الفصل الثاني توحيد جناب الذات تعالى وتقدس
وفيه مباحث:
المبحث الأول:الأدلة علي علم التقديس من الكتاب والسنة.
المبحث الثاني: مفاتيح التقديس المستنبطة عند دراسة بلاغة القرآن.
المبحث الثالث: مفاتيح التقديس المستنبطة عند وجود ظواهر للنصوص مخالفة لقواعد التقديس.
المبحث الرابع: مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس.
المبحث الخامس: قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات.
المبحث السادس: اتفاق مدارس أهل السنة والجماعة علي رؤية الله.
المبحث السابع: الأدلة علي اجماع علماء المدارس المعتمدة علي تقديس جناب الذات.
[تمهيد]: أجمعت مدارس التخصص الإسلامي على انّ عقيدة المسلم في توحيد الذات، أنه سبحانه متصف: بـــ (1) القدم (أول بلا ابتداء) فيمتنع عليه العدم ويمتنع عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث ويمتنع عليه تقدم الزمان، (2) البقاء (آخر بلا انتهاء) فيمتنع عليه الفناء، واجتماع وصفه سبحانه بــ (الأول) بلا ابتداء و (الآخر) بلا انتهاء تقديس عن الزمان، فليس يسبقه زمان، ويمتنع عليه جريان الزمان، لانّ الزمان لا ينتهي بدلالة خلود اهل الجنّة والنار، (3) (الظاهر) فليس فوقه شيء و (الباطن) فليس دونه شيء فيمتنع عليه المكان لأنّ المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن، (4) الأحدية {أحد}، فلا يقبل في ذاته الأجزاء والابعاض، ويمتنع على ذاته قبول الجهات، اليمين واليسار والفوق والتحت والأمام والخلف لأن من كان يمينه غير يساره فهو موصوف بأجزاء تختص باليمين وأجزاء تحتص بالشمال، والجهات لا يعمرها إلا الاجرام والاجسام، (5) الصمدية (صمد}، فيمتنع عليه التركيب والصور والأشكال، (6) الغنى التام {الغني}، فيمتنع عليه الحاجة إلى المكان أو إلى الزمان، فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يجري عليه في ملكه وقت ولا زمان، ولا يحتاج في تدبير ملكه إلى وسيط، (7) الكمال المطلق فيمتنع عليه النقص ويمتنع عليه الحد لأنه نقص عن الكمال، (7) الوحدانية فلا ثاني له في ذاته وصفاته وافعاله فيمتنع عليه الند والمثيل والشريك، (8) القيومية وهي قيامة تعالى بنفسه: فلا يفتقر في وجوده إلى محل، ولا مخصص، ولا يفتقر إلى مكان ولا يجري عليه زمان، والوحدانية: أي لا ثاني له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، (9) نفي المثلية {ليس كمثله شيء}، فيمتنع عليه الجوهر والعرض والجرم والجسم لأنّ كل الموجودات سواه جواهر واعراض وأجسام واجرام، (10) قواعد التقديس لجناب الذات: (أ) نفي الحد فليس لذاته انتهاء، ولا يعني ذلك الامتداد في الآفاق، لأنها صفات الاجسام والله مقدس عنها، (ب) نفي المقدار ومعناه التقديس عن كبر الحجم أو صغره، لأنها خصائص الاجرام والله مقدس عن الجرمية ولوازم الاجرام، فلا تأخذ ذاته في وجودها قدرا من الفراغ (ت) التقديس عن المكان فلا يحويه مكان ولا يحيط به مكان ولا يحتاج في وجوده إلى مكان، (ث) التقديس عن جريان الزمان، فلا يحتاج في تدبير مملكته إلى زمان، ولا يجرى عليه زمان، هو خالق المكان والزمان، فلا يحويه مكان ولا يجري عليه وقت ولا زمان، (ج) التقديس عن الجسمية ولوازم الجسمية، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله، و(الجسمية): دليل على النقص والعجز والقهر والخضوع والحدوث، فلا يصح أبدا نسبتها إلى الخالق الواحد القهار الاحد الصمد الغني الحميد، أما النقص فلأن كل جسم لابد وان يحكمه حد ينتهي إليه ومقدار مقدر عليه، فالجسم مقهور بالحد والنهاية، والنهاية نقص عن الكمال، وكل محدود مخلوق لانّ له إلها خالق حده بهذا الحد وخصه به وقدره على هذا المقدار الذي هو عليه، وهو مقهور عليه، فلا يقدر على غيره، و(الجسمية): دليل على العجز والقهر، لأنّ الجسم مقهور بالكون في مكان يحيط به المكان من كل جهة وإذا انتقل منه انتقل إلى مكان اخر أكبر منه وأوسع منه ويحيط به أيضا فليس يخرج الجسم عن قهر المكان واحاطة المكان، و(الأجسام) لا انفكاك لها عن جريان الزمان عليها وهي مقهورة بقوانين الزمان فلا تستطيع الاجسام العودة إلى الماضي ولا اختراق المستقبل فهي مقهورة بكونها في حاضرها الذي لا ينفك فيه عن جريان قوانين الزمان، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة قبول الأجزاء والابعاض، فالجسم مركب من أجزاء، والمركب من أجزاء محتاج في وجوده إلى أجزائه وأبعاضه، والاحتياج نقص، فالنقص صفة الاجسام ولازم لها، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة التقيد بالصور والأشكال، لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والتركيب صفة الاجسام، والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، فالله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة، والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص والمخصص هو الله تعالى المصور، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور، والصورة تقتضي الكيفية وهي عن جناب الذات منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث، ومن ولوازم الجسمية كذلك الحركة والسكون والتجاور والتباين والاجتماع والافتراق والدخول والخروج، والله تبارك وتعالى منزه تلك اللوازم، فهو مقدس عن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان للجسم في محل واحد، ولأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، وتقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
و [الخلاصة في تقديس الذات]: القدم فلا تقبل العدم والاولية فلا تقبل الابتداء، والبقاء فلا تقبل الفناء والأخروية فلا تقبل الانتهاء، والواحدية فلا تقبل الشريك ولا الند ولا المثيل والاحدية فلا تقبل الأجزاء والابعاض ولا الكون في المكان ولا جريان الزمان ولا الحد ولا المقدار والصمدية فلا تقبل التركيب ولا الصور ولا الأشكال، والتقديس عن الجرمية والجسمية فلا تقبل الكبر ولا الصغر الحسيين ولا اليمين ولا اليسار ولا الفوق ولا التحت ولا الامام ولا الخلف ولا الدخول ولا الخروج ولا الحركة ولا السكون ولا الاتحاد ولا الحلول ولا الاتصال ولا الانفصال ولا التغير والحدوث، تقدس جناب الذات عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والعجز عن الادراك هو التوحيد والتقديس، وهذه عقيدة عليها الإجماع عند مدارس المسلمين، الأثرية والأشعرية والماتريدية، والعجيب كذلك أنه قد اتفقت عليه كذلك كلمة جميع الفرق الضالة سوى اهل الحشو والتجسيم، ولذلك فإنّ كل من لم يقبل بهذه العقيدة في جناب الذات فهو إما حشوي جاهل وإما مجسم ضال، أما من يجهر بمعارضة هذا التقديس والتنزيه فهو ضال مضل صاحب بدعة وضلالة وأما من ألف الكتب في معارضة تلك الأصول فهو ليس من الضالين فحسب بل هو من قطاع الطرق على الحق المبين، ومن الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا، ونحتاج في هذا الامر إلى عدة مباحث، (1) الأدلة على ذلك التقديس من الكتاب والسنّة، (2) الأدلة على ذلك التقديس من اجماع المدارس، (3) المتشابهات من النصوص المعارضة للتقديس وردها إلى امهاتها من المحكم وبيان حل اشكالاتها، (4) ما سر الخلاف بين مدارس أهل الإسلام قاطبة في التقديس وبين أهل الحشو والتجسيم، (5) قواعد التقديس المجمع عليها عند اهل السنّة والجماعة ومن خالفها فليس من اهل السنّة والجماعة.
المبحث الأول الأدلة على علم التقديس من الكتاب والسنّة
[1] مفاتيح علم التقديس المستنبطة من سورة الإخلاص .
[2] مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
[3] مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
[4] مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}
[5] مفاتيح علم التقديس المستنبطة من آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم.
[6] مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة .
[1]
مفاتيح علم التقديس المستنبطة من سورة الإخلاص
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}
[المفتاح الأول]: سورة الإخلاص سورة محكمة تعدل ثلث القرآن لذلك يجب التوسع في فهم معانيها: سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ({قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن) ([1]) .إذن (سورة الإخلاص): يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن، ومعنى ذلك أنها تحمل من علوم الدين لا سيما علم التوحيد، الكثير والكثير، وما دامت مُحكمة فوجب التوسع في فهم معانيها وتدبر ما ترمي إليه من معاني التوحيد، والتقديس لأن النهي القرآني إنما كان قاصرا على تتبع المتشابه، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم)([2]) .
فسورة الإخلاص من المحكمات لا حرج من التوسع في فهمها وتفسيرها لأنها عند فهم معانيها إنما تتحدث عن تقديس الذات ونفي الادراك ونفي المثلية عن جناب الذات أما المتشابه الذي نُهينا عن تتبعه فإنما هو كل ما يتعلق بتكييف الذات وأهل الزيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، التي ترسم في أذهانهم المريضة شكل الذات والله منزه عن الأشكال كلها لأنها علامات الخلق، تدل على ان لها خالق خصصها بأشكالها وصورها، والله خالق لا مخلوق، مُصَوِرٌ لا مُصَوَر، قاهر لا مقهور، أما أهل التقديس فإنهم يرومون تنزيه الذات وتقديسها وتسبيحها بتتبع المحكمات، وتجنب المتشابهات،
[المفتاح الثاني]: سورة الإخلاص تتحدث عن ذات الله: فقد ورد في سبب نزولها: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذات الله، وصفة الرحمن علمنا انّها تتخصص في فسم توحيد الذات، فقد أخرج البخاري ومسلم: من حديث من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه) ([3]) . وسبب نزول السورة كما جاء عند الترمذي ، وأحمد والحاكم ، والبيهقي في “الشعب”، من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله: {قل هو الله أحد * الله الصمد})([4]) . ، وأخرج البيهقي في “الأسماء والصفات” عن ابن عباس، (أن اليهود، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد، صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله عز وجل هذه السورة) ([5]) . فقولهم انسب لنا ربك وصف لنا ربك إن كان القصد منه الحديث عن الصفات لكان الجواب بأن الله حي قيوم سميع بصير عليم على كل شيء قدير، ولكن لما كانت الإجابة بقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} علمنا انهم يسألون عن جناب الذات تعالى وتقدس، فجاء التقديس والتنزيه بذكر الاحدية والصمدية ونفي الابوة والبنوة ونفي المثلية، فالأحدية لمن تدبرها -وسيأتي بيان ذلك- تقديس لجناب الذات عن الإدراك، غيب مطلق لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى ونفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها من قبول الأعضاء والاجزاء، فهذا كله منتفٍ عن ذات الله تعالى، والصمدية لمن عرفها -وسيأتي بيان ذلك- تقديس لله عن الحاجة، وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الازلي، وسلب أي معنى من معاني الحدوث عن جناب الذات، فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق، ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علما.
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تشتمل على أربعة أصول عظيمة تقوم عليها عقيدة اهل الإسلام، (الأصل الأول): (الله أحد) وصف الله تعالى بالأحدية، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (الأحدية) تعني، أنه أحد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (الاحد) يكون بنفي الكثرة في الذات وينفي تبعض الذات، تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، {قل هو الله أحد}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، (الاحدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
و(الأصل الثاني): (الله الصمد) وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة، ومعناها الغنى المطلق والكمال المطلق، له كمال الحياة والقيومية، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج، ومن معاني الصمدية الثبات وعدم قبول التغير والحدوث، والله له القدم الازلي فلا يقبل التغير ولا الحدوث، و (الصمدية المطلقة) علم واسع لا حد له وبحر محيط من التعظيم والتقديس والتنزيه لا ساحل له سيأتي بيان بعضه إن شاء الله.
و(الأصل الثالث) {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: تنزيهه سبحانه عن الحدوث وحلول الحوادث فلا يكون منه شيء سبحانه ولا يكون هو من شيء، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ولا يصح أن يكون له ابن أو أب لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وصف لله تعالى بالقدم الذاتي الأزلي {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث.
و(الأصل الرابع): {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}:تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلائق لأن له الكمال المطلق والغنى المطلق، ولها العجز والحاجة والفقر إليه، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس كمثله شيء، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ولهذه المعاني التقديسية المحكمة عَدَلَتْ سورة الإخلاص ثُلُثَ القرآن.
[المفتاح الرابع]: معنى اسم الله (الأحد): جاء في معاجم اللغة وفي تفاسير القرآن: (الأحَد): اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: الواحد الذي لا نظير له ولا شبيه ولا عديل، (الاحد): الفرد الذي لا شبيه له ولا نظير، (الأحد) المُنفرِد بوحدانيَّته في ذاته، (الأحد) هو الذي لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل، وكلها معان صحيحة، فالأحد تعالى هو الواحد الذي لا نظير له ولا شبيه ولا عديل، وهو الفرد الذي لا شبيه له ولا نظير، وهو المنفرد بالوحدانية في جناب ذاته وهو الذي تتصف ذاته بالاحدية فلا تقبل ذاته التجزء ولا التبعص ولا الانقسام، وهذا المعنى الاخير هو المقصود عند حديثنا عن علم التقديس والتنزيه.
[المفتاح الخامس]: أخص معاني الاحدية: نفي الكثرة والانقسام في ذات الله، فالله (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، و (الأحدية) تعني انتفاء الكثرة من جناب ذاته، فأحدية الذات معناها نفي الانقسام ونفي التجزؤ ونفي التركيب ونفي التبعيض، وهذا كله حق لا مرية فيه فإن الذي يقبل الانفسام لا تكون له الاحدية المطلقة من كل جهة، والذي يقبل التجزؤ والتبعض في ذاته لا تكون له الاحدية المطلقة ولا يصح ان يكون إلها لأن شرط الإلهية الغنى المطلق ومن كان مركبا من اجزاء وابعاض فإنه يكون محتاجا لها في وجود ذاته والله تعالى له الغنى المطلق مقدس عن الاحتياج وبالتالي مقدس عن التركيب، ومن كان محتاجا فلا يكون إلها أبدا، ومن كانت ذاته تقبل الانقسام او التركيب او التبعيض فلا يكون أحدا أبدا ولا يكون له الغنى الكامل، فوجب صحة هذه المعاني لاسم الله (الاحد)
(فائدة) أجمعت الامة عدا المجسمة الضالة على تقديس الله عن التبعض والتجزؤ، لدلالة اسم الله الاحد على منع قبول الأجزاء والأبعاض والجوارح، وكذلك فإن ذات الإله إذا قبلت الانقسام فهذا يعني تعدد الآلهة لأنّ كل قسم سيكون إلها، وهذا اكبر الشرك بالله، فالله تعالى له الأحدية التي تنفي الكثرة والانقسام على ذات الله.
[المفتاح السادس]: الفرق بين اسمي الله (الواحد) و (الأحد): الواحد توحيد خارج الذات فهو اواحد لا شريك له، و(الاحد) توحيد في جناب ذاته، فلا ينقسم ولا يتبعض، فلا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، (واحد): تقدست ذاته عن الشريك، و (أحد): تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، ولذلك عندما رد القرآن الكريم على المشركين الذين يشركون مع الله غيره قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة:163]، وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ} [النساء:171]، وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، وقال تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الانعام:19]، فعبر بلفظ (واحد) على أنه واحد لا شريك له، أما عندما أراد الله ان يصف ذاته قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، والحاصل: (الواحدية) نفي الشريك عن الله، و(الأحدية) نفي الكثرة في ذات الله، فالله (واحد): لا شريك له، (أحد): لا يقبل التجزؤ ولا الانقسام، (التوحيد الواحدي): يكون بنفي تعدد الإلهية، (لا إله إلا الله)، قال تعالى:{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص: 65]، و(التوحيد الأحدي): ينفي التكثر في الذات وينفي تبعض الذات، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، (واحد) لا يقبل الاثنينية، (أحد): لا يقبل الانقسام والجزئية، فهو (واحد): تقدست ذاته عن الشريك، وهو (أحد): تقدست ذاته عن التأليف والتركيب، (واحد) ليس له في الوجود شريك، (أحد) ليس له في ذاته شبيه ولا مثيل، والحاصل من اجتماع الاسمين (الواحد والاحد): التوحيد الكامل والتقديس المطلق، الواحد نفي الشريك عن الذات والاحد نفي الكثرة في جناب الذات، ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما.
[المفتاح السابع]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة، و(الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات وهي تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وبالتالي تعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى (أحد) له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها من الصور والأشكال والأطوال والاوزان والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء و كل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، هذا هو الأصل الأول الأحدية المطلقة لله.
[المفتاح الثامن]: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: الاحدية تضاد الكثرة وتضاد الانقسام، ولهذا كان من مسلمات عقيدة التقديس عند علماء الأصول ما قاله الحافظ ابن عساكر: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([6]) .
وذلك لأنّ الأحدية تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، فكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل من كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، والحاصل جناب الذات الإلهي له الاحدية المطلقة، موجود بلا كيف والعجز عن الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك،
[المفتاح التاسع]: (الأحدية) لها معنى و (الاحدية المطلقة) لها معنى أوسع، ومثال ذلك الله تعالى له قدرة والإنسان له قدرة ولكن قدرة الإنسان محدودة، وقدرة الله مطلقة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهكذا السمع والبصر سمع الإنسان محدود وبصره محدود فلا يسمع ولا يبصر إلا ما تقوى أجهزته السمعية والبصرية على استيعابه أما سمع الله تعالى فهو مطلق يسمع كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فالأصوات كلها منكشفة على سمع الله منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد لا يغيب عن سمعه مسموع هذا هو السمع المطلق والمقدس عن الزمان، كذلك له البصر المطلق الذي لا يغيب عن بصره شيء في الماضي والحاضر والمستقبل كل ذلك عنده سواء، محيط بكل زمان، وكل الأشياء بكل الأزمان منكشفة على بصر الله وهو بكل شيء سميع بصير عليم شهيد، كل إنسان له معنى محدود من بعض معاني الأحدية، فلا تجد إنسانا يشبه آخر أبدا لا في بصمة يده ولا في بصمة عينه ولا في بصمة صوته، ولا في صورته، ولا في حمضه الوراثي، فليس انسان يشبه آخر أبدا، وهذا معنى يسير من معاني الأحدية، ولكن لا يصح أن نقول أن كل إنسان أحد، إلا في مقام النفي فقط، وذلك لأنه جسم يقبل الأجزاء والابعاض، وأخص معاني الاحدية امتناع الكثرة والانقسام، أما (الله) تعالى فله الأحدية المطلقة التي تمنع من إمكان تصوره أو تخيله فلا تدركه الأبصار ولا نحيط به علما.
(الأحدية المطلقة) توحيد في نفس جناب الذات لأن الأحدية تمنع من تصور الكثرة فيها أبدا أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، والأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والاحجام لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بالصورة أو الجارحة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك: الوجه واليد والعين في (اللغة) اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات، وألفاظ (اليد والوجه والعين) متشابهات لأنها في اللغة أجزاء من ذات، والله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الاجزاء والابعاض.
و{اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام.
[المفتاح العاشر]: معنى اسم الله الصمد: جاء في معاجم اللغة وتفاسير القرآن: (الصمد): اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: هو السيد الذي قد كَمُلَ في سُؤْدُدِه، وقيل الصمد: هو الدائم بعد فناء الخلق، وقيل هو الباقي الذي لا يزول، وقيل: هو الكامل الأوصاف من كل الوجوه، وقيل أنّ الصمد بمعنى مفعول أي مقصود، أي السيِّدُ المقصودُ، والمصمود في الحوائج، تصمد إليه المخلوقات في حاجاتها، أي تقصده في الحاجات والرغائب، وتستغيث به عند المصائب، فتسأله وترجوه، وقيل هو الكامل في صفاته، وهو العظيم في أفعاله، وهو السيد الذي انتهى سؤدده، المستغني عن كلِ أحد، والمحتاج إليه كلُّ أحد، وقيل انّ الصمد الذي لا جوف له، والذي لا يأكل ولا يشرب، ولا يشبه المخلوقين، فالمخلوق له جوف يأكل ويشرب، أما الله سبحانه فهو الصمد المنزّه عن مشابهة المخلوقين، وقيل (الصمد) الغنى الذي له الغنى المطلق، والكامل الذي له الكمال المطلق، وقيل (الصمد) هو المنزه عن الحاجة، وقيل (الصمد) هو المنزه عن التغير والتأثر كما يُقال جبل صمد أي لا يتغير يصمد أمام عوامل التغيير، وكل تلك المعاني صحيحة والله تعالى هو الصمد الذي له الكمال المطلق والغنى المطلق، وله تمام الغنى والحمد، منزه عن الحاجة، ويحتاج إليه كل عباده، وهو الذي ليس كمثله شيء، وهو السيد الذي كمل في ذاته وصفاته وأفعاله، وأخص معاني الصمدية هي الكمال المطلق من كل جهة، والكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا عن الكمال، والكمال المطلق لا يقبل النقصان، ولو قبل النقص لم يكن إلها له الربوبية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو.
[المفتاح الحادي عشر]: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة والكمال المطلق والغنى المطلق وسلب أي معنى من معاني النقص والحاجة والافتقار والتركيب عن جناب الذات: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: من أسماء الله الحسنى الدالة على الكمال المطلق: اسم الله (الصمد) أي السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ، والْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ عَظُمَ فِي عَظَمَتِهِ، والْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، ووصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، يستحيل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة.
(الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، و (الصمد) اسم من أسماء الله الحسنى، ورد مرة واحدة في القرآن العظيم، في سورة الإخلاص، و (الصمد) هو الغني المطلق والحميد المطلق وهو الذي لا يحتاج أحداً، وبذلك فليس هناك من (صمد) في هذا الوجود سوى الله عز وجل هو (الصمد)، و (الصمد) هو المقصود في الحوائج تقول (صمد للشيء) أي قصده، و (الله الصمد) أي هو المقصود في الحوائج، و (الصمد) هو المخالف للحوادث الذي لا يتغير ولا يقبل التغير، ففي المعاجم: (صمد فلان للضرب) أي ثبت و تحمل فلم يتأثر بالضرب، و (صمد الجيش للعدو) بمعنى ثبت لهجماتهم و لم يتأثر بها، والجبل (الصمد) لان الجبل لا يتأثر بالحوادث، و (الصمد) هو الذي لا تدرك العقول حقائق نعوته وصفاته، كما قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}، تعظيم الحق عن الإحاطة، وإجلاله عن الإدراك، إذ كل ما تصور عند الخلق عن الحق فالحق بخلافه، لأن المخلوق مسبوق، والمسبوق غير محيط بالسابق، (الصمد) هو الإله الرب الذي له الكمال المطلق في كل شيء، هو الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله.
(الصمدية المطلقة): معناها كمال الحياة والقيومية، وتمام الغنى والحمد، له الحياة والقيومية على الدوام، وله الغنى التام والحمد على الدوام، منزه عن الحاجة، (صمد) يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء، محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ، ولا ينقسم وهو الصمد المنزه عن التركيب والاحتياج.
[المفتاح الثاني عشر]: (الصمدية المطلقة والكمال المطلق لله): من خصائص اسم الله الصمد: أنه دال على الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، والكمال المطلق يمنع من وجود الند والشريك والمثيل والمعين، الكمال المطلق يوجب لجناب الذات القدم الأزلي الذي يمنع من الحدوث وقبول الحوادث، ويوجب له العلم المطلق فلا يغيب عنه معلوم، والسمع المطلق فلا يغيب عنه مسموع، وله البصر المطلق فلا يغيب عنه شيء، وله المشيئة المطلقة والإرادة النافذة، والقدرة التامة فلا يعجزه شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، (الكمال المطلق) لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها أصلا، (الكمال المطلق لا يقبل الحوادث)، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، والكمال المطلق لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والكمال المطلق أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، الله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته، الكمال المطلق يضاد الحد والتناهي، لان كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لكماله المطلق، منزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية.
[المفتاح الثالث عشر]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: وصف الله تعالى بالقدم الأزلي (أول بلا ابتداء) وتنزيهه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، (معاني القدم الأزلي لله): القدم الأزلي هو الأولية التي جاءت في قول الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([7]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره) ([8]). ومعناه أنه لا أول لوجوده تعالى وأنه لم يسبقه عدم، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([9]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته وأسماءه وصفاته، و(القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان والله تعالى كانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما.
[أخص صفات (القديم الذاتي)]: أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، الأول الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، ولو قبل الحوادث لم يؤمن عليه من الفناء، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، (القدم الذاتي) يمنع من الحد والبداية والنهاية، لان ما له حد فهو محدث لقبوله الحد، وما له بداية فهو محدث لقبوله البداية، وما له نهاية فهو محدث لقبوله النهاية، (القدم الذاتي) يمنع من الصور والأشكال لان ما له صورة فهو محدث لقبوله التركيب لان الصور لا تنشأ إلا من التركيب، قال تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك}، (القدم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة.
(جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
إنّ من يُجيز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]
ومن الأدلة على بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث، أنّ الحوادث هي ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، فلهذا يستحيل علي القديم الأزلي أن يكون محلاًّ للحوادث، إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين الخالق الأزلي القديم وبين المخلوق الحادث، سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، ومن جهلهم أيضا بما يستحقه جناب الذات من الكمال المطلق: أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، وهكذا حدوا صفة الكلام التي لا حد لها، ولازم قولهم أن القرآن محدث وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة قائمة بذات الله، هم جعلوا الكلام مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم الباطل لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)
و(الخلاصة): أنّ (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث ولا تحل بذاته الحوادث، و (شرط القديم) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، وقد اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وأخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم.
(تنبيه أول): الله تعالى ليس كمثله شيء وليس كمثل صفاته صفات، فالسمع عندما نطلقه صفة لله يختلف عن معناه إذا أطلق صفة للإنسان، فنحن لا نعرف حقائق صفات الله، ولا نستطيع إدراك حقيقة السمع القديم المنزه عن الحدث وعن الزمان، فالمعنى المراد من السمع على سبيل المثال يغاير ما نعلمه من صفة السمع من كل الجهات إلا جهة اللفظ وجهة الارتباط، ومعنى جهة الارتباط أنّ الله يسمع الأصوات، لأنه هو السميع البصير ولأن له صفة السمع، ولكن الله تعالى يسمع بسمعه القديم المقدس عن الزمان فتعلق سمع الله بالأصوات ليس كتعلق سمع البشر بالأصوات فنحن نسمع الأصوات في زمان حدوثها وقد تقدم بنا العلم فامكن تسجيلها وسماعها في المستقبل ولو قلت لاحد من مائتين عام مثلا أننا يمكن ان نسمع الأصوات الحاضرة في المستقبل لما استوعب ذلك والآن يستوعب ذلك، فلم لا نستوعب أن سمع الله قديم تنكشف عليه جميع الأصوات مقدسة عن جريان الزمان ولا تختلط عليه الأصوات، فمن ثم نثبت لله سمعا ليس كمثله شيء صفة قديمة ازلية قائمة بذات الله تعالى تتعلق بالمسموعات تعلق انكشاف، لا ندري حقيقتها ولا تفاصيلها ولا نستوعب ذلك لعجز علمنا عن بلوغ حقائق الصفات الإلهية، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فالأصوات اعراض تحدث متتالية يحكمها الزمان فيستحيل علينا الإحاطة بها عند تعلقها بالله كصفة قديمة ازلية مقدسة عن الزمان والمكان، فمقولة الصفة معلومة والكيف مجهول افتئات على صفات الله القديمة الازلية، لأنها عبارة قاصرة عن بيان الحقيقة لانّ حقائق صفة السمع القديم المتعلق بالله والذي به تنكشف كل المسموعات عبر المكان والزمان، والزمان لا ينقطع لبقاء أصوات اهل الجنة واهل النار بلا انقطاع إلى ما لا نهاية، فحقيقة صفة سمع الله تعالى عندنا لا نحيط بها علما ولا يعلمها إلا الله، فمع أنّ السمع صفة واحدة لا تتبعض وهي صفة كمال محكمة لأنّ من أسماء الله الحسنى السميع وضدها الصمم صفة نقص يستحيل نسبتها إلى الله، ومع ذلك فنحن لا نعلم عنها سوى اثباتها لله من جهة اللفظ وجهة الارتباط، بمعنى أنّ الله يسمع كلامنا أما أهل الحشو والتجسيم فيظنون انّ الله تعالى يجري عليه زمان فتتجدد له صفة السمع كلما تكلم مخلوق فهو يسمع حين كلامنا ويبصر حين وجودنا ويتجدد له السمع والبصر والعلم كل لحظة بمليارات المعلومات والصور والتسجيلات هذا ظنهم في الله وهذا تكييفهم لصفات الكمال فإنا لله وإنا إليه راجعون ولازم قولهم ان الله تعالى علوا كبيرا تتجدد له المعلومات والمسموعات والمبصرات كل لحظة وحين ومعنى ذلك ان صفاته جل وعلا تقبل الزيادة ومن قبل الزيادة كان قبلها ناقص عن الكمال بمقدار الزيادة التي زادت في تلك اللحظة وهكذا، فعندهم الإله تتجدد صفاته في كل لحظة، وهذا هو الافول الذي استدل به نبي الله إبراهيم عليه السلام في نفي الإلهية ومعناه التغير والحدوث، فالذي تتغير صفاته بفعل خلقه ليس إلها ولا له الكمال المطلق لان تعريف الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا وإن قبل النقصان وتقدس الله عن النقصان لم يكن إلها، فتعالى الله عما يصفون نعوذ بالله تعالى عن الجهل وأهله.
(تنبيه ثان) مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث؟، وهل آحاد الشيء تخالف جنسه؟، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام، ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور،
[المفتاح الرابع عشر]: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: أنه تعالى خالق كل موجود، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {لَمْ يَلِدْ}: لا يصح أن يكون له ابن، {وَلَمْ يُولَدْ}: ولا يصح أن يكون له أب، لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، والنصارى من أجهل الناس بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والكل، لأنه لا يُعرف بالحس، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95]، ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ}:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ}، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الانعام: 76]، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً، وإلهاً معبوداً، وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الثالث قواعد التوحيد والتقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي، القاعدة الرابعة من قواعد التوحيد والتقديس، تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، والله المستعان.
[المفتاح الخامس عشر]: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود موجود بلا كيف وبلا مكان ولا يجرى عليه زمان وهو الموجود في الأزل قبل المكان والزمان وهو القاهر للمكان والزمان وهو الخالق لقوانين المكان والزمان والمكان محدود والله منزه عن الحدود فلا يحل المنزه عن الحدود في المحدود تقدس الخالق أن يحل في شيء من خلقه وتقدس القديم الباقي أن يحل في المحدث الفاني سبحانه رب العالمين ومن عداه عبد مربوب سبحانه إله غني قادر قاهر ومن عداه عبد ضعيف فقير مقهور، هو الخالق البارئ المصور ومن عداه مخلوق مصور هو المصور خالق الصور والأشكال تقدس البارئ المصورُ أن يكون مُصَورا والصور لا تنشأ إلا بالتركيب فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ، تقدس المصورُ ان يكون مصورا وتقدس المركبُ أن يكون مركبا وتقدس القاهر لخلقه بالصور والأشكال أن يكون مقهورا بها يستحيل عليه الشريك والند والكفء والمثيل والوالد والولد والصاحبة، أحد صمد يستحيل عليه الجسمية ولوازمها من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، أحد صمد يستحيل عليه التحيّز والاختصاص بالجهات بل هو القريب من كل خلقه ليس شيء منها عنه ببعيد أحد صمد لم يلد ولم يولد يستحيل عليه التغير والحدوث لأنها صفات المخلوق المحدث، ويستحيل عليه كافة النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم عن جناب ذاته فهو باطل ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو ولا إله إلا هو.
ومما يؤيد بالقرآن الكريم نفي المثلية عن الله: قوله سبحانه: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وهذه الآية أقوى سوط على ظهور الحشوية، لأنها تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم ما هي إلا تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، الحركة والسكون، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة.
قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، إنّ نفي المثليه في قوله تعالى {ليس كمثله شيء} يتعلق بجناب الذات، ولذلك قال العلماء المتخصصون في العقيدة – ولا ينبئك مثل خبير -: أنّ من صفات الكمال الواجبة لله تعالى: (صفة المخالفة للحوادث): فليس جناب ذاته من جنس أي شيء نراه في الكون، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
[المفتاح السادس عشر]: كل آيات سورة الإخلاص تفيد التقديس عن المثلية، فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، (الاحدية) تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناه أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، مما يؤكد نفي المثلية، قوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، ولا يكون إلها.
(الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، مما يؤكد نفي المثلية، قوله تعالى: {لم يلد ولم يولد}: {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، وخاتمة السورة {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: نص إلهي في تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته أو حقائق صفاته أو أفعاله لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس وهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، وهذا ما جعل الإمام أحمد يقول في عقيدته التي ذكرها أبو الفضل التميمي (لا يجوز أن يسمى جسما، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([10]) .
[العقيدة ج: 1 ص: 111]، وقال عبدالباقي بن عبدالقادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال) أهـ ([11]) .والمستفاد أن الله تعالى تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين – عدا المشبهة – بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، إذ {ليس كمثله شيء} و {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
[المفتاح السابع عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الإدراك: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، ولا يحيطون به علما، وهو ما يسميه علماء الأصول: العجز عن الإدراك، و(الأحدية المطلقة): تنفي الإدراك عن جناب الذات، الاحدية تضاد الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، والاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، و(الأحدية) تمنع من الأجزاء والابعاض فلا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس، وهنا يقول أهل الحشو عندما يسمعون هذا التقديس: قف: أنت تعبد العدم، لا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق ولا تحت ولا أمام ولا وراء، عدم، انتم تعبدون العدم، نقول لهم: (الكل والبعض واليمين واليسار والفوق والتحت والأمام والوراء صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، وليست صفات الأحد المقدس عن الجزئية، أنتم تقيسون الله على الأجسام المنقسمة المحدودة المصورة، التي تقبل الصور والأشكال والكون في المكان، فإما الحشو والتكييف وإما أن تتهموننا بأننا نعبد العدم، هل العدم يخلق ويرزق، هل العدم له الكمال المطلق، هل العدم له القدم الازلي، هل العدم له الأسماء الحسنى والصفات العلا، العدم عدم، وأنتم بالجهل تعبدون جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والأشكال، واذا استوى على العرش يأخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام، أنتم اهل تكييف وتجسيم، ونحن لسنا ملاحدة نعبد العدم وانتم تعرفون ذلك، بل نعبد الله على التقديس والتنزيه، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، ومنه قول الطحاوي: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات) أهـ ([12]) .
وقول الحافظ ابن عساكر: (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف كان، كان ولا مكان، كَوّن الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([13]) .
فالأحدية تمنع من الإدراك.
[المفتاح الثامن عشر]: الصمدية كذلك تمنع من الإدراك: فهم معاني الصمدية المطلقة فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس عن الإدراك: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، الصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، والله تعالى هو المصور، جل المصور أن يكون مضورا، من خصائص الصمدية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، الكمال المطلق دائم لا يزول، لا يفنى ولا يبيد،
[المفتاح التاسع عشر]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الحد: (الحد): ينافي الأحدية لأن الحد يعني النهاية في جهة من الجهات وهذا يوجب الكثرة والانقسام والأحد منزه عن الكثرة والانقسام فلزم التنزيه عن الحد كما أنّ التناهي في جناب ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف الله تعالى به، والشيء المحدود يمكن تصور ما هو أكبر منه والله تعالى أكبر من كل تصور وأكبر من كل حد وأكبر من كل نهاية وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات، و (الحد) ينافي الصمدية، لأنّ الصمدية تقديس عن التركيب، والشيء المركب لابد وان يكون محدودا، والصمدية تعني الكمال المطلق، والكمال المطلق أن لا يكون هناك حد ونهاية ينتهي إليها جناب ذاته وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، كيف وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات كيف وهو الواحد القهار القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته وكتب النهايات على كل محدود ليدل بحده على أنه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، والقاعدة تقول كل ما يقبل الحد فهو محدود والمحدود متناهي الذات وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية، {لم يلد ولم يولد} تقديس عن الحدوث، وكل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص وتعالى الخالق عن أن يكون لذاته مخصص لأنه الخالق المقدر لجميع المخلوقات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار، وذلك محال لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء، {ولم يكن له كفوا أحد}: تقديس عن الحد، لأنه لا مخلوق إلا وله حد، ونفي المثلية يستوجب التقديس عن الحد لأنه ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد، (تنبيه): ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق، (وبالتالي) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن جناب الذات منزه عن الحد المحسوس لأنه نقص ولأن كل محدود محدث مخلوق لا يتصف بالقدم ولا بالكمال، وعن المقدار لأن كل مقدر مخلوق، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل جناب ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، فالذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى {ليس كمثله شيء} وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود
[المفتاح العشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الكيف، والله تعالى خالق الكيفيات تقدس عن مشابهتها، و(الكيفيات) لمن لا يعرف معناه، هي كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى أزلي قديم الذات والصفات منزه عن التغير والحدوث ومنزه عن تلك جميع الكيفيات ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، و(الأحدية المطلقة): تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية، و(الصمدية المطلقة): تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية، و(القدم الأزلي): المتمثل في قوله تعالى {لم يلد ولم يولد}: تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية، لأنّ الأجسام محدثة بسبب التركيب الذي هو اخص صفاتها، ونفي المثلية المتمثل في قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا احد}: تقديس لله عن الجسمية وجميع لوازمها من الكيفيات الحسية لأنّ جميع المخلوقات اجسام والله ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، إنّ الصور والاشكال والاوصاف والأحجام والمقادير والأوزان والألوان والاصوات والملموسات كالخشونة والنعومة والطعوم والروائح والحرارة والبرودة واللذة والالم، بل وعامة المشاعر والاحاسيس وكل ما يفيد التغير والحدوث كالحركة والسكون والجلوس والقيام والذهاب والمجيء فكلها من خواص الاجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها واعراضها وكيفياتها، فالأعراض والكيفيات المحسوسة حادثة، والله تعالى أزلي قديم مقدس عن التغير والحدوث وقبول الحوادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للكيفيات الحسية لأنها آنذاك من المحدثات، والاعراض والكيفيات المحسوسة تستلزم الانفعال، والانفعال تغير وحدوث وضعف، والله تعالى صمد لا يقبل التغير والحدوث، وهو منزّه من الانفعال، والكيفيات المحسوسة إنما هي من خصائص الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية ولوازمها المحدثة.
(تنبيه): كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، وإنّ الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال ذلك كله لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، فإن الذي يقبل الحوادث حادث، والله تعالى أول بلا ابتداء، أزلي قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته يستحيل عليه الفناء، تنزه عن قبول الحوادث، لانّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، وكل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل البدعة والضلالة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم،
[المفتاح الحادي والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن المكان: جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الكون في المكان وذلك لان المكان محدود والله منزه عن الحدود والمكان محدث مخلوق والله تعالى قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته سبحانه خلق المكان وقهر جميع خلقه بالكون في المكان أما هو سبحانه فهو القاهر فوق جميع خلقه بمن فيهم المكان والزمان، والكون في المكان ينافي الأحدية لأن الكائن في مكان يمينه غير شماله وأعلاه غير أسفله وهذا يوجب الكثرة والانقسام و(الأحد): منزه عن الكثرة والانقسام فلزم التنزيه عن المكان، والمكان محدود أعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، الله تعالى موجود بلا كيف والله تعالى لا يحتاج في وجوده إلى مكان، ليس كمثله شيء له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان، ومن كان مقدسا عن المكان فهو بالضرورة مقدس عن الزمان لأنّ الزمان مرتبط بالمكان، فلولا حركة الأَجرام في المكان لما عرفنا الزمان، (تنبيه): قد يتمسك الحشوية والمجسمة بالمتشابهات، في اثبات المكان لله، وفي اثبات الفوقية الحسية لجناب الذات الإلهي من مثل فهمهم السقيم لقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى -على لسان فرعون اللعين-: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان،، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، لو أريد معنى على السماء، لكان اللفظ أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء} لو اريد علو المكان، ولذا قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله (ءأمنتم من في السماء) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ [إكمال المعلم: ج2ص465]، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث (أين الله) في صحيح مسلم، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) والثانية بلفظ (من ربك) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ (أين الله) لإثبات الإيمان، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات للبيهقي([14]) . والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه ([15]) وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان، والرواية الثالثة بلفظ (أين الله)، أخرجها الإمام مسلم، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنّ لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان، كما أنّ لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله، وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره، كما أنّ لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام، فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم.
(تنبيه) إن صح حديث الجارية بلفظ (أين الله) فإنّه يتوجب تفويض العلم به إلى الله، لاستحالة نسبة المكان إلى جناب الذات، أو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم، وقد يتعلق أهل الحشو والتجسيم بالمتشابهات، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش، من أجل اثبات المكان لله، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب، كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، فلم لا تحمل على قرب الذات، قالوا: القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} فلم لا تحمل على إحاطة الذات، قالوا: الاحاطة: إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، قلنا: فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو والتجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
وقد يتمسك الحشوية والمجسمة وتعلو أصواتهم بحديث (النزول) في صحيح البخاري]، لإثبات المكان والحركة والسكون والنزول والصعود الحسي لله، وللرد عليهم نقول: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: (اللازم الأول) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (اللازم الثاني) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (اللازم الثالث) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (اللازم الرابع) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة.
[حل إشكالية حديث النزول]: أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: ((إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)) ([16]) وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة.
[المفتاح الثاني والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً وكلا الحالين على الله محال كما أن ذات المخلوق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت وهي إلى الفناء سائرة قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي ولا المخلوق للخالق الباري، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، أي لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر بالبال فهو باطل سبحان الله عما يصفون.
[المفتاح الثالث والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجسمية: (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله والجسمية تعارض الأحدية المطلقة التي تعني التنزيه التام لجناب الذات عن الكثرة والانقسام منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأن ذلك كله من صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام كما أنّ الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر ويستحيل وصف جناب الذات بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص التي تنزه الله عنها.
[المفتاح الرابع والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الصور والأشكال: لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص والمخصص هو الله تعالى المصور وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور والصورة تقتضي الكيفية وهي عن جناب الذات منفية لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث.
(تنبيه): وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة: (خلق الله آدم على صورته) وذلك من اجل اثبات الصورة لله، ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث:
(المفتاح الأول): قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) ([17]) .
معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم.
(المفتاح الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([18]).
معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة.
(المفتاح الثالث): إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف.
(المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة): وهو حمل المتشابه على المحكم، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران: 7، 8]، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وطريقة أهل السنة في المتشابه: رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، تنزه عن الصور والأشكال،، فكيف نتوهم أنه على صورة آدم، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) ([19]) .
الحديث إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له.
[المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس منزه عن الجوارح والأعضاء: وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأعضاء لم يكن أحدا مطلقا لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في جناب ذاته والكثرة تنافي الأحدية في جناب الذات وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فالصمدية المطلقة تدل على نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل أن كل جسم فهو مركب وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمدا مطلقا.
(تنبيه): قد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم لاثبات الأجزاء والابعاض والجوارح لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وللرد على جهل هؤلاء، أقول: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال.
[مجاز الوجه في القرآن] المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن الوجه يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى (وكان عند الله وجيها) أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين، وكذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} [المائدة: 108]، فهل للشهادة وجه وهل تفيد الآية إثبات الوجه للشهادة أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للشهادة لفظ الوجه للدلالة على صحة الشهادة وحقيقتها ووجهها الذي كانت عليه، وكذلك قوله تعالى: {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9]، وعلى نفس منوال الآيات السابقات هل يقصد أخوة يوسف خلو وجه أبيهم عليه السلام، وكيف يخلو هذا الوجه؟ ومن أي شيءٍ يخلو؟ اللهم إلا أن يراد بسياق الكلام معنى آخر وهو فراغ أبيهم لهم وإقباله عليهم وتوجهه بكليته إليهم ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم، وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة)خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة، وكذلك قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله، (قلت): وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة.
[مجاز اليد في القرآن]: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، فهل للقرية يدين؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها، وقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، هل للعذاب يدين؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}، هل للنجوى يدين؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للنجوى لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ أنه أَوَّابٌ}، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وقوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، (قلت): توضح الآيات الكريمات السابقات أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم، ومثاله (وما ملكت أيمانكم) وسيأتي إن شاء الله عند ذكر اليمين، وقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى، وقوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، ويستحيل أن يكون المراد من الآية المعنى الظاهر للقبض وهو ضم أصابع اليد، ولكن المعنى المفهوم من القبض هاهنا البخل بالنفقة في الطاعة وفي سبيل الله، وكني عن البخل بالقبض على طريقة بلاغة العرب في التوسع في استعمال المجاز والكناية لتأكيد معنى البخل عند المنافقين، وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان}؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، المعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا نعلمها، وهذا الوجه مقبول ضمناً، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[وأما مجاز العين في القرآن]: فإنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد،.
وأما [مجاز الساق في القرآن]: (الساق): في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والآية التي ذكرت فيها الساق قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، والحديث الذي ذُكر فيه الساق مضافا إلى الحق تعالى: أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري الحديث نفسه، وفيه: (فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا) ([20]) .والملاحظ أنّ الآية: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} بصيغة المبني للمجهول، وحديث البخاري: (فيكشف عن ساقه) بصيغة المعلوم، وقد نص الحافظ ابن حجر في الفتح : نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره: (وأما لفظة ” ساقه ” بإثبات الهاء فهي لفظة غير محفوظة) ثم قال الحافظ ابن حجر: (وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم فأخرجها الإسماعيلي كذلك ثم قال في قوله ” عن ساقه ” نكرة، ثم أخرجه من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم بلفظ: (يكشف عن ساق)، قال الإسماعيلي: هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة، لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شيء) أهـ ([21]) .
وقد تأول الصحابة والتابعين لكلمة (الساق): أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: ” 1) عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق قال هو يوم حرب وشدة، 2) عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق، 3) وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، 4) عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه، 5) عن ابن عباس قوله يوم يكشف عن ساق هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة، 6) عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر وجده، 7) عن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر، 8) عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر، 9) عن قتادة في قوله يوم يكشف عن ساق قال عن أمر فظيع جليل، 10) عن عكرمة في قوله يوم يكشف عن ساق قال هو يوم كرب وشدة ” أهـ، “ ([22]) . (قلت): وليس الطبري وحسب ولكن سواد المفسرين الأعظم على ذلك التأويل.
[المفتاح السادس والعشرون]: سورة الإخلاص تتحدث عن توحيد جناب الذات الإلهي تبارك وتعالى، الذات الإلهي له الاحدية المطلقة والاحدية المطلقة تنفي التكثر في الذات وتنفي قبول الانقسام وتنفي قبول الأجزاء والابعاض، لذلك نفت (الاحدية المطلقة) عن جناب الذات الإدراك فيستحيل إدراك الذات التي تتصف بالأحدية، و (الأحدية) لمن يفهمها تؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، ولله در الطحاوي حين قال في عقيدته التي لاقت القبول من كل المسلمين: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام)، فكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما، و (الخلق) عاجزون عن إدراك وجود الروح التي لا تفارق أجسادهم، إلا بآثار تلك الروح، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، فأنى لهم ان يدركوا شيئا من ذات الحق، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، والحاصل جناب الذات الإلهي له الاحدية المطلقة، موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[المفتاح السابع والعشرون]: تقسيم أي علم، ومنه علم التوحيد إلى أقسام، لا مشاحة منه، لانّ الهدف من التقسيم هو استيفاء كافة الجوانب بغير قصور، وعلى ذلك، لا يوجد حرج من التقسيم ولكن الحرج يكون في إهمال قسم بالكامل، أو الإفراط في قسم على حساب الأقسام الأخرى، أو التفريط في قسم منها، بما يعد خللاً في تناول علم التوحيد وهذا الخطأ هو ما وقعت فيه بعض طوائف أهل الإسلام، ومباحث التوحيد يمكن ان تؤول إلى سبعة اقسام عظيمة تتناول جميع مباحث التوحيد (توحيد الإلهية) وتتمثل هذه الاقسام في: القسم الأول: توحيد الله تعالى في جناب ذاته، والقسم الثاني: توحيد الله تعالى في أسمائه، والقسم الثالث: توحيد الله تعالى في صفاته، والقسم الرابع: توحيد الله تعالى في أفعاله، والقسم الخامس: توحيد الله تعالى في الربوبية، والقسم السادس: توحيد العبودية أو ما يسميه البعض توحيد الألوهية، والقسم السابع البراءة من الشرك في أقسام التوحيد، وهناك تداخل لا يمكن فصله بين تلك الأقسام، وهذا التداخل لا يمنع من التقسيم لأن الغرض منه استيفاء مباحث العلم، بشرط عدم اهمال قسم بكامله كما فعلت الحشوية عندما ألغت قسم توحيد الذات بكامله من تقسيمات علم التوحيد فوقعوا في بدع التجسيم والتكييف وإن لم يشعروا بذلك، و(سورة الإخلاص) تعدل ثلث القرآن وتعدل ثلث العلم، وتشمل علم العقيدة وتتخصص في أهم أقسام العقيدة (قسم توحيد الذات)، وتوحيد الذات: هو علم التقديس والتنزيه: وهو أعظم أقسام التوحيد، والمقصود من (توحيد الذات) هو اعتقاد الكمال المطلق لله تعالى في ذاته، والتنزيه لجناب ذاته عن كل مثيل او ند او كفؤ او شبيه، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد وتقديس ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد الذات، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وليس كمثله شيء، ولذلك فإن (توحيد الذات) لا معنى له إلا تقديس الذات عن كل مثيل أو ند او شريك والاعتراف والإقرار بالعجز والقصور عن معرفة الذات والتوقف عن التفكير في تكييف ذات الله تعالى، وفهم سورة الإخلاص وما اشتملت عليه من معاني الأحدية والصمدية والقدم الذاتي ونفي المثلية معناه – بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها – هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض والتقديس الخالص لله تعالى.
[المفتاح الثامن والعشرون]: خطورة الذهول عن فهم معاني سورة الإخلاص: سورة الإخلاص تتناول توحيد الذات وتوحيد الذات هو أساس التوحيد، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، ومن هنا كان توحيد الذات هو أهم وأشرف أقسام التوحيد، كما أنه أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، وإنّ أخطر الجهل هو الذهول عن فهم معاني سورة الإخلاص: لأنها تتناول اهم اقسام التوحيد وهو (توحيد الذات)، والذهول عن اضافة قسم توحيد الذات إلى أقسام التوحيد، سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد وإلى خلل في الإحاطة بجوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين الموحدين المسبحين، والذهول عن هذا القسم (قسم توحيد الذات) يؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى.
ولذلك فإن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات الإلهي، أو أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، وهو لا يعرف قواعد هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، وحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
[المفتاح التاسع والعشرون]: سورة الإخلاص هي وصف الذات وهي صفة الرحمن وهي تعني عجز الخلائق عن إدراك الذات، لأنّ الاحدية نفي المثلية مع نفي الانقسام وكل الخلائق منقسمة يمينها غير شمالها لأنّ لها أجزاء اختصت باليمين وأجزاء أخرى اختصت بالشمال وأجزاء اختصت بالفوق وأخرى بالتحت وأجزاء بالأمام وأخرى بالخلق، و(الاحدية المطلقة) تمنع من ذلك، و(الاحدية) تمنع من الادراك وتوجب الإقرار بالعجز عن كنه الوجود الإلهي، لأنه غيب الغيوب، {ليس كمثله شيء} لا يشبه المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الحقائق، فوجود الله تعالى وجود ذاتي كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء، فهو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، الرحمن على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، وهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، وهو الواحد القهار، وهو الأحد الصمد، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ولما كان جناب الذات الإلهي بالحال التي ذكرنا، فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه جناب الذات، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه عن الحدّود، إذ هو الذي حدّ الحدود، وقدّر المقادير، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء، والله تعالى لا يقاس بأحد، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى، كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد، لا نهاية لكمالاته، و (الحواس) مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط، عاجزة عن معرفة ما عداها، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، فكيف يسعى إلى معرفة كنه الرحمن.
[المفتاح الثلاثون]: ذات الله تعالى (أحدية) لا يسري عليه أي قانون من تلك القوانين التي تقهر عباده لأنه القاهر فوق عباده فلا يحتاج في وجوده إلى مكان ولا يجري عليه في وجوده زمان لأنهما من مخلوقاته كما أنه لا تسري عليه قوانين المادة والأجسام، لأنّ المواد والاجسام مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وحركة وسكون وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المواد والأجسام هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا يحده حد ولا يقدره مقدار، ولا يقهره مكان فيحيط به، ولا يقهره زمان فيجري عليه، ولا يعتريه أفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والإكرام.
[المفتاح الحادي والثلاثون]: دراسة (سورة الإخلاص) هو الأصل لعلم توحيد الذات (علم التقديس): هذا العلم الذي يؤول بدارسه إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، وإذا كان لكل علم دقائقه التي تميز علماءه في مجال التخصص عن سائر العلماء، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم توحيد الذات يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، فيصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجودها لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولهذا دائما ما يوسوس لهم الشيطان بقوله: (هذا خلق الله، فمن خلق الله)، ولا يتصورون ذاتا لا تحتاج في وجوده إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا كل الأماكن عندها سواء قريبة من كل شيء أقرب لكل شيء من ذاته لأنها منزهة عن المكان، فالله تعالى هو خالق المكان، والمكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، والمكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان، والعامة كذلك لا يتصورون ذاتا منزهة عن الزمان فلا يجري عليها زمان، ولا تتقيد في صفاتها وأفعالها لا بزمان ماض ولا حاضر ولا مستقبل، إذ كل الأزمنة عندها سواء كما أنّ كل الأمكنة عندها سواء، وهذا لأن العامة اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا انفكاك له عن الزمان، وكذلك لا يتصورون ذاتا إلا لها حد تنتهي إليه، ولا يتصورون ذاتاً لا حد لها، لأنّهم لم يروا مثل ذلك، فينفونه، ولا يقبلون سوى ما عرفوه بحسهم الغليظ، ولا يعلمون أنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية و الصمدية سبحانه الواحد الأحد، إنّ التعمق في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع ذات الله تعالى بالتقديس والتنزيه والتسبيح ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ولا تحيط الأذهان به علما.
[المفتاح الثاني والثلاثون]: حقيقة الذات الإلهي الذي له الاحدية والصمدية: غيب مطلق لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، ولقد قطع القرآن كل سبيل إلى التفكر في حقيقته، فقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، هذه الآيات تضمنت نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها من قبول الأعضاء والاجزاء والصور والأشكال والكون في الأماكن والتعلق بالأزمان، وهذا كله منتف عن ذات الله تعالى.
ومما يدل على أنّ جناب الذات الإلهي لا يدرك ما كان بين نبي الله موسى عليه السلام وبين فرعون، عندما سأله فرعون عن ذات الله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، والسؤال ب ـ(ما) سؤال عن حقيقة الذات، فكأنه قال: وأي شيء رب العالمين؟ وقد كان موسى عليه السلام عارفًا بربه عالِمًا بأحكام الإلهية وعالِمًا أنه لا يصح السؤال عن الله تعالى بـ (ما) بحثًا عن ماهية أو حقيقة، لأنه سبحانه فوق إدراك المخلوق ولا نحيط به علما، فأجاب موسى عليه السلام بما حكاه القرآن: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}، {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}، {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 24، 26، 28]، وفي سورة طه أجاب نبي الله موسى عليه السلام بقوله: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه: 50 إلى 53]، وهو جواب يفيد أنّ السبيل إلى معرفة الله عز وجل أن نستدل بصفاته وأفعاله وآثاره على وجوده، وأمّا البحث عن كنه وجوده وحقيقة ذاته فمحال لأنه فوق طاقة المخلوق.
وقد أكرم الله سبحانه أمة النبي صلى الله عليه وسلم بزيادة بيان في التقديس والتنزيه فعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن جناب الذات الإلهي، أنزل الله تعالى عليه سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن بما حوته من أصول الاعتقاد والتوحيد ومن معاني التقديس والتنزيه لله سبحانه، فقد أخرج أحمد والترمذي عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن المشركين قالوا للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}، وهي تشتمل على أربعة أصول كلها في تقديس الذات الإلهي: [الأول]: وصف الله تعالى بالأحدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الادراك عن جناب الذات، [الثاني]: وصف الله تعالى بالصمدية المطلقة وسلب أي معنى من معاني الحاجة عن جناب الذات، [الثالث] وصف الله تعالى بالقدم الازلي، وسلب أي معنى من معاني الحدوث عن جناب الذات، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}: أول بلا ابتداء، {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء {وَلَمْ يُولَدْ} لا يكون هو من شيء، منزه عن الحدوث، تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، [الرابع]: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}: لا نظير له بوجه من الوجوه ولا كفء له ولا شبيه، والعجز عن درك الادراك هو غاية ما نقدر عليه من الإدراك.
[المفتاح الثالث والثلاثون]: لقد كان النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى، لأنّ العقول يستحيل عليها معرفة كنه ذات الله تعالى، فلا يجوز للمسلم أن يتخيل شكلاً لذات الله سبحانه وتعالى، لأن كل شكل يتخيله العقل أو يخطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه، والله تعالى منزه عن الأشكال والصور لأنّه سبحانه هو خالقها، وهو المخصص لكل مخلوق بصورة هو مقهور عليها، فالصور تدل على المصور، وجل المصور ان يكون مصَوَرا، وكل من يتوهم شيئا في مخيلته أو يرسم شكلا يتوهمه لله عز وجل، فإنه مشبه، والمشبه لا يعبد الله تعالى، وإنما يعبد وثناً رسمه له خياله ووهمه، ولهذا ورد النهى عن التفكر في ذات الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله) ([23]) . بمعنى تخيل شكلها وصورتها، فإن الأشكال مخلوقة والصور محدثة مركبة محدودة، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء والصور والأشكال، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، ولله در الطحاوي حين قال في عقيدته التي لاقت القبول من كل المسلمين: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام) [العقيدة الطحاوية]، فكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما، قال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء، ولا يحيطون به علما.
(لكن) ليس معنى النهي الشرعي عن التفكير في ذات الله تعالى أن لا نتكلم في تنزيهه عن مشابهة الخلق، فإنّ هذا أصل التوحيد، وسنام العلوم، أن تعلم قواعد التقديس التي تقدس الله عن المثيل، والله تعالى ليس كمثله شيء، هو القاهر فوق كل مخلوق، فلا يحده حد ولا يقدره مقدار، ولا يقهره مكان فيحيط به، ولا يقهره زمان فيجري عليه، ولا يعتريه أفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وليس من التفكر في ذات الله أو الخوضِ فيه تنزيهُه عن مشابهة الخلق وتقديسه عن مماثلة المخلوقات، قال الطحاوي: (وَلا نَخُوضُ في الله)، [العقيدة الطحاوية]، والمعنى: أي لا نفكّرُ في ذاتِ الله، ولا نتخيل له شكلا لأن التفكر بهذه الطريقة في ذات الله يؤدي إلى الضلال، ولا محالة يوقع في بدعة التجسيم والتشبيه والتمثيل، وليس -أبدا- من التفكر في ذات الله والخوضِ فيه، تنزيهُه عن مشابهة الخلق بقول: إن الله موجود أزليّ أبدي، كان قبل الزمان والمكان، لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان وأنه لا يتصف بشيء من صفات البشر، وإنه يَرى بلا حدقةٍ، ويسمع بلا صِماخ وأذن، ونحوُ ذلك من مقالات علماء أهل السنة من السلف والخلف، إنما هذا تنزيه لله عملاً بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى]، وإنما هلك من هلك في تشبيه الله تعالى بخلقه كقولهم: بأنه مستقر على العرش، وإنه ينزل بذاته من فوق إلى أسفل ويصعد بذاته من أسفل إلى أعلى لأنهم قاسوا الخالقَ على المخلوق فكذبوا بذلك قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وعليه فليس النهي عن معرفة قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة ولا مدارستها وإنما النهي عن تخيل شكل لله وتكييف الوجود الإلهي كما تفعل الحشوية والمجسمة في مؤلفاتها عن العقيدة حيث يعقدون أبوابا في التكييف والحشو والتجسيم مثال ذلك باب الوجه وباب اليدين وباب العينين وباب القدمين وباب الأنامل والأصابع وتسميتها صفات أعيان أي أجزاء من الذات وكأنهم لا يعلمون من الأحدية التي تعدل ثلث القرآن شيئا، ومن أبواب الكون في السماء والنزول الحقيقي من فوق العرش إلى السماء الدنيا والكلام بصوت وحرف وغير ذلك من أبواب الحشو والتجسيم وتتبع المتشابهات التي لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ نسأل الله السلامة، إنّ الطريق إلى تنزيه الله تعالى وتقديسه هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه، فإنها مبادئ الفقه في علم العقيدة، ومبادئ الفقه في علم التوحيد، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، والحاصل فإنّ المقصود من دراسة توحيد الذات هو وضع قواعد التقديس التي تمنع من الخوض في ذات الإله تعالى وتقدس.
[المفتاح الرابع والثلاثون]: أجهل الناس بمعاني سورة الإخلاص المحكمة بعد النصارى هم المجسمة ومن دار في فلك التجسيم كالمشبهة والحشوية، وكل هؤلاء أهل تمثيل، والله تعالى ليس كمثله شيء،: و(المجسمة) مصطلح إسلامي يُطلَق على كل من يقول بأن الله جسم لا كالأجسام ويثبتون له لوازم الجسم من من الحد والمقدار ومن الصور والأشكال والأجزاء والأعضاء، ومن التقيد بالمكان والزمان، والتغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الأجسام، و(المشبهة): مصطلح إسلامي يطلق على كل من يشبه الله بالمخلوقات ويزعم بأنّ الله تعالى في صورة الإنسان، والحشوية مصطلح إسلامي يُطلَق على من ينكر لفظ الحسمية ولكنه يقول بلوازم التجسيم ويقر بها، ومن أبرز المجسمة الضالة على مر عصور الإسلام (الكرامية) الذين قالوا بأن الله تعالى جسمٌ قائمٌ بذاته، مباينٌ للعالم، مستقرٌّ على العرش من جهة الفوق، وأنه محلٌّ للحوادث! وهذه العقيدة الباطلة ليست امتدادًا لأي مذهب إسلامي معتمد ولكنه للأسف تلفيق بين معتقدات الوثنية واليهودية المحرفة والتشبيه النصراني مغلّفة ببعض ظواهر النصوص التي أساؤوا فهمها وأخطأوا في تأويلها، فأخذوا من التوراة المحرفة فكرة التشبيه والتجسيم، حيث امتلأت أسفارهم بنسبة صفات البشر إلى الله تعالى: من الاستراحة، والندم، والمشي في الجنة، والضحك، بل وتجسيده في صورة إنسان، والنصرانية المحرفة: أطلقت لفظ “الجوهر” على الله تعالى، وزعمت أنه تجسّد في صورة عيسى عليه السلام، وتأثر ابن كرام بذلك، فقال إن الله تعالى “أحدي الذات، أحدي الجوهر جسم لا كالأجسام، وأثبتوا له الصورة والشكل والكيف، واثبتوا له المكان والجهة والمماسّة والاستقرار المكاني وزعموا ان له حجما وثقلا يملأ العرش ويثقل عليه، واثبتوا له الحد والتناهي، وبعضهم أثبت له نهاية من ست جهات، وبعضهم من جهة واحدة، وبعضهم أنكر النهاية، على معنى الجسمية وهو الامتداد طولا وعرضا في الجهات، وقالوا بأنّ كل متميّز عن العالم فلابد أن يكون في جهة من جهات العالم، وكل ما كان في جهة فلا يعقل إلا ان يكون جسما فهو جسم لا كالأجسام، وزعموا بأنّ رؤية الله تقتضي الجهة، وقالوا: الرؤية لا تكون إلا في جهة، وكل ما كان في جهة فهو جسم، وشُبَه هذه الفرقة الضالة كلها شُبَه ساقطة، يُبطلها العقل والنقل، وهي مبنية على القياس الفاسد لله تعالى على المخلوق، واستندوا إلى آيات وأحاديث متشابهات لها أكثر من معنى فاتبعوها مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، فحملوها على ظاهرها بغير علم، وسيأتي -إن شاء الله- في فصل: (مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس) حل جميع الإشكالات المتعلقة بالمتشابهات حلا حاسما لا يدع مجالا لمتشكك إلا ويظهر الحق المحكم الذي لا اختلاف فيه، وصدق الله حيث يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، والحمد لله الذي هدانا لمذهب التنزيه، مذهب أهل السنّة والجماعة، لا مذهب المجسّمة وأهل الحشو والضلالة، وقد قال البيهقي في كتابه: “الأسماء والصفات”: (من قال إن الله جسم فقد كفر، لمخالفته لقوله تعالى: ليس كمثله شيء) انتهى([24]) .
[المفتاح الخامس والثلاثون]: ما هي الجسمية وما هي لوازمها التي من قال بها صار مجسما او مشبها او ممثلا أو حشويا جاهلا: (الجسمية) نسبة إلى الجسم، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره قال تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها والجسم يمينه غير يساره وأعلاه غير أسفله، و(الجسمية): دليل على النقص والعجز والقهر والخضوع والحدوث، فلا يصح أبدا نسبتها إلى الخالق الواحد القهار الاحد الصمد الغني الحميد، أما النقص فلأن كل جسم لابد وان يحكمه حد ينتهي إليه ومقدار مقدر عليه، فالجسم مقهور بالحد والنهاية، والنهاية نقص عن الكمال، وكل محدود مخلوق لانّ له إلها خالق حده بهذا الحد وخصه به وقدره على هذا المقدار الذي هو عليه، ومقهور عليه، فلا يقدر على غيره، و(الجسمية): دليل على العجز والقهر، لأنّ الجسم مقهور بالكون في مكان يحيط به المكان من كل جهة وإذا انتقل منه انتقل إلى مكان اخر أكبر منه وأوسع منه ويحيط به أيضا فليس يخرج الجسم عن قهر المكان واحاطة المكان، و(الأجسام): لا انفكاك لها عن قوانين المكان، يمينها يمين المكان ويسارها يسار المكان فهي مقهورة بالمكان، ولا يخرج عن احاطة المكان وقهر المكان إلا خالق المكان الذي هو بكل شيء محيط وهو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار، و(الأجسام) لا انفكاك لها عن جريان الزمان عليها وهي مقهورة بقوانين الزمان فلا تستطيع الاجسام العودة إلى الماضي ولا اختراق المستقبل فهي مقهورة بكونها في حاضرها الذي لا ينفك فيه عن جريان قوانين الزمان، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة قبول الأجزاء والابعاض، فالجسم مركب من أجزاء، والمركب من أجزاء محتاج في وجوده إلى أجزائه وأبعاضه، والاحتياج نقص، فالنقص صفة الاجسام ولازم لها، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة التقيد بالصور والأشكال، لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والتركيب صفة الاجسام، والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، فالله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة، والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى لأنه احد صمد وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص والمخصص هو الله تعالى المصور، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه خالق الصور، والصورة تقتضي الكيفية وهي عن جناب الذات منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط التي تدل على الخلق والحدوث، و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة التقيد بالحركة والسكون، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، فالحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، قال شيخ المفسرين الإمامُ ابن جرير الطبري: (اجتمع الموحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحركة والسكون) ([25]) .
و(الجسمية): دليل كذلك على العجز والقهر من جهة الحدوث والتقيد بالتغير والحدوث، وقبول الحادثات، فإن الجسم محدث لا محالة لكونه مركب من أجزاء وأبعاض، والمركبات محدثات تحتاج في وجودها إلى من أحدثها وركبها، وهي تقبل الزيادة والنقصان وبالتالي فهي تقبل في ذاتها الحوادث والمتغيرات، وصفات الله الأحدية والصمدية لمن فهمها تمنع من ذلك كله، لذلك كله يمتنع وصف الله تعالى بالجسمية لأنها سمة الخلق والعجز والنقص والاحتياج والخضوع والقهر، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[المفتاح السادس والثلاثون]: المجسمة والمشبهة والحشوية أهل جهل بالله تعالى وهم في نهاية المطاف: (ممثلة)، أهل تمثيل لله بخلقه، والله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وهذه الآيةُ هي أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ والتقديس، تنزيه جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وهذه الآية الكريمة {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى يقول: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، هو السميع البصير، ووصف الإنسان بالسمع والبصر فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية بما لا يدع مجالا للشك بأن المقصود من قوله تعالى: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، لأن العباد يوصفون بكونهم سامعين مبصرين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بنفي المماثلة إنما هو نفي المماثلة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، وهذه الآية أقوى سوط على ظهور المجسمة والمشبه والحشوية -وكلهم اهل تمثيل لله تعالى بخلقه- لأنها تقضي على كل أوهام التجسيم والتشبيه والحشو والتمثيل، وهؤلاء جميعهم يتمسكون بالمتشابهات التي يوحي في أذهانهم الممثلة المريضة برسم الذات وشكل الذات، وهيئة الذات وصورة الذات، وهيهات هيهات، اذ ليس كمثله شيء حتى نبني عليه أو نفترض عليه، فهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، وإلا زعموا اننا نعبد عدما، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته أما الصفات فقد من على بعض خلقه بصفات وصف بها نفسه كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ولكن شتان بين الصفات القديمة المطلقة والصفات المخلوقة المحدودة المحدثة، تقدس الله الأحد الصمد الذي له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة والتي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، تقدس عن الجسمية ولوازم الجسمية من التقيد بالمكان والزمان، ومن التقيد بالحدود والمقادير ومن التقيد بالصور والأشكال، تقدس عن كل ماهيات الوجود، فلا هو مادة محدودة لها صفات الأجسام، ولا هو طاقة لا إرادة لها ولا مشيئة، ولا هو من جنس الأنوار والأعراض والأجرام، بل كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك، ليس له جهة ولا مكان ولا يجري عليه الزمان، تعالى الله عن الحدود والاركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
[المفتاح السابع والثلاثون]: خلاف أهل السنّة والجماعة أهل التقديس والتنزيه مع المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو ليس في صفات الله وليس في أفعال الله، ولكن خلافنا معهم فيما يتعلق بكنه الذات، هم – لجهلهم بقواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص – يتكلمون في كنه الذات وشكل الذات ويصممون على أن الوجه والعين واليد والاصابع والانامل والقدم صفات أعيان لله (جوارح) ولكن بلفظ لطيف، وهي عند الحقيقة اللغوية المستعملة عند العرب ليست صفات للذات وإنما هي ملامح للوجه وللذات وقد قال العلماء انها صفات وليست جوارح للابتعاد عن التجسيم والتكييف، والمجسمة ومن تبعهم من اهل الحشو يحومون حول التجسيم بغير فهم ولا علم ويصممون على أنّ الاستواء على الحقيقة وصرح ابن القيم أنه الجلوس على العرش والجلوس يحتاج إلى جوارح يجلس بها الجالس على الشيء، والله أحد مقدس عن الجوارح، ويتهم اهل التقديس بانهم يعبدون العدم وأنهم يقولون ليس فوق العرش إله، وحسبهم الله من هذا الاتهام الباطل، كل ما في الامر أنهم يقولون بأنّ جناب الذات غيب الغيوب لا يُدرك، وانه أحد صمد مقدس عن الوجود الحسي في المكان ومن الجلوس الحسي على عرش مخلوق مربوب، فالاستواء استواء صفات التدبير لان الله تعالى قال {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، وقد تكرر المفتاح في سورة السجدة، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع)، كما انّ الإحاطة احاطة صفات في قوله تعالى: {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، لأننا علمنا المفتاح من قوله تعالى: {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}.
كما أنّ القرب قرب صفات في قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون.
(أولا): فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة.
(ثانيا): قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن الظاهر يدل على العلو والباطن يدل على السفل والله تعالى خالق المكان بعلوه وسفله وهو منزه عن المكان وعن الاتحاد بالمخلوق أو الحلول فيه، وهذا يدل على بطلان قول الحشوية أنه في العلو على سبيل الحس دون السفل ونحن نقول أنه منزه عن العلو المحسوس والسفل المحسوس الذي يقاس بالمسافة ومع ذلك فهو أقرب إلى أحدنا من حبل وريده سبحانه ليس كوجوده وجود وليس كقربه قرب ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
(ثالثا): قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شي ء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون “.
(رابعاً): جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى (المعية)، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف.
والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، والحاصل: أنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك، استواؤه على العرش استواء صفات (التدبير والهيمنة والربوبية)، وقربه من الخلق قرب صفات (السمع والبصر والعلم)، وإحاطته بالكون احاطة صفات (العلم والقدرة والمشيئة والسمع والبصر)، أما جناب الذات غيب لا يدرك، تنزه وجوده عن الكيف، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، موجود بلا حد، موجود بلا مكان، موجود لا يجرى على وجوده زمان، غيب الغيوب لا يدرك، والحاصل: هو التقديس المطلق، لا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل لا يدرك ولا يُكيف غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام، (الشاهد) خلافنا مع المجسمة ومن حام حول التجسيم من اهل الحشو هو في جناب الذات، وما يتعلق بشكل الذات وهيئة الذات وماهية الذات وكنه الذات، هم يصممون على انّ للذات شكل وهيئة وصورة ومكان منه يدير المملكة، ويتحرك فيه ويدخل إليه ويخرج منه (يحل فيه) والعياذ بالله، وينزل فيه نزولا حقيقيا وكانه جسم من الاجسام.
[المفتاح الثامن والثلاثون]: أمثلة لبيان خطأ المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو في عدم الإلمام بما حوته سورة الإخلاص من علوم التقديس: الحشوية أعداء التقديس والتنزيه والتسبيح، يظنون – جهلاً وتلبيسا من تلبيسات إبليس الرجيم عليهم – أنّ تمام الإيمان والتسليم يكون بإلغاء دور العقل في فهم النصوص، وهل صار العلماء علماء والفقهاء فقهاء واهل الأصول أصوليون إلا باستعمال العقل وإجهاده في فهم النصوص والجمع بينها، فلمّا ألغوا دور العقل، عاشوا في العقيدة بالحس الذي سيطر على أوهامهم، (فإنّ قلت لهم): إنّ أي شيء محدود لا يصلح أن يكون إلها، وذلك لأنّ الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، ولأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، هو القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته، وأنّ الله تعالى هو الواحد القهار، القاهر فوق عباده، قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود، لأنّه مقهور عليها، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، تنزه عن الحد والمقدار، (قال لك أحسنهم حالا – وذلك لأنّ منهم من يتجاسر على اثبات الحد الحسي لذات الله -): لم يأت الحد في الكتاب والسنّة فلا ننفيه ولا نثبته، يا سبحان الله، أليس (الله أكبر) نفي للحد،، أليس (الواحد القهار) نفي للحد، لأنّ القهار قاهر للحد، فلا بداية ولا نهاية ولا يقهره حد ولا مقدار، أليس (الأحد الصمد) نفي للحد، أليس كل الخلق لهم حد والله تعالى يقول (ليس كمثله شيء)، ويقول (ولم يكن له كفوا أحد)، أنه لا يفهم تلك الأدلة ولا يرد العلم كما أمره الله تعالى للمتخصصين فيه كما يُفهم من قوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول}، وقوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر}، أي أهل التخصص، وقوله تعالى {ولا ينبئك مثل خبير}، المتخصص في علمه، ماذا تفعل معه وهو لا يفهم ولا يرد العلم إلى أهله، تتنزل للنقاش معه من اجل انقاذه، (تقول له): هل يأكل ربنا تقدس وتعالى، يقول بملء فيه معاذ الله لا يأكل، لماذا؟ يقول: لأنّ الأكل دليل على الحاجة والحاجة نقص، قلنا له والحد غاية والغاية دليل على النقص، ولكنه يفهم الأولى لسهولتها، ولا يفهم الثانية لخفائها على غير المتخصص، (وإن قلت له): إنّ كل مخلوق مهما كبر حجمه أو جل مقداره، إلا أنه محدود متناهي مقدر بمقدار، مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، أما الله تعالى الواحد القهار فإنه لما كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، فهو الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وخصصها بما هي عليه من قدر معين قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقال تعالى: {جعل الله لكل شيء قدرا}، وقال تعالى: {وإن من شيء إلاّ عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}، ومعنى الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، وأن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على أنه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته فلا حد لذات الله تعالى وتقدس ولا حد لصفات الله عز وجل، قال لك: آتني بدليل من القرآن على أنّ الله تعالى منزه عن الحد فأقبله، تقول له: أوليس قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً} دليل على أن الحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق، والله تعالى هو الخالق، (قال لك): لا أفهم هذا الدليل، (تقول له): القاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (الله أكبر) ويدخل في معانيها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، (يقول لك): هذا لم يرد به كتاب ولا سنّة، (فإن قلت له): لقد اتفق المتخصصون على تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات والنهايات ولم يخالف في ذلك إلا قلةٌ جاهلون بما يجب لله تعالى من التقديس والتعظيم، يعتقدون ان إلههم محدود بحد لا يعلمه إلا هو وأكثرهم على أن حده العرش، فحدوه بمخلوق مربوب مثلهم وقد اشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى {وهو رب العرش العظيم} كما أنه رب العالمين جميعا، فالله تعالى رب العرش ورب العالمين والجميع محفوف بعناية الله ومحفوظ بحفظه، وهل – أستغفر الله تعالى – الرب عز وجل محمول على عرش او كرسي، الرب الذي قال عن نفسه سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أنه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، هل يحتاج إلى شيء يحمله، أو شيء يحيط به ويحويه، مهما بلغ اتساعه وحجمه، فأنى للمخلوق المربوب أن يحمل الخالق، وأنى للمحدود ان يحوي الذي تعالى عن الحد والمقدار، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بأن الله هو الغني الذي تحتاج إليه الخلائق بما فيها العرش، وهو الغني عنها، وأين ذلك من اعتقاد كل مسلم بان الله هو الحي القيوم الذي يقوم على حاجة كل مخلوق وهو مستغنٍ عنها، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(وأنبه وأكرر) ليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى، بلا حد ولا مقدار، لأنّ الحد مهما اتسع فهو مخلوق، ولأنّ المقدار مهما عظم وكبر فإنّه صفة المخلوق، ويُحتمل وجود ما هو أكبر واعظم منه، والخالق – سبحانه – لا تسري عليه قوانين المواد والأجسام لأنّه خالق كل ذلك، ولا يُحتمل وجود ما هو أكبر، أو اعظم منه، لأنّ من أسمائه الحسنى: الكبير المتعال، والعلي العظيم، ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال، وكما ذكرت فإنّ من أراد التنزيه والتقديس فليذهب بعقله إلى ما فوق المادة والاجسام، وليصف ذهنه عن مماثلة ذات الله تعالى بذوات خلقه، وليذهب إلى التسبيح القلبي والتنزيه العقلي والتقديس العقائدي حيث الاقرار بالعجز عن الإدراك، واليقين في وجود الواحد الأحد الذي ليس كمثل وجوده وجود، ولا كمثل ذاته ذات، ولا كمثل صفاته صفات، تنزهت ذاته وصفاته عن كل حد ومقدار، فإن لم يستطع ان يخرج من اطار المادة والاجسام وجميع المخلوقات المحدودة المقدرة، فليوقن أنه عامي ناقص العلم في باب توحيد الذات والصفات والافعال، فلا يحل له القول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في الله تعالى وصفاته وأفعاله تصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد الذات.
(وأنبه أيضا): تنزيه الخالق سبحانه عن الحدود والغايات والنهايات ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، له حد الربوبية والإلهية، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، إنّ من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}، مع قوله تعالى {فإني قريب}، مع قوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}، مع قوله تعالى {والله بكل شيء محيط}، وقوله تعالى {وكان الله بكل شيء محيطا}، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار، ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية: إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال أنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} وكما قال تعالى:{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وكما قال تعالى {واسجد واقترب}، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ (إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) [أخرجه البخاري] وقوله صلى الله عليه وسلم (أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) [أخرجه البخاري] ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس، (إذا قلنا له): أنه لا يُقال أنه سبحانه داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه، لأن الدخول والخروج والاتصال والانفصال من صفات الأجسام المخلوقة، ولا وجه للتماثل بين الخالق والمخلوق، (فإنّه يقول): لا داخل ولا خارج تناقض، (نقول): هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، الله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، وليس كمثل أفعاله أفعال، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، (تقول له): عند إعمال العقل وتدبره لقول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([26]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شيء غيره) ([27]). نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن الوجود الزماني، وكمال منزه عن الوجود المكاني، ليس كمثله شيء وليس كمثل وجوده وجود، إذ هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، فلا يجري عليه زمان، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فلا يحويه المكان، وإذا لم يكن قبل (الله) تعالى شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كما أنّ كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما، أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، وقال تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، أيضا ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
(أيضا): ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون: أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة والله تعالى خالق مقدِر (بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال، فيستحيل وجود المنزه عن الحد والمقدار في الحيز المحدود، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهــ، (أيضا): عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء المقدس عن الحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان، و(أيضا): (الأحدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، وذلك لأن الأحدية تنافي الكثرة والانقسام والأجزاء، والموجود في المكان، يمينه يمين المكان، ويساره يسار المكان، واليمين واليسار والفوق والتحت يلزم منها الكثرة والانقسام وكل ذلك يضاد الأحدية، وأيضا (الصمدية) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنّه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان، لأنه لو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق، و(أيضا): قوله تعالى (لا إله إلا هو الحى القيوم) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره، والله تعالى كما أنه منزه عن المكان فإنّه كذلك منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون، (يقول الحشوي غير الدارس لعلم الأصول): لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره، ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير.
والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن أو متحرك لهما أمثال كثيرة، أو منزه عن السكون والحركة لا تماثل بينه وبينها ليس كمثله شيء ألا وهو الله تعالى وتقدس، إنّ الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) أخرجه البخاري، إنّ الحشوي الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا، لقد أخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم وحده هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان المخلوقين تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد عن الكون في المحدود، وأخطأت الطائفة الحشوية خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون، نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وهم مع ذلك متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)
(يقول لك): هذا من علم الكلام، وعلم الكلام من علوم اليونان، تقول له: إن اليونان كانوا يعبدون الأوثان، وما أبعدهم عن هذا التقديس فأين ذلك من علوم عباد الأصنام والأجسام والأوثان، ثم إن علم الكلام نوعان: نوع باطل يقوم على السفسطة والفلسفة والتعطيل، وهذا ذمه السلف والخلف العدول وقالوا في أهله ما قالوا، ونوع آخر يمثل ركائز التقديس والتسبيح والتنزيه، وهو العلم الراسخ الذي لابد من دراسته لأنّه علم توحيد الذات الذي يمنع من نسبة النقص أو العيب أو العجز إلى الله، وهذا العلم مطلوب لكل متخصص في العقيدة كما أن علم أصول الفقه مطلوب لكل فقيه مجتهد، ولتقريب أهمية هذا العلم الراسخ إلى ذهنه، (تقول له): هل ربنا موجود بيننا بذاته على الأرض، قال حاش لله، فإن قلت لم؟ قال أنجعله في الأرض حيث المزابل والحشوش، وحيث شبه الحلول في القاذورات سبحانك هذا بهتان عظيم، (تقول له): فإنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {فإني قريب} [البقرة: 186]، ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}، وظاهر الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته، (قال لك): المراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة، ومن كان كذلك كان قريبا حقا وصدقا، (تقول له): نعم ما قلت، فلم لا تعمم القاعدة، فإنه كما الأرض خلقه فإنّ السماء خلقه والعرش خلقه، والكون بالذات فيهما شبه حلول في المخلوقات كما قررت أنت من قبل، قال لك وكيف أفعل بقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، (فإن قلت له): إنّ الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو مرتبة الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، وقد أجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، (قال لك): فكيف أفعل بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، فإن قلت له: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه عديدة تزيد على العشرة، فيأتي بمعنى: التمكن والاستقرار: ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} أي أن سفينة نوح عليه السلام استقرت على جبل الجودي، ويقال: استوى الرجل على ظهر دابته أي استقر عليها، ويأتي بمعنى الاستقامة والاعتدال: ومنه قوله تعالى: {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [سورة الفتح] أي الزرع، ويأتي بمعنى التمام: ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [سورة القصص]) أي تمت قوته الجسدية، ويأتي بمعنى الاستيلاء أي القهر: يقال استوى فلان على بلدة كذا إذا احتوى على مقاليد الملك واستولى عليها وحازها، قال اللغوي الفيومي في [المصباح المنير ص 113]: (واستوى على سرير الملك كناية عن التملك وإن لم يجلس عليه) اهـ، ويأتي بمعنى النضج: (استوى الطعام أي نضج)، ويأتي بمعنى القصد أو الإقبال: استوى إلى العراق: أي قصد إليها)، ويأتي بمعنى التماثل والتساوي: استوى القوم في المال إذا لم يفضل منهم أحد على غيره وتساووا فيه وهم فيه سواء، ويأتي بمعنى الجلوس: يقال: استوى على السرير إذا جلس عليه، ويأتي بمعنى العلو، والاستواء بمعنى العلو قد يكون بالرتبة وقد يكون بالمكان، وللاستواء في اللغة غير ذلك من المعاني، فلابد وأن نعرف من تلك المعاني ما يستحيل على جنابه من معاني النقص والعجز والعيب والحدثان، والاستواء بمعنى الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود، والاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده ويحيزه وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، والعرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق، والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا، ولكنة قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وقد علم الراسخ في علم الأصول أنّ سياق آيات الاستواء جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء {يدبر الأمر}.
أعود فأقول: لقد أخطأت الطائفة الحشوية التي تنتسب إلى السلفية خطأ جسيما أيضاً: عندما قاسوا الخالق على المخلوق _ وتناسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه وانه ليس كمثله شيء وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد _ فتخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون واختلفوا – بفهم سقيم بعيد عن التقديس – هل هو (سبحانه) بقدر العرش أم أكبر أم أصغر بمقدار أربعة أصابع وهل إذا نزل في الثلث الأخير من الليل يخلوا منه العرش أم لا، كل ذلك بما قاسته أوهامهم للخالق على المخلوق وبموجب جهلهم بقواعد التنزيه فأضروا بعقيدة المسلمين أيما ضرر وصدوا عن سبيل الله من حيث لا يشعرون، وهم يدعون التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الكرام وأكرم بذلك من طريق، وأعظم به من منهاج، ولكن لم يكن لهم توسع في استعمال العقل في دراسة أدلة تنزيه الذات من الكتاب والسنة، ولهذا نرى بعضهم يجيز على الله تعالى الكون في المكان ويجوزون عليه الحد والمقدار ويجوزون عليه التغير والانتقال وهم لا يعلمون أن هذا كله من سمات الخلق والنقصان، ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات)، لو تواضعوا للعلم ودرسوا قواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام، لا يحترمون تخصصات أهل العلم بخاصة أهل الأصول، بل صاروا قطاعا للطريق إلى الله وقفوا على طريق المسلمين يكفرون ويبدعون ويفسقون من حيث لا يعلمون.
(فائدة جليلة): الوهابيون والتيميون والمتمسلفون في زماننا يزعمون انهم يتبعون الكتاب والسنة وأنهم ينتسبون إلى السلف الصالح، ثم هم يكيفون وجود الله تعالى، وأن له حد ينتهى إليه كما تنتهي الاجسام، وأن له مقدار، وان مقداره وحده هو العرش، وأنه – تعالى – أصغر من العرش بمقدار أصابع، وانه سبحانه جالس على العرش كما يجلس الملك على كرسي الملك، وانه يدبر المملكة من هناك، وأن له الوجه والعينين واليدين والأصابع على معاني الاجزاء وليس الصفات، فهو يرى بعينه، ويخلق بيده، ثم بعد ذلك يلوكون ألسنتهم بقولهم {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وقلوبهم قد كيفت الخالق وجعلت له الحد والمقدار وتوهمت وجوده على سبيل الملك والمملكة في عرف الإنسان، وإن قلت لهم إن علم التنزيه هو علم المسبحين والمقدسين من علماء المسلمين، وهو من أشرف العلوم لأنه يمنعك من تصور النقص والخطأ في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، قالوا إنما هو علم الفلاسفة والملاحدة من أهل اليونان، نقول يا قوم إنما هو علم القرآن والسنة، وإنما هو الفقه بآيات التنزيه والتقديس، وكما أن الفقه لا يدرك إلا بإعمال العقل والاجتهاد من جهابذة الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وهم أهل القرآن والسنة، ولكن للفقه شروط عسيرة لا بد وأن يستوفيها العالم حتى يكون فقيها، ولا يجوز لأحد أن يقول هذا حلال، وهذا حرام، حتى يستوفي شروط العلم بالفقه، وكذلك العقيدة – بل هي أشد – لذا لا يكفي سرد الآيات والأحاديث دون فقه لها، ثم تبديع الآخرين وأنتم المخطئون، والله إنا لنحب لكم الهداية، كما نحبها لأنفسنا، فلا تكونوا قطاع طريق على أهل العلم بالله، ولا تكونوا صائلين على السنة بدلا من أن تكونوا صائلين لها، الله تعالى أكبر من كل تصور، والله تعالى اعظم من كل وهم أو خيال. يا قومنا إن أهم شروط التلقي في علوم الإلهيات هو تصفية العقل عن الاوهام والخيالات، فنحن في الوهم لا نعقل شيئا في غير مكان، ولا شيئا لا يجري عليه زمان، لأننا مخلوقين تحكمنا تلك القوانين التي أوجدها الله تعالى لتقهرنا نحن المخلوقين، لا أن تكون حاكمة وقاهرة على الله الخالق الواحد القهار الكبير المتعال، كما اننا لا نعقل شيئا لا تحده الحدود، ولا تقدره المقادير، لان أذهاننا لم تتعود سوى على ذلاك، لان كل ما حولنا مخلوق محدود مقدر، ولكن الخالق غير ذلك ليس كمثله شيء، تنتفي عنه البداية كما تنتفي عنه النهاية، ونحن في الحس لا نتخيل موجود بلا بداية إذ تعودنا أن كل شيء له بداية، ولذلك يأتينا الرجيم بوسوسة من خلق الله لان الحس يقضي بان كل موجود له بداية، ونحن في الحس لا نتخيل الوجه إلا بالشكل والملامح ووجود العين والانف والفم لأنها اجزاء الوجه، مع انّ الإنسان مهما بلغت منه المكابرة فلن يستطيع ان يكابر في نفي مجازات الوجه واليد والعين والساق في القرآن الكريم، وقد تقدم في المفتاح الخامس والعشرين: أن (الوجه) يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ومنه قوله تعالى {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]، فهل المقصود إسلام الوجه، أم الذات كله، لا شك أن المقصود الذات، لان إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والتقوى والإخلاص مقرها القلب وكذلك فإن على بقية الجوارح تكاليف وعبادات، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله، وهكذا نجد تواتر حمل المفسرين الوجه في الآيات على الذات أو القصد، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة، وقد تقدم في المفتاح الخامس والعشرين ذكر ذل بالتفصيل، ومنه قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان} وقد ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب البلاغة ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، وقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، (ونعود إلى ما بدأناه): فنقول: ونحن في الحس لا نتخيل موجودا إلا وله شكل وصورة، لأننا تعودنا ان كل موجود له شكل وله صورة ولو علمنا أنّ نسبة الصور إلى الله محال، وذلك لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، و (الاحدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، لأنها تنفي الانقسام وقبول الابعاض، و (الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب لأنّ الشيء المركب يحتاج في وجوده إلى اجزائه ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال، وطلب علم التنزيه لا يكون إلا بالتجرد عن الحس لأن هذا العلم يتناول جناب الذات الإلهي الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
***
[2]
مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]
[المفتاح الأول]: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، هذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بأنه السميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بأنه سميع بصير فقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فثبت أن المراد بنفي المماثلة التامة من كل وجه إنما هو نفي المماثلة عن جناب الذات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يماثل الله تعالى في الذاتية، فتضمنت الآية نفي أن يكون شيء من الموجودات مماثلًا لله تعالى في جناب ذاته، وأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقات، فكل ما ثبت للمخلوقات في ذواتها فهو منتف عن ذات الله تعالى، واخص هاهنا ما يتعلق بجناب الذات وليس الصفات، وإذا كانت كل المخلوقات متماثلة في الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى.
[المفتاح الثاني]: كل المخلوقات متماثلة في صفة الجسمية، فوجب نفي الجسمية عن الله تعالى، لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، و(الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، ومن خصائص الأجسام كذلك انها تخضع لجريان الزمان، فيجري عليها الزمان بماضيه وحاضره ومستقبله لا انفكاك لها عن قهر الزمان، ومن خصائص الأجسام كذلك أنّ لها صورا وأشكالا خصها بها خالقها عز وجل، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها تقبل الانقسام، وانها تتكون من الجوارح والأجزاء والأعضاء، وتقبل التحيّز والاختصاص بالجهات، ويقهرها التغير والحدوث، و(الجسمية) تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر في اثبات وجوده، والمحتاج فقير لا يكون إلها البتة، والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، و(الجسم) مادة، والمادة مقهورة بقوانين الحد والمقدار والزمان والمكان والصور والاشكال، والحركة والسكون وذات الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تسري عليه قوانين المادة، هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا تسري عليه مفاهيم الأجسام، ولا قوانين المواد، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها.
ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة قليلة هم أهل التجسيم، الجاهلون بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، لأنه كما تقدس جناب ذاته عن الحد تقدس عن الكمية وعن الجسمية ولوازمها من الحجم والكتلة والوزن والمقدار والامتداد في الافاق وقبول الجهات الست والصور والأشكال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والعجز عن الادراك هو مقصود هذا العلم ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الثالث]: الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وقوله تعالى {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] قال المفسرون هل تعلم له سميا أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل له مثلا سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] قال المفسرون أي له سبحانه الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، ومعنى ذلك أنه لا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الجسمية ولوازم الجسمية، وقوله تعالى {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل:74]، قال المفسرون أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى منزه عن الشبيه و المثيل، فلا ذاتُه يشبه الذوات ولا صفاتُه تشبه الصفات، فمن وصفه بالجسمية فقد جعل ذاته تشبه الذوات سبحانه وتعالى عما يصفون، وقوله تعالى {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [سورة البقرة: 22]، والند هو المثيل والشبيه ولو كان جسما لكان له أنداد والعياذ بالله من التشبيه والتمثيل.
[المفتاح الرابع]: الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، تقديس لله عن الجسمية وهي تقديس لله عن لوازم الجسمية كذلك، ولوازم الجسمية ما اكثرها وأبرزها التقيد بالمكان والزمان، والتقيد بالحدود والمقادير والتقيد بالصور والأشكال، والحدود والاركان والاعضاء والادوات ومن ولوازم الجسمية كذلك التجزؤ والانقسام، وقبول الكيفيات من الأطوال والأعراض والأحجام والصور والأشكال، ومن ولوازم الجسمية كذلك الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال، والحد والنهاية والتغير والحوث والله تعالى ليس كمثله شيء مقدس عن الحد والنهاية وعن التغير والحدوث فأني ان يتصل المحدود بالمقدس عن الحدود، وأنى أن يتصل المحدث بالقديم وانى أن يتصل الفاني بالذي له البقاء، وأنى أن يتصل الواجب الوجود الذي له الوجود الذاتي الازلي بممكن الوجود، الذي له العدم والفناء، ومن ولوازم الجسمية كذلك التجاور والتباين والتحيز والاجتماع والافتراق والدخول والخروج، والله تبارك وتعالى منزه عن كل لوازم الجسمية، وعن الحركة والسكون لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان ثابت، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، تقدس عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات الأجسام المخلوقة، الاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية، ومنها كل ما تقبله الاجسام من الصور والأشكال والأحجام والاوزان والألوان وكل ما تقبله الأجسام من الهيئات كالجلوس والاستقرار، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع، والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، والله تعالى منزه عن أي معنى من معاني الجسمية ولوازمها التي لا انفاك لها عنها.
[المفتاح الخامس]: من الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: قوله تعالى {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} فقوله تعالى (أحد) يدل على نفى الجسمية لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله {أحد} مبالغة في الواحدية كان قوله {أحد} منافي للجسمية وقوله تعالى {الله الصمد} فالصمد هو السيد الغني الكامل المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم لأن كل جسم مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً و لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً فعلم من ذلك تنزهه سبحانه عن الجسمية ولوازمها، وأما قوله تعالى {ولم يكن له كفواً أحد} فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم لأن الأجسام متماثلة، فلو كان تعالى جسما لكان مثلا لجميع الأجسام فكان كل واحد من الأجسام كفؤاً له فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى منزه عن الجسمية، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان جسماً لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقوله تعالى {لا إله إلا هو الحى القيوم}، والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى أجزائه، وحينئذ لا يكون قيوماً بإطلاق، وقوله تعالى {القدوس السلام} والقدوس عز وجل هو المنزه عن كل ما ينافي كماله سبحانه في ذاته وصفاته وأفعاله والقدوس هو المنزه عن النقائص والعيوب والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه القدوس سبحانه، وهي (الجسمية) ضد الكمال الذي يتصف به ذات القدوس، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام والقدوس هو المنزه عن أن يكون له مثيل أو شبيه، والسلام عز وجل هو الذي سلم من جميع النقائص والعيوب والجسمية على المعنى المراد منها من كونها تتآلف من أجزاء وصف بالنقص والعيب المنزه عنه السلام سبحانه، والسلام عز وجل هو الذي سلم ذاته عن المثل والسمي والشبيه، ولو كان جسما لكان له مثل من الأجسام، والسلام هو الذي سلم ذاته عن أن يكون له مثيل أو شبيه.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور} والخالق هو المقدِرُ المنزه في ذاته عن الحد والنهاية والمقدار، ولو كان تعالى جسماً سبحانه لكان مُقدَراً مُتناهياً محدوداً ولو كان متناهياً محدوداً لكان مخلوقا وليس خالقا، سبحانه هو وحده الخالق البارئ المصور، والبارئ أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، فوجود الأجسام المقدرة المخلوقة دليل على خالقها وباريها الذي قدرها وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهو المصور الذي ركب الأجسام على الصورة التي شاءها وأرادها، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فالصور لا تكون إلا للأجسام والصور من خصائص الاجسام، والصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، وجل المصور سبحانه أن يكون مُصَوَرا، وجل الخالق البارئ المصور ان يكون جسما مقدرا مُصَوَرا، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {هو الأول والأخر والظاهر والباطن}، (هو الأول والأخر) مع شرحه صلى الله عليه وسلم للآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم]، فهذا يقتضى أن يكون جناب الذات الإلهي منزها عن الجسمية لأن الجسم حادث مؤلف من أجزاء تسبق وجوده فلا يكون (الجسم) أولا بلا ابتداء أبدا، إذ لا بدل له من بداية، و (الظاهر والباطن) معنى الباطن الذي لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان العلم محيطاً به فإن قيل: لماذا لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبيراً فلهذا المعنى لا يحيط به العلم؟ قلنا: لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة، وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن الجسمية وإلا لكان الإدراك بالأبصار محيطاً به حتى لو كان جسما كبيرا، ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية قوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [سورة ق: 16] ولو كان تعالى جسما لما صح القول بأنه تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد إلا على سبيل الاتحاد والحلول بين الأجسام أو التنزيه عن الجسمية ولوازمها من التحيز والاتحاد والحلول، وقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب} ولو كان تعالى جسما لكان قربه حلولا واتحادا بمخلوقاته من سائر الأجسام حاشاه سبحانه من هذا الكفر ولا يبقى لنا سوى تنزيهه سبحانه عن الجسمية وهو الصحيح الذي لا مناص من اعتقاده.
ومن الأدلة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية: أنّ الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق، وعند إضافة البعد الزماني إلى الأبعاد الثلاثة المكانية، يكون الجسم مقهورا بالمكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، وهو ملازم للتركيب لا مفر له عن التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، والمحتاج ممكن الوجود لا واجبه، والممكن لا يكون إلها خالقا مدبّرا تنتهي إليه سلسلة الموجودات، وبالتالي يتقدس الله عن الجسمية، ومن أدلة التقديس عن الجسمية كذلك: أنّ كل جسم محتاج إلى الحيّز والمحل، والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب، والممكن لا يكون إلها، لأنّ الإله واجب الوجود لذاته، فوجب تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازمها التي لا انفكاك للجسمية عنها.
[المفتاح السادس]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية: معناه تنزيه الله عن الصور والاشكال لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: (جناب الذات الإلهي) مقدس عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، و (الصور) لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور {ليس كمثله شيء}، و(الصورة) تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وسيأتي في المفاتيح: حل الإشكالات المتعلقة بالصورة في (مبحث) تحقيق القول في حديث: (خلق الله آدم على صورته) والرد على شبه المجسمة المتعلقة به، ما يدل على انّ المقصود بالصورة هو الصفة، والعرب تقول ما صورة الامر ويقصدون صفته.
