الفصل الثاني مدارس الفقه المتخصصة في علم الفقه عند أهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم
وقد اشتمل على تلك المباحث:
المبحث الأول: أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقه.
المبحث الثاني: أصالة المذاهب الفقهية الاربعة وضرورة طلب الفقه من خلالها.
المبحث الثالث: خطورة عدم الانتماء إلى أحد المذاهب الفقيه الأربعة المتخصصة.
المبحث الرابع: حكم الخروج على المذاهب الفقهية الأربعة.
المبحث الخامس: اعتراضات على التمذهب وحل اشكالاتها.
المبحث السادس: مدخل مختصر إلى الفقه الحنفي.
المبحث السابع: مدخل مختصر إلى الفقه المالكي.
المبحث الثامن: مدخل مختصر إلى الفقه الشافعي.
المبحث التاسع: مدخل مختصر إلى الفقه الحنبلي.
المبحث العاشر: مناهج أخرى لدراسة الفقه وتقييمها.
المبحث الحادي عشر : مفاتيح الإصلاح والتجديد في علم الفقه الإسلامي.
المبحث الأول أهمية وضرورة احترام التخصص في الفقه
[المفتاح الأول]: كل علم يحترم أهله مجال التخصص فيه يثمر المعرفة والصواب، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والخطأ في اصدار الأحكام، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 12]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (مذاهب) ولم تسمى (فرق)، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية ؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة.
لقد كان لكثير من علماء السلف الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّها (المذاهب الفقهية) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الثاني]: إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس، ضرورة علمية، وذلك لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وواجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ، وواجب يحتمه العقل السديد، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه، فمن أراد معرفة الحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة الفقه لجأ إلى علماء الفقه، ومدارس الفقه المتأصلة معروفة، ومن أراد معرفة العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه.
[المفتاح الثالث]: من أمثلة المصائب الفقهية الناشئة عن عدم احترام التخصص: أحد غير المتخصصين في الفقه أراد أن يتناول مسألة النقاب وبيان حكم الشرع فيه، وكتب رسالة يربو عدد صفاحتها على المئتين، ولم أجد فيها نقولا عن الشافعي ولا مالك ولا أبي حنيفة، ولا استعانة بأقوالهم في المسألة ، مع انها مسالة فقهية نخص المجتمع الإسلامي كله، يا رجل على من تطلب علم الفقه وأحكام الفقه إذن، هل يعقل أن نستهين بمتخصصينا إلى هذا الحد، وجدته ينقل أقوال المفسرين والمحدثين ويستدل بها في مسألة فقهية، وأهمل المتخصصين، فهل يكون لرسالته أي ثقل علمي، وهو لم يستعن بأهل الخبرة من سادة الفقهاء والعلماء، يا قومنا هؤلاء هم الخبراء والله تعالى يقول: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، ويقول تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، أي أهل العلم الذاكرين له المتخصصين فيه، إن عدم احترام التخصص يؤول بالأمة إلى الفوضى العلمية والتبديع والتضليل وضياع الأسس العلمية التي قام عليها الصرح العلمي لأهل السنّة والجماعة، وإنّ دعوى الأخذ المباشر من الكتاب والسنّة مباشرة دون العروج على أقوال أهل العلم المتخصصين في العلم، هي دعوى حق ولكن ليست لكل من هب ودب، إنها دعوى حق في حق من يمتلك أدوات الاجتهاد في مجال تخصصه، إنّ الشر كل الشر في ان يصبح الإفتاء في الدين كلأً مباحًا لكل من أراد من غير المختصين، وأن تتم محاربة المتخصصين بدعوى الأخذ من الكتاب والسنّة مباشرة، فإنها كلمة حق مآلها إلى الباطل، تشبه إلى حد كبير مقولة الخوارج: إن الحكم إلا لله، وهي كلمة حق ولكن لابد من وجود من يحكم بما أنزل الله، وهاهنا لابد من وجود المجتهد المتخصص الذي يستنبط من الكتاب والسنة.
***
المبحث الثاني أصالة المذاهب الفقهية الاربعة وضرورة طلب الفقه من خلالها
[المفتاح الأول]: مذاهب الفقهاء الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي: ذكرنا أنّ لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولا يجوز التهجم على علومهم دون الرجوع إليهم قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].
ومذاهب الفقهاء الأربعة هي المتخصصة في علم الفقه الإسلامي، والأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة.
[المفتاح الثاني]: الإمام أبو حنيفة يجمع علم أهل العراق: فإنّ الكوفة بعد أن ابتناها الفاروق – رضي الله عنه – وأسكن حولها الفُصَّح من قبائل العرب، بعث إليها ابن مسعود – رضي الله عنه – ليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم: إني آثرتكم على نفسي بعبدالله، وعبدالله رضي الله عنه أحد أعظم المجتهدين في الفقه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومنزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا، فعُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان – رضي الله عنهم – عناية لا مزيد عليها، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء، ولما انتقل علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – إلى الكوفة، سُرَّ من كثرة فقهائها جدا فقال: رحم الله ابن أم عبد، قد ملأ هذه القرية علما، وأتّم علي رضي الله عنه تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة مضرب المثل في كثرة فقهائها ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها على بن أبي طالب رضي الله عنه عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها فقهاء الصحابة، وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها، وكبار أصحاب علي وابن مسعود رضي الله عنهما بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما، يقول أنس بن سيرين: دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا، وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أبرز تلامذته: حماد بن أبي سليمان ؛ الذي انتهت إليه رياسة الفقه في العراق بعد استاذه إبراهيم النخعي ؛ وقد أخذ الإمام أبو حنيفة الفقه عن شيخه حماد بن أبي سليمان الذي لازمه نحواً من ثماني عشرة سنة، والإمام أبو حنيفة يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم مستقل له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه، ضرب رحمه الله مثلا عظيما في الفقه بكتاب الله تعالى وسعة الإطلاع على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ووضع أصولا لمنهجه، وقد أخذ العلم عنه خلق كثيرون، ربما بلغ عددهم أربعة آلاف شخص، وقد دوّن الإمام أبو حنيفة فقهه بعد أخذ وردّ سديدين في المسائل الفقهية بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية، وكان رحمه الله تعالى المؤسس الأول لأول مدرسة فقهية متكاملة، ولله در الشافعي حيث قال: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة.
[المفتاح الثالث]: الإمام مالك يجمع علم أهل المدينة: هو إمام أهل المدينة، وهو إمام أهل الحديث وهو إمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة) ([1]) .
وقد كانت المدينة المنورة مهبط الوحي، ومقر جمهرة الصحابة إلى آخر عهد ثالث الخلفاء الراشدين، وعني كثير من التابعين من أهل المدينة بجمع شتات المنقول عن الصحابة من الفقه والحديث، حتى كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه، كان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر – رضي الله عنهما – عن أقضية أبيه، تقديرا من ذلك الصحابي الجليل لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة، ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة، فقام مالك بجمعها وإذاعتها على الجماهير، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا، وانصاع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه ونور منهجه على توالي القرون، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه وقوة نظره، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة، حرصا على جمع الكلمة، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظرا برأي أصحاب الشأن من فقهاء المذهب، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغَ القوة، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فَقَدَ رأسه.
[المفتاح الرابع]: الإمام الشافعي يجمع علوم أهل الحجاز وأهل العراق: الإمام محمد بن إدريس الشافعي هو ثالث الأئمة والإمام المجدد الذي ملأ طباق الأرض علما،إليه ينسب علم أصول الفقه، جمع علم مدرسة الفقه بمكة المكرمة مما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد، الذي تلقى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم رحل إلى المدينة فجمع علم مدرسة الفقه بالمدينة المنورة، وقرأ الموطأ على الإمام مالك رحمه الله، ثم رحل إلى العراق، ولقي أصحاب أبي حنيفة، وأخذ عنهم، ودارس الإمام محمد ابن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة، ومزج طريقة أهل الحجاز (مكة والمدينة) بطريقة أهل العراق، ووضع علم أصول الفقه، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، وقد امتلأ الخافقان المشرق والمغرب بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، ممن نشروا علم الفقه السديد، فامتلأت طباق الأرض منهم علما وفقها.
[المفتاح الخامس]: الإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع علم الحديث وعلم الفقه: طلب الحديث في فجر شبابه، وأخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإن مسنده لشاهد على ذلك، فقد انتقاه من سبعمائة وخمسين ألف حديث وجمع علم أهل العراق، وفقه أبي حنيفة من محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة، ثم تتلمذ على الشافعي، وتفقه على يديه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، قال عنه الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث؛ إمام في الفقه؛ إمام في اللغة؛ إمام في القرآن؛ إمام في الفقر؛ إمام في الزهد؛ إمام في الورع؛ إمام في السنة، وقال عنه أيضاً: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا اعلم ولا افقه من أحمد بن حنبل، وقال عنه أستاذه وكيع: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى يعني: أحمد بن حنبل، وقال عنه عبدالرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع.
[المفتاح السادس]: هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، أولى المجتهدين في الفقه بالاتباع هم الفقهاء الأربعة: إن أصل العلوم جميعا كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تعبد الله تبارك وتعالى كل مسلم بإتباع الكتاب والسنة، والناس تجاه الكتاب والسنة صنفان: مجتهد وعامي، و(المجتهد) فقط له الحقّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ؛ و(العامّي) _ وهو كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد _ يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام ؛ فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في اجتهاده فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم، أو الوسائل الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها، وأولى المجتهدين بالإتباع: من اتُّفقت الأمة على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصار له مذهب معروف، أقواله منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلاله آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة، إنّ من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (أحد المتون العلمية) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها، لقد كان لكثير من علماء المسلمين الكبار الأوائل وأولهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم آراء فقهية عديدة، استفادت منها جميعها المذاهب الفقهية الأربعة، ولكن آراء الصحابي أو العالم لا يصح أن يقال عنها مذهب لأنها لم تتناول جميع أبواب الفقه، كما أنها لم تخدم على يد علماء أفاضل يكونون بمثابة مدارس فقهية متخصصة تنتمي إلى هذا الصحابي أو العالم تصحح النقل عنه وتحمل مجمله على مفصله ومتشابهه على محكمه وعامه على مطلقه وهكذا، فضلا عن أن هذه الآراء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، ولم يتيسر ذلك سوى للمذاهب الأربعة المشهورة التي شاء الله تعالى أن يجعلها أعمدة الفقه في بناء دين الإسلام، لقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة لا تكاد تجد فيها أحدا إلا وهو ينتسب لمذهب منها، بل استحوذ كل مذهب في غالب الأحيان على مناطق شاسعة، فيقال مثلا بلاد كذا جميعها حنفية، أو مالكية، أو شافعية، أو حنبلية، وذلك له عدة عوامل أهمها نبوغ جماعات من العلماء الذين تبنوا نشر هذه المذاهب والتأصيل لها والإفتاء بموجبها، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه، فمن أراد من المسلمين أن يسلك الطريق الصواب في الفقه، فعليه أن يلتزم مذهباً من هذه المذاهب الأربعة، وأن يحرص على استفتاء أئمتها وعلماءها، ومن أراد طلب علم الفقه – من طلاب العلم الشرعي – من بابه الصحيح فعليه أن يطلبه من خلال الوسائل التعليمية التي قررتها إحدى تلك المدارس الفقهية الأربعة ثم يتوسع بعد ذلك كيفما شاء طلبا للاجتهاد، والحذر الحذر من الدعوة إلى الخروج على فقه المذاهب الأربعة، فإن الدعوة للخروج عن المذاهب الأربعة يلزم منها: إما أن يرجع كلّ فرد من الأمة إلى الأدلة الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وهذا بدوره يزيد المذاهب، ويفرق الأمة، ويحرِّف الدِّين، وإما أن يرجع الناس إلى مجتهد ما، فنقول: وهل هؤلاء أولى بالاتباع ممن عُرِف اكتمال علمه وفقهه وتقواه، وذهب مذهبه الآلاف من المجتهدين المهتدين، إنّ الأمر بالرد إلى الكتاب والسنّة هو عمل المجتهدين، أمّا عامة المسلمين، فالأمر هو الرد إلى أهل العلم والذكر الحكيم، والله تعالى يقول – في موضعين من القرآن الكريم -:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، [الأنبياء: 7]، إن واجب المجتهد: أن يبحث عن الدليل الصحيح وصفات النصوص لاستنباط الحكم منها ؛ وواجب عامة المسلمين أن يبحثوا عن العالم الصحيح، وهل هناك أعلم في الفقه من مدارس الفقه المتخصصة فيه، والتي تضم خيرة فقهاء وعلماء أهل السنّة والجماعة الأئمة المهديين المُتبعين.
[المفتاح السابع]: لا ينبغي العدول عن المذاهب الأربعة إلى غيرها ففيها الكفاية: وقد ألف الحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (ت 795) رسالة سماها (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة) – وهي رسالة نافعة جليلة القدر في بابها – جاء فيها: ” فقد بلغني إنكار بعض الناس على بعض من ينتسب الى المذهب الإمام احمد وغيره من مذاهب الأئمة المشهورين في هذا الزمان الخروج عن مذاهبهم في مسائل وزعم أن ذلك لا ينكر على من فعله، وأن من فعله قد يكون مجتهداً متبعاً للحق الذي ظهر له أو مقلداً لمجتهد آخر، فلا ينكر ذلك عليه، فأقول وبالله التوفيق، وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله: لا ريب أن الله تعالى حفظ لهذه الأمة دينها حفظاً لم بحفظ مثله ديناً غير دين هذه الأمة ؛ وذلك أن هذه الأمة ليس بعدها نبي يجدد ما دثر من دينها كما كان دين من قبلنا من الأنبياء، كلما دثر دين نبي جدده نبي آخر يأتي بعده، فتكفل الله سبحانه بحفظ هذا الدين، وأقام له في كل عصر حملة ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]، فتكفل الله سبحانه بحفظ كتابه، فلم يتمكن أحد من الزيادة في ألفاظه ولا من النقص منها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ أمته القرآن في زمانه على أحرفٍ متعددة ؛ تيسراً على الأمة لحفظه وتعليمه حيث كان فيهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، فطلب لهم الرخصة في حفظهم له أن يقرئهم سبعة أحرف ؛ كما ورد ذلك في حديث أبي بن كعب وغيره، ثم لما انتشرت كلمة الإسلام في الأقطار، وتفرق المسلمون في البلدان المتباعدة صار كل فريق منهم يقرأ القرآن على الحرف الذي وصل إليه، فاختلفوا حينئذ في حروف القرآن اختلافاً كثيراً، فأجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عثمان علي جمع الأمة على حرفٍ واحد، خشية أن تختلف هذه الأمة في كتابها كما اختلفت الأمم قبلهم في كتبهم، ورأوا أن المصلحة تقضي ذلك، وحرقوا ما عدا هذا الحرف الواحد من المصاحف، وكان هذا من محاسن أمير المؤمنين عثمان- رضي الله عنه- التي حمده عليها علي وحذيفة وأعيان الصحابة، وإذا كان عمر قد أنكر على هشام بن حكيم بن حزام على عهد النبي صلى الله عليه وصلى في آيه أشد الإنكار، وأبي ابن كعب حصل له بسبب اختلاف القرآن ما أخبر به عن نفسه من الشك، وبعض من كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم ممن لم يرسخ الأيمان في قلبه ارتد بسبب ذلك حتى مات مرتداً، هذا كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف الظن بالأمة بعده أن لو بقي الاختلاف في ألفاظ القرآن بينهم فلهذا ترك جمهور علماء الأمة بما عدا هذا الحرف الذي جمع عثمان عليه المسلمين، ونهوا عن ذلك، ورخص فيه نفر منهم، وحكي رواية عن أحمد ومالك مع اختلاف عنهما على ذلك به في الصلاة وغيرها أم خارج الصلاة فقط، وبكل حال: فلا تختلف الأمة أنه لو قرأ أحد بقراءة ابن مسعود ونحوها مما يخالف هذا المصحف المجتمع عليه، وادعى أن ذلك الحرف الذي قرأ به هو حرف زيد بن ثابت الذي جمع عليه عثمان الأمة، أو أنه أولى بالقراءة من حرف زيد: لكان ظالماً متعدياً مستحقاً للعقوبة، وهذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، إنما محل الخلاف: إذا قرأ بحرف ابن مسعود ونحوه مع اعترافه أنه حرف ابن مسعود المخالف لمصحف عثمان- رضي الله عنه، وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنها كانت في الأمة تحفظ في الصدور كما يحفظ القرآن، وكان من العلماء من يكتبها كالمصحف ومنهم من ينهي عن كتابتها، ولا ريب أن الناس يتفاوتون في الحفظ والضبط تفاوتاً كثيراً، ثم حدث بعد عصر الصحابة قوم من أهل البدع والضلال، أدخلوا في الدين ما ليس منه وتعمدوا الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام الله تعالى لحفظ السنة أقواماً ميزوا ما دخل فيها من الكذب والوهم والغلط، وضبطوا ذلك غاية الضبط وحفظوه أشد الحفظ، ثم صنف العلماء التصانيف في ذلك، وانتشرت الكتب المؤلفة في الحديث وعلموه، وصار اعتماد الناس في الحديث الصحيح على كتابي الإمامين أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري- رضي الله عنها، واعتمادهم بعد كتابيها بعد بقية الكتب الستة خصوصاً سنن أبي داود وجامع أبي عيسى وكتاب النسائي ثم كتاب ابن ماجه، وقد صنف في الصحيح مصنفات اخر بعد صحيحي الشيخين، لكن لا تبلغ كتابي الشيخين، ولهذا أنكر العلماء على من استدرك عليهما الكتاب الذي سماه المستدرك، وبلغ بعض الحفاظ فزعم أنه ليس فيه حديث واحد على شرطهما، وخالفه غيره، وقال: يصفو منه حديث كثير صحيح، والتحقيق: أنه يصفو منه صحيح كثير على غير شرطهما، بل على شرط أبي عيسى ونحوه، وأما على شرطهما فلا، فقل حديث تركاه إلا وله علة خفية ؛ لكن لعزة من يعرف العلل كمعرفتها وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلا في الإعصار المتباعدة: صار الأمر في ذلك إلى الاعتماد على كتابيها والوثوق بهما والرجوع إليهما، ثم بعدهما إلى بقية الكتب المشار إليها، ولم يقبل من أحد بعد ذلك الصحيح والضعيف إلا عمن اشتهر حذقه ومعرفته بهذا الفن واطلاعه عليه، وهم قليل جداً، وأما سائر الناس: فإنهم يعملون على هذه الكتب المشار إليها، ويكتفون بالعزو إليها، وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام: فلا ريب أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اختلفوا في كثير من هذه المسائل اختلافاً كثيراً، وكان في الأعصار المتقدمة كل من اشتهر بالعلم والدين يفتي بما ظهر له أنه الحق في هذه المسائل، مع أنه لم يخل من كان يشذ منهم عن الجمهور عن إنكار العلماء عليه، كما كان ينكر على ابن عباس- رضي الله عنه- مسائل متعددة بها، وأنكر ذلك على أتباعه أشد من الإنكار عليه، حتى كان ابن جريح لما قدم البصرة إذا رآه الناس دخل المسجد الجامع رفعوا أيديهم ودعوا الله عليه لشذوذه بتلك المسائل التي تلقى عن أصحاب ابن عباس، حتى أنه رجع عن بعضها قبل أن يخرج من عندهم، وهذا مع أن الناس حينئذ كان الغالب عليهم الدين والورع، فكان ذلك يريحهم عن أن يتكلم أحدهم بغير علم، أو ينصب نفسه للكلام وليس هو لذلك بأهل، ثم قل الدين والورع، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول بحيث أن كل أحدٍ يفتي بما يدعي أنه يظهر له أنه الحق ؛ لاختل به نظام الدين لا محالة، ولصار الحلال حراماً والحرام حلالاً، ولقال كل من شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل دين أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه: بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، من أهل الرأي والحديث، فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين، ولولا ذلك: لرأى الناس العجاب، من كل أحمق متكلف معجبٍ برأيه جريء على الناس وثاب، فيدعي هذا أنه الأمام الأئمة، ويدعي هذا أنه هادي الأمة وأنه هو الذي ينبغي الرجوع دون الناس إليه والتعويل دون الخلق عليه، ولكن بحمد الله ومنته انسد هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم، وانحسرت هذه المفاسد العظيمة وكان ذلك من لطف الله تعالى لعبادة وجميل عوائده وعواطفه الحميمة، ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد، ويتكلم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد، فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدقة فيما ادعاه، ومنهم من رد عليه قوله وكذب في دعواه، وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة، والدخول فيما دخل فيه سائر الأمة.
فإن قال أحمق متكلف: كيف يحصر الناس [الفقه] في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين، (قيل له): كما جمع الصحابة- رضي الله عنهم – الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان ؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك، فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين: لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كل أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسه من زمرة المجتهدين وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين ؛ فربما كان بتحريف يحرفه عليهم كما وقع ذلك كثيراً من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلة من بعض من سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين، فإن قيل: الفرق بين جمع الناس على حرفٍ واحد من الحروف السبعة من أحرف القرآن وبين جمعهم على أقوال فقهاء أربعة، أن تلك الحروف السبعة كانت يقال: معناها واحد أو متقارب والمعنى حاصل بهذا الحرف وهذا بخلاف قول الفقهاء الأربعة ؛ فإنه يجوز أن يتفقوا على شيء ويكون الحق خارجاً عنهم، قيل: هذا قد منعه طائفة من العلماء، وقالوا إن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة، وفي ذلك أحاديث تعضد ذلك، وعلى تقدير تسليمه: فهذا إنما يقع نادراً ولا يطلع عليه إلا مجتهد وصل إلى أكثر مما وصلوا إليه، وهذا أيضاً مفقود أو نادر، وذلك المجتهد على تقدير وجوده: فرضه اتباع ما ظهر له من الحق، وأما غيره: ففرضه التقليد، وتقليد هؤلاء الأئمة سائغ بلا ريب، إثم عليهم ولا من قلدهم ولا بعضهم، [فإن قيل]: فهذا يقضي إلى اتباع لأئمة على الخطأ [قيل]: لا يقول القول الحق [جميع الخلق]: لابد أن يكون مذموماً به أحد من [المخالفين]، فلم يتفق للأمة الخطأ، وأكثر ما يقع هذا إن كان واقعاً فيما قل وقوعه، فأما المسائل التي يحتاج المسلمون إليها عموماً فلا يجوز أن يعتقد أن الأئمة المقتدى بهم في الإسلام في هذه الإعصار المستطالة اجتمعوا فيها على الخطأ ؛ فإن هذا قدح في هذه الأمة قد أعاذها الله منه، فإن قيل: نحن نسلم منع عموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد ؛ لما يفضي ذلك أعظم الفساد، لكن لا نسلم منع تقليد إمام متبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين، (قيل): قد نبهنا على علة المنع من ذلك وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة، فإن قيل: فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دون مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ مذاهب هؤلاء، (قيل): أولا: هذا لا يعلم وجوده الآن، وإن فرض وقوعه الآن وسلم جواز إتباعه والانتساب إليه، فإنه لا يجوز ذلك إلا لمن أظهر الانتساب إليه والفتيا بقوله والذب عن مذهبه، فأما من أظهر الانتساب إلى بعض الأئمة المشهورين وهو في الباطن منتسب إلى غيرهم معتقد لمذهب سواه: فهذا لا يسوغ له ذلك البتة، وهو من نوع النفاق والتقية، ولاسيما من أخذ الأموال المختصة بأصحاب ذلك الإمام المشهور من الأوقاف أو غيرها، أو لبس على الناس، فأوهمهم أن ما يفتي به من مذهب من ينتسب إليه في الباطن هو مذهب ذلك الإمام المشهور، فهذا غير سائغ قطعياً، وهو تلبيس على الأمة وكذب على علماء الأمة، ومن نسب إلى أئمة الإسلام ما لم يقولوه، أو ما علم أنهم يقلون خلافه / فإنه كاذب يستحق العقوبة على ذلك، وكذلك إن صنف كتاباً على مذهب إمام معين، وذكر فيه ما يعتقده من قول من ينتسب إليه في الباطن من غير نسبته إلى قائله، وكذلك لو كان الكتاب المصنف لا يختص بمذهب معين، إلا أن مصنف في الظاهر ينتسب إلى مذهب إمام معين وفي الباطن إلى غيره، فيذكر فيه أقوال من ينتسب إليه باطناً من غير فيذكر فيه أقوال من ينتسب إليه باطناً من غير بيان لمخالفتها لمذهب من ينتسب إليه ظاهراً، فكل هذا إيهام وتدليس غير جائز، وهو يقتضي خلط مذاهب العلماء واضطرابها، فإن ادعى مع ذلك الاجتهاد كان أدهى وأمر، وأعظم فساداً وأكثر عناداً ؛ فعنه لا يسوغ ذلك مطلقاً إلا لمن كملت فيه أدوات الاجتهاد: من معرفة الإجماع والاختلاف، وبقية شرائط الاجتهاد المعروفة، وهذا يدعي اطلاعاً كثيراً على السنة، ومعرفة صحيحها من سقيمها، ومعرفة مذاهب الصحبة والتابعين والآثار المنقولة عنهم في ذلك، ولهذا كان الإمام أحمد يشدد أمر الفتيات، ويمنع منها من يحفظ مائة ألف حديث ومائتي ألف حديث وأكثر من ذلك، وعلامة صحة دعواه: أن يستقل بالكلام في المسائل كما استقل غيره من الأئمة، ولا يكون كلامه مأخوذاً من كلام غيره، فأما من اعتمد على مجرد نقل كلام غيره، إما حكماً أو حكماً ودليلاً: كان غاية جهده أن يفهمه، وربما لم يفهمه جيداً أو حرفه وغيره، فما أبعد هذا عن درجة الاجتهاد كما قيل: (فدع عنك الكتابة لست منها * ولو سودت وجهك بالمداد).
فإن قيل: فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم، وقول الإمام أحمد: لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان، وتعلم كما تعلم كما تعلمنا، وهذا كثير موجود في كلامهم، قيل: لا ريب أن الإمام أحمد- رضي الله عنه- كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة، وبكتاب آثار الصحابة والتابعين دون كلام من بعدهم ومعرفة صحة ذلك من سقمه والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه، ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره، فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته كما أشار إليه الإمام أحمد، فقد صار علمه قريباً من علم أحمد، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولا ارتقى إلى هذه النهاية ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات، وإذا أردت معرفة ذلك وتحقيقه، فانظر إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات، وإذا أردت معرفة ذلك وتحقيقه، فانظر إلى علم الإمام أحمد – رضي الله عنه – بالكتاب والسنة، أما علمه بالكتاب: فإنه – رضي الله عنه – كان شديد العناية بالقرآن وفهمه وعلومه، وكان يقول لأصحابه: قد ترك الناس فهم القرآن، على وجه الذم لهم وقد جمع في القرآن من الكتب، من ذلك كتاب الناسخ والمنسوخ، والمقدم والمؤخر، وجمع التفسير الكبير، وهو محتوٍ على كلام الصحابة والتابعين واختص عن أقرانه من ذلك بأمور متعددة، ومنها سعة الحفظ وكثرته، وقد قيل: إنه كان يحفظ ثلاث مائه ألف حديث، ومنها: معرفة صحيحه من سقيمه: وذلك تارة بمعرفة الثقات من المجروحين، وإليه كانت نهاية في ذلك، وهذا وإن شاركه كثير من الحفاظ في معرفة علل الحديث المرفوعة، فلم يصل أحد منهم إلى معرفته بعلل الآثار الموقوفة، ومن تأمل كلامه في ذلك: رأي العجب، وجزم بأنه قل من وصل إلى فهمه في هذا العلم رضي الله عنه، ومنها: معرفة فقه الحديث وفهمه وحلاله وحرامه ومعانيه، وكان أعلم أقرانه بذلك كما شهد به الأئمة من أقرانه: كإسحاق، وأبي عبيد، وغيرهما، ومن تأمل كلامه في الفقه وفهم مأخذه ومداركه فيه، علم قوة فهمه واستنباطه، ولدقة كلامه في ذلك ن وربما صعب فهمه على كثير من أئمة أهل التصانيف ممن هو على مذهبه، فيعدلون عن مآخذه الدقيقة إلى مآخذ أخر ضعيفة يتلقونها عن غير أهل مذهبه، ويقع بسبب ذلك خلل كثير في فهم كلامه وحمله على غير محامله، ولا يحتاج الطالب لمذهبه إلا إلى إمعان وفهم كلامه، وقد رؤى من فهمه وعلمه ما يقضي منه العجب، وكيف لا ولم يكن مسألة سبق للصحابة والتابعين ومن بعدهم فيها كلام إلا وقد علمه وأحاط علمه به وفهم مأخذ تلك المسألة وفقهها، وكذلك كلام عامة فقهاء الأمصار وأئمة البلدان – كما يحيط به معرفته-كمالك، والأوازاعي، والثوري، وغيرهم، وقد عرض عليه عامة علم هؤلاء الأئمة وفتاويهم، فأجاب عنها وجماعة عرضوا عليه مسائل مالك وفتاويه من الموطأ وغيره، فأجاب عنها، وقد نقل ذلك عنه حنبل وغيره، وإسحاق بن منصور عرض عليه عامة مسائل الثوري، فأجاب عنها، وكان أولاً قد كتب كتب أصحاب أبي حنيفة وفهمها وفهم مآخذهم في الفقه ومداركهم، وكان قد ناظر الشافعي وجالسه مدة وأخذ عنه، وشهد له الشافعي – رضي الله عنه – تلك الشهادات العظيمة في الفقه والعلم، وأحمد مع هذا شاب لم يتكهل، ومعلوم أن من فهم علم هذه العلوم كلها برع فيها، فأسهل شيء عنده معرفة الحوادث والجواب عنها، على قياس تلك الأصول المضبوطة والمآخذ المعروفة، ومن هنا قال عنه أبو ثور: كان أحمد إذا سئل عن مسألة كأن علم الدنيا لوح بين عينيه، أو كما قال ولا نعلم سنة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد أحاط بها علماً، وكان أشد الناس اتباعاً للسنة إذا صحت ولم يعارضها معارض قوي، وإما ترك الأخذ بما لم يصح، وبما عارضه معارض قوي جداً، وكان السلف – رضي الله عنهم – لقرب عهدهم بزمن النبوة وكثرة ممارستهم كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعرفون الأحاديث الشاذة التي لم يعمل بها، ويطرحونها ويكتفون بالعمل بما مضى عليه السلف، ويعرفون من ذلك ما لم يعرفه من بعدهم، ممن لم تبلغه السنن إلا من كتب الحديث لطول العهد وبعده، إذا فهمت هذا وعلمته: فهذه نصيحة لك أيها الطالب لمذهب هذا الإمام أؤديها إليك خالصة لوجه الله تعالى ؛ فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، إياك ثم إياك أن تحدث نفسك أنك قد اطلعت على ما لم يطلع عليه الإمام، ووصلت من الفهم إلى ما لم يصل إليه هذا الذي ظهر فضل فهمه على من بعده من أولي الإفهام، ولتكن همتك كلها مجموعة على فهم ما أشار إليه من الكتاب والسنة على الوجه الذي سبق شرحه،ثم بعد ذلك: ليكن همك في فهم كلام هذا الإمام في جميع مسائل العلم، لا مسائل الإسلام، أعني: مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر، وهو العلم المسمى في اصطلاح كثير من العلماء بعلم السنة، فإن هذا الإمام كان غاية في هذا العلم، وقد امتحن بسبب مسائل منه وصبر لله على تلك المحنة، ورضي المسلمون كلهم بقوله الذي قاله ومقامه الذي قامة وشهدوا أنه إمام السنة وأنه لولاه لكفر الناس، فمن كانت هذه منزلته في علم السنة، كيف يحتاج إلى تلقي هذا العلم من الكلم أد من العلماء غيره، لاسيما لمن ينتسب إلى مذهبه، فليتمسك بكلامه في عامة هذا الباب، ويعرض عما أحدث من فضول المسائل التي أحدثت، وليس للمسلمين فيما أحدث حاجة ؛ بل تشغل عن العلم النافع، وتوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتوجب كثرة الجدل والخصومات في الدنيا مما هو منهي عنه عند هذا الإمام وغيره من السلف الماضين، وكذلك علم الإحسان: وهو علم المراقبة والخشية، كان هذا الإمام فيه غاية كما كان في علم الإسلام والأيمان آية، لكن كان الغالب عليه في هذا العلم تحقيق الأعمال دون تزويق الأحوال ؛ فلذلك كان لا يطلق إلا المأثور عن السلف دون ما أخذته المتأخرون عن الخلف، ولقد كان – رضي الله عنه- في جميع علومه مستنداً بالسنة، لا يرى إطلاق مالم يطلقه السلف الصالح من الأقوال ولا سيما في علم الإيمان والإحسان،وأما علم الإسلام: فكان يجيب فيه عن الحوادث الواقعية مما لم يسبق فيها كلام ؛ للحاجة إلى ذلك، مع نهيه لأصحابه أن يتكلموا في مسائل ليس لهم فيها إمام، وإنما كان يجيب غالباً عما سبق الكلام فيه، وفيما يحتاج ولا بد لوقوع ومعرفة حكمه، فأما ما يولده الفقهاء من المسائل التي لا تقع أو لا تكاد تقع إلا نادراً، فكان ينتهي كثير عن الكلام فيها ؛ لأنه قليل الفائدة ويشتغل عما هو أهم منه مما يحتاج إلى معرفته، وكان- رضي الله عنه -: لا يرى كثرة الخصام والجدال، ولا توسعة لقيل أو لقال في شئٍ من العلوم والمعارف والأحوال، إنما يرى الاكتفاء في ذلك بالنسبة والآثار، ويحث على فهم معاني ذلك من غير إطالةٍ للقول والإكثار، ولم يترك توسعة الكلام بحمد الله عجزاً ولا جهلاً، ولكن ورعاً وفضلاً واكتفاء بالسنة فإن فيها كفاية، واقتداءً بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين فبالاقتداء بهم تحصل الهداية، فإن أنت قبلت هذه النصيحة وسلكت الطريقة الصحيحة، فلتكن همتك: حفظ ألفاظ الكتاب والسنة، ثم الوقوف على معانيها بما قال سلف الأمة وأئمتها، ثم حفظ ألفاظ الكتاب والسنة، ثم حفظ كلام الصحابة والتابعين وفتاويهم وكلامهم أئمة الأمصار، وعرفت كلام الإمام أحمد وضبطه بحروفه ومعانيه والاجتهاد على فهمه ومعرفته، وأنت إذا بلغت من هذه الغاية فلا تظن في نفسك أنك بلغت النهاية، وإنما أنت طالب متعلم من جملة الطلبة المتعلمين، ولو كنت بعد معرفتك ما عرفت موجودا في زمن الإمام أحمد، ما كنت حينئذ معدوداً من جملة الطالبين فإن حدثت نفسك بعد ذلك أنك قد انتهيت أو وصلت إلى ما وصل إليه السلف فبئس ما رأيت، وإياك ثم إياك: أن تترك حفظ هذه العلوم المشار إليها وضبط النصوص والآثار المعول عليها، تم تشغيل بكثير الخصام والجدال وكثرة القيل والقال وترجيح بعض الأقوال على بعض الأقوال مما استحسنه عقلك… ومن هاهنا يعلم: أن علم الإمام أحمد ومن سلك سلبيه من الأئمة أعلم علوم الأمة وأجلها وأعلاها، وأن فيه كفاية لمن هداه الله إلى الحق، ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور ” أهـ [رسالة الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي]
***
المبحث الثالث خطورة عدم الانتماء إلى أحد المذاهب الفقيه الأربعة المتخصصة
[تنبيه]: ذكرت في الفصل الأول: (مدخل الى علم الفقه) في المبحث الثالث منه: (أدوار تطور الفقه الإسلامي المرحلة الرابعة) أنّها كانت العصر الذهبي لعلم الفقه (عصر تمام الفقه وتكامله واستقلاله كعلم للشريعة)، وفيها نضج الفقه وازدهر وبلغ الذروة والقمة؛ حيث دوّن مع علوم الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وظهر الأئمة المجتهدون وكبار فقهاء الأمة؛ أمثال: أبي حنيفة النعمان (ت150هـ) بالكوفة، والأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، ومالك بن أنس (ت179هـ) بالمدينة ؛ سفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ والشافعي (ت204هـ) بمصر؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور؛ وأحمد بن حنبل (ت241هـ) ببغداد، إلا أن بعض هؤلاء الأئمة اندثر مذهبه ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع الذين يهذبون مذاهبهم، وبالتالي انقطعت مذاهبهم، وذكرت أنّه في تلك المرحلة أكرم الله تعالى الأمة الإسلامية بالأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل) هؤلاء الرواد العظام الذين تطوَّر الفقه على أيديهم، وبلغ غاية في النضج والإحكام، واعترف لهم الجمهور بالإمامة والاجتهاد المطلق وساهم كل واحد منهم في تتويج علم الفقه وجني ثماره، وأكرم الله تعالى كل واحد منهم بالتلاميذ النجباء والأئمة العلماء الذين حولوا آراء الأئمة الأربعة الفقهاء إلى مدارس ومؤسسات وجامعات علمية فقهية يضن التاريخ على البشرية بمثلها، وأنّه ينبغي لطالب الفقه أن يطلبه من بابه، وهو الانتساب إلى أحد تلك المذاهب الفقهية المؤصلة، وقد تكلم الكثير من العلماء والفقهاء في بيان خطورة عدم الانتماء إلى أحد المذاهب الفقيه الأربعة المتخصصة، وأنّ ذلك يؤدي إلى الفوضى الفقهية والعلمية بين أهل الإسلام، وإليك أقوال بعض العلماء في بيان خطورة عدم الانتماء إلى أحد المذاهب الفقيه الأربعة المتخصصة، وفي التحذير من الفوضى الفقهية الناشئة عن عدم اتباعها.
[المفتاح الأول]: قال الشيخ طارق بن محمد السعدي في وصيته القيمة إلى المسلمين – وهو يدعوهم إلى احترام التخصص الفقهي واتباع أحد المذاهب الفقهية الأربعة المتخصصة في الفقه -: (فهذه وصية العبد الفقير إلى الله تعالى: طارق بن محمد السعدي إلى المسلمين، راجياً من الله تعالى القبول والنفع وختام الصّالحين، فأقول مستعيناً بالله تعالى استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به: أخي المسلم: إن الله تعالى قد كمّل لنا ديننا الحنيف، وحفظه من الضياع والتحريف، مصداقاً لقوله سبحانه: {إنا نحن نزَّلنا الذكر وإنا له لحافظون}، فأنزل مولانا الله سبحانه وتعالى (القرآن) على عبده ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظ آياته في الصدور والسطور؛ وحفظ أحكامه وبيانه بما أوحاه للرسول صلى الله عليه وسلم، مصداق قوله سبحانه: {وأنزلنا إليك الذكر لتُبَيِّن للناس ما نُزِّل إليهم}، وحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما حفظ كتابه العزيز، وجعل حقَّ فهم أحكامهما وبيانها: للمجتهدين من أمة حبيبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حفظاً لها من الضياع والتحريف، فقال عز وجل: {ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، جاعلاً المجتهدين ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الدِّين ومقاصده؛ ومانعاً غير المجتهدين من النظر في دلالات النصوص واستنباط الأحكام منها، وهو أول ما أراده سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من قوله: (العلماء ورثة الأنبياء)، فالمجتهد والعامّي يتعبّدان بالقرآن والسنة؛ والمجتهد فقط له الحقّ في استنباط الأحكام منهما؛ والعامّي _ وهو كلّ من ليس بمجتهد مهما بلغ في علوم الدنيا _ يأخذ الأحكام من المجتهد، ولا يجوز له استنباط الأحكام، ولا البيان؛ فإن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله ولو أصاب في فهمه فضلاً عن خطئه، لقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وأولو الأمر التشريعي: هم المجتهدون، وقوله سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي: إن كنتم لا تعلمون الحكم، أو الطُرق والقواعد والبحوث الواجبة لاستنباط الأحكام والتي يتوقف فهم الأحكام على مراد الله عليها، والقول الذي أشاعه أهل البدع في هذا الزمان بين الناس، لصدِّهم عن الصراط المستقيم، وتفريقهم وتشتيتهم، والعبث في الدِّين، وغير ذلك من مقاصدهم الفاسدة: وهو المنع من تقليد المجتهدين، وفتح باب استنباط الأحكام وبيان مقاصد الشريعة أمام العوام، هو قول باطل، مردود عليهم بما تقدم وما سيأتي، وأما ما استدل به هؤلاء لترويج مذهبهم وباطلهم من النصوص، فلا دلالة فيها، لأنها نصوصٌ نزلت في المشركين، الذين قلَّدوا آباءهم وتعصَّبوا لهم على جهلهم وضلالهم؛ بخلاف المسلمين، الذين يقلِّدون المجتهدين المهتدين، وقد بيَّن الله سبحانه هذه العلَّة بقوله: {وإذا قيل لهم} أي: للمشركين {اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتَّبع ما ألفينا عليه آباءنا، أَوَلَو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}؟!، ولم يكن عوام الصحابة والتابعين والسلف الصالح يتجرّؤون على تفسير النصوص واستنباط الأحكام منها، بل ردّوا الأمر إلى علمائهم المجتهدين، وأولى المجتهدين بالاتّباع: من اتُّفق على إمامته وأهليته للاجتهاد من كلّ الجوانب، وأولى المذاهب بالاتّباع: ما ذهب إليه الكثير من المجتهدين، وأولى ذلك: ما كان في خير القرون، وهي التي بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (خير القرون قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم)، وذلك محصورٌ في أربعة أئمة على أربعة مذاهب: فأما الأئمة: فأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، فقد أجمعت الأمة على علمهم وهُداهم، وهم من التابعين وتابعي التابعين من سلف الأمة الصالح، وأما المذاهب: فهي المذاهب الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، فقد ذهب إليها جمهورٌ كثيرٌ من المجتهدين؛ ودُوِّنت، وضُبِطت، وحُرِّرت، وانتشرت، وما أشاعه هؤلاء المتفيقهين: من أن الدِّين واحد، فما بالنا نجعله أربعة؟!! فهي مقالة جهل خبيثة يُراد بها تفريق الأمة، وهدم الدِّين بالابتداع فيه، وتحريفه،، لأن (التفرّق) _ وهو المذموم بنصوص الكتاب والسنة والإجماع _ يكون في أصول الدِّين: وهي المسائل القطعية منه، والأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين، اتّفقوا على أصول الدِّين؛ وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يقول عاقل بإمكانية عدم الاختلاف فيها، وذلك بالإجماع، والتعليق على لفظ (المذهب) من هؤلاء، واعتباره بدعة؛ ودعوة الناس إلى عدم الانتساب إلى مذهب لأجل ذلك، فإنه جهل مركّب، ويدل على فساد قائله، وذلك: أن المذهب: هو المعتقد الذي يُذهَب إليه، و (مذهب المجتهد): هو مُعتقده من القواعد والبحوث التي يفهم الأحكام على أساسها، ويُطلق أيضاً: على الحكم الذي استنبطه ورآه المجتهد من النصوص الشرعية بناءً على قواعده وبحوثه الثابتة، فكلّ من نظر في النصوص الشرعية، وفهم منها حكماً: فقد ذهب مذهباً، والناظر من هؤلاء الذي يزعم أنه لا يذهب مذهباً واحد من اثنين: إما جاهل بمعنى المذهب، فيُنكِر ذلك لجهله، وهذا يُؤخَذ عليه إنكاره لما لا يَعْلم مما قَبِلَه مَنْ عَلِمَه؛ وجهله بأمر بسيط شائع، وعليه: فلا يوثق بعلمه، ولا يُقتدى به، وإما عالم بمعنى المذهب، وأنه يذهب بفعله مذهباً، فيُنكِر ذلك مكراً وخداعاً ليلفت الناس إليه، وهذا مخادع ضال كذاب، فلا يُؤبَه له، وأدهى من ذلك: أنه يقول للناس: وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم على مذهب؟! ليحيِّرهم ويفتنهم _ بجهل أو علم منه أيضاً _، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مذهب: وهو: سنّته صلى الله عليه وسلم المطهرة، وقد بثّه بين أصحابه أصولاً وفروعاً، قطعياً وظنّياً؛ وسعى كلّ مجتهد بما توصّل إليه من قواعد الشريعة وبحوثها للتوصّل إليه، كما قال الشاعر: (عباراتنا شتّى وحسنك واحد… وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير)
ونقول للمسلمين: إنكم إن خرجتم عن المذاهب الأربعة، فمن أين تأخذون أحكام دينكم؟ فإن قيل: من الكتاب والسنة مباشرة، قلنا: هذا بالنسبة للمجتهدين منكم، فما بال العوام؟ فإن قيل: يتّبعون ما يستنبطه هؤلاء، نقول: وهل هؤلاء أولى بالاتباع ممن عُرِف علمه وهداه، وذهب مذهبه الآلاف من المجتهدين المهتدين وكان في خير القرون التي لو لم يُرِد منّا النبي صلى الله عليه وسلم اتباع أعلامها لما كان لقوله في تمييزها عن غيرها معنى؟! وهل يُعقل ويُقبل أن يخفى وصفٌ لمسألة معلومة من الدِّين على آلاف الأئمة، والأئمة في خير القرون، ليظهر لاحقا؟!! بل إن قول الله تعالى {إنا نحن لنا الذكر وإنا له لحافظون} يقضى بأن لا يخفى وصفٌ معلومٌ في عصرٍ من العصور، ولا يُؤبَه لما يقوله المارقون: فيما نقول حديث، أو نحوه مما يتأوّلوه، لأنها ذريعة للوصول إلى مقصدهم الخبيث الفاسد، ولو كانت الدلالة صحيحة فيما استدلوا به، لما خفي عن خير القرون، وخير المجتهدين، وخير المذاهب، فافهموا رحمكم الله، وما ألطف ما أنطق الله به عبداً من عوام الأمة، وهو يخاطب مؤسّس بعض الفرق المارقة، حيث قال له: أرأيت لو جاءك من تثق به وتعرف عدله وأمانته وعقله، وقال لك: إن جيشاً عظيماً يكمن خلف الجبل، يريد أن ينقضَّ عليك وعلى جندك؛ فأرسلت ألفاً من جندك الأمناء إلى الجبل ليسدّوا الثغور ويباغتوا الجيش، فذهبوا فلم يجدوا جيشاً، ولم يجدوا أثراً يدلّ عليه؛ بل هناك ما يؤكِّد أن الأرض لم تُطأ منذ أيام وأكثر، فأيّهما تصدّق: الرجل الأمين عندك، أم الجند؟ فقال: أصدّق الجند طبعاً، لكثرة عددهم وأمانتهم، فقال له: ونحن أيضاً، نصدّق جمهور المسلمين ونكذبك، فمن أراد من المسلمين أن يسلك الصراط المستقيم، وأن لا يضلّ في سبل الشياطين: فعليه أن يلتزم مذهباً من المذاهب الأربعة، وأن لا يستفتي إلاّ أئمتها وعلماءها، ولا يغرنّكم عدد الذين خرجوا عن المذاهب الأربعة في هذا الزمان، وتقلّبهم في البلاد، وتصدّرهم بعض مجالس العباد، لأن ذلك مما بيّنه الشارع الحكيم، وحذّر من الاغترار والفتنة به، فقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:” من شرط الساعة: أن يُرفَع العلم، ويظهر الجهل ” أي: بالكتاب والسنة؛ فيُستدل بهما على غير ما يدلان، ويُحرَّفان ويُؤوّلان، وذلك أن المقصود برفع العلم: رفع العلم الصالح لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة وفهم دلالاتهما، لأن أيّ ناظرٍ في النصوص يفهمها بحسب عقله وفهمه، وليس كلّ عقلٍ صالحٍ، ولا كلّ فهم صحيح، وذلك: ظهور الجهل، وهو: التحدث في الدِّين واستنباط الأحكام ممن ليس من أهل الاجتهاد، وقال صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء: (يكون بعدي أئمة)، أي: أُناسٌ يُؤتمّ بهم، (لا يهتدون بهُداي، ولا يستنّون بسنتي) ([2]) .
وذلك أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته: أن لا ينظر في الدِّين ويستنبط الأحكام منه إلاّ عالم مجتهد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ؛([3])
أمّا غير المجتهد، فلا خلاف في إثمه حتى ولو أصاب كما في الحديث: (من قال في القرآن برأيه، فلْيتبوّأ مقعده من النار) ([4]) . وحديث: (من قال في القرآن بغير علم فلْيتبوّأ مقعده من النار) ([5]) .
ولأنه من الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً، اتّخذ الناس رؤوساً جُهّالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا) ([6]) . أي: فأفتوا بأفهامهم التي لا تبلغ مرتبة العلم الصالح لاستنباط الأحكام، وقال صلى الله عليه وسلم: (أخاف عليكم الهرج)، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: (القتل)، قالوا: أكثر مما نقتل اليوم!! إنا لنقتل من المشركين كذا وكذا؟ قال: (ليس قتل المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضاً)، قالوا: وفينا كتاب الله _ أي: وسنتك _؟ قال: (وفيكم كتاب الله) أي: وسنتي، قالوا: ومعنا عقولنا؟ أي: على ما هي اليوم من علم وعدالة وهداية وفهم صحيح للكتاب والسنة؟ قال: (إنه يُنزَع عُقول عامة أهل ذلك الزمان، وتخلف له هباء من الناس، يحسبون أنهم على شيء، وليسوا على شيء) ([7]) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة)، قيل: كيف إضاعتها؟ قال: (إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة) ([8]) . وقال صلى الله عليه وسلم: (يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة) ([9]) . وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما: (يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس، مرجت عهودهم وأماناتهم) أي: اختلطت، واختلفوا، (فكانوا هكذا) وشبك بين أصابعه، قال: فبِمَ تأمرني؟ قال: عليك بما يُعرَف ودَعْ ما يُنكَر، وعليك بخاصّة نفسك، وإياك وعوامهم) ([10]) .
وهل يُعرَف مثل المذاهب الأربعة؟!!،، وقد نقل البعضُ الإجماع على وجوب اتّباع مذهب من المذاهب الأربعة، وعدم جواز الخروج عنها؛ والبعض نقل وجوب اتّباعها وتحريم اتّباع غيرها: فقال العلامة عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي رحمه الله في مراقي السعود: ” والمجمع اليوم عليه الأربعة وقفوا غيره الجميع منعه، متبعاً في ذلك ما نقله الحطّاب عن القراقي في شرح المحصول:” قال إمام الحرمين _ عبد الملك بن أبي محمد الجويني، إمام الأئمة في زمانه، وأعجوبة دهره وأوانه، (419 – 478هـ) _: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلّقوا بمذاهب الصحابة رضي الله عنهم، بل عليهم أن يتّبعوا مذاهب الأئمة الذين سَبَرُوا ونظروا وبَوَّبوا “، قال القرافي:” ورأيت لتقي الدِّين بن الصلاح ما معناه: أن التقليد يتعيّن لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم، لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها، وتخصيص عامِّها، وشروطها، وفروعها؛ فإذا أطلقوا حكماً في موضع وُجِد مُكَمّلاً في موضع آخر، وأما غيرهم: فتُنقَل عنه الفتوى مجردة، فلعل لها مكملاً أو مقيداً أو مخصّصاً لو انضبط كلام قائله لظهر؛ فيصير في تقليده على غير ثقة، بخلاف هؤلاء الأربعة “([11]) .
وقال العلامة محمد أمين الكردي الإربلي: ” ومما يجب اعتقاده أن أئمة الدِّين كلهم عدول، ومن قلّد واحداً منهم نجا،، والمشهور منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد رضي الله عنهم، وكلّهم على هدى من الله، وتقليد واحد منهم فرض،، ولا يجوز تقليد غيرهم بعد عقد الإجماع عليهم، لأن مذاهب الغير لم تُدوَّن، ولم تُضبَط؛ بخلاف هؤلاء، ومن لم يقلد واحداً منهم، وقال: أنا أعمل بالكتاب والسنة، مدعياً فهم الأحكام منهما، فلا يُسلَّم له، بل هو مخطئ ضال مُضل، سيما في هذا الزمان الذي عمَّ فيه الفسق وكثرت فيه الدعوى الباطلة ؛ لأنه استظهر على أئمة الدِّين وهو دونهم في العلم والعمل والعدالة والاطلاع،،”([12]) .
