظل القوى العالمية المسيطرة على مقدرات العالم: فإنّه مع الوهن السائد والضعف الظاهر ونتيجة لترسبات عشرات السنين من التبعية للاستعمار الأوربي والامريكي تجد أكثر هؤلاء الحكام مكرهين لا يستطيعون الفكاك من تلك التبعية، والاكراه من الاعذار الشرعية المعتبرة، لاسيما وانّ العالم كله اليوم قد تحول إلى قرية صغيرة تحكمها تلك القوى الصهيونية العالمية التي يعمل لديها أكثر رؤساء الدول الكبرى في العالم، من أمريكا واوروبا وروسيا فما بالنا بحكامنا وبلادنا قد بلغت أقصى درجات الضعف والوهن والتبعية.
و(الحاصل): أنّ العالم الإسلامي اليوم شبه محتل من قبل هؤلاء على الحقيقة وليس المجاز، إما بصورة مباشرة وإما بصورة غير مباشرة، عبر التأثير على القرار باستغلال قواهم السياسية والاقتصادية والعسكرية واستخباراتهم التجسسية وقواعدهم العسكرية البرية والبحرية والجوية المسيطرة تقريبا على كل قطعة ارض تابعة للمسلمين، فهذا حال حكامنا، واكثرهم مكرهون لا حول لهم في الحكم ولا قوة إلا تحلة القسم في اضيق الحدود، وليس معنى ذلك تعطيل الحسبة عليهم بل هي من أعظم الجهاد ولكن وفق ضوابطها وأحكامها التي قررتها شريعة الرحمن، أما إهانة السلطان، ونزع اليد من بيعته ومنازعته باسم الدين فهو من الأمور الضالة المضلة التي تفتح باب الهرج والمرج والفوضى وسفك الدماء بين أهل الإسلام، نعوذ بالله من الخروج والغلو والاهواء والفتن ومن طالب حكام اليوم بالعدل الذي كان عليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فقد ظلم.
(2) الدعاء لهم بالصلاح: فليس لنا إلا ان ندعو لهم، بالصلاح والفلاح، إذ صلاحهم صلاح للعباد والبلاد.
(3) الحاكم له حكم الاب يجب البر به ولا يجوز تعدي انكار منكره عن النصيحة، فإنّ من الفقه في الدين أن يعلم المسلم حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، والسياسة الشرعية الحكيمة جعلت اسداء النصيحة للحاكم بإخلاص، مع أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في اطار احترامه وحفظ هيبته وعدم نزع اليد من طاعته، وأن يكون إنكار مناكره مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، وأنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً.
(4) تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين، نسب النووي إلى أهل السنّة والجماعة الإجماع على تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين، ([34]) .
[المفتاح السادس]: من أهم النصائح للعاملين للإسلام:
من الفقه في باب السياسة الشرعية ومن الفقه العمل لنصرة دين الإسلام، أن يعرف الإسلاميون الاطار الشرعي للعمل الإسلامي الصحيح وملامحه التي تؤهله للسير إلى الأمام في صحة ونجاح، وأهم تلك الملامح:
(1) نشر الدعوة إلى الله تعالى مع الشغف بها والانقطاع اليها بمعظم الجهد والطاقة، فالدعوة إلى الله تعالى هي المعلم الأول في حياته صلى الله عليه وسلم وهي شغله الشاغل في بداية عمله لدين الإسلام فهو البشير والنذير وهو الهادي إلى صراط الله المستقيم، وكان شعاره صلى الله عليه وسلم في دعوته قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، وقوله تعالى: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، وهذا العمل هو أهم أعمال الدعوة من احل نشر الدين وحفظه.