[المفتاح السابع]: أكابر علماء الامة ينفون عن الله تعالى الجسمية ولوازم الجسمية: (1) جاء في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: ” بسم الله الرحمن الرحيم، نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه مجمل الاعتقاد،،،لا يجوز أن يسمى جسما، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” ([28]) .
(2) وقال الإمام البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد: (عن رئيس الحنابلة وابن رئيسها أبي الفضل أبي الفضل التميمي أنه قال: أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجئ في الشريعة ذاك فبطل) أهـ([29]) .
(3) وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ” أهـ ([30]) .
(4) وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية: ” مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ” ([31]) .
(5) قال الحافظ بن عبد البر رحمه الله: ” قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق ” أهـ ([32]) .
(6) وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في زاد المسير: ” ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك ” أهـ ([33]) .
(7) وقال الإمام القرطبي رحمه الله: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ([34]) .
(8) وقال القاضي بن جماعة في إيضاح الدليل ” ” واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه ” أهـ ([35]) .
(9) وقال حافظ الدنيا الإمام ابن حجر رحمه الله: ” ” قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو الى منازلهم في السماء،، وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج اليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع اليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى ” أهـ ([36]) .
[المفتاح الثامن]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية معناه تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء لأنها من خصائص الأجسام ومن سمات الخلق: فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب، ومن الأدلة النقلية المجملة على تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء والأجزاء كثيرة منها: (1) قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، (2) وقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}: الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، {ولم يكن له كفوا أحد}: نفي للمثلية ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
(3) وقوله تعالى: {والله الغنى وأنتم الفقراء} دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه.
(4) وقوله تعالى: {لا إله إلا هو الحي القيوم} والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً.
(5) وقوله تعالى {ليس كمثله شيء} ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وأجمع أهل القبلة – عدا المجسمة والمشبهة – على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
***
[3]
مفاتيح علم التقديس المستنبطة من من قوله تعالى
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}
[المفتاح الاول]: الله تعالى خالق كل شيء، وكل ما في الوجود خلقه، ولهذا تكرر في القرآن الكريم ذكر تلك الحقيقة، كما في قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 16]، وقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62]، وقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان: 11]، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى والكون كله مخلوق لله تعالى والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى،
[المفتاح الثاني]: المكان والزمان من خلق الله تعالى، وهذه القاعدة تساعدنا في فهم أمور كثيرة تتعلق بالتقديس، فإذا كان المكان من خلق الله، والله عز وجل لا يحل في خلقه، فإن الله تعالى لا يحل في مكان، ولهذا اتفق المسلمون – عدا المجسمة والمشبهة – على أنّ الله لا يحلُّ في مكان، ولا يحويه مكان وأنّه لا يسكن السماء ولا يسكن العرش، لأن الله تعالى موجود قبل العرش وقبل السماء وقبل المكان، ويستحيل على الله التغيّر من حال إلى حال ومن صفة إلى صفة أخرى، فهو تبارك وتعالى كان موجودًا في الأزل بلا مكان، وبعد أن خلق المكان لا يزال موجودًا بلا مكان، وممن نقل إجماع أهل الحق على تنـزيه الله عن المكان الشيخ عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (429هـ)، فقد قال ما نصه: “وأجمعوا ـ أي أهل السنة والجماعة ـ على أنه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان” اهـ،، وقال إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجُويني الشافعي (478هـ): “ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات” اهـ،، وقال الإمام فخر الدين الرازي (606هـ): ” انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيّز” اهـ،،([37]) .
وقال الشيخ إسماعيل الشيباني الحنفي (629هـ): ” قال أهل الحق: إن الله تعالى متعالٍ عن المكان، غيرُ متمكِّنٍ في مكان، ولا متحيز إلى جهة خلافًا للكرّامية والمجسمة” اهـ ([38]) .
وقال الشيخ محمد مَيَّارة المالكي (1072هـ): ” أجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لا جهة له، فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف” اهـ،،([39]) .
وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ): “أجمع أهل الحق من علماء السلف والخلف على تنـزه الحق ـ سبحانه ـ عن الجهة وتقدسه عن المكان” اهـ، ([40]) .
[المفتاح الثالث]: إذا كان الزمان من خلق الله فيستحيل أن يجري الزمان على خالقه، كان الله ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان، كل الخلق مقهورون بالزمان يجري عليهم بماضيه وحاضره ومستقبله، الخلق مقهورون بالزمان وهو قاهرهم لا يجدون فكاكا منه، ولكنّ الله هو القاهر لجميع خلقه، ومنهم الزمان مقهور بإرادته وقدرته، فالحاضر والماضي والمستقبل يجري بأمر الله، وليس العكس فلا يجري على الله زمان، ولا يجري على علم الله او سمع الله أو بصر الله أو كلام الله أو قدرة الله أو مشيئة الله زمان، الزمان ليس فاعلا في جناب الذات الإلهي بل هو المقهور بإرادة الله فلا يسير إلا وفق المشيئة والإرادة، ولهذا أجمع المسلمون عدا المجسمة والمشبهة على أنّ الله لا يجري عليه زمان، وتقديس الله عن الزمان هو معتقد أهل التنزيه والتقديس، وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) أخرجه البخاري، ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُه لا ماءٌ ولا هواءٌ ولا أرضٌ ولا سماءٌ ولا كرسيٌّ ولا عرشٌ ولا زمانٌ ولا مكانٌ، فهو تعالى موجودٌ قبل المكان بلا مكان، وهو سبحانه موجود قبل الزمان بلا زمان، خلق المكان وليس بحاجة إليه، وخلق الزمان ولا يجري عليه، ولأنه سبحانه لو جرى علي الزمان لازمه التغير في علمه وسمعه وبصره والتغير ضد الكمال والكمال لا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ولو قبل النقصان لم يكن إلها، والله تعالى لا يوصف بالتغيّر من حالة إلى أخرى لأن التغيّر من صفات المخلوقين، وما أحسن قول أهل التقديس والتنزيه “سبحان الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر”، وهذه عبارة سليمة عند أهل السنة، غير أن المشبهة المجسمة تشمئز نفوسهم منها لأنها تهدم عليهم عقيدة التشبيه نسأل الله السلامة، وقد ذكر عبد القاهر بن طاهر البغدادى رحمه الله في كتابه الفرق بين الفرق : إجماع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الزمان فقال رحمه الله: ” وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان ” أهـــ،([41]) .
وقال حجة الإسلام الغزالي: ” أنه (سبحانه) في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل والمكان وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ([42]) .
وجاء في مناهل العرفان: ” فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته،،، فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف ” أهــ([43]) .
وقال ابن الجوزي الحنبلي في الباز الأشهب: ” واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل) أهـ([44]) .
وقال القرطبي في التفسير:” المكان لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان”([45]) .
[المفتاح الرابع]: قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}: الله عز وجل هو الواحد القهار لأنه خلق كل شيء وقهر مخلوقاته بالحدود والمقادير، فكل محدود ينادي على نفسه بالعبودية لمن حده وقدره، ولذلك استدل أهل الأصول على بطلان عبادة الشمس والقمر لعلتين الأولى الأفول وهي القابلية للتغير والحدوث، والثانية المحدودية فإن كل محدود لا بد له من محدد خصصه بهذا الحد، فحد الشمس المكورة دليل على أنّ لها خالقا خصصها بهذا الشكل وذاك الحد، والله وحده هو الخالق وهو وحده القهار، ولهذا تكرر ذكر اسمي الله {الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} مقترنين معا في القرآن الكريم ست مرات، لأنه الخالق لكل شيء ولأنه الواحد القهار الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، وقهرها جميعها بالحد والمقدار، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، لأن الخالق سبحانه هو الذي حد له حدوده، وقدّر له مقداره، وقهر مخلوقاته جميعها بالحد والمقدار، فكل مخلوق – مهما كبر حجمه وعظم مقداره – محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً}، وقوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقوله تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا}، وقوله تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار}، ومعنى هذه الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على أنه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، فإنه لما كان قاهراً لجميع مخلوقاته، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن المقدار، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه، فهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولو حواه المكان كان المكان له قاهراً، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان، وقاهر المكان الزمان، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126] (تنبيه): سيأتي بيان معنى الإحاطة وبيان تنزيه الله تعالى عن الاحاطة الحسية وبيان شرح الآية في القاعدة الثامنة من هذا الباب، وهو سبحانه القائل: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان، أو أن تحكمه قوانين الزمان، فالماضي والحاضر والمستقبل كله منكشف على علمه وسمعه وبصره وهو على كل شيء شهيد، والجميع خلقه، والجميع تقديره، لا يغيب عن علمه وسمعه وبصره شيء من ماضٍ أو حاضرٍ او غيبٍ مستقبل، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا.
[المفتاح الخامس]: من التقديس والتنزيه والتسبيح المستفاد من الآية {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}: أنه إذا كان الله هو خالق كل شيء فهو رب كل شيء وإلهه، فلا شيء معه في أزله، إذ لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، وهذا يرد على الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، وعلى بعض المبتدعة الذين قالوا بقدم العرش، فلو كان العرش قديما فلن يكون مربوبا لله مع أنّ الله تعالى يؤكد في ست آيات من القرآن الكريم أنه رب العرش، منها قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26]، وقوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، وأخص صفات الربوبية الخلق، والمخلوق لا محالة محدث، لم يكن ثم كان، فلا قديم أزلي إلا الله.
(ومن ذلك): تقديس الله عن المكان وتقديس الله عن الزمان وتقديس الله عن الحد والمقدار وتقديس الله عن الصور والأشكال لأن المكان والزمان والحدود والمقادير والصور والأشكال كلها من خلق الله تنادي بالخلق والنقص والعجز عن الإلهية فلا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه، قهر جميع خلقه بالتقيد بالمكان والزمان والتقيد بالحدود والمقادير والتقيد بالصور والأشكال والألوان وجميعها يقهر من تلبست به فلا فكاك له عنها ينادي عليها بالعبودية، فتقدس الواحد القهار الذي قهر جميع خلقه بالمكان والزمان والحدود والمقادير والصور والاشكال فلا فكاك للعبيد عن قهرها لهم، وهو الواحد القهار فوقها فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ولا يقهره حد ولا مقدار ولا صورة ولا شكل ولا ألوان سبحانه هو وحده الخالق الواحد القهار، وتلكم البداية لعلم التقديس فلا يستعجلنّ أحد على نفسه فيحرم العلم الغزير، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، وقال جل شانه {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}،
***
[4]
مفاتيح علم التقديس المستنبطة من قوله تعالى
{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}
[المفتاح الاول]: خمس مسائل مستفادة من هذه الآية: قال الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم]، وعند تدبر الآية والحديث نخرج بعلم جما وفوائد جليلة ومسائل علمية عظيمة.
(المسألة الأولى): لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) ([46]) . دليل على أنه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو أنه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده الأول الأزلي الذي ليس لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) ([47]) . فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وشرط القدم الكمال المطلق، لأنّ الأزلية تنزيه عن النقص كما سيأتي بيانه، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([48]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله الرب له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
(المسألة الثانية): القدم الأزلي: تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى، فإنّه يستحيل قيام الحوادث بالله تعالى لأن مجرد قيام الحادث بالذات الإلهية يلزم عنه حدوث الذات الإلهية، وهذا باطل، فما يستلزمه لا يكون إلا باطلاً، فمطلق الحدوث مانع من القيام بالذات الإلهية، والحدوث والقدم إشارة إلى رتبتين من مراتب الوجود، الأولى الفقر الذاتي، وهو صفة لازمة لها بالذات، والثانية غنية بالذات عن كل ما هو غيرها فيتحصل أن قيام الحادث بالقديم معناه قيام الفقر في الغنى، أي كون الغني فقيراً، وهو محالٌ، والحادث لا يتصور إلا كونه دالاً على النقص لأنّ الحدوث تقص يضاد القدم ويتقدس الله عن النقص، ويستحيل أن نفرض وجود حادث لا يكون دالاً على الحدوث، ومجرد الحدوث نقص والقديم يتنزه عن الحدوث والنقص، وقد أثبت القرآن بما لا يدع مجالا للشك في هذه الحقيقة التي أجمع عليها علماء الأصول في هذه الامة، أنّ أخص صفات (القديم الذاتي): أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، (الأول) الذي له القدم الأزلي لا سبيل للحدوث إليه فليس في صفاته شيء حادث، (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الشمس والقمر والكواكب لتغير حالها لا تصلح للإلهية لأن الله دائم لا يزول، والزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، (جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنّه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، إنّ ملة إبراهيم الخليل عليه السلام تقديس الله عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].
إنّ كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والخلاصة: أنّ (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث ولا تحل بذاته الحوادث، و (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، وقد اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وأخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، ولو قبل الحادث – وهذا محال – لم يؤمن عليه الفناء، لأنّ الحادث يقبل الفناء، ولهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، وقدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه سبحانك هذا بهتان عظيم.
(المسألة الثالثة): مقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(المسألة الرابعة): التقديس عن الزمان فلا يجري على الله زمان: عند تدبر الآية والحديث نعلم يقيناً أن الله تعالى منزه عن أن يجري عليه زمان: لأنه خالق الزمان فكان بالضرورة قبل الزمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، ولو كان الزمان يجري عليه لما صح أن يوصف بأنه الآخر حتى يفني جنته وأهل جنته وناره وأهل ناره وملائكته وجميع خلقه وهذا لم يحدث فكيف يكون (الآخر) صفة حقيقية له، وهو كذلك لن يحدث أبدا لأنه سبحانه أخبر بخلود أهل الجنة والنار، فدل ذلك على أن المراد من قوله {الأول والآخر} هو التقديس أصلا عن الزمان فلا يجري عليه زمان، والماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء لأن الزمان لا يجري عليه سبحانه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال جل شأنه {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، ولهذا فإن علمه قديم أزلي لأنه لا يجري عليه زمان، المعلومات كلها السابق منها واللاحق منكشفة على صفة علمه، وسمعه قديم لأنه لا يجري عليه زمان منكشفه على صفة سمعه جميع المسموعات ولا تختلط عليه الأصوات، فيسمع ما كان وما يكون وما هو كائن من كلام أهل الجنة والنار مما لا انقضاء له من الأصوات لأن سمعه محيط بكل خلقه لا يجري عليه زمان، وبصره قديم أزلي يرى ويبصر جميع المبصرات الماضي والحاضر والآت، يبصر أول الخلق كما يبصر أهل الجنة وأهل النار، الكل منكشف على بصره لأنه محيط لا يجري عليه زمان، وكلامه قديم أزلي لا يحتاج إلى ترتيب أو تقديم أو تأخير لأنه لا تعلق له بزمان دون زمان، مقدس عن الزمان، ولهذا جاء التعبير القرآني: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} بلفظ الماضي مع أنه مستقبل، وقال تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} بلفظ المستقبل مع أنه ماضي للدلالة على تقديس الله عن الزمان.
والقاعدة العامة عند اهل الأصول: أنّ كل ما تعلق بالقديم الأزلي فهو قديم، لا يخضع لقوانين الزمان والمكان المحدثة المخلوقة، وكل ما تعلق بالمخلوق المحدث فهو مخلوق يخضع لقوانين الزمان والمكان، وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، إشارة إلى نفي الزمان في حق الله تعالى وعدم حاجة الله للوقت لكي يفعل ما يشاء، والحاصل أنّ الزمان من خلق الله جعله قاهرا لخلقه فيجري عليهم ولا يخرجون عنه قدر أنمله فهم مقهورون بالماضي والحاضر والمستقبل لا يملكون له تصرفا ولا تغييرا والزمان قاهر لهم، أما الله فهو القاهر فوق الزمان وهو المحيط بالزمان كما أنه بكل شيء محيط، وهو الذي يتصرف فيه كيف يشاء، وأنى للزمان أن يجري على خالقه ومصرفه سبحانه، والقاعدة الذهبية أنّ كل ما تعلق بالخالق لا يجري عليه زمان وكل ما تعلق بالمخلوق فإنه يجري عليه الزمان، فالله خلق السموات والأرض في ستة أيام أي في حق خلقه أما هو سبحانه فقد قال {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، والله تعالى يحاسب خلقه يوم القيامة وهم بالمليارات في آن واحد، لأنه سبحانه خارج عن اطار الزمن فلا يجري عليه زمان، أما خلقه فيجري عليهم الزمان لأنهم مقهورون بالزمان يمضي عليهم بماضيه وحاضره ومستقبله.
(المسألة الخامسة): التقديس عن المكان: إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وإذا لم يكن قبل [الله] شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء، وهو بكل شيء محيط، لم يكن له شبيه ولا مثيل في وجود ذاته، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، له كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن آثار تقديس الله عن المكان أن نقول أن كل الأماكن إليه سواء، وسع المكان باسمه الواسع فلا شيء من خلقه بعيد عنه بل هو القريب إلى كل شيء أقرب من ذات الشيء إلى نفس الشيء، {فإني قريب}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ}، وهو المحيط بكل شيء {والله بكل شيء محيط}، {وكان الله بكل شيء محيطا}
[المفتاح الثاني]: التقديس عن المكان لجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس يُظهر خطأ الجهمية الحلولية الذين قالوا: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ويظهر خطأ الحشوية الجهوية الذين قالوا: إن الله في مكان دون مكان ومكانه العرش، بل الصحيح أن نقول: إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان، والعرش إنما هو مظهر هيمنته وقدرته، وليس هو مكان لذاته، لأنه مقدس عن المكان فلا يحل في مكان دون مكان، وكذلك فلأنه سبحانه منزه عن المكان فلا يُقال إن الله داخل الكون بذاته لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود ولا يُقال أنه خارجه لأنه قريب من كل خلقه محيط بهم، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأن الاتصال والانفصال من صفات الأجسام، وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن المكان، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض، نقول: هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، فلا تناقض أن يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق.
[المفتاح الثالث]: الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون، وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره، ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده، فكل موجود عدا الله تعالى جسم من الأجسام، ومن خصائص الأجسام انها تقبل الحركة والسكون، فالجسم إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن الجسمية وخصائصها من قبول المكان وجريان الزمان، فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو المقدس عنه أصلا، والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة هي كل الاجسام التي تقبل المكان، والقسم الثالث لا محالة منزه عن السكون والحركة لأنهما من لوازم المكان وهو مقدس عنه.
لقد أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما عندما كيفوا وجود الله وقاسوا وجود الله تعالى على وجود المخلوق، ولما لم يروا مخلوقا إلا في مكان لا مناص له منه قالوا لا نعلم موجودا إلا في مكان وأن العدم هو الذي يستغني عن المكان، ونسوا إن الله ليس كمثله شيء وليس له مثيل وليس كوجوده وجود، فهو الموجود بذاته وصفاته وافعاله ولكنه في وجوده منزه عن المكان والزمان، تنزيه الخالق عن المخلوق وتنزيه المنزه عن الحد وعن الكون في المحدود، كما أخطأت الطائفة السلفية المعاصرة خطأ جسيما أيضاً: عندما تخيلوا الخالق المعبود في جهة واحدة من جهات الكون هي جهة العلو الحسي المقاس بالأبعاد وتخلوه جالسا على عرش عظيم سبحانه وتعالى عما يصفون ولو تواضعوا للعلم ودرسوا (علم توحيد الذات) وقواعد التسبيح والتقديس والتنزيه على يد المتخصصين لما كانوا على هذه الحالة التي بها صاروا أدنى مرتبة من العوام.
***
[5]
مفاتيح علم التقديس المستنبطة
عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة في حق ذات الله تعالى
[المفتاح الاول]: عند تدبر آيات القرب مع آيات الاستواء مع آيات الإحاطة نصل إلى عقيدة راسخة مفادها أن الله تعالى منزه في قربه واستوائه واحاطته عن الحس والمسافة والكون في المكان، (الاستواء): استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر}، كما أن (القرب): في قوله تعالى {فإني قريب} قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن (المعية): في قوله تعالى {وهو معكم أيننما كنتم} معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر}، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط} إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما}، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما}، فالله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا مكان ولا زمان، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد.
ويجب العلم بانّ الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، ويجب العلم بانّ القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، ويجب العلم بانّ الإحاطة بالكون احاطة صفات لا احاطة جناب الذات، ويجب العلم بانّ الله تعالى وتقدس موجود بلا كيف، تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، ولا صورة ولا شكل ولا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال أنه داخل الكون ولا يقال أنه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز عن درك الادراك ادراك.
لقد جزم أهل التخصص في باب الإلهيات – اهم وأصعب أقسام العقيدة – أنّ شرط التكلم في (الإلهيات) المسائل المتعلقة بجناب الذات الإلهي: معرفة الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وتصفية الذهن عن شوائب المحسوسات وعوالق المرئيات فإن خالقها ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ونحن لا نُطالب كل مسلم بالولوج في علم التقديس، ولكن لا يحل لأحد ان يدعي التخصص في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة أو أن يقيّم أقوال المتخصصين دونما خلفية عن هذا العلم تمنعه من الولوج في التشبيه او التجسيم او الحشو فيما يتعلق بتوحيد جناب الذات، إنّ (جناب الذات الإلهي) تعالى وتقدس: غيب الغيوب، لا يدرك، لأنه فوق الحدود، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، أما العلم بالله وتقديسه وتنزيه والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله وكماله المطلق، فهذا أشرف العلوم، وأحمد العلوم، وأحسن العلوم، لأنه العلم المتعلق بالله، إذ هناك فرق بين المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة، المعرفة الممكنة تتأتى من معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومن معرفة قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة والتي تمنع من الخلل عند الحديث عن جناب الذات، وهذه المعرفة من اعظم العلم، أما (المعرفة المستحيلة): هي الإحاطة علما بالحق سبحانه، والإنسان مهما أوتي من علم، علمه محدود لأنه محدود، وكل مخلوق محدود لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله المنزه عن الحدود.
لقد ذكر الاستواء في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، (فإن قالوا): فأين الله، قلنا إنّ الله لا يغيب، هو على العرش استوى وهو بكل شيء محيط وهو من كل خلقه قريب، كل ذلك بصفاته وافعاله، اما جناب الذات فلا يحق لنا الحديث عنه ولا تكييف وجوده في مكان دون مكان، لأنّه غيب الغيوب لا تدركه الابصار، ولا نحيط به علما، والعجز عن الإدراك مقصود الإدراك، وأما تلاعب أهل الحشو والتجسيم فتأولوا القرب بالعلم وتأولوا المعية بالعلم وتأولوا الإحاطة بالعلم ثم عند الاستواء قالوا بذاته، فمن أين أتوا بلفظ (بذاته) ولم يرد لا في كتاب ولا في سنّة، وإنما بما فهموه بعقولهم السقيمة التي لا تصلح إلا للتجسيم والتكييف ولا تصلح لاستيعاب التقديس ولا علم التقديس ولا قواعد التقديس.
[المفتاح الثاني]: آيات القرب والمعنى المراد منها: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]،، وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أنه سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50]،، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال: (( يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) ([49]) . وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
[المفتاح الثالث]: آيات الإحاطة والمعنى المراد منها: قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}،
[المفتاح الرابع]: آيات الاستواء والمعنى المراد منها: الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
(مفتاح فهم الآية الأولى التي ذكر فيها الاستواء): والمعنى المراد به: قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف 54-55]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وقهر وتسخير بدلالة قوله تعالى في أول الآية إن ربكم ثم التذكير بالخلق الذي هو أصل الربوبية في قوله خلق السموات والأرض ثم دلالة قوله مسخرات ثم قوله له الخلق والأمر وختم الآية بالربوبية فالاستواء كله متعلق بالربوبية للقرائن السابقة ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية ادعوا ربكم تضرعا وخفية لأن ذلك هو الذي يليق بالعبودية المقابلة للربوبية.
(مفتاح فهم الآية الثانية التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والاتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الثالثة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى وسخر وقوله تعالى: {يدبر الأمر}، وقوله تعالى بلقاء ربكم فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير لا استواء مكان والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة ويكون المراد من ذكر الاستواء هو بيان كمال قدرته سبحانه في تدابير الملك والملكوت. (مفتاح فهم الآية الرابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه 4،5، 6]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ملك وتدبير وربوبية بقرائن ذكر الخلق في قوله ممن خلق الأرض والسموات، وقوله تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) للدلالة على استواء الملك والتدبير أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، أما ما يزعمونه من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى عما يقولون علوا كبيراً، ومثال ذلك تسمية الكعبة ببيت الله والمساجد بيوت الله والعقلاء فهموا من هذه التسمية أن له بيتاً يجب على عباده حجة وبيوتاً هي المساجد يجب أن يعمروها وفهموا منها أنه سبحانه نصب لهم مواضعاً يقصدونها لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكناً لنفسه.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: أنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش، أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد، فكان قوله: (ثم استوى على العرش) أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال، فإن قيل: فإذا حمل قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) على أن المراد: استوى على الملك بالقهر والتدبير وجب أن يقال: الله لم يكن مستوياً استواء ملك وربوبية وتدبير قبل خلق السموات والأرض، قلنا: أنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادراً على تخليقها وتكوينها، وما كان مكوناً ولا موجداً لها بأعيانها بالفعل، لأن إحياء زيد، وإماتة عمرو، وإطعام هذا و إرواء ذلك لا يحصل إلا عند هذه الأحوال، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال، صح أن يقال: أنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره وقهره لها بعد خلق السموات والأرض، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع، ثم لا ننسى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: 17] فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان المعبود كما يتوهم المخطئون، فيلزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله، والحاصل أن الاستواء المقصود هو استواء على الملك بالقهر والتدبير.
(مفتاح فهم الآية الخامسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان 59]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء خلق وربوبية بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما فهو الخالق بالكون بما فيه وهو ربه ومدبره فسأل بذلك خبيرا، وثم تدل على التراخي والتأخر عن الفعل وتعلق الاستواء هاهنا واضح بالربوبية وما تستحقه من عبودية الخلائق فالله عز وجل خلق الخلق وأوجدهم من العدم ثم استوى استواء الرب لعباده ويدلنا على ذلك قوله تعالى في الآيات التالية وعباد الرحمن الذين يمشون هونا.
(مفتاح فهم الآية السادسة التي ذكر فيها الاستواء): قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة 4 إلى 7]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير لنص الآية بقوله تعالى يدبر الأمر وهو استواء ربوبية وخلق بدلالة قوله خلق السموات والأرض وما بينهما وقوله أحسن كل شيء خلقه وهو استواء ربوبية بقرينة نفي الولاية والشفاعة لغير الله أو من أذن فيه الله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع).
(مفتاح فهم الآية السابعة التي ذكر فيها الاستواء): قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير بقرائن عديدة لمن تدبرها منه قوله له ملك السموات والأرض وقوله تعالى خلق السموات والأرض ثم قوله تعالى له ملك السموات والأرض ثم هذه الآية تمتلئ بقواعد تنزيه تنافي ما يقوله المخطئون، أولا: فقوله تعالى الأول والآخر تنزيه عن الزمان لأنه خالق الزمان فكان قبل الزمان والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو الأول والآخر دليل على تنزيه الله عن الزمان ثانيا: قوله تعالى الظاهر والباطن تنزيه عن المكان لأن المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء، ثالثا: قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم دليل على قربه وهو ينافي مذهب الحشوية إلا أننا نقول أنه قرب منزه عن المسافة وعن التحيز وعن الحلول في الأمكنة والمخلوقات ليس كمثله شيء، وجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء فوضح الحق وبطل ما كانوا يعملون، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
والحاصل أن القول الفصل في الاستواء أنه على منهاج أهل السنة والجماعة، لا يخرج عن ثلاثة أقوال جميعها عند أهل السنة صحيحة، هي: (أولا): أنه من باب الاستعارة (وهي أعلى مراتب البلاغة عند العرب) كالملك إذا كان ذا هيبة ومكانة عظيمة في بلده يعبرون عن علو قدره بأنه على كرسي الملك استوى وإلا فالاستواء بمعنى الجلوس ليس فيه أي إشارة إلى الكمال لأن الجلوس يتقنه كل أحد، وعلى ذلك فالمقصود من الاستواء الدلالة على الاستعلاء والقهر وعلو الربوبية والتدبير بقرينة (يدبر الأمر)، والتي تعقب ذكر الاستواء عادة والله تعالى أعلم، وفي بيان تلك الاستعارة جاء في فتح الباري: ” قال الحافظ صلاح الدين العلائي: ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية وهي ان يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما حيث تكون جهة الاشتراك وصفا فيثبت كماله في المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في اثبات المشترك قال وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسيم ” أ هـ ([50]) .
و(الثاني): أنه (استواء) على مراد الله تعالى ومراد رسوله، ليس كمثل استوائه استواء، كما أنه ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، و(الثالث): معاملة صفات القرب والإحاطة والاستواء معاملة واحدة، فإذا أثبتنا الاستواء أثبتنا القرب، وأثبتنا الإحاطة، وآنذاك، يمتنع التكييف لأنه جمع بين الأضداد.
(فائدة): [رأي المشبهة والجهمية في آية سورة الحديد والرد عليهم]: استدلت المشبهة من الآيات في سورة الحديد: على أنّ الاستواء استواء جلوس على العرش، واختلفوا هل بمماسة أو من غير مماسة، وهل بحد ونهاية أم من غير حد ونهاية، وهل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أم لا، وكل هذه المصائب العقائدية أتت عليهم من تكييف الاستواء، وأنه يشبه جلوس الملك على كرسيه، وتناسوا أنه ليس كمثله شيء، واستدلت الجهمية من هذه الآيات: على أن الله تعالى موجود بذاته في كل مكان، فأنتصب العلماء أهل الأصول للرد على هذه بدعة وأوضحوا أن كلمة بذاته زيادة شنيعة زادتها زادتها الجهمية في دين الله، وأن الله تعالى قريب لا يغيب عنه مكان ولا يبعد عنه مخلوق ولكنه منزه عن الحلول بذاته في أي مكان، ثم ظهرت الحشوية وقالوا أن الله موجود في مكان دون مكان ومكانه العرش وقال بعضهم أن العرش مكانه وأنه أكبر من ذات الرحمن بمقدار أربعة أصابع استدلوا له بحديث لا يصح ولا يجوز أن نأخذ من مثله حكما في الوضوء والطهارة فضلاً عن حكم يتعلق بذات الرحمن فانتصب الأصوليون من هذه الأمة لهذه البدعة وفندوا أخطاءها وأظهروا عوارها وبينوا أن الأماكن كلها محدودة والله لا حد له وأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان تنزه عن الحاجة إلى العرش وما دونه من المخلوقات حي قيوم قائم بنفسه قائم على حاجات خلقه ليس كمثله شيء له كمال الغنى سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه.
و(نحن): نقول لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء كون الذات العلية مستوية مكاناً على العرش قد ورد في الصحيح أن رسول الله قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له رواه البخاري ومسلم وغيرهما فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جاهل مأفون، و(نقول) لهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء إلى السماء أنه الانتقال من الأرض إلى السماء وذلك في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم} [البقرة 29] أن تصورهم الاستواء بهذه الصورة محض باطل وجهل عظيم ووقاحة في الاعتقاد ومشابهة لليهود في التجسيم والنصارى في الإتحاد والحلول لأنه يدل على حدوث العلو بعد السفل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا والمعنى الصحيح الذي عليه الأئمة المفسرون أنه سبحانه قصد إلى خلق السماء وليس صعد من الأرض إلى السماء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
[المفتاح الخامس]: استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات، لأن جناب الذات غيب لا يُدرك: الله تعالى غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات، وأهل التكييف متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) إنّ المنهج العلمي في معاملة النصوص يستوجب التساوي في فهم الآيات، فلم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، كما أنّ الإحاطة احاطة صفات العلم والسمع والبصر، وجناب الذات لا يدرك ليس كمثله شيء.
[المفتاح السادس]: درر من أقوال العلماء في تقديس الله عن الاستواء بالذات: (1) وقال ابن كثير في تفسيره: (وأما قوله تعالى “ثم استوى على العرش” فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه و”ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ” أهـ، ([51]) .
(2) وقال عبد الباقي بن إبراهيم الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه ” أهـ، ([52]) .
(3) وقال شيخ محدثي زمانه الإمام البيهقي: (وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد قال {ليس كمثله شيء} وقال {ولم يكن له كفوا أحد} وقال {هل تعلم له سميا} “([53]) .
(4) وقال العلامة ابن الجوزي وهو يبين مذهب السلف في الاستواء: (ومنها قوله تعالي: ” ثم استوي علي العرش ” قلت: وجميع السلف علي امرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل، قال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ” الرحمن علي العرش استوي ” كيف استوي؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن علي العرش استوي كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج، ثم تكلم عن حشوية الحنابلة أبي حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى الذين يظنون أنهم على مذهب السلف والسلف بريئون منهم فقال: وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة علي مقتضي الحس فقالوا: ” استوي علي العرش بذاته “، وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من احساسهم، وهو أن المستوي علي الشيء إنما تستوي عليه ذاته، قال أبو حامد: الاستواء مماسته وصف لذاته، والمراد به القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلي أن الله سبحانه وتعالي علي عرشه ما ملأ، وانه يقعد فيه، ويقعد نبيه الله صلى الله عليه وسلم معه علي العرش، قال أبو حامد: والنزول انتقال، (قلت) (القائل ابن الجوزي): وعلي ما حكي تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة،،؟ وقيل لابن الزاغوني: هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش،،؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدى الذاتين صفة التحت تثبت لأخري صفة استحقاق الفوق قال: وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا بد من شيء يحصل به الفصل، فلما قال: ” ثم استوي ” علمنا اختصاصه بتلك الجهة، قال بن الزاغوني: ولابد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها، (قلت) (القائل ابن الجوزي): وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه، قلت (القائل ابن الجوزي): وهنا كلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالي ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لابد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحازي، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحازى أو أصغر أو مثله، وإن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحازي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، وإذا ثبت أن الدليل علي حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة، فإذا أجازوا هذا عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر،،، والحق سبحانه وتعالي لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه، أو متحركا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة أو سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين، فقد تناهي ذاتيا، والمتناهي إذا خص بمقدار، استدعي مخصصا، وكذا ينبغي أن لا يقال، ليس بداخل العالم، وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون كسائر الأعراض التي تختص بالأجرام، وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها، (قلنا) (القائل ابن الجوزي): ذاته تعالي لا يقبل أن يخلق منها شيء، ولا أن يحل فيها شيء، (والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب علي الجواهر، ومعني الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد، وكلام هؤلاء كله مبني علي الحس، وقد حملهم الحس علي التشبيه والتخليط حتي قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء علي العرش لأنه أقرب الموجودات إليه، وهذا جهل أيضا، لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم، وقال بعضهم: جهة العرش تحازي ما يقابله من الذات ولا تحازي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض)، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلي مذهبنا؟ واحتج بعضهم بأنه علي العرش بقوله تعالي: ” إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ” وبقوله تعالي ” وهو القاهر فوق عباده ” وجعلوا ذلك فوقيه حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال: {فوق عباده} قال: {وهو معكم}، فمن حملها علي العلم، حمل خصمه الاستواء علي القهر،،، قال ابن حامد: الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته علي عرشه وقال: وذهبت طائفة أن الاستواء علي عرشه قد ملأ، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه، قلت المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقي هذا في التجسيم بقية،،؟ فصل: واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل، وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوي بالإضافة إلي القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلي مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعني زائدا علي ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات، ثم إن كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلي جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة،،،، فإن قيل نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا إن كان الوجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقت، فاما إذا لم يقبلها فليس خلوه من طرق النقيض بمحال، فإن قيل أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم، قلنا: أن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك إلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيء إلا علي وفق ما رآه لأن الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لأن العقل مضطر إلي التصديق بموجب الدليل، واعلم أنك لما لم تجد إلا حسا أو عرضا وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزا أو متحركا أو متنقلا، ولما كان مثل هذا الكلام لا يفهمه العامي قلنا: لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه بل يسروه أن لا يساكن الجبال، ويقال إن الله تعالي استوي علي عرشه كما يليق به ” ([54]) .
(5) وقال رحمه الله _ في شرحه لحديث ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له_ ” قلت: وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين: أحدهما المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وإن كان معدنه بالأرض وقال: {وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج} ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل،،؟، والثاني: الساكت عن الكلام في ذلك، روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف قلت: وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يفتقر إلي ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا،، قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل، قلت: وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال، قلت وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه، ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة، “([55]) .
(6) وقال القاضي بدر الدين بن جماعة: ” واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه ” أهـ، ([56]) .
(7) وقال الزرقاني في [مناهل العرفان] ({الرحمن على العرش استوى}: فنقول يتفق الجميع من سلف وخلف على أن ظاهر الاستواء على العرش وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل لأن الأدلة القاطعة تنزه الله عن أن يشبه خلقه أو يحتاج إلى شيء منه سواء أكان مكانا يحل فيه أم غيره وكذلك اتفق السلف والخلف على أن هذا الظاهر غير مراد لله قطعا لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه وأثبت لنفسه الغنى عنهم فقال ليس كمثله شيء وقال هو الغني الحميد فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا،،،، إلى أن قال: لقد أسرف بعض الناس في هذا العصر فخاضوا في متشابه الصفات بغير حق وأتوا في حديثهم عنها وتعليقهم عليها بما لم يأذن به الله ولهم فيها كلمات غامضة تحتمل التشبيه والتنزيه وتحتمل الكفر والإيمان حتى باتت هذه الكلمات نفسها من المتشابهات ومن المؤسف أنهم يواجهون العامة وأشباههم بهذا ومن المحزن أنهم ينسبون ما يقولون إلى سلفنا الصالح ويخيلون إلى الناس أنهم سلفيون من ذلك قولهم إن الله تعالى يشار إليه بالإشارة الحسية وله من الجهات الست جهة الفوق ويقولون أنه استوى على عرشه بذاته استواء حقيقا بمعنى أنه استقر فوقه استقرارا حقيقيا غير أنهم يعودون فيقولون ليس كاستقرارنا وليس على ما نعرف وهكذا يتناولون أمثال هذه الآية وليس لهم مستند فيما نعلم إلا التشبث بالظواهر ولقد تجلى لك مذهب السلف والخلف فلا نطيل بإعادته ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول {ليس كمثله شيء} ويقول {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} ويقول {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}ويقول {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف ” أهـ،([57]) .
***
[6]
مفاتيح علم التقديس المستنبطة
من فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم
[المفتاح الاول]: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: قال تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله التي رواها أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي (ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه،،ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع) ([58]) . وجاء فيه أيضا: ” لا يجوز أن يسمى جسما وأنكر (أي الإمام أحمد) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([59]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات،،، إلى أن قال: وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية أنه جسم قال: وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال أنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال أنه مركب من لحم ودم، تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء: 171] ” ([60]) .
[المفتاح الثاني]: [مجاز الوجه في القرآن الكريم]: قد ذكرت في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: بيان [مجاز الوجه في القرآن]، وأنّ الوجه يأتي ويقصد به الذات، وذلك في مثل قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]، ولا شك أنّ إسلام القلب إلى الله تعالى أعظم من إسلام الوجه فالإيمان والإسلام والتقوى والإخلاص كل ذلك مقره القلب، وهي المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وهذا يدلنا على أن التعبير بإسلام الوجه تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر التوجه على الوجه وحسب وإنما توجه الكل إلى الله، أو أن المراد إخلاص النية والتوجه إلى الله، وعلى نفس المنوال ينبغي حمل قوله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} على الذات لا سيما لوجود قرينة أنّ (الاحدية) و (الصمدية) تمنع من قبول الجوارح والأجزاء والابعاض، وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة،، وقوله تعالى {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة /115]، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها: (أ) فثم قبلة الله، (ب) فثم علم الله، (ت) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين [تفاسير الطبري وابن كثير]، وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح.
[المفتاح الثالث]: [مجاز اليد في القرآن]: قد ذكرت في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص: بالتفصيل بيان [مجاز اليد في القرآن]، وأنّ اليد تأتي ولا يقصد بها الجارحة وإنما تأتي بمعنى الذات، على طريقة أهل البلاغة من العرب في اطلاق الجزء ويريدون به الكل، وقد تأتي على معنى القوة والقدرة، وقد تأتي على معنى الإكرام، وفق السياق والسباق واللحاق، فمثال أن تأتي اليد على معنى الذات، قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، فالآيات الكريمات السابقات تؤكد أن ما أصابهم من السوء منوط بما كسبت أيديهم، ومعلوم أن كسب القلب أعظم، فالكفر والتكذيب والعناد والنفاق مقره القلب وكذلك فإن لبقية الجوارح كسب يسبب العذاب كالأرجل والأعين والآذان، وهذا يدلنا على أن التعبير بالأيدي تعبير مجازي يطلق الجزء ويريد الكل فلا يراد به قصر سبب العذاب والهلاك على ما جنته الأيدي وحسب وإنما المراد (بما كسبتم وكسبت أنفسكم)، وقد يأتي مجاز اليد على معنى القدرة والسطوة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ومعلوم يقيناً أن الأسرى ليسوا في يد الرسول ولا في أيدي الصحابة، وإنما المقصد من تحت حكمكم وقدرتكم وسيطرتكم من الأسرى وعبر عن هذا الحكم باليد لأنها موضع الإمساك والتحكم، ومثاله أيضا قوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}، ومعلوم أن النكاح ليست له عقدة وأن هذه العقدة بيد ولي الأمر، فهذا لا يقوله عاقل، وإنما المعنى من له الولاية على النكاح حتى وإن كان مقطوع اليدين، فلا علاقة للآية بإثبات عقدة ولا يد وإنما هو الأسلوب البلاغي الذي يوصل المعنى في أجزل عبارة وأدق معنى، وقد تأتي (اليد) بمعنى القدرة والجد والعمل والاجتهاد، كما في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ أنه أَوَّابٌ}، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، والمعلوم أن البشر جميعاً ذووا أيدي فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح أم أن المقصود بالأيدي هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وقد تأتي على معنى الكرم والسخاء، كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، وقد تأتي على معنى غاية الاكرام والاهتمام والاعتناء، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} الآية لم تأت لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبعض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزئ يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإنما سياق الآية يشير إلى ما فضل الله تعالى به آدم عليه السلام، من خلقه في أحسن تقويم وتعليمه من العلم ما لا يعلمه غيره وتفضيله في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات، وإلا فما الفارق عند كل منصف بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد)، فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، فإن قالوا: القدرة لا تثن، وقد قال تعالى: {بيدي} قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه ومن قال بذلك فلا ينبغي أن يضيع الوقت معه، فإن أصروا وجادلوا قلنا: قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن فهل ندعه لفهم خاطئ لحديث لم يصح أو حديث مختلف في صحته، وعلى ذلك فالمعنى المحكم للآية {لما خلقت بيدي} أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله، تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه.
[المفتاح الرابع]: [مجاز العين في القرآن]: سبق بيان مجاز العين في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص، والحاصل: أنّ العين تأتي مجازا عن الرعاية والحفظ وتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
[المفتاح الخامس]: [مجاز الساق في القرآن]: سبق بيان مجاز الساق في [المفتاح الخامس والعشرون]: من قواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص، وذلك عند قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، وحاصله: أنّ العرب تقول: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، جاء في مختار الصحاح: (قوله تعالى يوم يكشف عن ساق أي عن شدة)، وجاء في لسان العرب: (يوم يكشف عن ساق إنما يريد به شدة الأمر كقولهم قامت الحرب على ساق)، ([61]) . وجاء في التبيان في تفسير غريب القرآن (يوم يكشف عن ساق إذا اشتد الأمر والحرب قيل كشف الأمر عن ساقه)، ([62]) . وقد نُقل ذلك التفسير عن الحبر البحر عبد الله بن عباس الذي دعـا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، فقد أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: عن ابن عباس رضي الله عنهما: يوم يكشف عن ساق قال هو يوم حرب وشدة، وبسنده عن ابن عباس أيضا: يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق، وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، وبسنده أيضا عن ابن عباس قوله: {يوم يكشف عن ساق}، يقول هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة، وبسنده عن مجاهد قوله: {يوم يكشف عن ساق}، قال شدة الأمر وجده، وبسنده عن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر، وبسنده عن قتادة في قوله: {يوم يكشف عن ساق}، قال عن أمر فظيع جليل، وبسنده عن عكرمة في قوله {يوم يكشف عن ساق}، قال هو يوم كرب وشدة ” “ ([63]) . وليس الطبري وحسب ولكن كل المفسرين المحسوبين على اهل السنّة والجماعة، عدا اهل الحشو والتجسيم وهم أقل قليل، وانظر – خشية الإطالة – البرهان للزركشي في علوم القرآن والإتقان في علوم القرآن للسيوطي وتفسير الثعالبي ، وتفسير الواحدي ، وتفسير أبي السعود ، وزاد المسير ، وتفسير النسفي وروح المعاني للألوسي وقال فيه: (ذهب بعضهم إلى أن المراد بالساق ساقه سبحانه وتعالى وإن الآية من المتشابه واستدل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا وأنكر ذلك سعيد بن جبير أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه سئل عن الآية فغضب غضبا شديدا وقال إن أقواما يزعمون أن الله سبحانه يكشف عن ساقه وإنما يكشف عن الأمر الشديد وعليه يحمل ما في الحديث على الأمر الشديد أيضا ” أهـ،([64]) على أن بعض علماء أهل السنة والجماعة أثبت بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق) ليست على هيئة الجارحة وإنما صفات لا يعلم حقيقتها إلا الله، وقد استقر قول أكثر الأصوليين على تفسير الآيات بما سيقت لأجله من إثبات معنى معين مع التنزيه وعدم التعرض لإثبات صفات إضافية لا تفيد التعظيم ولا التنزيه، بل قد تدخل إلى التمثيل والتجسيم، قال تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، وعدم التعرض للمعنى الحقيقي المراد من الآيات المتشابهات لأنه {وما يعلم تأويله إلا الله} {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فالمتشابه كاليد والوجه ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل.
[المفتاح السادس]: أثبت بعض علماء أهل السنة والجماعة بالآيات صفات لله تعالى (وجه وعين ويد وساق)، ولكنها صفات غير معلومة وليست اجزاء من الذات: الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات.
[المفتاح السابع]: [المدرسة السلفية المعاصرة والتجسيم]: للأسف تبنت المدرسة السلفية المعاصرة منهجا مخالفا لمنهج السلف في باب الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، حيث اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل، وأنه من شر الفرق، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان، ولا معنى للأعيان في اللغة إلا الأجزاء، فكأنها دعوة إلى التجسيم، نسأل الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب، وكل ذلك اتباعا للشيخ ابن تيمية في هذا الباب، وعند التحقيق نجد أنه تورط في مغالطات آلت به إلى ترجيح مذهب التجسيم على مذهب التقديس، [مغالطات الشيخ ابن تيمية في مسألة نسبة الوجه واليد والعين إلى الله]: الشيخ ابن تيمية رحمه الله كان دائما يلهج لسانه وقلمه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين)، ولكنه – لكونه غير متخصص في الإلهيات ومعرفة ما يستحيل نسبته إلى الله العظيم – ارتكب في ذلك أربع مغالطات.
(المغالطة الأولى): زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، لان هناك فرق بين الصفات وبين اجزاء الذات التي ترسم شكل الذات، الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر، هذه صفات لا خلاف في ذلك، ولكن الوجه واليد والعين (في اللغة) أجزاء من ذات وأبعاض من الذات ترسم شكل الذات، وليست صفات، فكان هذا من التدليس الذي لا يصح، لأن من أظهر صفات الأحدية المطلقة منع الأجزاء والابعاض، ومن أظهر صفات الصمدية المطلقة منع التركيب من الأجزاء والابعاض.
(المغالطة الثانية): أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة، من تلك الاسباب: (أ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض، وليس الصفات (ب) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى، فالقدير يعود إلى صفة القدرة، ولكن الوجه والبد والساق لا ترجع إلى اسم من الأسماء الحسنى، (ث) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى {فاعلموا ان الله سميع عليم}، و من مثل قوله تعالى {إن الله على كل شيء قدير}، بالتأكيد على صفة القدرة، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك، (ت) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك.
(المغالطة الثالثة): أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل صفات عينية،: (كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا) [درء العقل والنقل]، ومعنى كلامه: أنّ الصفات الخبرية (اليد، العين، الوجه، الأصابع، الساق، الحقو هي عبارة عن صفات عينية أي ليست معنوية وإنما أعيان، ولا معنى للأعيان إلا أن تكون أجزاء من جناب الذات، وليس لها معنى غير ذلك، لأن اليد غير العين والعين غير الساق والساق غير الحقو وكل من هذه أعيان، فوجود أكثر من عين يدل على التركيب لا محالة، والتركيب تجسيم لا محالة.
(المغالطة الرابعة): أنه اتهم من تأولها بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، أربع مغالطات لابد من التفطن إليها وحل مشكلاتها.
[المفتاح الثامن]: حل إشكال مغالطات ابن تيمية في باب الصفات الخبرية:
[حل إشكالية المغالطة الاولى] تسميتها صفات هو من باب المجاز، لأنها في اللغة اجزاء من ذوات، فليس الوجه واليد والعين سوى أجزاء ترسم شكل الذات، والله تعالى له الاحدية المطلقة التي تمنع من الكثرة وقبول الانقسام، فتسميتها (صفات) هو من باب المجاز، وقد سماها بعض السلف صفات، احترازا من الظن بانها أبعاض من الذات، ولكن عاد ابن تيمية فسمها صفات اعيان، فعادت لا معنى لها سوى الأبعاض.
[حل إشكالية المغالطة الثانية] من أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال، قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال،، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا ولا حتى تصورها أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد، الله واحد لا شريك له، والله احد لا جزء له، و(الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، (الأحدية المطلقة): تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة في جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى أحد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء.
[حل إشكالية المغالطة الثالثة] وكل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك (الوجه) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله}، اسلام القلب هو الاهم، وعلى ذلك يحمل (الوجه) في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال.
[حل إشكالية المغالطة الرابعة] والمغالطة الرابعة في الباب: أنه اتهم من أول تلك المتشابهات بالتعطيل وهذا ظلم لأهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، لان تأويلها صادر عن الحبر البحر ابن عباس بسند صحيح، وعن جمع من علماء التابعين وتابعي التابعين واكابر العلماء، والتأويل لا مناص منه عند تعارض الادلة بحمل المتشابه على امهاته من المحكم، إذ لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل.
[المفتاح التاسع]:الأدلة الشرعية على جواز التأويل بضوابطه الصحيحة: هناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي: [الدليل الأول]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ([65]) .
و[الدليل الثاني]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([66]) . وتأويله قول الله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([67])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([68])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([69])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([70])،
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
و[الدليل الثالث]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الأزلية الكاملة، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)} [فصلت: 54] وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر باطل، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للأجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له.
فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، إنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم، بقوله: (مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار (لا تحزن إن الله معنا) فقد تأوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، (تأويل المعية)، فيكون ابن تيمية هنا قد اختار في الحقيقة مسلك التأويل، ومن الأمثلة على تأويل ابن تيمية قوله في الآية الكريمة: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، قال: (هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله) انتهى،، وهذا تأويل لأن ظاهر اللفظ يدل على إسناد القرب إلى الله عز وجل وتفسيره بقرب الملائكة صرف للفظ عن ظاهره، فلماذا يمنعون أهل السنة مما يقومون هم به؟ ولم لا يقال في هذا الصرف أنه تعطيل لم وصف الله تعالى به نفسه كما يتهمون أهل السنة إن أولوا نصا مشابها؟ وما الفرق بين هذا وبين تأويل أهل السنة لقوله تعالى: {جاء ربك} أي جاء أمره؟، ومن تأويل ابن تيمية أيضا ما ذكره عند قول الله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء}، قال: واليهود أرادوا بقولهم يد الله مغلولة أنه بخيل! فكذبهم الله في ذلك وبين أنه جواد لا يبخل وأخبر أن يديه مبسوطتان.
و[الدليل الرابع]: يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات.
و[الدليل الخامس]: التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في: (أ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق.
لقد أراد ابن تيمية أن ينصر مذهب السلف ولكنه لم يدرس الإلهيات على متخصص، ووثق بنفسه، وهجم على هذا العلم بغير مدرس فآل به الحال إلى اعتناق مذاهب الحشوية، وهؤلاء (الحشوية) أهل جهل مركب في باب العقيدة ينسبون إلى الله تعالى الحد والمكان والصور والاشكال والتغير والحدوث، ومذهب هؤلاء الحشوية المبتدعة: تحديد الوجود الإلهي المطلق وتكييفه، مع انهم يقولون بلا كيف، ولكنهم يكيفون الوجود، ويحدونه بجهة واحدة من جهات الكون المخلوق، وقالوا بسبب هذا التكييف الذي وقر في قلوبهم: أنّ الله تعالى موجود (بذاته) على عرشه، فكيفوا جناب الذات وحدوه بالمكان وحدوه بالعرش المحدود، وهؤلاء يعتقدون أنه تعالى متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يقابل العرش بظنهم، وأشنع بدعهم قولهم بان جناب الذات الإلهي يقبل الحوادث، وذهلوا عن دليل الخليل إبراهيم عليه السلام {لا أحب الآفلين}، أي ان علة عدم الصلاحية للإلهية هي التغير وقبول الحوادث، وديدنهم الحديث حول ما يتوهمون أنه شكل للرحمن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، يكثرون الحديث عن الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ولا يبقى لنا بعد تلك العقائد الزائغة شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتقديس.
و(المصيبة) أنهم يتدثرون بلباس أهل السنة وهم منها عراء، وينتسبون إلى السلف والسلف الكرام منهم براء، يرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بها على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، وهم -للأسف- قطاع طرق على الكتاب والسنة وعلى علوم الدين في صورة المدافعين عن الدين، يرومون هدم صروح التخصص العلمي الإسلامي القائمة على علوم الدين، يعتقدون التجسيم ويحاربون علم التقديس، ويتصدرون للحديث عن جناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، ويتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم دائما بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فلو كان له الوجه على الحقيقة لكان جزءا من جناب ذاته وليس من صفاته لان العرب تستعمل الوجه للجارحة ولا تستعمله كصفة إلا مجازا، وتستعمل اليد كجزء من ذات وتستعمل القدرة كصفة للذات، فإن كان له يد على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كان جزءا من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتتبع لهذه للمتشابهات: باب الصورة باب الوجه باب اليد باب اليمين باب الأصابع، باب الأنامل، باب العين، باب الساق، باب الضروس واللهوات، باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، لقد تسربت إلى (السلفية المعاصرة) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة.
***
المبحث الثاني مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند دراسة بلاغة القرآن
[المفتاح الاول]: القرآن الكريم كتاب عربي نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103]، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 إلى 195]، وقال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44]، فما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، وهذا ما دعا عبد القاهر أن يقول: (ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما) أهـ ([71]) .
وقال الزركشي: (ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن) ([72]) .
وقال السيوطي: (ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها) أهـ ([73]) .
وقال الشوكاني: (المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم،، وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة) ([74]) .
وقال الجرجاني في دلائل الاعجاز في علم المعاني: (ثم أنه اتّفاقٌ منَ العقلاء أن الوصف الذي به تَنَاهى القرآنُ إِلى حَدٍّ عَجِزَ عنه المخلوقون هو الفصاحةُ والبلاغة،،، ودَعْ هذا وهَبْ أنه لا يلزمُ شيءٌ منه، فإِنه يكفي في الدَّلالة على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به أن يقتضيَ إِسقاطَ الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطِّراحَ جميعها رأساً مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها والأَعضادُ التي تستند الفصاحةُ إِليها،، وهي التي نَوّه بذكرها البُلغاءُ ورفعَ من أقدارها العَلماءُ وصنَّفوا فيها الكتب ولم يتعاطَ أحدٌ من الناس القولَ في الإِعجاز إِلاّ ذكرَها وجعلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يوجب الفضلَ والمزية وخصوصاً الاستعارة والإِيجاز، فإِنكَ تراهم يجعلونَهما عنوانَ ما يذكرون وأولَ ما يُوردون وتراهم يذكرونَ من الاستعارة قولَه عزَّ وجل: {واشْتَعَلَ الرأْسُ شيباً} وقولَه: {وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْلَ} وقولَه عز و جل: {وآيةٌ لَهُمْ اللّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار} وقوله عز و جل: {فاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرُ} وقولَه: {فلما اسْتَيأسوا منه خَلَصوا نَجيَّاً} وقولَه تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ؤ وقولَه: {فَما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ}، ومن الإيجاز قولَه تعالى: {وإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قومٍ خِيانةً فانْبذْ إِليهم عَلى سَوَاءٍ} وقولَه تعالى: {ولا يُنْبِئُك مِثْلُ خَبِيرٍ} وقولَه: {فشرِّدْ بِهم مِنْ خَلْفَهُمْ}، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أن المجازَ والإِيجازَ من الأركانِ في أمرِ الإِعجاز) أهـ([75]) .
[المفتاح الثاني]: القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك: (أ) التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، وقوله تعالى: {الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، وقوله تعالى: {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 11]
(ب) التعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]
(ت) التعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، فسياق الآية يتناول الكفار الذين لا يهتدون، وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء: 72]، ومعلوم أنّ المقصود بالعمى هو عمى القلب عن سماع الحق ورؤية الحقيقة، وإلا فإنّ الآية لو أخذت على الحقيقة لا المجاز – كما ينكره من به عمى عن رؤية بلاغة اللغة العربية ومجازها – فإنّ كل أعمى البصر في الدنيا فإنه سيكون أعمى في الآخرة وأضل سبيلا، وهذا لا يقول به عاقل، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال.
(ث) التعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة، كما في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103]، وشفا الجرف الهار، كما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109]
(ج) التعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]
(ح) التعبير بالأخذ تارة عن الهلاك، وتارة عن القبول والرضا، وتارة عن الجد والاجتهاد في التمسك، فمن التعبير عن الأخذ بالهلاك كما في قوله تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} [الحاقة: 10]، وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران: 11]،، وقوله تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: 5]، ومن التعبير بالأخذ عن الجد والاجتهاد في التمسك، قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12]، وقوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63]، ومن التعبير بالأخذ عن القبول والرضا قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104]، وقوله تعالى: {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144]
(خ) والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67}.
(د) والتعبير بالبسط تارة عن العدوان، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ} [المائدة: 11]، وتارة عن الغنى كما في قوله تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26]
(ذ) كما يعبر بالقبض والبسط عن الغنى والفقر، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245} [البقرة: 245]، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]
(ر) والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}.
[المفتاح الثالث]: القرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك أيضا: التعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [المؤمنون: 27]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والتعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70]، أي في قهركم واستيلائكم، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5، 6]، ومعلوم أنّ ملكة اليمين ليست في اليمين ولكنه تعبير مجازي عن ما يملكه الإنسان، ومنه قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1]، أي له القدرة التامة والقهر على عباده وخلقه، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، والتعبير عن الذات باليد، كما في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، والمقصود به مطلق ذنوب الناس لا ذنوب اليدين فقط، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج: 10]
والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 75، 76]، فقوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين، ومعنى الآية (لما خلقت بيدي): لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه البارئ سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية {قل هو الله أحد} ونفي المثلية {ليس كمثله شيء} وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى أن الله تعالى مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا، والحاصل أنّ المتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك ظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى.
المبحث الثالث مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند وجود ظواهر للنصوص مخالفة لقواعد علم التقديس
[تنبيه]: قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه -: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته (المجسمة) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ ([76]) .
[المفتاح الاول]: هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات المتشابهات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ}، وقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {إلا لنعلم من يتبع الرسول} ” معنى: يعلم أوليائي وحزبي ” أهـ،([77]) .
وقال البيضاوي: ” ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه ” أهـ،([78]) .
وقال القرطبي: ” المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها،، وقيل المعنى إلا ليعلم النبي وأتباعه وأخبر تعالى بذلك عن نفسه كما يقال فعل الأمير كذا وإنما فعله أتباعه ” أهـ، ([79]) .
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} ” ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ويكون ذلك كقوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}، وكقوله تعالى: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين}، إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لامحالة ولهذا قال بعد هذا، {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ” أهـ([80]) .
[المفتاح الثاني]: وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال القرطبي: (نسوا الله فنسيهم أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب) أهـ([81]) . وقال البيضاوي: (نسوا الله غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته فنسيهم فتركهم من لطفه وفضله) أهـ ([82]) . وقال البغوي: (نسوا الله فنسيهم تركوا طاعة الله فتركهم من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته في الآخرة وتركهم في عذابه) أهـ ([83]) . وقال السيوطي: (فنسيهم: تركهم من ثوابه وكرامته) ([84]) .
[المفتاح الثالث]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال الطبري في تفسيره: (وأما تأويله فإنه وعيد من الله لعباده وتهدد كقول القائل الذي يتهدد غيره ويتوعده ولا شغل له يشغله عن عقابه لأتفرغن لك وسأتفرغ لك بمعنى سأجد في أمرك وأعاقبك وقد يقول القائل للذي لا شغل له قد فرغت لي وقد فرغت لشتمي أي أخذت فيه وأقبلت عليه وكذلك قوله جل ثناؤه سنفرغ لكم سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة) أهـ([85]) .
وقال القرطبي: (قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان}، يقال فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته، والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده إذا أتفرغ لك أي أقصدك وفرغ بمعنى قصد) أهـ ([86]) .
وجاء في البرهان في علوم القرآن: (قوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا أتفرغ لك أي أقصد قصدك والآية منه أي سنقصد لعقوبتكم ونحكم جزاءكم) أه([87]) .
[المفتاح الرابع]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وقوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، قال القرطبي: (المعنى أن الإعادة أهون عليه أي على الله من البداية أي أيسر وإن كان جميعه على الله تعالى هينا وقاله ابن عباس ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده يقول إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم أهون عليه من الإنشاء)أهـ([88]) .
وقال الواحدي: (وهو أهون عليه أي هين عليه وقيل هو أهون عليه عندكم وفيما بينكم لأن الإعادة عندنا أيسر من الابتداء) أهـ ([89]) .
وجاء في تفسير الجلالين: (وهو أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة) ([90]) . وقال الألوسي: (وأهون للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده ابتداء والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عز وجل سواء فكأنه قيل وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم) أهـ([91]) .
فلا يظن مسلم أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هَيِّن وشيء أَهْوَن، وشيء شاقّ، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا، والله تعالى لا يعجزه شيء ولا يعييه خلق، بل يقول للشيء كُنْ فيكون: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]، وظاهر الآيات محال على الله تعالى.
[المفتاح الخامس]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)} [فصلت: 54]، وهذه الادلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى تقدس وتنزه عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما.
[المفتاح السادس]: وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومنزه عن القرب الحسي بالذات، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، إذ هو قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
[المفتاح السابع]: وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته، يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها كما ذكرتها في مبحث (فقه العلم بالقرب مع الاستواء مع الإحاطة في حق ذات الله تعالى)، بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن.
[المفتاح الثامن]: وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهذه نثبتها على الوجه الذي يحمل المتشابه على المحكم، والمحكم هو اسم الله الأحد واسم الله الصمد وقد تقدم بيان أخص معاني الاسمين وخلاصة الأمر أنّ الله مقدس عن الأجزاء والابعاض والجوارح وإذا كانت اليد والوجه والعين في اللغة استعملت على انها أجزاء وأبعاض وجوارح من الذات، فإنها إذا تعلقت بالأحد الصمد، فإنها ليست أبعاض ولا أجزاء ولا جوارح، وإنما نثبتها صفات على الوجه الذي يدل على الكمال، مع تنزيه الله تعالى عن معناها الحقيقي الذي جاء في اللغة وهو الجزء والبعض والجارحة، مع الاحتراس عن نفي ما أثبته الله تعالى، ومثال ذلك (الوجه): فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجوارح والاجزاء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى {ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم.
وكذلك جاءت الآيات في العين مضافاً إلى الله تعالى: والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل في مجازات متعددة، فالعين تأتي حقيقة في الجارحة المعروفة الخاصة بالرؤية عند المخلوقين وهي جارية مجرى التمثيل والمجاز عن البصر والإدراك والرعاية والحفظ والرؤية والحراسة وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلة الرؤية، والرؤية هي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، فتأتي كناية على شدة العناية والحراسة، فإذا جمعت العين دلت على كمال الحفظ والمبالغة فيه، وقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، وكذلك جاءت الآيات في اليد مضافاً إلى الله تعالى، والمتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، فإن بلغاء العرب يعلمون أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، فإن سياق الآية يدل على الرضا ببيعتهم، والآية لم ترد للإخبار عن الله بأن له يداً، وأن يده هذه فوق الصحابة المبايعين، وإنما وردت لبيان قضية أكبر من ذلك والإخبار عن مسألة أعظم، ألا وهي تأكيد هذه البيعة وتعظيم أمرها والإخبار عن شرفها وعلو مقامها، وربطها بالله سبحانه وتعالى مباشرة لتقوية روابطها وتوثيق عراها، ومنه قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الملك: 1] وهاهنا التعبير القرآني (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) كناية عن القدرة بقرينة ختم الآية بقوله تعالى {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ولا يقصد بهذا الأسلوب العربي البليغ إثبات جارحة اليد وهذا لا يفهمه إلا شخص بعيد عن جمال اللغة وبديعها، ولو كان المراد إثبات اليد على حقيقتها المعروفة لنا كجارحة لجاء التعبير المحكم بقوله اعلموا أن لله يد، أو آمنوا بأن لله يد وهكذا كما جاءت الآيات المحكمات تترا بمثل قوله تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)و (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد ٌ)، وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}، وقوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}، واليد تجمع على أيد قال تعالى {ألهم أيد يبطشون بها} وقال تعالى {والسماء بنيناها بأيد} وعلى أيدي قال تعالى {مما عملت أيدينا}، فلا التفات إلى من زعم أن اليد لا تجمع على أيد لأن ذلك مما جاء في القرآن والقرآن نزل بلسان عربي مبين، والمراد بالآية هاهنا إثبات القوة والقدرة، مثالها في ذلك تماما قوله تعالى {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ أنه أَوَّابٌ} وقوله تعالى {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، فهل المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح مع أن جميع البشر بما فيهم الكفار والفجار لهم أيدي وأبصار، أم أن المقصود بالأيدي في الآيات هو قوتهم في الطاعة وجدهم وتشميرهم للعبادة، واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، فلا شك أن المعنى المقصود هو الثاني، وهاهنا في الآية {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} نفس المقصود إذ لم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد عنه، وقوله تعالى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ}، قوله تعالى (لما خلقت بيدي) كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين،هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
***
المبحث الرابع مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس
(أولاً): مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث: (خلق الله آدم على صورته).
(ثانياً): مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث: (فيأتيهم الله في صورته) .
(ثالثاً): مفاتيح حل إشكالية المكان في حديث: (أين الله).
(رابعاً): مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول في حديث (النزول).
(خامساً): مفاتيح حل إشكالية النصوص الدالة على العلو الحسي والجهة والمكان.
(سادساً): مفاتيح حل إشكالية النصوص الدالة على الحدوث وقبول الحوادث.
(سابعاً): مفاتيح حل إشكالية النصوص الموهمة للحركة والانتقال كالإتيان والمجي.
(ثامناً): مفاتيح حل إشكالية الظواهر الموهمة للتشبيه والتجسيم والجارحة والأعضاء.
(تاسعاُ): مفاتيح حل إشكالية الاستواء بأيسر عبارة.
(عاشراً): مفاتيح حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم.
(أولاً)
مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث
(خلق الله آدم على صورته)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): رواية صحيحة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([92]) .و(الرواية الثانية): رواية صحيحة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([93]) و(الرواية الثالثة): رواية ضعيفة لا يصح الاستدلال بها بأي حال: أخرج عبدالله بن أحمد في السنة،(1: 268) ، وابن أبي عاصم في السنة ، من طريق جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر بلفظ: (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) ([94]) . قلت: هذا الحديث لا يصح ولذلك ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ، وأعله بأربعة علل، منها ثلاث علل ذكرها ابن خزيمة في كتابه التوحيد ([95]) .وهو ممن تأول الحديث – الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسله الثوري ولم يقل عن ابن عمر، والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء، والرابعة ذكرها الألباني، وهي: جرير بن عبدالحميد فإنه وإن كان ثقة، فقد ذكر الذهبي في ترجمته من الميزان أنّه قد نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ومما يؤيد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم (530) – وكذا اللالكائي برقم (716) – بلفظ (على صورته) ولم يذكر (على صورة الرحمن) ولفظ (على صورته) هو الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة([96]) .
قلت: ومنه يتبين أنّ الحديث بلفظ (على صورة الرحمن) لا يصح البتة، وأنّه مما رواه بعض الرواة بالمعنى لا باللفظ الصحيح، ولا يبقى لنا إلا الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه بلفظه الصحيح: (على صورته) ومنه يتبين أنّ ما فعله حمود التويجري من المجازفة والخطأ من تصحيح الحديث في كتابه الذي سماه: (عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن)، وقد حاول أن يجيب عن علل الحديث، وفي جميع أجوبته نظر، ثم ما الطائل وراء ذلك؟، أهو ارغام المسلمين على اعتقاد التجسيم ثم ارداف تلك العقيدة بقول: ليس كمثله شيء، وقد زعم أن الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي جاء فيه: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) قائلاً: فلا ينبغي أن يلتفت إلى تضعيف ابن خزيمة له فصلاً عن تضعيف الألباني له تقليداً لابن خزيمة، وذلك لأن أحمد وإسحاق أعلم بالأسانيد والعلل ممن أقدم على تضعيف الحديث بغير مستند صحيح) ([97]) . فإن تصحيح الإمام أحمد ليس لهذا الحديث، وإنما لحديث (على صورته) الذي أخرجه البخاري ومسلم، ثم هب أنّ اسحاق أو غيره توهم صحته، فماذا نفعل بتلك العلل التي يستحيل معها تصحيح الحديث، وهذا الحديث برواياته الثلاث هو أقوى ما استدل به المجسمة على التجسيم، ولهذا سأتوسع في بيان مخارجه الصحيحة وبيان معانيه، فإن سلم من شبهات المجسمة فما بعده أيسر، ولما كان للحديث روايات ثلاث فلكل رواية مخرج صحيح ومعنى محكم لابد وأن يرد إليه المتشابه.
[المفتاح الاول]: قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم،
[المفتاح الثاني]: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول ابن حجر وقول ابن خزيمة.
[المفتاح الثالث]: لفظ (لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) مع ضعفه البين، فإن له – إن ثبت وهو محال لشدة ضعفه – مخرجاً صحيحا يُحمل عليه، وهو إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، لأنّ الله تعالى خلقه في أحسن صوره مخلوقة ونفخ فيه من روحه المخلوقة، فليست الصورة صورة الرحمن، ولا الروح روح الرب الديان، فقوله صلى الله عليه وسلم: (خلق آدم على صورته) يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: 11] فآدم على صورة الله، يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف وهذا المخرج الصحيح هو قول ابن خزيمة كذلك كما سيأتي،
[المفتاح الرابع]: وهو حمل المتشابه على المحكم، لأنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف والفرقة والفتنة والضلال، وطريقة أهل السنة في ذلك رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، كما أنّ ذات الله تعالى لا تسري عليها قوانين المادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، ولأنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فكيف نتوهم أنه على صورة آدم، تنزه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوق،
***
(ثانياً)
مفاتيح حل إشكالية الصورة في حديث
(فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون)
[روايات الحديث]: (الرواية الأولى): أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: هلْ تُمَارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ليسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالوا: لا يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: فَهلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ قالوا: لَا، قالَ: فإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ، فيَقولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شيئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ القَمَرَ، ومِنْهُمْ مَن يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وتَبْقَى هذِه الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ)، ([98]) . وهذا حديث البخاري بدون ذكر لفظة الصورة، (الرواية الثانية): أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (قَالَ أُنَاسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ فَقَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَل تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَليَتَّبِعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الأمة فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ) ([99]) .
(تنبيه) تلاحظ أن الرواية الأولى بغير ذكر الصورة والثانية فيها ذكر الصورة، ولذلك قال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات:(هذا حديث قد رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان دون ذكر الصورة، ثم أخرجه من حديث معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، وفيه ذكر الصورة وأخرجه أيضا من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، ورواه مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان نحو حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد وفيه ذكر الصورة) ([100]) .
وقال المحدِّث محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي: (اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي…. ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها ولم يسبق أن عرفوه على صورة فعلم أنه قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما فعلت، على أن المنافقين محجوبون عن ربهم يوم القيامة، فيكون هذا الحديث مخالفًا لنص القرءان إلا عند من يؤوله تأويلاً بعيدًا، فالقول الفصل هنا هو الإعراض عن ألفاظ انفرد بها هذا الراوي أو ذاك الراوي باختلافهم فيها والأخذ بالقدر المشترك من المعنى الذي اتفقوا عليه فلعلك لا تجد في ذلك ما يوقعك في ريبة أو شبهة…. ويقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: «إن الناس في هذه الحال لا يرونه سبحانه في قول العلماء، وإنما محل الرؤية الجنة…. بإجماع العلماء) اهـ. ([101]) . ونقل الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” إنكار الإمام مالك للفظ الصورة: ” قال ابن القاسم: سألت مالكًا عمَّن حدَّث بالحديث، الذين قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)، والحديث الذي جاء: (إن الله يكشف عن ساقه)، وأنه (يُدخل يده في جهنم حتى يُخرج من أراد) . فأنكر مالك ذلك إنكارًا شديدًا، ونهى أن يُحدِّثَ بها أحد” اهـ([102]) .
وإليك مفاتيح الفهم الصحيح للحديث
[المفتاح الاول]: الحديث: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) الحديث إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي تنجلي الشدة، ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له.
[المفتاح الثاني]: أقوال أهل العلم في فهم الحديث: جاء في مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة): ” وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها) أهـ ([103]) .
[وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل: (حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث: اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة) أهـ([104]) .وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه كشف المشكل من حديث الصحيحين: (وفي المتفق عليه من حديث أبي هريرة (فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا) وهذا شيء قد تخبط فيه جماعة، فالمتقدمون من السلف قرأوه وعبروا ولم ينطقوا بشيء مع علمهم واعتقادهم أن الصورة التي هي تخاطيط لا تجوز على الله عز وجل ولا التغير، وهذان أصلان لا بد من اعتقادهما، التخاطيط لا تكون إلا في الأجسام، والتغير لا يصلح أن يطرأ على الإله، فإن الخليل عليه السلام عاب النجم بالأفول فقال {لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} [سورة الأنعام]، لأنه علم أن ما يطرقه التغير لا يصلح أن يكون معبودًا فإذا وقع اعتقاد هذين الأصلين ثم سكت الساكت عن تفسير هذه الكلمات فقد سلك مذهب القدماء.. إلى أن قال: وأما الصورة فتتأول على وجهين أحدهما أنها بمعنى الصفة كقول القائل صورة هذا الأمر كذا والثاني أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور فخرج الكلام على نوع المطابقة.. إلى أن قال: وكان ابن عقيل يقول الصورة على الحقيقة تقع على التخاطيط والأشكال وذلك من صفات الأجسام والذي صرفنا عن كونه جسمًا من الأدلة النطقية قوله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى]، ومن أدلة العقول أنه لو كان جسمًا لكانت صورته عرضًا ولو كان جسمًا حاملاً للأعراض لجاز عليه ما يجوز على الأجسام واحتاج إلى ما احتاجت إليه من الصانع، ولو جاز قدمه مع كونه جسمًا لما امتنع قدم أحدنا فليس لله سبحانه عندها ولا القوم الذي أنكروا في القيامة صورة من صور الذوات ينكرونها،…، ثم قال: ولو حمل – ونعوذ بالله – على ما قالت المجسمة من صورة ترجع إلى ذاته لكان ذلك تجويزًا لتغيير صفاته وخروجه من صورة فإن كانت حقيقة فهو استحالة، وإن كانت تخيلاً فليس ذاك هو، وإنما يريهم غيره، فما أشنع مقالة من يصدر قوله عن الجهالة ويتعلق بالظواهر كما تعلقت النصارى في المسيح وقالوا هو روحه حقيقة) اهـ ([105]) . وقال الإمام أبو سليمان الخطابيّ: (إن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة لأن الصورة تقتضي الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية) [نقله عنه الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات]، وقال الإمام النووي: (وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (فيأتيهم اللّه في صورته الّتي يعرفون) فالمراد بالصّورة هنا الصّفة، ومعناه: فيتجلّى اللّه سبحانه وتعالى لهم على الصّفة الّتي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنّما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدّمت لهم رؤية له سبحانه وتعالى لأنّهم يرونه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وقد علموا أنّه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته) أهـ ([106]) .
***
(ثالثاً)
مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله
في حديث: (أين الله)
[تمهيد]: حديث الجارية مشهور وله روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بألفاظ مختلفة، (الأولى) بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) و(الثانية): بلفظ (من ربك)، و(الثالثة): بلفظ (أين الله)، وكذلك فإن هناك روايات تدل على أنّ الجارية فصيحة متكلمة ترد عندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) بقولها (نعم) و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) بقولها (في السماء) وروايات أخرى تدل على أنها خرساء أعجمية تشير بيدها فقط فعندما كان الحديث بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) أشارت بالسبابة بمعنى التوحيد وأنه لا إله إلا الله ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله و عندما كان الحديث بلفظ (أين الله) أشارت إلى السماء بمعنى الإيمان بالله وحده ثم أشارت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه رسول الله حقا، والحديث على رغم صحة السند في أكثر طرقه وحسنها في بعضه الآخر إلا أن ألفاظه مختلفة اختلافا كبيرا لعل ذلك بسبب تصرف الرواة في بعض ألفاظه وهم يروونه بالمعني أو بما فهموه من الواقعة، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي: قال في كتابه الأسماء والصفات ” وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث ([107]) .
وهذا هو الاضطراب عند علماء الحديث: وهو أن يُروى الحديث بعدّة ألفاظ بِحيث لا يمكن الجمع بينها، وعند علماء مصطلح الحديث يقولون: الاضطراب علةٌ للضَّعف، والعجب ممن ترك الألفاظ المحكمة التي تسأل عن الشهادتين أو عن الله تعالى لإثبات الإيمان ثم ذهب إلى لفظة متشابهة قد تكون رويت بالمعنى ليبتغي بها الفتنة في دين الله من أجل اثبات المكان المخلوق المحدود لله الكبير المتعال المنزه عن الحد والمقدار والمنزه عن المكان والزمان وقد حذرنا الله من أولئك في كتابه الكريم بقوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) [آل عمران: 8] وحذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([108]) .
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، وجاء بلفظ (أين الله) وقد تكفل علماء أهل السنة شرح تلك الرواية أيضا بما يوافق قواعد التنزيه العامة وأصول الشريعة الغراء، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم.
[روايات الحديث]: للحديث عدة روايات اجتهدت في جمعها من كتب الحديث، وجمع أقوال علماء الحديث حولها وفق قواعد علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، ورأيت أنها تؤول إلى روايات متعددة لواقعة واحدة اختلف الرواة في ألفاظها، (الرواية الأولى): بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله)، أخرج الإمام مالك عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، قال أتشهدين أن محمدا رسول الله؟ قالت نعم، قال أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها) وقال الذهبي في العلو هذا حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة في التوحيد وقال ابن كثير في تفسيره وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره ” أهــ وصححه أيضاً ابن عبـد الـبر في التمهيد([109]) .
و(الرواية الثانية): بلفظ (من ربك)، أخرج أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال ادع بها فجاءت، فقال: (من ربك؟ قالت الله، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ([110]) .
و(الرواية الثالثة): بلفظ (أين الله)، وهي رواية صحيحة أيضا أخرجها مالك في موطئه وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وأخرجها الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال ومنا رجال يتطيرون قال ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم قال فلا يصدنكم قال قلت ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([111]) .
و(روايات أخرى للحديث): منها رواية تدل على أنها كانت خرساء وفيها: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً)، وهذه الرواية أوردها الذهبي في كتابه (العلو) وذكر سندها الحافظ المزي في (تحفة الأشراف): 8: 427، من طريق سعيد بن زيد عن توية العنبري عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال كانت لي جارية ترعى .. الحديث، وفيه: (فمد النبي يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء؟ قالت الله. قال فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مسلمة)، ([112]) .وفي هذه الرواية أشار النبي صلى الله عليه وسلم فقط.. وإسناد هذه الرواية يرقى إلى مرتبة الحديث الحسن، لأنّ سعيد بن زيد ثقة من رجال مسلم وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال عنه البخاري والدرامي: صدوق حافظ، وإن كان يحيى بن سعيد وآخرون قد ضعفوه لذا، فحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وهناك رواية أخرجها البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الظهار باب إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان، وصلت من طريق عوف بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة: (أن رجلا أتى النبي بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله ? فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها: فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء تعنى أنت رسول الله. فقال رسول الله أعتقها فإنها مؤمنة) ([113]) . فإذا كان الغالب أنها نفس القصة السابقة والتي فيها فمد النبي يده إليها مستفهما فتكون المحادثة بالإشارة من الطرفين والله تعالى أعلم، ورواية أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وفيها: (فأشارت إلى السماء) ([114]) .
[المفتاح الاول]: (مفتاح حل الإشكال في الروايات): الروايات السابقة تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها وهو أمر معروف لكل من عمل في مجال الحديث بحثا ودراسة، ولعل هذا السبب ما حدا بالنحويين – سوى ابن مالك – ترك الاحتجاج بالحديث في الإعراب وغيره لتصرف الرواة في ألفاظ الحديث، ومن الملاحظ على تلك الروايات ما يلي:
(أ) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (من ربك) في بعض الروايات سندهما واحد من حماد بن سلمة إلى الشريد بن سويد رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ب) رواية (من ربك) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ت) رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) ورواية (أين الله) في بعض الروايات سندهما واحد من عطاء بن الحكم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه واللفظ مختلف، (ث) رواية (أين الله؟ قالت في السماء) ورواية (أين الله؟ فأشارت إلى السماء) في بعض الروايات سندهما واحد من رواية يحيى بن كثير القصة واحدة واللفظ مختلف.
(ج) رواية (أين الله) عند مسلم تختلف عن رواية (أين الله) عند مالك، فعند مسلم: (يقول وعلي رقبة أفأعتقها وكان الجواب اعتقها فإنها مؤمنة) وعند مالك: (يقول فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها وكان الجواب أعتقها بدون ذكر فإنها مؤمنة) والرواية الأولى تفيد أن عليه نذرا سابقا والرواية الثانية تفيد أنه إنما أعتقها تبرئة لذمته من ضربها.
(ح) بعض روايات الحديث تنص على أن الجارية كانت متكلمة فصيحة وبعضها تنص على أنها كانت خرساء لا تفصح وفيها أن والجواب كان بالإشارة وهاهنا تكون الألفاظ تصرفا من الرواة ويؤيد ذلك ما ورد في بعض طرق الحديث (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهماً من في السماء).
(خ) على اعتبار أن الجارية خرساء عجماء لا تفصح يستقيم السؤال بالإشارة أو بلفظ (أين الله) لمعرفة معبودها – وهاهنا يحل إشكال ألفاظ الحديث – لأن المشركين كانوا يعبدون آلهة في الأرض ويدل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([115]) .
يقول الإمام الغزالي: (وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء فقد انكشف به أيضاً- يعني السر في رفع الأيدي إلى السماء- إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهيم علو المرتبة إلا بالإشارة إلى جهة العلو وقد كان يُظن بها أنها من عبدة الأوثان ومَن يعتقد اللهَ في بيت الأصنام، فاستُنطقت عن معتقدها فعرَّفت بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقد هؤلاء) ([116]) .
(د) وقد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل (لأن الخلاف فيه بين خطأ وصواب) دون الاعتقاد لأن الخلاف فيه بين حق وباطل وبين هدى وضلال وبين سنة وبدعة)، ولذا أخرجه مسلم في باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنعِ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الافعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصراً عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء بدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث.
(ذ) لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان ومصداق ذلك ما أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([117]) . وما أخرجه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ([118]) .
(ر) لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره ويؤيده ويدل عليه حديث عمران بن الحصين الذي أخرجه الترمذي بسنده عن (عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي يا حصين: كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([119]) .
(ز) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وأله وسلم بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء وإنما ذكر شهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويؤيدها كذلك حديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) وقد نص غير واحد من العلمـاء على أنه حديـث متـواتر.
(س) لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق لإجماع المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم.
(ش) ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: (أين الله) وأن الرواية الصحيحة التي ينبغي التعويل عليها هي رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها.) ويؤيده الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال (الله في السماء) بالدخول في الإسلام والإجماع المقابل على أن الدخول في الإسلام يكون بالشهادتين بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله).
(ص) وأما من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به وهذا هو ما ذكره الإمام النووي عند شرحه للحديث في صحيح مسلم فقال ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها (مذهبان): (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات. و(الثاني): تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين. أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ ([120]) .
(ض) الحديث بلفظ (أين الله) فيه التشابه من وجهين: (أحدهما): قولـه صلى الله عليه وسلم لها: (أين الله) فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه ب (أين) على سبيل المكان الحسي وجوابه كما تقدم أنها كانت خرساء عجماء لا سبيل إلى معرفة إيمانها إلا بإشارتها أن معبودها ليس من الأوثان الموجودة في الأرض وإنما هو رب السماء والأرض، أو أن السؤال محمول على المكانة العالية لا المكان الحسي الذي لا مدح فيه، والوجه الثاني: قولها في السماء وهذا معناه علو المكانة وعظمة الصفات وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث، ليس كمثله شيء ولله در الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول في الفتح: ” فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر، فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث. ” أهــ، ([121]) .
(ط) تقدم مما سبق أن تمسك البعض ب رواية (أين الله) لإثبات المكان الحسي وإثبات الجهة الحسية لله هو أوهى من بيوت العنكبوت وأن تمسكهم بهذه الرواية تمسك باطل لا وجه له، لأن الحديث الأولى حمله على رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) الموافقة للأصول وأنه إذا حكم بصحة رواية (أين الله) فالمقصود به السؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة الحسيين، والحديث آنذاك ليس على ظاهره المؤدي إلى التمثيل والتحيز والحد والله تعالى منزه عن ذلك كله {ليس كمثله شيء}.
[المفتاح الثاني]: [أقوال علماء أهل السنة في الفهم الصحيح لرواية (أين الله) على أساس ثبوتها]: (أ) قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اهـ ([122]) .
(ب) وقال الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري: (قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنـزيهه مما يقتضى التشبيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) أهـ ([123]) .
(ت) وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه – بعد أن ذكر استعمالات (أين)في الرتبة والمنزلة والدرجة في التقريب والتبعيد والإكرام والإهانة -، قال: (فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله) استعلام لمنزلته وقدره عندها، وفي قلبها، وأشارت إلى السماء ودلت بإشارتها إلى السماء على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة: فلان في السماء، أي هو رفيع الشأن عظيم المقدار، كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها على محله في قلبها ومعرفتها به) أهـ ([124]) .
(ث) وقال العلامة ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب: (الحديث السابع عشر: روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي، فانطلقت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب شاه، (وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون) فصككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، فقلت ألا أعتقها،،؟ قال أئتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت في السماء، قال من أنا: قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة) قلت: قد ثبت عند العلماء ان الله تعالي لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها) أهـ ([125]) (ج) وقال محقق الكتاب محمد منير الإمام: (حديث الجارية مؤول بأنه سؤال عن المكانة لا المكان، وقولها: في السماء معناه علو المنزلة والقدر، أي أنه أعلي من كل شيء قدرا، ومن لم يرض بذلك، وأراد أن يحمله علي ظاهره فأثبت المكان والحيز لله تعالى محتجاً بأنه لا يخرج عن الظاهر قيل له: لقد خرجت عن الظاهر في حديث أصح من هذا وهو حديث (أربعوا علي أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعاً قريباً وهو أقرب إلي احدكم من عنق راحلته) رواه البخاري، فهذا لو حمل علي ظاهره لكان إثبات تحيزٍ لله بين الرجل وبين عنق راحلته، وهذا ينقض معتقدكم أنه مستقر فوق العرش بمماسة أو بدون مماسة فماذا تفعلون، والحق الذي لا محيد عنه أن لا يحمل حديث الجارية على ظاهره بل يؤول تأويلاً تفصيلياً، فيؤول هذا الثاني ايضاً على أن المراد به القرب المعنوي ليس القرب الحسي) أهـ ([126]) .
(ح) وقال القرطبي في تفسيره: (أين ظرف يسأل به عن المكان وهو لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان،،، وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسع والمجاز لضرورة إفهام المخاطبة القاصرة الفهم، الناشئة مع قوم معبوداتهم في بيوتهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم هل هي ممن يعتقد أن معبودهم في بيت الأصنام أم لا فقال لها أين الله؟ فقالت في السماء فقنع منها بذلك وحكم بإيمانها، إذ لم تتمكن من فهم غير ذلك) أهـ([127]) .
[تنبيه: (1)]: مخالفات رواية (أين الله) لبعض أصول العقيدة:
(أ) المخالفة الأولى من جهة اثبات الإيمان بالسؤال عن المكان، وذلك لأنّ اعتقاد وجود الله تعالى في السماء لا يثبت توحيـداً ولا تنفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجارية بما لا يكفـي للحكـم بإسلامها، وهذا مما يعزز أنّ الرواية الحقيقية جاءت بلفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) أو أنّها كانت خرساء، وكان الاستفهام بالإشارة لمعرفة من تعبد، وليس إثبات المكان لله.
(ب) المخالفة الثانية: أن هذا الحديـث معارض للقـواطع العقليـة والنقليـة الـدالة على تنزيه الله تعالى عن المكان لأنّه خالق المكان، وتنزيه الله تعالى عن التحيز في جهة من الجهات ولو كانت جهة فوق لأنّ جميع الجهات خلقه وهي محدودة والله تعالى منزه عن الحد والنهاية وقد أجمع المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن المكان.
(ت) المخالفة الثالثة من جهة أنّ الحديث مضطرب لا يصح اثبات عقيدة به، واضطرابه يسبب ضعف الاستدلال به في مسألة من مسائل الطهارة فضلاً عن أصول العقيدة التي لا ينبغي أن نمتحن الناس فيها بحديث مضطرب اختلفت رواياته، والمحكم فيها بلفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) أو بلفظ (من ربك) لأنّ هذا هو ما يوافق الأصول عند الحكم على الإيمان والكفر، واللفظ الثالث (أين الله) متشابه ينبغي رده إلى محكمه الذي يثبت به الإيمان وإلا فما علاقة المكان بالإيمان، وهذا اللفظ معارض بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة المتواترة ودلالة العقـل السليم واجماع أهل التخصص في مجال العقيدة ممن درسوا ما يجوز نسبته، وما لا يجوز نسبته في حق الله تعالى.
(ث) المخالفة الرابعة من جهة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من بعثته وإلى انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى تلقين الإيمان والإسلام بإثبات المكان لله، ولو ثبت ذلك لتواتر عنه لأهميته في اثبات الإيمان، بل الثابت عنه تلقين كلمة الشهادة وبعثِ رسله بالدعوة إليها، ولم يُذكر أن أحداً من رسله دعا الناس إلى الإيمان بوجود الله في السماء ولا استكشف عن إيمان أحد بسؤاله: (أين الله) سوى تلك الرواية المضطربة التي تعددت ألفاظها بحيث لا تستقر على لفظ واحد، وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وتواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن هذه العقيـدة المزعومة، كما تواتر عنه صلى الله عليه وأله وسلم أنه بين أركـان الإسـلام والإيمـان في حديث جبريل عليه السلام ولم يذكر فيه عقيدة أن الله في السماء التي يدافع عنها الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة المسلمين عن دينهم، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) ([128]) .فهذا هو الذي تواتر عنه صلى الله عليه وسلم.
(ج) المخالفة الخامسة اقرار المشركين بأنّ الله تعالى في السماء وهذا لا يكفي لإثبات الإيمان للمسلم، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء فلا يكون جواب الجارية كافياً في الدلالة على التوحيد، ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: (يا حصين كم تعبد اليوم إلاهاً؟ قال أبي: سبعة، ستةً في الأرض وواحداً في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء) ([129]) .
(ح) المخالفة السادسة: الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن المكان، وقد سبق أن تناولتها في بعض مفاتيح هذا الكتاب: عند الحديث عن تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، فلابد من رجوعها للأدلة اليقينية في استحالة نسبة المكان إلى الله.
[تنبيه (2)]: إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم، وبالتالي فإنّ ّ كل من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله)، وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه يحمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: (أحدهما): الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و(الثاني): تأويله بما يليق به من المكانة والمنزلة لأن الله تعالى منزه عن المكان، قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ما نصه: ” قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها: هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان) اه([130]) . وعلى ذلك فإنّه إنّ صح الحديث بهذا اللفظ (أين الله) فلا اشكال أبدا أبدا في معناه، وهو حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك قالت في السماء أي في اعلى المراتب، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
***
(رابعا)
مفاتيح حل إشكالية الحركة والنزول
في حديث: (ينزل ربنا كل ليلة)
[رواية الحديث]: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([131]) .
[المفتاح الاول]: [تعدد معاني النزول في اللغة]: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وإنما المعنى خلق لكم من الانعام ثمانية أزواج، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، والمعنى: وجعلنا الحديد فيه بأس شديد، وفي اللغة تقول العرب نزل البائع في سلعته إذا خفّض سعرها، وقال الشافعي وهو أمام في اللغة يُحتج بلغته، دخلت مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت، والمعنى نزل عن بلاغته المعهودة حتى يساعدهم في فهم كلامه.
[المفتاح الثاني]: اللوازم الفاسدة للنزول الحقيقي: ومن تلك اللوازم: (أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال.
(ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، والنتيجة الحتمية هي النزول والصعود على مدار اليوم، وعلى زعمهم وعقيدتهم فمتى يكون الاستواء على العرش على مفهوم هؤلاء، إذن الفهم الصحيح للحديث لابد وأن يكون غير ذلك.
(ث) كما يقول الرازي: في تفسيره مفاتيح الغيب: أنه إن كان المقصود من النـزول من العرش إلى السماء الدنيا أن يُسْمَعَ نداؤه فهذا المقصود ما حصل، وإن كان المقصود مجرد النداء سواء سمعناه أو لم نسمعه فهذا مما لا حاجة فيه إلى النـزول من العرش إلى السماء الدنيا بل كان يمكنه أن ينادينا وهو على العرش ومثاله أن يريد مَنْ في الشرق إسماع مَنْ في الغرب ومناداته فيتقدم إلى جهة المغرب بأقدام معدودة ثم يناديه وهو يعلم أنه لا يسمعه البتـة فههنا تكون تلك الخطوات عملا باطلا وعبثا فاسدا فيكون كفعل المجانين فعلمنا أن ذلك غير لائق بحكمة الله تعالى ([132]) .
(ج) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، وإذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النـزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنـزيهه عن الحركة والانتقال، (ح) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول المتخصصين في العقيدة، وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله، وهم يقولون على الله تعالى بغير علم، وحقاً إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
[المفتاح الثالث]: أقوال شرّاح الحديث والعلماء في بيان معنى حديث النزول:
(1) قال ابن حجر – في درة من كلامه – في شرح الحديث: (قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة وهم الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا، ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه وهم جمهور السلف … وقال ابن العربي: حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه أقول … والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه .. وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه، فالمراد نور رحمته، أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة) أهـ ([133]) .
(2) وقال النووي – في درة من تنزيهاته – في شرح الحديث: (قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له) هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين: أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى، وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد، ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي: أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره . والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم) أهـ ([134]) .
وقال رحمه الله في المجموع: (وفي هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران: (أحدهما) تأويله على ما يليق بصفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الانتقال وسائر صفات المحدث، وهذا هو الأشهر عن المتكلمين و (الثاني): الإمساك عن تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله سبحانه عن صفات المحدث لقوله تعالى {ليس كمثله شيء} وهذا مذهب السلف وجماعة من المتكلمين، وحاصله أن يقال لا نعلم المراد بهذا ولكن نؤمن به مع اعتقادنا أن ظاهره غير مراد، وله معنى يليق بالله تعالى والله أعلم) أهـ ([135]) .
(3) وقال الإمام البيهقي في كتابه القيم (الاسماء والصفات): (وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال، فحاد عن هذه الطريقة _ طريقة السلف _ حين روى حديث النزول: أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف نزل ربنا إلى السماء؟ قيل له: ينزل كيف يشاء، فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك، وإن لم يشأ لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة، لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، والله تبارك وتعالى متعال عنهما (ليس كمثله شيء)، فلو جرى هذا الشيخ على طريقة السلف الصالح ولم يدخل فيما لا يعنيه لم يكن يخرج به القول إلى مثل هذا الخطأ الفاحش .قال: وإنما ذكرت هذا لكي يتوقى الكلام فيما كان من هذا النوع فإنه لا يثمر خيرا ولا يفيد رشدا .ونسأل الله العصمة من الضلال، والقول بما لا يجوز من الفاسد والمحال) ([136]) .
(4) وقال الإمام العيني في شرح حديث النزول من صحيح البخاري: (لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان. والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك) ([137]) .
(5) وقال الإمام بن جهبل وهو يرد على من زعم حقيقة النزول: (وكما تطلق العرب النزول على الانتقال تطلقه على غيره كما جاء في كتابه العزيز: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ولم ير أحد قط قطعة حديد نازلة من السماء في الهواء ولا جملا يحلق من السماء إلى الأرض فكما جوز هنا أن النزول غير الانتقال من العلو إلى السفل فليجوزه هناك) أهـ ([138]) .
(6) وقال الزرقاني في شرح حديث النزول في الموطأ: (هذا وقد حمل المشبهة الحديث وأحاديث التشبيه كلها على ظاهرها تعالى الله عن قولهم، وأما المعتزلة والخوارج فأنكروا صحتها جملة وهو مكابرة والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا الأحاديث جهلا أو عنادا)([139]) .
(7) وقال العلامة ابن الجوزي، وهو من خير الحنابلة وأعلمهم بعد الإمام أحمد: وهو يرد على حشوية الحنابلة ويصحح عقائدهم وذلك في الباز الأشهب (الحديث التاسع عشر: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له) ([140]) .
(قلت): وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين (أحدهما): المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته، وقد ذكر أشياء بالنزول فقال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}، وإن كان معدنه بالأرض وقال {وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج}، ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ..؟ و(الثاني): الساكت عن الكلام في ذلك. (روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي -: وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلي مكان يقتقر إلي ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلي أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالي قطعا، فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول؟ قيل: أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ قلنا: قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام، قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل.
(قلت): – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالي، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية،ولا نقول نزوله انتقال، (قلت) – القائل العلامة ابن الجوزي – وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه.ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة)([141]) .
(8) وقال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرآن: (قال القاضي عياض: اعلم أن الله ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه لقربه منه إبانة عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبته وقدرته من الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه نزول إجمال وقبول وإحسان) أهـ ([142]) .
(9) وقال القاضي ابن جماعة في كتابه القيم إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل – وهو يرد على اشكالات الحشوية: (الحديث الرابع: عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر الحديث ورواه أبو سعيد إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب) اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه:
(الأول): النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه وذلك على الله تعالى محال، (الثاني): لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعودة إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل، (الثالث): أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعة أو تضاؤل الذات المقدسة عن ذلك حتى تسعة ونحن نقطع بانتفاء الأمرين، (الرابع) إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن مالا يليق بجلاله تعالى غير مراد و تنزيهه عن الحركة والانتقال، قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء) أهـ ([143]) .
(10) وقال العلامة عبد الباقي بن عبد القادر – في درة من كلامه – في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: (فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة) أهـ([144]) .
(11) وقال العلامة الكوثري – وهو يرد علي استدلال البعض على العلو الحسي بحديث النزول -: (قاتل الله الجهل، ما أفتكه، فمن الذي يجهل استمرار الثلث الأخير من الليل في البلاد باختلاف المطالع حتى يحمل النـزول إلى السماء الدنيا على النـزول الحسي، وقد حمل حماد بن زيد النـزول في الحديث على معنى الإقبال ومن أهل العلم من حمل الحديث على أن الإسناد فيه مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب الآمر ويؤيده حديث أبي هريرة في سنن النسائي وفيه (ثم يأمر منادياً يقول هل من داع فيستجاب له) وليس في استطاعة من يخاف الله غير أن يفوض معنى النـزول إلى الله مع التنـزيه أو أن يحمل الحديث على المجاز في الطرف أو في الإسناد، بل الأخير هو المتعين لحديث النسائي المذكور فيخرج حديث النـزول من عداد أحاديث الصفات بالمرة عند من فكر وتدبر تعالى الله عن النقلة التي يقول بها المجسمــة) أهـ ([145]) .
