الباب السادس الفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة والجماعة وأصول الضلال عندها
ويتناول تلك المباحث:
(المبحث الأول): ظهور الفرق الضالة وتمايز أهل السنّة والجماعة عنها.
(المبحث الثاني ) أصول الفرق الضالة علي مر عصور الإسلام.
(1) أصول البدع عند الخوارج. (2) أصول البدع الضالة عند النواصب. (3) أصول البدع الضالة عند المعتزلة. (4) أصول البدع الضالة عند المرجئة. (5) أصول البدع الضالة عند الجهمية. (6) أصول البدع الضالة عند الشيعة، (7) أصول البدع الضالة عند الحشوية والمجسمة والمشبهة. (8) أصول البدع الضالة عند التيمية والوهابية.
المبحث الثالث: الإمامية الصفوية المعاصرة.
المبحث الرابع: الوهابية التيمية وبدع الحشو.
***
المبحث الأول: ظهور الفرق الضالة وتمايز أهل السنّة والجماعة عنها.
(تنبيه): ذكرت هذه الفرق بالتفصيل في الكتاب السادس مفاتيح علم الانتساب إلى الجماعة الناجية وبيان مخالفيهم في الباب الثالث منه (الفرق الضالة عن منهاج أهل السنّة والجماعة وأصول الضلال عندها) ولذلك اقتصر هاهنا على ذكر اهم المفاتيح والله المستعان،
[المفتاح الاول]: ظهور الفرق الإسلامية أمر مقدر: فقد ورد الخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ومن تلك الروايات: (الرواية الأولى): عن أبي هريرة – رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([1]). (الرواية الثانية): عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي “([2]).و(الرواية الثالثة): عن معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([3]).
[المفتاح الثاني]: قصة بداية ظهور الفرق الضالة: شاءت حكمة الله تعالى أن تضطرم الفتنة على آخر عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وتولي كبرها وإثمها غوغاء الأمصار وصفاؤهم، وأدت تلك الفتنة إلى مقتل الخلفة الراشد عثمان رضي الله عنه مظلوما شهيدا مبشرا بالشهادة وبالجنة، واتجهت الأنظار بعد مقتله رضي الله عنه إلى الأمام علي رضي الله عنه، وبويع بالخلافة ليصبح رابع الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالعض بالنواجذ على سننهم، ولم تهدأ الفتنة بعد مبايعة الإمام علي بالخلافة إذ سيطر الغوغاء والسفهاء على جيشه ولم يستطع أن يقتص لدم عثمان رضي الله عنه، فطالبه الصحابيان المبشران بالجنة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما بدم عثمان وخرجا إلى البصرة مخالفين له فخرج إلى البصرة وقابلهما وتكلم معهما فرجعا عن خلافهما معه وخرجا من عنده راضيين، إلا أن الغوغاء والسفهاء قتلوهما غدرا وغيلة مخافة أن يجتمع أمر الصحابة جميعا على القصاص لدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله وهم قتلته، وكانت قد خرجت مع طلحة والزبير رضي الله عنهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقصد الإصلاح بين الناس، ولكن بعد مقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما غلبها السفهاء والغوغاء على رأيها وخالفوا أمرها وقاتلوا جيش الإمام علي رضي الله عنه ظنا أنه هو الذي أمر بقتلهما، وكان من موقعة الجمل ما كان، ولولا سفهاء الطرفين ممن لا خلاق لهم ما كانت فتنة ولا قتال، ولما اختلف صحابي مع أخيه فضلا عن قتاله، ثم ما كادت تهدأ تلك الفتنة حتى تجددت المطالبة بدم الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وكان الصحابي معاوية بن أبي سفيان هو المطالب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه هذه المرة، وذلك لقرابته من الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، والامام علي رضي الله عنه آنذاك لم يستتب له أمر جيشه وذلك لكثرة الغوغاء والسفهاء فيه فكان يريد المهلة حتى يستتب له الأمر ثم يأخذ بدم عثمان، ولكن معاوية لم يمهله وأصر على طلبه لدم الخليفة عثمان رضي الله عنه وقد كان له وجه اجتهاد ولكنه اجتهاد خاطئ وبغي على الإمام الحق، والحق كان مع وكان أقرب إلى الخليفة الرابع الراشد علي رضي الله عنه، وظل الخلاف حتى كانت موقعة صفين وكان فيها ما كان، وأدنى الطائفتين وأقربهما إلى الحق طائفة الإمام الراشد على رضي الله عنه، والبغي من نصيب الطائفة الأخرى، وللصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم حُرمة عظيمة، لا يتعداها إلا جريء ضال، وجميعهم أكابر وأخطاؤهم مغمورة في بحر حسناتهم، ولا يحق لمن جاء بعدهم إلا ما جاء في قوله تعالى – بعد ذكر فضائل المهاجرين والأنصار -: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وهكذا وجدنا الإمام علي رضي الله عنه بين تأديب السفهاء والقصاص لدم عثمان رضي الله عنه وبين المطالبين بدم الإمام عثمان رضي الله عنه، وهو أشد ما يكون حرصا على وحدة الأمة ووحدة صفوفها، فإذا بالفتنة الحقيقية تطل برأسها متمثلة في ظهور (الخوارج) وخروجهم عليه، وكانت أول فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الخوارج انتقصوا من الإمام علي وكفروه وخرجوا عليه بعد (صفين) محققين ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من خروج هؤلاء الضالين الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وقاتلهم الإمام علي رضي الله عنه وسن للأمة من بعده إحكام التعامل مع هؤلاء، وبحمد الله تعالى قتل الكثير منهم وتحققت على يديه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى النقيض من هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه ظهر (الروافض) وكانوا بمثابة ثاني فتق في ثياب الإسلام لا يرفأ، وهؤلاء الروافض غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، حيث قدموه على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تقديم تنقيص لهما واتهام لهما بظلمه وسلب الخلافة منه وهو الأحق بها، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، ومن ساعتها بدأ تمايز أهل الطائفة الظاهرة المنصورة والفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، واجتماعهم على تقديم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان على الخليفة الراشد علي، والترضي عنهم جميعا، رضي الله عنهم وأرضاهم، وذلك في مقابل الشيعة الذين خالفوا هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والذين قدموا الإمام علي رضي الله عنه على الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا، تقديم تنقيص واتهام لهما بسلبه حقه، مخالفين بذلك إجماع الصحابة على تقديم الشيخين واتفاقهم على تقديم الخليفة الراشد عثمان على الخليفة الراشد علي رضي الله عنهم جميعا، ثم لم يكتف هؤلاء الضالة بذلك، حتى وقعوا في الصحابة وسفهوهم، ثم آل بهم الغلو إلى تكفير الصحابة والحكم بردتهم جميعا إلا قليلا، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق ولزومهم طاعة أولي الأمر وأئمة المسلمين وخلفائهم وحكامهم ما كانوا على الإسلام وأقاموا شرع الله تعالى، وتحريم الخروج عليهم بالسيف إلا لكفر بواح للمسلمين فيه من الله تعالى، وذلك في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي رضي الله عنه وقتلوه واستحلوا دماء المسلمين وأعراضهم من خلفه،
[المفتاح الثالث]: تمايز السواد الأعظم أهل السنّة والجماعة عن الفرق الضالة: إنّ بداية ظهور وترسيخ هذا القب (أهل السنة والجماعة)، كان مقترنا مع تصالح سيد شباب أهل الجنّة الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية رضي الله عنه، وتنازله بالخلافة له، حتى يصلح بين المسلمين ويجمع كلمتهم، ومن ساعتها بدأ تمايز (أهل السنة والجماعة) الذي تمسكوا بالسنة في مقابل الروافض الذين تمسكوا بالبدعة والضلالة، والخوارج الذين تمسكوا بالبغي والعصيان والخروج والفرقة، ومع اجتماع أهل الحق الخالص (أهل السنة والجماعة) ظل الخوارج والروافض تتجارى بهم الأهواء والبدع والضلالات، وهم على قلتهم كما تمادى بهم زمان اختلفوا وانقسموا فيما بينهم إلى فرق داخل الفرق وأهواء داخل الأهواء كلها يخالف بعضه بعضا ويرميها بالكفر والمروق من الدين، وهذا شأن أهل البدعة والضلالة والباطل وصدق الله تعالى حيث يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، فشأن الحق أهله مجتمعون عليه، وشأنه الباطل أهله منقسمون عليه متنازعون فيه والله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الانعام: 159]، فالخوارج انقسموا إلى قريب من عشرين فرقه كلها يكفر بعضها بعضا وسائر المسلمين، والشيعة انقسموا فيما بينهم إلى قريب من ثلاثمائة فرقة لكل مقال يخالف بعضها بعضا ويرميها بالكفر والضلال، ولم ينته الأمر إلى ظهور الخوارج والروافض.
فقد امتد الزمان ببعض الصحابة حتى ظهرت (القدرية)، وانقسموا بعد ذلك إلى فرق ضالة تكفر بعضها بعضا، وعلى النقيض منهم ظهر الجهمية الجبرية وفتحوا بابا عريضا نحو الانحلال والزندقة والاحتجاج على الله تعالى بالمعاصي، وعلى النقيض من الخوارج ظهر المرجئة كرد فعل لتكفيرهم وغلوهم فأخرجوا الأعمال عن الإيمان وجعلوه إيمان العصاة كإيمان الملائكة وفتحوا بابا عريضا أيضا نحو التفسخ والانحلال والاستهانة بالمعاصي والذنوب.
، وظهرت فرقتان متناقضتان كلاهما خبيث الطوية، وهما (المعتزلة) و(المجسمة)، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، فتحكموا في نصوص الشرع بأهوائهم، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، واستدلوا بالضعيف والموضوع، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار.
وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى وحق أنبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي المدرسة (الأثرية)، وعليها الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة (الأشعرية)، وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة (الماتريدية)، وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال،.
وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، وبمرور العصور توالت ظهور الفرق الضالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستبلغ اثنتين وسبعين فرقة، وظل أهل الحق خالص (أهل السنة والجماعة) على الحق مجتمعون وبالسنة متمسكون فكانوا على مر العصور الطائفة المنصورة والجماعة الناجية فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن أن جعلنا في زمرة أهل الحق بعيدين كل البعد عن أهل الأهواء والبدع والضلالات، وأهل البغي والغلو والخروج والعدوان والفرقة.
المبحث الثاني: أصول الفرق الضالة على مر عصور الإسلام
أصول الفرق الضالة على مر عصور الإسلام، الخوارج وبدع الخروج والنواصب وبدع النصب والبغض لآل البيت، والشيعة وبدع التشيع والرفض، والمعتزلة وبدع الاعتزال، والجهمية وبدع الجبر والتجهم والمرجئة وبدع الارجاء والمجسمة وبدع التجسيم والحشوية وبدع الحشو ومحاربة اهل التخصص العلمي الإسلامي، والتيمية وبدع التيميين وآخرا الوهابية وبدع الوهابية.
[المفتاح الأول]: الفرقة الأولى: (الخوارج) ويمكن تعريفهم بتعرفين هما الأشهر: (الأول): أنهم هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وقاتلهم ولذا سموا خوارج، و(الثاني): كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيًّا، سواءً كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو غيرهم من التابعين لهم بإحسان، وقد بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن إنما خط مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة.
وأهم أصول الضلال عند الخوارج:
(أ) غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه.
(ب) غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد.
(ت) غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم.
(ث) يقولون بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله، (ج) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم، يمرقون من الدين بأدنى شبهة، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار، ومن أمثلة هؤلاء في زماننا الخوارج المعروفون باسم الدواعش نسأل الله السلامة والهداية.
[المفتاح الثاني]: الفرقة الثانية: (النواصب): قوم يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحدا منهم أو يبغضون أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه على وجه الخصوص، جاء في لسان العرب: (النواصب قوم يتدينون ببغض علي عليه السلام) ([4]) .
وقال ابن حجر: (والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرءوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم) ([5]) . وقال الذهبي: من تعرض للإمام علي بذم فهو ناصبي يعزر فإن كفره فهو خارجي مارق بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم ونكف عما شجر بينهم) ([6]) .
والنواصب فرقة ظهرت في بدايات العصر الإسلامي: كانت تبغض آل البيت أو أفرادا منهم كالإمام علي رضي الله عنه، او الحسين رضي الله عنه، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيهم كل مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ: وهم: ذريته، من أبناء الحسن والحسن، وأزواجه أمهات المؤمنين، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم، وهذه الفرقة كانت تفسق الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتشكّك في أفضليته، وكانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة لنفسه، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من الصحابة والتابعين في الجمل وصفين، ومنهم من يقول بأنّه شارك في دم عثمان، ومنهم من يقول: أنه رضى بقتله وفرح بذلك، ومنهم من يقول أنه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ومنهم من يقول أنّ الحسين رضي الله عنه خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([7]) .
وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، والفرق بين الخوارج والنواصب، أنّ النواصب والخوارج كليهما اشتركوا في مناصبة علي العداء، ولكن النواصب يفسقون الإمام علي رضي الله عنه، أما الخوارج فيكفرون الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك فإن النواصب يقبلون عثمان أما الخوارج فيكفرونه، وأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الإسلام، ويتبرؤون من طريقة الخوارج الذين يكفرون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طريقة النواصب الذين يفسقون آل البيت ويؤذون آل البيت بقول أو عمل، وأهل السنة والجماعة ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وأهل السنة والجماعة يمسكون عما شجر بين الصحابة اجلالا لقدرهم وحفظا لفضلهم وحفظا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، ومعلوم لكل مسلم أنّ : حب آل البيت إيمان، وبغضهم نصب ونفاق: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([8]) . وتكرار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر والتأكيد عليه، هو بمثابة اعلان للأمة الإسلامية أن الواجب عليها أن تقدر أهل البيت وأن تنزلهم منازلهم التي أنزلهم إياها القرآن والسنّة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين ناصبوا للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه العداوة، وعلامة هؤلاء أنّهم كانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين في الجمل وصفين، وأنّه لم يكن مقصده تأليف المسلمين وربطهم بإمام واحد، ومن علاماتهم أنّهم يقولون أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه شارك في دم عثمان، أو من يقول: أنه رضى بقتله وفرح بذلك، أو من يقول أنه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ولا شك أن قولهم في هذا كله قول باطل، ولنا ما جاء في (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، أنه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([9]) .
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين يبغضون الحسن والحسين رضي الله عنهما، والذين نالوا من سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما، فقالوا: إن الحسين بن علي خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) فإن الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسلهما إلى يوم القيامة هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحب الحسن والحسين من علامات الإيمان، ولنا ما جاء الصحيحين عن البراء رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) ([10]) .
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد الروافض النواصب الذين يبغضون أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن وأرضاهن، فكل من سبهن او سب إحداهن فهو ناصبي نجس، أمّا اتهام الطاهرة المطهرة الصديقة التي طهرها القرآن الكريم من الفاحشة فهذا كفر وتكذيب للقرآن، والروافض الانجاس بعضهم يتهم الصديقة بنت الصديق بالفاحشة: ففي تفسير القمي أصل تفاسيرهم المعتمدة هذه الرواية:(قال علي بن إبراهيم في قوله (وضرب الله مثلاً) ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله، مثلاً فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) قال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل له أن تخرجين – كذا – من غير محرم فزوجت نفسها من فلان) ([11]) . وكما ترى أن النص ليس فيه تصريح بالأسماء على عادة القوم من التدليس، ولكن في وجود الدولة الرافضية قلت التقيه فصرح عالمهم المجلسي بالأسماء فقال: (وليقيمن الحد أي القائم عليه السلام عند الرجعة وفلانة هي عائشة، وفلان هو طلحة بن عبد الله) ([12]) .
وحتى أن عالمهم المجلسي عقد باباً مستقلاً في بحار الأنوار لأحوال أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة – رضي الله عنهما – ذكر فيه سبع عشرة رواية من الإفك المبين تؤذي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أهل بيته وأقرب الناس إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” أجمع أهل العلم قاطبة قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ” أهـ ([13]) .
فمن قذف أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة رضي الله عنها، بما برأها الله منه، وهي فاحشة الزنا، فهو كافرٌ بإجماع المسلمين، لأنه مكذب لكتاب الله، إذ إن الله سبحانه وتعالى برَّأها من ذلك في كتابه الكريم في سورة النور وجعل اتهامها بالفاحشة إفكا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فالقرآن الكريم جعل اتهامها افكا، وكتب لها البراءة {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}، وذكر أنّ {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، وليس أطيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس أطيب من زوجاته أمهات المؤمنين، فالله يقول هي بريئة، والقاذف لها يقول هي زانية، فيكون مكذِّباً لكلام الله، فهذا كافر مرتد عن دين الله، فمن قذفها بما برَّأها الله منه وهو الزنا، فقد كفر بالله العظيم، قال النووي في شرح صحيح مسلم (براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان – والعياذ بالله – صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا إكرام من الله تعالى لهم) انتهى،([14]) .
وقال ابن تيمية في الصارم المسلول : (فأما من سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال القاضي أبو يعلى: “من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف”، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم) انتهى([15]) .
[المفتاح الثالث]: الفرقة الثالثة: (المعتزلة): والمعتزلة اسم يطلق على فرقة ضالة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة (105 هـ وسنة 110 هـ)، وكان بداية ظهورها على يد واصل ابن عطاء (80 هـ – 131 هـ).
وأصول الضلال عند المعتزلة خمسة، يظنون أنها من أصول الحق الخمسة وهي في حقيقتها أصول الضلال عند المعتزلة:
[الأصل الأول]: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي، وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي جميع صفات الله تعالى: من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ووصلوا إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني] يسمونه العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى: فوقعوا في وصفه – سبحانه – بالعجز، ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد هم الخالقون لها والمحدثون لها، ويرون أن من قال: أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى: الجور والظلم، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح، ويرون أن الله عز وجل يجب عليه أبدا فعل الأصلح لأنه إذا لم يفعل ذلك كان ظلماً للعباد ونقصاً لما فيه صلاحهم وخلافاً للحكمة التي يجب أن يتصف بهــا، ومعتقد أهل السنّة أنه لا يجب على الله تعالى شيء، أراد المعتزلة نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فوصفوا الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة.
[الأصل الثالث]: يسمونه الوعد والوعيد: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومفاده أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد لا محالة ولا يجوز عليه الخلف وإلا كان كذباً لا ينبغي أن يوصف به الله عز وجل – وهذا حتى الآن لا غبار عليه به قول أهل السنّة والجماعة-، ولكنهم يرتبون على ذلك أن الوعد بالثواب هو بطريق الاستحقاق وأن العبد مستحق لذلك الثواب وليس هو من باب الفضل والتفضل، وهم بذلك مخالفون لأهل السنّة والجماعة، لأن أهل السنّة يرون أن هذا محض فضل الله تعالى: على عباده المطيعين لأنه سبحانه هو الذي يسر لهم الطاعة ونعمه عليهم تكافئ الطاعة وتزيد عليها فأي حق لهم سوى فضل الله عز وجل عليهم بدليل قول أهل الجنة {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ،} [فاطر: 35] فالجنة إنما يحل فيها أهلها بفضل الله، ويصدق هذه الآية الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) ([16]) .فدخول الجنة محض فضل تفضل الله به على أهل طاعته، ولكنه محض فضل منّ الله عز وجل به من حلمه وعفوه ومغفرته وسعة رحمته وعظيم صفاته، هذا هو فهم أهل السنّة والجماعة لمسائل الوعد، وشتان بين الذي يقول أن دخول الجنة للمطيعين واجب على الله لاستحقاق المطيع ذلك بطاعته كما يقول المعتزلة وبين من يقول أنه محض فضل الله به ومن كمال رحمته تفضل بذلك الفضل على المؤمنين، وهو قول السنة، أما مسألة الوعيد، فإن المعتزلة أتوا فيها بما يضحك الثكلى فقالوا: كما أن الوفـاء بالوعد واجب على الله، كذلك الوعيد فإنه واجب على الله أن يوفي بوعيده، والوعيد معناه كل خبر يتضمن إيصال العقوبة والضرر والعقاب والعذاب إلى الغير مستقبلاً، وعلى ذلك فمن توعده الله بالعذاب أو النار فإنه لا يعفو عنه ولكن يعذبه ويوفي بوعيده وإلا تضمن خطاب الله عز وجل خلف الوعيد وبناءً على هذا الأصل الضال بنوا بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار خلود الكافرين، مع أتفاق العقلاء على انّ الكريم إذا وعد وفى وإذا اوعد عفا.
[الأصل الرابع]: يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين، والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم، وهذا وحده كاف في بيان ضلال ما ذهبوا إليه، إذ ديننا الحنيف مبني على الاتباع لا الاختراع والابتداع لا سيما في مسائل الاعتقاد التي تتعلق بها اسم الملة وأحكامها. [الأصل الخامس]: يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين، وأهل السنّة والجماعة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية منها أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا كان يعقبه منكر أكبر منه، وكذلك فإن حد إنكار المنكر هو تغييره باليد دون استعمال السيف، والسيف عندهم لا يستعمل إلا بضوابط عديدة تضمن صحة تغيير المنكر وإلا فتركه أولى من تغييره، والمعتزلة لا يفرقون في قتالهم بين الفاسق والكافر بخلاف أهل السنّة فإنهم يفرقون بين الفاسق والكافر، بل ويجعلوه في إطار الإسلام ما كان فسوقه لم يخرجه من إطار الملة إلى الكفر بناقض ينقض أصل إيمانه.[المفتاح الرابع]: الفرقة الرابعة: (المرجئة): و(الإرجاء): في الاصطلاح: هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و (المرجئة): لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة)، وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام، وأهل السنّة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب، أما أهل السنّة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار، ويمكثون في النار ما شاء الله، ويقولون غمسة في النار لا تساويها الدنيا بأسرها بنعيمها ولذاتها، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين، وغالب فرق الإرجاء ينفون وجود مكفرات من الأعمال، فسب الله عندهم ليس بكفر إلا إن صاحبه استحلال، وكذلك قتال الأنبياء وقتلهم والسجود للأصنام وإلقاء المصاحف في الحشوش، فيقولون ليست هذه الأعمال كفراً حتى يصاحبها استحلال، وليست كذلك عند أهل السنّة لأنهم يقولون إنها لا تصدر إلا مع انتفاء عمل القلب من الانقياد والتعظيم ولا تصدر بقصد إلا من كافر، ولا يلزم معها استحلال لأنها ملازم لها لا ينفك عنها بحال، ومن مقالاتهم الشنيعة: قولهم (من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة) ([17]).وقولهم ” لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة “وقولهم ” ما دون الشرك مغفور لا محالة وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات “([18]).
وقولهم ” إن الله لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة ” أهـ([19]). وقولهم ” لا يدخل النار إلا الكفار فحسب ” ([20]). وقولهم ” من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة إذا مات وإن زنى وإن سرق وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقراً بها لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش ” ([21]).
ومقصدهم من ذلك عدم دخول النار ابتداءً فالنار محرمة عليهم ولا تمس أجسادهم قط، ” قلت ” وبعد جمع أقوالهم الشنيعة في الإيمان أرجو أن تكون الصورة قد اكتملت تجاه هؤلاء الذين يهدرون تماماً قيمة عمل الجارحة وقيمة الطاعة ويستخفون تماماً بالمعاصي والآثام والذنوب وهم مع ذلك يجزمون لأنفسهم بكمال الإيمان فنعوذ بالله من البدعة والضلالة.
[المفتاح الخامس]: الفرقة الخامسة: (الجهمية): هم أتباع الجهم بن صفوان وهو ضال مبتدع قال عنه الذهبي ” هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ” أهـ([22]).وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ” ذكر قول الجهمية ما تفرد به جهم: الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله – سبحانه ! – إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتل ” جهم ” بمرو، قتله مسلم بن أحوز المازني في آخر ملك بن أمية ويحكي عنه أنه كان يقول: لا أقول إن الله – سبحانه! – شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول: إن علم الله – سبحانه ! – محدث، فيما يحكي عنه، ويقول بخلق القرآن، وأنه لا يقال: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون ” أهـ ـ([23]).
ويمكن تلخيص أهم ضلالات الجهمية في هذه الأصول الضالة: (الأصل الأول): تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل، و(الأصل الثاني): القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر، و (الأصل الثالث): القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة، و (الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، و(الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى: وعذاب القبر.
فأما الأصل الأول: (تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته) فحجتهم فيه أن وصف الله تعالى: بصفات موجودة في المخلوق توجب التشبيه فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى، ومن هذا الباب عطلوا جميع الصفات دون استثناء وذلك لأن الإنسان وهو مخلوق موصوف بالحياة والعلم والسمع والبصر والكلام وغيرها من الصفات، وقد تقدم الرد على ضلالاتهم في الكتاب الأول، مفاتيح علم التقديس، وأما الأصل الثاني (قولهم بالجبر) فحجتهم فيه أنهم يثبتون لله عز وجل القدرة التامة وأن إثبات القدرة التامة يستلزم الجبر في أعمال الإنسان وأنه مجبور على عمله لا خيار له فيه وعمله بمثابة طوله ولونه وبمثابة حركة الجمادات والنباتات، وأي عاقل سمع كلامهم هذا علم أنه إذا عوقب الإنسان على عمله الرديء وهو لا دخل له فيه البته أن هذا ظلم يتنزه الله تعالى: عنه، فكأنهم إذا جاءتهم الشبهة من باب القدرة نسبوا إلى الله تعالى: الظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأهل السنّة يقولون أن للإنسان مشيئة وإرادة واختيار، وكل منا يعلم من نفسه ذلك، فهل القيام بعمل من أعمال الطاعة أو المعصية يشبه رعشة العضلات اللاإرادية أو دقات القلب اللاإرادية دون دخل من الإنسان هذا لا يقوله منصف ولا عاقل، ولكن إرادة الإنسان واختياره داخل ضمن تقدير الله ومشيئته وإرادته، ويجمع الأمرين قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] فأثبت القرآن الكريم المشيئتين بصورة نؤمن بها تثبت لله القدرة التامة والعدل التام والمسئولية الكاملة للإنسان على أفعاله وتصرفات، ثم الجهمية يدخلون من باب الجبر إلى الاحتجاج على الله عز وجل بالمعاصي والذنوب لأنهم يقولون إذا كان الإنسان مجبوراً على عمله فما ذنب ارتكابه الكبائر وهو مجبور عليها، ويلزمهم في ذلك أنه ما ذنب الكافر في وقوعه في الكفر وهنا ينفرط عقد الإيمان بل عقد الملة بأسرها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما الأصل الثالث: (ضلالهم في مسائل الإيمان والكفر): فالجهميـة من أشـد الفرق ضلالاً وتفريطاً في حق مسائل الإيمان والكفر، وذلك بانهم قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله فقط ومن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، والكفر هو الجهل بالله فقط، ومن أتى بالمعرفة القلبية فهو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بالمعرفة والإقرار فلا يضره شيء البتة كما لا ينفع مع الكفر طاعة البتة، وقد مر بنا فيما مضى ضلال تلك الأصول بما يغني عن الرد عليها، والله المستعان.
وأما(الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار، فإنّه قد دلت الآيات على بقاء الجنّة والنار، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وأما (الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى وعذاب القبر، فهذا من الضلال المتعلق بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد فيما لا تعارضه أدلة النقل والعقل، ولا يُخالف قواعد التقديس.
[المفتاح السادس]: الفرقة السادسة: (الشيعة): في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه، بدأ ظهور الرفض في شيعة الإمام علي رضي الله عنه متمثلا في جماعة عبد الله بن سبأ، وهؤلاء (السبئية) – على النقيض من الخوارج – غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، وكان كل واحد من الحزبين يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين، وتم الصلح وسمي هذا العام عام الجماعة، ولكن التشيع بعددها بدأ يأخذ منحنى عقدي ظهر فيه تأثير جماعة عبد الله بن سبأ اليهودي، وأدخل إلى التشيع عقائد غريبة عن الإسلام شيئا فشيئا حتى استقر للشيعة ثلاث مذاهب أقربها إلى أهل السنّة والجماعة الزيدية، وأبعدها الباطنية الإسماعيلية، فهم على عقائد مكفرة تٌخرج اكثرهم من الإسلام، والفرقة الثالثة وهي الإمامية، والتي بفعل السبأيين اتباع ابن سبأ كالكليني والمفيد والكذوب وغيرهم اقتربت من الإسماعيلية ودخلت الإمامية في مكفرات خطيرة لا سيما بعد تبني الدولة الصفوية لها، وزاد الطين بلة وصول الخميني المغالي في الصفوية إلى سدة الحكم في ايران وتبني المذهب المتطرف من الإمامية، وللتاريخ فإنّ الكليني والمفيد وأعلام الإمامية الذين أسسوا للفرقة الإمامية وألفوا فيه الكتب والمجلدات فإنهم جميعا من أعلام السبئية، ومن أتباع الزنديق عبد الله بن سبأ اليهودي المتأسلم، الذي فعل في الإسلام ما فعل أخوه بولس اليهودي في النصرانية، والملاحظ: أنّ المذهب الشيعي غير ثابت، ومن طبيعته أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين فإنه قد يصبح اليوم من ضرورات المذهب، والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق الشيعية، ولكن من الملاحظ أنّ الفرقة الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى.
[1] انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، الزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثني عشرية، و(الزيدية): أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنّة والجماعة، و(الإسماعيلية): أبعد القوم عن دين الإسلام واكثرهم باطنية خرجوا عن الملة الإسلامية بمكفر من المكفرات، ولذلك عدهم كثير ممن تكلم في فرق المسلمين انهم ليسوا مسلمين، ولا يُعدون من الفرق الإسلامية الضالة أصلا، و(الإمامية) هي أكبر هذه الطوائف الشيعية اليوم عددا، اختلف علماء المسلمين في تقييمهم اشد الاختلاف وذلك لعقيدة غامضة عندهم سموها التقية فيخفون بها ما يبطنون ويظهرون بها خلاف ما يعتقدون فالله أعلم بحالهم ومآلهم لنا الظاهر أنّهم مسلمون ما لم يأت أحدهم بكفر بواح لنا فيه عند الله برهان.
[2] الفرقة الأولى من فرق التشيع:[الزيدية]: (الزيدية): هم من أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنّة والجماعة، حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف والغلو الذي هو سمة الشيعة الإمامية، ولولا الاعتزال الذي اعتقدوه لكانوا أقرب الناس قاطبة إلى أهل السنّة والجماعة، وتنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (80 – 122 هـ) كان تقيّا شجاعا، وقد اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على الإمام زيد وأخذ منه بعض العلم والفقه.
[الأفـــكار والمعتقــدات]: (1) الزيدية يُجيزون الإِمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحسين، (2) الإِمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها، (3) لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مستوراً إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإِمامة، (4) يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين، (5) تقول الزيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها، (6) معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، (7) يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالذات والصفات، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة ولكنه غير مخلد في النار إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، (8) وهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً، (9) ويخالفون الشيعة الإمامية في زواج المتعة ويستنكرونه، (10) هم متفقون مع السنّة بشكل كبير في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع من مثالها: يقولون “حي على خير العمل” في الأذان، وصلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات، ويرسلون أيديهم في الصلاة، وصلاة العيد تصح فرادى وجماعة، ويحكمون ببطلان الصلاة خلف الفاجر، ويرون أنّ تقليد أهل البيت أولى من غيرهم، ويقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، ولا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله الإمامية والإسماعيلية.