ومن ثم: فإن الدعوة للخروج عن المذاهب الأربعة يلزم منها: إما أن يرجع كلّ فرد من الأمة إلى الأدلة الشرعية ويستنبط منها الأحكام، وهذا بدوره يزيد المذاهب، ويفرق الأمة، ويحرِّف الدِّين،، وقد تقدّم فساده، وإما أن يرجع الناس إلى مجتهد ما، وهذا يُرَدُّ عليه بما سبق، وأما الأمر بالرجوع والرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو للمجتهدين؛ وأما العوام: فرجوعهم وردّهم إلى المجتهد، فتكون أدلة المجتهد: هي الأدلة الشرعية: كالكتاب والسنة؛ ودليل العامي: هو مذهب المجتهد، وكما أن واجب المجتهد: أن يبحث عن الدليل الصحيح وصفات النصوص لاستنباط الحكم منها؛ فإن واجب العامي أن يبحث عن العالم الصحيح: بالبحث عن الصفات المطلوبة فيه إضافة إلى اتباعه وذهابه إلى مذهب من المذاهب الأربعة: من العدالة والعلم والتُّقى والهُدى، واعلموا أن أركان الدِّين ثلاثة: الأول: (الإيمان)، وهو المصطلح عليه باسم: أصول الدِّين، والعقيدة، وعلم التوحيد، وعلم الكلام، فالتزموا فيه ما جاء في المذاهب الأربعة، قال الإمام السّبكي:” وهؤلاء الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة وفضلاء الحنابلة _ ولله الحمد _ في العقائد يدٌ واحدة، كلّهم على رأي أهل السنّة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفيّة والشّافعيّة لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم [وهم يدّعون اتباع الكتاب والسنّة والسلف الصالح والإمام أحمد بن حنبل،، وهم منهم براء([13]) . ([14])
وبالجملة: عقيدة الأشعري هي ما تضمّنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقّاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة [تنبيهان: الأوّل: أن كلمة الإمام السبكي هذه قد طالتها أيدي المحرفين من المجسمة وتلاعبت بها، وما نقلناه هنا هو نصه الصحيح رحمه الله تعالى، الثاني: أن المجسمة المشبهة _ سيما من ينفون عن أنفسهم اسم التجسيم والتشبيه وهم بالمسمى واقعين: كابن أبي العزّ والألباني _ قد شرحوا متن الإمام الطحاوي، فقولوه ما لم يقل وفسّروا كلامه على ما يناسب مذهبهم، فافتروا على الإمام لهم من الله ما يستحقون،]،،”
ـفيؤخذ هذا الرّكن من الذاهبين مذهب المذاهب الأربعة والمتبعين لها، الملتزمين بها، دون من شذ عنهم وادعى اتباعهم، [و] (الثاني): (الإسلام)، وهو المصطلح عليه باسم: الفقه، فالتزموا فيه ما جاء في المذاهب الأربعة، على النحو السابق، [و] (الثالث): (الإحسان)، وهو المصطلح عليه باسم: التصوف، فالتزموا فيه ما جاء في المذاهب الأربعة، على النحو السابق أيضاً، مع العلم بأن التصوف ليس بدعةً ولا فِرقةً ولا نحو ذلك مما يطلق عليه الجاهلون؛ وإنما هو ركن من أركان الدِّين، أحدِث له اسم كما أحدث لغيره، وانفردت مدرسته عن غيرها، ولا ضرر في ذلك، وقد قال الإمام مالك:” من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوّف ولم يتفقّه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقّق “، وفي رواية:” تحقق ” بدل:” تصوف “، والمعنى واحد،([15]) . وقال الإمام الشافعي: (فقيهاً وصوفياً فكن ليس واحداً فـإني وحـق الله إيـاك أنصـح… فذلك قاسٍ، لم يذق قلبـه تقى وهذا جهول، كيف ذو الجهل يصلح) ([16]) . وقال الإمام أحمد بن حنبل:” لا أعلم على وجه الأرض أقواماً أفضل منهم” ([17]) .
(تنبيه): ولا يُلتفت لما يُكذب عن هؤلاء وغيرهم من أهل الحقّ في ذم التصوف، ولكن احذروا، فإن كثيراً من خلق الله ادَّعوا التصوف، واستزلّهم الشيطان وأضلهم، أحدثوا الكثير من البدع المكفرة والمفسقة، فانظروا عمّن تأخذون هذا الأمر، فإن له ضوابط لتمييز الحقّ من الباطل، وكشف أباطيل هؤلاء الأدعياء: قال الإمام الجُنيد:” علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة ” اهـ ([18]) .
وقال الإمام أحمد الخراز:” كلّ باطن يخالفه ظاهر فهو باطل “،([19]) .
وقال الإمام سري السقطي:” المتصوف لا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة ([20]) فمن فعل فعلاً أو قال قولاً أو اعتقد أمراً مخالفاً للشرع والمبادئ المستفادة منه لهذا العلم، ثمَّ انتسب إلى التصوف، فهو كذاب، والتصوف بريء منه، كما أن من ادعى الإسلام وخالف الشرع كذاب والإسلام بريء منه، ولا يتضرّر التصوف به كما لا يتضرر الإسلام به، فافهموا رحمكم الله تعالى، فخذوا الدِّين بأركانه عمن ذهب مذهب المذاهب الأربعة، واعلموا أن كل مذهب منها صواب ويحتمل الخطأ، لظنيّة الأدلة المختلف فيها؛ فلا يُنكِرنّ أحد منكم على من هو على غير مذهبه، ولا تغترّوا بمن يؤلف مذهباً من مجموع المذاهب الأربعة بدعوى الترجيح بينها، ثم ينتسب إليها، لأن مذهباً منها لم يرضَ بالصفة التي ألّفها هذا الطفيلي المتفيقه، وهو وإن اعتمد عليها فيما ذهب إليه، غير أنه قد ألّف مذهباً جديداً خاصاً به، فافهموا واحذروه رحمكم الله، وانصحوه وغيره ممن خرج عن المذاهب الأربعة إلى غيرها من المذاهب المحدثة بالتمسك بها، ولا تجعلوا ذلك سبباً للفرقة والتنافر، طالما يستند المخالف الخارج على دليل يظنّه صحيحاً؛ وما لم يستند على دليل وهمي، أو يحكم فيما عُلِم بغير ما حكم به السابقون؛ إن كان من أهل الاجتهاد، فإن كان الخارج على غير ما ذكرناه وجب التحذير منه، وقطيعته حتى يعود إلى رشده، لما يلزم من مذهبه من تفريق الأمة، وفتنتها، ولا تُخْرِجن أحداً من الإسلام إلا بإجماع، فلو أخرج تسعون بالمئة من العلماء شخصاً من الإسلام بحكم ما، فكونوا مع العشرة التي لم تخرجه، أسلم لدينكم ودنياكم وآخرتكم، فإن العبد لأن يُدْخِل ألف مُلْحد في الإسلام بكلمة قالوها تحتمل الإسلام من وجه والكفر من وجوه، خير من أن يُخرِج مسلماً واحداً من الإسلام بكلمة قالها تحتمل الكفر من وجوه والإسلام من وجه واحد، والإخراج: أن يُبَدَّع، أو يُفَسَّق، أو يُكَفَّر، أو يُضَلَّل، ونحو ذلك، وأنصح المجتهدين والعلماء، فأقول لهم: إذا ما رأيتم رأياً مخالفاً لما عليه المذاهب الأربعة وأئمتها، فاتهموا أنفسكم بعدم بلوغ ما بلغه هؤلاء، خير لكم من الخروج عنهم؛ لأنه لا يُعقل أن يغفل هؤلاء جميعاً سلفهم وخلفهم عن شيء ثمّ تروه أنتم، واعلموا أن دعوى التعصب في هؤلاء ظلم عظيم، روَّجه أهل البدع لنشر مذاهبهم وأهوائهم، فلا تغترّوا بها، (أحبابي)، تحلوا بمكارم الأخلاق ومحاسنها: فتأدبوا مع الله تعالى: بعدم الغفلة عن مراقبته ومقامه وطاعته؛ ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم: بمعرفة مقامه واتباع سنته وحفظ حقه؛ ومع العلماء: بمعرفة مقامهم والاقتداء بهم وحفظ حقوقهم) أهـ([21]) .
(قلت): وقد ورد إليه سؤال: ما حكم تقليد أحد المذاهب الأربعة؟، فأجاب: ” الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير العبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد، قال الله عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتّبعوني يحببكم الله}[آل عمران:31]، وبعد: فإن الواجب على كل عبد: أن يتّبع شريعةَ سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، التي يحكم فيها بما أنزل اللهُ جلَّ جلاله، المحفوظة بالأدلَّة الشرعيَّة المُبيَّنة في مواضعها من كتب العلم، وقد قال الله عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[النحل:43/الأنبياء:7]، يعني: فاسألوا العلماء العاملين بالذكر عما تجهلون من أحكامه؛ لأن العلم بالحكم _ فيما نحن بصدده _ يتوقف على أصول لا قِبَل للعامّة بها، بل ولا قِبَل لكثير ممن تَعلَّموها العملَ بها على وجه الحق؛ لأن آلِيَّته التي تٌمكّن منه: إنما هي المَلَكَة التي تُوهب ولا تُكتَسب، فمن اتّبع حكماً فَهِمَه من دلالةٍ للفظٍ أو نَصٍّ، إن يتبع إلا الظنّ، وإن الظنَّ لا يُغني من الحقّ شيئاً، لذلك قال الله تعالى: {ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}[النساء:83]، وإن الإجماع قد عُقِد على هدى أئمّة المذاهب الأربعة ومذاهبهم، فبأيهم اقتدينا اهتدينا، ومن ثم نصّ البعض على وجوب اتباع المذاهب الأربعة وتحريم اتباع غيرها، بل وقد نقل بعض المتقدمين الإجماع على وجوب اتباع مذهب من المذاهب الأربعة، وعدم جواز الخروج عنها، وذلك أنها مبنيّة على الأصول الصحيحة لفهم الخطاب، كما أنها دُوّنت وانضبطت وانتشرت وانبسطت، ولاقت عناية المجتهدين من بعد أئمتها فعُرِفت، خلافاً لغيرها؛ وقد ثبت أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم قال: {يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس، مرجت عهودهم وأماناتهم، فكانوا هكذا} _ وشبك بين أصابعه الشريفة _؟ قال: فبم تأمرني؟ قال: {عليك بما يُعرف ودع ما يُنكر،،}([22]) .
فالخارج عن المذاهب الأربعة المتّبع لغيرها لاسيما في زماننا هذا، سواء بالإعراض عنها أو التلفيق بينها بما يتعارض معها: إنْ يتَّبع إلا الظَّنَّ وما تهوى الأنفُس، (فائدة): وفرق بين الصحة والصواب؛ فإن كل صواب صحيح وليس كل صحيح صواب، لذلك نقول: اختلاف المذاهب الأربعة في حكم ما صحيح، ولكن الصواب في أحدها؛ لأن حكم الله تعالى في الشيء واحد، ومن ثم: يُتَعَبَّدُ بالجميع، ولا يُشَكِّل ذلك فرقاً في أجر العمل، وأما ” أجر الاجتهاد، وأجر بيان الحكم “: فلا يظفر بهما إلا المُصِيبُ من الأئمة، هذا، وقد توسعت بهذه المسألة في ” الوَصِيَّة “، فراجعها، والله تعالى الموفق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي ” أهـ
[المفتاح الثاني]: قال الدكتور محمود أحمد الزين كبير الباحثين بدار البحوث للدراسات الإسلامية بدبي: في رسالته (بين يدي رسالة اللامذهبية قنطرة اللادينية): الحمد لله الذي هدى هذه الأمة بالقرآن، وجعله للتمييز بين الحق والباطل أفضل ميزان، والصلاة والسلام على من اصطفاه الله تعالى لوحيه، ووكل إليه التفسير والبيان، وعلى آله وصحبه الذين بلغوه إلى العالمين، وشادوا للدين أعظم البنيان، ومن تبعهم إلى يوم القيامة بإحسان، [السلف الصالح وخصوصيتهم]: وقد خص الله تعالى هؤلاء الأصحاب وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالشهادة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون من خير أمة أخرجت للناس، لذلك اصطلح المسلمون على أن يسموهم السلف الصالح [قال المؤلف في الحاشية: من المغالطة في ترويج اللامذهبية أن كتابها يطلقون في كثير من الأحيان اسم السلف على العلماء الذين اختاروا اتباعهم وعلى مشايخهم في هذا العصر فهي تسمية لو صحت لغة لما صحت ورعاً لأنها من تزكية المرء لنفسه وترفعه على إخوانه المسلمين بلا حق]، فما جاء عنهم من علم وعمل فهو خير أساس، وما خالف نهجهم فهو أوهام، وثمرات وسواس، وقد كان أئمة الفقه الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ـ رضي الله عنهم ـ من خيرة العلماء في آخر تلك القرون، بل كانوا في ذلك القرن المبارك أئمة للعلماء العاملين، وقدوة للصالحين، ورثوا علم التابعين، وورث التابعون علم الصحابة، وورث الصحابة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعم المورث، ونعم الوارث، يكفيهم شهادة حقٍ قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ” ؛ ولأجل هذه الخصوصية اتخذهم الناس في سائر القرون أئمة في دينهم، وتدارسوا ما جاء عنهم من علوم الدين، فنظموه ورتبوه، وفصلوا قواعده وفروعه، وأقاموا أساسه وأصوله، وبينوا ما اجتمعوا عليه، وما اختلفوا فيه تبعاً لاختيارهم مما اختلف فيه الصحابة والتابعون، أو وُجِدَ من المسائل في عصرهم، وبينوا نهج كل إمام فيما اختار من الأحكام والأدلة، وما يتميز به عن إخوانه من أولئك الأئمة، وسموا نهج كل منهم مذهباً، وتبعتهم الأمة، واختار كل واحد منها، أو كل جماعة اتباع من رأوه ـ بحسب اختلاف التقدير والاختيار ـ أولى وأفضل، أو بحسب ما تيسر لهم تعلمه من هذه المذاهب، مع حسن الظن بالأئمة الآخرين، قال ابن تيمية: ” فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده… فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك” ([23]) .
وقد كان هذا حالهم مع وجود نزر يسير من الجهال، أو العلماء ـ الذين لم يزكوا نفوسهم من العصبية ـ ينظرون إلى غير مذهبهم نظرة استصغار، ويجادلونهم جدال من لا يهمه الحق، ولكن يهمه الظهور والانتصار، وكان العلماء الأتقياء والمخلصون الصلحاء ـ من كل مذهب ـ يجتهدون في ردع المتعصبين، ويكفونهم عن التفرقة بين المسلمين.
[ظهور اللامذهبية]: وظل الأمر على ذلك طول تاريخ الأمة الإسلامية إلى أن صرنا في آخر الزمن، فإذا فئة من المسلمين تتهم أكثرية الأمة الإسلامية بأنها خرجت ـ باتباعها هذه المذاهب الأربعة ـ عن طريق السلف الصالح أهل القرون الثلاثة، كأن أحكام الشريعة التي ورثها الأئمة الأربعة عن الصحابة والتابعين ـ ونظمها تلاميذ الأئمة الأربعة حسب منهاج كل منهم في الترجيح ـ شيء آخر غير ما ذهب إليه أولئك السلف الصالحون، وإذا هتاف شديد يرفعه اللامذهبيون: اتركوا المذاهب الأربعة واتبعوا مذهب السلف، فإن ترك مذهب السلف بدعة ضلالة، هل يأذن اللامذهبيون أن نقول لهم: على رسلكم: إن أصحاب المذاهب الأربعة: مالكاً وأبا حنيفة والشافعي وأحمد، هم من السلف الصالح، أهل القرون الثلاثة، التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سئل أي الناس خير؟ فقال: (قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ([24]) .
ولكن اللامذهبيين لا يرضون هذا الجواب، فيقولون: ليس اتباع السلف هو اتباع واحد منهم، بل هو اتباع جميع السلف.
[ما أجمع عليه السلف]: فليأذن لنا اللامذهبيون أن نقول لهم: إن كنتم تدعوننا إلى اتباع ما اتفق عليه السلف فهذا قد اتفق عليه جميع أهل السنة، وهو موجود في كل واحد من المذاهب الأربعة لا يتركونه، واتباع مذهب منها يكون في ضمنه اتباع ما اتفق عليه السلف، لكن بعض اللامذهبين ينكرون علينا هذا القول، ويقولون: قد خالفتم السلف فيما أجمعوا عليه، فأنتم تصلّون عند القبور خلافاً لهم، وتدعون عندها، وتتوسلون بأصحابها، وتقرؤون القرآن لأصحابها، والجواب على ذلك: أن دعوى الإجماع هنا زعم لا مستند له، ويتضح ذلك من موقف بعض أئمة السلف في المسائل المذكورة
1- الصلاة عند القبور: قال عنها الإمام مالك في مدونته ” لا بأس بالصلاة في المقابر ” ([25]) .
وهو من كبار أئمة السلف، وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: ” أنها كانت تصلي في حجرتها “([26]) . وفيها ثلاثة قبور، وقال ابن تيمية في الفتاوى : ” المقبرة وأعطان الإبل تصح الصلاة فيهما على القول الصحيح “، فأين الإجماع؟!،
2- الدعاء عند القبور سنة نبوية، كما روى مسلم عن بريدة وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا إذا خرجوا إلى المقابر: (أسأل الله لنا ولكم العافية) ([27]) .
وهو دعاء الزائر لنفسه ولغيره وللأموات، ونقل ابن تيمية في كتابه ” دعاءً مطولاً في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي جملة هذا الدعاء يقول من الرد: ” وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه تقض من الله عز وجل “([28]) . فأين الإجماع؟!،
3- وأما قراءة القرآن: فقال ابن تيمية في الفتاوى ” وأما الصيام عنه، وصلاة التطوع عنه، وقراءة القرآن عنه، فهذا فيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه ينتفع به، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم “، وقال في: ” تنازعوا في وصول الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه “([29]) . فأين الإجماع؟!
[ما اختلف فيه السلف]: فهذا الذي اختلف فيه السلف، أو لم يتكلم فيه بعض السلف كيف يمكن اتباع جميعهم فيه؟ فمن اتبع بعضهم ترك بعضهم الآخر؟ ولا يعقل أن يكون أحدهما مذهب السلف دون الآخر، ما دام القولان مما قاله علماء من السلف!! بل الجميع من مذهب السلف، [هل القول الراجح هو مذهب السلف]، يقول اللامذهبيون: انظروا في أدلة المختلفين، واتبعوا الدليل الأقوى، فنقول لهم: فلنفرض أنكم وازنتم بين الأدلة، واستطعتم أن ترجحوا الأقوى، هل الترجيح يعطي صاحبه الحق في تضليل مخالفيه وتبديعهم كما تفعلون؟! وهل يعطيه الحق في أن يحكم على كل الأئمة الذين خالفوه بأنهم فاتهم أن يطلعوا على الدليل، أو فاتهم أن يفقهوه، مع ما عرف عنهم من التبحر في العلم والتقوى، ومع ما نحن عليه من قلة الحظ منهما؟! ثم لا بد لنا أن نسألهم: هل القول الأقوى دليلاً عند قائله هو مذهب السلف؟ إذا صح هذا فكل صاحب قول يقتنع بدليله أنه الأقوى يستطيع أن يقول: أنا على مذهب السلف، وإذا تعلم أدلة جديدة دفعته إلى الرجوع عن قوله، وترجح ما كان عنده مرجوحاً صار هذا الجديد هو مذهب السلف، والآخر بدعة ضلالة مخالفاً لمذهب السلف!! ويتعدد مذهب السلف حينئذٍ، وكل يدعيه لنفسه، ثم إن ما يقوله أي إنسان بعد السلف ـ مهما كان دليله قوياً ـ في نظره ونظر موافقيه فذلك قوله هو لا قول السلف، ونسبته إليهم باطلة، وتزكية للنفس، والله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم/32]، وانتقاصاً لمخالفيه، والله تعالى يقول: {ولا تلمزوا أنفسكم}[الحجرات/11]، وإذا كان ما يراه أحدنا أقوى دليلاً هو مذهب السلف، فقد صرنا نحن ميزان علم السلف، وليس علمهم هو الميزان لنا، وهذا عكس المقصود من اتباع السلف، من الذي يرجح بين الأدلة، ثم إن الموازنة بين الأدلة واختيار الأقوى أمر يحتاج إلى أهلية خاصة، كما نقل في مسودة آل تيمية عن الإمام أحمد في رواية يوسف بن موسى: ” لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة ” ([30]) .
فهل هذا ممكن لكل من يدعيه، وهل العلم بالكتاب والسنة شيء قليل ليحصل بزمن يسير؟ فأقل ما يمكن هو أنه يحتاج إلى معرفة قواعد الحديث في الموازنة بين الرواية الضعيفة والصحيحة، وإلى الموازنة بين الأدلة المختلفة من جهة الإسناد ليقدم الأقوى على الأقل قوة، وإلى الموازنة بين عامها وخاصها، وناسخها ومنسوخها، وكيف يمكن الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض، وهذا يحتاج إلى خبرة واسعة في علم الحديث، وإلى علم الناسخ والمنسوخ، وعلم اللغة العربية، وعلم الأصول، وهذا لا يستطيعه أكثر الناس، ومن يستطيعه يحتاج إلى زمن ليتعلمه، والترجيح قبل التعلم أو بدونه إما عدوان على أدلة الشريعة، كما روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، وإما تقليد لقول شيوخه، ولا يقدر على ترجيحه، فيزعم الترجيح بدون أهلية، وهي دعوى ينقضها الواقع.
[واجب من لم يتأهل للترجيح]: وإذا كان الإنسان قبل الأهلية لا يمكنه أن يتبع الدليل الأقوى فماذا يفعل؟، قال ابن قيم الجوزية عن الأئمة المجتهدين ” في مسائل من العلم لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلدوه، وهذا فعل أهل العلم، وهو الواجب، فإن التقليد إنما يباح للمضطر ” أهـ،([31]) .
وقال قبل ذلك: ” وكل من اشتبه عليه شيء وجب أن يكله إلى من هو أعلم منه، فإن تبين له صار عالماً مثله، وإلا وكله إلى عالمه ” أهـ ([32]) .
وإذا كان هذا واجب العلماء المجتهدين، فمن لم يحصل العلوم التي يمكنه بها الترجيح أولى بالتقليد؛ لأن مسائل الخلاف كلها تشتبه عليه قبل أن يحصل القدرة على الاختيار، وهي العلم بالكتاب والسنة ـ كما تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل ـ وهذا النوع من الناس يعبر عنه العلماء باسم المستفتي، كما نقل في المسودة: ” فأما صفة المستفتي فهو العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد “([33]) .
، والعامي ليس هو الأمي، بل هو كما صرح به في المسودة ” من ليس معه آلة الاجتهاد ” أهـ، ومن لم يقدر على البحث والنظر في الأدلة والترجيح كيف يستطيع أن يناقش المفتي في الأدلة، ولذا صرح ابن تيمية بمنعه من ذلك فقال في المسودة ” لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه، ولا يقول له: لم، ولا كيف، فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة سأل عنها في مجلس آخر، أو فيه بعد قبول الفتوى مجردة عن الحجة ” أهـ، وذلك لأنه لا يعرف كيف يفقه الحجة، وإذا قال: أنا لا أتبع إلا الحجة من الكتاب والسنة كان متناقضاً، ومخالفاً لنفسه، بل هو تابع لجهله بالكتاب والسنة، مخالف لقوله تعالى: {ولا تقْفُ ما ليس لك به علم}[الإسراء: 36]، وبهذا يظهر الفرق بين العالم الذي يجب عليه أن يتبع الدليل، ويختار الدليل الأقوى، وبين غيره ممن يجب عليه التقليد، وبه يعلم أيضاً أن الأئمة ـ الذين أمروا الناس باتباع الدليل، ونهوهم عن التقليد ـ كانوا يخاطبون بذلك العالم بالكتاب والسنة، كما نقل المزني في مقدمة مختصره: أن الشافعي ينهى عن تقليده وتقليد غيره، وفي هذا التفصيل قال ابن قيم الجوزية “أما من قلد فيما ينزل به عالماً يتفق له على علمه… فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله “،([34]) .
وحينئذ يكون متبعاً للكتاب والسنة بواسطة من قلده، ولا يستطيع غيره، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها،، ثم يقول: ” ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتيا في شرائع دين الله؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلاً ورداً للقرآن” أهـ، وبهذين الكلامين، والمقارنة بينهما يظهر أن الدعوة إلى اتباع الدليل موجهة إلى من عنده أهلية الفتوى، أما غيره فلا بد له من تقليد عالم فيما جهله، كما قال الله تعالى: {فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[النحل/43]، أي يسأل كلٌ عما يجهله، كحافظ السنة الذي لا يفقهها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، فهذا لا يسألهم عن السنة؛ لأنه يحملها، ولكن يسأل عن فقهها، يقول اللامذهبيون: إن تقليد العالم واجب على من لم يعرف خطأ العالم، أما من عرفه، وعرف الدليل على خطئه، فكيف يجوز أن يترك الدليل ويقلد بعدما عرف أن العالم الذي كان يقلده مخطئ؟ وجواب هذه الشبهة: أن نسألهم من الذي يستطيع أن يكشف خطأ العالم، ويعرف أن قول غيره هو الصواب؟ أهذا ممكن لكل من قرأ الدليل أو حفظه، أم هو خاص بمن هو أهل لأن يفقهه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن قالوا: خاص بمن له أهلية لأن يفقهه، وهو الذي عنده أهلية الاختيار في مسائل الاختلاف، وليس لمن ليس له الأهلية إلا التقليد، قلنا: هذا حق، ولكن ما يراه الناس منكم: هو أن كلاً منكم حتى الأمي يقول: أنا لا أقلد أحداً، بل أتبع الكتاب والسنة، ولا يكتفي بذلك، بل يتهم كل من خالفه بالبدعة الضلالة، وبالإعراض عن الكتاب والسنة ومذهب السلف.
[هل اتباع العلماء للمذاهب عصبية]: يقول اللامذهبيون: نحن لا ننكر هذه الأقوال التي قالها العلماء، ولكن ننكر تعصب العلماء الذين يستطيعون اتباع الدليل الأقوى، ثم يتركون ذلك ويتبعون المذهب الذي نشؤوا عليه، وننكر تعصب غير العالم حين يلتزم مذهب عالم واحد طول حياته، وكلاهما بدعة لم تكن على عهد السلف الصالح، وجواب هذه الشبهة يسير: فالعالم الذي يستطيع الترجيح لا بد أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد، وهذا أمر كبير ترونه أنتم هيناً يسيراً، ويرونه هم أمراً كبيراً، لا يطيقه إلا أولو العزم من العلماء، والتزامهم بمذهب أحد الأئمة ليس عصبية، ولكنه خشية من أن يقولوا في دين الله بلا تثبت، وذلك تقدير لمسؤولية العلم بالكتاب والسنة، وفقه الكتاب والسنة، وأنتم في الواقع حتى العلماء منكم ملتزمون بما يقوله جماعة من العلماء، هم أهل مذهبكم، لا تخرجون عن ذلك، فلم كان التزامكم حقاً، وكان التزامهم عصبية؟! فأنتم تزعمون أن فهم علمائكم للكتاب والسنة هو الكتاب والسنة نفسهما، وأن فهم العلماء الآخرين ـ وإن كانوا من الأئمة الأربعة ـ شيء آخر غير الكتاب والسنة، ومخالفكم يمكن أن يدعي ذلك، ولكن هذا تزوير في الموازنة يؤدي ـ إذا سمعه من لا يتفهم الأمور حقيقة الفهم ـ أن ينحاز إلى فهم علمائكم، ويتخذه مذهباً، فهذه دعاية كالدعايات السياسية والتجارية والعصبية، ثم تزعمون أن كل ما أنتم عليه هو الحق، وما سواه ضلال وبدعة وخروج عن مذهب السلف، وهو لا يخالف إلا فهمكم وفهم علمائكم، وتزعمون أنه لا يتخلص أحد من العصبية إلا أن يوافقكم على أقوال علمائكم وشيوخكم، فحينئذٍ فقط يكون متبعاً للكتاب والسنة ومذهب السلف!! فأنتم ميزان العلم والسلف، وأنتم الحكم في اختلافهم، ولكم وحدكم حق تضليل الآخرين، دون أن تسمحوا لأتباعكم بالاطلاع على أدلة أقوال الآخرين؛ لأنها عندكم بدعة، ولأن النظر في كتب البدع محرم، ويجب مقاطعتها ومقاطعة أهلها والبراءة منهم، أليست عصبيتكم أشد؛ لأن ما هم عليه لا تضليل فيه للآخرين، ولا تبديع لمخالفهم، فلنفرض أنكم فيما قلدتم وافقتم الصواب، وإن كان هذا لا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه الناس حتى المجتهد في اتباع الدليل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لبعض قادة جيشه: (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) ([35]) .
فهل من حقكم أن تحتكروا الصواب لأنفسكم، وما الفرق بينكم وبين المقلدين الآخرين؟، فالفرق بينكم وبينهم أنهم يعترفون بالتقليد وأنكم تسمون تقليدكم اتباعاً للدليل؛ لأنكم تظنون أنه بمجرد أن تطلعوا على أدلة علمائكم وترجيحهم لها تكونون مرجحين متبعين للدليل، لا مقلدين لهم.
[قراءة الأدلة دون أهلية]: والأحاديث دلت على أن الاطلاع والقراءة ليسا هما فقه الكتاب والسنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يحفظ الحديث وليس لديه أهلية فقه الحديث: (رب حامل فقه ليس بفقيه) ([36]) .
فهو يصرح بأنه ليس كل من حمل الحديث يصير فقيهاً فيه، أي ليس كل محدث فقيهاً، وأولى من حامل الحديث بهذا من قرأه ولم يحفظه، وهذا واضح في كلام الإمام أحمد، ففي المسودة : نقل عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، أنه قال: ” سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف والمتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما يشاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل به حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم ” أهـ([37]) .، فهذا حكم من قرأ الكتب، لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عن القوي والضعيف، ويظل يسأل حتى يكون عالماً بالكتاب والسنة، قادراً على فقههما بنفسه، فإن زعم قبل ذلك أنه يتبع الدليل فهو عامل بجهله في الكتاب والسنة، وقد سبق ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار،)،([38]) .
[هل يجب عدم الالتزام بمذهب]: أما القول فيمن يسألهم: فلم يأت في القرآن والسنة أن يسأل واحداً أو أكثر، أو أن يسأل في كل مرة عالماً، غير الذي سأله أول مرة؛ لأن الله تعالى قال: {فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[النحل/43]، واللامذهبيون يزعمون أنه لا يجوز التزام قول عالم واحد؛ لأنه التزام بقول غير معصوم، فهل إذا سأل عالماً آخر في الخلافيات يكون عاملاً بقول معصوم، مهما كثر الذين يسألهم؟! وهم يزعمون هذا دون أن يقدموا دليلاً، أو نقلاً عن أحد من أئمة السلف: أن هذا لا يجوز، فكيف يكون هذا هو مذهب السلف وقد قال عن عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك ـ وهما من السلف ـ إنه لم يكن يسأل غير مالك؟! إنما هو قولهم هم، أحدثوه في آخر الأزمان، وإذا سأل واحداً من علمائهم رضوا عنه، مهما لازمه من السنين، كما هم يفعلون، فهل هذا التزام بقول المعصوم؟! أم أن هذا خصوصية لهم؛ لأن ما يفهمونه من السنة هو السنة نفسها، وما يفهمه مخالفهم من الأئمة وأتباعهم شيء آخر غير الكتاب والسنة، بل مخالف لهما؟
[هل الخلاف المذهبي يفرق الأمة؟]: هنا يقول لنا اللامذهبيون: إن الخلافات المذهبية جعلت هذه الأمة أحزاباً، والله تعالى يقول: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}[الأنعام/159]، ويقول: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت وأولئك لهم عذاب عظيم}[آل عمران/105]، فترك المذاهب واجب حفاظاً على وحدة الأمة، وهذه المذاهب فرضتها السياسات الغاشمة، كل ملك يفرض على الناس مذهباً، حتى فرقوا الناس هذا التفرق الكبير، ونقدم المعذرة إلى اللامذهبين عن قبول هذه المغالطة، فهاتان الآيتان وضعوهما في غير الموضع الذي أنزلتا فيه، فهاتان الآيتان في تفريق الدين، والاختلاف عليه بعد مجيء البينات، التي تقطع الخلاف، كما صرحت الآية الكريمة، وهذا شيء آخر غير الخلاف الاجتهادي، والدليل على ذلك أمران: (أولهما): أن الخلافات الاجتهادية كانت موجودة في القرون الثلاثة، التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فمن دعا الأمة إلى أن تكون كلها على القول الذي ترجح عنده، وزعم أن ذلك مذهب السلف، فهو مناقض لما كانوا عليه، فصاحب هذه الدعوة يريد أن يحقق للأمة الوحدة في الخلافات الفقهية، ويحقق لهم ما عجز عنه السلف، ولم يهتموا به، ولم يسعوا إليه، وإذا كان السلف مع تمام علمهم وتقواهم قد اختلفوا في هذه المسائل، فهل يمكننا أن نتفق مع نقص العلم والتقوى، أم أن اختلافنا سيكون أشد؟ ترى أهذه دعوة تؤدي إلى الوحدة، أم إلى تمزيق الأمة وصراعها، لدرجة إراقة الدماء، كما هو واقع ومشاهد من آثار هذه الدعوة؟! (ثانيهما): أن ابن تيمية سئل عن صلاة أهل المذاهب الأربعة خلف بعضهم؟ فقال في الفتاوى ” نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها، ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم منهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها… ومنهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة، ومنهم من لا يتوضأ… ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض “،([39]) .
ثم قال ” وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام خطأ منه، فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه، وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك “،([40]) .
فمن زعم أنها بدعة فقد رد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، والله لا يأجر على البدعة، بل هي في النار، وصاحبها له عذاب عظيم، كما قال الله تعالى في الآية السابقة: {لهم عذاب عظيم}، فالآيتان في الخلاف المعاند للبينات، لا في الخلاف الناشيء عما يشتبه من الأحاديث والآيات، وكيفية فقهه، والفرق بين الأمرين عظيم جداً لا تقارب فيه، وبهذا يظهر أن الصلاة خلف المتوسلين برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته صحيحة؛ لأنهم اتبعوا في هذه المسألة إمام هدى، هو أحمد بن حنبل رحمه الله، سواء أخطأ في اجتهاده أو أصاب، والقائل بأن الصلاة خلفهم لا تصح مخالف لأئمة الهدى، أما مسألة أن هذه المذاهب فرضتها السياسات الغاشمة: فالمذاهب كلٌ منها انتشر حيث وجد العلماء الذين يعلمونه للناس، ولكن أخبرونا كيف نشرتم اللامذهبية؟ ألم تفرضوها في كل موضع لكم فيه سلطة، فتمنعون العلماء الآخرين أن يعلموا الناس ما عندهم، وتفرضون علماءكم على الناس، وتؤذون العلماء الذين ليسوا على منهجكم، وتبعدونهم عن كل بلد لكم فيه سلطة، فأنتم تتهمون الناس بما هم برآء منه وبما أنتم واقعون فيه.
[ما هو مذهب أهل الحديث؟]: وكثيراً ما يقول اللامذهبيون: لماذا تتركون مذهب أهل الحديث، وتتبعون مذاهب الفقهاء، فأهل الفقه كل واحد منهم يتعصب لمذهبه، وأهل الحديث لا يتعصبون إلا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! (والجواب): أن هذه مغالطة، فإن الأئمة الأربعة كانوا من علماء الحديث، والمحدثون أكثرهم تابع لمذهب واحد من الأربعة، فالإمام مالك كان في عصره إمام أهل الحديث، وكذلك الإمام أحمد، والشافعي مع أنه لم يكن مثلهما في الحديث، لكن كان من كبار أهل الحديث، حتى سمي ناصر السنة، ولا يمكنه أن ينصر السنة دون علم واسع بها، ولو لم يكن حصّل من الحديث ـ إلا أنه لازم فترة طويلة كلاً من الإمامين مالك وسفيان بن عيينة، يأخذ عنهما ـ لكان عنده حديث كثير جداً، وأما الإمام أبو حنيفة فيكفيه عملاً بالحديث ما بينه الإمام المحدث الطحاوي من موافقته للأحاديث في كل فقهه، وأما شهرته بالرأي فلأمرين: أولهما: كثرة تدقيقه وتعمقه في فهم السنة والقياس عليها، وثانيهما: كثرة اعتماده على فقه سيدنا عبد الله بن مسعود ومنهجه، حيث كان ابن مسعود يتجنب الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما أمكنه؛ خوفاً من الخطأ في الرواية، فالناس يستطيعون أن يردوا عليه في الفقه إذا أخطأ، ولكن إذا أخطأ في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم يتناقل ذلك الناس، ويستمر الخطأ، وقد بين العلماء تفصيل موقف الإمام أبي حنيفة في كتب خاصة، من تأملها عرف حرصه على اتباع الأحاديث النبوية، وقد اشتهر عنه أنه يرجح العمل بالحديث الضعيف على القياس، خلافاً لما يشيعه خصومه، وأما أولئك الذين يهاجمون مذاهب الفقهاء الأربعة، ويزعمون أنهم ينتصرون للحديث الشريف، فقد أظهرت مؤلفاتهم تعصبهم للعلماء الذين يحبونهم، بحيث ضعفوا ما يخالفهم، وإن كان صحيحاً، وصححوه وإن كان ضعيفاً، مع أنهم يزعمون أنهم لا يتعصبون إلا للحديث الشريف، فهي دعوى ينقضها واقعهم.
[هل اتباع المذاهب بديل للأدلة؟]: بعد هذا كله بقيت أشد التهم التي يرميها اللامذهبيون على سائر أمة الإسلام ـ التي لا تسير على خطاهم، ولا ترضى أن تجعلهم قادتها ـ وهي أنهم يقولون لهم: إن الله تعالى فرض طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنتم جعلتم طاعة الأئمة بديلاً عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت طاعة العلماء مقبولة لكان الصحابة أحق بهذا من الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء، وجواب هذا أن الأئمة الأربعة ليسوا بديلاً عن الله ورسوله، وليست كتبهم مزاحمة لكتاب الله وسنة رسوله، ولكنها شرح لهما، وبيان وعون لمن يريد أن يفقه عن الله ورسوله آيات الكتاب والسنة، وكذلك ليس الأئمة الأربعة بديلاً عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا منازعين مزاحمين لهم، فالصحابة لم يكتبوا كتباً، وما تكلموا من الفقه، إلا في المسائل التي وجدت في زمانهم، ولا تكلم كل منهم في كل المسائل، فمن يريد أن يتبعهم لا يمكنه ذلك إلا إذا جمع كل ما قالوه، وهذا ما فعله الأئمة المجتهدون الأربعة وأمثالهم، فالذي فعله كل منهم هو أنه جمع ما تفرق من فقه الصحابة والتابعين للكتاب والسنة، وعمل بما اتفقوا عليه، ورجح عند اختلافهم ما رآه راجحاً حسب قواعد الرواية وقواعد فقه الكتاب والسنة، التي علمها واختلفوا في الترجيح كما اختلف الصحابة، فهم خدموا علم الصحابة والتابعين، وما فضلت الأمة اتباعهم على غيرهم إلا لخدمتهم الكتاب والسنة وفقه الصحابة رضوان الله عليهم، وأما الإعراض عن فقههم فهو تفريط بعلم الكتاب والسنة، كما يأتي تفصيله في رسالة العلامة الكوثري ـ رحمه الله
[لا ينكر على من اختار إماماً دون الآخرين]: فإن قيل لنا: لماذا اقتصرتم على هؤلاء الأربعة، مع أن أئمة الاجتهاد في عصر السلف كثيرون؟! (فالجواب): أن الأمة فضلت اتباعهم من باب الاختيار فيما تختلف وجهات النظر فيه، ولا يلزم فيه المرء بشيء، ولم يكن ذلك انتقاصاً للأئمة الآخرين، ولكن لأنها رأتهم جمعوا أكثر ما يمكن من فقه الصحابة والتابعين، ووثقوا ما ثبت، وتركوا ما لم يثبت، وشرحوا ذلك، ووفقوا بين المختلف منه إذا أمكن، واعتمدوا في الترجيح على موازين دقيقة أمنية، ولأنها رأتهم أفضل في العمل والتقوى من معاصريهم، ووجدت أكثر علماء عصرهم وما بعده وافقوهم، ووجدت أن مذاهبهم خدمت كثيراً بالمراجعة والمدارسة، وطول البحث، والنظر فيما هو أنسب لوقائع الحياة، فاختارتهم دون غيرهم، وهذا واقع يعرفه كل العلماء، وإن غاب عن غيرهم، فالذي يريد أن يستغني عنهم يضيع هذا الجهد العلمي الكبير الواسع، الذي جمعه وحققه الأئمة الأربعة، وتبعهم تلاميذهم في دراسته وتنقيحه، هذا إذا كان من أهل العلم، وأما فتح الباب لأنصاف العلماء وأشباه العلماء، أو عموم الناس أن يتكلموا في الفقه، ويختاروا ما يشاؤون منه، دون أهلية، ودون معرفة بقواعد فهم الأدلة، فهو أمر ينتهي إلى التلاعب بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وضياع الدين كله، والعياذ بالله تعالى، وهذه هي القنطرة التي يُتخذ فيها الهوى ديناً، وتؤدي إلى اللادينية، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وبعد فهذه كلمة قدمتها بين يدي رسالة العلامة المحدث الفقيه الأصولي الشيخ (زاهد الكوثري): ” اللامذهبية… “، وهو وكيل الشيخ (مصطفى صبري) في منصب شيخ الإسلام في الخلافة العثمانية، وقد نال الشيخ زاهداً أذى كثير بسبب هذه الرسالة وأمثالها، مما رد فيه على اللامذهبيين، ووجهت إليه حملات تشويه كبيرة، فكل من رد على اللامذهبيين رموه بتهم كثيرة، أقلها تهمة البدعة الضلالة، والمنصف من بحث ونظر، وخشي الله في بحثه ونظره، ثم حكم من المبتدع، ومن تابع السنة، والجميع سيقفون بين يدي الله أحكم الحاكمين، {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت أحكم الحاكمين}، {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً}،
[المفتاح الثالث]: [اللامذهبية قنطرة اللادينية: للعلامة الكوثري رحمه الله]: بسم الله الرحمن الرحيم: لا تجد بين رجال السياسة – على اختلاف مبادئهم – من يقيم وزناً لرجل يدعي السياسة وليس له مبدأ يسير عليه ويكافح عنه باقتناع وإخلاص، وكذلك الرجل الذي يحاول أن يخادع الجمهور قائلا لكل فريق: أنا معك، ومن أردإ خلال المرء أن يكون إمعة، لا مع هذا الفريق ولا مع ذلك الفريق، وإن تظاهر لكل فريق أنه معه، وقديما قال الشاعر العربي: (يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن = وإذا لقيت معديا فعدناني)، ومن يتذبذب بين المذاهب منتهجا اللامذهبية في الدين الإسلامي فهو أسوأ وأردأ من الجميع، وللعلوم طوائف خاصة تختلف مناهجهم حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص ؛ فمن ادعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة، فإنه يعد سفيها منتسبا إلى السفه، لا إلى الفلسفة، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة حتى في العلوم العربية لا يمكن إغفالها، ولا تسفيه أحلام المتمسكين بأهدابها لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصافية، وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي القرون من أبعد عهد في الإسلام إلى أدنى عهوده القريبة منا مثل الفقه الإسلامي، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – كان يفقه أصحابه في الدين، ويدربهم على وجوه الاستنباط، حتى كان نحو ستة من الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – يفتون في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم –
وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى استمر الصحابة على التفقه على هؤلاء، ولهم أصحاب معروفون بين الصحابة والتابعين في الفتيا، فالمدينة كانت مهبط الوحي، ومقر جمهرة الصحابة إلى آخر عهد ثالث الخلفاء الراشدين، وعني كثير من التابعين من أهل المدينة بجمع شتات المنقول عن الصحابة من الفقه والحديث، حتى كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه، كان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر – رضي الله عنهما – عن أقضية أبيه، تقديرا من ذلك الصحابي الجليل لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة، ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة، فقام مالك بجمعها وإذاعتها على الجماهير، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا، وانصاع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه ونور منهجه على توالي القرون، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه وقوة نظره، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة، حرصا على جمع الكلمة، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظرا برأي أصحاب الشأن من فقهاء المذهب، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغَ القوة، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فَقَدَ رأسه، وهكذا باقي المذاهب للأئمة المتبوعين، فها هي الكوفة بعد أن ابتناها الفاروق – رضي الله عنه – وأسكن حولها الفُصَّح من قبائل العرب، بعث إليها ابن مسعود – رضي الله عنه – ليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم: إني آثرتكم على نفسي بعبدالله، وعبدالله هذا منزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا، وهو الذي يقول فيه عمر: كنيف ملئ علما، وفيه ورد حديث: (إني رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد) ([41]) . وحديث: (من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) ([42]) .
، فقراءة ابن مسعود هي التي يرويها عاصم عن زر بن حبيش عنه، كما أن قراءة علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – هي التي يرويها عاصم عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمي عنه، فعُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان – رضي الله عنهم – عناية لا مزيد عليها، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء، ولما انتقل علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – إلى الكوفة، سُرَّ من كثرة فقهائها جدا فقال: رحم الله ابن أم عبد، قد ملأ هذه القرية علما، ووالى بابُ مدينة العلم (يعني علي رضي الله عنه) تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها على بن أبي طالب – كرم الله وجهه – عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة وفقهاؤهم، وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر فضلا عن باقي بلاد العراق، فكبار أصحاب علي وابن مسعود – رضي الله عنهما – بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما، وليس هذا موضع سرد لأسمائهم، وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي، وآراؤه مدونة في آثار أبي يوسف، وآثار محمد بن الحسن، ومصنف ابن أبي شيبة وغيرها، ويعد النقاد مراسيله صحاحا، ويفضله على جميع علماء الأمصار الشعبي الذي يقول عنه ابن عمر – رضي الله عنهما – حينما رآه يحدث بالمغازي: لهو أحفظ لها مني وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أنس بن سيرين: دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا كما في الفاصل للرامَهُرْمُزِيّ، وقد جمع أبو حنيفة علوم هؤلاء ودوَّنها بعد أخذ وردّ سديدين في المسائل بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية، كما نص على ذلك الطحطاوي وغيره، وعن هذا الإمام الأعظم يقول محمد بن إسحاق النديم، الذي ليس هو من أهل مذهبه: والعلم برا وبحرا، شرقا وغربا، بعدا وقربا تدوينه رضي الله عنه، ويقول الشافعي رضي الله عنه: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، ثم أتى الشافعي – رضي الله عنه – فجمع عيونا من المعينين، وزاد ما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد، الذي تلقى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، وقد امتلأ الخافقان بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه، وملؤوا العالم علما، وأهل مصر من أعرف الناس بعلومه وعلوم أصحابه حيث سكنها في أواخر عمره، ونشر بها مذهبه الجديد، ودفن بها رضي الله عنه، ولا يتسع هذا المقال لبيان ما لسائر الأئمة من الفقهاء من الفضل على الفقه الإسلامي، وهم على اتفاق في نحو ثلثي مسائل الفقه، والثلث الباقي هو معترك آرائهم، وحججهم في ذلك ومداركهم مدونة في كتب أهل الفقه.
فمذاهب تكون بهذا التأسيس وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعما في الشرع يدعو إلى نبذ التمذهب باجتهاد جديد يقيمه مقامها، محاولا تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور، تبقى تلك المذاهب وتابعوها في حيرة بماذا يحق أن يلقب من عنده مثل هذه الهواجس والوساوس، أهو مجنون مكشوف الأمر، غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب، أم مذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدِّه من عقلاء المجانين، أو مجانين العقلاء؟!،بدأنا منذ مدة نسمع مثل هذه النعرة من أناس في حاجة شديدة على ما أرى إلى الكشف عن عقولهم بمعرفة الطبيب الشرعي، قبل الالتفات إلى مزاعمهم في الاجتهاد الشرعي القاضي – في زعمهم – على اجتهادات المجتهدين، فعلى تقدير ثبوت أن عندهم بعض عقل، فلا بد أن يكونوا من صنائع أعداء هذا الدين الحنيف، ممن لهم غاية ملعونة إلى تشتيت اتجاه الأمة الإسلامية في شؤون دينهم ودنياهم، تشتيتا يؤدي بهم إلى التناحر والتنابذ والتشاحن والتنابز يوما بعد يوم، بعد إخاء مديد استمر بينهم منذ بزغت شمس الإسلام إلى اليوم، فالمسلم الرزين لا ينخدع بمثل هذه الدعوة، فإذا سمع نعرة الدعوة إلى الانفضاض من حول أئمة الدين الذين حرسوا أصول الدين الإسلامي وفروعه من عهد التابعين إلى اليوم، كما توارثوه من النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم أجمعين – أو طرق سمعه نعيق النَّيْل من مذاهب أهل الحق، فلا بد له من تحقيق مصدر هذه النعرة واكتشاف وكر هذه الفتنة، وهذه النعرة لا يصح أن تكون من مسلم صميم درس العلوم الإسلامية حق الدراسة، بل إنما تكون من متمسلم مندس بين علماء المسلمين أخذ بعض رؤوس مسائل من علوم الإسلام بقدر ما يظن أنها تؤهله لخدمة صنائعه ومرشحيه، فإذا دقق ذلك المسلم الرزين النظرَ في مصدر تلك النعرة بنوره الذي يسعى بين يديه، يجده شخصا لا يشارك المسلمين في آلامهم وآمالهم إلا في الظاهر، بل يزامل ويصادق إناسا لا يتخذهم المسلمون بطانة، ويلفيه يجاهر بالعداء لكل قديم وعتيق إلا العتيق المجلوب من مغرب شمس الفضيلة، ويراه يعتقد أن رطانته تؤهله – عند أسياده – لعمل كل ما يعمل، فعندما يطلع ذلك المسلم على جلية الأمر يعرف كيف يخلص نيئة الإسلام من شرور هذا النعيق المنكر بإيقاف أهل الشأن على حقائق الأمور، والحق يعلو ولا يعلى عليه، فمن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الأئمة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم: لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلها، بحيث يباح لكل شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء مجتهد من المجتهدين، بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيره في الاتباع، وهذا ينسب إلى المعتزلة، وأما الصوفية فإنهم يصوبون المجتهدين، بمعنى الأخذ بالعزائم خاصة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد، وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي – من رجال نور الدين الشهيد – في كتابه (الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا) حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى الفتوى، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمة الأربعة خاصة، وليس في هذا معنى التشهي أصلا، بل هو محض التقوى والورع، والرأي الذي ينسب إلى المعتزلة يبيح لغير المجتهد الأخذ بما يروقه من الآراء للمجتهدين، لكن أقل ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخير لدينه مجتهدا يراه الأعلم والأورع، فينصاع لفتياه في كل صغير وكبير، بدون تتبع الرخص – في التحقيق – وأما تتبعه الرخص من أقوال كل إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمة، فليسا إلا تشهيا محضا، وليس عليهما مسحة من الدين أصلا، كائنا من كان مبيح ذلك، ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني الإمام، عن تصويب المجتهدين مطلقا: أوله سفسطة وآخره زندقة، لأن أقوالهم تدور بين النفي والإثبات، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معا؟ نعم، إن من تابع هذا المجتهد جميع آرائه فقد خرج من العهدة، أصاب مجتهده أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون، لأن الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والأحاديث في هذا الباب في غاية من الكثرة.