[المفتاح الرابع]: [المفتاح الأمثل في حل إشكالية حديث النزول]: أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى) ([146]) . وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله لأنك تقول قطع الأمير يد اللص ولا يكون الأمير بنفسه قد أمـسك السكين وجز المكان إنما المعنى أن يد اللص قطعت بأمر الأمير فتقول قطع الأمير يد اللص وبنى الأمير بيتا وقد لا يكون حمل حجرا واحدا فيه إنما معناه بُـني بأمره، كذلك ينـزل ربنا أي ينـزل الملك بأمر ربنا، ومعلوم أن الإمام في الصلاة إذا قرأ القرآن وقال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فإنّه لا يأمر المأمومين بعباده، ولا أحد يعرف العربية يفهم ذلك، وإنما هو كلام الله تعالى على لسان الإمام، وهكذا الملك ينقل قول الله تعالى: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) قال الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في كتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية ما نصه: (قال أهل التأويل إن العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه قالوا والمعنى هنا إن الله تعالى يأمر ملكا بالنـزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره، وقال بعضهم إن قوله: (ينـزل) راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته المقدس فإن النـزول كما يكون في الأجساد يكون في المعاني أو راجـع إلى المَلَك الذي ينـزل بأمره ونهيه تعالى، فإن حمل النـزول في الأحاديث على الجسم فتلك صفة المـلَك المبعوث بذلك، وإن حمل على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل سمى ذلـك نـزولا من مرتبة إلى مرتبة فهي عربية صحيحة والحاصل أن تأويله على وجهين إما بأن المراد ينـزل أمره أو المَلَك بأمره وإما أنه استـعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي يُنـزل ملكا قالوا ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، قال القرطبي: صححه عبد الحق، قالوا: وهذا يرفع الإشكال ويُـزيل كل احتمال والسنة يُفسر بعضها بعضا وكذا الآيات، قالوا: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدس فإن الـحديـث فيه التصريح بتجدد النـزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب جل شأنه يجب اتصافها بالقدم وتنـزيهها عن التجدد والحدوث، قالوا: وكل ما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال، قالوا: فالنـزول والاستواء من صفات الأفعال ” أهـ([147]) . وهو كلام يكتب بماء الذهب لمن تدبره.
[المفتاح الخامس]: [الخلاصة في حديث النزول]: حديث النزول صحيح لا شك في ذلك، ولكن: مقولة (ينزل ربنا نزولا حقيقيا) مقولة خاطئة لا يقولها إلا جاهل بمعناها أو رجل يعتقد بقلبه التجسيم: وذلك لأنّ النزول في لغة العرب بمعناه الحقيقي يتضمن معنى: الانتقال من علوٍ إلى سفلٍ، فمن انتقل من أسفل إلى أعلى، لا يقال في حقه نزل، بل صعد، ويتضمن فراغ الحيز الأعلى واشتغال الحيز الأسفل، فمن كان باقيا في مكانه لا يقال في حقه نزل، ويتضمن: الحركة من أعلى إلى أسفل، والانتقال من مكان عالٍ إلى مكان سافل، ويتضمن: الحركة من أسفل إلى اعلى للرجوع إلى العرش، هذه معاني النزول الحقيقي، وهذا هو المعروف في لغة العرب، فكل من قال: إنَّ معنى نزول الله إلى السماء الدنيا نزولا حقيقيا، وانّه على الحقيقة وليس المجاز، فقد أثبت المعاني السابقة التي تضمنها لفظ النزول، وقد أجمع علماء الأصول على امتناع الحركة في حق الله لأنها من معاني الافول الذي استدل الخليل إبراهيم عليه السلام بأنّ الآفل المتحرك لا يصح ان يكون إلها يعبد، فالنزول لا محالة له حل من ثلاثة حلول:
(1) إما بالأخذ بحديث النسائي وانّ النازل ملك، كما جاء في الرواية الصحيحة: (حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً ينادي يقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يُعْطى) (2) أو نقول (النزول) على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم
(3) أو نقول انّه (النزول) على سبيل المجاز، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته، فهذه مفاتيح الفهم الصحيح للنزول، وإذا كان النزول، من متشابهات الأخبار، فإنّ الله قد امرنا ان نحمل المتشابه ونرده إلى محكماته، ومعنى النزول اذا حملنا متشابه الحديث على محكمه من حديث النسائي: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك بأمر الله يتحدث بما أمره الله، وإما ان يكون النزول على سبيل مجاز اللغة، وهو تنزل الرحمة والتعطف والتلطف بالداعين في هذا الوقت لفضيلته وكون الناس غافلين عنه بالنوم، فيكون المعنى زيادة الاحسان وأوفق لقبول الإجابة من غيره من الأوقات، لا سيما إذا عرفنا أنّ سياق الحديث لم يكن من اجل اثبات النزول وإنما لبيان فضل الثلث الأخير من الليل في العبادة والطاعة والدعاء، والمعنى المراد:، التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من التنبيه والتذكير الباعِثَين لهم على الطاعة، اما حمل الحديث على معنى النزول الحقيقي من علو إلى سفل فهذا لم يقل به إلا أهل التجسيم أو من دار في فلك التجسيم من أهل الحشو الذين هم من أبعد الناس عن التقديس والتنزيه، نسال الله السلامة، وقد ذكرت في اول المبحث اللوازم الفاسدة من اعتقاد النزول الحقيقي، ومن تلك اللوازم:
(أ) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول. (ب) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال.
(ت) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين.
(ث) القائل بأن الله تعالى فوق العرش بذاته وأنه ملأه كيف تسعه السماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه اتساع في السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه وهذا باطل.
(ج) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند أهل الأصول وإن كان الحشوية الجهال لا يرون باساً من نسبة تلك العظائم إلى الله نسأل الله السلامة.
***
(خامساً)
مفاتيح حل إشكالية النصوص
الدالة في ظواهرها على العلو الحسي والفوقية والجهة والمكان
[تمهيد]: ما يظنه أهل الحشو أدلة في اثبات العلو الحسي والفوقية والجهة والمكان: يستند الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بمتشابهات من الكتاب والسنّة تؤول إلى ثلاثة عشر متشابها، وجميعها لها مفاتيح للفهم الصحيح الذي يمنع من الحشو والتجسيم، المتشابه الأول: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات، قال الله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، المتشابه الثاني: ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، المتشابه الثالث: التصريح بالعروج إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، المتشابه الرابع: التصريح بالصعود إليه، كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، المتشابه الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كما في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، المتشابه السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً، قال تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، المتشابه السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ،،،} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2]، المتشابه الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19]، المتشابه التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، المتشابه العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، المتشابه الحادي عشر: التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، لحديث البخاري ومسلم: (يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له)، المتشابه الثاني عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، لحديث الترمذي: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ([148]) .
المتشابه الثالث عشر: التصريح بلفظ (أين الله) في حديث مسلم: (قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([149]) .
وبعد فهذه هي الأدلة الرئيسة التي يستند إليها الحشوية لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان بنصوص من الكتاب والسنّة، وهذه النصوص صحيحة ولكن تكمن المشكلة في الفهم الخاطئ لها من قبل هؤلاء الغير متخصصين في علم العقيدة، وسوف اتناول كل دليل من تلك الادلة برد متشابهها إلى محكمها الذي يضبط الفهم الصحيح اللازم لها.
[المفتاح الاول]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الأول: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات, قال الله تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، قال القرطبي: (ومعنى يخافون ربهم من فوقهم أي من عقاب ربهم وعذابه لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء وقيل المعنى يخافون قدرة ربهم التي هي فوق قدرتهم ففي الكلام حذف) أه ([150]) .
وقال بن جهبل وهو يرد على مثبت الجهة: (وأردفه بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم وتلك أيضا لا دلالة له فيها عن سماء ولا عرش ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة، ثم الفوقية ترد لمعنيين: أحدهما نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل وهذا لا يقول به من لا يجسم وبتقدير أن يكون هو المراد وأنه تعالى ليس لجسم فلم لا يجوز أن يكون من فوقهم صلة ل يخافون ويكون تقدير الكلام يخافون من فوقهم ربهم أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة، وثانيهما: بمعنى المرتبة كما يقال الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الأمير وكما يقال جلس فلان فوق فلان والعلم فوق العمل والصباغة فوق الدباغة وقد وقع ذلك في قوله تعالى {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} ولم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر ومن ذلك قوله تعالى {وإنا فوقهم قاهرون} وما ركبت القبط أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم) أهـ ([151]) .
[المفتاح الثاني]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني: ذكر الفوقية مجردةً عن الأداة، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، فوقهم بالقهر والغلبة والقدرة والتدبير، قال القرطبي: (وهو القاهر فوق عباده القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صير بحال المقهور الذليل قال الشاعر تمنى حصين أن يسود جذاعه فأمسى حصين قد أذل وأقهرا وقهر غلب ومعنى {فوق عباده} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد) أهـ وقال أبو السعود: (وهو القاهر فوق عباده أي هو المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة إلى غير ذلك) أهـ وقال الشوكاني: (قوله وهو القاهر فوق عباده المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية) أهـ وقال الألوسي: (وهو القاهر فوق عباده قيل هو استعارة تمثيلية وتصوير لقهره سبحانه وتعالى وعلوه عز شأنه بالغلبة والقدرة وجوز أن تكون الاستعارة بالظرف بأن شبه الغلبة بمكان محسوس وقيل إنه كناية عن القهر والعلو بالغلبة والقدرة إن فوق زائدة وصحح زيادتها وإن كانت اسما كونها بمعنى على وهو كما ترى والداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة والله تعالى منزه عنها لأنها محدثة بإحداث العالم واخرجه من العدم إلى الوجود ويلزم أيضا من كونه سبحانه وتعالى في جهة مفاسد لا تخفي) أهـ ([152]) .
[المفتاح الثالث]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثالث: التصريح بالعروج إلى الله تعالى، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، قوله تعالى:{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 3، 4]، فعند حمل متشابه المعاني على محكمها نجد أنّ معنى قوله تعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} أي من الله تعالى ذي الفواضل والنعم والدرجات التي يمنحها للطائعين من عباده، وقد يكون معناه من الله تعالى ذي العظمة والعلاء، قال الطبري: (وقوله {ذي المعارج} يعني ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله ذي المعارج يقول العلو والفواضل حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة من الله ذي المعارج ذي الفواضل والنعم) أهـ وقال القرطبي: ({من الله ذي المعارج}، أي ذي العلو والدرجات الفواضل والنعم قاله ابن عباس وقتادة فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق وقيل ذي العظمة والعلاء وقال مجاهد هي معارج السماء وقيل هي معارج الملائكة لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك وقيل المعارج الغرف أي إنه ذو الغرف أي جعل لأوليائه في الجنة غرفا) أهـ [أما قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، فعروج الملائكة هو صعودها من سما إلى سماء إلى محل قربته لا مكان وجوده تعالى أن يحويه مكان، وقد تقدم أنّ وجوده أزلي قبل خلق المكان، وأنّ المكان مخلوق محدود مهما اتسع، وأنّ الله تعالى لا يحويه مكان لأنّه خالقه وخالق العرش فمن دونه، قال الواحدي: (تعرج الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام إليه إلى محل قربته وكرامته وهو السماء) أهـ ([153]) .
[المفتاح الرابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الرابع: التصريح بالصعود إليه: كما في قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، ]، قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي ويرفع صاحب العمل الصالح والكلم الطيب إلى عليين في جنات النعيم، قال الطبري: (قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} قال الحسن وقتادة لا يقبل الله قولا إلا بعمل من قال وأحسن العمل قبل الله منه) أهـ وقال البيضاوي: (وصعودهما إليه مجاز عن قبوله اياهما) أهـ وقال النسفي: (ومعنى قوله إليه إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود أو إلى حيث لا ينفذ فيه الا حكمه) أهـ وقال ابن الجوزي: (فالمعنى والعمل الصالح يرفعه الله إليه أي يقبله) أهـ ، ([154]) .
[المفتاح الخامس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كما في قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، والمعنى في الآيتين: أي إلى مكان كرامته في السماء، لأنّ السماء مكان كرامة الله ورضاه لأنها مكان عبادة الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة الله، ولأنها منزهة عن معاصي العباد، كما أنّ الله تعالى منزه عن المكان كل الأماكن إليه سواء، ليس مكان منها بعيد عن الله، وهو من جميع عباده قريب وفي تفسير الثعالبي: (وقوله تعالى بل رفعه الله إليه يعني إلى سمائه وكرامته وعيسى عليه السلام في السماء على ما تضمنه حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج) ([155]) .وقال ابن جهبل وهو يرد على المستدل بالآية على اثبات المكان لله: (وأتبعها بقوله تعالى: {إني متوفيك ورافعك إلي}، وما أدري من أين استنبط من هذا الخبر أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية هل ذلك بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع ولعله اعتقد أن الرفع إنما يكون في العلو في الجهة فإن كان كما خطر له فذاك أيضا لا يعقل إلا في الجسمية والحدية وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة ولعله لم يسمع الرفع في المرتبة والتقريب في المكانة من استعمال العرب والعرف ولا فلان رفع الله شأنه) ([156]) .
[المفتاح السادس]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السادس: التصريح بالعلو، كما في قوله تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سـبأ: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، وقوله تعالى: {سَـبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، ونقول المراد بالعلو هاهنا هو علو الرتبة والمقام، كما في قوله تعالى حكاية عن حالِ سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: {قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلى}، ومعلوم أنّ المراد به علو الرتبة والمقام والمكانة والغلبة والنصر، ولم يكن موسى عليه السلام آنذاك على قمة جبل وفرعون أسفله حتى يخاطب بالعلو الحسي، وأنّه أعلى مسافة منه، وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، والمقصود هو التمدح بعلو الرتبة والمقام والمكانة لا علو المسافة والارتفاع، وقد أخرج البخاري قصة أحد وفيها: (ونادَى أبو سفيان فقال (اعْلُ هُبَل) فرَدَّ الصحابة رضي الله عليهم (الله أعلَى وأَجَلُّ)، فهل العلو إلا علو الرتبة والمكانة، وإلا فما التمدح المرجو من ارتفاع المسافة، وهل إذا كان حراس الملك يحرسونه وهم في شرفة عالية، هل هم الأعلون أم أنّ الملك وإن كان في السفل أعلى منهم، لأنّه الملك الآمر الناهي، هذا على سبيل تفهيم الأمر وأنّه لا علاقة لعلو المكان في بيان الربوبية والإلهية، فالله تعالى هو العلي بربوبيته وألهيته وهيمنته وقدرته، أما محاذير اثبات العلو المكاني فهي عظيمة أولها الكون في المكان، وإحاطة المكان بالرحمن وهو محال لأنّ الله تعالى بكل شيء محيط، كما أنّ العلو المكاني غايته منتهى البعد عن الأرض، والله تعالى قريب، أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته،: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، والمعنى المحكم هو علو المكانة والرتبة، والمسلم حين يقول وهو ساجد . {سبحان رَبِّيَ الأعلَى}، معناه: سبحان ربي الذي هو أعلى مِن كلِ شيء قَدْرًا ومَكانةً، سبحانه وتعالى، وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى عالٍ بالمكان والحَيّز والجهة، وعلى هذا الحمل للمتشابه على المحكم أطبق المتخصصون في العقيدة والعلماء الراسخون في العلم، قال القرطبي في تفسيره: (ووصفه تعالى بالعلو والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([157]) .
[المفتاح السابع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ…} [آل عمران: 7]، وقوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] وهذا من أوهى الحجج لأنّه معلوم لكل مسلم أنّ القرآن الكريم نزل من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم كان يتنزل به جبريل عليه السلام منجماً على الرسول صلى الله عليه وسلم، ودليل وجوده في اللوح المحفوظ قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21، 22]، ودليل نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة، قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ} [الدخان: 3]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ولما أخرجه النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم) ([158]) .
فلا علاقة لنزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة إلى الأرض، باستدلالهم بنسبة المكان إلى الله تعالى الله عن نسبة النقص والعجز ومماثلة الخلق إليه، أما نسبة النقص لأنّ المكان محدود والله تعالى منزه عن الحدود، ونسبة العجز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويقهره فلا يستطيع منه فكاكا إلا إلى مكان آخر، والله بكل شيء محيط وهو القاهر لكل شيء، ونسبة المماثلة لأنّ جميع الخلائق تحكمها قوانين المكان والكون فيه إلا خالق المكان فهو القاهر للمكان ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
[المفتاح الثامن]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ}[الأنبياء: 19]، المراد من العندية في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، وقوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ}، هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، قال القرطبي: (لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده عن الزجاج وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل لأنهم رسل الله كما يقال عند الخليفة جيش كثير وقيل هذا على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة) أهـ وقال أبو السعود: {إن الذين عند ربك} وهم الملائكة عليهم السلام ومعنى كونهم عنده سبحانه وتعالى قربهم من رحمته وفضله لتوفرهم على طاعته تعالى لا يستكبرون عن عبادته بل يؤدونها حسبما أمروا به ويسبحونه أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه وله يسجدون أي يخصونه بغاية العبودية والتذلل لا يشركون به شيئا) أهـ وقال الشوكاني: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته المراد بهم الملائكة قال القرطبي بالإجماع قال الزجاج وقال: {عند ربك}، والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده) ([159]) .
(تنبيه):القصد من قوله: (والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده): أنّه قريب ليس كمثله في قربه شيء، وإلا فاللفظ المناسب هو أنّ الله تعالى منزه عن المكان لأنّ الأماكن كلها محدودة والله تعالى منزه عن الحدود، وقال النسفي: (أن الذين عند ربك مكانة ومنزلة لا مكانا ونزلا يعنى الملائكة لا يستكبرون عن عبادته) ([160]) .
وقال ابن الجوزي، وهو يرد على حشوية الحنابلة في كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب: (الحديث الخامس والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب في كتابه – فهو عنده فوق العرش – إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت)، ([161]) . قال القاضي – يقصد به أبو يعلى -: ظاهر قوله عنده القرب من الذات، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالي ” مسومة عند ربك “) أهـ ([162]) .
وقال القاضي ابن جماعة – وهو يرد على مثبت المكان بالعندية بكلام رصين محكم يكتب بماء الذهب (الآية الخامسة قوله تعالى: {إن الذين عند ربك}، {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}.. {ابن لي عندك بيتا في الجنة}،.. {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته}، ورد ذلك في الحديث كثيرا كقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي)، كل ذلك ليس المراد به عندية الجهة بل عندية الشرف والكرامة والإعانة والجبر واللطف، لا عندية الحيز والمكان فإن كون الرب تعالى عند الإنسان باعتبار الجهة والمكان محال بالإجماع) أهـ ([163]) .
[المفتاح التاسع]: مفتاح حل اشكالية المتشابه التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معاني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى علو الذات والصفات، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، إذ يستحيل على القديم أن يقبل المحدث، أو أن يكون فيه أو أن يكون عليه على سبيل المكان الحسي، وليس ذلك باعتبار أن مكانه تعالى في السماء، تعالى الله عن ذلك علواّ كبيراّ، ولما تقدم من اجماع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، وقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم وقد قيل هو جبريل عليه السلام لأنّه الموكل بالخسف، أو يكون المعنى أأمنتم من في السماء: أي من في السماء أمره أو قضاؤه أو من في السماء (أي العلو) مكانته وقدرته وسلطانه، أما فهم الجهلاء بأن الله تعالى في السماء على سبيل المظروفية والكون في المكان مما لا يكون إلا للأجسام، فهذا لا يجوز في حق الله تعالى، وأئمة السلف الآية عندهم من المتشابه الذي قراءته تفسيره، والرسوخ في العلم عندهم تفويض معناه المراد إلى الله ورسوله، مع تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق به من صفات الأجسام والحد والحدوث وغيرها من صفات العجز والنقص، وإليك طائفة من أقوال الراسخين في علم العقيدة والمتخصصين فيها في فهم الآية ورد متشابهها إلى محكمه.
قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}: أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) ([164]) .
وقال القرطبي – في درة من تنزيهاته -: (تقديره: أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته وخص السماء وإن عم ملكه تنبيها على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظمونه في الأرض، وقيل هو إشارة إلى الملائكة وقيل إلى جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب، قلت: ويحتمل أن يكون المعنى أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون فإذا هي تمور) أهـ ([165]) .
وقال العلامة ابن الجوزي – وهو يرد على حشوية الحنابلة: (ومن الآيات قوله تعالي: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} قلت: وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق) أهـ ([166]) .
وجاء في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: (وكذلك لا يصح أن يقال لمن هو فوق سطح يسع لدار عظيمة في وسطها من أسفل بيت صغير إنه في ذلك البيت مع أن نسبة العرش إلى السماء أضعاف أضعاف ذلك السطح بالنسبة إلى ذلك البيت، وأيضا فإن بعض الخصوم يقول إنه على العرش وقد قام الدليل القاطع عند العقلاء أن نسبة السماء إلى العرش وعظمته قليل جدا فكيف تسع مع لطفها بالنسبة إلى العرش من هو ملء العرش مع عظمته فإنه يلزم إما اتساع السماء أو تضاؤل الذات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، الثالث اعلم أن السموات كرية لقيام الدليل الحسي والنقلي على ذلك فإن كان في وجهها عندكم فقد جعلتموه كفلك منها وإن كان في جهة البعض فترجيح من غير مرجح، فإن قيل المراد بالسماء الجنس لا المسمى الجميع قلنا يلزم التناقض لأن العرش خارج السموات وقلتم إنه على العرش وأيضا يلزم التجزيء أو كونه متحيز داخلا في حيزين كما سيأتي في قوله تعالى: {وهو الله في السموات}، والكل محال تعالى الله عن ذلك، إذا ثبت ذلك تعين أن المراد إما ملائكة في السماء مسلطون على من شاء الله من الكفار لأن اللفظة تحتمله أو أن المخاطبين كانوا يعتقدون اعتقاد المجسمة فقيل لهم بحسب ما كانوا يعتقدونه في زعمهم أو أن المراد التعظيم وعلو الرتبة والقدرة أي من في السماء ملكوته وسلطانه وملائكته فيكون المراد بالسماء العلو والرفعة، فإن قيل في هاهنا بمعنى على كقوله تعالى: {في جذوع النخل}، قلنا هذا مردود لوجهين: أحدهما: أن ذلك خلاف الأصل وموضوع اللغة التي نزل بها القرآن وممنوع عند المحققين من نحاة البصرة بل هو على بابه لتمكنهم على الجذوع تمكن المظروف من ظرفه لآنهم لم يكونوا مستعلين عليها بل كانوا معها، الثاني لو أريد معنى على كان لفظه أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء}) أهـ ([167]) .وقال العلامة بن جهبل وهو يرد مثبت المكان والجهة: (وأتبع ذلك قوله: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} وخص هذا المستدل من بالله تعالى ولعله لم يجوز أن المراد به ملائكة الله تعالى ولعله يقول إن الملائكة لا تفعل ذلك ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم فلذلك استدل بهذه الآية ولعلها هي النص الذي أشار إليه) أهـ ([168]) .
[المفتاح العاشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، أقول وبالله التوفيق: جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ لدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) } [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء.
وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وجاءت الإحاطة في آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}[فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}، فكانت هذه الآية بمثابة المفتاح لمعنى الإحاطة.
(الجميع) متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، والقاعدة العامة أن الذات غيب الغيوب لا يُدرك، فالقرب قرب صفات والإحاطة إحاطة صفات، والاستواء استواء صفات، لأن جناب الذات مقدس عن المكان لا يحتاج في وجوده إلى مكان، وكل الأماكن عنده سواء وهو قريب من كل خلقه ولا شيء منها عنه ببعيد، نحن اجسام نحتاج في وجودنا إلى المكان، يميننا يمين المكان وشمالنا شمال المكان، وهكذا تقهرنا الجهات الست، لا مخرج لنا من الكون في المكان، أما خالق المكان فلا يقهره شيء وهو القاهر فوق عباده، ولا يحتاج في وجوده إلى شيء، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها التي سنذكرها بأن الاستواء المقصود هو استواء تدبير وملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وقد حاء المفتاح في موضعين من القرآن الكريم: (الأول): قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، و(الثاني): قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش)، الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى {وسخر}، وقوله تعالى {يدبر الأمر}، وقوله تعالى {بلقاء ربكم}، فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير.
(فائدة): جمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بحمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء.
[المفتاح الحادي عشر]: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان وذلك لأنّ: (أولا) الكون في المكان محال على الله، المكان محدث احدثه الله عندما خلق الكون، والذات الإلهي قديم، والقديم يقوم إلا بنفسه، لأنّه الحي القيوم لا يحتاج في وجوه إلى مكان، والمكان أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، لا يلحقه تغير بمخلوقاته ولا تأثر بها.
(ثانيا): الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان.
(ثالثا): قوله تعالى (قل هو الله أحد) يعدل ثلث القرآن، ومعناه تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا لأنه متبعض بعضه يكون بيمين المكان، وبعضه يكون بيسار المكان، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، والحشوية لا يستندون لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان إلا بمتشابهات من الكتاب والسنّة، نهانا الله عن تتبعها، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ، أما أهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان، ورحم الله الإمام الطحاوي حين قال: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ”
[المفتاح الثاني عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثاني عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، ، لحديث الترمذي: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ([169]) . وذلك لأن السماء قبلة الدعاء كما أنّ الكعبة قبلة الصلاة، فترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، قال القرطبي: (الأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل معاند والمراد بها توقيره وتنزيهه على السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة وإليها ترفع أعمال العباد وفوقها عرشه وجنته كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([170]) .
وقال الحافظ الزبيدي: (فإن قيل: إذا كان الحقُّ سبحانه ليس في جهةٍ، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء؟. فالجواب: من وجهين ذكرهما الطُّرْطُوشي: أحدهما: أنه محلُّ التعبُّد، كاستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وإلصاق الجبهةِ بالأرضِ في السجود، مع تنـزُّهه سبحانه عن محلِّ البيت ومحلِّ السجود، فكأنَّ السماءَ قبلةُ الدعاء، وثانيهما: أنها لما كانَتْ مهبِط الرزقِ والوحيِ وموضعَ الرحمةِ والبركةِ، على معنى أن المطرَ يَنـزِلُ منها إلى الأرضِ فيخرج نباتًا، وهي مَسكنُ الملإ الأعلى، فإذا قَضَى اللهُ أمرًا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهل الأرض، وكذلك الأعمال تُرفَع، وفيها غيرُ واحد من الأنبياء، وفيها الجنةُ -وهي فوق السماء السابعة – التي هي غايةُ الأماني، فلما كانت مَعْدِنًا لهذه الأمور العِظام ومَعرِفةَ القضاءِ والقَدَر، تَصرَّفَت الهِممُ إليها، وتوفَّرَت الدواعي عليها) أهـ ([171]) .
وقال الحافظ ابن حجر: (السماء قِبْلة الدعاء كما أن الكعبة قِبْلة الصلاة) أهـ ([172]) . وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي في كتابه شرح الفقه الأكبر: (السماء قِبْلة الدعاء بمعنى أنها محل نزول الرحمة التي هي سبب أنواع النعمة، وهو مُوجِب دفع أصناف النقمة،،، وذكر الشيخ أبو معين النسفي إمام هذا الفن في “التمهيد” له من أن المحقّقين قرّروا أن رفع الأيدي إلى السماء في حال الدعاء تعبّد محض) أهـ ([173]) .
[المفتاح الثالث عشر]: مفتاح حل اشكالية المتشابه الثالث عشر: التصريح بلفظ (أين الله) في حديث مسلم: (قلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([174]) .
قلت: قد تقدم الرد على شبه المجسمة والمشبهة فيما يُشتبه أنه يعارض علم التقديس والتنزيه، مبحث: مفاتيح علم التقديس في حل إشكالات النصوص المتعلقة بعلم التقديس، (ثالثاً) مفاتيح حل إشكالية نسبة المكان إلى الله في حديث: (أين الله)، والرد على شبه المجسمة المتعلقة به من اثبات المكان والحركة والسكون، ما يشفي العليل في هذا الباب، وحاصله انّ السؤال عن المكانة وليس المكان.
[المفتاح الرابع عشر]: المفتاح الأمثل لحل إشكالية العلو الحسي: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان وذلك لأنّ: (أولا) الكون في المكان محال على الله، المكان محدث احدثه الله عندما خلق الكون، والذات الإلهي قديم، والقديم يقوم إلا بنفسه، لأنّه الحي القيوم لا يحتاج في وجوه إلى مكان، والمكان أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، لا يلحقه تغير بمخلوقاته ولا تأثر بها.
(ثانيا): الكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و(الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان.
(ثالثا): قوله تعالى (قل هو الله أحد) يعدل ثلث القرآن، ومعناه تقديس عن المكان، لأن الأحدية المطلقة تمنع من الانقسام والتبعض، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا لأنه متبعض بعضه يكون بيمين المكان، وبعضه يكون بيسار المكان، ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، والحشوية لا يستندون لإثبات الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان إلا بمتشابهات من الكتاب والسنّة، نهانا الله عن تتبعها، وقد اخبرنا الله أن الذين يتتبعون المتشابه في قلوبهم زيغ، أما اهل التخصص فهم الراسخون في العلم يردون تلك المتشابهات إلى أمهاتها من المحكم القطعي من تقديس الله تعالى عن الفوقية الحسية والاستواء الحسي والجهة والمكان، ورحم الله الإمام الطحاوي حين قال: (تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ” أهــ
***
(سادساً)
مفاتيح حل إشكالية الحدوث وحلول الحوادث وكل ما يوحي بذلك
[تمهيد]: (الحدوث): هو الوجود بعد ان لم يكن موجودا، وهذا صفة المخلوق لأنّه ممكن الوجود كان عدما فأوجده الله من العدم، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء واجب الوجود وذاتي الوجود لا يقبل العدم ولا الفناء، و(الحوادث): هي ما يطرأ على الذات من التغيّرات المختلفة، من قبيل: الحركة والسكون، والقيام والقعود، والنوم واليقظة، واللذّة والألم، والنشاط والضعف، والظهور، والأفول، ونحوها من الأعراض التي تنقل الذّات من حالة إلى أخرى، ودليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث: أنّ الحوادث تستلزم التغيّر والانفعال والتأثّر، لأنّ الذات التي تطرآ عليها الحوادث تتغيّر وتنفعل وتنتقل من حالة إلى أخرى، وهذه من صفات الأشياء المادية والجسمانية، والله تعالى ليس كمثله شيء، منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث، فسبحان من لا يقبل الأفول، وسبحان من لا يدخل عليه التغير والزوال، ولا ينتقل من حال إلى حال، ومن هيئة إلى هيئة، له الكمال المطلق فلا يقبل التغير والحدوث ولا يقبل الزيادة ولا النقصان لأنّه الإله الحق الذي له التقديس والكمال، وليست صفة القدم الأزلي إلا لله وحده هو المستحق سبحانه للإلهية فلا معبود بحق سواه.
ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، والله تعالى قديم الذات وأخص صفات القديم أنه لا يقبل الحادث، وبما أنه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث.
[المفتاح الاول]: الجمع بين الآية والحديث من قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم]، يجعلنا نعلم يقيناً: أنه لا قديم أزلي إلا الله: والعالم كله مُحدَثٌ مخلوق أحدثه الله تعالى من العدم إلى الوجود، قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ}، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء) دليل على أنه كان الله ولم يكن شيء معه ولا غيره فهو وحده الأول ذي لا بداية لوجوده، لا قديم أزلي سواه، وكل ما سواه من العالم محدث مخلوق، ومن اعتقد أن شيئًا من العالم بنوعه أو بأفراده لا بداية لوجوده فقد خالف الآية والحديث واجماع أهل الأصول، وقال بقول الفلاسفة والدهرية الذين قالوا بقدم العالم، أو بقول الكرامية: أنه قديم النوع حادث الآحاد، {هُوَ الْأَوَّلُ} جملة أسمية، المبتدأ (هو)، والخبر (الأول) كلاهما معرفة للدلالة على أنه وحده (الأول) الأزلي الذي لا يشاركه في هذه الصفة غيره، ويؤيد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ) [البخاري:3191]، فلا شيء معه ولا شيء غيره ولا شيء قبله، لا بداية لوجوده، لا يشاركه في القدم الأزلي شيء من خلقه، فلا قديم أزلي إلا الله، وشرط الإلهية القدم وإلا كان الخالق محدثا مخلوقا، وشرط القدم الكمال المطلق، لأنّ الأزلية تنزيه عن النقص كما سيأتي بيانه، فالإله لابد وأن يكون قديما أزليا اول بلا ابتداء، ومن الأدلة على القدم الأزلي لله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) ([175]) . وفيه وصف سلطان الله عَزَّ وجلَّ بالقِدَم، وقدم السلطان يعني قدم صاحب السلطان سبحانه، وذلك يستلزم قدم جناب ذاته جل جلاله، و (القِدمُ) معناهُ الأزلية، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدم الزمان، فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما وهو قاهر لهما فلا تأثير لهما عليه لأن الإله له القدم الأزلي فلا يتغير، ولا تتغير صفاته.
[المفتاح الثاني]: تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76 إلى 79]، تماشى الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}، وعلة القمر الافول {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، وعلة الشمس الافول: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إنّ ملة الخليل إبراهيم تقوم على تقديس ذات الله عن الافول، ولا معنى للأفول إلا التغير والحدوث وقبول الحوادث، وإنّ من جوز على ذات الله تعالى التغير والحدوث وقبول الحوادث فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]
[المفتاح الثالث]: سورة الإخلاص تقديس لله عن التغير والحدوث: سورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على عدة أصول: وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، والصمدية (الله الصمد)، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث (لم يلد)، وعن الحدوث (ولم يولد)، وعن مماثلة الخلائق (ولم يكن له كفوا أحد)، فقوله تعالى (الله أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى، والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى: {الله الصمد} الصمدية كذلك تدل نفي الحدوث لأنّ الصمد من الصمود وهو ضد التغير والحدوث، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أنه تعالى أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، لأنّه القديم الأزلي المنزه عن أن تحل به الحوادث، ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد – ومن غيرها من الآيات كما سيأتي – تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ}:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ}، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ولا مثيل، ولو كان قابلا للتغير والحدوث، أو كان محلاً للحوادث – سبحانه – لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدثة المخلوقة.
[المفتاح الرابع]: كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون إن صفة الكلام لله صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء قياسا على البشر، ولازم قولهم أن القرآن ليس قديما وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم، وأنه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة، وهم يقولون بأنه حادث الآحاد، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
[المفتاح الخامس]: من جملة أخطاء ابن تيمية: قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه.
إنّ هذه المقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، وقد دخلت عليهم الشبهة من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[المفتاح السادس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة يوهم بالحدوث أو قبول الحوادث فإنه متشابهات لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ، نؤمن بها على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، و كل ما يقوله أهل الجهل والبدعة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، إنّ القول بقبول جناب الذات الإلهي (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول، بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، وقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الإمام النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ([176]) .
وقال الإمام النووي: (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اهـ ([177]) .
وكل متون العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وانه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، وتذكر أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، وتذكر أن قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، لان الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له زيادة أو نقصًا، و الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان،، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات،
[المفتاح السابع]: المدرسة السلفية المعاصرة للأسف تسير على كلام الإمام ابن تيمية وكانه معصوم، وهذا أضر بهم ضررا بالغا، وهم يتبعونه في أخطائه كما يتبعونه في صوابه، أخطا عندما قال في المنهاج: ” فإنا نقول أنه يتحرك وتقوم به الحوادث والأعراض) أهــ ([178]) .
وقال في المنهاج: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب، قلنا لكم: نعم وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل) أهــ ([179]) .
ومن العجب أن يقول هذا ذاهلا عن حجة سيدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام من احتجاجه بقيام دلائل الحوادث بالقمر والكوكب والشمس وهو التحول من حال إلى حال، وان ذلك دليل على عدم ألوهيتها، لقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية المجسمة شبرًا بشبر، و (الكرامية) خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، وأهم أسباب تبني ابن تيمية لهذه البدعة: زعمه أن العلم بالشيء يتجدد عند الله، فمثلا يزعم ان علم الله بعمل العبد يتجدد عندما يقوم العبد بهذا العمل، وان السمع والبصر يتجددان كذلك وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وكلها شبه زائفة والرد عليها يسير، والرد على تلك الشبة يسير على اهل التخصص، فأما شبهة العلم والسمع والبصر: فإن الله تعالى له سبحانه الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، وكما أنّ جناب ذات الله تعالى له الكمال المطلق، فكذلك الصفات تابعة للذات، لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان ولا تقبل الحدوث والتغير، له كمال العلم، بلا غاية ولا نهاية، علم الله تعالى محيط بكل ذلك، ولا يقبل الزيادة او النقصان، إذ لو قبل الزيادة لم يكن قبل الزيادة كاملاً بل كان به بعض الجهل بمقدار تلك الزيادة، ولو قبل النقصان لم يكن لينسب إلى عالم الغيب والشهادة الذي بكل شيء عليم، وله كمال السمع منكشف على سمعه كل مسموع مهما دق أو عظم ولا يجرى على سمعه زمان فهو يسمع كل الأصوات ويميزها عن بعضها منذ بدء الخليقة وإلى أبد الأبد بلا زمان لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل فلا يغيب عن سمعه مسموع لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، الكل منكشف على سمعه الازلي القديم له كمال السمع المطلق فلا تزيد له صفة ولا تنقص بتجدد الأزمان لأنه خالق الزمان فمحال أن يكون خلقه فاعلا في ذاته او في صفاته، وله كمال البصر لا يغيب عن بصره شيء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل كل ذلك عنده سواء يرى كل الأشياء بكل الأزمان بلا زمان يجري على بصره، وهو بكل شيء شهيد، لا يتجدد له سبحانه لا علم ولا سمع ولا بصر، لان الكمال المطلق يمنع من ذلك، ولو تجدد له علم أو سمع او بصر لكان علمه وسمعه وبصره قبل ما تجدد له من ذلك ناقصا والإله لا يقبل إلا الكمال المطلق في كل صفاته، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وأما شبهة الإرادة، فإن الإرادة عند الإنسان حادثة، لان الإنسان كله حادث مخلوق، ولذلك فإن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة الكاملة الكمال المطلق على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما شبهة الكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيتصورون أن صفة الكلام صفة فعلية وأن الله يتكلم متى شاء، ويسكت متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه لم يتكلم به في الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق بالإرادة، لأن هذا القول يحد كلام الله الذي له الكمال المطلق، وللخروج من هذا المأزق ابتدعوا بدعة جديدة وهي في حقيقة الامر من المحالات ومن قبيل التلاعب بالألفاظ، فقالوا قديم النوع حادث الآحاد، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون.
[المفتاح الثامن]: الحنابلة الذين ينتسب إليهم الإمام ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، ولهذا لنا أن تعجب من جرأة ابن تيمية وتجاسره القول بأن صفات الله تعالى قديمة النوع حادثة الآحاد، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله في [اللوامع] (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم والعينين ونحوها وسائر صفات الأفعال من الاستواء والنزول والاتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى،([180]) .
وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو أصحاب عقيدة الشاب الأمرد، قال أبو الحسن ابن الزاغوني في كتابه [الإيضاح في أصول الدين (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى([181]) . ونقل عنهم ابن تيمية في [التسعينية:] (وقد ظن من ذكر من هؤلاء كأبي يعلى وأبي الحسن وابن الزاغوني أن الأمة قاطبة اتفقت على أنه لا تقوم به الحوادث وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه وهذا مبلغهم من العلم) انتهى([182]) .
يقول هذا مبلغهم من العلم وأقول ما ذهبوا إليه أصح مما ذهب إليه ابن تيمية من نسبة المحال إلى الله وجر الامة إلى بدعة ضالة لا تصح عند صغار طلبة العلم في مدارس الأصول والتخصص، فإنا لله وإنا إليه راجعون،
[المفتاح التاسع]: قد يتساءل البعض: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلا من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع أو بصر جديدين، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم االله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، فلا تجري الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت على الخالق وصفاته كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
***
(سابعاً)
مفاتيح حل إشكالية النصوص الموهمة للحركة كالإتيان والمجيء
[المفتاح الاول]: قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، فظن أهل الحشو والتجسيم أنّ المجيء يكون بالذات وأنّ الإتيان يكون بالذات وهذا تجسيم محض، فإنّ الذي يتحرك ويذهب ويجيء ويتنقل بين الأماكن ليس بإله له الكمال المطلق في جناب ذاته، مقدس عن التغير والحدوث (الأفول)، وتلك حجة الخليل عليه السلام، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الشمس والقمر والكواكب لتغير حالها لا تصلح للإلهية لأن الله دائم لا يزول، والزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، ومن هذا الدليل نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون قديما لا يتغير ولا يقبل الحوادث، (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة.
(جناب الذات الإلهي) منزه عن التغير والحدوث، ومنزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من جناب الذات حادث وهذا محال لأن الله تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنّه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الاول الأزلي القديم سبحانه الخالق ومن دونه مخلوق، قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، إنّ ملة إبراهيم الخليل عليه السلام تقديس الله عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، فمن جوز التغير والحدوث وقبول الحوادث على ذات الله تعالى فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]، ولذلك فإننا نجد المفسرين إذا كان لهم نصيب من العلم فإنهم يحملون المتشابه على المحكم، فقوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، مفتاحه قوله تعالى: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} [هود: 76]، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]، مفتاحه قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33]، قال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى: {وجاء ربك}: أي أمره وقضاؤه قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف، وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة وهو كقوله تعالى: {إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}، أي بظلل، وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات، ومنه قوله تعالى في الحديث: : (يا بن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني) ([183]) .
وقيل: وجاء ربك أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه، قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله – جل ثناؤه – لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان ; لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز) ([184]) .
[المفتاح الثاني]: الله تعالى لا يوصف لا بالحركة ولا بالسكون، وذلك لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما، وقد كان دليل الخليل عليه السلام مع قومه ليقيم لهم الحجة بأنّ الكواكب والقمر والشمس لا تصلح للإلهية لأنها حادثة متغيرة علتها الافول، فعلة الكوكب الافول والافول هو الحركة من مكان إلى مكان، وهو التغير والزوال، وهو قبول الحركة والسكون، هذه بعض معاني الافول، والله تعالى هو خالق الأجسام في المكان ثم قدر لها الحركة والسكون فكان الزمان، والله تعالى لا تجري عليه صفات خلقه من الحركة والسكون والكون في المكان وجريان الزمان، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه، أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولأمتنع من الأزل معناه، وكيف ذلك وهو الاحد المقدس عن البعض والجزء وهو القديم المنزه عن التغير والحدوث، فيمتنع ان يوصف الاحد الصمد القديم الازلي بالزمان ولا المكان، ولا الحركة ولا الزوال ولا الانتقال ولا السكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوا كبيرا، كما انّ كلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ بالله قبول الحركة والسكون كما تقبل به الاجسام المحدودة المحدثة المخلوقة كان من الجاهلين، وكان أبعد الناس عن حجة الخليل إبراهيم {لا احب الآفلين}، أي لا تصلح الكواكب المسخرة المتحركة شرقا وغربا أن تكون لها الإلهية فتعالى الله عما يقولون، والحركة تستلزم خلو الذات المتحرّكة من المكان التي كانت فيه واستقرارها في مكان غير المكان السابق، وهذا باطل بالنسبة إلى الله، لأنّه تعالى منزّه عن المكان، والحركة تستلزم جريان الزمان وقت الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، والله تعالى أزلي هو الذي خلق الزمان واجراه، فكيف يجري عليه ما اجراه، وكيف يكون مقهورا لما تحت قهره وعبوديته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
والخلاصة: أنّ الذي يعتقد أنّ الله تعالى يجوز عليه الانتقال والحركة يكون مجسما ضالا والعياذ بالله، فَيَجب عليه اعتقاد أنّ الله لا يُوصَف بالتغيّر والانتقال، وإلا فهو يعبد جرما متحركا كما كان يعبد قوم إبراهيم ونحن نقول له لا يصلح الآفل أن يكون إلها له القدم والبقاء.
(تنبيه): لا يفهم من تقديس الله تعالى عن الحركة إثبات السكون، إذ السكون نقصٌ أيضاً، لأن الحركة انتقال من مكان إلى مكان، والسكون هو الإقامة في مكان، والحركة والسكون كلاهما من لوازم الجسمية، فلا يمكن أن يكون ثمة جسمٌ إلا وهو متحركٌ أو ساكن، والله تعالى مقدس عن الجسمية ولوازمها من الحركة والسكون، ونفي الحركة السكون عن الله تبارك وتعالى، ليس جمعاً بين النقيضين، لأن الحركة والسكون لازمان للأجسام التي يصح في حقها الحركة أو السكون.
[المفتاح الثالث]: من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق: قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث، أما القديم الأزلي الأبدي فلا يقبل جناب ذاته الحوادث ولا يقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار، ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته.
فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية، لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، لأنّ الكيفيات المحسوسة: من لوازم الأجسام والله تعالى منزّه عن الجسمانية، وأنها حادثة، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث، وهي تستلزم التغير والانفعال، والله منزّه من التغير في ذاته.
[المفتاح الرابع]: من أقول اهل العلم في تقديس الله عن الحركة والسكون والتغير والحدوث: قال الإمام أبو حنيفة في (الفقه الأكبر): (وليس قرب الله تعالى ولا بُعده من طريق المسافة وقصرها ولكن على معنى الكرامة والهوان، والمطيعُ قريب منه بلا كيف، والعاصي بعيد عنه بلا كيف، والقرب والبُعد والإقبال يقع على المناجي، وكذلك جواره تعالى في الجنة والوقوف بين يديه بلا كيف) ([185]) .
وقال شيخ المفسرين الإمامُ ابن جرير الطبري: (اجتمع الموحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحركة والسكون) ([186]) . وقال أيضا رحمه الله: (القيُّومُ: الذي لا زوال معه ولا انتقال، وإنَّ الله تعالى إنما نفى عن نفسه التغيُّرَ والتنقل من مكان إلى مكان، وحدوثَ التبدُّلِ الذي يَحدُثُ في الآدميين وسائِر خلقه غيرِهم) ([187]) .وقال الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله: (ليس مجيئه تعالى حركةً ولا زوالًا ولا انتقالًا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً، فلما ثبتَ أنه تعالى ليس بِجِسْمٍ ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئُه حركةً ولا نقلة) ([188]) . وقال الإمام مكي القيرواني رحمه الله: (لا يجوز على الله الحركةُ ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال) ([189]) .وقال القاضي عياض رحمه الله: (لا تجوز على الله الحركةُ والانتقال) ([190]) .
وقال الإمام البيهقي في كتابه الأسماء والصفات: (نقلًا عن الحافظ المحدث الفقيه أبي سليمان الخطاب: (والله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}) أهـــ ([191]) .
وقال الإمام البيهقي أيضا: (عند قوله تعالى: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [سورة الفجر]: (والمجيء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان لله تعالى بلا تشبيه) أهــ([192]) .
[المفتاح الخامس]: كل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة المجيء والاتيان والذهاب والاستواء والنزول والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا ننفي ما جاء عن الله في الكتاب والسنّة ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن، (فائدة): الأساس في هذا التقديس هو حجة إمام المتكلمين إبراهيم عليه السلام على قومه، ومن جوز الحركة والنقلة والحركة والسكون والانتقال ومن جوز التغير والحدوث وغير ذلك من لوازم الجسمية فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه، من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130]
(ثامناً)
مفاتيح حل إشكالية الظواهر الموهمة للتجسيم وقبول التركيب من الجوارح والأعضاء كالوجه واليد والعين والساق
(تنبيه): حذرا من التكرار مع انّ العلم الراسخ لا يمل أحد من تكراره، فإنّ اغلب مفاتيح التقديس التي ذكرتها عند حديثي على سورة الإخلاص فإنها تتعلق بتقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازمها من الأجزاء والأعضاء والجوارح والصور والأشكال، منها – على سبيل الإيجاز- (1) قاعدة تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الجسمية، (2) قاعدة تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الصور والأشكال، (3) قاعدة تقديس جناب ذات الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء، (4) عند حديثي عن مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند فقه المراد بالوجه واليد والعين في القرآن الكريم.
[المفتاح الاول]: خلافنا مع المجسمة ومن دار في فلكهم من أهل الحشو ليس في صفات الله وليس في أفعال الله، ولكن خلافنا معهم فيما يتعلق بكنه الذات، هم – لجهلهم بقواعد التقديس المستمدة من سورة الإخلاص – يتكلمون في كنه الذات وشكل الذات ويصممون على أن الوجه والعين واليد والاصابع والانامل والقدم صفات أعيان لله (أي جوارح) ولكن بلفظ لطيف، وهي عند الحقيقة اللغوية المستعملة عند العرب ليست صفات للذات وإنما هي ملامح للوجه وللذات وقد قال العلماء انها صفات وليست جوارح للابتعاد عن التجسيم والتكييف، والمجسمة ومن تبعهم من اهل الحشو يحومون حول التجسيم بغير فهم ولا علم، وهم أهل زيغ يرومون تكييف الذات بتتبع المتشابهات، والدليل على ذلك ان كل مؤلفاتهم تتبع للمتشابهات التي يظنون أنها ترسم شكل الذات: باب الوجه باب اليد باب العين باب الساق باب القدم باب الأصابع باب الأنامل باب الضروس باب اللهوات باب الجنب باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، كل الخلائق أجسام محدودة لها أشكال وصور وألوان وهي مقهورة بقوانين المكان والزمان والحد والمقدار والصور والأشكال، ولهذا تنزه جناب الذات عن ذلك كله فليس كمثله شيء في جناب ذاته، قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هيَ أصرحُ ءايةٍ وردَتْ في التنْـزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، والإنسان مهما بلغت منه المكابرة فلن يستطيع ان يكابر في نفي مجازات الوجه واليد والعين والساق في القرآن الكريم.
[المفتاح الثاني]: مجاز الوجه في القرآن الكريم: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن (الوجه) يستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها: ومثالها: قوله تعالى {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، فهل للنهار وجه على الحقيقة _ والوجه إذا قيل له على الحقيقة قصد به الجارحة المعروفة _ وهل تفيد الآية إثبات الوجه للنهار أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنهار لفظ الوجه للدلالة على أول النهار، كما أن العرب تستعمل الوجه في معانٍ كثيرة، فيقولون هذا الرجل وجه الناس ويقصدون المقدم فيهم والمفضل عندهم، ومنه قوله تعالى (وكان عند الله وجيها) أي ذا منزلة عند الله، ويقولون وجه الثياب ويقصدون أفضله وأجوده، ويقولون وجه الصواب وعين الصواب ولا يقصدون أن للصواب وجه أو عين، وقوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]، وانقلاب الإنسان على وجهه هاهنا هل يراد به معناه اللفظي وأنه متى ما وقع إنسان وانقلب على وجهه (الجارحة المعروفة) خسر الدنيا والآخرة، أم المقصود الذي لا ريب في صحته هو ردته عن دينه وتراجعه عن إيمانه بقرينة خسران الدنيا والآخرة ([193]) .
[المفتاح الثالث]: مجاز اليد في القرآن الكريم: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}، فهل للقرية يدين؟ وهل تفيد الآية إثبات اليدين للقرية لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرية لفظ اليدين للدلالة على إحاطة العبرة لجميع ما حول القرية من أمامها وخلفها، وقوله تعالى (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، هل تفيد الآية إثبات اليدين للقرآن لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للقرآن لفظ اليدين للتأكيد على تصديق القرآن للتوراة والإنجيل وأنهم جميعا من مشكاة واحدة؟، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، هل للرحمة يدين؟، وهل تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وقوله تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، هل للعذاب يدين؟، وهل تفيد الآية إثبات اليدين للعذاب لأنها جاءت بتثنية اليد أم أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للعذاب لفظ اليدين للتأكيد على قرب العذاب، ([194]) .
[المفتاح الرابع]: مجاز العين في القرآن الكريم: المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن العين يستعمل فيه في مجازات متعددة، فتأتي كناية على شدة العناية والحفظ والحراسة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين ومفسرين على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، ثم تواترت أقوال الأئمة المقتدى بهم في الدين على ذلك، فقوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، أي بمرأى منى دلالة على الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية، وقوله تعالى {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، إذن هكذا يكون التقديس وهكذا يكون العلم الراسخ بالله وتقديسه في جناب ذاته، وكل ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الوجه أو العين او اليد إلى جناب ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن الجارحة والبعضية والجزئية، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد([195]) .
[المفتاح الخامس]: مجاز الساق: (الساق): في مجاز اللغة يحمل على الشدة و الكرب: تقول العرب: قامت الحرب على قدم وساق إذا اشتد كربها وحمي وطيسها، والآية التي ذكرت فيها الساق قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، وقد أخرج شيخ المفسرين الطبري في تفسيره بسنده: عن حبر الامة عبد الله بن عباس: يوم يكشف عن ساق قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق،، ونقل عنه قوله: يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق، وقوله يوم يكشف عن ساق هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة، وعن مجاهد قوله يوم يكشف عن ساق قال شدة الأمر وجده، وعن سعيد بن جبير قال عن شدة الأمر أهـ([196]) .
وليس الطبري وحسب ولكن سواد المفسرين الأعظم على ذلك التأويل.
***
(تاسعاً)
مفاتيح حل إشكالية الاستواء بأيسر عبارة وأسهل دليل
(تنبيه): حذرا من التكرار مع انّ العلم الراسخ لا يمل أحد من تكراره، فإنّ اغلب مفاتيح التقديس التي ذكرتها عند حديثي على سورة الإخلاص فإنها تتعلق بتقديس الله تعالى عن المعاني الحسية للاستواء، وعند حديثي عن مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة، و (الاستواء): ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، وقد أوردت في مبحث (مفاتيح علم التقديس المستنبطة عند الجمع بين معاني القرب والاستواء والإحاطة) مفاتيح الأيات السبعة التي وردت في الاستواء بما لا يدع مجالا لشاك بأنّ استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات، فعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء تدبير وملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يعتقد اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، والحل الأمثل لإشكالية الاستواء، هو المفتاح القرآني، فقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، و(الثاني): قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش)، الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى {وسخر}، وقوله تعالى {يدبر الأمر}، وقوله تعالى {بلقاء ربكم}، فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير، وقد جمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء،، إنّ أهل التنزيه والتقديس في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان، وعن العرش فالقرب قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) والاستواء استواء الصفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولم يكن له كفواً أحد،
***
(عاشراً)
حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم
[تمهيد]: إنّ أصعب المسائل العقدية وأغمضها هي مسألة صفة الكلام لله تعالى، حتى أنّ البعض زعم أن هذا العلم (علم العقيدة) إنما سمي بعلم الكلام بسبب هذه المعضلة، والفتنة الكبرى التي كانت بين المعتزلة وبين أهل السنّة (فتنة خلق القرآن) في زمان الإمام أحمد رحمه الله، و كانت بسبب الاختلاف في كلام الله وهل هو قديم أم مخلوق، وهل هو صفة معنوية قائمة بالذات أم صفة فعلية يترتب عليها أثر في حق المخلوق، والكلام إذا نسب لله فلابد وأن يكون قديما كقدم الذات، وكيف يكون قديما وهو عبارة عن أصوات وحروف والأصوات محدثة والحروف متعاقبة يجري عليها الزمان، وما جرى عليه الزمان فهو محدث، وكلام الله تعالى صفة من صفاته فلابد وان يكون قديما أزليا منزها عن الحدوث، والآيات القرآنية نصت على صفة الكلام لله، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفى عنه الكمال المطلق، فتنتفي الإلهية التي من خصائصها الكمال المطلق، هذا حكم كلام الله القائم بذاته.
والقرآن الكريم كلام الله، وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فدل ذلك على أنّ القرآن الكريم كلام الله، يأخذ حكم الصفات الإلهية من حيث القدم والكمال، ولكن القرآن الكريم الذي بين أيدينا محدود يحويه المصحف، مبدوء بسورة الفاتحة مختوم بسورة الناس، وصفات الله أزلية قديمة لا حد ولا عد، والقرآن الكريم حروف متسلسلة متعاقبة يردف بعضها بعضا ويجري عليها الزمان ففي قولنا بسم الله الرحمن الرحيم لابد وان تكون الباء قبل السين والسين قبل الميم، والأصوات أعراض محدثة يطرأ عليها الابتداء والاستمرار والسكوت وهذه صفات المحدث المخلوق، فهناك تعارض بين قدم صفة الكلام لله، وبين القرآن المكتوب في المصاحف نقرأه بألسنتنا ونسمعه من غيرنا، وهذا كله من صفات الحدث وليس القدم الازلي، فكانت الأزمة التي ليس لها -بعد فضل الله تعالى- سوى السادة الأشاعرة والماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة فحلوا معضلاتها بأحسن الفهم وأدق تفصيل، وأجمل الجمع بين النصوص المتعارضة واحالة المتشابه منها إلى امهاته من المحكم، فكان قولهم هو القول العدل الوسط الذي يحل كل المشكلات ويحافط على المراتب، فكل ما بتعلق بالله تعالى قديم وكلامه صفة ذاته فهو قديم، وكل ما يتعلق بالعباد محدث، فهداهم الله للصواب، في حين ضل في الباب أهل عدم التخصص من أصحاب الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والجهمية والشيعة الزيدية والشيعة الإمامية والمجسمة والحشوية، كل حزب بما لديهم فرحون وكلهم يعارض قول بعضهم بعضا إلا المتخصصون (الأشاعرة والماتريدية)، وصدق الله حيث يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وحيث يقول سبحانه: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].
[تنبيه]: ما هي المعضلات التي تواجه مسالة الكلام: (أ) الكلام الذاتي صفة لله قديمة فلا يمكن ان يكون بحرف وصوت ولا يمكن ان يكون محدودا له بداية وله نهاية، (ب) الكلام اللفظي حرف وصوت وهو محدث لا محالة، (ت) القرآن الكريم الذي بأيدينا محدود مبدوء بالفاتحة ومختوم بالناس، وقد حواه المصحف، فهو محدود متسلسل الآية بعد الآية والسورة بعد السورة يجري عليه الزمان فلا يكون قديما ابدا، (ث) إذا كان الكلام قديما بلا حرف ولا صوت فكيف سمعه موسى عليه السلام، (ج) وإذا كان موسى عليه السلام سمع الكلام حرفا وصوتا فكيف يكون قديما، فهذه بعض معضلات المسألة ويفهمها ويعرف أبعادها أهل الأصول الدارسون لعلم مقدمات الإلهيات فقط، ولا عبرة ولا وزن لمن يقول بقدم الحرف والصوت ولا عبرة ولا وزن لمن يقول قديم النوع محدث الآحاد لانّ هذه الأقوال مستحيلة في عرف من درس مقدمات الإلهيات ومن درس الأصول واهل الحشو لا يعرفون شيئا عن معاني القديم والمحدث، وهي مصطلحات لم يدرسوها ولا يفهموها وهم همج رعاع فلا علم ولا حلم ولا احترام للتخصص ولا خوف من الله فإنّا لله وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح الاول]: أقوال الفرق في مسألة الكلام: منذ نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم والمذهب المعروف عند علماء السلف الصالح ان القرآن كلام الله صفة لله وصفات الله قديمة ازلية تابعة لجناب ذاته، لا يشكون في ذلك ولا يخطر ببالهم سوى ذلك، حتى جاءت المعتزلة ووجدت أن المسموع من القرآن هو الأصوات والحروف، وهذه مخلوقة لا جدال في ذلك، ووجدوا أن صفات الله قديمة أزلية تابعة لذاته ووجدوا أنّ القديم الأزلي لا يصح معه تعاقب الحروف والأصوات، ولا يطرأ عليه سكوت ولا يصح أن يكون مستمرا متواصلا لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمان، ولم يكن قد فُتح عليهم بمعرفة الكلام النفسي والتفريق بينه وبين الكلام اللفظي، فزعموا أنّ كلام الله ليس صفة لذاته وإنما هو مخلوق يخلقه الله في محل كالشجرة أو لا في محل فيُسمع هذا الكلام لمن شاء من خلقه، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وليس للحدوث عندهم معنى سوى المخلوق، ولم يكونوا على قدر من العلم والتوفيق يسمح لهم بجمع الآيات والأحاديث المتعلقة بصفة الكلام وتنزيل كل دليل منزلته المنوطة به، ولم يكن الله تعالى قد فتح عليهم بمعرفة الكلام النفسي الأزلي القديم، وسار على قول المعتزلة فيما بعد الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية وبعض الخوارج، والقرآن عندهم مخلوق محدث، وكرد فعل لقول المعتزلة، وقف الإمام أحمد رحمه الله وقفته المعروفة في محنة القرآن ولم يزد على قوله (القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق)، أي من حيث المعنى القائم بجناب الذات، سبحانه، ورفض قول المعتزلة وصبر على البلاء والمحنة في زمان المأمون وفي عهد خلفه المعتصم بالله والواثق بالله وكانوا على مذهب المعتزلة، وانتهت بوصول المتوكل على الله إلى الحكم، فرفع المحنة وأزال الفتنة، والإمام احمد كان يقصد بالكلام القديم أنه كلام الله، وأنّ ما نسمعه وإن كان صوت القارئ للقرآن ولكن الكلام في الأصل هو كلام الله وكلام الله غير مخلوق، ولم يتناول الغمام احمد لا الكلام النفسي القديم ولا قضية الدال والمدلول، فإننا يقينا أذا كتبا اسم الله تعالى على ورقة فليس الذي على الورقة هو الله وإنما اسمه الدال عليه وهذا لا يختلف عليه العقلاء، لأننا إن احرقنا الورقة التي كُتب عليها اسم الله، فلن يحترق سوى الأسم المكتوب الدال على الله، فهناك فرق بين الدال والمدلول، وهذا لا يختلف عليه عاقلان أصلا.
ولكن حشوية الحنابلة الذين لا باع لهم في معرفة أصول الدين ولا رسوخ في العلم يمكنهم من التفريق بين المحدث والقديم، وهم لا يعلمون مقصود الإمام احمد بقوله: (القرآن كلام الله غير مخلوق) فهو يقينا يقصد أنه غير مخلوق من حيث المعنى القائم بالذات، لكن أصواتنا، وحركات ألسنتنا ومداد الأوراق هذه كلها مخلوقة، لا يختلف على ذلك عاقلان، وهم كذلك لا يعلمون مقصود أهل التخصص العقدي بقولهم (قديم أزلي) في حق الله تعالى، لأنهم ما عهدوا القدم إلا قدم الزمان وحسب، هؤلاء الحشوية وكرد فعل لخلل المعتزلة ردوا عليهم بخلل جديد فقالوا الحروف قديمة والأصوات أزلية قديمة وغالى المغالون منهم فقالوا الورق الذي كتب عليه القرآن قديم، وهؤلاء ظهروا في زمان الإمام البخاري فرد عليهم بأن القرآن كلام الله قديم ولكن أصواتنا بالقرآن مخلوقة والمسموع كلام الله القديم وأصواتنا وقراءتنا للقرآن من أعمالنا وهي مخلوقة.
وتعرض الإمام البخاري للمحنة كما تعرض لها الإمام أحمد ولكن هذه المرة لم تكن من المعتزلة وإنما من حشوية الحنابلة الذين لا علم لهم بالأصول والفرق بين المحدث المخلوق والقديم الازلي، وفضلاء الحنابلة آنذاك على مذهب الإمام أحمد لا يزيدون على قوله (القرآن كلام الله غير مخلوق) ولم يتعرضوا لمسألة الكلام الأزلي القديم، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع أنه الفتح الأكبر في المسألة كما سيأتي، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى لتواتر الأدلة عليه وهو الحل لكل معضلات المسألة كما سيأتي، الحاصل ظل الهرج والمرج بين المعتزلة والحشوية هذا يقول لا يعقل إلا مخلوقا لأنه أصوات وحروف متعاقبة خاضعة للزمان لا يُعقل إلا أن تكون مخلوقة، وهذا يقول الأصوات أزلية والحروف قديمة، إلى أن شاء الله بالفتح على يد الامام المجدد إمام أهل السنّة والجماعة الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، فجمع ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام وأنزل كل دليل على مرتبته الخاصة به فكانت النتيجة هي المذهب الأمثل الذي يجعل كلامَ اللهِ يُطلقُ على مرتبتين: (الأولى):الكلامِ النفسيِّ القديمِ القائمِ بذاتهِ تعالى، و (الثانية) الكلامِ اللفظيِّ الذي نقرؤه (القرآن الكريم)، وبهذا صاغ المذهب الأقرب إلى الحق، ووجد الحل الأمثل لإشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم، والمتمثل في بيان أنّ الكلام النفسي هو الكلام القديم القائم بذات الله وأنه يستحيل (القدم) مع الحرف والصوت، ويستحيل مع القدم ابتداء الكلام أو السكوت، وانه يستحيل مع القدم التغير والحدوث، ثم تفصيل الكلام في الكلام اللفظي (القرآن الكريم) بما يناسب كل مرتبة من مراتب الكلام المتعددة، وبهذا تكون الأشاعرة قد جمعوا بين الأدلة وانزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وصاغوا المذهب المختار في صفة الكلام وردوا على المخالفين بأدلة القرآن والحديث وجاءوا بدرر من التنزيه والتقديس المتعلقة بكلام الله القديم، وسياتي بيان ذلك بالتفصيل، ولكن لما كانت البدع تجري بأصحابها جري الدماء في العروق فقد ظلت المعتزلة على بدعتها وظلت الحشوية على بدعتها وجاء ابن تيمية سامحه الله بمذهب بدعي جديد خليط بين قول الكرامية والسالمية والحشوية وأهل الاعتزل، وهو قوله (قديم النوع حادث الآحاد) وهو من المستحيلات لأنه إذا كان قديما فلن يقبل الحدث وإذا كان حادثا فلن يكون قديما أزليا، ولأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول، الحاصل: أنّ هذا القول الشاذ المستحيل تصوره، قد أماته في مهده أهل الأصول والتخصص وقضوا عليه لتناقضه، حتى جاءت فتنة أهل نجد متمثلة في ظهور الوهابية فأحيوا ما اماته العلماء من أخطاء ابن تيمية وقالوا كما قال بأنّ القرآن قديم النوع محدث الآحاد، وسيأتي بيان شبهتهم والرد عليها إن شاء الله عز وجل.
[المفتاح الثاني]: الله تعالى من صفاته الأزلية الكلام: الكلام صفة لله تعالى على الحقيقة، وكما أنّ له العلم صفة ذات، فإنّ له الكلام صفة ذات: قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، وصفات الله تعالى تابعة لجناب ذاته فلابد وان تأخذ حكم الذات، فلها القدم الأزلي الذي هو من خصائص جناب الذات، ومما يؤكد صفة الكلام لله، قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، وقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أنه لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148]، قال القرطبي في تفسير الآية: (ألم يروا أنه لا يكلمهم بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام) ([197]) .
وكلام الله تعالى القديم صفة لجناب ذاته، لها الإطلاق، فلا حد ولا عد ولا بداية ولا نهاية لصفاته: قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، فلو كان كل شجرة في الأرض أقلاما والبحر مدادا لنفد الماء وتكسرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله، مما يدل على انّ كلام الله لا بداية ولا نهاية، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، فالآية تفيد أن كلماته غير متناهية، فلو أن البحار التي خلق الله كانت مدادا تكتب به، والشجر الذي خلق الله أقلاما تخط به، لنفد مداد البحار، ونفدت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله.
والكلام هنا على صفة الكلام القائم بذات الله، وليس القرآن الذي بأيدينا لأنه محدود مبدوء بسورة الفاتحة ومختوم بسورة الناس، نحفظه في صدورنا، ولو كان هو ذاته صفة الله لحلت بصدورنا وهذا الحلول تتقدس عنه صفات الله، وكذلك فإنّ المصحف الشريف يحوي القرآن كله، ومحال أن يحوي المصحف صفة الكلام القائمة بالذات لأنها تابعة للذات في القدم والكمال، فلا يقاس كلام الله تعالى الأزلي الذي هو صفة لجناب ذاته بالكلام المحدود المعدود، القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة نسمعه مع تلاوة القارئ ونقرأه في المصاحف، ولكنه ليس الصفة القديمة الأزلية القائمة بذات الله حيث لا حد ولا عد ولا ابتداء ولا انتهاء، وكل من خالف ذلك فهو إما جاهل بمصطلحات اهل الأصول اهل التخصص في عقيدة الإسلام وإما مكابر في قلبه زيغ يتبع المتشابه ويترك المحكم.
[المفتاح الثالث]: القرآن هو كلام الله على الحقيقة: قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فالقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة لأنّ الذي قاله هو الله، والقارئ للقرآن ليس له منه سوى التبليغ والأداء، ولذلك فهو كلام الله على الحقيقة، وهو مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك كلام الله، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله، وقد توعد الله تعالى من نسب القرآن الكريم إلى غير الله بسقر، قال تعالى: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26 إلى 28]، تحذير عظيم من نسبة القرآن إلى غير الله، ولذلك قال الطحاوي: (من سمعها – أي آيات القرآن – فزعم أنها كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} فلما أوعده الله تعالى بسقر على قوله: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر}ِ علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر.
[المفتاح الرابع]: معنى قوله تعالى {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}: نسب الله تعالى قراءة القرآن في موضعين من كتابه الكريم في أحدهما إلى جبريل عليه السلام، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * أنه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 15 إلى 21]، والموضع الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * أنه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الحافة: 38، 43]، فدل ذلك على انّ المسموع بالصوت والحرف هو قراءة جبريل عليه السلام، وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي قراءة القراء من أمته صلى الله عليه وسلم، ويدل ذلك على انّ الكلام كلام الله والمسموع هو كلام الله ولكن القراءة قراءة القارئ، والمسموع هو كلام الله، وهاهنا لفتة مهمة وهي ان اللفظ في الآية {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، فلم يقل أنه لقول ملك كريم ولا قال أنه لقول نبي كريم، بل بلفظ رسول، لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من عند الله، إلى الناس كافة، والأمين لا يخون ولا يبدل، فكان القرآن الذي جاء به مصونا من أن يتسلط عليه أحد، وقد بين القرآن مهمة الرسول، فقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54، العنكبوت:18]، فكان قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } بمنزلة قوله: تبليغ رسول كريم، وليس معناه: أنه أنشأه، أو أحدثه، وقد توعد الله تبارك وتعالى من قال: إن القرآن كلام البشر بأن يصليه سقر، فقال سبحانه عن الوليد بن المغيرة: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر:٢٢ – ٢٦]، فنسأل الله السلامة والعافية.
[المفتاح الخامس]: معنى قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}: نسب الله تعالى الحدوث إلى كلامه في آيتين من كتاب الله، (الأولى): قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]، و(الثانية): قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء: 5]، والحدوث ضد القدم، وقد اتفقت كلمة المفسرين والأصوليين على ان المقصود بالمحدث أي إلينا، إذ كل ما تعلق بالقديم قديم وكل ما تعلق بالمحدث محدث، قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنـزيل شيء من هذا القرآن للناس، ويذكرهم به ويعظهم إلا استمعوه، وهم يلعبون) أهــ، ([198]) . وقال القرطبي: (أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق) أهـ ([199]) . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وقوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فالمراد أن تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه) أهــ،([200]) وجاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} يستهزئون به) أهــ،([201]) . وجاء في تفسير البغوي معالم التنزيل: ({مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} يعني: ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يُذكِّرهم ويعظهم به) أه ([202]) . فالحدوث متعلق بما نزل إلينا وليس ما نزل من عند الله، فالمرادُ به مُحْدَثُ الإتيانِ لهم لا الوجودِ، لأنّه قديمٌ في العين أزلي الوجود، حادث في الإتيان، والقاعدة أنّ كل ما تعلق بالله قديم أزلي وكل ما تعلق بالمخلوق حادث مخلوق مثله.
[المفتاح السادس]: الأدلة على صفة الكلام النفسي لله تعالى: أثبت القرآن الكريم (الكلام النفسي) بما لا يدع مجالا للشك، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول النفسي: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد ولم يكن بصوت، ولكن سمعهم الله السميع العليم، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، فالقول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}بصوت يُسمع:، وقال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، قول النفس: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه {وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، وقال تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، والكلام النفسي يقبل معاني القدم فلا يكون بحرف ولا صوت وقد كان فتحا في العلم أن يفرق أهل الأصول ما بين نوعين من الكلام، الكلام النفسي القائم بالنفس، والكلام اللفظي الذي يكون بحرف وصوت.
وقد أثبت الأصوليون من أهل السنّة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية) لله تعالى القسم الأول (الكلام النفسي) على وجه الحقيقة، وقالوا: إنه معنى قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت، قال الباقلاني: (ومما يدل على أن حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس من الكتاب والسنة وكلام العرب ما نذكر… وقوله تعالى مخبرا عن الكفار: {ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول}، … وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (يقول الله تعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه…)، ([203]) . ويدل على ذلك أيضا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (زورت في نفسي كلاما فأتى أبو بكر فزاد عليه) فأثبت الكلام في النفس من غير نطق لسان، وعمر رضي الله عنه كان من أجل أهل اللسان والفصاحة…. والعربي الفصيح يقول: كان في نفسي كلام، وكان في نفسي قول، وكان في نفسي حديث إلى غير ذلك، وأنشد الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما: جعل اللسان على الفؤاد دليلا ([204]) .، وهذا الكلام النفسي -للأسف- نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما يحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع انه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى.
[المفتاح السابع]: قواعد التقديس المتعلقة بكلام الله تعالى القائم بجناب ذاته: كلام الله صفة لذاته وصفات الذات تابعة للذات وذات الله تعالى أحدية لا تقبل الابعاض والاجزاء وصمدية لا تقبل التركيب ولها القدم الازلي مقدسة عن التغير والحدوث بلا بداية ولا غاية ولا حد ولا نهاية ولها الغنى الكامل والكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان ولا تحتاج في وجودها إلى المكان ولا يجري عليها زمان، وصفات الله تابعة لجناب ذاته أزلية قديمة فلا بداية تبتدئ منها ولا نهاية تنتهي إليها والقديم الأزلي لا يقبل التغير أو الحدوث ولا يقبل التجدد ولا يجري عليه زمان، فإذا كانت صفة الكلام صفة ذاتية لله فلا بد وأن تكون قديمة، فـــ (صفة الكلام): لأنها تابعة للذات قديمة فيستحيل القدم مع الحرف والصوت، ويستحيل القدم مع ابتداء الكلام ومن ثم السكوت، ويستحيل القدم مع التغير والحدوث، ولهذا فمن فهم معاني القدم الأزلي يستحيل أن ينسب إلى كلام الله تعالى هذه الأشياء، وقد وردت آثار تدل على أن كلام الله بحرف وصوت، ولكنّ الحرف محمول على تلاوتنا نحن للقرآن ولم يصح حديث واحد في نسبة الصوت لله، فلا يمكن اثبات المحال إلى كلام الله القديم الازلي، لأنّ الصوت عرض محدث مخلوق، ولما علمت المعتزلة ذلك زعمت أنه مخلوق.
(الشاهد): كلام الله القديم منزه عن الحرف والصوت، لأنّ الحروف يسبق بعضها بعضاً، فمثلاً: بسم الله الرحمن الرحيم: لابد أن تكون السين بعد الباء والميم بعد السين، فالحروف متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، فمحال نسبة القدم إلى الحروف ومن نسبها من الحنابلة فقد دخل عليه ذلك من باب الجهل بمعاني القدم الأزلي الاصطلاحي عند علماء الأصول وقصارى علمهم إنما في (القديم) أنه بمعنى قدم الزمان أما القدم الازلي فمعناه منع الابتداء والافتتاح (أول بلا ابتداء) ومحال أن نكيف صفة الكلام كما هو محال أن نكيف جناب الذات، والقاعدة العامة (العجز عن الادراك ادراك) ومحاولة بعض اهل الحشو تكييف الكلام الذي هو صفة لله كله من باب الكلام على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وكله استعطاء للغيب، وهذا الغيب ممنوع عن الخلق، فكما أنّ جناب الذات مقدس عن الجسمية ولوازمها فصفة الكلام القائم بالذات مقدس عن مشابهة الخلق، فالخلق يتكلمون باللسان وبالحرف والصوت والله تعالى مقدس عن ذلك ليس كمثله شيء، لا في جناب ذاته ولا في حقائق صفاته، ومحال أن يتكلم الله تعالى بهذه الحروف المعروفة والأصوات المسموعة، ومحال أنّ يتكلم بها دفعة واحدة لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، ومحال أن يتكلم الله تعالى بها على التعاقب، لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ومحال أن تقوم بذات الله صفة محدثة، فصفة الكلام لله صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، منزهة عن كل معاني الحدوث، ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وكلام الله القديم ليس كمثله كلام فهو قائم بذات الله ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، فكلاهما عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، ولا تتناهى متعلقات كلامه وهو واحد، لكن تعلق العلم على سبيل الكشف، أما تعلق الكلام فعلى سبيل الدلالة، فالعلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت.
فصفة الكلام ليست هي صفة العلم، ولا هي صفة الإرادة، بل هي صفة ذاتية تدل على أوامر الله، (صفة الكلام) قديمة لا يجري عليها زمان، فلا يتجدد له كلام، ولا يكون الزمان فاعلا في كلامه القديم، له الكمال المطلق في كل صفاته، ومنها كلامه فلا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل كلامه قديم ولا عجب من ذلك فالله كلمنا وخاطبنا بالقرآن القديم قبل أن نوجد لأننا كنا في علم الله القديم، و(الكلام الأزلي القديم) لا يقال عنه: أن الله يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء لأنّ هذا يجعل الكلام محدودا مخلوقا محدثا كان بعد أن لم يكن، يتعلق بالزمان ويجري عليه زمان، وهذا نقص يتنزه الله تعالى عنه، و(كلام الله) له الكمال المطلق فلا يقبل زيادة ولا نقصان لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا وتقدست صفات الله عن النقصان، ولو قبل النقصان انتفت عنه الإلهية والكمال المطلق، وكلام الله القديم ليس من جنس كلام البشر بحرف وصوت، فالحروف يسبق بعضها بعضاً، وهي متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، وكلام الله القائم بذاته لا يكون إلا قديما، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أزال الله المانعَ عن سمع موسى، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود، قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات، وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب، وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة، من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة، فليعقل كون الكلام مقروءاً بالألسنة محفوظاً في القلوب مكتوباً في المصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها، إذ لو حَلّت بكتاب اللّه ذاتُ الكلام في الورق، لحلت ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق) أهـ، ([205]) .
وقال الرازي عند تفسير قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا}: (وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بُعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا) أهـ([206]) .وصفة الكلام مطلقة لا حد لها، قـال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 1.9]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27].
لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالجهل والحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، (فقالوا): صفة الكلام من صفات الفعل، وأنه قديم النوع حادث الآحاد، بمعنى أنه ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عن الكلام متى شاء، وجعلوا الزمان فاعلا في الكلام، وهم لا يعلمون محاذير ذلك الخطأ الجسيم في حق صفة الكلام لله تعالى، فإنهم جعلوا كلام الله تعالى متعلق بالزمان ينشئ الكلام متى شاء ويسكت عنه متى شاء، وبالتالي فإن صفة الكلام ليست قديمة أزلية، بل محدثة، وهي ليست مطلقة بل محدودة، والقرآن الكريم – على لازم قولهم – محدث لأنه كان بعد أن لم يكن، ويحدون الصفة في حال السكوت على ظنهم، بل كما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].
يقولون (قديم النوع حادث الآحاد) ولنا ان نتعجب إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وهذا محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت، و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم عندما يُنسب إلى صفاته الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح الثامن]: الجمع بين الأدلة وتنزيل كل دليل على مرتبته الخاصة به: لكل كلام مرتبته فكلام القديم قديم وكلام المخلوق مخلوق ولكن كلام الله أنى تصرف فهو كلام الله بلفظه ومعناه غير مخلوق فالقرآن كلام الله على الحقيقة وأصواتنا بالقرآن مخلوقة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، والذي ينبغي بيانه: أنّ هناك قسمان من الكلام، (القسم الأول): هو (الكلام النفسي) وهذا اثبته السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية وهما المدرستان المتخصصتان في العقائد الإسلامية بحق، وقد أيدوا قولهم بأدلة القرآن، وهذا الكلام الأزلي القديم القائم بذات الله هو الذي نفته المعتزلة وهذا خطؤهم، لأن الآيات تذكره، وأثبتوا لله الكلام اللفظي فقط، ولما كان الكلام اللفظي بحرف وصوت فمحال ان يكون قديما، قالوا أن الله يخلق الكلام في غير ذي محل، وأما بعض الحنابلة فقد أثبتوا الكلام اللفظي وجعلوه قديما بحرفه وصوته وهذا محال، ولم يتكلموا عن الكلام النفسي ولم يتناولوه، مع أنه الفتح الأكبر في المسألة، وهو مما لا ينبغي لأحد من العقلاء أن يخالف في ثبوته لله تعالى، و(القسم الثاني) من الكلام وهو (الكلام اللفظي): وهو الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام وسمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه التابعون من الصحابة رضي الله عنهم وهو الذي نسمعه بصوت الحصري والمنشاوي وعبد الباسط وغيرهم من مشاهير القراء، فالقائم بذات الله لا خلاف بين الأصوليين أنه كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى، والذي نسمعه من القراء هو أيضا كلام الله على الحقيقة لفظا ومعنى ولكن بصوت المنشاوي وعبد الباسط فالمتلو كلام الله والذي نسمعه كلام الله ولكن صوت المنشاوي محدث وحرف القرآن الذي نسمعه من المنشاوي محدث، وبذلك نحل الإشكال، فالقرآن أنى تصرف فهو كلام الله والقديم منه ما كان صفة لله قائما بالله، وما كان من المخلوق قائما بالمخلوق من الصوت والحرف فهو محدث، وهذا هو التحقيق وما عداه إذا صدر عن أهل الأصول فهو يتناول أحد الأقسام، فمن تكلم عن الكلام النفسي فإنه يقول أنه كلام الله القائم بذاته بلا حرف ولا صوت ولا ابتداء ولا انتهاء ولا حد ولا غاية، ومن تكلم عن القرآن الذي نسمعه من المنشاوي وعبد الباسط فإنه يقول أنه كلام الله بحرف المنشاوي وصوته، وهذا لا شك أنه محدث مع أن الذي نسمعه هو كلام الله القديم لفظا ومعنى، ولكن هذه القراءة التي نسمعها من القارئ لا شك محدثة ولا شك انها غير القرآن القائم بالله تعالى لأنه تعالى لا يكون محلا للحوادث، بل هو قائم بغيره تعالى، وهو لا يتحقق إلا بحروف وكلمات وألفاظ مترتبة متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا محدث وليس بقديم، أوجده الله تعالى في اللوح المحفوظ، وتلاه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله حقيقة ومعنى لأنه الصادر عن الله) ويؤديه الناس بحروفهم وأصواتهم حين تلاوتهم له، فالأصل القائم بالله تعالى هو المدلول عليه، وقراءة القارئ بصوته دال عليه.
فكلام المعتزلة محمول على اللفظي، ولكنهم ذهلوا عن الأصل وهو الكلام النفسي القائم بالله فنفوه وهذا أكبر أخطائهم في مسألة الكلام، وكلام حشوية الحنابلة الأوائل خليط دون تحقيق فأخذوا القدم من الكلام القائم بالله واخذوا الحرف والصوت من الكلام اللفظي المسموع من الخلق، وذهبوا إلى أن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وأنها قائمة بذاته تعالى قديمة قدم الذات، ولا يخفى ما في كلامهم من التناقض، فإن قيام الصفة بذات الله تعالى يقتضي قدمها لأن الله تعالى لا يكون محلا للحوادث، وكون الكلام مؤلفا من الأصوات والحروف المترتبة يقتضي حدوثها لبداهة تعاقبها وتجددها المستلزم للحدوث، ومذهبهم حشو يجمع بين المحالات.
وأما ما قاله ابن تيمية بأنه قديم النوع حادث الآحاد، فهذا من أمحل المحال إذ الآحاد في مجموعها هي النوع فكيف يكون النوع قديما والآحاد حادثة لا يستقيم هذا عند من يفهم الفرق بين القديم والحادث وهؤلاء أبعد الناس عن معرفة معنى القديم وأنه لا يقبل الحادث، فجاءوا بالمحال واعتقدوه وسار خلفهم كل جاهل يعتقد انها قاعدة سحرية حلت كل المشكلات (قديم النوع حادث الآحاد)، وهيهات هيهات، ثم لا محال أن يكون الكلام القائم بذات الله تعالى مسموع لمن شاء الله ان يتجلى عليه بكلامه فيسمعه الكلام الأزلي القديم الذي بغير حرف ولا صوت، سمعه جبريل عليه السلام، وسمعه الكليم موسى عليه الصلاة السلام، ويسمعه المؤمنون يوم القيامة، بغير ان يحل في ذواتهم لأنه صفة الله وصفات الله لا تحل بالمخلوق، ومن أجاز رؤية الله على سبيل خرق العادة مقدسة عن الصورة والشكل واللون والجهة والزمان والمكان يسهل عليه تصور سماع كلام الله تعالى على سبيل خرق العادة بغير صوت ولا حرف، ومعتقد كل مسلم أنّ المسموع والمكتوب والمحفوظ هو القرآن الكريم كلام الله على الحقيقة، وكلام الله تعالى القائم بذاته لا ينفصل عنه، ولا يحل في غيره من المحدثات، وهذه مراتب للوجود، فهناك وجود في الأعيان، وهناك وجود في الأذهان، وهناك وجود في الأسماع، وهناك وجود في الكتابة، فالكتابة تدل على العبارة، والعبارة تدل على ما في الأذهان، وما في الأذهان، صور لما في الأعيان، والأسماع متعلقة بالعبارة، وليس ما في الأعيان بحال في شيء من الأذهان واللسان والقرطاس والآذان، والدليل عليه اننا إذا كتبنا كلمة (النار) على الورقة فإنها لن تحترق لأن كلمة (النار) التي كتبناها على الورقة ليست هي عين النار، وبالتالي فإنّ الأعيان لا تحل فيما سوى الاعيان، واللفظ الدال على تلك الاعيان هو المكتوب والمقروء والمسموع، والكلام كلام الله على الحقيقة.
ويبقى أمر يحتاج إلى إيضاح: وهو أنّ المسموع لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ما هو؟ ذهب السادة الأشاعرة إلى أنه (الكلام النفسي القديم الذي هو ليس بحرف ولا صوت)، يُسمِعه الله تعالى من يشاء من عباده على سبيل خرق العادة، فإن العادة أن: لا تسمع إلا الأصوات، وذلك على أصلهم: (أن كل موجود يصح أن يسمع كما أن كل موجود يصح أن يرى)، وذهب السادة الماتريدية إلى أن المسموع لهؤلاء هو صوت مخلوق لله تعالى دال على المعنى القائم بنفسه، قال أبو المعين النسفي في التبصرة: (وذكر أبو منصور في كتاب التأويلات أن موسى عليه السلام سمع صوتا دالا على كلام الله تعالى)، وكان اختصاصه أن الله تعالى أفهمه كلامه بإسماعه صوتا تولى تخليقه من غير أن يكون ذلك الصوت مكتسباً لأحد من الخلق إكراماً منه إياه) أهـ([207]) . والذي أراه: أنّ كلام السادة الأشاعرة هو التحقيق في المسألة وان كلام السادة الماتريدية قريب محتمل وهما المدرستان المتخصصتان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة وان كلام المعتزلة خطأ وأنّ كلام الحشوية بقدم الحروف والأصوات محال وان كلام التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد من أمحل المحال، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين ينتمي إليهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي في [اللوامع] (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى([208]) .
[المفتاح التاسع]: قول المدارس المتخصصة في العقيدة حول صفة الكلام: لا يعد من نافلة القول أن نقول بأنّ السادة الأشاعرة والسادة الماتريدية وهما المدرستان المتخصصتان في العقائد الإسلامية بحق، وقد أيدوا قولهم بأدلة القرآن، ويتفق الأشاعرة والماتريدية في كون كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته تعالى (الكلام النفسي)، لكن يكمن الفرق الجوهري في سماع هذا الكلام وحقيقته، فالأشاعرة يجيزون سماع كلامه النفسي لذاته، بينما الماتريدية يرون أن المسموع مخلوق دال على الكلام النفسي ولا يسمع ذاته، فالسادة الأشاعرة: يثبتون كلاماً نفسياً أزلياً، ويعتقدون أن موسى عليه السلام سمع كلام الله النفسي القديم مباشرة، وذلك عبر خلق الله لإدراك جديد له في سماع الكلام، حيث يرى الإمام الأشعري أن موسى عليه السلام سمع كلام الله نفسه، وذلك بأن خلق الله فيه إدراكاً مكنه من سماع الصفة الأزلية، والأصل عنده: أنّ كل موجود يصح رؤيته، يصح سماعه، وبما أن كلام الله موجود وقائم بذاته سبحانه، فمن الممكن عقلاً وشرعاً سماعه، واستدلوا بقوله تعالى لموسى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}، قال: الاستماع وقع لصفة الكلام الأزلية نفسها، لكن الله أزال الحجاب عن سمع موسى، فسمع كلاماً ليس بصوت ولا حرف، لا يشبه كلام المخلوقين، والسادة الماتريدية: يثبتون كلاماً نفسياً أزلياً، لكنهم يقولون إن الله لا يُسمع لذاته، وأن ما سمعه موسى هو “أصوات وحروف” مخلوقة دالة على الكلام النفسي، وليست هي عين كلام الله القديم، فكلاهما يثبت الكلام النفسي الأزلي، أما المسموع فالأشاعرة يقولون: (كلام نفسي يُسمع بخلق الإدراك في قلب المستمع، والماتريدية يقولون: (المسموع صوت مخلوق دال على الكلام النفسي)، وهم يرون أن كلام الله الذاتي لا يُسمع، فما سمعه موسى عليه السلام هو صوت وحرف خلقهما الله ليدلا على كلامه الأزلي، فالمسموع هو “الدال” وليس “المدلول” (الصفة القائمة بالذات)، فهم يوافقون على أن حقيقة صفة الكلام هي المعنى النفسي، كما قال الأشاعرة ولكنهم يميلون إلى اعتبار الألفاظ المنزلة (القرآن اللفظي) تسمى كلام الله مجازاً لأنها دالة عليه.
[المفتاح العاشر]: المذهب المختار في صفة الكلام: هو مذهب السادة الأشاعرة لأنّي أراه التحقيق الذي يجمع بين كافة النصوص ويضع كل نص في المرتبة التي تخصه، وهم أعرف الناس بمعاني القدم الازلي وأنه لا يصلح معه اثبات الحرف والصوت والابتداء والانتهاء (أي ابتداء الكلام والسكوت) ولا يصلح معه الاستمرار والتواصل لأنه هكذا يجري عليه الزمان، وهم أعرف الناس بأنّ قدم الحروف القدم الازلي محال وكذلك قدم الأصوات محال، وأنّ من أمحل المحال ما يقوله أهل الجهل بالمقدمات والإلهيات بقدم النوع وحدوث الآحاد، وكلامهم رسوخ في العلم، وهم يقولون: إنّ (صفة الكلام): صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى واجبة له سبحانه، دليلها: قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وأنّ (صفة الكلام) صفة أزلية قديمة منزهة عن كل معاني الحدوث، كلام الله أزلي أبدي ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن، وأنّ (كلامه تعالى) صفة واحدة، لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة (أمر)، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا (نهى)، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا (خبر)، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة (وعد)، ومن حيث تعلقه بأن العاصي يدخل النار (وعيد)، إلى غير ذلك من الأقسام، وأنّ (الكلام) يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى: أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وصفاته كلها قديمة، والكلام القديم الأزلي هو معنى وراء الأصوات والحروف، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، وهو غير العبارات واللغات إذ قد تختلف العبارات واللغات مما يدل على حدوثها، وأنّ (صفة الكلام) غير صفة العلم، عام التعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، مثل العلم، ولكن العلم كشف الشيء على حقيقته بغير سبق خفاء، والكلام دلالة على مراد الله بغير سبق سكوت، وأنّه (أزلي) غير تابع للمشيئة مثله مثل العلم لا يتبع المشيئة و(الكلام) صفة قائمة بالنفس قديمة لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، و (كلامه سبحانه) واحد وانقسامه إلى الأمر والنهي والاستفهام والخبر والنداء بحسب التعلق، وأنّ (كلام الله تعالى القديم) لا يجري عليه زمان فليس هو تعاقب الحروف ولا الكلمات، فإن الله تعالى منزه عن جريان الزمان عن جناب ذاته وصفاته وأفعاله، وإنما يجري الزمان على خلقه ومتعلقات كلامه، وأنّ (كلام الله تعالى) لا حد ولا عد ولا أول ولا آخر لقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، وأنّ (كلام الله تعالى) مسموع سمعه الكليم موسى عليه السلام من الله تعالى من غير صوت ولا حرف على سبيل خرق العادة، فقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيما}، أي أَسمعَ الله موسى كَلامَه الأَزَليَّ الأَبَديَّ القديم، أي أزال الله المانعَ عن سمع موسى عليه السلام، فسَمعَ كلامَ الله القديم من غير أن يَحلَّ الكلام الأزليُّ في أذن موسى، لان صفات الله القديمة المطلقة منزهة عن أن تحل بمخلوق حادث محدود.
ومذهبهم في الكلام والقرآن أعدل المذاهب لجمعه بين الأدلة والتوفيق بينها بما لا يخالف قواعد التقديس المستمدة من أدلة الكتاب والسنة كالتقديس عن الحد والبداية والنهاية والغاية والتقديس عن الحدوث وقبول الحوادث والتقديس عن الأعراض المحدثة التي يجري عليها زمان كتعاقب الحروف والاصوات، فلا انتقاص كما قالت المعتزلة أنّ الكلام مخلوق، فحدوه وعدوه، ولا محال كقول الحنابلة بقدم الحروف والأصوات وازليتها ولا تناقض وتعارض ومخالفة لقواعد التقديس كقول التيمية والوهابية بقدم النوع وحدوث الآحاد، قال الغزالي: (ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات) ([209]) . وأنّ (القرآن الكريم): الموجود بين أيدينا هو كلام الله على الحقيقة، وانه لتعلقه بجناب الذات قديم أزلي، أما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله الأزلي القديم على الحقيقة.
[المفتاح الحادي عشر]: الرد على المعتزلة في مسألة خلق القرآن: قالت المعتزلة: القرآن مخلوق يخلقه الله متى شاء ويكلم بهذا الكلام المخلوق من شاء، وقالوا: إذا قلنا: إن القُرْآن كلام الله، فلا يمنع ذلك أن يكون مخلوقاً، لأننا نقول: بيت الله والبيت مخلوق، وناقة الله والناقة مخلوقة، إذاً كلام الله مخلوق، وكلام أهل الاعتزال خطأ، لأننا نقول علم الله وقدرة الله فهل العلم مخلوق وهل القدرة مخلوقة معاذ الله، ولكن بيت الله إضافة تشريف لأن كل البيوت لله، وناقة الله تشريف لناقة صالح لأنها كانت آية وإلا فكل النوق لله، فالأعيان إذا أضيفت لله فهي على سبيل التشريف والمعان إذا أضيفت لله فهي صفات مثل قدرة الله وعلم الله وكلام الله وعزة الله، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54]، فقد فرَّق الله تعالى بين الخلق والأمر، أما الخلق ففعله، وأما الأمر فقوله، والأصل في المتعاطفين التغاير إلا إذا قامت القرينة على عدم إرادة ذلك، وهنا قد قامت القرائن على توكيد الفرق بينهما، ومنها: أن الخلق إنما يكون بالأمر، كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، فقوله تعالى: {كن} هو أمره، فلو كان مخلوقا لاحتاج خلقه إلى أمر، والأمر إلى أمر، إلى ما لا نهاية، وهذا باطل، وقد اكد القرآن الكريم أنّ لله صفة الكلام على الحقيقة وليس فعلا لله كالخلق والرزق، قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، والآية جاءت على سبيل التأكيد بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، فدل ذلك على انّ لله تعالى صفة الكلام على الحقيقة، والوصفُ بالتكلُّم مِنْ أوصافِ الكمال، وضده من أوصاف النقص، فالكلام صفة كمال لله عز وجل.
[المفتاح الثاني عشر]: الرد على الحنابلة في مسألة قدم الحرف والصوت: القاعدة عند المتخصصين في علم الأصول وقواعد التقديس: أنّ الحروف متعاقبة، يعقب بعضها بعضًا، وكذلك الأصوات، فلو كان كلام الله بحرف وصوت لكان حادثًا، والله منزه عن الحوادث، فلزم أن يكون كلامه بلا حرف ولا صوت، ولكن للحنابلة رأي آخر وهو أنه يمكن أن تكون الحروف والأصوات أزلية، يقول السجزي الحنبلي: (فإن قالوا: دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره. وأما المتكلم بلا جارحة فلا يتعين في تكلمه التعاقب) أه ([210]) . وقال الشيخ أبا بطين الحنبلي: (وقلتم: الحروف يلزمها التعاقب، ويتقدم بعضها بعضًا، فيلزم أن تكون مخلوقة. قلنا: إنما يلزم التعاقب في حق من يتكلم من المخارج، والله سبحانه غير موصوف بذلك) أه ([211]) .
وإنما التزموا هذا المحال ظنا منهم أنّ أدلة الكتاب والسنّة قد جاءت بالحرف والصوت، فخالفوا القطعي الذي أجمع عليه أهل التخصص بالظني الذي لا يؤيد ما ذهبوا إليه، فأما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا على أن الله تعالى لا يتكلم بالحرف ما أنزله الله في القرءان وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل هو كلام الله ولكنه مقروء جبريل ليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وهؤلاء يستدلون على الصوت بأحاديث لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة عموما فضلا عن اثبات صفات لله وهي في عرف الأصوليين المتخصصين من المحال، وهم لا يعلمون محاذير هذا القول الباطل من نسبة الحوادث والاعراض إلى الله، الشاهد: أحاديث الصوت لا يصح الاحتجاج بها في العقيدة، قال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهــ، ([212]) . ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (وبيان مفاتيح هذه الأحاديث كما يلي: فقد روى البخاري في الأدب المفرد بصيغة التمريض، قال: ويُذكر، وفيه: (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان)، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض من أجل راويه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في ضبطه وحفظه، وأخرجه البخاري في صحيحه عند ذكر الصوت معلقا، ولا يكفي في مسائل الاعتقاد المعلق، وذكره البخاري في كتاب العلم بصيغة الجزم من غير ذكر الصوت) أهـ ([213]) . وعليه فقد قد رجح ابن حجر صنيع البخاري لأنه عندما اشتمل على نسبة الحدث والعرض إلى الله تعالى وهو الصوت جعله معلقا لأنه لا تثبت الصفات إلا بأدلة لا اختلاف فيها، قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، وعندما لم يذكر الصوت وصل الحديث، ثم اختلف الرواة (فينادي بصوت بكسر الياء، أم فينادى بصوت بفتح الياء)، وكلاهما يحمل على المَلَك، (فينادى بصوت فيسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ، أنا الملك أنا الديّان) ([214]) واعتراض البعض ممن أكلت البدعة قلوبهم وعقولهم بأن لفظ (أنا الديان) دليل على انّ الله بذاته هو المتكلم لا دليل فيه لأنّ الحكم في نهاية الامر يرجع إلى الله، والملَكَ إذا كان يقول هذا عن الله تعالى فالحكم يرجع إلى الله رب العالمين، والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول الله تعالى: {إنًّنِي أَنَا الله} [سورة طه: 14]، فليس يرجع إلى القارئ وإنما القارئ ذاكر لكلام الله تعالى ودالُّ عليه بأصواته وهذا بَيّنٌ لمن لم تأكل البدعة قلبه وعقله، وأخرج البخاري في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيّك وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار)، ([215]) . هذا اللفظ رواه رواة البخاري على وجهين، بعضهم رواه بكسر الدال وبعضهم رواه بفتح الدال، ولا محذور، لإن قرينة قوله: (إن الله يأمرك)، تدل ظاهرًا على أن المنادي الملَكَ يأمره الله بأن ينادي، وأخرج الدارقطني الحديث نفسه بلفظ: (يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت)، وهذا بمثابة المحكم الذي يجب أن نرد إليه المتشابه، وبالتالي تُحل المشكلة، ونكون من الراسخين في العلم الذين يردون المتشابهات إلى امهاتها من المحكم، في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] [آل عمرن:7]، وأخرج أبو داود في السنن: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل حتى إذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم قال فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك فيقول الحق فيقولون الحق الحق) ([216]) . والحديث واضح بانّ الصوت للسماء: (سمع أهل السماء للسماء) وهو عند البخاري حديثا معلقا وموقوفا على عبد الله ابن مسعود، والحاصل: ليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به، قاله البيهقي في الأسماء والصفات ونقله عنه أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: (قال البيهقي: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبي غير حديثه، فإن كان ثابتا فإنه يرجع إلى غيره في حديث ابن مسعود وفي حديث أبي هريرة أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتًا، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصًّا في المسألة) ([217]) . وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([218]) . وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، والعجب من استدلالات ابن تيمية حيث يقول: (النداء لا يكون إلا بالصوت، وذلك عند قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وينسج تلميذه ابن القيم على منواله فيقول: (وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعا) أهـ([219]) . وعند التحقيق فإنّه ليس شرط النداء ان يكون بصوت، قصاراه أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت، وقد قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا}، نداء خفيا، فيكون تعارض بين زعمه أنه بصوت وبين قوله نداء خفيا أي لا يسمع له صوت، وكثير من أهل اللغة قالوا: النداء طلب الإقبالِ، وله مخرج يحسم مادة المتشابهات، ويرد المتشابه إلى أمهاته من المحكم: ان يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر، كما قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ} [سورة الزخرف: 51]، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره، وأصدر نداءه عن إذنه، واللغة العربية تسمح بذلك، فلم التنطع ونسبة المحال إلى الله وعندنا المفتاح للتقديس والتنزيه، وصدق الله تعالى حيث يقول: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}.