[تأثر الزيدية بالمعتزلة]: انعكست اعتزالية واصل بن عطاء على الزيدية وظهر هذا جلياً في اقرارهم بالأصول الخمسة لدى المعتزلة، وقد تقدم ذكرها، [تأثر الزيدية بقيام الثورة الإمامية بإيران]: جدير بالقول أن الزيدية ظلت لسنوات طويلة زيدية صرفة يحارب أئمتها التشيع والرفض، إلا أن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 شكل خطرا على الاعتدال الزيدي، خاصة وأن إيران مدّت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة الرافضية ونشر الرفض في العالم ومنه اليمن، وصارت الكثير من الهيئات والمؤسسات الزيدية تنحى منحى إمامياً اثنى عشرياً، لاسيما الجارودية أتباع الحوثي، وصاروا يقلدون الروافض الإمامية بإحياء مناسباتهم ومجالسهم مثل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء وفاة بعض الأئمة مثل جعفر الصادق ومحمد الباقر وعلي زين العابدين، واتخاذ بعضهم جبلاً في مدينة صعدة أسموه (معاوية) يخرجون إليه في يوم عاشوراء ويطلقون عليه نيران أسلحتهم، والاحتفال بيوم الغدير، مما يثير الشك في تحولهم تماما إلى المذهب الرافضي الذي كانوا بالأمس يرفضونه ويلعنون متبعيه.
[3] الفرقة الثانية من فرق التشيع: [الإسماعيلية]: (الإسماعيلية): فرقة باطنية، انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الزيدية والاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا، ومن فرق الإسماعيلية: الإسماعيلية القرامطية، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية النصيريون، والاسماعيلية الدروز.
[الأفكار والمعتقدات التي تكاد تجمع الإسماعيلية]: (1) ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، (2) العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم، (3) من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، (4) يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خُمس ما يكسبون، (5) يؤمنون بالتقية والسرية ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث، (6) الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، (7) الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو باطن مستور فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، (8) يقولون بالتناسخ، والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعاً ووارث كل من سبقه من الأئمة، (9) ينكرون صفات الله أو يكادون لأن الله ـ في نظرهم ـ فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين، ليس بالقديم وليس بالمحدث فالقديم أمره وكلمته والحديث خلقه وفطرته، و(الإسماعيلية) في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية ولكنها غلت في أئمتها أشد من غلو الرافضة، وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن بلغت حد الغلو المخرج من ملة الإسلام حتى اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ واستحلال ما حرّم الله.
ومن أبرز الفرق الإسماعيلية الباطنية: [(أ) الإسماعيلية القرامطة]: والقرامطة من غلاة الإسماعيلية، ومن شخصياتهم: عبد الله بن ميمون القداح: (260ه)، وحمدان قرمط بن الأشعث (278ه)، وأحمد بن القاسم: الذي بطش بقوافل التجار والحجاج، والحسن بن بهرام (أبو سعيد الجنابي): ظهر في البحرين ويعتبر مؤسس دولة القرامطة، وابنه سليمان بن الحسن بن بهرام (أبو طاهر): حكم ثلاثين سنة، وفي عهده هاجم الكعبة المشرفة سنة 319ه، ونهب هو وأصحابه الحجاج وقتلوهم في المسجد الحرام، وقلع باب البيت، وقبة زمزم والحجر الأسود، وأخذ كسوة الكعبة ففرقها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة وأقام الخطبة في مكة لعبيد الله المهدي بدلاً من الخليفة العباسي المقتدر ثم عاد إلى الأحساء سارقا الحجر الأسود، وبقي عنده لأكثر من عشرين سنة.
[(ب) الإسماعيلية الفاطمية (العبيدية)]: قامت الدولة العبيدية الفاطمية على أساس الدعوة الشيعية في ظروف غامضة، والإسماعيلية الفاطمية مرت بعدة أدوار: (أ) دور الستر: من موت إسماعيل سنة 143 هـ إلى ظهور عبيد الله المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرية، (ب) بداية الظهور: يبدأ الظهور بالحسن بن حوشب الذي أسس دولة الإسماعيلية في اليمن سنة 266هـ وامتد نشاطه إلى شمال أفريقيا واكتسب شيوخ كتامة، (ت) دور الظهور: يبدأ بظهور الإمام عبيد الله الملقب بالمهدي الذي كان مقيما في سلمية بسوريا ثم هرب إلى شمال أفريقيا، وأقام هناك الدولة الباطنية (العبيدية) التي تسمت بالدولة الفاطمية، واستمرت تحكم مصر والحجاز واليمن حتى زوال دولتهم على يد المجاهد صلاح الدين الأيوبي. [(ت) الإسماعيلية الحشاشون]: ومن أبرز شخصياتهم: الحسن بن الصباح: وهو فارسي الأصل وكان يدين بالولاء للإمام المستنصر قام بالدعوة في بلاد فارس للإمام المستور ثم استولى على قلعة الموت وأسس الدولة الإسماعيلية النـزارية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين لإفراطهم في تدخين الحشيش، وكان شعار الحشاشين (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح) ووسيلتهم الاغتيال المنظم والامتناع بسلسلة من القلاع الحصينة، وهم يعتقدون أن الله لم يخلق العالم خلقاً مباشراً بل كان ذلك عن طريق العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، وقد حل العقل الكلي في إنسان هو النبي وفي الأئمة المستورين الذين يخلفونه فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر، وعنهم يقول الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: (المنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم) أهــ،([24]) . [(ث) الإسماعيلية الدروز]: فرقة إسماعيلية باطنية ادعت ألوهية الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي، يعتبرون أنفسهم منذ ألف سنة مضت في دور الستر وهم شديدو التكتم على عقائدهم، وهذه الطائفة قامت على مبادئ الإسماعيلية وزادت عليها بعض العقائد التي ميزتها كالقول بألوهية الحاكم بأمر الله ورجعته في آخر الزمان، ومن معتقداتهم (1) يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع، (2) ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة، (3) يعتقدون بأن المسيح هو داعيتهم حمزة، (4) يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة، (5) يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها، (6) حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند، (7) ولا يكون الإنسان درزياً إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص، (8) يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسدٍ أسعد أو أشقى، (9) ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويَّيْن، (10) ينكرون القرآن الكريم ويقولون أنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته، (11) يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين، (12) يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة، (13) لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة، (14) لا يقبل الدروز أحداً في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، (15) الدروز تؤمن بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد، ويعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين.[(ج) الإسماعيلية البهرة]: وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر، ومن عقائد البهرة: أنّهم لا يقيمون الصلاة في مساجد المسلمين، وظاهرهم في العقيدة يشبه عقائد سائر الفرق الإسلامية المعتدلة، أما باطنهم شيء آخر فهم يصلون ولكن صلاتهم للإمام الإسماعيلي المستور من نسل الطيب بن الآمر، وهم يذهبون إلى مكة للحج كبقية المسلمين لكنهم يقولون: إن الكعبة هي رمز على الإمام.
[(ح) الإسماعيلية (النصيرية)]: فرقة من غلاة الشيعة الباطنية، وقد أرجع أصحاب معاجم الرجال وكتب الملل والنحل المتقدمين سبب تسمية هذه الفرقة إلى محمد بن نصير ويمكن تلخيص أبرز عقائد النصيرية من خلال الجمع بين كل الكتب والمصادر التي تحدثت عنهم بالتالي: (1) حركة باطنية، لها طقوسها وديانتها وعقائدها الخاصة، والتي لا يحق للغير الاطلاع عليها ويتم تداولها بشكلٍ سريٍّ فيما بينهم، (2) هي إحدى فرق غلاة الشيعة، تعود إلى محمد بن نصير الذي كان على عهد الإمامين الهادي والعسكري، (3) جعلوا علياً إلهاً وقالوا بأن الظهور الروحاني بالجسد الفاني كظهور جبرائيل في صورة بعض الأشخاص.(4) يبيحون المحرمات وأباحوا نكاح المحارم ونكاح الرجال، ويستبيحون الزنا بنساء بعضهم لأن المرآة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها لأخيها المؤمن، (5) يؤمنون بتناسخ الأرواح، وأن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسد جديد إما إنسان آخر في حال عمل الصالح، أو حيوان جراء سلوكه الطالح، وهذا يعد يوم الحساب عندهم، (6) يزعم هؤلاء أن الولاية أعلى من النبوة، لأن الإمام المعصوم – في زعمهم- مصدر الإرادة الإلهية دون وحي أو واسطة لأنه تحت تأثير الإرادة الإلهية المباشرة، وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء النصيريين لا تجوز مناكحتهم، ولا تباح ذبائحهم، ولا يُصلى على من مات منهم ولا يدفن في مقابر المسلمين، (تنبيه): الإسماعيلية الغلاة ليسوا من أهل القبلة أصلا فلا نرى ضلالهم في الإيمان وحسب، بل هم ربما على ملة غير الإسلام نسأل الله السلامة.
[4] [الشيعة الإمامية الاثنا عشرية]: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه.
ومن عقائد الإمامية الاثني عشرية: (1) التشكيك في حفظ القرآن الكريم، (2) تكفير الصحابة إلا قليلاً منهم، (3) التشكيك في نزاهة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، (4) تكفير المسلمين إلا من كان على مثل عقيدتهم، وكل تلك الطوام يرى كثير من أهل العلم أنها مكفرات، ولكن لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر، (تنبيه): عندما تبنت الدولة الصفوية الحكم في إيران، تشددت في انتقاء الآراء لأكثر تشددا في معتقد الإمامية، حتى صارت عبئا كبيرا على الإسلام والمسلمين وحجر عثرة أمام وحدتهم وقوة بأسهم، وكانت على الإسلام وأهله أشد خطرا من الكفار الأصليين نسأل الله السلامة من الفتن، لاسيما عندما وصل الخميني إلى سدة الحكم فحاول القضاء على المد السني في العالم كله، بأنشطته التوسعية في نشر المذهب الإمامي الصفوي وأضعف أهل الإسلام بتحالفاته مع الغرب والشرق وقسم العالم الإسلامي إلى قسمين بأسهم بينهم شديد، وقد أفرت لها المبحث التالي لمعرفة معتقداتهم بعد تبني الآراء الأكثر تشددا وتطرفا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،
[المفتاح السابع]: الفرقة السابعة: (الحشوية): الحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق قديما على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم ي الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف.
[1] أبرز صفات الحشوية: الحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيين – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف.
[2] لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية: (أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف.
(ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل، فالشيعة على بدعهم، والخوارج على طوامهم يستحون من وصف الله تعالى بما يصفه به هؤلاء الأجلاف، من نسبة الجوارح والأجزاء والأبعاض إلى الله تعالى، ونسبة الحد والمقدار إلى ذات الله تعالى، ولو عقلوا أنّ المحدود لا يكون إلهاً لما تفوهوا بهذا الجرم، ويجيزون عليه سبحانه الكون في المكان والحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما.
(ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه، فأتو بلفظ (ذاته) من عند أنفسهم، وجعلوا الاستواء حسيا، مع أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس كمثل وجوده وجود، فلا يحتاج في وجوده ولا في تدبير مملكته إلى مكان ولا عرش، وهو رب العرش ورب الكون ورب المكان والزمان، والملك والملكوت، ومهما كلمتهم في ذلك لا يفهمون، ويظنون أنّك تحدثهم عن العدم، ويقولون ” لا يعقل ” وهم لا عقول لهم يظنون المحسوس هو المعقول، ولو تواضعوا للعلم لحظات على يد عالم بالأصول لفرقوا بين المحسوس والمعقول، ولعلموا أنّ وجود الله معقول وليس محسوس لأنّه سبحانه منزه عن المحسوس لأن جميع ما هو محسوس أمامنا مخلوق والله هو خالق المخلوق تنزه عن مشابهة المحسوسات.
(ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
[3] أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام: على مر عصور الإسلام ظهرت المدارس المتخصصة في كل فن وعلم من علوم الدين وانتسب إليها الآلاف من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فظهر المتخصصون في علم القرآن والقراءات والتفسير وكافة علوم القرآن التي بلغ بها السيوطي ثمانين نوعاً من علوم القرآن في كتابه: الاتقان في علوم القرآن، وظهر المتخصصون في علم الحديث، علم المتن وعلم السند وعلم مصطلح الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل، وعلم شرح الحديث وبيان معناه، وغيرها من علوم الحديث وقد بلغ بها ابن الصلاح خمسة وستين نوعا من علوم الحديث في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن الصلاح، وظهر المتخصصون في الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (مذاهب)، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام،ثم ظهرت الفرق الضالة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والمجسمة، وانتصب لها العلماء بالرد وبيان الحق، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، وبعد ظهور الأئمة الثلاث صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، و مع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، ثم عندما اتسعت الفتوحات وبدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وهو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وبعد فهذا اختصار مبسط لبيان تخصصات أهل الإسلام الذين ملئوا الدنيا علما، ويستحيل على أحد بعد ذلك أن يطرح مؤسسة واحدة على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، (ب) إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والفوضى الفكرية، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]،
[4] تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: (نصيحة): إذا أردت أن تعرف تاريخ تسلسل ظهور الحشوية فلابد من مطالعة فتاوى الشيخ ابن تيمية لأنّهم سلفه الحقيقيون الذين استند إليهم في رسم صورة العقيدة التي تبناها في ذات الله تعالى، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث في جناب ذاته، وأنه يتجدد له العلم والسمع والبصر والكلام، وأنه يتأثر بالزمان وعليه يكون الزمان فاعلا في ذاته بحيث بتجدد له علم وسمع وبصر وانه يتحرك ويسكن قياسا على الأجسام كلما تجددت الوقائع والحوادث والمخلوقات وأنه يتكلم ويسكت قياسا على الآدميين وانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وان لوازم النزول ممكنه كالحركة والسكون، وان له الوجه واليدين والعينين والقدم والساق صفات عين (ذات) بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف جناب الذات بالحد والنهاية، فوجدت أنّ سلفه في عقيدة الحشو والتجسيم بضع عشرة رجال أحدهم يجوز على الله أن يستوى على جناح بعوضة وابن تيمية لا يرى بأسا بهذا الهراء وعند التحقيق فإني أرى أن نسبة الولد إلى الله أهون من هذا الحمق والجسور على الله، فالبعوضة من أحقر الحشرات أيجوز عند أولي الألباب أن الإله جل جلاله يمكن أن يقعد على جناحها ثم تطير به فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وبعض هؤلاء يصحح رواية الشاب الأمرد ويعتقدونها، وقصة الشاب الأمرد تتمثل فيما أورده الخلال في المنتخب من العلل وأبو يعلى الفراء في ابطال التأويلات ونقله عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: (أن محمدًا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ)، وفي رواية أخرى (رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء) ويزعم الخلال وأبو يعلى أنه حديث صحيح يجب اعتقاد معناه، واستفاض القاضي أبو يعلى في شرح الحديث وانه رؤية حقيقية وليست مناما وأن الله تعالى قد خص نبيه صلى الله عليه وسلم من دون الأنبياء ونقل ابن تيمية كلامه في ذلك كله دون أن يعقب عليه بإنكار أو رفض، بل صحح الحديث الذي استدل به أبو يعلى على طوامه،([25]).
هذا مع أنّ الحديث تالف لا تجوز روايته، وقد ضعَّفه ابن الجوزي في العِلل المتناهية واستنكره الذهبي كما في سير أعلام النبلاء: وقال السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى: “موضوع مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم”، والحديث يمكن حمله على أنه رؤيا منامية ففي احدى رواياته: (رَأَيْتُ رَبِّي فِي المنام في صورة شاب مُوَقّرٍ فِي خَضِرٍ، عليه نَعْلانِ من ذهب، وَعَلَى وجهه فراش مِنْ ذهب)، وحتى هذه الرؤيا المنامية ضعفها واستنكرها جمعٌ من أهل العلم، منهم: الإمام أحمد في المنتخب من العِلل لابن قدامة، ويحيى بن معين في تاريخ بغداد للخطيب والنسائي في العِلل المتناهية لابن الجوزي وابن حبان والسبكي في (طبقات الشافعية الكبري وابن حجر في (تهذيب التهذيب السيوطي في (اللآلئ المصنوعة وقال الذهبي في “ميزان الاعتدال” ” وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحت” أهـ،([26]).
والمنام لا يبنى عليه أي اعتقاد، ويأبى القاضي إلا الإيمان به واعتقاد تفاصيله حتى صفة الجراد الذي من ذهب على حد قوله، ويزعم أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة – على حد قوله – !! فهو: (زنديق)، (معتزلي)، (جهمي)، (لا تقبل شهادته)، (لا يسلم عليه)، (لا يعاد)، فهذا هو مبلغهم من علم التقديس فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
الشاهد، فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات،:
(الأول) هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه.
(الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء.
(الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة.
(الرابع) وهو ذي أضر به أيما ضرر وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة.
(الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
(السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنّة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع.
(السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد، (الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو.
(التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر.
(العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له.
(الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وسيأتي ذكر بعض طوامهم وسبهم لله بنسبة المحال إلى جناب ذاته.
(الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[5] ابن تيمية (ت 728 هــ) ودوره في التأسيس لبدعة الحشو: كل من سبق كانوا جميعا سلف ابن تيمية في تبني عقيدة الحشو: لقد أضر مقاتل بن سليمان وهشام بن سالم وابن كرام والسجزي الدارمي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والبربهاري والهروي وابن حامد الوراق والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، لقد أضر هؤلاء بعقيدة ابن تيمية أيما ضرر، وهؤلاء هم سلف ابن تيمية، ويقينا فإنّ اطلاع ابن تيمية على مؤلفات هؤلاء واحسان ظنه فيها وهو لم يكن دارسا لعلم التقديس ولا ملما بقواعده، فتسربت إليه بدع الحشو، ومذهبه هو الحشو ذاته، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد.
إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد مذهب السلف، بل جدد بناء المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات مثل مباحث منزلة العقل الصحيح في الإسلام ودوره في فهم أدلة التنزيه، والتفريق الأصولي بين القديم والحادث وهل يمكن للقديم ان يقبل الحوادث، والتفريق بين المحكم والمتشابه، والتفريق بين الحقيقة والمجاز، وحجية المتواتر والآحاد في باب العقيدة، والسر في التفريق بينهما، وقواعد التقديس والتوحيد والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها لما تشبع به عقله من الحشو الذي تسرب إليه من مراجع الحشوية، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، ولحمل الآيات والأحاديث على المراد الحقيقي منها والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه النزول ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب الاثرية وهو مذهب السلف الصحيح والذي ليس لهم مذهب سواه، وذلك بزعم أنه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع.
ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنّة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق،
[6] محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، فزادت الطين بلة، وقد تقدم بيان ذلك كله في الكتاب الثالث من هذه السلسلة: مفاتيح علم التوحيد والشرك، والله المستعان.
[المفتاح الثامن]: الفرقة الثامنة: الفرقة الوهابية: تنتسب إلى النجدي محمد ابن عبد الوهاب، ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري فكفرت أكثر المسلمين على وجه البسيطة إلا اتباعها، واستحلت دماءهم واموالهم وحاولت مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، فإن سواد أهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام هم أهل المذاهب العقدية والفقهية والصوفية المعروفة والتي لاقت قبولا عند سواد أهل الإسلام الاعظم، وهؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمذهب عقدي أشعري او ماتريدي أو أثري ومذهب فقهي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ومنهاج صوفي للتزكية، وطريقة سلوكية تأخذ بيده نحو رضا الله، إنّ السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف الصالح، ولكن السلفية الحقة الأصيلة بريئة من انتساب الوهابية إليها، بل سلفهم الحشوية والمحسمة والخوارج، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، وآفتهم اتباع المتشابهات وترك المحكمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، والقاعدة عند أهل التخصص أنّ التيميون المغالون في الشيخ ابن تيمية، والوهابيون المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الصحيح الصافي، بل هم عند أهل العلم مزيج مريب من فرق الخروج والحشو، وسياتي تناول تلك الفرقة باسهاب وتفصيل في المباحث التالية،
[تنبيه]: أخطر البدع الضالة في زماننا وأشدها خطرا على اهل السنّة والجماعة فرقتان هم الشيعة الإمامية الصفوية، والمتمسلفة التيمية الوهابية ولهذا أفرد لكل واحدة منهما مبحثا مستقلا، وكل من يتابع العالم الإسلامي اليوم من أهل العلم بالدين يعلم حقيقة إنّ أخطر الفرق على أهل السنّة والجماعة في زماننا المعاصر: فرقتان: (الفرقة الأولى): هم الإمامية الصفوية الخمينية الاثني عشرية، و (الفرقة الثانية): هم الوهابية التيمية السلفية، وتكمن خطورة هاتين الفرقتين أنّ الأولى تتمسح في حب آل البيت وتدلس على المسلمين بهم، وآل البيت منهم براء، والفرقة الثانية تتمسح في السلف الكرام وتدلس على المسلمين بهم، والسلف الكرام منهم براء، وهاتان الفرقتان هما بحق أخطر الفرق المعاصرة على أهل الإسلام، فلولا الروافض الصفويين لكانت أوروبا اليوم على دين الإسلام لا تعرف دينا غيره، ولولا الوهابيين وبدعهم وضلالاتهم من الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتبديع والتضليل ومحاربة التخصصات الإسلامية في شتى علوم الدين، وطرحهم الموازي لدين الإسلام الحق في كل أبواب الدين والعلم، لكانت الامة الإسلامية اليوم على منهجية علمية واحدة تخترم أهل التخصص وتتفرع لنشر الدين وحمل تكاليف الدعوة والأمانة، ولهذا أفردت للفرقتين فصلين من فصول الكتاب من أجل استيفاء بدع وضلالات هاتين الفرقتين، اللتين تنتسبا إلى الإسلام وهما اضر الفرق على الإسلام وأهله ولولاهما بعد قدر الله تعالى لكانت الأرض كلها إلا قليلا تنتسب إلى الإسلام فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسأتناول بمشيئة الله كلا الفرقتين في مبحثين، المبحث الأول: هذه هي الإمامية الاثني عشرية في زماننا، والمبحث الثاني: الوهابية وقرن الشيطان والدين الموازي.
***
المبحث الثالث هذه هي الإمامية الصفوية المعاصرة
ويشتمل على تلك المفاتيح:
(1) اعتقادات الرافضة الصفوية في باب الإيمان والكفر.
(2) تكفير الروافض لأهل السنة والجماعة واعتبار نجاستهم وانهم حلال الدم والمال والعرض.
(3) مغالاة الروافض الصفوية في الإمامة وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام.
(4) مغالاة الروافض الصفوية في الإمام علي والأئمة من أولاده الذين اختاروهم للإمامة.
(5) بُغض الروافض الصفوية للصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم.
(6) الروافض الصفوية يبغضون الكثير من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(7) الروافض الصفوية والتشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم.
(8) الروافض الصفوية وإنكار السنة النبوية الكريمة.
(9) الروافض الصفوية والغلو في الاعتقادات، والغلو في الأعمال.
(10) وقوع الرافضة الصفوية في مسالك الكفر بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم.
(11) الرافضة الصفوية وعقائد اليهود (البداء والرجعة).
(12) الرافضة الصفوية والفاحشة في صورة المتعة.
(13) الرافضة الصفوية والكذب في صورة التقية.
(14) وقوع الرافضة الصفوية في مسالك التدسية وسوء الأخلاق
***
[المفتاح الاول]: اعتقادات الرافضة في باب الإيمان والكفر: [1] اتصفت الرافضة في باب الإيمان والكفر بأشر ما اتصفت به الفرق الضالة سواء الغالية منها والجافية، وسواء المفرطة منها والمفرطة، فهو خوارج على كافة أهل القبلة يكفرون كل من لم يكن على نفس غلوهم، وهم غلاة المرجئة على بعضهم البعض فيكفي المرء للنجاة الإقرار بالأئمة الاثنى عشر ويكفي المرء المحبة لنيل الدرجات العلا ولا يلزم من ذلك لا صلاة ولا صيام ولا غيره ففي باب الغلو والخروج وتكفير أهل القبلة: يقول رئيس محدثيهم محمد بن علي بن بابويه القمى: ” واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليه السلام – والأئمة من بعدهم – عليهم السلام – أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وانكر نبينا محمد صلى الله عليه وآله” أهـ ([27]) .
ويقول شيخهم يوسف البحراني:” وليت شعرى أي فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام مع ثبوت كون الإمامه من أصول الدين “أهـ ([28]) .
والغلو في كلامه واضح لا يحتاج إلى تعليق، ثم من الذي جعل الإمام من أصول الدين فهل أتت آية واحدة من كتاب الله عز وجل والذي تولى بيان الأصول تثبت أن الإمام أصل من أصول الدين، سبحانك هذا غلو في الدين عظيم، ويقول محققهم محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني:” ومن جحد إمامه أحدهم – أي الأئمة الاثنى عشر – فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام”أهـ ([29]) . ، ويقول الملا محمد باقر المجلسي – وهم يلقبونه بالحجة -: ” اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفصل عليهم غيرهم يدل على أنهم مخلدون في النار “ ([30]) . ويقول شيخهم محمد حسن النخعي: ” والمخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا … كالمحكي عن الفاضل محمد صالح في شرح أصول الكافي بل والشريف القاضي نور الدين في إحقاق الحق من الحكم بكفر منكري الولاية لأنها أصل الدين “ ([31])
يقول شيخهم عبد الله المامقاني:” غاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على كل من لم يكن اثنى عشرى “ ([32]) أهـ ويقول آيتهم العظمى الخميني: ” الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علىّ وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية ” أهــ ([33]) .
ويقول علامتهم المفيد: ” اتفقت الإمامية على أن منكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى: له من فرض الطاعة فهو كافر قال مستحق للخلود في النار ” أهـ ([34]) .
[2] تكفير الروافض لأهل السنة والجماعة واعتبار نجاستهم وانهم حلال الدم والمال والعرض: وتكفيرهم لأهل السنّة أشد من تكفيرهم لليهود والنصارى وأشد من تكفيرهم لسائر طوائف المسلمين الذين لا يؤمنون بعقائدهم في الأئمة، وهم يسمون أهل السنة النواصب ثم يستحلون بهذا اللقب دماءهم وأموالهم ويحكمون عليهن بالكفر الأكبر والخلود الأبدي في النار ابتداءً من سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة – رضي الله عنهم، وسيأتي بيان تكفيرهم للصحابة، وهم يكفرون كل من لم يكن اثنى عشري ويقول علامتهم السيد عبد الله شبر الذي يلقبونه بالسيد الأعظم: ” حق اليقين في معرفة أصول الدين “: ” وأما سائر المخالفين – يقصد للإمامية الاثنى عشرية – ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب فالذي عليه جمله من الإمامية كالسيد المرتضي أنهم كفار في الدنيا والآخرة والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة ” ([35]) .
وهم يقولون بنجاسة أهل السنة، يقول مرجعهم السيد محمد كاظم الطباطبائي الملقب عندهم بالسيد الحكيم في كتابه ” العروة الوثقى ” (لا إشكال في نجاسة الغلاة والخوارج والنواصب) ([36]) .
[ويقول علامتهم الحسن بن المطهر الحلي المعروف عندهم بالعلامة الحلي (والخوارج والغلاة والناصب وهو الذي يتظاهر بعداوة آل البيت أنجاس) ([37]) . وهم يقولون بإباحة دماء وأموال وأعراض أهل السنة، روى شيخهم القمي الملقب عندهم بالصدوق وبرئيس المحدثين في كتابه (علل الشرائع) عن داود بن فرقد قال: (قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في قتل الناصب قال حلال الدم ولكن اتقى عليك فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل، قلت: فما نرى في ماله ؟ قال توه ما قدرت عليه) ([38]) . وروى الطوسي في تهذيب الأحكام عن أبي عبد الله عليه السلام:(خذ مال الناصب حيث ما وجدته وادفع إلينا الخمس) ([39]) . ويقول الخميني في تحرير الوسيلة: (والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما أغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد وبأي نحو كان ووجوب إخراج الخمس) ([40]).[المفتاح الثاني]: مغالاة الروافض في الإمامة وجعلها أصل من أصول الاعتقاد وجعلها الأساس الأعظم الذي يبنى عليه دين الإسلام عندهم، (والإمامة) عند أهل السنة والجماعة الناجية: ليست من أصول الدين وأركانه، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ([41]) .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفاها وأصلحها لهذا الأمر، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر – رضي الله عنه – واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم في الدنيا والآخرة، ثم استخلف أبو بكر – رضي الله عنه الفاروق عمر – رضي الله عنه – لما رآه أنسب وأكفأ الناس لقيادة الأمة واستشار أهل الحل والعقد من صحابة الرسول – صلى الله عليه وسلم – فوافقوه فكان ذلك بمثابة شورى في وجود الخليفة، وعند وفاة عمر – رضي الله عنه – ترك الأمر بين ستة من المبشرين بالجنة فاستقر الأمر بينهم لعثمان – رضي الله عنه – وانعقدت له البيعة وبايعه المسلمون كافة ثم عند مقتله – رضي الله عنه – بايع المسلمون الإمام علي – رضي الله عنه – وقبلها وانعقدت له البيعة وهؤلاء عم الخلفاء الراشدون الهداة المهديون الذين خلفوا النبي – صلى الله عليه وسلم – وساروا على نهجه واقتدوا بهديه وسنته وفيهم جاء حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن خلافته ستمر بمراحل عديدة بعد الخلافة الراشدة على منهاج النبوة حتى تعود مرة ثانية راشدة على منهاج النبوة.
أما الإمامة عند الشيعة الإمامية فلها وضع عجيب غريب يمتلئ بالغلول والضلال، إذ جعلوها أساس الدين الأعظم وركنه الأكبر، وجعلوها الأصل الأول من أصول الاعتقاد وقدموها على الصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعلوها محور الخلود في الجنة أو الخلود في النار وهذا ما قاله علماؤهم وما جاءت به كتبهم . يذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتابه الكافي: عن فضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: (بني الإسلام على خمس الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير) ([42]) . ويذكر الكليني في كتابه الكافي:(عن زرارة عن أبي جعفر – عليه السلام – قال (بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة فقلت وأي شيء من ذلك أفضل فقال الولاية أفضل) ([43]) . ويذكر الكليني في كتابه الكافي: (أنا في الإسلام ثلاثة الصلاة والزكاة والولاية ولا تصح واحدة منها إلا بصاحبتها) ([44]) . ويذكر الكليني في كتابه الكافي:(عن أبي عبد الله أنه قال: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلا بها) ([45]) . ويذكر الكليني في كتابه الكافي: عن أبي الحسن عليه السلام قال: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم) ([46]) .
ولما كان لقضية ” الإمامة ” هذا الوضع الخطير في معتقد الإمامية الاثنى عشرية، جزموا بأن كتاب الله تعالى لا يمكن أن يغفل هذا الأمر، جزموا بأن الرسول الأمين – صلى الله عليه وسلم – لا يجوز له إغفال النص على إمامة علي، ولا يجوز له كتمان هذا الأمر ولا تفويضه إلى الصحابة وتركه لهم، وقد كان لهذا المعتقد الباطل الأثر الأكبر في تكفير الصحابة والبراءة منهم وسبهم ولعنهم حيث جزموا بأن الصحابة ظلموا علياً وسلبوه حقه ثم تطور الغلو عندهم حتى صار معتقدهم الذي عليه جميعهم هو تكفير الصحابة كلهم إلا ثلاثة أو خمسة لكونهم عقدوا البيعة لأبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وسلبوا علياً – رضي الله عنه حقه . ” وهذا ما تواترت أقوالهم وسيأتي ذلك تباعاً “، وكان لهذا المعتقد الباطل الأثر الأكبر في التشكيك في صيانة الكتاب والسنة والسر في شكهم في الكتاب الكريم أن القرآن الكريم قد أغفل قضية الإمامة ولم يجعل لها هذا الوضع العجيب الذي رسموه لها بأهوائهم، أو كيف يذكر القرآن الكريم الصلاة والزكاة في أكثر من سبعين موضعاً ثم تخلوا منه آية واحدة صريحة تنص نصاً صريحاً على إمامة علي رضي الله عنه، فآل ذلك بهم إلى الشك في القرآن الذي حمله الصحابة إلينا وجمعه أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – وكتبه على هيئته اليوم عثمان – رضي الله عنه – وهؤلاء عند الشيعة الإمامية كفار مرتدون، ونفس السبب موجود في رد السنة كمصدر أصلي لتلقي الدين، إذ الصحابة – رضي الله عنهم هم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، وهم الذي ترضى عنهم القرآن فلك أن تعجب كيف يفعل الهوى بأهله.