وعلى اعتبار من قلد المجتهد خارجا من العهدة وإن أخطأ مجتهدُه، جَرَت الأمةُ منذ بزغت شمس الإسلام، ولا تزال بازغة إلى قيام الساعة – بخلاف شمس السماء فإن لها فجرا وضحى وغروبا – ولولا أن المجتهد يخرج من العهدة على تقدير خطئه لما كان له أجر، وليس كلامنا فيه، وكلام الأستاذ أبي أسحق الإسفراييني عن المصوبة حق، يدل عليه ألف دليل ودليل، ولكن ليس هذا بموضع توسع في بيان ذلك، وأما إن كان الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الأئمة المتبوعين أنهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين، وأن المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلهم على خطإ، وأنه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأمة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى اليوم، فهذا من التهور والمجازفة البالغين حد النهاية، ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة، وكذا الإجماع والقياس، بل دلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط، فبتهوين أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة من صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد وتفاسير بالرواية وغيرها، وإذن فلا معجزة كونية تستفاد منها ولا أحكام شرعية تستمد منها، فهل يسلك مثل هذه السبيل من سبل الشيطان غير صنائع أعداء الإسلام؟ على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي، بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن، بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحين – غير المنتقدة – من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن، وبنفي الإجماع يتخلصون من مذاهب جمهرة أهل الحق، وينحازون إلى الخوارج المرقة، والروافض المردة، وبِرَدِّ القياس الشرعي يسدون على أنفسهم باب الاجتهاد ومسالك العلة – على طرقها المعروفة المألوفة – منحازين إلى نفاة القياس من الخوارج والروافض وجامدي أهل الظاهر، وبتلاعبهم بدلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط يتخذون القيود الجارية مجرى الغالب الملغاة باتفاق بين القائلين بالمفاهيم وغير القائلين بها من صدر الإسلام إلى اليوم وسيلة لتغيير كثير من الأحكام القطعية، ويجعلون للعرف شأنا غير ما له عند جميع فقهاء هذه الأمة، خانعين لما ألقاه بعض مستشرقي اليهود بمصر في عمل أهل المدينة ونحوه، وكذلك صنيعهم في المصلحة المرسلة التي شرحنا دخائلها بعض شرح في مقالنا: (شرع الله في نظر المسلمين)، وكل ذلك يجري تحت بصر الأزهر وسمعه، ورجاله سكوت، والسكوت على تلك المخازي مما لا يرتضيه الأزهر السني الذي أسس بنيانه على التقوى منذ عهد الملك الظاهر بيبرس وأمرائه الأبرار، حيث صيروه معقل العلم لأهل السنة، بعد أن أحيوا معالمه، ولم تزل ملوك الإسلام ترعاه على هذا الأساس إلى اليوم، ولا يزال بابه مغلقا على غير أتباع الأئمة الأربعة، وكم أدروا عليه من الخيرات لهذه الغاية النبيلة، وللملك فؤاد الأول – رحمه الله – يد بيضاء في إنهاض الأزهر على ذلك الأس القويم، والحكومة الرشيدة المتمسكة بأهداب الدين الإسلامي لم تزل تسدي إليه كل جميل مراعاة لتلك الغاية السديدة، فإذا تم لدعاة النعرة الحديثة في قصر الاجتهاد على شخص واحد من أبناء العهد الحديث – بمؤهلات غير معروفة – وتمكنوا من إبادة المذاهب المدونة في الإسلام لهؤلاء الأئمة الأعلام، ومن حمل الجماهير على الانصياع لآراء ذلك الشخص يتم لهم ما يريدون، لكن الذي يتغنى بحرية الرأي على الإطلاق بكل وسيلة كيف يستقيم له منح الطامحين من أبناء الزمن مثله إلى الاجتهاد من الاجتهاد، أم كيف يجيز إملاء ما يريد أن يمليه من الآراء على الجماهير مرغمين فاقدي الحرية، أم كيف يبيح داعي الحرية المطلقة حرما الجماهير المساكين المقلدين حرية تخير مجتهد يتابعونه باعتبار تعويلهم عليه في دينه وعلمه في عهد النور!!؟، ولم يسبق لهذا الحجر مثيل في عهد الظلمات !!! وهذا مما لا أستطيع الجواب عنه، وقصارى القول أنك إذا قمت بدرس أحوال القائمين بتلك النعرة الخبيثة وجدتهم لا يألفون المألوف، ولا يعرفون المعروف، أعمت شهوة الظهور بصائرهم، حتى تراهم يصادقون المتألبين على الشرق المسكين، فنعرتهم هذه ما هي إلا نعيق الإلحاد المنبعث عن أهل الفساد، فيجب على أهل الشأن أن يسعوا في تعرف مصدر الخطر، وإطفاء الشرر، وليست هذه الدعوة المنكرة سوى قنطرة اللادينية السائدة في بلاد أخرى منيت بالإلحاد وكتبت لها التعاسة، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، والعاقل من اتعظ بغيره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ” أهـ
[المفتاح الرابع]: رد العلامة الدجوي على الشوكاني في مسألة تقليد المذاهب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد جاء هذا الرد ضمن مقالات الشيخ (رحمه الله) المنشورة في مجلة الأزهر، حيث ورده سؤال حول كلام للشوكاني يذم فيه من يقلدون المذاهب، وها أنا أنقله لكم أخوتي الكرام على حلقات ليعم نفعه ويحصل لكاتبه أجره بإذن الله، وقد نقلت هوامش الكاتب في نهاية كل حلقه، وقد جاء من ضمن السؤال نقل عن كلام الشوكاني جاء فيه: (ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله بهما وطلبه منهم للعمل بما دلاّ عليه وأفاداه، فعملتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين،، فدعوا أرشدكم الله وإياي كتبا كتبها الأموات من أسلافكم [ليت شعري ماذا يريد بكلمة الأموات وماذا دس فيها، أيريد ألا نأخذ شيئا إلا عن الأحياء، وإذًا يضيع الدين كله، أم ماذا يريد؟]، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبدهم ومتعبدكم ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي أقوال إمامكم وإمامهم وقدوتكم وقدوتهم، وهو الإمام الأول محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم،) اهـ،، فكان جواب الشيخ الدجوي ما يلي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه، وبعد: فهذا كلام لا يصدر إلا ممن غلظ فهمه وجمدت عواطفه وقسا قلبه وقل احتياطه، فاستهان بإجماع العلماء وكلام أئمة الهدى الذين لا يقولون في الدين بشيء إلا إذا كان لهم مستند من كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، كما سنبينه، وذلك منه اغترارا بما زعمه لنفسه من زعامة كاذبة واجتهاد باطل، ولو احتاط في أمر الدماء وتحرج من خطر التكفير، أو احترم اتفاق المسلمين وكلام غيره من العلماء المبرزين، لم يجازف بإلقاء القول على عواهنه ضد أمة بأسرها، وفيها من العلماء والفضلاء والأولياء والمحدثين والمفسرين وعلماء التوحيد والفلسفة ما أدهش التاريخ وأنطق أعداء الإسلام بفضل الإسلام، و (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا)، وكل من قدس نفسه واتبع هواه فلا بد أن يضل عن سبيل الله، وكل من امتلأ أنانية وكبرا فلا بد أن يحتقر المسلمين ولا يحترم العلماء السابقين [قال الدجوي في الهامش: وليس أدل على ذلك من أن جهلة أتباعهم يجرمون، بل يكفرون، من صلى على الرسول بعد الأذان بلا حياء من رسول الله، ولا تحقيق من العلم، ولا احتياط في الدين، وعندنا خطابات كثيرة من هذا، وهو أدل دليل على ما ذكرنا، فإن علماء المذاهب الأربعة نصوا على استحسانها، وكم لهم من أمثال تلك المجازفات] {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير}، هؤلاء إذا حللنا نفوسهم وجدناها مملوءة قسوة لا تقل عن قسوة قطاع الطريق، الذين يستهزئون بسفك الدماء وقتل الأبرياء، غير أن أولئك يسفكونه ليلا وهؤلاء يسفكونه نهارا لو قدروا، وأولئك يسفكونه خائفين وجلين، وهؤلاء يسفكونه فرحين متبجحين (3) وأولئك لا يصفون بألسنتهم الكذب ولا يتقولون على الله، وربما رجعوا إليه نادمين مستغفرين، وهؤلاء يلصقون ذلك بدين الله مفترين على الله الكذب قائلين: هذا حلال وهذا حرام، هذا كفر وذاك إسلام، فجدير بهم أن يغلق باب التوبة في وجوههم، فإنهم من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكيف يتوبون أو يستغفرون (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، هذه النَّزعة، نزعة تكفير المسلمين والاستهانة بدمائهم، هي نزعة الخوارج الذين هم شر الطوائف، حتى ذهب كثير من العلماء – وتشهد لهم الأحاديث الصحيحة – إلى تكفيرهم، وما نرى طائفة على نقيض ما جاء به الأنبياء من الشفقة والرحمة والمحبة والوئام وعدم الانقسام مثل هذه الطائفة، وبعد فالقول بوجوب الاجتهاد وتحريم التقليد على كل واحد يجافي المعقول قبل أن يخالف المنقول، فما أدري بأي قلم يكتبون وبأي عقل يتفكرون، فإن الناس خلقوا على درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الله (وإنما العلم بالتعلم) ومبنى هذا الوجود على أن الصغير يرجع إلى الكبير، والجاهل يرجع إلى العالم، والضعيف يرجع إلى القوي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العَي السؤال)، قال ذلك في قوم أفتوا مجروحا أن يغتسل ويغسل جرحه ولا يتيمم، فمات، رواه أبو داود وابن ماجه، وقال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} وقال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} فعِلَّة الأمر بالسؤال هو الجهل، والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها، ومعلوم أن العلماء لم يزالوا يُستفتون فيفتون ويتبعهم الناس من غير إبداء المستند، ثقةً بدينهم وأمانتهم ومزيد معرفتهم، حتى شاع وملأ البقاع ولم ينكره أحد، فكان إجماعا، ولو أوجبنا على كل أحد أن يؤهل نفسه للأخذ من الكتاب والسنة وما يجب لذلك لأدى الأمر إلى إبطال المعايش والصنائع، ولكان تكليفا بما لا يطاق، ولا يمكننا أن نطيل في النصوص الآن، ولا فيما ورد من خطر تكفير المسلم وعدم احترام دمه وماله وعرضه، ولكن نقول: إن سنة الله في البشر أن يرجع الناس في كل شيء إلى العارفين به المبرزين فيه، ولو لم يفعلوا ذلك لاختلّت أمورهم وفسد نظامهم، ولأصبح العالم فوضى، ولكان الهلاك أسرع إليه من السلامة، وانظر لو اجتهد كل إنسان برأيه في الطب، أو ذهب المريض إلى من لا يحسن علاجه، فماذا تكون النتيجة، وكيف يكون الحال إذا ألقينا بقيادة الحروب إلى الجهال الأغرار أو الجبناء الأغمار، أو خولنا كل أحد حرية الرأس ورسم الخطط في مجالدة الأعداء والذود عن بيضة الإسلام، أفلا تكون النتيجة خراب البلاد وهلاك العباد، وقل مثل ذلك في التجارة والزراعة وكل حرفة من الحرف وصنعة من الصنائع، وها أنت ترانا إذا أردنا طبيبا لمرض من الأمراض لم يقنعنا أن نذهب لطبيب عام بل إلى الطبيب المختص بذلك الفرع الذي وجه كل عنايته إليه، علما منا بسعة العلم وأن الأمور تشتبه وأن الجهل غريزة في البشر، والضعف طبيعة في الإنسان، وشعورا بأنه لا يكاد يخلص من سلطان الوهم وظلمات المشكلات والمتشابهات إلا من قتل العلم بحثا، وأحاط بمناحي التفكير خبرا، وعرف ضعف نفسه فلم يسارع إلى أول رأي فطير ولا أسبق خيال طائش، هذا كله مركوز في الطباع، يعرفه الجاهل والعالم والصغير والكبير والرجل والمرأة، فليت شعري هل أصبحت الشريعة أهون من ذلك كله مع ما فيها من الأسرار الدقيقة والمشكلات الخفية والمتعارضات القوية والمرجحات المختلفة والمنسوخات المتروكة والمطلقات المقيدة والعمومات المخصصة والمفاهيم المعطلة والمجملات التي قد يخفى بيانها والظواهر التي لا يراد ظاهرها والمجازات التي تدق قرينتها والكنايات التي تخفى إشارتها وتبعد غايتها ومواقع الإجماع والاختلاف ومباحث القياس المتشعبة ومسالك العلل الخفية وقوادحها المترامية، إلى أقوال الصحابة المختلفة وآرائهم المتباينة، وما يحتاج إليه ذلك كله من دقة الفهم وإصابة الرأي وأهلية الحكم وسعة الاطلاع وطول الباع، بعد معرفة اللغة العربية وفنونها، إلى آخر ما ذكره الأصوليون في مباحثهم الطويلة العريضة، خصوصا شروط الاجتهاد المبينة هناك، حتى قال كثير منهم: إن الاجتهاد لا يتجزأ لجواز أن يكون لبعض الأبواب علاقة بغيره، إلى آخر ما قالوا، فلا بد إذن من الرسوخ في جميع الأبواب والإحاطة بمظانها وما عسى أن يكون فيها من مقيد ومخصص ومعارض ومرجح، إلى غير ذلك، وهذا بحر لا ساحل له، ومَهَامِهُ فيحاءَ يضل فيها الخِرِّيت، ولذلك كان كثير من السلف الصالح يتحرجون من الفتيا غاية التحرج (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)، وقد عرض الخليفة المنصور العباسي وحفيده هارون الرشيد على الإمام مالك أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى، وإذا حَلَّلْتَ ذلك الإباء وبحثت عن سره وجدته الإخلاص البالغ والدين القيم، واتهام النفس وعدم تقديسها، فهو يجوِّز على نفسه أن يكون مخطئا وأن يكون الحق مع غيره، تاليا قوله تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} وقوله عز وجل: {وخلق الإنسان ضعيفا}، {إنه كان ظلوما جهولا}، وإن أول شروط الاجتهاد عندي نور البصيرة وصفاء الذوق وقوة الإخلاص وشدة المراقبة واتهام النفس الباعث على شدة التحري ومزيد الاحتياط، ولا يكفي في ذلك سعة العلم ولا كثر الاطلاع، وكم قد رأينا من كبار الحفاظ من هو أكثر حديثا من بعض المجتهدين، ولكن لم يسمح له دينه أن يدعي الاجتهاد، علما منه بأنه لم يخلق له ولا وجد فيه استعداده الذي يعرف به روح الشريعة في كل شيء وذوقها في أحكامها ومراميها، وقد قالوا: إن المحدث كالصيدلي والمجتهد… ولنترك هذه الطبقة المتفيهقة المتشدقة على ما بهم من جهل وسخافة ولنرجع إلى من قبلهم من رؤسائهم وأئمتهم لنرى إمامهم ابن تيمية الذي قدموه على جميع الأئمة، وهم على الرغم من دعوى الاجتهاد، مقلدون له فانون في تقليده، كيف منع من شد الرحال لزيارته – صلى الله عليه وسلم – وجعل السفر للزيارة سفر معصية لا يصح فيه قصر الصلاة، خارقا بذلك إجماع المسلمين، غير مستحي من سيد المرسلين ! ودليله الذي استند إليه واستنبط منه ما لم يستنبطه أحد من الأولين والآخرين هو منعه – صلى الله عليه وسلم – من شد الرحال إلا لأحد المساجد الثلاثة، ففهِم من ذلك النهي أن الرحال لا تشد للزيارة، بناء على خيال قام برأسه أن القصر حقيقي لا إضافي، ولو كان كما فهم ذلك المجتهد الكبير لكان شد الرحل لصلة الرحم أو زيارة الأخوان أو التجارة أو غير ذلك محرما، فإذن تقف مصالح العالم وتتعطل أمور الدين والدنيا! ولو تبصر قليلا لعلم ما أراد – صلى الله عليه وسلم – من أن المساجد متساوية في الفضل فكلها سواء إلا هذه المساجد الثلاثة، وذلك ظاهر لا خفاء فيه، فإن الأصل أن الشيء يستثنى من جنسه القريب، فإذا قلنا: ما مات إلا زيد، كان معناه: ما مات إنسان إلا زيد، وليس معناه: ما مات حيوان إلا زيد على أننا لو جعلنا القصر حقيقيا لفسدت أمور العالم كما قلنا، والشريعة إنما جاءت بالصلاح لا بالفساد، ويلتحق بذلك ما رأيناه في (فتح الباري) من قول ابن تيمية المذكور: إنه لم يجمع بين قول إبراهيم وآل إبراهيم في رواية من الروايات التي وردت في تعليم الصلاة عليه – صلى الله عليه وسلم – حين سئل عن ذلك، مع أن الجمع بينهما وارد في البخاري، وهو لدى الحفاظ بمنزلة الآجرومية في النحو، إلى غير ذلك مما هو معروف عنه، وهو من كبار – أو كبير – أولئك المجتهدين، ولو لم يكن له إلا ما هو معروف عنه وعن تلميذه ابن القيم خصوصا في نونيته من إثبات الجهة لله تعالى أخذا بالمتشابهات واغترارا بظواهر الآيات لكان كافيا لكل منصف في تقدير ما لهم من علم وعقل، ثم انظر بعد ذلك كله إلى كلام الشوكاني الذي ذكره السائل [ذلك أن السائل أورد ضمن سؤاله تشبيه الشوكاني لأتباع المذاهب بأتباع الأحبار والرهبان،]، وإلى فهمه الكاسد وقياسه الفاسد، وهو من كبار هؤلاء أيضا، فإن الأحبار والرهبان كانوا يحللون ويحرمون من عند أنفسهم قائلين: ما حللناه في الأرض فهو محلول في السماء وما ربطناه في الأرض فهو مربوط في السماء،كما هو معروف عنهم ومسطر في كتبهم، فضلا عن تاريخ الكنيسة أو التاريخ العام، وأما أئمة المسلمين فلم يدعوا لأنفسهم ذلك المنصب الذي لا ينبغي أن يكون إلا لله، وحاشاهم أن يقولوا ذلك أو يصدروا عن غير قول المعصوم وسنته التي هم أعرف الناس بها وأحرصهم عليها وقد صرحوا بذلك فقالوا: إذا خالفنا الحديث الصحيح فاضربوا بقولنا عرض الحائط فكيف يحل له بعد ذلك أن يقول: إنكم اتبعتم آراءهم ولم تتبعوا الكتاب والسنة، وكل إنسان يعلم أنهم لم يقولوا من عند أنفسهم،وإنما يقولون: هذا قول رسول الله وذاك فعله وتلك سنته، وهم أعرف الناس بذلك وأقدرهم على تعرف ما جاء فيه، وقد وثق الناس بهم فلم يتهموهم في دينهم ولا علمهم ولا أمانتهم بعدما عرفوا أنهم يتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشاهم أن يشرعوا من عند أنفسهم وهم خير القرون، فإن لم يجدوا شيئا في كتاب الله ولا سنة رسوله، اجتهدوا ما استطاعوا، وهم أعرف بروح الشريعة ومقاصدها ومناط أحكامها، ولو لم يفعلوا ما فعلوا لكانت الشريعة الآن لعبة بيد الجهال كما رأيت فيما تلوناه عليك، وبالجملة فهؤلاء الأئمة قد نظروا في الشريعة نظر العالم المدقق والأمين الحذر، فما وجدوه مجمعا عليه عضّوا عليه بالنواجذ، وما كان فيه اختلاف أخذوا منه الأقوى والأرجح، لكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج صحيح من الكتاب والسنة، وقد كان هذا ميسرا للطراز الأول من المجتهدين حين كان العهد قريبا والعلوم غير متشعبة ومذاهب الصحابة والتابعين معروفة، على أنه لم ينتشر ذلك أيضا إلا لنفوس قليلة، ومع ذلك فقد كانوا مقتدين بمشايخهم معتمدين عليهم، ولكن لكثرة تصرفهم في العلم صاروا مستقلين، وكيف يقيس عاقل هؤلاء الأئمة على أولئك الرهبان الذين لم يدعوا لأنفسهم منصب النبوة فحسب، بل تخطوا ذلك إلى منصب الإلهية، فإن النبي لا يقول من عند نفسه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، ولذلك قالت الآية {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، كما المسيح ابن مريم، فسوت بينهما وقالت في آخرها: {سبحانه وتعالى عما يشركون}، فهل ترانا أشركنا الأئمة بالله تعالى، أم ذلك كلام من يرسل لقلمه العنان بما يوجب سخط الله والملائكة والناس أجمعين وقداستتبع ذلك ما لا يحصى من المفاسد التي يرتكبها هؤلاء الجهلة ويتشدق بها أغمار منتسبون إلى العلم من زعانف القوم وأراذلهم، وقد جرّ ذلك إلى استباحة الأعراض، بل الأموال والدماء، فهي من السيئات الباقيات التي عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فإن تشبثوا بالقياس والاستنباط، قلنا: ذلك لا بد منه على رغم أنوفهم بمقتضى الدلائل العقلية، حتى قال بعضهم: إن من لا يقول بالقياس لا يعدمن العلماء ولا يعتبر من أهل الإجماع، وإجمال القول أنهم إذا قالوا: إن كل إنسان يأخذ من الكتاب والسنة ولو لم يعرف الفاعل من المفعول، فضلا عن دلالة الإيماء والاقتضاء ومسالك العلة وقوادحها ومعرفة المنطوق والمفهوم وما فيه من جدل وكبير عمل، ومعرفة ما صح وما يعمل به في فضائل الأعمال، وما يحتج به في الحلال والحرام، وما قيل في المرسل والمسند، إلى غير ذلك، فضلا عما قيل في الرجال من تعديل وجرح، وهو بحر لا ساحل له، وما عسى أن يكون في الحديث من علة خفية، مع معرفة تاريخ الأحاديث ليتميز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة المرجحات عند التعارض ومواقع الاختلاف والاتفاق، حتى لا يخرقوا الإجماع، نقول: إذا أباحوا للناس أن يأخذوا من الكتاب والسنة مع الجهل بذلك كله، فقد عرضوا الدين للضياع والشريعة للهزء والسخرية، وكان ذلك منهم جنونا أو فوق الجنون، وإن قالوا إنه يقل العالم في ذلك كله فقد هدموا ما بنوا وقوضوا ما شيدوا فأين يذهبون، “وهل هذا إلا رجوع للتقليد الذي منعوه وتفسير للماء بعد الجهد بالماء [قال الدجوي في الهامش: وليت شعري ماذا يريدون منا؟ أيريدون أن نقلدهم فيما يقولون وهم يحرمون التقليد، أم يريدون أن ينازعونا ونحن مجتهدون كما أنهم مجتهدون؟]، وبعد فإني أعجب كيف يكلفون أرباب الحرف والصناع وعامة السوقة المشتغلين بمعاشهم وعيالهم أن يأخذوا من الكتاب والسنة، وليس ذلك في وسعهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها؟ ولا أراني محتاجا بعد ذلك للإضافة في الدلائل النقلية والكلام عليها، فإن الأمر أوضح من الشمس وأبين من الحس، ولولا ظهور تلك الطائفة التي اقتدت بأسلافها من الخوارج الذين هم أسرع إلى تكفير المسلمين واستباحة دمائهم من الفَراش إلى النار، لما تحرك به قلم ولا تفكر فيه أحد، ولنختم كلمتنا هذه بتلك الحكاية التي تخفف عنك ما لاقيت من تلك الترهات التي يخجل منها العلم ويبكي لها الدين، قال مولانا الشيخ محمد عليش – رحمه الله – في فتاويه: إن ابن حزم كان له مناظرات مع الباجي، وهو من كبار علماء المالكية، فلقي أخاه إبراهيم بن خلف الباجي يوما فقال له: ما قرأت على أخيك؟ فقال: قرأت عليه كثيرا، فقال له: هلا اختصر لك العلم فأقرأك العلم في سنة؟ فقال: أنا أحب ذلك، فقال له: أو في شهر؟، فقال له: ذلك أشهى إلي، فقال له: أو في جمعة أو دفعة؟ فقال: هذا أحب إلي من كل شيء، فقال له: إذا أوردت عليك مسألة فاعرضها على الكتاب، فإن وجدتها فيه وإلا فاعرضها على السنة، فإن وجدت ذلك فيها وإلا فاعرضها على مسائل الإجماع، فإن وجدتها وإلا فالأصل الإباحة فافعلها، فقال له إبراهيم الباجي: أرشدتني إلى ما يفتقر إلى عمر طويل وعلم جليل، لأنه يفتقر إلى فهم الكتاب ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومؤوله وظاهره، ومنصوصه ومقيده وعمومه وخصوصه إلى غير ذلك من أحكام، ويفتقر أيضا إلى حفظ الأحاديث ومعرفة صحيحها من سقيمها ومرسلها ومعضلها وتأويل مشتبهها وتاريخ المتقدم والمتأخر منها، إلى غير ذلك، ويفتقر إلى معرفة مسائل الإجماع وتتبعها في جميع أقطار الإسلام، وقل من يحيط بهذا، اهـ، وقد قال الإمام أبو بكر بن العربي في حق هذه الطائفة في القواصم والعواصم: إنها أمة سخيفة تسورت مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكم علي – رضي الله عنه – يوم صفين، فقالوا: لا حكم إلا لله، وما أدري أيهما أجهل وأخطر: أطائفة الباطنية، أو طائفة الظاهرية؟) انتهى كلام الدجوي
***
المبحث الرابع حكم الخروج في الفقه عن أقوال المذاهب الأربعة
[المفتاح الأول]: قال الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في كتابه: التمذهب دراسة تأصيلية مقارنة للمسائل المتعلقة بالتمذهب: (الفصل الثالث: الخروج عن المذاهب الأربعة: للخروج عن المذاهب الأربعة حالتان:
(الحالة الأولى): أن يكون الخروج إلى قول لم يقل به أحد من أئمة الاجتهاد، فهذا لا يجوز أبدا لأن إحداث قول لم يقل به إمام ما لا يجوز وقد قيل إنه لا خلاف بين أهل العلم في ذلك وكان الأئمة يشددون في المنع من ذلك، ففي مناقب أحمد لابن الجوزي: قال الميموني قال لي أحمد: يا أبا الحسن إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام) اهـ([43]) . وروى الصيمري في أخبار أبي حنيفة (عن زفر قال: إني لست أناظر أحدا حتى يقول قد أخطأت ولكني أناظره حتى يجن، قيل له: كيف يجن؟ قال: يقول بما لم يقل به أحد) اهـ([44]) . وقال ابن رجب في فضل علم السلف على الخلف : (أما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولا به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم فأما ما اتفق على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به قال عمر بن عيد العزيز: خذوا من الرأي ما كان يوافق من كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم) اهـ([45])
وقال الزركشي رحمه الله في البحر المحيط – عن الإجماع -: (فليعرف مواقعه حتى لا يفتي بخلافه ولا يلزمه حفظ جميعه، بل كل مسألة يفتي فيها يعلم أن فتواهـ ليست مخالفة للإجماع، وإنما يوافقه مذهب عالم، أو تكون الحادثة مولدة ولا بد مع ذلك أن يعرف الاختلاف ذكره الشافعي في الرسالة ” وفائدته حتى لا يحدث قولا يخالف أقوالهم فيخرج بذلك عن الإجماع) اهـ، ([46]) .
وأقوال أهل العلم في ذلك كثيرة.
و(الحالة الثانية): أن يكون الخروج إلى قول قال به بعض أئمة الاجتهاد: وهنا اختلف أهل العلم في حكم الخروج عن المذاهب الأربعة: فذهب الجمهور وحكي إجماعا إلى أن ذلك لا يجوز:
١- لأن غير المذاهب الأربعة لم تحفظ ولم تدون من ألفها إلى يائها، وإنما نقلت عن بعض الأئمة مسائل مفردة لم تعرف قيودها واستثناءاتها ولم يعرف ما إذا كان قد رجع عن ذلك أم لا؟ وما إذا كان له مخصص أو مقيد من كلامه ولم يبلغنا؟ فالسبب هو عدم الثقة بها من حيث النقل لا أنها غير معتبرة.
٢- ولأن الحق منحصر في الأربعة في قول بعض أهل العلم.
٣- ولأن في عدم الخروج منعا من الفوضى خصوصا في القضاء والإفتاء وستأتي أقوالهم مفصلة إن شاء الله، .
و ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخروج عن المذاهب الأربعة واشترطوا لذلك شروطا منها:
١ – أن يصح النقل عن ذلك الإمام.
٢ – أن تعلم جميع اعتبارات ذلك الإمام في تلك المسألة.
٣ – أن يكون الخروج في عمل المرء لنفسه لا في الفتوى والقضا.
٤ – الشروط السابقة في خروج المرء من مذهبه من عدم تتبع الرخص وعدم التلفيق بصورة مركبة…إلخ.
وإليك الآن أقوال أهل العلم في ذلك مفصلة ضمن المباحث التالية:
(المبحث الأول): حكاية الاتفاق على عدم جواز الخروج: قال الزركشي في البحر المحيط : (والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها) اهـ،([47]) .
وفي الفواكه الدواني للنفراوي: (فإذا اختلفت الصحابة في مسألة على قولين جاز لأحد الصحابة أن يحدث ثالثا، فإذا انقرض عصر الصحابة بحيث لم يبق منهم أحد فليس للتابعين إحداث ثالث، وكذا إذا اختلف التابعون جاز للتابعين إحداث ثالث دون تابع التابعين وهكذا، لما في الخروج عن اتباع المجتهدين من خرق الإجماع وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم وعدم جواز الخروج عن مذاهبهم وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين، مع أن الجميع على هدى لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها ولذا قال بعض المحققين: المعتمد أنه يجوز تقليد الأربعة، وكذا من عداهم ممن يحفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته، فالإجماع الذي نقله غير واحد كابن الصلاح وإمام الحرمين والقرافي على منع تقليد الصحابة يحمل على ما فقد منه شرط من ذلك اهـ من شرح شيخ مشايخنا اللقاني) اهـ،([48]) .
وقال إمام الحرمين في البرهان: (أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل وتعرضوا للكلام على مذاهب الأولين والسبب فيه أن الذين درجوا وإن كانوا قدوة في الدين وأسوة للمسلمين فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسالك الاجتهاد وإيضاح طرق النظر والجدال وضبط المقال ومن خلفهم من أئمة الفقه كفوا من بعدهم النظر في مذاهب الصحابة فكان العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين) اهـ،([49]) .
وقال ابن نجيم في الأشباهـ والنظائر : (مما لا ينفذ القضاء به: ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع وهو ظاهر وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع و إن كان فيه خلاف لغيرهم فقد صرح في التحرير أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمنصب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم وانتشارها وكثرة أتباعهم،) اهـ([50]) .
وقال صاحب مراقي السعود النظم المالكي المشهور في الأصول: (والمجمع اليوم عليه الأربعة وقفو غيرها الجميع منعه) اهـ،([51]) .
وفي الفروع لابن مفلح : (وفي الإفصاح: إن الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة وأن الحق لا يخرج عنهم، ويأتي في العادلة لزوم التمذهب بمذهب وجواز الانتقال عنه، قال الشيخ: النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة فإن اختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة، قال بعض الحنفية: وفيه نظر فإن الإجماع ليس عبارة عن الأربعة وأصحابهم وليس في كلام الشيخ ما فهمه هذا) اهـ، ([52]) .
(المبحث الثاني): بعض أقوال الحنفية في الخروج عن المذاهب الأربعة: قال ابن أمير الحاج في التقرير والتحبير: بعد نقل كلام إمام الحرمين السابق: (لأنهم أوضحوا طرق النظر وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها بخلاف مجتهدي الصحابة فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد ولم يقرروا لأنفسهم أصولا تفي بأحكام الحوادث كلها وإلا فهم أعظم وأجل قدرا وقد روى أبو نعيم في الحلية أن محمد بن سيرين سئل عن مسألة فأحسن فيها الجواب فقال له السائل ما معناهـ ما كانت الصحابة لتحسن أكثر من هذا فقال محمد لو أردنا فقههم لما أدركته عقولنا وعلى هذا أي على أن عليهم أن يقلدوا الأئمة المذكورين لهذا الوجه ما ذكر بعض المتأخرين وهو ابن الصلاح منع تقليد غير الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله لانضباط مذاهبهم وتقييد مطلق مسائلهم وتخصيص عمومها وتحرير شروطها إلى غير ذلك ولم يدر مثله أي هذا الشيء في غيرهم من المجتهدين الآن لانقراض أتباعهم… وبالجملة: القول بأن العامي لا يتأهل لتقليد الصحابة قريب من القول بأنه لا يتأهل للعمل بأدلة الشرع إما لأن قوله حجة فهو ملحق بقول الشارع وإما لأنه في علو المرتبة يكاد يكون حجة فامتناع تقليده لعلو قدره لا لتروله فلا جرم أن قال المصنف: وهو أي هذا المذكور صحيح بهذا الاعتبار وإلا فمعلوم أنه لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون وأنه لا يلزم أحدا أن يتمذهب بمذهب أحد الأئمة بحيث يأخذ بأقواله كلها ويدع أقوال غيره كما قدمناهـ) اهـ،([53]) .
وفي شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر: (إن للمجتهد شروطا وصفات معينة في كتب أصول الفقه، فلا يقال للعالم مجتهد ما لم يكن حائزا على تلك الصفات، ومع ذلك فالمتأخرون من الفقهاء قد أجمعوا على سد باب الاجتهاد خوفا من تشتت الأحكام، ولأن المذاهب الموجودة، وهي (المذاهب الأربعة) قد ورد فيها ما فيه الكفاية) اه([54]) .
(المبحث الثالث): بعض أقوال المالكية في الخروج عن المذاهب الأربعة: قال ابن خلدون في مقدمته: (ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم و سد الناس باب الخلاف و طرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم و لما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد و لما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله و من لا يوثق برأيه و لا بدينه فصرحوا بالعجز و الإعواز و ردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل فقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول و اتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا و مدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة) اهـ،([55]) .
وفي مواهب الجليل للحطاب: (قال القرافي: ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناهـ أن التقليد يتعين لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم ؛ لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها فإذا أطلقوا حكما في موضع وجد مكملا في موضع آخر وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة فلعل لها مكملا أو مقيدا أو مخصصا لو انضبط كلام قائله لظهر فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة قال: وهذا توجيه حسن فيه ما ليس في كلام إمام الحرمين) اهـ([56]) .
وقال الزركشي في البحر المحيط:: (قال ابن المنير: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة الأربعة، لا قبلهم، والفرق أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدونوا مذاهبهم ولا كثرت الوقائع عليهم، حتى عرف مذهب كل واحد منهم في كل الوقائع وفي أكثرها، وكان الذي يستفتي الشافعي – مثلا – لا علم له بما يقوله المفتي، لأنه لم يشتهر مذهبه في تلك الواقع، أو لأنها ما وقعت له قبل ذلك، فلا يتصور أن يعضده إلا سر خاص، وأما بعد أن فهمت المذاهب ودونت واشتهرت وعرف المرخص من المشدد في كل واقعة، فلا ينتقل المستفتي – والحالة هذه – من مذهب إلى مذهب إلا ركونا إلى الانحلال والاستسهال،) اهـ،([57]) .
(المبحث الرابع): بعض أقوال الشافعية في الخروج عن المذاهب الأربعة: قال الإمام النووي في مقدمة المجموع: : (وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم ؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها، كمالك وأبي حنيفة وغيرهما) اهـ،([58]) .
وفي التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي: (من فروع المسألة – أي مسألة لزوم التمذهب بمذهب – عدم جواز تقليد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كذا ذكره ابن برهان في الأوسط قال: لأن مذاهبهم غير مدونة ولا مضبوطة حتى يمكن المقلد الاكتفاء بها فيؤديه ذلك إلى الانتقال، وذكر إمام الحرمين في البرهان نحوه… وذكر ابن الصلاح أيضا ما حاصله: أنه يتعين الآن تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم قال: لأنها قد انتشرت وعلم تقييد مطلقها وتخصيص عامها وبشروط فروعها بخلاف مذهب غيرهم رضي الله عنهم أجمعين) اهـ،([59]) .
قال ابن علاّن الصديقي في شرحه على رياض الصالحين المسمى بدليل الفالحين: (ومحل تقليد الصحابة بالنسبة للمقلد الصرف في تلك الأزمنة القريبة من زمنهم أما في زمننا فقال بعض أئمتنا: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة: الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد لأن هؤلاء عرفت مذاهبهم واستقرت أحكامها وخدمها تابعوهم وحرروها فرعاً فرعاً وحكماً حكماً فقَلّ أنْ يوجد فرع إلا وهو منصوص لهم أجمالاً أو تفصيلاً، بخلاف غيرهم فإن مذاهبهم لم تحرر وتدون كذلك فلا يعرف لها قواعد يتخرج عليها أحكامها فلم يجز تقليدهم فيما حفظ عنهم منها لأنه قد يكون مشترطاً بشروط أخرى وكلوها إلى فهمها من قواعدهم فقلت الثقة بخلو ما حفظ عنهم من قيد أو شرط، فلم يجز التقليد حينئذ) اهـ([60]) .
، وفي فتاوى ابن حجر: (وسئل) رحمه الله تعالى هل يجوز تقليد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أم لا فما الدليل عليه؟ (فأجاب) نفعنا الله تعالى بعلومه بقوله: نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناعه على العوام لارتفاع الثقة بمذاهبهم إذ لم تدون وتحرر وجزم به ابن الصلاح، وألحق بالصحابة التابعين وغيرهما ممن لم يدون مذهبه وبأن التقليد متعين للأئمة الأربعة فقط قال لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم ففيه فتاوى مجردة لعل لها مكملا أو مقيدا لو انبسط كلامه فيها لظهر خلاف ما يبدو منه فامتنع التقليد إذا لتعذر الوقوف على حقيقة مذاهبهم، ا ه، والقول الثاني: جواز تقليدهم كسائر المجتهدين قال ابن السبكي وهو الصحيح عندي غير أني أقول لا خلاف في الحقيقة بل إن تحقق مذهب لهم جاز وفاقا وإلا فلا ا ه، ويؤيده ما نقله الزركشي عن جمع من العلماء المحققين أنهم ذهبوا إلى جواز تقليدهم، واستدل له ثم قال وهذا هو الصحيح إن علم دليله وصح طريقه ولهذا قال ابن عبد السلام في فتاويه إذا صح عن صحابي ثبوت مذهب جاز تقليده وفاقا وإلا فلا لا لكونه لا يقلد بل لأن مذهبه لم يثبت كل الثبوت) اهـ،([61]) .
وفي فتاوى ابن حجر أيضا (وسئل) عن تقليد العامي لأحد الأئمة المجتهدين غير الأربعة بعد تقرر مذاهبهم واشتهارها بما هو معلوم هل يجوز ذلك أم لا؟ وإذا قلتم بعدم الجواز ماذا يلزم المقلد لذلك المجتهد وما حكم عبادته على مقتضى ذلك الاجتهاد هل هي صحيحة أم لا؟ وإذا قلتم بعدم صحة عبادته هل يكون عاصيا في ذلك حتى يجب عليه القضاء على الفور أم لا؟ وإذا قلتم بجواز التقليد لغير الأئمة الأربعة هل يشترط أن يوافق اجتهاده أحد الأئمة حتى يكون التقليد له كأنه تقليد لأحدهم أم لا؟ وهل يشترط نقل مذهب ذلك المجتهد متواترا أم لا؟ وهل يشترط أن يكون مدونا أم يكفي نقله على الألسنة؟ وأيضا ظاهر جمع الجوامع جواز التقليد لكل مجتهد من غير اشتراط شيء سوى اعتقاد المقلد كون مذهب مقلده راجحا أو مساويا فهل البناء على هذا الظاهر كاف في الحكم بجواز تقليد كل مجتهد أم الأمر على خلافه بينوا ذلك، (فأجاب) نفعنا الله تعالى بعلومه وبركته بقوله: الذي تحرر أن تقليد غير الأئمة الأربعة، رضي الله تعالى عنهم لا يجوز في الإفتاء ولا في القضاء وأما في عمل الإنسان لنفسه فيجوز تقليده لغير الأربعة ممن يجوز تقليده لا كالشيعة وبعض الظاهرية ويشترط: معرفته بمذهب المقلد بنقل العدل عن مثله، وتفاصيل تلك المسألة أو المسائل المقلد فيها وما يتعلق بها على مذهب ذلك المقلد، وعدم التلفيق لو أراد أن يضم إليها أو إلى بعضها تقليد غير ذلك الإمام لما تقرر أن تلفيق التقليد كتقليد مالك رحمه الله تعالى في عدم نجاسة الكلب والشافعي رضي الله تبارك وتعالى عنه في مسح بعض الرأس فممتنع اتفاقا بل قيل إجماعا وإذا وجدت شروط التقليد التي ذكرناها وغيرها مما هو معلوم في محله فعبادات المقلد ومعاملته المشتملة على ذلك صحيحة وإلا فلا ويأثم بذلك فيلزمه القضاء فورا ولا يشترط موافقة اجتهاد ذلك المقلد لأحد المذاهب الأربعة ولا نقل مذهبه تواترا كما أشرت إليه ولا تدوين مذهبه على استقلاله بل يكفي أخذه من كتب المخالفين الموثوق بها المعول عليها وكلام جمع الجوامع محمول على ما تقرر على أنه عند التحقيق لا يخالفه، والله سبحانه وتعالى أعلم) اهـ،([62]) .
وفي فتاوى ابن حجر أيضا (والكلام فيما إذا حكم المستقضي المذكور بمذهب من المذاهب الأربعة أما لو حكم بمذهب غيرها فينقض حكمه، فقد قال السبكي يجوز للشخص التقليد للعمل في حق نفسه وأما في الفتوى والحكم فقد نقل ابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز يعني تقليد غير الأئمة الأربعة) اهـ،([63]) .
وقال ابن حجر أيضا في التحفة: (وحاصل المعتمد من ذلك: أنه يجوز تقليد كل من الأئمة الأربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته فالإجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك ويشترط لصحة التقليد أيضا أن لا يكون مما ينقض فيه قضاء القاضي هذا بالنسبة لعمل نفسه لا لإفتاء، أو قضاء فيمتنع تقليد غير الأربعة فيه إجماعا كما يعلم مما يأتي ؛ لأنه محض تشه وتغرير ومن ثم قال السبكي: إذا قصد به المفتي مصلحة دينية جاز أي: مع تبيينه للمستفتي قائل ذلك، وعلى ما اختل فيه شرط مما ذكر يحمل قول السبكي: ما خالف الأربعة كمخالف الإجماع) اهـ([64]) .
وفي حاشية ابن القاسم على التحفة: (قوله: وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه إلخ) هذا مع قوله الآتي: هذا بالنسبة لعمل نفسه لا لإفتاء، أو قضاء فيمتنع تقليد غير الأربعة فيه إجماعا صريح في أن من عدا الأربعة ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته يمتنع تقليده في غير العمل من الإفتاء، والحكم فليتنبه لذلك وليحفظ) اهـ،([65]) .
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : (لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها) اهـ،([66]) .
وقال المناوي في فيض القدير: (لكن لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين كما قاله إمام الحرمين من كل من لم يدون مذهبه فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحررت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم لانقراض أتباعهم وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم انتهى، نعم يجوز لغير عامي من الفقهاء المقلدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده لكن بشرط أن لا يتتبع الرخصة بأن يأخذ من كل مذهب الأهون بحيث تنحل ربقة التكليف من عتقه وإلا لم يجز خلافا لابن عبد السلام، حيث أطلق جواز تتبعها وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبعها على وجه لا يصل إلى الانحلال المذكور) اهـ([67]) .
، وفي الأشباه والنظائر للسيوطي (ينقض قضاء القاضي إذا خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا قال القرافي أو خالف القواعد الكلية قال الحنفية أو كان حكما لا دليل عليه نقله السبكي في فتاويه قال وما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص وهو حكم لا دليل عليه سواء كان نصه في الوقف نصا أو ظاهرا قال وما خالف المذاهب الأربعة فهو كالمخالف للإجماع) اهـ،([68]) .
وفي مختصر الفوائد المكية لعلوي بن أحمد السقاف المكي ضمن مجموعة سبعة كتب مفيدة: (وليست المذاهب المتبوعة منحصرة في الأربعة لأن المجتهدين من هذه الأمة لا يحصون كثرة و كل له مذهب من الصحابة و التابعين و أتباع التابعين و هلم جرا، وقد كان في السنين الخوالي نحو أحد عشر مذهبا مقلدة أربابها مدونة كتبها و هي: الأربعة المشهورة و مذهب سفيان الثوري و مذهب سفيان ابن عيينة و مذهب الليث بن سعد ومذهب إسحاق بن راهويه و مذهب ابن جرير و مذهب داود و مذهب الأوزاعي وكان لكل من هؤلاء أتباع يفتون بقولهم و يقضون، و إنما انقرضوا بعد الخمسمائة لموت العلماء و قصور الهمم و مع ذلك فقد صرح جمع من أصحابنا بأنه لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة، و عللوا ذلك بعدم الثقة بنسبتها إلى أربابها لعدم الأسانيد المانعة من التحريف و التبديل بخلاف المذاهب الأربعة فإن أئمتها بذلوا أنفسهم في تحرير الأقوال و بيان ما ثبت عن قائله وما لم يثبت فأمن أهلها من كل تغيير و تحريف و علموا الصحيح من الضعيف و لذا قال غير واحد في الإمام زيد بن علي إنه إمام جليل القدر عالي الذكر و إنما ارتفعت الثقة بمذهبه لعدم اعتناء أصحابه بالأسانيد فلم يؤمن على مذهبه التحريف و التبديل ونسبة ما لم يقله إليه، فالمذاهب الأربعة هي المشهورة الآن المتبعة، و قد صار إمام كل منهم لطائفة من طوائف الإسلام عريفا بحيث لا يحتاج السائل عن ذلك تعريفا) اهـ([69]) .
(المبحث الخامس): بعض أقوال الحنابلة في الخروج عن المذاهب الأربعة: قال ابن رجب في الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة: (فإن قال أحمق متكلف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين، قيل له: كما جمع الصحابة – رضي الله عنهم – الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان ؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك، فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين: لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كل أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسه، من زمرة المجتهدين وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين ؛ فربما كان بتحريف يحرفه عليهم كما وقع ذلك كثيرًا من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلة من بعض من سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاهـ من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين) اهـ،([70]) .
وقال ابن رجب في الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة أيضا: (فإن قيل: نحن نسلم منع عموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد ؛ لما يفضي ذلك أعظم الفساد، لكن لا نسلم منع تقليد إمام متبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين، قيل: قد نبهنا على علة المنع من ذلك وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط،فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة، فإن قيل: فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دون مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ مذاهب هؤلاء، قيل: أولا: هذا لا يعلم وجوده الآن، وإن فرض وقوعه الآن وسلم جواز اتباعه والانتساب إليه، فإنه لا يجوز ذلك إلا لمن أظهر الانتساب إليه والفتيا بقوله والذب عن مذهبه) اهـ،([71]) .
وقال المرداوي في التحبير: (فإن مدار الإسلام واعتماد أهله قد بقي على هؤلاء الأئمة وأتباعهم وقد ضبطت مذاهبهم وأقوالهم وأفعالهم وحررت ونقلت من غير شك في ذلك بخلاف مذهب غيرهم وإن كان من الأئمة المعتمد عليهم لكن لم تضبط الضبط الكامل وإن كان صح بعضها فهو يسير فلا يكتفى به وذلك لعدم الأتباع…) اهـ،([72]) .
وفي مطالب أولي النهى للرحيباني: (قال الموفق في ” المغني “:النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة، قال بعض الحنفية: وفيه (أي: قول الموفق) نظر فإن الإجماع ليس عبارة عن الأئمة الأربعة وأصحابهم، قال في ” الفروع “: وليس في كلام الشيخ (أي: الموفق) ما فهمه هذا الحنفي، انتهى…، (وفي الإفصاح) لابن هبيرة: الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة وأن الحق لا يخرج عنهم، انتهى، (ويتجه وفيه) ؛ أي: كلام الإفصاح (نظر بل يجوز) تقليد غيرهم من الثقات (حيث لا تحتمل المسألة قيدا كمقلد داود) الظاهري (في حل شحم الخنزير، ومقلد ابن حزم في اللبث بمسجد للجنب ومقلد ابن تيمية) وابن القيم (وغيرهما) ممن يفتي (في أن الطلاق الثلاث إذا كان دفعة) كأنت طالق ثلاثا ونحوه (لا يقع غير واحدة، وفي علي الطلاق) لأفعلن كذا، ولم يفعله (لا يقع شيء) (فإن احتمل التقيد امتنع كمقلد سعيد بن المسيب في حل المطلقة ثلاثا بمجرد العقد مع الحيلة) لأن الحيل لا تجوز في شيء من أمور الدين (ومقلد نافع وابن عمر في الوطء في الدبر حالة الحيض وأمثال هذا الاحتمال أنهما لا يريان ذلك حينئذ) ولانفرادهما بهذه المسألة دون غيرهما، وقد أنكر عليهما معاصروهما فمن بعدهم، وقالوا: ليس لهما في ذلك دليل من كتاب ولا سنة بخلاف مسألة داود فإن ظاهر الآية، لا يأباها، وبخلاف مسألة ابن حزم فإن بعض العلماء قد قال بها، وبخلاف مسألة ابن تيمية فإن القائلين بها كثيرون من الصحابة والتابعين والأئمة المهديين وقد أنهينا الكلام عليها في باب ما يختلف به عدد الطلاق، فمن وقف على هذه الأقوال وثبت عنده صحة نسبتها لهؤلاء الرجال يجوز له العمل بمقتضاها عند الاحتياج إليه خصوصا إذا دعته الضرورة إليه وهو متجه،) اهـ، ([73]) .
وقال ابن تيمية في الفتاوى المصرية: (وقول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأئمة الأربعة إن أرد أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين فقد أحسن بل هو الصواب من القولين وإن أراد أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها فهو مخطئ في الغالب قطعا إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة) اهـ، ([74]) .
وفي الدرر السنية من الأجوبة النجدية قال عبد الله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب:(ونحن أيضاً: في الفروع، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير ؛ الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم ؛ ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب، أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة: أخذنا به، وتركنا المذهب، كارث الجد والأخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة) اهـ([75]) .
(المبحث السادس): التوفيق بين القولين: إذا علمنا أن السبب الرئيسي عند من منع من الخروج عن المذاهب الأربعة هو عدم حفظ وضبط تلك المسائل المنقولة بقيودها وشروطها، وعلمنا أن من أجاز الخروج عن المذاهب الأربعة يشترط لذلك شروطا منها: أن تكون المسألة محفوظة بقيودها وشروطها تبين أنه لا خلاف في الحقيقة، قال ابن أمير الحاج في التقرير والتحبير: (وحاصل هذا أنه امتنع تقليد غير هؤلاء الأئمة لتعذر نقل حقيقة مذهبهم وعدم ثبوته حق الثبوت لا لأنه لا يقلد ومن ثمة قال الشيخ عز الدين عبد السلام: لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة بل أن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقا وإلا فلا) اهـ،([76]) .
وقد تقدم معنا ما في فتاوى ابن حجر (والقول الثاني: جواز تقليدهم كسائر المجتهدين قال ابن السبكي: وهو الصحيح عندي، غير أني أقول لا خلاف في الحقيقة بل إن تحقق مذهب لهم جاز وفاقا وإلا فلا، ا ه،) اهـ([77]) .
، لكن الشأن هو في وجود تلك المسائل المنضبطة بالشروط المذكورة فلا تكاد توجد مسألة تتوفر فيها تلك الشروط، قال المرداوي في التحبير: (وإن كان صح بعضها [أي أقوال غير الأربعة] فهو يسير فلا يكتفى به وذلك لعدم الأتباع، وأيضاً فإن أقوالهم إما موافقة لهؤلاء الأئمة الأربعة أو خارجة عن ذلك، فإن كانت موافقة فقد حصل المقصود ويحصل بها التقوية وإن كانت غير موافقة كانت في الغالب شاذة لا يعول عليها) اهـ ([78]) . ([79]) .
***
المبحث الخامس اعتراضات على التمذهب وحل اشكالاتها
[المفتاح الأول]: هناك اعتراضات عديدة يتبناها البعض لهدم الصرح الفقهي الذي بناه الأئمة الفقهاء المجتهدون على مدار عصور الإسلام المتتالية، ومن تلك الاعتراضات: (الاعتراض الاول): دين الإسلام واحد لا مذاهب فيه ولا طرق يجب اتباعها إلا طريق محمد صلى الله عليه وسلم.
(الاعتراض الثاني): ظهور الفقه ونشوؤه يسبق استكمال جمع السنة وتدوينها ودراستها وتحقيقها وشرحها وكان من الواجب بعد أن تم للسنة الجمع والتمحيص والشرح والتحقيق أن يعاد النظر في آراء المذاهب المختلفة لتعدل وتنقح بناء على ذلك.
(الاعتراض الثالث): فقهاء المذاهب حققوا أقوالها وتركوا ما فيها من ضعف وخطأ، وكان همهم الدفاع عن مذاهبهم فقط وكانوا يبحثون في الأدلة بروح التعصب لمذاهبهم ويحاولون تقويتها بكل سبيل ولو كانوا أنفسهم غير مقتنعين به ولا يقبله المنهج العلمي.
(الاعتراض الرابع): أن التزام المذهب خطأ وبدعة في الدين لأمور منها: أن عدم التزام مذهب هو الأصل لأن الله تعالى حين أمر الجاهل بسؤال أهل الذكر لم يحدد واحد معينا منهم بل أطلق ذلك ومن المعروف ان المطلق يبقى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده.
(الاعتراض الخامس): فعل الصحابة والسلف الصالح من أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين أمرنا بالاقتداء بهم هو عدم الالتزام بمذهب معين فكان الذي لا يعرف استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية فيهم يٍسأل أي واحد من العلماء دون تعيين.
(الاعتراض السادس): فكرة توحيد المذاهب في مذهب واحد، ونص المشروع: تؤلف لجنة تضم أكبر علماء المسلمين في العالم الإسلامي وتضم مختلف الاختصاصات الشرعية وتكون مهمتها توحيد المذاهب الفقهية الإسلامية في مذهب واحد، وأنّه أفضل من المذاهب الأربعة.
(الاعتراض السابع): تعدد المذاهب يمثل عقبة أمام المهتدين الجدد الداخلين في الإسلام بأي المذاهب تكون عبادتهم لله.
(الاعتراض الثامن): أن أساس التمسك بالإسلام إنما هو التمسك بالكتاب والسنة وهما معصومان عن الخطأ اما اتباع أئمة المذاهب فهو تحول عن الاقتداء بالمعصوم إلى الاقتداء بغير المعصوم، (الاعتراض التاسع): أنه لم يثبت أي دليل على أن الإنسان يسأل في قبره إذا مات عن المذاهب الفقهية المتبعة، وأي المذاهب يتبع.
(الاعتراض العاشر): عدم جواز الأخذ بجميع أقوال أحد البشر سوى الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتالي عدم جواز الأخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد أو غيرهم.
(الاعتراض الحادي عشر): دعوى حرمة التمسك بمذهب معين ووجوب الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة على الناس كلهم أو استمرار التنقل بين المجتهدين والأئمة دون الوقوف عند واحد منهم بعينه.
[المفتاح الثاني]: قال الشيخ يوسف خطار محمد: في كتابه القيم (الموسوعة اليوسفية) – تحت عنوان ” المذاهب الأربعة ” -: (إذا قال قائل: (فدين الإسلام واحد لا مذاهب فيه ولا طرق يجب اتباعها إلا طريق محمد صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال أيضا: (اعلم أن المذهب الحق الواجب الذهاب إليه والاتباع له هو مذهب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل الإمام أبو حنيفة ولا مالك ولا أحد من الأئمة خذوا بقولي أو تمذهبوا بمذهبي بل ولا قال ذلك أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهم بل نهوا عن ذلك فإن كان الأصل هكذا فمن أين جاءت المذاهب؟ ولماذا شاعت وألزمت على ذمم المسلمين فتدبر وتأمل أنها ما شاعت إلا بعد خير القرون وما ألزمت إلا من الأمراء الغاشمين والحكام الجاهلين والعلماء الضالين)
(فالجواب): إذا قلنا إن الاتباع ينبغي ان يكون للكتاب والسنة فقط أليس ذلك ينبغي ان يكون مبنيا على فهم الصحابة والأئمة المجتهدين نعم إن أحدا من الصحابة لم يقل خذوا بقولي ولم يقل أحد أيضا بأن اتباع واحد بعينه دون الآخر فرض محتم ولكن اتباع الكتاب والسنة بناء على فهم الصحابة والأئمة المجتهدين لهما إنما يكون باتباع أقوالهم ولا شك أن هذا لا خلاف فيه وإنما الإشكال في كيفية اتباع أقوال الصحابة والأئمة المجتهدين رضي الله عنهم، ففي الماضي اجتهد الصحابة رضي الله عنهم والأئمة الأوائل الذين جاؤوا بعدهم واعتمد بعضهم في اجتهاده على الدليل واعتمد البعض الآخر على الرأي المعتمد على القياس أو الأصول العامة في الشرع المجمع عليها نحو {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [سورة الحج الآية (78)]، (لا ضرر ولا ضرار) ([80]) .