[المفتاح الثالث عشر]: الرد على مذهب ابن تيمية في مسألة قديم النوع حادث الآحاد: من جملة أخطاء ابن تيمية في العقيدة: -لأنه غير متخصص فيها-: قياسه كلام الله تعالى على كلام البشر، وجعله من الحوادث التي تحدث في ذات الله تعالى، فذكر من تلك الحوادث تجدد المعلومات والمسموعات والمبصرات وتعاقب الكلمات، قال في منهاج السنّة: ” قولُنا بقيام الحوادث بالرَّبِّ إنما هو قولٌ له دليلُه من الشَّرْعِ والعقل “([220]) .وقال في موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: (والقولُ الحقُّ الصَّحِيحُ أنَّ الله لم يزلْ مُتَكَلِّمًا بحروفٍ متعاقبةٍ لا مجتمعة) أهــ ([221]) . وقال في مجموع الفتاوى: (الله يتكلَّم إذا شاء ويسكتُ إذا شاء) ([222]) . وهذا كله جهل وضلال منشؤه من قياس كلام الله تعالى الذي ليس كمثله شيء بكلام المخلوق الذي يتكلم ثم يسكت، ونسي أنّ كلام الله تعالى من صفاته القديمة، وأنّ صفات الله تعالى الذاتية لا تعلق للمشيئة والإرادة بها، وما قاله ابن تيمية تكييف لكلام الله على كلام البشر، لأنَّ الذي يَتَكَلَّمُ ثمَّ يسكتُ يستحيلُ في العقلِ أنْ يكونَ إلها، أليسَ السُّكُوتُ بعدَ الكلامِ علامةُ التغيُّر؟ وكَيْفَ يكونُ مَنْ يطرأ عليه تَغَـيُّـرٌ إلها، وقد قال الخليل إبراهيم عليه السلام: {لا احب الآفلين} أي لا يصلح المتغير من حال إلى حال ان يكون إلها، إنّ الله تعالى له الكمال المطلق، وكمال كلام الله تعالى كمال مطلق ككمال جناب ذاته وصفاته، منزه عن أي نقص، كمال يستحيل عليه الزيادة ولا النقصان، لأنه الكمال المطلق، ومن صعب عليه تصور هذا التقديس فليعتزل التخصص في العقيدة ويدعها لأهلها المتخصصين فيها.
لقد أخطأ ابن تيمية واتباعه خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات، لان الإلهيات مبنية على نفي المماثلة، والحس مبني على القياس على المماثلة، لقد أخطأ هؤلاء عندما أهملوا جانب التخصص في الإلهيات وزهدوا في علم التقديس (قسم توحيد جناب الذات) لأنّ من فوائد علم التقديس تصفية الاعتقاد بنفي المثل عن الله وعن ذات الله وعن صفات الله، ولو في دقائق الصفات، فيصل طالب علم التقديس إلى مرتبة التقديس العقلي والقلبي مع التقديس اللساني، ولسان حاله يقول بالعجز عن تصور جناب الذات لأنه ليس كمثل ذات الله ذات، ومحال تصور حقائق الصفات لأنّ ليس كمثل صفاته صفات، ومن فوائد هذا العلم الفهم الصحيح والأمثل للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء لله تعالى، وهو العلم الذي يؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله تعالى، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة.
و كما أنّ لكل علم دقائقه التي تميز علماءه عن سائر العلماء في مجال التخصص، ففي علم الفقه دقائقه التي تميز الفقهاء، وفي علم الحديث دقائقه التي تميز المحدثين المتخصصين في علم الحديث، فكذلك فإن علم التقديس والتنزيه – على صعوبة هضمه وفهمه – يؤهل المتخصصين فيه إلى نفي أمور تدل على النقص الذي يناقض الكمال، لا يدركها العامة من الناس لأنهم لا يستطيعون تصور أي شيء غير محسوس، لغلبة الحس عليهم، يصعب عليهم تصور ذات لا أول لوجوده لأنهم تعودوا أن كل شيء له أول يبدأ منه، ولا يتصورون ذاتا لا يحتاج إلى مكان، لأنّهم تعودوا بالحس أنّ كل شيء لابد وأن يكون في مكان، وأنّ كل موجود لابد وأن يحيط به مكان، ولا يتصورون ذاتا لا يجري عليه زمان، لأنّهم اعتادوا على أنّ كل موجود يجري عليه زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل لا فكاك له عن الزمان، و(العامة) لا يتصورون كلاماً إلا يسبقه سكوت ويعقبه سكوت، كما هو حال الإنسان يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء، ولا يتصورون كلاما إلا بحرف وصوت، كما هو جنس كلام البشر بحروف تقبل التقديم والتأخير، وأصوات قد تكون عذبة، وقد تكون مستقبحة، تعالى الله تعالى عن تلك الأضداد والأعراض، وهم لا يتصورون كلاما إلا بصوت قد يكون خافتا أو جهورا، هكذا لأنّهم لم يروا غير ذلك، ولا يتصورون غير ذلك، وعقلهم الباطن يقيس كل ما غاب عنه بما يُشاهده، فيحكم باستحالة أن يكون الكلام بغير صوت.
اتباع الإمام ابن تيمية يتشدقون بانه لا أساس للكلام النفسي الذي قال به أهل التخصص، مع أنه لا مخرج لقدم صفة الكلام إلا بتبني مسألة: (الكلام النفسي) الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، إذ لو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلموا: أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلموا أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقط، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر هؤلاء قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص؟ حتى قال بعض الحشوية الأجلاف: (نحن نستدل في الحرف والصوت بقوله تعالى {كهيعص} [مريم:1]، وخصومنا يستدلون بقول الأخطل النصراني (إن الكلام لفي الفؤاد) أهــ، وهذا جهل لان الأدلة من القرآن على الكلام النفسي أبين من الشمس في رابعة النهار، هكذا يقولون وهذا مبلغهم من الجهل المركب فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ومن جملة أخطاء ابن تيمية نسبته إلى أئمة الحديث وإلى أهل السُّنة والجماعة مذهب الكرامية في مسألة الكلام، فهو ينقل عن أهل السنّة أنهم يقولون: أن الله متكلم بصوت يحدث في ذات الله شيئا بعد شيء، وانه يتكلم بمشيئته وقدرته، وان كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وانه بحرف وصوت، وفي هذا جملة من الأخطاء الجسيمة:
(أولها): أنّ هذا المذهب ليس مذهب أهل السنّة وليس مذهب أهل الحديث وإنما هو مذهب الكرامية المجسمة، فمذهب الكرامية: (أن الله تعالى تقوم به كلمات تحدث في ذاته وقتا بعد وقت) وابن تيمية ينسب هذا المذهب الرديء الذي أخذه من الكرامية إلى أئمة أهل الحديث، وأئمة أهل الحديث على خلاف ما يدعيه وما يقول، فإن معتقدهم أن ذات الله تعالى لا تحدث فيه صفة تتجدد من وقت إلى وقت، وتتجدد في مرور الأوقات.
و(الثاني): قوله: (قديم النوع حادث الآحاد) وهي بدعة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات وهي من قبيل التلاعب بالألفاظ، ولنا ان نتساءل إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل المركب، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، وحتى الحنابلة الذين يتمسح بهم ابن تيمية براء من هذه التهمة الشنيعة المخالفة لقواعد الأصول جملة وتفصيلا، قال السفاريني الحنبلي: (فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها … ونحوها قديمة لله أي هي صفات قديمة عند سلف الأمة وأئمة الاسلام لله ليس منها شيء محدث والا لكان محلا للحوادث وما حل به الحادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك) انتهى([223]) .، وحتى الحشوية القدامى أمثال أبو حامد والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني فلم يرضوا بهذا الهراء، لأنه إما قديم لا يقبل الحدث وإما محدث، أما بدعة قديم النوع حادث الآحاد، فهذه لم يقبلها حتى أهل الحشو القدامى الموغلون في الحشو، قال أبو الحسن ابن الزاغوني الحشوي في كتابه الإيضاح في أصول الدين: (لو كان كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون مخلوقا في محل أو لا في محل فإن كان في محل فلا يخلو أن يكون محله ذات الباري أو ذاتا غير ذاته مخلوقة ومحال أن يكون خلقه تعالى في ذاته لأن ذلك يوجب كون ذاته تعالى محلا للحوادث وهذا محال اتفقت الأمة قاطبة على إحالته) انتهى، ([224]) .
فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك بانّ الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد إضافة إلى كونه من المحال، فإنه قد جعل الزمان حاكما على الله لأنه بمرور الزمان تتجدد صفاته من العلم والسمع والبصر والكلام، فيكون حاله قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلمون أن من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عما يقولون علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث وأنّ من قبل الحادث فهو حادث وأنّ من كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن لها الكمال المطلق، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، لا المعلوم والمسموع والمبصَر، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، و(الثالث) قوله أنه بحرف وصوت، أما (الحرف)، فيكفي أهل السنة دليلا ما أنزله الله في القرآن، وهو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [سورة التكوير: 19]، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل كلام الله ولكن مقروء جبريل عليه السلام وليس مقروء الله، وأما (الصوت) فلم يأت فيه حديث صحيح، وقد تقدم، وقال البيهقي في الأسماء والصفات: ” فليس في أحاديث الصوت ما يصح الاحتجاج به لإثبات الصفات ” أهــ، ومثل ذلك قاله أمام الدنيا في علم الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال الكوثري في مقالاته: (ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث) ([225]) .
وإني لأتعجب أننسب المحال إلى الله بأسانيد فيها نظر ولها مفاتيح ومخارج، إنّ عدم تمرس ابن تيمية بعلم أصول الدين، وعدم فهمه للمحالات وعدم دراسته لمقدمات الإلهيات وجهله المطبق بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، جعله هذا الجهل المركب ينسب إلى الله تعالى المحال: قال في كتابه رسالة في صفة الكلام: (وحينئذٍ فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وإن قيل إنه ينادي ويتكلم بصوت ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديمًا لم يستلزم أن يكون الباء المعينة والسين المعينة قديمة لما علم من الفرق بين النوع والعين) انتهى([226]) .
وهذا الكلام به كمية كبيرة من المغالطات ونسبة المحال إلى الله، يقول: (فكلامه قديم مع أنه يتكلم بمشيئته وقدرته) كيف يكون قديما وهو يتعلق بالمشيئة والقدرة فكل ما تعلق بهما لا محالة حادث مخلوق، وكيف يكون قديما وهو يقول: (لم يمتنع أن يتكلم بالباء قبل السين) فالباء قبل السين تعاقب، والتعاقب حدوث يخضع للزمان، فكيف يكون قديما وهو متعاقب، ثم أضحك الثكلى بقوله (قديم النوع حادث الآحاد) إذ كيف يكون اللفظ الإلهي حادثا شخصًا ويكون في نفس الوقت قديما نوعًا، يعني أن اللفظ صادر منه تعالى بالحرف والصوت فيكون حادثا حتمًا، لكن ما من لفظ إلا وقبله لفظ صدر منه إلى ما لا أول له فيكون قديمًا بالنوع، وكلامه محال أشد ما يكون بعده عن تدقيق المتخصصين، وهو متناقض، لأنّ الذي يقبل حدوث آحاده لا يكون قديما أبدا وكيف يكون قديما وهو يقبل المحدثات، ولكن إذا لم يكن لديك تخصص فقل ما شئت.
و(العجب) من أهل الحشو يغارون على ابن تيمية أن نتكلم في اخطائه ولا يغارون على الله العظيم أن ننسب إليه الحدوث، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، إنّ مشكلة هؤلاء انهم يقيسون كلام الله على كلام البشر فيقولون أنّ صفة الكلام من صفات الفعل، وينسبون إلى الله الكلام والسكوت، وهذا حد لصفة الكلام لو كانوا يعلمون، كلام الله ليس كمثله كلام فهو أزلي أبدي قديم ليس له بداية وليس له نهاية لا يطرأ عليه سكوت ولا يقال أنه مستمر ولا متواصل لأن الشيء المستمر المتواصل يكون مخلوقا مع الدوام ومع الزمن وكلام الله تعالى قديم لا يجري عليه زمان، لأنه في النهاية كلام الله صفة الله، وصفة الله تابعة لذاته، غيب الغيوب لا يُدرك، ليس كمثله شيء وليس كمثل كلامه كلام، لقد أخطأ غير المتخصصين في عقائد المسلمين خطئا جسيماً عندما تكلموا في صفات الله تعالى الواجبة له بالحس، والحس لا يصلح في الإلهيات لأنها مبنية على نفي المماثلة، فكما أنه لا حد لعلم الله تعالى، فلا حد لكلام الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية منزهة عن الحدوث، وأما شبهة أهل الحشو المتعلقة بالكلام، فالمشكلة أنهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى، على كلام البشر المحدث المحدود الناقص، فيتصورون أن صفة الكلام -كما هي في الإنسان – صفة فعلية تتعلق بالإرادة واستنبطوا وبئس ما استنبطوه: أن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ويسكت متى شاء فجعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}.
لقد أجمع علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وقد نقل الإجماع في ذلك، الأئمة: النووي، والغزالي، والرازي، ومن السادة الحنابلة الإمام ابن الجوزي والامام عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي الأثري، قال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر) أهـ([227]) . وكل متون العقيدة على منهاج أهل السنة والجماعة من مدارس الاثرية والاشاعرة والماتريدية تنص على تقديس جناب الذات الإلهي عن الحوادث وعن قبول الحوادث، وتذكر أن: القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، وأنه لو قبل الحدوث لم يكن قديما، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء.
[المفتاح الرابع عشر]: خلاصة القول في مسألة الكلام: الله تعالى متكلم له صفة الكلام، وصفاته قديمة ازلية تابعة لذاته، ولما كان الكلام على قسمين كلام لفظي بحرف وصوت وكلام نفسي بغير حرف ولا صوت، فالأول لا شك أنه محدث لتعاقب الحروف والأصوات، والثاني يصلح ان يكون قديما بغير صوت ولا حرف، ومذاهب الناس في صفة الكلام يمكن تلخيصها في أربعة مذاهب: (الأول): مذهب المعتزلة اختاروا اللفظي وجعلوه مخلوقا، وان الله تعالى إذا أراد ان يتكلم خلق الكلام في محل أو لا في محل، فالكلام ليس صفة له بل هو من مخلوقاته، و(الثاني) مذهب المجسمة واختار المجسمة اللفظي وانه قديم بحرفة وصوته، والمذهب (الثالث): مذهب التيمية والوهابية واختاروا أنه قديم النوع حادث الآحاد، وهذا من أعجب الأقوال لأنه يجمع التناقضات، والمذهب الرابع وهو الصحيح اختارته الأشعرية والماتريدية وهو القول بالكلام النفسي، واعتمدوه أصلا للمسألة، وجعلوا الكلام اللفظي دالا عليه، وهذا القول هو القول الراجح وهو الأقرب إلى الصواب، وهذا يعني أن المخالف لا يكفر لإنكاره الكلام النفسي، والمنكرون لهذا الكلام النفسي – الذي هو الفتح والمفتاح للمسألة – طوائف المجسمة والمعتزلة، وكلاهما يقول بالحرف والصوت، فالمجسمة قالوا: إن كلام الله تعالى ما هو إلا حروف وأصوات، وأن هذه الحروف والأصوات قائمة بذات الله تعالى، ومعلوم أن الحرف والصوت كل منهما حادث، فهذا هو القول منهم بقيام الحادث بذات الله تعالى، وقال زعيمهم وشيخهم إن جنس الكلام قديم وأفراده حادثة وهي الحروف والأصوات، وهؤلاء يعتقدون بقيام الحوادث بذات الله تعالى الله عن ذلك، وهم لا يرون بأسا في أن تكون صفات الله تعالى متألفة من عدد لا نهاية له من الحوادث، ويجوزون التسلسل في الأزل، وكلها محالات عند أهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، ويزعمون أنّ كلام الله تعالى تابع لإرادته فهو يتكلم إذا شاء، وبذلك يكون الله تعالى عندهم مريداً لحدوث صفة من صفاته، وهذا لا يقول به إلا أهل الحشو والتجسيم، ورفضوا نظرية الكلام النفسي مع أنّ الأدلة له في القرآن الكريم كثيرة.
واما (المعتزلة) فقد نفوا أن يكون الله تعالى له صفة تسمى صفة الكلام، وأثبتوا الكلام له تعالى فعلاً من أفعاله، وقالوا: أنه يخلق أصواتاً وحروفاً دالة على ما يريد، ورفضوا أيضا نظرية الكلام النفسي مع أنّها المخرج الأمثل لمعضلات قدم صفات الله، ومنها صفة الكلام، وأَعْدَلُ الناسِ مذهبا في الكلام هُمْ أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وهم أكثر المذاهب توفيقا للنصوص، وقولهم هو الراجح في النظر، فلما ثبت عندهم أن الله تعالى متكلم بنص القرآن، لزمهم أن يقولوا بأن الله تعالى موصوف بصفة الكلام، ولما نظروا في معاني الكلام لم يجدوا إلا صنفين: الأول: الكلام القائم بالنفس المنـزه عن مشابهة الكلام الحادث والثاني هو الكلام الحادث المتألف من الحوادث، وهي الأصوات والحروف، وهو الكلام اللفظي، فأثبتوا (الأول) النفسي صفة قديمة قائمة بذات الله، وجعلوا (الثاني) اللفظي دلالة على الأول، والمسموع كلام الله على الحقيقة.
و(الكلام النفسي) حل لكل مشكلات التقديس المتعلقة بكلام الله القديم، فهو مطلق لا أول ولا آخر ولا حد ولا غاية ولا نهاية، يدل على كل ما يدل عليه العلم من مدلولات، أي أنه دال على سائر الواجبات والمستحيلات والممكنات، وهو واحد لا يتعدد وليس من جنس الحروف والأصوات، وهو قديم كسائر الصفات ولا يقاس على صفات البشر فلا يلزم منه التشبيه، والحاصل من كل هذا أن الواجب إنما هو إثبات أن الله تعالى متكلم وأن كلامه ليس ككلام البشر، وانّ القول بقيام الصوت والحرف بالله تعالى خطأ، وأن التحقيق أنه تعالى موصوف بالكلام النفسي الأزلي القديم، وانّ القرآن الكريم أنى تصرف فهو كلام الله على الحقيقة، يبلغه جبريل عن الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويبلغه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله إلى أمته وإلى الناس جميعا، والقرآن الكريم كلام الله تعالى على الحقيقة غير مخلوق وأنه مسموع بالآذان مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب والصدور وأنه مع ذلك قديم لا يوصف بالحدوث والخلق، صفة قائمة بذات الله تعالى، ليس كمثل كلامه كلام، والقرآن الكريم الموجود بين أيدينا هو كلام الله، وأما التلاوة والورق والمداد فلا خلاف أنها مخلوقة لأن الورق مخلوق والطباعة مخلوقة والأحرف مخلوقة والكلمات التي نتكلم بها مخلوقة أما المتلو والمسموع فهو القرآن الكريم كلام الله، ورحم الله حجة الإسلام الغزالي فما أجمله وما أرسخه في علم التقديس حين قال: (الركن الثاني العلم بصفات اللّه تعالى ومداره على عشرة أصول،،،، (الأصل السادس): أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام، وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف، بل لا يُشْبِهُ كلامُهُ كلامَ غيرِه، كما لا يُشْبِهُ وجودُهُ وجودَ غيره، والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات، كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء، ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم: (إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا)، ومن لم يعقله عقله ولا نَهاه نُهاه عن أن يقول: لساني حادث، ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم، فاقطع عن عقله طمعك وكف عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء، وأن الباء قبل السين في قولك بسم اللّه فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديماً، فنزه عن الالتفات إليه قلبك فللّه سبحانه سر في إبعاد بعض العباد {ومن يضلل اللّه فما له من هاد}، ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاماً ليس بصوت ولا حرف، فليستنكر أن يرى في الآخرة موجوداً ليس بجسم ولا لون، وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره، فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات، فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات)([228]) .
[المفتاح الخامس عشر]: حل إشكالات التقديس المتعلقة بكلام الله الأزلي القديم: الحاصل أنه ليس في إثبات الصوت لله تعالى حديث يصلح للاستدلال به من جهة السند والمتن، لأن أمر الصفات يُحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره، و الحاصل أنه ليس في إثبات الحرف لكلام الله تعالى دليل، بل قراءة القرآن بالحرف والصوت هي قراءة المخلوقين لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، يعني أن القرآن الذي هو اللفظ المنزل مقروء جبريل ليس مقروء الله، والحروف مسبوق بعضها ببعض، والمسبوق لا يصلح ان يكون قديما، فإن القديم لا ابتداء لوجوده، ولا انتهاء لوجوده، والحروف والاصوات لها ابتداء ولها انتهاء، وصفات البارئ جلّ جلاله قديمة لا ابتداء لوجودها، ومن تكلم بالحروف يترتب كلامه ومن ترتب كلامه كان حادثا، وكلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل التغير ولا الحدوث وبالتالي لا تقبل الزيادة ولا النقصان، والكمال المطلق يمنع التغير والحدوث، وأهل الحشو يعتقدون قيام الحوادث بجناب ذات الله، ومن العجب أنهم أعرضوا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرءان في سورة الانعام {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها، هؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، فمن جوز ابتداء الكلام والسكوت ومن جوز قبول الحادثات فقد رغب عن ملة إبراهيم حيث خالف الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه من كون المتغير الذي يقبل الحوادث لا يكون إلها البته، وانّ قبول الحوادث بمعزل عن قدس الله الأعلى لدلالته على الحدوث والافتقار، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}، وهؤلاء يقولون بأن الله تعالى إذا أراد إحداث محدَث أو خلق مخلوق أوجد في ذاته، كافًا ونونًا (كن) وإرادة حادثة، وعن ذلك تصدر المخلوقات، وهم يقولون: أنّ الحوادث التي تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وذهلوا أن شرط الإلهية القدم الأزلي، وأخص صفات القدم الأزلي امتناع قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، مشكلة أهل الحشو أنهم لا يفهمون معنى (القـدم الأزلي) الأولية بلا ابتداء، (القديم الذاتي) لا يقبل الحدوث، لأنّ ما يقبل الحوادث يقبل الفناء، والله تعالى هو الحي الباقي الذي لا يزول، ولا يقبل الفناء، و (شرط القديم) أن يكون كذلك منزهاً عن التغير والحدوث، وقد أجمع العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأنه ليس في جناب ذات الله تعالى محدث.
و(الخلاصة): أنّ الله عز وجل متكلم بكلام قديم أزلي أبدي غير مخلوق ولا محدث ولا مخترع، وصفة الكلام صفة كمال وضدها يستحيل على الله كالخرس والسكوت لأنه حد لصفة الكلام، صفة الكلام لها الكمال المطلق، بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات، لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، صفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة، ولا مخرج للكلام الأزلي المنزه الحدوث والبدايات والنهايات سوى ما قاله أهل التخصص (الكلام النفسي) القائم بجناب الذات والتابع لقدمه الازلي وكماله المطلق، وقد دل القرآن على وجوده بغير حرف ولا صوت، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، وقد ذكرت فيما سبق آيات عديدة تدل على ان القول النفسي لا يلزم منه الصوت، فلا يبقى شك في (الكلام النفسي)، ولا مخرج للتقديس إلا بالقول (بالكلام النفسي) وقد اثبته القرآن، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى كما في قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}، وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلم موسى عليه السلام وقد كان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق، فلما كلم الله موسى كلمه بكلامه الذي هو له صفة في الأزل، كان هذا ما تيسر في حل إشكالات صفة الكلام وبيان أنّ كلام الله تعالى صفة قديمة أزلية لا حدوث فيها وهي تامة لها الكمال المطلق فلا تقبل الزيادة ولا النقصان.
[فائدة]: تصحيح مفاهيم واجبة تتعلق بمسألة الكلام:
(1) قول بعض الأشاعرة: (والمعنى النفسي شيء واحد في ذاته لكن إن جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراة وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل، وإن جاء بالعربية فهو قرآن)، ليس معناه أنّ القرآن والإنجيل والتوراة كلها ترجمات لمعاني واحدة بل القرآن غير التوراة والتوراة غير الانجيل، والقرآن نفسه فيه معاني متعددة منه التوحيد كقوله تعالى {قل هو الله أحد}، ومنه الأمر كقوله تعالى {وأقيموا الصلاة}، ومنه النهي كقوله تعالى {ولا تقربوا الزنا}، ومنه الوعد كقوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، ومنه الوعيد كقوله تعالى {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، ومنه الخبر كقوله تعالى {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ}، ومنه الإنشاء كقوله تعالى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ}، فالمعنى المراد أنّ كلام الله هو كلام الله سواء أكان بالعبرانية او السريانية أو العربية.
(2) قول بعض الأشاعرة: (القرآن يطلق على وجه الحقيقة على المعنى النفسي القديم القائم بالله تعالى، ومجازا على النظم المنزل المعجز المقروء والمسموع)، ليس المقصود منه المجاز الذي هو في مقابل الحقيقة، ولكن باعتبار دلالته على كلام الله فإن الصوت صوت القارئ والخط خط الكاتب، فالقرآن انى تصرف فهو على الحقيقة كلام الله، قال التفتازاني في “شرح العقائد النسفية ” وهو يوضح المقصود: (فإن قيل: لو كان كلام الله حقيقة في المعنى القديم مجازا في النظم المؤلف لصح نفيه، بأن يقال: ليس النظم المنزل المعجز المفصل إلى السور والآيات كلام الله تعالى، والإجماع على خلافه، وأيضا المعجز المتحدى به هو كلام الله حقيقة، مع القطع بأن ذلك إنما يتصور في النظم المؤلف المفصل إلى السور، إذ لا معنى لمعارضة الصفة القديمة، قلنا: التحقيق أن كلام الله تعالى اسم مشترك بين كلام الله النفسي القديم، ومعنى الإضافة (إلى الله) كونه صفة له، وبين اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق الله تعالى ليس من تأليفات المخلوقين، فلا يصح النفي أصلا، ولا يكون الإعجاز والتحدي إلا في كلام الله تعالى، وما وقع في عبارة المشايخ من أنه مجاز في النظم فليس معناه أنه غير موضوع للنظم المؤلف، بل معناه أن الكلام في التحقيق وبالذات اسم للمعنى القائم بالنفس، وتسمية اللفظ به ووضعه لذلك إنما هو باعتبار دلالته على المعنى، فلا نزاع لهم في الوضع والتسمية) اهـ [شرح العقائد النسفية].
(3) قول الإمام احمد: (إن الله تعالى لم يزل متكلماً إن شاء) ليس معناه أنّ الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى يتبع المشيئة كالخلق والرزق فإنه قديم ازلى لا بداية ولا نهاية، والإمام احمد لم يتكلم على الكلام النفسي أصلا وإنما كلامه على الكلام اللفظي المسموع، وهذا كما قال تعالى {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}، وهذا يصح فيه أن نقول: إن الله تعالى لم يزل متكلماً إن شاء، باعتبار السامع للقرآن فإن هناك مرتبتان مختلفتان، فكل ما تعلق بالقديم الازلي قديم أزلي وكل ما تعلق بالمخلوق المحدث مخلوق محدث مثله.
***
المبحث الخامس قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات تعالى وتقدس
علم التقديس هو قسم توحيد جناب الذات هو ذروة سنام التقديس والتسبيح والتنزيه الاعتقادي الذي هو أعلى واجل من مجرد تسبيح اللسان، وقسم توحيد الذات هو أساس التوحيد، إذ جميع أقسام التوحيد إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء ذات الله تعالى إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله، والأسماء الحسنى إنما تدل على صفات الذات وأفعال الذات، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فتوحيد الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، كما أنّ توحيد الذات هو أهم قسم من أقسام التوحيد، وهو علم التقديس والتنزيه، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد، والمقصود من (توحيد الذات) هو اعتقاد الكمال لله في ذاته، والتنزيه لذاته عن كل نقص، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، ولما كانت العبادة لا تصحّ إلاّ بعد معرفة المعبود، ومعرفة المعبود سبحانه تستلزم أول ما تستلزم توحيد ذات المعبود سبحانه، لذا فإنّ أهم أقسام التوحيد توحيد ذات الله تعالى، ولابد من الإشارة إلى خطورة الذهول عن توحيد الذات: لأن ذلك سيؤدي ولا شك إلى خلل في فهم التوحيد والإحاطة بكل جوانبه، كما سيؤدي إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وحتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى الحشو على حساب التقديس، وإلى اعتقاد بدعة التجسيم وإن لم يشعروا بذلك، وقد اخترت عشرة قواعد من أهم قواعد هذا العلم الجليل أجعلها مثلا يحتذى به في علم التقديس: اتناولها باختصار شديد لتكون إشارة إلى ذلك العلم الجليل:
[(القاعدة الأولى)]: تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه]:
(أ) الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات، ولا هو يشبه شيئاً منها، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88 }، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وسورة الإخلاص تقديس لله تعالى عن مشابهة خلقه، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }، الله تعالى هو (الأحد) له تعالى: (الأحدية المطلقة)، وهي تعني التنزه عن الانقسام، فهو سبحانه [أحد] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض، وبالتالي منزه عن التركيب والجوارح وبالتالي منزه عن الجسمية، إذ الجسمية أقلها يتركب من جزئين، وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أجسم، وكل الخلائق أجسام وأجزاء وأبعاض، فلا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله، [الله الصمد] أي الغني الذي يحتاج إليه كل خلقه وهو الغني عن كل خلقه، و (الصمدية المطلقة) تمنع من التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف بالصمدية المطلقة، إذن الله تعالى [أحد] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، [صمد] غني حميد اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }، لا ينفصل منه شيء، ولم ينفصل من شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ }، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ }، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ولما كانت جميع المخلوقات تتصف بالحدود والنهايات والمقادير، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، منزه عن الحد والنهاية والمقدار والغاية، ولما كانت جميع المخلوقات تحتاج في وجودها إلى مكان يحويها ويحيط بها، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، فلا يحويه مكان ولا يحيط به مكان كيف وهو بكل شيء محيط، ولما كانت جميع المخلوقات يقهرها زمان يجري عليها زمان يقهرها بقوانينه، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، فلا يجري عليه زمان ولا تقهره قوانين الزمان كيف وهو الواحد القهار، ولما كانت جميع المخلوقات عبارة عن أجسام تتصف بالطول والعرض والحجم، والصور والأشكال، كان الله تعالى منزهاً عن مشابهة خلقه، منزه عن الأطوال والاحجام والصور والأشكال، ولهذا قال أئمة التخصص في العقيدة على منهاج أهل السنّة: يجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فهو ضال مبتدع، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، ومن الأدلة من السنة النبوية على تقديس الله تعالى عن مشابهة خلقه، قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([229]) .وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل.
(ب) وعلى ذلك: فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم، منزه في وجوده عن المكان فلا يحويه مكان، ومنزه في وجوده عن الزمان فلا يجري عليه زمان، ومنزه في جناب ذاته عن الحد والنهاية، فلا حد ولا تناهي، كيف وهو القاهر لمخلوقاته بالحدود والنهايات، ومنزه في جناب ذاته عن الصور والأشكال والألوان، كيف وهو المصور لخلقه والواهب لها الصور والأشكال، جل المصور أن يكون مصورا، وجل الخالق أن يكون مخلوقا، وجل القديم أن يكون محدثا، له كمال الذات والأسماء والصفات، وكل ما خطر ببال المخلوق فهو باطل لأنه مخلوق، والمخلوق لا يحيط علما بالخالق، والمحدث لا يحيط علما بالقديم، فسبحان الله عما يصفون، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }.
[(القاعدة الثانية): تنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق]: لا شك في أنّ أي شيء محدود له نهاية تحده، والحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته:
(أ) قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، والقاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق.
(ب) ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (الله أكبر) ومعناها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار.
(ج) كل متناه مٌحدَث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص، وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص، لأنه الخالق، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء.
(خ) الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه والقاعدة عند الرياضيين أن كل ما يقبل النهاية يقبل الزيادة والنقصان، والله تعالى له الكمال المطلق _ ومعنى الكمال المطلق أن ذاته لا حد لها ولا نهاية ولا تقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا تقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية (سبحانه وحاشاه) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته.
(تنبيه): ذات الله تعالى منزه عن الحد والحصر والنهاية وهو كذلك منزه عن الحجم والكمية والمقدار لكونها صفات الأجسام والأجسام مخلوقه والله تعالى خالقها ليس كمثله شيء وليس له سمي ومثيل ولا نحيط به علما وإنما ننزهه عن مماثلة المخلوق وعن كل نقص وعجز اتصف به المخلوق وتنزه عنه الخالق.
(ذ) وليس معنى تنزيه الذات عن الحد والمقدار، أن نصف الذات بالاتساع الحسي الذي لا نهاية له، أو الكبر الحسي الذي يُقاس بالمسافات، أو الحجم الذي تجاوز مقداره كل مقدار، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وإنما المقصود أن الذات منزه عن الحد والمقدار الحسيين، كمالات الذات لا تتناهى ليس كمثل ذاته ذات ولا مثل صفاته صفات، منزه عن كل ما يخطر بالبال لأنّ كل ما خطر بالبال هو مخلوق، والمخلوق المحدث المحدود لا يُدرك الخالق القديم المنزه عن الحدود، فالله تعالى أكبر من كل تصور، وأعظم من أن نحيط به علما، {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، فالذات لا يُدرك، ويجب على كل مسلم الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى {ليس كمثله شيء}وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود، (ر) قد يأتي بعض من حرم نور التنزيه – أسأل الله تعالى لهم بقلب صادق هذه البصيرة وهذا النور – فيقول: إن الله عز وجل وصف نفسه بأنه سميع بصير {وكان الله سميعا بصيرا} ووصف بعض خلقه بأنه سميع بصير {فجعلناه سميعا بصيرا }، فما المانع أن يكون للمخلوق حد وينتهي إليه وكذلك يكون للخالق حد ينتهي إليه ولا يعلمه إلا هو، والجواب عن تلك الشبهة: أن السمع والبصر والعلم صفات مدح من كل وجه ولله تعالى كمال الصفات من العلم والسمع والبصر، وقد أكرم بعض خلقه بالسمع والبصر والعلم تفضلا منه سبحانه، ولكن الحد والنهاية والحصر صفات عجز ونقص وقصور فهي سمة المخلوق الفقير إلى ربه والتنزه عن الحد والنهاية والحصر صفة الكمال اللازمة للقدوس الكبير المتعال، وشتان بين الخالق والمخلوق وبين الغني المطلق والفقير المطلق، وإنما العلم بالتعلم، قال تعالى: {فاسالوا }، فلا مناص لمن تكلم في العقيدة أن يتواضع للعلم ويطلبه من أهله، ولا ينبئك مثل خبير.
[القاعدة الثالثة]: تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان:
(أ) عند تدبر قول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3 }، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([230]) . نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن أن تحكمه قوانين المكان ولا الزمان، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ }دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان، {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}تنزيه عن المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
(ب) كل موجود سوى الله تعالى مخلوق حادث، كان قبل خلقه عدما ثم خلقه الله بقدرته ومشيئته، وكل مخلوق حادث تحكمه قوانين الوجود من الكون في مكان وأنه لابد وان يجري عليه زمان، فليس مخلوق إلا محتاج إلى مكان يحيزه ويحيط به من كل جهة وليس ثمة مخلوق إلا ويجري عليه زمان إذ المخلوق محكوم بقوانين ونواميس الوجود لا مناص له عنها لأنه حادث سبق وجوده وجود المكان والزمان فهو مرتبط بهما محكوم بقوانينهما عاجز عن الانفكاك عنهما.
(ت) أما الله عز وجل فهو الخالق لكل شيء في الوجود قال تعالى: {الله خالق كل شيء}، ومن جملة خلقه المكان والزمان، فهل يحل الخالق في المخلوق أم هل تجري على الخالق قوانين المخلوق، سبحانه كان قبل خلق المكان والزمان وهو على ما عليه كان، منزه عن المكان تنزيه الخالق عن المخلوق، ولا يجري عليه زمان تنزه سبحانه تنزيه الخالق أن تحكمه نواميس المخلوق كيف وهو الذي أوجد المكان وهو الذي أدار الزمان لا يلحقه تغيير بخلقه لأن الكمال صفته سبحانه والكمال لا يقبل الزيادة أو النقصان فإن قبل الزيادة كان قبلها نقصا وإن قبل النقصان كان كفرا وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان.
(ر) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، (ز) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد.
(س) عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان، (ظ) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
وهنا يتعلق أهل الحشو بالمتشابهات، ومن ذلك الاستواء وفهمهم السقيم المبتدع أنه استواء الذات على العرش، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على القرب، كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ }، فلم لا تحمل على قرب الذات، قالوا: القرب قرب الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، وإذا قلت لهم هناك آيات تدل على الاحاطة، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا}فلم لا تحمل على إحاطة الذات، قالوا: الاحاطة: إحاطة الصفات من العلم والسمع والبصر والقدرة، قلنا: فما الاشكال أن نحمل الاستواء على استواء الصفات من صفات التدبير والتسخير والملك والقهر والهيمنة والربوبية للعالم، إذن الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها أهل الحشو التجسيم على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعمون من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء ربوبية وتدبير وقهر لقرينته افتتاح الآية بالتذكير بالربوبية في قوله إن ربكم، ثم ذكر التدبير بعد الاستواء مباشرة للدلالة على أنه استواء تدبير للمملكة التي تشمل السموات والأرض لا استواء جلوس كما تقوله الحشوية، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، على أن المدح لا يكون بمجرد الجلوس إذ المخلوق موصوف بالجلوس والإتكاء ولكن المدح والثناء يكون بذكر الربوبية والقهر والهيمنة والتدبير، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 2 إلى 5]، والمفتاح: الاستواء هاهنا استواء ملك وربوبية وتدبير لقرينة الخلق في قوله تعالى {خلق السموات والأرض }، ثانيا: جمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى (المعية)، وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء، لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد.
وقد يتمسك الحشوية بالمتشابهات، في اثبات الفوقية الحسية من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وفي الآية مجاز حذف والمراد يخافون عذاب ربهم من فوقهم، وذلك لأنّ العذاب إنما ينزل من فوقهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127]، وليست الفوقية هاهنا هي ارتفاع المكان، فلم يكن فرعون على أكتاف بني اسرائيل، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وهو مجاز عن قبول الأعمال الصالحة لأنّ الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فهو يقبل الكلم الطيب، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، المراد من العندية هو عندية القرب من الله تعالى بالزلفى والرضا والمكانة لا عندية المكان لتنزه الله تعالى عن الكون في الأماكن، القرب في الآيات عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة والمكانة لا إلى المكان، أو من فهمهم السقيم لقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، الآية لها معني عديدة ولا يجوز اعتقاد متشابه تلك المعاني ولابد من ردها إلى محكمها وفهمها في اطار المحكم، فقد يكون المعنى: أأمنتم من في السماء، أي في العلو إشارة إلى المكانة والصفات لا الحيز والمكان،، لأنّ السماء تأتي في اللغة العربية لغة القرآن على معنى العلو، والعرب تقول: فلان في السماء، أي في أعلى المراتب، وليس معنى أأمنتم من في السماء أي في السماء مكانه، لما تقدم من محدودية السماء، والله تعالى لا حد له، والسماء خلق من خلق الله تعالى، والله منزه عن الحلول في شيء من خلقه، وقد اجمع أهل الأصول المتخصصين في العقيدة على تنزيه الله تعالى من المكان، لو أريد معنى على السماء، لكان اللفظ أفخم وأعظم فإن قوله من على السماء أفخم وأعظم من قوله: {من في السماء}لو اريد علو المكان، ولذا قال القاضي عياض: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة محدثهم وفقيههم ومتكلمهم ومقلدهم ونظارهم أن الظواهر الواردة بذكر الله في السماء كقوله (ءأمنتم في السماء) أنها ليست على ظاهرها وأنها متأوله عند جميهم) أهـ([231]) .
ولكن ماذا نفعل وقد ابتليت الأمة بأهل الحشو الذين يدعون المحكم ويلهثون خلف المتشابه الذي حذرنا كتاب الله من تتبعه بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ }، وقد علمنا حبر الأمة الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل)، أن حمل المتشابهات وان نردها إلى أمهاتها من المحكمات، ولذا كان يقول رضي الله عنه أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون المتشابه، ولما سئل عن قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق }، كان من قوله: يكشف عن شدة وكرب، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، ولا ساق لها وإنما هو الكرب والشدة، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث (أين الله) في صحيح مسلم، وحديث الجارية له روايات عديدة مضطربة، فيها من الاختلاف الكثير، فقد جاءت روايات الحديث بثلاثة ألفاظ مختلفة صحيحة، الأولى بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) والثانية بلفظ (من ربك) واللفظ الثالث مختلف عنهما يسأل عن المكان بلفظ (أين الله) لإثبات الإيمان، وقد أشار إلى اختلاف ألفاظ الحديث الكثير من الحفاظ منهم: الامام الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات للبيهقي([232]) . والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه ([233]) .
وخلاصة الأمر: أن الحديث جاء صحيحا بلفظ (أتشهدين ان لا إله إلا الله) رواه الإمام مالك وغيره بسند صحيح وهو أكثر الروايات موافقة لأصول الشريعة في إثبات الإيمان بالشهادتين، وجاء بلفظ (من ربك) وهو كذلك موافق لأصول الشريعة في إثبات الإيمان، أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي والإمام أحمد وابن حبان، والرواية الثالثة بلفظ (أين الله)، أخرجها الإمام مسلم، والروايات السابقة جميعها تفيد بأن القصة واحدة وأنها قد رويت بالمعنى وان بعض رواتها قد تصرف في ألفاظها، إذن قد يكون اللفظ (أين الله) هو من تصرف أحد الرواة على حسب فهمه للواقعة، وبالتالي يوجد هناك احتمال قائم بأنه ليس لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنّ لفظ (أين الله) مخـالف لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أتـاه شخص يريـد الإسلام أمره أن ينطـق بالشهادتيـن من غير أن يسأله هذا السؤال أو نحوه، وكذلك فهو مخالف لما ثبـت عن النبي صلى الله عليه وأله وسلم أنه كان إذا بعث بعض أصحابه للدعـوة إلى الإسلام أمرهم أن يأمروا الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم من غير أن يأمرهم أن يبينوا لهم أو يسألوهم عن المكان، كما أنّ لفظ (أين الله والجواب بأنه في السماء) لا يثبت توحيـداً ولا ينفي شركـاً وذلك لأن بعض المشركين يعترفون بوجود الله وكذا النصارى واليهود ومع ذلك يشركون معه في الألوهية غيره، كما أنّ لفظ (أتشهدين أن لا إله إلا الله) هو الموافق للأصول المتفق عليها بين المسلمين بأن من نطق بالشهادتيـن وصدق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وأله وسلم فقد دخل الإسلام فإذا صحت رواية (أتشهدين أن لا إله إلا الله) وهي صحيحة لا غبار عليها وجب ترجيحها على سائر الروايات والله أعلم، (تنبيه) من قال بصحة حديث الجارية بلفظ (أين الله) وكان على مذهب أهل السنة والجماعة في التقديس والتنزيه فإنّه حمل لفظ (أين الله) على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة، فحديث الجارية بلفظ (أين الله) عند أهل السنة من المتشابه الذي مخرجه طريقان لا ثالث لهما: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنـزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني: حمله على محكمات الشريعة التي تدل على تنزيه الله تعالى عن المكان والحد والمقدار، فيكون معناه السؤال بالأين عن المكانة وليس المكان، وهذا معروف في اللغة: نقول اين أنت من علم فلان، واين الثرى من الثريا، والحاصل أنه لا توجد أدنى مشكلة في قبول جميع الروايات عند علماء أهل السنة ولكن المشكلة تكمن في الأفهام السقيمة لهذا الحديث والتي تبتغي فتنة المسلمين عن صفاء عقيدتهم إلى الحشو والتكييف والتجسيم. ([234]) .
[القاعدة الرابعة]: تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق:
(أ) الله تعالى هو الأول الآخر القديم الباقي، لا يقبل الحدوث أو التغير أو الأفول، وكل ذلك نقص يتنزه عنه جناب القديم بذاته وأسمائه وصفاته، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه حادث، والحادث مخلوق، والخالق منزه عن أن يكون شيء منه مخلوق، والقديم منزه عن أن يكون شيء منه حادث، وهو الأحد الذي لا تتجزأ ذاته، كما أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات والأسماء والصفات، فهو سبحانه الأزلي القديم بجناب ذاته، منزه عن الحدوث إذ ليس لوجوده ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بجناب ذاته إذ ليس لوجوده انتهاء، هو الأول فليس قبله شيء، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات، ويوجد في الحديث الصحيح ما يدل على اسمه القديم، ففي سنن أبي داود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ([235]) . والسلطان القديم لا يكون إلا لمن كان قديم الذات والأسماء والصفات، هو الحي الذي لا يموت، له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (الاول فليس قبلك شيء)، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (الآخر فليس بعدك شيء)، (ب) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ }،، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}قال المفسرون:قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، (د) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالإتحاد والحلول للمخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم.
(ب) وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث (النزول) في صحيح البخاري]، : (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([236]) . وللرد عليهم نقول: للنزول في القرآن معان متعددة لابد من فقهها: منها قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر]، ولم نر جملا نازلا من السماء، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [سورة الحديد]، والحديد يستخرج من باطن الأرض ولم نر معدن الحديد ينزل على هيئة سبائك من السماء، وللنزول الحقيقي الذي يتبناه أهل الحشو لوازم فاسدة: من تلك اللوازم: (اللازم الأول) الحلول في السماء، وقد أجمع علماء أهل السنّة والجماعة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول، (اللازم الثاني) الصعود بعد النزول بمعنى أن يكون أسفل العرش ثم يصعد، وهو محال على العلي العظيم، ووصف الله تعالى بالسفل كفر وضلال، (اللازم الثالث) النتيجة الحتمية لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس دوام ثلث الليل في الارض بمجموع أماكنها وتجدد ثلث الليل على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فلو كان النزول حقيقيا فيلزم انتقاله إلى السماء الدنيا في كل لحظة وحين، (اللازم الرابع) النزول الحقيقي يستلزم التغير والحدوث والحركة والسكون والقيام والجلوس، وهذه كلها محال نسبتها إلى الله المنزه عن الجسمية ولوازمها عند اهل الأصول المتخصصين في العقيدة، (خ) حل إشكالية حديث النزول: أخرج النسائي حديث النزول بلفظ: ((إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى) ([237]) وهذا اللفظ هو المحكم، ولفظ حديث البخاري ومسلم متشابه، وعند علماء الأصول يلزم حمل المتشابه على المحكم، وعلى ذلك فإنّ النازل ملك من الملائكة يُنادي باسم الله تعالى، وقد فسر الكثير من العلماء حديث البخاري بحديث النسائي، وقالوا المراد بالنـزول نزول الملك إلى السماء الدنيا فينادي بأمر الله، وإما أنه مجاز بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعدما باعده وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن القرب في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقات وأنه تعالى يُقبِلُ عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما يُلقيه في قلوبـهم من الخشوع والتدبر، وقد قال الشافعي حدثت أهل مصر فلم يفهموا كلامي فنزلت ثم نزلت ثم نزلت حتى يفهموا كلامي، وليس معنى ذلك أنه نزل من مكان عال إلى مكان أسفل ولكنها البلاغة([238]) .
[القاعدة الخامسة: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق]:
(أ) (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم }، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها.
(ب) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث.
(ث) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة.
(ج) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام.
[القاعدة السادسة: تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق]: (أ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، (ب) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، (ت) الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بحديث الصورة: (خلق الله آدم على صورته) ومفاتيح الفهم الصحيح للحديث: (المفتاح الأول): قوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) معناه أنّ الله تعالى لم يخلق آدم على مراحل كما هو خلق بني آدم، نطفة فعلقة فمضغة فجنين فمولود فطفل فصبي وهكذا حتى البلوغ واكتمال النمو، وإنما خلقه على هيئته الكاملة التامة بالغاً طوله ستون ذراعا، وهذا يدل يقيناً على أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على آدم عليه السلام وأنّه خلق مكتمل البنية ولم يمر بمراحل النمو المسبقة كما يحدث لبني آدم، (المفتاح الثاني): قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) معناه عدم اهانة الوجه، لأنّ الله تعالى كرّم وجه ابن آدم، فمن أهان الوجه أو ضرب الوجه أو قاتل الوجه أو قبحه، فكأنما قبّح وجه أباه آدم عليه السلام، وهو نبي مكرم لا يجوز اهانته، ومنه يتبين أنّ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم (على صورته) يعود على المضروب وأنّ وجهه يشبه وجه آدم عليه السلام، وهذا قول الحافظين: ابن حجر وابن خزيمة، (المفتاح الثالث): إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف كما في قول الله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71، 72]، فقد أضاف الله تعالى الروح إلى نفسه، وأجمع أهل الإسلام على أنها روح مخلوقة خلقها الله تعالى وأضافها إليه إضافة تشريف، وهكذا هاهنا فإن إضافة الصورة إلى الله تعالى إضافة تشريف، (المفتاح الرابع والأكيد بعد المفاتيح السابقة): وهو حمل المتشابه على المحكم، وهذا ما أمرنا الله تعالى به في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ} [آل عمران: 7، 8]، في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وطريقة أهل السنة في المتشابه: رد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم، وحمل الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة، والمحكم الذي نرد إليه متشابه هذا الحديث هو الأدلة القطعية على تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، ولأنّ الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، تنزه عن الصور والأشكال،، فكيف نتوهم أنه على صورة آدم، تنزه الخالق عن مشابهة المخلوق، وأما حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) الحديث إلى قوله: (فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث، فهم لا يعرفون صورة مسبقة، والأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى فوجب صرفها إلى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة، وتكون في الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال: فيكشف عن ساق أي ويتجلى عليهم الرحمن بصفات الرحمة والرأفة فيسجدون شكرا له. ([239]) .
[القاعدة السابعة: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق]: (أ) أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، قوله تعالى (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) قوله تعالى (أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وقد يتمسك الحشوية وتعلو أصواتهم بآيات ذكر فيها الوجه واليد والعين في القرآن الكريم]، وللرد على جهل هؤلاء، أقول: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال([240]) .
[القاعدة الثامنة: تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق]: (أ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، (ب) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، (ت) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن.
[القاعدة التاسعة: تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق]: وبيان ذلك: ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا، أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين.
[القاعدة العاشرة: تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق]:
الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد، ومنزه عن كل ما يضاد الكمال ويدل على النقص كالحد والمقدار والكون في مكان وان يجري عليه زمان، وعن التغير والحدوث وقبول الحدث، وبعد فتلك بعض قواعد التقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس، أخترتها من بين ثلاثين قاعدة ذكرتها في كتابي: قواعد علم التقديس، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين أنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب.
***
المبحث السادس اتفاق مدارس اهل السنّة والجماعة الأثرية والاشعرية والماتريدية على رؤية الله تعالى في الآخرة
اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة، وأنها رؤية بغير احاطة، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح
[المفتاح الاول]: الأدلة على رؤية الله سبحانه من الكتاب: أدلة متعددة نذكر منها: (أ) قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة:22، 23]، قال ابن عباس في تفسير الآية: (تنظر إلى وجه ربها)، (ب)وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]، قال الإمام الشافعي: (وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ)، بدليل لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين) أهـ، (ت) وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية، كما أخرج مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، ([241]) .
(ث) وقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] فقد فسر المفسرون ومنهم الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم: المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى، (ج) وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]، والدليل على جواز الرؤية أنّ نبي الله موسى عليه السلام سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنّ الأنبياء أعلم الناس بما يجوز وما يمتنع على الله، ولا شك أنّ نبي الله موسى عليه السلام أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل في حقه من المعتزلة والإمامية والأباضية الذين منعوا من رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة، كما أن الله تعالى أجابه بقوله {لَن تَرَانِي}وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: (لست بمرئي)، أو (لا تجوز رؤيتي) أو (إن الرؤية تستحيل في حقي) ولكان آنذاك تصحيحاً واجبا للعقيدة وللخطأ في طلب الرؤية التي لا تجوز في حق الإله، وكل هذا لم يحدث، فدل على جواز المبدأ (إمكانية رؤية الله)، كما أنّ الله تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة.
[المفتاح الثاني]: الأدلة على رؤية الله سبحانه من السنّة: تواترت الأدلة من السنّة على رؤية الله تعالى في الآخرة منها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك)) ([242]) .
وأخرج البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم سترون ربكم عيانا)) ([243]) . وأخرج مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة})) ([244]) .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) ([245]) .
والأحاديث الواردة في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة متواترة، ذكر هذا التواتر الكتاني في نظم المتناثر، و ابن حجر في فتح الباري، و العيني في عمدة القاري، و ابن حزم في الفصل، و ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل وغيرهم، والحمد لله أنّ على رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة إجماع أهل السنة والجماعة المقتدى بهم في الدين، نقله عنهم ابن تيمية فقال: (أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة) ([246]) .
وقد اتفقت كلمة مدارس أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة (المدرسة الأثرية والمدرسة الأشعرية والمدرسة الماتريدية) على رؤية الله تعالى في الآخرة، ومنع منها المعتزلة والإمامية والإباضية، وحججهم في الباب واهية لا تقوى على معارضة الأدلة من الكتاب والسنة والعقل،
[المفتاح الثالث]: إمكانية رؤية الله تعالى عقلاً: رؤية الله تعالى غير ممتنعة عقلاً للأسباب التالية: (أ) الله تعالى موجود، وكل موجود تصح رؤيته، لأنّ المصحح للرؤية الوجود، وليس الجسم والشكل والصورة، وإذا كان الله تعالى منزها عن ذلك كله، لأنّه الخالق لها، فليس يعني ذلك انتفاء الرؤية لأنّ المصحح للرؤية هو الوجود والله تعالى موجود، وكما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك للناس في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى على ما هو عليه من غير جهة ولا مقابلة كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعينهم يسمى ذلك الإدراك رؤية تتعلق به تعالى على ما يليق به، فهذه لا يحيلها العقل وقد جاء الشرع بإثباتها، فوجب اثباتها والايمان بها، مع ما يتعلق بها من تقديس وتنزيه، (ب) المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن المكان وسائر الأمكنة والجهات إليه سواء، والرؤية لا تكون إلا في جهة ومكان، والمكان مستحيل على الله لأنّ الله تعالى خالق المكان، ولا يحل الخالق في المخلوق، نقول نعم للتنزيه، ولكن ما علاقة الرؤية بالمكان والجهة، لأننا نقول رؤيته – سبحانه – لا في جهة ولا في مكان، لأنّ جميع المؤمنين لا يضامون في رؤيته والمعنى لا يتزاحمون لرؤيته، فالكل يراه لا في جهة ولا في مكان، قال تعالى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 115]، فالأماكن كلها عند الله تعالى سواء، (ت) المانعون من الرؤية عقلا كان دليلهم هو أنّ الرؤية لا تكون إلا بشعاع متصل بين العين والشيء المرئي، وهذا محال على الله لأنّه منزه عن قوانين المادة والجسم، والشعاع المتصل يكون بين الأجسام المادية، ونقول نعم للتنزيه والتقديس، ولكن لا علاقة أيضاً لإمكانية الرؤية بالأجسام والمواد واتصال الأشعة البصرية، فالرؤية ممكنة بغير تلك الأسباب، والله تعالى خالق الأسباب والمسببات، وعلى ذلك نؤمن بالرؤية بلا مقابلة، ولا اتصال أشعة البصر، ولا إحاطة بصر، (ث) المانعون من الرؤية كان دليلهم من الشرع هو قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الأنعام: 103]، فقالوا ما لا تدركه الأبصار فليس بمرئي، وهذا فهم خاطئ للآية لأنّه لو كان المقصود نفي الرؤية لجاءت الآية (لا تراه الأبصار)، ولكن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ }ونحن نقول بجواز الرؤية ولكن بغير احاطة، إذ هناك مخلوقات محدودة من خلق الله تعالى كالبحر نراها ولا نحيط بها، فكيف نحيط برؤية الله وهو المنزه عن الحدود، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار، واسع لا حد ولا نهاية لذاته، أكبر من كل تصور، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق.
[المفتاح الرابع]: تنزيهات متعلقة بالرؤية: (أ) رؤيه الله لا تحيط بلله، وكيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود، وكيف يحيط المخلوق المحدث برؤية الخالق القديم، لا تدركه الأبصار، أكبر من كل تصور، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق، قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الأنعام: 103]، (ب) ورؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات الله تقدست عن المكان، لا تحيط به الجهات والأركان، (ت) رؤية الله تعالى ناشئة عن تجلى الرحمن الذي ليس كمثله شيء، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه، وإلا فذات الله تعالى ظاهرة لا يحجبها شيء أبدا، إذ لا يحجب الحجاب المخلوق خالقة القاهر للحدود، وإنما هي حُجُب تحجب أبصار المخلوقين المحدودة عن رؤية الخالق الجليل الكبير المتعال، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم، نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يتفضل علينا برؤية وجهه الكريم في دار النعيم، وهي الزيادة في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]،
***
المبحث السابع الأدلة من اجماع علماء المدارس المعتمدة الأثرية والأشعرية والماتريدية على تقديس جناب الذات
[1] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الحد، [2] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن المكان والزمان، [3] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الحيز والجهة، [4] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن التغير والحدوث، [5] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الجسمية، [6] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الأعضاء والجوارح، [7] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الصور والأشكال، [8] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الشبيه والمثيل، [9] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الاتحاد الحلول والاتصال والانفصال، [10] العجز عن الادراك ادراك وكل ما نتكلم به إنما هو على الصفات وجناب الذات غيب لا يدرك .
***
[1] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الحد
[المفتاح الاول]: المقصود بالحد عند علماء الأصول: أنه الحاجز بين الشيئين وحد الشيء منتهاه حيث حد كل شيء نهايته، والحد بهذا المعنى نقص يتنزه الخالق سبحانه وتعالى عنه، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أنه تعالى خلق الأشياء وحدها بالحدود وخصصها بما هي عليه من قدر معين، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً }، وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا }، وقال تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار }، ومعنى هذه الآيات أي بحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه المقدار، والمقدار مفعال من القدر، فهذه الآيات تعطيك أن كل مقدر بقدر محدود هو مخلوق، وتجعل ذلك التقدير سمة من سمات حدوثه، وبرهانا على كونه مخلوقا، وأن موجده ومخصصه بقدره الذي هو عليه هو الله تعالى، فمحال أن يكون الوصف الذي يحتج به على الحدوث والمخلوقية وصفا لله تعالى في ذاته أو صفاته، والقاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلى لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، والمخلوقات جميعها محدودة وإن اختلفت حدودها فمنها ما هو ضخم بالغ الضخامة كالعرش ومنها ما هو ضئيل بالغ الضئالة كالبعوضة إلا أنها جميعا تشترك في صفة الحد والمحدودية لأنها جميعا مخلوقة والمخلوق محدود الذات والصفات والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته فليس له فيها حد وإلا شابه المخلوق وليس كمثله شيء في صفاته فليس له فيها حد، كما أنّ كل متناه محدث لأن تخصيصه بهذا التناهي دون سائر المقادير لا بد له من مخصص وجل الله تعالى عن ذلك، ولو كان تعالى جسماً لكان متناهياً ولو كان متناهياً لكان مخصوصاً، بمقدار معين، ولما وصف نفسه بكونه خالقاً وجب أن يكون تعالى هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة ولو كان هو مقدراً فى ذاته بمقدار مخصوص لزم كونه مقدراً لنفسه وذلك محال وأيضا: لو كان جسماً لكان متناهياً وكل متناه فإنه محيط به حد (واحد) أو حدود مختلفة وكل ما كان كذلك فهو مشكل وكل مشكل فله صورة فلو كان جسماً لكان له صورة ثم أنه تعالى وصف نفسه بكونه مصوراً، فيلزم كونه مصوراً لنفسه وذلك محال فيلزم أن يكون منزهاً عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال، ولله در الإمام البيهقي حيث يقول: (وما تفرد به الكلبي وأمثاله يوجب الحد، والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ، والباري قديم لم يزل) أهـ([247]) .
[المفتاح الثاني]: بعض أدلة القرآن والسنّة في التنزيه عن الحد: (1) قال الله تعالى:{ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، أي أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وجميع الخلائق لها حد ومقدار، والله تعالى ليس كمثله شيء ليس له حد ولا مقدار، ومن قال في الله تعالى إن له حدا فقد شبهه بخلقه لأن ذلك ينافي الألوهية، والله تبارك وتعالى لو كان ذا حد ومقدار لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد والمقدار كما تحتاج الأجرام إلى من جعلها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلق نفسه بمقداره، فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حد ومقدار كالأجرام لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد لأنه لا يصح في العقل أن يكون هو جعل نفسه بذلك الحد، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها، لأن من شرط الإله الاستغناء عن كل شيء.
(2) قال الله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الحد والمقدار تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.
(3) قال الله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاتُه يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الحد والمقدار تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.
(4) قال الله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بصفة من صفات الخلق كالحد والمقدار، أو الحركة والسكون أو القعود والقيام والجلوس والاستقرار يكون شَبَّهَهُ بهم، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا.
(5) قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه،، ومنه نستفيد نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان محدودا ذا مقدار لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدودة المقدرة.
(6) قال الله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [سورة البقرة: 115]، ولو كان في حيِّزٍ أو كان محدودا – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا – لكان استقباله والتوجه إليه في مكان دون آخر، فحيث لم يُخصِّص مكانًا علِمْنا أنه لا في جهة ولا حيِّز، ولا حد، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأيّ جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره” اهـ.
(7) قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، فدل على أنّ المقدر مخلوق، والله تعالى تنزه عن الحد والمقدار، إذ كل محدد مقدر وكل مقدر محدود، تعالى الله عن الحد والمقدار.
(8) ومن الأحاديث الدالة على تنزيه الله عن الجهة، ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء) ([248]) . فدل على أنّ الله تعالى منزه عن الحدود إذ لو كان له حد لكان شيء أقرب إليه من شيء، ولكنه من كل شيء قريب، وهو بكل شيء محيط، تنزه عن كل ما يخطر بأوهام البشر، ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوا أحد، والقرب في الحديث قرب المعية والإيمان، وليس القرب الحسي الذي يُقاس بالأمتار.
[المفتاح الثالث]: أقوال علماء أهل السنة في تنزيه الله تعالى عن الحد والحيز : (1) الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه والتنزيه عن الحد: جاء في طبقات الشافعية الكبرى قال بن جهبل: (قال جعفر الصادق رضي الله عنه: (لو كان الله في شيء لكان محصورا)، وتقرير هذه الدلالة أنه لو كان في جهة لكان مشارا إليه بحسب الحس وهم يعلمون ذلك ويحوزون الإشارة الحسية إليه وإذا كان في جهة مشارا إليه لزم تناهيه وذلك لأنه إذا كان في هذه الجهة دون غيرها فقد حصل فيها دون غيرها ولا معنى لتناهيه إلا ذلك وكل متناه محدث لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص فقد ظهر بهذا البرهان الذي يبده العقول أن القول بالجهة يوجب كون الخالق مخلوقا والرب مربوبا وأن ذاته متصرف فيها وتقبل الزيادة والنقصان تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا) أهـ،([249]) .
(2) مذهب فقهاء الملة أبى حنفية وأبي يوسف ومحمد بن حسن والتنزيه عن الحد: قال الامام أبو جعفر الطحاوي في كتابه (اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبى حنفية وأبي يوسف ومحمد بن حسن): تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والاعضاء والأدوات ولا تحوية الجهات الست كسائر المبدعات ” أهـ، ([250]) .
(3) الإمام أبي حنيفة رحمه الله ونفي الحد والنهاية عن الله تعالى: جاء في الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر (وهو شيء لا كالأشياء ومعنى الشيء الثابت بلا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا حد له ولا ضد له ولا ند له ولا مثل له) ([251]) .وقال العلامة المحدث الفقيه الملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر: – عند شرح قول الإمام أبي حنيفة (وهو شيء لا كالأشياء، ومعنى الشيء إثباته بلا جسم ولا جوهر ولا عرض، ولا حد له ولا ضد له ولا ند له) -: ” ما خطر ببالك فالله سوى ذلك، وقد قال الله تعالى: (ولا يحيطون به علما) [طه 110]، والعجز عن درك الادراك إدراك، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله (لا أحصي ثناء عليك أنت كما اثنيت على نفسك) ويعلم من قوله: (شيء لا كالأشياء)، أنه سبحانه ليس في مكان من الأمكنة ولا في زمان من الأزمنة، لأن المكان والزمان من جملة المخلوقات، وهو سبحانه كان موجودا في الأزل ولم يكن معه شيء من الموجودات، (ومعنى الشيء إثباته) أي إثبات وجود ذاته، (بلا جسم ولا جوهر ولا عرض) أي في اعتبار صفاته، لأن الجسم متركب ومتحيز وذلك أمارة الحدوث، والجوهر متحيز وجزء لا يتجزأ من الجسم، العرض كل موجود يحدث في الجواهر والأجسام،، والله سبحانه منزه عن ذلك كله، وما أحسن قول الرازي رحمه الله: المجسم ما عبد الله قط لأنه يعبد ما تصوره في وهمه من الصورة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، (ولا حد له) أي ليس له حد ولا نهاية،، ” أهـ([252]) .
(4) الإمام الشافعي رحمه الله ونفي الحد والنهاية عن الله تعالى: جاء في كتاب الفقه الأكبر المنسوب للشافعي “،، الحد لا يجوز على الله تعالى، ومعنى الحد: هو طرف الشيء ونهايته، والدليل عليه، هو أن من لا يكون محدود البداية، لا يكون محدود الذات، ومعناه من لا يكون لوجوده ابتداء لا يكون لذاته انتهاء، ولأن ما كان محدودا متناهيا، صح أن يتوهم فيه الزيادة والنقصان، وأن يوجد مثله، فكان لاختصاصه نوع من النهاية، والتحديد الذي يصح أن يكون أكبر منه،أو أصغر، يقتضي أن يكون له مخصص يخصصه على حد ونهاية، وخلقه على قدر، وذلك دلالة الحدوث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا “. ([253]) .
(5) الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ونفي الحد والنهاية عن الله تعالى: جاء في اعتقاد الإمام المبجل ابن حنبل (وسئل قبل موته بيوم عن احاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منه شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) أهـ، ([254])
(6) تنزيه الإمام القرشي البكري ابن الجوزي لله تعالى عن الحد: جاء في الباز الأشهب [ص100-102]: (وقوله: حجابه النور، ينبغي أن يعلم أن هذا الحجاب للخلق عنه، لأنه لا يجوز أن يكون محجوبا لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره، ويستحيل أن يكون جسما أو جوهرا أو متناهيا محاذيا إذ جميع ذلك من إمارات الحدث، وإنما عرف الناس حدوث الأجسام من حيث وجودها متناهية محدودة محـلا للحوادث، وكما أنه لا يجوز أن يكون لوجوده ابتداء ولا انتهاء لا يصح أن يكون لذاته انتهاء، وإنمـا المراد: أن الخلق محجوبون عنه كما قال سبحانه وتعالي: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }، أهـ، ([255]) .
(7) جاء في شرح النووي على صحيح مسلم [ج: 7 ص: 80]: (يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار ضبطوا سحاء بوجهين أحدهما سحاء بالتنوين على المصدر وهذا هو الأصح الأشهر والثاني حكاه القاضي سحاء بالمد على الوصف ووزنه فعلاء صفة لليد والسيح الصب الدائم والليل والنهار في هذه الرواية منصوبان على الظرف ومعنى لا يغيضها شيء أي لا ينقصها يقال غاض الماء وغاضه الله لازم ومتعد قالا القاضي قال الامام المازري هذا مما يتأول لان اليمين اذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها البارى سبحانه وتعالى لأنها تتضمن اثبات الشمال وهذا يتضمن التحديد ويتقدس الله سبحانه عن التجسيم والحد وانما خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يفهمونه وأراد الاخبار بأن الله تعالى لا ينقصه الانفاق ولا يمسك خشية الاملاق جل الله عن ذلك وعبر صلى الله عليه وسلم عن توالى النعم بسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه،، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية وبيده الأخرى القبض فمعناه أنه وان كانت قدرته سبحانه وتعالى واحدة فانه يفعل بها المختلفات ولما كان ذلك فينا لا يمكن الا بيدين عبر عن قدرته على التصرف في ذلك باليدين ليفهمهم المعنى المراد بما اعتادوه من الخطاب على سبيل المجاز، وقال ابن فورك: اعلم أن كل ما ذكر فيه الحجاب من أمثال هذا الخبر وإنما يرجع معناه إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه بحجاب يخلقه فيهم، لا يجوز أن يكون الله عز وجل محتجبا ولا محجوبا لاستحالة كونه جوهرا أوجسما محددا، لأن ما يستره الحجاب أكبر منه، ويكون متناهيا محاذيا جائزا عليه المماسة والمفارقة، وما كان كذلك كانت علامات الحدث منه قائمة، وذلك أن الموحدين إنما توصلوا إلى العلم بحدث الأجسام من حيث وجدوها متناهية محدودة محلا لحوادث فكان تعاقبها عليها دليلا على حدثها،الخ مشكل الحديث وبيانه) أهـ،([256]) .
(8) جاء في كتاب التبصير في الدين: (وأن تعلم أن الحركة والسكون والذهاب والمجيء والكون في المكان والاجتماع والافتراق والقرب والبعد من طريق المسافة والاتصال والانفصال والحجم والجرم والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لأن جميعها يوجب الحد والنهاية وقد دللنا على استحالة ذلك على الباري سبحانه وتعالى وأصل هذا في كتاب الله تعالى وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما رأى هذه العلامات على الكواكب والشمس والقمر قال لا أحب الآفلين فبين أن ما جاز عليه تلك الصفات لا يكون خالقا) أهـ([257]) .
(9) وقال الامام السيوطي في الديباج: (قال المازري وهذا مما يتأول لأن اليمين إذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها الباري سبحانه لأنه مقدس عن التجسيم والحد وإنما خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يفهمونه وأراد الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى لا ينقصه الإنفاق ولا يمسك خشية الإملاق وعبر عن توالي النعم وسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه قلت وهذا يسمى في فن البيان بالاستعارة التمثيلية) أهـ ([258]) .
(10) وجاء في رسالة رد المنع من تنزيه الله عن الحد، بقلم: خادم الشريعة الشيخ صالح بن محمد الأسمري]: (الحمد لله المنزّه عن الجسم والحد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله الأمجد، وعلى مَن بشرعه تعبّد، أما بعد: تقرير تنزيه الله عن الحد ونفي كونه محدودا سبحانه في محاضراتي المعنون لها ب: (ما لا يسع جهله في الاعتقاد)، فاعترض بعض: بأن مفهوم ذلك أن الله ليس منفصلا عن الخلق، لأن لفظ (الحد)، من الألفاظ المجملة التي بحاجة للتفصيل، فهي من الألفاظ الحادثة التي قال عنها عثمان الدارمي في: “النقض”وادعى المعارض: أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية، وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين ” انتهى المراد، ويدفع الإعتراض: بأن الحد هو نهاية الشيء وغايته كما في: “القاموس” وغيره، وهذا من خصائص الأجسام والله منزه أن يكون جسما سبحانه، ([259]) .
ومن الأدلة النقلية على ذلك قوله تعالى: “ليس كمثله شيء ” قال العلامة ابن عاشور رحمه الله تعالى في: ” التحرير والتنوير” “الآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مماثلا لله تعالى في صفات ذاته، لأن ذاته تعالى لا يماثلها ذوات المخلوقين، ويلزم من ذلك أن كل ماثبت للمخلوقين في محسوس ذواتهم فهو منتف عن الله تعالى” انتهى المراد، ثم قد ورد نفي الحد عن الله في أقوال الأئمة، ([260]) .
ومنها قول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه – كما في: “حلية الأولياء” ” من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود”،([261]) . وقال التابعي زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم -كما في “إتحاف السادة المتقين” -: “أنت الله الذي لا تحد فتكون محدودا”، ([262]) .
وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه-كما في: “الفقه الأكبر”( بشرح القاري)، -“وهو-أي: الله-شيء لا كالأشياء، ومعنى الشيء: إثباته بلا جسم ولا جوهر ولا عرض، ولا حد له ولا ضد، ولا ند له” انتهى المراد،([263]) . وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه -كما في: “الفقه الأكبر” -: “واعلموا أن الحد والنهاية لا يجوز على الله تعالى” انتهى،([264]) .
وقال الإمام أحمد رضي الله عنه-كما في: ” اعتقاد الإمام أحمد” للتميمي رحمه الله تعالى : من “طبقات الحنابلة”- “ولا تلحقه-سبحانه- الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش” انتهى،([265]) .
وهذا الإمام الطحاوي رحمه اله تعالى ينزه الله عن الحدود في عقيدته المتفق عليه عند أهل السنة، حيث يقول: “وتعالى – سبحانه – عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ” انتهى،([266]) .
قال السبكي رحمه الله تعالى في: ” معيد النعم ” عنها: ” عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول ” انتهى([267]) . وعليه: غلَّط الأئمة من يثبت الحد والنهاية لله سبحانه، ومنهم الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ” حيث قال: ” قال ابن الزاغوني: (ولا بد أن تكون لذاته نهاية وغاية يعلمها)، قلت: وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده وأقر بأنه جسم وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه، قلت: وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق وما يستحيل عليه فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحاذي ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذى أو أصغر أو مثله وان هذا ومثله إنما يكون في الأجسام وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة فإذا أجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه وإن منعوا جواز هذا عليه لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر ومتى قدرناه مستغنيا عن المحل والحيز ومحتاجا إلى الحيز ثم قلنا إما أن يكونا متجاورين أو متباينين كان ذلك محالا، فإن التجاور والتباين من لوازم التحيز في المتحيزات وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز لأنه إن كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه أو متحركا عنه ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع و لا افتراق وما جاور أو باين فقد تناهى ذاتا والمتناهي إذا خص بمقدار استدعى مخصصا وكذا ينبغي أن يقال ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته فثبت انفصاله عنها، قلنا ذاته تعالى لا تقبل أن يخلق فيها شيء ولا أن يحل فيها شيء والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب على الجواهر ومعنى الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد وكلام هؤلاء كله مبني على الحس وقد حملهم الحس على التشبيه والتخليط ” أهـ،([268]) .
[تنبيه]: روى الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في: ” الأسماء والصفات ” أنه قال: ” الله على العرش وليس في كل مكان، فقيل له بحد؟ قال: بحد ” انتهى،([269]) . فالمراد ب(الحد)، هنا الدليل السمعي، كما قال البيهقي رحمه الله تعالى، (فائدة): قال الحافظ التاج السبكي رحمه الله تعالى في: ” طبقات الشافعية ” (،، فاعلم أن أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهَروي، الذي تُسمِّيه المجسِّمةُ: شيخَ الإسلام، قال: سألتُ يحيى بن عَمَّار عن ابن حِبّان، قلتُ: رأيتَه؟ قال: كيف لم أره؟! ونحن أخرجناه من سِجِسْتان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبيرُ دين، قَدِم علينا، فأنكر الحدَّ لله ! فأخرجناه مِن سجستان) ([270]) .
، وعلق الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في: ” ميزان الإعتدال ” (ترجمة: ابن حبان)، على قول يحيى بن عمار “،، نحن أخرجناه من سِجستان لأنه أنكر الحدَّ لله ” ما نصه: ” قلتُ: إنكارُه الحَدَّ، وإثباتُكم للحَدِّ نوع من فضول الكلام، والسكوتُ عن الطَّرفين أَولى، إذ لم يأت نَصٌّ بنَفْي ذلك ولا إثباته، واللهُ تعالى ليس كمثله شيء، فمن أَثْبَتَه قال له خصمهُ: جعلتَ للهِ حدَّاً برأيك، ولا نصَّ معك بالحد، والمحدودُ مخلوقٌ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقال هو – أي مُثبِتُ الحد لله تعالى – للنافي: ساويتَ ربّكَ بالشيءِ المعدوم، إذ المعدومُ لا حَدّ له، فمن نزّه الله وسكَتَ سَلِمَ وتابَعَ السلف “،([271]) .
وتعقَّب الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في ” لسان الميزان ” (5: 144)، الذهبي فقال: ” وقوله -أي الذهبي-: (قال هو للنافي: ساويتَ ربّك بالشيء المعدوم، إذ المعدومُ لا حدَّ له)، نازِلٌ، فإنَّا لا نُسلِّم أن القول بعدم الحدِّ يُفضي إلى مساواتِهِ بالمعدوم، بعد تحقُّق وجوده، والحقُّ أن الحقَّ مع ابن حبان “، انتهى،([272]) .
[وصل]: الله منزه عن الجسمية ولوازمها كالقول إن لله جسما أو مكانا يحويه، ودلائل ذلك قطعية، يقول العلامة البيضاوي رحمه الله تعالى -كما في: ” فتح الباري “، -: ” ثبت بالقواطع-أي: البراهين القطعية- أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز ” انتهى المراد،([273]) . وإجماع أهل السنة والجماعة على ذلك، يقول أبو منصور البغدادي رحمه الله تعالى في: ” الفرق بين الفرق ” ” وأجمعوا – يعني: أهل السنة – على أن الله لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان ” انتهى، ثم إن أقوال السلف الصالح والأئمة في تقرير ذلك كثيرة، ومنها: قول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه -كما ” الفرق بين الفرق ” ” كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما- عليه- كان- أي بلا مكان- ” انتهى،([274]) .وقول زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم-كما في: ” إتحاف السادة المتقين ” -: ” أنت الله الذي لا يحويك مكان ” انتهى، وقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه -كما في: ” إتحاف السادة المتقين ” -: ” أنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته ” انتهى،([275]) .
وقول الحافظ ابن حبان رحمه الله تعالى في: ” الثقات ” ” الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان ولا يشتمل عليه تواتر الزمان ” انتهى([276]) .
وقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى-كما في: ” طبقات الشافعية الكبرى “” ليس الله بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شىءٌ، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان ” انتهى، ([277]) . وقول الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في: ” صيد الخاطر ” ،: ” الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ” انتهى المراد،([278]) . وقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى -كما في: ” المقاصد الحسنة ” : ” الله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ” انتهى،([279]) . ولا يتوهم من نفي التجسيم ولوازمه رد الأخبار الثابتة، لكون المتبادر للذهن الجسمية، كقول الله سبحانه: (ثم استوى على العرش)،، بل يقال فيها نحو ما قرره الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في: ” التفسير ” بقوله: ” وأما قوله تعالى: (ثم استوى على العرش)، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى ونفى عن الله النقائص فقد سلك سبيل الهدى ” ([280]) .
(انتهى من رد المنع من تنزيه الله عن الحد، للشيخ صالح بن محمد الأسمري)
[2] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن المكان والزمان
[المفتاح الاول]: مدخل إلى تنزيه ذات الله تعالى عن المكان والزمان: (المكان): عند أهل اللغة بالعربية هو الموضع الحاوي للشيء، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم، وهو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم،، ومن الحركة الحادثة في المكان يحدث الزمان، والله تعالى خالق كل شيء، وهو سبحانه الغني الحميد، غني عن خلقه، غير محتاج إليهم، ومن خلقه المكان والزمان، كان سبحانه قبل خلق المكان، ثم خلق المكان، ثم خلق من مخلوقاته ما تحرك في المكان فنشأ بذلك الزمان، إذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، والزمان متعلق بالحركة والسكون لأنها لبنات الزمان ووحداته التي تقدره والله تعالى منزه عن الحدث والتغير وعن الحركة والسكون فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون، وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره، ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما خالق المكان والزمان، فهو المنزه عن المكان والزمان، وهو الذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير، والحاصل عند أهل الأصول: أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء، أمّا الحشوي الذي لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا.
[المفتاح الثاني]: الأدلة على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان، أدلة تفوق الشمس في ظهورها، ولكن لا يبصرها إلا أهل العلم بالله تعالى المقدسين له، ومن تلك الأدلة ما يلي:
(أ) الله تعالى خالق كل شيء، وكل ما في الوجود خلقه، ولهذا تكرر في القرآن الكريم ذكر تلك الحقيقة، كما في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 16]، وعلى ذلك فكل ما في الوجود خلق الله تعالى ومن ذلك الليل والنهار والظلمات والنور والمكان والزمان، والعرش والكرسي والسموات والأرض كل ذلك من خلق الله تعالى، ولا ينكر ذلك مسلم موحد لله تعالى، والله تعالى هو الأول بلا ابتداء الآخر بلا انتهاء الظاهر ليس فوقه شيء الباطن ليس دونه شيء.
(ب) مع تدبر قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3 }، مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمالٌ فوق الوجود الزماني لأنه موجود قبل بدء الزمان (أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء)، فوجوده سبحانه قبل الزمان، إذ هو خالق الزمان، كما أنه سبحانه موجود بعد فناء الزمان لأن الزمان مخلوق فانٍ (وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء)،، إذ هو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء،، فلا يجري عليه زمان، والزمان لا ينتهي بدليل أن أهل الجنة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها فالزمان وإن لم يكن أزليا (أي له بداية) فهو أبدي (أي لا نهاية له) فلا يصح أن يقال هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر بعد كل شيء على سبيل المحسوس لأن الزمان لا حد لنهايته فلا مخرج لفهم الآية فهماً صحيحاً إلا قولنا هو أنّ (الأول والآخر) دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان لأنه خالق الزمان وهذا ما أجمع عليه أهل الأصول من هذه الأمة، وكذلك فإن له كمال الوجود الأعلى من المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، فوجوده قبل المكان، إذ هو خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
(ت) الله تعالى هو الواحد القهار، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر: 4]، سبحانه هو الواحد القهار قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته، حدّ لهم الحدود وقدّر لهم المقادير، وقهرها جميعها بالحد والمقدار، فما من مخلوق إلاّ وله حد ومقدار، وكل مخلوق – مهما كبر حجمه وعظم مقداره – محدود متناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، والدليل على ذلك: قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديراً }، وقوله تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا }، وقوله تعالى: {وكل شيء عنده بمقدار }، ومعنى هذه الآيات أن الله عز وجل خص كل مخلوق (بحد ومقدار) لا يجاوزهما ولا يقصر عنهما، والحد والمقدار سمتان من سمات المخلوق وبيان أن هناك خالق مقدِر خصصه على هذا الحد وهذا المقدار، فكل موجود له حد ونهاية يكون الحد والنهاية دليل على أنه مخلوق حادث، وأن موجده ومخصصه على هذه الحال هو الله تعالى، أَمّا الله تعالى فهو الواحد القهار، فإنه لما كان قاهراً لجميع مخلوقاته، لم تتحكّم فيه الحدود لأنّ الحدود من خلقه، وهو خالق الحدود والمقادير، وإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّ شيء، فليس بمحدود في شيء، منزه عن المقدار، لأنه سبحانه الواحد القهار لا يشوبه نقص، ولا يحده حد، ولا يقدره مقدار، كيف وهو الذي خلق الحدود والمقادير وهو الواحد القهار، والله سبحانه هو الذي قهر الوجود بما فيه من مخلوقاته بأن خلق لهم المكان يحيط بهم من كل جانب، فلا يستطيعون الفكاك منه وهم مقهورون به فلا يكونون إلا في مكان، وخلق لهم الزمان لتجري عليهم قوانينه، فلا يستطيعون الحياة إلا بقوانين الزمان، أما الله تعالى خالق الزمان والمكان، وهو القاهر والقهار فوق جميع خلقه، فهو القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، ولو حواه المكان لكان المكان له قاهراً، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه القاهر فوق المكان والمحيط بكل شيء ومنه المكان، وهو سبحانه القاهر على الزمان، فلا يجري عليه زمان، ولو جرى عليه الزمان لكان الزمان له قاهرا، وعليه حاكما، ولكنه سبحانه خالق المكان والزمان، وقاهر المكان الزمان، فلا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، تنزه عن الكون في مكان فلا يحيط به مكان، كيف يحيط به المكان سبحانه وهو القائل: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وهو سبحانه القائل: {أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، [تنبيه]: احاطة الله تعالى منزهة عمّا نتصوره في أذهاننا من احاطة الجسم بالجسم لأنه تعالى المنزه عن الجسمية وكل لوازم الجسمية من الحد والمقدار والكتلة والطول والعرض والعمق، وعقول العباد قاصرة عن تصور مدى التقديس والتنزيه في حق الله تعالى، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }-، كما أنه سبحانه تنزه عن أن يجري عليه زمان، وتحكمه قوانين الزمان، فالماضي والحاضر والمستقبل كله منكشف على علمه وسمعه وبصره لا يغيب عنه شيء، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما وما قدرناه سبحانه حق قدره وهو الواحد القهار، ولو كان الزمان يحكمه سبحانه، لكان مثل مخلوقاته تجري عليهم قوانين الزمان، جل عن ذلك وتعالى علواً كبيرا.
(ث) والله تعالى هو الغني الحميد: قال تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج: 64]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]، دلت الآية على كونه تعالى غني حميد، له كمال الغنى، وله كمال الحمد، ومن كمال غناه استغناؤه عن كافة خلقه، ولو كان محتاجا للمكان لما كان له كمال الغنى، سبحانه هو الغني الحميد.
(ج) والله تعالى هو العلي الكبير، وهو الكبير المتعال، قال تعالى: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر: 12]، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9]، وهو سبحانه أكبر من كل تصور، ومتعال على كل تصور: ولقد آتى الله تعالى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حجته في حوار المشركين، واوضح لنا درراً من فقه اثبات التوحيد ووحدانية الله تعالى، لقد استدل على اختيار الرب بأنه الاكبر المنزه عن التغير والافول، قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)} [الانعام: 78]، فاستدل أولا على أن الشمس أكبر من القمر والكواكب، فهي أحق بالربوبية، ولكن شرط الإله أن يكون كذلك منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، فلم تكن الشمس تصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، ومنه نعلم أن من أخص صفات الإله الحق أن يكون أكبر من كل شيء، وأكبر من كل تصور، ومنه نستفيد تنزيه الله تعالى عن الحدود والمقادير لأنه أكبر من كل حد وأكبر من كل مقدار، ونعلم أنه سبحانه أكبر من المكان، إذ المكان مهما اتسع محدود لأنّه مخلوق، والله تعالى هو الخالق الذي لا حد له، والكبير الذي لا ند له، ومنه نعلم الخطأ الجسيم الذي وقع فيه من ظن أن العرش هو مكان الرحمن، وأنّه اكبر من الرحمن، سبحانه وتعالى عما يدور بأوهامهم، فالعرش مهما كان عظيما فهو محدود، والله تعالى هو الذي حد حدود العرش، وحد كافة الحدود فلا تجري عليه الحدود، والعرش مهما كان عظيماً، فإن له مقدار، والله تعالى هو الذي قدره بالمقدار، ومنه نعلم الفائدة في قول المسلم عند كل صلاة (الله أكبر) أي أكبر من كل تصور أو خيال، لأن الله تعالى له الكمال الذي لا نهاية له، وهو الكبير الذي لا نهاية لعظمته، تعالى عن صفات الاجسام، فليس كبره امتداد في الآفاق، ولا كبره بالحجم والطول والعرض، تعالى عن ذلك علواً كبيرا، بل هو المتعالي على صفات الأجسام، ولهذا قرن القرآن الكبير اسمه تعالى [الكبير] باسمه تعالى [العلي]، واسمه تعالى [المتعال] لأنه في كبره متعالٍ عن صفات الأجسام؟، عالٍ عن كل تصور لا يليق بالكبير المتعال، تعالى العلي الكبير المتعال عن كل حد ومقدار، وعن أن يقهره زمان أو ان يحيط به مكان، والله أكبر من أن نتصور له حد أو مقدار أو زمان او مكان، تنزه عن كل ما يخطر بالبال، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلاف ذلك.
(ح) قوله تعالى {قل لمن ما في السماوات والأرض * قل لله} مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والزمان.
(خ) من الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن المكان والزمان أن المكان يحيط بالكون من كل جانب والله تعالى بكل شيء محيط وأن المكان أكبر من المتمكن فيه والله اكبر من كل كبير وأن المكان أعلاه الظاهر وأدناه الباطن أما الله تعالى فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء وليس شيء من خلقه أقرب إليه بالمسافة من شيء فهو من كل شيء قريب وهو بكل شيء محيط وهو على كل شيء قدير سبحانه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا.
(د) ومن الدلائل الواضحة على تنزه الله تعالى عن الوجود في جهة معينة من جهات الكون: أن جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة (بضم الميم وفتح الراء مع تشديدها) والله تعالى خالق مقدِر (بضم الميم وكسر الراء مع تشديدها) تنزه سبحانه عن الحيز والحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لأن ما له حد ينتهي إليه يجوز تصور الأكبر منه والله تعالى أكبر من كل شيء وهو الكبير المتعال له الكمال المطلق الذي ليس بعده كمال، وحاصل الأمر أن الله تعالى لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول ” تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ” أهــ،
(ذ) إنّ عدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يستلزم ذلك احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، وعدم تنزيه الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، ولكنّه تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان.
(ز) قوله تعالى (الله الصمد) فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس في مكان، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن المكان، أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والمكان لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق،
(س) قوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان في مكان لكان محتاجا إلى ذلك المكان وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق.
(ش) قوله تعالى (لا إله إلا هو الحى القيوم) والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان في مكان لكان هو مفتقراً الى ذلك المكان فلن يكن قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى (هل تعلم له سمياً) قال ابن عباس رضى الله عنه هل تعلم له مثلاً ولو كان متحيزاً في مكان لكان كل واحد من الأجسام مثلاً له في احتياجه إلى المكان وغيره،
(ص) ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، كما أنّ الزمان متعلق بالتغير والحدوث والحركة والسكون والله تعالى منزه عن ذلك كله فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
(ض) قد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير، والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء.
(ظ) الله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) أخرجه البخاري.
(ع) الجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا، [تنبيه]: تنزيه الخالق سبحانه عن المكان ليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، والإحاطة في قوله تعالى {والله بكل شيء محيط}ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، ولا نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
[المفتاح الثالث]: ومن أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن المكان: جاء في كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان الشيخ خليل دريان الأزهري:
ذِكْر بعض النُقول من المذاهب الأربعة وغيرها على أن الله موجودٌ بلا مكان ولا جهة:
(1) قال الصحابي الجليل والخليفة الراشد سيدنا عليٌّ رضي الله عنه (40هـ) ما نصه (الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ” كان – الله – ولا مكان، وهو الآن على ما – عليه – كان ” أهــ، أي بلا مكان، وقال أيضًا (الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ” إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته ” أهــ،([281]) . وقال أيضًا (حلية الأولياء: ترجمة علي بن أبي طالب): ” من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود ” أهــ، ([282]) . (المحدود: هو ما كان له حجم صغيرًا أو كبيرًا)،
(2) وقال التابعي الجليل الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم (94هـ) ما نصه (إتحاف السادة المتقين): ” أنت الله الذي لا يَحويك مكان ” أهــ، وقال أيضًا (إتحاف السادة المتقين): ” أنت الله الذي لا تُحَدُّ فتكونَ محدودًا ” أهــ، ([283]) .
(3) وقال الإمام جعفر الصادق* بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين رضوان الله عليهم (148هـ) ما نصه: ” من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، أو على شيء فقد أشرك، إذ لو كان على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصورًا، ولو كان من شيء لكان محدَثًا – أي مخلوقًا ـ ” أهــ،
(4) وقال الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه (150هـ) أحد مشاهير علماء السلف إمام المذهب الحنفي ما نصه (ذكره في الفقه الأكبر، انظر شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري): ” والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كميّة، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة ” أهــ،([284]) . وقال أيضًا في كتابه الوصية (ص4 ونقله ملا علي القاريّ في شرح الفقه الأكبر): ” ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهةٍ حقٌّ ” أهــ،([285]) .
وقال أيضًا (الفقه الأبسط ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ونقل ذلكَ أيضًا المحدّث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي في كتابه الدليل القويم ص 54): ” قلتُ: أرأيتَ لو قيل أين الله تعالى؟ فقال – أي أبو حنيفة -: يقال له كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خَلْق ولا شيء، وهو خالق كل شيء ” أهــ، ([286]) .
(5) وقال الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه إمام المذهب الشافعي (204هـ) ما نصه (إتحاف السادة المتقين) : ” أنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته ” أهــ، ([287]) .
(6) وأما الإمام المجتهد الجليل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (241هـ) رضي الله عنه إمام المذهب الحنبلي وأحد الأئمة الأربعة، فقد ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي أنه كان من المنزهين لله تعالى عن الجهة والجسمية، ثم قال ابن حجر ما نصه (الفتاوى الحديثية): ” وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبُهتان وافتراء عليه ” أهــ، ([288]) .
(7) وقال الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي الحنفي* (321هـ) في رسالته ” العقيدة الطحاوية ” ما نصه: ” وتعالى – أي الله – عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدواتِ، لا تحويه الجهات السِتُّ كسائر المبتدعات ” أهــ، *([289]) .
الطحاوي هو من علماء السلف، قال في أو رسالته: ” هذا ذِكر بيان عقيدة أهل السنّة والجماعة ” أي أن هذه عقيدة السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في تنزيه الله عن المكان والجهة والجسميّة، وكلام الطحاوي في غاية الأهميّة فهو من علماء الحديث ومن علماء الفقه وهو حنفيّ أيضًا، وهذه العقيدة تُدرّس في أنحاء الأرض في المعاهد والجامعات الإسلامية.
(8) وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري (324هـ) رضي الله عنه ما نصه (تبيين كذب المفتري): ” كان الله ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتجْ إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه ” أهــ([290]) . أي بلا مكان ومن غير احتياج إلى العرش والكرسي، نقل ذلك عنه الحافظ ابن عساكر نقلاً عن القاضي أبي المعالي الجويني، وقال أيضًا ما نصه (انظر رسالته: استحسان الخوض في علم الكلام): ” فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجودٌ في القرءان وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم صلواتُ الله عليه وسلامُه – {فلمَّا أفلَ قال لا أحبّ الآفلين} [سورة الأنعام: 76] – في قِصّةِ أفولِ الكوكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دَلَّ على أن ربَّه عز وجل لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفولُ والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله ” أهــ، ([291]) .
(9) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتُريدي (333هـ) رضي الله عنه ما نصه: (كتاب التوحيد) ” إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جلَّ عن التغيّر والزوال والاستحالة ” أهــ، يعني بالاستحالة التحوّل والتطور والتغير من حال إلى حال وهذا منفيٌّ عن الله ومستحيل عليه سبحانه وتعالى، والإمام محمد بن محمد الشهير بأبي منصور الماتريدي إمام جليلٌ من أئمة السلف الصالح مناضل عن الدين موضح لعقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية من القرءان والحديث وأدلة عقلية مع ردّ شبه المعتزلة وذوي البدع في مناظراتهم وخصَمهم في محاوراتهم حتى أسكتهم، ومجاهدٌ في نصرة السنة وإحياء الشريعة حتى لقب بإمام أهل السنة، وقال في كتابه ” التوحيد ” في إثبات رؤية المؤمنين لله في الآخرة ما نصه ” فإن قيل: كيف يُرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يُرى بلا وصف قيامٍ وقعودٍ واتكاءٍ وتعلق، واتصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة، وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك ” أهــ، وقال أيضًا ” وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يتعبَّد عبادَهُ بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظَنّ من يَظنّ أنّ رَفْع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجهًا في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج، جلّ الله عن ذلك “، انتهى باختصار، ([292]) .
(10) وقال الحافظ محمد بن حبان (453هـ) صاحب الصحيح المشهور بصحيح ابن حبان ما نصه (الثقات): ” الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان ” أهــ،([293]) .
وقال أيضًا ما نصه (صحيح ابن حبان، انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان): ” كان – الله – ولا زمان ولا مكان ” أهــ،([294]) . وقال أيضًا (صحيح ابن حبان، انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان): ” كذلك ينزل – يعني الله – بلا ءالة ولا تحرك ولا انتقال من مكان إلى مكان ” أهــ، ([295]) .
(11) وقال أبو القاسم القشيري ما نصه (الرسالة القشيرية): ” سمعت الإمام أبا بكر ابن فورك رحمه الله تعالى يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئًا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة إني أسلمت الآن إسلامًا جديدًا ” أهــ،([296]) .
(12) وقال الشيخ أبو بكر محمد بن إسحق الكلاباذي الحنفي (380هـ) في بيان عقيدة الصوفية ما نصه (التعرف لمذهب أهل التصوف): ” اجتمعت الصوفية على أن الله لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ” أهــ، ([297]) .
(13) وقال الشيخ أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (883هـ) صاحب ” معالم السنن ” ما نصه (أعلام الحديث، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ }: ” وليس معنى قول المسلمين إن الله على العرش هو أنه تعالى مماس له أو متمكِّن فيه أو متحيّز في جهة من جهاته، لكنه بائن من جميع خلقه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف إذ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}” أهــ، ([298]) .
(14) وقال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الشافعي (403هـ) ما نصه: (المنهاج في شعب الإيمان) ” وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه – تعالى – ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قومًا زاغوا عن الحق فوصفوا البارىء جل ثناؤه ببعض صفات المحدَثين، فمنهم من قال: أنه جوهر، ومنهم من قال: أنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك “، فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه، لأنه لو كان جوهرًا أو عرضًا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرًا ولا عرضًا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتآلف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء ” أهــ، ([299]) .
(15) وقال القاضي أبو بكر محمد الباقلاني المالكي الأشعري (403هـ) ما نصه (الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به): ” ولا نقول إن العرش له – أي لله – قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغيّر عما كان ” أهــ،([300]) .
وقال أيضًا ما نصه (الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به): ” ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود، لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى: 11]، وقوله:{ولم يكُن له كفوًا أحد} [سورة الإخلاص: 4] ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك ” أهــ، ([301]) .
(16) وقال الحافظ المؤرخ ابن عساكر نقلاً عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني: ” وكان أبو الحسن التميمي الحنبلي يقول لأصحابه: تمسكوا بهذا الرجل – أي بالباقلاني – فليس للسنة عنه غنى أبدًا، قال: وسمعت الشيخ أبا الفضل التميمي الحنبلي رحمه الله وهو عبد الواحد بن أبي الحسن بن عبد العزيز بن الحارث يقول: اجتمع رأسي ورأس القاضي أبي بكر محمد ابن الطيب – يعني الباقلاني – على مخدة واحدة سبع سنين، قال الشيخ أبو عبد الله: وحضر الشيخ أبو الفضل التميمي يوم وفاته العزاء حافيًا مع إخوته وأصحابه وأمر أن ينادى بين يدي جنازته: ” هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردًّا على الملحدين “، وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة أيام فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار ” أهــ،([302]) .
(17) وذكر الشيخ أبو الطيب سهل بن محمد الشافعي مفتي نيسابور (404هـ) ما نقله عنه الحافظ البيهقي: ” سمعتُ الشيخ أبا الطيب الصُّعلُوكي يقول: ” تُضامّون ” بضم أوله وتشديد الميم يريد لا تجتمعون لرؤيته – تعالى – في جهة ولا ينضم بعضكم إلى بعض فإنه لا يُرى في جهة ” أهــ، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (فتح الباري 11: 447)، ([303]) .
(18) وقال أبو بكر محمد بن الحسن المعروف بابن فورك الأشعري (406هـ) ما نصه (مشكل الحديث ص57): ” لا يجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه محدودًا ومتناهيًا وذلك لاستحالة كونه مُحْدَثا ” أهــ،([304]) . وقال أيضًا ما نصه ” واعلم أنّا إذا قلنا إن الله عزّ وجل فوق ما خلق لم يُرْجَع به إلى فوقية المكان والارتفاع على الأمكنة بالمسافة والإشراف عليها بالمماسة لشيء منها ” أهــ([305]) .