(2) السلمية والصبر والصفح وكف اليد: والسلمية هي منهج النبي صلى الله عليه وسلم الأول في العمل للإسلام في الارض فقد امر بكف اليد وبالعفو والصفح والصبر حتى يأتي الله بأمره، والسلمية هي الطريق الواسع الامن نحو نشر رسالة دين الإسلام وتبليغ دعوته والكف والمنع التام من استعمال السلاح هو حماية الصف الإسلامي من مخاطر لا يقوى على مواجهتها، والشرع يحدثنا ان الني صلى الهه عليه وسلم ظل يدعو إلى الله ثلاث عشر سنة وأصحابه يعذبون ويذوقون أشد البلاء ولم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم باغتيال احد من صناديد الكفر والشرك أو بقتله بل جاء الشرع يؤمر بكف اليد وبالصفح والصبر حتى يأذن الله بالفرج القريب: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}،
(3) العلنية والجهر بالحق وتبليغ رسالة الإسلام لا نخشى في الله لومة لائم والبعد التام عن السرية التي تريب المحيطين بالعمل الإسلامي فيه، فالعلنية هي السبيل الواضح الصريح وهي أقصر الطرق للوصول إلى المقصود من أي عمل، والعلنية هي الطريق الاساسي والخط الأصيل في توعية المسلمين بأمور دينهم، وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم بالحق وتبليغ رسالته لا يهاف في الله لومة لائم ولا يخشى في ذلك الا الله وحده، و (السرية) تعني -عند الدولة- العمل العسكري لا مفهوم له عندها سوى ذلك، ولذلك فهي تحرمه وتجرمه، والسرية سلبياتها كثيرة واعتمادها لبعض العمل الإسلامي يقضى عليه لما يثيره من شكوك تتناول جميع المحيطين به دون استثناء أحد منهم.
(4) العمل الجاد المتقن المتحري للصحة الشرعية والمتأني فلا يتعجل في طلب النتائج، فالعمل الإسلامي الجاد يؤثر العمل على القول ويؤثر النتائج العملية الحقيقية على الصيت والشهرة وإثبات الوجود، والعمل الإسلامي المتقن هو الذي يراعي ويتحرى للصواب الشرعي، وهو الذي ينضبط انضباطا كليا بالشرع الحنيف ولو كان في ذلك من التأني ما فيه، وهو الذي يحسن العمل ولا ينتظر النتائج فالثمرة إلى الله تعالى يضعها حيث يشاء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصل ليله بنهاره عملا لدين الإسلام ومن أجل نصرته وإظهار امره وكان يسير وفق هدى القران ووفق وحي الله عز وجل له، وعندما عبس في وجه الأعمى واعرض عنه رجاء أن يؤمن له عظماء مكة عاتبه لله عز وجل في ذلك لأن الهداية إلى الله يضعها حيث يشاء ولو شاء لأمن من في الارض جميعا ولو شاء لنصر جيته بقوله كن فيكون، ولكن المنهج القرآني سمته وهديه التأني وإتقان العمل وإحسانه لله عز وجل وعدم التعجل في طلب النتائج وقطف الثمار لأن ذلك إلى الله يضعه حيث يشاء ومتى يشاء.
(5) الابتعاد الكامل عن أي مواجهات مسلحة مع اعداد الدعوة الموجودين بالدولة، وفي ذلك الملمح أتم الصيانة للعمل الإسلامي من الخطر العظيم الذي لا طاقة للعاملين لدين الإسلام به، والناظر المتمعن إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعمله لنصرة دين الإسلام يجد ان خطته العملية اعتمدت قبل الهجرة إلى المدينة على نشر الدعوة والتكوين عليها بالتربية، والتزكية والتعليم مع منع أي مواجهة ابتداء مع اعداء الدعوة وكذلك منع رد العدوان حتى لا يجر إلى مواجهة لا طاقة للإسلامين بها، إنّ الدعوة التي لا تتحلى بتلك الصفة – الصبر على استفزاز الجهات المعادية والابتعاد عن المواجهة المسلحة- فهي دعوة متهورة مقضي عليها في مهدها، ولو كان عدم الالتزام بهذه الصفة ممكنا لأي دعوة في مراحلها التكوينية لما اتصفت بها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في صدرها الأول، فهو النبي المرسل من قبل العزيز الحكيم العليم الخبير ومع ذلك تحمل كل انواع الأذى والكيد والعداء ورأي بعينيه الكريمتين دماء أصحابه الزكية تسيل ومع ذلك لم يخرجه ذلك عن الاطار الذي سار عليه والذي سدد فيه خطاه المولى جل وعلا والذي كان من ملامحه الصبر على الأذى والابتعاد التام عن الصدام حتى تستوفى شروطه كاملة، وتلك الصفة امتدت حتى بعد قيام دولة الإسلام ولكنها كانت نامية لم يشتد عودها بعد فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عز وجل بتأجيل المواجهة مع اليهود حتى يأتي الله بأمره، قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فالآية صريحة في الامر بالعفو والصفح والصبر حتى يأتي الله بأمره والله على كل شيء قدير، وامتداد هذا الامر إلى عهده المدني يدل على ان المهادنة والمعاهدة مع الكفار وأهل الكتاب هي حكم اسلامي عملي متجدد يخضع لظروف وامكانيات الجماعة المسلمة ووفق تحقيقها لشروط المواجهة الواجبة، والجماعة التي لم تستوف شروط المواجهة مطالبة دائما بالالتزام بالابتعاد عن المواجهة المسلمة مع اعداء الدعوة، وهذا لا يمنع أبدا من الجهر بالحق والصدع به والله مولانا ولا مولى لهم.
