الفصل الخامس مفاتيح علم التقديس المتعلقة بأفعال الله تعالى
[المفتاح الاول]: الكون كله خلق الله، وكل ما في الوجود خلقه، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود وكل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتى الافعال التي تصدر منا هي في الأساس من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29].
[المفتاح الثاني]: ذات الحق سبحانه لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال وأفعال الكمال، لذا فإنّ لصفات الأفعال: تعلقان تعلق بالله وتعلق بالمخلوق، فما تعلق منها بالقديم قديم، وما تعلق بالمحدثات محدث، وبيان ذلك، أن أفعال الله تعالى تابعة لصفاته، وصفاته قديمة قائمة بذاته، وذاته قديمة أزلية لا تقبل الحدوث، و(صفات الأفعال) كالخلق والرزق والإحياء والإماتة فهي تعلقات صفة القدرة، والقدرة صفة أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة، لذا وجب أن يقال: أنّ الله سبحانه هو الخلاق منذ الازل، والخلق (أثر) لصفة الخلق عنده، لم يستفد من خلقهم اسم الخلاق، جميع الخلق قدماء الثبوت في علمه القديم الأزلي، وهم محدثون بإرادته القديمة، فما تعلق بالقديم الأزلي قديم أزلي، وما تعلق بالمحدثات محدث، سبحانه هو الخلاق منذ الأزل لثبوت صفة الخلق لديه، وكل مخلوق فهو قديم الثبوت في علم الله الواسع، حادث الوجود بقدرة الله القديمة الأزلية، وهو سبحانه الرزاق منذ الازل، كل الأرزاق قديمة الثبوت في علمه القديم الواسع، حادثة الوجود في أوقاتها بفيض كرم الرزاق، لم يستفد من رزقهم اسم الرزاق، فالأرزاق أثر لاسمه الرزاق وهو الرزاق منذ الازل، قال الطحاوي رحمه الله – معبراً عن عقيدة أهل الإسلام -: (ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا، لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا، كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) أهـ ([1]) .
(إذن) صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم في الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل له سبحانه الكمال المطلق منذ الازل،
[المفتاح الثالث]: الكمال المطلق لا يقبل التغير ولا الحدوث، ولا يقبل زيادة ولا نقصان، فهو الخلاق منذ الازل حيث اقتضت الارادة القديمة وجود الخلائق، ولا تناقض بين قدم الارادة وحدوث الأكوان في زمان دون زمان، لأن الإرادة حددت الزمان في الازل حيث كان الزمان معدما، ثم حدث الزمان بوجود الاكوان، وحدوث الحركة بين الأكوان، فكان على ما شاء الرحمن في علمه الأزلي القديم، والحاصل: أنّ كل مخلوق وكل حادث في الكون المنظور والغير منظور، له تعلقان تعلق بجناب الحق قديم، وتعلق بالمخلوق محدث، وكل موجود هو قديم الثبوت في علم الله، حادث في الكون بمشيئة الله، وقد أخطأ في هذا الأمر صنفان، من قال أنّ أفعال الله حادثة بإطلاق، ومن قال أن أفعال الله قديمة بإطلاق، والصواب إن شاء الله تعالى ان نقول: أنّ لها تعلقان، فما تعلق منها بالحق قديم أزلي، وما تعلق بالمخلوقات محدث مخلوق.