[المفتاح الثالث]: مغالاة الروافض في الإمام علي والأئمة من أولاده الذين اختاروهم للإمامة: وأهل السنة والجماعة الناجية: أهل التوسط والاعتدال الشرعي الرباني الحكيم ينظرون إلى الإمام علي رضي الله عنه على أنه خليفة المسلمين الرابع الراشد وهو من المبشرين بالجنة الذين حازوا رضوان الله تعالى في الدنيا والآخرة ومكانته عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين عظيمة، ومناقبه كثيرة وهو ولي الله وولى رسوله وولي لكل مؤمن رضي الله عنه وأرضاه، وولديه الحسن والحسين هما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وسيدا شباب أهل الجنة رضي الله عنهما وأرضاهما، ونسلهما إلى يوم القيامة هم آل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم الذين لهم نصيب من الدعاء في صلاة كل مسلم حيث يقول [اللهم صل على محمد وآل محمد … اللهم بارك على محمد وآل محمد]، ولكنهم جميعاً رضي الله عنهم بشر يجوز عليه الخطأ والسهو والنسيان وليست لهم العصمة، إذ العصمة للرسول صلى الله عليه وسلم وحده: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، وكل بعده يصيب وخطئ، أما عند هؤلاء الرافضة الإمامية: فإنهم يدّعون للإمام علي رضي الله عنه والأئمة من أولاده واحفاده أنهم يعلمون الغيب ولهم علم السماوات والأرض وعلم الجنة والنار وعلم ما كان وما سيكون وأنهم معصومون عن السهو والخطأ والنسيان، وأن لهم مقاماً عظيماً بل عجيباً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل . وهذا الغلو هو ما قالت به علماؤها ووردت به كتبهم . روى الكليني في كتابه الكافي: تحت باب ” إن الأئمة إذا شاء أن يعلموا علموا ” عن جعفر أنه قال (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) ([47]) . وروى الكليني في كتابه الكافي: تحت باب ” إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم عن أبي بصير عن جعفر ابن الباقر عليهما السلام قال (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجة الله على خلقه) ([48]) وروى الكليني في كتابه الكافي: عن عبد الله بن جندب أنه كتب إليه على بن موسى – الإمام الثامن عندهم – أما بعد: (فنحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان و حقيقة النفاق، إن شيعتنا لمكتوبين بأسمائهم و أسماء آبائهم أخذ الله علينا و عليهم الميثاق) ([49]) . وروى الكليني عن يوسف النمار أنه قال: (كنا مع أبي عبد الله عليه السلام جماعة من الشيعة في الحجر فقال أبو عبد الله علينا عين فالتفتنا يمنه ويسره فلم نر أحداً، فقلنا ليس علينا عين، فقال و رب الكعبة و رب البنية ـ ثلاث مرات ـ لو كنت بين موسى و الخضر عليهما السلام لأخبرتهما أني أعلم منهما، لأنبئتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة) ([50]) .
و يقول نعمة الله الجزائري في كتابه الأنوار النعمانية: (اعلم إنه لا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم على أشرفية نبينا على سائر الأنبياء للأخبار المتواترة، و إنما الخلاف بينهم في أفضله أمير المؤمنين علي و الأئمة الطاهرين على الأنبياء ما عدا جدهم، فذهب جماعة إلى أنهم افضل من باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم، فهم أفضل من الأئمة، و بعضهم إلى مساواتهم، و أكثر المتأخرين إلى أفضلية الأئمة على أولي العزم و غيرهم وهو الصواب) ويذكر الكليني أن الإمامة فوق النبوة و الرسالة و الخلة ويروي عن جعفر بن محمد – الإمام السادس عندهم – أنه قال (إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً، وإن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً، وإن الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً، وإن الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً) ([51]) .
[المفتاح الرابع]: بُغض الروافض للصحابة والانتقاص من قدرهم وتكفيرهم وسبهم ولعنهم والبرآءة منهم: وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة، هم خير أصحاب الأنبياء وصفهم الله تعالى بالصدق والإخلاص، حملوا دين الإسلام ونشروا رسالته إلى أرجاء الأرض ونصروا عقائده وشرائعه وأخلاقه، وبسطوا سلطانه ورفعوا رايته، عاشوا حياتهم كلها لله دعوة وحسبة وجهاداً، يضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل مرضاته، راجين رحمته وخائفين من عذابه، امتدحهم الله تعالى في قرآنه الكريم فكان مما قاله عز وجل فيهم: (1) قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، فمن هم الذين معه والذين مدحهم القرآن الكريم على وجه العموم، (2) قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 18 – 19]، جاء في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمس مئة وخمسة وعشرين) كلهم حازوا الرضا، (3) قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، من هم السابقون الأولون إن لم يكن أبو بكر منهم.
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) ([52]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما يوعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون)) ([53]) ..
ولننظر إلى معتقد الرافضة تجاه الصحابة؟! فالرافضة الإمامية يعتبرون عامه الصحابة كفاراً مرتدين وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على آخرهم بمئات النصوص، بل آلاف النصوص التي تدل على معتقدهم الضال الكافر في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، روى الكشي عن أبي جعفر أنه قال: ” كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة فقال المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي ” ويروي الكشي عن أبي جعفر أيضاً أنه قال: ” المهاجرين والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده – إلا ثلاثة ” ويروي الكشي عن موسى بن جعفر أنه قال:” إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين حواري محمد بن عبد الله – رسول الله الذين لم ينقضوا عليه، فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذر ” وروى الكشي عن حمزة الطيار أنه قال:ذكرنا محمد بن أبي بكر عند أبي عبد الله فقال عليه السلام: ” قال محمد بن أبي بكر لأمير المؤمنين (علي) عليه السلام يوماً من الأيام أبسط يدك أبايعك فقال: أو ما فعلت قال: بلى فبسط يده فقال: أشهد أنك أمام مفترض طاعتك وأن أبي في النار فقال أبو عبد الله عليه السلام كانت النجابة فيه من قبل أمه أسماء بنت عميس رحمه الله عليها لا من قبل أبيه ويروي الكشي عن زراره بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام: ” أن محمد بن أبي بكر بايع علياً عليه السلام على البرآة من أبيه ويروي الكشي عن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ” سمعت ما من أهل بيت إلا وفيهم نجيب من أنفسهم، وأنجب النجباء من أهل بيت سوء محمد بن أبي بكر ” ويروي الكشي عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام: ” كان صهيب عبد سوء يبكي على عمر ” ويروي الكشي عن الباقر أنه قال: ” بايع محمد بن أبي بكر على البراءة من الثاني “ ([54]).
[المفتاح الخامس]: الروافض يبغضون الكثير من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل وينتقصون قدرهم ويحطون من منزلتهم، وأول ذلك إيذاء النني صلى الله عليه وسلم في أهل بيته وزوجاته أمهات المؤمنين لاسيما الصديقة ابنة الصديق عائشة رضي الله عنها وارضاها، قال صاحب القاموس: ” أهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل المذهب من يدين به وأهل الرجل زوجه “ ([55]) .
وقال الزبيدي: الأهل للرجل زوجته ويدخل فيه أولاده [تاج العروس للزبيدي]، وقال ابن منظور: أهل الرجل أخص الناس به، وأهل الرجل زوجه ([56])
وقد ورد أهل البيت في القرآن الكريم في موضعين من القرآن الكريم، (الموضع الأول): في سورة هود وكان يقصد به زوجة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والثاني في سورة الأحزاب وكان يقصد به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والموضع الأول: قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أهل الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود:69 -73]وعند تدبر الآيات تنجد أن المقصود بأهل البيت هنا هي زوجة إبراهيم عليه السلام.
و(الموضع الثاني): قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} [الأحزاب:28 إلى 34]، فعند التدبر في هذه الآيات نعلم يقيناً أن المقصود الأصلي بأهل البيت هم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، والآية التي تدل فيها ذكر ” أهل البيت ” أولها أمر لزوجات النبي وتكلمتها أمر لزوجات النبي، ولذلك فالقرآن الكريم كان واضحاً في كون أصل أهل بيت النبوة هم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وكل من عداهن فهو إلحاق بهن، وقد جاءت أحاديث نبوية تدخل معهن وفي إطار أهل البيت الإمام على وولديه الحسن والحسين رضي الله عنهم وسيدة العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنهم جميعاً، وجاءت أحاديث تبين كذلك أنه يدخل في آل البيت كل من حرم الصدقة بعد موت النبي – صلى الله عليه وسلم وهم آل العباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي رضي الله عن أهل بيته وصلى الله ويلم وبارك عليه وآله الأطهار المطهرين وصحبه الكرام البررة.
وعند التحقيق: نجد أن أهل البيت يدخل فيهم كل هؤلاء: (1) زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم الطاهرات المطهرات، وقد جعل القرآن الكريم ” أهل البيت ” المراد بهم أصلاً وحقيقة هن زوجاته صلى الله عليه وسلم، (2) أولاد النبي صلى الله عليه وسلم وبناته وهن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء وقد جعلت اللغة العربية لغة القرآن البنات والأولاد داخلين في معنى أهل البيت، (3) الإمام علي وزوجته الزهراء وولديه الحسن والحسين رضي الله عنهم جميعاً وقد جاءت الرواية الصحيحة بإدخالهم في معنى آل البيت، (4) آل العباس وآل عقيل وآل جعفر وآل علي إلى قيام الساعة، وهؤلاء هم آله الذين حرموا الصدقة بعده – صلى الله عليه وسلم وقد جاءت الرواية الصحيحة بإدخالهم في أهل البيت، وهذا هو المتفق عليه والمتعارف عليه عند أهل السنة، وأهل السنة يتولون هؤلاء جميعهم بلا استثناء ويتربصون ويصلون ويسلمون على آل بيت النبوة الصالحين الطائعين وصالحي ذرياتهم إلى يوم الدين، أما الروافض فقد حكموا أهواءهم في تحديد آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فنراهم يخرجون من شاءوا من آل بيت النبوة، ويدخلون من شاءوا وفق أهواءهم، فنراهم قد حصروا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقط لا غير، وهؤلاء الأربعة هم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعاً، وكان أول من أخرجوا في قسمتهم الضيزى أمهات المؤمنين زوجات النبي الصديقات الطاهرات العفيفات المطهرات، ويا ليتهم اكتفوا بذلك، بل قذفوا ولقبوا وسبوا الطاهرة العفيفة الصديقة بنت الصديق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما والطاهرة العفيفة الصوامة القوامة حفصة بنت الفاروق رضي الله عنهما، وهكذا خالفوا صريح القرآن، وآذوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أقرب أهل بيته إليه، وهم يزعمون أنهم شيعة أهل البيت وآل البيت منهم برآء، وأخرجوا بعد ذلك بنات النبي المؤمنات الطاهرات العفيفات من أهل بيته سوء الزهراء رضي الله عنها، ولم يكتفوا بذلك بل وصل بهم الفجور أن زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس سوى ابنه واحدة هي فاطمة وأما الباقيات فهن ربيبات أتت بهن خديجة رضي الله عنها من زوج سابق، وتعللوا بذلك بأنهن لو كن بناته لما زوج اثنتين منهن للمرتد الكافر عثمان هكذا زعموا ووقعوا في بنات النبي وخليفته الراشد ذي النورين عثمان رضي الله عنه الذي تستحي منه الملائكة والذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو حي يرزق ويمشي على الأرض، وأخرجوا بعد ذلك عم النبي العباس رضي الله عنه وجميع أولاده، وبقية إخوان علي رضي الله عنه وهما جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وجميع أولاده، وعقيل بن أبي طالب وجميع أولاده، وانظر إلى رواياتهم الفاجرة في ذلك.
(اولاً): الرافضة الصفوية تتهم الصديقة بنت الصديق بالفاحشة: ففي تفسير القمي أصل تفاسيرهم المعتمدة هذه الرواية:(قال علي بن إبراهيم في قوله (وضرب الله مثلاً) ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله، مثلاً فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) قال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل له أن تخرجين – كذا – من غير محرم فزوجت نفسها من فلان) ([57])
وكما ترى أن النص ليس فيه تصريح بالأسماء على عادة القوم من الكفر والتدليس عليـه، ولكن في وجود الدولة الرافضية قلت التقيه فصرح عالمهم المجلسي بالأسماء فقال: (وليقيمن الحد أي القائم عليه السلام عند الرجعة وفلانة هي عائشة ” قلت رضي الله عنها ” وفلان هو طلحة بن عبد الله ” قلت رضي الله عنه “) ([58]) .
فأي عداء لآل بيت النبوة بعد هذا الذي عليه هؤلاء، يطعنون في حريم النبي – صلى الله عليه وسلم – ونسائه، لا سيما الصديقة بنت الصديق التي برأها الله عز وجل مما قذفها به المنافقون، وتحذر المؤمنين من مجرد سماع هذا الإفك العظيم، فقال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17]، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” أجمع أهل العلم قاطبة على أنّ من سبها ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ” أ.هـ ([59]) .
والإمامية تخص أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها بزيادة اللعن والشتم حتى أن عالمهم المجلسي عقد باباً مستقلاً في بحار الأنوار لأحوال ام المؤمنين عائشة وام المؤمنين حفصة – رضي الله عنهما – ذكر فيه سبع عشرة رواية من الإفك المبين تؤذي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أهل بيته وأقرب الناس إليه، وهم يتعبدون بهذا السب فإنا لله وإنا إليه راجعون .
(ثانياً) الرافضة وعم النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه وأبناء عمومته صلى الله عليه وسلم: الروافض أبوا إلا الانتقاص حتى من عم النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه وأرضاه، وحتى من أبناءه حبر الأمة عبد الله بن عباس وأخيه عبيد الله بن عباس رضي الله عنهم جميعاً، ذكر الكشي في رجاله كذباً وبهتاناً على محمد الباقر رضي الله عنه أنه قال: (أتى رجل إلى أبي (زين العابدين) فقال: إن فلاناً يعني عبد الله بن عباس يزعم أنه يعلم كل آية في القرآن، في أي يوم نزلت وفيم نزلت قال: (زين العابدين) فأساله فيمن نزلت (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً)، وفيمن نزلت (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم) … إلى أن قال: ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعي والمنتحل (يقصد عبد الله بن عباس)، أما الأوليان فنـزلتا في أبيه (العباس عم النبي) ([60]) .
فيزعم الكشي بروايته أن قول الله تعالى ” ومن كان في هذه أعمى ” نزلت في العباس عم النبي – صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل الصادق، ولا يقف كذب الكشي ورجاله عند هذا الحد: (فيذكر عن زين العابدين أنه قال لابن عباس، فأما أنت يا بن عباس ففيمن نزلت هذه الآية (فلبئس المولى ولبئس العشير) في أبي أم في أبيك، ثم قال: أما والله لولا ما تعلم لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو ؟ وستعلمه) ([61]) .
ويمتد كذب الكشي ورجاله ليطول حبر القرآن وترجمانه عبد الله بن عباس وأخيه عبيد الله بن عباس، حيث بوب باباً مستقلاً باسم دعاء علي عبد الله وعبيد الله ابني العباس، وذكر تحته هذه الرواية الكاذبة: (قال أمير المؤمنين علي عليه السلام اللهم العن فلان – يعني عبد الله وعبيد الله ابني العباس – وأعم وأبصارهما كما أعميت قلوبهما … واجعل عمى أبصارهما دليلاً على قلوبهما) ([62]) .
(ثالثا): الشيعة الإمامية ومخالفتهم لهدي الإمام علي رضي الله عنه وعصيانهم لأمره، فحتى الإمام علي الذي يتشدقون بحبه والتشيع له لم يسلم من غدراتهم وفجواتهم فهاهم يخالفون هديه وها هم يتصرفون في ذريته وأولاده من بعده كأنهم الأوصياء عليه، إذ لم يدخلوا في آل البيت سوى الحسن والحسين، وأخرجوا كل من عداهما من أبناء الإمام علي وبناته وقد كانوا اثني عشر ذكراً وثماني عشرة أو تسع عشرة ابنه منهن زينب وأم كلثوم بنتا فاطمة الزهراء رضي الله عن الجميع، هم يصورون الإمام عليّ على أنه جبان خائف لا شهامة عنده ولا نخوة فيه حيث يختلقون القصص بأن الصحابة ضربوا زوجته الزهراء رضي الله عنها وهو واقف ساكن لا حراك له وأنها عابت عليه ذلك واختلفوا كذباً أنها قالت له: (يا ابن أبي طالب اشتملت شيمة الجنين وقعدت حجره الظنين … إلى أخر رواية مكذوبة مختلقة يستحي القلم من كتابتها كلها انتقاص من الإمام عليّ واتهامه بالجبن والخوار) ([63]) .
وأكثر من ذلك زعموا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، غصب منه ابنته الشريفة أم كلثوم بنت رسول الله، وأنه لهذا الغصب رضي أن يزوجها لمرتد كافر بل من أئمة الكفر في نظرهم، ولنا أن نتساءل هل يرضى مسلم قط أن يزوج ابنته لمن يراه كافر مرتداً، إن نخوة المسلم منا وشهامته وشجاعته ورجولته لتأبى عليه ذلك، فما بالنا نرضى بهذا الهوان لمضرب المثل في الشجاعة والإقدام والتقوى والإيمان، إن الرافضة تنسب للإمام عليّ ذلك الهوان، حتى قالوا عنه (إن علياً لم يكن يريد أن يزوج ابنته أم كلثوم من عمر، ولكنه خاف منه، فوكل عمه عباس ليزوجها منه) ([64]) .
وليتهم اكتفوا بذلك، بل لما صارت الخلافة إليه رضي الله عنه كانوا أول من غرر به وخذله وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، حتى أنه لما فاض به الأمر وقف خطيباً فيهم يقول: (قاتلكم الله لقد ملئتم قلبي قبيحاً، وشحنتم صدري غيظاً وجرعتموني نغب التهاما أنفاساً، وأفسدتم علي رأي بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابني أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب … ولكن لا رأي لمن لا يطاع) ([65]) .
وهاهم يهينون الزهراء بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم، فينسبون إليها أموراً تستحي المرأة المسلمة العادية من فعلها، ولكنهم ينسبونها إلى سيدة نساء أهل الجنة، فينسبون إليها أنه قد تشاجرت مع خليفة رسول الله الصديق أبي بكر ومع أمير المؤمنين عمر – رضي الله عن الجميع، وأنها صاحت بهم وسط الناس، وأنها أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها، وأنها هددت أبا بكر إن لم يكتف عن علي لتنشرن شعرهـا ولتشقن جيبها([66]) . فهل يعقل بسيدة نساء الجنة أن تنشر شعرها وأن تشق حجابها، إن المرء ليستحي من وصف ذلك لامرأة مؤمنة فضلاً عن بنت رسول الله الطاهرة المطهرة ولكن القوم لا يستحون.
(رابعاً): الرافضة يهينون الحسن بن علي رضي الله: إذ لما حقن الله تعالى به الدماء وسكن به الفتنة وأصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين، إذا بأسلاف الرافضة الإمامية يثبتون على الحسن ويجرحوه بمعدل في فخذه فينزف نزفاً شديداً وتشتد به العلة ويفترق عنه هؤلاء الشياطين الذين يتسترون بحب آل البيت وهم يمكرون هدم الدين وإبادة أهله، وقد روت كتب الشيعة هذا التطاول على آل البيت متمثلاً في شخص الحسن بن علي رضي الله عنه ليس إلا لمخالفته هواهم، يقول المسعودي في مروج الذهب: (أن الحسن لما خطب بعد اتفاقه مع معاوية قال: يا أهل الكوفة لو لم تدخل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت، مقتلكم لأبي وسلبكم ثقلي وطعنكم في بطني، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا وأطيعوا)، ويعلق على ذلك بقوله: وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سرادق الحسن ورحله وطعنوه بالخنجر في جوفه، فلما يتفق ما نزل به انقاد إلى الصلح) ([67]) .
وقد أذلوه بعد الصلح وأهانوه وسارعوا إلى إظهار العداوة والبغضاء له وانظر إلى أحدهم كيف يعامل الحسن رضي الله عنه، يذكر الكشي في رجاله: (جاء رجل من أصحاب الحسن عليه السلام يقال له سفيان بن أبي ليلى وهو على راحلة له، فدخل على الحسن عليه السلام وهو مخبت في فناء داره فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين) فانظر إلى الخبيث ينادي سيد شباب أهل الجنة بقوله يا مذل المؤمنين وهل أعز الله المسلمين إلا بما أجراه على يدي الحسن رضي الله عنه من الصلح وجمع شمل المؤمنين وتسكين الفتن وإصلاح ذات بين المؤمنين، ولذلك نراه رضي الله عنه يقول: (أرى والله معاوية خير لي من هـؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي، وأخذوا مالي، والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فيضيع أهلي بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلما، والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير) ([68])
[المفتاح السادس]: الروافض والتشكيك في حفظ وصيانة القرآن الكريم: يقوم مذهب الشيعة الإمامية الضال على تكفير الصحابة والبرآة منهم وعلى لعنهم وسبهم بأفظع أنواع السباب الذي يتنزه عن فعله العوام فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أئمة الصديقين والشهداء والصالحين، ولما كان للصحابة رضي الله عنهم الفضل الأعظم – بعد الله ثم رسوله صلى الله عليه وسلم – في تبليغ القرآن الكريم وفي جمعه وكتابته بين دفتي المصحف، ولما كان القرآن الكريم تمتلئ آياته بالثناء عليهم والترضي عليهم، فكان الشيعة في شر حال إما أن يتوبوا إلى الله من ضلالاتهم ويجزموا بصحة القرآن وصيانته ويترضوا عمن ترضى عنهم القرآن وعمن حملوا لنا القرآن وحفظوه وجمعوه وبالتالي ينسفوا مذهبهم الباطل من أساسه، وغما أن يكفروا الكفر البواح ويعلنوا أن القرآن الذي جمعه الصحابة وحفظوه وقد حرف وزيد فيه ونقص وحذفت منه آيات تنص على الولاية لعلي رضي الله عنه وحذفت منه آيات تفضح أولئك الذين قام المذهب الإمامي الكافر الفاجر على سبهم ولعنهم وتكفيرهم، فاختار الإماميون الجانب الثاني وهكذا تنسجهم أصولهم الضالة، فالصحابة كفار والقرآن محرف وحق لي أن أتساءل ماذا بقي لنا من ديننا، وهل يستطيع أمرؤ الصلاة بقرآن لا يعلم هل هو من التحريف والزيادة ام هو من المحكم المحفوظ، ولما كان القوم هم أئمة التقية كان حرباً أن تمتلئ كتبهم بالتناقض فهناك روايات تؤكد تحريف القرآن وأنه حدث فيه الحذف والزيادة وهناك روايات تؤكد صيانة القرآن وعدم تحريفه، ولكن المتتبع لكتب الشيعة ومؤلفاتهم وكتاباتهم يجد أن هناك خطا عاماً لا يمكن أن يكون تقيه بحال إلا وهو خط التحريف والزيادة والنقصان، وروايات هذا الخط تزيد على الألف رواية في كافة كتبهم كلها تصب في معين واحد هو تحريف القرآن ووجود قرآن آخر غيره يقوم به المهدي آخر الزمان، وهناك خط خاص – محدود – جعله القوم ذراً للغبار وللتقيه، حتى يدلسوا به على المؤمنين الصادقين، وهذا الخط المحدود يحوي مقولات قليلة محدودة في بعض الكتب وحتى تلك الكتب تحوي في المقابل مئات النصوص التي تؤكد تخريف القرآن، وهذا ليس تجنياً على الرافضة، ولكن هذا ما وردت به كتبهم وما أقرت به مراجعهم وما تواترت عليه أقوال أئمتهم، ، لقد بلغت أحاديث الروافض – المفتراة – التي تثبت وقوع التحريف في القرآن أكثر من ألفي حديث وقد ذكر ذلك عالمهم نعمة الله الجزائري وادعى تواتر هذه الأخبار من طريق الشيعة كبار علمائهم كالمفيد الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام حيث يقول: ” أقول إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان “ ([69])
ويؤكد هذا الخط العام من تواتر تحريف القرآن: قول المفيد أيضاً: ” واتفقوا – أي الإمامية – على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبيصلى الله عليه وسلم وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية والمرجئة وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية ([70]) .
ويؤكد هذا الخط العام كذلك: المفسر الشيعي المعروف لديهم محسن الكاشي حيث قال: (المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد – صلى الله عليه وسلم -، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة … وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله) ([71]) .
ويؤكد هذا الخط العام كذلك: أقدم مفسري الشيعة إبراهيم القمي حيث يقول في مقدمة تفسيره (فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ، ومنه محكم ومتشابه .. ومنه على خلاف ما أنزل الله).
وعلق على هذا التفسير الموسوي بعد أن ذكر أقوال العلماء في التحريف بقوله: (ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة ” أي النقص في القرآن عما أنزل ” كالكليني، والبرقي والعياشي والنعماني، وفرات بن إبراهيم، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي، والمجلسي، والسيد الجزائري، والحر العاملي، والعلامة الفتوني والسيد البحراني، وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عليها) ([72]) .
وقد ألف الرافضة في هذا الخط – خط التحريف – مجلدات مستقلة وكتباً مفردة تخص إثبات تحريف القرآن ومن تلك المؤلفات: (كتاب فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب)، وهذا الكتاب ألفه ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي الذي بلغ من إجلالهم له عند وفاته سنة 1320 هـ أنهم دفنوه في بناء المشهد المرتضوي بالنجف في إيوان حجرة بانوا العظمى، وهو ديوان الحجرة القبلية عن يمين الداخل إلى الصحن المرتضوي من باب القبلة في النجف الأشرف بأقدس البقاع عندهم، وهذا العالم النجفي ألف سنة 1292 هـ كتابه المشار إليه ” فصل الخطاب في إثبات تحريف رب الأرباب ” جمع فيه مئات النصوص عن علماء الشيعة ومجتهديهم في مختلف العصور، بأن القرآن قد زيد فيه ونقص منه، وقد طبع هذا الكتاب في إيران سنة 1298 هـ وعند طبعه قامت حوله ضجة لأنهم – قاتلهم الله – كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصوراً بين خاصتهم ومتفرقاً في مئات الكتب المعتبرة عندهـم، وأن لا يجمع هذا كله في كتاب واحد تطبع منه ألوف من النسخ ويطلع عليه خصومهم فيكون حجة عليهم ماثلة أمام أنظار الجميع، ولما أبدى هؤلاء تلك الملاحظات صمم على موقف ومؤلفه وأيده بمؤلف آخر سماه: ” رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب “، وقد كتب هذا الدفاع قبل موته بنحو سنتين، وقد كافئوه على هذا الإلحاد أن دفنوه في النجف الأشرف والأقدس عندهم، وليس هذا هو الكتاب الأوحد فهناك مؤلفات عديدة كلها يتناول تحريف القرآن منها على سبيل المثال:” مع ملاحظة أنها كتب متخصصة في إثبات التحريف ولا حول ولا قوة إلا بالله ”
[المفتاح السابع]: [أمثلة على تحريف الشيعة لآيات القرآن الكريم]: وقد مر بنا أن الرافضة عندهم أكثر من ألفي رواية تثبت وتؤكد تحريف القرآن، والحق أن أمامي مئات الآيات التي صرحوا فيها بالتحريف، واستيعاب تلك الآيات لا تتحمله تلك الرسالة وإنما يحتاج إلى مجلدات ضخام، ولذلك أكتفي هاهنا بالإشارة إلى أمثلة نقيس من خلالها حجم التدمير المقصود والذي يقوم به هؤلاء على كتاب الله وأنى لهم ذلك {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8]،
[المثال الأول]: روى الكليني في الكافي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبريل بهذه الآية على محمد هكـذا (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة من مثله) ([73]) . فزاد في الآية (في علي).
[المثال الثاني]: روى الكليني في الكافي وجاء في تفسير القمي عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله وسلم هكذا: (فبدل الذين ظلموا آل محمد حقهم قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمد حقهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون) ([74]) . فزادوا في الآية (آل محمد حقهم).
[المثال الثالت]: عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال نزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم هكذا: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في علي بغياً أن ينـزل الله من فضله على من يشاء من عباده) ([75]) . فزاد في الآية (في علي)
[المثال الرابع]: جاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن حمران بن أعين قال سمعت أبا عبد الله يقرأ: ” إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل عمران وآل محمد على العالمين ” ثم قال هكذا نزلت فزاوا في الآية (وآل محمد)
[المثال الخامس]: و جاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن أبي عبد الله عليه السلام (ولتكن منكم أئمة) ([76]) . تحريفاً لقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}، [المثال السادس]: وجاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن أبي عبد الله عليه السلام (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول وظلموا آل محمد حقهم لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً) ([77]) .
[المثال السابع]: وجاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك يا علي فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) ([78]) .
[المثال الثامن]: وجاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الآية (ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيت في أمر الولاية ويسلموا لله الطاعة تسليماً) زادوا في الآية (في أمر الولاية)
[المثال التاسع]: وجاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في نفس الآية: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى محمد وآل محمد ويسلموا تسليماً) زادوا في الآية (قضى محمد وآل محمد)، [المثال العاشر]: وجاء في فصل الخطاب في اثبات تحريف كتاب رب الأرباب: عن جابر عن أبي عبد الله عليه السلام: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم في علي نوراً مبيناً) زادوا في الآية (في علي)، ([79]) . وبعد فهذه أمثلة قليلة عن تحريف الشيعة للقرآن، وقد زعموا أنّ لديهم ألفي رواية تزعم التحريف فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
[المفتاح الثامن]: الروافض وإنكار السنة النبوية الكريمة: والسنة النبوية الشريفة هي الوحي المحفوظ المعصوم المتمم لكتاب الله تعالى والمكمل لشرائعه وأحكامه، والمفصل لمجمله، والمبين لمبهمه، والشارح لمعانيه، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3،4]، وقال صلى الله عليه وسلم: ” ألا أنى أوتيت القرآن ومثله معه ” [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه]، وعلى ذلك فالسنة صنو الكتاب لا غنى للكتاب عنها ولا غنى لدين الإسلام عن الكتاب والسنّة، والسنة النبوية الكريمة واجبة القبول والاتباع والعمل، ويحرم تعمد مخالفتها بحال دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فمن الآيات الدالة على وجوب قبول سنة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعها: قوله تعالى: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وقوله تعالى: {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله}، وقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً}، وقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذب أليم}، ومن الأحاديث الدالة على وجوب اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله) ([80]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً عليه أمرنا فهو رد) وقوله صلى الله عليه وسلم: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ([81]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وإن كان عبداً حبيشياً، فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين فتمسكوت بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ([82]) .