[المفتاح السابع] الاستفادة من المنهج الصوفي في باب السياسة الشرعية:
(1) التصوف يمثل المرتبة الثالثة الأعلى من مراتب الدين: وهي مرتبة الإحسان التي تلي مرتبتي الإسلام والإيمان، فهو إذن القائم على أعلى ثغور الدين، وهو كذلك روح الدين القادر على احتواء جميع المسلمين، وعلى التقريب بين مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه، بما حباه الله تعالى به من أخلاق الرحمة والمحبة والتسامح الذي أرشد إليه القرآن الكريم بقولـه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، فــ (التصوف) هو الذي امتاز باحترام تخصصات الآخرين، وتميز باحتواء كافة المدارس المذهبية المتخصصة في علوم الدين، وهو من بين مدارس الإسلام الذي تميز بالمرونة والسعة، وهو الأقدر على وحدة المسلمين بكونه يحمل القواسم المشتركة بين كافة المذاهب، وهو الأجدر على حل مشكلات الامة في تآلف وتراحم، وهو الاقدر على جمع الجميع على مائدة واحدة، لأنه الأكثر حظا في أن يملك مفاتح الحل، من خلال تفريقه بين المراتب العلمية، وما توجبه كل مرتبة علمية من علوم ومعارف.
(2) أهل التصوف الحق هم على أعلى الهرم المعرفي الإسلامي، لذا كان علمهم هو الزلال المصفى، هم الأعلى فهما لأحكام الإيمان والكفر، وهم الأبعد عن تكفير المسلمين، نبراسهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) ([35]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ)) ([36]) . والمسلم عندهم: هو كل من قال (لا إله إلا الله * محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، منقادا لها ببدنه، هذا المسلم: لا يكفرونه بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة ويقيم عليه الفقهاء الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، فإن اختلف الفقهاء رجحوا لأنفسهم السلامة، فلا يتورطون في تكفيره، ورجحوا للمسلم جانب حسن الظن والمخارج الحسنة، ولسان حالهم يقول: لان نخطئ في إدخال كافر في الإسلام فنحقن دمه، خير لنا من أن نخطئ في اخراج مسلم من اسلامه إلى الكفر فنستحل دمه وماله وعرضه،
(3) الصوفية وأهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم، أهل التصوف يقولون: لا تنطبق أحاديث النجاة إلا لأهل السنة والجماعة الناجية، ولا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لانهم أهل القرآن وخاصته، وهم أهل الحديث وخاصته، وكل الفرق عالة عليهم في الإجماع ثالث مصادر الدين، وكل الفرق عالة عليهم في باب التخصص العلمي، وهم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين، وهم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، وهم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، ويقولون: الإطار العلمي الدقيق لاهل السنة والجماعة يمثله: في العقيدة ثلاث مدارس هي: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل إطارهم في الفقه مذاهب أربعة هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ويمثلهم في التصوف السادة الأقطاب، ومدارسهم التزكوية والربانية القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، يقولون: هذا هو الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار، وعلامتهم أنهم: لا ينتسبون إلا إلى السنة والجماعة، ولا يتلبسون ببدع الشيعة ولا المعتزلة ولا الخوارج ولا الحشوية، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتعرضون لما حدث بينهم، ويقولون هم السادة الكبار، أخطاؤهم مغمورة في بحار حسناتهم، ويقولون كما أمرهم القرآن: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، ويوالون آل البيت كلهم، ويحبونهم جميعا، بل يعشقونهم، ولا يرضون أبدا لما نالهم من الأذى، والحاصل: أنّ الصوفية يجمعون بين حب الصحابة حبا جما، وحب أهل البيت حبا جما، ولا يجعلون هناك تناقضا بين حب الصحابة وحب أهل البيت، بل كلاهما من مشكاة واحده، هؤلاء صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودائما يقولون اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الاطهار وصحبه الأبرار، فهذه بعض مفرداتهم فيما يتعلق بالجماعة الناجية أهل السنة والجماعة.