(تنبيه): أهل الحشو يظنون بقبول جناب ذات الله تعالى للحوادث وهذا جهل بالله عظيم، نص ابن تيمية وأتباعه على قيام الحوادث بجناب ذات الله، ولم يوافق في قوله هذا أحدًا إلا الكرامية المجسمة، ومن العجب أن يقول هذا معرضا عن حجة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرآن الكريم في سورة الانعام {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح المتغير ان يكون إلها، وهؤلاء خالفوا إجماع الأمة، وزعموا أن الحوادث تطرأ وتتجدد على ذات الله، ويقولون بأن الحوادث التي تحدث في جناب ذاته هي أقواله وإراداته وتجدد معلوماته وتجدد إدراكه للمسموعات والمبصرات، ويزعمون ان علم الله يتجدد عندما يقوم عباده بما قدر عليهم من أعمال، وان السمع والبصر يتجددان كذلك برؤيته لعباده وسمعه لكلامهم، وأن الله تعالى يبتدئ الكلام بما شاء متى شاء، وان الإرادة تحدث في ذات الله ثم تخرج إلى الوجود، وأن خلق الله يتوالى على الدوام وأن أرزاقه تتوالى على خلقه وأنه يغني هذا ويشفي هذا، وكلها شبه زائفة، وأساسها قياس الحق على الخلق، والقدم الأزلي لجناب الذات الإلهي يمنع من قبول الحوادث، لا سبيل للحدوث إليه، فليس في جناب ذاته شيء حادث ولا في صفاته شيء حادث، (شرط الإله) أن يكون منزهاً عن الأفول الذي هو علامة التغير والحدوث وعدم القدم، المتغير لا يصلح أن تكون إلهاً ورباً خالقاً، وهذا هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، نفس العلة (الافول) أي التغير والحوث، لذلك قال لهم {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} تنبيها لقومه على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح شيء منها للإلهية، مشكلة اهل الحشو أنهم دائما يقيسون الغائب على الحاضر مع أنه ممتنع في حق الله تعالى لأنه ليس كمثله شيء فلا يصح القياس، قدم جناب الذات يستلزم قدم الصفات: له قدم العلم، والسمع والبصر لا يغيب عنه شيء، وليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وكل ما يقوله أهل بدعة الحشو عن حلول الحوادث بذات الله جهل عظيم بالله تعالى وبالواجب والجائز والمستحيل في حق الله سبحانه، يقيسون الله على خلقه، والحاصل أنّ صفات الله أزلية قديمة لها الكمال المطلق منذ الازل، وكل ما تنعم به الاكوان من نعم الايجاد والامداد إنما هي محض فضل من الله الكريم الوهاب منذ القدم في الأزل حيث الإرادة القديمة والمشيئة القديمة والعلم القديم والقدرة القديمة، وكل صفات الله تعالى قديمة وعاملة منذ الازل لها الكمال المطلق منذ الازل.
[المفتاح الرابع]: جناب الذات الإلهي له الكمال المطلق، وإنما الاكوان والخلائق والأعمال ظهرت كأثر لتجليات جناب الذات بأسمائه وصفاته، والأكوان ظهرت كآثار لرحمة الله، كما في قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50]، هو العالم قبل أن توجد المعلومات، وهو الخالق قبل أن يخلق الخلق، وهو الرازق قبل أن يرزق الخلق، لان أسماءه قديمة والخلق محدثون، ويستحيل أن يستفيد القديم من المحدث، وإلا لم يكن قديما، وكذلك فإن وجود الاكوان والمخلوقات ليس أمرا حتميا على الله لان هذا يُبطل كمال الإرادة والمشيئة، فإن الله تعالى له المشيئة المطلقة والارادة النافذة، قال تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، فالله تعالى أراد الكون على هذه الحال وتلك الصورة، ولذلك قال المحققون من اهل العلم: أن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لغاية الكمال استلزمت صفات الكمال، وصفات الكمال استلزمت كمال الأفعال.
و(مثال ذلك): علم الله قديم، يعلم ما كان وما سيكون، وليس معنى ذلك: أنّ علم الله القديم بالمحدثات والمخلوقات يوجب وجودها أمرا حتميا يؤثر على مطلق الإرادة والمشيئة، لأن صفات الحق كلها قديمة، أولية بلا ابتداء، وكلها عاملة منذ الأزل، كانت قبل أن يجري الزمان، كل صفة تَعَلق بها ما اختصت به، فالمعلومات تعلقت بالعلم، والمقدورات تعلقت بالقدرة، والممكنات تعلقت بالمشيئة، والمسموعات تعلقت بالسمع، والمبصرات تعلقت بالبصر، وجميع صفاته قديمة لم تتدرج وفق زمان، بل كانت منذ الازل – قبل جريان الزمان – تامة كاملة لها الكمال المطلق فلا تزيد ولا تنقص عما هي عليه من الكمال، لأنها لو قبلت الزيادة لم تك قبل الزيادة كاملة ولو قبلت النقصان فليست بقديمة لها الكمال، فكل معلوم يتعلق بالعلم القديم وكل ممكن موجود يتعلق بالمشيئة القديمة والارادة الأزلية والقدرة النافذة، وعلى ذلك فكل الافعال لها تعلقان تعلق بالله قديم وتعلق بالخلق محدث، ما تعلق بالله قديم لأنه القديم وما تعلق بالمخلوق محدث لأنه محدث، ووجود الاكوان والمخلوقات لم يكن وجودها حتما على الله، لأنها صدرت بمحض إرادة الإله الحق ووفق مشيئته، ومن لوازم المشيئة نفي الاضطرار.