وأجمعت الأمة قاطبة على وجوب قبول سنة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعها والعمل بها وينقل ذلك الإجماع فقيه الأمة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيقول: (أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد)، أما موقف الروافص من السنة النبوية: فهم في حقيقة الأمر قوم ينكرون السنة، وقد دعاهم إلى إنكار السنة أسباب أهمها:
(السبب الأول): أنهم يكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فهم يشككون، بل وينكرون كل حديث حمله أولئك الأصحاب عن النبي صلى الله عليه وسلم إلينا، والنتيجة الحتمية لهذا الأمر أنهم ألغوا السنة النبوية بكاملها وألغوا كافة أثارها إذ لم يحمل إلينا السنة سوى الأصحاب الكرام البررة رضي الله عنهم، وانظر إلى اجترائهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطاء (إن الشيعة لا يعتبرون من السنة إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت … أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة) ([83]) .
ولك أن تتعجب من قولهم هذا إذ أن أهل البيت عندهم علي وفاطمة والحسن والحسين فقط، وقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين صغيران ففاتهما من كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم شيئاً كثيراً، ولم يبق أمامهم سوى علي وفاطمة رضي الله عنهما، وقد توفت فاطمة بعد النبي – صلى الله عليه وسلم بستة أشهر ولم يبق إلا علي رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه يستحيل له أن ينقل سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -كاملة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى اليمن مرة، واستخلفه في المدينة مرة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي أوقاتاً طويلة مع أهله وزوجاته ولا يعلم بهديه في ذلك سوى زوجاته، وعلي رضي الله عنه وأرضاه نحن – أهل السنّة – أصحابه الحقيقيون نقل عنه الحديث الكثير من علماء أهل السنّة وكان أصحابه من أهل السنة أكثر من أولئك الدجالين، بل جل احاديثم التي ينسبونها إليه كذب عليه وهم لا يأخذونه من أقوال أصحابه وتلامذته من علماء اهل السنّة، وعلى ذلك فقد فاتهم أكثر من نصف علم علي فأين السنة التي يتشدقون بها، (السبب الثاني): الروافض يكفرون كل من يقدم الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على الإمام علي رضي الله عنه، ولذلك فهم يكفرون الصحب الكرام الذين اجتمعوا على تقديم الشيخين ومروراً بالتابعين الذين ساروا على هدي الصحابة وحفظوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم من خلالهم، ثم من بعدهم تابعي التابعين الذين حملوا الحديث عن التابعين ووصولاً إلى الحفاظ المحدثين الذين سجلوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وحفظوه لمن بعدهم وإلى قيام الساعة، والروافض يكفرون كل هؤلاء وينكرون كل حديث صدر منهم، ولذلك نجدهم يكذبون حديث النبي صلى الله عليه وسلم الموجود في كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول لاسيما ما وجد منها في الصحيحين البخاري ومسلم ثم ما تلاهما من كتب الحديث كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وما تلاها من المستدركات على الصحيحين والمسانيد والجوامع، والروافض ينكرون كل هذه الأحاديث، ولذلك لم يبق لهم من علم الحديث شيء وصار واقعهم العملي الحقيقي هو إنكار سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبها، وصار همهم الحقيقي هو محاربتها ومحاولة تحريفها.
[المفتاح التاسع]: الروافض والغلو في الاعتقادات، والغلو في الأعمال: حتى وصل ثواب زيارة قبر الحسين انه يعدل ثواب أربعة ملايين حجة !!!، وأنّ زيارة قبر الحسين عليه السلام لها ألف مليون درجة في الجنة.
(آ) الغلو في الأئمة الاثنى عشر وإعطائهم بغض صفات الربوبية من علم الغيب والتصريف والتدبير والضر والنفع وهذا لا يشك مسلم في أنه شرك جلي في الربوبية، وأكتفي هاهنا بالإشارة إلى اثنين من أوثق علمائهم على مر عصورهم:
(الأول): هو الكليني صاحب كتاب الكافي الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري عند المسلمين وشتات بين الحق والباطل، والكليني هذا يغالي في شأن الأئمة حتى أنه بوب أبواباً في كتابه تنم عن الشرك الجلي الواضح ونقل تحتها عشرات الروايات التي تؤكد هذا الغلو، ومن هذه الأبواب:
(1) باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، (2) باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، (3) باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء، (4) باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب يعرفونها على اختلاف ألسنتها، (5) باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة وأنهم يعلمون علمه كله، (6) باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء، (7) باب أنه ليس شيء من الحق في أيدي الناس إلا ما خرج من عند الأئمة وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل.
و(الثاني): هو الخميني قائد ثورتهم المعاصرة: فانظر إلى ما يقوله في كتابه ” الحكومة الإسلامية “، فيقول في بيان منزلة الأئمة: (فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامة وخلافة تكوينيه تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ، ويقول في بيان كمال الأئمة: (والأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة)، ويقول في كون الأئمة أفضل من الأنبياء وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ،ويواصل غلوه فيه فيقول: (وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم – صلى الله عليه وآله والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما يعلمه إلا الله وقد ورد عنهم أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليهما السلام)، ثم يكمل بقوله: (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) ([84]).
((ب)) الغلو في الأعمال والدخول في إطار البدعة والضلال: ولقد غالت الشيعة في الكثير من المبتدعات التي أدخلتها إلى إطار الغلو والانحراف والجهل والخرافة والبدعة والضلال، ومن أمثلة تلك البدع والضلالات:
(1) تفضيل الرافضة لكربلاء على مكة المكرمة: عن أبي الجارود قال: قال علي بن الحسين عليهم السلام: (اتخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركا قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام وقدسها وبارك عليها، فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدسة مباركة ولا تزال كذلك حتى يجعلها الله أفضل أرض في الجنة) ([85]) . وعن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أرض الكعبة قالت: من مثلي وقد بني بيت الله على ظهري يأتين الناس من كل فج عميق وجعلت حرم الله وأمنه فأوحى الله إليها أن كفي وقري، فا فضل ما فضلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غرست في البحر فحملت من ماء البحر، ولوا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا ما تضمه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت فقرى واستقري وكوني ذئباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا نسخت بك وهويت بك في نار جهنم) ([86]) .
(2) تفضيل الشيعة للصلاة عند قبر الحسين على الصلاة في بيت الله الحرام: عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام – في حديث مطول في زيارة الحسين عليه السلام: (ثم تمضي يا مفضل إلى صلاتك ولك بكل ركعة تركعها عنده كثواب من حج ألف حجة واعتمر ألف عمرة وأعتق ألف رقبة وكأنما وقف في سبيل الله ألف مرة مع نبي مرسل) ([87]) .
” قلت ” ما هذا الإسراف: صلاة عند قبر الحسين بألف حجة وألف عمرة وعتق رقبة وجهاد ألف مرة مع نبي مرسل هذا والله الغلو، هذا في نفس الوقت الذي ينهر فيه شرع الإسلام القويم عن اتخاذ القبور مساجد حتى لا يجد الشرك طريقاً إلى قبور المسلمين الموحدين، وعن ابن أبي عمير عن رجل (؟) عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يا فلان ما يمنعك إذا عرضت لك حاجة أن تأتي قبر الحسين فتصلى عنده أربع ركعات ثم تسأل حاجتك، فإن الصلاة المفروضة عنده تعدل حجة والصلاة النافلة تعدل عنده عمرة) ([88]) .
(3)غلو الشيعة امتد إلى الطين والتراب: فعن المسيب بن زهير قال: قال لي موسى بن جعفر عليه السلام بعدما سم (لا تأخذوا من تربتي شيئاً لتتبركوا به، فإن كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي (عليهما السلام) فإن الله عز وجل جعلها شفاء لشيعتنا وأوليائنا) ([89]) .
وعن الحارث بن المغيرة قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: (إني رجل كثير العلل والأمراض ما تركت دواء إلا تداويت به فقال لي أين أنت من طين قبر الحسين بن علي عليهما السلام فإن فيه شفاء من كل داء وأمناً منكل خوف) ([90]) .
(4) إسراف الرافضة في وضع الثواب المترتب على زيارة قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما: عن صالح النيلي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام (من أتى قبر الحسين عليه السلام عارفاً بحقه كتب الله له أجر من أعتق ألف نسمة، وكمن حمل على ألف فرس مسرجة ملجمة في سبيل الله)([91]) وعن مثنى الخياط عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: سمعته يقول (من أتى الحسين عارفاً بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ([92]) .
وعن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: (ما لمن زار الحسين عليه السلام في كل شهر من الثواب قال له من الثواب مثل ثواب مائة ألف شهيد مثل شهداء بدر) ([93]) .
” قلت ” ماذا صنع حتى يأخذ ثواب 100000 شهيد ثم ماذا مثل شهداء بدر فصل يصدق ذلك إلا من به لوثة بعقله وخلل بدينه، وعن الحسين بن محمد القمي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (من زار قبر أبي عبد الله عيه السلام بشط الفرات كمن زار الله فوق عرشه) ([94]) .
“ قلت “: لقد بلغ الغلو هاهنا مبلغا كبيرا، وعن ابن ماجه قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام عمن ترك الزيارة، زيارة قبر الحسين من غير علة قال هذا رجل من أهل النار) ([95]) .
” قلت “: ومن غلوهم جعلوا لهذه الزيارة – التي من لم يفعلها كان من أهل النار – طقوساً ومراسيم وأوراداً مبتدعة معقدة يحسبها الجاهل ديناً وعبادة منها أقوال عند ورود المشهد وأقوال عند معاينة القبر وأقوالاً عند الوقوف عليه على منوال ما ورد في كتبنا الصادقة ” كتب أهل السنة والجماعة ” في زيارة بيت الله الحرام وحجه والاعتمار فيه، بل وهم ويقدمون زيارة قبر لاحسين على حج بيت الله الحرام بأضعاف مضاعفة كما سترى الآن.
[المفتاح العاشر]: وقوع الرافضة في مسالك الكفر ومذاهب الإلحاد والزندقة: وذلك بفتحهم التفسير الباطني للقرآن الكريم على مصراعيه: فالتفسير الباطني هو قرين الزندقة وصنو الإلحاد حيث لا ضابط يحكم تفسير النصوص فكل ٌ يفسر وفق هواه وبما يمليه عليه شيطانه الرجيم، ولم تكتف الرافضة بالتشكيك في حفظ القرآن، حتى أضافت إليه اعتقاداً خطيراً ثانياً أنهى كتاب الله تعالى تماماً، ألا وهو تفسير القرآن وفق الهوى دون ضوابط، والمعروف أن التأويل الباطني ليس له ضابط يضبطه ولا قاعدة يعتمد عليها، ولذلك فالتأويل الباطني هو الطريق الأوسع نحو الانحلال، وللرافضة السبق في هذا المجال، فالقرآن الكريم كله نزل فيهم وفي أعدائهم من أهل السنة، وليس الهدف من آيات القرآن – عندهم – هو إقرار التوحيد لله والاتباع لرسوله ومجانبة الشرك والكفر والفسوق والعصيان وإنما الهدف هو تقرير المذهب الجعفري الضال، فأركان الدين عندهم في التفسير الباطني تفسر بالأئمة، وآيات التوحيد تفسر بالإيمان بالأئمة،وآيات الشرك تؤول بالشرك في ولاية الأئمة، وآيات الحلال والحرام تفسر بالأئمة وأعدائهم، وهكذا فالقرآن كله في نظرهم ليس له هدف ولا عرض سوى تقرير الإيمان بالأئمة الاثنى عشر والكفر والبرآة من كل من لم يؤمن بعقيدتهم الفاسدة.
وقد غالت الرافضة في اعتقاد باطن القرآن الذي يخالف ظاهره حتى لم يتركوا آية إلا وخرجوا بها عن حدود الشرع واللغة إلى وساوس الشياطين وزندقة الملاحدة، وقد جاءت رويات في أصح كتبهم تعظم هذا الاعتقاد، روى الكليني في الكافي: (عـن محمد بن منصور قـال سألت عبداً صالحاً ” يقصـدون به موسى الكاظـم “عن قول الله عز وجل ” قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ” فقال إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق) ([96]) .
وهكذا جعلوا كل ما في القرآن من الحلال هو الأئمة الاثنى عشر، وجعلوا كل ما في القرآن من المحرمات والفواحش هم كل أهل السنة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم، فورد في تفسير العياشي: عن جابر الجعفري قال: (سألت أبا جعفر عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم، فقال لي: يا جابر إن للقرآن بطناً، وللبطن بطناً وظهراً، وللظهر ظهراً يا جابر، وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه) ([97]) .
وهكذا يعظمون التفسير الباطني ويفتحون به طرقاً عديدة للكفر والانحلال،
[أمثلة من تحريف الرافضة لآيات القرآن وذلك بفتحهم باب التفسير الباطني للقرآن]:
(أ) تحريفهم معنى (التوحيد) الذي هو أصل الدين إلى معنى ولاية الأئمة فعن أبي جعفر أنه قال: (ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتنا والبرآءة من عدونا، وذلك قول الله في كتابه ” {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}) ([98]) .
(ب) تحريفهم معنى (الإله) إلى معنى الإمام: ففـي تفسير قـول الله تعـالى: (لا تتخـذوا إلهيـن اثنيـن إنما هو إله واحـد) قـال أبـو عبد الله (يعنـي بذلـك ولا تتخـذوا إماميـن إنما هو إمام واحـد) ([99]) .
(ت) تحريفهم معنى (الرب) في القرآن إلى معنى الإمام: ففـي تفسير قـول الله تعـالى (وكـان الكافـر على ربـه ظهيـراً) قال القمي في تفسيره: الكافر: الثاني (يعني عمر رضي الله عنه) كان على أمير المؤمنين علي عليه السلام ظهيراً ([100]) .
وقال الكاشاني في بصائر الدرجات عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن تفسير هذه الآية فقال: (إن تفسيرها في بطن القرآن: علي هو ربه في الولاية) ([101]) . وفي قوله سبحانه: (وأشرقت الأرض بنور ربها) روى القمي في تفسيره عن أبي عبد الله يقول في قوله ” وأشرقت الأرض بنور ربها ” قال رب الأرض يعني إمام الأرض.
(ج) تحريفهم معاني الصراط المستقيم إلى معاني الإمام علي رضي الله عنه: فقالوا في تفسير قول الله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) الصراط المستقيم هو أميـر المؤمنين ([102]) .
(ح) وتحريفهم معاني الدين في القرآن إلى معاني الولاية: ففي تفسير قول الله تعالى (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) رووا عن جعفر الصادق: أنه قال: ولاية علي فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون لولاية علي ([103]) .
ورووا عن الصادق في تفسير قول الله تعالى: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء) (قال الإمام علي ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه من أمر ولاية علي، الله يجتبي إليه من يشاء كناية عن علي عليه السلام) ([104]) .
[المفتاح الحادي عشر]: الرافضة وعقيدة البداء: وهي بالأساس عقيدة من عقائد اليهود مفادها أن يغير الله تعالى قدره بفدر جديد، والبداء -استغفر الله- يستلزم سبق الجهل وحدوث العلم وكلاهما محال على الله عز وجل فإن علمه تعالى أزلي وأبدي لقوله تعالى: ((وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)). والشيعة ذهبوا إلى جواز البداء على الله عز وجل، ذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتابه “أصول الكافي” بابا كاملا في البداء وسماه (باب البداء) وأتى فيه بروايات كثيرة نذكر بعضها: (عن زرارة بن أعين عن أحدهما عليهما السلام قال: ما عبد الله بشيء مثل البداء، وفي رواية ابن أبي عمير عن هشام ابن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام: ما عظم الله بمثل البداء)، وعن مرازم بن حكيم قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس: بالبداء والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة)، وعن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: ما بعث الله نبيا إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء) ، ونقل الكليني أيضا (بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ما لم يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون. وأبو محمد ابني الخلف من بعدي وعنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة) ([105]) .
وقد كذبوا على الله في ذلك وعلى أئمة آل البيت، -يظنون في الله غير الحق ظن الجاهلية- يدعون أن الله كان يريد الإمامة لأبي جعفر ثم لما مات قبل أن يصبح إماما حينئذ بدا لله العلي القدير أن يكون الإمام أبو محمد ففعل، وذلك كما أنه قد كان يريد الله أن يجعل إسماعيل إماما ثم (والعياذ بالله) بدا لله الرأي الجديد فغير رأيه السابق فجعل موسى الكاظم إماما للناس- وهكذا يفترون على الله الكذب سبحانه.
المفتاح الثاني عشر: الرافضة وعقيدة الرجعة: الرجعة عند الشيعة تعني العودة بعد الموت. وهي من أصول دين الشيعة الاثني عشرية، والمقصود بعقيدة الرجعة عند الرافضة كما قال شيخهم المفيد إنها: رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة… في صورهم التي كانوا عليها ([106]) .
وعرفها محدثهم الحرّ العاملي بقوله: اعلم أن الرجعة هي الحياة بعد الموت قبل يوم القيامة، وهو الذي يتبادر من معناها ([107]) . وقال الأحسائي في كتابه الرجعة: اعلم أن الرجعة سرٌّ من سرّ الله، والقول بها ثمرة الإيمان بالغيب، والمراد بها رجوع الأئمة -عليهم السلام- وشيعتهم وأعدائهم ممن محّض من الفريقين الإيمان أو الكفر محضا، ولم يكن ممن أهلكه الله في الدنيا بالعذاب، فإن من أهلكه الله في الدنيا بالعذاب لا يرجع إلى الدنيا ([108]) .
أما منزلة هذه العقيدة في مذهبهم ودينهم: فقد رووا عن الصادق أنه قال: ليس منّا من لا يؤمن بكرّتنا ويستحلّ متعتنا ([109]) . وفي روايةٍ عنه أيضا أنه قال: (من أقر بستة أشياء فهو مؤمن : البراءة من الطواغيت، والإقرار بالولاية، والإيمان بالرجعة، والاستحلال للمتعة، وتحريم الجرى، وترك المسح على الخفين ([110]) .
وعن الرّضا أنه قال: (من أقر بتوحيد الله …وأقر بالرجعة والمتعتين، وآمن بالمعراج والمسألة في القبر، والحوض والشفاعة، وخلق الجنة والنار، والصراط والميزان والبعث والجزاء والحساب فهو مؤمن حقاً، وهو من شيعتنا أهل البيت ([111]) .
فهكذا أيدوا فكرة ابن سبأ وافتروا على الأئمة بنسبة هذه الخرافات إليهم، وجعلوا الإيمان بها كالتوحيد، ونفوا الإيمان عمن لا يؤمن بها. وذكروا أنهم مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت، كالإقرار بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة ([112]) . ولذلك قال الطبرسي والحرّ العاملي وغيرهما من أعيانهم: بأنها موضع إجماع الشيعة الإمامية، وأنها من ضروريات مذهبهم ([113]) .
وهكذا حكى شيخهم المفيد اتفاق الرافضة عليها ([114]) . وذكر محدثهم المجلسي أنهم أجمعوا على القول بها في جميع الأعصار ([115]) .
وقد نقل إجماعهم عليها أيضاً محمد بن الحسن الحر العاملي واستدل لها باثني عشر دليلا، ومما قال في ذلك: الدليل الرابع: إجماع جميع الشيعة الإمامية وإطباق الطائفة الاثني عشرية على اعتقاد صحة الرجعة فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين واللاحقين الإيقاظ من الهجعة ([116])
وممن صرّح بالإجماع من معاصريهم محمد رضا المظفر حيث قال: (نعم قد جاء القرآن الكريم بوقوع الرجعة إلى الدنيا وتظاهرت بها الأخبار عن بيت العصمة، والإمامية بأجمعها عليه. ([117]) .
فهذه هي منزلة هذه العقيدة في دينهم ومذهبهم، ومن المعلوم ضرورةً أنّ هذا مخالف لصريح الكتاب والسنة من أن من قضى نحبه وانتهى أجله أنه لا يعود مرة أخرى حتَّى يبعث الناس من قبورهم يوم القيامة، قال تعالى: {حتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100]، وقال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55]، وقال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} [يس: 31]، فكل من مات لا يرجع في الدنيا إلى يوم القيامة؛ وفي الآيات إقناط كلّي عن الرجعة إلى الدنيا كرة أخرى ، ولكن جنوح علماء الشيعة الإمامية لتأصيل هذه العقيدة وبثها في نفوس الشيعة، من باب تصبير الشيعة وتثبيتهم علَى معتقداتهم الفاسدة، لما يرون من حالات الضعف والمهانة التي لقوها من الناس عبر التاريخ، وهي تبعث الأمل لدى الشيعة الإمامية بأنّ هناك يومًا ما سينتقم فيه الشيعة من أعدائهم، وتكون الغلبة لهم ، وقد قسم الشيعة الإمامية رجوع الناس بعد الموت إلى ثلاثة أصناف: (الأول): رجوع المهدي أو خروجه من مخبئه، وكذلك رجوع الأئمة بعد موتهم، و (الثاني): رجوع خلفاء المسلمين الذين اغتصبوا الخلافة!!، والاقتصاص منهم، و (الثالث): رجوع أصحاب الإيمان المحض، وهم الشيعة الإمامية ومن تابعهم ـ بزعمهم ـ، ورجوع أصحاب الكفر المحض وهم ـ كما يزعم الشيعة ـ جميع من لم يؤمن بمذهبهم، وعلَى رأسهم أهل السنة بلا شك، ويستثنى من ذلك المستضعفين وهم النساء، والبُلْه، ومن لم تتم عليه الحجة كأصحاب الفترة … وهؤلاء عند الشيعة الإمامية مُرجَوْن لأمر الله إما يعذبهم أو يتوب عليهم ([118]) .
وبرجعة الأئمة يفرح الشيعة الإمامية بملاقاة أئمتهم وخصوصًا المهدي الذي طالما اشتاقت إليه نفوسهم، وبعودة الأئمة تكون الغلبة لهم والرفعة لهم، وبرجعة الخلفاء الذين اغتصبوا الخلافة، تطيب نفوسهم، وتشفى صدورهم بالانتقام ممن اغتصب الخلافة من عَلِيٍّ ـ بزعمهم ـ وهم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، وتذكر كتب التاريخ والمقالات أن أول من قال بعقيدة الرجعة هو عبد الله بن سبأ اليهودي وذلك لهدف زعزعة عقائد المسلمين وبث الفرقة بينهم، وقد كان ابن سبأ حاملا هذه العقيدة وغيرها من العقائد الفاسدة من اليهودية؛ حيث إن من عقائد اليهود قولهم برجعة بعض الأموات إلى الدنيا بعد فراقهم منها ([119]) .
وذكر الشهرستاني: أن عبد الله بن سبأ هو أول من زعم أن عليا رضي الله عنه لم يمت وأنه سينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا، وأظهر هذه المقالة بعد انتقال علي رضي الله عنه واجتمعت عليه جماعة سموا بالسبئية، وهم أول فرقة قالت بالغيبة والرجعة ([120]) .
قد تلقف هذه المقالة جابر الجعفي في أوائل المائة الثانية ونشرها إلى أن جاء القرن الثالث الهجري فقرر أهل المائة الثالثة من الروافض رجعة الأئمة وشيعتهم وأعدائهم تسلية لقلوبهم بهذا الخيال الفاسد ، وهذه العقيدة ليست إلا مجاهرة بأشد أنواع العداء للمسلمين عموما والصحابة ش خصوصاً نسأل الله السلامة، ومصدر هذه العقيدة اثنان أحدهما يهودي وهو ابن سبأ والثاني من أكذب الناس وهو جابر الجعفي ، وجابر الجعفي هذا قد قال فيه الإمام أبو حنيفة رحمه الله: ما رأيت أكذب منه ([121]) .
فهذه العقيدة هي من محدثات واختراعات عبد الله بن سبأ اليهودي الذي استخدم كل وسيلة لتفرقة الأمة وتمزيقها، فهل يرجى من يهودي خيرا؟! كما أن الذي تولى نشرها وترويجها هو من أكذب الناس في ميزان الجرح والتعديل، فهي ظلمات بعضها فوق بعض.
[المفتاح الثالث عشر]: الرافضة والفاحشة في صور المتعة واللواط: [نكاح المتعة]: هو أن يقول الرجل لامرأة: خذي هذا المال المعلوم – ولو درهمًا – وأتمتَّعُ بكِ مدةً معلومةً]، وفي نكاح المتعة لا ميراث بين الرجل والمرأة إن مات أحدهما أثناء المدة، وإذا انقضت المدة؛ فلا سبيل له عليها، وليس فيه طلاق ([122]) .
ونكاح المتعة مُحرَّم بدلالة القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهو محرم حتى عند الخوارج والزيدية، ولم يحله إلا الشيعة الإمامية، ويستدل الشيعة الإمامية بجواز المتعة بقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن}، وفي قراءة ابن مسعود: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل)، والجواب: (فما استمتعتم منهن ما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن أجورهن إلى مهورهن)، وقراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه شاذة لا توجد في المصادر، لا يحتج بها قرآنا ولا خبرا ولا يلزم العمل بها، ولا يمكن بها تحليل الحرام، والروافض (الشيعة) يستدلون ببعض الأحاديث الواردة في الصحاح عند اهل السنّة والجواب أنها منسوخة كما يتضح ذلك واضحا من نصوص نفس الأحاديث ومن الأحاديث الأخرى التي سيتم ذكرها، وقد صرح بذلك جميع شراح الأحاديث وأئمة السلف والخلف من أهل السنة وقد أجمعوا على ذلك فلا دلالة لهم فيها.
[المفتاح الرابع عشر]: الرافضة والكذب في صورة التقية: لم تشرع التقية في الإسلام إلا في الضرورة القصوى التي في مثلها اباح الله أكل الميتة للمشرف على الهلاك من الجوع، وتركها أشرف للعبد ولو شارف على الهلاك، إذ يجوز للمضطر أكل الميتة عند الشدة، وكذلك التقية تجوز في مثل تلك الحالة فقط فلو أن إنسانا تنزه عن أكل لحم الخنزير في حالة الاضطرار أيضا ومات فإنه آثم عند الله، وهذا بخلاف التقية فإنه إذا لم يلجأ إليها عند في حالة الاضطرار ومات فإن له درجة وثوابا عند الله، فكأن رخصة أكل الميتة تنتقل إلى العزيمة لكن لا تنتقل رخصة التقية إلى العزيمة. بل إنه إن مات لدين الله ولم يحتم بالتقية فإنه سيؤجر على موته هذا أجرا عظيما والعزيمة فيها على كل حال أفضل من التقية، وقد تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم إيذاء المشركين وكذا الصديق وبلال وخبيب وغيرهم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم اجمعين، بل واهل السنّة متفقون على أنّ منزلة عمار أبو ياسر وسمية ام ياسر أعلى منزلة من منزلة ابنهما عمار لأنهما صبرا وهم لم يصبر، وشهادة سمية أم عمار وشهادة خبيب وغيرهم رضي الله عنهم، وآيات القرآن الكريم كلها تدعو إلى العزيمة، قال تعالى: “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته”، وقال تعالى: “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله”، وقال تعالى: “اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك”، وقال تعالى: “فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين”، وقال تعالى: “اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون”.، وقال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”، وقال تعالى: ” إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون” ، أمّا عقيدة التقية عند الرافضة: فقد نقل الكليني: (عن ابن عمير الأعجمي قال: قال لي أبوعبدالله عليه السلام: يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين).
ونقل الكليني أيضا: (قال أبو جعفر عليه السلام: التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له) (عن أبي عبدالله عليه السلام قال: اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له) وينقل الكليني أيضا: (عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عز وجل (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) قال: الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة، وقوله عز وجل: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) قال: التي هي أحسن: التقية) ونقل الكليني (عن أبي جعفر عليه السلام قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به) ونقل الكليني (عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كان أبي يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية، إن التقية جنة المؤمن) ونقل الكليني أيضا (قيل لأبي عبدالله عليه السلام: إن الناس يرون أن عليا عليه السلام قال على منبر الكوفة: أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرءوا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام، ثم قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله، ولم يقل: لا تبرءوا مني) ونقل الكليني (عن سليمان خالد قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله) ([123]) .
[المفتاح الخامس عشر]: وقوع الرافضة في مسالك التدسيه وسوء الأخلاق: إنّ التزكية من أهم مهمات النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهي تزكية النفوس وطهارة القلوب وتطهيرها من الدنس، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}، والتزكية شرط أساسي للفلاح والنجاح ودخول الجنة، قـال تعالى: {قـد أفلـح من زكاهـا وقد خـاب من دساهـا}، وقال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}، وقال تعالى: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين}، ونقيض التزكية التدسية وهي سبب الخسران ودخول النيران.
والرافضة قوم لا أخلاق ولا تزكية، وذلك لأسباب عديدة آلت بهم إلى التدسية وسوء الخلق: (السبب الأول): استحلالهم السب والشتيمة واللعن على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الكرام البررة واستحلالهم السب والشتيمة على عامة المسلمين إلا من كان على نفس ضلالهم .، وهذا المعتقد عندهم سهل السب على ألسنتهم حتى صار اللعان والسباب صفة متأصلة تملأ صدورهم، و(السبب الثاني): استحلالهم دماء وأموال وأعراض مخاليفهم لا سيما من أهل السنة السائرين على هدي النبي صلى الله عليه وأصحابه الكرام البررة، وهذا المعتقد عندهم حولهم إلى طائفة من السراق واللصوص والمجرمين والنهاب، وصار الغدر صفة متأصلة في قلوبهم والخيانة صفة متأصلة تملأ صدورهم . يستحلون دماء وأموال وأعراض أهل السنة، فصاروا بصنيعهم هذا قوماً نهابون سراقون لا خلاق لهم ولا أخلاق عندهم، و(السبب الثالث): استحلالهم الكذب والتدليس والنفاق في صورة التقية التي جعلوها تسعة أعشار الدين وجعلوها ركن الإيمان، ومعتقد التقية لدى الرافضة سهل عليهم الكذب حتى اتفق علماء أهل السنة والجماعة على أنهم أكذب الناس، و(السبب الرابع): استحلالهم الزنا والفاحشة في صورة المتعة حتى أنهم من خلالها غرقوا في الفاحشة والزنا إلى حد مخيف، أعاروا الفروج فضاعت غيرتهم وصاروا لا أخلاق ولا تزكية، نسأل الله السلامة، و(السبب الخامس) إباحة اللواط بالنساء واتيانهن في أدبارهن مواطن النجاسة فاكتملت عندهم التدسية والنجاسة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
***
***
المبحث الرابع الوهابية التيمية وبدع الحشو والتجسيم والتكفير التشريك والتبديع والفهم الموازي لعلوم الدين فهما خاطئا .
ويشتمل على تلك المفاتيح:
(1) نجد وحديث قرن الشيطان.
(2) ابن تيمية شيخ اسلام الحشوية.
(3) ابن تيمية والدين الموازي.
(4) أخطاء ابن عبد الوهاب شيخ الوهابية.
(5) الرد على ابن عبد الوهاب في نواقض الإسلام العشرة.
(6) الرد على ابن عبد الوهاب فيما ذكره في كشف الشبهات.
(7) تقييم الحركة السلفية المعاصرة ما لها وما عليها.
(8) المباحث الخاطئة التي حالت دون فهم الوهابية للعقيدة الصحيحة.
(9) الوهابية ومحاولات سحب البساط من تحت أقدام أهل السنّة.
(10) يجب الحذر شرعا من كل شاذ غريب في مذاهب الوهابية
[المفتاح الاول]: نجد وحديث قرن الشيطان: النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من الدعاء لأهل نجد: روايات امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء لنجد وأهل نجد:
(أ) روى البخاري عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([124]) .
(ب) وروى البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان) ([125]) .
(ت) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم ) ([126]).
(ث) وروى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([127])
وفي رواية لمسلم: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([128]) .
(ج) وروى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ([129]) .
(ح) وروى مسلم عن أبي مسعود قال ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: (ألا إن الإيمان ههنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([130]) .