(4) أهل التصوف الحق ينظرون إلى الامة بأن الله تعالى أكرم الأمة بعوامل عديدة تمثل أصول الإسلام التي يمكن أن تكون أصول التصالح والتعايش بين جميع المسلمين، ومن أهم تلك العوامل: (العامل الاول): الانتساب المجمل إلى دين الإسلام الذي هو دين الله في الأرض وفي السماء قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وقال تعالى وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
و(العامل الثاني): الإله الواحد والرب الواحد والمعبود الواحد وعقيدة جميع المسلمين هي قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وجميع المسلمين يؤمن باللَّه الواحد الأحد المنزه عن الشبيه والمثيل والصاحبة والوالد والولد.
و(العامل الثالث) الرسول الواحد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجميع المسلمين يؤمن به نبيا ورسولاً أرسله اللَّه تعالى إلى الناس كافة وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده.
و(العامل الرابع) القرآن الواحد وجميع المسلمين يؤمنون بالقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
و(العامل الخامس) القبلة الواحدة وكل المسلمين يستقبل القبلة في صلاته.
و(العامل السادس) أصول الدين الواحدة وكل المسلمين متفقون على الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومتفقون على أركان الإسلام الخمسة شهادة أن لا اله إلا اللّه وان محمدا رسول اللّه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا.
و(العامل السابع): العبادات الواحدة تجمع جميع المسلمين، فالصلاة واحدة فلا خلاف بينهم حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها وبقية أركانها والصيام في شهر رمضان واحد والزكاة واحدة وهي النصاب الذي فرضه اللَّه في أموال الأغنياء يتفق عليه جميع المسلمين والحج واحد والحلال بين والحرام بين والفرائض معلومة والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من أهل الإسلام.
و(العامل الثامن) الانتماء الواحد: فجميع المسلمين ينتمي إلى أمة الإسلام وقد قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
و(العامل التاسع) الخطر المشترك الواحد قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، فلابد مناص من الوحدة والتكامل بين كافة طوائف الامة من أجل مواجهة الاخطار الخارجية.
و(العامل العاشر) مرونة الشريعة التي تقبل التصالح بين كافة الطوائف المنتسبة إلى الإسلام فإن الله تعالى أراد لشريعة الإسلام ان تصلح لكل زمان ولكافة العقول والافهام فأكرمها بوجود نوعين من الادلة الدليل القطعي الذي يجتمع عليه المسلمون والدليل الظني الذي يعطي مساحة واسعة للاجتهاد والخلاف ومن سماحة الشرع أنّ من اجتهد فيما تعلق بالأدلة الظنية فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد بمعنى أنه لا يحرم الأجر ومن رحمة الله تعالى بالمسلمين أن أكثر قضايا الخلاف في الأمة هي القضايا الظنية، والعموميات أكثرها ظني الدلالة وإن كانت قطعية المتن وذلك لكثرة ما يرد عليها من التخصيص، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تكون مفصالا بين الحق والباطل، بل يتسع فيها الإعذار، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم.
(5) الصوفية هو الاوسع إدراكا والأعمق فهما ومعرفة بأحكام السياسة الشرعية، وعلم السياسة الشرعية علم شائك لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرحماء بهم، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، لقد قام اهل التصوف الحق على ثغر هذا العلم فأجلوا لبناته وأرسوا قواعده ومن اهم تلك اللبنات:
[أ] طاعة أولياء الأمور من طاعة الله ورسوله: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني)) [([37]) . ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ)) ([38]) .
[ب] نصح الأمراء لا يكون إلا بالقول اللين، قال تعالى – آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 43، 44]، ويؤيده قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 17 إلى 19]، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم.