(19) وقال الشيخ الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني (429هـ) ما نصه : ” وأجمعوا – أي أهل السنة – على أنه – أي الله – لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ” أهــ،([306]) . وقال أيضًا ما نصه ” لو كان الإله مقدَّرًا بحدّ ونهاية لم يخل من أن يكون مقداره مثل أقل المقادير فيكون كالجزء الذي لا يتجزأ، أو يختص ببعض المقادير فيتعارض فيه المقادير فلا يكون بعضها أولى من بعض إلا بمخصص خصه ببعضها، وإذا بطل هذان الوجهان صح أنه بلا حد ولا نهاية ” أهــ ([307]) .
(20) وقال الشيخ علي بن خلف المشهور بابن بطال المالكي (449هـ) أحد شُرّاح صحيح البخاري ما نصه ” غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر، وقد تقرر أن الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان، وإنما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه – أي تعاليه – مع تنزيهه عن المكان ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه: ” لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان، لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسمًا أو حالاًّ في مكان ” أهــ،([308]) . وقد نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني مقرًّا وموافقًا له ([309]) . ، مما يدل على أن هذه هي عقيدة أهل الحديث أيضًا.
(21) وقال أبو محمد علي بن أحمد (ابن حزم) الأندلسي (456هـ) ما نصه ” وأنه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة، قال تعالى:{وخلقّ كلَّ شيء فقدّره تقديرًا} [سورة الفرقان: 2]، وقال تعالى:{خلق السموات والأرضَ وما بينهما} [سورة الفرقان: 59] والزمان والمكان هما مخلوقان، قد كان تعالى دونهما، والمكان إنما هو للأجسام ” أهــ،([310]) .
(22) وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي (458هـ) ما نصه : ” والذي روي في ءاخر هذا الحديث [أي حديث: ” والذي نفسُ محمد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله تبارك وتعالى ” وهو حديث ضعيف] إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة، الباطن فلا يصح إدراكه بالكون في مكان، واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء “، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان ” أهــ،([311]) .
وقال أيضًا ما نصه : ” أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه صحيحة وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: {وجآء ربّك والملَك صفًّا صفًّا} [سورة الفجر: 22] والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى بلا تشبيه، جل الله تعالى عما تقول المعطلة لصفاته والمشبهة بها علوًّا كبيرًا، قلت: وكان أبو سليمان الخطابي رحمه الله يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو تدلٍّ من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت وهذه صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه وإنما هو خبر عن قدرته،،، واستجابته دعاءهم ومغفرته لهم يفعل ما يشاء لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كميّة سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ” أهــ،([312]) .
وقال أيضًا ما نصه ” قال أبو سليمان الخطابي: وليس معنى قول المسلمين: إن الله استوى على العرش هو أنه مماس له أو متمكِّن فيه أو متحيّز في جهة من جهاته، لكنه بائن* من جميع خلقه، وإنما هو خبر جاء به التوقيف فقلنا به ونفينا عنه التكييف، إذ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ” أهــ، قال محقق الكتاب الإمام الكوثري : ” بمعنى أنه غير ممازج للخلق لا بمعنى أنه متباعد عن الخلق بالمسافة، تعالى الله عن القرب والبعدِ الحسيّين والبَيْنونة الحسيّة فليس في ذلكَ ما يطمع المجسمة في كلامه ” أهــ، ([313]) .
(23) وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري (465هـ) في رسالته المشهورة ب – ” الرسالة القشيرية ” عند ذكر عقيدة الصوفية ما نصه: ” وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب، قال شيوخ هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهم في التوحيد: إن الحق سبحانه وتعالى موجود قديم لا يشبهه شيء من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام، ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان ” انتهى باختصار، ([314]) .
(24) وقال الفقيه المتكلم أبو المظفر الإسفراييني الأشعري (471هـ) ما نصه : ” الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدَثًا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث ” أهــ، ([315]) .
(25) وقال الفقيه الإمام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي الأشعري (476هـ) في عقيدته ما نصه : ” وإن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، فدل على أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان وهو على ما عليه كان ” أهــ، ([316]) .
(26) وقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الأشعري (478هـ) ما نصه ” البارىء سبحانه وتعالى قائم بنفسه*، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يُقله ” أهــ، * اعلم أن معنى قيامه بنفسه هو استغناؤه عن كل ما سواه، فلا يحتاج إلى مخصّص له بالوجود، لأنّ الاحتياج إلى الغير ينافي قدِمه، وقد ثبتَ وجوب قدمه وبقائه،([317]) .
وقال أيضًا ما نصه ” مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات ” أهــ،([318]) .
وقال أيضًا ما نصه: ” واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، ويتنزه عن الاختصاص بجهة، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسّه، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جُملاً من فضائح مذهبهم فيما تقدم ” أهــ،([319]) .
(27) وقال الفقيه المتكلم أبو سعيد المتولي الشافعي الأشعري (478هـ) أحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي ما نصه: ” ثبت بالدليل أنه لا يجوز أن يوصف ذاته – تعالى – بالحوادث، ولأن الجوهر متحيز، والحق تعالى لا يجوز أن يكون متحيزًا ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه (الغنية ص73): ” والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافًا للكرامية والحشوية الذين قالوا: إن لله جهة فوق ” أهــ، ([320]) .
(28) وقال الإمام حجة الإسلام الغزالي (505هـ): في كتابه (إحياء علوم الدين، كتاب قواعد العقائد: ما نصه: ” الأصل السابع: العلم بأنّ الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خَلْق الإنسان إذ خَلَق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رِجْلاً، والآخر يقابله ويسمى رأسًا، فحدث اسم الفوق لما يَلي جهة الرأس واسم السُّفل لما يَلي جهة الرِّجْل، حتى إنّ النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتًا وإن كان في حقنا فوقًا، وخلَق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينًا والأخرى شمالاً، وخلَق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان ” ثم قال: ” فكيف كان في الأزل مختصًّا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصًّا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلَق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خَلَق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رِجْل والتحت عبارة عما يلي جهة الرِّجْل، وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصًّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العَرَض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرًا أو عَرَضًا فاستحال كونه مختصًّا بالجهة، وإن أريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطًا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيًا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّرٍ ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبِّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضًا إشارة إلى ما هو وصف للمدعوّ من الجلال والكبرياء تنبيهًا بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء ” أهــ، ([321]) .
(29) وقال لسان المتكلمين الشيخ أبو المعين ميمون بن محمد النسفي (508هـ) ما نصه: ” القول بالمكان – أي في حق الله – منافيًا للتوحيد ” أهــ، وقال أيضًا : ” إنا ثبّتنا بالآية المحكمة التي لا تحتمل التأويل، وبالدلائل العقلية التي لا احتمال فيها أنّ تمكّنه – سبحانه – في مكان مخصوص أو الأمكنة كلها محال ” أهــ،([322]) .
(30) وقال الإمام أبو القاسم سليمان (سلمان) بن ناصر الأنصاري النيسابوري (512هـ) شارح كتاب ” الإرشاد ” لإمام الحرمين بعد كلام في الاستدلال على نفي التحيّز في الجهة عن الله تعالى ما نصه ” ثم نقول سبيل التوصل إلى درك المعلومات الأدلة دون الأوهام، ورُب أمر يتوصل العقل إلى ثبوته مع تقاعد الوهم عنه، وكيف يدرك العقل موجودًا يحاذي العرش مع استحالة أن يكون مِثْل العرش في القدر أو دونه أو أكبر منه، وهذا حكم كل مختص بجهة ” أهــ، ([323]) .
(31) وقال أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي شيخ الحنابلة في زمانه (513هـ) ما نصه: ” تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة، هذا عين التجسيم، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها ” أهــ،
(32) وقال الشيخ أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم المعروف بابن القشيري (514هـ) الذي وصفه الحافظ عبد الرزاق الطبسي بإمام الأئمة كما نقل ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه ” تبيين كذب المفتري ” ما نصه : ” فالرب إذًا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة منزه عن الكون في المكان ” أهــ، ([324]) .
(33) وقال القاضي الشيخ أبو الوليد محمد بن أحمد قاضي الجماعة بقُرطُبَة المعروف بابن رُشْد الجَد المالكي (520هـ) ما نصه: ” ليس – الله – في مكان، فقد كان قبل أن يَخْلُق المكان ” أهــ،
ذكره ابن الحاج المالكي في كتابه ” المدخل ” ([325]) .
(34) وقال أبو الثناء محمود بن زيد اللاَّمشي الحنفي الماتريدي من علماء ما وراء النهر (كان حيًّا سنة 539هـ) ما نصه : ” ثم إن الصانع جل وعلا وعزَّ لا يوصف بالمكان لما مر أنه لا مشابهةَ بينه تعالى وبينَ شيء من أجزاء العالم، فلو كان متمكنًا بمكان لوقعت المشابهةُ بينه وبين المكان من حيث المقدار لأن المكان كل متمكن قدر ما يتمكن فيه، والمشابهة منتفية بين الله تعالى وبين شيء من أجزاء العالم لما ذكرنا من الدليل السمعي والعقلي، ولأن في القول بالمكان قولا بِقِدَمِ المكان أو بحدوث البارىء تعالى، وكل ذلك محالُ، لأنه لو كان لم يزل في المكان لكان المكان قديمًا أزليًّا، ولو كان ولا مكان ثم خلق المكان وتمكَّن فيه لتغير عن حاله ولحدثت فيه صفةُ التمكن بعد أن لم تكن، وقَبول الحوادث من أمارات الحَدَث، وهو على القدير محالٌ ” أهــ، ([326]) .
(35) وقال المحدّث أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد النسفي الحنفي (537هـ) صاحب العقيدة المشهورة ب – ” العقيدة النسفية ” ما نصه (العقيدة النسفية ” ضمن مجموع مهمات المتون “): ” والمُحدِثُ للعالَم هو الله تعالى، لا يوصف بالماهيَّة ولا بالكيفية ولا يَتمكَّن في مكان ” انتهى باختصار، وقال أيضًا ما نصه (المصدر السابق ص29): ” وقد وَرد الدليلُ السمعيُّ بإيجاب رؤية المؤمنين اللهَ تعالى في دار الآخرة، فيُرَى لا في مكان، ولا على جهة من مقابلة أو اتصال شُعاعٍ أو ثبوتِ مَسافةٍ بين الرائي وبين الله تعالى ” أهــ، ([327]) .
(36) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543هـ) ما نصه : ” البارىء تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه ” إن الله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيِّزًا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه : ” الله تعالى يتقدس عن أن يُحد بالجهات ” أهــ،([328]) .
وقال أيضًا ما نصه : ” وإنّ عِلْمَ الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارىء من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته ” أهــ، ([329]) .
(37) وقال القاضي عياض بن موسى المالكي (455هـ) ما نصه: ” اعلم أن ما وقع من إضافة الدُّنُوِّ والقُرْبِ هنا من الله أو إلى الله فليس بدنوِّ مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنوِّ حدٍّ، وإنما دنوّ النبي صلى الله عليه وسلم من ربّه وقربه منه إبانةُ عظيم منزلته وتشريفُ رُتبته ” أهــ،([330]) .
(38) وقال الشيخ محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الشافعي (548هـ) ما نصه: : ” فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئًا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [سورة الشورى: 11]، فليس البارىء سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان ” أهــ،([331]) .
(39) وقال الحافظ المؤرخ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشهير بابن عساكر الدمشقي (571هـ) في بيان عقيدته التي هي عقيدة أبي الحسن الأشعري نقلاً عن القاضي أبي المعالي بن عبد الملك ما نصه : ” قالت النجارية: إن البارىء سبحانه بكل مكان من غير حلول ولا جهة، وقالت الحشوية والمجسمة: أنه سبحانه حالّ في العرش وإن العرش مكان له وهو جالس عليه – وهي عقيدة ابن تيمية وأتباعه الوهابية – فسلك طريقة بينهما فقال: كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه ” أهــ، وقال أيضًا في تنزيه الله عن المكان والجهة ما نصه ” خَلَقَ السماء كما يشا * ء بلا دعائمَ مُسْتَقِلَّهْ، لا للتحيز كي تكو * نَ لذاته جهةً مُقِلَّهْ
ربٌّ على العرش استوى * قهرًا وينزلُ لا بنُقْلَهْ ” أهــ، ([332]) .
(40) وقال الشيخ إمام الصوفية العارف بالله السيد أحمد الرفاعي الشافعي الأشعري (578هـ) ما نصه : ” وطهِّروا عقائدكم من تفسير معنى الاستواء في حقه تعالى بالاستقرار، كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحلول، تعالى الله عن ذلك، وإياكم والقول بالفوقية والسُّفْلية والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالإتيان والانتقال، فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره على ما ذُكر فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه : ” وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: من قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض، فقد كفر، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانًا، ومن توهم أن للحق مكانًا فهو مشبه ” أهــ، ([333]) . وقال أيضًا ما نصه” غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان ” أهــ،([334]) .
وقال أيضًا ما نصه: ” وأنه – أي الله – لا يَحُلُّ في شيء ولا يَحُلُّ فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدَّس عن أن يحُدَّه زمان، بل كان قبلَ خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ، ([335]) . وقال أيضًا ما نصه : ” لا يحُدُّه – تعالى – المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات، وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءً منزَّهًا عن المماسة والاستقرار والتمكّن والتحوّل والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملتُه محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى ” أهــ، ([336]) .
(41) وقال الإمام الحافظ المفسّر عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي الحنبلي (597هـ) ما نصه : ” الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال ” أهــ([337])
، وقال أيضًا : ” فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل ” أهــ،([338]) .
وابن الجوزي من أساطين الحنابلة وصاحب كتاب ” دفع شبه التشبيه ” الذي رد فيه على المجسمة الذين ينسبون أنفسهم إلى مذهب الإمام أحمد والإمامُ أحمد بريء مما يعتقدون، وقد بيّن ابن الجوزي في هذا الكتاب أن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد تنزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية والقيام والجلوس والاستقرار وغيرها من صفات الحوادث والأجسام، ومما قاله في هذا الكتاب : ” كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه : ” فإن قيل: نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا: إن كان الموجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقتَ، فأما إذا لم يقبلهما فليس خُلُوه من طرق النقيض بمحال ” أهــ ([339]) .
(42) وقال الإمام المفسّر فخر الدين الرازي (606هـ) ما نصه ” واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله {ءأمنتم من في السماء}” أهــ، أي أن اعتقاد أن الله في مكان فوق العرش أو غير ذلك من الأماكن هو اعتقاد المشبهة الذين قاسوا الخالق على المخلوق وهو قياس فاسد منشؤه الجهل واتباع الوهم ” أهــ، وقال أيضًا: ” قوله تعالى: {وهو العلي العظيم}لا يجوز أن يكون المراد بكونه عليًّا العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضي كونه مؤَّلَّفًا من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله:{قل هو الله أحد}فوجب أن يكون المراد من العَلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدَثات، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال الإلهية ” أهــ،([340]) .
(43) وقال الشيخ أبو منصور فخر الدين عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن عساكر (620هـ) عن الله تعالى ما نصه : ” موجودٌ قبل الخَلْق، ليس له قَبْلٌ ولا بَعْدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خَلْفٌ، ولا كُلٌّ ولا بعضٌ، ولا يقال متى كان، ولا أين كان ولا كيف، كان ولا مكان، كوَّن الأكوان، ودبَّر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان ” أهــ،([341]) .
(44) وقال الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الشيباني الحنفي (629هـ) ما نصه ” مسألة: قال أهل الحق: إن الله تعالى متعالٍ عن المكان، غيرُ متمكِّنٍ في مكان، ولا متحيز إلى جهةٍ خلافًا للكرَّامية والمجسمة، والذي يدل عليه قوله تعالى:{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [سورة الشورى: 11] فالله سبحانه وتعالى نفى أن يكون له مثل من الأشياء، والمكان والمتمكن متساويان قدرًا متماثلاً لاستوائهما في العدد، فكان القول بالمكان والتمكن ردًّا لهذا النص المحكم الذي لا احتمال فيه، وردُّ مثله يكون كفرًا، ومن حيث المعقول: ان الله تعالى كان ولا مكان، لأن المكان حادث بالإجماع، فعُلِمَ يقينًا أنه لم يكن متمكنًا في الأزل في مكان، فلو صار متمكِّنًا بعد وجود المكان لصار متمكنًا بعد أن لم يكن متمكِّنًا، ولا شكَّ أن هذا المعنى حادثٌ وحدوث المعنى في الذات أمارة الحدث، وذات القديم يستحيل أن يكون محل الحوادث على ما مرَّ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ” أهــ، ([342]) .
(45) وقال الإمام المتكلم سيف الدين الآمدي (631هـ) ما نصه (” وما يروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان فهو محمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها والإيمان بتنزيلها وتلاوة كل ءاية على ما ذكرنا عنهم، وبيّن السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كل ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتفاقهم جميعًا في المعنى أنه تعالى ليس بمتمكن في مكان ولا متحيز بجهة، ومن اشتغل منهم بتأويل يليق بدلائل التوحيد قالوا في قوله:{وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [سورة الزخرف: 84] أراد به ثبوت الألوهية في السماء لا ثبوت ذاته، وكذي في هذا قوله:{وهو الله في السموات وفي الأرض} [سورة الأنعام: 3] أي ألوهيته فيهما لا ذاته، وكذي في [هذا] قوله:{ءأمنتم من في السماء} [سورة الملك: 16] ألوهيته إلا أن ألوهيته أضمرت بدلالة ما سيق من الآيات، وقوله:{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [سورة المجادلة: 7] أي يعلم ذلك ولا يخفى عليه شيء، وقوله:{ونحن أقربُ إليهِ من حبل الوريد} [سورة ق: 16] أي بالسلطان والقدرة، وكذي القول بأنه فوق كل شيء أي بالقهر على ما قال تعالى:{وهو القاهر فوق عباده} [سورة الأنعام: 18] وقالوا في قوله:{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [سورة فاطر: 10] إن الله تعالى جعل ديوان أعمال العباد في السماء والحفظة من الملائكة فيها فيكون ما رفع إلى هناك رفعًا إليه، وهذا كما في قوله: {ونحن أقربُ إليه منكم ولكن لا تبصرون} [سورة الواقعة: 85] وقوله:{وأنتم حينئذٍ تنظرون} [سورة الواقعة: 84] قالوا ملك الموت وأعوانهُ، والمجسمة لا يمكنهم أن يقولوا: أنه بالذات عند كل محتضر، ولا أن يقولوا: أنه بالذات في السماء لما يلزمهم القول بجعله تحت العرش وتحت عدد من السموات، فوقعوا بهواهم في مثل هذه المناقضات الفاحشة فيكون معنى قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب } [سورة فاطر: 10] كما في قوله تعالى خبرًا عن إبراهيم صلوات الله عليه:{وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [سورة الصافات: 99] أي إلى الموضع الذي أمرني ربي أن أذهب إليه، وقالوا في قوله:{إن الذين عند ربك} [سورة الأعراف: 206] يعني الملائكة، أنَّ المراد منه قرب المنزلة لا قُرْب المكان كما قال في موسى:{وكان عند الله وجيهًا} [سورة الأحزاب: 69] وقال تعالى:{واذكر عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} [سورة ص: 45]، قال المفسرون وأئمة الهدى: أي أولو القوة في الدين والبصارة في الأمر، ولم يفهم أحد من السلف والخلف منه الأيدي الجارحة مع كونهم موصوفين حقيقة بالأبصار الجارحة والأيدي الجارحة: فكيف فهمت المشبهة من قوله:{خلقت بيديّ} [سورة ص: 75] اليدين الجارحتين، ومن قوله:{ولتصنعَ على عيني} [سورة طه: 39] العين الجارحة، ومن الخبر المروي: ” إن الصدقة تقع في كف الرحمن ” ([343]) .
الكف الجارحة مع قوله تعالى:{ليس كمثله شيء} [سورة الشورى: 11] وقوله:{ولم يكن له كفوًا أحد} [سورة الإخلاص: 4] وقوله:{سبحان الله عما يصفون} [سورة المؤمنون: 91] وقوله:{إن الله لغنيّ عن العالمين} [سورة العنكبوت: 6]، فما فهموا من تلك المتشابهات إثبات الجسم والجوارح والصورة إلا لخبث عقيدتهم وسوء سريرتهم، وبالله العصمة من الخذلان ” أهــ،([344]) .
(46) وقال الشيخ جمال الدين محمود بن أحمد الحَصِيري شيخ الحنفية في زمانه (636هـ) بعد أن قرأ فتوى ابن عبد السلام في تنزيه الله عن المكان والحروف والصوت ما نصه (: ” هذا اعتقاد المسلمين، وشعار الصالحين، ويقين المؤمنين، وكل ما فيهما صحيح، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار ” أهــ، ([345]) .
(47) وقال الشيخ جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب المالكي (646هـ) مثنيًا على العقيدة التي كتبها الشيخ عبد العزيز ابن عبد السلام ومما جاء في هذه العقيدة قول ابن عبد السلام: ” كان – الله – قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ، ومن جملة ما ذكره في ثنائه قوله : ” ما قاله ابن عبد السلام هو مذهب أهل الحق، وأن جمهور السلف والخلف على ذلك، ولم يخالفهم إلا طائفة مخذولة، يُخْفُون مذهبهم ويدسونه على تخوّف إلى من يستضعفون علمه وعقله ” أهــ،([346]) .
قلنا: منذ مائتي سنة تقريبًا إلى زماننا هذا والوهابية يتجاسرون على إظهار ونشر عقيدة المشبهة والمجسمة وبكل وقاحة، فقد زعم عبد الرحمن بن حسن وهو حفيد محمد بن عبد الوهاب (مؤسس بدعة المذهب الوهابي) أن بعض الناس إذا سمعوا صفات الله ينكرونها، ويعني هذا المجسم – الذي أخذ عقيدة التجسيم من مدرسة جدّه محمد بن عبد الوهاب – بصفات الله: الجلوس على الكرسي والعياذ بالله تعالى، فقال ما نصه: ” فإذا سمعوا شيئًا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين، قال الذهبي: حدث وكيع عن إسرائيل بحديث: ” إذا جلس الرب على الكرسي ” فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال: ” أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها ” انتهى كلامه([347]) . من كتابه المسمى ” فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ” (الذي يعتبره الوهابية من أهم كتب العقيدة عندهم، فانظر أيها القارىء كيف يصفون الله تعالى بالجلوس الذي هو من صفات البشر والبهائم، ويموهون على الناس بنسبة هذا القول إلى علماء المسلمين ليسهل عليهم نشر هذا الاعتقاد الفاسد، واعلم أنه لم يصح عن عالم من علماء السلف المعتبرين نسبة القول بالجلوس، بل عقيدة السلف كما قال الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر الطحاوي (توفي سنة 321هـ) وهو أحد أئمة السلف: ” ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر ” أهــ، فتمسك أخي المسلم بعقيدة أهل السنة ولا تلتفت إلى ما تمويه أهل البدع.
(48) وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الأشعري الملقب بسلطان العلماء (660هـ) ما نصه : ” ليس – أي الله – بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئًا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ، ([348]) .
(49) وقال الإمام المفسّر صاحب التفسير محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ) ما نصه: ” و ” العليّ ” يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز ” أهــ، وقال أيضًا : ” ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام: 18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان ” أهــ،([349]) .
وقال أيضًا (: ” والقاعدة تنزيهه – سبحانه وتعالى – عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة ” أهــ،([350]) .
وقال أيضًا عند تفسير ءاية: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام: 158] ما نصه : ” وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا ” أهــ، ([351]) .
وقال أيضًا : ” وقال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا تفضلوني على يونس بن متّى ” المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدلّ على أن البارىء سبحانه وتعالى ليس في جهة ” أهــ،([352]) .
وقال أيضًا: في تفسير ءاية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا} [سورة الأنعام: 22] ما نصه: ” والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز ” أهــ([353]) . وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك: 16] ما نصه : ” والمراد بها توقيره (أي تعظيمه) وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ، ([354]) .
(50) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي الأشعري (676هـ) ما نصه : ” إن الله تعالى ليس كمثله شيء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ” أهــ،([355]) .
(51) وقال العلامة الأصولي الشيخ أحمد بن إدريس القَرَافي المالكي المصري (684هـ) أحد فقهاء المالكية ما نصه : ” وهو – أي الله – ليس في جهة، ونراه نحن وهو ليس في جهة ” أهــ،([356]) .
(52) وقال الشيخ المتكلم على لسان الصوفية في زمانه أحمد بن عطاء الله الإسكندري الشاذلي (709هـ) في حِكَمِهِ ما نصه : ” وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به وإلا فجلَّ ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء ” أهــ، ([357]) .
(53) وقال المفسّر عبد الله بن أحمد النسفي (710ه -، وقيل 701هـ) ما نصه : ” أنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان ” أهــ، ([358]) .
(54) وقال القاضي الشيخ بدر الدين محمد بن إبراهيم المعروف بابن جَماعة الشافعي الأشعري (733هـ) ما نصه : ” كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ،([359]) .
وقال أيضًا ما نصه : ” فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة، قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله، فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عَرَض ولا جوهر، فصح وجوده عقلاً من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلاً، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له ” أهــ،([360]) .
(55) وقد ألَّف الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن إسماعيل الكِلابي الحلبي الأصل المعروف بابن جَهْبَل (733هـ) رسالة في الرد على بعض مجسمة عصره وهو ابن تيمية، قال تاج الدين السبكي ما نصه : ” ووقفتُ له – أي لابن جهبل – على تصنيف صنّفَه في نفي الجهة ردًّا على ابن تيمية لا بأس به، وهو هذا ” أهــ([361]) .
ثم ذكر هذه الرسالة بكاملها، وذَكر ابنُ جَهْبَل أنه ضَمَّنَ رسالته هذه عقيدة أهل السنة والرد على المشبهة المجسمة والحشوية والمتسترين بالسلف، ومما قاله : ” ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه، والمبتدعة تزعم أنها على مذهب السلف ” أهــ،([362]) .
وقال : ” وها نحن نذكر عقيدة أهلِ السنة فنقول: عقيدتنا أن الله قديم أزليٌّ، لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهه شيء، ليس له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقتٌ ولا زمان، ولا يقال له أين ولا حيث، يُرَى لا عن مقابلة ولا على مقابلة، كان ولا مكان، كوَّن المكان، ودبَّرَ الزمان، وهو الآن على ما عليه كان، هذا مذهب أهل السنة، وعقيدة مشايخ الطريق رضي الله عنهم ” أهــ،([363]) .
(56) وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري المعروف بابن الحاج المغربي المالكي (737هـ) وكان من أصحاب العلامة الولي العارف بالله الزاهد المقرىء ابن أبي جمرة نفعنا الله به ما نصه : ” لا يقال في حقه – تعالى – أين ولا كيف ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه : ” فلا يقال أين ولا كيف ولا متى، لأنه – تعالى – خالق الزمان والمكان ” أهــ،([364]) .
(57) قال الإمام المحقق القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي (756هـ) في المواقف في الجزء الثالث صفحة 16 في المرصد الثاني في تنزيهه تعالى ما نصه: ” المقصد الأول أنه تعالى ليس في جهة من الجهات ولا في مكان من الأمكنة وخالف فيه المشبهة وخصصوه بجهة الفوق ” إلى أن قال: ” لنا في إثبات هذا المطلوب وجوه (الأول) لو كان الرب تعالى في مكان أو في جهة لزم قدم المكان أو الجهة وقد برهنّا أن لا قديم سوى الله تعالى وعليه الاتفاق من المتخاصمين (الثاني) المتمكن محتاج إلى مكان بحيث يستحيل وجوده بدونه والمكان مستغن عن المتمكن لجواز الخلاء فيلزم إمكان الواجب ووجوب المكان وكلاهما باطل (الثالث) لو كان في مكان فإما أن يكون في بعض الأحياز أو في جميعها وكلاهما باطل (أما) الأول فلتساوي الأحياز في أنفسها لأن المكان عند المتكلمين هو الخلاء المتشابه وتساوى نسبته أي نسبة ذات الواجب إليها وحينئذ فيكون اختصاصه ببعضها دون بعض ءاخر منها ترجيحًا بلا مرجح إن لم يكن هناك مخصص من خارج، أو يلزم الاحتياج أي احتجاج الواجب في تحيزه الذي لا تنفك ذاته عنه إلى الغير إن كان هناك مخصص خارجي (وأما) الثاني وهو أن يكون في جميع الأحياز فلأنه يلزم تداخل المتحيزين لأن بعض الأحياز مشغول بالأجسام وأنه أي تداخل المتحيزين مطلقًا محال بالضرورة، وأيضًا فيلزم على التقدير الثاني مخالطته لقاذورات العالم، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا (الرابع) لو كان متحيزًا لكان جوهرًا لاستحالة كون الواجب تعالى عرَضًا وإذا كان جوهرًا فإما أن لا ينقسم أصلاً أو ينقسم وكلاهما باطل (أما) الأول فلأنه يكون حينئذ جزءا لا يتجزّأ وهو أحقر الأشياء، تعالى الله عن ذلك (وأما) الثاني فلأنه يكون جسمًا وكل جسم مركب وقد مرّ أن التركيب الخارجيّ ينافي الوجوب الذاتي، وأيضًا فقد بيَّنا أن كل جسم محدث فيلزم حدوث الواجب ” أهــ، ([365]) .
(58) وقال الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكرماني البغدادي (786هـ) وهو أحد شرَّاح صحيح البخاري ما نصه: ” قوله ” في السماء ” ظاهره غير مراد، إذ الله منزه عن الحلول في المكان ” أهــ، نقله عنه الحافظ ابن حجر ([366]) .
(59) وقال العلامة الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (791هـ) في تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة ما نصه ” وأما الدليل على عدم التحيز فهو أنه لو تحيز فإما في الأزل فيلزم قدم الحيز، أو لا فيكون محلاًّ للحوادث، وأيضًا إمّا أن يساوي الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيًا، أو يزيد عليه فيكون متجزئًا، وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة لا علو ولا سفل ولا غيرهما ” أهــ، ([367]) .
(60) وقال الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826هـ) ما نصه: ” وقوله – أي النبي – ” فهو عنده فوق العرش ” لا بد من تأويل ظاهر لفظة ” عنده ” لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده ” أهــ، وهذا يدل على أن عقيدة أهل الحديث تنزيه الله عن المكان والجهة، ومن نسب إليهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم، ([368]) .
(61) وقد ذكر الفقيه الشيخ تقي الدين الحصني الشافعي الدمشقي (829هـ) أن الله منزه عن الجهة والمكان في أكثر من موضع في كتابه دفع شُبَه من شَبَّه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، ورد على القائلين بذلك.
(62) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الأشعري (852هـ) ما نصه : ” ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالاً على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شيء علما جلّ وعز ” أهــ([369]) . وقال أيضًا عند شرح حديث النزول ما نصه ” استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور* لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك ” أهــ،([370]) . وقال أيضًا : ” فمعتَقَد سلف الأئمة وعلماء السنة من الخلف أن الله منزه عن الحركة والتحول والحلول، ليس كمثله شيء ” أهــ،([371]) . وقال أيضًا عند شرح قول البخاري: ” بابٌ: تَحاجَّ ءادمُ وموسى عند الله ” ما نصه : ” فإن العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان ” أهــ، ([372]) .
(63) وقال الشيخ بدر الدين محمود بن أحمد العَيْني الحنفي (855هـ) في شرحه على صحيح البخاري ما نصه : ” ولا يدل قوله تعالى:{وكان عرشه على الماء}(سورة هود: 7) على أنه – تعالى – حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه ” أهــ،([373]) . وقال أيضًا ما نصه : ” تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان ” أهــ،([374]) .
(64) وقال الشيخ جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي (864هـ) عند شرح قول تاج الدين السبكي: ” ليس – الله – بجسم ولا جوهر ولا عَرَض لم يزل وحده ولا مكان ولا زمان ” ما نصه: ” أي هو موجود وحده قبل المكان والزمان فهو منزه عنهما ” أهــ، ([375]) .
(65) وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي عند ذكر ما يستحيل في حقه تعالى (895هـ) ما نصه : ” والمماثلة للحوادث بأن يكونَ جرمًا أي يأخُذُ ذاتُه العلي قدرًا من الفراغ، أو أن يكون عَرَضًا يقوم بالجِرم، أو يكونَ في جهةٍ للجرم، أو له هو جهة، أو يتقيد بمكانٍ أو زمان ” أهــ،([376]) .
(66) وقال الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي (902هـ) ما نصه: ” قال شيخنا – يعني الحافظ ابن حجر -: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن ” أهــ، ([377]) .
(67) وقال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي الأشعري (911هـ) عند شرح حديث: ” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ” ما نصه (” قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان، وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى ” أهــ،([378]) .
(68) وقال الشيخ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني المصري (923هـ) في شرحه على صحيح البخاري ما نصه : ” ذات الله منزَّه عن المكان والجهة ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه ” قول الله تعالى:{وجوه}هي وجوه المؤمنين {يومئذ}يوم القيامة {ناضرة}حسنة ناعمة {إلى ربها ناظرة}بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة ” أهــ([379]) .
(69) وقال الشيخ القاضي زكريا الأنصاري الشافعي الأشعري (926هـ) في شرحه على ” الرسالة القشيرية ” ما نصه : ” إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان ” أهــ، وقال أيضًا عن الله ما نصه ” لا مكان له كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان ” أهــ،([380]) . وقال في تفسيره ما نصه ” هو تعالى منزه عن كل مكان ” أهــ، ([381])
(70) وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن حجر الهيتمي (974هـ) ما نصه ” عقيدة إمام السُّنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامّة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبُهتان وافتراء عليه ” أهــ،([382]) .
(71) وقال الشيخ مُلاّ علي القاري الحنفي (1014هـ) ما نصه : ” وأما علوّه تعالى على خلقه المُستفاد من نحو قوله تعالى:{وهو القاهرُ فوق عبادهِ} [سورة الأنعام: 18] فعلوّ مكانة ومرتبة لا علوّ مكان كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة بل وسائر طوائف الإسلام من المعتزلة والخوارج وسائر أهل البدعة إلا طائفة من المجسمة وجهلة من الحنابلة القائلين بالجهة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ” أهــ،([383]) .
وقال أيضًا ما نصه: ” أنه سبحانه ليس في مكان من الأمكنة ولا في زمان من الأزمنة، لأن المكان والزمان من جملة المخلوقات وهو سبحانه كان موجودًا في الأزل ولم يكن معه شيء من الموجودات ” أهــ،([384]) .
(72) وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المصري المالكي (1041هـ) صاحب منظومة ” جوهرة التوحيد ” في العقائد ما نصه: ” ويستحيلُ ضِدُّ ذي الصفاتِ * في حقه كالكونِ في الجهات ” ([385]) .
(73) وقال العلامة الشيخ كمال الدين البياضي الحنفي (1098هـ) ما نصه : ” وقال في الفقه الأبسط: (كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين) أي مكان، (ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كل شيء) مُوجد له بعد العدم، فلا يكون شيء من المكان والجهة قديمًا ” أهــ،([386]) .
وقال أيضًا في كتابه ” إشارات المرام ” ممزوجًا بالمتن ما نصه : ” ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حقّ بلا كيفيّة ولا تشبيه له تعالى بشيء من المخلوقات، ولا جهة له ولا تحيّز في شيء من الجهات، وفيه إشارات: الأولى: أنه تعالى يُرى بلا تشبيه لعباده في الجنة بخلق قوة الإدراك في الباصرة من غير تحيّز ومقابلة ولا مواجهة ولا مسامتة ” أهــ، ([387]) .
(74) وقال الشيخ العلامة أبو البركات أحمد بن محمد الدردير المالكي المصري (1201هـ) عن الله تعالى ما نصه: ” منزهٌ عن الحلول والجهه * والاتصال الانفصال والسَّفه ”
(75) وقال الشيخ إبراهيم البيجوري الشافعي شارح الجوهرة (1277هـ) ما نصه: ” إن الله يُرى بلا تكيف للمرئي بكيفية من كيفيات الحوادث من مقابلة وجهة وتحيز وغير ذلك ” أهــ، وقال ما نصه: ” ويجب في حقه تعالى القيام بالنفس، ومعناه أنه تعالى لا يفتقر إلى محل ولا إلى مخصص ” أهــ.
(76) وقال الشيخ العلامة الفقيه المحدّث الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي ونصه: ” وقال أهل الحق: إن الله ليس بمتمكِّن في مكان أي لا يجوز عليه المماسة للمكان والاستقرار عليه، وليس معنى المكان ما يتصل جسم به على أن يكون الجسمان محسوسَيْن فقط، بل الفراغ الذي إذا حل فيه الجرم شغل غيره عن ذلك الفراغ مكان له، كالشمس مكانها الفراغ الذي تسبح فيه، وعند المشبهة والكرامية والمجسمة الله متمكِّن على العرش وتعلقوا بظاهر قوله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} [سورة طه: 5] فقالوا: الاستواء الاستقرار، وقال بعضهم: الجلوس، وهؤلاء المشبهة قسم منهم يعتقدون أن الله مستقر على العرش، ويكتفون بهذا التعبير من غير أن يفسروا هل هذا استقرار اتصال أم استقرار محاذاة من غير مماسة، وقسم منهم صرحوا بالجلوس، والجلوس في لغة العرب معناه تَمَاسُّ جسمين أحدهما له نصف أعلى ونصف أسفل، فمن قال: أنه مستو على العرش استواء اتصال أي جلوس أو قال: استواؤه مجرد مماسة من غير صفة الجلوس فهو ضال، والذين قالوا أنه مستوٍ على العرش من دون مماسة أي إنما يحاذيه من فوق أي كما تحاذي أرضنا السماء فهؤلاء أيضًا ضالون، فلا يجوز أن يكون قوله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} [سورة طه] على إحدى هذه الصفات الثلاث، والتفسير الصحيح تفسير من قال {الرحمن على العرش استوى }: قهر، لأن القهر صفة كمال لله تعالى، هو وصَف نفسه به قال تعالى: {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} [سورة الرعد: 16]، فيصح تأويل الاستواء بالاستيلاء وإن كانت المعتزلة وافقت أهل السنة في ذلك،
وأقبح هذه الاعتقادات الفاسدة اعتقاد أن الله تعالى جالس على العرش أو واقف عليه، لأن فيه جعل الله تعالى محمولا للعرش والعرش محمول للملائكة، فالملائكة على هذا الاعتقاد قد حملوا الله تعالى، فكيف يليق بالإِله الذي أوجد العالم بأسره أن يحمله شيء من خلقه؟! فعلى قول هؤلاء يلزم أن يكون الله محمولَ حامل ومحفوظَ حافظ، وهذا ما لا يقوله عاقل ! ثم إن من دلائل أهل الحق: أن التعري عن المكان ثابت في الأزل لعدم قدم المكان إذ هو غير المتمكن، ولو تمكن بعد خلق المكان لتغير عما كان عليه، والتغير من أمارات الحدث وذلك يستحيل على القديم، ولو كان تعالى هو والمكان موجودين في الأزل لم يكن الله خالقًا للمكان ولا خالقًا لشيء من الأشياء، ثم لو كان كما يَعتقدون لم يستطع الله أن يحفظ هذا العالم ولم يستطع أن يحفظ هذه الأرض التي هي مستقرة على غير أعمدة ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه: ” قال أهل الحق نصرهم الله: إن الله سبحانه وتعالى ليس في جهة وليس بذي صورة لاختلاف الصور والجهات، واجتماع الكلّ مستحيل لتنافيها في أنفسها وليس بعض الجهات والصُّوَر أوْلَى من البعض لاستواء الكلّ في إفادة المَدْحِ والنَّقص، وتخصيص بعض الصور والجهات لا يكون إلا بمخصِّص وذا من أمارات الحدَث، ورفعُ الأيدي والوجوه إلى السماء عند الدعاء تعبُّدٌ مَحْضٌ كالتوجُّه إلى الكعبة في الصلاة، فالسماء قِبلة الدعاء كالبيت الذي هو قِبلة الصلاة، وحكَمَ النبي صلى الله عليه وسلم عند إشارة الجارية السوداء التي أراد صاحبها أن يعرف أنها مؤمنة ليُعتقها إلى السماء بكونها مؤمنة لاعتبار أنه لا يظن بها أنها من عَبَدَةِ الأوثان، مسئلة مهمة: إذا قال قائل: نفيه عن الجهات الستّ إخبار عن عدمه، إذ لا عدم أشد تحقيقًا من نفي المذكور عن الجهات الستّ، قلنا: النفي عن الجهات الستّ إنما يكون إخبارًا عن عدم ما لو كان لكان في جهة منه، لا نفي ما يستحيل عليه أن يكون في جهة منه، لأن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارًا عن عدمه، وكذا تنزيه القديم جلَّ وعلا عن الجهات الست ” أهــ، وقال أيضًا ما نصه: ” إن المؤمنين يرون الله في الآخرة، وهذا حق يجب الإِيمان به، يرونه بأبصارهم من غير مسافة بينهم وبين الله لا كما يُرى المخلوق، لا يجوز ذلك لأن الذي يكون بينه وبينك مسافة يكون محدودًا، إما أن يكون أعظم جرمًا منك أو أصغر منك أو مثلك، وهذا كله لا يجوز على الله، فلذلك أهل السنة يثبتون رؤية الله في الآخرة من غير تشبيه ولا جهة ولا مسافة، ولا تكون رؤية الله كما يُرى المخلوق، لأن المخلوق إذا رأيته تراه في جهة أمامك، أو في جهة خلفك تلتفت إليه فتنظر إليه، أو في جهة يمينك، أو في جهة يسارك، أو في جهة فوقك، أو في جهة تحتك، أو في جميع الجهات كما إذا كنت ضمن غرفة فإنها محيطة بك، وقد نص على هذا الإِمام أبو منصور الماتريدي وغيرُه ” أهــ، وقال أيضًا: ” وإثبات المكان لله يقتضي إثبات الجهة التي نفاها علماء الإسلام عن الله تعالى سلفهم وخلفهم كما قال أبو جعفر الطحاوي السلفي في كتابه المسمى ” العقيدة الطحاوية ” والذي ذكر فيه أنه بيان عقيدة أهل السنّة والجماعة: ” لا تحويه الجهاتُ الست كسائر المبتدعات “، فتبين أن نفي تحيّز الله في جهة هو عقيدة السلف، لأن الطحاوي من السلف وقد بيَّن أن هذا معتقد أبي حنيفة وصاحبيه الذين ماتوا في القرن الثاني خاصة ومعتقد أهل السنّة عامة ” أهــ، وقال أيضًا في الرد على الوهابية المجسمة ما نصه: ” وأشد شبهة لهم – أي للوهابية – قولهم أنه يلزم من نفي التحيّز في المكان عن الله تعالى كالتحيز في جهة فوق أنه نفي لوجوده تعالى، يقال لهم: ليس من شرط الوجود التحيز في المكان لأن الله تبارك وتعالى كان قبل المكان والزمان والجهات والأجرام الكثيفة واللطيفة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كان الله ولم يكن شيء غيره ” فأفهمنا أن الله تعالى كان قبل المكان والزمان والنور والظلام والجهات، فإذا صح وجوده قبل هؤلاء وقبل كل مخلوق صحّ وجودُه بلا تحيّز في جهة ومكان بعد وجود الخلق، وهذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره تفسيرٌ لقول الله تعالى:{هو الأول} [سورة الحديد: 3] فقد وصف ربنا نفسه بالأوّلية المطلقة فلا أول على الإطلاق إلا الله، أما أوّلية بعض المخلوقات بالنسبة لبعض فهي أوّلية نسبيّة، وأنتم أيها المجسمة لما حصرتم الموجود فيما يدرِكه ويتصوره الوهم وهو ما يكون متحيزًا في جهة ومكان، فهذا قياس منكم للخالق بالمخلوق، لأن المخلوق لما كان لا يخرج عن كونه جِرمًا كثيفًا أو لطيفًا أو صفة تابعة للجرم كالحركة والسكون قطعتم بعدم صحة ما ليس كذلك، فبهذا التقرير بطلت شبهَتهم وتمويههم، واعلموا أن أصل مصيبتكم هو أنكم جعلتم الله جِرمًا فقلتم: لا يصح وجود الله بلا تحيّز في جهة ولم تقبل نفوسكم وجود ما ليس بمتحيّز وهو الله تعالى الذي نفى عن نفسه المِثل بقوله {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى] وخرجتم عما توارد عليه السلف والخلف وهو قولهم: ” مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك ” قال هذه العبارة الإمام أحمد بن حنبل والإمام الزاهد الناسك ذو النون المصري وهما كانا متعاصرين، وبمعناه عبارة الشافعي المشهورة: ” من انتهض لمعرفة مُدبّره فانتهى إلى مَوجود ينتهي إليه فِكرُه فهو مشبّه “، وأنتم يا معشر المشبهة معتقدكم أنّ الله جِرم حتى قال بعضهم أنه جرم بقدر العرش من الجوانب الأربعة، وقال بعضهم أنه يزيد على العرش، وقال بعضهم هو على بعض العرش، وقال بعضهم أنه بصورة إنسان طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، وزعيمكم ابن تيمية مرة قال أنه بقدر العرش لا يَفضل منه شيء بل يزيد، ومرة قال أنه جالس على الكرسي وقد أخلى موضعًا لمحمد ليُقعدَه فيه، والأول من هذين القولين في كتابه المنهاج والثاني في الفتاوى وكتابه المسمى كتاب العرش الذي اطلع عليه الإمام المفسر النَّحْويّ اللغوي أبو حيّان الأندلُسي، وقال الحافظ أبو سعيد العلائي أحد مشايخ الحافظ ابن حجر العسقلاني إن ابن تيمية قال أنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر، وقول الوهابية إن الفطرة في كل إنسان تقضي بأن الله متحيز بجهة الفوق أي العرش منقوض بشواهد الوجود لأن من الناس من يعتقدون أن هذه السماء الدنيا التي لونها الخضرة الخفيفة هي الله، ومن الناس من يعتقد أن الله كتلة نورانية حتى أنه ظهر من بعض الناس المنتسبين للإسلام أن الله في مكة والمدينة، وبعض المشبهة قالوا بأنه في إحدى السّموات السبع، ومنهم من بلغت به الوقاحة وهو أحد مشبهة الحنابلة ألف كتابًا رتّبه هكذا: باب اليدين باب العين ثم باب كذا ثم باب كذا إلى أن قال باب الفرج لم يرد فيه شيء، فيقال للوهابية: يا معشر المشبهة أيّ هؤلاء على الفطرة التي تزعمون أن الإنسان إذا خُلّي وطبعه يعتقد أن الله متحيّز في السماء، وما هي الفطرة التي خلق الله عليها البشر التي هي الصواب والحق؟ إنما الفطرة هي ما وافق العقل والدليل العقلي ووافق التنزيه عن الجِسميّة وصفاتِها وعوارضها، وهذا ما فهمه جمهور علماء الطوائف المنتسبة إلى الإسلام، وأما العلو الوارد وصف الله تعالى به فنذكر ما قاله الإمام أبو منصور البغدادي في تفسير الأسماء والصفات ونصه: ” والوجه الثالث أن يكون العلو بمعنى الغلبة، قال الله عزّ وجلّ:{وأنتم الأعلون} [سورة ءال عمران: 139] أي الغالبون لأعدائكم، يقال منه: علوت قرني أي غلبته، ومنه قوله عزّ وجلّ:{إنَّ فرعون علا في الأرض} [سورة القصص: 4] أي غلب وتكبر وطغى، ومنه قوله عز وجل:{وأن لا تعلوا على الله} [سورة الدخان: 19] أي لا تتكبّروا، وكذلك قوله:{ألاَّ تعلوا عليّ وأتوني مسلمين} [سورة النمل: 31] أي لا تتكبّروا، فإذا كان مأخوذًا من العلو فمعنى وصف الله عز وجل بأنه عليٌّ أنه ليس فوقه أحد، وليس معناه أنه في مكان دون مكان، وإن كان مأخوذًا من ارتفاع الشأن فهو سبحانه أرفع شأنًا من أن نشبّه به شيئًا ” أهــ،([388]) .
[المفتاح الرابع]: من أقوال علماء أهل السنّة والجماعة في تنزيه الله تعالى عن الزمان:
(1) ذكر عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادى رحمه الله في كتابه الفرق بين الفرق إجماع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الزمان فقال رحمه الله: ” وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان ” أهـــ([389]) .
(2) وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: في كتابه (الفقه الأكبر) (فصل): واعلموا أن الباري لا مكان له، والدليل عليه هو أن الله تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان،لا يجوز عليه التغيير في ذاته، والتبديل في صفاته، ولأن ماله مكان وله تحت متناهي الذات محدود، والمحدود مخلوق، تعالى الله عن ذلك، ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة، والولد في حقه تعالى محال: ” فإن قيل ” قال الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى }، يقال له: إن هذه الآية من المتشابه التي يحار في الجواب عنها، وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم أن يمر بها كما جاءت، ولا يبحث عنها، ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة، والورطة إذا لم يكن راسخا في العلم، ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه، وأنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات، (ليس كمثله شيء) ” أهــ،([390]) .
(3) وقال إمام أهل السنة الماتريدي:(ولا يوصف شيء بالقرب إلى الله من طريق المسافة والمساحة ولا هو بالقرب إلى شيء من ذلك الوجه إذ ذلك جهة الحدود والتقدير بالأمكنة وقد كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الزمان والمكان إذ إليهما ترجع حدود الأشياء ونهايتها ولا قوة إلا بالله) أهـ ([391]) .
(4) وقال الإمام بن حزم: (الله تعالى لا في مكان ولا في زمان أصلا وهو قول الجمهور من أهل السنة وبه نقول وهو الذي لا يجوز غيره لبطلان كل ما عداه ولقوله تعالى: {ألا أنه بكل شيء محيط }، فهذا يوجب ضرورة أنه تعالى لا في مكان إذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما أو من جهات وهذا منتف عن الباري تعالى بنص الآية المذكورة والمكان شيء بلا شك فلا يجوز أن يكون شيء في مكان ويكون هو محيطا بمكانه هذا محال في العقل يعلم امتناعه ضرورة وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإنه لا يكون في مكان إلا ما كان جسما أو عرضا في جسم هذا الذي لا يجوز سواه ولا يتنكل في العقل والوهم غيره البتة وإذا انتفى أن يكون الله عز وجل جسما أو عرضا فقد انتفى أن يكون في مكان أصلا وبالله تعالى نتأيد) أهـ([392]) .
(5) وقال حجة الإسلام الغزالي ر حمه الله – في درة من علم التنزيه -: (أنه (سبحانه) في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ ([393]) .
(6) وجاء في مناهل العرفان: (فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف ” أهــ([394]) .
(7) وقال ابن الجوزي الحنبلي في الباز الأشهب: (واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل) أهـ([395]) .
(8) وقال القرطبي في التفسير: (المكان لا يصح إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منزه عن المكان كما هو منزه عن الزمان،،،) ([396]) .
(9) وجاء في الفواكه الدواني: (قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم وقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم فإن المراد الإشارة إلى إحاطة علمه بجميع الأمكنة وما احتوت عليه والمراد بالمعية المصاحبة بالعلم لا المصاحبة في المكان لتنزهه عن الزمان والمكان) أهـ ([397])
(10) وجاء في أقاويل الثقات: (باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا: اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ ليس كمثله شيء) ([398]) .
(11) وجاء في كتاب هذه عقيده الخلف و السلف لابن خليفه عليوى: قوله تعالى: {قل لمن ما في السموات والأرض؟ قل لله }: تفيد أن جميع الأمكنة، وما فيها من المخلوقات، وما يكر عليها من الأزمنة ملك لله تعالى، وهذا المُلك يدل على تنزيهه تعالى عن(المكان والزمان) لأنه قبل خلقها لم يزل كما كان، وإلا لزم خلقها لغاية وقد أخبر أنه غنيُّ عن العالمين، فينتج استحالة الجهة والمكان على الله تعالى وهذا الذي ذكرته هو الذى جعلني موقناً بصحة قول ما قرره علماء الشريعة الاسلامية ” يجب في حقه تعالى القيام بنفسه”، وقد صح الحديث الذي رواه البخاري في أهل اليمن قولهم “جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن هذا الأمر ” أي ابتداء خلق العالم ” ما كان؟ قال: “كان الله “أي في الأزل منفردا متوحدا ” ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر ” أي اللّوح المحفوظ “كل شيء ” وفي هذا المعنى قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن …، الآية، (تنبيه ودفع شبهة قلت:) لعلّ من يعتقد بالجهة لله تعالى – والعياذ بالله يقول إن أهل السنة والجماعة ينكرون صفة العلو لله تعالى، حاشا وكلا، إن أهل السنة والجماعة يثبتون العلو لله تعالى، ولكنه علو منزه عن التشبيه، والتحديد والكيف والمكان،والجهة، أنه علو يليق به جل جلاله، ولا يعلم قدره أحد ما، وهذا العلو هو المشار إليه في تسبيح السجود “سبحان ربي الأعلى ” والمشار إليه أيضاً في قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال: ” إن الله قريب في بعده بعيد في قربه، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته، وتحت كل شيء، ولا يقال شيء فوقه ” فعلو الحق سبحانه وتعالى لا يشبه علو المخلوقين مطلقا لأن علو المخلوق مهما كان لا يخرج عن التحديد والتشبيه، والكيف والجهة، فالعلو الذي نفاه أهل السنه والجماعة، هو العلو الحادث المشبه والمكيف المحدود وهو عين العلو الذي أثبته المشبهة، في حق المولى سبحانه وتعالى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً،) أهـ،
(12) وجاء في كتاب أصول الدين ج: 1 ص: 80: (فصل: صانع العالم لا يقال له ما هو لأن ما سؤال عن الجنس ولا جنس له، فصل: صانع العالم لا يقال كيف هو لأن الكيف يستخبر به عن الهيئة والحال ولا هيئة له ولا حال، فصل: صانع العالم لا يقال له أين هو لأن أين يستخبر به عن المكان ولا مكان له، فصل: صانع العالم لا يقال له كم هو لأن الكم يستخبر به عن العدد ولا عدد له، فصل: صانع العالم لا يقال له متى كان لأن متى سؤال عن الزمان ولا يجري عليه زمان) أهـ ([399]) .
***
[3] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الحيز والجهة والمكان
[المفتاح الاول]: تنزيه الله عن الحيز والمكان والجهة: المكان عند أهل اللغة بالعربية هو الموضع الحاوي للشيء، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم، وهو الفرا غ الذي يحُلُّ فيه الجسم، والجهة هي نفس المكان باعتبار إضافة جسم ءاخر إليه، ومعنى كون الجسم في جهة أنه متمكّن في مكان يلي تلك الجهة، وبالتالي فإنّ الجهة هي عبارة عن نفس المكان باعتبار إضافة ما، والجهة عند الأصوليين اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك فلا تناسب إلا الجسم المادي المتمكن في المكان، وإذا كان أهل الأصول من علماء أهل السنّة والجماعة أجمعوا على تنزيه الله تعالى عن المكان، وأنّ نسبة المكان إلى الله تعالى مستحيلة، فكذلك الجهة على المعنى الحسي الذي يُقاس بالمسافة، فإنهم أجمعوا كذلك على تنزيه الله تعالى عن الجهة، لأنّها عبارة عن نفس المكان باعتبار إضافة من فيها إليها، (قلت): قد تقدم في كتاب التقديس السابق: (كتاب تقديس الله تعالى أن يحويه مكان أو يجري عليه زمان) بيان الأدلة على تنزيه الله تعالى عن المكان من الكتاب والسنّة والإجماع وأقوال علماء الأصول المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة، وكل ما صلح الاستدلال به على تنزيه الله تعالى عن المكان يصلح للاستدلال به على تنزيه الله تعالى عن سائر الجهات لأنّها أجزاء من المكان فإن تنزه الباري عن المكان كله، كان تنزهه عن الجهات من باب الأولى، والله تعالى منزه عن المكان والجهة لأنّه سبحانه: {ليس كمثله شيء}لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث حقيقة الذات والصفات والأفعال، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء، فهو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، الرحمن على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، وهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، وهو الواحد القهار، وهو الأحد الصمد، وهو الحي القيوم، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا، فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات، لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة، فذات الله تعالى تقدس عن أن تدركه البصائر النافذة فضلا عن الأبصار، وعظم عن أن تتوهمه الظنون أو تتصوره الأفكار، و(الحواس) مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط، عاجزة عن معرفة ما عداها، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، والله تعالى منزه عن الأماكن والجهات، لأنّه سبحانه خالق الجهات، وهو القائل سبحانه {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه، وإذا كان كل مخلوق يلزم وجوده في مكان او جهة فإنّ الله تعالى ليس كمثله شيء منزه عن ذلك، وقال تعالى:{وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين، وقال تعالى:{فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه، وقال الله تعالى:{هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الاخلاص] من أعظم الدلائل على تنزيه الله تعالى عن الجهة، فقد اشتهر في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماهية ربه وعن نعته وصفته؟ فأنزل الله تعالى هذه السورة، وإذا عرفت هذا فنقول هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأنه تعالى جعلها جواباً عن سؤال السائل وأنزلها عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلا، وقوله تعالى {أَحَدٌ}يدل على نفى الجسمية ونفى الحيز ولا جهة أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم فذلك لأن الجسم أقله أنه يكون مركباً من جوهرين وذلك ينافى الوحدة ولما كان قوله {أَحَدٌ}مبالغة في الواحدية كان قوله {أَحَدٌ}منافي للجسمية، وأما دلالته على أنه ليس بجوهر فبيانه أن الأحد كما يراد به نفي التركيب والتأليف في الذات فقد يراد به أيضاً به نفى الضد والند فلو كان تعالى جوهراً فرداً لكان كل جوهر فرد مثلاً له وذلك ينفى كونه أحدا ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}ولو كان جوهراً لكان كل جوهر فرد كفوا له فدلت هذه السورة من الوجه أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وجب أن لا يكون في شيء من الأحياز والجهات لأن كل ما كان مختصاً لحيز وجهة فإن كان منقسماً كان جسماً وقد بينا إبطال ذلك وإن لم يكن منقسماً كان جوهراً فرداً وقد بينا أنه باطل ولما بطل القسمان ثبت: أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلاً فثبت أن قوله تعالى {أَحَدٌ}يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة أصلاً، وأعلم أنه تعالى كما نص على أنه تعالى واحد فقد نص أيضاً على البرهان الذى لأجله يجب الحكم بأنه أحد وذلك أنه قال هو الله أحد وكونه اله يقتضى كونه غنياً عما سواه، وكل مركب فإنه مفتقر الى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكونه إله يمنع من كونه مفتقر إلى غيره وذلك يجب القطع بكونه أحداً وكونه أحداً يوجب القطع بأنه ليس بحسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة فثبت أنه قوله تعالى {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} برهان قاطع على ثبوت هذه المطالب، وأما قوله تعالى {اللَّهُ الصَّمَدُ} فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج وذلك يدل على أنه ليس بجسم وعلى أنه غير مختص بالحيز والجهة، أما بيان دلالته على نفي الجسمية فمن وجوه: (الأول): أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً، و (الثاني): لو كان مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً، وأما بيان دلالته على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة: فهو أنه سبحانه وتعالى لو كان مختصاً بالحيز والجهة لكان ذاته تعالى مفتقراً في الوجود والتحقق الى ذلك الحيز المعين وذلك الحيز المعين يكون غنياً عن ذاته المخصوص لأن لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلاً وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجاً إلى ذلك الحيز فلا يكون صمداً على الإطلاق، وأما قوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} فهذا أيضاً يدل على أنه ليس بجسم ولا بجوهر لأن الجواهر متماثلة فلو كان تعالى جوهراً لكان مثلاُ لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفؤاً له ولو كان جسماً لكان مؤلفاً من الجواهر لأن الجسم يكون كذلك وحينئذ يعود الإلزام المذكور فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا حاصل في مكان حيز وقوله تعالى:{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه، وقال الله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقال الله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وقال تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}والند هو العدل والمثل والنظير والشبيه، وعلى ذلك فالله تعالى لا يقاس بأحد، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه، وليس كمثله شيء، فلهذا يستحيل على الكون في المكان، ورحم الله الطحاوي حيث يقول: (” فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ” أهــ، فالله تعالى فوق الحدود، لا نهاية لكمالاته، ولا نهاية لذاته، ولا نهاية لصفاته، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات، أما الواحد القهار، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية، وتعالى على الحدود والنهايات، ومن كان هذا حاله تنزه عن الجهة والمكان، يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذاته، ولا الإحاطة بصفاته فضلا عن ذاته سبحانه، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات، جاء في مقدمة أساس التقديس للإمام الرازي رحمه الله – مختصرا -: (وقوله تعالى {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو وجب اختصاصه بالجهة لكان محتاجاً إلى الجهة وذلك يقدح في كونه غنياً على الإطلاق، وقوله تعالى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [البقرة: 255] والقيوم مبالغة في كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان جسماً لكان هو مفتقراً الى غيره وهو جزؤه، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً وأيضاً لو وجب حصوله في شيء من الجهات لكان مفتقراً محتاجاً الى تلك الجهة، فلن يكون قيوماً على الإطلاق، وقوله تعالى {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } [الحشر: 24] وجه الاستدلال به: أن الخالق في اللغة هو المقدر، ولو كان تعالى جسماً لكان متناهياً ولو كان متناهياً لكان مخصوصاً، بمقدار معين، ولما وصف نفسه بكونه خالقاً وجب أن يكون تعالى هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة وإذا كان هو مقدراً في ذاته بمقدار مخصوص لزم كونه مقدراً لنفسه وذلك محال، وأيضاً: لو كان جسماً لكان متناهياً وكل متناه فإنه محيط به حد واحد أو حدود مختلفة وكل ما كان كذلك فهو مشكل وكل مشكل فله صورة فلو كان جسماً لكان له صورة ثم أنه تعالى وصف نفسه بكونه مصوراً، فيلزم كونه مصوراً لنفسه وذلك محال فيلزم أن يكون منزهاً عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال، ويلزم منه التنزيه عن المكان لأن المكان مخلوق وكل مخلوق محدود فالمكان محدود والله تعالى لا حد له، ويستحيل وجود اللا محدود في المحدود إلا على سبيل المجاز، وقوله تعالى {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ}فهو يقتضى أن يكون ذاته متقدماً في الوجود على كل ما سواه وأن يكون متأخراً في الوجود غن كل ما سواه وذلك يقتضى أنه كان موجوداً قبل الحيز والجهة ويكون موجوداً بعد فناء الحيز والجهة، {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} قال المفسرون: أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب أنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسماً لما أمكن وصفه بانه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، وقوله تعالى {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] وقوله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } [الانعام: 103] وذلك يدل على كونه تعالى منزهاً عن المقدار والشكل والصورة وإلا لكان الإدراك والعلم محيطين به وذلك على خلاف هذين النصين فإن قيل: لما لا يجوز أن يقال أنه وإن كان جسماً لكنه جسماً كبير فلهذا المعنى لا يحيط به الإدراك والعلم؟ قلنا: لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسماوات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها والعلو لا تصل الى تمام أجزائها ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة، وقوله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة: 186] وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولو كان تعالى في السماء أو في العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب من عباده، ولو كان تعالى في جهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال فكونه في جهة فوق محال وإنما قلنا أنه تعالى لو كان في جهة فوق لكان سماء لوجهين: (الأول): إن السماء مشتاق من السمو فكل شيء سماك فهو سماء بدليل أنهم ذكروا في تفسير قوله تعالى {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ } [النور: 43] أنه السحاب قالوا وتسمية السحاب بالسماء جائز لأنه حصل فيه معنى السمو وذكروا أيضاً في تفسير قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]أنه من السحاب فثبت أن الاشتقاق اللغوي والعرف القرآني متطابقان على تسمية كل ما كان موصوفا بالعلو والسمو بأنه سماء، و (الثاني): أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر الى فوق لم يرى إلا نهاية ذات الله تعالى فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله تعالى الى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض وذلك يقتضي القطع بأنه لو كان فوق العرش لكان ذاته كالسماء لسكان العرش فثبت أنه تعالى لو كان مختصاً بجهة فوق لكان ذاته سماء وإنما قلنا أنه لو كان ذاته سماء لكان ذاته مخلوقاً لقوله تعالى {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى } [طه: 4] ولفظة السماوات لفظة جمع مقرونة بالألف واللام وهذا يقتضي كون كل السماوات مخلوقة لله تعالى فلو كان هو تعالى سماء لزم كونه خالقاً لنفسه وكذلك أيضاً قوله تعالى {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الاعراف: 54] يدل على ما ذكرناه فثبت أنه تعالى لو كان مختصاً بجهة فوق لكان سماء ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وهذا محال فوجب أن لا يكون مختصاً بجهة فوق، وقوله تعالى {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} [الانعام: 12] مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملكاً لله تعالى وقوله: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الانعام: 13] يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والمكان، وقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17] ولو كان الخالق في العرش لكان حامل العرش حاملاً لمن في العرش فيلزم احتياج الخالق الى المخلوق ويقرب منه قوله تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} [غافر: 7]، وقوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ظاهر الآية يقتضى فناء العرش وفناء جميع الأحياز والجهات وحينئذ يبقى الحق سبحانه وتعالى منزه عن الحيز والجهات وإذا ثبت ذلك امتنع أن يكون الآن في جهة المحيز وإلا لزم وقوع التغير في الذات فإن قيل: الحيز والجهة ليس شيء موجوداً حتى يصير هالكاً فانياً قلنا: الأحياز والجهات أمور متخالفة بحقائقها متباينة بماهياتها بدليل أنكم قلتم أنه يجب حصول ذات الله تعالى في جهة فوق ويمتنع حصول ذاته في سائر الجهات فلولا أن جهة فوق مخالفة بالماهية لسائر الجهات وإلا لما كانت جهة فوق مخالفة لسائر الجهات في هذه الخاصة وهذا الحكم أيضاً فلأنا نقول هذا الجسم حصل في هذا الحيز بعد أن كان حاصلاً في حيز أخر فهذه الأحياز معدودة متباينة متعاقبة والعدم المحض لا يكون كذلك فثبت أن هذه الأحياز أمور متخالفة بالحقائق متباينة بالعدد وكل ما كان كذلك إمتنع أن يكون عدماً محضاً فكان أمراً موجوداً وإذا ثبت هذا دخل تحت قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}وإذا هلك الحيز والجهة بقى ذات الله تعالى منزهاً عن الحيز والجهة وبقية الكلام قد تقدمت، وقوله تعالى {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [ولو كان في جهة الفوق لكانت السجدة تفيد البعد من الله تعالى لا القرب منه وذلك خلاف الاصل، والحديث المشهور وهو ما روى أن عمران ابن الحصين قال يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الامر فقال (كان الله ولم يكن معه شيء) لو كان الله تعالى مختصا بالحيز والجهة لكان ذلك الحيز شئا موجوداً معه وذلك على نقيض هذا النص) انتهى من أساس التقديس للإمام الرازي.
[المفتاح الثاني]: مما يدل على تنـزيه الله تعالى عن المكان والجهة من السنّة النبوية المشرفة، قوله صلى الله عليه وسلم: (كان الله ولم يكن شىءٌ غيره) ([400]) . ومعناه أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيرُه، فهو تعالى موجودٌ قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه، ومن تنزه عن المكان تنزه عن الجهة التي هي بمعنى الكون في مكان دون مكان، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([401]) قال الحافظ البيهقي: ” استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه ـ أي عن الله ـ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان” اهـ كلام البيهقي، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء) ([402]) .. قال الحافظ جلال الدين السيوطي: ” قال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى” أهـ([403]) .
[المفتاح الثالث]: الدليل على تنزيه الله عن المكان والجهة من الإجماع: وممن نقل إجماع أهل الحق على تنزيه الله عن المكان الشيخ عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (429هـ)، فقد قال ما نصه: ” وأجمعوا – أي أهل السنة والجماعة – على أنه – أي الله – لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ” أهــ، وقال الشيخ إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجُويني الشافعي (478هـ) ما نصه: ” ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات ” أهــ، وقال المفسّر الشيخ فخر الدين الرازي (606هـ) ما نصه: ” إنعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيّز ” أهــ، وقال الشيخ إسماعيل الشيباني الحنفي (629هـ) ما نصه: ” قال أهل الحق: إن الله تعالى متعالٍ عن المكان، غيرُ متمكِّنٍ في مكان، ولا متحيز إلى جهة خلافًا للكرّامية والمجسمة ” أهــ، وقال سيف الدين الآمدي (631هـ) ما نصه: ” وما يُروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان فهو محمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها والإيمان بتنزيلها وتلاوة كل ءاية على ما ذكرنا عنهم، وبيَّن السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كل ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتفاقهم جميعًا في المعنى أنه تعالى ليس بمتمكن في مكان ولا متحيّز بجهة ” أهــ، وللشيخ ابن جَهْبَل الحلبي الشافعي (733هـ) رسالة ألَّفَها في نفي الجهة ردَّ بها على ابن تيمية الحرَّاني الذي سَفَّه عقيدة أهل السنة، قال ابن جَهْبَل ما نصه: ” وها نحن نذكر عقيدة أهل السنة، فنقول: عقيدتنا أن الله قديم أزليٌّ، لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهه شيء، ليس له جهة ولا مكان ” أهــ، ونقل الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي الأشعري (771هـ) عن الشيخ فخر الدين بن عساكر أنه قال: ” إن الله تعالى موجود قبل الخلق ليس له قَبْلٌ ولا بَعْدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خَلْفٌ “، ثم قال ابن السبكي بعد أن ذكر هذه العقيدة ما نصه: ” هذا ءاخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سُنّي ” أهــ، ووافقه على ذلك الحافظ المحدّث صلاح الدين العلائي (761هـ) أحَد أكابر علماء الحديث فقال ما نصه: ” وهذه ” العقيدة المرشدة ” جرى قائلها على المنهاج القويم، والعَقْد المستقيم، وأصاب فيما نزَّه به العليَّ العظيم ” أهــ، وقال الشيخ محمد مَيَّارة المالكي (1072هـ) ما نصه: ” أجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لا جهة له، فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف ” أهــ، وقال شيخ الجامع الأزهر سليم البِشْري (1335هـ) ما نصه: ” مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السُّنّيون أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث مخالف لها في جميع سمات الحدوث ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان ” أهــ، ذكره القضاعي في ” فرقان القرءان “، وقال الشيخ يوسف الدجوي المصري (1365هـ) عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في مصر ما نصه: ” واعلم أن السلف قائلون باستحالة العلو المكاني عليه تعالى، خلافًا لبعض الجهلة الذين يخبطون خبط عشواء في هذا المقام، فإن السلف والخلف متفقان على التنزيه ” أهــ، وقال أيضًا: ” هذا إجماع من السلف والخلف ” أهــ، وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ) ما نصه: ” أجمع أهل الحق من علماء السلف والخلف على تنزه الحق – سبحانه – عن الجهة وتقدسه عن المكان ” أهــ، وقال المحدث الشيخ محمد عربي التبان المالكي المدرس بمدرسة الفلاح وبالمسجد المكي (1390هـ) ما نصه: ” اتفق العقلاء من أهل السنة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن الله تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمية والحد والمكان ومشابهة مخلوقاته ” أهــ، وممن نقل الإجماع على ذلك في مواضع كثيرة من مؤلفاته ودروسه المتكلم على لسان السلف الصالح العلامة الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحَبَشي وله عناية شديدة بتعليم عقيدة أهل السنة والجماعة للناس فقال ما نصه: ” قال أهل الحق نصرهم الله: إن الله سبحانه وتعالى ليس في جهة ” أهــ، فالحمد لله على ذلك، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الأهواء بقوله: ” وإنه سيخرج من أمتي أقوامٌ تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مفصلٌ إلا دخله “([404]) .
فالحمد لله الذي جعل لنا من يبيِّن عقيدة أهل السنة ويدافع عنها، وتمسك أخي المسلم بهذه العقيدة التي عليها مئات الملايين من المسلمين، والحمد لله على توفيقه، أهــ،
[المفتاح الرابع]: ذِكْر بعض النُقول من المذاهب الأربعة وغيرها على أن الله موجودٌ بلا جهة: سبق ان نقلت أكثر من خمسة وسبعين قولا في مبحث التقديس عن المكان، وكلها يصلح للإستدلال في التقديس عن الجهة لأنّ الجهة جزء من المكان، والمكان يشتمل على الجهات الست الفوق والتحت واليمين واليسار والامام والخلف، وكلها تقدس الله عنها، ولذا اكتفي هاهنا ببعض النقول خشية التكرار،
(1) قول الإمام الطحاوي – وهو من كبار أئمة السلف وهو أعلم بأقوالهم ومذاهبهم – قال: (هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة والدين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني،،، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) أهــ ([405]) .
(2) وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي الإسفراييني: (وأجمعوا- أي أهل السنة- على أنه – أي الله تعالى – لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان) أهـ([406]) .
(3) وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث ” أهـ([407]) .
(4) وقال الإمام الشهرستاني الشافعي: (فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى: 11]، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان) أهــ([408]) .
(5) وقال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي (333 هـ): (إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة) اهـ، ([409]) .
(6) وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ): (البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه، متعال عن الافتقار إلى محل يحله أو مكان يقله) اهـ([410]) .
وقال أيضا: (مذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات) أهـ([411]) . وقال أيضا: (واعلموا أن مذهب أهل الحق: أن الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن شغل حيز، وبتنزه عن الاختصاص بجهة، وذهبت المشبهة إلى أنه مختص بجهة فوق، ثم افترقت ءاراؤهم بعد الاتفاق منهم على إثبات الجهة، فصار غلاة المشبهة إلى أن الرب تعالى مماس للصفحة العليا من العرش وهو مماسه، وجوزوا عليه التحول والانتقال وتبدل الجهات والحركات والسكنات، وقد حكينا جملا من فضائح مذهبهم فيما تقدم” اهـ ([412]) .
(7) وقال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ): (تعالى [الله] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان) اهـ، ([413]) .
، وقال أيضا: (الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف،، “فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة) أهــ([414]) .
(8) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ): (البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار) اهـ،([415]) . وقال أيضا: (إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل) اهـ، ([416])، وقال أيضا: (الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات) أهـ ([417]) .
وقال أيضا: (وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته ” ([418]) .
(9) وقال القاضي عياض المالكي (544): (اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء) اهـ ([419]) .
(10) وقال الإمام الشهرستاني (548هـ): (فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان) اهـ([420]) .
، وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ): (الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال) اهـ،([421]) .
وقال في صيد الخاطر: (فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اه([422]) .
ـ وقال في الباز الأشهب: (كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان” اهـ،([423]) .
(10) وقال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([424]) .
(11) وقال سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه): (ليس [الله تعالى] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([425]) .
(12) وقال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ): (و”العليّ” يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز) أهـ([426]) . وقال أيضًا (والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة) اهـ، ([427]) .
وقال أيضًا: (ومعنى:{فوق عباده} [سورة الأنعام:18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان” اهـ،([428]) . وقال أيضًا عند تفسير ءاية:{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام:158]: (وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا) اهـ،([429]) . وقال أيضًا: في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا}: (والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز” اهـ،([430]) .
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى:{ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك:16]: (والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) اه([431]) .
(13) وقال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ): (إن الله تعالى ليس كمثله شيء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق) اهـ، ([432]) .
***
[4] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن التغير والحدوث
[المفتاح الاول]: الادلة من القرآن والسنّة على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث وقبول الحوادث:
[1]: من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى: قوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ، ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث.
[2]: سورة الإخلاص {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد }، هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن وهي تشتمل على خمسة أصول: وصف الله تعالى بالأحدية (الله أحد)، والصمدية (الله الصمد)، وتنزيهه سبحانه عن حلول الحوادث (لم يلد)، وعن الحدوث (ولم يولد)، وعن مماثلة الخلائق (ولم يكن له كفوا أحد)، فقوله تعالى (الله أحد) يدل على الأحدية واستحالة تقدير الانقسام في ذاته تقدس وتنزه، ويدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى: {الله الصمد}الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}أنه تعالى خالق كل موجود، أحد صمد، لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ }، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ }، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، لأنّه منزه عن أن تحل به الحوادث، والنصارى لأنّهم من أضل الناس وأجهلهم بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى، أجازوا حلول الحوادث بذات الرحمن، فزعموا له الولد سبحانه، وهذا يستحيل نسبته إلى الله الاحد الصمد، لأن الولد جزء من أبيه، فالوالد لا يخلق ولده، وإنما هو جزء منه، والله تعالى أحد صمد منزه عن التغير والحدوث وعن أن يحل به حادث، فلا يكون منه الولد، ولو كان منه الولد – سبحانه – لكان الولد قديماً، مثل أبيه، وكيف يكون قديماً وهو حادث، وُجد بعد أن لم يكن موجوداً، ولذلك لا يجوز على الله تعالى الولد، ولذا نجد القرآن الكريم يعالج تلك القضية بقوله تعالى – آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم – بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } [الزخرف: 81، 82]، فالمعنى أنه لو كان ذلك جائزاً ممكناً حاصلاً فأنا أول المنقادين لأمر الله تعالى المتعبدين بطاعته، ولكنه لا ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً لان ذلك مستحيل في حق الأحد الصمد، ولهذا جاء التسبيح والتنزيه بقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }، فالولد من الاشياء المستحيلة في حق الله تعالى وتقدس، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88 إلى 95]، ومن فقه الآية {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}استنبط علماء أهل السنة والجماعة المتخصصون في العقائد – ومن غيرها من الآيات كما سيأتي – تنزيه لله تعالى عن أن يكون محلاً للمخلوقات الحوادث، وتنزيه الله تعالى أن يكون منه شيء محدَثٌ مخلوق لأنه القديم الأزلي الأول الذي لا يقبل الحوادث ولا يكون منه جزء محدث مخلوق كما في قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ }:، كما أنه منزه عن التغير والحدوث كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ }، وسياتي تفصيل ذلك عند شرح قوله تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الانعام: 76]، أي أن المتغير عن حاله الآفل الذي يقبل الحدوث والتغير من حال إلى حال، لا يصلح أن يكون رباً خالقاً، وإلهاً معبوداً، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه ولا مثيل، ولو كان قابلا للتغير والحدوث، أو كان محلاً للحوادث – سبحانه – لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدثة المخلوقة.
[3]: تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون:قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، قال البيضاوي في تفسيره: (وقوله: هذا ربي، على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه بالإفساد أو على وجه النظر والاستدلال،، فلما أفل أي غاب قال لا أحب لآفلين فضلا عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الأمام والحدوث وينافي الألوهية) ([433]) .
وقال الغزالي: (فلما رأى القمر بازغا مبتدئا في الطلوع قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الظالمين استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه ارشادا لقومه وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله لا يصلح للألوهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث هذا أكبر كبره استدلالا أو إظهارا لشبهة الخصم فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وإنما احتج بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضا انتقال لتعدد دلالته ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال وحاجه قومه وخاصموه في التوحيد قال أتحاجوني في الله في وحدانيته سبحانه وتعالى) أهـ ([434]) .
، وجاء في تفسير ابن كثير: (قال لا أحب الآفلين، قال قتادة علم أن ربه دائم لا يزول فلما رأى القمر بازغا أي طالعا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أي هذا المنير الطالع ربي هذا أكبر أي جرما من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة فلما أفلت أي غابت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي للذي فطر السموات والأرض أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق حنيفا أي في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد ولهذا قال وما أنا من المشركين) ([435]) .
وقال الزركشي في البرهان: (قوله فلما أفل قال لا أحب الآفلين: أي القمر أفل وربي فليس بآفل فالقمر ليس بربي أثبته بقياس اقتراني جلى من الشكل الثاني واحتج بالتعبير على الحدوث والحدوث على المحدث) ([436]) .
وجاء في تفسير أبي السعود: (فماذا صنع عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الوضع والفرض هذا ربي مجاراة مع أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام والكواكب فإن المستدل على فساد قول يحكيه على رأي خصمه ثم يكر عليه بالإبطال ولعل سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب دون بيان استحالة إلهية الأصنام لما أن هذا أخفى بطلانا واستحالة من الأول فلو صدع بالحق من أول الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد ولجوا في طغيانهم يعمهون وقيل قال عليه السلام على وجه النظر والاستدلال وكان ذلك في زمان مراهقته وأول أوان بلوغه وهو مبني على تفسير الملكوت بآياتهما وعطف قوله تعالى لكون على ما ذكر من العلة المقدرة وجعل قوله تعالى فلما جن الخ تفصيلا لما ذكر من الإراءة وبيانا لكيفية الاستدلال وأنت خبير بأن كل ذلك مما يخل بجزالة النظم الجليل وجلالة منصب الخليل عليه الصلاة والسلام فلما أفل أي غرب قال لا أحب الآفلين أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغير من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية) ([437]) .
وجاء في تفسير الواحدي: (فلما جن أي ستر وأظلم عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي أي في زعمكم أيها القائلون بحكم النجم وذلك أنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبير في الخليقة لها فلما أفل أي غاب قال لا أحب الآفلين، عرفهم جهلهم وخطأهم في تعظيم النجوم ودل على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب) ([438]) .
وجاء في تفسير البغوي: (وقالوا لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات الإ وهو لله موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه بريء وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهره وآتاه رشده من قبل وأخبره عنه وقال إذ جاء ربه بقلب سليم وقال وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال هذا ربي معتقدا فهذا ما لا يكون أبدا ثم قال فيه أربعة أوجه من التأويل أحدها أن إبراهيم أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهمم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدعون ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدوا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره فقال الرأي أن ندعوا هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين له أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهمم ما كانوا يحذرون فأسلموا والوجه الثاني من التأويل أنه قاله على وجه الأستفهام تقديره أهذا ربي كقوله تعالى أفإن مت فهم الخالدون أي أفهم الخالدون وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم يعني أمثل هذا يكون ربا أي ليس هذا ربي والوجه الاحتجاج عليهم يقول هذا ربي يزعمكم فلما غاب قال لو كان إلها لما غاب كما قال ذق إنك أنت العزيز الكريم أي عند نفسك وبزعمك) ([439]) .
وجاء في فتح القدير: (قال إبراهيم لا أحب الآفلين: أي الآلهة التي تغرب فإن الغروب تغير من حال إلى حال وهو دليل الحدوث) أه([440]) .
ـوجاء في تفسير الجلالين: (فلما افل غاب قال لا أحب الآفلين: أن أتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأنهما في شأن الحوادث) أهـ ([441]) .
، وجاء في أحكام القرآن: (فلما أفل قال لا أحب الآفلين، وكان ذلك في ليلة يجتمعون فيها في هياكلهم وعند أصنامهم عيدا لهم فقررهم ليلا على أمر الكواكب عند ظهوره وأفوله وحركته وانتقاله، وأنه لا يجوز أن يكون مثله إلها لما ظهرت فيه من آيات الحدث) أهـ ([442]) .
وجاء في تفسير النسفي: (كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم و أن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها ليس بإله لقيام دليل الحدوث فيها و لأن لها محدثا أحدثها ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها فلما رأى الكوكب الذى كانوا يعبدونه قال هذا ربى أى قال لهم هذا ربى في زعمكم أو المراد أهذا استهزاء بهم وانكارا عليهم والعرب تكتفى عن حرف الاستفهام بنغمة الصوت والصحيح أن هذا قول من ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه لأنه ادعى إلى الحق وأنجى من الشغب ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة (فلما أفل) غاب قال (لا أحب الآفلين) أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال لأن ذلك من صفات الأجسام فلما رأى القمر بازغا مبتدئا في الطلوع قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدني ربى لأكونن من القوم الضالين نبه قومه على أن من اتخذ القمر إلها فهو ضال و إنما احتج عليهم بالأفول دون البزوع وكلاهما انتقال من حال إلى حال لأن الاحتجاج به أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى وامنا ذكره لأنه أراد الطالع أو لأنه جعل المبتدأ مثل الخبر لانهما شيء واحد معنى وفيه صيانة الرب عن شبهة التأنيث ولهذا قالوا في صفات الله تعالى علام ولم يقولوا علامة وان كان الثاني أبلغ تفاديا من علامة التأنيث هذا أكبر من باب استعمال الصفة أيضا مع خصومه فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون من الاجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها،، إني وجهت وجهى للذي فطر السموات و الأرض أي للذي دلت هذه المحدثات على أنه منشئها حنيفا حال أي مائلا عن الأديان كلها إلا هذا الإسلام وما انا من المشركين بالله شيئا من خلقه) أهـ([443]) .
وجاء في أحكام القرآن: (معنى قوله: {لا أحب الآفلين }: إخبار بأنه ليس برب ولو كان ربا لأحببته وعظمته تعظيم الرب وهذا الاستدلال الذي سلك إبراهيم طريقه من أصح ما يكون من الاستدلال وأوضحه وذلك أنه لما رأى الكوكب في علوه وضيائه قرر نفسه على ما ينقسم إليه حكمه من كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا فلما رآه طالعا آفلا ومتحركا زائلا قضى بأنه محدث لمقارنته لدلالات الحدث وأنه ليس برب لأنه علم أن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام وأن ذلك مستحيل فيه كما استحال ذلك منه إذ كان محدثا فحكم بمساواته له في جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا ربا ثم لما طلع القمر فوجهه من العظم والإشراق وانبساظ النور على خلاف الكواكب قرر أيضا نفسه على حكمه فقال هذا ربي فلما رعاه وتأمل حاله وجده في معناه في باب مقارنته للحوادث من الطلوع والأفول والانتقال والزوال حكم له بحكمه وإن كان أكبر وأضوأ منه ولم يمنعه ما شاهد من اختلافهما من العظم والضياء من أن يقضى له بالحدوث لوجود دلالات الحدث فيه ثم لما أصبح رأى الشمس طالعة في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها قال ما ذكر اسم الله عليه فلا بأكلوه وما لم يذكر اسم الله فكلوه فقال الله هذا ربي لأنها بخلاف الكواكب والقمر في هذه الأوصاف ثم لما رآها آفلة منتقلة حكم لها بالحدوث أيضا وأنها في حكم الكواكب والقمر لشمول دلالة الحدث للجميع وفيما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام وقوله عقيب ذلك وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه أوضح دلالة على وجوب الاستدلال على التوحيد وعلى بطلان قول الحشو القائلين بالتقليد لأنه لو جاز لأحد أن يكتفي بالتقليد لكان أولاهم به إبراهيم عليه السلام فلما استدل إبراهيم على توحيد الله واحتج به على قومه ثبت بذلك أن علينا مثله وقد قال في نسق التلاوة عند ذكره إياه مع سائر الأنبياء أولئك الذين هدى الله بهداهم اقتده فأمرنا الله تعالى بالاقتداء به في الاستدلال على التوحيد والاحتجاج به على الكفار ومن حيث دلت أحوال هذه الكواكب على أنها مخلوقة غير خالقة ومربوبة غير رب فهي دالة أيضا على أن من كان في مثل حالها في الانتقال والزوال والمجيء والذهاب لا يجوز أن يكون ربا خالقا وأنه يكون مربوبا فدل على أن الله تعالى لا يجوز عليه الانتقال ولا الزوال ولا المجيء ولا الذهاب لقضية استدلال إبراهيم عليه السلام بأن من كان بهذه الصفة فهو محدث وثبت بذلك أن من عبد ما هذه صفته فهو غير عالم بالله تعالى وأنه بمنزلة من عبد كوكبا أو بعض الأشياء المخلوقة) أهـ([444]) .
وجاء في أحكام القرآن: (وكان من أمره ما حكاه الله عنه وهذه الآية تدل على صحة المحاجة في الدين واستعمال حجج العقول والاستدلال بدلائل الله تعالى على توحيده وصفاته الحسنى وتدل على أن المحجوج المنقطع يلزمه اتباع الحجة وترك ما هو عليه من المذهب الذي لا حجة له فيه وتدل على بطلان قول من لا يرى الحجاج في إثبات الدين لأنه لو كان كذلك لما حاجه إبراهيم عليه السلام وتدل على أن المحجوج عليه أن ينظر فيما ألزم من الحجاج فإذا لم يجد منه مخرجا صار إلى ما يلزمه وتدل على أن الحق سبيله أن لا يقبل بحجته إذ لا فرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل وإلا فلولا الحجة التي بان بها الحق من الباطل لكانت الدعوى موجودة في الجميع فكان لا فرق بينه وبين الباطل وتدل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء وأن طريق معرفته ما نصب من الدلائل على توحيده لأن أنبياء الله عليهم السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها عليه) أهـ([445]) .
وقال الإمام الرازي رحمه الله في تفسير قوله تعالى {لا أحب الآفلين }: (المسألة السادسة: أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا يجوز أن يكون رباً له وخالقاً له، ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين: (أحدهما): أن الأفول ما هو؟ و (الثاني): أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية الكوكب؟، فنقول: الأفول عبارة عن غيوب الشيء بعد ظهوره وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل، فيقول: الأفول إنما يدل على الحدوث من حيث أنه حركة وعلى هذا التقدير، فيكون الطلوع أيضاً دليلاً على الحدوث، فلم ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا المطلوب على الأفول؟ والجواب: لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهراً جلياً بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق، أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد، فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم، وأيضاً قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الإمكان أفول، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان، وكل ممكن محتاج، والمحتاج:لا يكون مقطوع الحاجة، فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزهاً عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: {وأن إلى ربك المنتهى} (النجم: 42)، وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر، فلا يكون الآفل إلهاً بل الأله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل، وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون كذلك لا يصلح للإلهية، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله: {لا أحب الآفلين} كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين، وفيه دقيقة أخرى: وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين، ومذهب أهل النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعداً إلى وسط السماء كان قوياً عظيماً التأثير، أما إذا كان غريباً وقريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة، فنبه بهذه الدقيقة على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي، يكون ضعيف القوة، ناقص التأثير، عاجزاً عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته، فظهر على قول المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجباً للقدح في إلهيته والله أعلم، أما المقام الثاني: وهو بيان أن كوكب الكوكب آفلاً يمنع من ربوبيته، فلقائل أيضاً أن يقول: أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالاً على حدوثه إلا أن حدوثه لا يمنع من كونه رباً لإبراهيم ومعبوداً له، ألا ترى أن المنجمين وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب وأبدعها وأحدثها، ثم أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل، فثبت أن أفول الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أرباباً للإنسان وآلهة لهذا العالم، والجواب: لنا ههنا مقامان: (المقام الأول): أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع الحاجات، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها، وثبت في بداهة العقول أن كل ما كان محدثاً، فإنه يكون في وجوده محتاجاً إلى الغير، وجب القطع باحتياج هذه الكواكب في وجودها إلى غيرها، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أرباباً وآلهة، بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها، فثبت أن كونها آفلة يوجب القدح في كونها أرباباً وآلهة بهذا التفسير، (المقام الثاني): أن يكون المراد من الرب والإله، من يكون خالقاً لنا وموجداً لذواتنا وصفاتنا، فنقول: أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه: الأول: أن أفولها يدل على حدوثها، وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية، وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر، ولزم التسلسل وهو محال، فثبت أن قادريته أزلية، وإذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدوراً له باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات، فثبت أن ما لأجله صار بعض الممكنات مقدوراً لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات، فوجب في كل الممكنات أن تكون مقدروة لله تعالى، وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه المقامات بالدلائل اليقينية في علم الأصول، فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، وأيضاً فكونها في نفسها محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع، وإن كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة، ودلائل القرآن إنما يذكر فيها أصول المقدمات، فأما التفريع والتفصيل، فذاك إنما يليق بعلم الجدل، فلما ذكر الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع، فلهذا السبب استدل إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أرباباً وآلهة لحوادث هذا العالم، الوجه الثاني: أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها في وجودها إلى القادر المختار، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك والكواكب، ومن كان قادراً على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء كان فبأن يكون قادراً على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم لا بد وأن يكون قادراً على خلق الشيء الأضعف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} (غافر: 57) وبقوله: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادراً على خلق البشر، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة الشمس والنجوم والقمر، الوجه الثالث: أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة، لبقي هذا الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب، أو ذلك الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكاً في معرفة خالقه، أما لو عرفنا الكل وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره، فثبت بهذه الوجوه أن أفول الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة لهذا العالم وأرباباً للحيوان والإنسان، والله أعلم، فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل، فإن قيل: لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل، وكان أفول الكواكب والقمر والشمس حاصلاً في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة، والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد، فلا يبعد أن يقال أنه عليه السلام كان جالساً مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلهاً لما انتقل من الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف، ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر وأفل فأعاد عليهم ذلك الكلام، وكذا القول في الشمس، فهذا جملة ما يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. [المسألة السابعة]: دل قوله: {لا أحب الآفلين} على أحكام: الحكم الأول: هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسماً لكان غائباً عنا أبداً فكان آفلاً أبداً، وأيضاً يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى، وإلا لحصل معنى الأفول، الحكم الثاني: هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلاً للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية، وإلا لكان متغيراً، وحينئذ يحصل معنى الأفول، وذلك محال، الحكم الثالث: تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنياً على الدليل لا على التقليد، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة، الحكم الرابع: تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال، الحكم الخامس: تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم،،،،إلى أن قال رحمه الله: المسألة الثالثة: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل، لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية، لأجل أنه ذكر الحجة في التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة أعلى وأشرف من هذه المرتبة ([446]) . وقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }: (وخامسها: أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: {لا أحب الآفلين} (الأنعام:76) ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك، ” أهـ([447]) .
وقال العلامة ابن الجوزي في زاد المسير: (وأفل بمعنى غاب يقال أفل النجم يأفل ويأفل أفولا، قوله تعالى (لا أحب الآفلين)،، لأن ما ظهر وأفل كان حادثا مدبرا) أهـ([448]) .
وجاء في روح المعاني: (هذا وقد ذكر الامام في هذه الآيات الإبراهيمية عدة أحكام: (الأول): أن قوله سبحانه {لا أحب الآفلين}يدل على أنه عز وجل ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا فيكون آفلا والأفول ينافي الربوبية ولا يخفى أن عد تلك الغيبة المفروضة أفولا لا يخلوا عن شيء لأن الافول احتجاب مع انتقال وتلك الغيبة المفروضة لم تكن كذلك بل هي مجرد احتجاب فيما يظهر نعم أنه ينافي الربوبية أيضا لكن الكلام في كونه أفولا ليتم الاحتجاج بالآية لا يقال قد جاء في حديث الاسراء ذكر الحجاب فكيف يصح القول بأن الاحتجاب مناف للربوبية لأنا نقول الحجاب الوارد كما قال القاضي عياض إنما هو في حق العباد لا في حقه تعالى فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس ونص واحد أن ذكر الحجاب له تعالى تمثيل لمنعه سبحانه الخلق عن رؤيته وقال السيد النقيب في الدرر والغرر العرب تستعمل الحجاب بمعنى الخفاء وعدم الظهور فيقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه بيني وبينك حجاب ويقولون لما يستعب طريقه بيني وبينه كذا حجب وموانع وساتر وما جرى ذلك والظاهر على هذا أن فيما ذكر مجاز في المفرد فتدبر، (الثاني): أن هذه الآية تدل على أنه يمتنع أن يكون تعالى بحيث ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى والا لحصل معنى الأفول وأنت تعلم أن الواصفين ربهم عز شأنه بصفة النزول حيث سمعوا حديثه الصحيح عن رسولهم صلى الله تعالى عليه وسلم لا يقولون أنه حركة وانتقال كما هو كذلك في الأجسام بل يفوضون تعيين المراد منه الى الله تعالى بعد تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقين)، (الثالث): أنها تدل على أنه جل شأنه ليس محلا للصفات المحدثة كما تقول الكرامية والا لكان متغيرا وحينئذ يحصل معنى الافول وهو ظاهر) ([449]) .
وبعد فتلك بعض تنزيهات العلماء في تقديس الله تعالى وتنزيهه عن كل صور التغير والحدوث وقبول الحوادث، ومن لم يجعل الله تعالى له نوراً فما له من نور.
[المفتاح الثاني]: أقوال الأئمة العلماء في تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث وقبول الحوادث
(1) قال النووي: (اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون تتأول على ما يليق بها، وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحوادث عنه، فيقال مثلاً: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به، مع أنا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث، وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم) اه([450]) .
(2) وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأنه تعالى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم أحد لا من عدد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وبأنه تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها ليس بضروري ولا كسبي ولا استدلالي، وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية متعلقة بكل ممكن فلم يوجد شيء في الماضي ولا يوجد في المستقبل إلا بها، وبأنه مريد بإرادة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية متعلقة بكل ممكن، (الحياة): وبأنه تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية، وبأنه تعالى سميع بصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر، (الكلام): وبأنه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف،،، فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال) أهـ ([451]) .
(3) وقال العلامة ابن الجوزي في كتابه دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: ” الحديث الثلاثون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليها وعندها امرأة سعيدة، فقال: من هذه،،؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، فقال: (مه عليكم ما تطيقون فو الله لا يمل الله حتي تملوا) ([452]) . وفي رواية: (لا يسأم الله حتي تسأموا)،،، والمعني، لا يترك الثواب ما لم يتركوا العمل، وأما الملل الذي هو كراهة الشيء والاستثقال له، ونفور الشيء عنه والسآمة منه، فمحال في حقه تعالى، لأنه يقتضي تفسيره، لأنه تغير وحلول الحوادث في حقه ” أهـ ([453]) .
(4) وجاء في متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى: (ومما يستحيل في حقه تعالى عشرون صفة، وهي أضداد العشرين الأولى، وهي: العدم والحدوث وطرؤ العدم والمماثلة للحوادث: بأن يكون جرما: أي تأخذ ذاته العلية قدرا من الفراغ، أو يكون عرضا يقوم بالجرم، أو يكون في جهة للجرم، أوله هو جهة، أو يتقيد بمكان، أو زمان، أو تتصف ذاته العلية بالحوادث، أو يتصف بالصغر، أو الكبر، أو يتصف بالأغراض في الأفعال أو الأحكام، وكذا يستحيل عليه تعالى: أن لا يكون قائما بنفسه، بأن يكون صفة يقوم بمحل، أو يحتاج إلى مخصص، وكذا يستحيل عليه تعالى: أن لا يكون واحدا بأن يكون مركبا في ذاته، أو يكون له مماثل في ذاته، أو صفاته، أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال، وكذا يستحيل عليه تعالى: العجز عن ممكن ما، وإيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده، أي عدم إرادته له تعالى أو مع الذهول، أو الغفلة، أو بالتعليل، أو بالطبع، وكذا يستحيل عليه تعالى: الجهل وما في معناه بمعلوم ما، والموت، والصمم، والعمى والبكم، وأضداد الصفات المعنوية واضحة من هذه) أهــ،([454]) .
(5) وجاء في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي: ” الحمد للّه المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد، إلى المنهج الرشيد، والمسلك السديد، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد، المعرف إياهم أنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثيل له، صمد لا ضد له، منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال، بتصرم الآباد وانقراض الآجال، بل {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم }، وأنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام، لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجوداً، ولا يماثله موجود {ليس كمثله شيء} ولا هو مثل شيء، وأنه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات، وأنه مستو على العرش، على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منـزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش والسماء، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء، كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد {وهو على كل شيء شهيد} إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، وأنه بائن عن خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، وأنه مقدس عن التغير والانتقال، لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منـزهاً عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار، وإتماماً منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه تعالى حي قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، والسماوات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع،،،خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى معلوماته، وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال، وأنه تعالى مريد للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره، وحكمته ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته، إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته، إلا بمشيئته وإرادته، فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفاً بها، مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله، من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته، من غير تبدل ولا تغير، دبر الأمور لا بترتيب الأفكار ولا تربص زمان، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن، وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى ولا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق، ولا يحجب سمعه بُعد ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة وأجفان، ويسمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، وأنه تعالى متكلم آمر ناه، واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنـزلة على رسله عليهم السلام، وأن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، وأنه مع ذلك قديم، قائم بذات اللّه تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق، بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى صلى اللّه عليه وسلم سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات اللّه تعالى في الآخرة من غير جوهر ولا عرض،،،،،،وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله، على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصور الظلم من اللّه تعالى، فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكل ما سواه من إنسٍ وجن ومَلَكٍ وشيطان وسماءٍ وأرض وحيوانٍ ونبات وجماد وجوهرٍ وعَرَض ومدركٍ ومحسوس حادثٌ اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان موجوداً وحده ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، ولِمَا حق في الأزل من كلمته، لا لافتقاره إليه وحاجته، وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن منه قبيحاً ولا ظلماً، وأنه عز وجل يُثَبّت عبادَهُ المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد، لا بحكم الاستحقاق واللزوم، إذ لا يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق،([455]) .
(6) وجاء في عقيدة الإمام ابن الحاجب رحمه الله (ت 646 هـ): ” بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَيُؤْمِنَ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلاَ قَسِيمَ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلُهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ صِدْقٌ، وَأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِمَنْ قَالَ هُوَ المَعْرِفَةُ فقط، وَلاَ يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ التَّابِعِ لِلْمَعْرِفَةِ عَنْ مُسْتَنَدٍ جُمْلِيٍّ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ وَوُجُودِهِ، وَوُجُوبِ وُجُودِهِ، وَثُبُوتِ قِدَمِهِ، وَعَدَمِ تَرْكِيبِهِ، وَعَدَمِ تَجْزِئَتِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِي المُتَحَيِّزِ، وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِيهِ، وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي جِهةٍ، وَاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الحَوَادِثِ بِهِ، وَاسْتِحَالَةِ الآلاَمِ وَاللَّذَّاتِ عَلَيْهِ ” أهــ([456]) .