المقصود الحقيقي بنجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: هو إقليم نجد المعروف بالسعودية لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية، ومما يؤكد ذلك سبعة أمور:
(الأمر الأول): نجد في اللغة ما ارتفع من الأرض، ولو نظرنا إلى الخارطة لوجدنا أن نجد السعودية أرض عالية حيث ترتفع إلى ما يقارب الألف متر فوق سطح البحر بينما العراق سهول سهلة لا يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر أكثر من مئتي متر فحسب، فنجد لغة هي الإقليم المعروف في السعودية وهو المقابل للحجاز.
و(الأمر الثاني) أننا لو مددنا خطاً مستقيماً موازياً لخط الاستواء منطلقاً من المدينة إلى حيث تطلع الشمس لمر تماما في قلب إقليم نجد ويمر على الرياض عاصمة السعودية، ثم يكمل مسيره إلى شمال الهند، ولا يمر على العراق، أما لو رسمنا خط بين المدينة و بغداد فإن ميلان هذه الخط أكثر من 45 درجة مما يعني أن العراق تقع إلى إلى الشمال الشرقي من المدينة، أما ساكن المدينة الذي يشير إلى مطلع الشمس فإنه يشير بوضوح إلى إقليم نجد وليس إلى العراق.
و(الامر الثالث) أنّ العرب في الجاهلية كانوا لا يعرفون نجدا على اطلاقه إلا إقليم نجد المقابل للحجاز، وقد ورد ذكره كثيراً في أشعار العرب، فيقول عروة بن الورد مثلاً: (فيوماً على نجدٍ و غارت أهلها، و يوماً بأرضٍ ذاتِ شَثًّ و عَرعَر) والعراق بذلك الوقت كانت فارسية، بل عاصمة الفرس آنذاك كانت المدائن على نهر الفرات في جنوب العراق ولم تسمى العراق أبدا بنجد.
و(الأمر الرابع) قوله صلى الله عليه وسلم: (وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([131]) .
والابل معروفة في نجد وليس العراق بل الابل علامة لأهل نجد دون غيرهم.
و(الامر الخامس) قوله صلى الله عليه وسلم: (حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)، فهنا وصف قرن الشيطان أنه يخرج من مضر وربيعة وهما من جزيرة العرب وليسا من خارجها، وكل أصول أهل نجد ترجع إليهما.
و(الامر السادس) أنّه مما يؤكد أن المقصود بالمشرق هم أهل نجد اليمامة بالسعودية أن لفظ (المشرق) عند العرب هو ما يقع على (نجد)، للحديث الذي ذكره ابن حبان في صحيحه : قوله صلى الله عليه وسلم: (خير أهل المشرق عبد القيس، أسلم الناس كرها، وأسلموا طائعين) ([132]) .
ومعلوم أن هذه القبيلة كانت تنزل جزيرة لعرب وتسكن إقليم نجد المقابل للحجاز وليس العراق ومنهم (أشج عبد القيس رضي الله عنه الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم.
و(الامر السابع) أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لنجد (قرن المنازل) ويسمى أيضا (قرن الثعالب) وهذا بين في أن المراد بها نجد وليس العراق، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرن المنازل) ([133]) .وهو بعيد جدا عن العراق، ولذلك وقت لهم عمر رضي الله عنه (ذات عرق) مما يدل على اختلاف الاتجاهات، فقد أخرج البخاري عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: (لما فُتح هذان المصران أتوا عُمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَدَّ لأهل نجد قرنا وهو جورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شق علينا، قال: فانظروا إلى حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عِرق) ([134]) .
فلو كان العراق بالمشرق كما هو حال لنجد لكان الميقات واحدا، ولكن نجد مشرق المدينة وميقاتها قرن المنازل والعراق جهة الشمال الشرقي بل هي إلى الشمال أقرب فكان ميقاتها ذات عرق.
وهذا لا يدع مجالا للشك بان نجد المقصودة بالأحاديث هي إقليم نجد المعروف والذي اذا أطلق (نجد) فلا يقع إلا عليه، وأهل المشرق لساكني المدينة المنورة هم أهل نجد وليس أهل العراق، وقد جاء في سيرة ابن هشام القصة المشهورة عندما تكلم خطيب بني تميم عطارد بن حاجب عندما وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم يفاخرونه فقال ضمن خطبته: (وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عُدة) ([135]) . فأهل المشرق هم بنو تميم وهم من يسكن إقليم نجد، فلا ينبغي التمحل بتحويل الأنظار إلى ما يُقال أنه نجد العراق لأن العراق سهول سهلة ولا يقال لها نجد، والنجد لا نعرفه إلا الإقليم الذي ظهر فيه اثنان أحدهما مسيلمة الكذاب وأتباعه من قبائل نجد، والثاني محمد بن عبد الوهاب واتباعه من قبائل نجد، وقد استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم باسم الدين، وليس أدل على صدق ما نقول من أنّ اتباعه واتباع فرقته يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية.
[المفتاح الثاني]: ابن تيمية كان موسوعة علمية واسعة في شتى علوم الإسلام، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في كل علم على حدة، فكل علم فيه المحكم والمتشابه ولا يعرف ذلك حق المعرفة إلا المتخصصين في هذا العلم او ذاك، ولم يكن هو مطالبا بجمع العلوم كلها بدقه أهلها ومتخصصيها وهذا غير متيسر إلا للأنبياء، وللأسف لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، وهاجم أهل كل علم في تخصصهم، فلم يحترم التخصص العلمي ولا اهله القائمين عليه، مع انّ الله تعالى دعانا إلى احترام أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، فأهل الاستنباط لكل علم هم أهل الخبرة والتخصص ولا يمكن الهجوم على كل العلوم دفعة واحدة إلا بدراسة مقدماتها والتفريق بين محكمه ومتشابهها، كتب في مسائل الإيمان ولم يكن ضبط أحكامها وفرق بين أصولها وفروعها ومحكمه ومتشابهها وأعلم يقينا أنه ألف فيه ولم يكن يعرف عناصر الأصل المنجي من الخلود الأبدي في النار (أقل ما يصح به الإيمان)، ولم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وخلط بين عناصر الأصل والواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، وأورث أتباعه غلوا في مسائل الإيمان ليقترب فيه من مذاهب الخوارج، والف في التوحيد ولكنه لم يكن يفرق ما بين أصل العبادة وصورها ولم يكن يعرف أركانها، ولم يكن يحمل متشابه التوحيد ويرده إلى محكمه، ولم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، وأورث أتباعه غلوا في باب التوحيد والشرك كما أورثهم من قبل غلوا في مسائل الأيمان، وكذلك عندما كتب في علم الاتباع والابتداع لم يحدد بدقة المتخصصين شروط البدعة الضالة ولم يفرق بين الحسنة والسيئة فأورث أتباعه غلوا في باب السنّة والبدعة كما أورثهم من قبل الغلو في باب الإيمان والكفر وباب التوحيد والشرك، وهكذا بدأ الخلل يظهر في باب الأسماء والأحكام عامة بما ينذر بظهور فهم موازي للإسلام يضاهي به فهم المدارس العلمية المتخصصة ويناطح كل مدرسة في تخصصها الذي قامت عليه وأحكمت أصوله وفروعه وفرقت بين محكمه ومتشابهه، ثم كانت الطامة عندما بدأ يتكلم عن الذات الإلهي الأقدس بما لا يعرف ولا يتعلم، ولم يكن قد درس مقدمات الإلهيات ولا قواعد التقديس التي تمنع من الزلل عند الحديث عن جناب الله الأقدس، وكما أنّه ذهل ذهولاً شديداً عن علم التقديس (قسم توحيد الذات)، ولم يستطع هضمه، ولا معرفة قواعده فآل به ذلك إلى عداوة قلبية للسادة الأشاعرة حماة العقيدة والمؤصلين بحق لكل أبوابها على منهاج أهل السنّة والجماعة، وأدت تلك العداوة إلى الانتقاص من قدرهم بمناسبة وغير مناسبة، كما أنّها سببت خللاً عميقاً عنده عند الحديث عن أهل السنّة والجماعة وأهم صفاتهم وأهم أعلامهم، فأدخل الحشوية في إطار أهل السنّة، وأثنى على مؤلفاتهم، وفي المقابل صال وجال على علماء الأشاعرة المتخصصين في العقيدة دون أن يفهم منطلقاتهم التي استقوها من الكتاب والسنّة، والتي أجبرتهم على تبني مذهبهم في شتى أبواب علم العقيدة، واكاد أجزم بأنه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث، وطن أنهم على مذهب السلف ولم يكونوا كذلك، وبعد جهوده الكثيفة في نشر مفاهيمه عن الإسلام بأنّه قد أفنى عمره في نصرة مذاهب الحشو والتجسيم وعدم التخصص على حساب أهل السنّة والجماعة أهل التخصص العلمي الدقيق في شتى علوم الدين، وبدأ يبني فهما للإسلام يخصه وحده يجاهد من اجل ترسيخه بين المسلمين بديلا عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية التي أفنى آلاف العلماء فيها أعمارهم.
لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه كما أنّه بسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وهو علم عزير وبسبب عدم مقدرته على هضم مفرداته، هجم على النصوص الشرعية دون فهم حقيقي لمغزاها، ودون تفريق بين محكمه ومتشابهها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من كل الجهات وانه متناه من جهة التحت يقينا، لمحاذاته للعرش وكأنه تصور الإله تعالى وتقدس جسما عظيما له طول وعرض وحجم وشكل وصورة وتخاطيط وانه يجلس على العرش، والكون كله تحته، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته)، وعلى هذا المذهب فإنّه سبحانه يبقى نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دلت الدراسات الجغرافية، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، فقال في كتابه بيان تلبيس الجهمية:(وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم)([136]) .
وقال في الموافقة: (كذلك قوله – تعالى – {لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وقوله {هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}، ونحو ذلك فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه بل ولا على نفي ما يسميه أهل الاصطلاح جسماً بوجه من الوجوه) أهـ ([137]) .
وعلى ذلك فهو لا يرى في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول أحد من السلف ما يمنع أن يكون الله جسماً، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، ومن ذلك قولا الإمام أحمد، فقد نقل أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها عن الإمام أحمد قال : (وأنكر أحمد على من يقول بالجسم وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجيء في الشريعة ذلك فبطل،) اهـ ([138]) .
ودندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، وقد تأثر به عدد قليل من تلامذته، ولكنه لم يكونوا في مثل حماسه في نشر أفكاره، فهدأت الفتنة حنى جاء الوهابيون فأحيوا مذهبه بما فيه من طوام وأخطاء، محاولين سحب أهل السنّة والجماعة نحو مذهبهم الجديد، بإرهاب فكري يتمثل في تكفير المخالف أو تبديعه أو تضليله إذ هم لسان الحق وسطوته على الأرض كما يحسبون، وباختصار شديد أُشير إلى بعض اخطائه الجسيمة في أبوب العلم والدين والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح الثالث]: أخطاء ابن تيمية في مجال علوم العقيدة، في مجال علوم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها: (أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين.
(ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة.
(ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات.
(ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض.
(ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة.
(ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء.
(خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة.
(د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين.
(ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، وحارب تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم أهل التجهيل، وأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة لعلم المتشابه، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة.
[المفتاح الرابع]: ابن تيمية ينفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك:
(أ) إنكاره المجاز في القرآن، مع أنّه ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ولولا أنّ مجال الحديث هنا لا يتناسب مع الإطالة في باب المجاز لسردت ستمائة آية تدل على المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن المؤمن بالحي الذي يسمع ويبصر فيستفيد بما يسمع ويبصر، وعن الكافر بالميت الذي لا يسمع ولا يبصر لأنّه لا يستفيد بهما، وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، وقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 13، 14]، والسفينة لا تجري في أعين الله، تعالى الله، وإنما هو تعبير مجازي عن رعاية الله تعالى وحفظه لأهل السفينة، وقوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ موسى عليه السلام لم يصنع على عين الله تعالى، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والحاصل أنّه تكلف نفيه ولم يكن صوابا.
(ب) ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد.
(ت) دندن حول قدم بعض المخلوقات ووجودها مع الله كالعرش، وهذا يضاهي الفلاسفة بقدم العالم، وأجاز التسلسل إلى ما لا بداية، كما أجاز العقلاء التسلسل إلى ما لا نهاية، مع أنّ الفرق بينهما عظيم، والاول مستحيل لأنّه يؤول إلى قدم العالم، والثاني جائز كبقاء أهل الجنّة واهل النار إلى ما لا نهاية.
(ث) وقال بحدوث القرآن، وحدوث صفة الكلام، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر.
(ج) وصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، حتى قال في منهاج السنّة النبوية (1: 224): (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل).
(ح) اخترع في صفات الله مقولة لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف أهل الأصول، مقولة (أنّ صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد)، وإذا كانت الآحاد على زعمه محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند أهل الأصول، وقد دخل عليه الشيطان من باب: أليس الله تعالى يرى مخلوقاته ويسمع كلامها وأصواتها، أليست محدثة والله يعلم بها ويراها ويسمعها فلماذا لا تعد هذه الرؤية والسمع حوادث تحل بالذات تعالى؟! والجواب: أنه ثبت باليقين القاطع أن الله تعالى وتقدس لا يتغير ولا ينتقل من حال إلى حال، لأن النقص لازم لذلك لزوما بينا، ولو تجددت لله والعياذ بالله فلا بد وأن يكون تجددها كمالا بعد نقص أو كمالا زائد بعد كمال ناقص، وكل ذلك ينافي الكمال المطلق الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وكل هذا محال على الله تعالى وتقدس، وقد أجمعت الأمة أيضا على أن صفات الله الواجبة قديمة غير حادثة، والقول بأن لله علما حادثا بسبب حدوث معلوم لم يكن، أو سمعا حادثا بسبب حدوث مسموع لم يكن أو بصرا حادثا بسبب حدوث مبصر لم يكن أو إرادة حادثة بسبب حدوث مراد لم يكن !!! من قال هذا فقد أنكر الإجماع الضروري على قدم صفات الله، بجعله إياها حوادث متأثرة في وجودها بالمخلوقات الحادثة، فبدلاً من أن يصير الحادث خاضعا لعلم الله صار علم الله خاضعا للحادث فلا يكون ثم علم إلا بكون الحادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب على المسلم الجزم بأن الله قد علم كل شيء وأدركه تمام الإدراك قبل حدوثه أزلا، على ما هو عليه بعد حدوثه، بحيث يجزم أن الله لم يحصل له بحدوث المخلوق علم جديد أو سمع جديد أو بصر جديد، ولا يُتصور مسلما عاميا فضلا عن عالم يعتقد في الله بتجدد العلم أو السمع او البصر كلما جد حادث، فيكون الزمان فاعلا في الله ويكون علم الله الآن قد زاد عن ساعة مضت بقدر تجدد المعلومات أو بصر الله قد زاد بقدر تجدد المبصرات أو أنّ سمع الله قد زاد بقدر تجدد الأصوات فيكون قبل ساعة ناقصا عن حالته الآن ومع توالي الأزمان يزداد العلم والسمع والبصر والكلام ألا يعلم أنّ من قبل الزيادة كان ناقصا قبل قبول الزيادة فأين الكمال المطلق الذي يتصف به الله، ومن كان هذا حاله من قبول الحوادث وتجدد الصفات فهل يصلح للإلهية تعالى الله عن ذلك علوا عظيما، بل كل المسلمين عدا الكرامية ومن قال بقولهم في قبول الذات الإلهية للحوادث يعتقدون بأن صفات الله تعالى قديمة ولا تقبل الحادث ومن قبل الحادث فهو حادث ومن كان حادثا انتفت عنه الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فعلمه قديم وكلامه قديم وارادته قديمة وسمعه قديم وبصره قديم وكل صفاته قديمة لا يجري عليها زمان ولا تقبل التغير ولا تقبل لا زيادة ولا نقصان لأن من قبل الزيادة كان قبل الزيادة ناقصا ومن قبل التغير والحدوث لم يكن إلها أزليا له الكمال المطلق.
ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم سوي أنّ الله تعالى علم الحوادث وسمعها وأبصرها وأرادها قبل حدوثها فلم يتغير بعد حدوثها عند الله شيء، ولم يزدد بكونها وحدوثها شيئا فالحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه، ولا يلزم من قولنا بقدم صفات الله من العلم والسمع والبصر أن تكون الحوادث قديمة فهي من اسمها حادثة بعد ان لم تكن، فالقديمة صفاته والقديم علمه وسمعه وبصره ومشيئته وإرادته وكلامه وسائر صفاته، أما المعلوم والمسموع والمبصَر، فمنه القديم الازلي كذات الله وصفاته ومنه المحدث كسائر مخلوقاته، فالعلم والسمع والبصر صفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومتعلقاتها هي الحادثة، فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر ويسمع كل مسموع أينما كان، ويعلم المستقبل كما يعلم الماضي كما يعلم الحاضر لأن المستقبل والحاضر والماضي إنما يسري على المخلوق وليس الخالق، والأصوات كلها منكشفة على سمعه القديم سواء التي هي بالنسبة لنا ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، لأنّ الأزمنة مهما تقلبت وتصرفت فلا تجري على الخالق وصفاته القديمة كعلمه وسمعه وبصره وإنما تقف الأمكنة والأزمنة على اختلافها بعدا وقربا حجابا وستارا عن سمع المخلوق وبصره لا عن سمع الخالق وبصره وعلمه، فتعالى الله عما يصفون، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(خ) ودندن حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده.
(د) ودندن حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة.
(ذ) كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ينقل في ذلك الخلاف بما لا ينبغي حفظا لمقام الأنبياء.
(ر) كما دندن حول فناء عذاب أهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}
[المفتاح الخامس]: أخطاء ابن تيمية في مجال الفقه: كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ) في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: (أما بعد: فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام) أهـ ([139]) .
[المفتاح السادس]: أخطاء ابن تيمية في مجال التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها، وتجريح أكابرها، وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيت الرسول: أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أمّا حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ([140]) .
فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضل الصلاة فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع أهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز، على أنّه لم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية.
في مجال الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف قليلاً عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، حتى قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة والد الحلي الذي ألف ابن تيمية كتابه منهاج السنة النبوية في الرد عليه: (وكم من مبالغة له لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه) أهـ،([141]) . وقال في الدرر الكامنة: أن ابن تيمية خطأ أمير المؤمنين عليًا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف فيها نص الكتاب، وأن العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في علي كرم الله وجهه، ولقوله أيضا فيه: أنه كان مخذولا، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة) أهـ،([142]) . كما خانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد، وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم كحجة الإسلام الغزالي والإمام الرازي وغيرهما من الأكابر، وصال علي خيرة علماء عصره ونال منهم، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه من أجل أن يحفظوا الناس من أخطائه.
[المفتاح السابع]: قول ابن تيمية بقيام الحوادث بذات الله تعالى من أبشع انحرافاته عن منهاج أهل السنّة فيما يتعلق بجناب الذات الإلهي: حيث كان يعتقد أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى أي أن الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة ثم اتصف بها، قال ابن تيمية في منهاج السنّة النبوية: (فإن قلتم لنا: فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل)، ([143]) .
وقد اتبع ابن تيمية في عقيدته هذه الكرّامية شبرًا بشبر، قال الإمام أبو المظفر الإسفراييني: (ومما ابتدعوه- أي الكرَّامية- من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات، وسموا ذلك سمعًا وتبصرًا، وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم) أهــ ([144]) .
فتبين مما أوردناه أن ابن تيمية ليس له سلف إلا الكرامية ونحوهم، وليس كما يدعي أنه يتبع السلف الصالح، نسال الله السلامة
[المفتاح الثامن]: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة: ابن تيمية يفني عمره في الرد على أهل الحق الأشاعرة، وهو لم يستوعب علمهم ولم يصل إلى شيء من رسوخهم في علم العقيدة والأصول، ومن ذلك كتابه (العقيدة الحموية): وهي جواب لسؤال ورد من حماه حول آيات الصفات كالاستواء وأحاديث الصفات كالأصابع والقدم، فتتطاول على مذهب أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة بما لم يفهمه ولم يفرق بين المحكمات والمتشابهات من الصفات ومال إلى مذهب الحشو والتجسيم، واستطال به على أهل التخصص، وتطاول على الأشاعرة بأنّهم يقولون: مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهم لم يُطلقوا القول بذلك، وحاشاهم وهم أهل الرسوخ في العلم والحق، ولكنّهم خصوه بما يتعلق بالرد على أهل البدع كالمعتزلة والحشوية وبما يتعلق بتقرير مذهب الفرقة الناجية، والانتصار لمذهب التسبيح والتقديس مذهب أهل الحق على مذاهب أهل الباطل والفرق الضالة، وإلا فهم يقولون بالتفويض كما هو حال السلف، وهل كان يسع السلف السكوت على بدع الحشو التشبيه، وهم أرقى الناس تنزيها وتقديسا لله.
ومن ذلك أيضا كتابه: (نقض أساس التقديس): ويسمونه أحيانا (كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) وأحياناً: (نقض تأسيس الجهمية)، والكتاب من أسوأ كتب ابن تيمية لأنه جعله خاصا بالرد على كتاب من أعظم كتب التنزيه والتقديس وبيان مذهب أهل الحق تجاه المعتزلة والحشوية الذين مال إليهم ابن تيمية وهو لا يعلم ما عند الرازي من العلم الراسخ، ويا ويله منه ومن أهل السنّة جميعا يوم القيامة، الأشاعرة، ومن ذلك أيضا: كتاب (درء تعارض العقل والنقل)، ألفه وهو لا يعلم ما هو العقل الصريح ولا ما هو النقل الصحيح ومعناه المقصود في الشرع والذي فهمه أهل التخصص من الأشاعرة والأثرية والماتريدية، فما كان أغناه عن الحديث عن علم لا يعلم أسسه ولا قواعده، ومن أفتى بغير علم لازمه الخطأ وفتن الناس عن الصواب، ومن ذلك ايضاً: (القاعدة المراكشية) ألفها لإثبات العلو الحسي، والرد على أهل الحق فيما أصلوه من قواعد التقديس التي تعصم من الحشو في مسائل: (العلو) و(الاستواء على العرش)، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة التدمرية) دندن فيها حول المتشابه من الصفات بقصد إثباتها على ظاهرها، وخاض في القدر بما لا يعلم من عواقب ولوازم الفساد في قوله، وأقله نصرة مذاهب المعتزلة والاقتراب منها، وما ألجأه إلى الخوض في ذلك كله إلا الجدال والخصومة مع أهل السنّة الأشاعرة، ومن ذلك ايضاً: (شرح الأصفهانية)، والاصفهانية متن في العقيدة مختصر لشمس الدين محمد بن محمود بن عباد الاصبهاني، على منهاج الأشاعرة، وهو لم يشرحها وإنما ألف شرح الأصفهانية بقصد الرد عليها، كما ألف تلميذه ابن أبي العز الطحاوية للرد على ما فيها من التقديس والتنزيه كقوله – أي الطحاوي – رحمه الله: (ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، وها هنا رد ابن تيمية على الأصفهاني في كل مسائل التنزيه من كلامه في الصفات والإيمان والنبوات، وكأنّه لا يرضى عن الحشو بديلا.
ومن ذلك ايضاً: (المناظرة حول الواسطية)، وهي تسجيل لما جرى حول كتابه (الواسطية) من مجالس ناقشه فيها الأشاعرة وبينوا له الصواب فلم يفهمه، ثم حشا مناظرته بالحشو في مسائل التأويل، والحرف والصوت، والاستواء، ومن ذلك ايضاً: (الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات) نفى فيها المجاز وهو شطر اللغة الحسن وكابر الجمهور في إثباتهم للمجاز، وآل به نفي المجاز إلى الحشو في باب المتشابهات، وإثبات ظاهر المتشابهات بما يؤول إلى الفتنة والبدعة والتجسيم، ووصف الله تعالى بما يُفيد العلو الحسي على العرش، وبالغ في رد التاويل مع أنّه لا مناص منه، فإن أثبت العلو الحسي أول القرب والمعية لا محالة، وإن فهم المجاز في كليهما استراح وأراح، ومن ذلك ايضاً: (التسعينية) خصصها للحديث عن أنّ كلام الله تعالى لابد ان يكون بحرف وصوت، وأن الكلام إن لم يكن بصوت فلا يسمى كلاما، وخصصها للرد على أهل الحق (الأشاعرة) في مسألة الكلام النفسي التي جاء بها أولاً القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8]، فقد نسب الله تعالى إليهم القول: {وَيَقُولُونَ}، ولم يكن بصوت، {فِي أَنْفُسِهِمْ}، فلم يسمعهم أحد لأنّه كان كلاما نفسيا في أنفسهم وضمائرهم لم يسمعه أحد، ولكن سمعهم الله السميع العليم، فإذا جاز أن يُنسب إليهم قول النفس بلا صوت، أفلا نقدس كلام الله تعالى عن أن يشبه كلام البشر، ولو تدبر قوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، لعلم أنّ القول منه ما هو بصوت يُسمع، ومنه ما هو ليس بصوت فلا يُسمع، فقول النفس: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ}، قول ليس بصوت ولا يُسمع، وقول الجهر بصوت يُسمع: {أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}، فلماذا المكابرة والجهل ومعاداة أهل القرآن وأهل التخصص العلمي في العقيدة، والمكابرة بزعم أن القول لا يكون إلا بصوت وأنّ القول لابد وأن يُسمع وإلا لم يكن قولا، وهذا القرآن ينطق بذلك، ولو تدبر قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77]، لعلم أنّ من القول قول السر: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، {قَالَ: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا}، فالقول قول النفس لأنّ يوسف عليه السلام لم يقل لهم هذا القول وإنما قاله في نفسه فقد، وعبر عنه القرآن الكريم بقوله: {قَالَ}، ومثله تماماً قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} [آل عمران: 154]، فالقول هاهنا هو القول النفسي بغير صوت، ولو تدبر قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} [الزخرف: 80]، فالله تعالى يسمع السر وأخفى، والسمع هاهنا لا يُشترط له الصوت، فلماذا التشنيع على أهل الأصول والتخصص، ولكنّه بالغ في الرد على أهل الحق من تسعين وجها من حشو الكلام وهرطقته مما لا يفهم هو المقصود منه، ومما يُضحك المتخصصين على سوء فهمه ورداءة تصوره في كل ما يتعلق بالتقديس فإن قلبه أُشرب بالتشبيه، وهو لا يدرك أبعاد ذلكم التشبيه والذي لا يدركه إلا أهل التخصص الراسخين في علم التقديس.
ومن ذلك ايضاً: (النبوات): ما أتى فيه بشيء مفيد فالصواب فيه ما قاله المتخصصون من الأشاعرة وكل ما خالفهم فيه نصر فيه قول الحشوية ممن لا خلاق لهم ولا عقل ولا خلق، وبدلا من أن يشكر الأشاعرة على تقرير الحق في مسائل النبوات، (ومن لا يشكر الناس على المعروف لا يشكر الله) أخذ ينشر الزلات التي افتراها المغرضون على الباقلاني والغزالي مما يبرؤون من الفهم السقيم لها، ومن ذلك ايضاً: كتابه (الإيمان): غالى فيه بما يُقربه من مذهب المعتزلة وهرف فيه بما يردده الحشوية، وهاجم فيه الأشاعرة وصنفهم فيه ضمن المرجئة والجهمية، وهو والله لا يعرف أصول الإيمان ولا حده الادنى ولا أصله الفاصل بين الإيمان والكفر، ولا يفهم مراد الأشاعرة ولا حتى الماتريدية من قولهم في الإيمان مع أنّه الجمع العدل بين الآيات المتعددة، وهو الحمل المتقن للمتشابهات على محكماتها في باب الإيمان،، ولقد كلفت من جهة شرعية بتلخيص كتاب الإيمان له، فوجده – إحقاقا للحق – يتكلم في علم لم يضبط لأصوله وقواعده، وهي عنده مشوشة غير منضبطة، يصنف فيه الطوائف على خلفية أهل الحشو لا أهل الأصول، بما لا يعرف عقباه من الانحراف نحو الغلو في التكفير، وكان يكفيه أن يقرأ قراءة فهم دقائق معدودة لما كتبه علماء العقيدة الحقيقيون المتخصصون من الأشاعرة والماتريدية، ويفهمه على يد مبتدئ من تلامذتهم ليستريح وليريح الامة من اللجاج والفرقة والغلو في كل أبواب الإيمان، ومن ذلك ايضاً: كلامه في (شرح حديث النزول) فسود الصفحات تلو الصفحات بالنزول الحسي وأنّه على حقيقته نزولا من العرش إلى السماء الدّنيا، وكأنّه يتكلم على ملك مجسم محدود ينزل ويصعد، وإن لم يكن كلامه في (شرح حديث النزول) من الحشو المرذول فليس في الدُنيا حشو ولا تحسيم، وما الفائدة من اثبات النزول على حقيقته، وحقيقته الهبوط من علو إلى سفل، فبالله هل تلك عقائد أهل السنّة المنزهين لله تعالى عن الشبيه والمثيل، أم عقائد المشبهين الذين يشبهون الله تعالى بخلقه في حركاتهم وسكناتهم ونزولهم وصعودهم، بالله عليك يا رجل إنّ الخالق لا يُشبه المخلوق في شيء، فالمخلوق محدود بالمكان يتحرك فيه ويصعد وينزل فيه، والله تعالى أن يحده حد او يوفيه مقدار مهما كبر، فالله اكبر وأعظم واجل أن تحده الحدود، قال الطحاوي في عقيدة المسلمين: (فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات) أهـ، تنزه عن كل ما يخطر بأذهان البشر، ومنه النزول الحسي الذي يتوهمه أهل الحشو، وهل حديث النزول كان مراده تخيل النزول ومن ثم الصعود، أم مراده بيان فضيلة ثلث الليل والاستغفار فيه والتهجد فيه، لأنّ عبادة الليل أبعد ما تكون عن الرياء والنفاق، ولأنّ ثلث الليل يتوزع على انحاء الأرض كل لحظة، فلنا أن نتخيل النزول والصعود على مدار لحظات الليل والنهار، لأنّ الليل في الأمريكتين هو النهار في بلاد العرب، وثلث الليل في حق مسلمي امريكا كما هو في حق مسلمي البلاد العربية، فهل هذا هو ما يرمي إليه الحشو في شرح حديث النزول، وهل هذا هو الطريق الأمثل لشرح المتشابهات، التي كان السلف الصالح حقاً ينهون عن مجرد السؤال عنها، أن نشرح الحديث في قريب من مجلد نحشوه بالتشبيه والتجسيم.
[المفتاح التاسع]: ابن تيمية يفني عمره في نصرة أقوال أهل الحشو التشبيه: لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وإلى أهل الحديث،، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، والتوجيه لحمل الآيات والأحاديث على المعنى والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه الحركة والنزول من علو إلى سفل، ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب السلف الصحيح، والذي ليس لهم مذهب سواه، وهاجم الأثرية أتباع السلف وذلك بزعم أنه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وعلى مذهبه فإنّه سبحانه يبقى – أستغفر الله – نازلاً أبداً، لأنّ ثلث الليل لا ينقطع عن الارض لحظه واحدة بل يدور في أجزاء الأرض بدورانها، كما دلت الدراسات الجغرافية، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، كما دندن حول الجسمية والتجسيم، وأنه لا يوجد شرعاً أو عقلاً ما يمنع من أن يكون الله جسماً !!، مع أنّ إجماع أهل الأصول ممن يؤخذ بقولهم في العقيدة على تنزيه الله تعالى عن الجسمية ومعاني الجسمية، كما دندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنه لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، ومن أجل ذلك عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[المفتاح العاشر]: من رؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام لجمهور علماء المسلمين، ولأجلها اعتقل مرات عديدة ونفي إلى مصر وسجن ومات بسجنه:
(أ) وجوب وصفه سبحانه بالصفات الخبرية المتشابهة كالوجه واليد والعين والمجيء والنزول والاستواء بنفس المعاني اللغوية الظاهرة المعروفة من اللغة من دون تصرّف، مع أنّها أمور متشابهة لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم، وقد قام بذلك علماء الأصول مفاخر الإسلام ومعاقد الإيمان، فضبطوا علمها وابن تيمية لا يعلم عن هذا العلم شيئاً.