(تنبيه): زعم البعض ان الله تعالى خلق العالم ليظهر ذاته وصفاته ويُعمل أسماءه، فصار حاصل كلامهم أن الحق استفاد من خلقه، ومعاذ الله من ذلك، لأنه يحمل معاني استكمال النقص بالغير، والإله تعالى له كمال الغنى عن الخلق، وانما كمال الذات استلزم كمال الصفات وكمال الصفات استلزم كمال الأفعال، وإنما الخلق أثر لتجليات الأسماء والصفات، فالكون كله بما فيه أثر لعمل الاسماء والصفات، فليس الحاصل من خلق الخلق إظهار جناب الذات الإلهي والأسماء الحسنى والصفات العلا، وإلا كان المعنى أنه لولا الخلق لما ظهرت الاسماء والصفات، وكأنّ للخلق منة – والعياذ بالله – على الرحمن، معاذ الله، بل هو الظاهر الذاتي، وهو الظاهر بداته وأسمائه وصفاته وافعاله وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الظاهر في الأزل والأبد، وليس خلقُ الخلقِ وسيلة إلى إظهار الذات والاسماء والصفات، بل كان الخلق أثرا لتجليات الأسماء والصفات، وصارت المنة للرحمن على خلقه، أن خلقهم من عدم وتكرم عليهم بالإيجاد والامداد تفضلا منه ورحمة، وهو الغني عنهم أزلا وأبدا وهم الفقراء إليه، والله هو الغني الحميد.
و(الخلاصة): حدوث الاكوان لا يضيف شيئا إلى كمالات جناب الذات الإلهي: لأن له الكمال المطلق قبل خلق الخلق وبعد خلقهم، فلم يستفد الرحمن من مخلوقاته شيء، وحدوث الاكوان لا يزيد شيئا لا في الأسماء ولا في الصفات، لأن لها الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة أو النقصان لأنه إن قبل الزيادة كان قبلها ناقصا، وإن قبل النقصان لم يكن كاملا، وإنما التغيير من صفات النقص والله منزه عن الحدوث والنقصان، (إذن) العالَم موجود كأثر للكمال الإلهي وليس سببا في الكمال الإلهي، وفرق هائل بين الامرين، خلق الاكوان مِنّةُ من الرحمن على الخلائق وتفضل منه عليهم والله ذو الفضل العظيم.
(فائدة): الأكوان والخلائق بما فيها من عظمة وإبداع كانت أثر للكمال: الصفات تامة كاملة قديمة تابعة للذات عاملة بكمال الذات، فتجلى أثرها في خلق الأكوان، فكان الكون كله ومنه (الإنسان) أثر للكمال الإلهي والرحمة الواسعة، وظهرت الخلائق كتجليات وآثار لعمل الأسماء الحسنى والصفات العلا، فظهرت آثار الأسماء والصفات في كل شيء من الوجود، كل ما في الكون من خلق وإبداع إنما أثرا للكمال وليس سعيا من أجل الكمال، والعظمة، لو كان خلق الاكوان والانسان من اجل إضافة مجد أو استحداث كمال لكان من باب العبث واللهو واللعب، وهذا كله محال على الله العليم الحكيم، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الدخان: 38، 39]، ويقول: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الدخان: 16 إلى 18]، الكون وما فيه ظهر نتيجة للكمال وأثر لرحمة الله، وليس سعيا إلى الكمال، فاستلزم ذلك شكر نعمة الرب الديان، (الله) جل جلاله لم يخلق العالَم لعلة ولا لسبب، بل ظهر العالَم كنتيجة لكمالات ذاته وأسمائه وصفاته، تجلى على الأكوان بأسمائه وصفاته، وأعظم التجليات كانت في خلق جنس الإنسان، خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وأورثه الله العلم والحكمة وجعله نبيا، وأورث ذريته جميع الأسماء والصفات، فكان هو الجامع لكل التجليات، خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وصوره في أحسن صورة، وأسجد له الملائكة أطهر المخلوقات، وسخر له الكون بما فيه، واصطفى من ذريته الرسل والأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين، والمقدم من بني آدم، على الإطلاق هو من بلغ رتبة الكمال الإنساني الأعلى، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد من الانبياء ما له من الفضل والأخلاق، والباقون من الرسل والأنبياء عليهم السلام ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل، صلي الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه أجمعين.