(7) وجاء في كتاب الغنية في أصول الدين لأبي سعيد عبدالرحمن بن محمد النيسابوري (ت: 478 هـ): ” مسألة: الباري تعالى قديم، والقديم في عُرْف اللسان اسم لموجود تقدم على غيره زمانا طويلا، كما يقال رسمٌ قديم، ودارٌ قديمة، وقال تعالى: (حتى عاد كالعرجون القديم)، ومعنى وصفنا للباري تعالى بالقدم، أنه لا أول لوجوده، وإطلاق الاسم له على سبيل الأول، لأن ما تقدم على غيره زماناً معلوماً إذا سُمِّيَ قديما، فما لا أوَّلَ له أولى أن يكون قديما، والدليل على أنه قديم، أنه لو كان حادثاً لافتقر إلى محدث آخر، فيتسلسل ذلك ويؤدي إلى إثبات حوادث لا أول لها وفي ذلك حكم بإثبات قدم العالم، فإن قيل: يلزمكم مثل ذلك في إثبات موجود لا أول له، وذلك لأنه لا يعقل استمرار الوجود إلا في أوقات متعاقبة لا نهاية لها وفيه إثبات حوادث لا نهاية لها، قلنا: هذا السؤال غلط، فإن حقيقة الوقت مقارنة موجود بموجود، يُقال وقت طلوع الشمس إذا قاربت الشمس مشرقها ووقت دخول الأمير إذا قرب من البلد، وفي العُرف عبارةٌ عن حركات الفلك، وإذا ثبت هذا، فليس من شرط الوجود حركات الفلك، ولا اقتران موجود آخر به إذا لم يتعلق أحد الموجودين بالثاني مثل تعلق الصنع بالصانع، والدليل على ذلك، أنه لو افتقر كل موجود إلى وقت، فالأوقات موجودة فتفتقر إلى وقت آخر وذلك يؤدي إلى مالا يتناهى، وإذا تقرر ما ذكرناه فالباري سبحانه وتعالى منفرد بوجوده لا يقارنه حادث،، مسألة: لا يجوز قيام حادث بذات الباري تعالى: وزعمت الكرامية أنه يقوم بذات الباري تعالى قول حادث، وهو قوله للأشياء كن موجودًا أو عرضاً أو جوهراً فيحصل في الوجود، فيحدث في نفسه أولاً هذا القول، ثم يحدث ذلك الشيء بعد حدوث هذا القول لا محالة حتى لو أراد أن لا يحدث ذلك كان مستحيلا، ثم زعموا أنه لا يتصف بهذا القول ولا يسمى به قائلا، وإنما هو قائل بقائليةٍ قديمة، والقائلية عندهم القدرة على القول، والدليل على بطلان قولهم، أنه لو قبٍل ذاته الحوادث لم يخل منها كما أن الجواهر لما قبلت الحوادث لم يتصور خلوها من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، لأنهم قالوا يقوم بذاته قول حادث ثم لا يتصف به، ولو جاز قيام حادث بمحل من غير أن يتصف به المحل، لجاز في الشاهد أن يقوم بمحلٍّ قول وإرادة، ثم لا يتصف بكونه قائلا ومريدا، ولأنه لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث لجاز أن يقوم بذاته لون حادث، لأن الحق تعالى جسم على قولهم وهو متحيز ومختص بجهة، ولا يتقرر في العقول جسم متحيز يخلو عن الألوان، ولجاز أن يقوم بذاته قدرة حادثة وعلم حادث، فإن استدلوا بقوله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) فدل على أنه يحدث قولا عند إرادته خلق الأشياء، فالجواب، أن في الآية دلالة على أن قوله ليس بحادث، لأنه لو كان حادثاً لما جاز حدوثه إلا بقول آخر يسبقه، ثم القول الآخر أيضا لا يجوز حدوثه إلا بآخر يسبقه، لأنه حادث يريد وجوده وذلك يؤدي إلى التسلسل وإلى ما لا يتناهى وهو محال ” أهــ، ([457]) .
(8) وقال الإسفرائيني في كتابه التبصير: ” وأن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته لأن ما كان محلا للحوادث لم يخل منها وإذا لم يخل كان محدثا مثلها ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام (لا أحب الآفلين) بين به أن من حل به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثا لا يصح أن يكون إلها وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد والنهاية والمكان والجهة والسكون والحركة فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث وعليه يدل ما ذكرناها قبل في قصة الخليل عليه السلام ” أهـ ([458]) .
(9) وجاء في لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة: ” فصل: الرب سبحانه وتعالى يتقدس عن قبول الحوادث وانفق على ذلك أهل الملل والنحل، وخالف إجماع الأمة طائفة نبغوا من سجستان لقبوا بالكرامية، فزعموا أن الحوادث تطرأ على ذات الباري تعالى عن قولهم وهذا نص مذهب المجوس، والدليل على استحالة قيام الحوادث بذات الباري تعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها، وما لم يخل عن الحوادث حادث ” أهــ ([459]) .
(10) وجاء في كتاب تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: ” باب في أنه لا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا، ولا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا بل يجب أن يكون قديما والدليل على ذلك أنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث لأن غيره من الحوادث إنما احتاج إلى محدث من حيث كان محدثا وكذلك القول في محدثه إن كان محدثا في وجوب حاجته إلى محدث آخر وذلك محال لأنه كان يستحيل وجود شيء من الحوادث إذا كان وجوده مشروطا بوجود ما لا غاية له من الحوادث شيئا قبل شيء وهذا هو الدليل على إبطال قول من زعم من أهل الدهر أن الحوادث لا أول لوجودها ” أهــ([460]) .
(11) وجاء في كتاب التبصير في الدين: ” الباب الحادي عشر في تفصيل مقالات الكرامية وبيان فضائحهم:،، ومما ابتدعوه من الضلالات مما لم يتجاسر على اطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات وسموا ذلك سمعا وتبصرا وكذلك قالوا تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته تعالى الله عن قولهم قالوا إن هذه الحوادث هي الخلق والقدرة تتعلق بهذه الحوادث والمخلوق يقع تحت الخلق لا تتعلق به القدرة فالخلق عندهم هو القدرة على التخليق وهو قوله لما يريد أن يخلقه كن جوهرا وهذا يوجب أن يحدث في ذاته كاف ونون وجيم وواو وهاء وراء والف وسمع وإرادة قالوا وإذا أراد إعدام شيء يقول له كن فيصير الشيء فانيا والإفناء والإعدام يكونان في ذاته لا يفنيان وهذا يوجب أن يكون الشيء موجودا معنى لوجود الإعدام والإيجاد في ذاته على زعمهم وإن قالوا إنهما يغنيان عن ذاته حكموا بتعاقب الحوادث وهو أول ما يستدل به على حدوث الأجسام كيف وقولهم يوجب أن الحوادث في ذاته سبحانه أضعاف الحوادث في العالم فإذا دلت حوادث العالم على حدوثه فما هو أضعاف تلك الحوادث أولى أن يدل على حدوث محلها ولم يجد هؤلاء في الأمم من يكون لهم القول بحدوث الحوادث في ذات الصانع غير المجوس فرتبوا مذهبهم على قولهم ([461]) .
***
[5] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الجسمية
[المفتاح الاول]: من أقوال المفسرين فى تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازم التجسيم
[1] قال الزرقاني في مناهل العرفان: ” فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف، ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف (يقصد بهم المعاصرين المنتسبين للسلف وهم في حقيقة الأمر حشوية لا يفهمون مذهب السلف) متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز فكأنهم يقولون أنه مستو غير مستو ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن خصوصا في مقام التعليم والإرشاد وفي موقف النقاش والحجاج لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة ” ([462]) .
وقال رحمه الله: ” طائفة المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص وترك طريق الاستدلال رأسا مع أنه لا يخفى ما في آراء هذه الطائفة من الضلال والإضلال مع سلوكهم طريقا ليس يفيد اليقين بوجه فإن للتخاطبات مناسبات ترد بمطابقتها فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي وتأويل ما يفيد بظاهره نقصا إلى ما يفيد الكمال وإذا صح التأويل للبرهان في شيء صح في بقية الأشياء حيث لا فرق بين برهان وبرهان ولا لفظ ولفظ وقال في قوله تعالى ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات إن الوحي من الله للنبي تنزيلا وإنزالا ونزولا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولا حسيا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض ومن الغريب أنهم يقولون في الرد على هذا إن علو الله على خلقه حقيقة أثبتها لنفسه في كتابه لا حاجة لتأويله بعلو مرتبة الربوبية وليت شعري إذا لم نؤوله بعلو مرتبة الربوبية فماذا نريد منه وهل بقي بعد ذلك شيء غير العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيز ولا يمكن نفي ذلك اللازم عنه متى أردنا العلو الحسي فإن نفي التحيز عن العلو الحسي غير معقول ولا معنى للاستلزام إلا هذا أما هم فينفون اللوازم ولا أدري كيف ننفي اللوازم مع فرضها لوازم هذا خلف، ولكن القوم ليسوا أهل منطق والمتتبع لكلامهم يجد فيه العبارات الصريحة في إثبات الجهة لله تعالى وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا فإن سمعت منهم سوى ذلك فهو قول متناقض وكلامهم لا معنى له ” ([463]) .
[2] قال القرطبي رحمه الله: ” فيجوز أن يقال لله تعالى نور من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة، هو نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على مايعرف في موضعه من علم الكلام، ثم إن قولهم متناقض فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور وذلك متناقض وتحقيقه في علم الكلام والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية وقوله عليه السلام إذا قام من الليل يتهجد اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض وقال عليه السلام وقد سئل هل رأيت ربك فقال رأيت نورا إلى غير ذلك من الأحاديث واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها فالكلام على التقريب للذهن ” ([464]) .
ـ وقال رحمه الله: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى أعتقدوا أن الباريء تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” [تفسير القرطبي ج: 4 ص: 14] أهـ، وقال رحمه الله: “،، وهو معهم أي بالعلم والرؤية والسمع هذا قول أهل السنة وقالت الجهمية والقديرة والمعتزلة هو بكل مكان تمسكا بهذه الآية وما كان مثلها قالوا لما قال وهو معهم ثبت أنه بكل مكان لأنه قد أثبت كونه معهم تعالى الله عن قولهم فإن هذه صفة الأجسام والله تعالى متعال عن ذلك “([465]) .
[3] وقال الجصاص في أحكام القرآن: ” وقوله تعالى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ } [البقرة: 210] هذا من المتشابهالذي أمرنا الله برده إلى المحكم في قوله{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } [آل عمران: 7] وإنما كان متشابها لاحتماله حقيقة اللفظ وإتيان الله واحتماله أن يريد أمر الله ودليل آياته كقوله في موضع آخر هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة او يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك فجميع هذه الآيات المتشابهة محمولة على ما بينه في قوله أو يأتي ربك لأن الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان ولا المجيء ولا الانتقال ولا الزوال لأن ذلك من صفات الأجسام ودلالات الحدث وقال تعالى في آية محكمة ليس كمثله شيء ” ([466]) .[4] وقال الزركشي في البرهان: ” قوله تعالى {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ } [الأنعام: 3] 3 اختار البيهقي معناه أنه المعبود في السماوات والأرض مثل قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } [الزخرف: 84] 4 وهذا القول هو أصح الأقوال وقال الأشعري في الموجز وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم أي عالم بما فيهما وقيل وهو الله في السماوات جملة تامة وفي الأرض يعلم كلام آخر وهذا قول المجسمة واستدلت الجهمية بهذه الآية على أنه تعالى في كل مكان وظاهر ما فهموه من الآية من أسخف الأقوال ” ([467]) .
[5] وقال بن الجوزي الحنبلي في زاد المسير: ” وفي المشار إليه بقوله ثم دنا ثلاثة أقوال أحدها أنه الله عز وجل روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وروى أبو سلمة عن ابن عباس (ثم دنا) قال دنا ربه فتدلى وهذا اختيار مقاتل قال دنا الرب من محمد ليلة أسري به فكان منه قاب قوسين أو أدنى وقد كشفت هذا الوجه في كتاب المغني وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك والثاني أنه محمد دنا من ربه قاله ابن عباس والقرظي والثالث أنه جبريل ” ،([468]) .
وقال رحمه الله: – عن الاستواء –: ” وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية وقد شذ قوم فقالوا العرش بمعنى الملك وهذا عدول عن الحقيقة الى التجوز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى وكان عروشه على الماء أتراه كان الملك على الماء وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء وبعضهم يقول استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر حتى استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق ويقول الشاعر أيضا هما استويا بفضلهما جميعا على عرش الملوك بغير زور وهذا منكر عند اللغويين قال ابن الاعرابي العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى ومن قال ذلك فقد أعظم قالوا وإنما يقال استولى فلان على كذا إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه ثم تمكن منه والله عز وجل لم يزل مستوليا على الأشياء والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي ولو صحا فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة “ ([469]) .
[6] جاء في تفسير البحر ا لمحيط: – عند تفسير الآية {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 115] -: ” فثم وجه الله إذا كان للفظ دلالة على التجسيم فنحمله، إمّا على ما يسوغ فيه من الحقيقة التي يصح نسبتها إلى الله تعالى إن كان اللفظ مشتركاً، أو من المجاز إن كان اللفظ غير مشترك، والمجاز في كلام العرب أكثر من رمل يبرين ونهر فلسطين، فالوقوف مع ظاهر اللفظ الدال على التجسيم غباوة وجهل بلسان العرب وأنحائها ومتصرّفاتها في كلامها، وحجج العقول التي مرجع حمل الألفاظ المشكلة إليها، ونعوذ بالله أن نكون كالكرامية، ومن سلك مسلكهم في إثبات التجسيم ونسبة الأعضاء لله، تعالى الله عما يقول المفترون علواً كبيراً، ” [البحر المحيط: البقرة:115] أهـ،([470]) .
وقال رحمه الله: ” {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } [المائدة: 64]، وقيل عن ابن عباس: يداه نعمتاه، فقيل: هما مجازان عن نعمة الدين ونعمة الدّنيا، أو نعمة سلامة الأعضاء والحواس ونعمة الرّزق والكفاية، أو الظاهرة والباطنة، أو نعمة المطر ونعمة النبات، وما ورد مما يوهم التجسيم كهذا، وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}و{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا}و{يد الله فوق أيديهم} و{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}و{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}و{هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}ونحوها، فجمهور الأمة أنها تفسر على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين الكلام، ” ([471]) . وقال رحمه الله: – عند تفسير سورة الأعراف: آية {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}- ” والظاهر نسبة التجلي إليه تعالى على ما يليق به من غير انتقال ولا وصف يدلّ على الجسمية ” ([472]) .
[7] قال الألوسي في روح المعاني: “وقوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا}الخ تبكيت إثر تبكيت مؤكد لما يفيده الأمر التعجيزي من عدم الإستجابة ببيان فقدان آلاتها بالكلية وقيل أنه على الإحتمال الأول في المماثلة كر على المثلية بالنقض لأنهم أدون منهم وعبادة الشخص من هو مثله لا تليق فكيف من هو دونه وعلى الإحتمال الثاني فيها عود على الفرض المبني عليه المثلية بالإبطال وعلى قراءة التخفيف وإرادة النفي تقرير لنفي المماثلة بإثبات القصور والنقصان ووجه الإنكار إلى كل واحد من تلك الآلآت الأربع على حدة تكريرا للبكيت وتثنية للتقريع وإشعارا بأن إنتفاء كل واحدة منها بحيالها كاف في الدلالة على إستحالة الإستجابة، وليس المراد أن من لم يكن له هذه لا يستحق الألوهية وإنما يستحقها من كانت له ليلزم إما نفي إستحقاق الله تبارك وتعالى لها أو إثبات ذلك له كما ذهب إليه بعض المجسمة ([473]) . وقال رحمه الله: ” وقرأ الأعمش (فتعالى) أي تعالى وتقدس بذاته وأفعاله عن إشراكهم وأن تكون موصولة على معنى تعالى عن شركة ما يشركونه من الباطل الذي لا يبديء ولا يعيد واستدل بالآية على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام والأجسام كما يقوله المجسمة “أهـ، ([474])
وقال رحمه الله: ” وأخرج ابن أبى حاتم في مناقب الشافعى عن يونس بن عبد الاعلى قال سمعت الشافعى يقول الله تعالى اسماء وصفات لا يسع احدا ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر وأما قبل قيام الحجة فانه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفى عنها التشبيه كما نفى سبحانه عن نفسه فقال ليس كمثله شئ وذكر الحافظ ابن حجر في فتح البارى أنه قد اتفق على ذلك أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة صلى الله تعالى عليه وسلم وكلام امام الحرمين في الارشاد يميل إلى طريقة التأويل وكلامه في الرسالة النظامية مصرح باختياره طريقة التفويض حيث قال فيها والذي نرتضيه رايا وندين به عقدا اتباع سلف الامة فالأولى الأتباع وترك الابتداع والدليل السمعى القاطع في ذلك اجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم فانهم درجوا على ترك التعرض لمعانى المتشابهات مع أنهم كانوا لا يالون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصى بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون اليه منها فلو كان تأويل هذه الظواهر مسنونا أو محتوما لا وشك أن يكون اهتمامهم بها فوق الأهتمام بفروع الشريعة وقد اختاره أيضا الأمام أبو الحسن الاشعرى في كتابه الذى صنفه في اختلاف المضلين ومقالات الاسلاميين وفي كتابه الابانة في اصول الديانة وهو أخر مصنفاته فيما قيل وقال البيضاوى في الطوالع والأولى اتباع السلف في الأيمان بهذه الأشياء يعنى المتشابهات ورد العلم إلى الله تعالى بعد نفى ما يقتضى التشبيه والتجسيم عنه تعالى انتهى([475]) وقال رحمه الله: ” واستدل المجسمة بقول سبحانه {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ،، } [طه: 74] على ثبوت مكان له تعالى شأنه وأجيب بأن المراد من إتيانه تعالى إتيان موضع وعده عز وجل أو نحو ذلك” أهـ([476]) .
، وقال رحمه الله: ” في هذه الآيات الإبراهيمية عدة أحكام: الأول: أن قوله سبحانه لا أحب الآفلين يدل على أنه عز وجل ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا فيكون آفلا والأفول ينافي الربوبية ولا يخفى أن عد تلك الغيبة المفروضة أفولا لا يخلوا عن شيء لأن الافول احتجاب مع انتقال وتلك الغيبة المفروضة لم تكن كذلك بل هي مجرد احتجاب فيما يظهر نعم أنه ينافي الربوبية أيضا لكن الكلام في كونه أفولا ليتم الاحتجاج بالآية لا يقال قد جاء في حديث الاسراء ذكر الحجاب فكيف يصح القول بأن الاحتجاب مناف للربوبية لأنا نقول الحجاب الوارد كما قال القاضي عياض إنما هو في حق العباد لا في حقه تعالى فهم المحجوبون والباري جل اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس ونص واحد أن ذكر الحجاب له تعالى تمثيل لمنعه سبحانه الخلق عن رؤيته”([477]) .
[8] وقال الثعالبي في تفسيره: ” وقوله تعالى {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائة: 64]العقيدة في هذا المعنى نفي التشبيه عن الله سبحانه وأنه ليس بجسم ولا له جارحة ولا يشبه لا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا قال ابن عباس في هذه الآية يداه نعمتاه ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين النعمتين فقيل نعمة الدنيا ونعمة الآخرة وقيل النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة والظاهر أن قوله سبحانه بل يداه مبسوطتان عبارة عن إنعامه على الجملة وعبر عنها باليدين جريا على طريقة العرب في قولهم فلان ينفق بكلتا يديه ومنه قول الأعشى يداك يدا مجد فكف مفيدة وكف إذا ما ضن بالمال تنفق ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الأنعام قرينة الإنفاق ” أهـ ([478]) .
وقال رحمه الله: ” قال الفخر: قوله تعالى {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [الأنعام: 54] النفس هاهنا بمعنى الذات والحقيقة لا بمعنى الجسم والله تعالى مقدس عنه انتهى ([479]) .
[9] وقال القاضي بن جماعة في إيضاح الدليل: – عند تفسير قوله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ،، } [الزمر: 56] – ” قد تقدم أن الجسمية في حقه تعالى محال فوجب تأويل الجنب المذكور هنا وأن المراد به طاعته وأمره لأن استعمال ذلك فيهما معهود شايع في كلام العرب وعرف الناس قال مجاهد يعني ما ضيعت في أمر الله ويقال فلان يهمل جانب فلان ورمى فلان جنب فلان أي لا يطيعه ولا يتعهده ذلك لأن الجنب المعهود لا يقع فيه تفريط ولا يعقل معناه فيه بل إنما يقع التفريط في طاعة الأمر وفي حق واجب أي بتركه وقد أنشد ثعلب فيه خليلي كفا واذكر الله في جنبي ووجه التجوز عن الطاعة أن تارك الحق مخالف الأمر ” أهـ،([480]) .
وقال رحمه الله: ” واتفق السلف وأهل التأويل على أن ما لا يليق من ذلك بجلال الرب تعالى غير مراد كالقعود والاعتدال واختلفوا في تعيين ما يليق بجلاله من المعاني المحتملة كالقصد والاستيلاء فسكت السلف عنه وأوله المؤولون على الاستيلاء والقهر لتعالي الرب عن سمات الأجسام من الحاجة إلى الحيز والمكان وكذلك لا يوصف بحركة أو سكون أو اجتماع وافتراق لأن ذلك كله من سمات المحدثات وعروض الأعراض والرب تعالى مقدس عنه ” أهـ،([481]) .
وقال رحمه الله: – عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ } [البقرة: 46]، وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110] -: ” اعلم أن اللقاء لغة هو الاجتماع المحسوس قربه في مكان وهو من صفات الأجسام قال الله تعالى: {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}أي قرب أحدهما من الآخر ولما ثبت أنه تعالى ليس بجسم وجب تأويل ذلك على ما يليق بجلاله وهو إما رؤيته كما يقول أهل السنة لأن من لقي شيئا أبصره فأطلق السبب على المسبب وإما ظهور عظمته وسلطانه وقدرته وقهره لأن من لقي من هذه صفته ظهر له ذلك فأطلق اسم السبب على المسبب وأما المماسة والمجاورة فقد أبطلناهما فتعين ما ذكرناه لأن أحدا لم يقل إن ذوات الناس تماس ذات الباري تعالى ” أهـ([482]) .
[10] وقال الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير في تفسير الاية: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله): ” والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه، وأسند الاتيان إلى الله تعالى في هذه الاية على وجه الاثبات، فاقتضى ظاهره اتصاف الله به، ولما كان الاتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الاتيان وكان ذلك يستلزم الجسم والله منزه عنه،، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي فإن كان الكلام خبرا أو تهكما فلا حاجة للتأويل، وإن كان الكلام وعيدا من الله لزم التأويل لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد فلابد من تأويل هذا عندنا على الأصل في تأويل المتشابه أهـ،([483]) .
[المفتاح الثاني]: من أقوال علماء الحديث فى تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازم التجسيم
[1] قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: وقيل معنى (وحدته) علمته واحدا وقيل سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له وفي صفاته لا شبيه له في الوهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره وقال بن بطال تضمنت ترجمة الباب أن الله ليس بجسم لأن الجسم مركب من أشياء مؤلفة وذلك يرد على الجهمية فس زعمهم أنه جسم كذا وجدت فيه ولعله أراد ان يقول المشبهة واما الجهمية فلم يختلف أحد ممن صنف في المقالات انهم ينفون الصفات حتى نسبوا الى التعطيل ” أهـ([484]) .
وقال رحمه الله: ” قال البيهقي صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول وعروج الملائكة هو الى منازلهم في السماء وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله الى الله فهو على ما تقدم عن السلف في التفويض وعن الأئمة بعدهم في التأويل وقال بن بطال غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسمة في تعلقها بهذه الظواهر وقد تقرر ان الله ليس بجسم فلا يحتاج الى مكان يستقر فيه فقد كان ولا مكان وانما أضاف المعارج اليه إضافة تشريف ومعنى الارتفاع اليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان انتهى ” أهـ،([485]) .
وقال رحمه الله: ” ولفظ مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة قال فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم منه ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى ولعله أشار الى تأويله به وقال القرطبي في المفهم: الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر الكبرياء ردائي والعظمة إزاري وليس المراد الثياب المحسوسة لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر العظمة والكبرياء بهما ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم ونقل الطبري عن علي وغيره في قوله تعالى ولدينا مزيد قال هو النظر الى وجه الله قوله في جنة عدن قال بن بطال: لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان فيكون تأويل الرداء الآفة الموجودة لأبصارهم المانعة لهم من رؤيته وإزالتها فعل من أفعاله يفعله في محل رؤيتهم فلا يرونه ما دام ذلك المانع موجودا فإذا فعل الرؤية زال ذلك المانع وسماه رداء لتنزله في المنع منزلة الرداء الذي يحجب الوجه عن رؤيته فأطلق عليه الرداء مجازا وقوله في جنة عدن راجع الى القوم وقال عياض معناه راجع الى النظرين أي وهم في جنة عدن لا الى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه وقال القرطبي يتعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل كائنين في جنة عدن وقال الطيبي قوله في جنة عدن متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف فيقيد بالمفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة واليه أشار التوربشتي بقوله يشير الى ان المؤمن إذا تبوأ مقعده والحجب مرتفعة والموانع التي تحجب عن النظر الى ربه مضمحلة الا ما يصدهم من الهيبة كما قيل أشتاقه فإذا بدا أطرقت من اجلاله فإذا حفهم برأفته ورحمته رفع ذلك عنهم تفضلا منه عليهم ” أهـ، ([486]) .
وقال رحمه الله: ” بعيني أي أحفظه ومنه قوله تعالى {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا،، } [هود: 37] أي نحن نراك ونحفظك ومثله تجري بأعيننا وقوله ولتصنع على عيني أي بحفظي قال وتستعار العين لمعان أخرى كثيرة وقال بن بطال احتجت المجسمة بهذا الحديث (حديث الاعور الدجال) وقالوا في قوله وأشار بيده الى عينه دلالة على ان عينه كسائر الأعين وتعقب باستحالة الجسمية عليه لأن الجسم حادث وهو قديم فدل على ان المراد نفي النقص عنه انتهى([487]) .
وقال رحمه الله: ” لو قال من ينسب الى التجسيم من اليهود لا اله الا الذي في السماء لم يكن مؤمنا كذلك الا ان كان عاميا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفى منه بذلك كما في قصة الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم أنت مؤمنة قالت نعم قال فأين الله قالت في السماء فقال اعتقها فانها مؤمنة وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، قال الحليمي ولو قال اليهودي لا إله إلا الله لم يكن مسلما حتى يقر بأنه ليس كمثله شيء” ([488]) .
وقال الحافظ البدر العيني في عمدة القاري: ” حمل صاحب (المفهم) الحديث على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيها: «يتنزل ربنا»، بزيادة: تاء، بعد: ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي وإليها يرد «ينزل» على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة الله وجلاله واستغنائه أن لا يعبأ بحقير ذليل فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم، ويكون قوله: (إلى السماء الدنيا)، عبارة عن الحالة القريبة إلينا، والدنيا بمعنى: القربى، والله أعلم، ثم الكلام هنا على أنواع، الأول: احتج به قوم على إثبات الجهة لله تعالى، وقالوا: هي جهة العلو، وممن قال بذلك: ابن قتيبة وابن عبد البر، وحكي أيضا عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، وأنكر ذلك جمهور العلماء لأن القول بالجهة يؤدي إلى تحيز وإحاطة، وقد تعالى الله عن ذلك، الثاني: أن المعتزلة أو أكثرهم: كجهم بن صفوان وإبراهيم بن صالح ومنصور بن طلحة والخوارج، أنكروا صحة تلك الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما ورد من ذلك في القرآن وأنكروا ما ورد في الحديث إما جعلاً وإما عنادا، [و]الجمهور سلكوا في هذا الباب الطريق الواضحة السالمة، وأجروا على ما ورد مؤمنين به منزهين لله تعالى عن التشبيه والكيفية، وهم: الزهري والأوزاعي وابن المبارك ومكحول وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهم من أئمة الدين، ومنهم الأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، قال البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات): قرأت بخط الإمام أبي عثمان الصابوني، عقيب حديث النزول: قال الاستاذ أبو منصور (يعني) الجمشاذي: وقد اختلف العلماء في قوله: (ينزل الله)، فسئل أبو حنيفة فقال: بلا كيف، وقال حماد بن زيد: نزوله إقباله، وروى البيهقي في (كتاب الاعتقاد) بإسناده إلى يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لِمَ ولا كيف، وروى بإسناده إلى الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: الأصل كتاب أو سنة أو قول بعض أصحاب رسول الله أو إجماع الناس، قلت: لا شك أن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت، والله منزه عن ذلك، فما ورد من ذلك فهو من المتشابهات، فالعلماء فيه على قسمين: الأول: المفوضة: يؤمنون بها ويفوضون تأويلها إلى الله، عز وجل، مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان، والثاني: المؤولة: يؤولون بها على ما يليق به بحسب المواطن، فأولوا بأن معنى: ينزل الله: ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة، ومعناه: التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحو ذلك،، وقال القاضي البيضاوي، لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته، وقد روي: يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا، أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة والعفو، ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا ليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى، فالنزول: لغة، يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } [الفرقان: 48]و: الإعلام {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: 391]، أي: أعلم به الروح الأمين محمدا، وبمعنى: القول {سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 39]، أي سأقول مثل ما قال، والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون: نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دنيها، ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى: نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان، أي: حكم، وذلك كله متعارف عند أهل اللغة: وإذا كانت مشتركة في المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل جلاله من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني، وهو: إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستيقاظ بالتذكير والتنبيه الذي يلقى في القلوب، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة، ووجدناه، تعالى خص بالمدح المستغفرين بالأسحار، فقال تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 81]، قوله: «عز وجل»، وفي بعض النسخ: «تبارك وتعالى»، وهما جملتان معترضتان بين الفعلوالفاعل وظرفه: لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة إلى الله تعالى، وأتى بمايدل على التنزيه على سبيل الاعتراض، قوله: (حين يبقى ثلث الليل الآخر)، وعند مسلم: (ثلث الليل الأول) وفي لفظ: (شطر الليل أو ثلث الليل الأخير)، وههنا ست روايات: الأولى: هي التي ههنا وهي: ثلث الليل الأول، الثانية: إذا مضى الثلث الأول، الثالثة: الثلث الأول أو النصف، الرابعة: النصف، الخامسة: النصف أو الثلث الأخير، السادسة: الإطلاق، والمطلقة منها تحمل على المقيدة، والتي بحرف الشك، فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه، فإن قلت: إذا كانت كلمة: أو، للترديد بين حالين كيف يجمع بذلك بين الروايات؟ قلت: يجمع بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحول، لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم وتأخره عنه آخرين، وقد مر الكلام فيه من وجه آخر عن قريب، فإن قلت: ما وجه التحصيص بالثلث الأخير الذي رجحه جماعة على غيره من الروايات المذكورة؟ قلت: لأنه وقت التعرض لنفحات رحمة الله تعالى، ” ([489]) . وقال رحمه الله: ” قوله في الحديث: (لا شخص أغير من الله) غيره الله هي كراهيته الاتيان بالفواحش، أي عدم رضاه به لا عدم إرادته وقيل: الغضب لازم الغيرة، أي غضبه عليها، ثم لازم الغضب إرادة إيصال العقوبة عليها، وقوله في الحديث: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) يعنى: إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سرا ذكرته بالثواب والرحمة سراً وقيل معناه: إن ذكرني بالتعظيم أذكره بالإنعام، ولفظ النفس والتقرب والهرولة، إنما هو مجاز على سبيل المشاكلة أو على طريق الاستعارة أو على قصد إرادة لوازمها، وهو من الأحاديث القدسية الدالة على كرم أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، ” ([490]) .، وقال رحمه الله: ” إن الله ليس بأعور “: قيل فيها نفى العور وإثبات العين، ولما كان منزها عن الجسمية والحدقة ونحوها لابد من الصرف إلى ما يليق به وهو نفى النقص والعور عنه جلت عظمته ” ([491]) .
[2] وقال الحافظ بن عبد البر رحمه الله: ” قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق ” أهـ [التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ص: 137]،
[3] وقال القسطلاني رحمه الله: قوله:(إن الله ليس بأعور) قيل في إشارته الى العين نفى العور وإثبات العين ولما كان منزها عن الجسمية والحدقة ونحوها ونحوهما لابد من الصرف إلى ما يليق به، واحتجت المجسمة بقوله: إن الله ليس بأعور وبإشارته بيده إلى عينه على أن عينه كسائر الأعين، قلنا: إذا قامت الدلائل على استحالة كونه محدثا وجب صرف ذلك إلى معنى يليق به وهو نفي النقص والعور عنه جلت عظمته، وأنه ليس كمن لا يرى و لا يبصر بل منتف عنه جميع النقائص والآفات([492])
[4] الإمام ابن العربي المالكي وكلامه في المجسمة والحشوية: قال الإمام المجتهد المحقق ابن العربي المالكي رحمه الله في كتابه[العواصم من القواصم (قاصمة): وقد بينّا في غير موضع أنّ الكائدين للإسلام كثير، والمقصرون فيه كثير، وأولياؤه المشتغلون به قليل، فممن كاده: الباطنية، وقد بينّا جملة أحوالهم، وممن كاده: الظاهرية، وهم طائفتان: إحداهما: المتبعون للظاهر في العقائد والأصول، الثانية: المتبعون للظاهر في الأصول، وكلا الطائفتين في الأصل خبيثة، وما تفرع عنهما خبيث مثلهما، فالولد من غير نكاح لغية، والحية لا تلد إلا حية، وهذه الطائفة الآخذة بالظاهر في العقائد هي في طرف التشبيه، كالأولى في التعطيل، وقد بُليتُ بهم في رحلتي وتعرّضوا لي كثيراً دون بُغيتي، وأكثر ما شاهدتهم بمصرَ والشام وبغداد، يقولون: إن الله تعالى أعلم بنفسه وصفاته ومخلوقاته منّا، وهو معلمنا، فإذا أخبرنا بأمره آمنّا به كما أخبر واعتقدناه كما أمر، وقالوا حين سمعوا {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة}و {وجاء ربك والملك صفّاً صفاً}و {فأتى الله بنيانهم من القواعد}و (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا) أنه يتحرك وينتقل ويجيء ويذهب من موضع إلى موضع، ولما سمعوا قوله: {الرحمن على العرش استوى}قالوا: أنه جالسٌ عليه، متصل به، وأنه أكبر بأربع أصابع، إذ لا يصح أن يكون أصغر منه لأنه العظيم ولا يكون مثله لأنه {ليس كمثله شيء}، فهو أكبر ن العرش بأربع أصابع، ولقد أخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة السلام أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي من نيسابور، فعقد مجلساً للذكر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ {الرحمن على العرش استوى }، قال لي أخصهم: فرأيت – يعني الحنابلة – يقومون في أثناء المجلس ويقولون: قاعدٌ قاعدٌ بأرفع صوتٍ وأبعده مدى، وثار إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري ومن أهل الحضرة، وتثاور الفئتان، وغلبت العامة فأجحروهم المدرسة النظامية وحصروهم فيها، فرموهم بالنشاب، فمات منهم قوم، وركب زعيم الكفاة وبعض الدارية فسكنوا ثورتهم وأطفوا نورتهم، وقالوا: أنه يتكلم بحرف وصوت، وعزوه إلى أحمد بن حنبل، وتعدى بهم الباطل إلى أن يقولوا: إن الحروف قديمة !! وقالوا: أنه ذو يد وأصابع وساعد وذراع وخاصرة وساق ورجل يطأ بها حيث شاء، وأنه يضحك ويمشي ويهرول، وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء – رئيس الحنابلة ببغداد – كان يقول إذا ذكر الله تعالى وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، يقول: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة !! وانتهى بهم القول إلى أن يقولوا: إن أراد أحد أن يعلم الله فلينظر إلى نفسه فإنه الله بعينه، إلا أن الله منزه عن الآفات قديم لا أول له دائم لا يفنى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم على صورته) وفي رواية: (على صورة الرحمن) وهي صحيحة، فلله الوجه بعينه لا ننفيه ولا نتأوله، إلى محالات لا يرضى بها ذو نهى، وكان رأس هذه الطائفة بالشام أبو الفرج الحنبلي بدمشق، وابن الرميلي المحدث ببيت المقدس، والقطرواني بنواحي نابلس، والفاخوري بديار مصر، ولحقت منهم ببغداد أبا الحسين بن أبي يعلى الفراء، وكل منهم ذو أتباع من العوام، جمعاً غفيراً وعصبة عصية عن الحق وعصبية على الخلق، ولو كانت لهم أفهام ورزقوا معرفة بدين الإسلام لكان لهم من أنفسهم وازع، لظهور التهافت على مقالاتهم، وعموم البطلان لكلماتهم، ولكن الفدامة استولت عليهم، فليس لهم قلوب يعقلون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، أؤلئك كالأنعام بل هم أضل، ولقد أخبرني غير واحد عن أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الاسفراييني أنه خرج يوما على أصحابه مسروراً فسألوه، فقال: ناظرت اليوم عاميا فظهرت عليه، فقيل له: وأنت تظهر على الأيمة، فكيف تفرح بالظهور على العوام؟ فقال: العالم يرده علمه وعقله ودينه، والعامي لا يرده فهمٌ ولا يردعه دين، فغلبته نهزة ونادرة، قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: وأنبئكم بغريبة، أني ما لقيت طائفة إلا وكانت لي معهم وقفة في مقالاتهم – عصمني الله بالنظر بتوفيقه منها – إلا الباطنية والمشبهة، فإنها زعنفة تحققت أنه ليس وراءها معرفة، فقذفتْ نفسي كلامها من أول مرة، وسائر الطوائف لا بد أن يقف الفكر عقلا وشرعا من أي وجه طلبت الدليل حتى يرشده العقل والشرع إلى مأخذ النجاة،،] انتهى،([493]) .
[5] وقال الحافظ بن الجوزي في الباز الأشهب – وهو يرد على حشوية الحنابلة -: ” الحديث الحادي والثلاثون: روت خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” آخر وطأة وطئها الرحمن بوج، ووج ” واد بالطائف” وهي آخر وقعة أوقعها الله بالمشركين علي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله: ” اللهم اشدد وطأتك علي مضر “، ومأخوذ من القدم، وإلي هذا ذهب ابن قتيبة وغيره، (وقال سفيان بن عيينة في تفسير هذا الحديث: آخر غزاه غزاها رسول الله بالطائف)، وقال القاضي [أبو يعلى] غير ممتنع علي أصولنا، حمل هذا الخبر علي ظاهره، وإن ذلك المعني بالذات دون الفعل، لأنا حملنا قوله: “ينزل ويضع قدمه في النار ” علي الذات، قلت: وهذا الرجل يشير بأصولهم إلي ما يوجب التجسيم والانتقال والحركة، وهذا مع التشبيه بعيد عن اللغة ومعرفة التواريخ وأدلة العقول، وإنما اغتر بحديث روي عن كعب أنه قال: ” ووج مقدس، منه عرج الرب إلي السماء، ثم قضي خلق الأرض “، وهذا لو صح عن كعب احتمل أن يكون حاكيا عن أهل الكتاب، وكان يحكي عنهم كثيرا، ولو قدرناه من قوله كان معناه: إن ذلك المكان آخر ما استوي من الأرض لما خلقت، ثم عرج الرب، أي عمد إلي خلق السماء وهو قوله:” ثم استوي إلي السماء وهي دخان “، ويروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلمقال) لما أسري بي، مر بي جبريل عليه السلام -حتى أتي بي إلي الصخرة، فقال:” يا محمد من هاهنا عرج ربك إلي السماء (، قلت: وهذا يرويه بكر بن زياد، وكان يضع الحديث عن الثقات، فإن قيل: قال ابن عباس: استوي إلي السماء: صعد قلنا: صعد أمره، إذ لايجوز عليه الانتقال والتغير، واعلم أن في أخبار الصفات علي ثلاث مراتب: أحدهما: امرارها علي ما جاءت من غير تأويل ولا تفسير، إلا أن تقع ضرورة كقوله:” جاء ربك ” أي جاء أمره وهذا مذهب السلف، المرتبة الثانية: التأويل وهو مقام خطر علي ما سبق بيانه، والمرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضي الحس، وقد عم جهله الناقلين، إذ ليس لهم حظ من علوم المعقولات، التي بها يعرف ما يجوز علي الله وما يستحيل فإن علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فإذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضي الحس، وإليه أشار القاضي بقوله: ” لا يمتنع أن تحمل الوطأة التي وطئها الحق علي أصولنا وأنه معني يتعلق بالذات “، وأصولهم علي زعمه ترجع إلي الحس، ولو فهموا أن الله تعالي لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا تغير، ما بنوا علي الحسيات، والعجب أن يقر بهذا القول ثم يقول: ” من غير نقلة ولا حركة ” فينقض ما يبني، ومن أعجب ما رأيت لهم ما أنبأنا عبد العزيز بن كادس، قال أنبأنا أبو طالب العشاري قال: أنبأنا البنا، قال: أنبانا أبو الفتح ابن أبي الفوارس ٌقال: أنبأنا أبو علي الصواف قال: أنبأنا أبو جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة أنه قال:) في كتاب العرش إن الله تعالي قد أخبرنا أنه صار من الأرض إلي السماء، ومن السماء إلي العرش ثم استوي علي العرش، قلت: ونحن نحمد الله إذ لم يبخس حظنا من المنقولات، ولا من المعقولات ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعاب الناس كلامهم، “([494]) .
[6] وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم: ” قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا قال وهذا كقوله المجسمة جسم لا كالاجسام لما رأوا اهل السنة يقولون الباري سبحانه وتعالى شئ لا كالاشياء طردوا الاستعمال فقالوا جسم لا كالاجسام والفرق أن لفظ شئ لا يفيد الحدوث ولا يتضمن ما يقتضيه وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث قال العجب من ابن قتيبة في قوله صورة لا كالصور مع أن ظاهر الحديث على رأيه يقتضي خلق آدم على صورته فالصورتان على رأيه سواء فاذا قال لا كالصور تناقض قوله ويقال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها وحينئذ يكون موافقا على افتقاره الى التأويل واختلف العلماء في تأويله فقالت طائفة الضمير في صورته عائد على الأخ المضروب وهذا ظاهر رواية مسلم وقالت طائفة يعود الى آدم وفيه ضعف وقالت طائفة يعود الى الله تعالى ويكون المراد اضافة تشريف واختصاص كقوله تعالى ناقة الله وكما يقال في الكعبة بيت الله ونظائره والله اعلم ” ([495]) .
[7] قال السيوطي في الديباج: ” (فيأتيهم الله) إلى آخره هذا من أحاديث الصفات، فإما أن يوقف عن الخوض في معناه ويعتقد له معنى يليق بجلال الله تعالى مع الجزم بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوقين، أو يؤول على ما يليق به فيجعل الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ولأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان وقيل المراد يأتيهم بعض ملائكته قال القاضي وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث قال ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة على الملك المخلوق قال أو يكون معناه يأتيهم الله بصورة ويظهر لهم في صورة ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه صفات الإله ليختبرهم وهذا آخر امتحان للمؤمنين فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة أنا ربكم وعليه من علامة المخلوق ما ينكرونه ويعلمون به أنه ليس ربهم استعاذوا بالله منه وأما قوله فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فالمراد التي يعلمونها ويعرفونه بها وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت لهم رؤية له سبحانه لأنهم يرونه لا يشبه شيئا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم وإنما عبر عن الصفة بالصورة لمجانسة الكلام فإنه تقدم ذكر الصورة فيتبعونه أي يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة “([496]) . وقال رحمه الله: ” (اليمين) إذا كانت بمعنى المناسبة ل الشمال لا يوصف بها الباري سبحانه لأنه مقدس عن التجسيم والحد وإنما خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يفهمونه وأراد الإخبار بأن الله سبحانه و تعالى لا ينقصه الإنفاق ولا يمسك خشية الإملاق وعبر عن توالي النعم وسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه قلت وهذا يسمى في فن البيان بالاستعارة التمثيلية (يرفع ويخفض) قيل هو عبارة عن توسيع الرزق وتقتيره على من يشاء وقيل هو عبارة عن تصاريف المقادير في الخلق بالعزة والذلة “([497]) .
[8] وقال الزرقاني في شرحه على الموطأ: ” وقال البيضاوي لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه فالمراد دنو رحمته أي ينتقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفة الإكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة ” أهـ،([498]) .
[9] وقال القاضي بن جماعة في إيضاح الدليل: ” الحديث الرابع عشر: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ” جاء حبر من أهل الكتاب إلى النبي إن الله يضع السماء على أصبع والأرض على أصبع والجبال على أصبع والأنهار على أصبع وسائر الخلق على أصبع الحديث فضحك رسول الله وقال وما قدروا الله حق قدره ومنه قوله قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد بقلبه حيث شاء “، لما كان حمل هذا الحديث على العضو المعروف منا محالا على الله تعالى لما يلزم عليه من الجسمية وجب تأويله أما أولا فلأنه كلام يهودي فلا يحتج به وقد علم أن اليهود مشبهة ومجسمة، وأما ضحك النبي كان استخفافا باليهودي وإنكارا لما قاله بدليل تلاوة الآية فإنه ظاهر في رد ما قاله والإنكار عليه فإن سامع الكلام الباطل يضحك منه استخفافا فإن قيل قد ورد في بعض طرقه تعجبا وتصديقا قلنا لم يرو الأكثر ذلك ولعله توهم من الراوي لا أن ذلك من ألفاظ الرسول عليه الصلاة والسلام ولا في اللفظ ما يشعر بذلك، وبتقدير صحته فمعناه إن هذه المخلوقات العظيمة بالنسبة إلى عظم قدرته كنسبة ما يأخذه الإنسان على رأس الإصبع من قدرته بل نسبة ما ذكر في الحديث إلى قدرة الله تعالى أقل من نسبة المأخوذ على الأصبع فهو تمثيل لعظم قدرته تعالى لأن ما يأخذه الإنسان علي أصبعه أقل ما يقدر عليه وذلك بالنسبة إلى قوته وقدرته وأما الحديث الثاني فمعناه أن القلوب في قهره وقدرته كقدرة أحدكم وقهره لما يقلبه بين أصعيه وذلك لأن فعل العبد وتركه إنما يقع لحصول داع يخلقه الله تعالى في قلب العبد إلى ذلك فهو تمثيل لتصرف الرب تعالى في قلوب العباد يخلق ذلك الداعي فهو تمثيل للمعانى بالأجسام وكلام بعض الحنابلة في هذا مردود بما ذكرناه ” أهـ،([499]) .
[10] وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في أقاويل الثقات: ” وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية أنه جسم قال وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال أنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال أنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال أنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيءتعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ،،} أهــ ([500]) .
[المفتاح الثالث]: من أقوال الفقهاء فى تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازم التجسيم
[1] قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: ” وهو شيء لا كالأشياء، ومعنى الشيء إثباته بلا جسم ولا جوهر ولا عرض، ولا حد له ولا ضد له ولا ند له “، وقال العلامة المحدث الفقيه الملا علي القاري عند شرحه قول الإمام أبي حنيفة: ” ما خطر ببالك فالله سوى ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه 110]، والعجز عن درك الإدراك إدراك، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ويعلم من قوله: (شيء لا كالأشياء)، أنه سبحانه ليس في مكان من الأمكنه ولا في زمان من الأزمنة، لأن المكان والزمان من جملة المخلوقات، وهو سبحانه كان موجودا في الأزل ولم يكن معه شيء من الموجودات، (ومعنى الشيء إثباته) أي إثبات وجود ذاته، (بلا جسم ولا جوهر ولا عرض) أي في اعتبار صفاته، لأن الجسم متركب ومتحيز وذلك أمارة الحدوث، والجوهر متحيز وجزء لا يتجزأ من الجسم، العرض كل موجود يحدث في الجواهر والأجسام،، والله سبحانه منزه عن ذلك كله، وما أحسن قول الرازي رحمه الله: المجسم ما عبد الله قط لأنه يعبد ما تصوره في وهمه من الصورة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، (ولاحد له) أي ليس له حد ولا نهاية،، ” أهـ ([501]) .
[2] وجاء في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: ” بسم الله الرحمن الرحيم، نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه مجمل الاعتقاد،، لا يجوز أن يسمى جسما، وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجىء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([502]) .
وقال الإمام البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد: ” عن رئيس الحنابلة وابن رئيسها أبي الفضل أبي الفضل التميمي أنه قال: أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة،وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجئ في الشريعة ذاك فبطل، ” أهـ([503]) .
[3] وقال بن الجوزي الفقيه الحنبلي في زاد المسير: ” ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك “أهـ [زاد المسير ج: 8 ص: 65]، وقال القرطبي رحمه الله: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى أعتقدوا أن الباريء تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ([504]) .
[4] وقال عبد الباقي بن عبد القادر الحنبلي في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر: ” فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال ” أهـ ([505]) .
[5] وقال الإمام النووي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى في شرحه لحديث الرؤية: ” اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين: أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناه بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعقتد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائرصفات المخلوق ” أهـ ([506]) .
[6] وقال الإمام بن حجر الهيتمي في الفتاوي الحديثية: ” وسئل بما صورته لو نسب شخص نفسه إلى مذهب من مذاهب المبتدعة هل يعطى حكم ما يقتضيه المذهب المنسوب إليه حتى لو كان المذهب مكفراً كفراً المنتسب أم لا بد من صدور المكفر بعينه من المنتسب، وكذا هل بمجرد الانتساب يصير غير كفء للسنية أم لا؟، فأجاب بقوله: أما السؤال الأول فينبني على أن لازم المذهب مذهب، والأصح أنه غير مذهب وإذا لم نكفر المجسمة أو الجهوية أو المنكرين للكلام النفسي بمجرد ذلك وإن لزم عليهم مكفرات كما هو مقرر في محله لجواز أنهم لا يعتقدون تلك اللوازم، وقال جماعة من الأئمة بكفرهم بناء على القول المقابل للأصح أن مقابل المذهب مذهب إذا تقرر ذلك فمن اعتقد مذهباً من مذاهب أهل البدعة فإن كان ذلك المذهب كفراً صريحاً كالقول بقدم العالم أو بإنكار الحشر أو العلم بالجزئيات كان اعتقاده بمجرده كفراً إجماعاً، ولايتأتى فيه ذلك الخلاف وإن كان ذلك المذهب ليس كذلك، وإنما يلزم أهله مكفر أو مكفرات فمجرد اعتقاد المذهب لا يكون كفراً على الأصح السابق وإنما يكفر إن صرح باعتقاد لازم من تلك اللوازم المكفرة، وأما السؤال الثاني فجوابه أنهم صرحوا بأن المبتدع ليس كفؤاً للسنية، ولا معنى للمبتدع إلا معتقد مذهب من مذاهب أهل البدعة فالاعتقاد بمجرده مانع لمكافأته للسنية لأنهم لم يجعلوا للانتساب إلى البدعة غاية زمانية فاقتضى أنه لا فرق بين الزمن القليل والكثير، وهذا ظاهر ” ([507]) .
[7] وقال الإمام أحمد بن جهبل الفقيه الشافعي – وهو يرد على المجسمة -: ” ثم إن قولنا إن آيات الصفات وأخبارها على من يسمعها وظائف التقديس والإيمان بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله على مراد الله تعالى ومراد رسوله والتصديق والاعتراف بالعجز والسكوت والإمساك عن التصرف في الألفاظ الواردة وكف الباطن عن التفكر في ذلك واعتقاد أن ما خفي عليه منها لم يخف عن الله ولا عن رسوله وسيأتي شرح هذه الوضائف إن شاء الله تعالى فليت شعري في أي شيء نخالف السلف هل هو في قولنا كان ولا مكان أو في قولنا أنه تعالى كون المكان أو في قولنا وهو الآن على ما عليه كان أو في قولنا تقدس الحق عن الجسمية ومشابهتها أو في قولنا يجب تصديق ما قاله الله تعالى ورسوله بالمعنى الذي أراد أو في قولنا يجب الاعتراف بالعجز أو في قولنا نسكت عن السؤال والخوض فيما لا طاقة لنا به أو في قولنا يجب إمساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان وليت شعري في ماذا وافقوا هم السلف هل في دعائهم إلى الخوض في هذا والحث على البحث مع الأحداث الغرين والعوام الطغام الذين يعجزون عن غسل محل النجو وإقامة دعائم الصلاة أو وافقوا السلف في تنزيه الباري سبحانه وتعالى عن الجهة وهل سمعوا في كتاب الله أو أثارة من علم عن السلف أنهم وصفوا الله تعالى بجهة العلو وأن كل مالا يصفه به فهو ضال مضل من فراخ الفلاسفة والهنود واليونان انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا “([508]) .ـ
[المفتاح الرابع]: من أقوال علماء الأصول المتخصصين في علم العقيدة فى تنزيه الله تعالى عن التجسيم ولوازم التجسيم
[1] قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالى في كتابه قواعد العقائد: ” الأصل الخامس التنزه عن الجسمية: العلم بأن تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر وإذ بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار وهذه سمات الحدوث ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الإلهية للشمس والقمر أو لشيء آخر من أقسام الأجسام فإن تجاسر متجاسر على تسميته تعالى جسما من غير إرادة التأليف من الجواهر كان ذلك غلطا في الاسم مع الإصابة في نفي معنى الجسم ” ([509]) .
[2] وقال الإمام أبي منصور الماتريدي (ت 333هـ) في كتابه التوحيد: ” مسألة: لا يجوز إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى، قال الشيخ أبو منصور رحمه الله ثم القول بالجسم يخرج على وجهين أحدهما في مائية الجسم في الشاهد أنه اسم ذي الجهات أو اسم محتمل النهايات أو اسم ذي الأبعاد الثلاثة فغير جائز القول به في الله سبحانه على تحقيق ذلك لما هي أدلة الخلق وإمارة الحدث إذ ذلك معنى الأجزاء والحدود التي هن آيات الحدث وقد بينا أن ليس كمثله شيء وفي ذلك إيجاب جعله كأكثر الأشياء وإن كان على التسمية به بلا تحقيق ما ذكرنا خرج الإسم عن المعروف به فبطل، تعرف ذلك من جهة العقل والإستدلال وحقه السمع عن الله إن الجسم ليس من أسمائه ولم يرد عنه ولا عن أحد ممن أذن لأحد تقليده فالقول به لا يسع ولو وسع بالنحت من غير دليل حسي أو سمعي أو عقلي لوسع القول بالجسد والشخص وكل ذلك مستنكر بالسمع وليسع القول بكل ما يسمى به الخلق وذلك فاسد وثانيهما أن يكون الجسم ليست له مائية تعرف سوى الإثبات فيجوز القول به لو لم يراد به غيره لكنه لا أحد يجعل الجسم من أسماء الإثبات إذ لا يسمى به الأعراض والصفات على احتمالهما اسم الإثبات لذلك بطل القول به، فإن عورضنا باسم الفاعل أو العالم ونحو ذلك قيل له جوابان: أحدهما أنا لو لم نعقل معنى هذا لكان يجوز التسمية به بما ثبت في السمع ولم يثبت في الأول لذلك اختلفا، والثاني أن معنى الفاعل والعالم كان معقولا في الشاهد وليس ذلك من أدلة الحدث ولا مما في المعروف من معناه دليله وقد احتمل وصف الله به لذلك لزم القول به على نفي الشبه شبه الخلق عنه وبالله التوفيق، فإن قيل لم لا قلت بأنه بما سمى به فاعلا كان جسما وكذلك القادر والعالم إذ لا أحد في الشاهد سمى به إلا وهو جسم، قيل لا سمى بذلك في الشاهد لأنه جسم لوجودنا أجساما لا تسمى به فلذلك لم يلزم به القول على أنا بينا الوجوه التي أحقت التسمية بما سمى من السمع والعبرة ولسنا نجد ذلك في الذي عارض به ولو جاز لنا لجوز الآخر أيضا أن يقابلنا بمثله في الجسد والشخص ونحو ذلك مع ما كان اسم الجسم غير واقع في الشاهد على ما لا يحتمل التجزئة والتبعيض من نحو العرض والفعل والحركة والسكون ثبت أنه اسم ذي الأجزاء كالطويل والعريض والمؤلف ولو لم يبطل القول بالمؤلف لما يدل ظاهره على فعل به إذ لو بطل ليبطل القول بموجود بذاته في الأزل ولو كان كذلك ليجوز القول بطويل وجسد ولون وطعم ونحو ذلك لما ليس الظاهر إلا ذلك فإذا لم يجز لما في الحقيقة إيجابه وإن لم يكن في اللفظ دليله فمثله في الجسم والله الموفق يجوز إطلاق لفظ الشيء على الله، فإن قيل إذ قلتم شيء لا كالأشياء لم لا قلتم جسم لا كالأجسام؟ قيل له: لأن السبب الذي ألزمنا القول بالشيء لم يوجد في الجسم لذلك لم نقل وبعد فإنه لا يخلو فيما يريد إلزامنا من القول بالجسمية من أن يلزمنا بقولنا بالشيء فوجدنا أكثر الأشياء وهي الأعراض والصفات من غير لزوم القول فيها بالجسمية يمنع ذلك وإن كان يريد بقولنا لا كالأشياء فليس هو حرف الإثبات ليدل على مائية المثبت فلا وجه لهذا السؤال وهو كمن يقول إذ جاز أن يكون شيئا لا كالأشياء لم لا جاز أن يكون إنسانا لا كالناس، قال الشيخ رحمه الله فجواب مثله أن يقال لأنه ليس بجسم فيقال جسم لا كالأجسام وليس هذا النوع بمعارضة إنما هو محاكمة ونحن لا نملك إيجاد الإله حتى نقابل بمثل هذا فيقال لنا إذ جعلتم ذا لم لا جعلتم ذا بل يتعالى عن الجعل على جهة بل يوصف بما هو عليه ولا قوة إلا بالله ثم المعارضة عند التحصيل تناقض لأنه قال إذ قلتم شيء لا كالأشياء لم لا قلتم جسم لا كالأجسام فإذا قلنا جسم يصير قولنا شيء لا كالأشياء هو شيء لا كبعض الأشياء إذ الجسم أحد قسمي الأشياء وفي ذلك بطلان القول بجسم لا كالأجسام ولا قوة إلا بالله، قال أبو منصور رحمه الله ثم معنى قولنا شيء لا كالأشياء هو إسقاط مائية الأشياء وهي نوعان عين وهو جسم وصفة وهي عرض فيجب به إسقاط مائية الأعيان وهو الجسم والصفات وهي الأعراض فإذا أزلنا ذلك المعنى الذي هو جسم من الأعيان أبطلنا الإسم الذي هو لذلك المعنى كما إذا أزلنا معنى التشبيه من الإثبات ونفى التعطيل أبطلنا القول به ولا قوة إلا بالله “([510]) .
[3] وقال رحمه الله: ” ثم اختلف أهل الإسلام في القول بالمكان: فمنهم [هؤلاء هم الحشوية والمجسمة] من زعم أنه يوصف بأنه على العرش مستو والعرش عندهم السرير المحمول بالملائكة المحفوف بهم ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية وقوله وترى الملائكة حافين من حول العرش وقوله الذين يحملون العرش ومن حوله واحتجوا للقول به: بقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه: 5]، ويرفع الناس إلى السماء بالدعوات أيديهم وما يأملون من الخيرات ويقولون هو صار إليه بعد أن لم يكن لقوله ثم استوى على العرش، ومنهم [وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة] من يقول هو بكل مكان بقوله تعالى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة: 7] وقوله تعالى {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16] وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ } [الواقعة: 85] وقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ } [الزخرف: 84] وظنوا أن القول بأنه في مكان دون مكان يوجب الحد وكل ذى حد مقدر عما هو أعظم منه وذلك عيب وآفة وفي ذلك إيجاب الحاجة إلى المكان مع ما فيه إيجاب الحد إذ لا يحتمل أن يكون أعظم من المكان لما هو سخف في المتعارف أن يختار احد مكانا لا يسعه فيصير حد المكان حده جل ربنا عن ذلك وتعالى، ومنهم [وهؤلاء هم علماء العقيدة من أهل السنة والجماعة] من قال بنفى الوصف بالمكان وكذلك بالأمكنة كلها إلا على مجاز اللغة بمعنى الحافظ لها والقائم بهاقال الشيخ أبو منصور رحمه الله وجملة ذلك أن إضافة كلية الأشياء إليه وإضافته عز وجل إليها يخرج مخرج الوصف له بالعلو والرفعة ومخرج التعظيم له والجلال كقوله تعالى (له ملك السماوات والأرض) {رب السماوات والأرض}إله الخلق رب العالمين وفوق كل شيء ونحوه وإضافة الخاص إليه يخرج مخرج الإختصاص له بالكرامة والمنزلة والتفضيل له على من هو بجوهره نحو قوله إن الله مع الذين اتقوا وقوله إن المساجد لله ناقة الله بيت الله وغير ذلك ولا يخرج شيء من ذلك على مثل المفهوم من إضافة الخلق بعضهم إلى بعض لا قطع إحتمال مثله في الخلق إذ قد تخرج أيضا إضافة التخصيص مخرج التفضيل والعموم مخرج فضل السلطان والولاية، قال أبو منصور رحمه الله الأصل فيه أن الله سبحانه كان ولا مكان وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان فهو على ما كان وكان على ما عليه الآن جل عن التغير والزوال والإستحالة والبطلان إذ ذلك أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم ودلالة احتمال الفناء إذ لا فرق بين الزوال من حال إلى حال ليعلم أن حاله الأولى لم تكن لذاته إذ لا يحتمل زوال ما لزم ذاته وبين أنها ليست لذاته لما احتمل هو قبول الأعراض وانتقال الأحوال ولا قوة إلا بالله وبعد فإن في تحقيق المكان له والوصف له بذاته في كل مكان تمكين الحاجة له إلى ما به قراره على مثل جميع الأجسام والأعراض التي قامت بالأمكنة وفيها تقلبت وقرت على خروج جملتها عن الوصف بالمكان فمن أنشأها وأمسك كليتها لا بمكان يتعالى عن الحاجة إلى مكان أو الوصف بما عليه العالم أن كليته لا في مكان وأنه بجزئياته في المكان ثم إن الله تعالى لو جعل في مكان لجعل بحق الجزئية من العالم وذلك أثر النقصان بل لما استقام قيام جميع العالم لا بالأمكنة للجملة فقيمه على ذلك أحق وأولى ولا قوة إلا بالله، قال أبو منصور رحمه الله: ثم القول بالكون على العرش وهو موضع بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو من إحاطة ذلك به أو الإستواء به أو مجاوزته عنه وإحاطته به فإن كان الأول فهو إذا محدود به محاط منقوص عن الخلق إذ هو دونه ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به من الأمكنة لجاز بما يحيط به من الأوقات فيصير متناهيا بذاته مقصرا عن خلقه وإن كان على الوجه الثاني فلو زيد على الخلق لا ينقص أيضا وفيه ما في الأول وإن كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مع ما يذم ذا من فعل الملوك أن لا يفضل عنهم من المعامد شيئا وبعد فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض وبعضه يفضل عن ذلك وذلك كله وصف الخلائق والله يتعالى عن ذلك وبعد فإنه ليس في الإرتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس أو القيام شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند إستواء الجوهر فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة والجلال إذ ذكر في قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض فدلك على تعظيم العرش أي شيء كان من نور أو جوهر لا يبلغه علم الخلق وقد روى عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف الشمس أن جبريل يأتيها بكف من ضوء العرش فيلبسها كما يلبس أحدكم قميصه كل يوم تطلع وذكر في القمر كفا من نور العرش فإضافة الاستواء إليه لوجهين أحدهما على تعظيمه بما ذكره على أثر ذكر سلطانه في ربوبيته وخلقه ما ذكر والثاني على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء كما يقال تم لفلان ملك بلد كذا واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق وعلى ذلك قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنه وإلى أم القرى لا يتخصص ذلك ولكن بذكر عظم الأمر فمثله أمر العرش وهو كقوله أكابر مجرميها وقوله أمرنا مترفيها على لحوق غير بهم ويحتمل أن يكون على المنفى بوصف المكان إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول فوقه شيئا فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة وعلى ذلك قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان ولكن يضاف إلى الأفراد فأخبر بعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء ثم بقدرته بقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد أي بالسلطان والقوة وبألوهيته في البقاع كلها لأنها أمكنة العبادة وبقوله وهو الذي في السماء إله ويملك كل شيء بقوله له ملك السماوات والأرض ثم بعلوه وجلاله بقوله وهو القاهر فوق عباده وقوله وهو بكل شيء عليم وقوله وهو على كل شيء قدير فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك ليعلم أنه بكل ما سمى به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه وكذلك عزه وشرفه ومجده جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره وقال بعضهم يريد بالعرش الملك إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورؤوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة أحدها الاستيلاء كما يقال استوى فلان على كورة كذا بمعنى استولى عليها والثاني العلو والارتفاع كقوله فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك والثالث التمام كقوله تعالى ولما بلغ أشده واستوى وقد قيل بالقصد إلى ذلك وجه بعض أهل الأدب (قوله ثم استوى إلى السماء) بمعنى خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم أن يكون بالقصد وإن كان لا يقال له قصد ولا قوة إلا بالله قال الشاعر ظننت أن عرشك لا يزول ولا يغير وقال آخر إذا ما بنوا مروان ثلث عروشهم وأودوا كما أودت إياد وحمير وقال النابغة عروش تفانوا بعد عز وأنهم هووا بعد ما نالوا السلامة والغنى وقال آخر بعد ابن جفنة وابن ماثل عرشه والحاربين تؤملون فلاحا قال أبو منصور رحمه الله ثم الوجه في ذلك لو كان على الإستيلاء والعرش الملك أنه مستول على جميع خلقه وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا يدل على الأمرين قوله تعالى وهو رب العرش العظيم بمعنى الملك العظيم وفيه إثبات عروش غيره فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة والله الموفق وأما على التمام والعلو فهو أن الله تعالى قال قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله فقضاهن سبع سماوات فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق ثم أجملها في موضع فقال إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك وعلا وارتفع إذ هم المقصودون من خلق ما بينا فبذلك تم معنى الملك وعلا إذا وصل إلى الذين لهم وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله هو الذي خلق لكم ما في الأرض وقوله وسخر لكم الليل والنهار وقوله وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وذكر ابن عباس رضي الله عنه أن البشر خلق اليوم السابع فيه التمام والعلو إذ خلق لهم كل شيء وهم لعبادة الله ولحق بهم الجن بقوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون لكن المقصود البشر إذ تسخير ما ذكرت كله لهم ثم بما يرجع إلى منافعهم والله الموفق قال أبو منصور رحمه الله وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال ليس كمثله شيء فنفى عن نفسه شبه خلقه وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل وثبت ذلك في العقل ثم لا نقطع تأويله على شيء لاحتماله غيره مما ذكرنا وإحتماله أيضا ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق ونؤمن بما اراد الله به وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك يجب نفى الشبه عنه والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء والله الموفق الأصل في هذا أن الأمر يضيق على السامع بما يقدره من المفهوم عن الخلق في الوجود وإذ لزم القول في الله بالتعالى عن الأشباه ذاتا وفعلا لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود مع ما كان الوقوف على المعنى يصرف إليه الكلام في الخلق بما هو علمه به قبل سمع ذلك الكلام والله سبحانه عرف قبل سمع ذلك الكلام على غير الذي عرف عليه الخلق لم يجز صرف التأويل إلى ما فهمه من الخلق إذ سببه العلم المتقدم منه على إحتمال ذلك المعنى معنى قد يفهم من الشاهد من على ومن العرش ومن الإستواء معان مختلفة لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه وثمة لأحسن ذلك مساغ مع ما كان الله يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد وما جاء من الحروف المقطعة وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذا مما المحنة فيه الوقف لا القطع والله أعلم وقال الكعبي مرة لا يجوز أن يكون الله عز وجل يحويه مكان لما كان ولا مكان لم يجز أن يحدث له حاجة إلى المكان إذ خلقه لما لا يجوز عليه التغير ثم قال هو في كل مكان على معنى أنه عالم به حافظ له كما يقال فلان في بناء الدار أي في فعله قال أبو منصور رحمه الله فما قال بأنه لا يحويه مكان بما كان ولا مكان حق إذ ذلك تغير والقول بالحاجة لا يقوله خصمه فتعليق الدفع به خطأ ثم هو يزعم أنه كان غير خالق ولا رحمن ولا متكلم ثم صار كذلك بعد أن لم يكن ثبت به التغير بل التغير في المكان من حيث أن يصير المرء في مكان لم يكن فيه بلا تغير نحو أن يتخذ له مكان يحيط به ولا يجوز أن يوجد تغير من حيث لا تغير في ذات الفاعل في الشاهد وإذ منع القول بهذا في المكان فهو في الفعل أولى إذ يكون التغير فيه أشد وأولى مع ما لا يكون أحد في الشاهد فاعلا بلا تغير يعترضه وجائز كونه في مكان وهو الذي فيه خلق لا تغير لذلك كان معنى التغير في الفعل أشد والله الموفق ثم العجب في قوله هو في كل مكان بمعنى العالم والعالم اسم ذاته وهو بذاته عنده ليس في مكان ولا تحقق لله علما ليبلغ المكان الذي قال هو فيه تأملوا لتفهموا تناقضه في القول ثم زعم أنه يحفظه مرة ومرة أنه يفعله وحفظه وفعله في الأمكنة ليس غير الأمكنة فصار حاصل قوله الله في كل مكان في الأمكنة وذلك خلف من القول بل هو عالم بالأمكنة كلها قبل كونها وبعد كونها والله الموفق، قال أبو منصور رحمه الله وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة ولله أن يتعبد عباده بما شاء ويوجههم إلى حيث شاء وإن ظن من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة أو نحو مكة لخروجه إلى الحج وفي المشاعر بالسعي فيها ضالة أو ناحية العدو ويقصدون قصد من يغلب على شيء يستنفد منه جل الله عن ذلك ثم الله سبحانه إذ ليس وجه أقرب إليه من وجه ولا أحق أن يعلمه من وجه ولا في وسع الخلق وجه الوصول إليه من وجه دون وجه ولا طمع العقول بما هو عالم بذاته غنى عن عبادة خلقه فعبدهم لأنفسهم أن يقوموا بشكر نعمه له المحنة كيف شاء لا يسبق إلى وهم أحد الوصول إليه في جهة دون جهة إلا من يعرف الله حق المعرفة وقد بينا فيما تقدم وصف قربه وذلك بالإجابة كقوله تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وبالنصر والمعونه كقوله تعالى إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون والتقرب إلى المنزلة والمحل كقوله تعالى واسجد واقترب وما روى أن من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا إلى آخر ذلك وقوله وابتغوا إليه الوسيلة وفي الكلأ والحفظ كقوله وربك على كل شيء حفيظ وهو على كل شيء وكيل وقوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وبالعلم بقوله يعلم سركم وجهركم وغيرذلك فعلى مثل بعض هذه الوجوه المجئ والذهاب والقعود مع ما كان مجئ الأجسام يفهم منه الإنتقال ثم مجيء الحق يفهم منه الظهور كقوله قل جاء الحق وعلى ذلك ذهاب الباطل بطلانه وذهاب الجسم إنتقاله فهذا محل المجيء والذهاب في المعروف من الأعراض والأجسام والله يتعالى عن المعنيين جميعا لم يجز أن يفهم من المضاف إليه ذلك ولا قوة إلا بالله للمسألة عبارة أخرى أنه ما من جهة ولا حالة إلا لله على عباده فيها نعم لا تحصى فجعل عليهم بها وفيها عبادات كما جعل في الجوارح والأموال بها له فيهما من النعم ولا قوة إلا بالله على أن السماء هي محل ومهبط الوحي ومنها أصول بركات الدنيا فرفع إليها البصر لذلك ولا قوة إلا بالله ” أهـ([511]) .
[4] وقال رحمه الله: “مسألة في التوحيد،، وأما الجسم فهو اسم لكل محدود والشيء إثبات لا غير وفي وجود العالم على ما عليه دليل الإثبات لذلك قيل بالشيء وفيه إذ هو متناه لا من حيث الشيئية بل من حيث الحد دليل نفى الحد عن الله جل ثناؤه إلا أن يراد بالحد الوحدانية والربوبية فهو كذلك وحرف الحد ساقط لأنه يغلب في الدلالة على نهاية الشيء من طريق العرض ونحو ذلك مما يتعالى عن ذلك وذلك معنى الجسم في الشاهد وفيه أيضا إيجاب الجهات المحتمل كل جهة أن يكون أطول منها وأعرض وأقصر فلذلك بطل القول بذلك ولا قوة إلا بالله ثم الهوية في الشاهد كناية عن الوجود وتأويله نفى العدم عنه والله تعالى لم يزل ولا يزال بلا تغير ولا زوال ولا انتقال من حال إلى حال ولا تحرك ولا قرار إذ هو وصف اختلاف الأحوال ومن تختلف الأحوال عليه فهو غير مفارق لها ومن لا يفارق الأحوال وهن أحداث فيجب بها الوصف بالإحداث وفي ذلك سقوط الوحدانية ثم القدم ثم جرى لتدبير الغير عليه إذ حال من الأحوال لو كانت لذاته لم يجز تغيرها ما دامت ذاته فثبت بذلك الغير لتغير الأحوال عليه وبنقله من حال إلى حال وذلك دليل تعاليه عن الوصف بالمكان إذ قد ثبت أن كان ولا مكان وليس في الإضافة إلى أنه على العرش استوى تثبيت مكان كما لم يكن في قوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم وقوله ونحن أقرب إليه منكم ذلك على أن القول بالمكان ليس من نوع التعظيم والتبجيل بل الأمكنة إنما شرفت به وتفاوتت أقدارها بتفضيله مكانا على مكان يجعله مخصوصا لأخيار خلقه أو لما جعل لعبادته وتعظيمه فيه فأما أن يكون أحد تعلو رتبته بالمكان من ملوك الأرض أو الأخيار فليس به فكيف بالملك الجبار الذي ما ارتفع قدر مكان ولا جل خطره إلا به وإذا كان كذلك بطل أن يكون في الإضافة تعظيمه ثم يكون فيما بعد ذلك للحاجة وهو يتعالى عنها فلذلك لم يجب بقوله الرحمن على العرش استوى معنى الكون في المكان إذ ذلك الحرف يعبر به عن العلو والجلال ومحال مثله له بخلقه فثبت أن ذلك من الوجه الذي يستحقه بذاته من العلو والرفعة وما هو بذاته عليه فهو كان كذلك ولا خلق لم يجز الوصف له بالخلق ولا قوة إلا بالله، مع ما يكون ذلك الإعتقاد عن علم تقدم بحال من يضاف إليه ذلك في الشاهد قبل الإضافة من الإحتمال ثم الله سبحانه كان ولا مكان وعلى ذلك اعتقاد الأنام لم يجز أن يتغير الفهم عن الإضافة عما كان من قبل وإليه ينصرف الفهم عن الإضافة إلى خلقه، على أن تخصيص إضافات الأشياء إلى الله في الشاهد يخرج مخرج التعظيم لها بما جعل فيها من الأمور المرضية والأحوال المحمودة فما بال العرش من بين ذلك ولا قوة إلا بالله وعلى ذلك يفسد قول من يصفه بكل مكان إذ لا فرق بين مكان واحد مخصوص يضاف إليه وبين الجملة بل الفرد في بيان تعظيمه أولى إذ في ذلك تخصيص ذلك الشيء بالذكر وفي الذكر تشريف وتكريم فيرجع إلى ذكر علو ذلك الشيء وفي الإرسال وجمع الكل إلى تخصيصه وحقيقته صفة الله كما يقال رب كل شيء وإله كل شيء على تعظيم الرب وتبجيله وإذا قيل رب محمد وإله إبراهيم فإنما يقصد قصد تشريفهما وتعظيمهما فقياس ذلك أن تكون الإضافة إلى العرش توجب تعظيم العرش وتكريمه وإلى كل الأمكنة توجب وصف الله بها وذلك قبيح إذ لم يكن يوصف به في الأزل ولا يوصف شيء بالقرب إلى الله من طريق المسافة والمساحة ولا هو بالقرب إلى شيء من ذلك الوجه إذ ذلك جهة الحدود والتقدير بالأمكنة وقد كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الزمان والمكان إذ إليهما ترجع حدود الأشياء ونهايتها ولا قوة إلا بالله ” أهـ([512]) .
[5] وقال ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه: – بعد ان ذكر خبر أبي إمامة (ما تقرب العبد من الله تعالى بمثل ما خرج منه) -: ” إن خروج شيء على وجهين: أحدهما كخروج الجسم من الجسم، وذلك بمفارقته مكانا واستبداله مكانا آخر، وليس الله تعالى جسما، ولا كلامه جسما، لأنه لو كان جسماً لا قتضى محلاً، وذلك فاسد، والوجه الثاني من معنى الخروج كقولك: خرج لنا من كلامك خير كثير، وأتانا منه نفع بين، إذا أراد أنه ظهر لهم منه منافع، فأما الخروج الذي بمعنى الانتقال فلا يصح على كلام الله سبحانه، ولا على شيء من الكلام لأنه ليس بجسم ولا جوهر، وإنما الانتقال على الجواهر والأجسام، فأما على الوجه الثاني فيصح، والمعنى فيه: أنه ما أنزل الله على نبيه وأفهم عباده، وقد قال قائلون إن (الهاء) في قوله: (خرج منه) يعود إلى العبد، وخروجه منه: وجوده متلوا على لسانه، محفوظاً في في صدره، مكتوباً بيده، وذكر عكرمة أنه شهد جنازة مع ابن عباس رضي الله عنهما قال: فجعل رجلاً يقول عند القبر:يارب القرآن اغفر له، فقال ابن عباس: مه، أما علمت مه أما علمت أن القرآن منه،: فغطى الرجل رأسه وكأنه قد أتى كبيره، فمعنى قوله: (أن القرآن منه أي هو صفة الله القائمة بذاته، ولم يجز أن يكون ما كانمن محكمه مربوبا به محدثا، فإن قيل فما معنى قول عمرو ابن دينار، أدركت مشايخنا يقولون منذ سبعين سنه: {إن القرآن كلام منه خرج وإليه يعود الله؟}قيل معناه عند أهل النظر هو الذي تكلم به، وهو الذي أمر ونهى به، (و إليه يعود) يعني هو الذي يسألك عما أمرك ونهاك، ” أهـ، ([513]) .
قلت: الحديث ضعيف لا يُحتج به في مسائل العقيدة، قال الشيخ حسن السقاف – عند تحقيقه لكتاب دفع شبه التشبيه للعلامة الإمام أبي الفرج ابن الجوزي القرشي البكري: ” حديث ضعيف جدا ومنكر رواه الترمذي وضعفه، والطبراني في الكبير والخطيب في ” تاريخ بغداد ” من طريق بكر بن خنيس عن ليث بن أبي سليم عن زيد بن أرطاة عن أبي أمامة مرفوعا به، قلت: بكر بن خنيس متروك، قال الحافظ في التهذيب ” قال أحمد بن صالح المصري وابن خراش والدارقطني: متروك ” ثم نقل عن أبي زرعة أنه قال فيه: ” ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: روى عن البصريين والكوفيين أشياء موضوعة ” وقال الذهبي في الكاشف: ” واه “، وليث بن أبي سليم – كوفي قال عنه الحافظ في ” التقريب “: ” صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك “، قلت: وزيد بن أرطأة لم يرو عن أبي أمامة كما في ” التهذيب ” حيث قال: ” وعن أبي أمامة وأبي الدرداء مرسل، بينهما جبير بن نفير ” اه ورواه الطبراني أيضا في ” الكبير ” من طريق أبي بكر بن عياش عن ليث عن عيسى عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نوفل مرفوعا به، قلت: وهذا سند مشوش والصواب في آخره زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير،،، ولا يثبت بمثل هذا حكم في الوضوء، فكيف في مثل هذا الباب؟]([514]) .
[6] وقال بن حزم في الفصل في الملل: ” الكلام في الوجه واليد والعين والجنب والقدم والتنزل والعزة والرحمة والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع، قال أبو محمد قال الله عز وجل: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام }، فذهبت المجسمة إلى الإحتجاج بهذا في مذهبهم، وقال الآخرون وجه الله تعالى إنما يراد به الله عز وجل، قال أبو محمد وهذا هو الحق الذي قام البرهان بصحته لما قدمنا من إبطال القول بالتجسيم وقال أبو الهذيل وجه الله هو اللهقال أبو محمد وهذا لا ينبغي أن يطلق لأنه تسمية وتسمية الله تعالى لا يجوز إلا بنص ولكنا نقول وجه الله ليس هو غير الله تعالى ولا نرجع منه إلى شيء سوى لله تعالى برهان ذلك قول الله تعالى حاكيا عمن رضي قوله {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ } [الإنسان: 9] فصح يقينا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى وقوله عز وجل {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } [البقرة: 115]إنما معناه ثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه وقال تعالى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح: 10] وقال تعالى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص: 75] وقال تعالىمما عملت أيدينا أنعاما وقال{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة: 64] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمبن الرحمن وكلتا يديه يمين فذهبت المجسمة إلى ما ذكرنا مما قد سلف من بطلان قولهم فيه وذهبت المعتزلة إلى أن اليد النعمة وهو أيضا لا معنى له لأنها دعوى بلا برهان،، بل نقول إن هذا إخبار عن الله تعالى لا يرجع من ذكر اليد إلى شيء سواه تعالى ونقر أن لله تعالى كما قال يدا ويدين وأيدي وعين وأعينا كما قال عز وجل{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} وقال تعالى {فإنك بأعيننا }، ولا يجوز لأحد أن يصف الله عز وجل بل له عينين لأن النص لم يأت بذلك، ونقول أن المراد بكل ما ذكرنا الله عز وجل لا شيء غيره وقال تعالى حاكيا عن قول قائل قال يا حسرنا على ما فرطت في جنب الله وهذا معناه فيما يقصد به إلى الله عز وفي حنب عبادته وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلنا يديه يمين وعن يمين الرحمن فهو مثل قوله وما ملكت أيمانكم يريد وما ملكتم ولما كانت اليمين في لغة العرب يراد بها الحظ للأفضل كما قال الشماخ إذا مارية رفعت لمحمد تلقاها عرابه باليمين يريد أن يتلقاها بالسعي،، وكذلك صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (أن جهنم لا تملأ حتى يضع فيها قدمه) وصح أيضا في الحديث حتى يضع فيها رجله ومعنى هذا ما قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر صحيح أخبر فيه أن الله تعالى بعد يوم القيامة يخلق خلقا يدخلهم الجنة وأنه يقول للجنة والنار لكل واحدة منكما ملؤها فمعنى القدم في الحديث المذكور إنما هو كما قال تعالى {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}يريد سالف صدق معناه الأمة التي تقدم في علمه تعالى أنه يملأ بها جهنم ومعنى رجله نحو ذلك لأن الرجل الجماعة في اللغة أي يضع فيها الجماعة التي قد سبق في علمه تعالى أنه يملأ جهنم بها، وكذلك الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عز وجل) أي بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله عز وجل ونعمه إما كفاية تسره وإما بلاء يأجره عليه وبالأصح في اللغة النعمة وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله وكلاهما حكمة عز وجل، وأخبر عليه السلام أن الله يبدو له مؤمن يوم القيامة في غير الصورة التي عرفوها وهذا ظاهر بين وهو أنهم يرون صورة الحال من الهول والمخافة غير التي يظنون في الدنيا وبرهان صحة هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور غير الذي عرفتموه بها وبالضرورة نعلم أننا لم نعلم لله عز وجل في الدنيا صورة أصلا فصح ما ذكرناه يقينا، وكذلك القول في الحديث الثابت خلق الله آدم على صورته فهذه إضافة ملك يريد الصورة التي تخيره الله سبحانه وتعالى ليكون آدم مصورا عليها وكل فاضل في طبقته فإنه ينسب إلى الله عز وجل كما يقول بيت الله تعالى عن الكعبة والبيوت كلها بيوت الله تعالى ولكن لا يطلق على شيء منها هذا الإسم كما يطبق على المسجد الحرام وكما نقول في جبريل وعيسى عليهما السلام روح لله والأرواح كلها لله عز وجل ملك له وكالقول في ناقة صالح عليه السلام بأنه لله والنوق كلها لله عز وجل فعلى هذا المعنى قيل على صورة الرحمن والصور كلها لله تعالى هي ملك له وخلق له، وكذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم القيامة (أن الله عز جل يكشف عن ساق فيخرون سجدا) فهذا كما قال الله عز وجل في القرآن {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ } [القلم: 42]وإنما هو إخبار عن شدة الأمر وهو الموقوف كما تقول العرب: قد شمرت الحرب عن ساقها قال جرير: الأدب سامي الطرف من آل مازن،،، إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا، والعجب ممن ينكر هذه الأخبار الصحاح وإنما جاءت بما جاء به القرآن نصا ولكن من ضاق علمه أنكر ما لا علم له به وقد عاب الله هذا فقال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله “([515])
وقال رحمه الله: ” ذهبت طائفة إلى القول بأن الله تعالى جسم وحجتهم في ذلك أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو غرض فلما بطل أن يكون تعالى عرضا ثبت أنه جسم وقالوا إن الفعل لا يصح إلا من جسم وإن الباري تعالى فاعل فوجب أنه جسم فأجاب أما فساد قولهم أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض فإنها قسمة ناقصة وإنما الصواب أنه لا يوجد في العالم إلا جسم أو عرض وكلاهما يقتضي بطبيعته وجود محدث له فبالضرورة نعلم أنه لو كان محدثا جسما أو عرضا لكان يقتضي فاعلا فعله ولابد فوجب بالضرورة أن فاعل الجسم والعرض ليس جسما ولا عرضا وهذا برهان يضطر كل ذي حس بضرورة العقل ولا بد وأيضا فلو كان الباري تعالى عن إلحادهم جسما لاقتضى ذلك ضرورة أن يكون له زمان ومكان وهما غيره وهذا إبطال التوحيد وإيجاب الشرك معه تعالى لشيئين سواه وإيجاب أشياء معه غير مخلوقة وهذا كفر ” أهـ،([516]) . وقال رحمه الله: ” من قال إن الله تعالى جسم لا كالأجسام فليس مشبها ولكنه ألحد في اسماء اللهتعالى إذ سماه عز وجل بما لم يسم به نفسه وأما من قال أنه تعالى كالأجسام فهو ملحدفي أسمائه ومشبه “([517]) .
[7] وقال الإسفرائيني في كتابه التبصير في الدين: ” وأن تعلم أن القديم سبحانه ليس بجسم ولا جوهر لأن الجسم يكون فيه التأليف والجوهر يجوز فيه التأليف والإتصال وكل ما كان له الإتصال أو جاز عليه الإتصال يكون له حد ونهاية وقد دللنا على استحالة الحد والنهاية على الباري سبحانه وتعالى وقد ذكر الله تعالى في صفة الجسم الزيادة فقال وزاده بسطة في العلم والجسم فبين أن ما كان جسما جازت عليه الزيادة والنقصان ولا تجوز الزيادة والنقصان على الباري سبحانه ” [التبصير في الدين ج: 1 ص: 159] أهـ، وقال رحمه الله: ” وأن تعلم أن الحركة والسكون والذهاب والمجيء والكون في المكان والإجتماع والافتراق والقرب والبعد من طريق المسافة والاتصال والانفصال والحجم والجرم والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لأن جميعها يوجب الحد والنهاية وقد دللنا على استحالة ذلك على الباري سبحانه وتعالى وأصل هذا في كتاب الله تعالى وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما رأى هذه العلامات على الكواكب والشمس والقمر قال {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } [الانعام: 76] فبين أن ما جاز عليه تلك الصفات لا يكون خالقا “([518]) .
[8] وقال الإمام أبو سعيد عبدالرحمن بن محمد في كتابه الغنية في أصول الدين: ” مسألة: الباري تعالى ليس بجسم: وذهبت الكرامية إلى أن الله تعالى جسم والدليل على فساد قولهم أن الجسم في اللغة بمعنى التأليف واجتماع الأجزاء والدليل عليه أنه نقول عند زيادة الأجزاء وكثرة التأليف جسم واجسم كما يقال عند زيادة العلم عليم واعلم وقال تعالى {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ }فلما كان وصف المبالغة كزيادة التأليف دل على أن أصل الإسم للتأليف فإذا ثبت ما ذكرنا بطل مذهبهم لأن الله تعالى لا يجوز عليه التأليف فإن قالوا نحن نريد بقولنا جسم أنه موجود ولا نريد به التأليفقلنا هذه التسمية في اللغة ليس لها ذكر ثم وهي مبنية على المستحيل فلم أطلقتم ذلك من غير ورود السمع به وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا ويريد به الموجود وإن كان يخالف مقتضى اللغة فإن قيل أليس يسمى نفسا قلنا أتبعنا فيه السمع وهو قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ولم يرد السمع بالجسم “([519]) .
[6] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الأعضاء والجوارح
[المفتاح الاول]: الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء في وجوده أو في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته، ليس كوجوده وجود فليس وجوده كوجود الأجسام التي تحتاج إلى مكان أو تتحيز في مكان كيف وهو الذي كان قبل خلق المكان ثم خلق المكان، وإذا كانت القاعدة تقول أن كل موجود في مكان فهو محدود بهذا المكان يحيزه ويحيط به والله تعالى بكل شيء محيط، وليس كذاته ذات ليس لذاته حد أو نهاية كما أنه ليس لصفاته حد أو نهاية وهو منزه عن الحد والمقدار إذ كل محدود مخلوق مقدر متناه والله تعالى هو الخالق المقدر لها، فجلّ المقدِرُ أن يكونَ مقدَرَا، وذاته سبحانه منزهة عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مصَورا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والتنزيه عن الصورة يعني بالضرورة التنزيه عن الأجزاء والأعضاء إذ الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب وقد أجمع أهل القبلة عدا الحشوية والمجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وهو يدل على الأحدية ونفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة فى ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، {اللَّهُ الصَّمَدُ}والصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الإحتياج، وقوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} نفي للمثلية كقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، وقوله تعالى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] والقيوم مبالغة فى كونه غنياً عن كل ما سواه، وكونه مقوماً لغيره: عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان مركبا من جوارح وأجزاء لكان هو مفتقراً إلى غيره وهو جزؤه الذي منه يتألف، ولكان غيره غنياً عنه وهو جزئه وحينئذ لا يكون قيوماً، وقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله: ” نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادي رحمه الله في الدنيا والآخرة إجازة قال حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن محمد بن علي البغدادي بها قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال أخبرنا عمي أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي بجميع هذا الاعتقاد وقال جملة اعتقاد أحمد بن حنبل رضي الله عنه والذي كان يذهب إليه مجمل الاعتقاد،،، ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه،،ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع ” أهـ([520]) .
وجاء فيه أيضا: ” لا يجوز أن يسمى جسما وأنكر (أي الإمام أحمد) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الأسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ([521]) .
[المفتاح الثاني]: من أقوال العلماء في تنزيه الله تعالى عن الجوارح والأعضاء:
قال النووي ” قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا،،قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها” أهـ([522]) .
وقال ابن فورك: ” (إن الله كان سميعا بصيرا) إن الفائدة فيه إنكاره قول من ذهب إليه من البدع إلى إثبات جارحة، ولكن على أن معنى العين ما وصف به جل وعز أنه سميع بصير،،، ولم يرد صلى الله عليه وسلم إثبات جارحة لاستحالة وصفه بالجوارح) ([523]) .
وقال القسطلاني: ” وتؤول الاصبع هنا بالقدرة إذ إرادة الجارحة مستحيلة ” ([524])
وجاء في البحر المحيط: ” {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له، ولا يشبه بشيء من خلقه، ولا يكيف، ولا يتحيز، ولا تحله الحوادث، وكل هذا مقرر في علم أصول الدين، والجمهور على أن هذا استعارة عن جوده وإنعامه السابغ، وأضاف ذلك إلى اليدين جارياً على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه، ومنه قوله: (يداك يدا مجد فكف مفيدة وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق)، ويؤيد أنّ اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق،”([525]) .
وقال الرازي في التفسير: (لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز،،، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن التعطيل (أي تحت تسخيره وتدبيره) وحاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة “([526]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ (ليس كمثله شيء) إلى أن قال: وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية أنه جسم قال: وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال أنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال أنه مركب من لحم ودم تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء /171] ” ([527]) .
وقال الإمام القرشي التيمي مجدد القرن السادس حفيد الصديق أبي بكر رضي الله عنه الإمام فخر الدين الرازي – في درة من علم التقديس والتنزيه عن الجسمية والجوارح والأعضاء والأجزاء – قال في تفسيره: (المسألة الرابعة: احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى}في إثبات يدين لله تعالى، بأن قالوا ظاهر الآية يدل عليه، فوجب المصير إليه، والآيات الكثيرة واردة على وفق هذه الآية، فوجب القطع به، واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء والأعضاء، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جارية مجرى الإلزامات الظاهرة، (فالأول): أن من قال أنه مركب من الأعضاء والأجزاء، فإما أن يثبت الأعضاء التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها، وإما أن يزيد عليها، فإن كان الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح، لأنه يلزمه إثبات وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه }، [القصص: 88] ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله: {تجرى بأعيننا} [القمر: 14] وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى: {ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله تعالى: {مما عملت أيدينا} [يس: 71] وبتقدير أن يكون له يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم: (وكلتا يديه يمين)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] فيكون الحاصل من هذه الصورة، مجرد رقعة الوجه ويكون عليها عيون كثيرة، وجنب واحد ويكون عليه أيد كثيرة وساق واحد، ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور، ولو كان هذا عبدا لم يرغب أحد في شرائه، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة، وأما القسم الثاني: وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن، بل يزيد وينقص على وفق التأويلات، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد الظواهر، ولا بد له من قبول دلائل العقل، (الحجة الثانية): في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى، فإن أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى، وإن نفوهما فهو خصي أو عنين، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، (الحجة الثالثة): أنه في ذاته سبحانه وتعالى، إما أن يكون جسما صلبا لا ينغمز البتة، فيكون حجرا صلبا، وإما أن يكون قابلا للانغماز، فيكون لينا قابلا للتفرق والتمزق، وتعالى الله عن ذلك، (الحجة الرابعة): أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان كالزمن المعقد العاجز، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه، كان محلا للتغيرات، فدخل تحت قوله: {لا أحب الآفلين} [الأنعام: 76]، (الحجة الخامسة): إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت، وإن كان يفعل هذه الأشياء، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل، (الحجة السادسة): أنهم يقولون أنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا، فنقول لهم حين نزوله: هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء الدنيا حين كان على العرش، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة، وإن لم يبق مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات، (الحجة السابعة): أنهم يقولون أنه تعالى أعظم من العرش، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه السماء الدنيا، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش، وكل ذلك باطل، (الحجة الثامنة): ثبت أن العالم كرة، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل، فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب، فيكون إله العالم على هذا القول فلكا من الأفلاك، (الحجة التاسعة): لما كانت الأرض كرة، وكانت السموات كرات، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش، وأن لا يرجع إلى العرش البتة، (الحجة العاشرة): أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها: كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها: كونه محدودا متناهيا وثالثها: كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع والغروب، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا، فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفا بالحركة والسكون، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها، وذلك يبطل قول المشبهة، وإن لم تكن منافية للإلهية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر، (الحجة الحادية عشرة): قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض، (الحجة الثانية عشرة): قوله تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من كونه غنيا على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال) أهـ([528]) .
***
[7] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الصور والأشكال
[المفتاح الاول]: الله تعالى هو المصور، وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، وذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة، والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، وذات الله تعالى وتقدس لا يسري عليه قوانين والمادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثل خلقه وليس كمثله شيء، ولا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، والصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة.
[المفتاح الثاني]: بعض أدلة الشرع في تنزيه الله تعالى عن الصورة والشكل والتخطيط :
(1) من أسماء الله تعالى الحسنى (الْمُصَوِّرُ)، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 24]، وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، فالهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة والله تعالى هو الخالق المقدر تنزه عن الحد والمقدار، والصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، وذات الله تعالى وتقدس لا يسري عليه قوانين والمادة والأجسام، لأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بالصور والأشكال، والله تعالى ليس كمثله شيء، فلا تسري عليه مفاهيم المواد والأجسام، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، والصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة،
(2) قال الله تعالى:{ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، أي أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ففي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة، ومن ذلك نفي الصورة والشكل والتخطيط والتركيب عن رب العالمين، وذلك لأنّ جميع الخلائق لها صورة صورها الخالق البارئ المصور سبحانه، والله تعالى ليس كمثله شيء، ومنْ قال في الله تعالى إِنّ لهُ صورة فقدْ شبّههُ بخلْقِهِ، والله تبارك وتعالى لو كان ذا صورة وشكل وتخطيط وتركيب لاحتاج إِلى منْ جعلهُ بتلك الصورة، وبذلك الشكل والتخطيط، ولا يصِحُّ في العقْلِ أنْ يكُون هُو جعل نفْسه بتلك الصورة، لأنّ الجعل من الخلق والحدوث وهو ضد القدم والأولية والإلهية التي لا تكون إلا لله وحده لا شريك له،
(3) قال الله تعالى:{وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصورة والشكل والتخطيط والتركيب تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا، (4) قال الله تعالى:{فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاتُه يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الصورة والشكل والتخطيط والتركيب تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا، (5) قال الله تعالى:{هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فمن وصفه بصفة من صفات الخلق كالصورة والشكل والتخطيط والتركيب يكون شَبَّهَهُ بهم، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا، (6) قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه،، ومنه نستفيد نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مُصَورا لكان مثلاً لسائر المخلوقات المحدودة المقدرة.
[المفتاح الثالث]: من أقوال علماء أهل السنة في تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط:
جاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد رحمه الله:” نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل، ومذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز وجل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجهة وصفه،، ومن غير معناه فقد ألحد عنه وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع) أهـــ ([529]) .
وجاء فيه أيضا: ” لا يجوز أن يسمى جسما وأنكر (أي الإمام أحمد) على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل ” أهـ ([530]) .
وقال شيخ المحدثين الحافظ البيهقي: “قال أبو سليمان الخطابي: وأما ذكر الصورة في هذه القصة، فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، فإن الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية ” أهـ ([531]) . وقال رحمه الله: ” وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط كالوجه واليدين والعين وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ولا يجوز تكييفها فالوجه له صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين والعين له صفة وليست بحدقة وطريق إثباتها له صفات ذات ورود خبر الصادق به ” أهـ ([532]) .
وقال الإمام الحافظ أبى بكر بن فورك ” فصل: واعلم أن بعض أصحابنا المتكلمين في تأويل هذا الخبر حاد على وجه الصواب، وسلك طريق الخطأ والمحال فيه، وهو ابن قتيبه توهما أنه مستمسك بظاهره غير تارك له، فقال: (إن لله عز وجل صوره لا كالصور كما أنه شئ لا كالأشياء) فأثبت لله تعالى صوره قديمه قديمه، زعم أنها لا كالصور، وأن الله خلق آدم على تلك الصوره، وهذا جهل من قائله 0 وتوغل في تشبيه الله تعالى بخلقه ” أهـ ([533]) .
وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: ” قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا،، قال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها ” أهـ([534]) .
وجاء في إكمال المعلم: ” قال القاضي عياض: هذا حديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفي فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام ” أهـ([535]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح،، وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال أنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال أنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال أنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] ” أهـ([536]) .
وجاء في مرقاة المفاتيح: ” وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة وأمثالها) أهـ [مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة)]، وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل: ومن قال بأن لله تعالى صورة وخلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم وكذلك من قال صورة لا كالصور ” أهـ([537]) .
وقال رحمه الله: ” الحديث الثاني حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث: اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة) ([538]) .
وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: ” وقوله فيه فيأتيهم الله في صورة استدل بن قتيبة بذكر الصورة على ان لله صورة لا كالصور كما ثبت أنه شيء لا كالأشياء وتعقبوه وقال بن بطال تمسك به المجسمة فاثبتوا لله صورة ولا حجة لهم فيه لاحتمال ان يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلا على معرفته كما يسمى الدليل والعلامة صورة وكما تقول صورة حديثك كذا وصورة الأمر كذا والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقة وأجاز غيره ان المراد بالصورة الصفة واليه ميل البيهقي ونقل بن التين ان معناه صورة الاعتقاد وأجاز الخطابي أن يكون الكلام خرج على وجه المشاكلة لما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت وقد تقدم بسط هذا هناك وكذا قوله نعوذ بك وقال غيره في قوله في الصورة التي يعرفونها يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ثم أنساهم ذلك في الدنيا ثم يذكرهم بها في الآخرة، وقوله فإذا رأينا ربنا عرفناه قال بن بطال عن المهلب إن الله يبعث لهم ملكا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء فإذا قال لهم أنا ربكم ردوا عليه لما رأوا عليه من صفة المخلوق فقوله فإذا جاء ربنا عرفناه أي إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره وعظمة لا تشبه شيئا من مخلوقاته فحينئذ يقولون أنت ربنا قال واما قوله هل بينكم وبينه علامة تعرفونها فيقولون الساق فهذا يحتمل ان الله عرفهم على ألسنة الرسل من الملائكة أو الأنبياء ان الله جعل لهم علامة تجليه الساق وذلك أنه يمتحنهم بإرسال من يقول لهم انا ربكم وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وهي وان ورد انها في عذاب القبر فلا يبعد ان تتناول يوم الموقف أيضا قال واما الساق فجاء عن بن عباس في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق قال عن شدة من الأمر والعرب تقول قامت الحرب على ساق إذا اشتدت ومنه قد سن أصحابك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسيرها عن نور عظيم قال بن فورك معناه ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف وقال المهلب كشف الساق للمؤمنين رحمة ولغيرهم نقمة وقال الخطابي تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق ومعنى قول بن عباس ان الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة وأسند البيهقي الأثر المذكور عن بن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد إذا خفي عليكم شيء من القرآن فاتبعوه من الشعر وذكر الرجز المشار اليه وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الأمر الشديد في سنة قد كشفت عن ساقها وأسند البيهقي من وجه آخر صحيح عن بن عباس قال يريد يوم القيامة قال الخطابي وقد يطلق ويراد النفس وقوله فيه ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعه فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ” أهـ ([539]) .
وقال الكرماني في الكواكب الدراري شرح حديث البخاري: ” (من تقرب إلى): من تقرب إلى بطاعة قليلة أجازيه بثواب كثير ولفظ النفس والتقرب والهرولة إنما هو مجاز على سبيل المشاكلة أو على سبيل الاستعارة، أو على سبيل قصد إرادة لوازمها) أهـ ([540]) .
وجاء في إكمال المعلم، شرح القاضي عياض: ” قال القاضي عياض: هذا حديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفي فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة قالوا شيء لا كالأشياء طردوا الاستعمال فقالوا: جسم لا كالأجسام ـ وقال ابن قتيبة صورة لا كالصور، وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نفسه،، وعورض هذا التأويل، وإنما يحسن إذا روي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم مجردا من السبب مقتصرا منه على قوله: (إن الله خلق أدم على صورته) وقال آخرون: إن الضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون له وجهان: (أحدهما): أن يراد بالصورة الصفة كما صورة فلان عند السلطان كذا، (ثانيهما): أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص كما قيل في الكعبة بيت الله، وإن كانت البيوت كلها له، وكما قال تعالى: (ناقة الله)، قال القاضي: (الهاء عائدة على الأخ المنهي أن يضرب وجهه في الحديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ويستقيم الكلام وتظهر فائدة الحديث، ويزول الإشكال) أهـ ([541]) .
وقال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم: ” خلق آدم على صورته هذا من التي يؤمن بها ويمسك عن الخوض فيها أو تؤول بحسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وأحسن ما قيل في تأويله إن الإضافة للتشريف كناقة الله وبيت الله أي الصورة التي اختارها لآدم وقيل الضمير للأخ المقاتل” أه([542]) .
وقال القسطلاني في إرشاد الساري: ” وأن أول قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال له: (إن الله خلق آدم على صورته) وللبخاري في الأدب المفرد، وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن هريرة مرفوعا: (لا يقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فلأن الله خلق أدم على صورته) وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك، وقيل الضمير لله لما في بعض الطرق على صورة الرحمن أي على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر، وغير ذلك، وأن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء، وقال التوربشتي: (وأهل الحق في ذلك طبقتان: إحداهما: المتنزهون عن التأويل مع نفي التشبيه وإحالة العلم إلى علم الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما وهذا اسلم الطريقتين، والطبقة الأخرى: يرون الاضافة فيها تكريم وتشريف، وذلك أن الله تعالى خلق ادم على صورة لم يشاكلها شيء من الصور في الجمال والكمال وكثرة ما احتوت عليه من الفائدة الجليلة، وقال الطيبي: تأويل الخطابي في هذا المقام حسن يجب المصير إليه لأن قوله طوله بيان لقوله على صورته كانه قيل خلق آدم على ما عرف من صورته الحسنة وهيئته من الجمال والكمال وطول القامة وإنما خص الطول منها لأنه لم يكن متعارفا بين الناس، وقال القرطبي: كأن من رواه على صورة الرحمن أورده بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلظ في ذلك، وقوله: ستون ذراعا يحتمل أن يريد بقدر ذراع نفسه لأو الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، والأول أظهر لأن ذراع كل أحد ربعه فلو كان بالذراع المعهود كانت يده قصيرة في جنب طول جسده) أهـ ([543]) .
وقال مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي في كتابه أقاويل الثقات: ” وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته فأثبتت له الصورة والجوارح حتى إن الهشامية من غلاة الرافضة زعموا كما قال القرطبي أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه وقالت الكرامية أنه جسم قال: وقد بالغ بعض أهل الإغواء فقال أنه على صورة الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من قال أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية ومنهم من قال أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط ومنهم من قال أنه مركب من لحم ودم ومنهم من قال أنه على قدر مسافة العرش لا يفضل من أحدهما عن الأخر شيء تعالى الله عن أقوالهم علو كبيرا وعن مثله نهى الله تعالى بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء /171] ” أهـ ([544]) .
ويقول الإمام القرطبي في المفهم: ” وقوله صلى الله عليه وسلم: (خلق الله آدم على صورته) هذا الضمير عائد على أقرب مذكور وهو آدم، وهو أعم، وهذا الأصل في عود الضمائر، ومعنى ذلك: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالا، و لا تردد في الأرحام أطوارا إذ لم يخلقه صغيرا فكبر ولا ضعيفا فقوى بل خلقه رجلا كاملا سويا قويا، بخلاف سنة الله في ولده، ويصح أن يكون معناه الإخبار عن الله تعالى خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى ولا اختلفت صفاته، ولا صورته، كما تختلف صور الملائكة والجن، والله تعالى أعلم، ولو سلمنا: أن الضمير عائد على الله تعالى لصح أن يقال هنا: إن الصورة بمعنى الصفة، وقد بيناه فيما تقدم، وقد ذكرنا في قوله: (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر) فإن معناه على صفته من الإضاءة، لا على صورته من الاستدارة، ” أهـ ([545]) .
وقال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل: – وهو يفند مزاعم المشبهة والحشوية -: ” الحديث الأول في ذكر الصورة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه رواه البخاري وزاد مسلم فإن الله خلق آدم على صورته وفي كتاب ابن خزيمة لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبهك فإن الله خلق آدم على صورته واختلف العلماء فيمن يعود الضمير في صورته إليه فقيل هو عائد إلى المضروب أو المشتوم وهو الأقرب، وأصله أن النبي برجل يضرب آخر على وجهه فقال ذلك حثا على احترام الوجه لما فيه من المنافع والحواس وخص آدم عليه السلام بالذكر لأنه أول من خلق على هذه الصورة وقيل أشار بذلك إلى أن آدم على صورة بنيه لا كما يقال عنه من عظم الجثة وطول القامة إلى السماء وشبه ذلك، وقيل الضمير عائد إلى آدم ومعناه أن الله تعالى ابتدأ خلقه بشرا تاما على صورته من غير نقل من نطفة إلى علقة إلى مضغة كغيره من بنيه فيكون المراد الحث على حرمتها، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: {خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، وقيل إشارة إلى أن آدم وإن خالف وعصى بعد كرامة الله تعالى له فإن الله لم يغير صورته لما أهبطه من الجنة كما غير صورة إبليس والحية والطاووس بل ابقاه على صورته رحمة ولطفا به وكرامة، فإن قيل فقد روي في بعض طرق الحديث على صورة الرحمن، قلنا هذه الرواية ضعيفة جدا وضعفها الأئمة وأرسلها الثوري ورفعها الأعمش وكان يدلس أحيانا إذا لم يصرح بالسماع، وأيضا فيحتمل أن يكون بعض الرواة توهم عود الضمير إلى الله تعالى فرواه بالمعنى على زعمه واعتقاده فأخطأ وأيضا ففي رواته حبيب بن أبى ثابت وكان يدلس ولم يصرح بسماعه عن عطاء وبتقدير صحته وعود الضمير إلى الله تعالى فقيل المراد بالصورة الصفة أي على صفته من العلم والإرادة والسلطة بخلاف سائر حيوانات الأرض وميزه بها وميزه على الملائكة بسجودهم له فيكون المراد بذلك تشريف آدم كما تقدم ذلك، وفي هذا الجواب نظر لأن ذلك لا يختص بالوجه وقيل وهو الأقرب إن الإضافة إضافة الملك والخلق لأنه الذي خلق صورة آدم وهو مالكها ومخترعها كما قال تعالى هذا خلق الله وذلك لأن الصفة كما يصح إضافتها إلى الموصوف يصح إضافتها إلى خالقها وموجدها تشريفا لها وتكريما، ومن قال بأن لله تعالى صورة وخلق آدم عليها فمردود عليه لما فيه من التجسيم وكذلك من قال صورة لا كالصور ” أهـ([546]) .
وقال رحمه الله: ” الحديث الثاني حديث القيامة الطويل في جمع الله الناس إلى قوله فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعبدون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا الحديث إلى قوله فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أن ربكم فيقولون أنت ربنا) الحديث: اعلم أن الأدلة العقلية و النقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة وتكون في بمعنى الباء فمعنى الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال فيكشف عن ساق أي يكشف عن تلك الشدة المتقدمة وتظهر لهم صفة الرحمن فيسجدون شكرا له وقد تقدم ذلك في قوله يوم يكشف عن ساق ويدل لما قلنا أن المراد بالصورة الصفة دلالة صريحة قوله في الصورة التي يعرفونها ثانيها يأتيهم في الصورة التي يعرفونها المراد التي يعرفونها في الدنيا لأنهم لم يعرفوه يوم القيامة قبل ذلك بصورة متقدمة ولا رؤية سابقة فدل على أن المراد التي يعرفونها في الدنيا، ولا خلاف بين الخلائق أجمع أن الله تعالى لم تعرف له في الدنيا صورة وإنما عرفت صفاته تعالى وما وعد به الصالحين في القيامة من لطفه وأمنه وبشارتهم بجنته فإن قيل فلم عدل عن لفظ الصفة إلى لفظ الصورة قلنا لما كانت المتبوعات المتقدمة في الحديث لعابديهم صورا جاء بلفظ الصورة مشاكلة بين المعاني والألفاظ فإنه من أنواع البلاغة، وقوله في الحديث في أدنى صورة فيها أي في أول صفة رأوه فيها لأنهم لم يروا صفة قبلها، ومعنى أدنى أقرب، وقال قوم معناه أن الله تعالى يبعث لهم ملكا في صورة يمتحن إيمانهم في الآخرة كما امتحنهم في الدنيا بالدجال فيقول أنا ربكم ولله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء إذا شاء، قال وفائدة ذلك ثبات المؤمنين على إيمانهم وظهور ذلك منهم لمن خالفهم تشريفا لهم، والأول أظهر وأقرب إلى الأصول واللغة وأقرب من ان يقول الملك المقرب أنا ربكم مع عصمته عن ذلك ونحوه، وهذا الحديث مما يستشكل جدا وقد أجبت بحمد الله عن إشكاله) أهـ([547]) .
وقال رحمه الله: ” الحديث الحادي عشر: (المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش)، وقد تقدم أن اليمين التي هي الجارحة بالنسبة إلى الباري محال وأن المراد بها ها هنا ونحوه الإكرام والإقبال ورفع المنزلة والرتبة عنده تعالى لأنها بالنسبة إلينا أشرف الجانبين، وقد يقال لمن أكرمه السلطان مبالغا في ذلك أجلسه الملك عن يمينه ” أهـ ([548]) .
وقال السيوطي رحمه الله: عند تفسير الآية (171) من سورة النساء: ” يا أهل الكتاب) الإنجيل (لا تغلوا) تتجاوزوا الحد (في دينكم ولا تقولوا على الله إلا) القول (الحق) من تنزيهه عن الشريك والولد (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها) أوصلها الله (إلى مريم وروحٍ) أي ذو روح (منه) أضيف إليه تعالى تشريفا له وليس كما زعمتم ابن الله أو إلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه (فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا) الآلهة (ثلاثة) الله وعيسى وأمه (انتهوا) عن ذلك وأتوا (خيرا لكم) منه وهو التوحيد (إنما الله إله واحد سبحانه) تنزيها له عن (أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض) خلقا وملكا وعبيدا والملكية تنافي النبوة (وكفي بالله وكيلا) شهيدا على ذلك) أهـ([549]) .
وقال الإمام بن الجوزي في الباز الأشهب: ” ومنها قوله تعالي ” يوم يكشف عن ساق ” قال (ابن عباس ومجاهد وابراهيم النخعي وقتادة) وجمهور العلماء يكشف عن شدة، وأنشدوا: ” وقامت الحرب بنا علي ساق “، وقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا، قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلي معاناه الجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، وبهذا قال الفراء وأبو عبيدة، وثعلب واللغويون، وروي البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي –صلي الله عليه وسلم -: ” إن الله عز وجل يكشف عن ساقه “، هذه إضافة إليه معناها: يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعني يكشف عنها يزيلها، وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير، غضب وقال: يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد وقد ذكر أبو عمر الزاهد ان الساق بمعني” النفس ” وقال ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة: لاحكم إلا الله فقال: لابد من محاربتهم ولو بلغت ساقي،، فعلي هذا يكون المعني يتجلي لهم، وفي حدبث أبي موسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” يكشف لهم الحجاب فينظرون إلي الله تعالي فيخرون سجدا، ويبقي أقوام في ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون ” فذلك قوله تعالي ” يوم يكشف عن ساق ويدعون إلي السجود فلا يستطيعون “، وقد ذهب القاضي إلي أن الذات صفة ذاتية، وقال في مثله في يضع قدمه في النار: وحكي بن مسعود: ويكشف عن ساقه اليمني فتضيء من نور ساقه الأرض، قلت: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض وما ذكر عن بن مسعود محال ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات، ولا يوصف ذاته بنور شعاع تضيء به الأمكنة، واحتجاجه بالإضافة ليس بشيء لأنه إذا كشف عن شدته، فقد كشف عن ساقه، وهؤلاء وقع لهم أن معني يكشف ” يظهر ” وإنما المعني يزيل ويرفع “، قال بن حامد: يجب الإيمان بأن لله تعالي ساقا صفة لذاته، فمن جحد ذلك فقد كفر، قلت: لو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحا، فكيف بمن ينسب إلي العلم؟ فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم ردوا الأمر إلي اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقا للذات، وقدما حتي يتحقق التجسيم والصورة) أهـ([550]) .
وقال رحمه الله: ” ذكر الأحاديث التي سموها أخبار الصفات: اعلم أن للأحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلا العلماء الفقهاء، تارة في نظمها، وتارة في كشف معناها، وسنوضح إن شاء الله تعالي، الحديث الأول: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم -: ” خلق الله آدم علي صورته “، قلت: للناس في هذا مذهبان أحدهما: السكوت عن تفسيره، الثاني: الكلام في معناه، واختلف أرباب هذا المذهب في الهاء علي من تعود،،،؟ علي ثلاثة أقوال: أحدهما: تعود علي بعض بني آدم، وذلك أن النبي – صلي الله عليه وسلم – مر برجل يضرب رجل وهو يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال ” إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله تعالي خلق آدم علي صورته “، (قالوا: وإنما اقتصر بعض الرواة علي بعض الحديث فيحمل المقتصر علي المفسر قالوا: فوجه من أشبه وجهك يتضمن سب الأنبياء والمؤمنين)، إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتدأ خلقته ووجهه علي هذه الصورة التي احتذي عليها من بعده، فعلي هذا تكون الهاء كناية عن المضروب، ومن الخطأ أن ترجع إلي الله عز وجل بقوله: ووجه من أشبه وجهك فإنه إذا نسب إليه شبه سبحانه وتعالي كان تشبيها صريحا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه قال: ” إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله تعالي خلق آدم علي صورته، القول الثاني: ” إن الهاء كناية عن اسمين ظاهرين، فلا يصح أن يضاف إلي الله عز وجل لقيام الدليل علي أنه ليس بصورة، فعادت إلي آدم، ومعني الحديث: إن الله خلق آدم علي صورته التي خلقها عليها (تاما لم ينقله من نطفة إلي علقه هذا مذهب) أبي سليمان الخطابي وقد ذكره ثعلب في أماليه، القول الثالث: ” إنها تعود إلي الله تعالي ” وفي معني ذلك قولان: أحدهما: أن تكون صورة ملك، لأنها فعله وخلقه، فتكون إضافتها إليه من وجهين: أحدهما: التشريف بالإضافة كقوله تعالي: ” وطهرا بيتي للطائفين “، والثاني: لأنه ابتدعها علي غير مثال سابق، (وقد روي هذا الحديث من طريق ابن عمر عن النبي – صلي الله علي وسلم – أنه قال: ” لا تقبح الوجه فإن آدم خلق علي صورة الرحمن “، قلت: هذا الحديث فيه ثلاثة علل، أحدهما: أن الثوري والأعمش اختلفا فيه فأرسله الثوري ورفعه الأعمش، الثانية: أن الأعمش كان يدلس فلم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، والثالثة: أن حبيبا كان يدلس فلم يعلم أنه سمعه من عطاء، قلت: وهذه أدلة توجب وهنا في الحديث ثم هو محمول علي إضافة الصورة إليه ملكا، والقول الثاني: أن تكون صورة بمعني الصفة، تقول: هذا صورة الأمر: أي صفته ويكون المعني خلق آدم علي صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام فميزه بذلك علي جميع الحيوانات، ثم ميزه عن الملائكة بصفة التعالي حين أسجدهم له، (وقال بن عقيل إنما خص آدم بإضافة صورته إليه لتخصيصه وهي السلطنة التي تشاكلها الربوبية استعبادا وسجودا وأمرا نافذا وسياسات تعمر بها البلاد ويصلح به العباد وليس في الملائكة والجن من تجمع علي طاعته نوعه وقبيله سوي الآدمي)، وإن الصورة ها هنا معنوية لا صورة تخاطيط، وقد ذهب أبو محمد بن قتيبه في هذا الحديث إلي مذهب قبيح فقال: لله صورة لا كالصور فخلق آدم عليها،،؟ وهذا تخليط وتهافت لأن معني كلامه: إن صورة آدم كصورة الحق، وقال القاضي: يطلق علي الحق تسمية الصورة لا كالصور، نقض لما قاله، وصار بمثابة من يقول: جسم لا كالأجسام، فإن الجسم ما كان مؤلفا، فإذا قال: لا كالأجسام نقض ما قال ” أهـ([551]) .
وقال رحمه الله: ” الحديث الثاني: (روي عبد الرحمن بن عياش – رضي الله عنه – عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه قال: ” رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلي يا محمد قلت: أنت أعلم يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتي وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين السموات والأرض “، قال أحمد رضي الله عنه: أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة (يرويه معاذ عن رسول الله –صلي الله عليه وسلم وكل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح، ورواه قتادة عن أنس واختلف علي قتادة فرواه يوسف عن عطية عن قتادة ووهم فيه، ورواه هشام عن قتادة عن ابن قلابة عن خالد بن الحلاج عن بن عباس ووهم في قوله عن ابن عباس وإنما رواه خالد عن عبد الرحمن بن عياش وعبد الرحمن لم يسمعه من رسول الله –صلي الله عليه وسلم – وإنما رواه عن مالك بن يخامر عن معاذ: قلت: قد ذكرنا أنه لا يصح، وقال أبو بكر البيهقي: فقد روي من أوجه كلها ضعيفة وأحسن طرقه أنه كان في النوم)، وقد روي من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه – قال: قال رسول الله _صلي الله عليه وسلم -: ” أتاني آت في أحسن صورة “، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى،،؟ فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعرفت كل شيء يسألني عنه، وروي من حديث ثوبان قال: خرج علينا رسول الله –صلي الله عليه وسلم- بعد صلاة الصبح فقال: ” إن لبي أتاني الليلة في أحسن صورة فقال لي: يا محمد: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتي وجدت برد أنامله في صدري، فتجلي لي ما بين السماء والأرض”، وروي عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي –صلي الله عليه وسلم – أنه قال: ” لما كنت ليلة أسر بي رأيت ربي في أحسن صورة “، قلت: وهذه أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت وفي بعضها أتاني آت وذلك يرفع الاشكال، وإن قلنا أنه رآه في اليقظة فالصورة إن قلنا ترجع إلي الله تعالي، فالمعني رأيته علي أحسن صفاته (في الإقبال علي والرضي عني، وإن قلنا ترجع إلي رسول الله –صلي الله عليه وسلم- فالمعني رأيته أنا علي أحسن صورة، قلت: والعجب مع اضطراب هذه الأحاديث وكون مثلها لا يثبت به حكم في الوضوء) وروي بن حامد من حديث بن عباس –رضي الله عنهما – عن النبي –صلي الله عليه وسلم – أنه قال:” ولما أسري بي رأيت الرحمن تعالي في صورة شاب أمرد، له نور يتلألأ، وقد نهيت عن وصفه لكم، فسألت ربي أن يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنه عروس حين كشف عن حجابه مستوي علي عرشه “، قلت هذا الحديث كذب قبيح، ما روي قط في صحيح و لا في كذب مشهور، فأبعد الله من عمله فقد كنا نقول ذلك في المنام، فذكر هذا في ليلة الإسراء كافأهم الله وجزاهم النار، يشبهون الله بعروس،،؟ ما قال هذا مسلم؟ وأما ذكر البرد في الحديث الماضي، فإن البرد عرض، لا يجوز أن ينسب إلي الله تعالي، وقد ذكر القاضي في كتاب الكفاية عن أحمد: رأيت ربي في أحسن صورة، أي في أحسن موضع، الحديث الثالث: روت أم طفيل امرأة أبي رضي الله عنهما، أنها سمعت رسول الله –صلي الله عليه وسلم – يذكر، أنه رأي ربه في المنام في أحسن صورة، شابا موقرا، رجلا في خضر عليه نعلان من ذهب، علي وجهه فراش من ذهب، قلت: هذا الحديث يرويه نعيم بن حماد بن معاوية قال ابن عدي: كان يضع الحديث، وقال يحي بن معين: ليس نعيم بشيء في الحديث، (وفي إسناده مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر، قال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتي يصدق الله عز وجل؟ وقال مهني بن يحي، سئلت) أحمد عن هذا الحديث، فأعرض بوجهه وقال:ة هذا حديث منكر مجهول يعني مروان بن عثمان (قال ولا يعرف أيضا عمارة، وقد روي عبيد الله بن أبي سلمة قال: بعث بن عمر إلي عبد الله بن عباس هل رأي محمد ربه فأرسل إليه أن نعم قد رأه فرد الرسول إليه كيف رآه؟ قال: رآه علي كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة في صورة رجل، قلت: وهذا الحديث تفرد به إسحاق وكذبه جماعة من العلماء وفي رواية عن بن عباس ” رآه كان قدميه علي خضرة دونه ستر من لؤلؤ “، قلت: وهذا يرويه أبو إبراهيم بن الحكم بن إبان وقد ضعفه يحي بن معين وغيره وفي رواية ابن عباس –رضي الله عنه – عن رسول الله –صلي الله عليه وسلم – قال: ” رأيت ربي أجعد أمرد عليه حله خضراء “، قلت: وهذا يروي عن طريق حماد بن سلمة وكان بن أبي العوجاء لزنديق ربيب حماد، وكان يدس في كتبه هذه الأحاديث، علي أن هذا كان مناما والمنام خيال، ومثل هذه الأحاديث لا ثبوت لها، ولا يحسن أن يحتج بها في الوضوء، فقد أثبت بها القاضي صفات الله تعالي فقال: قوله: شاب، وأمرد، وجعد، وقطط، والفراش والنعلان والتاج، قال: ثبت ذلك تسمية لا يعقل معناها، (وليس في إثباتها أكثر من تقريب المحدث من القديم وذلك جائز كما روي ” يدني عبده إليه ” يعني يقربه إلي ذاته)، ومن يثبت بالمنام، وبما لا يصح نقله صفات، وقد عرفنا معني الشاب والأمرد ما هو، ثم يقول ما هو كما نعلم، كمن يقول: قام فلان وما هو قائم، وقعد وليس بقاعد، قال بن عقيل هذا الحديث مقطوع فإنه كذب، ثم لا تنفع ثقة الرواة إذا كان المتن مستحيلا، وصار هذا كما لو أخبرنا جماعة من المعدلين: بأن جمل البزار دخل في خرم إبرة الخياط، فإنه لا حكم لصدق الرواة مع استحالة خبرهم، الحديث الرابع: روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – ” انتهيت ليلة أسري بي إلي السماء فرأيت ربي، فرأيت كل شيء من ربي، حتي لقد رأيت تاجا مخوصا من لؤلؤ “، قلت: هذا يرويه أبو القاسم بن ابراهيم، قال الأزهري: كنت اقعد مع ابن اليسع ساعة فيقول: ” قد ختمت الختمة منذ قعدت وقاسم ليس بشيء ” قال الدارقطني هو كذاب، قلت كافأ الله عن عمل مثل هذا الحديث، الحديث الخامس: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالي عنه عن النبي – صلي الله عليه وسلم- أنه قال: ” يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، وتبقي هذه الأمة فيها منافقون، فيأتهم الله عز وجل في غير الصورة التي كانوا يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتي يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا،،،؟ (وفي الصحيحين من حديث بن سعيد عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه قال: فيأتيهم الجبار في غير صورة رأوه فيها أول مرة)، فيقول أنا ربكم، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال: هل بينكم وبينه آية تعرفونها،،،؟ فيقول: الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، قلت: اعلم أنه يجب علي كل مسلم أن يعتقد أن الله سبحانه وتعالي، لا تجوز عليه الصورة التي هي هيئة وتأليف، قال أبو سليمان الخطابي: معني” فيأتيهم الله ” أي يكشف الحجاب لهم حتي يرونه عيانا كما كانوا عرفوه في الدنيا استدلالا، (وأما الصورة فتتأول علي وجهين أحدهما: أنها بمعني الصفة،يقال صورة الأمر كذا)، والثاني: أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور يخرج الكلام علي نوعين من المطابقة، وقوله” في غير صورة رأوه فيها ” دليل علي أن المراد بالصفة الصورة لأنهم ما رأوه قبلها فعلمت أن المراد الصفة التي عرفوه فيها، وقال غيره من العلماء: يأتيهم بأهوال القيامة، وصور الملائكة، ما لم يعهدوا مثله في الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، أي أتي بما يعرفونه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون فيكشف عن ساق: أي عن شدة كأنه يرفع تلك الشدائد المهولة، فيسجدون شكرا، وقال بعضهم: صورة يمتحن إيمانهم بها، كما يبعث الدجال فيقولون: نعوذ بالله منك، وفي حديث أبي موسي عن رسول الله – صلي الله عليه وسلم – أن الناس يقولون: إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا فيقال: وتعرفونه إذا رأيتموه،،،؟ فيقولون: نعم، فيقال: كيف تعرفونه ولم تروه،،؟ فيقولون أنه لا شيبه، فيكشف الحجاب فينظرون إلي الله عز وجل فيخرون سجدا، قال ابن: الصورة علي الحقيقة تقع علي الأشكال والتخايط، وذلك من صفات الأجسام، والذي صرفنا عن كونه جسما، الأدلة القطعية كقوله: {ليس كمثله شيء }، ومن الأدلة العقلية: أنه لو كان جسما لكان صورة وعرضا، ولو كان حاملا الأعراض، جاز عليه ما يجوز علي الأجسام، وافتقر إلي صانع، ولو كان جسما مع قدمه، جاز قدم أحدنا، فأحوجتنا الأدلة إلي تأويل صورة تليق أضافتها إليه، وما ذاك إلا الحال الذي يوقع عليه أهل اللغة اسم صورة فيقولون كيف صورتك مع فلان؟ وفلان، علي صورة من الفقر، والحال التي أنكروها العنف، والتي يعرفونها اللطف، فيكشف عن الشدة، والتغيرات أليق بفعله، فإما ذاته، فتعالي عن التغيير، نعوذ بالله أن يحمل الحديث علي ما قالته المجسمة إن الصورة ترجع إلي ذاته، فإن في ذلك تجويز التغيير علي صفاته، فخرجوه في صورة إن كانت حقيقية، فذلك استحالة، وإن كانت تخيلا فليس ذلك هو، إنما يريهم غيره) أهـ([552]) .
[المفتاح الرابع]: من أقوال الأصوليين في تنزيه الله تعالى عن الصورة والتخطيط
[1] قال حجة الإسلام العزالي في كتابه قواعد العقائد: ” وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثل موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه بائن عن خلقه بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه غير ذاته وأنه مقدس عن التغيير والانتقال لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات الابصار نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه ” أهـ([553]) .
وقال رحمه الله: ” الأصل التاسع الرؤية: العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار مقدسا عن الجهات والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ولا يرى في الدنيا تصديقا لقوله عز وجل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السلام لن تراني وليت شعري كيف عرف المعتزلي من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السلام وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالا، ولعل الجهل يذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل بالأنبياء صلوات الله عليهم وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك ” أهـ ([554]) .
[2] وقال الإسفرائيني في التبصير في الدين: ” وأن تعلم أن الحركة والسكون والذهاب والمجيء والكون في المكان والاجتماع والافتراق والقرب والبعد من طريق المسافة والاتصال والانفصال والحجم والجرم والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لأن جميعها يوجب الحد والنهاية وقد دللنا على استحالة ذلك على الباري سبحانه وتعالى وأصل هذا في كتاب الله تعالى وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما رأى هذه العلامات على الكواكب والشمس والقمر قال: {لا أحب الآفلين }، فبين أن ما جاز عليه تلك الصفات لا يكون خالقا، وأن تعلم أن كل ما تصور في الوهم من طول وعرض وعمق وألوان وهيئات مختلفة ينبغي أن تعتقد أن صانع العالم بخلافة وأنه قادر على خلق مثله وإلى هذا المعنى أشار الصديق رضي الله عنه بقوله العجز عن درك الإدراك إدراك ومعناه إذا صح عندك أن الصانع لا يمكن معرفته بالتصوير والتركيب والقياس على الخلق صح عندك أنه خلاف المخلوقات وتحقيقه أنك إذا عجزت عن معرفته بالقياس على أفعاله صح معرفتك له بدلالة الأفعال على ذاته وصفاته وقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بقوله هو الله الخالق الباريء المصور وما كان مصورا لم يكن مصورا كما أن من كان مخلوقا لم يكن خالقا ” أهـ ([555]) .
[3] قال الإمام الماتريدي رحمه الله: ” فإن قيل كيف يرى قيل بلا كيف إذ الكيفية تكون لذى صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود وإتكاء وتعلق وإتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل ونور وظلمة وساكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك ” أهـ ([556]) .
[4] وقال الإمام الرازي في أساس التقديس: (الصورة: أعلم: أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن، لكنها واردة في الأخبار:
الخبر الأول: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن الله تعالى خلق آدم على صورته وروى ابن خزيمة عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، لا يقولن أحدكما لعبده: قبح الله وجهك، ووجهه من أشبه وجهك (فإن الله خلق آدم على صورته)، والجواب: أعلم: أن الهاء في قوله على صورته يحتمل أن يكون عائداً إلى شيء غير صورة آدم عليه السلام وغير الله تعالى، ويحتمل أن يكون عائداً إلى آدم، ويحتمل أن يكون عائداً إلى الله تعالى فهذه طرق ثلاثة: الطريقة الأولى: أن يكون هذا الضمير عائداً إلى غير آدم، وإلى غير الله تعالى، وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان: الاول: هو أن من قال لإنسان: قبح الله وجه ووجهه من أشبه وجهك فهذا يكون شتماً لآدم عليه السلام فإنه لما كانت صورة هذا الإنسان مشابهة لصورة آدم كان قوله: قبح الله وجهك، ووجهه من أشبه وجهك: شتماً لآدم عليه السلام، ولجميع الأنبياء عليهم السلام، وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وإنما خص آدم بالذكر، لأنه عليه السلام هو الذى ابتدئت خلقت وجهه على هذه الصورة، الثاني: أن المراد منه: إبطال قول من يقول: أن آدم كان على صورة أخرى، مثل ما يقال أنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريباً من السماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى إنسان معين، وقال: إن الله خلق آدم على صورته أي كان شكل آدم، مثل شكل هذا الإنسان، من غير تفاوت البته، فأبطل هذا البيان: وهم من توهم أن آدم عليه السلام كان على صورة أخرى غير هذه الصورة، الطريق الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى آدم ـ عليه السلام ـ وهذا أولى الوجوه الثلاثة، لأن عود الضمير إلى أقرب المذكورات وواجب، وفي هذا الحديث: أقرب الأشياء المذكورة هو آدم عليه السلام فكان عود الضمير إليه أولى، ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه: الأول: أنه تعالى لما عظم أمر آدم بجعله مسجود الملائكة ثم أنه أتى بتلك الزلة، والله تعالى لم يعاقبه بمثل ما عاقب به غيره، فإنه نقل: أن الله تعالى أخرجه من الجنة، وأخرج معه الحية والطاووس، وغير تعالى خلقهما مع أنه لم يغير خلقة آدم عليه السلام، بل تركه على الخلقة الأولى إكراماً له وصوناً له على عذاب المسخ، فقوله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى على صورته معناه خلق آدم على (هذه الصورة) التي هي الآن باقية من غير وقوع التبديل فيها، والفرق بين هذا الجواب، والذى قبله: إن المقصود من هذا: بيان أنه عليه السلام كان مصوناً عن المسخ، والجواب الأول: ليس فيه إلا بياناً أن هذه الصورة الموجودة، ليست إلا هي التي كانت موجودة من قبل، من غير تعرض لبيان أنه جعل مصوناً عن المسخ، بسبب ذلته مع أن غيره صار ممسوخاً، الثاني: المراد منه: إبطال قول الدهرية، الذين يقولون: أن الأنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة، ودم الطمث، فقال عليه السلام: إن الله خلق آدم على صورته إبتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة، الثالث: إن الإنسان لا يتكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد، بواسطة الأفلاك والعناصر، وقال عليه السلام: إن الله خلق آدم على صورته أي من غير هذه الوسائط، والمقصود نمنه: للرد على الفلاسفة، الرابع: المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت لتخليق الله تعالى وإيجاده، لا بتأثير القوة المصورة والمولودة، على ما تذكره الأطباء والفلاسفة، ولهذا قال الله تعالى هو الله الخالق البارئ المصورة، فهو الخالق أي فهو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات، والبارئ أي هو المحدث للأجسام والذوات بعد عدمها والمصور أي هو الذى يركب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيبتها المخصوصة، الخامس: قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة، يقال بها: شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة والمراد من الصورة في كل هذه المواضع: الصفة، فقوله عليه السلام: إن الله خلق آدم على صورته أي على جملة صفاته، وأحواله، وذلك لأن الإنسان حين يحدث، يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال يزداد علمه وقدرته، إلى أن يصل إلى حد الكمال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق من أول الأمر كاملاً تماماً في علمه وقدرته، وقوله: خلق آدم على صورته معناه: أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة له في آخر الأمر، وأيضا: لا يبعد أن يدخل في لفظة صورة كونه سعيداً أو شقياً، كما قال عليه السلام السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه فقوله عليه السلام: إن الله خلق آدم على صورته أي على جميع صفاته من كونه سعيداً أو عارفاً أو تائباً أو مقبولاً من عند الله تعالى، الطريق الثالث: أن يكون هذا الضمير عائد إلى الله تعالى، وفيه وجوه: الاول: المراد من الصورة: الصفة كما بيناه فيكون المعنى: أن آدم امتاز على سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات قادراً على استنباط الحرف والصناعات وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله تعالى من بعض الوجوه، فصح قوله عليه السلام: أن الله خلق آدم على صورته بناء على هذا التأويل فإن قيل المشاركة في صفات الكمال تقتدى المشاركة في الإلهية، قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة ف الأمور الكثيرة لا تقتضى المساواة في الإلهية، ولهذا المعنى، قال تعالى وله المثل الأعلى، وقال عليه السلام: تخلقوا بأخلاق الله، الثاني: أنه كان يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح إضافتها إلى الخالق والموجد، فيكون الغرض من هذه الإضافة: الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور بمزيد الكرامة والجلالة، الثالث: قال الشيخ الغزالي رحمه الله: ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية، بل هو موجود، ليس في جسم ولا بجسمانى، ولا تعلق له بهذا البدن، إلا على سبيل التدبير أو التصرف فقوله عليه السلام: إن الله خلق آدم على صورته أي أن نسبة ذات آدم عليه السلام إلى هذا البدن كنسبة البارئ تعالى إلى العالم، من حيث أن كل واحد منهما غير حال في هذا الجسم، وأن كان مؤثراً فيه بالتصرف والتدبير، والله أعلم.
الخبر الثاني: ما رواه بن خزيمة في كتابه الذى سماه بالتوحيد بإسناده عن بن عمر ـ رضى الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأعلم: أن ابن خزيمة ضعف هذه الرواية، ويقول: أن صحت هذه الرواية فلها تأويلان، الأول: أن يكون المراد من الصورة: الصفة ـ على ما بيناه، الثاني: أن يكون المراد من هذه الإضافة: بيان شرف هذه الصورة كما في قوله: بيت الله، وناقة الله.
الخبر الثالث: ما روى صاحب شرح السنة رحمه الله في كتابه، في باب آخر من يخرج من النار عن أبى هريرة (رضى الله عنه) في حديث طويل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله هذا مكاننا، حتى يأتينا ربنا، فإن بيننا وبينه علامة، فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة الت ى يعرفون، فيقولون أنت ربنا، فيتبعونه، وأعلم: أن الكلام على هذا الحديث من وجهين: الأول: أن تكون في بمعنى الباء، والتقدير فيأتيهم الله بصورة غير الصورة التي عرفوه بها في الدنيا وذلك بأن يريهم ملكاً من الملائكة، ونظيره: قول بن عباس رضى الله عنه في قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، أ ى بظلل من الغمام ثم أن تلك الصورة تقول أنا ربكم وكأن ذلك آخر محنة تقع للمكلفين في دار الآخرة وتكون الفائدة فيه تثبيت المؤمنين على القول الصالح، وإنما يقال: الدنيا دار محنة، والآخرة دار الجزاء: على الأعم والأغلب، وإن كان يقع في كل واحدة منهما ما يقع في الأخرى نادراً، أما قوله عليه السلام، أنهم يقولون إذا جاء ربنا عرفناه فيحمل على أن يكون المراد: فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه، وقوله: فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فمعناه: يأتيهم بالصورة التي يعرفون أنها من إمارات الإحسان، وأما قوله عليه السلام: (فيقولون): بيننا وبينه علامة فيحتمل أن تكون تلك العلامة: كونه تعالى في حقيقته مخالفاً للجواهر والأعراض، فإذا رأوا تلك الحقيقة عرفوا أنه هو الله، التأويل الثاني: أن يكون المراد منى الصورة: الصفة، والمعنى: أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه، ما لم يلقوه ولم يعتادوه من معامله الله تعالى معهم، ثم تأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة، على الوجه الذى اعتادوه وألفوه، الخبر الرابع: ما روى عنه عليه السلام أنه قال: رأيت ربى في أحسن صوة وأعلم: أن قوله (عليه السلام) في أحسن صورة يحتمل ان يكون من صفة الرائي، كما يقال: دخلت على الأمير على أحسن هيئة، أي: وأنا كنت على أحسن هيئة، ويحتمل ان يكون ذلك من صفات المرئى، فإن كان ذلك من صفات الرائي، كان قوله: على أحسن صوة عائداً إلى (الرسول) صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد من الصورة: نفس الصورة، فيكون المعنى: أن الله تعالى زين خلقه وجمل صورته عندما رأى ربه وذلك يكون سبباً لمزيد الإكرام في حق الرسول عليه السلام، الثاني: أن يكون المراد من الصورة: الصفة، ويكون المعنى: الأخبار عن حسن حالة عند الله، وأنه أنعم عليه بوجوه عظيمة من الأنعام (كما كان) وذلك لأن الرائي قد يكون بحيث يتلقاه المرئي بالإكرام والتعظيم، وقد يكون بخلافه: فعرفنا الرسول عليه السلام إن (حالته كانت) من القسم الأول، وأما إن كان عائداً إلى المرئي ففيه وجوه: الأول: أن يكون عليه السلام رأى ربه في المنام، في صورة مخصوصة وذلك جائز، لأن الرؤية من تصرفات الخيال، ولا ينفك ذلك عن صورة متخيلة، الثاني: أن يكون المراد من الصورة: الصفة وذلك لأنه تعالى لما خصص بمزيد الإكرام والإنعام في الوقت الذى رآه صح أن يقال ـ في العرف المعتاد ـ: أنى رأيته على أحسن صورة وأجمل هيئة، الثالث: لعله عليه السلام: لما رآه أطلع على نوع من صفات الجلال والعزة والعظمة ما كان مطلعاً عليه قبل ذلك، الخبر الخامس: ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: رأيت ربى في أحسن صورة قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديى فعلمت ما بين السماء والأرض ثم قال يا محمد قلت لبيك وسعديك، قال: فيما يختصم الملأ إلا على؟ فقلت: يا رب لا (أدرى، فقال) في أداء الكفارات، والمشي على الإقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء (على الكراهات) وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأعلم: أن قوله: رأيت ربى في أحسن صورة قد تقدم تأويله، وأما قوله: وضع يده بين كتفي ففيه وجهين، الأول: المراد منه: المبالغة في الاهتمام بحالة، والاعتناء بشأنه، يقال: لفلان يد في هذه الصنعة، أي هو كامل فيها، الثاني: أن يكون المراد من اليد: النعمة: يقال، لفلان يد بيضاء، ويقال: أن أيادي فلان كثيرة، وأما قوله: بين كتفي فإن صح فالمراد منه أنه أوصل إلى قلبه من أنواع اللطف والرحمة، وقد روى بين كنفي، والمراد (منه: مثل) ما يقال: أنا في كنف فلان، وفي ظل انعامه، وأما قوله: فوجدت بردها فيحتمل أن المعنى: برد النعمة وروحها وراحتها، من قولهم: عيش بارد، إذا كان رغداً (ويحتمل كمال المعارف) والذى يدل على أن المراد منه: كمال المعارف: قوله عليه السلام في آخر الحديث: فعلمت ما بين المشرق والمغرب وما ذلك إلا لأن الله تعالى أنار قلبه وشرح صدره بالمعارف وفي بعض الروايات: فوجدت برد أنامله وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى) أهـ([557]) .
[5] قال الرازي رحمه الله في كتابه الأسماء الحسنى: ” وأما المصور فهو مأخوذ من الصورة، وفي اشتقاق لفظ الصورة قولان: الأول: من الصور وهو الإمالة قال تعالى (فصرهن إليك) أي أملهن، وفي حديث عكرمة، (وحملة العرش كلهم صور) يريد جمع الصور، وهو مائل العين، فالصورة هي الشكل المائل إلى الأحوال المطابقة للمصلحة والمنفعة، والثاني: أن الصورة مأخوذة من صار يصير، ومنه قولهم: إلى ماذا صار أمرك، ومادة الشيء هى الجزء الذي باعتباره يكون الشيء ممكن الحصول، وصورته هي الجزء الذي باعتباره يكون الشيء حاصلا كائنا لا محالة، فلا جرم كانت الصورة منتهى الأمر ومصيره، إذا عرفت هذا فنقول: لا شك أن الأجسام متساوية في ذاتها، ويرى كل جسم مختصا بصورة خاصة، وشكل خاص، والذوات المتماثلة إذا اختلفت في الصفات كانت تلك الصفات جائزة العدم والوجود، والجائز لا بد له من مرجع ومخصص، فافتقرت الأجسام بأسرها في صورها المخصوصة، وأشكالها المخصوصة إلى مخصص قادر، وهو الله سبحانه فثبت أن سبحانه وتعالى هو المصور، ثم أنه سبحانه خص صورة الإنسان بمزيد العناية، كما قال (وصوركم فأحسن صوركم) وقال (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) وقال بعد أن شرح خلق الإنسان (فتبارك الله أحسن الخالقين) هذا هو الكلام في تفسير هذه الأسماء الثلاثة، المسألة الرابعة: في كلام المشايخ في أسمه الخالق والبارئ والمصور: في هذه الأسماء قالوا: الخالق هو الذي بدأ الخلق بلا مشير وأوجدها بلا وزير، وقيل: الخالق الذي ليس لذاته تأليف، ولا عليه في قوله تكليف، وقيل: الخالق الذي ليس لذاته تأليف، ولا عليه في قوله تكليف، وقيل: الخالق الذي أظهر الموجودات بقدرته، وقدر كل واحد منها بمقدار معين بإرادته، وقيل: الخالق الذي خلق الخلق بلا سبب وعلة، وأنشأها من غير جلب نفع ولا دفع مضرة، حكى عن جعفر بن سليمان أنه قال: مررت بعجوز مكفوفة تنوح على نفسها فقلت لها: ما معاشك؟ فقالت: دع هذه الفضول، بلغت هذا المبلغ فما أحوجني إليك ولا إلى غيرك، ثم قالت أما سمعت قول الخليل عليه السلام (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين)، أما البارئ فقالوا: من عرف أنه البارئ لم يكن للحوادث في قلبه أثر، ولا للشواهد على سره خطر، وقيل: من عرف أنه البارئ تبرأ عن حول نفسه وسطوته، ولا يمن على الحضرة بعبوديته وطاعته، وقيل من عرف أنه البارئ فنى عن مساكنة الأغيار، وسقط عن سره ملاحظة الآثار، وقيل: من عرف أنه البارئ تبرأ عن المحظور، والتجأ إلى الملك الغفور، أما المصور فقالوا: أنه الذي سوى قامتك، وعدل خلقتك، قال تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وقيل: المصور من زين الظواهر عموما، ونور السرائر خصوصاً، وقيل: المصور الذي ميز العوام من البهائم بتسوية الخلق، وميز الخواص من العوام بتصفية الخلق، وأعلم أنه تعالى كما زين الظواهر بالصورة الحسنة، زين البواطن أيضاً بالسيرة الحسنة، وبهاذ المعنى قال تعالى في تعظيم العلم: (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) وقال في تعظيم الخلق: (وإنك لعلى خلق عظيم) فالمرء مشهور بخلقه مستور بخلقه، قال يحيى بن معاذ: إذا سكت فأنا من الناس واحد، وإذا نطقت فانا في الناس واحد، ولهذا قيل: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال عليه الصلاة والسلام ” ما واحد خير من ألف مثله إلا الإنسان “، المسألة الخامسة: حظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة قليل، أما الخالق فقد رجع حاصله إلى العلم، وأما البارئ فقد رجع حاصله إلى القدرة، فحظ العبد من الأول تكميل القوة النظرية بمعرفة الحقائق، ومن الثاني تكميل القوة العملية بمحاسن الأخلاق، وإليهما الإشارة بقول الخليل: (رب هب لى حكما) إشارة إلى تكميل القوة النظرية (وألحقني بالصالحين) إشارة إلى تكميل القوة العملية، فإذا صار هكذا فقد صار تاما في ذاته تماما يليق بالبشرية، فيجب بعده أن يشتغل بتكميل غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى (قل هذه سبيلي) وهذا هو حظ العبد من أسمه المصور، لأنه بإرشاده يصور الحق في عقول الخلق) أهـ ([558]) .
وقال الرازي – في تفسيره الآية 54 من سورة الأنعام -: ” أما قوله {كتب ربكم على نفسه الرحمة} ففيه مسائل: (المسألة الأولى: قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب، ولكمة «على» أيضاً تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب، فهذا يقتضي كونه سبحانه راحماً لعباده رحيماً بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا: له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم، وقالت المعتزلة: إن كونه عالماً بقبح القبائح وعالماً بكونه غنياً عنها، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلماً، والظلم قبيح، والقبيح منه محال، وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول، المسألة الثانية: دلت هذه الآية علىأنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضاً قوله تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} (المائدة: 116)،، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه، لأنه لو كان جسماً لكان مركباً والمركب ممكن وأيضاً أنه أحد، والأحد لا يكون مركباً، وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً أنه غني كما قال {والله الغني}والغني لا يكون مركباً وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كان جسماً لحصل له مثل وذلك باطل لقوله {ليس كمثله شيء} (الشورى: 11) فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه) أهـ([559]) .
[6] وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر البغدادي في كتابه أصول الدين – بعد أن نص على أن المشبه عابد وثن -: ” وأما جسمية خرسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم بأن الله له حد ونهاية من جهة السفل ومنها يماس عرشه ولقولهم بأن الله محل للحوادث وإنما يرى الشيء برؤية تحدث فيه ويدرك ما يسمعه بإدراك يحدث فيه ولولا حدوث الادراك فيه لم يكن مدركا لصوت ولا مدركا لمرئي وقد أفسدوا بإجازة حلول الحوادث في ذات الله تعالى لأنفسهم دلالة الموحدين على حدوث الأجسام بحلول الحوادث وإذا لم يصح على أصولهم حدوث حدوث العالم لم يكون لهم طريق إلى معرفة صانع العالم وصاروا جاهلين به ” أهـ ([560]) .
وقال أيضا في كتاب الأسماء والصفات له: ” إن الأشعري وأكثر المتكلمين قالوا بتكفير كل مبتدع كانت بدعته كفرا أو أدت إلى كفر كمن زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حدا ونهاية أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون، ولا إشكال لذي لب في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم عن الله جسم له حد ونهاية من تحته وإنه مماس لعرشه وإنه محل الحوادث وإنه يحدث فيه قوله وإرادته ” أهـ، ([561]) .
[7] وجاء في إكمال المعلم قال الامام ابن عياض: هذا حديث ثابت عند أهل النقل، وقد رواه بعضهم أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ولا يليق هذا عند أهل النقل واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة وأجراه على ظاهره، وقال: فإن الله سبحانه له صور لا كالصور وأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفى فساده لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث، والباري سبحانه وتعالى ليس بمحدث، فليس بمركب وما ليس بمركب فليس بمصور وهذا من جنس قول المبتدعة أن الله الباري جل وعز جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة قالوا شيء لا كالأشياء طردوا الاستعمال فقالوا: جسم لا كالأجسام ـ وقال ابن قتيبة صورة لا كالصور، وقال آخرون: إن الضمير عائد على آدم نفسه،، وعورض هذا التأويل، وإنما يحسن إذا روي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم مجردا من لا لسبب مقتصرا منه على قوله: (إن الله خلق أدم على صورته) وقال آخرون: إن الضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون له وجهان: أحدهما: أن يراد بالصورة الصفة كما صورة فلان عند السلطان كذا، ثانيهما: أن تكون إضافة الصورة إضافة تشريف واختصاص كما قيل في الكعبة بيت الله، وإن كانت البيوت كلها له، وكما قال تعالى: (ناقة الله)، قال القاضي: (الهاء عائدة على الأخ المنهي أن يضرب وجهه في الحديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ويستقيم الكلام وتظهر فائدة الحديث، ويزول الاشكال) أهـ([562]) .
***
[8] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الشبيه والمثيل
[المفتاح الاول]: الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات، ولا هو يشبه شيئاً منها، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، كما أن ذات المخلوق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم، محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري، ومن الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، وإذا كان المخلوق لا يحيط علماً بالروح التي تسكنه، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الاسراء: 85] فأنى له أن يُدرك شيئا عن ذات الإله.
فذات الله تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه ولا نقدر على تصوره فضلا عن وصفه ولا نحيط به علما، فلا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم وكل ما خطر ببالك فهو باطل، لأنه مخلوق في عقلك وخاطرك والله خالق كل شيء وليس بمخلوق فسبحان الله عما يصفون، والحمد لله أنه لا خلاف بين المسلمين – عدا المشبهة – بأنّ الله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، إذ {ليس كمثله شيء }.
[المفتاح الثاني]: أقوال علماء أهل السنة في تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات
[1] قال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ): (إن الله تعالى ليس كمثله شيء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق) اهـ،([563]) .
[2] وقال الإمام الشهرستاني (548هـ): (فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان) اهـ([564]) .وقال في الملل والنحل: (فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى: 11]، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان) أهــ ([565]) .
وذكر عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادى رحمه الله في كتابه الفرق بين الفرق إجماع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن المكان والزمان فقال رحمه الله: ” وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان ([566]) .
[3] وقال حجة الإسلام الغزالي ر حمه الله – في درة من علم التنزيه -: (أنه (سبحانه) في ذاته واحد لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان ” أهــ([567]) . [4] وجاء في مناهل العرفان: (فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول ليس كمثله شيء ويقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقول إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ويقول يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد وغير هذا كثير في الكتاب والسنة فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف ” أهــ([568]) .[5] وجاء في أقاويل الثقات: (باب في ذكر الوجه والعين واليد واليمين والأصابع والكف والأنامل والصورة والساق والرجل والقدم والجنب والحقو والنفس والروح ونحو ذلك مما أضيف إلى الله تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث مما يوهم التشبيه والتجسيم تعالى الله عن ذلك علو كبيرا: اعلم أن الله سبحانه مخالف لجميع الحوادث ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات لا يشبهه شيء من خلقه ولا يشبه شيئا من الحوادث بل هو منفرد عن جميع المخلوقات ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله له الوجود المطلق فلا يتقيد بزمان ولا يتخصص بمكان والوحدة المطلقة لقيامه بنفسه واستقلاله في جميع افعاله وكل ما توهمه قلبك أو سنح في مجاري فكرك أو خطر في بالك من حسن أو بهاء أو شرف أو ضياء أو جمال أو شبح مماثل أو شخص متمثل فالله تعالى بخلاف ذلك واقرأ ليس كمثله شيء) ([569]) .
***
[9] أقوال علماء المسلمين في تقديس الله عن الاتحاد الحلول والاتصال والانفصال والحركة والسكون
[المفتاح الأول]: الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال والحركة والسكون هي صفات الاجسام والاجرام وهي علامة التغير والتغير والحدوث سمة المخلوقات المحدثة المصنوعة، أما الخالق سبحانه فله القدم الأزلي والقدم الازلي من أهم خصائصه عدم قبول الحوادث وعدم التغير والافول، ولهذا كان من اهم قواعد أهل الأصول المعبرين عن عقيدة اهل السنّة والجماعة تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث وعن قبول الحوادث، وتنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، قال المفسرون: قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن القمر لتغير حاله لا يصلح للإلهية وأن من اتخذه إلها فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، و (الأفول): معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، كما أن ذات الله تعالى منزه عن التغير والحدوث، فإنه سبحانه منزه عن قبول الحوادث، لأنه لو قبل شيء من الحوادث لكان جزء من الذات حادثا وهذا محال لأن الله تعالى أحدي الذات صمدي الصفات لا تقبل ذاته التجزؤ ويستحيل عليها قبول الحادث والأول الأزلي منزه عن أي حادث وإلا كان حادثا، ولهذا اتفق العارفون بأصول الدين وقواعد التنزيه بأن ما قبل الحوادث فهو حادث، وانه ليس في ذات الله تعالى محدث ولا مخلوق لأنه الأول الخالق سبحانه، كما أنّ قبول الحوادث ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات.
[المفتاح الثاني]: من مبادئ علم التقديس والتنزيه وقسم توحيد الذات ومن أهم قواعد التقديس تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث وقبول الحوادث: (أ) الله تعالى له كمال الوجود الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء، كما في قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) [أخرجه مسلم]، فهو سبحانه الأزلي القديم بذاته، منزه عن الحدوث إذ ليس لذاته ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بذاته إذ ليس لذاته انتهاء، له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (الاول فليس قبلك شيء)، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (الآخر فليس بعدك شيء)، فهو الحي قبل كل حي وهو الحي الذي لا يموت، وهو الحي بعد كل ميت،حياته سبحانه تامة كاملة منزهة عن السنة والنوم والموت والفناء، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 255]، وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58]، وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، (ب) من تنزيه الله تعالى عن الحدوث والفناء، وعدم قبول الذات للحدوث أو الفناء نستفيد أنّ ذات الله تعالى القديم الأزلي الباقي الأبدي لا يقبل الحدوث أو التغير والأفول أو قبول المحدثات، وذلك لأنه في علم الأصول فإن القديم الذاتي لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، والحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، فالله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث نقص ومماثلة للمخلوقات يتنزه عنه كمال الذات وبيان ذلك أن نقول: (ت) من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى، قوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، ومنها أنه يستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ، ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ويستحيل عليه التغير والحدوث وقبول الحوادث لأن التغير والحدوث و حلول الحوادث من صفات المخلوق، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من التغير والحدوث وقبول الحوادث.
[المفتاح الثالث]: دليل بطلان كونه تعالى محلاًّ للحوادث الحوادث هو ما يطرأ على الذات الحادثة من التغيّرات المختلفة، لأنّ الحوادث تستلزم التغيّر، والذات التي يطرأ عليها الحوادث تتغيّر وتنتقل من حالة إلى أخرى بسبب ما اكتسبته من الحوادث، والله تعالى منزه عن التغير والأفول، كما أنّ قبول الحوادث من صفات الأجسام الحادثة، وبما أنه تعالى قديم الذات فلا يقبل الحادث لأنّ أخص صفات القديم أن لا يقبل الحادث وإلا كان حادثا مثله، وبما أنه تعالى منزّه عن الأمور المادية والجسمانية، فلهذا يستحيل عليه أن يكون محلاًّ للحوادث،
(أ) كل ما يقوله غير المتخصصون في العقيدة عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، ومحاذير قولهم عظيمة، منها: أنهم يزعمون أن ذات الله تعالى تقبل الحوادث وهذا معارض بأحدية الذات فإن الله (أحد صمد) لا تتجزأ ذاته ولا تقبل شيئا محدثا فيها، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث مرادف للقول بقبول الذات للمخلوق لأن الحادث مخلوق وكل ما لم يكن ثم كان فإنه مخلوق لا معنى له إلا ذاك، فهل يقبلون بهذا القول الفاحش الذي يؤول إلى القول بالاتحاد والحلول بين المخلوق والخالق سبحان الله عما يصفون، ومنها أنّ القول بقبول ذات الله (سبحانه) للحادث ما هو إلا تكييف لذات الله تقدس وتعالى بقياسها على ذات المخلوق، حيث أن المخلوق لا يقوم بعمل في الخارج إلا إذا حدثت الإرادة في الداخل، وهذا حال المخلوق لأنه كله محدث يقبل الحوادث، فهل يجوز قياس حالة الخالق الأزلي الذي ليس كمثله شيء على حالة المخلوق الحادث، وهل يجوز عند اولى الألباب قياس إرادة الله الأزلية القديمة على إرادة المخلوق المحدثة المخلوقة، سبحانك هذا بهتان عظيم، كما أنّهم يقيسون صفة الكلام لله تعالى وهي صفة أزلية قديمة لله لها الكمال المطلق، على كلام البشر فيقولون _ هداهم الله _ إن صفة الكلام لله صفة فعلية تتعلق بالإرادة وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء، ولازم قولهم أن القرآن محدث وليس قديم لأنه متعلق بمشيئة الله وان الله سبحانه تكلم به متى شاء ولم يكن قديما من الأزل وهذا القول الفاحش هو قول المعتزلة الذين قالوا: إن القرآن محدث وليس قديما، ومذهب أهل السنة والجماعة أهل التنزيه أن كلام الله قديم وانه صفة من صفات الله المعنوية مثلها مثل العلم والإرادة فكما أن علم الله صفة قديمة لا تتعلق بإرادة الله، بمعنى أنه لا يجوز القول: أنه سبحانه يعلم متى شاء ولا يعلم متى شاء، لأنه يحد علم الله الذي له الكمال، فكذلك الكلام صفة قديمة لله معنوية لا تتعلق بأفعال الله ولا بإرادة الله،، وهم جعلوه محدثا يفعله الله متى شاء مثله مثل الخلق والرزق يخلق من شاء متى شاء، ويرزق من يشاء متى شاء، وصار القرآن الكريم كلام الله تعالى بلازم قولهم محدثا مخلوقا، فانظر هداك الله الفرق بين المذهبين، مذهب التنزيه والفقه في دين الله، ومذهب التكييف والجهل في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وعلى مذهبهم لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث جاز لغيرهم أن يقول بعلم حادث ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران\142] وجاز لغيرهم أيضا أن يقول بإرادة حادثة ويستدل بظاهر القرآن كقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ويتبجح بما أجازه أولئك من قيام الحوادث بذات الله تعالى، وهل هذا كله إلا جهل عظيم بالله تعالى وصفاته (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ).
(ب) كذلك فإن الله تبارك وتعالى منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق وبيان ذلك: ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا، كما أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين، قال ابن كثير _ عند قوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) _ ” يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد وهما منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدس ” أهـ([570]) .
ولتحرير مسألة تنزيه ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال، بأدلة الكتاب والسنة وأقوال علماء أهل السنة والجماعة انظر،،، من سلسلة التجديد (تجديد علم التوحيد)، به – إن شاء الله تعالى – الأدلة الوافية على بيان الوافية على بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة من تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال، (ج) من قواعد تنزيه الله تعالى عن النقص ومماثلة الخلائق قاعدة أنّ الله تعالى منزه عن الكيفيات الحسية التي تتصف بها ذات المخلوق، لأنها محدثات لا تكون إلا عند الذي يقبل الحوادث، أما القديم الأزلي الأبدي فلا تقبل ذاته الحوادث فلا تقبل الكيفيات الحسية التي من أمثلتها الجلوس والاستقرار ولأنها لا تحدث إلا بالجوارح، وتنزيه الله تعالى عن النزول الحسي والصعود الحسي على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، ولأنها صفات المحدود الذي يتحرك في المكان المحدود والمقهور بالمكان والزمان، لأنّ الكون في المكان قهر من المكان، ولأنّ الحركة قهر من الزمان، لأنّ الزمان ما هو عند التحقيق إلا تغير يحدث في اطار السكون والحركة، ولولاهما لما استطعنا تمييز الزمان، والقهار لا يجري عليه زمان لأنّه قاهر الزمان والمكان، وكذلك يتنزه سبحانه عن القبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، والضحك على معنى التغير في ذاته والتبسم على معنى التغير في ذاته والقهقهة على معنى التغير في ذاته والسرور والحزن والغضب على معنى التغير في ذاته، والندم والتردد على معنى التغير في ذاته، فالله تعالى منزه عن تلك الكيفيات الحسية، ومنزه عن أي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، ومن أدلة تنزيه الله عن الكيفيات المحسوسة: أنها من خواص الجسم والجوارح والله تعالى منزّه عن الجسمانية، وأنها حادثة، لكن الباري غير حادث، فيمتنع أن يكون قابلاً للحوادث، وهي تستلزم التغير والانفعال، والله منزّه من التغير في ذاته.
(د) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن.
(ه) من أقوال علماء الأمة في تنزيه الله تعالى عن التغير والأفول وقبول الحوادث كالحركة والسكون، قال الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في كتابه “الباز الأشهب” بعد ذكر حديث النزول: (يستحيل على الله عزَّ وجلَّ الحركة والنـقلة والتـغـيـيـر، وواجب على الخلق اعتقاد التـنـزيه وامتـناع تجويز النـقلة وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفـتـقر إلى ثلاثة أجسام جسم عال وهو مكان الساكن وجسم سافل وجسم ينـتـقل من علو إلى أسفل وهذا لا يجوز على الله قطعاً، وقال الحافظ بن عبد البر: (قد قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وليس مجيئه حركة ولا زوالا ولا انتقالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلة ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو موجود نازل به ولا مجيء لبان لك وبالله العصمة والتوفيق) ([571]) .
وقال ابن حزم: (إن الحركة والسكون مدة، والمدة زمان وقد بينا فيما خلا من كتابنا أن الزمان محدث، فالحركة محدثة،كذلك السكون والباري تعالى لا يلحقه الحدث، إذ لو كان حدثا لكان من ثان، فالباري تعالى غير متحرك ولا ساكن) أهـ([572]) .
وقال أيضاً – وإني لأتعجب كيف يكون هذا الظاهري اليابس في علم الفقه على هذا العلم بالعقليات -: (أما من قال أن الحركات أجسام فخطأ لأن الجسم في اللغة موضوع للطويل العريض العميق ذي المساحة وليست الحركة كذلك فليست جسما ولا يجوز أن يوقع عليها اسم جسم إذ لم يأت ذلك في اللغة ولا في الشريعة ولا أوجبه دليل وأوضح أنها ليست جسما فهي بلا شك عرض وأما من قال أن الحركة ترى فقول فاسد لأنه قد صح أن البصر لا يقع في هذا العالم إلا على لون في ملون فقط وبيقين ندري أن الحركة لا لون لها فإذ لا لون لها فلا سبيل إلى أن ترى وإنما علمنا كون الحركة لأننا رأينا لون المتحرك في مكان ما ثم رأيناه في مكان آخر فعلمنا أن ذلك الملون قد انتقل عن مكان إلى مكان بلا شك وهذا المعنى هو الحركة أو بأن يحس الجسم قد انتقل من مكان إلى مكان فيدري حينئذ من لامسه وإن كان أعمى أو مطبق العينين أنه تتحرك وبرهان ما قلنا أن الهواء لما لم يكن له لون لم يره أحد وإنما يعلم تموجه وتحركه بملاقات فإنه منتقل وهو هبوب الرياح وكذلك أيضا علمنا حركة الصوت بإحساسنا الصوت يأتي من مكان ما إلى مكان ما ن وكذلك القول في الحركة في المشموم من الطيب والنتن وحركة المذوق فبطل قولا من قالا أن الحركات ترى وصح أن الحركة ليست لونا ولا ولها لون ولو كان هذا لأمكن لآخر أن يدعى أن الحركة أنه يسمع الحركة وهذا خطأ لأنه لا يسمع إلا الصوت ولأمكن لآخر أن يدعى أن الحركة تلمس وهذا خطأ وإنما يلمس المجسة من الخشونة والأملاس أو غير ذلك من المجسات والحق من هذا إنما هو أن الحركة تعرف وتوجد بتوسط كل ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد والحركات النقلية المكانية تنقسم قسمين لا ثالث لهما إما حركة ضرورية أو اختيارية فالاختيارية هي فعل النفوس الحية من الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوان كله وهي التي تكون إلى جهات شتى على غير رتبة معلومة الأوقات وكذلك السكون الاختياري والحركة الضرورية تنقسم قسمين لا ثالث لهما أما طبيعية وأما قسرية والاضطرارية هي الحركة الكائنة ممن ظهرت منه عن غير قصد منه إليها وأما الطبيعية فهي حركة كل شيء غير حي مما بناء الله عليه كحركة الماء إلى وسط المركز وحركة الأرض كذلك وحركة الهواء والنار إلى مواضعها وحركة الأفلاك والكواكب دورا وحركة عروق الجسد النوابض والسكون الطبيعي هو سكون كل ما ذكرنا في عصره وأما القسرية فهي حركة كل شيء دخل عليه ما يحيل حركته) أهـ([573]) .
وقال القسطلاني في ارشاد الساري: ((أتاني يمشي هرولة) إسراعا يعني من تقرب إلى بطاعة قليلة جازيته بمثوبة كثيرة، وكلما زاد في الطاعة زدت في ثوابه، وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأني فإتياني بالثواب له على السرعة والتقرب، والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة أو قصد إرادة لوازمها، وإلا فهذه الاطلاقات وأشباهها لا يجوز إطلاقها على الله تعالى إلا على المجاز لاستحالتها عليه تعالى) ([574]) .
وجاء في إكمال المعلم: (في قوله صلى الله عليه وسلم: 0(يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة يقاتل في سبيل الله،،،) قال القاضي عياض: الضحك هنا استعارة في حق الله، ولا يجوز عليه الضحك المعلوم لأنه إنما يصح من الأجسام وممن يجوز عليه تغير الحالات، والله منزه عن ذلك وإنما يرجع إلى الرضا بفعلهما والثواب عليه والإحسان إليهما أو حمد فعلهما ومحبته، وتلقى رسل الله لهما بذلك لأن الضحك إنما يكون من أحدهما عند موافقة ما يراه وسروره به، وبره لمن يلقاه،وقد يكون الضحك هنا على وجهه المعلوم والمراد به ملائكة الله ورسله الذين يوجههم للقائه، وقبض روحه وإدخاله الجنة كما يقال نادي الأمير في البلد وقتل السلطان فلانا وحاله وأمره) أه([575]) .
ـوقال النووي نفس كلام القاضي في كتاب الإمارة باب الرجلين يقتل أحدهما الآخر في شرح صحيح مسلم ([576]) . ومثله قاله القرطبي في المفهم ([577]) .
ومثله قال الأبي في شرح مسلم الأبي: وقال الأبي في شرح حديث (عجب الله عز وجل من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)، قال الأبي: (لا يصح إسناد التعجب إلى الله تعالى، وما جاء من ذلك مؤول، فالمعنى رضى الله فعلكم، وقيل: عظم فعل ذلك عند الله تعالى) أهـ([578]) .
وبعد فتلك تنزيهات من أقوال العلماء في تقديس الله تعالى وتنزيهه عن كل صور التغير والحدوث وقبول الحوادث، ومن لم يجعل الله تعالى له نوراً فما له من نور.
[المفتاح الرابع]: تقديس الله تعالى عن الاتحاد والحلول :
[1]: الله تبارك وتعالى منزه عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق وبيان ذلك: ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا في كتاب تنزيه ذات الله تعالى عن معاني المادية والجسمية.
[2]: أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين، قال ابن كثير _ عند قوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) _ ” يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد وهما منفيان بالإجماع تعالى الله وتقدس ” أهـ ([579]) .
[3]: من أقوال العلماء في تنزيه الله تعالى عن الاتحاد والحلول: جاء في طبقات الشافعية الكبرى: (قال الجنيد رضي الله عنه متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير) أهـ،([580]) .
وقال الغزالي في قواعد العقائد: (الأصل السادس: العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم بجسم أو حال في محل لأن العرض ما يحل في الجسم، فكل جسم فهو حادث لا محالة ويكون محدثه موجوداً قبله، فكيف يكون حالاً في الجسم وقد كان موجوداً في الأزل وحده وما معه غيره) أهـ([581]) .
، وجاء في فتح الباري في شرح حديث إنكم لا تدعون – (وليس المراد قرب المسافة لأنه منزه عن الحلول كما لا يخفى) أهـ،([582]) .
وجاء فيه ( واما قوله عنده فقال بن بطال عند في اللغة للمكان والله منزه عن الحلول في المواضع لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله فعلى هذا قيل معناه أنه سبق علمه باثابة من يعمل بطاعته وعقوبة من يعمل بمعصيته ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده انا عند ظن عبدي بي ولا مكان هناك قطعا وقال الراغب عند لفظ موضوع للقرب ويستعمل في المكان وهو الأصل ويستعمل في الاعتقاد تقول عندي في كذا كذا أي اعتقده ويستعمل في المرتبة ومنه أحياء عند ربهم واما قوله ان كان هذا هو الحق من عندك فمعناه من حكمك وقال بن التين معنى العندية في هذا الحديث العلم بأنه موضوع على العرش وأما كتبه فليس للاستعانة لئلا ينساه فإنه منزه عن ذلك لا يخفى عنه شيء وانما كتبه من أجل الملائكة الموكلين بالمكلفين) أهـ،([583]) .
وقال الإمام الماتريدي رحمه الله في كتابه التوحيد: (ولا يوصف الله سبحانه بالاتصال بالأشياء ولا الانفصال ولا بالحلول فيها ولا بالخروج منها من جهة المسافة على ما هو لأن الله تعالى كان ولا غيره فمحال انتقاله مما كان عليه لما مر بيانه) أه([584]) .
ـ وقال الغزالي في المقصد الأسنى (ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم معنى الحلول فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصور لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها فمن لا يدري معنى الحلول فمن أين يدري أن الحلول موجود أو محال فنقول المفهوم من الحلول أمران أحدهما النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه وذلك لا يكون إلا بين جسمين فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك والثاني النسبة التي بين العرض والجوهر فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عنه بأنه حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى وتقدس في هذا المعرض فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصور الحلول بين عبدين فكيف يتصور بين العبد والرب) أهـ،([585]) .
وجاء في الفرق بين الفرق للبغدادي : (والصحيح عندنا أن أمة الاسلام تجمع المقرين بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وصفاته وعدله وحكمته ونفى التشبيه عنه وبنبوة محمد ورسالته الى الكافة وبتأييد شريعته وبأن كل ما جاء به حق وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة اليها فكل من أقر بذلك كله ولم يشبه ببدعة تؤدى الى الكفر فهو السنى الموحد وأن ضم الى الاقوال بما ذكرناه بدعة شنعاء نظر فإن كان على بدعة الباطنية أو البيانية أو المغيرة او الخطابية الذين يعتقدون إلهية الائمة او إلهية بعض الأئمة او كان على مذاهب الحلول أو على بعض مذاهب اهل التناسخ،، أو أباح ما نص القرآن على تحريمه أو حرم ما أباحه القرآن نصا لا يحتمل التأويل فليس هو من أمة الاسلام ولا كرامة له) أهـ،([586]) .
وقال الأشعري في مقالات الإسلاميين (الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماعه ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي ابعاض واجزاء وجوارح واعضاء وليس بذي جهات ولا بدى يمين وشمال وامام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجرى عليه زمان ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الاماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدثهم ولا يوصف بأنه متناه ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا تحيط به الاقدار ولا تحجبه الاستار، ولا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل اولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الابصار ولا تحيط به الاوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حى لا كالعلماء القادرين الاحياء وانه القديم وحده لا قديم غيره ولا اله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على انشاء ما انشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شىء اخر ولا بأصعب عليه منه لا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضر ولا يناله السرور واللذات ولا يصل اليه الاذى والآلام ليس بذى غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والابناء) أهـ،([587]) .
وقال في مقالات الإسلاميين (وانه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول والمماسة) أهـ ([588]) .
وقال في الإبانة (استواء منزها عن الحلول والاتحاد) أهـ،([589]) .
وجاء في العين والأثر في عقائد أهل الأثر [ج: 1 ص: 104]: (ولا يجوز انفصال القرآن عن ذات الله تعالى ولا الحلول في المحال وكون الكلام مكتوب على الحقيقة في الكتاب لا يقتضي حلوله فيه لا انفصاله عن ذوات المتكلم قال الله تعالى النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فالنبي في التوراة والإنجيل مكتوب على الحقيقة وكذلك القرآن على الحقيقة مكتوب في المصاحف محفوظ في قلوب المؤمنين مقروء متلو على الحقيقة بألسنة القارئين من المسلمين كما أن الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز معبود في مساجدنا معلوم في قلوبنا مذكور في ألسنتنا وهذا واضح بحمد الله ومن زاغ عن هذه الطريقة فهو قدري معتزلي يقول بخلق القرآن وأنه حال في المصاحف نظير ما قالوا أنه لما سمع موسى عليه الصلاة والسلام كلامه خلق كلامه في الشجرة وهذه من فظائع المعتزلة التي لا يخفى فسادها) أهـ،([590]) .
وقال القاضي ابن جماعة في إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به مع أننا نعتقد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك فإذا اعتقد التنزيه لا حاجة إلى الخوض في ذلك والمخاطرة فيما لا ضرورة بل لا حاجة إليه) أهـ،([591]) .
وقال الإمام الغزالي في قواعد العقائد (وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه بائن عن خلقه بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته وأنه مقدس عن التغيير والانتقال لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال) أهـ،([592]) .
وجاء في تفسير البيضاوي (ولا يؤوده أي ولا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج حفظهما أي حفظه السموات والأرض فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول وهو العلي المتعالي عن الأنداد والأشباه العظيم المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية متصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجد لغيره إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له عالم الأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها واسع الملك والقدرة كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يؤده شاق ولا يشغله شأن متعال عما يدركه وهو عظيم لا يحيط به فهم) أهـ،([593]) .
وجاء في تفسير الثعالبي (والمعتقد في هذا أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته كان الله ولا شيء معه كان سبحانه قبل أن يخلق المكان والزمان وهو الآن على ما عليه كان) أهـ،([594]) .
وجاء في تفسير أبي السعود (فلا يتوبون إلى الله تعالى ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول) أهـ،([595]) .
وجاء في تفسير روح المعاني (هو العلى أي المتعالي عن الأشباه والأنداد والأمثال والأضداد وعن أمارات النقص ودلالات الحدوث وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة والسلطان والمهلك وعلو الشأن والقهر والاعتلاء والجلال والكبرياء العظيم ذو العظمة وكل شيء بالإضافة إليه حقير ولما جليت على منصة هذه الآية الكريمة عرائس المسائل الإلهية وأشرقت على صفحاتها أنوار الصفات العلية حيث جمعت أصول الصفات من الألوهية والوحدانية والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة واشتملت على سبعة عشر موضعا فيها أسم الله تعالى ظاهرا في بعضها ومستترا في البعض ونطقت بأنه سبحانه موجود منفرد في ألوهيته حي واجب والوجود لذاته موحد لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور) أهـ([596]) .
[المفتاح الخامس]: تقديس الله تعالى عن المماسة والاتصال والانفصال:
[1]: تنزيه ذات الله تعالى عن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، وقد جاء في القرب آيات عديدة منها قول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)} [هود: 61]،، وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أنه سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)} [سبأ: 50]،، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)} [الواقعة: 85] وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير فدنا منا فقال: (يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) [متفق عليه]، وهذه الادلة تدل على قرب الله تعالى من عباده، قرب منزه عن الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال مع خلقه ليس كمثله شيء، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وقد جاء في الإحاطة: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } [النساء: 126]، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الادلة تفيد إحاطة الله تعالى بكل شيء، والإحاطة ليس معناها أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، والله تعالى منزه عن الحدود والغايات والنهايات، وليس معناه أن الله في كل مكان إذ المكان مهما كبر فهو محدود والله تنزه عن الحدود، وليس معناه أن الكون كله داخل في ذات الله (سبحانه) إذ تنزه الخالق عن معاني الحلول والاتحاد ومعاني المماسة والاتصال ليس كذاته ذات تنزه عن كل ما خطر بقلوب البشر له الكمال والتنزيه المطلقين في ذاته وصفاته وافعاله ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، نعجز عن ادراك ذاته، وما نستطيع ان نقدره قدره، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وإذ يقول علماء الحساب والرياضيات أنه لا نسبة بين المحدود واللامحدود، ولا تصح المقارنة بين المحدود مهما كان كبيرا أو عظيما وبين اللامحدود، إذ نسبة المحدود مهما كان كبيرا إلى اللامحدود هي نفسها نسبة الصفر الذي لا يساوي شيئا إلى الذي لا يتناهى من الأشياء، ولله المثل الاعلى، إذ كيف تصح المقارنة بين الكون المخلوق المقدر المحدود – مهما بلغ اتساعه وهو عظيم كما قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}– وبين الخالق الواحد القهار المنزه عن الحد والمقدار، ومن ذلك نفهم وجه المقارنة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال (يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) ([597]) .
ومعلوم أن المخيط لا ينقص من البحر شيئا ولله المثل الأعلى قال تعالى {وما قدروا الله حق قدره }، وقال تعالى{سبحان ربك رب العزة عما يصفون }، سبحانك تقدست أسماؤك وتعالت عظمتك،
[المفتاح السادس]: من فوائد هذا التنزيه عن الحد والحصر والمقدار على المسلم أن يعظم الله تعالى بقلبه ويفهم العظمة والجلال في جميع الآيات التي تدل على هيمنة الله تعالى على أرجاء الكون كقوله تعالى {الرحمن على العرش استوى }، مع قوله تعالى {فإني قريب }، مع قوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }، مع قوله تعالى {والله بكل شيء محيط }، وقوله تعالى {وكان الله بكل شيء محيطا }، لأننا نعبد المنزه عن الحد والحصر والمقدار، ولا نقول كما قالت الحلولية والجهمية: إن الله في كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا نقول كما قالت الحشوية الجهوية: إن الله في مكان دون مكان ألا وهو العرش العظيم، بل نقول إن الله خالق المكان منزه عن المكان لا يحل في كل مكان ولا في مكان دون مكان وأنه هو رب العرش العظيم، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته [هذه المقولة العظيمة نسبها الإمام أبو منصور البغدادي إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان) وقال (إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانًا لذاته) اهـ ([598]) .
وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال أنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون}وكما قال تعالى:{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، وكما قال تعالى {واسجد واقترب }، وكما قال الرسول الكريم _ وهو يبين قرب الرحمن _ (إذا كَانَ أَحَدُكُم في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي ربَّه فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ) ([599]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (أربعوا على أَنفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِباً، إنَّكم تَدْعُونَ سميعاً قَرِيباً، والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) ([600]) . ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأنه سبحانه ليس كمثله شيء لا يُقاس قربه بالمسافة، بل كل خلقه منه قريب تحيرت العقول في ذاته وصفاته والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا حد البشر نبذ التمثيل والتكييف والتشبيه وتنزيه الله عن الزمان والمكان والحد والمقدار، ولا تلتفت إلى القاصر عن علم العقيدة والتقديس حين يقول إذا قلنا أنه لا يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه فهذا هو التناقض، نقول: هو التناقض إذا كان بين شيئين متماثلين في وجه من الوجوه، فمثلا نقول أن هناك علاقة بين الإنسان وبين العلم فيصح أن يٌقال هذا إنسان عالم أو جاهل، ولكن إذا لم يكن هناك تماثل في وجه من الوجوه فلا يصح مثلا أن نقول عن الحجر أنه حجر عالم أو جاهل بل الصحيح هو أن يُقال ” لا يُقال للحجر أنه عالم ولا يُقال أنه جاهل ” لعدم التماثل بين العلم والحجر، ولله المثل الأعلى، فلا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق فالله تعالى موجود بذاته وصفاته وأفعاله ولكن ليس كوجوده وجود وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، وليس كمثل أفعاله أفعال، وليس له مثيل ولم يكن له كفوا أحد، فلا تناقض يُقال أنه سبحانه لا هو داخل العالم ولا هو خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه لأنه لا تماثل أبدا بين الخالق وبين المخلوق، ومن الأدلة الشرعية على تنزيه الله تعالى عن الاتصال والانفصال: قوله تعالى: (ليس كمثلِه شيء) [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فإذا كانت المخلوقات جميعا لها حد تنتهي إليه وتقبل الاتصال والانفصال والملامسة والقرب والبعد الحسي وهو علامة نقصها ودليل خلقها علمنا من ذلك أن خالقها منزه عن الحد والحصر والمقدار، قوله تعالى:(وللهِ المثَلُ الأعلى) [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين من الحد والحصر والمقدار، وقوله تعالى:(فلا تضربوا للهِ الأمثال) [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، تنزه عن الحد والحصر والمقدار والملامسة والاتصال والانفصال، وقوله تعالى:(هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، تنزه عن الحد والحصر والمقدار والملامسة والاتصال والانفصال.
[المفتاح السابع]: من أقوال العلماء في التنزيه عن الاتصال والانفصال:
[1] قال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597 هـ) ما نصه: (الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغير والانتقال) ([601]) .
وقال أيضا: (أفترى اقواما يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) ([602]) .
دفع شبه التشبيه، وطبعا كتاب دفع شبه التشبيه هذا الذي رد فيه على المجسمة الذين ينسبون أنفسهم إلى مذهب الامام أحمد والإمام أحمد بريء مما يعتقدون، وقد بين ابن الجوزي في هذا الكتاب أن عقيدة السلف وعقيدة الإمام أحمد تنزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية والقيام والجلوس والاستقرار وغيرها من صفات الحوادث والأجسام، وقال ايضا: (كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان) دفع شبه التشبيه، وقال أيضا: (فإن قيل: نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا: إن كان الموجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقتَ، فأما إذا لم يقبلهما فليس خلوه من طرق النقيض بمحال) ([603]) .
[2] وقال الشيخ العلامة أبو البركات أحمد بن محمد الدردير المالكي المصري (1201هـ) عن الله تعالى ما نصه: (منزهٌ عن الحـلول والجـهه *** والاتـصـال الانـفـصـال والسَّفـه) الخريدة البهية (ضمن مجمرع مهمات المتون) ([604]) .
[3] وقال المحدث اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي (1205هـ) ما نصه: (إنه سبحانه لا مكان له ولا جهة) ([605]) .
وقال أيضا: (إنه تعالى مقدس منزَّه عن التغير من حال إلى حال والانتقال من مكان إلى مكان، وكذا الاتصال والانفصال فإن كلاًّ من ذلك من صفات المخلوقين) ([606]) .
[4] وقال الشيخ أبو حفص الفاسي في حواشي الكبرى ما نصه: (لا شك أن المعتقد هو أن الله تعالى سبحانه ليس في جهة، وقد أوضح الأئمة تقريره في الكتب الكلامية بما لا مزيد عنه، فهو سبحانه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، وتوهم أن في هذا رفعاً للنقيضين وهو محال، باطلٌ، إذ لا تناقض بين داخل وخارج، وإنما التناقض بين داخل ولا داخل، وليس خارج مساوياً للداخل، وإنما هو أخص منه، فلا يلزم من نفيه نفيه، لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، والأعم لا يستلزم الأخص، فإن قيل: بم ينفرد هذا الأعم الذي هو لا داخل، عن الأخص الذي هو خارج، قلنا: ينفرد في موجود لا يقبل الدخول ولا الخروج ولا الاتصال ولا الانفصال، وهذا يحمله العقل، ولكن يقصر عنه الوهم، وقصور الوهم منشأ الشبهة، ومثار دعوى الاستحالة) ([607]) .
[5] وقال الشيخ محمود بن محمد خطاب السبكي (1352هـ): (وأما مذهب السلف والخلف بالنسبة للآيات والأحاديث المتشابهة فقد اتفق الكلّ على أن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث، فليس له عز وجل مكان في العرش ولا في السماء ولا في غيرهما، ولا يتصف بالحلول في شيء من الحوادث ولا بالاتصال بشيء منها ولا بالتحول والانتقال ونحوهما من صفات الحوادث) ([608]) .
[6] قال الشيخ محمد عثمان الميرغني المكي الحنفي (1268هـ): (مخالفته للحوادث: ومعناها عدم الموافقة لشيء من الحوادث، وليس تعالى بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا متحرك ولا ساكن، ولا يوصف تعالى بالصغر ولا بالكبر، ولا بالفوقية ولا بالتحتية، ولا بالحلول في الأمكنة، و لا بالاتحاد ولا بالاتصال و لا بالانفصال، ولا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام، ولا بغير ذلك من صفات الحوادث) ([609]) .
[7] نص الإمام المحدث الحافظ المفسر عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (597هـ) على نفي التحيز في المكان والاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق عن الله تعالى، وردّ في كتابه “الباز الأشهب” على ابن الزاغوني المجسم الذي قال: “فلما قال ـ تعالى ـ {ثمّ استوى} [سورة الأعراف: 54] علمنا اختصاصه بتلك الجهة”، وقال ابن الزاغوني أيضا والعياذ بالله:”ولا بد أن يكون لذاته نهايةٌ وغاية يعلمها” قال ابن الجوزي ما نصه:”قلتُ: هذا رجلٌ لا يدري ما يقول، لأنه إذا قَدّر غايةً وفصلاً بين الخالق والمخلوق فقد حدده وأقر بأنه جسم وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر لأن الجوهر ما يتحيز، ثم يثبت له مكانًا يتحيز فيه، قلت: ـ أي ابن الجوزي ـ وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق تعالى وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يُقابَل ويحاذَى، ومن ضرورة المحاذِي أن يكون أكبر من المحاذَى أو أصغر أو مثله، وأن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكلّ ما يحاذِي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها المماسةَ والمباينة، فإن أجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا هذا عليه لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدّرنا مستغنيًا عن المحل ومحتاجًا إلى الحيز، ثم قلنا: إما أن يكونا متجاورين أو متباينين كان ذلك محالاً، فإن التجاور والتباينَ من لوازم التّحيز في المتحيّزات، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم التحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزًا لم يخل إما أن يكون ساكنًا في حيّزهِ أو متحركًا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاورَ أو باين فقد تناهى ذاتًا والتناهي إذا اختص بمقدار استدعى مخصِّصًا، وكذا ينبغي أن يقال ليس بداخلٍ في العالم وليس بخارجٍ منه، لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات فهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختصُّ بالأجرام، وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته فثبت انفصاله عنها قلنا: ذاته المقدس لا يَقبل أن يُخلَق فيه شيء ولا أن يحل فيه شيء، وقد حملهم الحِسُّ على التشبيه والتخليط حتى قال بعضهم إنما ذكَر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه، وهذا جهل أيضًا لأن قرب المسافة لا يتصور إلا في جسم، ويَعِزُّ علينا كيف يُنْسَبُ هذا القائل إلى مذهبنا، واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سورة فاطر: 10] وبقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [سورة الأنعام: 18] وجعلوا ذلك فوقية حسيّة ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر، وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال تعالى: {فوق عباده}قال تعالى: {وهو معكم }، فمن حملها على العلم حمل خصمُه الاستواء على القهر، وذهبت طائفة إلى أن الله تعالى على عرشه وقد ملأهُ والأشْبَه أنه مماس للعرش والكرسي موضِعُ قدميه، قلت: المماسة إنما تقع بين جسمين وما أبقى هذا في التجسيم بقية” انتهى كلام الحافظ ابن الجوزي ولقد أجاد وشفى وكفى.
[8] قال الإمام فخر الدين الرازي (606هـ): “فلو كان علوّ الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلوّ لله تعالى صفة ذاتية، ولكان حصول هذا العلوّ لله تعالى حصولاً بتبعية حصوله في المكان، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى، فيكون علو الله ناقصًا وعلوّ غيره كاملا وذلك محال” اهـ، وقال أيضًا عند تفسير ءاية: {الرحمنُ على العرشِ استوى} [سورة طه: 5]:”المسألة الثانية: المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه: (أحدها): أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتجْ إلى مكان بل كان غنيًّا عنه، فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعُمَ زاعم أنه لم يزل مع الله عرش، و (ثانيها): أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش، فيكون في نفسه مؤلَّفًا مركَّبًا، وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلِّف والمركِّب، وذلك محال، و (ثالثها): أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنًا من الانتقال والحركة أو لا يُمْكِنُه ذلك، فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون مُحْدَثًا لا محالة، وإن كان الثاني كان كالمربوط بل كان كالزَّمِن بل أسوأ حالاً منه، فإن الزَّمِنَ إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك وهو غير ممكن على معبودهم، ورابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان، فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصِّصه بذلك المكان فيكون محتاجًا وهو على الله محال” اهـ،([610]) .
[9] قال سيف الدين الآمدي (631هـ) في كتابه “غاية المرام”: “فإن قيل ما نشاهده منَ الموجودات ليس إلا أجسامًا وأعراضًا، وإثبات قسم ثالث مما لا نعقِله، وإذا كانت الموجودات منحصرة فيما ذكرناه فلا جائز أن يكون البارئ عرضًا لأن العرض مفتقِر إلى الجسم والبارئ لا يفتقِر إلى شيء، وإلا كان المفتقرُ إليه أشرفَ منه وهو محال، وإذا بطل أن يكون عرضًا بقي أن يكون جسمًا، (قلنا): منشأ الخبط ههنا إنما هو من الوهم لإعطاء الحق حكم الشاهد والحكم على غير المحسوس بما حكم به على المحسوس، وهو كاذب غير صادق، فإن الوهم قد يرتمي إلى أنه لا جسم إلا في مكان بناء على الشاهد، وإن شهد العقل بأن العالم لا في مكان لكَون البرهان قد دلَّ على نهايته، بل وقد يشتد وهم بعض الناس بحيث يقضي به على العقل، وذلك كمن ينفِر عن المبيت في بيت فيه ميت لتوهمه أنه يتحرك أو يقوم، وإن كان عقله يقضي بانتفاء ذلك، فإذًا اللبيب من ترك الوهم جانبًا ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبًا، وإذا عرف أن مستند ذلك ليس إلا مجرد الوهم، فطريق كشف الخيال إنما هو بالنظر في البرهان فإنا قد بيَّنا أنه لا بد من موجودٍ هو مُبدىء الكائنات، وبيَّنا أنه لا جائز أن يكون له مثل من الموجودات شاهدًا ولا غائبًا، ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبين أن ما يقضي به الوهم لا حاصل له، ثم لو لزم أن يكون جسمًا كما في الشاهد للزم أن يكون حادثًا كما في الشاهد وهو ممتنع لما سبق، وليس هو عرضًا وإلا لافتقر إلى مقوم يقومه لوجوده، إذ العرض لا معنى له إلا ما وجوده في موضوع، وذلك أيضًا محال” اهـ،([611]) .
[المفتاح الثامن]: جاء في رسالة: حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه للأستاذ سعيد فودة [شبهة في إثبات الجهة] وقد يقول بعضٌ منكم على سبيل الاستدلال على الجهة: ماذا يوجد فوق الأرض؟ فيقال: السماء الدنيا، فيقول: وفوقها؟ فيقال: الثانية، وهكذا إلى السابعة، فيقول: وفوق السماء السابعة؟ فيقال: العرش، فيقول: وماذا فوق العرش؟ فإذا قيل له: الله، وقع المجيب في مذهبه، وإذا قيل: لا شيء، فيقول له: سبحان الله، جعلت الله عدماً، هذا كلامه، وهو يقول هذا لأنه يتوهم أصلاً أن الله تعالى في جهة الفوق، فلما سمع نفي وجود الله في جهة الفوق استغرب، فإذا قلت له سائلاً: فما الجواب الذي به أنت، فسوف يقول: أقول: (الرحمن على العرش استوى)، وهو يذكر هذه الآية في هذا الموضع، وهو يتوهم أنه يفهم معناها، وليظهر غيره ممن يحاوره أنه لا يتبع القرآن، وهذا الذي يجيب بهذا الكلام، يسأل فيقال له: ما معنى استوى؟ فسوف يتهرب من الإجابة، وهم عادة لا يصرحون بأنهم يعتقدون أن استوى جلس، لكي لا يظهر ويبين أنهم مجسمون، وهم عادة يقولون: استوى كما أخبر، فيقال له: هل تفهم معنى هذه الآية أم لا؟ إن قال: نعم، ألزمه التوضيح، وحينئذ تنحلُّ العقد ويتضح المقام، وإن قال: لا أفهمها، يقال له: أنت تتناقض، لأنك جعلت هذه الآية جواباً على سؤال: ماذا فوق العرش؟ فالسؤال عن الفوقية الحسية المكانية، والأصل في الجواب أن يكون عن ذلك، فيلزمك أن الاستواء عندك حسي مكاني، وهذا دليل التشبيه والتجسيم، وجوابك بهذه الآية يدل على أنك تفهمُ معناها، فكيف تقول إنك لا تفهمها، وأيضاً إن كنت لا تفهم معناها، فكيف تتخذ منها دليلاً على الناس، فتقول: هذا يخالف الآية وهذا لا يخالفها، ومجرد حكمك بالمخالفة يتضمن أنك تفهم معناها، والحاصل أن هؤلاء الذين يدَّعون أنهم لا يفهمون معنى الآية يظهر تناقضهم وسقوطهم بسهولة، وأمَّا الذي يقول: إن الآية دليل على الجهة والمكان، كما يقول غالبهم، فيطالبون أولاً بالدليل على أن الاستواء في اللغة يفيد المكان والجهة والجلوس، كما يزعمون، ولن يجدوا دليلاً على هذا، وقد بينا هذا في محل آخر، ثم يقال لهم: بما أن الله فوق العرش، فيلزم منه أن العرش تحته، فإن قالوا: لا، تناقضوا، وإلا ظهر سقوطهم وابتداعهم وتناقضهم، لأن أحداً من السلف لم يقل: إننا تحت الله والله فوقنا!! ويقال لهم: ويلزم على هذا أن الله محدود من جهة التحت على زعمكم، وهذا يلزمهم بحيث لا يستطيعون الانفكاك منه، وقسم آخر منهم يقول: الله فوق العرش بلا مكان، فيقال لهم: العرش مكان، والله –كما تقول أنت- بذاته على العرش، فيلزمك أن العرش مكان لله تعالى، فكيف تقول: الله فوق العرش بلا مكان؟!! ففي قولك هذا إثبات للمكان ونفي له، وهؤلاء يقولون: الله تعالى على العرش، ومع هذا ليس في مكان، فيقال لهم: العرش مكانٌ، فيصبحُ الله على مكان!! ويقولون: فوق العرش بلا مكان، فيقال لهم: الشيء الموجود فوق مكان لا بدَّ أن يكون له مكان، لأن الفوقية أصلاً مكانٌ، ويقال أيضاً للذي يعتقد أن الله تعالى خارج عن العالم خروجَ الجسم عن الجسم، ومنفصل عن العالم انفصال الجسم عن الجسم، يقال له: الذي يكون خارج شيء لا بد –بهذا المعنى- أن يكون إمَّا مماساً للشيء أو منفصلاً عنه: فإن قلتَ: مماسٌ، فأنت مبتدع مجسم، وإن قلتَ: غير مماس، فهذا هو معنى الانفصال المنفي، فيقال له: إذن توجد مسافة بين الله وبين العالم، فإما أن تكون وجودية –أي هذه المسافة-، أو عدمية: فإن كانت عدمية رجعنا إلى المماسة، وإن كانت وجودية، فنقول لك: هل هي من ضمن العالم أو أمرٌ غير العالم؟ فإن قلتَ بالثاني، تبين لنا جهلك بمعاني ما تقول، لن كل ما سوى الله فمن العالم، وهو مخلوق، وإن قلتَ: هي من العالم، فيلزمك القول بأنَّ الله تعالى منفصل عن العالم بشيء من العالم، وهذا تناقض، ويلزمك أيضاً أن الله مماس للعالم، وهذا الذي يعتقد بهذا القول، والذي قبله، من السهل بيان تناقضهم وتهافتهم وإظهار أنهم مجسمة، أو لا يفهمون معاني الكلمات التي يرددونها، كما مضى، وبعضهم يَسأل فيقول: أنتم تقولون: الله تعالى لا فوق العالم ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا أمامه ولا خلفه، فكيف ساغ لكم هذا النفي؟ فيقال له: هل تقولُ أنت إن الله تعالى تحت العالم؟ فإن قال: نعم، كفر، وإلا فقل له: إذن أنت توافقنا على هذا، ثم اسأله: هل الله خلف العالم، وهكذا، فسوف ينفي كل الجهات عن الله تعالى إلا جهة الفوق، فيتحصل أن هذا السائل يوافقنا في كل شيء إلا أمر واحد كما مضى، فاسأله عن دليل الجهة التي هي الفوق، ويرجع الكلام إلى ما هو معلوم، وهكذا يقال لمن يستغرب من قولنا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وأمَّا من يدعي الحذق منهم ويقول: إذا قلنا لا داخل العالم ولا خارجه فيلزمنا رفع النقيضين، وهذا باطل! فهذا اعتراض ساقط –كما قال العلامة ابن جلال-، لأن التناقض إنما يعتبر حين يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه، وأما حين لا يصح تواردهما على المحل ولا يمكن الاتصاف بأحدهما، فلا تناقض، كما يقال مثلاً: الحائط لا أعمى ولا بصير، فلا تناقض، لصدق النقيضين فيه، لعدم قبوله لهم على البدلية، انتهى من كتاب البراءة، وهذا هو جواب أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، بل هو جواب المسلمين كافة إلا المجسمة بأصنافهم، وقال الشيخ أبو حفص الفاسي في حواشي الكبرى: (لا شك أن المعتقد هو أن الله تعالى سبحانه ليس في جهة، وقد أوضح الأئمة تقريره في الكتب الكلامية بما لا مزيد عنه، فهو سبحانه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، وتوهم أن في هذا رفعاً للنقيضين وهو محال، باطلٌ، إذ لا تناقض بين داخل وخارج، وإنما التناقض بين داخل ولا داخل، وليس خارج مساوياً للداخل، وإنما هو أخص منه، فلا يلزم من نفيه نفيه، لأن نفي الأخص أعم من نفي الأعم، والأعم لا يستلزم الأخص، فإن قيل: بم ينفرد هذا الأعم الذي هو لا داخل، عن الأخص الذي هو خارج، قلنا: ينفرد في موجود لا يقبل الدخول ولا الخروج ولا الاتصال ولا الانفصال، وهذا يحمله العقل، ولكن يقصر عنه الوهم، وقصور الوهم منشأ الشبهة، ومثار دعوى الاستحالة) انتهى، وهذا هو الجواب التحقيقي، ولا نريد الإطالة فيه، لأننا نعلم أن عقول الذين نخاطبهم تقصر عن إدراك هذه المعاني، وقصدنا هنا هو إلزامهم بفساد مذهبهم، ثم هؤلاء الذين يقولون: إن القول بأن الله لا داخل ولا خارج العالم هو رفع للنقيضين، ورفع النقيضين لا يجوز!! نسألهم: قبل أن يخلق الله العالم، هل كان خارج العالم أو داخله؟ إن قالوا: داخل العالم، فيقال لهم: فالعالم غير موجود بعد، وإن قالوا: خارج العالم، فكذلك العالم غير موجود، فكيف يكون خارجه أو داخل، فقولهم هذا تهافت، ونلزمهم أن يقولوا: الله في هذه الحالة لا خارج العالم ولا داخله، وإن أنكروا أقروا على أنفسهم بالجهل، فإن أقروا بهذا فقد وافقونا فيما أنكروه علينا، من أن القوب بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ليس متناقضاً، لأنه صحيح هنا، فإن قالوا: هذا الكلام صحيح قبل أن يخلق الله العالم، ولكن بعد خلقه، فإما أن يكون خارجه أو داخله!! فنقول لهم: إذن أنتم تقولون: إن الله تعالى يتصوره العقل داخل العالم، ويتصوره خارجه، ولكن يحكم بأنه ليس بداخله، بل خارجه، وهذا يلزمكم لأنكم حكمتم عليه بعدم كونه داخل، وكونه خارج العالم، والحكم يسبقه التصور كما هو معلوم، إذن أنتم تتصورون جواز كونه داخل العالم، وهذا تجسيم، ثم هذا يلزمكم عنه أيضاً أن تقولوا: إن الله تعالى تغيَّر وطرأ عليه وصف، وهذا القول باطل، أما بيان اللزوم، فلأنكم تقولون: قبل أن يخلق العالم لم يكن لله خارجٌ، وبعد أن خلق العالم صار له خارج، وهذا القول: إما أن يكون صفة نقص، أو كمال: إن قلتم بالأول: كفرتم، وبالتالي لزمكم القول بأن الله كان ناقصاً لصفة كمال ثم اكتسبها، وهذا كفرٌ أيضاً، وإن قلتم: أنه لم يتغير قبل وبعد خلق العالم، فكيف تقولون: أنه صار في جهةٍ من العالم، والعالم في جهةٍ منه بعد أن خلقه، هذا تناقض، لاسيما وأنكم تزعمون أن الجهة وصف كمال لا نقص، ويقال لهم: كيف عرفتم أن الدخول والخروج من الأضداد بالنسبة لله تعالى وأنتم لم تعرفوا حقيقة الله تعالى؟! فعجباً منكم تدعون الأمر وتنفون بما ينافيه!! ونحن لا نريد أن نطيل في الكلام على هذه المعاني في هذا الموضع، فللتفصيل محلٌ آخر، ولا نريد أن نناقض كلامهم وأقوالهم قولاً قولاً، وإن كان ما مضى كافياً لذكي الفؤاد، وإنما كان مرادنا كتابة بعض التنبيهات لطالب الحق، يتبين بها تناقضهم وجهالاتهم، وعدم أهليتهم للخوض في هذا العلم، وأدعو الله تعالى أن يجعل في هذه الصفحات إفادة، وأن يوفقنا إلى ما فيه الخير والحق، والحمد لله رب العالمين]] ([612]) .