وهكذا وذلك إما لعدم وصول دليل الغير إليه وعدم علمه بالدليل أو لأن لديه دليلا اعتمد عليه ووجده أقوى من دليل غيره أو لاختلافه مع غيره في تفسير النص أو لاختلافهم في نوع الحكم على المسألة هل هي فرض أ و سنة مثلا بسبب اختلافهم في قواعد الاجتهاد… وهكذا أما من لم يصله الدليل من الصحابة والأئمة المجتهدين واجتهد برايه فرأيه ناقشه العلماء المجتهدون فيما بعد حينما صارت الأدلة متوفرة لدى الجميع أي بعد القرن الثالث فعلماء المذاهب فيما بعد على مر العصور ناقشوا هذه الآراء وأخذوا بما يدعمه الدليل منها وتركوا ما يتعارض مع الأدلة وليس أدل على ذلك من مخالفة كثيرين من الأئمة في كل مذهب لقول الإمام أو لقول غيره عملا بالدليل الأقوى وسنبين ذلك إن شاء الله وهذا الوضع لم يشكل سببا هاما من أسباب نشوء المذاهب واستمرارها، لكن الوضع الثاني وهو الحل الذي يكون كل طرف فيه معتمدا على دليل قوي يتمسك به أوله رأي بدليل غيره أو تفسير أو حكم مختلف فيه عن تفسير غيره أو حكمه في المسألة أو له قواعد تختلف عن قواعد غيره في الاجتهاد هو السبب الأهم في نشوء المذاهب واختلاف الآراء، ونضرب لذلك مثلا في اختلاف الصحابة في تفسير قوله تعالى {أو لامستم النساء}[سورة المائدة الآية (6)] قال ابن عباس: إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما يشاء بما يشاء وقال بعده ابن جرير بذلك واحتج بحديث عائشة الصحيح: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ ثم يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ)، ([81]) .
أما عبدالله بن مسعود فقد قال: اللمس ما دون الجماع والقبلة من المس وفيهما الوضوء وروى مالك عن عبدالله بن عمر انه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، وتابعهم على ذلك الشافعي وأصحابه ومالك وأحمد بن حنبل وقالوا: قد قرئ في هذه الآية – أي قراءة متواترة – (لامستم) و(لمستم)، واللمس يطلق في الشرع على الجس في اليد قال تعالى {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} [سورة الأنعام الآية (7)] أي جسوه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لماعز حين اقر بالزنا يعرض له بالرجوع عن الإقرار (لعلك قبلت أو لمست) ([82]) . وفي حديث آخر (واليد زناؤها اللمس) ([83]) .
وأنت تلاحظ أن الاختلاف هنا واقع بين الصحابة الذين كانوا في عصر واحد وفي بلد واحد وقد اختلفوا في تفسير النصوص وترجيح بعضها على بعض وكل منهم تسمك بدليله وتبعهم على ذلك الأئمة الأربعة ولا شك أن كل طرف من أطراف الخلاف قد اطلع على دليل الآخر في هذه المسألة، فالإمام مالك هو شيخ الشافعي والشافعي قرأ على محمد بن الحسن كبير أصحاب أبي حنيفة في العراق وهو أي الشافعي شيخ الإمام أحمد بن حنبل ومع ذلك نجد أن هؤلاء الأئمة افترقوا في الحكم في هذه المسألة على افتراق الصحابة ولم يتفقوا على حكم واحد فيها، وذكر هذه الأقوال وغيرها ابن كثير والقرطبي مثلا فلم يقولا: قال العلماء: إن سبب الخلاف بين الصحابة هنا هو عدم وصول الدليل إلى من قال إن لمس المرأة ينقض الوضوء ولا قالوا: بخطأ هذا القول وبعدم صحة العمل به كما يفعل بعضهم بل ذهب بعضهم إلى تأييد القول الأول وذهب البعض الآخر إلى تأييد القول الثاني على أنه أخذ بظاهر النص وهو مع ذلك متوافق مع القاعدة الأصولية عندهم والتي تقول: إنه يجوز استعمال الكلمة في كل من معناها الحقيقي والمجازي بآن واحد إذا كان ذلك ممكنا شرعا وعقلا، والملامسة هنا تعني المس على المعنى الحقيقي والجماع على المعنى المجازي وفي هذه القاعدة خلاف بين الأصوليين، والاختلاف في بعض قواعد الاجتهاد وقواعد الأخذ بالأدلة هو من الأسباب الهامة في اختلاف الاجتهادات ونشوء المذاهب في الأقوال، فالأئمة من السلف الصالح رضي الله عنهم وضعوا قواعد وأصولا لمعرفة أحوال الأدلة واستفادة الأحكام الشرعية منها وهذه القواعد إنما وضعوها ليبينوا المنهج العلمي الصحيح للاجتهاد وتفسير النصوص واستنباط الأحكام وليقطعوا الطريق على من يفهم من النصوص فهما لا يستقيم مع الشرع ولا يصح في الدين وأول من فعل ذلك هو الإمام الشافعي رضي الله عنه في (الرسالة)، وهذه القواعد تنبثق من دلالات اللغة وفقهها والأساليب الصحيحة في فهم النصوص واستنباط الأحكام وهي بمثابة ميزان تستقيم عليه هذه الأمة في فهم الكتاب والسنة وتحتكم إليه عند الاختلاف في تفسير النصوص وتأويلها وعند الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام، ومعلوم ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا في غنى عن هذا المنهج لأنهم كانوا يجتهدون بناء على سليقتهم في اللغة وفطرتهم السليمة في فهم معاني النصوص وهم الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووقفوا على أسباب نزول الآيات القرآنية وورود الأحاديث النبوية الشريفة وعرفوا أسلوب الفهم الصحيح للدين فساغ لهم ذلك الاجتهاد، أما الذين جاؤوا بعدهم فقد صاروا يعانون من شوائب العجمة وظهور الزندقة وظهور من يتاجرون بالشبهات والصناعة الجدلية وأساليب اللجاج للتشويش على المسلمين ولإقحام اسباب الريبة في الطريق إلى الفهم الصحيح للعقيدة والأحكام وهم ممن لا زالوا متأثرين بعقائدهم الفاسدة وأديانهم السابقة فكان لابد من وضع هذا المنهج الذي سمي بعلم أصول الفقه وهذا مثال يوضح لنا صورة من صور اختلاف العلماء في بعض القواعد الأصولية مما أدى إلى اختلافهم في بعض الأحكام الفقهية مع وجود الأدلة، يقول ابن حجر في الخيرات الحسان في معرض الدفاع عن ابي حنيفة والرد على من قال إنه خالف صرائح الأدلة من غير حجة: ” واما مخالفته (أعني خبر الواحد) لظاهر عموم القرآن لأن أبا حنيفة لا يرى تخصيص عمومه أي عموم القرآن بخبر الواحد لأن خبر الواحد ظني الثبوت والقرآن قطعي الثبوت وتقديم أقوى الدليلين واجب، من ذلك خبر: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) ([84]) .مخالف لعموم {فاقرؤوا ما تيسر منه} [سورة المزمل الآية (20)] لذلك جعل الحنفية قراءة أي آية من القرآن شرطا لصحة الصلاة للنص المذكور: {فاقرؤوا ما تيسر منه} وجعلوا قراءة الفاتحة واجبا من الواجبات فلو لم يقرأ شيئا من القرآن في الصلاة لم تصح صلاته ولو قرأ شيئا غير الفاتحة صحت مع الكراهة لأنه أنقص واجبا من واجبات الصلاة وهو تعيين قراءة الفاتحة وتعيين الفاتحة إنما اعتبروه من الواجبات لخبر الآحاد المذكور: مع مراعاة العمل بالدليل الثاني ولكنهم لم يجعلوا الدليل الثاني خبر الآحاد بمرتبة المتواتر بحيث لو ترك العمل به لم يصح العمل بالمتواتر لأنه ليس بدرجته في الثبوت، أما الشافعية فإنهم يرون تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لو كان دون المتواتر في المرتبة ولذلك جعلوا قراءة الفاتحة فرضا مع أن الآية تفيد كفاية قراءة ما تيسر من القرآن وقالوا: إن الحديث يخصص الآية ولو كان دونها في الثبوت، ثم يقول ابن حجر: (وأما مخالفة خبر الآحاد للسنة المشهورة لأن الخبر المشهور أقوى من خبر الآحاد كخبر الشاهد واليمين فإنه مخالف لعموم الخبر المشهور: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ([85]) . واما كونه زائدا على القرآن كهذا فإن الذي في القرآن رجلان أو رجل وامرأتان فالشاهد واليمين زائد عليهما – أي على الخبر المشهور والقرآن – ولذلك رده)، ثم يقول ابن حجر (إذا تقرر ذلك علم منه نزاهة أبي حنيفة رحمه الله تعالى مما نسبه إليه أعداؤه والجاهلون لقواعده بل لمواقع الاجتهاد من أصلها من تركه لخبر الآحاد بغير حجة وأنه لم يترك خبرا إلا لدليل أقوى عنده وأوضح)، وقال ابن حزم: (جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي فتأمل هذا الاعتداد بالأحاديث وعظيم جلالتها وموقعها عنده)، وهذا الحال بالنسبة للاهتمام بالأحاديث النبوية لم يكن ميزة أبي حنيفة وحده أو الأحناف الذين بنوا مذهبهم على هذه القاعدة وحدهم وإنما كان ميزة جميع أئمة المذاهب وعلمائها ولكن اجتهاداتهم في ترجيح الأدلة وطرق استفادة الأحكام منها هو سبب الاختلاف الذي وقع في أقوالهم، وهكذا نرى مما مر من الأمثلة أن اختلاف الأئمة رضي الله عنهم قد كانت له أسباب علمية وموضوعية وجوهرية أدى اليها اجتهادهم الصحيح والمشروع والمبني على اساس الكتاب والسنة، ذكر الدكتور إبراهيم سلقيني في كتابه (أصول الفقه الإسلامي): أن الدارس لأصول الفقه يتعرف على الطريقة العلمية الصحيحة التي كتبها هذا التراث العظيم من الفقه الإسلامي والمعايير الدقيقة العميقة التي كانت متحكمة في أذهان كاتبيه ومهيمنة على بحوثهم، فيطمئن الباحث إلى أنهم لم يكتبوا إرضاء لنزعة شخصية أو انبعاثا عن هوى متبع أو تحقيقا لمطلب دنيوي أو مجاراة لتسلط عابث ويتخذ من فقههم ومنهجهم فيه نموذجا يحتذي به ويتأكد الباحث أن أسباب الاختلاف بين الأئمة والمذاهب هي أسباب موضوعية علمية وليست أسبابا شخصية، فإذا أدركنا أن أسباب الاختلاف بين الأئمة والمذاهب هي أسباب موضوعية علمية أدركنا أن هذا الاختلاف هو توسع في الاجتهاد وفسحة في الأحكام المستفادة من نصوص الكتاب والسنة ولا خروج عن مضمونهما وأصولهما فالاختلاف هنا هو نتيجة طبيعية للاجتهاد وأدركنا أن كل مجتهد مصيب بما وصل إليه من طريق الاجتهاد الذي اقرها الشارع عليه وذلك إذا عرف أدلة الغير وكان مقتنعا بدليله وبما أوصله إليه اجتهاده وبذلك لا يكون هذا النوع من الاجتهاد هو المقصود بالذم الذي ذم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المختلفين ولا هو المقصود من التحذير الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث الشريف: (وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) ([86]) .
ولكن الاختلاف الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يخرج بأصحابه عن دائرة الإسلام لا الاختلاف الذي يدور ضمن هذه الدائرة وأن الفرق الضالة علامتها أنها تخرج عن الكتاب والسنة ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) وسنة الخلفاء الراشدين شيء غير سنته ولكنه معتمد عليها وهنا تنبغي الإشارة الى أن سنته وسنة خلفائه إنما تفهم على ضوء ما يفهمه العلماء الثقات من الأمة كأئمة المذاهب ومن جاء بعدهم رضوان الله تعالى عليهم اجمعين فتكون سنتهم كسنة الخلفاء الراشدين مبنية على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويمثلون بمجموعهم أهل السنة والجماعة، ولذلك يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه: لولا بيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمجتهدين لنا ما أجمل في الكتاب والسنة لما قدر أحد منا على ذلك وهذا الذي بينوه من مجمل الكتاب والسنة بعضهم قال عنه فرض وبعضهم قال عنه واجب كقراءة الفاتحة في الصلاة وبعضهم قال: يصح العمل بتركه وبعضهم قال: لا يصح كالنية في الوضوء مثلا وهكذا كانت اقوالهم مختلفة بحسب ما وصلت إليه اجتهاداتهم رضي الله عنهم، والحاصل أن هذه القواعد التي وضعها السلف الصالح رضي الله عنهم وأولهم الشيخ الشافعي لاستنباط الأحكام من النصوص والاجتهاد في فهم الكتاب والسنة قد أخذوها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وقواعد اللغة العربية وإجماعات الصحابة المدونة في كتب أصول الفقه هذه القواعد إما أن تكون صحيحة وإما أن تكون غير صحيحة فإذا كانت صحيحة فلا يسعنا إلا أن نقبل نتائجها التي وصل اليها المجتهدون عبر القرون الماضية بناء عليها ولو تسببت هذه القواعد في وقوع الاختلاف في الاجتهادات بينهم طالما أن هذا الاختلاف ناتج عن الاجتهاد والاجتهاد حق المجتهدين ولو سرنا عليها فلن نصل لغير ما وصلوا إليه وإن كانت غير صحيحة فكيف وضعها الأئمة وأولهم الشافعي رضي الله عنه؟ وكيف سار عليها علماء الأمة عبر العصور الإسلامية؟ إننا إن أخذنا بهذه القواعد والموازين سلمنا لمن اخذ بها فيما وصل إليه من الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة وقبول النصوص أو ردها لأن عمله هذا مبني في الأصل على الكتاب والسنة إذ أن هذه القواعد مستنبطة منهما وإن لم نأخذ بها خرجنا عن منهج السلف وأئمة المسلمين عبر عصور الإسلام في فهم الكتاب والسنة ونحن ندعي اتباعهم في فهمهم لهما وهم إنما فهموهما وضبطوا فهمهما بناء على هذه الأصول.
[هل نقحت المذاهب؟]: فإن قال أحدهم” (ولما كان من أكبر أسباب الخلاف بين المذاهب الفقهية هو ظهور الفقيه ونشوؤه قبل استكمال جمع السنة وتدوينها ودراستها وتحقيقها وشرحها وكان من الواجب بعد أن تم للسنة الجمع والتمحيص والشرح والتحقيق أن يعاد النظر في آراء المذاهب المختلفة لتعدل وتنقح بناء على ذلك لكون تعصب كل قوم لمذهبهم وإمامهم وضيق صدرهم عن الرجوع عن قوله وضعف علمهم وكل ذلك حال دون إعادة النظر في كثير من المسائل الموجودة في كل مذهب مما ظهر بطلانه وتهافت دليله).
(فالجواب): أن القول [بأن أئمة المذاهب بعد استكمال جمع السنة وتدوينها أي بعد نهاية القرن الثالث الهجري لم يقوموا بدراستها وتحقيقها وتمحيصها ولم يعيدوا النظر في أقوال أئمة مذاهبهم ولم ينقحوها بناء على ذلك ولكن قل قوم قد تعصبوا لإمامهم وضاق صدرهم عن الرجوع عن قوله وكان جهلة مما حال ذلك كله دون إعادة النظر في الكثير من المسائل الموجودة في كل مذهب مما ظهر بطلانه وتهافت دليله] باطل وغير صحيح وهذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على أن المفكرين يرون أن أكثر علماء المذاهب والمحققين من أقوام الأئمة الأربعة كانوا متهمين في دينهم وأمانتهم وضربوا بالسنة عرض الحائط وأخذوا بالأقوال المخالفة لها ظلما وعدوانا وهذا كذب صريح على علماء المذاهب وشتم خطير لأمانتهم وصدقهم وطعن في الدين ليس مثله طعن فإن علماء المذاهب قد أعادوا النظر في أقوال أئمتهم ونقحوها ونظروا في أقوال وأدلة الغير أيضا وكانوا يرجعون عن أقوال أئمتهم لدى توفر الحديث والدليل والأقوى لديهم وليس أدل على ذلك من تعديل الكثير من أقوال المذاهب خلال عصور الاجتهاد ولم تثبت في المذاهب إلا الأحكام التي لها أدلتها والتي أقرها إمام المذهب بعد أن عرف أدلة الغير فيها أو التي أقرها غيره من أئمة مذهبه وتعرضت للدراسة من آلاف الأئمة الكبار في كل مذهب ممن شهدت لهم الأمة عبر العصور بعلمهم وأمانتهم وعدالتهم، حتى الأئمة الحنفية رضي الله عنهم الذين اشتهروا بأصحاب الرأي نجدهم يقدمون العمل بالحديث الضعيف (إذا لم يوجد لمسألة دليل غيره) على القياس.
ويقول الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله تعالى في رسالته (السهام الصائبة): ومن راجع تخريج أحاديث الهداية للإمام الزيلعي – المتوفى سنة (763هـ) – يتحقق أن مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه هو أيضا مذهب أهل الحديث كباقي المذاهب إذ القاعدة عند جميعهم الاستدلال على المسألة من القرآن فإن لم يجد فيه دليلا لها فمن السنة فإن لم يوجد فمن الإجماع فإن لم يوجد فحينئذ يقيسون على أقرب المسائل اليها وأشبهها بها بما ثبت دليله بالكتاب أو السنة أو الإجماع، وقد مر كلام ابن حجر الهيثمي عن ابن حزم بذلك ومثله يذكره ابن القيم في إعلام الموقعين حيث يقول إن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى مجمعون على أن ضعيف الحديث مقدم على القياس والرأي وعلى ذلك بناء مذهبه، وفي كتاب نصب الراية يعرض الإمام الزيلعي رضي الله عنه بعض أدلة المذهب الحنفي كما يعرض فيه أدلة الغير أيضا من الحديث ونجد فيه أن الحنفية اطلعوا على السنة اطلاعا واسعا وأخذوا بها، ويقول الشيخ المحقق محمد زاهد الكوثري في مقدمة له على كتاب نصب الراية: (وكتاب الزيلعي هذا يجد فيه الحنفي صفوة ما استدل به أئمة المذهب من أحاديث الأحكام، ويلقى المالكي فيه نقاوة ما خرجه ابن عبدالبر في الـ (التمهيد) و(الاستذكار) وخلاصة ما بسط عبدالحق في كتبه في أحاديث الأحكام والشافعي يرى فيه غربلة ما خرجه البيهقي في (المسند والمعرفة) وغيرهما وتمحيص ما ذكره النووي في (المجموع) و (شرح صحيح مسلم) واستعراض ما بينه ابن دقيق العيد في (الإلمام) و(الإمام) و(شرح العمدة) وكذلك الحنبلي يلاقي فيه وجوه النقد في كتاب (التحقيق) لابن الجوزي و(تنقيح التحقيق) لابن عبدالهادي وغير ذلك من الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام بل يجد الباحث فيه سوى ما في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار والمعاجم من ادلة الأحكام أحاديث في الأبواب من مصنف ابن أبي شيبة – أهم كتاب في نظر الفقيه ومصنف عبدالزاق ونحوهما مما ليس بمتناول يد كل باحث اليوم ثم يقول وهذا حافظ واحد من حفاظ الحنفية قام بمثل هذا العمل العظيم الذي وقع موقع الإعجاب الكلي بين طوائف الفقهاء كلهم في عصره وبعد عصره فمن قلب صحائف هذا الكتاب ودرس ما في الأبواب من الأحاديث تيقن أن الحنفية في غاية التمسك بالأحاديث والآثار في الأبواب كلها ولكن لا تخلو البسيطة من متعنت يتقول فيهم إما جهلا أو عصبية جاهلية… فمرة يتكلمون في أخذهم بالرأي عند فقدان النص مع أنه لا فقه بدون رأي ومرة يرمونهم بقلة الحديث وقد امتلأت الأمصار بأحاديثهم…،، الخ، ويقول الشيخ عبدالسلام عيرط: وقد حاولت أن انظر في بعض الأقوال التي يدعي اللامذهبيون أن الأئمة خالفوا الحديث الصحيح فيها أو أنها لم تصل إليهم ولا إلى أتباعهم فرأيت أن هذه الأحاديث قد وصلت إليهم والى أتباعهم وفهموا منها غير الذي فهمه دعاة اللامذهبية وبعضها وصل إليهم ولم يأخذوا به لمعارضته بعموم الكتاب أو أحاديث أخرى ولكن هؤلاء ليس عندهم قواعد في الأصول والترجيح يسيرون عليها حتى يصلوا إلى الفهم الصحيح ويعرفوا الصواب، وهذه كتب أهل المذاهب في الحديث والفقه والأصول أكبر دليل على أن علماء المذاهب قد حققوا مذاهبهم ونظروا في أدلة الغير وأخذوا بما هو أقرب للكتاب والسنة ولكن كل حسب اجتهاده وفهمه للنصوص وقواعد الاستنباط التي اعتمد عليها ورآها أفضل لفهم النصوص ومعرفة الأحكام وما هذه الشهادات التي مرت من هؤلاء العلماء وغيرهم بعد معرفتهم لكتبهم وأقوالهم وما استمرار الأئمة والعلماء والآلاف المؤلفة من أكابر هذه الأمة وصالحيها عبر القرون على هذه المذاهب إلا الدليل الأكبر والبرهان الأعظم على أن هذه المذاهب قد درست ونقحت وبينت على الكتاب والسنة من غير زيغ ولا انحراف، وإن الذي يقول غير ذلك إنما يحمله على ذلك القول جهله وقلة علمه وسوء ظنه بالمسلمين وإن من الغريب أن تجد أناسا من المسلمين يسيئون الظن بهذا الجمهور الواسع من أتباع المذاهب ويشككون بهم إلى الحد الذي يخالفون فيه النصوص التي شهدت لهذه الأمة وعلمائها وهم يزعمون الدعوة إلى الإصلاح، لقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [سورة آل عمران الآية (110)]، قال ابن كثير: يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، وروي من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فضلت هذه الأمة على سائر الأمم) ([87]) .
وقد ساق ابن كثير الأحاديث الكثيرة والمختلفة عن فضل هذه الأمة، ومنها ما روي عن حصين بن عبدالرحمن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق الأحمر فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ([88]) .
ويقول ابن كثير: ومن الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة) فكبرنا ثم قال: (ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة) فكبرنا ثم قال (إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) ([89]) .
ثم روي بعدة روايات كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومئة صف أنتم منهم ثمانون صفا) ([90]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (أنتم ثلث أهل الجنة أو نصف أهل الجنة) ([91]) .
وهل هذه الأمة المقصود ة هنا إلا السلف من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب الذين تتهمون علماءهم بالتعصب الموقع بالكفر من جراء ردهم للآية والحديث وأخذهم بقول مذهبهم المخالف، أين أنتم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها) ([92]) .
فهل حصل التجديد الذي يعنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لم يحصل؟ ومن الذي كان يقوم به؟ أليس علماء المذاهب الذين تطعنون بهم وتتهمونهم وتضللون من سار على مذاهبهم؟ وهل الأمة إلا أهل هذه المذاهب؟ أين أنتم من الحديث الذي رواه جمع من المحدثين عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريق الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) ([93]) .
والذي قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه: هذا إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهكذا وقع ولله الحمد وهو من أعلام النبوة ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه([94]) .
ما رأيكم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الأمة؟ وما رأيكم بقول الإمام النووي هذا؟ أليس هؤلاء العدول من كل عصر هم من أتباع المذاهب؟ أليست هذه شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعدالة لهم ولمن تبعهم بإحسان أيضا؟! ألا ينبغي أيها الأخوة أن تنتبهوا إلى هذه النواحي وأن لا يحملكم الغرور والكبر والتعصب للرأي والثقة الزائدة بالنفس على اتهام الأمة وعلمائها والطعن بمن شهد لهم الكتاب والسنة؟،
[رأي المنكرين في علماء المذاهب]: فإن قيل (لا تقل إنه وجد في كل مذهب على ممر القرون علماء محققون هذبوا المذاهب وحققوا أقوالها وتركوا ما فيها من ضعف وخطأ وهذا الإمام النووي مثلا رجح بعض الأقوال خلاف مذهبه الشافعي لا تقل ذلك لأننا نعلم أن أكثر علماء المذاهب والمحققين فيها لم يفعلوا ذلك بل كان كل عنايتهم وهمهم الدفاع عن مذاهبهم فقط وكانوا يبحثون في الأدلة بروح التعصب لمذاهبهم ويحاولون تقويتها بكل سبيل ولو كانوا أنفسهم غير مقتنعين به ولا يقبله المنهج العلمي أما الإمام النووي فهو واحد من مئات لم يفعلوا فعله ثم هو نفسه لم يسلك هذه الطريق ويترك رأي مذهبه في كل مسألة رأى فيها ضعف دليله بل فعل ذلك في مسائل قليلة وربما كان ذلك خوفا من الرأي العام المذهبي الذي كان يلهب بسياطه ظهر كل عالم يخرج على المعتاد والمتوارث ويحاول التفلت من قيود التعصب المذهبي وإنك لتلمس فرقا واضحا بين ما كتبه النووي في المجموع وبين ما كتبه في شرحه لصحيح مسلم حيث حاول أن يبحث الأمور بروح موضوعية متجردة حرة)!! هذا هو رأي المنكرين في علماء الأمة الذين مروا على المذاهب عبر القرون عليه فإن اقل منكر من المنكرين هو أحرص على دين الله وأكثر غيرة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من كل هؤلاء العلماء والأئمة فأنت ترى المنكر يتحرق على الانتصار للكتاب والسنة ويتفانى في سبيل التمسك بهما والذود عنهما وبينما ترى وللآسف آلاف الأئمة والعلماء والشيوخ من هذه الأمة يصرون على مخالفتهم للشريعة ويتعصبون زورا وبهتانا للأقوال المناقضة لها على الرغم من عدم قناعتهم بها ويتواطؤون على إقناع الناس بالخطأ من غير خوف من الله ولا وجل حتى الإمام النووي شيخ الإسلام هو نفسه لم يسلك طريقة المنكرين ولم يترك رأي مذهبه في كل مسألة رأى فيها ضعف دليله إلا في مسائل قليلة وما الكتاب الذي ألفه في الفقه الشافعي وهو يعلم أن الناس سيتلقونه عنه ويتعلمون دينهم منه إلا شاهد ودليل على أن النووي لم يكن موضوعيا في بحثه ولم يكن متجردا ولا حرا في نقله للعلم وتقريره للشرع، وامام هذه النظرة التي تشمل معظم علماء الأمة والآلاف المؤلفة منهم يجد المسلم سؤالا يطرح نفسه ترى هل درس المنكرون تراجم كل هؤلاء الأئمة وكتبهم وأعمالهم قبل أن يحكموا عليهم بهذه التهمة؟ أم هل هذا بإمكانهم؟ لكنه ما إن ينظر في بعض التراجم لهؤلاء العلماء حتى يكشف كذب هذه التهمة الموجهة إليهم وجرأة هذا المتهم الذي يريد ان يشوه سيرتهم ويخيل للناس تواطأهم عبر القرون الطويلة على الكذب زاعما أنه ينتصر للكتاب والسنة وأنه جاء بعد كل هذه العصور ليدعو إلى ما تجاهلت الأمة الدعوة إليه وليصحح ما تغافلت الأمة عن تصحيحه، ونتناول مثالا على ذلك مختصرا لترجمة الإمام النووي الشافعي وذلك نقلا عن تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي رحمه الله تعالى يقول الذهبي: (النووي الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الشافعي صاحب التصانيف النافعة لازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام والذكر والصبر على المعيشة الخشنة في المأكل والملبس)، قال ابن العطار: ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يضيع وقتا في ليل ولا في نهار حتى في الطريق وأنه دام ست سنين ثم اخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق قلت: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها، كان حافظا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأسا في معرفة المذهب وقال ابن العطار: كلمته في الفاكهة – أي بأن يأكل من فواكه دمشق فلم يكن يأكل منها ورعا – فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وملاك لمن تحت الحجر والتصرف لهم ولا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم ثم المعاملة فيها على المساقاة وفيها خلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك، وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى، وقال ابن فرج: الشيخ محي الدين قد صار إلى ثلاثة مراتب كل مرتبة لو كانت لشخص لشدت إليه الرحال: العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال الشيخ قطب الدين اليونييني: كان – أي النووي – أوحد زمانه في العلم والورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش وفي دار العدل في قضية الغوطة لما أرادوا وضع الأملاك على بساتينها رد عليهم ذلك وقام على الملك الظاهر في مسائل غيرها فحيك عن الملك الظاهر أنه قال: (أنا أفزع منه) أهـ([95]) . وجاء في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي: (الشيخ العلامة محي الدين أبو زكريا شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين والداعي إلى سبيل السالفين)، ([96]) .
هذه هي صورة الإمام النووي عند أعلام الأمة فهو حافظ وقدوة ومحي الدين وصاحب التصانيف النافعة يصنف ويفيد وينصح ويقول الحق مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة لله عز وجل… وبعد، فهل يتصور من رجل هذا حاله وهذه سيرته أن يسير على رأيه ويقرره في كتبه ولا يتركه وهو يرى خطأه وضعف دليله وقد تحصل لديه الأصح؟! إذن فأين عمله بدقائق الورع؟ وأين مراقبته لله؟ وأين غيرته على الحق وأين نصحه وإفادته إذا كان يقرر في تصنيفاته وكتبه ما يراه مخالفا للصحيح من الكتاب والسنة ولماذا سمي محققا للمذهب الشافعي؟ ثم هل خدع به هؤلاء الذين يشهدون به هذه الشهادات؟ أم أنهم متهمون في دينهم وأقوالهم مثله لا شك أن هذا القول الثاني هو الذي يرجحه المنكرون ويعللون ذلك بخوف الجميع من الرأي العام المذهبي الذي كان يلهب بسياطه ظهر كل عالم يخرج عن المعتاد المتوارث ويحاول التلفت من قيود التعصب المذهبي، وليت شعري أين شجاعة النووي إذن؟ أين جرأته التي كان يواجه بها الملوك ويأمر بها بالمعروف وينهى عن المنكر؟ ويقوم على الملوك حتى يرد الحق إلى نصابه ويقف في وجه الباطل حتى يمنعه ومن أي شيء يخاف هذا الرجل إذا كان الملك يخاف منه ويفزع؟ هل بقي ما يرده عن كلمة الحق عندما يريد أن يقولها؟ هل يتصور أن مثل هذا الرجل الذي لا يخاف في الله من الملوك والظلام يخاف من الناس والعوام وهو على هذه الدرجة العالية من النزاهة والتقوى والورع والعلم؟!! ثم كيف يؤلف كتابه المجموع في الفقه الشافعي وهو مغلوب على أمره؟ فيقرر فيه ما ليس مقتنعا به وينقل فيه ما يخالف الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله وهو يرى تلامذته من كبار العلماء ويعلم أنهم سوف ينقلونه عنه إلى الناس وكيف بقيت المواربة هذه خافية على علماء الأمة والمذاهب قرونا شتى؟ حتى جاء المنكرون اليوم فاكتشفوها وفضحوا أمرها إنها تساؤلات يجيبنا اليها العلماء الأكثر علما من هؤلاء المنكرين والأئمة الأكثر معرفة وفهما للشرع ولكلام النووي في المجموع و في شرح صحيح مسلم فيبطلون بها هذه التهم التي افتراها هؤلاء الناس على هذا الإمام الجليل والتي لا تليق إلا بالفساق والمتهاونين والمنافقين، ويقول سيدنا الشيخ صالح الفرفور – رحمه الله تعالى – في شرحه على الأربعين النووية عند ترجمة الإمام النووي – رضي الله عنه -: (ومن أشهر ما كتب – أي النووي – في الفقه الشافعي شرح المهذب للشيرازي المسمى (المجموع) وهو أعظم ما كتب – أي النووي – في الفقه ولم يصنف في مذهب الإمام الشافعي على مثل أسلوبه لكنه لم يكمله، قال الأسنوي وابن الملقن: (ليته أكمله ونقصت كتبه كلها)، وقال ابن كثير في تاريخه: (إنه لو كمل لم يكن له نظير في بابه لأنه أبدع فيه وأجاد وأفاد وأحسن الانتقاء وحرر الفقه في المذهب وغيره وحقق الحديث على ما ينبغي وبحث في اللغة ولا أعرف في كتب الفقه (أي الفقه الشافعي) أحسن منه)، ([97]) .
وقال في طبقات الشافعية متحدثا عن المجموع: (سلك فيه طريقا وسطا سهلا جامعا لأشتات الفضائل وعيون المسائل ومذاهب العلماء ومفردات الفقهاء وتحرير الألفاظ وبيان صحة الحديث من سقمه وبالجملة فهو كتاب ما رأيت أحدا نسج على منواله من المتقدمين ولا حذا على أمثاله مصنف من المتأخرين)، وقال العثماني: (إنه لا نظير له ولم يصنف مثله ولكنه ما أكمله ولا حول لاو قوة إلا بالله إذ لو أكمله ما احتيج إلى غيره – أي في فقه الشافعية – وبه عرف قدره واشتهر فضله)، وقد حاول السبكي تكملة شرح المهذب وقال في أول التكملة مترجما للنووي رحمه الله: (الشيخ الإمام العلامة علم الزهاد وقدوة العباد محي علوم الأولين وممهد سبل الصالحين) ووصل في التكملة إلى كتاب التفليس، وقال الحافظ السخاوي: ولم يتهيأ إكماله لأحد ممن انتدب لذلك من العلماء لا إسماعيل الحسباني ولا التاج السبكي ولا الشهاب ولا ابن النقيب ولا السراج البلقيني ولا الزين العراقي ولا ولده وعد ذلك من كرامات مؤلفه، وهكذا أخي المسلم يستبين لك من خلال ما مر جهل هؤلاء الناس بالفقه والحديث وقصورهم في العلم والفهم من خلال أقوالهم الشاذة التي يخالفون فيها من هو أوثق منهم ويخطئون فيها من هو أصوب قولا منهم يطعنون فيها بأصح ما اتفق عليه العلماء ويتحاملون فيها على الأكابر والفضلاء… ولو قرأنا تاريخ المذهب الشافعي مثلا لوجدنا أنه قد مر على المذهب أئمة عظماء وكبار وأتقياء هم الذين وضعوا احكامه وحققوا أدلتها وبينوا اعتمادها على الكتاب والسنة وكانو محل ثقة الناس بهم واتبعاهم لهم وتمسكهم بهم واليك أمثلة عنهم من كل قرن([98]) .
[عن كتاب تاريخ التشريع الإسلامي لخضر بك باختصار وكتاب تاريخ التشريع للشيخ الدكتور عبدالطيف الفرفور].فهذا ابو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبراني الشهير بابن القاضي صاحب التصانيف المشهورة – التخليص والمفتاح وأدب القاضي وله مصنف في أصول الفقه وكان إماما جليلا توفي سنة (225هـ)، وهذا أبو العباس أحمد بن عمرو بن سريج: كان يفضل على جميع أصحاب الشافعي له مصنفات كثيرة يقال إنها بلغت (400 مصنف) توفي (306هـ)، وهذا ابو عثمان بن سعيد الأنماطي الذي اشتهرت به كتب الشافعي وتوفي سنة (388)، وأولئك هم بعض أصحابه في العراق أما أصحابه في مصر فهم: يوسف بن يحيى البويطي المصري وهو اكبر اصحاب الشافعي المصريين تفقه بالشافعي وحدث عنه وعن عبدالله بن وهب وغيرهما وله المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي وكان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة واستخلفه على أصحابه بعد موته فتخرج به أئمة تفرقوا في البلاد ونشروا علم الشافعي في الآفاق توفي سنة (231هـ)، ومنهم ابو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري – ولد سنة (175هـ) – وهو الذي ألف الكتب التي عليها مدار مذهب الشافعي وأخذ عنه كثيرون من علماء خراسات والعراق والشام – توفي سنة (264هـ)، ومنهم الربيع بن سليمان المرادي وحرملة بن يحيى التجيبي ويونس بن عبد الأعلى الصدفي وكلهم قد ألفوا في فقه الشافعي ونشروا عنه مذهبه، ثم جاء بعدهم أئمة المذهب أبو إسحاق إبراهيم بن احمد المروزي إمام عصره في الفتوى والتدريس في القرن الثالث والرابع، توفي (340هـ)، وهذا محمد بن سعيد بن أبي القاضي الخوارزمي صاحب كتاب الحاوي والعمدة القديمين في فقه الشافعية في نفس العصر وهذا ابو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي النيسابوري صاحب كتاب الأحكام توفي سنة (432هـ)، وهذا ابو السائب عتبة بن عبدالله بن موسى القاضي أحد العلماء الأئمة أول من ولي قضاء القضاة ببغداد توفي سنة (350هـ)، وهذا القاضي ابو حامد أحمد بن بشر المروزي صاحب كتاب الجامع وهو محيط بالأصول والفروع وهو عمدة عند أصحاب الشافعي توفي سنة (362هـ)، وهذا القفال أكبر فقهاء الشافعية بما وراء النهر وعنه انتشر فقه الشافعي بما وراء النهر توفي سنة (365هـ)، وهذا ابو حامد الإسفراييني انتهت إليه رياسة بغداد في العلم في عصره والذي قال القدوري في حقه: هو أفقه من الشافعي توفي سنة (408هـ)، وهذا أحمد بن محمد الضبي صنف المجموع والمقنع واللباب توفي سنة (415هـ) وإبراهيم بن محمد الاسفراييني وطاهر بن عبدالله الطبري انتهت إليه رياسة العلم في بغداد في عصره وعنه أخذ العراقيون العلم توفي (450هـ)، وهذا علي بن محمد الماوردي صاحب الحاوي والإقناع في الفقه توفي سنة (350هـ) وهذا أبو إسحاق الشيرازي وابن الضباع في القرن السادس وأبو المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني المعروف بإمام الحرمين وإمام المشرق صنف النهاية في الفقه لم يصنف في المذهب مثلها توفي سنة (487هـ)، وعبدالواحد بن إسماعيل الروياني صاحب كتاب البحر إمام أئمة المذهب، وحجة الإسلام الغزالي الذي قالوا عنه: بأنه مجدد القرن الخامس، وهذا ابن أبي عصرون قاضي القضاة في دمشق وعبدالكريم بن محمد القزويني الرافعي الذي قيل عن كتابه (فتح العزيز) لا مثل له وكان من افراد زمانه وكان في الفقه عمدة المحققين وصل إلى درجة الاجتهاد توفي سنة (623هـ)، وهذا شيخ الإسلام يحيى بن شرف النووي وقد مر الكلام عنه مفصلا وله في المذهب الشافعي كتب كثيرة منها المجموع والمنهاج توفي سنة (676هـ)، وهذا تقي الدين السبكي الفقيه الأصولي والمحدث وله كثير من المؤلفات وقد أكمل شيئا من كتاب المجموع للنووي توفي سنة (756هـ)، وهذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الذي انتهت إليه رياسة العلم في مصر له تآليف كثيرة في الفقه والحديث وغيرهما منها في الفقه (منهاج الطلاب) وشرحه المسمى (فتح الوهاب) وله (تحفة الباري شرح صحيح البخاري) توفي سنة (926هـ) وهذا شهاب الدين بن حجر الهيثمي كان بحرا في الفقه وقدوة الأئمة في زمانه له مؤلفات قيمة منها (تحفة المحتاج شرح المنهاج للنووي) و (الزواجر عن اقتراف الكبائر) وغير ذلك توفي سنة (995هـ)، كل هؤلاء وغيرهم مروا عبر القرون العشرة الأولى وكانوا بحرا في العلم ومثالا في التقوى والورع والمخافة من الله عز وجل وكتبهم وأقوالهم هي عمدة المذهب الشافعي، وأمثال هؤلاء قد مروا على بقية المذاهب وكانت كتبهم واقوالهم واجتهاداتهم هي سبب نشوء المذاهب واستمرارها وتمسك الناس بها وبقاء الإسلام واستمراره، فهل هؤلاء الأئمة هم العلماء المضلون الذين يقصدهم المنكرون؟!! إنني كمسلم يخاف من الله ويغار على دينه ويصيبه كثير من الأسى والحزن عندما يرى مثل هذا الطعن يوجه إلى صميم الإسلام من خلال توجيهه إلى أئمته وعلمائه وعامة أهله وذلك بأيدي مسلمة أراني لا أجد ما أقوله لهؤلاء الذين يزعمون ذلك إلا قولي: إن كانت عندكم مخافة من الله وإيمان باليوم الآخر وإن كنتم تحسبون حسابا للوقوف بين يد الله عز وجل فاتقوا الله،، اتقوا الله أيها المسلمون،، اتقوا الله في أوليائه… اتقوا الله في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتقوا لله ولا تقفوا بين يديه خصوما لهؤلاء الأئمة الكبار يوم القيامة لا تتهموا أئمة الإسلام لا تشككوا المسلمين بعلمائهم لا تشككوا المسلمين بدينهم وما وصلهم عن طريق هؤلاء الثقات وأسأل الله أن يجعل لرجائي هذا سبيلا إلى قلوبكم.
[هل يحرم التزام مذهب معين]: اجتهد المنكرون في الحكم على من يقلد مذهبا معينا بأنه يحرم عليه ذلك وأوجبوا عليه عدم التزام مذهب معين لعدة أمور رأوها انه أدلة على ذلك الحكم، قالوا: (إن التزام المذهب خطأ وبدعة في الدين لأمور منها: أن عدم التزام مذهب هو الأصل والأيسر والأقرب إلى الفهم الصحيح لمراد الله تعالى لأن الله تعالى حين أمر الجاهل بسؤال أهل الذكر لم يحدد واحد معينا منهم بل أطلق ذلك ومن المعروف ان المطلق يبقى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده)، (أقول): وهذا السبب كما يفهم منه عدم وجوب الأخذ من أكثر من واحد فالأمر مباح إن شاء اخذ المقلد أو المتبع من واحد وإن شاء اخذ من أكثر وليس هناك ما يوجب عليه أن يأخذ من أكثر من واحد والقول بأن الأصل كان كذلك مخالف للواقع.
وذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في اللامذهبية ص (79) عن شذرات الذهب لابن العماد (1/148): ومعلوم أن اتباع مذهب معين لا يعتبر اتباعا لإمام المذهب فحسب وغنما هو اتباع لجمهور من العلماء ممن ساروا على هذا المذهب ودعوا إليه وألفوا فيه كتبهم وعلموها للناس فإذا عرفنا أنهم كانوا من خيرة الناس وهم معظم علماء هذه الأمة فكيف يستسيغ هؤلاء المنكرون تضليلهم وتسفيه عملهم والحكم عليه بأنه بدعة محرمة يجب الرجوع عنها؟!! ثم إن القول بأن الأيسر والأقرب إلى الفهم الصحيح لمراد الله تعالى هو عدم التزام مذهب بعينه عكس الواقع تماما فإن الذي يجد أهل قريته أو بلده على مذهب واحد وحالة واحدة في العمل بالأحكام غير متفرقين بين أقوال هذا المجتهد وأقوال ذاك يسهل عليه معرفة احكام دينه وتعلمها أكثر بكثير من أن يجد هناك أقوالا مختلفة بين المجتهدين لا يعرف ايها الأصح وأيها بإمكانه ان يختاره، والذي يجد نفسه يسير على مثل ما يسير عليه الناس يكون اكثر راحة في نفسه من الذي يجد نفسه مخالفا لغيره في اعماله، وسنتكلم فيما بعد عن عدم إمكانية توحيد الناس في مذهب واحد وعدم إمكانية تركهم ياخذون من أي مجتهد شاؤوا لما يترتب على ذلك من وقوع العنت والمشقة على الناس من جراء اختلاف أحوالهم وافعالهم وأن حصرهم في أربعة مذاهب أسهل بكثير من ترك كل واحد منهم على مذهب مختلف عن غيره، اما السبب الثاني في عدم صحة اتباع مذهب معين فقد جاء عن المنكر: (وأن عدم التزام مذهب معين واجب للتفريق بين اتباع المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم واتباع غير المعصوم لأن من يلتزم اتباع مذهب ما يكون قد سوى في واقع الأمر بين اتباع الني المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم وبين اتباع الفقيه الذي يخطئ ويصيب)، (الرد): ذكرنا فيما مر ان اتباع النبي المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم إنما يكون باتباع أقوال اهل الذكر واتبا ع المذهب إنما هو اتباع لجمهرة كبيرة من العلماء فكيف لا يكون المتبع للمذهب متبعا للمعصوم وهل يستطيع ان يرجع إلى نصوص الشرع لينظر فيها كما نظر فيها الذين يتبعهم وغيرهم ليكون متبعا للمعصوم تماما؟! ومن أين له ذلك؟ وقد كفاه ذلك من هو أقدر عليه منه وهم جمهرة العلماء في مذهبه وهو يتبعهم بناء على ذلك فإذا قلنا إنه لم يفعلوا ذلك فهذا كذب عليهم وافتراء وطعن بهم قد بيناه فيما مر وإذا عرفنا أنهم فعلوا ذلك عرفنا أن اتباعهم إنما هو اتباع للمعصوم ولكن بالصورة الصحيحة لا بالاجتهاد لجهل وغير علم، ويقول الدكتور محمد سعيد حفظه الله في كتابه اللامذهبية (ولو أن الناس جميعا عرفوا كيفية اتباع المعصوم والوسيلة إلى فهم المراد من كلامه لما انقسموا إلى قسمين: مقلدين ومجتهدين ولما قال الله تعالى للصنف الأول {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل الاية (43)] فقد أمرهم باتباع أهل الذكر مع أنهم غير معصومين ولم يأمرهم بالرجوع إلى ألفاظ الكتاب والسنة مع أنهما معصومان).
وقال أحد المنكرين: (وإن فعل الصحابة والسلف الصالح من أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين أمرنا بالاقتداء بهم هو عدم الالتزام بمذهب معين فكان الذي لا يعرف استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية فيهم يٍسأل أي واحد من العلماء دون تعيين)، (الرد): مر معنا أن هذا لم يكن عاما بين الناس فقد كان هناك من يتبع واحدا بعينه أو جماعة بعينها ثم إن الظروف فيما بعد اختلفت عما كانت عليه وتطورت تطورا دعا الناس إلى الالتزام بالمذاهب وعدم الأخذ من أي مجتهد في أي مسألة، فمعلوم أن الظروف والأوضاع التي كان عليها السلف رضي الله عنهم في بداية العصور الإسلامية كانت بسيطة وسهلة وان المسائل الحياتية كانت قليلة ومحدودة وان المجتهدين في البلاد الإسلامية كانوا قلائل ولذلك كان من السهل أن يسأل المسلم أي واحد من العلماء ويأخذ من أي المجتهدين شاء لكن هذه الظروف الاجتماعية فيما بعد قد تطورت بتطور المجتمع الإسلامي وبدأت أمور الحياة تتعقد أكثر فاكثر والمسائل تزيد أكثر فأكثر والمعاملات بين الناس تتطور وتتغير والمستجدات تكثر وتتوسع وزاد العلماء والمجتهدون، وتوسعت آرائهم بسبب تطور الظروف وكثرة المستجدات وكثرت المذاهب بين الناس حتى صارت بالعشرات وكان هذا هو السبب الذي دعا بعض الحكام إلى أن يحمل الناس على مذهب أو على بعض المذاهب حرصا على اوضاع المجتمع لا بدافع الجور والغشم كما يصوره بعضهم وكان ذلك من اهم العوامل التي أحوجت الناس إلى الالتزام بمذهب معين من المذاهب المختلفة لئلا يختلف الناس اختلافا واسعا في أخذهم من المجتهدين وتطبيقهم لمسائل الشريعة و لئلا يصير لكل واحد منهم مذهب، وسارت الأمة على هذا الحل وحسم ذلك الوضع الذي كان من المحتمل وقوعه وجعل الناس يلتزمون في بعض المذاهب ويتركون البعض الآخر مما تسبب في انقراض المذاهب الأخرى وكان في ذلك حكمة كبيرة حيث ضاقت شقة الخلاف بين المسلمين بصورة كبيرة فلم يتسبب حق الاجتهاد الشرعي في تفريق الناس وتبديد المجتمع الإسلامي بسبب سوء استعماله ولم يخسر المسلمون ثمرات هذا الحق في الوصول إلى معرفة أحكام الشرع في كل الأمور المستجدة والمختلفة عن طريق ما بقي من أقوال المجتهدين الثقات.
فإذا قال أحد: لا يجب على المسلم اتباع مذهب معين والالتزام وللمسلم أن يتبع في كل مسألة من شاء من المجتهدين، (نقول): هذا صحيح وقد ذكره العلماء ولكنه كما لا يصح أن نلزم أحدا بإتباع مذهب معين فإنه لا يصح أيضا أن نمنع أحدا من التزام مذهب معين إذا شاء، وهذه الأمور السابقة التي استنبطتم منها الحكم بحرمة التزام مذهب معين لا تصح أدلة على ذلك الحكم ولا نسلم لكم بهذا الاجتهاد الذي لم يقل به الأئمة والعلماء ولا نراه في نفس الوقت صحيحا، ثم لنفترض أن الناس استجابوا لهذه الدعوة وصار كل واحد منهم يتبع في كل مسألة من شاء من المجتهدين فعند هذه المسألة يسأل مجتهدا وعند مسألة أخرى يسأل مجتهدا آخر أو يأخذ من قول مجتهد مضى والمسائل كثيرة والمجتهدون كثر والآراء مختلفة في كل مسألة فما الذي سينجم عن ذلك؟ إنه سينجم عنه صور كثيرة جدا ومختلفة يمكن أن يصل اليها الناس من خلال اعتماد كل واحد منهم على الأخذ ممن شاء من المجتهدين في كل مسألة، وسنرى الناس فيما بعد وليس فيهم واحد يطبق أحكاما في كل أموره الشرعية مشابهة لما يطبقه الآخر وسيبدو الناس وكأن لكل واحد منهم مذهبا يختلف عن غيره فيه وفي ذلك مالا يخفى من الفساد سيما وأن الظروف كما قلنا تعقدت وتطورت والمسائل والمستجدات قد زادت وكثرت والآراء قد توسعت والمجتهدين قد كثروا ويمكن أن يزيدوا على حد قولكم ويقع الناس في مآزق اعقد وأخطر من التي حدثت في الماضي عندما وقعت هذه الحالة وكثرت المذاهب وتشعبت الآراء وسلم الله عز وجل الإسلام والمسلمين منها بثبات الناس على هذه المذاهب الأربعة وتمسكهم بها، وتصور هذا الاختلاف الواسع في الآراء والتطبيق وذلك من كثرة الصور المحتملة من المسائل والاجتهادات وما يمكن ان يسببه للناس من عنت ومشقة وضياع.