[ت] الملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة فلا يجوز التطلع إليها: قال تعالى: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258]، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها، ولا أن يزاحم أهلها فيها، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها، وقد أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه))،
[ث] الملك هبة ومنة من الله، وفي وجود الملك استتباب المصالح، وفي غيابه فساد الأرض: قال تعالى: – على لسان نبي الله يوسف عليه السلام -: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 101]، فدل ذلك على أنّ الملك منّة ونعمة من الله تعالى، يؤتيه من يشاء، وقال تعالى – في قصة طالوت وجالوت وإيتاء الله تعالى الملك لنبيه داود عليه السلام -: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]، فقد امتن الله تعالى على بني اسرائيل بأنّه سبحانه آتى دواد الملك والحكمة والعلم، ثم قال سبحانه: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}، معناه: لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ}، فوجود الحاكم منّة ونعمة من الله تعالى، لأن في وجوده استتباب المصالح، وفي غيابه فساد الأرض.
[ج] لا يصح منازعة الامر أهله: أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ((دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)) ([39]) .
وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال ((السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا)) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم ((وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ))، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، ((إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ))،
[ح] طاعة الحاكم المسلم وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك: أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)) ([40]) .
وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين،
[خ] لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم ما أقام الصلاة: أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة)) ([41]) .
[د] لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم الذي يصلي: أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا)) ([42]) .
[ذ] اثم الحاكم على نفسه وبركة وجوده على المجتمع: أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أو فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)) ([43]) .
دل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ))،
[ر] خطورة الخروج على الحاكم المسلم: أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَــالَ: ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)) ([44]) .
وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر))، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، ((مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً))،
[ز] السمع والطاعة للأمير ولو كان لا يصلح للإمارة: أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) ([45]) .
وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا.
[س] أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ)) ([46]) . وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا.
[ش] التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام: أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) ([47]) . وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام.
[ص] سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج: أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) ([48]) .
وأخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) ([49]) .
[ض] الصبر على جور الحكام: أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال: ((أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلى الله عليه وآله وسلم)) ([50]) . وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام.
[ط] الحرص على نصيحة الحكام وعدم مخالفتهم حتى لا تختلف الكلمة عليهم،: لما أخرجه مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا: لمن ؟ قال: للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم)) ([51]) .
وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم، وأخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: ((قال لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها ؟ قال قلتُ: فما تأمرني ؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها . فإن أدركتَها معهم فصلِّ، فإنها لكَ نافلةً)) ([52]) .
وفيه الحرص على ملازمة الحكام، حتى في الهيئة والصورة العامة ((فإن أدركتَها معهم فصلِّ))، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم.
[ظ] العهد والبيعة عند اهل التصوف إلتزام لا يُعارض بيعة أولياء الأمور: لأنه ميثاق وبيعـة يقطعها المريد على يـد الشيخ المرشد، من أجل الالتزام بآداب الطريقة، والمداومة على الأذكار والأوراد، وتزكية النفس، وتجديداً لمبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في السير إلى الله، وهذا العهد عهد صحيح لا شبهة فيه يعني الالتزام بالأوراد، ولا يعارض شيئا من قواعد السياسة الشرعية، ولا يُعارض بيعة الحاكم، لأنّ بيعة الحاكم في الطاعة العامة، التي من فارقها قيد شبر فقد فارق الجماعة، ومات ميتة جاهلية، اما بيعة الولي المرشد فهي بيعة صغرى لا تعارض أبدا بيعة الأمير.
***
([11]) مسند أحمد 5/19 ح 2803، سنن الترمذي 4/667 ح 2516.
([12]) صحيح البخاري 3/120 ح 2409.
([13]) مسند أحمد 18/85 ح 11525.
([15]) المصدر السابق 1/126 ح 142.
([16]) صحيح مسلم 3/1457 ح 1825.
([17]) سنن ابي داود 4/570 ح 2949.
([19]) صحيح مسلم 3/1458 ح 1828.
([20]) صحيح البخاري 8/12 ح 6024.
([21]) مسند أحمد 31/244 ح 18928.
([22]) المصدر السابق 29/565 ح18033.
([23]) صحيح البخاري 9/48 ح 7059. صحيح مسلم 4/2207ح 2880.
([24]) صحيح البخاري 8/104 ح 6496.
([25]) صحيح البخاري 3/159 ح 2597، صحيح مسلم 3/1463 ح1832.
([26]) صحيح مسلم 3/1465 ح 1833.
([28]) الطرق الحكمية لابن القيم ص 222.
([29]) الخراج لأبي يوسف ص 123.
([33]) السنن الكبرى للبيهقي 21/28 ح 20818.