انتهى من رسالة حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه للأستاذ سعيد فودة،
[المفتاح التاسع]: جاء في كتاب الصمدية للشيخ طارق بن محمد السعدي الحسيني: [[الحمد لله الأحد الصّمد، الذي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد، وآله وصحبه وأتباعه على هديه المعتمد، وبعـد: فهذا جزء من العقيـدة، تكلمنا فيه عن (الصّمَدِيّة)، مبيِّنين غنى الله تعـالى عن معان الخَلق في وجوده وإيجاده، سـيما المكان أو الجهة التي يدعيها لله تعالى الحلولية والاتحادية والمشبّهةُ الحشـويَّة عليهم لعنة الله أجمعين، فأقول مستعينا بالله تعالى استعانة من أقرّ بعبوديّته، وشهد أنه لا إله إلا الله: اعلم حبيبي: أن المؤمن يشهد أن الله تعـالى صمدٌ يستحيل عليه احتياج شيء، مصداق نحو قول الله تعالى: {اللهُ الصّمد} [الإخلاص: 2]، {وإن الله لهـو الغنيّ الحميد} [الحج: 64]، {إن الله لغنـيّ عن العالميـن} [العنكبوت: 6]، وقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: {اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شـيء،، اغننا من الفقر } وبيـان ذلك: أن الواجب في الإله: أن يكون صمداً، أي: قائمـا بنفسـه: فلا يفتقر إلى مُوْجِدٍ يُوْجِده، لثُبوت الألوهيَّة، وتَحَقُّق كونها لا تُكتسـب أو تُورَّث أو تتحقَّق لغير واحـدٍ على التَّحْقِيْق، وقد قال الله تعالى فيما يشهدُ العقلُ بصِحَّته {وإلهكـم إلـه واحـد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ، وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كلِّ دَآبَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ، وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّـمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْم يَعْقِلُونَ } [البقرة: 163 ـ 164]، مبينا الشواهد وأدلة الخلق على ثبـوت الألوهيَّـة وتحقُّقِها لله سبحانه وتعـالى وحـده، {وَقَالَ اللهُ: لاَ تَتَّخِـذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْـنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِـدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَـهُ الدِّينُ وَاصِبا أَفَغَيْـرَ اللهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُـم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } [النحل: 51 ـ 53]، مؤكِّداً مـا تقدَّم، ومبيناً أن ذاك الشيء الذي يتوجه إليه المحتاج ويتعلَّق به عند الشدائد المفاجئات خاصَّة، باعتبـاره المؤثر لذاته في هذا العالم، إنما هو الله تعالى على التحقيق، فلا يلتفت إلى ما دسَّـه الشـياطين من أسماء وأشياء ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، وليست هي من الحق بمكـان، لصرف العباد إليها على أنها ذاك الحق المُتوجَّه إليه، {إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَـا فِي السَّـمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً } [النساء: 171]، و{لم يلد ولم يولد} [الإخلاص: 3]، مبينا انتفاء العِلَّة في الوجود والإيجـاد، ولا يفتقر إلى مكان، أو إلى شيء لوازمه: كالحلول والاتصال والانفصال والجهة، لأن الافتقار إلى شيء من ذلك يدلّ على الحدوث: إذ لو افتقر سبحانه إلى المكان للزم: أن يكون المكان قديما مثله، أو يكون اللهُ تعالى حادثاً كالمكان!!! وكلاهما مستحيل باطل، لِمَا يقتضيه الأول: من ألوهيَّـة المكان، فتعدّد الآلهة، والثاني: من الحِدثان، فعدم الألوهيَّة، ولا يتَّصِف بشيءٍ من مستلزمات المكان كالحدِّ والكيفِ،، الخ، لأنـه لو اتَّصف بشيءٍ من ذلك لاسـتحال وجوده عز وجل بلا مكان، فيُرَدّ عليه بما تقدَّم، فضلا عما تتوقف عليه المستلزمات من التخصيص الدَّالِّ على الحدوث، فإن سُـئل عن مُوْهِمَات بعض ذلك من ظواهر ألفاظ الكتاب والسـنة، كقول الله جل جلاله: {ءأمنتم من في السماء} [الملك: 16] [وكما ترى: لم يقُل: (ءأمنتم الله الذي مكـانه فوق السماء) ليكون نصا على المكان كما يدعي الحشويّة المشبّهة، بل التعبير القرآني بنصّ الآية الكريمة يحتمل معـان متعدّدة: كالرّتبـة، ومحل المُوَكَّلِين بإنزال العـذاب،، الخ، وجميعها باستثناء معنى المكان لله سبحانه وتعالى جائز، وقد ذكرها أهل الحقّ في كتبهم ولله تعـالى الحمد]، وقوله لسـيدنا عيسى عليه السلام: {إنّي متوفيك ورافعـك إليّ } [آل عمران:55] [والحقّ: أن هذه الآيـة حجة لنا على كون مذهبنا: في كون الألفاظِ المُوهمة بمعان الخلق لله سبحانه وتعالى لا يُراد بها ذلك، هو الصحيحُ ولله تعالى الحمد، وذلك: أنه لا خلاف أن سيدنا عيسى عليه السلام لم يُرفع فوق العرش حيث المكان الذي يدّعيه لله سبحانه وتعالى الحشوية المشبهة المجسمة ـ الذين سمّوا أنفسهم مؤخراً: السلفية!! وأهل السنة والجماعة!!،، ونحو ذلك من الشعارات التي يُغبَن بها العوام، ويتسنى لهؤلاء المبتدعة حشو أنفسهم فيما يستحق أهل تلك الشعارات العاملين بمقتضاها حقاً من المدح والتبعية، وليُسـألنّ عن دعواهم تلك وغبنهم لعوام الأمـة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ـ، ولم يُجْعَل في كل مكان كما يدعي الحلولية والاتحادية، وإنما رُفع إلى السّـماء الثانية كما في الحديث المتفق عليه، حيث لا خلاف بين مدّعي المكان أنها ليست مكاناً لله سبحانه وتعالى عمّا يصفون، والنّص على قواعدهم الفاسدة يُفيد رفعه للمكان الذي هو فيه والعياذ بالله تعالى، فلمّا أطْلَق الله تعالى هنا لفظاً يُوهم المكان ولم يُرِد به المكان له سبحانه، أثبت دخول المجاز على الصِّفات والمُضافات، فجاز أن لا يُريد بكلّ لفظ موهم بالمكان وكذا غيره من معان الخلق المعنى المتشابه، ولما دلّت المُحْكَمَات النَّقليَّة على نزاهة الله تعالى عن معان الخَلق، وشهدت العقول السـليمة الصحيحة ـ التي قَبِلَ اللهُ تعالى شهادتَها، وعظّم من شأنها، بل لم يخاطب إلا أهلها ليبينوا للناس ـ بذلك، وجب تأويلُ تلك النصوص ـ أي: تفسيرها بما يجوز فيها وبها شرعاً ولغة ـ بما يُنَزّه اللهَ تعالى عن ذلك جملة وتفصيلا، فتأمل واللهُ الهادي إلى صراطه المستقيم، وعلى هذا تُفهم النّصوص الموهمة التالية وغيرهـا]، وقوله: {الرّحمـن على العرش اسـتوى } [طه: 5] وقوله: {يخافون ربهم من فوقهم } [النحل: 50] وما روي عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في قصة الجاريـة: (أين الله) [أخْرِجَ في مسلم] [تنبيه: هذا الحديث رواه مسلم، غير أن لفظة (أين الله) هذه غير ثابتة، رواها (هلال بن أبي ميمونة) وليس بالقويّ ـ (فسندها حسن) ـ، وخالفه فيها من هو مثله وأوثق منه من وجهين: الأول: بدل (أين الله): (مدّ النبي يده مستفهما،،)، الثاني: بدل (أين الله): {مَنْ ربّك؟ } [رواها ابن حبان بإسناد صحيح]، و{أتشـهدين أن لا إله إلا الله؟} [رواها ابن عبد الرّزاق بإسـناد صحيح]، هذا، وقد أشـار الإمام البيهقيّ إلى ما من شـأنه بيان وضع روايـة (أين الله) على الإمام مسلم، حيث قال في الحديث:”،، أخرجه مسلم،، دون قصّة الجـارية، وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه،، “اهـ[السنن الكبرى: 7 / 388]، فتأمل!!! ثمّ يُقـال: هل يُعرف إيمـان المرء بسـؤاله: أين الله؟!! وهل اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى في السماء يُمَسْلِم ـ سيما والكثير من المشركين يعتقدون أن إلههم في السماء ـ؟!! وإن أردت المزيد في تحقيق هذا الحديث وشـبهات الحشويَّة بالجملة وحوله خاصَّة، فاقرأ كتابنا (الفتاوى النورانيَّة)]، وقوله: يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) ([613]) [قال الحافظ ابن حجر:” بعض المشايخ ضبط الحديث بضمّ (ياء) ينزل، فتكون (يُنْزِل) ([614]) .
” وقد أكَّد ذلك حديث: {إن الله تعالى يُمهل حتى يمضي شـطر الليل، ثم يأمر مناديا أن ينادي يقول: هل من داع،، }([615]) .
فالمقصود إذاً: أن الله تعالى قد أوكل ملكا أو ملائكة بالنزول والنداء، وأما مَن ظنّ أن الله تعالى هو الذي ينزل كما يوهم ظاهر النصّ!! فهو عنجهيّ ـ أي: جاهل أحمق ـ ملعون: قال إمام الحرمين ـ الذي يزعم له المشبهة عقائدَ وأقوال هو بريءٌ منها، كما هي عادتهم مع أهل الحق، لتضليل العوام والجهال ـ:” أقرب الناس إلى التزام الكفـر الصّـراح: من جوّز على الرّبّ الانتقال ” ([616]) .
وذلك أنه يلزم من ظنّه ذلك مشابهة الله عز وجل للحوادث، وذلك مستحيل عليه سبحانه وتعالى عما يصفون، ومن ثم يُقال له: هل تعلم أن ثلث الليل الآخر لا يغيب عن الأرض؟!! الأمر الذي يلزم منه بقاء معبودك في السماء الدنيا!!!! فائدة: وهذا الحديث يؤيد، بل هو نص على عدم إرادة ظواهر الألفاظ المتشابهة وضرورة تأويلها ـ كما ذكرنا في تحقيق معنى الآية المتقدِّمة ـ، حيث أورد لفظاً متشابهاً في رواية وأوّله في أخرى، فإن قيل: فلم لم تتبع نفس هذا الأسلوب مع الحديث السـابق؟! قلنـا: لأن الحديث السـابق يتكلم عن حادثة معينة، فاسـتحال أن يكون السـؤال بكل مـا ورد، بل هو واحـد منهـا، فـإن قيـل: ولكـن الله تعـالى ذمّ التـأويل في قولـه: {وأمـا الذين في قلوبهـم زيـغ فيتبعون مـا تشـابه منـه ابتغاء الفتنة وابتغـاء تـأويله } [آل عمـران: 7]؟ قلنـا: للتأويل معان ثلاثة: (التحقّق)، وهو: تفسـير اللفظ على حقيقتـه، و (التّجَوّز)، وهو: تفسـير اللفظ بمـا يجوز فيه بحسب القرائن المحتفة به، و (التحريف)، وهو: تغير اللفظ أو تفسيره بغير مـا أُرِيدَ به مما يجـوز أو لا يجوز فيـه، لفهم أو إفهام غير مراد المخاطِب، والتأويل المذموم هنا بمعنى التحريف لا التفسير والتجوّز، بدليل ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى: {إنا جعلناه قرءاناً عربياً لعلكم تعقلون } [الزخرف: 3] وما ورد من ثناء على التأويل، وما في نفس الآية من قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله }]، ونحو ذلك؟ فالجواب: أنّ هذه الألفاظ وغيرها مما يُضاف إلى الله تعالى إما أن يُراد بها نحو هذا الوَهْم، أو معنى آخر من معانيها [إذ من المعلوم: أنّ ألفاظ اللغة العربية (التي جـاء بها الكتاب والسـنة) تُطلق على وجهين، هما: (الحقيقة)، وهي: ما بقي على موضوعه الأول في اللغة، و (المجاز)، وهو: ما استعمل في غير موضوعه الأول، سواءٌ بطريق الواضع الأوّل أو العُرف ـ العام أو الخاص ـ أو الشّرع، فتتعدّد معانيها بتعدّد استعمالاتها]، فأما (الأوّل): فمُمْتَنع، لاستلزامه الحدوث، ومعارضته ما يُوهم خلافَه، كقول الله جل جلاله: {واللهُ معكـم} [محمد: 35] [وهو مُوْهِم بالحلول]، وقوله: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديـد: 4] [وهو مُوْهِم بالحلول]، وقوله: {وهو اللهُ في السـماوات وفي الأرض} [الأنعام: 3] [وهو مُوْهِم بالحلول]، وقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سـادسـهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] [وهو مُوْهِم بالتعدد والحلول]، وقوله: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم مـا توسوس به نفسه، ونحنُ أقربُ إليه من حبل الوريد} [ق:16] [وهو مُوْهِم بالحلول والاتحاد]، وقوله: {وما رميـت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] [وهو مُوْهِم بالاتحاد]،، وقول سـيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسـلم: {الـذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته} ([617]) .
[وهو مُوْهِم بالحلول]، وقوله: : (أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء) ([618]). [وهو مُوْهِم بالحلول]، وقوله: {اللهمّ أنت الصّاحبُ في السّفر والخليفةُ في الأهل} ([619]) . [وهو مُوْهِم بالتعدد والحلول]، وقوله: {إذا كان أحدُكم يُصلّي فلا يَبْصق قِبَلَ وجهه، فإن اللهَ قِبَلَ وجهه إذا صلى}([620]) . [وهو موهم بالحلول] ، ومثله قول سيدنا رسول الله محمّدٍ صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: {وجّهت وجهي للذي فطر السّـماوات والأرض،، }، فائدة: وأما (رفع اليدين إلى السماء في الدّعاء)، فإنه لا يَعني أن الله تعالى في السّماء، كما لا يعني اسـتقبال الكعبة المشَـرّفة في الصلاة أن الله تعالى فيها، وإنمـا لأنّ: الأُولى قِبلة الدّعـاء، كمـا قـال الله تعـالى: {وَفِـي السَّـمَاءِ رِزْقُكُـمْ وَمَـا تُوعَـدُونَ} [الذّاريات: 22]، والثانيـة قِبلة الصّـلاة، كما قال الله تعـالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْـجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَـا كُنْتُـمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَـطْرَهُ } [البقرة: 144]، وكذا لا يعني (المعراج) أن الله تعالى فوق السّماء كما لا يعني مكالمة سيّدنا موسى عليه السلام في الوادي أن الله تعالى حالّ فيه، سيّما أن حديث المعراج ليس فيه أن الله تعالى فوق السماء، ورحِم اللهُ تعالى القائلَ:” كثيرٌ من الناس تحبسه أغاليطُ الجهل بسـياجها، وتُغرقه في لجج أمواجها، فيتوهّم بما يسمعه في قصّة المعراج من الصّعود والهبوط أنّ بينَ العبد والرّبّ مسافة!! وهو كفر، نعوذ بالله من فَهم ذلك،، ([621]) .” ولله تعالى درّ الإمام ابن جَهبَل رحمه الله تعالى حيث قال في ردّه على الحرّاني استدلالَه بحديث المعراج على الجهة:” ولكن هذا من عظيم ما رسـخ في ذهن المُدّعي من حديث الجهة، حتى أنه لو سمع مسألة من عويص الفرائض والوصايا وأحكام الحيض لقال: هذه دَالّة على الجهة!! “اهـ([622]) .
ومن أعجب ما استدلّ المُشَبّهةُ به في هذا الباب وهو يدعوا للسّخرية: (طبائع الدّواب) التي إذا شربت رفعت رأسها إلى السّماء!! و (الأطفال) الذين إذا لقنتهم الشيء ردّدوه، إذ يخلق الله تعالى الإنسان على هيأته المعروفة مستعداً لقَبول العلوم والمعارف دون أن يكون مزوّداً بأي معلومة اختياريّة، قال الله تعالى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَـيْئاً، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل: 78]!! و (العَجائز) الذين إذا شـبّوا على شيءٍ شـابوا عليه، إن لم يُصابوا بالخرف!!! نعم بُنيّ، وترى أكثر من ذلك ممّن أعماه الله تعالى وأصمّه وختم على قلبه، والجنون فنون!!!]، والعكسُ صحيح [أي: ويُرَدّ على المسـتدل بالأخير لإثبات الحلول أو الاتحـاد بالأوّل]، ويُقالُ لمن أوّلَ أحدَهما بما يتناسب مع الآخر: ليس الذي أوّلْتَ أولى بالتّأويل منَ الآخر، فكلاهما قرآن وسُنَّة [وهذا يُبيّن لك حبيبي المؤمن: أن الـذي يُـؤَوِّل بعض المضافات دون بعض، فيؤول مـا يُوهم نحو الاتصـال دون مـا يوهم الانفصال، أو العكس: إنما هو متّبع لهواه دون ما يدّعيه في شـعاراته، ومن جهة أخرى: اسـأله عن بُرهـانه القطعي من الكتاب والسنة على مذهبـه، نحو: أين النَّصّ القطعيّ في القـرآن والسـنة على إثبـات المكـان الـذي يدّعيـه جملة أو تفصيلاً، مُعيّناً أو مُبْهماً لله تعالى؟ ـ وسوف ترى فيه فلسفة هوائيّـة يدّعيها في خصومه، وتناقضاً عجيباً يزعم عدمَه،، وغير ذلك من المفاسـد، هذا طبعـاً إن لم تكن أعمى متعصّباً، وإلا فلن يزيـدك كلامي هذا إلا اسـتكباراً وعنـاداً، فأسـأل الله تعالى أن يجعلك وإيأي والناس أجمعين ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسـنه، ويبحثون عن الحقِّ ويسـعون معه]، فكلى الظّاهرين مُستَحيلٌ باطلٌ، يكفر مُعتقده، لما علِمت مما تقدَّم، فلم يبْقَ إلا الثاني: بأن يُؤوّلا وغيرهما من المضافات بما يُوافق مُحْكَمَات الكتاب والسّنة: التي دلّت على نزاهة الله سبحانه وتعالى عن معان الخلق [لما تقدّم من الآيات والبراهين وغيرها، ولأن جواز ذلك يعني مشابهة المخلوقات فالحدثان]، وكُفر مُعتقد اتصافه بها، فيشهد المؤمن بوجود الله تعالى الذي لا إله إلا هو، وينفي عنه المكان والجهة والاتّصالَ والانفصالَ ولوازمَ ذلك [قال بعضُ الكُبراء:” لم يَسبقه (قبل)، ولا يقطعه (بعد)، ولا يُصَادره (مِن)، ولا يُوافقه (عَن)، ولا يُلاصقه (إلى)، ولا يحلّه (في)، ولا يُوقِفه (إذْ)، ولا يُؤامره (إنْ)، ولا يُظلّه (فَوْق)، ولا يُقِلّه (تَحْت)، ولا يُقابله (حِذاء)، ولا يُزاحمه (عند)، ولا يأخذه (خلف)، ولا يحدّه (أمام)، ولا يُظهره (قبل)، ولا يُفنيه (بعد)، ولا يجمعه (كلّ)، ولا يُوجده (كان)، ولا يُفقده (ليس)، ولا يستره (خفاءٌ)، تقدّم الحَدَثَ قِدَمُه، والعَدَمَ وجودُه، والغايةَ أزلُه، فإن قلت: متى؟ فقد سبق الوقتَ كونُه، وإن قلت: قبل؟ فالقَبْلُ بعده، وإن قلت: هو؟ فالهاءُ والواو خلقه، وإن قلت: كيف؟ فقد احتجب عن الوصـفِ بالكيفيّـة ذاتُـه، وإن قلت: أين؟ فقد تقـدّم المكـانَ وجـودُه، وإن قلت: مـا هـو؟ فقـد بايـن الأشـياءَ هُوِيّتُـه،، “اهـ([623]) .
ويُقرّ بعجزه عن إدراك حقيقة هذا الوجود [وبِعبارة أخرى: يُثبت وجود الله تعالى وجوداً لا تُدركه الأبصار، مخالفا للمعقول وما يرد على من خيال وأفكـار]، مِصداق قول الله جل جلاله: {لا تُدركه الأبصارُ } [الأنعام: 103]، ولا يفتقـر إلى زمـان، لأنه لـم يُوجـد بعـد عـدم، فلا افتتـاح لوجوده، ولا يحتـاج إلـى وجـه من وجوه المنـافع، لأنـه لو افتقـر لشـيءٍ من ذلك لَمـا أوجَـدَ في مخلوقـاته سِـواه [يعني: لَخَلقه هو دون غيره مِن خلقه، إذ هو الخالق للعباد وأفعالهم كما أخبر سبحانه في قوله: {والله خلقكم وما تعملون } [الصافات: 96]، وشـهدت العقول الرَّاشدة]، ثمَّ لَدَلّ ذلك فضـلا عمـا دونه على عجز الإله وحِدْثـانه، فَنَفْي الألوهية عنه، وكل ذلك مسـتحيل باطـل، فلا ينتفع الله سـبحانه وتعالى بأفعال عبـاده وطاعاتهم، ولا يتضرّر بمعاصيهم،،]] ([624]) . انتهى من كتاب الصمدية للشيخ طارق بن محمد السعدي الحسيني وهو تنزيه لله تعالى عن الجهة والمكان.
[المفتاح العاشر]: تقديس الله تعالى عن الحركة والسكون ليس كمثله شيء
[1]: ذات الله تعالى لا يسري عليه قوانين الطاقة والمادة والأجسام، لأنّ المادة والجسم مقهورة بقوانين الحد والمقدار والكون في مكان وأن يجري عليها زمان وأن يكون لها حجم وكتلة ولون وشكل وصورة وتغير وحدوث وظهور وأفول وغير ذلك مما هي مقهورة عليه لا انفكاك لها منه، وأنّ الذي خلق المادة والجسم هو الله تعالى وهو الذي قهرها بتلك القوانين، ولكنّه هو القاهر فوق خلقه وفوق عباده وفوق كل شيء، فلا يحده حد ولا يقدره مقدار، ولا يقهره مكان فيحيط به، ولا يقهره زمان فيجري عليه، ولا يعتريه أفول، ولا تغير وحدوث، ولا يخضع لقوانين الحركة والسكون، ولا تسري عليه مفاهيم الألوان والأشكال، ولا الصور والأشكال، لأنّه ليس كمثله شيء، وكل ما خطر بالبال فالله خلافه، وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما المنزه عن المكان والذي لا يحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير، والحاصل أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء، والله تعالى كان ولا مكان ولا زمان ثم خلق المكان والزمان، وهذا معتقد أهل التنزيه وهو موافق للمكتشفات العلمية عن حقيقة الكون، وأن الزمان هو مقياس للحركة ومن صفات الأجسام، والنظرية النسبية الحديثة تقول أن الزمان نسبي تبعا لسرعة الحركة وعلاقتها بسرعة الضوء وأثبتت تلك النظرية أن مرور الزمان نسبي وليس بمطلق فثبت بذلك أن الزمان من خصائص الأجسام وصفاتها وأن قول أهل التنزيه أن المكان والزمان مخلوقان لله هو القول الصحيح الذي يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله ولم يكن معه غيره) أخرجه البخاري، والجاهل بأصول علم التقديس لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا ثم ينسب إليه الحركة والسكون في المكان والزمان، تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا.
[2]: المكان عند أهل اللغة بالعربية هو الموضع الحاوي للشيء، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم، وهو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم،، ومن الحركة الحادثة في المكان يحدث الزمان، والله تعالى خالق كل شيء، وهو سبحانه الغني الحميد، غني عن خلقه، غير محتاج إليهم، ومن خلقه المكان والزمان، كان سبحانه قبل خلق المكان، ثم خلق المكان، ثم خلق من مخلوقاته ما تحرك في المكان فنشأ بذلك الزمان، إذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، والزمان متعلق بالحركة والسكون لأنها لبنات الزمان ووحداته التي تقدره والله تعالى منزه عن الحدث والتغير وعن الحركة والسكون فلا يجري عليه زمان وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون، وقد يقول غير الدارس لعلم الأصول لا يعقل إلا الحركة أو السكون والحي ينبغي أن يتصف بالحركة كما أن الجماد متصف بالسكون، فهذا نقول له رويدك فهذا الذي تقوله على وفق المحسوس الذي تشاهده والمخلوق الذي لا ترى غيره،ثم قست الغائب عنك على الشاهد الذي تراه ونسيت أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء في وجوده فكل موجود إما ساكن في مكان أو متحرك في غيره، أما خالق المكان والزمان، فهو المنزه عن المكان والزمان، وهو الذي لايحويه مكان لأن المكان محدود والله لا حد له فكيف يسكن في مكان أو يتحرك في غيره وهو الذي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس كمثله في قربه شيء منزه عن الحلول والتحيز وعن الأفول والتغير، والحاصل عند أهل الأصول: أن القسمة ثلاثية ساكن ومتحرك لهما أمثال كثيرة ومنزه عن السكون والحركة ليس كمثله شيء، أمّا الحشوي الذي لا يفهم الأصول ولا يحترم المتخصص فيها فهو يهجم على العلم بلا ورع ويبدع أهله وهم سواد العلماء الأعظم ثم هو أبعد الناس عن التنزيه والتسبيح الاعتقادي الذي عليه أهل الأصول فيحد الله تعالى بحد ثم يجعل له مكانا ثم يجري عليه زمانا تعالى الله تعالى عن جهلهم وقولهم علوا كبيرا،
[المفتاح الحادي عشر]: من أقوال العلماء في التنزيه عن الحركة والسكون:
[1] قال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري (324 هـ) رحمه الله ما نصه: (كان الله ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه) أي بلا مكان ومن غير احتياج إلى العرش والكرسي، نقل ذلك عنه الحافظ ابن عساكر نقلا عن القاضي أبي المعالي الجويني ([625]) . وقال أيضا ما نصه: (فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فاصلهما موجود في القرءان وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه: {فلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) (الانعام: 76) في قصة أفول الكوكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دل على أن ربه عز وجل لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله) ([626]) .
[2] قال إمام أهل السنة أبو منصور الماتريدي (333 هـ) رحمه الله: (إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الان، جل عن التغير والزوال والاستحالة) انظر كتابه التوحيد (ص 69)، وقال أيضا: (وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يتعبد عباده بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظن من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة، أو نحو مكة لخروجه إلى الحج، جل الله عن ذلك)، ([627]) . انتهى باختصار
[3] قال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة: وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شيء من الحد، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث “([628]) .
[4] قال الإمام أبو حامد الغزالي (505 هـ): (تعالى [الله] عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الان على ما عليه كان) اهـ([629]) . وقال أيضا: (الأصل السابع: العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا، والاخر يقابله ويسمى رأسا، فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرِّجل، حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحت وإن كان في حقنا فوقًا، وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب، فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرّك إليه فحدث اسم القدّام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها، فالجهات حادثة بحدوث الإنسان، ثم قال: “فكيف كان في الأزل مختصًا بجهة والجهة حادثة؟ أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له؟ أبأن خلق العالم فوقه، ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس، والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس، أو خلق العالم تحته، فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرّجل: وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصّا بجهة أنه مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض، وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصًا بالجهة: وإن اريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدّر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبّر، فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا اشاره إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال و الكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء” اهـ([630]) .
[5] قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (543 هـ): (البارئ تعالى يتقدس عن أن يُحَدّ بالجهات أو تكتنفه الأقطار) اهـ،([631]) . وقال أيضا: (إن الله سبحانه منزه عن الحركـة والانتقال لأنه لا يحويه مكان كما لا يشتمل عليه زمان، ولا يشغل حيزا كما لا يدنو إلى مسافة بشيء، متقدس الذات عن الآفات منزه عن التغيير، وهذه عقيدة مستقرة في القلوب ثابتة بواضح الدليل) اهـ([632]) .، وقال أيضا: (الله تعالى يتقدس عن أن يحد بالجهات) أه([633]) .
وقال أيضا: (وان علم الله لا يحل في مكان ولا ينتسب إلى جهة، كما أنه سبحانه كذلك، لكنه يعلم كل شيء في كل موضع وعلى كل حال، فما كان فهو بعلم الله لا يشذ عنه شيء ولا يعزب عن علمه موجود ولا معدوم، والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت، إذ لا ينسب إلى الكون في واحدة منهما بذاته ” اهـ([634])
[6] قال القاضي عياض المالكي (544): (اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله او إلى الله فليس بدنو مكان ولا قُرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق: ليس بدُنو حد، صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء) اهـ ([635]) .
[7] قال الإمام الشهرستاني (548هـ): (فمذهب أهل الحق أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها بوجه من وجوه المشابهة والمماثلة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، فليس البارئ سبحانه بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا في مكان ولا في زمان) اهـ،([636]) .
[8] قال الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ): (الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا يحويه مكان ولا يوصف بالتغيّر والانتقال) اهـ، [دفع شبه التشبيه (ص:58)]، وقال في صيد الخاطر: (فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء وينتقل، وهذا فهم رديء، لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق عز وجل) اهـ([637]) .
وقال في الباز الأشهب: (كل من هو في جهة يكون مقدَّرًا محدودًا وهو يتعالى عن ذلك، وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة، وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان” اهـ،([638]) .
[9] قال الحافظ ابن عساكر (620 هـ) – في درة من تنزيهات العلماء – (موجود قبل الخلق ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان، ولا أين كـان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان) اهـ ([639]) .
[10] قال سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام (660 ه): (ليس [الله تعالى] بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدود مُقدَّر، ولا يشبه شيئا، ولا يُشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان) أهـ ([640]) .
[11] قال الإمام المفسّر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المالكي (671هـ): (و”العليّ” يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان، لأنَّ الله منزه عن التحيز) أهـ([641]) .
وقال أيضًا (والقاعدة تنزيهه سبحانه وتعالى عن الحركة والانتقال وشغل الأمكنة) اهـ، ([642]) .
وقال أيضًا: (ومعنى: {فوق عباده} [سورة الأنعام:18] فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، أي هم تحت تسخيره لا فوقية مكان” اهـ،([643]) .
وقال أيضًا عند تفسير ءاية: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءايَاتِ رَبِّكَ} [سورة الأنعام:158]: (وليس مجيئه تعالى حركةً ولا انتقالاً ولا زوالاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا) اهـ،([644]) .
وقال أيضًا: في تفسير آية {وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا}: (والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنَّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز” اهـ،([645]) . وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [سورة المُلك:16]: (والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوِّ والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحل القُدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قِبلةً للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان) اه([646]) .
[12] قال الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي (676هـ): (إن الله تعالى ليس كمثله شيء، وإنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق) اهـ، ([647]) .
[13] قال الإمام البيضاوي (685 هـ): (ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه) أهـ ([648]) .
[14] قال الإمام المفسر النسفي (710 هـ): (إنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان) اهـ، ([649]) .
[15] قال العلامة ابن منظور (711 هـ): (وفي الحديث: (من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا) المراد بقرب العبد من الله عز وجل: القرب بالذكر والعمل الصالح لا قرب الذات والمكان لأن ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس) ([650]) .
[16] قال الإمام القاضي بدر الدين ابن جماعة (733 ه): (كان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الان على ما عليه كان) اهـ، ([651]) .وقال أيضا: (فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة، ” قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرف فيه الوهم والحس والخيال والانفصال، وموجود يتصرف ذلك فيه ويقبله، فالأول ممنوع لاستحالته، والرب لا يتصرف فيه ذلك، إذ ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، فصح وجوده عقلا من غير جهة ولا حيز كما دل الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلا، وكما دل الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسي له، فكذلك دلّ على نفي الجهة والحيز مع بُعد فهم الحسّ له) اهـ([652]) .
[17] قال المفسِّر النحوي محمد بن يوسف المعروف بأبي حيان الأندلسي (745 هـ) عند تفسير قوله تعالى:{وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه }: (وعند هنا لا يراد بها ظرف المكان لأنه تعالى منزه عن المكان، بل المعنى شرف المكانة وعلو المنزلة) اهـ([653]) .
وقال أيضا: (قام البرهان العقلي على أنه تعالى ليس بمتحيز في جهة) اهـ،([654]) .
[18] قال الإمام الحافظ المحدث ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (826 هـ): (“وقوله أي النبي- “فهو عنده فوق العرش “لا بد من تأويل ظاهر لفظة “عنده ” لأن معناها حضرة الشيء والله تعالى منزه عن الاستقرار والتحيز والجهة، فالعندية ليست من حضرة المكان بل من حضرة الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في محل مُعظّم عنده) اهـ ([655]) .
[19] قال إمام الدنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ): (ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو، لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شيء علما جلّ وعز) أهـ ([656]) .
[20] قال الإمام العَيْني أحد شراح صحيح البخاري (855 هـ): (ولا يدل قوله تعالى:{وكان عرشه على الماء} على أنه – تعالى- حالّ عليه، وإنما أخبر عن العرش خاصة بأنه على الماء، ولم يخبر عن نفسه بأنه حال عليه، تعالى الله عن ذلك، لأنه لم يكن له حاجة إليه ” اهـ،([657]) .
[وقال أيضا: (تقرر أن الله ليس بجسم، فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه، فقد كان ولا مكان) أهـ ([658]) .[21] قال الحافظ السخاوي (902 هـ): (قال شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر-: إن علم الله يشمل جميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول في الأماكن، فإنه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن) أهـ،([659]) .
[22] قال الحافظ جلال الدين السيوطي (911 هـ) عند شرح حديث:(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد): (قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة، لأنه منزه عن المكان والمساحة والزمان، وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى)أهـ([660]) .
[23] قال الإمام القسطلاني (933هـ) في شرحه على صحيح البخاري: (ذات الله منزه عن المكان والجهة) أهـ،([661]) .
[24] قال الإمام القاضي أبو زكريا الأنصاري( إن الله ليس بجسم ولا عَرَض ولا في مكان ولا زمان) أهـ ([662]) وقال أيضا: (لا مكان له – سبحانه – كما لا زمان له لأنه الخالق لكل مكان وزمان) أهـ ([663]) .
[10] العجز عن الادراك ادراك وكل ما نتكلم به إنما هو على الصفات فالاستواء استواء الصفات والقرب قرب الصفات وجناب الذات لا يدرك
[فائدة]: تحدثا بنعمة الله علي أحكي قصتي في الانتقال من الحشو والتجسيم إلى التنزيه والتقديس: عندما كنت في بداية طلب العلم الشرعي، وكان الرواج في الساحة لمذهب اهل الحشو والتجسيم، وكان الصوت الاعلى علميا للمنتسبين للسلفية، والمسمى عظيم، والكل يتمنى الانتساب للسلف، ولا ندري أبعاد الامر، وأن المفردات المعروضة هي مفردات حشو وتجسيم ولا تمت للسلفية بصلة، في هذه الايام كان النهم الاعلى لقراءة كتب ابن تيمية وابن القيم، وخرجت بعقيدة مفادها: أن الله تعالى له مكان، وأن مكانه هو العرش وأنه من هناك يدير الملك والملكوت، وان من انكر المكان لله فمداره على التعطيل وانه يعبد عدما لا وجود له إلا في ذهنه، وان له حد يفصله عن العالم، وانه فوق العالم والعالم كله تحته، وأنه خلق الإنسان على صورته، وان له الوجه والعينين واليدين والأصابع والأنامل والساق والرجل، وانها صفات اعيان كما قال ابن تيمية، وان له الاستواء المكاني بذاته على العرش، وأنه ينزل حقيقة بذاته في الثلث الاخير من الليل إلى السماء الدنيا، وانه لا مانع من اثبات لوازم النزول الحقيقي من الحركة والسكون وتغير المكان، وانه يجيء ويذهب، وأنه كما قال ابن تيمية يقبل الحوادث لتتجدد معلوماته باعمال العباد، وتجدد مبصراته كل لحظة بالصور الحديثة وتجدد مسموعاته بالأصوات الحديثة، وتجدد كلماته في الكون بقوله كن فيكون، مليارات الاوامر تلقى إلى الكون بصورة لحظية والكون في حالة انصياع لتلك الأوامر المتجددة، كان هذا هو التكييف الذي وصلت إليه، وكنت أظن أنه الرسوخ في العلم، وان ما عدا ذلك تعطيل وزندقة وجهل بالله، وكنت أظن ان الوجه واليد والعين صفات محكمة من اقترب منها اشتم منه رائحة الإلحاد والزندقة، وكنت أظن كما قال ابن تيمية أن اهل تفويض معاني هذه الأخبار إلى الله هو عين التجهيل وهو شر من التعطيل، وان من تأولها فهو معطل وان التأويل هو كما كان يقول ابن تيمية: (استحدثه الطوائف الضالة)، وكما كان يقول: (التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل، وكما كان يقول: (هو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه)، وكما كان يقول تلميذه ابن القيم: َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ)، وكانت تلك هي العقيدة عندما كنا لا نستطيع ان نخرج عن حيز الحس والموهوم، فلا نثبت إلا ما ثبت في اذهاننا بالحس، كل موجود لابد له من مكان يكون فيه وإلا فهو العدم، كل موجود لابد لذاته من حد ينتهي إليه، وإلا اختلط ببقية الذوات، كل موجود لابد له من صورة وشكل، وإلا كان وهما وعدما، وللأسف فقد كانت تلك هي عقيدتي قبل أن يهديني الله تعالى لدراسة العقيدة على أيدي المتخصصين، وقبل ان أدرس معاني القدم الازلي لجناب الذات الإلهي وانه يمتنع عليه قبول المحدثات، وقبل أن أعرف معاني الوجود الإلهي المطلق، وانه يمتنع عليه الكون في المكان والحد والمقدار، وقبل أن أتعلم معاني الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، وانه يمتنع عليه التغير والحدوث وقبول الزيادة أو النقصان، وقبل أن نعلم معاني الأحدية المطلقة وتقديس الله تعالى عن الأجزاء والابعاض، وقبل أن نعلم معاني الصمدية المطلقة وتقديس الله تعالى عن الصور والأشكال، وقبل ان نعلم قواعد التقديس المتعلقة بجناب الذات الإلهي وانه مقدس عن الحد والمقدار وعن الكون في المكان وعن جريان الزمان وأنه مقدس عن الاجزاء والأبعاض والصور والاشكال والتغير والحدوث وكل معاني النقص والعيب والحاجة، وأنه سبحانه غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، وان كل ما كنت فيه كان تكييف وتجسيم لجناب الذات الإلهي، مع انني كنت اكثر الناس قولا لجملة: (بلا تكييف ولا تشبيه ولا تجسيم)، وفعلا المرء عدو ما يجهل، وأقرب مثال لحالتي كانت تلك التي جاءت في [طبقات الشافعية الكبرى]: (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا)، ([664]) .
فهذا هو الأثر المرجو من تعلم توحيد الذات الذي هو من أشرف العلوم لأنه علم التسبيح والتقديس والتنزيه، يقول أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي أني أسلمت جديدا) كان يطن ان الله تعالى يحويه مكان بل جهة واحدة من جهات المكان، وجود مقيد، فلما من الله تعالى عليه بمعرفة قواعد التقديس وان لله تعالى الوجود المطلق المقدس عن المكان أحس بالإسلام النقي السليم اسلام التقديس والتنزيه، فكتب إلى أصحابه اني قد اسلمت جديدا، فعلا معرفة قواعد التقديس اسلام جديد، فعلا فهم مقدمات الإلهيات اسلام جديد، اسلام التقديس والتنزيه لا اسلام الحشو والتجسيم والتبديع والتضليل لأهل التخصص العلمي وصدق الله تعالى حيث يقول: {ولا ينبئك مثل خبير }
[المفتاح الأول]: جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك: يظهر جهل الإنسان عندما يتعدى طوره ويحاول تكييف ما لا يمكن له الوصول إليه، ما أعظم جهل الإنسان عندما يحاول تكييف الوجود الإلهي المطلق، وعندما يحاول الاحاطة بالكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، وعندما يحاول الإحاطة بالتقديس المطلق لجناب الذات الإلهي، مع أنه محدود العلم، عاجز عن إدراك حقائق الروح التي لا تفارق جسده، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، و(العقل) لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه في وجوده المطلق عن الحدّود، تعالى على الحدود والبدايات والنهايات، والغايات، لا تدركه الابصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، كل الخلائق عاجزة عن معرفة كنه الوجود الإلهي، لأنها مخلوقة محدودة محدثة، والمخلوق لا يدرك الخالق، والمحدود لا يدرك المنزه عن الحدود، والمحدث لا يدرك كنه القديم، جناب الذات الإلهي غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، هناك عوامل تبلغ بالعبد هذا التقديس منها فهم معاني الآية {ليس كمثله شيء}فهما صحيحا، وفهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فهما صحيحا، وفهم معاني القدم الازلي فهما صحيحا، وفهم معاني الكمال المطلق فهما صحيحا، وفهم معاني الوجود المطلق فهما صحيحا، وفهم قواعد التقديس فهما صحيحا، كل ذلك يسهم في بلوغ التقديس وبلوغ مرتبة: جناب الذات الإلهي: غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك.
[المفتاح الثاني]: فهم معاني الآية {ليس كمثله شيء}فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، هذه الآية، إما أن يكون المراد {ليس كمثله شيء} في ماهية جناب الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله شيء في الصفات، ونفي المثلية التامة من كل جهة في الصفات غير صحيح، لان الله تعالى وصف نفسه في الآية بالسميع البصير، ووصف الإنسان أيضا بالسميع البصير، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2]، فدلت الآية: {ليسَ كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، على أن نفي المثلية من كل جهة إنما هو في جناب الذات، وليس الصفات، فيكون المعنى أن شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، يمكن أن تكون هناك مثلية في بعض معاني الصفات، ولكن النفي المطلق للمثلية إنما هو في جناب الذات، إذن هذه الآية تقضي على كل أوهام الحشو، أهل الحشو لا يتمسكون بالصفات لأننا جميعا نثبتها، اهل الحشو يتمسكون بما يوحي بشكل الذات، ولذلك يلوكون ألسنتهم بذكر الوجه والعين واليد والأصابع والانامل لأنها في الحقيقة أجزاء من ذات وليست صفات، فإن كان له وجه ويد وعين على الحقيقة المستعملة من لغة العرب كانت أجزاء من ذات، والله له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول الانقسام والأجزاء والابعاض، فهذا هو الفرق بين العلم والسمع والبصر وبين الوجه والعين واليد، واهل الحشو يلوكون بذكر الاستواء والنزول والمكان والزمان والحد وكلها تتعلق بشكل الذات، وتكييف الذات، لذا وجب تقديس الله عن كل معاني نفي المثلية عن الله، وأن كل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الاستواء استواء صفات الربوبية من التدبير والتصريف والتسخير قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر }، كما أن القرب في قوله تعالى {فإني قريب}قرب الصفات من الرحمة والمغفرة واستجابة الدعاء، كما أن المعية في قوله تعالى {وهو معكم أسنما كنتم}معية صفات (صفات العلم والسمع والبصر }، كما أن الاحاطة في قوله تعالى {وهو بكل شيء محيط}إحاطة صفات العلم والسمع والبصر، قال تعالى {احاط بكل شيء علما }، أما جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك قال تعالى {ولا يحيطون به علما }.
[المفتاح الثالث]: فهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: الاحدية محكمة لأنها جاءت في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، هناك فرق كبير في المعني بين اسم الله (الأحد) واسمه (الواحد)، الله واحد لا شريك له، قال تعالى: {وهو الواحد القهار }، الله احد لا جزء له لا يقبل الكثرة والانقسام، قال تعالى: {قل هو الله أحد }، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل من كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا، وكل من كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل من يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، {اللَّهُ أَحَدٌ}معنى الآية: أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس، وهنا يقول أهل الحشو عندما يسمعون هذا التقديس: قف: أنت تعبد العدم، لا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق ولا تحت ولا أمام ولا وراء، عدم، انتم تعبدون العدم، نقول لهم: (الكل والبعض واليمين واليسار والفوق والتحت والأمام والوراء صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء، وليست صفات الأحد المقدس عن الجزئية، أنتم تقيسون الله على الأجسام المنقسمة المحدودة المصورة، التي تقبل الصور والأشكال والكون في المكان، فإما الحشو والتكييف وإما أن تتهموننا بأننا نعبد العدم، هل العدم يخلق هل العدم يرزق، هل العدم له الكمال المطلق والوجود المطلق والتقديس المطلق، هل العدم له القدم الازلي، هل العدم له الأسماء الحسنى والصفات العلا، العدم عدم، وأنتم تعبدون جسما مجسما يقبل الكون في المكان ويقبل الصور والاجسام، واذا استوى على العرش ياخذ حيزا على العرش كما تأخذ الاجسام، أنتم اهل تكييف وتجسيم، ونحن لسنا ملاحدة نعبد العدم وانتم تعرفون ذلك بل نعبد الله على التقديس والتنزية، ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، {قل هو الله أحد }: الله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، {اللَّهُ الصَّمَدُ }: وصفه سبحانه بالصمدية المطلقة التي تعني الغنى المطلق وسلب كل معاني النقص والحاجة عن جنابه له تمام الغنى والحمد، ويستفاد من ذلك تقديس الله عن قبول الأبعاض، لأن الذي يقبل الأبعاض مركب من أعضائه، والمركب محتاج في وجوده إلى أبعاضه، والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، الصمدية المطلقة تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب، ونفي التركيب تنزيه عن الصور والأشكال لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء، جل المصور أن يكون مضورا، وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، {الله الصمد}أي الذي له الكمال المطلق في جناب ذاته وجميع صفاته، (الصمد) هو الإله الرب الكامل في جناب ذاته وجميع صفاته وأفعاله، من خصائص الصمدية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الكمال المطلق لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، الكمال المطلق دائم لا يزول، لا يفنى ولا يبيد، الكمال المطلق لا يقبل تغير ولا حدوث، لأنه إن تغير: تغير إلى زيادة أو نقصان، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن من صفات الإله الذي له الكمال المطلق.
[المفتاح الرابع]: فهم معاني القدم الازلي فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: (الله جل جلاله) له القدم الأزلي: (أول بلا ابتداء)، (أول) لا أول لوجوده تعالى لا يسبقه عدم، لا ابتداءَ لوجودِهِ، كان قبل المكان فلا يوصف بقدم المكان وكانَ قبلَ الزمانِ فلا يوصفُ بقدمِ الزَّمَنِ فليس وجوده في مكان ولا يجري عليه زمان لأنه سابق لهما وهو خالقهما، أظهر صفات (القديم الذاتي) أنه لا يقبل الحدوث، ولو قبل الحدوث لم يكن قديما أزليا، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات، (القديم الذاتي) يمنع من التغير والحدوث ومن قبول الحوادث، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }، فالعلة في إثبات عدم إلهية الشمس والقمر والكواكب هي الأفول، (الآفلين) المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية.
[المفتاح الخامس]: فهم معاني الكمال المطلق فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} (المثل الأعلى): الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، وقال تعالى {الله الصمد}أي الذي له الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل التغير ولا الحدوث، لأنه إن تغير تغير إلى زيادة أو نقصان لأنه، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، (الكمال المطلق) لا يقبل الحوادث، لأنه إن قبل الحوادث كان حادثا وإن قبل الحوادث كان جزء منه حادث، وإن قبل الحوادث لم يؤتمن عليه من قبول الفناء، وإن قبل الحوادث لم يكن قديما ازليا، وإن قبل الحوادث انتفى عنه الكمال المطلق، لأنه قبل التغير من حال إلى حال، فإن تغير إلى زيادة كان قبل الزيادة ناقصا والكمال المطلق لا يقبل النقصان، لو قبل النقص لم يكن إلها له الكمال المطلق، ولو قبل النقصان لم يكن إلها له الربوبية والإلهية الموجبة لاستحقاق العبودية، لا إله إلا هو ولا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، (الكمال المطلق) لا يقبل الحد ولا التناهي ولا البدايات ولا النهايات، الحد معناه التناهي، والتناهي نقص يضاد الكمال المطلق، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، (الكمال المطلق) أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، والله تعالى له الكمال المطلق في صفاته لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لجناب ذاته، له الكمال المطلق في جناب ذاته وأسمائه وصفاته.
[المفتاح السادس]: فهم معاني الوجود المطلق فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس: الله تعالى له الوجود المطلق، المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، والمقدس عن الكون في المكان، وعن جريان الزمان، هناك وجود مقيد يتقيد بالمكان والزمان، تحكمه قوانين المكان، من الكون في المكان والتحيز في جهة من جهات المكان، وهذا الوجود المقيد أصغر من المكان لان المكان يقهره ويحيط به ويحيزه، هذا الوجود المقيد تحكمه أيضا قوانين الزمان من الماضي والحاضر والمستقبل، فهو لا يستطيع أن يعيد الماضي ولا أن يوقف الحاضر ولا أن يستعجل المستقبل، أما الوجود الإلهي وجود الخالق فهو الوجود المطلق الذي لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، فالله تعالى له الوجود المطلق، هذا (الوجود المطلق) لا يتقيد بالمكان، ولا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب ليس كمثله شيء، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]، تلازم الاسمين (الأول الآخر): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين (الظاهر الباطن): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان.
[المفتاح السابع]: فهم قواعد التقديس فهما صحيحا يسهم في بلوغ التقديس، ومن تلك القواعد: تقديس الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية من الأجزاء والأبعاض والصور والأشكال، (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم }، و (الجسمية) تناقض الأحدية، الله تعالى [أحد] لا جزء له، و (الأحدية المطلقة)، تعني التنزه عن الانقسام والكثرة والجزئية، والاحد سبحانه منزه عن الأجزاء والأبعاض، والله تعالى: [صمد] يستحل التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، محتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، (الجسمية) تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام، وهو سبحانه مقدس عن لوازم الجسمية من الاجزاء والابعاض والصور والأشكال، جلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً، الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب، قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8]، والتركيب يستحيل على الله تعالى، كل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، كما أنّ الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة.
[المفتاح الثامن]: من محصلة: فهم معاني الآية {ليس كمثله شيء }، وفهم معاني الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة، وفهم معاني القدم الازلي، وفهم معاني الكمال المطلق، وفهم معاني الوجود المطلق، وفهم قواعد التقديس، تكون المحصلة: الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد، الله موجود بلا مكان، الله موجود لا يجرى على وجوده زمان، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك والعجز عن الإدراك إدراك، (الحاصل): هو التقديس المطلق، الله موجود بلا كيف لا حد ولا صورة ولا شكل ولا مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، القرب من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، والإحاطة بالكون احاطة صفات لا إحاطة ذات، والاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، جناب الذات غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، ليس كمثله شيء، غيب مطلق انقطع علم الخلق دونه، قال تعالى: {ولا يحيطون به علما }، وقال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، قريب من كل شيء، أقرب إلى أحدنا من حبل وريده، لا يغيب عنه شيء، ولا يغيب هو عن شيء، وهو بكل شيء محيط، وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أحد منزه عن الانقسام، صمد منزه عن التركيب والاحتياج، غني حميد، أحديته المطلقة تمنع من الانقسام، وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، (جناب الذات): {ليس كمثله شيء }، وكل ما خطر بالبال باطل وكل ما خطر بالبال مخلوق محدث محدود والله لا حد ولا غاية ولا بداية ولا نهاية، له الوجود الحق المطلق، والعقول المحدودة لا تحيط بالمطلق المنزه عن الحدود، والاحاطة به محال {ولا يحيطون به علما }، لا منتهى لجناب ذاته ولا لعظيم صفاته، سبحانه تقدس عن المكان، فلا يتقيد بالمكان، ولا يحويه مكان، لان المكان أعلاه الظاهر وادناه الباطن، والله تعالى هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وتقدس عن جريان الزمان، فلا يجري عليه زمان، فالماضي والحاضر والمستقبل منكشف على علمه وسمع وبصره وهو بكل شيء شهيد وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم ومن كل خلقه قريب، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، فلا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، لا يقبل التغير ولا الحدوث، سبحانه كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، هو الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء، منزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان، كان قبل الزمان، ثم خلق الزمان، وأجراه، ولو شاء أوقفه وأفناه، لا تجري عليه قوانين الزمان من ماض وحاضر ومستقبل، بل الكل منكشف لعلمه وسمعه وبصره، فلا يغيب عنه شيء، ولا يستفيد من جريان الزمان بشيء، قديم بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، سبحانه أول بلا ابتداء آخر بلا انتهاء موجود قبل الخلق، كان ولا مكان، ثم كون الأكوان، وأجرى الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، وهو الكبير المتعال على الحدود والنهايات، تعالى وتقدس منزه عن عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، قال سبحانه {ليس كمثلِه شيء} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه،، وقال تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر، وكل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الجلال والاكرام.
[المفتاح التاسع]: الله تعالى له الكمال المطلق، منزه عن كل ما ينافي الكمال المطلق لجناب الذات الإلهي، كالحد والتناهي وكالكون في مكان والتقيد بالزمان، سبحانه منزه عن كل ما ينافي القدم الازلي من التغير والحدوث وقبول الحدث، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الأحدية المطلقة من قبول الأجزاء والابعاض والجوارح، سبحانه منزه عن كل ما ينافي الصمدية المطلقة من قبول الصور والأشكال، والله تعالى موجود بلا كيف، الكيف مخلوق، والكيف يستحيل على الله، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف، الكمال المطلق يمنع من الكيف، نفي المثلية يمنع من الكيف، القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف، تقدس في وجوده المطلق عن الكيف، فلا كيف ولا مكان ولا زمان، لا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ولا يقال في وجوده أنه داخل الكون ولا يقال أنه خارج الكون، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة التي تقبل الحد والحيز والكون في المكان وجريان الزمان وتقبل الصور والأشكال والألوان والحركة والسكون، والدخول والخروج، والمحايثة والاتصال والانفصال والحد والمقدار،، لأنها جميعها صفات الاجسام المنقسمة المخلوقة، جناب الذات الإلهي موجود بلا كيف والعجز هن درك الادراك ادراك، {ليس كمثله شيء }، {ولم يكن له كفوا احد }.
[المفتاح العاشر]: جناب الذات لا يُدرك: كل مسلم مقدس لله منزه له يفهم المراد من التسبيح يجب عليه الاقرار بالعجز ومنع التتشبيه والتمثيل، وأن يعيش على التقديس والتنزيه والتسبيح، فالله تعالى {ليس كمثله شيء}وكل شيء سواه مخلوق مقدر محدود، وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا، وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، تلازم الاسمين (الأول الآخر): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للزمان فلا يجري عليه زمان، وتلازم الاسمين (الظاهر الباطن): يدل على صفة كمال الوجود القاهر للمكان، فلا يحويه مكان، جهات الكون محدودة لأنها مخلوقة مقدَرة، والله تعالى خالق مقدِر، تنزه سبحانه عن الحد والمقدار لأنها علامات المخلوق الناقص، لا تحويه جهة من جهات الكون ولا سائر الجهات ورحم الله الطحاوي حيث يقول ” تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات ” أهــ.
[المفتاح الحادي عشر]: [الخلاصة]: الله تعالى موجود بلا كيف، الأحدية المطلقة تمنع من الكيف، والصمدية المطلقة تمنع من الكيف، الكمال المطلق يمنع من الكيف، نفي المثلية يمنع من الكيف، القدم الأزلي يمنع من الكيف، ونفي الحدوث وقبول الحوادث يمنع من الكيف، نفي الحد يمنع من الكيف، نفي الاحتياج للمكان ونفي جريان الزمان، يمنع من الكيف، نفي الجسمية ولوازم الجسمية من الصور والأشكال والأجزاء والأبعاض يمنع من الكيف، (الله موجود بلا كيف): تنزه وجود الحق المطلق عن الكيف، بلا كيف، ولا مكان ولا زمان، ولا حد ولا مقدار، لا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، غيب الغيوب لا يدرك ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، استواؤه على العرش استواء صفات الربوبية والدبير، لا استواء ذات وقربه من الخلق قرب صفات لا قرب ذات، وإحاطته بالخلق احاطة صفات لا احاطة جناب الذات.
[المفتاح الثاني عشر]: كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، والعجز عن الإدراك إدراك، ولا يحيطون به علما، هذا هو ثمرة دراسة المقدمات الاعتراف بالعجز عن الادراك {لا تدركه الأبصار }، وبلوغ التقديس المطلوب {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك }، وتصفية الاعتقاد من شوائب الحشو والتكييف والتجسيم، الله موجود بلا كيف، الله موجود بلا حد الله موجود بلا مكان، الله لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء، غيب الغيوب لا يدرك ولا يُكيف، والعجز عن الإدراك إدراك.
[المفتاح الثالث عشر]: كل ما عارض الأحدية المطلقة لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، و كل ما عارض الكمال المطلق لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما عارض القدم الازلي لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم المثلية لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الأجزاء والابعاض لجناب الذات فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما اوهم الحد والمقدار فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التقيد بالزمان او المكان فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الصور والأشكال فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم التغير والحدوث وقبول الحوادث فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الاتحاد والحلول والاتصال والانفصال فهو متشابه، وكل ما أوهم الفوقية الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم الهيئات والكيفيات الحسية فهو متشابه يجب رده إلى محكمه، وكل ما أوهم النقص أو العيب أو الحاجة فهو متشابه يجب رده إلى محكمه.
[المفتاح الرابع عشر]: استواء الله على العرش استواء صفات لا استواء ذات: الاستواء على العرش استواء صفات لا استواء ذات، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون استواء الله استواء ذات لا استواء صفات، وهؤلاء متناقضون يفسرون الآيات وفق ما رسخ في أذهانهم من الحشو والتمثيل، يؤولون آيات الإحاطة في مثل قوله تعالى (والله بكل شيء محيط) وقوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا) بالعلم والقدرة يؤولون آيات القرب في مثل قوله تعالى (فإني قريب) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) بالعلم والقدرة تارة وبالملائكة تارة وذلك صحيح ولكن إذا أتوا إلى آيات الاستواء قالوا مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)، الاستواء ذكر في سبعة مواضع من كتاب الله في كل موضع مفاتحه التي تدل على أنه استواء صفات التدبير والهيمنة والتسخير والربوبية، أما جناب الذات لا يدرك، غيب العيوب ليس كمثله شيء، موجود بلا كيف ولا حد ولا صورة ولا يحده مكان ولا يجري عليه زمان، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، غيب الغيوب لا يدرك، موجود بلا كيف، لا يجوز تكييف الوجود المطلق لجناب الذات الإلهي، لا يغيب عنه شيء، وهو أقرب إلى كل شيء من نفسه وذاته، مقدس عن الغايات والحدود، وعن الكون في المكان المحدود، استواؤه استواء صفات، وقربه قرب صفات، وإحاطته إحاطة صفات، وجناب الذات لا يُدرك، وأنى للمخلوق المحدث المحدود أن يحيط بالخالق القديم اللامحدود، قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا }، إنّ أهل التنزيه في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولكنة قرب منزه عن الحلول والإتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الإستواء إستواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والإستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والإتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، وعند تدبر آيات الاستواء وفهم مفاتيح فهمها نجدها كلها تدل لمن تدبرها بقرائنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار كما يفعل اهل الحشو والتجسيم فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، أما ما يزعمون من أنه استواء مكان فالله خالق المكان ومالكه وهو منزه عن المكان والمكان محدود مهما كبر والله تعالى كما أنه لا حد لصفاته من العلم والقدرة وغيرها فلا حد لذاته، وأما ما يزعم به اهل الحشو من أنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، ومفتاح الاستواء هو التدبير، فــ الجميع متفق على حمل القرب على قرب العلم والسمع والبصر، والجميع متفق على حمل الإحاطة على العلم والسمع والبصر، ولكن عند الاستواء اختلفوا، فحمل علماء الأصول المتخصصون في العقيدة الاستواء على معاني استواء الملك والقهر والتسخير والهيمنة والربوبية للعالم،وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، وحملها غير المتخصصين على معاني الجلوس والاستقرار، وقالوا: مستو على العرش بذاته (سبحانه) فمن أين جاءوا من كتاب أو سنة أنه (بذاته)، ولم لا يكون استواء ربوبية وقهر كما أن القرب قرب علم وقدرة، وقد قال الله تعالى _ مرشدا إياهم أن الأماكن كلها ملك لله _ {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم }، لقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها أنّ الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته.
والحل الأمثل لإشكالية الاستواء، هو المفتاح القرآني، فقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس 3]، والمفتاح: الاستواء في الآية استواء تدبير، فقوله تعالى: (يدبر الأمر) جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش) على أنه استواء تدبير وربوبية، و(الثاني): قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد 2]، المفتاح: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، جرى مجرى التفسير لقوله: (استوى على العرش)، الاستواء في الآية استواء ربوبية وتسخير وتدبير بقرائن قوله تعالى {وسخر}، وقوله تعالى {يدبر الأمر}، وقوله تعالى {بلقاء ربكم}، فالاستواء ها هنا استواء استعلاء وتسخير وربوبية وتدبير، وقد جمع الله تعالى في سورة الحديد في آية واحدة بين الاستواء والمعية، فقال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 1 إلى 4]، فجمعه تعالى بين الاستواء والمعية في آية واحدة مما يدل دلالة قطعية على أن الاستواء ليس بمعنى الاستقرار المكاني وإلا نافى “المعية” وليست المعية بأجدر بالتأويل من الاستواء، فإنّ تأويل المعية بمعية العلم والسمع والبصر، ليس بأولى من تأويل الاستواء بالتدبير والربوبية والهيمنة والتصريف، والمنهج الصحيح السوي يقتضي تأويل الجميع، بمعنى حمل الجميع على المجاز اللغوي، فلا القرب قرب الذات، ولا الاستواء استواء الذات بالمعنى الحسي الذي يلائم المخلوق ولا يلائم الخالق، أو التفويض في الجميع، قرب ليس كمثله شيء، واستواء ليس كمثله شيء،، إنّ أهل التنزيه والتقديس في هذه الأمة يفهمون العرش على أنه أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان، وعن العرش فالقرب قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) والاستواء استواء الصفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولم يكن له كفواً أحد.
[المفتاح الخامس عشر]: فوقية الله تعالى على خلقه فوقية مكانة وهيمنة لا فوقية مكان: فالمكان محال على الله، المكان دائما أكبر من المتكون فيه، والله اكبر من كل شيء وهو اكبر من المكان، فلا يصح أن يحويه مكان، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والله منزه عن الحد والحيز، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والله بكل شيء محيط، والمكان محدود اعلاه الظاهر وأدناه الباطن والله تعالى منزه عن الحدود هو الظاهر فليس فوقه شيء وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، المكان محدث مخلوق والله تعالى له القدم الأزلي كان قبل المكان وهو على ما عليه كان، و (الكائن) في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و (الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان، إنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني أن هناك مكان ما يحيز الله، والمكان الذي يحيز أي شيء لاشك أنه أكبر منه، وهذا يخالف القطعي والضروري من الدين من كون الله تعالى أكبر من كل شيء، وإنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يستلزم احتياج الله إلى المكان، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان، ولكنّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، والاحتياج من صفات المُحدَث المخلوق الفقير لا من صفات الخالق الغني الحميد، وإنّ عدم تقديس الله تعالى عن المكان يعني إنّ المكان الذي يكون الله فيه لا يخلو من أمرين: الأوّل: قديم، فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وهذا باطل، الثاني: حادث، والحادث محدود، والله تعالى غير محدود، والشيء المحدود لا يسعه إحاطة الشيء غير المحدود، فيثبت بطلان وجوده تعالى في مكان.
[المفتاح السادس عشر]: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات: الوجه واليد والعين في اللغة اجزاء من ذات وليست صفات، ولكنها إن تعلقت بالله فهي صفات، نفوض معناها الحقيقي إلى الله تعالى، لأنها خرجت عن معانها في اللغة الذي هو (الجزئية والبعضية) لان الله تعالى ليس كمثله شيء، له الأحدية المطلقة، التي تمنع من قبول الأجزاء والأبعاض، إذن: الوجه واليد والعين صفات وليست اجزاء من ذات، وفي المدرسة السلفية المعاصرة اوهموا الناس بان الوجه واليد والعين صفات محكمة لله تعالى مثلها مثل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر، ثم أوهموا الناس أن من فرق بينهما فهو معطل، وأنه من شر الفرق، ثم كانت الطامة عندما زعموا أنها صفات أعيان، ولا معنى للاعيان في اللغة إلا الأجزاء، فكأنها دعوة إلى التجسيم، وفي هذه الحلقة إن شاء الله تعالى بيان مدي المغالطات في هذا الامر، نسأل الله تعالى ان يهدينا للحق والصواب، وابن تيمية دائما كان يلهج لسانه بذكر الصفات الخبرية (الوجه واليد والعين)، وارتكب أربع مغالطات، الأولى: زعم انها صفات وهي في اللغة ليست صفات، وإنما أجزاء من ذات، والأحدية المطلقة لله تمنع من قبول الأجزاء، وهذه اخف المغالطات، لأننا يمكن ان نحملها على صفات الله أعلم بمراده منها، والمغالطة الثانية أنه جعلها صفات محكمة وهي لم تستوف أبدا صفة الإحكام، بل هي متشابهة لأسباب عديدة، منها: (أ) أن معانيها في اللغة هي الأجزاء والابعاض، وليس الصفات (ب) هذه الألفاظ لا تعود إلى أسماء حسنى، فالقدير يعود إلى صفة القدرة، ولكن (الوجه (ث) لم يأت نص في القرآن يشير إلى كونها محكمة، فالمحكم نعلمه من مثل قوله تعالى {فاعلموا ان الله سميع عليم }، و من مثل قوله تعالى {إن الله على كل شيء قدير }، بالتأكيد على صفة القدرة، وكل ما جاء في آيات الوجه واليد والعين أخبار لا تحمل معنى التأكيد، كما أن استعمالها له مجاز معلوم في لغة العرب وهي دائما مصحوبة بقرائن تحتم حملها على المعنى المجازي وسيأتي بيان ذلك، واليد والعين) لا تعود إلى أي اسماء حسنى، (ت) استعمالها في اللغة على أنها أبعاض من ذات، والأحدية المطلقة تمنع من قبولا الأجزاء والابعاض، والاحدية محكمة لانها تعدل ثلث القرآن، فما عارض الاحدية متشابه لا مناص من ذلك، والمغالطة الثالثة: أنه جعلها صفات اعيان ولا معنى للاعيان سوى الابعاض وهذا تجسيم، والمغالطة الرابعة: أنه اتهم من أولها وردها إلى محكماتها من الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة بالتعطيل وهذا تعدي على اهل العلم المتخصصين في العقيدة، وهذا ظلم لاهل العلم المتخصصين في العقيدة، وتعدي على شرع الله، وسيأتي بإذن الله تعالى كشف تلك المغالطات الواحدة تلو الأخرى، ولا يصح إلا الصحيح، وهو قول اهل التخصص وقد قال تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير }، ومن أظهر الادلة على تقديس الله تعالى عن الجوارح والاجزاء والابعاض وعن الصور والأشكال، قوله تعالى: {قل هو الله أحد }، (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان له صورة أو جارحة، فهو منقسم إلى أجزاء تتركب منها الصور والأشكال،، الأحدية تمنع من تصور الكثرة في جناب الذات أبدا ولا حتى تصورها أو الفكر فيها لأنه سبحانه ليس كمثله شيء هناك فرق في المعني بين اسم الله الأحد واسمه الواحد، الله واحد لا شريك له، قال تعالى: {وهو الواحد القهار }، الله احد لا جزء له، قال تعالى: {قل هو الله أحد }، فـــ (الاحدية): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام وكل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }، إنّ الأحدية المطلقة تعني نفي الكثرة والتبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى وتعني تنزهه سبحانه عن الجسمية وعن كل معاني الجسمية لأن أقل الجسم مركب من جزئين وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أكبر والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة غي جناب ذاته منزه عن الجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والأطوال والحجوم لأنها صفات الأجسام المخلوقة المحدودة والله تعالى احد لا حد ولا غاية ولا شكل ولا صورة ليس كمثله شيء، وكل ما ورد في الشرع مما يوحي الجارحة أو الصورة فإنما هي صفات لجناب الذات وليست أجزاء وأبعاض من جناب الذات لان الله تعالى له الاحدية المطلقة التي بها عدلت سورة الإخلاص ثلث القرآن، ومثال ذلك (الوجه) فنحمله على جناب الذات أو رضا الرب، إذ العرب يقولون نريد وجهك ويقصدون ذاتك أو يقصدون رضاك، وقوله تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله }، اسلام القلب هو الاهم، وعلى ذلك يحمل (الوجه) في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، فلا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، والمعنى كل شيء هالك إلا جناب الحق أو ما أريد به رضا الحق، {اللَّهُ أَحَدٌ} معناها أنّ الله تعالى في جناب ذاته تعالى وتقدس منزه عن الأجزاء والابعاض ولا كل ولا بعض لأن الكل مكون من أبعاضه والبعض جزء من الكل وكل هذا يضاد الاحدية المطلقة التي هي من أخص صفات جناب الذات تعالى وتقدس فلا كل ولا بعض ولا يمين له ولا يسار ولا فوق له ولا تحت ولا أمام له ولا وراء لأنها صفات الأجسام المنقسمة إلى اجزاء والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة فلا تجري عليه صفات الأجسام المخلوقة الموصوفة بالكثرة والتجزؤ والانقسام، {اللَّهُ الصَّمَدُ }: له تمام الغنى والحمد يستحل التركيب من جوارح على جناب ذاته سبحانه لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء محتاج في وجوده إليها والمحتاج لا يوصف بالصمدية المطلقة، و(الصمدية المطلقة): تنفي عن جناب الذات تعالى وتقدس التركيب من الجوارح، ونفي التركيب تنزيه عن الصور لأن الصور لا تنشأ إلا من تركيب قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }، فالصور لا تنشأ إلا من تركيب والله تعالى أحد صمد منزه في جناب ذاته عن قبول الأجزاء وكل ما ورد في القرآن والحديث مما يوحي بالصور فإنما يحمل على معاني الصفات فإن العرب تقول: ما صورة الامر؟ وتقصد صفة الامر، فإن الاوامر ليس لها صور، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }: وصف الله تعالى بالقدم الأزلي وتقديسه سبحانه عن الحدوث أو قبول الحوادث {لَمْ يَلِدْ} لا ينفصل منه شيء، ولا يكون منه شيء حادث، {وَلَمْ يُولَدْ}منزه عن الحدوث لأنه القديم الأزلي الذي لا يكون منه شيء ولا يكون هو من شيء تقدس أن يكون منه شيء مخلوق وتقدس أن يقبل جناب ذاته الحدوث، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }: تنزيهه سبحانه عن مماثلة الخلائق في جناب ذاته ليس بجوهر ولا جسم لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه، وسورة الإخلاص يجب أن تكون من المحكمات، لا من المتشابهات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها ثلث القرآن.
والحاصل: أنّ الله تعالى هو الاحد الصمد المتصف بالأحدية المطلقة، من أخص خصائص الاحدية عدم قبول الكثرة والاجزاء والابعاض، ولهذا صارت ألفاظ الوجه واليد والعين من المتشابهات لابد من فهم مجازاتها في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم، لأنه أُنزل بلسان عربي مبين، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأجمعوا على أنّ الوجه والعين واليد مما جاء ذكره في القرآن الكريم ليس من باب الأجزاء والأبعاض في جناب ذات الله، ومن اعتقد ذلك فهو مجسم مشبه ضال،
***
([3]) صحيح البخاري 9/115 ح 7375، صحيح مسلم 1/557 ح 813.
([4]) مسند أحمد 35 /144 ح 21220، سنن الترمذي 5/451 ح 3364، المستدرك للحاكم 2/589 ح 3987، شعب الإيمان للبيهقي 1/114 ح 102. حسنه الحافظ السيوطي في “الدر المنثور” (8/669).
([5]) الأسماء والصفات للبيهقي 2/38 ح 602، [حسنه الحافظ في “الفتح (13/ 356).
([7]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([8]) صحيح البخاري 9/124 ح 7418.
([9]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([10]) العقيدة التي حكاها أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد – ت السيروان (أبو الفضل التميمي)1/111.
([11]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص:34- 36.
([12]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([13]) طبقات الشافعية (8: 186)
([14]) الأسماء والصفات للبيهقي ص (422).
([16]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([17]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([18]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([19]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([20]) صحيح البخاري 9/129 ح 7439.
([23]) المعجم الأوسط للطبراني 6/250 ح 6319، شعب الإيمان 1/136 ح 119.
([24]) الأسماء والصفات للبيهقي 2/370.
([25]) التبصير في الدين، ص201.
([26]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([27]) صحيح البخاري 9/124 ح 7418.
([28]) العقيدة للامام احمد ص: 111.
([29]) مناقب الإمام أحمد للبيهقي ص42.
([30]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص:34- 36.
([31]) شرح صحيح مسلم للنووى ج 3ص 19-20.
([32]) التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ص: 137.
([34]) تفسير القرطبي ج:4 ص:14.
([35]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص: 103.
([36]) فتح الباري ج: 13 ص: 416.
([38]) بيان اعتقاد أهل السنة: ص/ 45.
([39]) الدر الثمين والمورد المعين شرح المرشد المعين: ص 46.
([40]) فرقان الفرقان بين صفات الخالق وصفات الأكوان مطبوع مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص/93.
([45]) تفسير القرطبي ج18 ص 315
([49]) صحيح البخاري 8/125 ح 6610، صحيح مسلم 4/2076 ح 2704.
([50]) فتح الباري ج: 13 ص: 431.
([52]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص 34.
([53]) الاعتقاد للبيهقي ج: 1 ص: 114- 117.
([56]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 103.
([58]) العقيدة للإمام أحمد ص 101.
([60]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134\135.
([61]) مختار الصحاح ج: 1 ص: 135، لسان العرب ج: 10 ص: 168.
([62]) التبيان في تفسير غريب القرآن ص 320.
([64]) تفسير الألوسي 15/39، تفسير ابي السعود 9/18، التفسير البسيط للواحدي 22/111، الاتقان في علوم القران للسيوطي 2/49، البرهان في علوم القران للزركشي 2/84. تفسير النسفي 3/524.
([72]) البرهان في علوم القرآن: ٢: ٢٥٥.
([73]) الإتقان في علوم القران 3/120
([76]) تفسير القرطبي ج:4 ص:14.
([79]) تفسير القرطبي ج: 2 ص: 156.
([81]) تفسير القرطبي ج: 2 ص: 68.
([86]) تفسير القرطبي ج: 17 ص: 168.
([87]) البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 84.
([88]) تفسير القرطبي ج: 14 ص: 21.
([89]) تفسير الواحدي ج: 2 ص: 841.
([90]) تفسير الجلالين ج: 1 ص: 534.
([92]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([93]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([94]) السنة لعبدالله بن الامام أحمد1/ 268ح 498. السنة لابن أبي عاصم 1/228 ح 517.
([95]) التوحيد لابن خزيمة 1/85.
([96]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (اللالكائي) 3/470، أنظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 3/316.
([97]) عقيده أهل الإيمان في خلق آدم على صوره الرحمن صـ 37.
([98]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([99]) صحيح البخاري 8/117 ح 6573.
([102]) سير أعلام النبلاء 8/104.
([103]) مرقاة المفاتيح (باب الحوض والشفاعة)8/3550.
([104]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159.
([105]) كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/132.
([107]) ” الأسماء والصفات للبيهقي 2/325 و انظر السنن الكبرى للبيهقي 7: 388) والامام الحافظ البزار: قال ” وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة ” أهــ [كشف الاستار 1: 14] والحافظ ابن حجر العسقلاني: قال ” وفي اللفظ مخالفة كثيرة ” اه [التلخيص الحبير 3: 223479 ط دار الكتب العلمية.
([108]) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([109]) أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2: 777 ح 9، مسند أحمد25/19، مصنف عبدالرازق 9/174:175، والمنتقى لابن الجارود ص 344.،العلو للعلي الغفار للذهبي ص 15 ، تفسير ابن كثير2/374.، التمهيد لابن عبدالبر6/223.
([110]) صحيح ابن حبان 3/353، مسند أحمد 13/287، سنن ابي داوود5/176 ح3282،التوحيد لابن خزيمة 1/283، المعجم الكبير للطبراني 12/26 ح ١٢٣٦٩.
([111]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([112]) العلو للعلي الغفار ص 120،تحفة الأشراف 8/426 ح11378.
([113]) مسند أحمد 13/285 ح 7906.
([114]) مصنف عبد الرزاق 9/176 ح 16816.
([115]) سنن الترمذي5: 519ح 3483.
([116]) الاقتصاد في الاعتقاد صـ 36.
([117]) صحيح البخاري 1/14 ح 25.
([118]) صحيح البخاري 2/104 ح 1395.
([119]) سنن الترمذي5: 519(3483)
([120]) النووي في شرحه على صحيح مسلم 5/22.
([122]) النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5: ص22)
([124]) مشكل الحديث وبيانه صـ 61.
([127]) تفسير القرطبي ج18 ص 315.
([128]) صحيح البخاري:1/14 ح 25.
([129]) سنن الترمذي:5/519 ح 3483.
([130]) النووي في شرحه على صحيح مسلم (ج5: ص22)
([131]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145 ، فتح الباري 1/220
([134]) شرح النووي على صحيح مسلم6/37.
([136]) الأسماء والصفات: 2/378.
([138]) طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 51.
([139]) شرح الزرقاني ج: 2 / 49، 50.
([140]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521. الباز الأشهب ص95-96.
([142]) تفسير القرطبي ج: 17 ص: 90.
([143]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل 1 / 163.
([144]) العين والأثرفي عقائد أهل الأثر ص: 34، 36.
([146]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([147]) لوامع الأنوار البهية 1/249.
([148]) المستدرك علي الصحيحين 1/675 ح 1831.
([149]) صحيح مسلم 2/70 ح537، سنن ابي داود5/176 ح3282.
([150]) تفسير القرطبي 10 / 113.
([151]) طبقات الشافعية الكبرى: 9 / 45.
([152]) تفسير القرطبي 6 / 399، تفسير أبي السعود 2/127،فتح القدير 2 / 124، روح المعاني 4/108.
([153]) تفسير الطبري 32/250، تفسير القرطبي: 18 / 281. تفسير الواحدي 22/207.
([154]) تفسير الطبري 19/340، تفسير البيضاوي 4/255، تفسير النسفي 3/79، زاد المسير 3/508.
([156]) طبقات الشافعية الكبرى 9/ 46.
([158]) سنن النسائي 7/247ح 7937، المستدرك للحاكم 2/242 ح 2881.
([159]) تفسير القرطبي: 7 / 356، تفسير أبي السعود 3 / 310، فتح القدير ج: 2/320.
([161]) صحيح البخاري 4/106 ح 3194.
([162]) الباز الأشهب ص130-131.
([163]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص 112.
([165]) تفسير القرطبي ج: 18 ص: 215.
([166]) الباز الأشهب المنتفض على ص59.
([167]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: 1 / 115، 116.
([168]) طبقات الشافعية الكبرى 9 / 46.
([169]) سنن الترمذي 5/556 ح 3556.
([170]) تفسير القرطبي 18 / 216.
([171]) إتحاف السادة المتقين5/ 34 – 35
([173]) شرح الفقه الأكبر: ص .199
([175]) سنن أبي داوود 1/349 ح 466.[ صححه الالباني وقال : وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات].
([176]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 – 36.
([181]) الإيضاح في أصول الدين ص 377.
([183]) صحيح مسلم 4/1990ح 2569.
([185]) شرح الفقه الأكبر: ص 176.
([186]) التبصير في الدين، ص201.
([187]) تفسير الطبري، ج5: ص178.
([189]) الهداية الى بلوغ النهاية 1/850.
([190]) مشارق الأنوار، ج2، ص268.
([191]) الأسماء والصفات ص: 358.
([193]) وقد سبق ذكر ذلك بالتفصيل: يراجع ص 235 من الكتاب.
([194]) وقد سبق ذكر ذلك بالتفصيل: يراجع ص 236.
([195]) وقد سبق ذكر ذلك بالتفصيل: يراجع ص 238.
([196]) تفسير الطبري 23/195. وانظر ص 238 من الكتاب .
([201]) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ص 710.
([203]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([210]) رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ص: 256.
([211]) رسائل وفتاوى أبا بطين ص 101
([215]) صحيح البخاري 4/138 ح 3348.
([216]) سنن ابي داود 7/117 ح 4738.
([218]) المقالات للكوثري : 33.
([219]) مختصر الصواعق لابن القيم 487.
([220]) منهاج السُّـنَّةِ النبويَّة: 2/380.
([221]) موافقة صريح المعقول لصحيحِ المنقول: 2: /151.
([224]) الإيضاح في أصول الدين ص377
([225]) الأسماء والصفات 2/29. فتح الباري: 13\458]، [المقالات: 33].
([226]) رسالة في صفة الكلام ص 519
([227]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 – 36.
([228]) قواعد العقائد ص: 182_186.
([229]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([232]) الأسماء والصفات للبيهقي ص (422).
([233]) التلخيص الحبير 3: 223.
([234]) سبق ذكر ذلك بالتفصيل ص 271 من الكتاب.
([236]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145 ، فتح الباري 1/220
([237]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([238]) سبق ذكر ذلك بالتفصيل ص284 من الكتاب.
([239]) سبق ذكر ذلك بالتفصيل ص 267 من الكتاب.
([240]) يراجع: ص 235/ 236/ 238/ من الكتاب.
([241]) صحيح مسلم 1/163 ح 181.
([242]) صحيح مسلم 1/163 ح 182.
([243]) صحيح البخاري 9/127 ح 7435.
([244]) صحيح البخاري 6/145 ح 4878، صحيح مسلم 1/163 ح 180.
([245]) صحيح مسلم 1/163 ح 180.
([247]) الأسماء والصفات 2/311.
([248]) صحيح مسلم 1/350 ح 482.
([249]) طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 85-86.
([250]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([251]) الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر ج: 1 ص: 26.
([252]) منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر طـ دار البشائر صـ 118-119.
([253]) الفقه الأكبر للشافعي ص 8.
([254]) العقيدة التي حكاها أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد – ت السيروان (أبو الفضل التميمي) 1/127.
([255]) الباز الأشهب ص100-102.
([256]) شرح النووي على صحيح مسلم ج: 7 ص: 80.
([257]) التبصير في معالم الدين ج 1: ص 160.
([259]) النقض” عثمان الدارمي (1: 224).
([260]) التحرير والتنوير” (25: 47)
([261]) حلية الأولياء” (1: 73).
([262]) إتحاف السادة المتقين” (4: 380).
([263]) شرح الفقه الأكبر ص 119.
([265]) العقيدة التي حكاها أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد (2: 265-290).
([266]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([268]) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ” (1: 129-130).
([269]) الأسماء والصفات 2/325.
([270]) طبقات الشافعية ” 3: 132.
([271]) ميزان الإعتدال ” 3: 507.
([274]) الفرق بين الفرق ” ص 321.
([275]) إتحاف السادة المتقين (4: 380)، (2: 24)
([276]) الثقات لابن حبان ” (1: 1)
([277]) طبقات الشافعية الكبرى ” (8: 219).
([279]) المقاصد الحسنة (ت الغماري ) (ص 342).
([281]) الفرق بين الفرق ص 321.
([283]) إتحاف السادة المتقين 4: 380.
([284]) شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص 136-137.
([285]) شرح الفقه الأكبر ص 138.
([286]) الفقه الأبسط ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص20، الدليل القويم ص 54.
([287]) إتحاف السادة المتقين 2: 24.
([288]) الفتاوى الحديثية ص144.
([289]) العقيدة الطحاوية ص 218.
([290]) تبيين كذب المفتري ص150.
([291]) استحسان الخوض في علم الكلام ص 40.
([292]) التوحيد ص 69، 85، 75،76.
([294]) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 14/10.
([297]) التعرف لمذهب أهل التصوف ص33.
([299]) المنهاج في شعب الإيمان 1: 184.
([302]) تبيين كذب المفتري، ترجمة الباقلاني ص221
([303]) فتح الباري 11: 447.مشكل الحديث 153.
([306]) الفرق بين الفرق ص 321.
([310]) علم الكلام مسألة في نفي المكان عن الله تعالى ص65
([311]) الأسماء والصفات 2/278.
([313]) الأسماء والصفات 2/278.
([315]) التبصير في الدين ص161.
([316]) عقيدة الشيرازي في مقدمة كتاب شرح اللمع 1: 106.
([317]) الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص53.
([319]) الشامل في أصول الدين ص511.
([320]) الغنية في أصول الدين ص83.
([321]) إحياء علوم الدين 1/107
([322]) تبصرة الأدلة 1: 171.، 1/182.
([323]) (شرح الإرشاد (ق: 58ـ59)، مخطوط)
([324]) إتحاف السادة المتقين ج2: 180
([325]) المدخل: فصل في الاشتغال بالعلم يوم الجمعة 2: 149.
([326]) التمهيد لقواعد التوحيد ص 62-63.
([328]) القبس في شرح موطأ الإمام مالك بن أنس 1: 39و 1/289و 1/395.
([329]) عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي 12: 184
([330]) الشفا للقاضي عياض 1/205.
([332]) تبيين كذب المفتري ص150.و ص2.
([333]) البرهان المؤيد ص: 18،17.
([334]) انظر كتاب حكم الشيخ أحمد الرفاعي الكبيرص 18. ص 35، 36
([335]) إجابة الداعي إلى بيان اعتقاد الإمام الرفاعي ص44
([336]) إجابة الداعي إلى بيان اعتقاد الإمام الرفاعي ص 43.
([339]) الباز الأشهب ص 57، ص 59.
([340]) تفسير الرازي 30 /592.و 27/577.
([341]) طبقات الشافعية 8: 186.
([342]) بيان اعتقاد أهل السنة ص 45.
([343]) ونص الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
“ما تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً. فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ. كَمَا يُرَبِّي أحدكم فلوه أو فصيله”.) صحيح مسلم 2/702 ح 1014.
([344]) أبكار الأفكار ص194-195 مخطوط.
([345]) طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام 8: 237.
([347]) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد عبد الرحمن بن حسن ص 356 مكتبة دار السلام الرياض ط1 عام 1992.
([348]) طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد العزيز بن عبد السلام 8: 219.
([349]) الجامع لأحكام القرءان سورة البقرة ءاية 255، 3/ 278و سورة الأنعام ءاية 18، 6: 399.
([350]) المصدر السابق: سورة الأنعام ءاية 3 ص390.
([351]) المصدر السابق: سورة الأنعام ءاية 158 ص 7: 145.
([352]) المصدر السابق: سورة الأنبياء: ءاية 87، 11: 334،333.
([353]) المصدر السابق سورة الفجر ءاية 22، 20: 55.
([354]) المصدر السابق: سورة الملك ءاية 16، 18: 216.
([357]) كشف الأسرار لتنوير الأفكار الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت ص 90
([358]) تفسير النسفي سورة طه ءاية 5 ، 2/375.
([359]) إيضاح الدليل ص 104،103.
([360]) إيضاح الدليل ص 105،104.
([361]) طبقات الشافعية الكبرى: 9: 35.
([364]) المدخل: 3: 146و 3: 181.
([365]) ذكره محمود خطاب السبكي في إتحاف الكائنات ص 131،130.
([367]) شرح العقيدة النسفية العلامة الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني ص 75.
([375]) شرح متن جمع الجوامع الشيخ جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي (864هـ) 2/405.
([376]) أم البراهين في العقائد ” متن السنوسية “، المطبوع ضمن مجموع مهمات المتون ص4.
([377]) المقاصد الحسنة رقم 886، ص 342.
([378]) شرح السيوطي لسنن النسائي 1: 576.
([379]) إرشاد الساري 15: 451و 15: 462.
([380]) حاشية الرسالة القشيرية ص2و ص 5.
([381]) فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن (زكريا الأنصاري) ص 576.
([382]) الفتاوى الحديثية ص 144.
([383]) شرح الفقه الأكبر: ص 197،196
([385]) جوهرة التوحيد الشيخ برهان الدين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني المصري المالكي (1041هـ) ص 13.
([386]) إشارات المرام العلامة الشيخ كمال الدين البياضي الحنفي (1098هـ) ص 197
([388]) منقول باختصار من كتاب غاية البيان في تنزيه الله عن الجهة والمكان للشيخ خليل دريان الأزهري.
([389]) الفرق بين الفرق صـ321.
([390]) الفقه الأكبر للشافعي صـ 17
([391]) التوحيد للماتريدي ج: 1 ص: 106.
([392]) الفصل في الملل ج: 2 ص: 98.
([396]) تفسير القرطبي ج18 ص 315
([397]) الفواكه الدواني ج: 1 ص: 49.
([398]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134.
([399]) كتاب أصول الدين ج: 1 ص: 83.
([400]) صحيح البخاري 4/105 ح 3191.
([401]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([402]) صحيح مسلم 1/350 ح 482.
([403]) حاشية السيوطي على سنن النسائي 2/226.
([404]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([405]) متن العقيدة الطحاوية ص 218.
([406]) الفرق بين الفرق صـ 321.
([407]) التبصير في الدين ص161.
([408]) الملل والنحل للشهرستاني1/76.
([410]) الإرشاد إلى قواطع الأدلة ص: 53.
([412]) الشامل في أصول الدين: ص: 511.
([413]) إحياء علوم الدين 1/90.
([415]) القبس في شرح الموطأ: ج 1: 395.
([416]) المصدر السابق ج 1: 289.
([418]) عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي: ج 12: 184.
([421]) دفع شبه التشبيه (ص:58).
([424]) طبقات الشافعية 8: 186.
([427]) المصدر السابق: 6: 390.
([428]) المصدر السابق: 6: 399.
([429]) المصدر السابق: 7: 145.
([431]) المصدر السابق: 18:216.
([434]) جواهر القرآن ج: 2 ص: 424.
([436]) البرهان في علوم القرآن ج: 3 ص: 470.
([437]) تفسير أبي السعود ج: 3 ص: 153.
([438]) تفسير الواحدي ج: 1 ص: 361.
([440]) فتح القدير للشوكاني ج: 2 ص: 151.
([441]) تفسير الجلالين ج: 1 ص: 174.
([442]) أحكام القرآن 2 ج: 2 ص: 171.
([444]) أحكام القرآن 2 ج: 4 ص: 168.
([445]) أحكام القرآن 2 ج: 2 ص: 172.
([446]) تفسير الرازي 13/42 ـــــ 50.
([451]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 34 – 36.
([452]) صحيح البخاري 1/17 ح 43.
([454]) متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى ص
([455]) ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة للغزالي ص
([456]) عقيدة الإمام ابن الحاجب ص
([457]) الغنية في أصول الدين ص
([458]) التبصير في الدين ج: 1 ص: 160، 161.
([459]) لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ج: 1 ص: 109.
([460]) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني ج: 1 ص: 45.
([461]) التبصير في الدين ج: 1 ص: 111.
([464]) تفسير القرطبي ج: 12 ص: 256.
([465]) المصدر السابق تفسير القرطبي 5/379.
([466]) أحكام القرآن للجصاص ج: 1 ص: 397.
([467]) البرهان في علوم القرآن ج: 2 ص: 83.
([480]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 132.
([481]) المصدر السابق ج: 1 ص: 103.
([482]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 141.
([483]) “التحرير والتنويرج2ص284.
([484]) فتح الباري ج: 13 ص: 345.
([486]) المصدر السابق 13/432 ـ 433.
([489]) عمدة القاري 7/199 ــــــــ 201.
([491]) نقلا عن عون المعبود: ج 16: ص604.
([492]) شرح القسطلاني على صحيح البخاري كتاب التوحيد: ج 15: ص:604.
([493]) العواصم من القواصم ط دار التراث صـ 208-213.
([494]) الباز الأشهب ص113-116.
([495]) شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166..
([497]) المصدر السابق ج: 3 ص: 70.
([498]) شرح الزرقاني ج: 2 ص: 49.
([499]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 178-180.
([500]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135.
([501]) منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر طـ دار البشائر صـ 118-119.
([503]) مناقب الإمام أحمد للبيهقي ص42.
([504]) تفسير القرطبي ج:4 ص:14.
([505]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص:34- 36.
([506]) شرح صحيح مسلم للنووى ج 3ص 19-20.
([507]) الفتاوي الحديثية ص 148.
([508]) طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 43-44.
([509]) قواعد العقائد ج: 1 ص: 159-160.
([510]) التوحيد ج: 1 ص: 38-40.
([512]) التوحيد للماتريدي ج 1 /ص 104_106.
([513]) مشكل الحديث وبيانه صـ 131.
([514]) سنن الترمذي 5/176، المعجم الكبير 8/177،و (2 / 146 برقم 1614) تاريخ بغداد 7/88و 12/263، تهذيب التهذيب 1/422و 3/340.
([515]) الفصل في الملل ج: 2 ص: 127-129.
([516]) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج2 صـ92.
([517]) الفصل ف ي الملل والأهواء والنحل ج 1 صـ 120.
([518]) التبصير في الدين ج: 1 ص: 160.
([519]) الغنية في أصول الدين ج: 1 ص: 80-81.
([520]) العقيدة للإمام أحمد ج 1/ص 101.
([522]) شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166.
([523]) مشكل الحديث ابن فورك ص431.
([525]) تفسير البحر المحيط 4/315.
([526]) التفسير الكبير ج27/474.
([527]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134\135.
([533]) مشكل الحديث وبيانه ص 67 إلى 69.
([534]) شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 166.
([535]) اكمال المعلم ج8 من ص90:87.
([536]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135.
([537]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 155.
([538]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 159.
([539]) فتح الباري ج: 13 ص: 427-428]،
([540]) الكواكب الدراري شرح حديث البخاري ج 25 ص119.
([541]) إكمال المعلم، شرح القاضي عياض ج8 من ص90:87.
([542]) الديباج على صحيح مسلم ج: 5 ص: 539.
([543]) إرشاد الساري من ص229:13.
([544]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 135.
([546]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 153- 155.
([547]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 156- 159.
([548]) المصدر السابق ج: 1 ص: 176.
([553]) قواعد العقائد ج 1 ص 51 ـ 55.
([554]) المصدر السابق ج 1ص 169ـ172.
([555]) التبصير في الدين ج1 ص160.
([557]) أساس التقديس ص 110-120.
([558]) الأسماء الحسنى للرازي ص
([560]) أصول الدين أبو منصور عبد القاهر البغدادي صـ 337,
([561]) مقالات الشيخ محمد زاهد الكوثري ص: 396.
([562]) إكمال المعلم، شرح القاضي عياض ج8 من ص 87 إلى 90.
([565]) الملل والنحل للشهرستاني 1/184.
([566]) الفرق بين الفرق صـ321.
([569]) أقاويل الثقات ج: 1 ص: 134.
([571]) التمهيد لابن عبد البر ج: 7 ص: 137.
([572]) الفصل في الملل والنحل ج: 2 صـ 280.
([573]) الفصل في الملل ج: 5 ص: 37.
([574]) إرشاد الساري ج 15، صـ 370.
([577]) المفهم للقرطبي ج3ص724.
([578]) شرح مسلم الأبي ج6ص362. و ج7 ص 183.
([580]) طبقات الشافعية الكبرى: 9 ص: 42.
([582]) فتح الباري ج: 13 ص: 375.
([583]) المصدر السابق ج: 13 ص: 385.
([585]) المقصد الأسنى ج: 1 ص: 155.
([586]) الفرق بين الفرق للبغدادي ج: 1 ص: 10.
([587]) مقالات الإسلاميين 1 / 155.
([589]) الإبانة عن أصول الديانة – ت فوقية (أبو الحسن الأشعري) ص 113.
([590]) العين والأثر في عقائد أهل الأثر ج: 1 ص: 104.
([591]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ج: 1 ص: 47.
([592]) قواعد العقائد ج: 1 ص: 51.
([595]) تفسير أبي السعود 3/67.
([597]) صحيح مسلم 4/1994 ح 2577.
([598]) الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي ص 321.
([599]) صحيح البخاري 1/91 ح 417.
([600]) صحيح البخاري 8/125 ح 6610. السنن الكبرى للنسائي 7/132 ح 7633 واللفظ له.
([604]) الخريدة البهية (رقم البيت 31: ص 25)،
([605]) إتحاف السادة المتقين (2: 24)
([607]) حسن المحاججة للأستاذ العلامة النَّظَّار سعيد فودة حفظه الله تعالى.
([608]) إتحاف الكائنات الشيخ محمود بن محمد خطاب السبكي (ص 5)،
([609]) منظومته مُنجية العبيد (ص 16)
([611]) غاية المرام ص 185، 186.
([612]) حسن المحاججة في بيان أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه للأستاذ سعيد فودة
([613]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145 ، فتح الباري 1/220
([615]) السنن الكبرى للنسائي 9/180 ح 10243.
([617]) صحيح مسلم 4/2077 ح 2704.
([618]) صحيح مسلم 1/350 ح 482.
([619]) المصدر السابق 2/978 ح 1342.
([620]) صحيح البخاري 1/90 ح 406 ، صحيح مسلم 1/388 ح 547.
([622]) طبقات الشافعية: 5 / 38.
([623]) التعرّف لمذهب أهل التصوف (أبو بكر الكلاباذي): 34 – 35.
([624]) انتهى من كتاب الصمدية للشيخ طارق بن محمد السعدي الحسيني وهو تنزيه لله تعالى عن الجهة والمكان.
([625]) أنظر تبيين كذب المفتري (ص 150)
([626]) أنظر رسالته استحسان الخوض في علم الكلام (ص: 45)
([628]) التبصير في الدين ص161.
([629]) إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، (1: 108)
([630]) المصدر السابق (1: 128)
([631]) القبس في شرح الموطأ: ج 1: 395.
([632]) القبس في شرح الموطأ: ج 1: 289.
([634]) عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي: ج 12: 184.
([639]) طبقات الشافعية 8: 186.
([641]) الجامع لأحكام القرءان: 3: 278.
([642]) المصدر السابق: 6: 390.
([643]) المصدر السابق: 6: 399.
([644]) المصدر السابق: 7: 145.
([646]) المصدر السابق: 18:216.
([650]) لسان العرب، مادة: ق رب (1: 663- 664)
([651]) إيضاح الدليل ص: 103- 4، 1.
([652]) المصدر السابق ص 104 ـــــ105.
([657]) عمدة القاري 12: 25: 111.
([658]) المصدر السابق12: 25:117.
([659]) المقاصد الحسنة رقم 886، ص: 342.
([660]) حاشية السيوطي علي سنن النسائي 226.