[توحيد المذاهب]: فإذا قال قائل: يمكن ان نخرج من ذلك كله بتوحيد المذاهب في مذهب واحد، كما قال بعضهم وذكر السبيل إلى ذلك قائلا: (نص المشروع: تؤلف لجنة تضم أكبر علماء المسلمين في العالم الإسلامي وتضم مختلف الاختصاصات الشرعية وتكون مهمتها توحيد المذاهب الفقهية الإسلامية في مذهب واحد)
(نقول): كيف ندعو الناس إلى الاجتهاد ونطالب باحترام حق الاجتهاد والرأي لكل مجتهد ملك الأهلية ثم نتصور أن بالإمكان توحيد الاجتهادات والآراء سواء فيما مضى من الأقوال أو فيما يمكن أن يستجد اليوم؟ إن اقتراح قيام مؤتمر يجمع القادرين على الاجتهاد ولا نتصور من أصحابه المقدرة على الاتفاق في كل مسألة من المسائل على قول واحد لأن آرائهم في المسألة ستختلف على حسب قواعد كل منهم في تفسيرها وفهمها وطبقا لما وصله من العلم ولما ترجح لديه من الأدلة وأقوال الأئمة والعلماء السابقين وهؤلاء قد اختلفت اقوالهم وأدلتهم وقواعدهم فلابد ايضا أن تختلف اجتهادات من بعدهم إذ أن أسباب اختلاف السابقين ستكون هي نفسها اسباب اختلاف اللاحقين مع وجود أسباب أخرى جديدة تنتح عن عدم وجود الكفاءة عند الجدد كما كانت عليه عند الذين سبقوا، ولو كان بالإمكان الوصول إلى التحقق من القول الأصح في كل مسألة مختلف بها بين المذاهب لوصل إليه المتقدمون الذين كانوا أوسع علما واكثر كفاءة وقدرة وأوسع معرفة واطلاعا على أدلة الغير وقواعدهم ولوجدناهم تجاوزوا أسباب الاختلاف هذه لو كان يصح تجاوزها وعدم اعتبارها، إن الاختلاف بين المذاهب لم ينتج عن التعصب أبدا وإنما نتج عن هذه الأمور التي ذكرناها والتي لا تزال قائمة ولا نستطيع تجاهلها وعدم اعتبار دورها عند كل اجتهاد ولو ان واقع المذهب يتعارض مع مصلحة الدين ولا يعتبر نتيجة طبيعية لحق الاجتهاد الشرعي لما وسع الأئمة والعلماء السابقون إقراره والسير عليه ولما وجدناهم يؤلفون الكتب في مذاهبهم ويعلمونها الناس خدمة لدين الله عز وجل وعملا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بل ولما أباح الله تعالى الاجتهاد أصلا، إن الأئمة رضي الله عنهم كانوا يرون أن مصلحة الدين هي في موافقة حكمة الله عز وجل في فتح باب الاجتهاد للمسلمين وترك المسلمين يتبعون ما شاؤوا من المذاهب طالما أن ذلك يحمي المسلمين من التشتيت ويضيق شقة الاختلاف بينهم اكثر بكثير مما كان يمكن أن يحصل لو لم يلتزم المسلمون بهذه المذاهب وشيء آخر يدل على عدم إمكانية توحيد المذاهب أو آراء المجتهدين هو أن المنكرين الحاليين ممن يبيحون لأنفسهم الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة أو أقوال العلماء هم أنفسهم مختلفون في اجتهاداتهم ولا يسلم بعضهم للبعض الآخر برأيه ولا يرجع أحدهم عن قوله، أحدهم قال في مناظرة جرت بينه وبين شيخنا الشيخ أديب الكلاس ردا على سؤال أظنه: كيف تنكرون علينا تمسكنا بأقوال أئمتنا علما أنكم أنتم أيضا لا تخرجون عن قول شيخكم؟ سمعته يومها يقول: أنا لا أتفق مع الشيخ (…) في كل مسألة وضرب مثالا على ذلك اختلافه معه فيمن استيقظ قبل طلوع الشمس بوقت لا يسعه فيه الوضوء والصلاة يتيمم ويدرك الوقت أم يتوضأ ولو فاته الوقت فذكر أن أحدهما يقول بقول والآخر يخالفه إلى القول الثاني وهذا خلاف شيخ وتلميذه لم يمكن التوصل فيه إلى الاتفاق وكل منهما يطرح دليلا لرأيه ولا يسلم لدليل مخالفه فما بالك بما قد يقع بين مجتهد من المشرق وآخر من المغرب لكل منهما ظرفه ومحيطه وعلمه ورأيه ودليله، إذا كان هذا هو كلام هذا المنكر حول مخالفته لشيخه… وذاك كلامه حول الدعوة إلى توحيد المذاهب فهل هذا إلا التناقض بعينه؟!
[ما حكم الاختلاف في الاجتهادات بين المذاهب]: يقول العلماء: إن الذي انتهى إليه الأئمة من الاجتهاد يعتبر من الدين بدليل ثبوت الأجر عليه وبدليل وجوب التعبد به مادام صاحبه ثقة وغير متنبه إلى خطئه أو أن صاحبه يراه صحيحا ولا يقر بقول من خطأه بذلك وخاصة إذا جاء أئمة وعلماء أقروا بصحة اجتهاد هذا المجتهد ولم يؤيدوا من قال بخطئه ولو كان هناك من أيد من قال بخطئه فلكل اجتهاده والاجتهاد من الدين وما أدى إليه الاجتهاد فهو من الدين أيضا طالما قرره المجتهد ولم يعتبر قول من خلافه وهذا ما يحصل في الاجتهاد وهو ما يحصل بين الأئمة الأربعة في كثير من المسائل وتبعهم على ذلك من بعدهم فمثلا الإمام أبو حنيفة قال: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وجاء بعده الإمام الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم فقالوا: ينقض وهم يعرفون دليله ولهم أدلتهم كما مر، والمنكرون يقولون لا ينقض ويخطئون القائلين بأنه ينقض ويقولون: لا يكون القول ونقيضه حقا فهل يكون القول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء خطأ؟ إذن فكيف سار عليه هؤلاء الذين جاؤوا بعد أبي حنيفة وهم يعرفون الدليل الذي اعتمده الأحناف ويرون أدن دليلهم أصح وأصوب ولا يرون أنفسهم مخطئين ولا يسلمون لمن يخطئهم، فإن قال قائل: إذن فكيف يكون القول ونقيضه صوابا؟ (نقول): يكون القول ونقيضه صوابا بالنسبة لاجتهاد صاحبيه ولا يكون صوابا بالنسبة لقول أحدهما فقط فالعمل وضده يكونان صوابا صحيحين باعتبارين إذ إن لمس المرأة ينقض الوضوء بالنسبة لمن يعتبر أدلة المالكية والشافعية والحنابلة أرجح من أدلة الأحناف وهو لا ينقض بالنسبة لمن يعتبر دليل الأحناف أرجح من أدلة أولئك ولكل اجتهاده وحقه في الاجتهاد والعلم عند الله سبحانه والمتبعون إذا لم يثبت لهم خطأ إمامهم في المسألة بقي قوله صحيحا ولو خالفه فيه غيره وهذا هو ما حصل بين أصحاب المذاهب في كل المسائل التي يختلفون فيها، وقد ورد في السنة ما يؤيد صحة ما وصل إليه المجتهدون ولو تناقض هذا الذي وصلوا إليه فقد روي أن صحابيين خرجا في سفر فحضرتهما الصلاة ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فلما قصا أمرهما على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر كلا منهما على ما فعل فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي أعاد (لك الأجر مرتين) ([99]) .
فإعادة الصلاة وعدم إعادتها أمران متناقضان وكل واحد منهما صحيح بالنسبة لاجتهاد صاحبه، والحاصل هو ان الاجتهاد من الدين وما أدى إليه الاجتهاد فهو من الدين أيضا ولو اختلف المجتهدون، اما أن نعلل هذا الاختلاف باتهام الأئمة والعلماء بالتعصب ومخالفة الكتاب والسنة عن قصد وإصرار فهذا ما لم يقع ولا يصح أن يصدر عن مؤمن ومسلم في رجالات العلم وأئمة المسلمين.
وذكر أحد المنكرين: محتجا على الاختلاف الذي بين المذاهب بعد ان ذكر أمثلة عليه من أقوال بعض الأئمة في المذاهب أو من التي فعلها بعض المتعصبين ولم تكن معتمدة في المذاهب وهكذا شأنهم في تعميم كل حادثة جزئية ليجعلوا من هذه الجزئيات مبررا لرفضهم للمذاهب كعدم صلاة بعضهم خلف بعض أو عدم تزويج الحنفية من الشافعي مما لا تجده يعمل به ولا يعتبر هو القول المعمول به في المذهب: ذكر قوله (وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرورة فيما بينهم ولم يتعد إلى غيرهم من أمة الدعوة إذن لهان الخطب بعض ويا للأسف تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار فصدوهم بسبب اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجا.
فقد جاء في كتاب (ظلام من الغرب) للأستاذ الفاضل محمد الغزالي ص (200) ما نصه: (حصل في المؤتمر الذي عقد في جامعة (بريستون) بأمريكا أن أثار أحد المتحدثين سؤالا كثيرا ما يثار في أوساط المستشرقين والمهتمين بالنواحي الإسلامية قال: بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم ليحددوا الإسلام الذي يدعون إليه؟ أبتعاليم الإسلام كما يفهمها السنيون؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة من إمامية أو زيدية ثم إن كلا من هؤلاء واولئك مختلفون بينهم)، وقد يفكر فريق منهم في مسالة ما تفكيرا تقدميا محدودا بينما يفكر آخرون تفكيرا قديما متزمتا والخلاصة أن الدعاة إلى الإسلام يتركون المدعوين في حيرة لأنهم هم أنفسهم في حيرة.
والجواب على هذا المنكر وعلى هذا المستشرق: لقد كان هناك في الإسلام في الماضي ولا يزال فرق وجماعات دسها اعداء الإسلام ضمن المسلمين لإثارة الشك والفوضى في نفوس الناس تجاه الدين وصارت هناك أقوال وآراء مختلفة كلها ينسبها أصحابها إلى الإسلام فهل منع هذا أصحاب الصدق وانصاف من المسلمين وغير المسلمين أن يبحثوا عن القول الحق في دين الله وأن يتبعوه، إن وجود الاختلافات بين العلماء في كل العلوم قديم فهل حمل ذلك الأوربيين على نبذ العلوم والتنكر للعلم بسبب ما يقوم بين اصحابها من خلاف؟؟ اليوم مثلا: يوجد في علم الطب مدارس مختلفة وأساليب وطرق متعددة وآراء وأقوال متناقضة بين علماء هذا الفن وما تثبته جماعة تنفيه جماعات أخرى في بعض الأمور فهل حمل ذلك الناس على ترك علم الطب؟ ام ان كلا منهم يتبع مدرسة معينة أو طريقة معينة في المعالجة وكل حسب اجتهاده، واليوم في علم الحياة يتصارع العلماء حول النظرية القائلة بأن أصل الإنسان قرد ومع ما ثبت من الأدلة والبراهين الكثيرة والمختلفة على بطلانها نجد أناسا من العلماء يحاولون عبثا إثباتها من أجل أغراضهم واهوائهم ونجد في الوقت الذي يقول فيه بعض العلماء: إن أصل الإنسان قرد نجد أن أحد العلماء الألمان يقول: إن أصل القرد إنسان متقهقر وليس الإنسان قردا مترقيا ويستخدم نفس الأدلة التي استخدمها داروين في إثبات قوله، فهل رفض الناس وعابوا علم الحياة لوجود أمثال هذه التناقضات فيه؟ إن كل فروع العلم يدور فيها الخلاف والتناقض في الآراء ولم يستطع العلم ان يقول القول الفصل في كل مسألة فلماذا لا نعيب هذه العلوم؟ لماذا يريد هؤلاء المستشرقون أن يتخذوا من هذه الخلافات ذريعة للتهجم على الشريعة والمسلمين مع ان الشريعة علم واسع كبقية العلوم مفتوح فيها الباب للاجتهاد ويمكن أن يقع فيها كما وقع في بقية العلوم من اختلاف الاجتهادات ويمكن بالدراسة والإنصاف أن يصل الإنسان إلى معرفة الحق من الباطل فيما ينسب اليها ويمكن بالدراسة والإنصاف أن يصل إلى التمييز بين الاجتهادات الصحيحة ولو تعددت وبين الافتراءات الكاذبة الخارجة عن أساس الكتاب والسنة ولو تعددت.
ثم يقول المنكر نفسه: (وفي مقدمة رسالة (هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جابان) للعلامة محمد سلطان المعصومي رحمه الله تعالى: (إنه كان ورد علي سؤال من مسلمي بلاد جابان – يعني اليابان- من بلدة (طوكيو) (أوصاكا) في الشرق الأقصى حاصله: ما حقيقة دين الإسلام؟ ثم ما معنى المذهب؟ وهل يلزم من تشرف بدين الإسلام أن يتمذهب على أحد المذاهب الأربعة؟ أي ان يكون مالكيا أو حنفيا أو شافعيا أو غيرها أو لا يلزم؟ لأنه قد وقع هنا اختلاف عظيم ونزاع وخيم وحينما أراد عدة أنفار من متنوري الأفكار من رجال (يابوينا) أن يدخلوا في دين الإسلام وتشرفوا بشرف الإيمان فعرضوا ذلك على جمعية طوكيو، فقال جمع من أهل الهند: ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة لأنه سراج الأمة وقال جمع من أهل أندونيسيا (جاؤوا): يلزم أن يكون شافعيا فلما سمع اليابانيون كلامهم تعجبوا جدا وتحيروا فيما قصدوا وصارت مسالة المذهب سدا في سبيل إسلامهم.
و(الرد): أمام ما في هذا العرض لهذه القصة من التهويل والتعقيد المزعوم يجد الإنسان نفسه متعجبا من تجاهل هؤلاء للمسألة أو جهلهم بها! وهو يعلم أن المسلم يكون شافعيا فيسكن في بلد اهله أحناف فيتابعهم على مذهبهم لقربه منهم او لتوفر من يعلمه المذهب الحنفي لديه لاعتقاده أن المذاهب كلها حق وأنها مبنية على الكتاب والسنة وأنها تمثل الجماعة الإسلامية لا لأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله هو سراج هذه الأمة ويعلم أن الرجل يكون حنفيا فيحصل معه مثل ذلك فيصير شافعيا وأن المسألة لا تحتاج لكل هذا التعقيد الذي يصوره هؤلاء وأنها لا يتصور منها أن تقف سدا في سبيل إسلام هؤلاء أو غيرهم وكان بإمكانه أن يقول لهم: تعلموا على يدي أقرب العلماء اليكم، فإن لم يوجد لديهم علماء ارسلنا من يتوفر لدينا من العلماء القادرين على تعليمهم ايا كان مذهبهم وتنحل هذه المعضلة التي استعصت على المنكرين ومسلمي بلاد اليابان ورأوا فيها وبأمثالها مبررا لمحاربة المذاهب ويسع مسلمي اليابان ما وسع الأمة عبر العصور، ولكن المنكر يعتقد بما يقوله شيخه الشيخ…، وهو: (إن كل الذي ندعوا اليه ترك اتخاذ المذاهب دينا ونصبها مكان الكتاب والسنة بحيث يكون الرجوع اليها عند التنازع أو عند إرادة استنباط أحكام جديدة لحوادث طارئة كما يفعل متفقهة هذا الزمان)، فالمذاهب في نظر هذا الشيخ وتلميذه شيء غير الكتاب والسنة وهي مخالفة لهما وهي تريد أن تحل مكانهما ولذلك فإن الرجوع اليها عند التنازع او عند إرادة استنباط احكام جديدة لحوادث طارئة هو خروج عن الكتاب والسنة بالطبع وقد تبين بطلان هذا الزعم،
[أمور لا خلاف فيها]: هناك أمور لا خلاف فيها لابد من إبعادها عن دائرة البحث في أصل الدعوة الخطيرة التي يذكرها المنكرون: (فأولها): أن المقلد لأحد المذاهب ليس ثمة ما يلزمه شرعا بالاستمرار في تقليده وليس ثمة ما يمنعه من التحول عنه إلى غيره فقد اجمع المسلمون أن للمقلد أن يقلد من شاء من المجتهدين إذا توصل إلى حقيقة مذاهبهم وآرائهم فله مثلا ان يقلد كل يوم إماما من الأئمة الأربعة ولئن ظهر في بعض العصور المتأخرة من استهجن تحول المقلد من مذهب إلى آخر فهو التعصب المقيت الذي أجمع المسلمون على بطلانه ومعلوم لكل باحث ان هذا الذي لا خلاف فيه هو غير دعوى أن على المقلد ان لا يلتزم مذهبا بعينه وان عليه أن يلون ويغير أي أن عدم وجوب الالتزام لا يستلزم حرمة الالتزام، (ثانيها): ان المقلد إذا ما تمرس في فهم مسالة من المسائل وتبصر بأدلتها من الكتاب والسنة وأصول الاجتهاد وجب عليه أن يتحرر من الأخذ بها من مذهب إمامه وحرم عليه التقليد فيها ما امكنه ان يجتهد فيها معتمدا على طاقته العلمية المتوفرة لديه أجمع على ذلك العلماء وأئمة المذاهب انفسهم وبديهي أنه يحرم عليه إذا ترجيح إمامه على ما هداه إليه اجتهاده في تلك المسألة التي توفر على دراستها والتعمق في فهم أدلتها وأصولها ولئن ظهر أيضا في بعض العصور المتأخرة من جنح إلى هذا التعصب وخرج بذلك عن إجماع المسلمين فإنه مظهر آخر من مظاهر التعصب والتحزب البغيض الذي يجب التنبيه إليه والتحذير منه ومعلوم لكل باحث أيضا أن هذا الذي لا خلاف فيه لا يستلزم بحال دعوة المقلد الجاهل بأدلة الأحكام إلى نبذ التقليد والاعتماد مباشرة على نصوص الكتاب والسنة، (ثالثها): إن جميع الأئمة الأربعة على حق بمعنى أن اجتهاد كل منهم جعله معذورا عند الله عز وجل إن هو لم يستيقن حقيقة الحكم الذي أراده الله عز وجل لعباده في تلك المسائل الاجتهادية فليس عليه إلا ان يسير فيه حسب ما هداه إليه اجتهاده، ومن هنا كان اتباع المقلد لمن شاء منهم اتباعا لحق وتمسكا بهدى وهو إذ يختار اتباع واحد منهم لا ينبغي أن يتصور أن الآخرين على خطأ ولذلك اجمع العلماء على صحة اقتداء الحنفي بالشافعي والمالكي والعكس ولقد ظهر أخيرا في بعض البلدان وعلى يد فريق من الناس ما يخالف هذا الحق المتفق عليه ولكنه أيضا امتداد للتعصب السيء الذي لا وجه له في الدين ويجب تحذير المسلمين منه بكل وسيلة إن تعداد المحاريب في المساجد وتسمية كل محراب منها باسم مذهب من المذاهب الأربعة أسوأ مظهر يتجسد فيه التحزب المقيت الذي لا معنى له ولا مسوغ وإن ما يفعله بعض العوام من الانزواء في طرف من المسجد وصلاة الجماعة قائمة تؤدى أمام عينيه ولا يمنعه من القيام اليها إلا ان الإمام ينتمي الي غير مذهبه فهو ينتظر إمامه الذي من حزبه لا يقتدي بغيره ولا يرى أن صلاته تصح إلا من ورائه نقول: إن هذا الذي شاع عند كثير من العوام أو من يتسم بسمة العلم شيء لا يتند إلى أي أصل من أصول الدين وما أجمع الأئمة والعلماء في عصر وزمن إلا على خلافه وما يمسك الناس على هذه العادة إلا شيئان اثنان: تعصب لا وجه له من هؤلاء الناس و(تنفيع) لأناس توارثوا مثل هذه الوظائف واعتادوا على نيل جراياتها والاستفادة منها، هذه الأمور الثلاثة من الأمور المتفق عليها ولا نخالف منبها اليها أو مؤكدا لها، لطالما أثبتها العلماء والأئمة رحمهم الله في أبحاثهم وسجلوها في كتبهم، وكل ما أورده هذا المنكر من نصوص الإمام ابن القيم والعز بن عبدالسلام والشاه الدهلوي وغيرهم إنما يدور حول الأمور الثلاثة ولم يخالفهم فيها أحد ممن يعتد به وما ينبغي أن يخالفهم فيه أحد، ولو أن هذا المنكر ركز كلامه عليها واقتدى في ذلك بما فعله أولئك الأئمة فشدد النكير على هذه الألوان من التعصب المقيت الذي لا وجه له لما وسعنا مخالفته والإنكار عليه، ولكن المنكر عمد إلى هذه النصوص والأدلة فشدها إلى دعاوى أخرى لا علاقة لها بها واتخذ من الأدلة على حرمة مخالفة هذه الأمور المتفق عليها براهين على حرمة التزام مذهب من المذاهب الأربعة لأي أحد من الناس وأين هذا من ذاك؟ ولذلك جاءت أدلته هذه مناقضة لدعواه إذ استدل على صدق دعواه بكلام العز بن عبدالسلام والعز بن عبدالسلام شافعي المذهب واستدل بكلام الكمال بن الهمام وهو حنفي المذهب واستدل بكلام ابن القيم وهو حنبلي المذهب واستدل بكلام الدهلوي وهو حنفي المذهب لقد استدل المنكر بأقوال هؤلاء جميعا على دعواه من حرمة التمذهب بمذهب معين وهم أنفسهم متلبسون بهذا الذي يدعي حرمته!!،
[الجديد الذي يدعيه المنكر وأدلته والرد عليه]: والآن وبعد أن جردنا من كلام المنكر كل ما لا دخل له في النزاع وجردنا من كلامه أيضا تلك النصوص التي أثبتها أربابها لتأكيد أمور متفق عليها لا نزاع فيها نجد خلف ذلك كله دعوى خطيرة وجديدة هي أصل ما رمى إليه المنكر ألا وهي دعوى أنه يحرم على المسلم أيا كان أن يتمسك بمذهب معين من المذاهب الأربعة وأن ذلك منه تعصب أعمى وضلال مبين وأن الذين فعلوا ذلك هم الذين فرقوا دينهم شيعا، فلنكشف عن وجه الحق في هذه الدعوة ولنتسائل عن دليلها وأساسها بعد أن أبعدنا عنها الحجاب الذي كانت تستتر خلفه حجاب تلك الأمور الثلاثة المتفق عليها وما أثبته الأئمة لها من أدلة وبراهين فهي أمور لا علاقة لها من قريب أو بعيد بهذه الدعوى وليس لأرباب هذه الدعوة أن يستعيدوا لها شيئا من أدلة تلك الأمور أو أن يقووها بها ويسندوها اليها.
[ما هي الأدلة التي اعتمدها المنكر لدعواه هذه؟]: تتلخص أدلته فيما يلي:
(الدليل الأول): دعوى أن الإسلام ليس أكثر من أحكام معدودة يسيرة يفهمها أي أعرابي أو مسلم مستدلا لذلك بأحاديث ساقها وأن المذاهب ليست أكثر من آراء أهل العلم في فهمهم بعض المسائل وهذه الآراء لم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد اتباعها.
ونقول: كان ينبغي لو صح أن أحكام الإسلام محصورة في تلك الأمور المعدودة التي ألقى بها الرسول إلى سمع ذلك الأعرابي ثم انطلق ان لا تفيض كتب الصحاح والمسانيد بآلاف الأحاديث المتناولة لشتى الأحكام المتعلقة بحياة الإنسان المسلم وكان ينبغي أن لا يقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الساعات الطوال على قدميه يخالف بينهما من التعب يعلم وفد ثقيف أحكام الإسلام وواجبات الله في أعناقهم طوال عدة أيام، إن تلقين الرسول الإسلام وأركانه للناس شيء وتعليمه إياهم كيفية تنفيذ تلك الأركان شيء آخر ذلك لا يحتاج إلى أكثر من دقائق وهذا يحتاج إلى جهد وتعلم ومراس، ولذلك كان يتبع تلك الوفود المسلمة التي لم يكلفها الفهم الإجمالي لأركان الإسلام أكثر من بضع دقائق برجال من اخص أصحابه ليمكثوا فيهم ويعلموهم مختلف أحكام الإسلام وواجباته فأرسل خالد بن الوليد إلى نجران وعليا رضي الله عنه إلى اليمن وأبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضا وعثمان بن أبي العاص إلى ثقيف أرسل هؤلاء جميعا ليعلموا أمثال ذلك الأعرابي الذي استدل المنكر بسرعة فهمه للإسلام ليعلموهم تفاصيل الأحكام الشرعية بالإضافة إلى ما كان يقوم به عليه الصلاة والسلام من التعليم والبيان، أجل كانت المشكلات التي تتطلب من الإسلام حلولا لها وبيانا لأحكامها قليلة في صدر الإسلام بسبب ضيق رقعة الإسلام وبساطة المسلمين إذ ذاك ولكن هذه المشكلات كثرت فيما بعد مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وظهور كثير من التقاليد والعادات والمصالح التي لم تكن من قبل وهي جميعا لا تخلو من أحكام تتعلق بها سواء كان مصدرها نصا في الكتاب أو حديثا من السنة أو إجماعا من الأمة أو قياسا على أصل فهذه كلها مصادر تنبثق من صميم الإسلام وحكمه وليس حكم الله عز وجل إلا ما هدانا إليه أحد من هذه المصادر حسب شروط معينة في فهمها والترتيب بينها وكيفية الاستنباط منها، فكيف يفصل إذا بين الإسلام وما استنبطه الأئمة الأربعة وأمثالهم من هذه المصادر الأساسية للإسلام؟ !… كيف يقول المنكر: (أما المذاهب فهي آراء أهل العلم وأفهامهم في بعض المسائل واجتهاداتهم وهذه الآراء والاجتهادات والفهوم لم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد اتباعها؟…،)، وهل هذا إلا عين الباطل الذي تفوه به عن مكابرة وعناد المستشرق الألماني المعروف بحقده على الإسلام (شاخت)، يقول شاخت: إن الفقه الإسلامي الذي ألفه أئمة المذاهب ليس إلا عملا قانونيا أنتجته أدمغة قانونية ممتازة طاب لها أن تعزوه إلى الكتاب والسنة وكتابه في هذا هو الكتاب الأول الذي تدرسه جامعات أوربا لطلابها، وإذا كان كلام كل من المنكر والمستشرق الألماني شاخت كلاما صحيحا فمعنى ذلك أنه لا شيء يلزمنا شرعا بالتزام أكثر أحكام قانون الأحوال الشخصية لأنها لا تعدو أن تكون اجتهادات وآراء للمذاهب ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد اتباعها على حد تعبير المنكر وكذلك لا شيء يلزمنا شرعا بالتزام قانون مدني إسلامي تؤلفه غدا لجنة من العلماء لأن أكثر أحكامه آراء واجتهادات لم يلزمنا الله ولا رسوله باتباع شيء منها!! وإذا فكيف يصح لنا ان نقول بأن الإسلام دين ودولة؟!،، ولماذا لا نصحو إذا إلى خطئنا لنعلن كما يريد شاخت بأن الإسلام دين فقط، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث إلى القبائل والبلدان من يمتاز من الصحابة بجودة الحفظ والفهم والاستنباط ويكلفهم بتعليم الناس احكام الإسلام وأمور الحلال والحرام وقد أجمعت الأمة أنهم كانوا يجتهدون إذا أعوزهم الدليل الصريح من الكتاب والسنة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرهم على ذلك، وروي عن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: (كيف تصنع إن عرض لك قضاء) قال أقضي بما في كتاب الله قال (فإن لم يكن في كتاب الله) قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسلو الله صلى الله عليه وآله وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([100]) .
فهذه اجتهادات وفهوم من علماء الصحابة كانو يحكمون بها ويسيرون الناس بموجبها بموافقة وإقرار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقال عنها: (أنها اجتهادات وفهوم لم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد اتباعها)؟ وإذا فإن أحكام الإسلام ليست من اليسر في فهمها والقلة في عددها كما تصور المنكر مستدلا بتلك الأحاديث التي نوهنا عنها بل هي من السعة والشمول بحيث تتسع لكل ما يتعلق بشؤون الحياة الخاصة والعامة في مختلف الظروف والأحوال وهي جميعا تعود إلى الكتاب والسنة إما بدلالة ظاهرها مباشرة أو بواسطة النظر والاجتهاد والاستنباط وبأي الوسيلتين فهم المسلم الحكم فهو حكم الله عز وجل في حقه لا يسعه التحول عنه وهو أيضا حكم الله فيمن جاء يستفتيه فافتاه به وإلا لكانت بعثة الرسول واصحابه إلى القبائل والبلدان عبثا ولصح لأولئك الناس أن يقولوا لهم: لم يوجب الله ولا رسوله علينا اتباع فهومكم واجتهاداتكم!،
(الدليل الثاني): إن أساس التمسك بالإسلام إنما هو التمسك بالكتاب والسنة وهما معصومان عن الخطأ اما اتباع أئمة المذاهب فهو تحول عن الاقتداء بالمعصوم إلى الاقتداء بغير المعصوم، ونقول تعليقا على هذا الكلام العجيب: من هم الذين تخاطبونهم بهذا الدليل وتحاكمونهم إليه،،؟ إن كانوا أولئك الذين أوتوا القدرة على فهم الحكم من الكتاب والسنة والقياس عليهما مباشرة بدون وساطة مفت وإمام فدليلكم صحيح إذ لا وجه لتقليده أقوال الأئمة وهو غير عاجز عن فهم قول الله ورسوله مباشرة ولكن هذا خارج عن محل البحث والنزاع كما اوضحنا فليس في المسلمين قديما وحديثا أحد يخاطبكم ويجادلكم في هذا وإن كان الذين تخاطبونهم بهذا الكلام هم عامة الناس ومن لا يملك وسيلة الاجتهاد والاستنباط والتصر بالأدلة ومفهوماتها فهو كلام عجيب حقا ولا يملك ان يستقيم له أي معنى، فالمعصوم عن الخطأ في كلام الله هو ما أراده الله عز وجل بكلامه والمعصوم عن الخطا في السنة هو ما أراده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بسنته أما فهم الناس منهما فهيهات أن يكون معصوما سواء كان هؤلاء الناس مجتهدين أو علماء او جهالا (اللهم إلا نصا في كتاب أو سنة كان قطعي الدلالة والثبوت وكان الناظر فيه عربيا خليعا فعصمة الفهم منه تأتي من قطعية دلالته) وإذا كانت وسيلة الأخذ بالكتاب والسنة هي الفهم وكان الفهم منهما محاولة لا يمكن ان تتسم بالعصمة فيما عدا الصورة التي استثنيناها فما الفرق بين محاولة العامي الفهم ومحاولة المجتهد ذلك إلا أن تكون محاولة العامي أبعد عن العصمة من محاولة المجتهد؟ وما معنى دعوة العامي إلى نبذ التقليد بحجة ان القرآن معصوم والإمام المتبع غير معصوم؟، وهل كان الناس ينقسمون منذ القديم إلى عامي وعالم ومقلد ومجتهد لو أتيح للعامي أو الجاهل من الناس أن يتناول من نصوص القرآن الفهم المعصوم من الخطأ والذي هو المراد في علم الله عز وجل؟، وكأني بالمنكر يتوهم أن مذاهب الأئمة تستمد اجتهادها من معين آخر غير الكتاب والسنة فهي مذاهب مستقلة عن مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي إنما ظهرت لتنافسه وتزاحمه فهو يريد أن يلفت نظر المخدوعين بها إلى المذهب الحق واستدل على ذلك بأن هذه المذاهب غير معصومة على حين أن مذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوم فكيف تتحولون عن المعصوم إلى غيره،،؟ وفكر مهما شئت في معنى هذا الدليل الطريف فو الله لن تعثر له على وجه من المعنى إلا على هذا التقدير من الفهم والتصوير.
(الدليل الثالث): أنه لم يثبت أي دليل على أن الإنسان يسأل في قبره إذا مات عن المذاهب أو الطريق… وهذا الاستدلال يوضح كما ترى أن المنكر يعتقد بأن ميزان معرفة الواجبات التي كلف الله الإنسان بها إنما هو أسئلة الملكين في القبر فكل ما يتعرض له الملكان بالسؤال عنه فهو الواجب المكلف به وكل ما لم يتعرض له فهو غير واجب ولا مشروع؟ ولست أدري هل ثبت في أي مصدر من مصادر العقيدة الإسلامية أن الملكين يسألان الميت عن الديون والذمم التي عليه للناس أو عن بيوعه التي لم تنعقد صحيحة ومعاملاته التي لم تكن مشروعة أو عن إهماله تربية أهله وأولاده أو عن أوقاته التي كان يقضيها في اللهو والعبث أو عن استغابته للمسلمين وتشكيكهم في دينهم وتفكيك أواصر المحبة والترابط والوحدة فيما بينهم؟! إذا كان ثمة ما يدل على أن الملكين يسألان الميت عن كل هذا وأمثاله فلننظر إذا أفيسأله الملكان: لماذا قلد الشافعي ولم يجتهد ولماذا التزم اتباع إمام ومجتهد واحد ولم يغير ويلون؟… وإذا كان يسأله الملكان عن هذا فأشهد أن هذا المنكر على حق وأشهد أنني وسائر الباحثين والعلماء كنا على خطأ يوم كنا نحسب أن سؤال الملكين إنما يتناول كليات المبادئ الإسلامية المتمثلة في أسئلة معدودة بأعيانها كما ورد في الصحاح ولابد ان مهمة الملكين مع الميت في قبره هي مهمة محاسبة تفصيلية شاملة!
ولكني لا أزال أقول كما يقول سائر العلماء والمسلمين بان الواجبات المنوطة بأعناق المسلمين في دنياهم أوسع بكثير مما تنحصر فيه أسئلة الملكين لهم في قبورهم ولن نجد أي معنى واضح لهذا الدليل الثالث أيضا إلا إذا تصورت مرة أخرى بأن المنكر يعتقد بأن مذاهب الأئمة في فهم الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة إنما هي مذاهب تنافس وتزاحم مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهؤلاء الأئمة إنما جاؤوا (على حد فهمه) مسابقين ومنافسين له وطبيعي أن الملكين إنما يسألان الميت عن موقفه من هذا الرجل الذي أرسل فيهم أي عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ولن يسألاه عن شيء من المذاهب المنافسة الأخرى التي أخذت تروج نفسها فيهما بعد! وأرجو من القارئ الكريم أن لا يحسب أنني أصطنع بهذا الكلام أسلوب سخرية بالمنكر وتقريع له… فهذا والله ما فهمته ويفهمه كل متأمل في كلامه وقد صرح الرجل بهذا الذي هو معنى كلامه تصريحا وذلك عندما قال: (اعلم أن المذهب الحق الواجب الذهاب اليه والاتباع له إنما هو مذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحسب وهو الإمام الأعظم الواجب اتباعه ثم مذهب خلفائه الراشدين رضي الله عنهم وما من أحد أمرنا باتباعه بعينه إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحسب لا غير وقد قال الله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [سورة الحشر الآية (7)] وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، أليس واضحا من هذا الكلام أن المنكر يتصور أن ثمة عددا من المذاهب ظهرت خلال التاريخ كل منها يروج لنفسه ويدعو الناس إليه والمذهب الحق من بينها هو مذهب سيدنا محمد أما الأخرى فباطلة؟ وأنت يا أيها القارئ مهما كانت ثقافتك بتاريخ التشريع الإسلامي قليلة وضعيفة أفيمكن للحقائق كلها ان تغيب عنك حتى تفهم هذا الفهم المقلوب العجيب؟ ما هو الفرق بين مذاهب الأئمة الأربعة ومذهب زيد بن ثابت أو معاذ بن جبل أو عبدالله بن عباس في فهم بعض أحكام الإسلام؟ وما الفرق بين أرباب المذاهب الأربعة وأرباب مذهب الرأي في العراق وأرباب مذهب الحديث في الحجاز وقوام هذين المذهبين خيرة الصحابة والتابعين وهؤلاء لهم مقلدون وأولئك لهم مقلدون؟! أفيقول المنكر إنها عشرات المذاهب وليست أربعة فقط كلها جاء تعارض وتنافس مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن المذاهب الخارجة على الملة القسيمة لمذهب رسول الله إنما هي هذه الأربعة فقط أما مذاهب من قبلهم فمذاهب صحيحة جيدة تقوم على قدم المساواة جنبا إلى جنب مع مذهب رسول الله؟! لست أدري أي القولين يختار هذا المنكر ولكن الذي أعلمه أنهما قولان أحلاهما مر، وأفضلهما كذب وافتراء ومعاذ الله أن تكون اجتهادات الصحابة والتابعين أو بقية الأئمة المجتهدين أكثر من خدمة وشرح لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحيا من ربه ولكن بعض اجتهاداتهم وتفسيراتهم خالفت بعضها بعضا فكانت تلك الاجتهادات المتخالفة مذاهب في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا مذاهب منافسة ومعارضة له؟…، وكيف يكونون منافسين ومعارضين له والكل يستشهد بكلامه ويمعن في فهم مراده؟!
(الدليل الرابع): كلام نقله المنكر عن كتاب الإنصاف للشاه ولي الله الدهلوي نقل عنه في غضونه قوله: (فمن أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد أو غيرهم ولم يعتمد على ما جاء في الكتاب والسنة فقد خالف إجماع الأمة كلها واتبع غير سبيل المؤمنين)، أقول: لم يثبت هذا الكلام عن الدهلوي في حق المقلد العاجز عن الاجتهاد إطلاقا لا في الإنصاف ولا في غيره من كتبه الأخرى بل الذي قال في أكثر من موطن عكسه تماما، يقول ولي الله الدهلوي في كل من كتاب الإنصاف وحجة الله البالغة ما نصه: (إن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة أو من يعتد به منها على جواز تقليدها الى يومنا هذا وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لاسيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا وأشربت النفوس الهوى واعجب كل ذي رأي برأيه)، ([101]) .
وأنا أتحدى هذا المنكر ومقلديه أن يثبتوا سطرا مما تقوله المنكر على الدهلوي في أي من كتبه،،!! ويقول بعد ذلك موضحا أنه لا مانع من التزام إمام بعينه: (كيف ينكر هذا أحد مع أن الاستفتاء والإفتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا فرق بين أن يستفتي هذا دائما أو يستفتي هذا حينا وذاك حينا بعد أن يكون مجمعا على ما ذكرناه كيف لا ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحى الله اليه الفقه وفرض علينا طاعته أنه معصوم فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك لعلمنا بانه عالم بكتاب الله وسنة رسوله فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح الكتاب والسنة أو مستنبطا عنهما بنحو من الاستنباط أو عرف بالقرائن أن الحكم في صورة ما منوطة بعلة كذا واطمأن قلبه لتلك المعرفة فقاس غير المنصوص على المنصوص فكأنما يقول: ظننت أن رسول الله صلى قال: كلما وجدت هذه العلة فالحكم ثمة هكذا والمقيس مندرج في هذا العموم فهذا أيضا معزي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن في طريقة ظنون ولولا ذلك لما قلد مؤمن مجتهدا) ([102]) .
فتأمل في مناقضة هذا الكلام الذي يقوله الدهلوي للذي يقوله عليه هذا المنكر!… ولك ان تعود الى كتابه حجة الله البالغة والإنصاف لتتأكد من ألفاظه ومطابقتها للذي نقلناه عنه؟ ولا شك أن الدهلوي تحدث في هذا المجال عن حرمة التقليد في حق من بلغ رتبة الاجتهاد في مسألة من المسائل أو في عامة المسائل والأحكام ولكن كلامه في ذلك خارج عن محل النزاع والبحث كما أوضحنا ولا يمكن أن يستدل العاقل بشيء منه على دعوى حرمة التقليد أو حرمة التزام مذهب معين في حق من لم يستطع أن يكون مجتهدا فهذا شيء وذلك شيء آخر ولست أدري ما هو نوع الدافع الى الخلط بينهما.
(الدليل الخامس): كلام نقله المنكر عن العز بن عبدالسلام وعن ابن القيم وعن الكمال بن الهمام يستدل به على مدعاه وهو دعوى حرمة التمسك بمذهب معين ووجوب الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة على الناس كلهم أو استمرار التنقل بين المجتهدين والأئمة دون الوقوف عند واحد منهم بعينه، وكل ما نقله عن هؤلاء بمعزل عن هذه الدعوى الباطلة التي لا دليل عليها وكيف تكون تلك الأقوال دليلا على شيء من ذلك وأصحاب تلك الأقوال أنفسهم ملتزمون بمذاهب معينة لم يتحول واحد منهم عن مذهبه الذي عرف إلى سواه!!، فالعز بن عبدالسلام شافعي وابن القيم حنبلي والكمال بن الهمام حنفي إن أقوال هؤلاء الأئمة كلها مستنبطة على تلك الأمور الثلاثة التي أخرجناها عن محل النزاع والتي لم يخاصم فيها أحد من العلماء المنصفين أما أن يكون شيء منها دليلا على ما يشتهي هذا المنكر أن يروجه ويجمع له الأنصار فهيهات له ذلك.
واليك أولا ما يقول العز بن عبدالسلام: يقول في كتابه قواعد الأحكام ما نصه: (… وليس لأحد أن يقلد من لم يؤمر بتقليده كالمجتهد في تقليد المجتهد أو في تقليد الصحابة وفي هذه المسائل اختلاف بين العلماء ويرد على من خالف ذلك قوله عز وجل: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه}[سورة يوسف الآية (40)]، يستثنى من ذلك العامة فإن وظيفتهم التقليد لعجزهم عن التوصل إلى معرفة الأحكام بالاجتهاد بخلاف المجتهد فإنه قادر على النظر المؤدي إلى الحكم ومن قلد إماما من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك؟… فيه خلاف والمختار التفصيل فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم فليس له الانتقال إلى حكم يوجب نقضه فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه فإن كان الأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره ولو كان ذلكم باطلا لأنكروه وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى لأنه لو وجب تقليده لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير بل كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى نفسه ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل هذا مما لا يرتاب فيه عاقل)، ([103]) .
لقد نقلت لك كلامه هذا بطوله دون أن أترك منه حرفا لتعلم أن ما يقوله هذا الإمام ينطبق على نقيض ما يتقوله هذا المنكر على لسانه تماما فالعز رحمه الله يوجب على العامة التقليد والمنكر يلزمه باتباع المعصوم وترك غير المعصوم كما قد رأيت والعز رحمه الله يجعل الأصل في المقلد أن يلتزم إماما بعينه ثم يفرع عنه البحث في حكم رغبته في الانتقال إلى مذهب آخر ويذكر في الخلاف ويجنح – كما قد رأيت – إلى القول بجواز ذلك ” لا بوجوبه” بشروط، فالعز رحمه الله تعالى الله لا يرى مانعا من التزام المقلد مذهبا معينا دون أن يتحول عنه هذا المنكر يفرض عليه ان يتنقل بين جميع هذه المذاهب ويلزمه بذلك إلزاما والعجب العجاب أنه يتقول على العز رحمه الله تعالى الله هذه الأشياء وينطقه بها وهو إنما نطق بعكسها، نعم أتبع العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى الله هذا الكلام الذي نقلته لك بكلام آخر مباشرة أنحى فيه باللائمة على الفقهاء الذين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه ويسبر حقيقته ويدرك ما يتعلق به بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ومع ذلك يقلد ويترك الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تقليد إمامه وأطال العز في بيان خطورة ذلك وأجاد ولكن ما علاقة هذا بدعوى هذا المنكر؟! وما هو المسوغ لما يفعله هذا الرجل من اتخاذ مثل هذه النصوص ثوبا يكسو بها مزاعمه العارية؟… وهلا تبصر الكلام الطويل الآخر الذي يجاوز هذه الفقرة مجاورة مباشرة ليفهم معاني الكلام وأطراف البحث؟ وهل هو حقا لم يتبصره ولم يعثر عليه أم رآه وفهمه ولكنه تجاهله وعفى عليه ونسخه بما بعده ثم أنطق الرجل بما هو منه برئ؟!
ثم إليك ما يقول ابن القيم: يقول في كتابه إعلام الموقعين ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به والى ما يجب المصير إليه والى ما يسوغ من غير إيجاب، فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء والثاني تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله والثالث التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المجتهد،([104]) .
ثم أطال ابن القيم في سرد وشرح أضرار ومساوي التقليد المحرم الذي حصره في هذه الأنواع الثلاثة فكل ما أورد في كلامه الطويل من إنكاره التقليد وتسفيهه والتحذير منه فهو وارد على هذه الأنواع الثلاثة التي فرعها عن الأول، وربما قرأ القارئ السطحي جزاء من كلامه الطويل في ذلك دون ان يمسك بأصل البحث ومنطلقه فيتوهم أنه إنما ينكر التقليد مطلقا ثم يذهب يستدل على بطلان التقليد مطلقا بفقرات من كلامه الذي ساقه في خضم بحثه الطويل كما فعل هذا المنكر، ولكن المتأمل يعلم ان ابن القيم إنما فرع كلامه الطويل ذاك على هذا التقسيم الذي جعله أصل بحثه وحسبك دليلا قاطعا على ذلك بالإضافة إلى النص الذي نقلته من كلامه قوله في غضون بحثه هذا: (فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذي لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ولم يذم من قلد العلماء المجتهدين بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم اهل العلم وذلك تقليد لهم فقال تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل الآية (43)]، وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم – فالجواب انه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه أما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد وهو التقليد الواجب والسائغ إن شاء الله، ولقد أطال ابن القيم بعد ذلك في ذم أنواع التقليد الباطل وأنفق في ذلك ما يقارب مائة صحيفة ويبدو أنه نسي بعد حديثه المسهب الطويل هذا أن يعود فيتحدث عن النوع الثاني من التقليد وهو التقليد الواجب الذي وعد بالحديث عنه فانتقل منه إلى الحديث عن النصوص وحرمة الإفتاء بما يخالفها وموقع السنة من القرآن، ومن تأمل أبحاث ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) وصبر على قراءتها بتمهل واستقصاء وجد فيه غرائب من هذا القبيل فهو تارة يفرع اصل البحث ويجزؤه ثم يبدأ فيتناول بعض أجزاءه ويطيل الشرح والبحث ويشفق له الاستطرادات المختلفة ثم يتجاوز البحث كله إلى غيره دون أن يعود إلى بقية فروعه وأجزائه بالنظر والبحث كما فعل هنا، وهو تارة يقع في تناقضات عجيبة لا تدري سبب وقوعه فيها كتلك التناقضات التي وقع فيها اثناء حديثه المسهب جدا عن الحيل واحكامها وعلى كل فقد تحدث الرجل عن مشروعية التقليد وضرورته لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في مكان آخر من كتابه فقد عقد فصولا طويلة تتعلق بشروط الفتوى وآدابها ضمن كثيرا من أبحاثها ومسارها بيان ما ينبغي أن يكون عليه العامي والعالم الذي لم يلغ رتبة الاجتهاد وأن عليه اتباع إمام يسترشد به ويقلده في أحكام الحلال والحرام وانه لا يجوز لمثل هذا الإنسان أن يفتي الناس ولو توفرت لديه كتب الحديث وأمكنه العثور فيها على حديث يتعلق بفتواه واليك مقاطع من كلامه في بيان هذا الأمر: قال (الفائدة العشرون): لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول من قلده دينه وهذا إجماع من السلف كلهم وصرح به الإمام احمد والشافعي رضي الله عنهما قال أبو عمرو بن الصلاح: قطع أبو عبدالله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلد أي يفتي بما هو مقلد فيه، ([105]) .
ثم أطال ابن القيم في تأكيد هذا الحكم وبيان انه الحق، وقال (ما نصه: (الفائدة الحادية والعشرون): إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال… والصواب فيه التفصيل وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى رأي عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا أن ينسب نفسه إلى الفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم،،)([106]) .
، وقال ما نصه (الفائدة الثلاثون): إن كان الرجل مجتهدا في مذهب إمام ولم يكن مستقلا بالاجتهاد فهل له أن يفتي بقول ذلك الإمام؟ على قولين: وهما وجهان لأصحاب الشافعي واحمد أحدهما الجواز ويكون متبعه مقلدا للميت لا له وإنما له مجرد النقل عن الإمام والثاني لا يجوز له أن يفتي لأن السائل مقلد له لا للميت وهو لم يجتهد له والسائل يقول له: أنا أقلدك فيما يفتي به،([107]) .
وقال ما نصه (هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد: فمن منعه قال: يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة… والثاني الجواز وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم تقليد الأموات… والأقوال لا تموت بموت قائلها كما لا تموت الأخبار بموت رواتها)، ([108]) .
وقال (الفائدة الثامنة والأربعون): إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤثق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه،؟… والصواب في هذه المسألة التفصيل فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به ولا يطلب التزكية له من قول فقيه أو إمام بل الحجة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم… وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه… ثم قال: وهذا كله إذا كان ثمة نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة الأنبياء الآية (7)]، ([109]) .
وقال جوابا على سؤال: هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه؟ ينقل عن ابي عمرو بن الصلاح: (ومن وجد حديثا يخالف مذهبه فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقا او في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد ان بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابا شافيا فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله اعلم)، وقال بعد ذلك مباشرة: (الفائدة الخمسون): هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده؟ إن كان سالكا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول غيره وغن كان مجتهدا متقيدا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه فإن اراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة والصواب أنه إذا ترجح عنده قول غير إمامه بدليل راجح فلابد ان يخرج على اصول إمامه وقواعده فإن الأئمة متفقون على أصول الأحكام ومتى قال بعضهم قولا مرجوحا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة بلا ريب فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه على قواعد إمامه فله أن يفتي به، وبالله التوفيق، فهذه مقاطع من كلامه في غضون حديثه عن الفتوى وشرطها وآدابها أفتراه كلام من يحرم التقليد ويلزم الناس جميعا بالأخذ بالكتاب والسنة مباشرة أم تراه يحرم الالتزام بمذهب معين أم تراه يأمر المقلد بأن يظل عمره يقفز من مجتهد إلى آخر؟ ألست ترى أن كل مقطع من هذه المقاطع تصريح بشكل لا يحتمل الريب بأن الجاهل لا يسعه إلا التقليد وأن المتمذهب بمذهب معين لا يجوز له أن يفتي الناس في مسألة ما بغير مذهبه إلا أن يكون مجتهدا فيها وأن تقليد الميت كتقليد الحي على السواء لأن الأقوال لا تموت بموت قائلها على حد تعبيره وإن الاعتماد على كتب الحديث وحدها لا تجعل من المقلد مجتهدا؟!([110]) .
وإذا كان ابن القيم يرى ما يراه هذا المنكر ومن أن تقليد الأئمة تقليد لغير المعصوم وتقليد الرسول تقليد للمعصوم فلا يجوز لأحد إلا الأخذ من المعصوم مباشرة فما باله يجعل من تقليد المذاهب الأربعة موضوعا لبحثه وأساس لتعريفاته وما باله يحجر على المقلد الأخذ من كتب الحديث ويمنعه من الافتاء ويمنع السائل من الاعتماد عليه ويحذره (المموقت) الذي يتهمون به عامة المسلمين المقلدين لمذاهب أئمتهم… عسى أن يسهل لهم هذا التعصب له إذا ما تأملوا في نصوصه هذه سبيل الرجوع إلى جادة الحق، أما النص الذي وقع عليه اختيار ذلك المنكر من مجموع ما قاله ابن القيم في هذا الصدد واستله من كتابه دون غيره ليعتمد عليه فيما يدعي من حرمة المتذهب بمذهب معين فهو بعيد كل البعد عن دعواه ليس له اليها أي منفذ أو سبيل، والنص الذي اختاره من مجموع كلامه هو قوله: (… بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له فإذا قال: أنا شافعي أو حنفي أو حنبلي أو مالكي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول…)، والكلام الذي قبله وبعده بيان لما لا خلاف في حقيته وهو عدم وجوب التزام المقلد لمذهب واحد في كل فروعه ومسائله وقد قلنا إن هذا محل وفاق واستبعدناه عن مجال البحث ولكن هذه الفقرة التي نقلناها من كلامه هي وحدها التي قد توهم تصديق ما يدعوا إليه المنكر من نبذ التقليد وحمل الناس جميعا على الأخذ من الكتاب والسنة غير أن العبارة ليست من هذا في شيء، إن المقصود بهذا الكلام الذي قاله كثير من العلماء أن العامي إذا لقي مفتيا لمشكلته التي يبحث عن حكمها وسأله عنها فإن عليه أن يأخذ بما يقول وليس للعامي أن يطلب إليه افتاءه فيها بموجب مذهب معين ذلك لأن المفتي مجتهد وإلا لم يجز أن يسمى أو ينصب مفتيا والمجتهد إنما يجيب السائل حسب ما أداه إليه اجتهاده وليس له أن يقلد مجتهدا مثله ثم يفتيه بمذهبه في ذلك نعم للعامي أن يسأله عما يقول الشافعي في مشكلته وله أن يروي له ما يقول فيها على وجه النقل لا الفتيا أما أن يحمل العامي المجتهد على أن يفيته بمذهب إمامه فليس له ذلك لأنه ليس أكثر من جاهل يدعي علما بمذهب إمام معين ونسبة إليه وهو لو كان كذلك لما احتاج إلى استفتاء هذا المجتهد وسؤاله وتعبيرا عن هذا المعنى الذي لا شك ولا إشكال فيه قال العلماء: مذهب العامي مذهب مفتيه وليس للعامي مذهب معين، ولكن ما هو مصير العامي عندما يلتفت حوله فلا يرى مفتيا (أي مجتهدا مطلقا) ولا يرى إلا علماء مقلدين كل منهم يلتزم مذهبا معينا ومن يسمى مفتيا بينهم إنما أطلق عليه هذا الاسم تشبيها ومجازا؟،،
إن قاعدة (مذهب العامي مذهب مفتيه) لا تنطبق في هذه الحال إطلاقا كما هو واضح إذ لا مفتي له وإنما الذي يتعين عليه أن يستفتي واحدا من المجتهدين السالفين وقد مر بك أن العلماء قالوا وفي مقدمتهم ابن القيم: إن الأقوال لا تموت بموت قائلها فيجوز للحي تقليد الميت، وخير من يستفتيه من المجتهدين السالفين الأئمة الأربعة بإجماع علماء هذه الملة بأسرها بسبب ما نالته مذاهبهم من الخدمة والتمحيص والتدوين وتوفر أسباب الطمأنينة في صحة إسنادها إلى أربابها كما لم يتوفر مثل تلك الأسباب بالنسبة لأي مذهب آخر فهو يسأل من شاء منهم عن طريق سؤال علمائه والمتفقهين فيه أو دراسة كتبه إن امكنه ذلك ثم له أن يلتزم واحدا منهم لكل ما يعرض له من مسائل واحكام وله أن ينتقل من احدهم إلى الآخر بالشروط التي ذكرها العلماء والتي أوضحنا طرفا منها فيما مضى، والعامي – وهو يفعل هذا – لم يخرج في الحقيقة عن قاعدة (مذهب العامي مذهب مفتيه) لأنه لما لم يجد من حوله مفتيا واضطر إلى استفتاء الشافعي مثلا فقد أصبح مذهبه هو مذهب الشافعي نفسه بموجب نص القاعدة ذاتها، فهذا هو معنى كلام ابن القيم تجده مفصلا واضحا في سائر كتب الأصول في باب الاجتهاد ارجع إلى أي منها شئت تجد تفصيل ذلك كله.