[المفتاح الخامس]: (توحيد الافعال): المقصود منه الاعتقاد بأنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته، هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، هو الخالق ولا خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وأهل العلم بالأصول متفقون في توحيد الأفعال على أنّ كل ما يكون في الكون، وكل ما يقع في الكون، إنما هو من خلق الله تعالى.
(فائدة): هناك مسلكان في الأسباب والمسببات، أحدهما أصح من الآخر، وكلاهما لأهل السنة والجماعة، القول الاول قال به السادة الماتريدية: أنّ الله تعالى خلق المسببات وجعل فيها القدرة الذاتية، ثم هي لا تفعل إلا بإذن الله، ومثال ذلك أنّ الله تعالى أودع في النار القوة على الإحراق، فهي تحرق بقوة ذاتية اودعها الله تعالى فيها، ثم هي لا تحرق إلا بمشيئة الله، والقول الثاني وهو الاقرب إلى التوحيد المطلق لله في أفعاله وقال به السادة الأشاعرة: أنّ الله تعالى خلق الأشياء كلها، وهو خالق الآثار التي تظهر عندها، فلا يكون شيء في الكون إلا بخلق الله تعالى وقدره، ومثال ذلك، أنّ الله تعالى خلق النار، وخلق الإحراق عند ملامسة النار للشيء، وأنّه ليس للنار قوة ذاتية على الإحراق لأنه لا يوجد في الوجود كله من يملك القوة الذاتية على الفعل إلا الله، وإنما الجميع خلق الله، والإحراق الذي يحدث عند ملامسة النار ليس من النار، وإنما بما خلقه الله تعالى من الإحراق عند لمس النار، وكما هو واضح أنّ كلا القولين يلتقي عند مبدأ أصيل واحد يتمثل في توحيد الأفعال لله وحده، وأنه لا يكون في الكون إلا ما شاء الله، وليس في الكون شيء يخرج عن خلق الله تعالى، وقدره الذي قدره للجميع، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاء الله.
[المفتاح السادس]: مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله؟: الاجابة لها شقان: (الشق الأول): الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) أهـ([2]) .
فالخير والشر مقدران على العباد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
و(الشق الثاني للإجابة): نظرية الكسب التي وردت في القرآن وهي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]، وقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17]،.
عند التوفيق بين آيات الكسب، وآيات توحيد الأفعال، والتي منها: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الأفعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، و (الكسب) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال، إذن الكسب هو الاختيار، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه، فبفضل الله تعالى وتوفيقه، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، هذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر.
[المفتاح السابع]: الكسب من القدر، وفي القدر أسرار تتعلق بالربوبية، لا يحق للعبيد تتبعها ولا السؤال عنها، فمن طلب في القدر ما وراء ما ذكرت من معاني الكسب، فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه.
[المفتاح الثامن]:أهل السنة والجماعة ينصون على أن للعبد كسب بلا خلق لعمله ولا جبر عليه، وكل إنسان منصف يعرف الفرق بين الأفعال الجبرية كضربات القلب ونبضات الدم، وبين الافعال الاختيارية كأداء الصلاة أو تركها، وأهل السنة يصرحون بعدم الجبر، ردا على الجبرية، ويصرحون بعدم الخلق ردا على القدرية الذين زعموا أنّ الإنسان خالق لعمله، و أهل السنة والجماعة يقولون: أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].
فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وبها يبطل مذهب الجبرية القائم على أساس إنكار القدرة الحادثة، ويصبح التكليف لا معنى له في غياب إرادة وقدرة الانسان على الفعل، كما يسقط مذهب المعتزلة الذي يجعل العبد مخترعا لأفعاله ضدا على أصل التوحيد الذي يجعل الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية في خلق الأفعال، وأهل السنّة والجماعة عند إقراراهم لمبدأ الكسب حققوا من خلاله مقصدين عقديين عظيمين: (الأول): إثبات اختيار العبد ومسؤوليته عن الأفعال الاختيارية، و(الثاني): الحفاظ على جوهر التوحيد وعدم جرحه كما فعل التيار الاعتزالي من قبل، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.
***