(ب) تحريم التوسّل بالأولياء والصالحين، وتحريم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم لأنّها شرك بالله، مع أنّ الشرك ضد التوحيد، والتوحيد هو افراد الله تعالى بالعبادة، وللعبادة جانب أهم وهو اعتقاد الإلهية والربوبية في المعبود، وجانب آخر هو العمل العبادي كالسجود والدعاء وغيرهما من مفردات العبادة، فمن صرفها باعتقادها كان عابدا، ومن صرفها بغير اعتقاد، فهي أبعد ما تكون عن العبادة ومنه سجود الملائكة لآدم، فأين كل هذا من التوسل بالصالحين إلى الله تعالى لنيل الشفاعة عند الله، ومع ذلك وعلى سبيل التنزل فقصاراها مسائل خلافية لا يجوز الاحتساب فيها، ولا الأمر والنهي فيما ومع ذلك أفنى ابن تيمية حياته في نصرتها في أوقات كانت الأمة تنزف دماءها بسبب ضعفها أمام التتار، فهل كان صوابا أن يشغب على الأمة بمفردات حشوية لا تمت إلى الأصول بنسب ولا صلة.
(ت) تحريم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك، وهذا أطم الطامات، حيث انفرد به عن علماء الإسلام، وحمل حديث (لا تشد الرحال) على غير محامله، فقد سيق في بيان فضل المساجد الثلاث على غيرها، فادخل فيها زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة للزيارة بالحديث، بل علاقته أقرب إلى زيارة القبور، وهي جائزة باتفاق، وأولاها قبر سيد الأولين والآخرين الذي به صلى الله عليه وسلم أخرجنا الله تعالى من الظلمات إلى النور، وما المانع أن يأتي بعده من يحرم شد الرحال للعمل أو طلب العلم، لأنّ مآخذها ومآخذ الزيارة سواء، وجميعها أجنبي عن فتوى تحريم شد الرحال، إنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تك الزيارة في تلك العصور أبداً ذريعة إلى الشرك، بل كان الهدف منها توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره، وهو مطلب قرآني، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} الآية، ولكن ابن تيمية، يُخالف ذلك كله، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم تمسكاً بحديث غير دال على ما ذهب إليه، فما ذنب الإسلام إن كانت بعض الأفكار الحشوية والخاطئة قد تسربت إلى عقل ابن تيمية ومن ثم إلى أتباعه، والحقيقة المؤسفة أنّ ابن تيمية لم يكن سلفياً واعيا، بل تسربت إليه العديد من مفردات المذهب الحشوي، تسربت إليه من مؤلفات الحشو التي سماها أصحابها بكتب السنّة والشريعة والتوحيد، وظن هو أنّ لها من اسمها نصيب، مع أنّ فيها من الحشو ومحاربة الأصول وهدم الصروح العلمية والقواعد التقديسية والأصول التنزيهية الكثير والكثير مما أضر به، وبأتباعه من بعده.
[المفتاح الحادي عشر]: إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد سوى المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، هاجم الأصول والفروع والوسائل، وأخذ يهوش على المتخصصين، فنصحوه ووعظوه، فلما خافوا من فتنته للعامة والجهلاء سجنوه وخافوا الله تعالى فيه فلم يقتلوه، ثم لم يهدأ حتى دخل في دهاليز مظلمة من الحديث عن علم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يدرك المعقول ولم تتهيأ له الفرصة في تعلمه على يد المتخصصين، فجال وصال وقطع الطريق على العلماء والفقهاء والعارفين ثم لم يهدأ حتى نال من منزلة سيد الأنام بأن حرّم التبرك والتوسل به إلى الله تعالى، مع أنّه أفضل الوسائل وأقصر الطرق إلى رضا الله، ثم أضحك الثكلى بتحريم التبرك وقصد زيارته عليه الصلاة والسلام، في زمان كانت الأمة جميعا على جواز تلك الأعمال وأنّها من فضائل الأعمال، فهل كانت الأمة في زمانه على ضلال مبين، حتى انتشلها من الظلام، ثم دخل هو في دهاليز الألغام بان تحدث عن ليث بني غالب وباب العلوم والمعارف أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، بما لا ينبغي، إذ لكل مقام مقال، وهل الرد على الروافض يُجيز له رفع الحشمة والادب مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم تكلم عن الطاهر المطهر سيدنا الحسين، بكلام لا ينبغي، وهل التمحل في الدفاع عن يزيد يُجير سوء الأدب مع السادة الكرام.
فهذه كلها من مفردات الحشو التي لم يتنبه إليها ابن تيمية، فتعجل بتبنيها ونشرها، وهي لا تمت إلى السلفية بنسب ولا صلة، فهل من السلفية اتهام المسلمين بالشرك بدعوى التوسل، والتوسل مسالة فقهية على مر عصور الإسلام، ولم يجعلها من أبواب العقيدة والتوحيد والشرك، أحد قبل ابن تيمية، فهل كان السلف قبله على ضلالة عندما اوردوها في أبواب الفقه، وكيف تكون سلفية في مسالة نُخالف فيها السلف، إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما له من كرامة عند اللّه، ولم يخطر ببال أحد أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا ديدن السلف في جميع العصور، فهل لمنكر التوسل أن يصف نفسه بالسلفية، ثم يتطاول على بقية المسلمين باللقب، فيرميهم بالشرك والضلالة والبدعة والكفران، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[المفتاح الثاني عشر]: هل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها، وعن الفقه وأدلته، وعن التزكية وأسرارها، نعم نقدر له مكانته، ولكنّه ليس بالمعصوم، ولا بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، نحترم علمه ونذكر أخطاءه، ونضيف علمه إلى تراث علم أهل السنّة والجماعة، بعد غربلته على أيدي المتخصصين، ونستدل بأقواله، ولا مانع عند الخطأ أن نقول: أخطأ في تقرير تلك المسألة، ولا زلت أقول وأوقن أنّ ابن تيمية لو فهم علم التقديس وقواعد التنزيه على يد متخصص، لكان آية في العلم، ولتغيرت الكثير من موازين التقييم عنده، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر ما توهمه معقولاً، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول، فلا هو – يرحمه الله – يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه، وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو يرحمه الله لا يدرك ذلك البته، وأنا لا أتجنى عليه، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهلا التخصص والعرفان، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة، إلى ناحية المجسمة، – وهو لا يدرك ذلك – بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى السلفية التي فهمها وعاش حياته من أجلها، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين، ولكن أبى الله تعالى العصمة إلا لرسوله، وأبى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه، ونقول أصاب في كذا، وأخطأ في كذا، وخالف الجمهور في كذا، ونأخذ بقوله في كذا، ونخالفه في كذا، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها.
[المفتاح الثالث عشر]: (تنبيه): الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، وبين مدرسة الإمام ابن تيمية العلمية، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس، فصنعت في النور، وهذبت في النور، وانتشرت في النور، فكانت في مأمن من الخطأ الكبير والخلل الجسيم، وها هي مدارس العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء، وأساطين أهل العلم، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، أمّا مدرسة ابن تيمية فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه قد صُنعت في السجون والخفاء، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه، ولم تُؤصل في النور، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي، وقد أشار الإمام الحافظ تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في مقدمة رسالته الدرة المضية إلى أخطاء ابن تيمية وشذوذاته فقال: (أما بعد، فإنه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داع إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّس، وأن الافتقار إلى الجزء -أي افتقار الله إلى الجزء- ليس بمحال ,وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأن القرءان محدَث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزامه بالقول بأنه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّة من الملل ولا نِحلة من النحل، لم يدخل في فرقة من الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم هِمة، وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِل جملته بالنسبة لما أَحدث في الفروع) اهـ، وهي كما سماها درة مضية فلله دره من أمام.
[المفتاح الرابع عشر]: أخطاء الشيخ محمد ابن عبد الوهاب النجدي شيخ الوهابية : تبنى محمد ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار ابن تيمية والتي تبين خطؤها بقوة السيف والسنان، ولكن زاد الطين بلة بما أضاف إليها من اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
[المفتاح الخامس عشر]: أخطاء ابن عبد الوهاب النجدي ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، أو لمن يعتقده رباً أو له بعض مفردات الربوبية استقلالا كالقدرة على النصرة والعز والنفع والضر من دون الله، وكنفوذ المشيئة لا محالة و لو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ خالق السموات والأرض، الّذي هو أكبر الآلهة في اعتقاده ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 5، 6]، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} [الزمر: 3]، وقد كفر المشركون بسجودهم لأوثانهم و دعائهم إيّاهم، وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم، و هو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله لا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً (كسجود الملائكة لآدم)، فانّه حينئذٍ يكون كفراً، وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به {قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ} [الاَعراف: 28]، {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر} [الزمر: 7]، وذلك ظاهر إن شاء اللّه، ولكن لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنّ المشركين كانوا يتقربون لآلهتهم بالذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستشفاع والسجود والتعظيم … الخ ظنّ أنّ مجرد إتيانهم هذه الأمور لذاتها هو العبادة، وأنّ كل عمل يصلح للتعبد به لا يقع إلا عبادة إن وقعت لله فهي التوحيد، وإن وقعت لغيره فهي الشرك، فأدى ذلك إلى الغلط في تصور العبادة والشرك المقابل لها، وإنّ الغلط في تفسير العبادة، كان المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، الذي أُستحِلت به دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من والفتن.
[المفتاح السادس عشر]: أخطاء ابن عبد الوهاب النجدي في مجال توحيد الربوبية: قال في مجموعة التوحيد: ” وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين: القاعدة الأولى: أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون}” أهـ ([145]) .
والخطأ في هذا القول بين لأسباب عديدة، منها: أنّ توحيد الربوبية لله يعني اعتقاد أن الله أن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق الهادي الشافي المحيي المميت المتعهد بالتربية لجميع خلقه إذ هو رب العالمين، واعتقاد أن مقادير كل شيء بيد الله يرفع من يشاء ويخفض ويعز من يشاء ويذل ويهدي من يشاء ويضل ويوسع الرزق على من يشاء ويضيق ويحيي من يشاء ويميت، له في لك كله المشيئة المطلقة والإرادة النـافذة لا حق لأحد في مراجعته وأمـره كله عدل وفضـل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، واعتقاد حقه المطلق في التشريع والحكم والأمر {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}، هذا هو توحيد الربوبية عند الموحدين، ومن اعتقد بأن هناك من يملك الضر أو النفع أو التصريف أو التدبير في حياة الناس وغيرهم من المخلوقات من دون الله فقد أشرك في ربوبية الله عز وجل شركاً أكبر، ومن اعتقد أن لأحد من دون الله حق مطلق في التشريع المطلق بالتحليل والتحريم والحظر والإباحة والحكم والأمر والنهي دون الرجوع إلى حكم الله وشرعه فقد اتخذه رباً من دون الله، ومن اعتقد أنه يجوز التحاكم إلى شرع غير شرع الله فقد كفر بربوبية الله عز وجل لخلقه، هذا هو توحيد الربوبية عند المسلمين، أما مشركو العرب فقد اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية وذلك باعتقادهم بقدرة غير الله على الضر والنفع والإعزاز والإذلال والنصر مستقلا عن الله، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]، والخلاصة أن المشركين كانوا يعتقدون بأن الآلهة التي عبدوها وآمنوا بها تضر وتنفع وتنتصر وتنتقم وتنصر ولهذا اتخذوها أربابا من دون الله لعلهم ينصرون، وكذلك فإن اعتقاد المشركين كان يقوم على اعتقاد وجود الشريك الذي له تأثير مستقل في الخلق وتدبير مملكة الله، ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إخبار المشركين بالبراءة من الشريك كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]، وهذا يعني أن شرك المشركين لا يقتصر على شرك العبادة، ولكن معه شرك الربوبية الي يشمل اعتقاد الشريك في الملك والتدبير.
وكذلك اعتقاد المشركين بوجود الند لله، والند كما جاء في معاجم اللعة هو الضد والشبيه والمثيل الذي له مشاركة في الملك والخلق والتدبير [انظر: تهذيب اللغة ج14 ص 51 و المفردات ص 486]، والمشركون كانوا يعتقدون في أصنامهم ومعبوداتهم أنها أنداد لله، والأدلة من القرآن الكريم على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [ابراهيم: 30]، وقوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [فصلت: 9]، وقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الشورى: 9]، وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41].
كما أنّ المشركين كانوا يساوون بين الله تعالى وبين معبوداتهم، كما في قوله تعالى – واصفا معتقد المشركين الذي أوداهم إلى النار-: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 96 إلى 98]، فهذه الآيات ـ التي تحكي عقيدة المشركين وهي أنّهم جعلوا للّه سبحانه تعالى أنداداً و أنّهم كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين في صفات ربوبيته وتدبيره للكون وما فيه، كما أنّ المشركين كانوا يلهجون بدعاء آلهتهم رجاء نصرتها لهم واعزازها لهم، إذ لا يعقل أن يدعو أحد أحدا لا يرجوه لتحقيق منفعة أو رد ضر وإلا خرج من دائرة العقلاء، ورد الله تعالى عليهم اعتقادهم الباطل بقوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أمواتٌ غير أحياءٍ وما يشعرون أيّان يبعثون * إلهكم إلهٌ واحدٌ} [النحل: 20إلى 22]، وبقوله عز وجل {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) [هود: 101]، وقوله تعالى: {وما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [يونس: 66]، ويظهر جليا من هذه الآيات أن مشركي العرب كانوا يتخذون آلهة لهم من دون الله وكانوا يدعونهم عند الشدائد ويستغيثون بهم اعتقادا أن آلهتهم هذه تسمع دعاءهم وتقدر على نصرهم وأنهم شركاء لله في ملكه العظيم، ومن هنا نعلم مدى الخطأ الجسيم في ادعاء أن المشركين كانوا على توحيد الربوبية.
[المفتاح السابع عشر]: أخطاء ابن عبد الوهاب النجدي وفي مجال الخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر واتهام الأمة بالوقوع في الشرك الأكبر: فكما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الاكبر، ومن ذلك الخطأ في فهم آية الزمر، ومعرفة حقيقة اعتقاد المشركين بربوبية معبوداتهم: قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [سورة الزمر: 3]، والولي في اللغة هو الناصر والمعين والمشركون اعتقدوا ذلك في آلهتهم بدليل قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فالآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز، وقوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} [يس: 74]، والآية ظاهرة الدلالة في أنهم يعتقدون أنها تحقق لهم النصر، وقوله تعالى {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [سورة هود] وهذا معتقد المشركين على مر الأزمان يعتقدون أن أصنامهم تحقق لهم الحماية وأن لها القدرة على إلحاق السوء والضرر بمن يكفر بها ويذكرها بسوء، وعلى ذلك فهم مشركون في الربوبية باعتقاد بعض مفرداتها وصرفها لمعبوداتهم مع الله، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفي} ويستفاد من الآية: أنهم أقروا بعبادة أصنامهم وهو شرك في العبودية والألوهية (ما نعبدهم)، وأنهم زعموا أن عبادتهم للأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله، ويستفاد كذلك كذب دعواهم في أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفي، بدليل رد الله تعالى عليهم بقوله في خاتمة الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، وكذبهم مفاده أنهم يعبدونها لأنهم يعتقدون أنها تنصرهم وتعزهم وتحميهم وتعتري أعدائها بسوء وضر، وهذا كله من أعظم الشرك في ربوبية الله تعالى وإلهيته لعباده، وفي الحديث (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)، وقوله تعالى: {كَاذِبٌ كَفَّارٌ} صيغة مبالغة من كافر لأنهم كفروا بربوبية الله وألوهيته وكذبوا على الله ورسوله.
[المفتاح الثامن عشر]: أخطاء ابن عبد الوهاب النجدي في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وليس المقصد من الدعاء إلى تحقيق تلك المسائل هو الانتصار لرأي فقهي على حساب آخر، وليس هو من قبيل تهوين ما فعله الجهلاء من بناء المساجد على القبور، وما يفعلونه عند مقابر الصالحين، فإن المساجد بيوت الله تعالى في الأرض، وهي دور العبادة والطاعة والصلاة، ولابد من تنزيهها عن أفعال الجاهلين وغلو المغالين وتسيب المستهترين، وإنما المقصد الأساس من ذلك هو بيان أنّ هذه المسائل تتبع الفقه ولا تتبع التوحيد، وتتبع السنّة والبدعة ولا تتبع الشرك والتوحيد، وتتبع الصواب والخطأ ولا تتبع الإيمان والكفر لأنّ المسلمين – على مر عصور الإسلام – مهما بلغ الجهل منهم مبلغه، فلم يعبدوا إلا الله ولم يصرفوا العبادة إلا إلى الله، كيف وشعار هم هو (لا إله إلا الله)، ومن ثم تهذيب مسائل التوحيد والشرك، فلا يشوبها شائبة الغلو والجفاء، واتهام المسلمين بالشرك الأكبر وهم منه برآء، فعلاج الخلل لا يكون بالخلل، وعلاج الخطأ لا يكون بالخطأ، وعلاج التفريط لا يكون بالإفراط، ودين الله تعالى عدل بين ظلمين، ووسط بين طرفين.
[المفتاح التاسع عشر]: أخطاء ابن عبد الوهاب النجدي في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، وإخراجهم من دين المسلمين أو من اطار أهل السنّة والجماعة بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وقد كان الإمام ابن تيمية يفصل في مسائل التصوف، وجعلهم طوائف منهم الصديقون والأولياء، ومنهم الأدعياء المرتزقة، ومنهم أهل الجهل والخرافة، ومنهم أهل البدعة والضلالة، ولكن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يفصّل وإنما اعتبر التصوف برمته ضلال ينبغي أن يُزال، مع أنّ السبب الاساس الذي أُنشأ من أجله التصوف هو تزكية الباطن، وقد كان العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وتخليته عن صفاته الذميمة، وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد وغيرها من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنه هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية الحقة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وبالتالي فإن إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على بعضهم، أو قالها بعضهم في ساعة ذهول لا يقصدها، أمر لا ينبغي، إن كلمة (صوفي) مثلها مثل كلمة (سلفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة – منذ القرن الثالث الهجري وإلى يومنا هذا – كلمة ثناء، وصفة مدح، فلا يعقل أن ينادي اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا من تنطع، وأين يذهب أكثرية أهل السنة والجماعة في العالم اليوم في مصر والسودان وبلاد الشام، ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، وليس معنى ذلك أن نبرأ جميع الصوفية من الخطأ، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف.
[المفتاح العشرون]: الشيخ النجدي واستحلال دماء وأموال مخالفيه: فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله.
[المفتاح الحادي والعشرون]: غلو الدعوة الوهابية في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم: هناك العديد من نصوص محمد بن عبد الوهاب والتي آلت به إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، ومن تلك النصوص، قوله: – وهو يتحدث عن أربع قواعد في التوحيد: (الأُولى): إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مقرّون بأنّ اللّه هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ… فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: الآية ٣١].
(الثانية): إنهم يقولون: ما دعونا الأصنام وما توجهنا إليهم الاّ لطلب القرب والشفاعة لقوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ مَا نَعْبُدُهُم اِلاّ لَيُقَرِّبُونا إلى اللّه زُلفي} [الزمر: الآية ٣]، وقوله: {وَيَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّه مَالا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُونَ هَؤلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨].
(الثالثة): إنّه ظهر صلى الله عليه وسلم على قوم متفرقين في عبادتهم، فبعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم الأنبياء والصالحين، وبعضهم الأشجار والأحجار، وبعضهم الشمس والقمر، فقاتلهم ولم يفرق بينهم.
(الرابعة): إنّ مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوا اللّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إلَى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: الآية ٦٥]، ([146]) وهو يقصد بمشركي زمانه كافة المسلمين دون أتباعه، وذلك لأنهم يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في شدتهم ورخائهم، ولذلك صاروا عنده أغلظ من مشركي عهد الرسالة، هذا مع أن التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم جائز عند جمهور الفقهاء، وقصاراه أنّه من المسائل الفقهية الخلافية وليس من مسائل التوحيد والشرك، كما أنّ هناك فرقاً جلياً بين المسلمين وعبدة الأوثان والأصنام، فإنّ المسلمين يعبدون اللّه وحده، ولا يتوجّهون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ بقصد أن يدعو لهم عند اللّه، ويشفع لهم عنده، وأين هؤلاء من عبدة الطاغوت الذين كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه، ويتوجهون إليها على أنها آلهة تملك ضرهم ونفعهم، وهذا الخطأ أدى به إلى استحلال دمائهم على أنّهم مشركون، وقد تكرر هذا الخطأ في رسالته كشف الشبهات، حيث يقول في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ” أرسله إلى أُناس يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات بينهم وبين اللّه، يقولون نريد منهم التقرب إلى اللّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأُناس غيرهم من الصالحين “ ([147]) .
فانظر كيف وصف المشركين بأنّهم يتعبّدون ويحجّون ويتصدقون ويذكرون اللّه كثيراً، وهذه مغالطة فجة، فإنّ كفرهم كان في عبادة غير الله، وانكار رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم اتخاذهم واسطة على سبيل الشراكة، كما ذكرنا في كتاب الاصلاح الثالث ” التأسيس في علم التوحيد “، فالوساطة لم تكن قط سبب شركهم، وإنّما عبادة غير الله: {ما نعبدهم إلا}، فقد أقروا بعبادتهم، ثم الوساطة الجبرية على سبيل الشراكة مع الله، وهذه وتلك لم يفعلها مسلم قط، إذ المسلم لا يعبد إلا الله، وهو بريء عن عقيدة الواسطة الشركية التي تكون جبرا على الله، وقصاراه التوسل بمن لهم جاه عند الله لقبول الأعمال، دون أي اعتقاد في شفاعتهم الجبرية على الله، ويقول في موضع آخر ما نصه: ” إنّ التوحيد الّذي جحدوه هو توحيد العبادة، الّذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون اللّه سبحانه ليلا ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من اللّه ليشفعوا له، أو يدعو رجلا صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى ” ([148]) . وهو هنا لا يفرق بين الدعاء وبين العبادة، مع أنّ الدعاء لا يكون عبادة حتى يصاحبه اعتقاد الإلهية أو الربوبية لمن يدعوه، ولو كان الدعاء لعبد صالح من عباد الله، لعل الله تعالى ان يستجيب دعوته، فلا تكون الدعوة لهذا العبد عبادة له، وإنّما توسل به إلى الله، ويقول أيضاً: ” تحققت أنّ رسول اللّه قاتلهم ليكون الدعاء كله للّه، والذبح كله للّه، والنذر كله للّه، والاستغاثة كلها باللّه ” أهـ، وهذه كما ذكرت في كتاب الإصلاح الثالث ” التأسيس لعلم التوحيد ” كلها مفردات للعبادة إن اشتملت على اعتقاد الإلهية والربوبية لمن تُصرف له كانت عبادة، وإن لم تشتمل على تلك العقيدة لم تكن عبادة، ويقول أيضاً: « إنّ المشركين يقرّون بالربوبية وإن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء »، وهذا خطأ، لأن كفرهم إنما كان لعبادتهم الملائكة والأنبياء لا لتعلقهم بها إذ ليس مجرد التعلق مع الاعتراف بعبوديتهم وعدم تفويض الأمر إليهم موجباً للتكفير، ويقول أيضاً: « إنّ الذين قاتلهم رسول اللّه مقرّون بأن أوثانهم لا تدبّر شيئاً وإنما أرادوا منها الجاه والشفاعة »، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ كفرهم لم يكن لأجل طلب الشفاعة، بل لعبادتهم قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُم وَيَقُولُون هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّه} [يونس: الآية ١٨]، ويقول: ” إنّ اللّه كفّر من قصد الأصنام، وكفّر من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول اللّه ” أهـ، وهذا أيضاً خطأ، لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كفّر من عبد الصالحين، لا من قصدهم، فمن قصد الصالحين لطلب الدعاء لا يكون كافراً أبداً، ويقول أيضاً – وهو يعلّم أتباعه كيف يناظرون المخالف-: ” اقرأ عليه: {ادعوا ربّكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحبّ المعتدين} فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة للّه؟ فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ثم دعوت تلك الحاجة نبياً أو غيره، هل أشركت في عبادة اللّه غيره؟ فلابد أن يقول نعم ” أهـ، ([149]) .
وهذا أيضاٍ خطأ، لأنّ الدعاء بنية العبادة، والدعاء لمن يعتقده ربا وإلهاً، عبادة، وما خلا عن ذلك فليس بعبادة، والدعاء مخ العبادة لمن دعا من يعتقد أنه يدعو الرب الإله، فأين ذلك من دعوة الأنبياء والصالحين بمعنى التوسل بهم إلى الله، والذين يتكلم عنهم الشيخ مسلمون موحدون، لا يعبدون غير الله، ويعلمون أنّ هؤلاء جميعا عباد صالحون لا يملكون شيئاً لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا الشفاعة بفضل الله، فلا يجوز تشبيه دعاء المشركين لمن يظنون فيهم نوعا من الألوهية والربوبية، بدعاء المسلمين الموحدون، ومن خلال تلك القواعد المغلوطة توصل محمد بن عبد الوهاب إلى تكفير المسلمين واستحلال محارمهم، وأنهم أشد كفراً من المشركيين الأصليين.
[المفتاح الثاني والعشرون]: من العلماء الرادّين على أخطاء الشيخ محمّد بن عبد الوهاب: أخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب في رسالته: الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، وعليها مقدمة الشيخ محمّد بن سليمان الكردي الشافعي الّتي قرّظ بها رسالته، ورسالة تجريد سيف الجهاد لمدّعي الاجتهاد لشيخه العلامة عبد اللّه بن عبد اللطيف الشافعي، ورسالة الصواعق والرعود للعلامة عفيف الدين عبداللّه بن داود الحنبلي، ورسالة تهكّم المقلدين بمن ادّعى تجديد الدين للعلاّمة المحقق محمّد بن عبدالرحمن ابن عفالق الحنبلي، وقد ترصّد فيه لكل مسألة من المسائل الّتي ابتدعها وردّ عليها بأبلغ رد، ورسالة للعلامة أحمد بن علي القباني البصري الشافعي، ورسالة للعلامة عبدالوهاب بن أحمد بركات الشافعي الأحمدي المكي، ورسالة الصارم الهندي في عنق النجدي للشيخ عطاء المكي، ورسالة للشيخ عبد اللّه بن عيسى المويسي، ورسالة للشيخ أحمد المصري الإحسائي، ورسالة السيف الباتر لعنق المنكر على الأكابر، للسيد علوي بن أحمد الحداد، ورسالة للشيخ محمد بن الشيخ أحمد بن عبداللطيف الإحسائي، ورسالة تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء والأولياء، للعلامة عبداللّه بن إبراهيم ميرغني، ورسالة الانتصار للأولياء الأبرار للعلامة طاهر سنبل الحنفي، ومجموعة أجوبة وردود نظماً ونثراً لأكابر علماء المذاهب الأربعة، من أهل الحرمين الشريفين والأحساء والبصرة وبغداد وحلب واليمن وغيرها، ومصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام للعلامة السيد علوي بن الحداد، ورسالة الدرر السنية في الرد على الوهابية لمفتي مكة السيد أحمد زيني دحلان المتوفي سنة ١٣٠٤ هـ، ورسالة شواهد الحق في التوسل بسيد الخلق للشيخ يوسف النبهاني، ورسالة الفجر الصادق لجميل صدقي الزهاوي، ورسالة إظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبي والولي الصدوق للشيخ المشرفي المالكي الجزائري، ورسالة في جواز التوسل، للشيخ المهدي الوازناني مفتي فاس، ورسالة غوث العباد في بيان الرشاد للشيخ مصطفي الحمامي المصرى، ورسالة البراهين الساطعة للعلامة الشيخ سلامة العزامي المتوفي سنة ١٣٧٩ هـ، ورسالة النقول الشرعية في الردّ على الوهابية » للشيخ حسن الشطي الحنبلي الدمشقي، ورسالة في حكم التوسل بالأنبياء والأولياء، للشيخ محمّد حسنين مخلوف، ورسالة المقالات الوفية في الردّ على الوهابية للشيخ حسن قزبك، ورسالة الأقوال المرضية في الردّ على الوهابية للشيخ عطا الكسم الدمشقي، والردود أكثر مما ذكر.
[المفتاح الثالث والعشرون]: من أقوال العلماء في بيان غلو الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه: قال زيني دحلان في الدرر السمية: ” كان محمد بن عبد الوهاب يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة: ومن توسل بالنبي فقد كفر، وكان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكاراً شديداً، فقال لأخيه يوماً: كم أركان الإسلام يا محمد؟ فقال: خمسة فقال أنت جعلتها ستة: السادس: من لم يتبعك فليس بمسلم، هذا عندك ركن سادس للإسلام، ولما طال النزاع بينه وبين أخيه فخاف على نفسه، فارتحل إلى المدينة المنورة، وألّف رسالة في الرد على محمد بن عبدالوهاب وأرسلها له، فلم ينته، وألّف كثير من علماء الحنابلة وغيرهم رسائل في الردّ عليه وأرسلوها إليه، فلم ينته ” أهـ([150]) .
وقال جميل صدقي الزهاوي: كان محمد بن عبدالوهاب يسمي جماعته من أهل بلده، الأنصار; وكان يسمي متابعيه من الخارج، المهاجرين; وكان يأمر من حج حجة الإسلام قبل اتّباعه أن يحج ثانياً قائلا إنّ حجتك الأُولى غير مقبولة لأنك حججتها وأنت مشرك، ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: اشهد على نفسك أنك كنت كافراً، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين، واشهد على فلان وفلان (يسمي جماعة من أكابر العلماء الماضين) أنهم كانوا كفاراً، فإن شهد بذلك قبله، وكان يصرّح بتكفير الاُمة منذ ستمائة سنة، ويكفّر كل من لا يتبعه وإن كان من أتقى المسلمين، ويسميهم مشركين، ويستحل دماءهم وأموالهم، ويثبت الإيمان لمن اتّبعه، وكان يكره الصلاة على النبي بعد الأذان، وينهى عن ذكرها ليلة الجمعة وعن الجهر بها على المنابر، ويعاقب من يفعل ذلك عقاباً شديداً، حتّى أنه قتل رجلا أعمى مؤذناً لم ينته عن الصلاة على النبي بعد الأذان، ويلبس على أتباعه أن ذلك كله محافظة على التوحيد، كان قد أحرق كثيراً من كتب الصلاة على النبي، كدلائل الخيرات وغيرها، وكذلك أحرق كثيراً من كتب الفقه والتفسير والحديث مما هو مخالف لأباطيله ” أهـ ([151]) .
[المفتاح الرابع والعشرون]: مآسي المسلمين من غلو الوهابيين: ترتب على غلو الوهابيين في فهم مسائل وأحكام التوحيد والشرك: استحلال دماء المسلمين، لغير سبب شرعي صحيح، وإليك الأمثلة: (أ) هاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك !! وكانت تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة، ودخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ: 1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل، حتى انهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية، واسمه وادي الوج، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء، ويذكر المؤرخ الشهير عبدالرحمن الجبرتي – وهو ذو هوى وهابي – في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم (حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون، واستولوا عليها عنوة، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال، وهذا رأيهم مع من يحاربهم) ([152]) .