ثم إليك ما يقول الكمال بن الهمام في هذا الصدد: قال في التحرير ما نصه: (وهل يقلد غيره أي غير من قلده أولا) في غيره أي في غير ذلك الشيء؟ المختار: نعم للقطع بأنهم كانوا يستفتون مرة واحدا ومرة غيره غير ملتمزمين مفتيا واحدا فلو التزم مذهبا معينا كأبي حنيفة أوالشافعي فقيل: يلتزم وقيل لا ثم أخذ شارح التحرير يرجح القول بعدم وجوب الالتزام وهو مذهب جمهور العلماء إذ لا واجب إلا ما أوجب الله والله ما أوجب على الجاهل إلا تقليد العالم المجتهد ولم يوجب عليه التزام واحد بعينه دائما والغريب أن صاحب الإنكار عزا إلى الكمال بن الهمام كلاما طويلا غير هذا لم يقله ولم يتفوه به إنما هو كلام ذكره ابن أمير حاج في شرحه للتحرير واسم كتابه (التقرير والتحبير) وقد اختلط الأمر على (العلامة) صاحب الإنكار فأسند الكلام الذي ساقه إلى ابن الهمام وهو لم يقله أصلا وأسند إليه كتابا اسمه التقرير والتحبير وهو لم يؤلف كتابا بهذا الاسم اصلا، على أن ما قاله ابن أمير حاج في ذلك هو عين ما قاله ابن القيم عن العامي الذي جاء يستفتي المفتي مع أنه لا مذهب له وأن مذهبه مذهب مفتيه وقد ذكرنا معنى هذا الكلام وأوضحنا المقصود منه.
(الدليل السادس): زعم أن حدوث المذاهب الأربعة إنما كان بسبب السياسة الغاشمة واستيلاء الأعاجم ذوي الأغراض على الملك وعزا صاحب الإنكار زعمه هذا إلى مقدمة ابن خلدون فقال: (إن أردت الاطلاع على اسباب حدوث المذاهب والطرائق فعليك بمطالعة مقدمة تاريخ ابن خلدون فإنه قد أبدع في هذا البيان فجزاه الله خيرا وأفاد أن المذاهب حدوثها وشيوعها إنما هي بسبب السياسات الغاشمة واستيلاء الأعاجم ذوي الأغراض على الملك)
(أقول): وقد فعلنا ما أشار به صاحب الإنكار فرجعنا إلى مقدمة ابن خلدون وطالعناها وتتبعنا كلامه عن نشأة المذاهب وأسبابها فما وقعنا في شيء من ذلك على هذا الزعم الذي اسنده إليه صاحب الإنكار وما وقفنا من كلامه في ذلك إلا على ما هو الحق المبين المتفق عليه من قبل جمهور المسلمين مما لا يُعجب صاحب الإنكار في قليل ولا كثير، قال بصدد حديثه عن علم الفقه وكيفية نشأته ونشأة مذاهبه ما نصه: (…، إن الصحابة كلهم لم يكونوا اهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وغنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالاته بما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم او ممن سمعه منهم من عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء… وبقي الأمر كذلك صدر الملة ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسته الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعة وعملا فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: أهل الرأي والقياس وهم اهل العراق وطريقة اهل الحديث وهم اهل الحجاز وكان الحديث قليلا في اهل العراق لما قدمناه فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل: أهل الرأي ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة النعمان وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده ثم انكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب إذ ذاك هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة) ([111]) .
، واوضح بعد ذلك أن مذهب الظاهرية درس بدروس أئمته بتدوين الأصول وتقعيد قواعد الاستنباط من النصوص والرأي وبسبب إنكار الجمهور على منتحليه ثم قال: (ولم يبق إلا في بعض الكتب المجلدة وربما يعكف كثير من الطالبين ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يأتي بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه وربما عد بهذه النحلة من اهل البدع بنقله العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين)، ([112]) .
ثم أخذ ابن خلدون يترجم لكل من الأئمة الأربعة ويوضح مدى فضله وعلمه، وكيفية اخذهم الفقه واصول بعضهم وكيف مزج أصحاب ابي حنيفة طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق فتلاقت المدرستان بذلك وبين مدى انتشار مذهب كل منهم والكمال الذي انتشر فيه ثم قال: (وسد الناس باب الخلاف وطرقه بعد ذلك لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما فشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه)، ([113]) .
فهذه خلاصة ما قاله ابن خلدون عن المذاهب ونشأتها وكله مما لا يعجب صاحب الإنكار ومما لا يفيده أن يشد أزره به وأرجو من القارئ الكريم ان يعود إلى هذا البحث في مقدمة ابن خلدون فيقرأه بطوله ثم يجهد جهده أن يضع يده على كلمة واحدة يجدها تتحدث عن السياسات الغاشمة التي تدخلت في إنشاء المذاهب الأربعة على حد تعبير صاحب الإنكار وليسم القارئ بعد ذلك هذا العمل من حضرة صاحب الإنكار بالاسم الذي تطلقه اللغة العربية وغير العربية عليه وليعذرني إن لم أفعل انا ذلك، فقد التزمت[المقصود الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي] في مقدمة هذه الرسالة ان لا أتناول الموضوع إلا بالمعالجة العلمية المجردة وأن لا أحمل قلمي على أي تعبير أو وصف ينزل عن ذلك المستوى وإن كان كلامه هو محشوا بمثل هذه الأوصاف والتعابير.
(الدليل السابع): قوله: (يقال للمقلد: على أي شيء كان الناس قبل أن يوجد فلان وفلان الذين قلدتموهم وجعلتم اقوالهم بمنزلة نصوص الشارع… أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو ضلالة؟ فلابد أن يقروا بانهم كانوا على هدى فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنة والآثار وتقديم قول الله تعالى ورسوله وآثار الصحابة رضي الله عنهم على ما يخالفها والتحاكم اليها دون قول فلان وفلان برأيه؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى يؤفكون؟!!…) الكراس، ونحن نقول في الكشف عن هذا الدليل العجيب ونجيب عن المقلد الذي يسأله صاحب الإنكار هذا السؤال فنقول: كان الناس قبل وجود فلان وفلان يفعلون كما قال ابن خلدون في الفصل الذي اعتمدت أنت بنفسك على كلامه ألم يقل ابن خلدون في نفس ذلك الفصل: (إن الصحابة كلهم لم يكونوا اهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالاته)، فما معنى هذا الكلام الواضح؟، إذا كان أهل الفتيا والاجتهاد من الصحابة عددا محصورا ومميزا فيهم كما يقول وكان الباقون منهم دون هذه المرتبة فعمن يتلقى هؤلاء الباقون إذا دينهم؟…، لا جرم أنه يتلقونه من هذا العدد المحصور الممتاز عنهم بالقدرة على الاجتهاد والاستنباط وهل التقليد شيء آخر غير هذا؟،، إذا لم يختلف الأمر ولم يتبدل بين العهدين كان العوام في عصر الصحابة يقلدون من اشتهر في عصرهم بالفتيا والاجتهاد وكانوا في عصر التابعين أيضا يفعلون ذلك وفي العصر الذي يليه يفعلون ذلك أيضا وما الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ومالك إلا طائفة من هؤلاء المجتهدين جاز للعوام ان يقلدوهم كما جاز لمن قبلهم من العوام أن يقلدوا مثلهم وكما جاز للعوام من الصحابة أن يقلدوا مجتهدة عصرهم من امثال ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت والخلفاء الراشدين، ألم يجمع كل علماء التاريخ وتاريخ التشريع على انه كان في عهد التابعين مذهبان عظيمان: مذهب أهل الحديث في الحجاز ومذهب أهل الرأي في العراق وأن عامة أهل الحجاز كانوا يقلدون المذهب السائد عندهم وعامة أهل العراق يقلدون المذهب السائدة فيما بينهم وأنه كان لهذا المذهب أئمته وللمذهب الآخر أئمته؟! فما الذي حدث مما يخالف هذا الواقع عندما ظهرت المذاهب الأربعة؟ لم يظهر جديد كل ما في الأمر أن أئمة هذه المذاهب الأربعة وضعوا منهجا للاستنباط فيما بينهم واشتقوه من أدلة الكتاب والسنة ضبطوا به الرأي والقياس السليم وميزوه عن الرأي والأقيسة الباطلة فتلاحم بذلك كل من مذهبي الرأي والحديث واختفى – تدريجيا كل من طرفي الإفراط والتفريط وكان هذا من أكبر العوامل لتبوء المذاهب الأربعة مكانة عليا في صعيد البحث والاجتهاد ولإقبال مختلف الفئات والطبقات على التزامها والأخذ منها وهذا الواقع شيء معروف ومدروس لا أظنني بحاجة إلى أن أنفق وقتا في سرد أدلة ونصوص عليه، إذا فأي اختلاف حصل في جوهر واقع الاجتهاد والتقليد حتى يقول صاحب الإنكار: على أي شيء كان الناس قبل فلان وفلان وكأنه ألزم بذلك الخصم إلزاما لا مخلص منه؟!،، وأي ضلال وأي إفك وقع فيه مقلدوا المذاهب الأربعة وهم ليسوا في ذلك إلا كالذين قلدوا من قبلهم مذهب الرأي أو الحديث وكالذين قلدوا من قبلهم أئمة الصحابة ومجتهديهم؟!،
[لا مناص من التقليد ولا مانع من اتباع مذهب معين ودليل ذلك]: لخصنا لك فيما مضى الأدلة التي قالها صاحب الإنكار على دعواه وأوضحنا بما لا يدع أي شك لمنصف أنها ليست أدلة إلا من حيث أن صاحب الإنكار اعتبرها كذلك فهي أقوال لا ينهض بها أي دليل او جزء من دليل يقره العلم ويعتد به وتسمية صاحب الإنكار إياها (دليلا) لا يغير شيئا من حقيقة الأمر، وما لم نتعرض له من كلامه بنقاش أو رد تفصيلي فكله منصب على تلك البنود الثلاثة المتفق عليها عند العلماء جميعا والتي أخرجناها من حيز الخلاف ولذلك لم نتعرض له بشيء ولم نجد ما يدعو إلى تضييع الوقت فيه ومع ذلك فما ينبغي أن نثبت عكس ما يدعيه صاحب الإنكار عن طريق تزييف أدلته فقط بل لابد أن نطالب أنفسنا من وراء ذلك ببراهين إيجابية جديدة تدل على فساد المزاعم الخطيرة التي يدعيها صاحب الإنكار وتثبيت عكسها تماما، إن ما يحاول صاحب الإنكار تقريره ينحصر في أمرين اثنين لا ندري سبيلا للتوفيق بينهما بل ولا ندري كيف يتلاقيان معا في مذهب ذلك المنكر: فالأمر الأول الذي يدعيه ويكرره في أكثر من مكان من كلامه هو حرمة التقليد مطلقا مستدلا بأن المجتهد غير معصوم والكتاب والسنة معصومان واتباع المعصوم أفضل من اتباع غير المعصوم وبأن الاجتهاد سهل لا يحتاج إلى أكثر من الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي، والأمر الثاني الذي يدعيه ويكرره أيضا هو أن المقلد ليس عليه أن يلتزم مذهبا بعينه وإذا فعل ذلك فهو ضال وهو من الحمر المستنفرة، ولست أدري ما هي وسيلة الجمع بين هذين الأمرين!،، إذا كان التقليد من أصله باطلا لأنه اتباع غير المعصوم فما معنى النهي عن نوع من التقليد بعينه وهو التزام مذهب معين؟!،، وإذا كان الباطل من التقليد هو هذا النوع فما معنى إطراح التقليد من أساسه والاستدلال له باتباع المعصوم وغير المعصوم؟! لست أدري صورة الحكم في مجموعه كما هو في ذهن صاحب الإنكار ولكني سأضع أمام القارئ الدليل على أن التقليد أمر لا مناص منه بين المسلمين وأنه مشروع وثابت وعلى أن المقلد إذا شاء أن يلتزم مذهبا معينا ولا يتحول عنه فله ذلك وليس مرتكبا لمنهي ولا مقترفا لمحرم.
(أولا): لا مناص من التقليد وهو مشروع بإجماع المسلمين، والتقليد هو اتباع قول إنسان دون معرفة الحجة على صحة ذلك القول وإن توفرت معرفة الحجة على صحة التقليد نفسه فالمقلد قد يعرف الحجة على صحة تقليده للعالم المجتهد ولكنه لا يعرف الحجة على صحة ما يقلد المجتهد فيه، ولا فرق بين أن تسمي هذا العمل تقليدا أو اتباعا فكلاهما بمعنى واحد ولم يثبت أي فرق لغوي بينهما وقد عبر الله بالاتباع عن التقليد في أسوأ أنواعه فقال جل جلاله {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا}[سورة البقرة الآية (166)]، فما من شك أن المراد بالاتباع هنا هو التقليد الأعمى الذي لا مسوغ له وسواء اصطلحت أنت على فارق جديد من المعنى بينهما في هذا المبحث أو لا فإن القسمة ثنائية على كل حال إذ الباحث إما أن يكون عالما بالأدلة خبيرا بكيفية الاستنباط منها أو لا فهو مقلد للمجتهد وكثرة الألفاظ والاصطلاحات لا تغير من الواقع شيئا، فما الدليل على مشروعية التقليد ووجوبه عند عدم التمكن من الاجتهاد؟
الدليل من وجوه: (الوجه الأول): قوله جل جلاله {فاسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[سورة النحل الآية (43)] أجمع العلماء على أن الآية أمر لمن لا يعلم الحكم ولا دليله باتباع من يعلم ذلك وقد جعل عامة علماء الأصول هذه الآية عمدتهم الأولى في أن على العامي تقليد العالم المجتهد ومثل هذه الآية في نفس الدلالة قوله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}[سورة التوبة الآية (122)] فقد نهى الله تعالى أن ينفر الناس كافة للغزو والجهاد وأمر ببقاء طائفة منهم يتفرغون للتفقه في دين الله حتى إذا عاد إخوانهم إليهم وجدوا فيهم من يفتيهم في أمر الحلال والحرام وبيان حكم الله عز وجل([114]) (الوجه الثاني): ما دل عليه الإجماع من أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يتفاوتون في العلم ولم يكن جميعهم أهل فتيا – كما قال ابن خلدون – ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم بل كانوا فيهم المفتي المجتهد وهم قلة بالنسبة لسائرهم وفيهم المستفتي المقلد وهم الكثرة الغالبة فيهم ولم يكن المفتي من الصحابة يلتزم مع ذكر الحكم بيان دليل للمستفتي وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الفقيه من الصحابة إلى المكان الذي لا يعلم سكانه من الإسلام إلا عقيدته والاعتقاد بأركانه فيتبعونه بكل ما يفتيهم بما هداه إليه الاجتهاد فيقلدونه في ذلك.
يقول الغزالي في المستصفى في باب التقليد والاستفتاء مستدلا على أن العامي ليس له إلا التقليد ما نصه: (ونستدل على ذلك بمسلكين احدهما إجماع الصحابة فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم) ([115]) .
وقال الآمدي في كتابه الأحكام: (وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعية العلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا) ([116]) .
وقد كان المتصدرون للفتوى في عصر الصحابة أفرادا محصورين عرفوا بين الصحابة بالفقه والرواية وملكة الاستنباط واشهرهم الخلفاء الأربعة وعبدالله بن مسعود وابو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت أما المقلدون لهؤلاء في المذهب والفتوى فكانوا فوق الحصر، أما في عهد التابعين فقد اتسعت دائرة الاجتهاد وسلك المسلمون في هذا العهد نفس الطريق الذي سلكه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن الاجتهاد تمثل في مذهبين رئيسيين هما مذهبا الرأي والحديث بسبب العوامل الاجتهادية التي ذكرناها عندما نقلنا كلام ابن خلدون.
ومن أقطاب مذهب الراي في العراق: علقمة بن قيس النخعي ومسروق بن الأجدع الهمداني وإبراهيم بن زيد النخعي وسعيد بن جبير وقد كان عامة من في العراق وما حولها يقلدون هذا المذهب من دون أي نكير، ومن أقطاب مذهب الحديث في الحجاز: سعيد بن المسيب المخزومي و عروة بن الزبير و سالم بن عبدالله بن عمر و سليمان بن يسار و نافع مولى عبدالله بن عمر و كان أهل الحجاز وما حولها يقلدون هذا المذهب دون نكير، وقد كان بين اقطاب هذين المذهبين مناقشات وخصومات حادة في بعض الأحيان ولكن العوام والمتعلمين ممن كانوا دونهم في العلم والفقه لم يكن يعنيهم شأن تلك الخصومة إذ كانوا يقلدون من شاؤوا أو من كان قريبا منهم دون أي إنكار من أحد عليهم ومناقشة المجتهدين بعضهم لبعض لا تنعكس باي تبعية أو مسؤولية على الجاهل المعذور.
الوجه الثالث: الدليل القطعي (العقلي)البين ونعبر عنه بما قاله العلامة الشيخ عبدالله دراز: (…، والدليل المعقول هو أن من لم يكن عنده أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فرعية فإما ان لا يكون متعبدا بشيء أصلا وهو خلاف الإجماع وإن كان متعبدا بشيء فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم أو بالتقليد والأول ممتنع لأن ذلك مما يفضي في حقه وحق الخلق أجمع إلى النظر في ادلة الحوادث والاشتغال عن المعايش وتعطيل الحرف والصناعات وخراب الدنيا بتعطيل الحرث والنسل ورفع التقليد راسا وهو منتهى الحرج فلم يبق إلا التقليد وانه هو المتعبد به عند ذلك الغرض) ([117]) .
وانظر ما قاله في ذلك الآمدي والغزالي في المرجعين السابقين]، ولما رأى العلماء تكامل كل من دليل الكتاب والسنة والعقل على ان العامي أو العالم الذي لم يبلغ درجة الاستنباط والاجتهاد ليس له إلا أن يقلد مجتهدا متبصرا بالدليل، قالوا: إن فتوى المجتهد بالنسبة للعامي كدليل الكتاب والسنة بالنسبة للمجتهد لأن القرآن كما ألزم العالم به التمسك بدلائله وبراهينه فقد ألزم الجاهل بالتمسك بفتوى العالم واجتهاده في بيان ذلك يقول الشاطبي: (فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين والدليل عليه ان وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئا فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم ولا يجوز ذلك لهم البتة وقد قال الله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل الآية (43)]، والمقلد غير عالم فلا يصح له إلا سؤاله أهل الذكر واليهم مرجعه في احكام الدين على الإطلاق فهم إذا القائمون له مقام الشرع واقوالهم قائمة مقام الشارع) ([118]) .
هذا ولابد أن أذكرك بالنصوص التي سقناها لابن القيم والدهلوي والعز بن عبدالسلام والكمال بن الهمام في معرض الرد على أدلة صاحب الإنكار وكلها تنطوي على أدلة مشروعية التقليد بالنسبة لمن قصرت رتبته العلمية عن القدرة على استنباط الأحكام والاجتهاد فيها، وإذا ظهر لك الدليل الواضح القائم على اساس النقل الصحيح والإجماع القطعي والبداهة العقلية على مشروعية التقليد بل ووجوبه عند القصور عن درجة الاستنباط والاجتهاد فاي فرق عندئذ بين ان يكون المجتهد المقلد واحدا من أفراد الصحابة أو واحدا من أئمة مذاهب الرأي او الحديث أو واحدا من أئمة المذاهب الأربعة ما داموا جميعا مجتهدين وما دام الآخر مقلدا جاهلا بكيفية الاستدلال والاستنباط؟! وما معنى القول بأن نشأة المذاهب الأربعة بدعة وأن اتباعها وتقليدها بدعة أخرى؟ لماذا تعتبر نشأة المذاهب الأربعة بدعة ولا تعتبر نشأة مذهب الرأي والحديث ايضا كذلك؟ ولماذا يكون مقلد الشافعي والحنفي مبتدعا ولا يكون مقلد النخعي في العراق وسعيد بن المسيب في الحجاز كذلك؟ بل لماذا يكون اتباع هذه المذاهب الأربعة ابتداعا ولا يكون مثله في الابتداع مذهب عبدالله بن عباس أو عبدالله بن مسعود أو عائشة أم المؤمنين؟!،وماذا فعل أئمة المذاهب الأربعة من البدع حتى نصد العامة عن تقليدهم ونتهمهم بالابتداع إن هم التزموا اتباعهم؟… أي شيء زادوه على أسلافهم المجتهدين من الصحابة والتابعين؟!
إن كل ما يعتبر جديدا من عملهم أنهم دونوا السنة والفقه من جانب ووضعوا اساسا ومنهجا للاستنباط والبحث من جانب آخر فكان من نتيجة ذلك أن انكسرت حدة الخلاف بين مذهبي الرأي والحديث من قبلهما واصطلح الفريقان على تحكيم الميزان الجديد المستند هو ايضا بدوره إلى دلائل السنة والكتاب والإجماع فقويت بذلك اركان هذه المذاهب الأربعة ورسخت جذورها ودونت اصولها وفروعها وأولاها العلماء العناية والتمحيص فكان سر امتداد أجلها وانتشار كتبها ودفاع العلماء في كل عصر من العصور عنها مع الاتفاق على أنه ليس لأي عالم فهم مدرك الحكم ودليله وكان لديه من ملكة الاستنباط والبحث ما يطمئن به إلى سلامة فهمه وعلمه ان يقلد أحدا من هؤلاء الأئمة في ذلك الحكم، هذا هو الجديد الذي امتازت به المذاهب الأربعة عن المذاهب الأخرى فأي بدعة تكتنفها واي ضلالة تحيق بأولئك الملايين الذين اتبعوها وبأي سبب علمي أو شبه علمي يدعي صاحب الإنكار هذا بأن هذه المذاهب أمور مبتدعة وأن التمذهب بها بدعة نشأت بعد القرن الثالث وبأي وجه شرعي يشبه المقلدين لهذه المذاهب بالحمر المستنفرة؟! حسبي بعد أن أوضحت حقيقة التقليد ودليله وموقع المذاهب الأربعة من المذاهب التي قبلها وواقع المسلمين في عصر هذه المذاهب وقبلها أن أضع أمام القارئ العاقل المنصف هذه الأسئلة التي تثير العجب العجاب من كلام هذا المنكر ولن أتبرع أنا بالجواب عن شيء من هذه الأسئلة فإن في إنصاف أي قارئ عاقل ما يقنعه بجنوح هذا الإنكار وصاحبه عن الحق البين النير الصريح.
ولننتقل بعد هذا إلى الدليل على الأمر الثاني، ثانيا: لا يحرم على المقلد التزام مذهب معين: فإذا انتهينا بعد حديثنا السابق إلى ان الجاهل المقصر عن رتبة الاجتهاد والاستنباط لا يسعه إلا التقليد وثبت لنا ذلك بالأدلة الواضحة التي عرضناها فإننا نسأل بعد ذلك هل على المقلد أن يستبدل كل يوم بإمامه الذي يتبعه إماما جديدا؟ أو هل عليه أن يفعل هذا كل شهر أو كل سنة مثلا؟… وإذا كان هذا هو الحكم أي إذا كان عليه أن يلتزم تغيير إمامه المتبع بين كل حين وآخر فما هو الدليل الشرعي على ضرورة الالتزام؟ نقول في الجواب: إن واجب الجاهل بدليل الحكم أن يقلد كما ذكرنا والأمر في ذلك مطلق كما هو واضح من دلالة قوله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل الآية (43)]، فمهما سأل الجاهل أهل الذكر وقلدهم فيما أفتوا به وذهبوا إليه فقد طبق أمر الله بالنسبة لنفسه سواء التزم إماما بعينه أو لم يلتزمه وسواء أكان التزامه بسبب قربه منه أو سهولة اطلاعه على مذهبه أو لمزيد من الاطمئنان لديه إلى آرائه ومذهبه فإن اعتقد أن عليه أن يلتزم إماما بعينه لا يحيد عنه ولا يستبدل به غيره فهو مخطئ وإن اعتقد حكما من عند الله عز وجل دون أن يتبع في اعتقاده هذا مجتهدا قد أخطأ في اجتهاده كان آثما وإن اعتقد أن عليه ان يلتزم استبدال إمامه كل يوم أو بين كل حين وآخر فهو أيضا مخطئ وإن اعتقد حكما منزلا من الله عز وجل ولم يكن له عذر الانخداع براي من يتظاهر بمظهر الاجتهاد كان آثما أيضا إذ كل ذلك تزيد على أمر الله وحكمه، إن عليه أن يعلم بأن واجبه اتباع مجتهد في كل ما لا يستطيع فهمه من الأدلة الأصلية ولم يكلفه الله تعالى أكثر من ذلك أي لم يكلفه باي التزام لا التزام التغيير في الأئمة ولا التزام التمسك بواحد على الدوام، هذا هو الحكم المتفق عليه لدى العلماء والأئمة ودليل ذلك من عدة وجوه:
(الوجه الأول): أن إيجاب التزام إمام واحد أو التزام تغيير الأئمة حكم زائد على الأصل الذي هو واجب الاتباع والتقليد فلابد له من دليل ولا دليل له، إذ لم يرد الدليل إلا ببيان أن على من لم يستطع تمحيص الأدلة واستنباط الأحكام منها أن يتبع إماما توفرت لديه قدرة الاجتهاد وكل شرط يزاد على مدلول هذا الدليل فهو ابتداع واختراع باطل لا يؤبه به والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيما صح عنه: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) ([119]) .
وروى الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة قريبا منه بلفظ: (ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط…)]، ([120]) .
والعجيب أن صاحب الكراس يستدل على ما يدعيه من حرمة التزام مذهب بعينه بهذا الذي نقوله من أنه لا دليل على وجوب الالتزام وإذا كان إيجاب الالتزام أمرا لا دليل عليه كما نقول فما الفرق بين أن يوجب المقلد على نفسه التزام التغيير أو التزام عدم التغيير؟ ولماذا يكون أولهما واجبا لا مناص منه وثانيهما محرما لا مسوغ له مع أن كلا منهما داخل تحت الالتزام المنهي عن تصور وجوبه؟! وإذا فليس على المقلد المعذور في تقليده إلا أن يعلم وجوب ذلك عليه فإن اعتقد ان واجبه التزام إمام بعينه لا يتحول عنه أو أن واجبه التزام التحول من إمام إلى آخر كل يوم فهو على خطأ ويجب تنبيهه إلى الصواب أما إن علم أن الشارع لم يكلفه بالتزام إحدى الحالتين فهو على حق سواء التزم (من الناحية العلمية) إماما بعينه ولم يتحول عنه أو كان دأبه التحول من إمام إلى آخر [ولكن يشترط لصحة التحول أن لا يدفعه إلى ذلك هوى في نفسه وتطلع إلى التفلت من التكاليف والواجبات وأن لا يقلد أكثر من مجتهد واحد في عبادة واحدة عند جمهور الفقهاء والأصوليين إذ لو فعل ذلك لاستلزم الإتيان بعبادة واحدة ملفقة من اجتهاد إمامين على صورة لا يقرها كل منهما وأن يعلم مذهب الإمام الجديد الذي تحول إليه فيما يريد أن يتبعه فيه]
(الوجه الثاني): أننا نقول: إن هنالك عشر قراءات متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلى بها القرآن وقد تجرد لخدمة كل قراءة من هذه القراءات إمام معين رواها وقرأ بها وأقرأها الناس وتتلمذوا عليه فيها وقد ثبت أن المسلم يقرأ بأي هذه القراءات شاء كما ثبت أن المسلم العاجز عن الاجتهاد يقلد أي المذاهب الأربعة أفيجب على المسلم إذا أن يقرأ كل حين بقراءة جديدة بحيث يحرم عليه التزام قراءة بعينها دون أن يتحول عنها؟! وهل قال أحد من المسلمين بهذا الكلام قديما أو حديثا؟ وصاحب الإنكار نفسه أفيقرأ القرآن كل يوم بقراءة معينة غير التي قرأ بها في الأمس، وما الفرق بين اتباع أئمة الفقه في فروع الدين واتباع أئمة القراءات في قراءة القرآن؟ لماذا يجب على متبع الطائفة الأولى أن يلون ويغير… ولا يجب على متبع الطائفة الثانية أن يفعل مثل ذلك؟ سيقول بعضهم إن المسلم قد لا يتوفر إلا على تعلم قراءة واحدة وليس له من سبيل إلى معرفة سائر القراءات الأخرى ونحن نقول مثل هذا في اتباع المذاهب أيضا إن المسلم قد لا يتوفر غلا على حفظ مذهب إمام واحد من الأئمة الاربعة وليس لديه من سبيل إلى حفظ مذاهب الأئمة الأخرى فيما يحتاج من الأحكام فلماذا نعذر الأول ولا نعذر الثاني؟ على أن القضية ليست قضية عذر أو عدمه ولكنها تعود إلى الدليل، وليس لنا من دليل على وجوب التزام التغيير أو عدم التغيير لا في الاقتداء بأئمة القراءات ولا في الاقتداء بأئمة الفقه فالحكم فيها إذا سواء.
(الوجه الثالث): أنه قد انقضى عصر الصحابة وانقضى من بعده عصر التابعين وجاء بعد ذلك دور الأئمة الأربعة والعصر الذي يليه ولم نسمع أن إماما من أئمة هذه العصور كلها حذر المقلدين للأئمة والمفتين من ان يلتزموا مفتيا بعينه ولم نسمع أن واحد منهم امر الناس ان يتنقلوا بين الأئمة يتلقون من جميعهم ويقلدون كل واحد منهم فترة من الوقت بل الذي نعلمه عكس ذلك إننا نعلم أن الخليفة كان يعلن اسم الإمام الذي عهد إليه بالافتاء ويوجه أنظار الناس في البلدة إليه ليلقوه بأسئلتهم ويتبعوه في أمر دينهم وربما منع الخليفة من دونه عن فتوى الناس كي لا يضطربوا ويحتاروا فيما يواجههم من الفتاوى المختلفة، لقد انفرد عطاء بن أبي رباح ومجاهد بالفتوى في مكة وكان يصيح منادي الخليفة ان لا يفتي الناس إلا أحد هذين الإمامين([121]) .
ومضى على أهل مكة مدة طويلة من الزمن يلتزمون فيها مذهب هذين الإمامين وما أنكر عطاء ولا مجاهد ولا غيرهما من الأئمة على الخليفة شيئا من هذا الأمر ولا نهى واحد منهم الناس عن التزام مذهب إمام بعينه وربما اطمأنت نفس بعض الناس إلى فتاوى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فكان لا يلقي بأسئلته واستفتاءاته إلا لهذا الصحابي الجليل وما عرف أحد من العلماء أنه أو غيره من الصحابة نهى عن هذا الالتزام وأثم صاحبه من أجله وقد عاش أهل العراق أمدا طويلا من الزمن وهم يلتزمون مذهب الحديث متمثلا في شخص عبدالله بن عمرو وتلاميذه وأصحابه فلا ينكر عليهم أحد من أهل العلم ذلك وقد تمذهب ملايين من الناس عواما ومتعلمين وفقهاء بمذاهب الأئمة الأربعة كل يختار منها ما يشاء أو ما يسهل عليه او ما هو أقرب إلى موطنه ومحل سكنه وقد سجلت كتب الطبقات أسماء آلاف مؤلفة من أعيانهم وأعلامهم تقرأ تلك الأسماء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي وفي طبقات الحنابلة للحافظ القرشي ولم يقل واحد منهم أو من أساتذتهم وأئمتهم إنه لا يجوز للمقلد في المذهب أن يلتزم مذهبا بعينه !!،، وها هو الإمام الذهبي رحمه الله تعالى الله يتحدث عن الفقهاء الذين التزموا مذهب أئمتهم مادحا ومثنيا ومؤيدا لهم في ذلك ما لم يتعصب أحدهم لمذهب إمامه مع انكشاف الدليل الصحيح له وفهمه له على وجهه، يقول في رسالة (زغل العلم والطلب): الفقهاء المالكية على خير اتباع وفضل إن سلم قضاتهم ومفتوهم من التسرع إلى الدماء والتكفير ثم يقول: والفقهاء الحنفية أولوا التدقيق والرأي والذكاء والخير من مثلهم إن سلموا من التحيل والحيل على الربا وإبطال الزكاة… ثم يقول والفقهاء الشافعية من أكيس الناس وأعلمهم بالدين فأساس مذهبهم مبني على اتباع الأحاديث الثابتة المتصلة وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث ومناقبه جمة فإن حصلت يا هذا مذهبه لتدين الله به وتدفع عن نفسك الجهل فأنت بخير،، ويقول عن الحنابلة فعندهم علوم نافعة وفيهم دين بالجملة ولهم قلة حظ في الدنيا والناس يتكلمون في عقيدتهم ويرمونهم بالتجسيم وبأنه يلزمهم؟ وهم بريؤون من ذلك إلا النادر والله يغفر لهم وينهى هؤلاء المتمذهبين عن التعصب المذموم لأئمتهم واعتقاد الواحد منهم بأن مذهبه أفضل المذاهب كلها ويقول: (لا تعتقد أن مذهبك أفضل المذاهب وأحبها إلى الله تعالى فإنك لا دليل لك على ذلك ولا لمخالفتك أيضا بل الأئمة رضي الله عنهم كلهم على خير كثير ولهم في صوابهم أجران على كل مسألة وفي خطئهم أجر واحد) ([122]) .
فتأمل يا أخي المنصف: هذا كلام الحافظ الكبير شمس الدين الذهبي تلميذ الإمام ابن تيمية يثني على المذاهب الأربعة ويقرهم على الأخذ من أئمتهم والتزام اجتهاداتهم ويثني عليهم بالذي رأيت من كلامه فيهم محذرا إياهم بإنصاف من الانسياق في العصبية وترجيح رأي الإمام على ما اتضح لهم من الدليل المبين المفهوم وتلك هي طبقات أعلام الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة وذلك هو واقع التابعين والصحابة كما شرحته لك وأوضحت… وكل ذلك ناطق بأبين لسان مجمع بأقوى اتفاق على أن التزام المقلد لإمام معين لا يتحول عن تقليده لا ضرر فيه ولا إثم ولا حرج،، ما لم يعتقد أن الله قد كلفه بهذا الالتزام فهذا ما ننكره وينكره كافة المسلمين.
[ما معنى الإمام والتمسك بمذهبه]؟ وعندما توضح ما يعلمه كل مسلم منصف من أن من لم يبلغ درجة الاجتهاد لا يسعه إلا أن يتبع إماما مجتهدا سواء التزمه أو لم يلتزمه ينبغي أن نوضح أيضا معنى ضرورة اتباع هذا الإمام والتمسك بمذهبه أهو التمسك بمذهبه لشخصه أو لمزية معينة في ذاته هو؟ معاذ الله…، معاذ الله أن يكون في المسلمين من قال هذا لقد علم جميع المسلمين منذ عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم ان شريعة الله وحدها هي الحاكمة على الناس وهي وحدها المنار لهم واساس سلوكهم واقتدائهم، ولكن لما اقتضت حكمة الله وسنته في خلقه ان يتفاوت الناس في العلوم والمعارف عموما وفي معرفة احكام الشريعة الإسلامية خصوصا كان لابد ليخضع الجميع لشريعة الله وقانونه من ان يتمسك الجاهل بذيل العالم وان يقتدي العالم بالأعلم حتى يلتقي الجميع على صراط واحد هو صراط الله العزيز الحميد وهذه الحقيقة ماثلة حتى بالنسبة لاقتدائنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن لا نقتدي به من حيث إنه محمد المتمثل بشخصه الإنساني المجرد وإنما نقتدي به من حيث إنه مبلغ عن الله سبحانه وتعالى ولذلك لا يقال: إن اتباع الكتاب أولى من اتباع السنة لأن كلام الله أحق وأولى بالاتباع من كلام البشر أيا كان لأن موجب اتباعنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كونه مبلغا عن الله عز وجل فنحن إنما نتبعه لذلك فقط وشأن ما بين الأئمة المجتهدين وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التبليغ عنه والفهم لمراده المقصود بكلامه مثل شأن ما بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وربه عز وجل من حيث التبليغ عنه وبيان ما نزل إليه من القرآن، ولقد عبر الشاطبي عن هذا المعنى الذي أوضحته لك اجمل تعبير قال في كتابه الاعتصام (3/250) ما نصه: (إن العالم بالشريعة إذا اتبع في قوله وانقاد الناس في حكمه فإنما اتبع من حيث هو عالم بها وحاكم بمقتضاها لا من جهة أخرى فهو في الحقيقة مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المبلغ عن الله عز وجل فيتلقى منه ما بلغ عن العلم بانه بلغ أو على غلبة الظن بأنه بلغ لا من جهة كونه منتصبا للحكم مطلقا إذ لا يثبت ذلك لأحد على الحقيقة إنما هو ثابت للشريعة المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت ذلك له عليه الصلاة والسلام وحده دون الخلق من جهة دليل العصمة)، ثم قال: (فإذا المكلف بأحكام الشريعة لا يخلو من احد أمور ثلاثة): (أحدها): أن يكون مجتهدا فيها فحكمه أداه إليه اجتهاده فيها… الخ، و (الثاني): أن يكون مقلدا صرفا خاليا من العلم الحاكم جملة فلابد له من قائد يقوده وحاكم يحكم عليه وعالم يقتدي به ومعلوم أنه لا يقتدي به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم ودليل ذلك انه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه بل لا يصح أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في امر مع علمه بأنه ليس من أهل ذلك الأمر كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى احد يعلم أنه ليس بطبيب إلا أن يكون فاقد العقل وإذا كان كذلك فإنما ينقاد إلى المفتي من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه لا من جهة كونه فلانا أو فلانا أيضا وهذه الجملة لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا شرعا، و (الثالث): أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين ولكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة في تحقيق المناط ونحوه فلا يخلوا إما أن يعتبر ترجيحه او نظره أو لا فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه والمجتهد إنما هو تابع للعلم والحاكم ناظر نحوه متوجه شطره فالذي يشبه كذلك وإن لم نعتبره فلابد من رجوعه إلى درجة العامي والعامي إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم فكذلك من نزل منزلته([123]) .
إذا علمت هذا وتصورته وانت مقبل إلى هذا الكلام بعقل منصف غير متعصب أدركت أن من الجهل الغريب والشنيع ما يقوله صاحب الإنكار (اعلم أن المذهب الحق الواجب الذهاب إليه والاتباع له إنما هو مذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الإمام الأعظم الواجب الاتباع) إلى ان يقول (فإن كان الأصل هكذا فمن أين جاءت هذه المذاهب؟ ولماذا شاعت وألزمت على ذمم المسلمين) ثم يكيل ألفاظ السب والشتم لأتباع هذه المذاهب والمتمسكين بها! إنه يتجاهل ما يعلمه أي دارس لتاريخ التشريع الإسلامي عن نشأة المذاهب والمصدر التي جاءت منه مما ذكرنا طرقا منه في هذه الرسالة ليوهم العوام من الناس أن اتباعها إنما كان بسبب تفضيل لها على مذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم !!… وقد انطلى هذا الوهم على كثير من العوام الذين لا يعلمون أي علم عن معنى الاجتهاد والتقليد ونشأة المذاهب وتسللت هذه الخديعة إلى تفكيرهم حتى راح أحدهم يقول: حقل يا أخي أنحن أتباع رسول الله أم أتباع الشافعي واي قيمة لمذاهب هؤلاء الأئمة أمام مذهب رسول الله؟! أليس هذا الإيهام خدعة يترفع عنها كل ذي مسكة من العلم والإنصاف والإخلاص لدين الله؟! أحقا لا يعلم صاحب الإنكار حقيقة معنى اتباع المذاهب وقد شرحها سائر العلماء في مئات الكتب والمراجع وأثبتها التاريخ في معظم مراجعه ومصادره حتى يكون معذورا بالجهل عندما يقول للعامة هذا الكلام العجيب؟! لئن كان جاهلا بهذه الحقيقة الواضحة ومع ذلك يتنطح لهذه الدعوة الخطيرة، فإنه لأمر مؤسف وشنيع وإن كان يعلمها جميع الباحثين والمثقفين ولكنه يتجاهلها ليفسح المجال لبدعته أن تسير إلى أدمغة الناس فإن الأمر لينطوي على ما هو أشد وأشنع !!،،
[متى يجب الانقطاع عن تقليد المذاهب وإمامه]: هنالك حالتان يجب فيهما على المقلد مهما كان شأنه أن يمتنع عن مواصلة اتباع إمامه وتقليده:
(الحالة الأولى): أن يصل في معرفة مسألة من المسائل إلى الإحاطة بها والاطلاع على كافة أدلتها ومعرفة كيفية استنباط الحكم منها فإن عليه أن يتبع في تلك المسألة ما يهديه إليه اجتهاده وليس له أن يطوي ملكته العلمية فيها ليواصل السير وراء إمامه،، فإن كانت ملكته هذه تتسع لأكثر من مسألة واحدة فالحكم فيها كذلك.
و(الحالة الثانية): إذا رأى حديثا يدل على عكس ما يذهب إليه إمامه الذي يقلده في دينه وتأكد من صحة الحديث ودلالته على الحكم فإن عليه أن يتبع دلالة الحديث ويقلع عن التمسك بمذهب إمامه في الحكم لأن الأئمة الأربعة جميعا كانوا يوصون أصحابهم وتلاميذهم بالتحول إلى دلالة الحديث الصحيح إذا جاء مخالفا لاجتهاداتهم فالتحول إلى الحديث هو في الحقيقة من صميم المذاهب الأربعة وهو قدر مشترك يلتقون عليه ويدينون به، ولكن لذلك شروطا لابد من معرفتها ومراعاتها فليس كل حديث يلمحه الباحث ويرى أنه يدل على خلاف اجتهاد إمامه دالا في الحقيقة على ما فهمه هذا الباحث.
وإليك ما يقوله في بيان ذلك الإمام النووي في كتابه المجموع: (وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل واحد رأى حديثا صحيحا قال هذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره وإنما هذا فيمن له ربتة الاجتهاد في المذهب على ما تقدم من صفته أو قريب منه وشرطه أن يغلب على ظنه ان الشافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب أصحابه الاخذين عنه وما أشبهها وهذا شرط ضعيف قل من يتصف به وإنما اشترطوا ما ذكرنا لأن الإمام الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك ([124]) .
ولترك الإمام العمل بظاهر حديث ما أسابا اجتهادية كثيرة وأوصلها ابن تيمية رحمه الله إلى عشرة أسباب وأضاف اليها سببا آخر هو أنه يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع عليها فإن مدارك العلم واسعة([125]) .
فإذا بحثنا عن أسباب ترك الإمام المجتهد لظاهر الحديث ولم نعثر على سبب من الأسباب العشرة التي صورها ابن تيمية فلا يجوز أن يعدل بعد ذلك عن دلالة الحديث الصحيح بحجة أنه قد يكون له عذر لم نطلع عليه وقد تكون له حجة لم يذكرها إذ أن تطرق الخطأ إلى العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية بعد معرفتها وتمحيصها وفهم المقصود منها ([126]) .
فهذه هي أدلة مشروعية التقليد بالنسبة لمن لم يبلغ أن يكون مجتهدا وهذه هي أدلة جواز التزام المقلد مذهبا بعينه وجواز عدم الالتزام ذكرناها مفصلة واضحة ليس حولها أي غموض ولا تكتنفها أية غاشية فإن كنت يا أخي القارئ منصفا متحررا من العصبية وحب الانتصار للذات والنفس أدركت أن ما قلته هو الحق، إما إذا كنت مسوقا بدافع من العصبية والأهواء النفسية فإن كل هذا الذي أوضحته لك ليس إلا كلاما فارغا لا قيمة له وهيهات أن تجد فيه أي علاج لعصبيتك وأهوائك إنما العلاج أن أدعو الله لي ولك أن ينجينا من حظوظ النفس ويبعدنا عن مطارح الهوى ويهبنا نعمة الإخلاص لدينه والإنصاف في فهم شريعته،
[ماذا يحدث لو أنساب الناس جميعا في بيداء اللامذهبية]: وبعد كل ما أوضحناه وسردناه من الأدلة القاطعة نتسائل: لماذا أعرضنا عن كل هذه الأدلة ودعونا الناس (اجتهادا منا) إلى الانطلاق من قيد المذاهب واتباعها والانسياح في رحب الاجتهاد؟ وأقول لك في الجواب: ما يحدث لو دعونا الناس كلهم إلى الانطلاق في مشاريعهم العمرانية عن اتباع المهندسين والاستعانة بهم والاعتماد عليهم وفي قضاياهم وعلاجاتهم الصحية عن اتباع الأطباء والاعتماد عليهم والأخذ بأقوالهم وفي صناعاتهم وأسباب معايشهم عن اتباع أرباب الاختصاص في تلك الصناعات ونبذ الاستفادة من معلوماتهم ومهاراتهم ماذا يحدث لو دعونا الناس كلهم إلى الخروج عن اتباع هؤلاء المختصين والاستعاضة عن ذلك بالاجتهاد في كل ذلك واعتماد القناعة الذاتية التي تأتي بعد البحث والاجتهاد ثم صدقنا الناس في هذه الدعوة وفعلوا ذلك،؟ إن الذي سيحدث وراء ذلك بلا شك هو الفوضى المهلكة للعمران والحرث والنسل يعمد الناس إلى تخريب بيوتهم عن طريق التعمير ويسرعون إلى إزهاق أرواحهم باسم التطبيب ويجرون على أنفسهم الفقر والضياع من وراء العمل والتصنيع ذلك لأنهم وضعوا الاجتهاد في غير مكانه وطبقوه بدون شرطه وتجاهلوا سنة الله في الكون من ارتباط فئات الناس بعضهم ببعض في مجال التعاون والتناصر والتعليم والاسترشاد، وهذه حقيقة يعلمها الناس جميعا حتى الأطفال الصغار وحتى دعاة اللامذهبية أنفسهم ولكن لماذا لا يفهم هؤلاء الناس هذا القانون نفسه في مجال الاختصاصات الدينية وأحكام الحلال والحرام؟…، لا ندري !، إن النتيجة التي ستحدث لدى اقتحام الناس جميعا ميادين الاجتهاد في تلك الاختصاصات الدنيوية هي نفس النتيجة التي ستحدث لدى اقتحام الناس جميعا ميادين الاجتهاد في العلوم الشرعية وأحكام الحلال والحرام، عندنا اليوم فقه متكامل يتعلق بجميع أحوال الناس أفرادا وجماعات استخرجه ودونه الأئمة المجتهدون وأصحابهم العلماء فهو اليوم متجسد ماثل أمامنا يقول لسان حاله لنا: ليس بينكم وبين أن تطبقوا هذا الفقه في قضاياكم المدنية والجنائية وغيرها إلا أن تصنفوه بطريقتكم المفضلة… فإذا عرضنا هذه الثروة الفقهية لرياح عاتية من الاجتهاد العام لكل المسلمين كان مصير هذا الفقه مصير الهشيم الذي تذروه الرياح الهائجة… وننظر فإذا بنا من بنياننا الفقهي العتيد أمام أطلال ونثار من الأحجار والأنقاض المبعثرة هنا وهناك وإنها لنتيجة لا يماري فيها إلا مكابر من طراز غريب وأمام المسلم اليوم سبيل سائغة لفهم أحكام صلاته وصيامه وزكاته وسائر ما تتعرض له حياته الخاصة من القضايا الدينية عن طريق دراسة كتاب صغير في مذهب من المذاهب الأربعة يحوي خلاصة الأحكام الشرعية ولا عليه أن لا يفهم أو يقف على أدلتها ما دام غير مجتهد كما كان عليه حال كثير ممن يستفتون كبار الصحابة والتابعين، فإذا ما كلفت كل مسلم بالاجتهاد والنظر في الأدلة وأقصيته عن هذه الكتب التي كان بوسعه أن يحفظ منها أحكام الحلال والحرام مقلدا أحد الأئمة فمعنى ذلك أنك قد قلت له بكل صراحة ووضوح ليس حكم الله فيما يعترضك من مشكلات إلا ما تهديك إليه قناعتك الذاتية… وانتظر بعد ذلك أن تجد الشريعة الإسلامية كلها اسما لا مسمى تحته وعنوانا لا موضوع له وبناء كمقبرة جحا جدار أثبت فيه باب موصد بالأغلال ومن ورائه أرض سائبة ترتع فيها السباع والذئاب أما إن انطلقت به بعد اقصائك إياه عن تلك الكتب وأئمتها إلى كتب أخرى ألفها واجتهد فيها أناس آخرون فألزمته بهم وحملته على تقليدهم فأنت لم تفعل بذلك شيئا أكثر من أنك أوجبت عليه أن يتحول من تقليد الشافعي وأبي حنيفة ومالك واحمد إلى تقليد فلان وفلان من المعاصرين وليس لهذا الإلزام أي معنى إلا معنى الحقد والضغينة على الأئمة الأربعة وتابعيهم والتعصب لفلان وفلان والترويج لاجتهاداتهم، لقد قلت – القائل: الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – مرة لطالب صلى إلى جانبي وهو يحرك اصبعه في جلسة التشهد تحريكا مستمرا: لماذا تحرك إصبعك هكذا؟ فقال: لأنه سنة واردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ما الحديث الوارد في ذلك وما درجته من الصحة وما دليل النص الذي فيه على أن المقصود بالتحريك هذا التحريم المستمر؟ فقال الشاب: لا أدري ولكن سأسأل عن ذلك فلانا من الناس…،! لو أنه إذ وجد نفسه جاهلا بالدليل قال: أقلد في ذلك مذهب الإمام مالك لاستراح وأراح وأدى الواجب الذي عليه، إذا فقد قضى هذا الإنسان على تمسكه بمذهب إمام من الأئمة الأربعة لا لشيء إلا ليرتبط بتقليد شخص آخر ولو عاش هذا الإنسان عمره كله ملازما هذا الشخص يأخذ عنه وحده لما قال له هؤلاء الناس: يحرم عليك التزام مذهب بعينه كما يقولون ذلك في حق المتمسكين بمذاهب الأئمة الأربعة !! أفرأيت إلى التعصب في أسوى أشكاله وأعتى مظاهره.
[قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: لا يهمنا أن يكون لهؤلاء اللامذهبيين اجتهادات خاصة في أحكام الشريعة الإسلامية يخالفون فيها الجمهور من الأئمة ويوافقون بها من يرون موافقتهم من الآخرين لا يهمنا هذا فربما بحث بعضهم وبذل من الجهد في بعض المسائل الفقهية ما جعله قادرا على الاجتهاد فيها وذلك في اعتقاده هو على أقل تقدير وقد ترى رأيا يخالفهم في ما ذهبوا إليه وقد تفضل ما ذهب إليه الجمهور وقد لا تقر قدرتهم على الاجتهاد وقد نناقشهم في ذلك كله مناقشة أخوية هادئة إذا اقتضت المناسبة ولكننا لا نجعل من رايهم الذي اختاروه باسم النظر والأخذ من الكتاب أو السنة موضوع استنكار وسبب إثاره النزاع أو الضجيج، أجل فليس لنا من شأن فيمن يفضل أن يحرك اصبعه أثناء التشهد أو يفضل أداء صلاة التراويح ثمان ركعات أو لا يرى في اعتقاده ما يسوغ قضاء المكتوبة الفائتة عمدا… فقد وجد في الأئمة والفقهاء من قال بهذه الأقوال وليس بدعا في التاريخ الإسلامي أن يدعي اناس الاجتهاد فيختاروا لأنفسهم مذاهب في بعض المسائل الفقهية سواء كانوا أهلا للاجتهاد في الحقيقة أو لم يكونوا كذلك ولكن الذي نذكره ويهمنا أمره هو أن يتخذ هؤلاء الناس من آرائهم التي ذهبوا إليها اسلحة ماضية يحاربون بها أئمة المذاهب ويقطعون بها النسب المتين بينهم وبين جماهير المسلمين ويثيرون بها الفتن في المساجد والأحياء في كل المناسبات الممكنة تماما كما هو حال أكثرهم الآن لقد تركوا سبيل الدعوة إلى الله والى دينه وأعرضوا عن المنحرفين وما هم فيه من ضلال وشكوك وغي وانطلقوا يتصدون لكل متدين يخالفهم في اجتهادهم أو يصر على تمسكه بمذهب إمام من الأئمة الأربعة أو يعلن عن ضعفه عن الاجتهاد وحاجته إلى التقليد فيثيرون معهم جدالا لا نهاية له وينتهون بهم إلى شحناء لا مسوغ لها يتهمونهم بالضلال ويرمون أئمتهم بالجهل ويصفون كتبهم بالصدى والانحراف؟؟!!،،إن ظهرت في يد أحد سبحة يضبط بها أوراده انقضوا عليه]؟! فاي إنسان منصف يستسيغ نبذ تلك الأدلة التي سقناها على ضرورة تقليد المسلم واحدا من الأئمة المجتهدين ما دام عاجزا عن الاجتهاد ثم دعوة الناس جميعا إلى ان يجتهدوا وإن لم يكونوا أهلا لذلك وأن يتحللوا من تقليد الأئمة المجتهدين وإن اتبعهم من قبله ملايين المسلمين وأن يستخرجوا أحكام الحلال والحرام من الكتاب والسنة كما يفهمون وكما يتخليون وإن مزقوا بذلك شريعة الله بين أوهامهم وأخيلتهم المتنوعة المختلفة؟ وأي إنسان لا يعلم أن فتح هذا الباب على مصرعيه أمام جميع الناس على اختلافهم إنما هو تمكين للمتربصين بالاسلام وشريعته من أن يمزقوها إربا إربا بسكين الاجتهاد؟!،وهل عالمنا العربي مثقف وعى شيئا من واقع التاريخ الحديث لا يعلم السبيل الذي نفذت منه بريطانيا عقب احتلالها لمصر إلى الشريعة الإسلامية تعبث بها كما تشاء؟ لقد كان الإسلام في نظر اللورد كرومر متأخرا جامدا يستعصي على التطور وكان يبحث عن وسيلة سائغة لإفلات المجتمع المصري من هذا التقيد… وكانت الوسيلة السائغة البارعة بث فكرة الاجتهاد في صدور أولئك الرجال الذين كانوا يؤمنون بضرورة تطور المجتمع الأوروبي الحديث وما هو إلا أن سلمت لهؤلاء الرجال المناصب الدينية الحساسة كالافتاء ومشيخة الأزهر وإدارته حتى انطلق الرجال الذين آمنوا بالمجتمع الأوروبي في كثير من مظاهره وقيمه يدعون شيوخ الأزهر وعلماءه إلى الاجتهاد قفزا فوق شروطه حتى ذهب الشيخ المراغي إلى أن للمجتهد أن لا يكون عالما باللغة العربية وقام رسل بريطانية يجتهدون في الشريعة الإسلامية وانتهوا في اجتهادهم إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية فقيدوا تعدد الزوجات وحق الطلاق وساووا بين الرجل والمرأة في الميراث وانطلقت الفتاوى الاجتهادية نشيطة تنكر الحجاب وتجيز نسبة معينة من الفوائد الربوية في البنوك وكانوا يصفون أرباب هذه الفتاوى بسعة الأفق ومرونة الفكر وتفهم روح الإسلام([127]) .
[فما هي الفائدة التي ينبغي أن نستفيدها من هذا الواقع الغريب]؟ ما هو المسوغ لتهديم بنائنا الفقهي العظيم الذي شيد بأيدي أئمة مجتهدين مخلصين بإجماع القرون الماضية كلها ثم لفتح باب الاجتهاد أمام الجميع ونبذ التمسك بالمذاهب الأربعة وإن الوباء الذي اقتحم باب الاجتهاد بالأمس موجود بذاته اليوم وإن الأيدي التي تتهيأ لتمزيق أحكام الإسلام بسكين الاجتهاد اليوم أضعاف الأيدي التي فعلت ذلك بالأمس؟ دعو المسلمين يا هؤلاء يسيرون وراء أئمتهم التي أطبقت القرون كلها على مشروعية تقليدهم واتباعهم واجتهدوا إن كنتم تريدون الاجتهاد في استخراج أحكام المشكلات الحديثة التي لم تكن موجودة بالأمس ولم يتحدث عنها الأئمة في أيامهم ولسوف ندعوا لكم بالتوفيق وسداد الفكر والرأي، ولكنكم ويا للعجب تعرضون عن الجديد الذي لم يتحدث عنه الأئمة السابقون مما يجب الاجتهاد فيه ومعرفة حكمه في هذا العصر كالتأمين على الحياة والبضاعة، وكأنواع الشركات المغلفة والمساهمة وغيرها وكأنواع الضمانات الاجتماعية المعروفة اليوم والتعويضات الداخلة في العقود ومختلف العقود الجديدة على الأرض بين ملاكها ومستأجريها… الخ، تعرضون عن البحث في هذا كله ثم تمضون في تسفيه اجتهادات الأئمة الأربعة وتحذير عامة الناس من اتباعهم والاقتداء بهم!!،، أجل والله ما رأيت واحدا من هؤلاء اللامذهبيين بحث ذات يوم في مسألة من هذه المسائل الطارئة الجديدة التي يتساءل العوام كل يوم عن حكمها إنما يوفر الواحد منهم جهده كله لتهديم ما تم بناؤه واستقرت أحكامه وأعذر كل من المجتهدين والمقلدين أمام الله في الأخذ به فأبرؤوا بذلك ذممهم وأدوا حق الله في أعناقهم !،يا هؤلاء دعوا الأحكام المستقرة التي دونها صفوة أئمة المسلمين وتقبلها منهم المسلمون جيلا بعد جيل وشمروا لنا الساعد للاجتهاد في هذه المسائل الطارئة الجديدة التي لم يسبق لأحد من الأئمة فيها نظر أو بحث والتي يشكوا عامة المسلمين جهلهم بحكم الله فيها فإن خرجتم من اجتهادكم فيها بشيء وربطتم بينها وبين أدلتها من الكتاب والسنة وأبرزتم وجه استنباط الأحكام منها سلمنا اليكم عندئذ رقاب الأئمة الأربعة معا وتركناكم تنسخون اجتهاداتهم باجتهاداتكم ودعونا الناس جميعا إلى اتباعكم من دونهم.
[خلاصة مناقشة جرت بين فضيلة الدكتور (محمد سعيد رمضان البوطي) حفظه الله تعالى وبين بعض اللامذهبيين] قال فضيلته في اللامذهبية: لعل هذا الفصل يفوق في الأهمية سائر فصول هذه الرسالة !، وليس السبب في ذلك ما قد تجده فيه من نقاط وموازين علمية جديدة فقد ذكرنا من الأدلة العلمية المختلفة ما يزيد عليه ولكن السبب ما ستجده فيه من مظاهر العصبية التي قد لا تجدها عند أي ذي عقل من البشر !، يتهمنا هؤلاء بالعصبية لأنا لا نرضى أن نتحول عن الحق الذي يقوم على ألف دليل ودليل ولكنك ستجدهم من خلال هذا الفصل كيف يحبسون أنفسهم في أقفاص من العصبية المذهلة حتى ولو اقتضاهم ذلك أن يستنجدوا بالتباله والجنون! ولست في هذا الفصل متقولا ولا متجنيا على أحد،، ولن آتي بكلمة واحدة فيه من دنيا الوهم أو الخيال ولقد قلت للأخ الذي ناقشه في هذا البحث – وهو يهدر الي بكلامه المذهل العجيب – سوف أنشر ما تقول إن أبيت إلا إصرارا عليه، ويعلم الله أني ما قلت ذلك له إلا وأنا أقصد إيقاظه إلى شيء من التدبير والتريث فيما يقول!، ولكن الرجل قال لي: انشر ما تريد فلست خائفا! ولسوف أتجنب التعريف بهذا الرجل وأضرب صفحا عن ذكر اسمه، وحسبك أن تعلم أنه ممن يعلم اللامذهبية لا ممن يتعلمها وهو على ذلك إنسان فاضل وشاب مستقيم ولولا هذه اللوثة التي قذفت به وبتفكيره إلى أقصى قاع في وادي العصبية العجيبة! جاء ومعه بعض الشبان الطيبين الذي دأبهم البحث عن الحق في سائر مظانه، وبدأت معه الحديث فقلت له: ما هي طريقتك في فهم أحكام الله؟ أتأخذها من الكتاب والسنة أم من أئمة الاجتهاد؟ فقال: استعرض أقوال الأئمة وأدلتهم عليها، ثم أعتمد أقربها إلى دليل الكتاب والسنة !، قلت: لديك خمسة ألاف ليرة سورية، مر عليها من الزمن ستة أشهر وهي مخزونة عندك، ثم اشتريت بها بضاعة وأخذت تتاجر بها فمتى تدفع زكاة هذه البضاعة؟ بعد ستة أشهر أخرى أم بعد عام كامل؟ قال وهو يفكر: معنى سؤالك هذا أنك تقرر بأن أموال التجارة تجب فيها الزكاة !، قلت: إنني أسأل والمطلوب أن تجيبني بطريقتك الخاصة وهذه هي المكتبة أمامك فيها كتب التفسير والسنة وكتب الأئمة المجتهدين، وفكر الرجل قليلا ثم قال: يا أخي هذا دين وليس أمرا يسيرا يمكن الإجابة عليه عفو الخاطر لابد لذلك من نظر ومراجعة ودرس ولابد لذلك كله من وقت ونحن إنما جئنا لنبحث موضوعا آخر!، حسنا،، وهل يجب على كل مسلم أن يستعرض أدلة الأئمة ثم يأخذ بأوفقها مع الكتاب والسنة؟ قال: نعم، قلت: معنى ذلك أن الناس كلهم يملكون من الطاقة الاجتهادية ما يملكه أئمة المذاهب بل إنهم يملكون طاقة أعظم وأتم لأن الذي يستطيع أن يحكم على آراء الأئمة أو يحكم لها على أساس من مقياس الكتاب والسنة فهو بلا ريب أعلم منهم جميعا!!، قال: الحقيقة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مقلد، ومتبع، ومجتهد، فهذا الذي يتمكن من مقارنة المذاهب ببعضها وانتقاء ما كن أقرب منها إلى الكتاب إنما هو متبع وهو مستوى وسط بين التقليد والاجتهاد، قلت: فما هو واجب المقلد؟ قال: يقلد من المجتهدين من اتفق، قلت: وهل عليه من حرج أن يقلد واحدا منهم ويلازمه ولا يتحول عنه؟ قال: نعم يحرم عليه ذلك، قلت: ما الدليل على حرمة ذلك؟ قال: الدليل أنه التزم شيئا لم يلزمه الله عز وجل به، قلت: بأي القراءات السبعة تقرأ القرآن؟ قال: بقراءة حفص، قلت: أفتلتزم القراءة بها، أم تقرأ كل يوم بقراءة مختلفة؟ قال: بل أنا ألتزم القراءة بها، قلت: فلماذا تلتزم ذلك، مع أن الله عز وجل لم يلزمك إلا أن تقرأ بالقرآن كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم متواترا؟ قال: لأنني لم أتوفر على دراسة القراءات الأخرى ولم يتيسر لي القراءة إلا على هذا الوجه، قلت: فهذا الذي درس الفقه على المذهب الشافعي هو الآخر لم يتوفر على دراسة المذاهب الأخرى ولم يتيسر له أن يتفقه في أحكامه الدينية إلا على هذا الإمام فإن ألزمته بمعرفة اجتهادات الأئمة كلها حتى يأخذ بجميعها لزمك أنت أيضا أن تتعلم جميع القراءات حتى تقرأ بها كلها وإن اعتذرت عن نفسك بالعجز كان عليك أن تعذر هذا المقلد أيضا، وعلى كل فنحن نقول: ومن أين لك بأن على المقلد أن يلازم التحول من مذهب إلى آخر، مع أن الله لم يلزمه بذلك أي كما لم يلزمه بالاستمرار على مذهب بعينه لم يلزمه أيضا بالتحول المستمر!، قال: إن الذي يحرم عليه إنما هو الالتزام مع اعتقاد أن الله أمره بذلك، قلت: هذا شيء آخر وهو حق لا شك فيه ولا خلاف ولكن هل عليه من حرج أن يلازم مجتهدا بعينه وهو يعلم أن الله لم يكلفه بذلك؟ قال: لا حرج عليه، قلت: ولكن الكراس الذي تدرس فيه، يذكر خلاف ما تقول إنه يقرر حرمة ذلك بل ويقرر في بعض الأماكن كفر الذي يلازم اتباع إمام معين لا يتحول عنه، قال: أين؟…،، ورجع إلى الكراس يتأمل نصوصه وعباراته، وراح يتأمل قول صاحب الكراس (بل من التزم واحدا بعينه في كل مسائله فهو متعصب مخطئ مقلد تقليدا أعمى وهو ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعا) فقال: يقصد بالالتزام أن يعتقد وجوب ذلك عليه شرعا العبارة فيها قصور!، قلت: وما الدليل على أنه هكذا يقصد ولماذا لا تقول إن المؤلف مخطئ؟ وأصر الرجل على أن العبارة صحيحة وأنها على تقدير محذوف وأن المؤلف معصوم عن أي خطأ فيها !، قلت: ولكن العبارة على هذا التقدير لا تواجه أي خصم وليس لها أي فائدة فما من مسلم إلا وهو يعلم أن اتباع إمام بعينه من أئمة المذاهب الأربعة ليس واجبا من الواجبات الشرعية وما من مسلم يلازم مذهبا إلا وهو يفعل ذلك عن رغبة واختيار منه، قال: كيف؟ إنني أسمع من كثير من الناس وبعض أهل العلم أنه يجب شرعا ملازمة مذهب بعينه حتى إنه لا يجوز التحول منه إلى غيره!، قلت له: اذكر لي اسم واحد فقط من العوام أو من أهل العلم قال لك هذا الكلام، وسكت الرجل، ولكنه تعجب من أن يكون كلامي صحيحا وظل يردد: أن كل ما يتصوره هو أن كثيرا من الناس يحرمون التنقل من مذهب إلى آخر، قلت له: لا تجد اليوم ولا واحد يعتقد هذا الوهم الباطل نعم رووا عن بعض العصور الأخيرة من عهد العثمانيين أنهم كانوا يستعظمون تحول الحنفي من مذهبه إلى مذهب آخر ولا شك أن ذلك كان منهم – إن صح النقل – غاية في السخف والعصبية المقيتة العمياء، قلت له بعد ذلك: ومن أين لك هذا الفرق بين المقلد والمتبع أهو فرق لغوي أم اصطلاحي، قال: بل بينهما فرق لغوي، وجئته بمراجع اللغة ليثبت منها الفرق اللغوي بين الكلمتين فلم يجد شيئا، ثم قلت: إن أبا بكر رضي الله عنه قال لأعرابي اعترض على الدخل الذي أقره المسلمون له: (إذا رضي الله عنه المهاجرون فإنما أنتم تبع) فقد عبر بالتبعية عن الموافقة التي ليس معها أي حق في النظر والمناقشة والبحث، قال: فليكن فرقا اصطلاحيا أليس من حقي أن أصطلح على شيء؟ قلت: بلى ولكن اصطلاحك هذا لن يغير من حقيقة الأمر، فهذا الذي تسميه متبعا إما أن يكون خبيرا بالأدلة وطرق الاستنباط منها فهو إذا مجتهد وإن لم يكن خبيرا بها أو غير قادر على استنباط الأحكام منها فهو إذا مقلد، وإن كان في بعض المسائل هكذا وفي بعضا هكذا فهو إذا مقلد في البعض ومجتهد في البعض، فالقسمة إذا ثنائية على كل حال وحكم كل منها واضح ومعروف، قال: إن المتبع هو ذاك الذي يستطيع أن يمايز بين الأقوال وأدلتها ويرجح البعض منها على الآخر، وهذه مرتبة مختلفة عن محض التقليد، قلت: إن كنت تقصد بالتمييز بين الأقوال تمييزها عن بعضها بقوة الدليل وضعفه فتلك أرفع رتبة في الاجتهاد وهل بوسعك أن تكون أنت شخصيا كذلك، قال: إني أفعل ذلك جهد استطاعتي، قلت له: أنا أعلم بأنك تفتي بأن الطلاق الثلاث في مجلس واحد إنما يقع طلقة واحد فهل رجعت قبل فتواك هذه إلى أقوال الأئمة وأدلتهم في ذلك ثم مايزت بينها فأفتيت بناء على ذلك؟… إن عويمر العجلاني طلق زوجته ثلاثا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن لاعن منها، فقد قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثا، فما علمك بهذا الحديث وموقعه من هذه المسألة ومدى دلالته على مذهب الجمهور أو مذهب ابن تيمية؟ قال: لم أطلع على هذا الحديث، قلت: فكيف أفتيت بهذه المسألة مخالفا فيها ما أجمعت عليه المذاهب الأربعة دون أن تقف على أدلتهم ومدى ضعفها أو قوتها؟… فها أنت قد تركت مبدأك الذي تقول إنك قد ألزمت نفسك به وتحاول أن تلزمنا به، وهو مبدأ (الاتباع) بالمعنى الذي اصطلحت عليه! قلت: فما الذي حملك على أن تتعجل بالفتوى مخالفا فيها جمهور المسلمين وأنت لم تطلع بعد على شيء من أدلتهم؟ قال: فماذا أفعل وقد سئلت… وليس لدي إلا قدر محدود من المراجع؟ قلت: كان يسعك ما وسع العلماء والأئمة جميعا وهو أن تقول: لا أدري أو أن تنقل له رأي المذاهب الأربعة ورأي المخالفين دون أن تفتي بأحد القولين كان يسعك أن تفعل ذلك بل كان هذا هو واجبك خصوصا وإن المشكلة لم تنزل بك أنت حتى تكون مضطرا إلى الأخذ بمخرج ما من الأمر !،، أما أن تفتي بالرأي المخالف لإجماع المذاهب الأربعة وأنت لم تطلع – على أدلتهم مكتفيا بانشراح قلبك لأدلة المخالفين فهذا منتهى التعصب الذي تتهموننا به، قال: لقد اطلعت على آراء الأئمة الأربعة في الشوكاني وسبل السلام وفقه السنة لسيد سابق، قلت: فهذه كتب خصوم الأئمة الأربعة في هذه المسألة وكلها ينطق من طرف واحد ويذكر من الحجج ما يقوي طرفه أفترضى أن تحكم على أحد الخصمين بناء على سماع كلامه فقط وكلام شهوده وأقاربه؟ قال: إنني لا أرى في تصرفي هذا ما يستوجب أي لوم لقد كان علي أن أفتي السائل وهذا مبلغ ما استطعت أن أصل إليه بفهمي، قلت: أنت تقول بأنك متبع وأن علينا جميعا أن نكون كذلك وفسرت الاتباع باستعراض أقوال المذاهب كلها ودراسة أدلتها واعتماد أقرب هذه المذاهب إلى الدليل الصحيح، وأنت في تصرفك هذا ضربت بمبدئك عرض الحائط أنت تعلم أن إجماع المذاهب الأربعة على أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا وتعلم أن لهم أدلة على ذلك وأنت لم تطلع عليها، ومع ذلك تحولت عن إجماعهم إلى الرأي الذي تشتهيه نفسك أفكنت على يقين سلفا بأن أدلة الأئمة أدلة مردودة، قال: لا ولكني لم أطلع عليها إذ لا مرجع عندي لها، قلت: فلماذا لم تنتظر؟،، لماذا استعجلت ولم يكلفك الله بذلك أبدا؟… أفكان عدم اطلاعك على أدلة الجمهور دليلا يقوي رأي ابن تيمية؟… هل التعصب الذي تتهموننا به زورا شيء آخر غير هذا؟ قال: لقد رأيت في الكتب التي توفرت لدي أدلة أقنعتني وما كلفني الله بأكثر من ذلك، قلت: فإذا رأى المسلم فيما اطلع عليه من الكتب دليلا على شيء أفيكفيه ذلك موجبا لترك المذاهب التي خالفت فهمه وإن لم يطلع على أدلتها؟ قال: يكفيه ذلك!،، قلت: شاب جديد العهد بالتدين ليس له أي حظ من الثقافة الإسلامية قرأ قوله تعالى {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [سورة البقرة الآية (115)] ففهم منه أن للمسلم أن يتجه في صلاته إلى أي جهة شاء كما يدل على ذلك ظاهر اللفظ ولكنه سمع من الأئمة الأربعة مجمعون على ضرورة اتجاهه إلى الكعبة وعلم أن لهم على ذلك أدلة ولكنه لم يطلع عليها فلماذا يفعل إذا قام إلى الصلاة أيتبع قناعته من الدليل الذي توفر لديه أم يتبع الأئمة الذين أجمعوا على خلاف ما فهم؟ قال: بل يتبع قناعته،،!! قلت: ويصلي إلى جهة الشرق مثلا وتكون صلاته صحيحة؟!، قال: نعم، إذ هو مكلف باتباع قناعته الذاتية!، قلت: فهب أن قناعته الذاتية أوحت إليه أن لا حرج عليه أن يزني بحليلة جاره وأن يملأ جوفه خمرا وأن يسلب أموال الناس بدون حق أفيحل الله له ذلك كله بفضل (قناعته الذاتية)!؟، وسكت الرجل قليلا ثم قال: على كل هذه الصورة التي تسألني عنها صورة وهمية لا تتحقق، قلت: هي ليس وهمية بل ما أكثر ما يتحقق مثلها وأغرب منها، شاب لا علم له بالإسلام وكتابه وسنته وسمع عرضا أو قرأ صدفة هذه الآية، فعلم منها ما يعلم كل عربي ينظر إلى ظاهر اللفظ أن لا حرج في أن يتجه المصلي إلى أي جهة يشاء رغم ما يراه من اتجاه الناس إلى الكعبة دون سواها… أمر طبيعي التصور والوقوع ما دام في المسلمين من يجهل كل شيء عن الإسلام، وعلى كل فقد حكمت على هذه الصورة (وهمية كانت أو حقيقية) بحكم غير وهمي واعتبرت القناعة الذاتية هي المحكمة على كل حال وهذا يناقض تقسيمك للناس إلى ثلاث فئات مقلدين ومتبعين ومجتهدين، قال: إن عليه أن يبحث… ألم يقرأ حديثا أو أي آية أخرى؟ قلت: لم تتوفر لديه مصادر البحث تماما كما لم تتوفر لديك عندما أفتيت في مسألة الطلاق، ولم يتح له أن يقرأ غير هذه الآية مما يتعلق بأمر القبلة وتعيينها أفلا تزال مصرا على أنه يتبع قناعته الذاتية ويترك إجماع الأئمة؟ قال: نعم إذا لم يستطع أن يتابع النظر والبحث فقد أعذر وحسبه أن يعتمد على ما هداه إليه نظره وبحثه !،قلت: إنني سأنشر عن لسانك هذا الكلام… إنه لكلام خطير وعجيب!، قال: انشر ما شئت إنني لا أخاف، قلت: وكيف تخاف مني، إذا كنت لا تخاف من الله عز وجل وتطرح بكلامك هذا قوله عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} عرض الحائط! قال: يا أخي هؤلاء الأئمة غير معصومين أما الآية التي اعتمدتها فهي كلام المعصوم جل جلاله فكيف يترك المعصوم ويلحق بذيل غير معصوم؟ قلت: يا هذا المعصوم هو المعنى الحقيقي الذي أراده الله بقوله {ولله المشرق والمغرب…} وليس المعصوم هو فهم هذا الشاب البعيد كل البعد عن ثقافة الإسلام وأحكامه وطبيعة قرآنه، أي فالمقارنة التي أسألك عنها هي بين فهمين اثنين فهم هذا الشاب الجاهل وفهم الأئمة المجتهدين وكلاهما غير معصومين إلا أن أحدهما موغل في الجهل والسطحية والآخر موغل في البحث والعلم والدقة، قال: إن الله لا يكلفه بأكثر مما وصل إليه جهده! قلت: أجبني إذا على هذا السؤال: رجل له طفل مريض يعاني من بعض الالتهابات، أشرف عليه جميع أطباء البلدة واتفقوا على إعطائه علاجا معينا وحذروا والده من أن يحقنه بالبنسلين وأخبروه بأنه لو فعل ذلك عرض حياة الطفل للهلاك… إلا أن والد الطفل يعلم مما قرأ في بعض النشرات الطبية أن البنسلين يفيد في حالات الالتهاب، فاعتمد على معلوماته الخاصة في ذلك ونبذ كلام الأباء لأنه لا يعلم دليلهم على ما قالوا، فاستعمل (قناعته الذاتية) وعالج الطفل بحقنة بنسلين انتقل على أثرها إلى رحمة الله، أفيقاضى ويأثم فيما فعل أم لا؟ ففكر الرجل قليلا ثم قال: هذه غير تلك! قلت: بل هي عينها: سمع عن إجماع الأطباء كما سمع ذاك عن إجماع الأئمة ولكنه اعتمد على نص قرأه دون سواه في نشرة طبية كما اعتمد ذاك نصا قرأه دون سواه في كتاب الله عز وجل واستعمل هذا قناعته الذاتية كما استعمل ذاك قناعته الذاتية! قال: يا أخي القرآن نور،، نور،، وهل النور في دلالته مثل أي كلام آخر؟ قلت: ونور القرآن ينعكس إلى عقل أي ناظر وقارئ فيفهمه نورا كما أراد الله؟! فما الفرق بين أهل الذكر وغيرهم إذا، ما داموا جميعا ينهلون من هذا النور؟ المثالان سواء… لا فرق بينهما إطلاقا ولابد أن تجيبني: أيتبع الباحث فيهما قناعته الذاتية أم يتبع ويقلد أهل الاختصاص؟ قال: بل القناعة الذاتية هي الأصل، قلت: وقد استعمل قناعته الذاتية فترتب على ذلك وفاة الطفل فهل تترتب عليه أي مسؤولية شرعية أو قضائية؟ وقال الرجل بملء فمه: لا تترتب عليه أي مسؤولية!، قلت: فلنختم البحث والنقاش، دون هذه الكلمة التي أطلقتها، لقد انقطع بها السبيل إلى أي قدر مشترك بيني وبينك يمكن أن يقام عليه أي بحث، وحسبك أنك خرجت بجوابك العجيب هذا عن إجماع الملة الإسلامية كلها… ولا والله لن يكون أي معنى للتعصب المقيت على وجه الأرض، إن لم تكونوا أنتم أصحاب هذا التعصب المقيت، المسلم الجاهل يستعمل (قناعته الذاتية) في فهم ما اطلع عليه من القرآن… ويصلي إلى غير القبلة مخالفا كل المسلمين فتكون صلاته صحيحة!… والرجل العامي من الناس يستعمل (قناعته الذاتية) فيطبب من شاء، ويعالج كما يشاء ويموت المريض تحت يده فيقال له: الله يعطيك العافية!، ولست أدري إذا، لماذا لا يدعنا هؤلاء الناس وشأننا لنستعمل نحن أيضا (قناعتنا الذاتية) في أن الجاهل بأحكام الدين وأدلتها لابد له أن يتمسك بمذهب إمام من الأئمة المجتهدين يتبعه من حيث إنه أبصر منه بكتاب الله وسنة رسوله، ومهما يكن من خطأ هذا الرأي عندهم فلتشمله على كل شفاعة (القناعة الذاتية) وليكن له أسوة عنده برأي من استدبر القبلة فكانت صلاته صحيحة وقتل الطفل فكان قتله اجتهادا وتطبيبا [وقد اعتمدت أيضا في أكثر كلامي في هذا الباب على كلام الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتبه وخصوصا كتاب (اللامذهبية) مع شيء من التغير والزيادة وذلك لما وجدت فيه من البلاغة في التعبير عن ما يختلج في خاطري تجاه هذا البحث الدقيق وذلك بأسهل عبارة وأبسط أسلوب يستطيع إدراكه كل من عنده أدنى مسكة من الاطلاع على الثقافة الشرعية فجزاه الله تعالى خيرا]!
[هل يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة؟] المذاهب الأربعة هي وحدها التي تطمئن النفس لصحة أقوال علمائها لأنها نقلت الينا عن طريق الأئمة الثقات ولم يتخلل ذلك فترة عن العمل بها والأخذ بأقوال أئمتها بخلاف غيرها من المذاهب وقد نوه عدد من الأئمة إلى هذا المعنى، فقد قال الإمام النووي: يلزم غير المجتهد أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين وليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه آباءه، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من الأولين وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لأحد منهم مذهب محرر مقرر وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما([128]) .
وقال العلامة ابن حجر: نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناع تقليد الصحابة على العوام لارتفاع الثقة بمذاهبهم إذ لم تدون وتحرر وبه جزم ابن الصلاح وألحق بالصحابة التابعين وغيرهم ممن لم يدون مذهبه وبأن التقليد متعين للأئمة الأربعة فقط، قال: لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم ففيه فتاوى مجردة لعل لها مكملا أو مقيدا لو انبسط كلامه فيها لظهر خلاف ما يبدو منه فامتنع التقليد إذن لتعذر الوقوف على حقيقة مذاهبهم([129]) .
(خاتمة) وفي نهاية هذا الباب أقول: إن على المسلمين أن يسعوا إلى الاجتماع والوحدة، والتماسك قال تعالى {إنما المؤمنون إخوة} [سورة الحجرات الآية (10)] والى نبذ الاختلاف والفرقة والتنازع وكل من تخالف دعوته هذه الغاية فهو عاص لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مخالف لقوله تعالى {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [سورة الأنفال الآية (46)] ولم تكن المذاهب الإسلامية في الماضي سببا في تفريق المسلمين وتخالفهم وتنازعهم فقد كان الصحابة رضي الله عنهم فرقا متعددة فهناك أصحاب ابن عباس وهناك أصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عمر وغيرهم كما مر معنا ومع ذلك كانوا كلهم جماعة واحدة وكان الإسلام في أوجه وعزته وجاءت المذاهب الأربعة وبقي الإسلام قويا عزيزا وعندما ترك المسلمون العلم بدينهم والالتزام بمذاهبهم والتفتوا إلى الدنيا والتصارع عليها وتركوا الدعوة إلى الله عز وجل ضعفوا وهانوا وتخلفوا وصاروا أذل الأمم ولو عادوا اليوم فتمسكوا بدينهم ومذاهبهم واجتهاداتهم وجمعوا شملهم ووحدوا صفوفهم فلابد أن يعيد الله تعالى إليهم عزتهم وكرامتهم فكما اعز الله الإسلام في القرون الأولى كذلك يعزه في هذه الأيام إن تمسكنا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حق التمسك، والحمد لله رب العالمين) أهـ([130]) .
[المفتاح الثالث]: [اعتراضات أخرى على التمذهب وحل اشكالاتها]: وهي ستة اعتراضات تتمثل في:
الاعتراض الأول: أن الدليل هو الكتاب والسنة وليس كلام الأئمة وبالتالي فما المانع من تعلم الفقه من الكتاب والسنّة مباشرة.
الاعتراض الثاني: هو ترك بعض الائمة للعمل بظاهر الحديث والأولى العمل بالحديث لا بقول إمام المذهب.
الاعتراض الثالث: اتفاق الأئمة الفقهاء على مقولة (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، فلم نتبع الأئمة ولا نتبع الحديث.
الاعتراض الرابع: أنّ الاختلاف شر، فلم نجعل المذاهب أربعة، مع أنّه يمكننا أن نجعلها واحدا هو مذهب الكتاب والسنّة.
الاعتراض الخامس: العصبية المذهبية الناشئة عن اتباع المذاهب وما لها من أثر سيئ على الأمة.
الاعتراض السادس: أنّه إذا كانت المذاهب قد دونت فما العمل في النوازل والمستجدات المعاصرة، كيف نطلبها من المذاهب التي دونت.
(قلت): وقد أحسن الرد على تلك الاعتراضات الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في كتابه التمذهب دراسة تأصيلية: المبحث الثاني: الاعتراضات على التقليد والتمذهب والجواب عنها، قال حفظه الله تعالى: (هناك اعتراضات يتمسك بها من ينهي غير المجتهد عن التقليد والتمذهب وسنحاول أن نعرج على بعضها ونذكر جواب من يجيز التقليد عنها وذلك ضمن الفروع التالية:
(الفرع الأول): اعتراض (أن الدليل هو الكتاب والسنة وليس كلام الأئمة): يقول المعترضون على التقليد والتمذهب: نحن نقول لكم: قال الله وقال رسوله وتقولون لنا قال أبو حنيفة قال مالك قال الشافعي قال أحمد… أما سمعتم قول أبن عباس (يوشك أن تنرل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله وتقولون لي: قال أبو بكر قال عمر) ([131]) .
الدليل هو الكتاب والسنة وليس كلام الأئمة وأجاب من يجيز التقليد والتمذهب عن هذا الاعتراض من وجوه: الوجه الأول: أن أثر ابن عباس في الحقيقة هو حجة على المعترض، لأنه لا يكمل الأثر فتمامه كما رواه الطبراني في الأوسط كالتالي: عن بن أبي مليكة الأعمى عن عروة بن الزبير: أنه أتى بن عباس فقال: يا بن عباس طالما أضللت الناس قال وما ذاك يا عرية قال الرجل يخرج محرما بحج أو عمرة فإذا طاف زعمت أنه قد حل فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك فقال أهما ويحك آثر عندك أم ما في كتاب الله وما سن رسول الله في أصحابه وفي أمته، فقال عروة: هما كانا أعلم بكتاب الله وما سن رسول الله مني ومنك، قال بن أبي مليكة: فخصمه عروة) اهـ([132]) .
قال الهيثمي في المجمع وإسناده حسن ورواه أحمد في مسند أحمد ولفظه: (عن بن أبي مليكة قال: قال عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا بن عباس قال ما ذاك يا عرية قال تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج وقد نهى أبو بكر وعمر فقال بن عباس: قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة: كانا هما أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم به منك) اهـ،([133]) .
الوجه الثاني: أن القول بأن الدليل هو الكتاب والسنة فقط فيه قصور: إذا أن الدليل هو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، قال الشوكاني في إرشاد الفحول: (والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري) اهـ،([134]) .
وقال ابن النجار الفتوحي في الكوكب المنير: (وهو) أي الدليل (شرعا) أي في اصطلاح علماء الشريعة (ما) أي الشيء الذي (يمكن التوصل بصحيح النظر) أي بالنظر الصحيح (فيه) أي في ذلك الشيء (إلى مطلوب خبري) اه([135]) .
وعليه فالدليل ليس هو الكتاب والسنة فقط بل الأدلة كثيرة جدا منها القرآن والسنة ومنها الإجماع والقياس وهذا الأربعة مجمع عليها عند من يعتد به في الإجماع وهناك أدلة مختلف فيها بين الأئمة كقول الصحابي وشرع من قبلنا والعرف والاستصلاح والاستحسان والاستصحاب ووو إلخ بل إن أكثر الأدلة استعمالا هو القياس لأن نصوص القرآن والسنة محصورة وما يتعلق منها بالأحكام قليل، أما المسائل والحوادث فهي كثيرة جدا لا حصر لها الوجه الثالث: أن الكتاب والسنة ليس فيها أحكام بالمعنى الاصطلاحي: وإنما في الكتاب والسنة نصوص يستنبط منها المجتهد الأحكام، نعم هناك أحكام نادرة بل أندر من النادرة في الكتاب والسنة مثل: آية (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنرير…) وآية (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم…)وآية (أحل لكم صيد البحر وطعامه…) وقد يوجد في الكتاب والسنة ما ظاهره أنه حكم شرعي بحسب الاصطلاح مع أنه ليس كذلك مثال ذلك: من القران: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) مع أن الأشياء المذكورة قبل ذلك هي من المحرمات وليست من المكروهات بل من الكبائر ومن السنة: حديث (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) فالوجوب هنا ليس الوجوب الاصطلاحي بل المراد واجب أدبا لا حكما وعلى ذلك المذاهب الأربعة، إذن المجتهد هو الذي يستخرج الأحكام من الكتاب والسنة وغيرها من الأدلة، فهو الذي يعلم مثلا هل الأمر في الدليل المعين للوجوب أم للاستحباب أم للإرشاد أم للإباحة أم…؟ وهو الذي يعلم هل الدليل الفلاني يفيد التحريم أو الكراهة أو الإباحة أو الاستحباب أو الوجوب…؟ وهكذا فقس الوجه الرابع: الأئمة ليسوا قسيما للكتاب والسنة بل مقربون: الذي يظهر من كلام المعترض أنه يجعل المجتهد قسيما للكتاب والسنة وكأن أمامنا خيارين متناقضين: الأول: هو الكتاب والسنة، والثاني: هو أقوال الأئمة وليس الأمر كذلك لأن أقوال الأئمة هي عبارة عن فهوم للكتاب والسنة فهي في الحقيقة تقريب للكتاب والسنة للأمة وليست قسيما لها، قال الإمام الشاطبي في الموافقات (المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أمور أحدها: النقل الشرعي في الحديث: (أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم…) وقال في العلماء: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} {التوبة: ١٢٢} الآية وأشباه ذلك والثاني: أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام لقوله: ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب… والثالث: أن المفتي شارع من وجه لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها وإما مستنبط من المنقول: فالأول: يكون فيه مبلغا، والثاني: يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله… وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا أولى الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: ٥٩} والأدلة على هذا المعنى كثيرة) اهـ([136]) .
، بل ذهب الإمام الشاطبي إلى ما أعظم من ذلك وهو أن فتاوى المجتهدين بالنسبة لغير المجتهدين كالأدلة الشرعية في الأخذ بها والعمل على وفقها قال رحمه الله في الموافقات: (فتاوي المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين والدليل عليه: أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئا فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم ولا يجوز ذلك لهم البتة وقد قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: ٧]، والمقلد غير عالم فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق فهم إذا القائمون له مقام الشارع وأقوالهم قائمة مقام الشارع وأيضا فإنه إذا كان فقد المفتي يسقط التكليف فذلك مساو لعدم الدليل إذ لا تكليف إلا بدليل فإذا لم يوجد دليل على العمل سقط التكليف به فكذلك إذا لم يوجد مفت في العمل فهو غير مكلف به فثبت أن قول المجتهد دليل العامي والله أعلم) اهـ،([137]) .
وقال ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: (وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به فيكون هذا التكوين سببا للمؤاخذة وتركها وهذا من صفات الله المختصة به جل مجده لا توجد في غيره وأما نسبة التحليل والتحريم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبمعنى أن قوله أمارة قطعية لتحليل الله وتحريمه وأما نسبتها إلى المجتهدين من أمته فبمعنى روايتهم ذلك عن الشرع من نص الشارع أو استنباط معنى ذلك من كلامه) اهـ([138]) .
وفي الميزان الكبرى للشعراني: (قال ابن حزم: جميع ما استنبطه المجتهدون معدود من الشريعة وإن خفي دليله على العوام ومن أنكر ذلك فقد نسب الأئمة إلى الخطأ وأنهم يشرعون ما لم يأذن به الله وذلك ضلال من قائله عن الطريق) اهـ ([139]) .
قال المجيزون للتمذهب والتقليد: فإن قال المعترض: إن كان الأمر كما قلتم فكيف لا تتركون قول الإمام بعد ظهور قول الله والرسول على خلافه؟ فالجواب: قال الكيرانوي في كتابه فوائد في علوم الفقه: بعد إيراد ذلك الاعتراض: قلنا: هذا هو منشأ ظنكم الفاسد واعتقادكم الباطل أنا نرجح قول الإمام على قول الله ورسوله مع أن الأمر ليس كذلك وحقيقة الأمر أن ظهور قول الله ورسوله على خلاف قول الإمام موقوف على أمرين: أحدهما: أن يعلم أن ذلك قول الله والرسول، والثاني: أن يعلم أنه مخالف لقول الإمام ولا علم عند المقلد بأحد هذين الأمرين لأن هذا العلم موقوف على الاستدلال والمقلد إما لا يقدر عليه أصلا أو يكون استدلاله غير قابل للاعتبار شرعا كاستدلال من استدل على وجوب الغسل على المشجوج بآية التيمم وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن له أن يحكم على المجتهد بأنه خالف حكم الله ورسوله باجتهاد نفسه؟ وإذا لم يمكن ذلك فكيف يترك قوله للمخالفة؟ فالحاصل أن عدم ترك المقلد قول الإمام للحديث وغيره ليس لأن قول الإمام راجح عنده على قول الله والرسول حاشاه من ذلك بل لأجل أنه لم يثبت عنده مخالفة الإمام لله والرسول فإن قلت: إن كان لا يعلم هو المخالفة بنفسه فنحن والعلماء الآخرون معنا نعله بأن أمامه خالف الحديث قلنا: إن صدقكم في هذا القول بالاستدلال فهو ليس بأهل للاستدلال ولا يعتمد على صحة استدلاله فكيف بالتصديق؟ وإن صدقكم بدون حجة يكون مقلدا لكم وليس أحد التقليدين أولى من الآخر فكيف يترك تقليده السابق ويرجع إلى تقليدكم فانكشف غبار الطعن واللجاج ولله الحمد) اهـ ([140]) .
(الفرع الثاني): اعتراض (ترك الإمام ظاهر الحديث) يقول المعترضون عن التمذهب والتقليد: إننا نجد أصحاب المذاهب يخالفون بعض الآيات والأحاديث وقد تكون أدلتهم ضعيفة فيما يذهبون إليه مما يدل على أن المذاهب لم تبن على الكتاب والسنة وأجاب المجيزون للتقليد والتمذهب: بأن هناك أسبابا شرعية قد تجعل الإمام أو أصحابه يتركون ظاهر آية أو حديث، عد منها الإمام ابن تيمية عشرة من أسباب ترك الإمام ظاهر حديث ما، في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، يقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه المذكور وهو ضمن مجموع الفتاوي: (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل فانهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر فى تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ، وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة: السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالما بموجبه وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى…، السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده أو متهم أو سيئ الحفظ وإما لأنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة أو يكون قد رواه غير أولئك المجروحين عنده أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها… السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره مع قطع النظر عن طريق آخر سواء كان الصواب معه أو مع غيره أو معهما عند من يقول كل مجتهد مصيب ولذلك أسباب:منها أن يكون المحدث بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفا ويعتقده الآخر ثقة ومعرفة الرجال علم واسع م قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه لاطلاعه على سبب جارح وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح إما لأن جنسه غير جارح أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم…السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها غيره مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيها إذا خالف قياس الأصول واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه السبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه… السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث تارة لكون اللفظ الذي في الحديث غريبا عنده مثل لفظ المزابنة والمحاقلة والمخابرة والملامسة والمنابذة والغرر إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها… السبب السابع: اعتقاده أن لا دلالة في الحديث والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة بان يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر صوابا أو خطأ مثل أن يعتقد أن العام مخصوص ليس بحجة وان المفهوم ليس بحجة وان العموم الوارد على سبب مقصور على سببه أو أن الأمر المجرد لا يقتضي الوجوب أو لا يقتضي الفور أو أن المعرف باللام لا عموم له أو أن الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ولا جميع أحكامها أو أن المقتضى لا عموم له فلا يدعى العموم في المضمرات والمعاني إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه فان شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم… السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب أو الحقيقة بما يدل على المجاز إلى أنواع المعارضات، وهو باب واسع أيضا فان تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم…السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله إن كان قابلا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل آية أو حديث آخر أو مثل إجماع… السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله ما لا يعتقده غيره أو جنسه معارض أو لا يكون في الحقيقة معارضا راجحا… فهذه الأسباب العشرة ظاهرة وفى كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها فان مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغ وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه…) اهـ([141]) .
وقال المجيزون للتمذهب والتقليد: وينبغي التنبه إلى أمر مهم وهو أن ضعف الدليل المعين لا يدل على ضعف المدلول المعين: فضعف دليل المقلد لا يدل بالضرورة على ضعف مذهب الإمام، لأن القاعدة في ذلك هي: أن ضعف الدليل المعين لا يدل على ضعف المدلول المعين لاحتمال وجود أدلة أخرى قال الكيرانوي في فوائد في علوم الفقه: (ينبغي أن يعلم أن ضعف أدلة المقلدين وأجوبتهم ليس دليلا على ضعف مذهب الإمام لأنه يمكن أن يكون ذلك لقصور أفهام المقلدين وعدم وصولهم إلى كنه قول الإمام ومأخذه فلا ينبغي أن يعتقد بضعف أدلة المقلدين وأجوبتهم ضعف مذهب الإمام بل ينبغي أن يطلب له دليل أو جواب آخر ولا يترك التقليد لمجرد توهم ضعف المذهب لأن حكم الضعف على مذهب المجتهد من شأن المجتهد دون المقلد) اهـ،([142]) .
وقال المجيزون: فإن قال المعترضون: إن ما عند المتأخرين من العلوم أكثر مما عند المتقدمين لأن العلوم قد دونت الآن ولم تكن قد دونت من قبل فلذا قد نكون نحن أعلم من الأئمة ببعض الأحاديث والعلوم فالجواب هو: ما قاله الإمام ابن تيمية في رفع الملام ضمن فتاويه: حيث قال: (ولو فرض انحصار حديث رسول الله فيها [أي الكتب المدونة] فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم ولا يكاد ذلك يحصل لأحد بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية، فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية) اهـ،([143]) .
وقال الإمام ابن رجب في كتابه فضل علم السلف (ص ٤٠): (فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك، وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين انه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله، ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين، وهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولا بطريق الأولى، كالثوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضاً فإن هؤلاء كلهم أقل كلاماً ممن جاء بعدهم وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا باللَه) اهـ،([144]) .
وقال: (وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به، فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم) اه([145]) .
وهذه حادثة حصلت للإمامين الجويني والبيهقي يتبن لنا فيها بركة علم الأوائل، قال التاج السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: (كان الشيخ أبو محمد – الجويني – قد شرع في كتاب سماه المحيط عزم فيه على عدم التقيد بالمذهب وأنه يقف على مورد الأحاديث لا يعدوها ويتجنب جانب العصبية للمذاهب فوقع إلى الحافظ أبي بكر البيهقي منه ثلاثة أجزاء فانتقد عليه أوهاما حديثية وبين أن الآخذ بالحديث الواقف عنده هو الشافعي رضي الله تعالى عنه وأن رغبته [أي الشافعي] عن الأحاديث التي أوردها الشيخ أبو محمد إنما هي لعلل فيها يعرفها من يتقن صناعة المحدثين فلما وصلت الرسالة إلى الشيخ أبي محمد قال: هذه بركة العلم ودعا للبيهقي وترك إتمام التصنيف) اهـ([146]) .
(الفرع الثالث): اعتراض (إذا صح الحديث فهو مذهبي) قال المعترضون على التقليد والتمذهب: إن الأئمة المجتهدين ورد عنهم النهي عن تقليدهم وورد عن كل من الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أنه قال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، قال المجيزون: الجواب عن ذلك: أن هذه العبارة فيها مسألتان مهمتان قل من يتنبه لهما، يبين ذلك السؤال التالي: – هل مقصود الإمام بقوله (إذا صح الحديث فهو مذهبي): أي إذا وجدتم حديثا صحيحا يدل على حكم فانسبوه إلي فهو مذهبي؟ – أم مقصوده: إذا وجدتم حديثا صحيحا يدل على حكم يخالف قولي فخذوا به ودعوا قولي ولا تقلدوني في ذلك؟ الكلمة محتملة للأمرين ولعله الآن قد بانت لنا المسألتان وهما بتعبير آخر: (الأولى): إذا وجد المقلد لإمام حديثا صحيحا يدل على حكم فهل له أن ينسبه إلى ذلك الإمام فيقول هو مذهب فلان لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي وقد صح الحديث؟ وهل ذلك لكل مقلد لذلك الإمام، و(الثانية) هي: إذا وجد المقلد لإمام حديثا ظاهره يخالف مذهبه فهل يأخذ بظاهر الحديث أم يأخذ بالمذهب؟ لنأخذ هاتين المسألتين بشي من التفصيل: المسألة الأولى: نسبة ظاهر الحديث لمذهب الإمام لا شك أن الأئمة كانوا حريصين على عدم مخالفة الحديث ولا شك أيضا أن الأئمة قد يخفى عليهم شيء من الحديث ولذا قالوا لأصحابهم تلك المقولة حتى يدعوا مجالا لأصحابهم في تصحيح مذاهبهم عند وجود الخطأ، لكن ذلك ليس لكل من ينتسب إلى مذهب من المذاهب بل لذلك شروط عسرة ومواصفات دقيقة تأهله لأن يفعل ذلك ومن هذه الشروط: – أن يكون ذلك من متأهل له وهو المجتهد في المذهب وقد تقدم وصف أصحاب هذه المرتبة في فصل المراتب – أن يغلب على ظنه أن الإمام لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته، وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الإمام كلها ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها – أن يكون استدلاله بالحديث وفقا لأصول الإمام في الاستدلال فلا يستدل بحديث مرسل وهو شافعي لأن مذهب الشافعي هو عدم الاحتجاج بالمرسل إلا بشروط بخلاف الأئمة الثلاثة فيحتجون به دون تلك الشروط كما هو مقرر في كتب أصول الحديث وأصول الفقه – لا بد من انتفاء المعارض فقد يكون لهذا الحديث عند الإمام ما يعارضه ويقدم عليه – زاد بعضهم شرطا وهو تقييد ذلك بما إذا وافق قولاً في المذهب لأحد من مجتهدي المذهب غير صاحب المذهب.
وإليك بعض أقوال أهل العلم في ذلك ضمن المطالب التالية:
(المطلب الأول): من أقوال الحنفية في ذلك، قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: (ولا يخفى أن ذلك لمن كان أهلا للنظر في النصوص ومعرفة محكمها من منسوخها، فإذا نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به صح نسبته إلى المذهب لكونه صادرا بإذن صاحب المذهب، إذ لا شك أنه لو علم ضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى ؛ ولذا رد المحقق ابن الهمام على بعض المشايخ حيث أفتوا بقول الإمامين بأنه لا يعدل عن قول الإمام إلا لضعف دليله) اهـ،([147]) .
وقال في رسالته رسم المفتي: (وأقول أيضاَ: ينبغي تقييد ذلك بما إذا وافق قولاً في المذهب، إذ لم يأذنوا في الاجتهاد فيما خرج عن المذهب مما اتفق عليه أئمتنا، لأن اجتهادهم أقوى من اجتهاده، فالظاهر أنهم رأوا دليلاً أرجح مما رآه حتى لم يعملوا به) اهـ،([148]) .
(المطلب الثاني): من أقوال المالكية في ذلك: قال القرافي كما في شرح التنقيح: (قد اعتمد كثير من فقهاء الشافعية على هذا – إذا صح الحديث فهو مذهبي – وهو غلط، فإنه لا بد من انتفاء المعارض، والعلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة، حتى يحسن أن يقال: لا معارض لهذا الحديث أما استقراء غير المجتهد المطلق، فلا عبرة به فهذا القائل من الشافعية ينبغي أن يحصل لنفسه أهلية الاستقراء قبل أن يصرح بهذه الفتيا لكنه ليس كذلك فهو مخطئ في هذا القول) اهـ، ([149]) .
قال تقي الدين السبكي في كتابه (معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي): (وهذا الكلام الذي قاله القرافي قاله جماعة غيره) اهـ،([150]) .
(المطلب الثالث): من أقوال الشافعية في ذلك: قال ابن الصلاح في أدب المفتي والمستفتي: (روينا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه سلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلته وهذا وما هو في معناه مشهور عنه فعمل ذلك كثير من أئمة أصحابنا وكان من ظفر منهم بمسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عمل بالحديث وأفتى به قائلا مذهب الشافعي ما وافق الحديث ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عن الشافعي رضي الله عنه فيه قول على وفق الحديث… وليس هذا بالهين فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من الحديث وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي عمدا على علم منه بصحته لمانع يتحقق عليه وخفي على غيره كأبي الوليد موسى بن أبي الجارود…قال أبو الوليد: وقد صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم فأنا أقول قال الشافعي أفطر الحاجم والمحجوم، فرد على أبي الوليد ذلك من حيث أن الشافعي تركه مع صحته لكونه منسوخا عنده وقد دلل رضي الله عنه على ذلك وبينه) اه([151]) .
وقال الإمام النووي في مقدمة المجموع: (كان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث، ومذهب الشافعي خلافه عملوا بالحديث، وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عن الشافعي فيه قول على وفق الحديث، وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل واحد رأى حديثا صحيحا قال: هذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره، وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب على ما تقدم من صفته أو قريب منه، وشرطه: أن يغلب على ظنه أن الشافعي – رحمه الله – لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته، وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها، وهذا شرط صعب قل من يتصف به وإنما اشترطوا ما ذكرنا ؛ لأن الشافعي – رحمه الله – ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك) اهـ،([152]) .
وقال في تهذيب الأسماء واللغات: (ولكن لهذا شرط قل من يتصف به في هذه الأزمان وقد أوضحته في مقدمة شرح المهذب) اهـ،([153]) .
وقال تقي الدين السبكي في كتابه (معنى قول الإمام المطلبي…) (وهذا الذي قالاه رضي الله تعالى عنهما ليس ردا لما قاله الشافعي ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره ولكنه تبيين لصعوبة هذا المقام حتى لا يغتر به كل أحد والافتاء في الدين كله كذلك لا بد من البحث والتنقيب عن الأدلة الشرعية حتى ينشرح الصدر للعمل بالدليل الذي يحصل عليه فهو صعب وليس بالهين كما قالاه مع ذلك ينبغي الحرص عليه وطلبه) اهـ([154]) .
، وقال الإمام أبو شامة: (كل ما صح عن الرسول ودل على حكم لا نص للشافعي على خلافه فهو مذهبه لا شك فيه أخذا من قوله ومما أمر به، أما ما له نص على خلافه فقسمان: أحدهما: ما لم يكن بلغه فيه الحديث فهذا كالقسم الأول يترك نصه ويصار إلى الحديث وهو مذهبه هذا إذا وضحت دلالة الحديث على ذلك الحكم أما إذا خفيت وأمكن الجمع وتتريل الحديث على قوله فلا والثاني: أن يكون قد بلغه الحديث وعرف ثبوته وأوله وتكلم عليه فينظر كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم يخالف وحمل الحديث على حمله هو عليه…) اه([155]) .
وفي فتح الباري لابن حجر: (قال بن دقيق العيد: والصواب إثباته – يعني رفع لأيدي عند الرفع من التشهد الأول- وأما كونه مذهبا للشافعي لكونه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي ففيه نظر انتهى قال ابن حجر: ووجه النظر أن محل العمل بهذه الوصية ما إذا عرف أن الحديث لم يطلع عليه الشافعي أما إذا عرف أنه اطلع عليه ورده أو تأوله بوجه من الوجوه فلا والأمر هنا محتمل) اهـ،([156]) .
(المطلب الرابع): من أقوال الحنابلة في ذلك: قال ابن حمدان في صفة الفتوى ٣٨: (… مذهبه ما دل عليه الحديث لا قوله المخالف له فيجوز الفتوى للحديث على أنه مذهبه وليس لكل فقيه أن يعمل بما رآه حجة من الحديث حتى ينظر هل له معارض أو ناسخ أم لا أو يسأل من يعرف ذلك ويعرف به، وقد ترك الشافعي العمل بالحديث عمدا لأنه عنده منسوخ لما بينه وقد قيل لابن خزيمة: هل تعرف سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ قال: لا) اهـ([157]) .