(ب) احتلال مكة المكرمة: بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف عام 1217 هـ: 1802 م، بدأوا بمهاجمة مكة المكرمة بعد استيلائهم على الطائف مباشرة فدخلوها سنة 1218هـ: 1803م كما ذكر ذلك عبدالله بن الشريف حسين في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر)، أما مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي النجدي فيذكر ذلك في أحداث سنة 1220هـ، ومن أحداث تلك الفترة المشؤومة في محرم 1220هـ: 1805م أن الوهابية راحوا يقتلون الحاج ويأسرون من يمر بهم، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة، ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها، ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة، بل وكما يذكر مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان، وأكلت الكلاب، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس([153]) .
(ت) منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحرام: يذكر المؤرخ عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ الحادثة التالية ص 139: ” فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي، ورجالا معه … وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه، وأميره عبدالله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه، ويقول مفتخراً ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم ” أهـ([154]) .
(ث) من مجازر الوهابية ضد الحجيج: في سنة 1341هـ: 1921م التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج، فلما وصل الفريقان إلى وادي (تنومة) والوهابيون في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا، انقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان، وقد برر الوهابيون هذه الفعلة بأنّهم ظنوا أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها، وهو عذر أقبح من ذنب كما ترى، ([155]) .
(ج) حرق المكتبة العربية بمكة المكرمة: أحرق الوهابية المكتبةَ العربية في مكة المكرمة وهي من أنفس مكتبات العالم، إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60,000) من الكتب النادرة، وحوالي أربعين ألف (40,000) مخطوطة، بعضها مما أملاه النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.
(ح) استباحة دماء المسلمين في المساجد: جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام: ” يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ([156]) .
ولنا أن نتساءل كيف يكون مشركاً من قُتل في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة، وهو يعبد الله، (خ) الهجوم على الكويت: وذلك بزعم أنّهم مشركون حلال الدم والمال، فوجهوا إليها الغارات تنهب وتقتل وتسلب وتسبي، وكانت الحملة الأولى سنة 1205 هـ: 1790 م، ثم تلتها حملة أخرى سنة 1213هـ: 1798 م، وثالثة سنة 1223 هـ: 1808 م ووصلوا في هذه الأخيرة إلى الجهراء، وأعادوا الكرة سنة 1338 هـ: 1920م فكانت معركة (الجهراء) المعروفة.
(د) البطش والإبادة لجميع قبائل العرب التي تُخالفهم: لقد نالت شدة وبطش الوهابية العديد من المسلمين، حتى أبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد وآل رشيد معروفة، وما ذلك إلا بناء على عقيدتهم التي ترمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر لتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين، وكيف أخرجوهم من الملة والدين، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون، فليرجع إلى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية، فإن في هذا الكتاب من تعسفهم ومعاملتهم للمسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان.
(ذ) حرب أهل المدينة: جاء في كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد: ” أجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها… وضيَّقوا على أهل المدينة، وقطعوا عليهم السوابل، وأقاموا على ذلك سنين ” أهـ. ([157])
(ر) غزو الشام: وقد غزا الوهابية هذيل الشام بقيادة عثمان المضايفي في حوالى سنة 1214هـ: 1799م فقتلوا وسبوا النساء، ثمَّ غزوا اللفاع حيث يقيم أشراف بني عمرو فقتلوا منهم عدداً، ونهبوهم وسلبوا النساء حتى أنهم جردوهن من الثياب، فطلبوا الأمان وتوهبوا،، ابادة أهل الحجاز في تربة وحزبة: وهما قريتان بالحجاز انقض عليهما جنود الوهابية في أواخر شعبان 1337هـ: 1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل، وقد أحصي من قتل في تربة وحدها فبلغوا ثلاثة آلاف من المدنيين العزَّل.
(س) غزو الإحساء: جاء في عنوان المجد: في أحداث 1210 هـ، ” فلما استووا على ركائبهم (أي الجند الوهابي) وساروا ثوروا بنادقهم دفعة واحدة، فأظلمت السماء وأرجفت الأرض، وثار عج الدخان في الجو، وأسقط كثير من الحوامل في الإحساء، ثم نزل سعود في الرقيقة … فأقام في ذلك المنزل يقتل من أراد قتله، ويجلي من أراد جلاءه، ويحبس من أراد حبسه، ويأخذ من الأموال، ويهدم من المحال، ويبني ثغوراً، ويهدم دوراً، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم،، ثم يقول عن القتل وذلك بعد الاستسلام،، فهذا مقتول في البلد، وهذا يخرجونه إلى الخيام، ويضرب عنقه عند خيمة سعود، حتى أفناهم إلا قليلا، وحاز سعود في تلك الغزوة ما لا يحصى).
(ش) غزو البحرين وقطر وعمان: امتنع العتوب في البحرين عن دفع الجزية فهاجمهم الوهابية وقتلوا منهم الكثير، وأوقعوا بهم خسائر جسيمة،، وقد هاجم الوهابية البحرين مرات عديدة، ومنها الحادثة الشهيرة التي رواها مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه (عنوان المجد) حين قتل الوهابية من أهل البحرين 1400 رجل فانتقم الله لأهل البحرين فانفجر البارود داخل السفن الوهابية المغيرة فمات الجند الوهابي حرقاً وغرقا، يقول صاحب عنوان المجد، ” ثم دخلت السنة السادسة بعد المائتين والألف وفيها غزا سليمان بن عفيصان بأمر عبد العزيز بجيش من أهل الخرج وغيرهم، وقصد قطر المعروف بين عمان والبحرين، فصادف منهم غزواً نحو خمسين مطية فناوخهم، فقاتلوا وهزمهم سليمان، وقتلهم إلا القليل، وأخذ ركبهم، ويقول كذلك، عندما تحدث عن أحداث 1209 هـ (،، ثم سار بهم إبراهيم بن عفيصان فقصد ناحية قطر، وأغار على أهله فأخذ إبلا كثيرة من بواديهم وأموالهم.
(ص) غزوة الشقرة على قبائل شمر: جاء في عنوان نجد: ” وفيها (أي سنة 1206 هـ) كانت غزوة الشقرة وذلك أن سعوداً سار بالجيوش الكثيفة من جميع نجد الحاضرة والبادية، وقصد ناحية جبل شمر، وقد ذكر له قبائل كثيرة من البوادي من مطير وحرب وغيرهم، وهم على الماء المعروف بالشقرة قريب من جبل شمر، فعدا عليهم سعود وأخذهم جملة وحاز منهم أموالاً عظيمة، الإبل أكثر من ثمانية آلاف بعير، وأخذ جميع أغنامهم ومحلتهم وأمتعتهم، وأكثر من عشرين فرساً، قتل عليهم عدة رجال، ثم رحل سعود بجميع تلك الغنائم وأخرج خمسها !! وقسم باقيها غنيمة في المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان ” أهـ،([158]) . فمتى كان هؤلاء كفاراً تحلُّ دماؤهم وأموالهم، ووجه الوهابية قواتهم إلى عمان، يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي: ” ثمَّ سعود أرسل إلى عمان عبدالله بن مزروع صاحب منفوحة وعدة رجال من أهل نجد و أمرهم بنزول قصره البريمي المعروف في عمان، مطلق المطيري بجيش من أهل نجد …، فقاتل أهل الباطنة سحار ونواحيها، وقاتلوا سعيد بن سلطان صاحب مسكة (مسقط) ودام القتال بينهم وقتل من عسكر عزان مقتلة عظيمة بلغت القتلى نحو خمسمائة رجل، ثم أنه اجتمع مع مطلق المطيرى جميع من هو من رعية سعود من أهل عمان، فنازل أهل سحار بألوف من المقاتلة، ودخلت سنة خمس وعشرين وهم على ذلك يقتلون ويغنمون، وأخذ مطلق ومن معه قرى كثيرة من نواحى سحار من أهل الباطنة، وبايع غالبهم على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، ولم يبق محارب إلا مسكة ونواحيها مملكة سعيد وما تحت ولاية عزان من سحار، وغنموا منها غنائم كثيرة، وبعثوا الأخماس إلى سعود في الدرعية ” أهـ. ([159]) .
(ض) غزو العراق واليمن والشام: يقول صاحب عنوان المجد، ” وفيها (أي سنة 1220 هـ) سار سعود بالجيوش المنصورة، والخيل والجياد المسومة المشهورة من جميع نجد ونواحيها وبواديها، وقصد جهة الشمال نوازل بلد المشهد المعروف في العراق، وفرق عليه المسلمين من كلِّ جهة، وأمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله !! … ثم رحل منه سعود فانحاز على الزملات من عربان غزية فأخذ مواشيهم ثمَّ ورد الهندية المعروفة، ثم اجتاز بحلل الخزاعل، وجرى بينه وبينهم مناوشة قتال وطرد خيل، ثم سار وقصد السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمَّر أشجارها، ووقع بينهم رمي وقتال، ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمى، ورحل منه إلى وطنه ” أهـ([160]) . ولقد احتل الوهابية صنعاء وأمعنوا فيها قتلا، ونهبوا خيراتها، يقول مؤرخهم في غزو الحديدة: ” وحاصروا بندر الحديدة وأخذوه …فتجهز صالح المذكور إلى زبيد وجنوده وقومه فسار إليه بجيش عديد من قبائل عديدة حاضرة و بادية نحو ثلاثة الآف مقاتل فنازل أهل زبيد وأخذوه عنوة ونهبوا منها من الأموال والأمتاع شيئا كثيرا… وعزل صالح الأخماس وبعثها إلى الدرعية ” أهـ،([161]) . فأي إسلام هذا الذي يحلُّ الإغارة على المسلمين؟ وفي بلاد الشام: هاجم الوهابية حوران سنة 1225هـ: 1810م فأحرقوا ونهبوا وسبوا بعد أن قتلوا حتى الأطفال ناهيك عن الكبار، ثمَّ توسعت الغزوات الوهابية حتى بلغت مدينة حلب وقطعوا الطريق بين الشام والعراق، وكانت سراياهم تصل إلى القادسية، وقد قتلوا خلقاً كثيراً خلال غاراتهم تلك، (وبعد) فهذه بعض الأحداث الدامية التي ارتكبها الوهابية في حق المسلمين، ولنا أن نقول: ما هو الفرق بين تصرف الخوارج وتصرف هؤلاء مع أهل القبلة من المسلمين، وهل كانوا حقيقة يُقاتلون كفاراً مشركين، أم يُقاتلون أهل الإسلام والتوحيد، الذين يدينون بلا إله إلا الله؟ وكيف بعد ذلك أنّ نصدق أنّهم السلفية على طريق السلف، اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
[المفتاح الخامس والعشرون]: تقييم الدعوة السلفية الوهابية المنتسبة إلى الشيخ ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب : إن أكثر أصحاب هذه الدعوة يعتبرون جماعتهم هي الامتداد الصحيح الوحيد للفكر الإسلامي السليم الذي ينبغي أن يكون عليه كافة المسلمين، وهذا ادعاء محض، إذ هناك أخطاء منهجية في الفكر، والتطبيق على السواء، حيث تتسم تلك الحركة على تنوع فصائلها العلمية والعملية والتراثية والجهادية بالجمود في التفكير، وأنها ترى الحق حكرا عليها في آرائها العقدية الساذجة التي هي أقرب إلى السطحية منها إلى العلم الراسخ المتخصص، وفي آرائها الفقهية المتشددة المولعة بتحريم الحلال والتضييق على عباد الله فيما جعل الشرع الحكيم فيه سعة ودفعا للحرج، كما أنّها تعمل جادة بلا هوادة على إحياء قضايا عقائدية خاطئة، تشق بها وحدة المسلمين العلمية والعقدية، وهم فيها ضد أهل التخصص وأهل العلم الراسخ والحق الزلال، مثل إثبات العلو الحسي والفوقية المكانية، وإثبات الحد لله، ومثل المبالغة في شن الحرب على التأويل السائغ الذي لا مفر منه للجمع الصحيح بين النصوص المتشابهة وحملها على أمهاتها من المحكمات شأن كل أهل العلم الراسخين فيه، لقد دخلت الحركة السلفية المعاصرة بسبب التصورات الخاطئة في صراعات كبيرة مع بقية طوائف أهل السنّة والجماعة، وزاد الطين بلة أنّهم تصوروا أنهم الأوصياء على الجميع، فما فهموه هو الإسلام وهو الهدى والرشاد، وما عارضوه فهو الضلال، فشددوا النكير على المخالفين، وصارت علاقتهم مع غيرهم من المسلمين علاقة التبديع والتاثيم والتفسيق، ثم لم تلبث تلك الحركة السلفية المعاصرة أن انقسمت على نفسها إلى سلفية جهادية أُبتليت بالغلو في تكفير المخالفين، ولو كانوا من السلفية نفسها، والسلفية المُدخلية والجامية التي تُبدع المجاهدين والدعاة والمصلحين، والسلفية العلمية التراثية التي تستخرج من بطون الكتب الكثير مما يثير الخلاف ويشق الصف، والسلفية العلمية الحسبية والسلفية العملية الدعوية والسلفية العملية القطبية والسلفية القبورية، والسلفية الحاكمية، والسلفية السرورية، وهكذا انشطرت السلفية إلى عشرات الطوائف والفصائل، أكثرها يبدع أكثرها، وبعضها يكفّر بعضها، والعلاقة السائدة بينها هي علاقة العداوة والبغضاء بدلا من المحبة والإخاء، إنّ السلفية الحقة هي امتثال هذا الدين بأخلاقه ومبادئه وعقائده وشرائعه، والرجوع في فهمه والعمل من أجله إلى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، إنّ أهم ما يميز السلفيين الصادقين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة والتمسك بهما، والاستعانة على فهمهما بما كتبه المتخصصون من أهل العلم السائرين على منهاج الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ولاشك أنّ: للحركة السلفية المعاصرة دورها في الصحوة الإسلامية، ولكنها مع ذلك تورطت في أخطاء كثيرة، لابد من تصحيحها.
[المفتاح السادس والعشرون]: أهم الأخطاء المنهجية عند الحركة الوهابية والسلفية المنتسبة إلى الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب:
(1) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وأدى ذلك إلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو وزيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم وإن لم يشعروا بذلك.
(2) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، واليونان أصلا كانوا عباد اوثان، فأين هم من التقدي.
(3) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، فهم لعدم التخصص جعلوا المتشابه محكما والمحكم متشابها، فجعلوا معني الاحدية والصمدية ونفي المثلية متشابهات وآيات الوجه واليد والعين محكمات فأخذوا يتوسعون فيها ويتتبعونها لأنها ترسم في أذهانهم المريضة شكل الذات والله منزه عن الأشكال كلها لأنها علامات الخلق، ولذلك تجد أن كل مؤلفاتهم تتتبع لهذه للمتشابهات: باب الصورة باب الوجه باب اليد باب اليمين باب الأصابع، باب الأنامل، باب العين، باب الساق، باب الضروس واللهوات، باب الاستواء باب النزول باب المجيء، كلها تتعلق بتكييف الذات وليس الصفات، بل نقول لهم جناب الذات ليس كمثله شيء، قال العلماء: قوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} يفهَمُ منها التنْـزيه الكليّ وتفسيرُها أنَّ جناب الذات لا يُشْبههُ شيء بأيِّ وجهٍ منَ الوجوهِ، هذه الآية تدل على التّنزيه الكُلّي لأنَّ الله تباركَ وتعالى ذَكَرَ فيها لفظَ {شيء} في سياق النفي، والنكرة إذا أُورِدَت في سياق النفي فهي للشمولِ، فالله تباركَ وتعالى نفى بهذِه الجملةِ عن نفسِهِ مشابهة جميع خلقه، فيما يتعلق بجناب ذاته فلا يشبه شيء ولا يشبهه شيء وليس كمثله شيء، لقد تسربت إلى (السلفية المعاصرة) مفردات الحشو القديمة، حتى لا تكاد ترى سلفيا معاصرا إلا وهو متأثر ببدعة الحشو والتجسيم، نسأل الله السلامة، أما أهل التخصص فإنهم يرومون تنزيه الذات وتقديسها وتسبيحها بتتبع المحكمات، وتجنب المتشابهات.
(4) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك.
(5) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرون، وتحويلهم إلى أشلاء، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد.
(6) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها.
(7) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الخوارج،
(8) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، فالسلف في باب المتشابهات يفوضون المعنى المراد من أساسه، وكثيرا ما يؤثر عنهم قولهم في المتشابهات: (لا كيف ولا معنى)، أي معنى يوحي بالتجسيم وإن كانوا يعلمون المعنى من خلال السياق والسباق اللحاق، فقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، ليس المقصود سوى التوسط في النفقة، وقوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، ليس المقصود سوى سعة الكرم والعطاء لأنه الكريم والوهاب المعطي، بقرينة (ينفق) كيف يشاء، ولكنهم ينفون المجاز لغاية التجسيم نسال الله السلامة
(9) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر، وهم منها براء، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك، فنجدهم يعيدون طباعة كتاب (اطال التأويلات) للقاضي الفراء أبي يعلى وهو مرجع في الحشو والتجسيم، وهو غير المحدث الحافظ أبو يعلى، صاحب المسند، وقد سبق ذكر طرفا من فضائحه وايغاله في الحشو والتجسيم، حتى قال فيه معاصره أبو محمد رزق الله الحنبلي شيخ الحنابلة ورئيسهم في بغداد، ما لفظه: (لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة) أهـ([162]) .
(10) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق، ووصفهم بأقذع الاوصاف، يقولون عنهم الجهمية الاناث، وانهم وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، فلله الامر من قبل ومن بعد،
(11) إهمال مناهج التربية والتزكية، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا، فهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم غلاظ القلوب، وأبى ان يدعو لهم، فقد روى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر([163]) .
وروى الشيخان عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([164]) .
(12) شن الحروب التي لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، وقام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وصقلت مدارسهم الفقهية على مر عصور الإسلام كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه.
(13) شن الحروب على التصوف برمته، صالحه وطالحه، بدعوى أن له أصول من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتّهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة ويتهمون أكابره بالزندقة والانحلال، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك، والإنصاف هو اعتماد الصحيح من مناهج أكابرهم في التزكية، مع إصلاح الأخطاء التي يكون منشؤها من الجهل والخرافة عند الاتباع.
(14) من مفردات الوهابية النجدية التي خالفوا فيها الامة الإسلامية محاربتهم للتصوف، وتكفيرهم لأكثر الصوفية، حيث يعتبر الوهابية التوسل والاستغاثة من الشرك في الإلهية وهي عند جمهور فقهاء المذاهب الأربعة وعند الصوفية أمور جائزة لا تتعلق بالعقيدة أبدا، ويعتبر الوهابية زيارة أضرحة الأولياء والصالحين بدعا تضاهي عبادة الاوثان في زمان الجاهلية، وهي كذلك عند جمهور فقهاء المذاهب الأربعة وعند الصوفية أمور جائزة لا تتعلق بالعقيدة أبدا، وإنما هي من باب زيارة القبور التي أجازها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتبر الوهابيون ما يفعله اهل التصوف من الاجتماع للذكر وعمل الاذكار الجماعية والالتزام بالأوراد من قبيل بدع الضلالة، وهي كذلك عند جمهور فقهاء المذاهب الأربعة وعند الصوفية أمور جائزة لا تتعلق بالعقيدة أبدا، وإنما هي من باب الاجتهاد في الطاعة تقربا إلى الله، كما يعتبر الوهابيون عقيدة (وحدة الوجود) عقيدة كفرية مخرجة من مله الإسلام، وهم لم يفهموا معاناها الصحيح أبدا، ويظنون أن معناها ان الكون كله يمثل أجزاء من الله، وأن الكل هو، وأنه هو الكل، وأنه عين الأشياء، وهذا لم يقبل به احد من اهل التصوف المقتدى بهم في الطريق، وإنما هو قول الزنادقة وقد عممه الوهابيون على جميع الصوفية، أما وحدة الوجود عند الصوفية، فهي حالة شهودية، والشهود من خصائص البصيرة، وليس البصر، فالبصر يرى والبصيرة تشهد، ولهذا كانت شهادة التوحيد: (أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله) لأنها العقيدة التي لا يساورها شك، وهي الشهادة التي لا تصح إلا بالعلم واليقين والعقيدة والرؤية والسمع والكلام، وأعلاها شهادة البصيرة والروح بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، وأهل التصوف الحق لا يعتقدون (وحدة الوجود) بل هم يشهدون هذه الوحدة، فهي حالة شهودية تخص الأولياء إذا بلغوا منازل عالية من السير إلى الله، فهم يقولون بما يشهدون، والقرآن الكريم يؤيد شهودهم، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، فالفناء جاء بصيغة الاسم للدلالة على تحقق الفناء، ولا معنى للفناء إلا العدم، وكذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، ولا معنى للهلاك إلا العدم، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، والباطل هو العدم، كما أنّ (الحق) اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الثابت الوجود المتصف بالوجود الدائم وقد تكرر ذكره سبحانه في القرآن الكريم كثيراً، منها: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنبياء: 6]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الأنبياء: 62]، واسم (الحق) سبحانه أي واجب الوجود المتصف بالوجود الدائم، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به سبحانه، فأهل العرفان من الصوفية حكموا بما شهدوا، وهم أهل بقاء بالله، به يشهدون، وبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، فإن قالوا: بوحدة الوجود، فهم قد حكموا بالحق الأزلي الذي جاء به الشرع، وهم قد حكموا بما شاهدوه، وبما رأوه ببصائرهم، والبصر الحقيقي هو بصر القلب (البصيرة)، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، فما ذنب اهل العرفان إن شهدوا بما حجب عنه أكثر الخلق، فلا حجة للنافي على المثبت ولا حجة للجاهل على العالم، وفوق كل ذي علم عليم، وفيه يقول السيد مصطفى كمال الشريف: (الوجود واحد، لأنه صفة ذاتية للحق سبحانه وتعالى، وهو واجب فلا يصح تعدده، والموجود هو الممكن، وهو العالَمُ فصح تعدده باعتبار حقائقه، وقيامُه إِنما هو بذلك الوجود الواجب لذاته، فإِذا زال بقي الوجود كما هو، فالموجود غير الوجود، فلا يصح أن يقال الوجود اثنان: وجود قديم ووجود حادث، إِلا أن يراد بالوجود الثاني الموجود من إِطلاق المصدر على المفعول، فعلى هذا لا يترتب شيء من المحاذير التي ذكرها أهل النظر على وحدة الوجود القائل بها أهل التحقيق) ([165]) .
والحاصل أنّ الوهابية قد اعتدت على الصوفية القائمين على مرتبة الإحسان ومنازل التزكية بغير وجه حق، كعادتها في هدم صروح التخصص الإسلامي العقدي والفقهي والتزكوي، (العقدي) متمثلا في محاربة الأشاعرة والماتريدية أهل التخصص العقدي، و(الفقهي) متمثلا في مخالفة المذاهب الأربعة في كل ما اعتمدوه من فروع الفقه لا سيما في أبواب التوسل والاستغاثة وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، و(التزكوي) متمثلا في محاربة اهل التصوف القائمين على التزكية والإحسان، ثلث الإسلام الأعلى، وكعادتهم (الوهابية) في تجاهل التراث الإسلامي العريق وهدم التقاليد الشرعية الموروثة عبر أجيال اهل الإسلام.
(15) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية، ألا وهو اعتماد كلام الشيخ ابن تيمية وكأنه – وحده – المتحدث الصحيح عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة، فقد خالفوه في مسائل عديدة، ولا شك أنه لم يكن متخصصا في كل ما تكلم فيه، وقد ذهل بالكلية عن قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، والتي بسبب ذهوله عنها هجم على أهل الفقه الأكبر في العقيدة (الأشاعرة والماتريدية) وانتقص من كبرائهم – مفاخر العلم – انتقصهم بغير حق، كما أنه غاب عنه مذهب السلف الحقيقي في المتشابه (الذي هو تفويض العلم به إلى الله) وظنه إثبات اللفظ الظاهر على حقيقته وتفويض الكيفية، فاقترب من الحشوية الجهلاء، وظلم مذهب السلف والخلف، واتهم مذهب السلف الصحيح الحقيقي (تفويض العلم بالمتشابه) بأنه شر المذاهب وأنه مذهب أهل الجهل، ولذلك لم يسلم منه الكثير من علماء أهل السنة الأعلام، وأدي ذلك إلى أن خاض في المتشابه على طرائق الحشوية والمشبهة واقترب منهم، كما أن له تعميمات يعوزها الدقة والتمحيص، وتمثل خطراً على صفاء منهج السلف الصالح، كادعائه بأنه لم ينقل عن السلف الصالح تأويل شيء من المتشابه، وبالتالي اتهم بالبدعة في الدين والخروج عن منهج السلف كل من أول شيئاً من المتشابه، وطار بهذا التعميم الركبان في كل واد، مع أنه ثابت في التفسير عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن كثير من التابعين وتابعي التابعين والأئمة العلماء، وليس تأويلهم لهوى أو بدعة وحاشاهم من ذلك، وإنما هو لضرورة منع اتباع العامة للمتشابه، وضرورة حمل المتشابه على أمهاته من المحكمات، لحفظ عقائد المسلمين من التشبيه والتمثيل، كما أنه – ابن تيمية رحمه الله – تشدد في مسائل الزيارة والتبرك والوسيلة على غير طريقة الفقهاء، وتشدد على طوائف الصوفية من أهل السنة والجماعة بحق أحياناً وبغير وجه حق أحيانا، ونحن لا ننقصه حقه كأحد العلماء، ولكن أن ننجرف مع أخطائه وتشدداته وتعميماته، فهذا لا يرضاه العلماء المنصفون من أهل السنة والجماعة، وهذا ما يأباه منهج التصحيح الذي يأخذ من كل عالم أحسن ما اجتهد فيه، ويصحح ما أخطأ فيه.
(16) يرى أتباع السلفية المعاصرة أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، مع أنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر ابن تيمية ومدرسته، وهكذا تم اختزال كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية – والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام -، بل وقياس قربهم وبعدهم عن أهل السنة والجماعة بهذه المقاييس الانحيازية، مما يمثل خطرا على سعة الدين واحترام تخصصاته العلمية،
(17) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء محمد بن عبد الوهاب، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم.
(18) الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى، قد اساء بعض المنتسبين إلى السلفية فهم الخيرية المنصوص عليها في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ظاناً أنّ الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي أو فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث الا بانتقاء الآراء بعد ذلك من العصور المتأخرة، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرن التالي لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، ومع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
(19) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، لقد كان السلف الصالح هم خير قرون الإسلام علما وعملا، وفقها وفهما، واهل السنة والجماعة يعرفون لسلفنا الصالح فضلهم ويسيرون على هديهم ومناهجهم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، إن الحركة السلفية المعاصرة في امس الحاجة إلى مراجعات علمية جادة من أجل تصحيح المسار.
[المفتاح السابع والعشرون]: يجب الحذر كل الحذر عن كل قول او فكر أو رأي جاءت به الوهابية مخالف لما عليه اهل السنّة والجماعة وذلك لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء لنجد وذكر انها أرض الفتن ورأس الكفر ومنها يخرج قرن الشيطان، فالحذر الحذر من كل ما خالفت فيه تلك الفرقة لمذاهب اهل السنّة والجماعة في العقيدة او في الفقه او في التصوف، ولم يرد في السنة النبوية ذكر للفرقة (الوهابية) صراحةً، لأنّ هذا المصطلح ببساطة نشأ لاحقاً نسبةً إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري حيث ظهر بنجد وكانت له دعوته الوهابية التي جمعت ما بين الحشو والتجسيم وما بين الخروج والتكفير وأضافت إلى ذلك مذهبا جديدا في التوحيد يفوق الخوارج القدامى غلوا وتكفيرا وسفكا لدماء المسلمين بدعوى عدم فهم الشهادتين وعدم فهم التوحيد، واتهموا الامة كلها -عداهم- بالشرك والكفر، وكانت فتنة اكلت الأخضر واليابس في نجد والحجاز وعم غلوها أغلب أقطار الدول الإسلامية، و لا زالت آثارها إلى اليوم نعاني منها أشد العناء، حشو وتجسيم للذات الإلهية وغلو في التكفير والتشريك والتبديع ومحاربة التخصص الإسلامي المتمثل في مدارسه المعروفة في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطر هذه الفرقة بما اعلمه الله من علم الغيب، وأول ذلك امتناعه عن الدعاء لنجد وذكر انّ منها يطلع قرن الشيطان، وانّ راس الكفر هناك حيث الفخر والكبر والخيلاء، وأن بها الزلازل الدينية والفتن العظيمة التي تفتن المسلمين عن دينهم، والتي تعوذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك روى البخاري عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالواوفي نجدنا، قال اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قال قالوا وفي نجدنا قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان) ([166]) .
وروى البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة: هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان) ([167]) . وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم ) ([168]) .
وروى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وهو مستقبل المشرق يقول: (ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة هاهنا، ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([169]) . وفي رواية لمسلم: رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان) ([170]) . وروى البخاري عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر ([171]) . وروى مسلم عن أبي مسعود قال ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: (ألا إن الإيمان ههنا وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين ثم أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر) ([172]) .
والمقصود الحقيقي بنجد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: هو إقليم نجد المعروف بالسعودية لأننا لا نعرف نجدا إذا اطلق سوى نجد المعروفة، بدليل أن علماء هذه المنطقة يسمون أنفسهم علماء الدعوة النجدية، وأهل المشرق لساكني المدينة المنورة هم أهل نجد وليس أهل العراق، فكان الأحرى بالألباني أن يتق الله ولا يلوي أعناق النصوص ليزعم انّ نجد المقصودة هي العراق، فلا مشرق للمدينة إلا نجد، والابل لا تُعرف إلا في نجد، وربيعة ومضر لا نعرفها إلا في نجد، فليتق الله كل متقول يريد ان يٌبعد عن نجد مسبة أنها أرض الفتن وان بها رأس الكفر وان منها يطلع قرن الشيطان، فأول ذلك مسيلمة الكذاب وآخرهم الحشوي المجسم الخارجي الموغل في التكفير والتشريك والتبديع واستحلال دماء المسلمين وأموالهم محمد بن عبد الوهاب النجدي المعروف، وتلامذته يسمون أنفسهم بعلماء الدعوة النجدية فلم المكابرة ونفي ان تكون نجد هي المقصودة بالأحاديث ولا نعلم نجدا في الدنيا سواها، وخصوصا أن أهلها مقرون بذلك وانظر كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) لعلماء نجد، أو كتاب: (عنوان المجد في تاريخ نجد) لابن بشر، وكتاب (تاريخ نجد) للشيخ حسين بن غنَّام ، فكلها قد تسمى بنجد فلم المكابرة ولماذا التدليس، وانا على يقين بأن المقصود بالزلازل والفتن هو ما أحدثته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من فتن لا زلنا نعاني من آثارها إلى اليوم حيث طرح ابن عبد الوهاب دينا موازيا يوازي دين الله تعالى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو دين يحاول سحب البساط دائما من تحت أقدام أهل السنة لينسبه لنفسه، ومن نظر إلى فتن ابن عبد الوهاب في زمانه وقد اشرت إلى طرف منها لعلم قدر الأهوال التي لاقاها المسلمون في زمانه من آثار تلك الحملة التي أكلت الأخضر واليابس من تراث أمة الإسلام.
[المفتاح الثامن والعشرون]: انطباق أحاديث الخوارج على اتباع محمد بن عبد الوهاب: أخرج البخاري: عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ([173]) .
واخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ ناسٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، ويَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ فيه حتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إلى فُوقِهِ، قيلَ ما سِيماهُمْ؟ قالَ: سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ – أوْ قالَ: التَّسْبِيدُ) ([174]) .وأخرج الترمذي وابن ماجة والامام احمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية فمن لقيهم فليقتلهم فإن قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم) ([175]) .
ووالله لا أعلم فرقة تنطبق عليها الأحاديث سوى اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهم أتوا في آخر الزمان فلا يعقل ان المقصود بهم من خرجوا زمان الإمام علي رضي الله عنه وهم حدثاء الأسنان سفهاء العقول يقولون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم يكفرون المسلمين بمتشابهات القرآن ويستحلون دماءهم واموالهم بمتشابهات القرآن، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لأنّ من كفر مسلما بغير حق فقد باء عليه الكفر، ولا نعلم مشرقا للمدينة المنورة على الخريطة سوى نجد، فلا تنطبق الاحاديث إلا عليهم ، وما مشرق المدينة إلا نجد، وقد خرج الوهابية منها، بل ودَعوا الناس للهجرة إليهم، (سيماهم التحليق)، وكانت تلك سيما اتباع النجدي محمد بن عبد الوهاب، وقد ثبت أن الشيخ محمد ابن عبدالوهاب كان يأمر من يدخل في طاعته بحلق شعره لينشأ بشعر جديد لم يشرك فيه، ولم يفعل ذلك أحد سواهم، وفظائعهم في بلاد المسلمين معروفة وقد استباحوا دماء المسلمين في المساجد، وقتلوا العلماء وأغاروا على كل البلاد في نجد والحجاز وابادوا قبائل بكاملها ونهبوا أموال المسلمين واستحلوا حرماتهم ودماءهم وفتكوا بكل من طالته أيديهم من المسلمين بسبب عقائدهم الزائغة واخلاقهم المنحرفة.
ومن قرأ كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) أو كتاب: (عنوان المجد في تاريخ نجد) لابن بشر ، أو كتاب (تاريخ نجد) للشيخ حسين بن غنَّام فإنه سيجد فيهما العجب العجاب من تكفير اهل القبلة واستحلال حرماتهم، وكانوا أشيه بقطاع طرق يستغلون الدين من اجل التكسب للدنيا وكانوا همجا لا يعرفون الرحمة عند مقاتلة المسلمين، وكم نكثوا من العهود وقتل الأسرى واتباع الفارين منهم يقتلون ويفتكون لا يعرفون إلا ولا عهدا ولا ذمة ، حتى دانت لهم نجد ثم الحجاز ثم غالب الجزيرة العربية بقوة السيف والسنان والبطش والجبروت.
[المفتاح التاسع والعشرون]: الوهابيون يستبيحون دماء المسلمين في المساجد: فقد جاء في كتاب تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنَّام: ( يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إن عثمان بن معمَّر – حاكم بلد عيينة – مشركٌ كافر، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ) ([176]) . ويقول ابن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد: (فلما سلَّم من الصلاة قام إليه من ذكرنا فقتلوه) ([177]) .
والفقهاء يقولون إنّ المرتد لا يقتل غيلة حتى يستتاب، وهؤلاء قتلوه في مصلاه بالمسجد، فأي خروج بعد هذا الخروج وأي فتنة بعد تلك الفتنة.
[المفتاح الثلاثون]: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحذرنا من كل شاذ وغريب يأتي إلينا من نجد، فقد جاء وصفها في الأحاديث الصحيحة بانها منزوعة البركة أبى الرسول صلى الله عليه وسلم ان يدعو لها بالبركة، وانها أرض الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشطان، ولذلك فلا بد من الحذر كل الحذر من كل ما هو وهابي مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولابد من الحذر من مذهبهم في الإلهيات فإنّ مذهبهم فيه الحشو والتجسيم، ولابد من الحذر من مذهبهم في الإيمان فإنهم يدخلون عمل الجارحة في أصل الإيمان وهذا حشو وخروج واعتزال، ولابد من الحذر من مذهبهم في التوحيد والشرك فأنه الشر بعينه وبه استحلوا دماء المسلمين وحرماتهم واتهموهم بالشرك الأكبر وجعلوا مشركي مكة زمان النبي صلى الله عليه وسلم أخف شركا من مسلمي زمانهم، زلابد من الحذر من مذهبهم في البدعة فإنه الهوس التبديعي بعينه يبدعون ما لا يدخل تحت البدعة أصلا ويبدعون كل من عمل بالحديث الضعيف ويبدعون كل من خالف مذهبهم وكأن ابن عبد الوهاب النجدي رسول من عند الله وليس خارجي قاطع طريق مجسم يستهين بشعائر الله كغزوه لمكة والمدينة حفظهما الله تعالى، وقتل المسلمين في المساجد، ويستحل حرمات الله ورسوله والمؤمنين، والحاصل لابد من الحذر كل الحذر من كل شاذ وغريب في الدين يأتي إلينا من نجد، واهل نجد، وقد وصفها الله تعالى بأنها أرض الفخر والكبر والخيلاء بها رأس وانها أرض الزلازل والفتن، ويطلع منها قرن الشيطان، وهي منبت الخوارج يخرجون آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، سيماهم التحليق وليس ينطبق هذا سوى على اتباع محمد بن عبد الوهاب نسال الله السلامة.
[المفتاح الحادي والثلاثون]: الوهابية ومحاولات سحب البساط من تحت أقدام أهل السنّة : على مر عصور الإسلام وفي عمق التاريخ الإسلامي نجد أنّ أهل السنّة والجماعة: هم أهل المذاهب المتخصصة في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، هم أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، استقر لهم على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، (الأولى): المدرسة الأثرية وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و (الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري حفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، و(الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي حفيد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهم أهل الفقه في الدين، ويأخذون الفقه عن الأئمة الأربعة، المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، والمذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، والمذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، والمذهب الحنبلي، نسبة إلى الإمام أحمد ابن حنبل، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تُراجع ولم تنتشر ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وهم (أهل السنة والجماعة) يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها المربون في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية السنّية)، ومن أشهرها عند أهل السنة والجماعة الطريقة الرفاعية والطريقة الشاذلية والطريقة القادرية، وكلها تنتمي في أصولها العريضة إلى أهل السنّة والجماعة الناجية، إلا من شذ، ولا عبرة بالشاذ، ونحن نتكلم على مجمل الداخلين في إطار أهل السنّة والجماعة الناجية إن شاء الله تعالى، فهذا هو الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم.
و(الوهابيون دائما نراهم ينسبون أنفسهم إلى أهل السنّة والجماعة، بل وحاولوا كثيرا حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة الأصلين إلى ان يتسنى لهم اخراج أهل السنّة الجماعة الحقيقيين من اطار اهل السنّة والجماعة، وهيهات هيهات فالميزان الرباني لا زال عاملا والميزان النبوي لا زال عاملا، وسواد أهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام -رغما عن انف الوهابيين- هم سواد أهل الإسلام الأعظم.
[المفتاح الثاني والثلاثون]: من كبر وخيلاء وغرور الوهابيين يرون أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، فأنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة شاذة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر الشيخ ابن تيمية ومدرسته، مع ما على هذا وذاك من ملاحظات وشذوذات في كل أبواب العلم، وقد علمنا تأثر الشيخ ابن تيمية بالحشوية القدامى واغتر بهم واتخذهم سلفا له ينسب قوله إليهم وينسب قولهم إلى السلف الصالح، وقد علمنا كذلك المفردات الشاذة التي أدخلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الدين في أبواب التوحيد والعقيدة والفقه والتزكية، وهكذا اختزل الوهابيون كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام، والاعجب أن الوهابيين صاروا يصنفون المذاهب العلمية واهل العلم وفق مقاييسهم المغلوطة، مما يمثل أكبر الخطر على صورة الدين وسعته ووسطيته واحترام تخصصاته العلمية العقدية والفقهية والصوفية.
[المفتاح الثالث والثلاثون]: هؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمذهب عقدي أشعري او ماتريدي أو أثري ومذهب فقهي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ومنهاج صوفي للتزكية، وطريقة سلوكية تأخذ بيده نحو رضا الله، إنّ السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف الصالح، ولكن السلفية الحقة الأصيلة بريئة من انتساب الوهابية إليها، بل سلفهم الحشوية والمحسمة والخوارج، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، وآفتهم اتباع المتشابهات وترك المحكمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، والقاعدة عند أهل التخصص أنّ التيميون المغالون في الشيخ ابن تيمية، والوهابيون المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الصحيح الصافي، بل هم عند أهل العلم مزيج مريب من فرق الخروج والحشو.
[المفتاح الرابع والثلاثون]: الوهابيون يعملون ليل نهار من أجل احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم المغلوط للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء محمد بن عبد الوهاب، ولاشك أنّ عصور السلف الصالح الثلاثة الأولى التي شهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخيرية العامة هي عصور القدوة المثلى والإتباع الأمثل، ولاشك أنّ أهل السنة والجماعة يجتمعون على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من خلال فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولكن ينبغي مناقشة آرائهم الشاذة جميعها لمعرفة مدي تمثيلها لمذهب السلف، ومدى قربها أو بعدها عن مذهب السلف في شتى أقسام العلم، والوهابية عُرفت بمفردات شاذة في علم التقديس وعلم الإيمان وعلم التوحيد وعلم الاتباع كما عّرفت بمعاداتها للمدارس المتخصصة في العقيدة والتصوف، وهي ترفض مفردات عقدية أجمع عليها المتخصصون في العقيدة كالتقديس لله عن المكان والزمان والجسمية ولوازمها من الصور والأشكال والابعاض والجوارح، وهي ترفض مفردات سلوكية أجازتها المدارس المتخصصة، ومن ذلك: التوسل والتبرك وزيارة القبور وهي ترفض كل مفردات أهل التصوف ويعتبرونها شركا أو ابتداعا في الدين، وهم مع ذلك لا يفتون مناسبة او فرصة ينسبون انفسهم إلى اهل السنّة والجماعة وانهم المتحدث الرسمي الوحيد والاوحد عن أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العلم في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وينسبون المدارس المتخصصة إلى البدعة والضلالة ولا يرضون إلا أن يكونوا هم اهل السنّة والجماعة ويرون انفسهم من يمثل الإسلام الصافي الخالص من الشرك ومن البدع، ولا يعلمون انهم أتوا بفهم لدين الإسلام يوازي ويزاحم ما عليه المتخصصون من مدارس اهل السنّة والجماعة.
***
المبحث الخامس: الهدي الإسلامي الرشيد في معاملة الفرق الضالة
[المفتاح الاول]: ليس معنى (الفرقة الناجية) أن أفرادها ناجون من النار مهما أتوا من الذنوب والمعاصي، يل ثبت أن هناك من يعذب في النار من امة الإسلام بذنوبه ومعاصيه، فإنّ كل نفس بما كسبت رهينه، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وليس معنى (الفرقة الناجية) أنّهم في مأمن من من عذاب النار، بل كل مسلم أيا كان يحاسب على عمله فمن غلبت سيئاته حسناته فهو معرض لعذاب النار إلا أن يعفوا الله عنه.
ولكن المقصود بــــ (الفرقة الناجية) أنهم اعتقدوا الاعتقاد الحق في أصول الدين وأركان العقيدة سالمين من بدع الضلالة التي تستوجب النار، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، (كلها في النار) لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين، وقد يشفع لهم شفيع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية والمحن والمصائب المكفرة ما يدرأ عنهم دخول النار، كما قد يعفو الله تبارك وتعالى عنهم بفضله وكرمه، لا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكن لم يوفقوا فيه فأخطأوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
(الوعيد بالنار) لتلك الفرق لا يقتضي الخلود فيها، يستحقون النار، نعم، لبدعتهم في الدين، ولكن لا يحكم على جملتهم بالكفر، ولا بالنار، وإن كان من أقوالهم ما يكون كفرًا، فليس يلزم من كون القول كفرا أن يكون قائله كافرا، ولا يلزم من كون الفعل كفرًا أن يكون فاعله كافرًا، لعدم توفر الشروط وانتفاء الموانع، وقد تكون البدعة ممن في قلبه الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وغلط فيما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة، وقتالاً للأمة، وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، وخير مثال لنا هو قتال الإمام علي رضي الله عنه للخوارج الناكثين فكان لا يبدأهم بقتال ولا يستحل أموالهم ولا حرماتهم، بل كان يداوي جريحهم ويطعم أسيرهم ولا يلاحق الفار منهم والهارب حتى يكونوا هم من بذءوا المسلمين بالقتال، كما ذكرت الآثار عنه رضي الله عنه، وهكذا سائر الثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين، إلا من كان منافقا يظهر الإسلام، كما يكثر ذلك في طوائف الروافض، فإن من تتبع مقالات بعظهم وكذبهم على أئمتهم جزم يقينا بأنهم لا يريدون للإسلام والمسلمين إلا الشر، فهؤلاء مسلمون في الظاهر كافرون في الباطن والله حسيبهم ولنا الظاهر والله أعلم بالبواطن، أما من لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن، وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه، فهذا ترجو له المغفرة والرحمة، لأنه في خاتمة المطاف مسلم له حُرمة الإسلام والدين.
[المفتاح الثاني]: أهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، وجميعهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من بين البشر للإسلام، لان أهل الإسلام ثلاثة أصناف، فمنهم ظالم لنفسه ببدعته أو بغيه أو فسوقه او عصيانه ومنهم مقتصد يؤدي الواجبات ويكف عن المحرمات ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وجميعهم داخلون في الاصطفاء وهم أهل الإسلام، وهم أهل النجاة من الخلود الأبدي في النار، وهم أهل الجنة في نهاية المطاف، وينبغي التنبه إلى خطورة الغلط، أو الغلو في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالكفر أو بالشرك أو البدعة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وكان من آخر ما بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أمته فقال في خطبة حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد) ([178]) . وقال صلى الله علية وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) ([179]) .
وقتل المسلم أهون من تكفيره، وقد توعد الله سبحانه من قتل نفسا معصومة بأشد الوعيد فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط يعلمها العلماء منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها المذاهب الأربعة المتخصصة في علم الفقه على منهاج أهل السنة، وعند الخلاف نرجح ما هو في مصلحة المسلم احتياطا لحرمة دينه ودمه.
ولا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28].
[المفتاح الثالث]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات، ولا يجوز استحلال شيء من حرماتهم لأجل بدعتهم، بل الواجب على جميع المسلمين الولاء العام على الإسلام، والاجتماع على أركانه وأصوله، والمحبة العامة على الإسلام، كما يجب عليهم التآلف والتكامل فيما بينهم، وأن يكون ولاؤهم فيما بينهم تجمعهم وحدة الإسلام والقرآن، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس جميعا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، فالفتنة في الأرض والفساد الكبير هما آثار فرقة المسلمين وعدم وجود الولاء العام فيما بين جميع المسلمين.
[المفتاح الرابع]: افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام: أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([180]).، وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أهل الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن.
[المفتاح الخامس]: لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} والخطاب في الآيات للمسلمين ويفيد أنّ المسلمين بعضهم أولياء بعض من دون الناس، وأنهم أمة واحدة من دون الأمم.
[المفتاح السادس]: المسلمون جميعا داخلون في الاصطفاء الرباني، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، وجميعهم مآلهم إلى رضوان الله تعالى وجنته، وإن لبث بعض العصاة منهم أحقابا في النار، هم حير الأمم قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلى اللَّهِ) ([181]) .
والأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([182]) . وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) ([183]) .
[المفتاح السابع]: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([184]) .
ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير، وانتفاء موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء أهل السنّة والجماعة، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) أن نحكم عليها بأنها في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه.
[المفتاح الثامن]: أهم الأحكام الفقهية السديدة التي تتعلق بالمبتدع:
[1] (مسألة تكفير المبتدع): لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها:
(الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة.
(الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنّة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنّة والجماعة: أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء،
[2] (مسالة قتل المبتدع): الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله، وفي الحديث (لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ([185]) .وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً) ([186]) .وقال العلماء في شرحه: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول.
[3] (مسألة بغض المبتدع):يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة، والمبتدع مسلم، نحبه لإسلامه، ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة، نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان، ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار، لأنّه في نهاية المطاف ما كانت بدعته غير مكفرة فإنّ مآله إلى الجنّة لحرمة لا إله إلا الله، وفضل لا إله إلا الله.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان) ([187]) .
وما جاء في حيث الشفاعة المتفق عليه (فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله)، ([188]) . وما أخرجه البخاري ومسلم: عنه صلى الله عليه وسلم قوله لمعاذ: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار) قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: (إذا يتكلوا) وأخبر بها معاذ عند موته تأثما ([189]) .
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري: (اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه) ([190]) . وحديث أبي ذر رضي الله عنه في صحيحي البخاري ومسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)، )([191]) .
فالحاصل انه مسلم إن مات على ذلك فهو من أهل الجنة، واهل الجنة لا يبغض الله ذواتهم، الشاهد نبغض بدعتهم أم هم فلا إلا ان تكون البدعة مخرجة عن الدين فلا ولا كرامة نسأل الله السلامة.
[4] (مسألة معاداة أهل البدع): المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم، وندعو لهم بالهداية، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين، والمسلمون أمة واحدة من دون الأمم، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، والمسلمون إخوة في الإسلام، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
[5] (مسألة البراءة من أهل البدع): تجب البراءة من البدعة نفسها، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء، لأنّه من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، أمة القرآن، امة الاصطفاء، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}
[6] (مسألة الصلاة خلف المبتدع): تصح الصلاة خلفه، وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون: القرآن مخلوق، جاء في المجموع شرح المهذب للإمام النووي رحمه الله: (قال المصنف – رحمه الله تعالى – (وتجوز الصلاة خلف الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم {صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله)، ولأن ابن عمر رضي الله عنهما صلى خلف الحجاج مع فسقه، (الشرح) هذا الحديث ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي من رواية ابن عمر بإسناد ضعيف، ورواه الدارقطني من طرق كثيرة ثم قال: وليس منها شيء يثبت، وأما صلاة ابن عمر خلف الحجاج بن يوسف فثابتة في صحيح البخاري، وغيره في الصحيح أحاديث كثيرة تدل على صحة الصلاة وراء الفساق والأئمة الجائرين، قال أصحابنا: الصلاة وراء الفاسق صحيحة ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، وتصح، فإن كفر ببدعته فقد قدمنا أنه لا تصح الصلاة وراءه كسائر الكفار، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فإن فعلها صحت…، وذهب جمهور العلماء إلى صحتها، (فرع) قد ذكرنا أن من يكفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح، وقال القفال وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب العدة: هذا هو المذهب، قلت: وهذا هو الصواب) .. قال ابن المنذر: إن كفر ببدعة لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز وغيره أولى)أهــ([192]) .
[7] (مسألة الصلاة على أهل البدع): الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية على المسلمين، أي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهي واجبة على كل مسلم توفي، هي من شعائر الإسلام المهمة، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام لم يخرج منها، قال تعالى -في حق المنافقين-: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبرِهِ} [التوبة: 84]، والمبتدع مسلم وليس منافق معلوم النفاق، وفي صحيح البخاري: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه من دين؟ قالوا: نعم، قال: فصلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه) ([193]). فــ (الأصل): أن المبتدع مسلم يُصلى عليه، لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن، ففرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
[8] (مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة): المبتدع يدعى له ويستغفر له، لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه، فيدعى ويستغفر له، بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة، والدعاء للمسلم مسنون، والمغفرة تاتي على كل الذنوب إلا الشرك، قال تعال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]، وهو مسلم داخل في إطار المشيئة ويُرجى أن يُغفر له إن شاء الله.
[9] (مسألة السلام على أهل البدع): الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه، وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا، لأنهم مسلمون، وإذا كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز.
[10] (مسالة هجر المبتدع): يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر، لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته، وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية، فإن كان لا يحققها فلا يشرع.
[11] (مسألة حكم غيبة المبتدع): فالأصل هو تحريم غيبة المسلم، ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته، والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها،
[12] (مسالة مجالسة أهل البدع): جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة، وكلها محمولة على النهي عن مجالسة رؤوس الفرق الضالة الداعين إليها، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة، والنهي يشمل العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب أهل الحق، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنّة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنّة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، قالها ثلاثا) ([194]) .
***
([1]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([2]) أخرجه الترمذي كتاب الإيمان 5/ 26 وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي ح2 ص 334 وقال: الحديث حسن ح (2129) في صحيح الترمذي.
([3]) أخرجه أبو داود كتاب السنّة 4/198.
([5]) مقدمة فتح الباري ج1/ص459.
([6]) سير أعلام النبلاء ج7/ص370.
([7]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1852.
([8]) مسند أحمد 32/11 ح 19265.
([9]) المصدر السابق 1/86 ح 78.
([10]) صحيح البخاري 5/26 ح 3749. صحيح مسلم 4/1883 ح 2422.
([11]) تفسير القمي 2/377 – بحار الأنوار 22/420.
([16]) صحيح البخاري 8/98 ح 6464.
([17]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 107.
([18]) نقله عنهم الشهريتاني في الملل 1/139، 1/140.
([19]) نقله عنهم الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين ص 70.
([20]) حكى إجماعهم على هذه المقولة السكسكي في البرهان ص 33.
([21]) نقله عنهم الملطي في التنبيه والرد ص 43.
([22]) ميزان الاعتدال ج1 / 426.
([23]) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ج1/338.
([24]) فضائح الباطنية للغزالي ص 46 الناشر: مؤسسة دار الكتب الثقافية – الكويت.
([25]) بيان تلبيس الجهمية: 7/ 290-356، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – 1426هـ.
([26]) العِلل المتناهية لابن الجوزي 1/36، سير أعلام النبلاء 10/113، طبقات الشافعية الكبري للسبكي 2/312، المنتخب من العلل لابن قدامة ص 284، تاريخ بغداد للخطيب 13/311، العلل لمتناهية 1/130، الثقات لابن حيان 2/245، طبقات الشافغية الكبري2/312، تهذيب التهذيب لابن حجر 10/86 ، اللآلئ المصنوعة للسيوطي 1/30، ميزان الاعتدال للذهبي1/594.
([27]) رسالة الاعتقادات لابن بابويه القمي ص 103 ط . مركز نشر الكتاب إيران.
([28]) الحدائق الناضرة ج18 / 153 ط. دار الأضواء.
([29]) منهاج الحياة للكاشاني ص 48 ط. دار الإسلامية بيروت
([30]) بحار الأنوار ج 23 / 390.
([31]) جواهر الكلام ج 6/62 ط. دار إحياء التراث بيروت.
([32]) تنقيح المقال ج1/208 ط. النجف 1952 م
([33]) الأربعون حديثاً ص 511 ط . دار التعارف.
([34]) نقله عنه المجلس في بحار الأنوار ج 23 / 391.
([35]) حق اليقين في معرفة أصول الدين ج 2 ص 188 ط بيروت.
([36]) العروة الوثقى ج 1 ص 68 ط . طهران.
([37]) نهاية الأحكام في معرفة الأحكام ج1 ص 274 ط . بيروت.
([38]) علل الشرائع ص 601 وانظر وسائل الشيعة ح 18 ص 463 والأنوار النعمانية ج 2 ص 308.
([39]) تهذيب الأحكام ج 4 ص 122 ط.طهران والفيض الكاشاني في الوافي ج 6 ص 43 ط. طهران.
([40]) تحرير الوسيلة ج1 ص 352.
([41]) الأحكام السلطانية لأبي الحسن الماوردي ص 5.
([42]) الكافي في الأصول باب دعائم الإسلام ص 20 ج2 ط. إيران.
([43]) الكافي في الأصول باب دعائم الإسلام ص 18 ج 2 ط . إيران.
([44]) الكافي في الأصول ص 18 ج 2 ط. إيران.
([45]) كتاب الحجة من الكافي ج1 ص 438 ط. إيران.
([46]) كتاب الحجة من الكافي ج 1 ص 438 ط. طهران.
([47]) الكافي كتاب الحجة ج1 ص 258 ط . إيران.
([48]) الكافي – كتاب الحجة ج1 ص 285 ط إيران.
([49]) الكافي في الأصول، كتاب الحجة جـ 1 ص 223 ط . إيران.
([50]) الكافي جـ 1 ص 261 ط . إيران.
([52]) صحيح مسلم 4/1961 ح 2531.
([53]) صحيح مسلم 4/1961 ح 2531.
([54]) ينظر فيما سبق رجال الكشي ص 12، 13، 15، 60،61.
([57]) تفسير القمي 2/377 – بحار الأنوار 22/420.
([59]) تفسير ابن كثير ج 3 / 289.
([60]) رجال الكشي ص 53 تحت ترجمة عبد الله بن عباس.
([63]) الأمالي للطوسي ص 259 – حق اليقين للمجلس ص 203.
([64]) حقيقة الشيعة للأردبيلي ص 677.
([66]) كتاب سليم بن قيس ص 253 – الروضة من الكافي ج 8 ص 239 – تفسير العياشي ج 2 ص 67.
([68]) الاحتجاج للطبرسي ص 148.
([69]) انظر أوائل المقالات ص 98 المطبعة الحيدرية – النجف. نقلها عنه النوري الطبرسي في كتابه ” فصل الخطاب في إثبات تحريف رب الأرباب ص 227.
([71]) تفسير الصافي المقدم السادسة.
([72]) مقدمة تفسير القمي للسيد طيب الموسوي ص 23، ص 24
([73]) الكافي ج2 / 381 فصل الخطاب 203.
([74]) الكافي ج2/394 تفسير القمي 1/408 فصل الخطاب 204.
([75]) الكافي 2/380 فصل الخطاب 205.
([80]) سنن ابي داود 7/13 ح 4604.
([82]) سنن ابن ماجة 1/29 ح 43، سنن ابي داود 7/16 ح 4607.
([83]) أصل الشيعة وأصولها ص 79.
([84]) الحكومة الإسلامية ص52، 53، 113.
([85]) بحار الأنوار ج98 ص 108 – التهذيب ج6 ص 72.
([86]) بحار الأنوار ج98 ص 106 – وسائل الشيعة ج10 ص 403.
([87]) التهذيب ج6 ص 73 – وسائل الشيعة 10/406 – مستدرك الوسائل 10/316.
([88]) التهذيب ج6 ص 73، وسائل الشيعة 10 / 406، مستدرك الوسائل 10/327 – 328.
([89]) عيون أخبار الرضا للصدوق 1/106 بحار الأنوار ج98 ص 118.
([90]) أمالي الطوسي ص 325، بحار الأنوار ج98 ص 18 التهذيب ج6 ص 74.
([91]) الفروع من الكافي 4/581 – المزار للمفيد ص47 – الوافي 8/554 – التهذيب ج6 ص44.
([92]) الفروع من الكافي 4 /582 وسائل الشيعة 10 /319 مستدرك الوسائل10 /234 الوافي 8 / 554.
([93]) كتاب المزار ص 62، بحار الأموار ج989 ص 17.
([94]) التهذيب ج6 ص 46، وسائل الشيعة ج10 ص319، الوافي ج8 ص 554.
([97]) تفسير العياشي 1/11 تفسير الصافي 1/29 – البرهان 1/20 –21.
([98]) تفسير العياشي ج2 / 261 – البرهان في التفسير ج2/373 – تفسير الصافي ج3 / 134.
([99]) تفسير العياشي ج2/261 – البرهان في التفسير ج2/373 – تفسير نور التقلين ج3/60.
([101]) البرهان ج3 / 172 تفسير نور الثقليثن ج4/25.
([102]) القمي 1/28 – البرهان 1/89 – العياشي 1/42 – الصافي 1/85.
([103]) البرهان 1/156 – مرآة الأنوار ص 148.
([104]) القمي 2/274 – البرهان 4/120 – الصافي 4/368 – 369.
([106]) أوائل المقالات للمفيد ص 46، 77 .
([107]) الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة ص 29.
([109]) من لا يحضره الفقيه 3/458 ، والمسائل السرورية للمفيد ص 30.
([110]) صفات الشيعة للصدوق ص 29، وبحار الأنوار 31/660؟
([112]) الإيقاظ من الهجعة ص 64.
([113]) مجمع البيان 7/406، والإيقاظ من الهجعة ص 33،60، وتفسيرنور الثقلين 4/101، وبحار الأنوار 53/123
([115]) بحار الأنوار 53/122-123 .
([118]) انظر بحار الأنوار ٨/ ٣٦٣ .
([119]) عقيدة اليهـود في الرجعة حين خروج المسيح المنتظر في: العهد القديم والعهد الجديــد ص 1021(الإصحاح السادس والعشرون، فقرة: 19)، وانظر : الإصحاح السادس والستـين ص 1072 (فقرات: 12/14).
([120]) انظر الملل والنحل ص 174.
([121]) تهذيب التهذيب 7/181،والضعفاء الكبير للعقيــلي 1/195 والكامل في الضعفاء لابن عدي 2/113.
([122]) التعريفات للجرجاني (ص: 246) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن 8/196.
([123]) أصول الكافي، ص482، 483، 484.485
([124]) صحيح البخاري 2/33 ح 1037.
([125]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([126]) صحيح البخاري 4/127 ح 3301.
([127]) صحيح البخاري 9/302 ح 5410، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([128]) صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([129]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([132]) صحيح ابن حبان 4/375 ح 3606.
([133]) صحيح البخاري3/17 ح 1845، صحيح مسلم 2/839 ح 1181.
([134]) صحيح البخاري 2/135 ح 1531.
([136]) بيان تلبيس الجهمية: 1/337.
([137]) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: 1: 62.
([138]) اعتقاد الإمام أحمد (ص 7- 8).
([140]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189.
([141]) لسان الميزان لابن حجر 8/551.
([142]) الدرر الكامنة لابن حجر 1/181.
([143]) منهاج السنة النبوية 2/380
([144]) التبصير في الدين (ص: 66- 67)
([145]) مجموعة التوحيد ص 15 – 16.
([146]) رسالة أربع قواعد ص 201: 202.
([149]) المصدر السابق ص 87،88.
([150]) الدرر السنية في الرد على الوهابية، ص ٣٩ ـ ٤٠
([152]) من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي 2/554.
([153]) عنوان المجد في تاريخ نجد عثمان النجدي 1/135.
([155]) صفحات من تاريخ الجزيرة العربية، لمحمد عوض الخطيب، ص 198-199، عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي،ص 139.
([156]) تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام:
([157]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([158]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([160]) عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن بشر الحنبلي.
([162]) مقدمة كتاب دفع شبه التشبيه، لابن الجوزي ص10.
([165]) رسالة وحدة الوجود للعلامة مصطفى كمال الشريف ص27 – 28.
([166]) صحيح البخاري 2/33 ح 1037.
([167]) صحيح البخاري 2/33ح 1037.
([168]) صحيح البخاري 4/127 ح 3301.
([169]) صحيح البخاري 9/302 ح 5410، صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([170]) صحيح مسلم 4/2228 ح 2905.
([171]) صحيح البخاري 4/128 ح3302.، صحيح مسلم 1/71 ح 51.
([173]) صحيح البخاري 6/197 ح 5057.
([174]) صحيح البخاري 9/162 ح 7562، صحيح مسلم 2/744 ح 1064.
([175]) سنن ابن ماجة 1/121 ح 175/ سنن الترمذي 4/481 ح 2188.
([178]) صحيح البخاري 2/176 ح 1739، صحيح مسلم 2/886 ح 1218.
([179]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([180]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([181]) سنن الترمذي 5/226 ح 3001.
([182]) صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([183]) صحيح البخاري 3/128 ح 2442.
([184]) صحيح البخاري 8/26 ح 6104، صحيح مسلم 1/79 ح 60 واللفظ له.
([185]) مسند أحمد 6/119 ح 3621.
([186]) صحيح البخاري 9/2 ح 6862.
([187]) صحيح البخاري 1/17 ح 44.
([188]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510
([189]) صحيح البخاري 1/37 ح 128 صحيح مسلم 1/61 ح 32.
([190]) صحيح البخاري1/31 ح 99.
([191]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827.
([192]) المجموع شرح المهذب 4/254.