، والمسألة الثانية: ترك المقلد مذهبه لظاهر حديث يخالف المذهب: ولذلك حالتان: (الحالة الأولى): أن يبلغ ذلك المقلد رتبة الاجتهاد في تلك المسألة أو ذلك الباب فلا خلاف في أنه يعمل بما أدى إليه اجتهاده بناء على تجزؤ الاجتهاد، ولكن قد تقدم أن الذي يتجزأ هو شروط إيقاع الاجتهاد لا شروط المجتهد في نفسه والحالة الثانية: ألا يبلغ رتبة الاجتهاد في تلك المسألة أو ذلك الباب فعليه أن يفتش في جواب الإمام والأصحاب عن ذلك الحديث فقد يكون منسوخا أو مؤولا أو مقيدا أو مخصوصا أو ضعيفا أو معارضا بما هو أقوى منه أو… فإن وجد جوابا للإمام فلا يعمل بظاهر الحديث وإن لم يجد جوابا فهنا وقع الخلاف: – فمن أهل العلم من يرى أنه يعمل بظاهر الحديث ويترك المذهب لبيان ضعفه، ومن أهل العلم من يرى أنه يعمل بالمذهب ولا يعمل بظاهر الحديث لأنه ليس أهلا للاجتهاد، ولا بد أن الإمام والأصحاب لم يتركوا العمل بظاهر الحديث إلا لمسوغ وإن لم يعلمه، وهم أهل للاجتهاد وهو وظيفته التقليد ولنستعرض الآن بعض أقولهم في ذلك:
(المطلب الأول): من أقوال الحنفية في ذلك: في التقرير والتحبير لابن أمير الحاج: (عن الإمام العلائي: أنه قد يرجح القول بالانتقال في أحد صورتين: (إحداهما): إذا كان مذهب غير إمامه يقتضي تشديدا عليه أو أخذ بالاحتياط… و (الثانية): إذا رأى للقول المخالف لمذهب إمامه دليلا صحيحا من الحديث ولم يجد في مذهب إمامه جوابا قويا عنه ولا معارضا راجحا عليه إذ المكلف مأمور باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما شرعه فلا وجه لمنعه من تقليد من قال بذلك من المجتهدين محافظة على مذهب التزام تقليده) اهـ،([158]) .
ولم أقف على كلام للمالكية في هذه المسألة، (المطلب الثاني): من أقوال الشافعية في ذلك: قال ابن الصلاح في أدب المفتي والمستفتي: (من وجد من الشافعيين حديثا يخالف مذهبه نظر: فإن كملت آلات الاجتهاد فيه إما مطلقا وإما في ذلك الباب أو في تلك المسألة على ما سبق بيانه كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفيه عنه جوابا شافيا فلينظر: هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى) اهـ([159]) .
، قال النووي في مقدمة المجموع: بعد إيراده لكلام ابن الصلاح السابق: (وهذا الذي قاله حسن متعين، والله أعلم) اهـ،([160]) .
ونقل التقي السبكي في رسالته عن أبي شامة في هذه المسألة قال: (أن يكون قد بلغه [أي الأمام] الحديث وعرف ثبوته وأوله وتكلم عليه فينظر كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم يخالف و حمل الحديث على حمله هو عليه… وإن كان لكلامه مدفع صير إلى الحديث لأن ذلك يتناوله قوله (ودعوا ما قلت)… ولا يتأتى النهوض بهذا إلا من عالم معلوم الاجتهاد وهو الذي خاطبه الشافعي بقوله: إذا وجدتم حديث رسول الله على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت، فليس هذا لكل أحد فكم في السنة من حديث صحيح العمل على خلافه إما إجماعا وإما اختيارا لمانع منع) اهـ،([161]) .
وقال أبو زرعة العراقي في الأجوبة المرضية ص ٦٨: (ولا يسوغ عندي لمن هو أهل للفهم ومعرفة صحيح الحديث من سقيمه والتمكن من علمي الأصول والعربية ومعرفة خلاف السلف ومأخذهم إذا وجد حديثا صحيحا على خلاف قول مقلده أن يترك الحديث ويعمل بقول إمامه) اهـ([162]) .
… وقال الزركشي في البحر المحيط:: (مسألة): من قلد بعض الأئمة ثم ارتفع قليلا إلى درجة الفهم والاستبصار، فإذا رأى حديثا محتجا به يخالف رأي إمامه وقال به قوم، فهل له الاجتهاد؟،،قال ابن الزملكاني: إن كانت له قوة للاستنباط، لمعرفته بالقواعد، وكيفية استثمار الأحكام من الأدلة الشرعية، ثم استقل بالمنقول بحيث عرف ما في المسألة من إجماع أو اختلاف، وجمع الأحاديث التي فيها والأدلة، ورجحان العمل ببعضها، فهذا هو المجتهد في الجزئي، والمتجه أنه يجب عليه العمل بما قام عنده على الدليل، ولا يسوغ له التقليد…،وأما من لم يبلغ هذه الدرجة، بل له أهلية النظر والترجيح، وفيه قصور عن جميع أهلية الاجتهاد المشتركة، ولكن جمع أدلة تلك المسائل كلها، وعرف مذهب العلماء فيها، فهذا لا يتعين عليه العمل بقول إمامه، ولا بهذا الدليل، بل يجوز له التقليد، وينبغي له تقليد من الحديث في جانبه إذا لم يعلم اطلاع إمامه عليه وتركه لعلة فيه، أو لوجود أقوى منه، أما إن كان قد جمع أهلية الاجتهاد المشتركة بين جميع المسائل، ولم يجمع أدلة هذه المسائل، بل رأى فيها حديثا يقوم بمثله الحجة فهذا له أحوال: أحدها: أن يعلم حجة إمامه، كمخالفة مالك لعمل أهل المدينة على خلافه، فإن كان ممن يعتقد رجحان مذهب إمامه بطريقه فليعمل بقوله، وهو أولى، وإن لم يتعين الثانية: أن يعلم إجمالا، أن لإمامه أو لمن خالف العمل بهذا الحديث أدلة، يجوز معها المخالفة أو يقوى، فلا يتعين عليه، بل لا يترجح مخالفة إمامه، وله تقليد القائل بالحديث من المجتهدين، الثالثة: أن لا يعلم الحجة المقتضية لمخالفة الحديث إجمالا ولا تفصيلا، ولكن يجوز أن يكون للمخالف حجة تسوغ معها المخالفة، وأن لا يكون لكونه لم يجمع أدلة تلك المسألة نقلا واستدلالا، فالأولى بهذا تتبع المآخذ، فإذا لم يتبين له ما يعارض الحديث من أدلة القرآن والسنة، فالعمل بالحديث أولى تقليدا لمن عمل به، وله البقاء على تقليد إمامه،) اهـ،([163]) .
وقال الإمام الذهبي في السير: (لا ريب ان كل من أنس من نفسه فقها وسعة علم وحسن قصد فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل اقواله لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل ولاح له الدليل وقامت عليه الحجة فلا يقلد فيها امامه بل يعمل بما تبرهن ويقلد الامام الآخر بالبرهان لا بالتشهي والغرض لكنه لا يفتي العامة الا بمذهب إمامه أو ليصمت فيما خفي عليه دليله) اهـ،([164]) .
(المطلب الثالث): من أقوال الحنابلة في ذلك: قال ابن رجب الحنبلي في كتابه الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة ص ١٥: (فإن قيل: فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم؟ وقول الإمام أحمد: لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان وتعلم كما تعلم كما تعلمنا وهذا كثير موجود في كلامهم قيل: لا ريب أن الإمام أحمد – رضي الله عنه – كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة، ويأمر بكتابة آثار الصحابة والتابعين دون كلام من بعدهم ومعرفة صحة ذلك من سقمه والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه، ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته كما أشار إليه الإمام أحمد، فقد صار علمه قريباً من علم أحمد، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولا ارتقى إلى هذه النهاية ولا فهم من هذا إلا الترر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات) اهـ([165]) .
(الفرع الرابع): اعتراض (الاختلاف شر) قال بعض المعترضين على التقليد والتمذهب:إن الاختلاف شر والله تعالى يقول: {وَلَا يزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} والأدلة الشرعية من القرآن والسنة لا تكاد تحصى في النهي عن الاختلاف، فلا بد من جمع الأمة على قول واحد وهو القول الراجح بدلا من تشتيت الأمة وتفرقها إلى أربعة مذاهب أو أكثر قال المجيزون: الجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: في ذكر أنواع الاختلاف: إن الاختلاف ليس كله شر بل الاختلاف أنواع منها ما هو شر ومنها ما هو خير: النوع الأول: الاختلاف في الأصول والعقائد: ويسميه بعضهم اختلاف تضاد فهذا شر وحرام بل لا بد من جمع الأمة في ذلك على قول واحد وهو قول أهل السنة والجماعة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالح والمراد بذلك أصول العقائد أما فروعها فقد اختلف فيها الصحابة والسلف رضوان الله عليهم أجمعين والنوع الثاني: الاختلاف في الفروع والأحكام: وهو نوعان: (الاول): اختلاف غير معتبر: وهو ما ينقض فيه الاجتهاد وينقض فيه حكم القاضي وهو ما يسمى بزلات العلماء ونوادرهم وشذوذاتهم وهذا الخلاف نادر جدا في الأئمة وقد نبه الأئمة من كل مذهب على تلك المسائل في مذاهبهم، والضابط في ذلك هو: أن ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا أو القواعد العامة كان خلافا غير معتبر، كما ذكر ذلك كثير من أهل العلم منهم، الإمام القرافي في الفروق: حيث قال: (تنبيه: كلُّ شيءٍ أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلِّده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى، فإنَّ هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، وما لا نقره شرعاً بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعاً إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعاً، والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام، وإن كان الإمام المجتهد غير عاص به بل مثاباً عليه ؛ لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به، وقد قال النبي عليه السلام: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران)، فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكلُّ ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، ولكنه قد يقلُّ وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك، وذلك يعتمد تحصيل أصول الفقه والتبحر في الفقه) اهـ،([166]) .
ومنهم الإمام النووي حيث قال في الروضة: (إن تبين أنه خالف قطعيا كنص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع أو ظنا محكما بخبر الواحد أو بالقياس الجلي فيلزمه نقض حكمه) اهـ([167]) .
(الثاني): اختلاف معتبر: وهو الأصل في الاختلاف في الفروع والأحكام ويسميه البعض باختلاف الأفهام وهذا الاختلاف ليس مذموما بل هو محمود وليس شرا بل رحمة فقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب الرواة عن مالك، من طريق إسماعيل بن أبي المجالد، قال: قال هارون الرشيد لمالك بن أنس ؛ يا أبا عبدالله، نكتب هذه الكتب، ونفرقها في آفاق الإسلام، لنحمل عليها الأمة،قال: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله،) اهـ([168]) .
ثم قال السيوطي بعد ذكره أثر مالك: (اعلم أن اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة؟ !) اهـ،([169]) .
وقال ابن قدامة في خاتمة لمعة الاعتقاد: (الكلام على الاختلاف في الفروع: وأما النسبة إلى إمام في الفروع كالطوائف الأربع فليس بمذموم فإن الاختلاف في الفروع رحمة والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم مثابون في اجتهادهم واختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة) اهـ،([170]) .
وقال القرطبي في تفسيره: : (وليس فيه – أي قوله تعالى: ولا يزالون مختلفين – دليل على تحريم الاختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافاً إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، ومازالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة)، وإنما منع الله اختلافاً هو سبب الفساد) اهـ([171]) .
، وقال النووي في شرحه على مسلم: (قال الخطابي: وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة) فاستصوب عمر ما قاله، قال: وقد اعترض على حديث اختلاف أمتي رحمة رجلان: أحدهما مغموض عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الجاحظ والآخر معروف بالسخف والخلاعة وهو إسحاق بن ابراهيم الموصلي… قال هو والجاحظ: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا ثم زعم أنه إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فإذا اختلفوا سألوه فبين لهم، والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد: أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذابا ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل، وقد قال الله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: ٧٣]، فسمى الليل رحمة ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابا وهو ظاهر لا شك فيه قال الخطابي: والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: (أحدها): في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكار ذلك كفر، و(الثاني): في صفاته ومشيئته وإنكارها بدعة، و(الثالث): في أحكام الفروع المحتملة وجوها فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة هذا آخر كلام الخطابي رحمة الله) اهـ، ([172]) .
وقال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على (موطئه) في مثل هذه المسائل منعه من ذلك وقال إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم وصنف رجل كتابا فى الاختلاف فقال أحمد لا تسمه (كتاب الاختلاف) ولكن سمه (كتاب السعة) ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم اذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان فى الأمر سعة وكذلك قال غير مالك من الأئمة ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه) اهـ،([173]) .
وقال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم و لهذا صنف رجل كتابا سماه كتاب الاختلاف فقال أحمد: سمه كتاب السعة وأن الحق في نفس الأمر واحد و قد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه و يكون من باب قوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْیَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: ١٠١]) اهـ، ([174]) .
وقال الإمام الآلوسي في تفسيره روح المعاني: (وأستدل على عدم المنع من الاختلاف في الفروع بقوله عليه الصلاة والسلام: (اختلاف أمتي رحمة)… وأراد بهم صلى الله تعالى عليه وسلم خواصهم البالغين رتبة الاجتهاد والمقصود بالخطاب من دونهم فلا إشكال فيه خلافا لمن وهم والروايات عن السلف في هذا المعنى كثيرة) اهـ،([175]) .
الوجه الثاني: في ذكر أسباب الاختلاف المحمود: هناك أسباب معتبرة لاختلاف الأئمة وهذه الأسباب تعود إلى أمور منها: (الأمر الأول): اختلافهم في القواعد الأصولية وهذا باب واسع جدا فمن أمثلته: – اختلافهم في الاحتجاج ببعض الأدلة كقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة والمصلحة المرسلة والاستحسان… إلخ – واختلافهم في بعض القواعد الأصولية مثل اعتبار مفهوم المخالفة وتقديم الترجيح بين الأدلة على الجمع بينها وألفاظ العموم والخصوص… إلخ، وهناك كتاب في ذلك اسمه: أثر القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء لشيخنا الدكتور مصطفى الخن حفظه الله، و (الأمر الثاني): اختلافهم في قواعد الحديث وهذا أيضا باب واسع ومن أمثلته: – اختلافهم في تحقق شرط الاتصال وشرط البخاري ومسلم والاحتجاج بالمرسل والعمل به وما اكثر المراسيل وقد أفردت فيها المصنفات… – واختلافهم في ثبوت عدالة الراوي بماذا تكون وعدد المعدلين وفي الراوي المعين هل هو عدل؟ واعتبار مجهول الحال…- واختلافهم في حقيقة الجرح الذي تسقط به العدالة والعمل عند اختلاف المعدلين والمجرحين – واختلافهم في العمل بالحديث الضعيف – واختلافهم في ألفاظ الحديث ورواياته و في الترجيح عند التعارض وهناك كتاب رائع في ذلك اسمه: أثر الحديث الشريف في اختلاف الفقهاء لشيخنا محمد عوامة.
(الأمر الثالث):اختلافهم في العربية لغة ونحوا وتصريفا و… ومن أمثلة ذلك: – اختلافهم في بعض القواعد النحوية والصرفية اختلافهم في الحكم النحوي لكلمة ففي حالة الرفع يكون للمسألة حكم وفي حالة النصب يكون لها حكم أخر – اختلافهم في اشتقاق كلمة ففي حالة كونها مشتقة من مصدر معين يكون للمسألة حكم وفي حالة اشتقاقها من مصدر آخر يتغير الحكم – اختلافهم في معنى كلمة من حيث المعجم وما أكثره يعرف ذلك من طالع كتب المعاجم وهناك كتاب في ذلك لا يحضرني اسم مؤلفه عنوانه: أثر القواعد العربية في اخلاف الفقهاء.
(الأمر الرابع): اختلافهم في تتريل الحكم على الواقعة المعينة وبماذا تلحق من القواعد والأصول والنظائر.
(الأمر الخامس): اختلافهم في الأفهام فإن الله قد قسم الأفهام كم قسم الأرزاق، وحادثة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) لا تخفى على أحد وأختم هذا الوجه بحادثة لطيفة وطريفة تدلك على تفاوت أفهام العلماء في استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية فأليك هذه الحادثة: قال الطبراني في المعجم الأوسط: (حدثنا عبد الله بن أيوب القربي قال نا محمد بن سليمان الذهلي قال نا عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وبن أبى ليلى وبن شبرمة، فسألت أبا حنيفة قلت: ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا؟ قال: البيع باطل والشرط باطل ثم أتيت بن أبى ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت بن شبرمة فسألته قال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم علي في مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت بن أبى ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت امرني رسول ا لله صلى الله عليه وسلم أن اشتري بريرة فأعتقها البيع جائز والشرط باطل ثم أتيت بن شبرمة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال بعت النبي صلى الله عليه وسلم ناقة وشرط لي حملانه إلى المدينة البيع جائز والشرط جائز) أهـ،([176]) .
الوجه الثالث: مسألة الراجح والترجيح: إن الراجح في الفروع أمر نسبي فما يراه بعض الأئمة راجحا يراه البعض الآخر مرجوحا وهكذا، وكثيرا ما يوجه للفقير السؤال التالي من قبل طلبة العلم وغيرهم: ما هو الراجح في هذه المسألة؟ فأقول لهم: الراجح عند من؟ عند أبي حنيفة أم مالك أم الشافعي أم أحمد أم عندي؟ !!! ومن هو الذي يحق له أن يرجح، وقد دار بين الفقير وبين بعض الأفاضل حوار في ذلك، حول من يدرس متنا في الفقه الشافعي مثلا ثم في كل مسألة يلقيها على الطلاب يقول لهم لكن الراجح فيها كذا وصار يدرسهم مذهبه هو لا مذهب الشافعي وخلاصة ذلك الحوار: – قلت له: من قبل كان البعض يدرس الطلاب كتبا غير مذهبية فلما رأوا أن ذلك لم يفد الطلاب في الفقه انتقلوا إلى تدريس كتب مذهبية لكنهم في الحقيقة لا يدرسونهم كتبا مذهبية بل ما يدرس هو مذهب المدرس، لم يتغير الحال عن السابق فلماذا لا يقتصر على تدريس المذهب – قال لي: لا بد أن يتعود الطلاب على الترجيح وعلى القول الراجح – قلت له: الراجح عند من؟ فالراجح أمر نسبي فما تراه أنت راجحا قد أراه أنا مرجوحا وما أراه أنا راجحا قد تراه أنت مرجوحا وهكذا – قال لي: الراجح الذي يعضده الدليل – قلت له: الذي يعضده الدليل عند من؟ فوجهات النظر إلى الدليل تختلف – قال لي: الذي يعضده الدليل وفقا للقواعد – قلت له: وفقا للقواعد عند من؟ فكل إمام له قواعده الخاصة به في لحديث والأصول واللغة و… – قال لي: وفقا للقواعد الصحيحة التي يعضدها الدليل،، وعدنا من حيث بدأنا – ثم قال لي: على كلامك هذا لا يفهم أحد القران والسنة إلا المجتهد وعليه فإذا قرأنا القرآن فكأننا نقرأه بالإنجليزية والله قد قال {ولقد يسرنا القرآن للذكر} – قلت له: قراءة القرآن على نوعين: قراءة عبرة وعظة وتذكر فهذه لكل الناس في الجملة، وقراءة استنباط أحكام وهذه من خصائص المجتهد – ثم قلت له: وعليه فالراجح هذا الذي تقصده هل يعرفه كل أحد حتى العامة؟ – قال لي: لا إنما يعرفه من هو أهل لذلك – قلت له: إذن اتفقنا فلا بد لمن يرجح بين أقوال الأئمة من أن يكون أهلا لذلك لكن السؤال: ما هو المستوى الذي إذا بلغه الشخص صارا أهلا وما هي شروط ذلك؟ وقبل أن تجيبني أقول: لست أنا ولا أنت من يحدد هذه الشروط فقد فرغ الأئمة المتخصصون من ذلك قبل مئات السنين – قال لي: الشروط التي ذكرها أهل الأصول لم تتوفر حتى في الصحابة وهي شروط غير متعتبرة !!!! – قلت له: إذن ما هو المستوى الذي يؤهله لذلك عندك؟ – قال لي: من درس الورقات للجويني يستطيع أن يرجح !!!!! فعند ذلك بهت وتركت النقاش.
(أقول): إن فتح الباب للترجيح أما كل من هب ودب سيعود – وقد عاد على الأمة – بشر عظيم، لقد فر البعض من أربعة مذاهب – بحجة توحيد الأقوال على القول الراجح – إلى ما لا يحصى من المذاهب، لكن الفرق بين تلك المذاهب وهذه المذاهب أن تلك مذاهب أئمة مجتهدين معتبرين محفوظة مضبوطة توارد عليها عشرات الآلاف من الأئمة، وهذا المذاهب لأناس متعالمين حتى إن بعضهم لا يعرف أساسيات العلوم وأبجديات المعرفة، ثم تجد الواحد بعد ذلك ينصب نفسه حكَما على الأئمة والعاقل إذا دار الأمر عنده بين أن يأخذ بقول إمام من أئمة الاجتهاد وبين أن يأخذ بقول فلان من المعاصرين – ومهما بلغ علمه فلن يبلغ عشر معشار ما بلغه الأئمة – فلن يبغي بكلام الأئمة بديلا وأختم هذا الفرع بنصيحة الإمام ابن رجب رحمه الله في ذلك فما أحوجنا إليها، يقول رحمه الله في رسالته في الخروج عن المذاهب الأربعة (فأما من اعتمد على مجرد نقل كلام غيره، إما حكماً أو حكماً ودليلاً وكان غاية جهده أن يفهمه، وربما لم يفهمه جيدًا أو حرفه وغيره، فما أبعد هذا عن درجة الاجتهاد كما قيل: فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد ثم ذكر بعض شروط الاجتهاد ثم قال: (فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته كما أشار إليه الإمام أحمد، فقد صار علمه قريباً من علم أحمد، فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولا ارتقى إلى هذه النهاية ولا فهم من هذا إلا الترر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات) اهـ، ([177]) .
ثم قال رحمه الله: (فإن أنت قبلت هذه النصيحة وسلكت الطريقة الصحيحة، فلتكن همتك: حفظ ألفاظ الكتاب والسنة، ثم الوقوف على معانيها بما قال سلف الأمة وأئمتها، ثم حفظ كلام الصحابة والتابعين وفتاويهم وكلام أئمة الأمصار، ومعرفة كلام الإمام أحمد وضبطه بحروفه ومعانيه والاجتهاد على فهمه ومعرفته، وأنت إذا بلغت من هذه الغاية فلا تظن في نفسك أنك بلغت النهاية، وإنما أنت طالب متعلم من جملة الطلبة المتعلمين، ولو كنت بعد معرفتك ما عرفت موجودا في زمن الإمام أحمد، ما كنت حينئذ معدودًا من جملة الطالبين فإن حدثت نفسك بعد ذلك أنك قد انتهيت أو وصلت إلى ما وصل إليه السلف فبئس ما رأيت وإياك ثم إياك: أن تترك حفظ هذه العلوم المشار إليها وضبط النصوص والآثار المعول عليها، تم تشتغل بكثير الخصام والجدال وكثرة القيل والقال وترجيح بعض الأقوال على بعض الأقوال مما استحسنه عقلك… وأعلم وفقك الله: أنك كلما اشتغلت بتلك الطريقة، وسلكت السبل الموصلة إلى الله على الحقيقة، واستعملت الخشية ونفسها المراقبة، ونظرت في أحوال من سلف من الأئمة بإدمان النظر في أحوالهم بحسن العاقبة، ازددت بالله وبأمره علماً وازددت لنفسك احتقارًا وهضماً، وكان لك من نفسك شغل شاغل عن أن تتفرغ لمخالفة المسلمين ولا تكن حاكماً على جميع فرق المؤمنين، كأنك قد أوتيت علماً لم يؤتوه أو وصلت إلى مقام لم يصلوه،) اهـ،([178]) .
(الفرع الخامس): اعتراض (العصبية المذهبية): قال بعض المعترضين على التقليد والتمذهب: إن التمذهب قاد الأمة إلى التعصب حتى وصل الحال إلى أن يكفر بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا ويترك بعضهم الصلاة خلف بعض قال المجيزون: الجواب عن ذلك من وجوه: (الوجه الأول): أن مصطلح التعصب مصطلح فضفاض مرن: يمكن للشخص أن يستخدمه في محاربة ما يريد ومن يريد فهو كمصطلح الإرهاب في زماننا هذا !!!… لا حرج في التعصب للمذاهب بمعنى التجمع والنصرة على الحق ولا يجوز إذا كان بمعنى التجمع والنصرة على الباطل أو على الحق والباطل معا، لكن لنصطلح على أن التعصب هو في المعنى المذموم وعليه فننتقل إلى: (الوجه الثاني): أنه لا تلازم بين التمذهب وبين التعصب بمعناه المذموم فكما أن هناك أهل فقه وأهل حديث وأهل أصول وأهل لغة ولا يلزم من ذلك التعصب فكذلك هناك مذاهب ولا يلزم منها التعصب فإذا كنا سننهى عن التمذهب لما قد يحصل من التعصب فلننه عن الفقه والحديث لما قد يحصل من التعصب من قبل أهل الفقه وأهل الحديث وقد حصل ما لا يخفى على أحد في بعض المراحل التاريخية من التعصب بين أهل الفقه وأهل الحديث صحيح أنه قد حصل في بعض مراحل التاريخ بين بعض المنتسبين إلى المذاهب تعصب مذموم حتى وصل إلى حد التكفير والقتل ونحوه مما أدى إلى تسلط الأعداء على الأمة، قال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى:: (وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن في المذاهب وغيرها حتى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصب لمذهبه على مذهب أبى حنيفة حتى يخرجه عن الدين والمنتسب إلى أبى حنيفة يتعصب لمذهبه على مذهب الشافعي وغيره حتى يخرجه عن الدين والمنتسب إلى احمد يتعصب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا وفى المغرب تجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على هذا أو هذا وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل المتبعين الظن وما تهوى الأنفس المتبعين لأهوائهم بغير هدى من الله مستحقون للذم والعقاب وهذا باب واسع لا تحتمل هذه الفتيا لبسطه فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية فكيف بقدح في الأصل بحفظ الفرع) اهـ،([179]) .
إلا أن ذلك التعصب الذي حصل في بعض مراحل التاريخ سواء بين الفقهاء والمحدثين من جهة أو بين المذاهب من جهة أخرى هو شاذ ونادر أمام ما نجده من الاحترام والإجلال والتوافق بين أهل الفقه والحديث وبين أصحاب المذاهب على مر العصور وهذا لا يشك فيه مطلع عاقل ومنصف والقاعدة في هذا الباب هي: تمذهب ولا تتعصب الوجه الثالث: أن هناك تصورا خاطئا للتعصب: فيظن البعض أن التزام المرء بمذهب يأخذ برخصه وعزائمه من التعصب وهذا تصور خاطئ للتعصب كما هو ظاهر ومع ذلك فسيأتي مبحث خاص في حكم التزام المرء بمذهب وحكم خروجه عن مذهبه لكن الذي أريد أن أؤكده هنا هو أن ذلك ليس من التعصب في شيء، قال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعى ونحو ذلك) اهـ([180]) .
، وقال الإمام ابن عابدين في العقود الدرية: (قال فخر الإسلام لما سئل عن التعصب: الصلابة في المذهب واجبة، والتعصب لا يجوز، والصلابة أن يعمل بما هو مذهبه ويراه حقا وصوابا، والتعصب السفاهة، والجفاء في صاحب المذهب الآخر وما يرجع إلى نقصه ولا يجوز ذلك فإن أئمة المسلمين كانوا في طلب الحق وهم على الصواب، جواهر الفتاوى) اهـ، وهناك صور من التعصب المذموم يقع فيها من يتهم التمذهب بالتعصب منها الإنكار في مسائل الخلاف مع أن القاعدة في ذلك هي: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، ([181]) . وقال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه (ونظائر هذه المسائل كثيرة) اه([182]) .
ـ، وفي جامع بيان العلم وفضله: (عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ما برح أولو الفتوى يفتون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه) اهـ،([183]).
وفي مجموع الفتاوى لابن تيمية: (لو كان أحدهم عارفا بمذهبه لم يكن له أن يلزم علماء المسلمين بمذهبه، ولا يقول: يجب عليكم أنكم تفتون بمذهبي وأنه أي مذهب خالف مذهبي كان باطلا من غير استدلال على مذهبه بالكتاب والسنة، ولو قال: من خالف مذهبي فقوله مردود ويجب منع المفتى به وحبسه ؛ لكان مردودا عليه وكان مستحقا العقوبة على ذلك بالإجماع فكيف إذا كان الذى حكم به ليس هو مذهب أحد من الأئمة الأربعة؟ !) اهـ، ([184]) .
قرار المجمع الفقهي بشأن التمذهب والتعصب المذهبي: وأود أن أختم هذا الفرع بقرار مجلس المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي حول التمذهب والتعصب المذهبي وهو في مجلة المجمع: (1: 59) وإليك نصه: (قرار مجلس المجمع الفقهي في دورته العاشرة المنعقدة سنة ١٤٠٨ ه بشأن: موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب والتعصب المذهبي من بعض أتباعها: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة من يوم السبت ٢٤ صفر ١٤٠٨ ه إلى يوم الأربعاء ٢٨ صفر ١٤٠٨ ه قد نظر في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب المتبعة وفي التعصب الممقوت من بعض أتباع المذاهب لمذاهبهم تعصبا يخرج عن حدود الاعتدال ويصل بصاحبه إلى الطعن في المذاهب الأخرى وعلمائها واستعرض المجلس المشكلات التي تقع في عقول الناشئة العصرية وتصوراتهم حول اختلاف المذاهب الذي لا يعرفون مبناه ومعناه فيوحي إليهم المضللون أنه ما دام الشرع الإسلامي واحدا وأصوله من القرآن العظيم والسنة النبوية الثابتة متحدة أيضا فلماذا اختلاف المذاهب ولم لا توحد حتى يصبح المسلمون أمام مذهب واحد وفهم واحد لأحكام الشريعة؟! كما استعرض المجلس أيضا أمر العصبية المذهبية والمشكلات التي تنشأ عنها ولا سيما بين أتباع بعض الاتجاهات الحديثة اليوم في عصرنا هذا حيث يدعو أصحابها إلى خط اجتهادي جديد ويطعنون في المذاهب القائمة التي تلقتها الأمة بالقبول من أقدم العصور الإسلامية ويطعنون في أئمتها أو بعضهم ضلالا ويوقعون الفتنة بين الناس !! وبعد المداولة في هذا الموضوع ووقائعه وملابساته ونتائجه في التضليل والفتنة قرر المجمع الفقهي توجيه البيان التالي إلى كل من الفريقين المضللين والمتعصبين تنبيها تبصيرا:
(أولا): حول اختلاف المذاهب: إن اختلاف المذاهب الفكرية القائم في البلاد الإسلامية نوعان:
١ – اختلاف في المذاهب الاعتقادية.
٢ – اختلاف في المذاهب الفقهية.
فأما (الأول): وهو الاختلاف العقدي فهو في الواقع مصيبة جرت إلى كوارث في البلاد الإسلامية وشقت صفوف المسلمين وفرقت كلمتهم وهي مما يؤسف له ويجب ألا يكون وأن تجتمع الأمة على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يمثل الفكر الإسلامي النقي السليم في عهد رسول الله صلى عليه وسلم وعهد الخلافة الراشدة التي أعلن الرسول أنها امتداد لسنته.
وأما (الثاني): وهو اختلاف المذاهب الفقهية في بعض المسائل فله أسباب علمية اقتضته ولله سبحانه في ذلك حكمة بالغة ومنها: الرحمة بعباده وتوسيع مجال استنباط الأحكام من النصوص ثم هي بعد ذلك نعمة وثروة فقهية تشريعية تجعل الأمة الإسلامية في سعة من أمر دينها وشريعتها فلا تنحصر في تطبيق حكم شرعي واحد حصرا لا مناص لها منه إلى غيره بل إذا ضاق بالأمة مذهب أحد الأئمة الفقهاء في وقت ماء أو في أمر ما وجدت في المذهب الآخر سعة ورفقا ويسرا سواء كان ذلك في شؤون العبادة أم في المعاملات وشؤون الأسرة والقضاء والجنايات على ضوء الأدلة الشرعية فهذا النوع الثاني من اختلاف المذاهب وهو الاختلاف الفقهي ليس نقيصة ولا تناقضا في ديننا ولا يمكن ألا يكون فلا توجد أمة فيها نظام تشريعي كامل بفقهه واجتهاده ليس فيها هذا الاختلاف الفقهي الاجتهادي فالواقع أن هذا الاختلاف لا يمكن ألا يكون لأن النصوص الأصلية كثيرا ما تحتمل أكثر من معنى واحد كما أن النص لا يمكن أن يستوعب جميع الوقائع المحتملة لأن النصوص محدودة والوقائع غير محدودة كما قال جماعة من العلماء رحمهم الله فلا بد من اللجوء إلى القياس والنظر إلى علل الأحكام وغرض الشارع والمقاصد العامة للشريعة وتحكيمها في الواقع والنوازل المستجدة وفي هذا تختلف فهوم العلماء وترجيحاتهم بين الاحتمالات فتختلف أحكامهم في الموضوع الواحد وكل منهم يقصد الحق ويبحث عنه فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد ومن هنا تنشأ السعة ويزول الحرج فأين النقيصة في وجود هذا الاختلاف الفقهي الذي أوضحنا ما فيه من الخير والرحمة وأنه في الواقع نعمة ورحمة من الله بعباده المؤمنين وهو في الوقت ذاته ثروة تشريعية عظمى ومزية جديرة بأن تتباهى بها الأمة الإسلامية، ولكن المضللين من الأجانب الذين يستغلون ضعف الثقافة الإسلامية لدى بعض الشباب المسلم ولا سيما الذين يدرسون لديهم في الخارج فيصورون لهم اختلاف المذاهب الفقهية هذا كما لو كان اختلافا عقائديا ليوحوا إليهم ظلما وزورا بأنه يدل على تناقض الشريعة دون أن ينتبهوا إلى الفرق بين النوعين وشتان ما بينهما ! ثانيا: وأما تلك الفئة الأخرى التي تدعو إلى نبذ المذاهب، وتريد أن تحمل الناس على خط اجتهادي جديد لها وتطعن في المذاهب الفقهية القائمة وفي أئمتها أو بعضهم ففي بياننا الآنف عن المذاهب الفقهية ومزايا وجودها وأئمتها ما يوجب عليهم أن يكفوا عن هذا الأسلوب البغيض الذي ينتهجونه ويضللون به الناس ويشقون صفوفهم ويفرقون كلمتهم في وقت نحن أحوج ما نكون إلى جمع الكلمة في مواجهة التحديات الخطرة من أعداء الإسلام بدلا من هذه الدعوة المفرقة التي لا حاجة إليها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة والحمد لله رب العالمين الموقعون على القرار: رئيس المجلس: عبد العزيز بن باز – نائب الرئيس: عبد الله نصيف – الأعضاء: محمد بن جبير – بكر أبو زيد – عبد الله البسام – صالح الفوزان – محمد السبيل – مصطفى الزرقاء – محمد الصوف – أبو الحسن الندوي – محمد رشيد قباني – محمد الشاذلي النيفر – أبو بكر جومي – أحمد أبو سنة – محمد حبيب الخوجه – محمد سالم عبد الودود – مقرر المجلس: طلال عمر بافقيه) اهـ، (لفت نظر): لعل أثر هذا القرار على البعض – في تصحيح تصوره عن التمذهب – أكبر بكثير من أثر كل أقوال وأدلة من سبق ذكرهم من الأئمة الأعلام، وهذا يؤكد وجود الخلل الكبير في النظر إلى الأئمة السابقين والمقارنة بينهم وبين المعاصرين.
(الفرع السادس): اعتراض (النوازل والمستجدات المعاصرة): قال المعترضون: بناء على قول الأئمة السابق أنه لا مجتهد اليوم فذلك يعني أن الدين لا يواكب العصور وأن المستجدات والنوازل لا نستطيع أن نجد لها حكما بل علينا أن ننتظر حتى يظهر مجتهد استجمع شروط الاجتهاد ليعطينا حكمها ومع ذلك فقد أغلق باب الاجتهاد أمامه وهذا يعني أن دين الإسلام لا يصلح لكل زمان ومكان قال المجيزون الجواب عن ذلك من وجوه: (الوجه الأول): من هو الذي يحق له أن يفتي في النوازل وغيرها؟ إن المفتي في الحقيقة هو المجتهد إما مطلقا أو في باب ومن لم يكن مجتهدا فلا يحق له أن يفتي، قال ابن نجيم في البحر الرائق: (قال في فتح القدير: واعلم أن ما ذكر في القاضي ذكر في المفتي فلا يفتي إلا المجتهد، وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس مفتيا) اهـ،([185]) .
إذا كان الأمر كذلك فما الحل إذن؟ وهل انسد باب الفتوى؟ يقول ابن نجيم في الجواب عن ذلك بعد كلامه السابق: (والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبي حنيفة على جهة الحكاية فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي، وطريق نقله لذلك عن المجتهد أحد أمرين إما أن يكون له سند فيه، أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الأيدي) اهـ([186]) . وقال النووي في مقدمة المجموع: (فإن قيل: هل لمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه؟ قلنا: قطع أبو عبد الله الحليمي وأبو محمد الجويني وأبو المحاسن الروياني وغيرهم بتحريمه، وقال القفال المروزي: يجوز، قال أبو عمرو: قول من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى إمامه الذي قلده فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة، لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلا: مذهب الشافعي كذا أو نحو هذا، ومن ترك منهم الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به ولا بأس بذلك) اهـ،([187]) .
وفي شرح الكوكب لابن النجار الفتوحي: (فصل: لا يفتي إلا مجتهد) عند أكثر الأصحاب، ومعناه عن أحمد… وقال صاحب التلخيص والترغيب: يجوز للمجتهد في مذهب إمامه، لأجل الضرورة، وقال أكثر العلماء: يجوز لغير المجتهد أن يفتي إن كان مطلعا على المأخذ أهلا للنظر قال البرماوي: يجوز أن يفتي بمذهب المجتهد من عرف مذهبه، وقام بتفريع الفقه على أصوله، وقدر على الترجيح في مذهب ذلك المجتهد، فإنه حينئذ يصير كإفتاء المجتهد بنفسه، فالمجتهد المقدم في مذهب إمامه وهو من يستقل بتقرير مذهبه، ويعرف مأخذه من أدلته التفصيلية بحيث لو انفرد لقرره كذلك، فهذا يفتي بذلك لعلمه بالمأخذ، وهؤلاء أصحاب الوجوه، ودونهم في الرتبة: أن يكون فقيه النفس حافظا للمذهب قادرا على التفريع والترجيح، فهل له الإفتاء بذلك؟ أقوال: أصحها يجوز، اهـ وقال القفال المروزي من الشافعية: من حفظ مذهب إمام أفتى به، وقال أبو محمد الجويني: يفتي المتبحر فيه، وذكر الماوردي في عامي عرف حكم حادثة بدليلها: يفتي، أو إن كان من كتاب أو سنة، أو المنع مطلقا، وهو أصح، وفيه أوجه أهـ، وقال ابن حمدان في آداب المفتي: فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة: فهو عاص آثم… وقال الآمدي بجواز بعض الإفتاء بالتقليد، وهو ظاهر كلام ابن بشار المتقدم، واختاره أبو الفرج في الإيضاح، وصاحب الرعاية، والحاوي من أصحابنا، كالحنفية ؛ لأنه ناقل كالراوي، رد: ليس إذا مفتيا بل مخبر ذكره جماعة، منهم: أبو الخطاب وابن عقيل والموفق) اهـ،،([188]) ..
وفي إعلام الموقعين: (قال محمد بن عبد الله بن المنادي: سمعت رجلا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاث مائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربع مائة ألف، قال بيده هكذا، حرك يده، قال أبو الحسين: وسألت جدي محمد بن عبيد الله، قلت: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أخذ عن ستمائة ألف قال أبو حفص: قال لي أبو إسحاق: لما جلست في جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة فقال لي رجل: فأنت هو ذا لا تحفظ هذا القدر حتى تفتي الناس ! فقلت له: عافاك الله إن كنت لا أحفظ هذا المقدار فإني هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه،) اهـ،([189]) .
إذا فمن كان مجتهدا فليتفتي باجتهاده ومن لم يكن مجتهدا فلا حرج عليه في الفتوى تقليدا ومع هذا فليس كل أحد يحسن الفتوى تقليدا لأن للفتوى تقليدا شروطا وضوابط ذكرها الأئمة وأقل ما يمكن أن يؤهله للفتوى أن يكن ضابطا لمذهب من المذاهب المحفوظة، قال المازري: (من يفتي في هذا الزمان أقل أحواله أن يكون مطلعا على روايات المذهب وتأويل الأشياخ وتوجيههم ما اختلف بعضها مع بعض وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى الفهم تباعدها إلى غير ذلك مما بسطه الأشياخ لعدم المجتهد) اهـ،([190]) .
وقال النووي في مقدمة المجموع: (فصل هذه أصناف المفتين وهي خمسة وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم، ولقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك، ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها، ويلتحق به المتصرف النظار البحاث، من أئمة الخلاف وفحول المناظرين ؛ لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته، ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر) اهـ،([191]) .
وقد تقدم أيضا – عند ذكر مراتب المجتهدين في الفصل الأول – كلام كثير للأئمة في أن أقل أحوال من يفتي هو أن يكون ضابطا لمذهب من المذاهب الأربعة قال المجيزون للتمذهب فإن قال المتعرض: إن وجود ضبطة المذاهب أمر نادر وعليه فتتعطل الفتوى، فالجواب: أن ضبطة المذاهب موجودون لكن كثيرا منهم غير مشهور لبعدهم عن الأضواء ووسائل الإعلام والشهرة ثم لو فرض أنهم غير موجودين فلا يمكن أن نوكل الأمر إلى غير أهله لعدم وجود أهله، كما لا يمكن أن نقول لغير متخصص في الجراحة: اعمل عملية جراحية في القلب، لأنه إن عملها هلك وأهلك، نعم نقول للناس: تأهلوا لذلك ولا نقول لمن ليس أهلا: اقتحم ذلك تنبيه: المراد بالإفتاء هنا هو الإفتاء العام أما الإفتاء في مسألة أو مسائل أو باب أو أبواب ضبطها المشتغل بمذهب على مذهب ذلك الإمام بقيودها وشروطها واستثناءاتها بحيث يكون متأكدا من ضبطه لذلك فلا حرج عليه في أن يفتي في ذلك لأن الضبط يتجزأ كما يتجزأ الاجتهاد وهكذا كل مرتبة كما تقدم عند ذكر المراتب وكذا تقدم ذكر ما قاله النووي في مقدمة المجموع: (فإن قيل: من حفظ كتابا أو أكثر في المذهب وهو قاصر، لم يتصف بصفة أحد ممن سبق، ولم يجد العامي في بلده غيره، هل له الرجوع إلى قوله؟ فالجواب: إن كان في غير بلده مفت يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب إمكانه، فإن تعذر ذكر مسألته للقاصر، فإن وجدها بعينها في كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل له حكمه بنصه، وكان العامي فيها مقلدا صاحب المذهب، قال أبو عمرو: وهذا وجدته في ضمن كلام بعضهم، والدليل يعضده، وإن لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطور عنده، وإن اعتقده من قياس لا فارق، فإنه قد يتوهم ذلك في غير موضعه،) اهـ،([192]) .
وفي فتاوى ابن حجر الهيتمي: (وأما قوله عقب الأقسام الأربعة وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب أي معظمه مع التمكن من الوقوف على الباقي على قرب كما ذكره قبل ذلك وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} فهو محمول على ما إذا وجد هناك متصف بأحد الأقسام الأربعة التي ذكرها بقرينة قوله بعد ذلك فإن قيل من حفظ كتابا أو أكثر في المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن سبق…) اهـ،([193]) . وقد تقدم معنا قول الإمام القرافي في كتاب الفروق:: «اعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَهُ أَحْوَالٌ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِمُخْتَصَرٍ مِنْ مُخْتَصَرَاتِ مَذْهَبِهِ فِيهِ مُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ فِي غَيْرِهِ وَعُمُومَاتٌ مَخْصُوصَةٌ فِي غَيْرِهِ وَمَتَى كَانَ الْكِتَابُ الْمُعَيَّنُ حَفِظَهُ وَفَهِمَهُ كَذَلِكَ أَوْ جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ وَإِنْ أَجَادَهُ حِفْظًا وَفَهْمًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا أَنَّهَا مُسْتَوْعَبَةُ التَّقْيِيدِ وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى مَعْنًى آخَرَ مِنْ كِتَابٍ آخَرَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُلَهَا لِمَنْ يَحْتَاجُهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَتَكُونُ هِيَ عَيْنَ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا لَا أَنَّهَا تُشْبِهُهَا وَلَا تُخَرَّجُ عَلَيْهَا بَلْ هِيَ هِيَ حَرْفًا بِحَرْفٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَالِكَ فُرُوقٌ تَمْنَعُ مِنْ الْإِلْحَاقِ أَوْ تَخْصِيصٌ أَوْ تَقْيِيدٌ يَمْنَعُ مِنْ الْفُتْيَا بِالْمَحْفُوظِ فَيَجِبُ الْوَقْفُ.» ،) اهـ([194]) .
وقال الشيخ عليش في فتاويه:: (ثم لا يجوز لهذا المقلد أن يفتي إلا بالنص لا بالنظر والقياس وقد جاء: من كذب على عالم فكأنما كذب على الرسول ومن كذب على الرسول فكأنه كذب على الله ومن كذب على الله فليتبوأ مقعده من النار وفي مدخل ابن طلحة ما نصه: وإذا رجع إلى مقلد رجوع اضطرار كرجل يذكر المسائل كمن يحفظ المدونة والعتبية والواضحة والموازية وما جمع منها كالنوادر ونحو ذلك فإن استفتى مثل هذا فالفرض عليه أن لا يفتي في مسألة حتى تترل حسبما هي في ديوان منها فيكتب الجواب عنها حاكيا من غير زيادة حرف ولا نقصان حرف لا في بساط ولا عرف فيكون كمن يخرج الوصية من داخل الدار إلى رجل عند الباب فإذا زاد أو نقص الفرض عليه السكوت لأن التقليد فاته والاجتهاد فاته ا ه، وقال ابن الصلاح: إذا لم يجد مسألة بعينها ونصها مسطورة فلا سبيل له إلى العقل فيها قياسا إلى ما عنده من السطور وإن اعتقده من قبيل قياس لا فارق لأن القاصر معرض لأن يعتقد ما ليس من هذا القبيل منه وإنما يتم في حق من عرف موارد الشرع، ومصادره) اهـ،([195]) .
وعليه فعلى من يريد أن يستفتي أن يتحرى في من يستفتيه فليس كل من انتسب للعلم يصلح للفتوى وليس كل من انتصب للفتوى يصلح لها، قال النووي في مقدمة المجموع: (يجب عليه – يعني المستفتي – قطعا البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفا بأهليته، فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم، وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك من مناصب العلماء، بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك، ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلا للفتوى) اهـ([196]) .
[ضرورة مراعاة التخصصات]: وهنا أمر مهم جدا لا بد من التنبه له وهو أنه لا بد من مراعاة التخصصات ففي لطائف الإشارات للقسطلاني: (أن مالكا سأل نافعا عن البسملة فقال: السنة الجهر بها، فسلم إليه مالك وقال: كل علم يسأل عنه أهله) اه([197]) .
وقال القرافي: (والمعتبر في كل فن أهل الاجتهاد في ذلك الفن وإن لم يكونوا من أهل الاجتهاد في غيره فيعتبر في الكلام المتكلمون وفي الفقه الفقهاء قاله الإمام) اهـ([198]) .
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: (المنفرد بفن من الفنون،لا يعاب بالزلل في غيره، وليس على المحدث عيب أن يزل في الإعراب،ولا على الفقيه ان يزل في الشعر، وإنما يجب على كل ذي علم أن يتقن فنه، إذا احتاج الناس إليه وانعقدت إليه الرئاسة به) اه([199]) .
فمثلا هناك من هو متخصص في الدعوة إلى الله والوعظ والإرشاد فلا يظنن نفسه أنه إذا أشار إليه الجماهير بالبنان أنه صار مفتيا وكذا لا يظنن الناس أن كل من ارتقى المنابر يصلح للفتوى وأيضا هناك من هو متخصص في الحديث أو اللغة أو الأصول أو،، فلا يجوز أن يستفتوا ولا يجوز لهم أن يفتوا وإنما الذي يستفتى ويفتي هو الفقيه كما أن الفقيه لا يسأل عن مسائل الحديث وا للغة، وهذا كله طبعا ما لم يكن الشخص قد جمع إلى الفقه الحديث أو العكس بأن يكون قد جمع المحدث إلى الحديث الفقه وهكذا سائر التخصصات، والذي دعاني للتنبيه إلى هذا هو ما نلاحظه من توجه الناس لاستفتاء كل من انتصب للخطابة والوعظ، والمشكلة الأدهى والأمر أن الخطيب نفسه صدق الناس فصار يفتيهم بغير علم لأنه يظن أنه لو قال لا أعلم فإنه سينقص من أعين الناس، ومن المؤسف أننا نلاحظ مراعاة التخصصات في المجالات الدنيوية ولا نلاحظه في مجال العلم الفتوى فمثلا لا يتصدر طبيب لمعالجة الناس إلا إذا تحصل على ما يؤهله لذلك ولا تأذن له الجهات المختصة بمعالجة الناس إلا بذلك بينما تجد أن كل أحد صار يفتي بغير رقيب ولا حسيب وبينما تجد طالب الطب المبتدي لا يمكّن من تطبيق ما درسه حتى ينهي دراسته العامة ثم يؤذن له بسنة التطبيق نجد أن طالب العلم الشرعي يقدم على الفتوى وما زال في أول الطلب من غير حجر ولا منع بل قد يكون بتشجيع من أشياخه والله المستعان وبينما نجد طالب الطب المبدئ يسّلم الأمر للبروفسورات في التخصصات ولا يعترض على ما قد يكون ظاهره معارضا لما درسه نجد طالب العلم الشرعي لا يسلم الأمر للأئمة ويكثر من الاعتراض عليهم ومثل طالب العلم المعترض على الأئمة كمثل رجل قرأ في كتاب من كتب الثقافة الطبية أن البنسلين ينفع في علاج الالتهابات البكتيرية فمرض ابنه بالتهاب في الصدر فعرضه على الأطباء وعملوا له الفحوصات فقالوا له: لا تستعمل البنسلين فإنه سيموت إن استعملت له البنسلين، فركب رأسه وقال أنا قرأت أن البنسلين ينفع في ذلك وهؤلاء لا يعلمون الطب أنا أحسن منهم فأعطى ابنه البنسلين فما هو إلا وقت يسير حتى قضى الابن نحبه بسبب جهل هذا المتعالم المركب !!!
الوجه الثاني: ما هو العمل عند المستجدات والنوازل؟: إذا علمنا من هو الذي يحق له أن يفتي وأقله أن يكون ضابطا لمذهب فإن النوازل والمستجدات المعاصرة لا يمكن أن تخرج عما سطره أئمة المذاهب إما بنفسها أو بما يماثلها أو تدخل في القواعد العامة في المذاهب فعلى ضبطة كل مذهب من المذاهب الأربعة أن يجتمعوا عند النوازل والمستجدات فيبحثوا في كل نازلة ويبذلوا غاية جهدهم في إلحاقها بنظائرها أو إدخالها في قواعدها ويخرجوا للأمة بحكم يمكن أن نعتبره حكم المذهب الذي ينتمون إليه في هذه الحادثة والنازلة، قال ابن الصلاح في أدب المفتي والمستفتي: (يبعد كما ذكر الإمام أبو المعالي الجويني أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب ولا هي في معنى شيءٍ في المنصوص عليه فيه من غير فرقٍ ولا هي مندرجة تحت شيءٍ من ضوابط المذهب المحررة فيه) اهـ،([200]) .
وقال الشيخ محمد الحامد في رسالته في المذاهب الأربعة (على أنه لا مانع من الاجتهاد للتعرف على أحكام جزئية فردية طارئة لكن لا يتقنه إلا أفراد معدودون الآن تتمخض عنهم بلاد الإسلام وأقطاره وليس هو لكل من يرى نفسه عالما أو يزعمه البسطاء من الناس عالما) اه([201]) .
ـ، وقد تقدم كلام للأئمة في أن أقل من يفتي الإفتاء العام هو ضابط المذهب عند ذكر مراتب المجتهدين فراجعه، اقتراح مهم: وبالمناسبة أقترح أن يكون هناك مجامع فقهية لكل مذهب من المذاهب الأربعة تضم الضبطة في كل مذهب فمن فوقهم – إن وجدوا – ويكون لكل بلد مجمع خاص به، ثم مجمع محلي يضم النخبة من كل مذهب في البلد، ثم مجمع عالمي لكل مذهب فينتقى من كل بلد أجود من فيه، ثم مجمع عالمي يضم الضبطة من المذاهب كلها فتكون عندنا أربع مراتب من المجامع الفقهية: المرتبة الأولى: مجمع ضبطة المذهب المعين في القطر المعين (أربعة مجامع في كل بلد بحسب المذاهب) والمرتبة الثانية: مجمع ضبطة المذاهب الأربعة في القطر المعين (مجمع واحد في كل بلد) والمرتبة الثالثة: مجمع ضبطة المذهب المعين في العالم منتخب (أربعة مجامع في العالم كله بحسب المذاهب) والمرتبة الرابعة: مجمع ضبطة كل المذاهب في العالم منتخب (مجمع واحد في العالم) ، الوجه الثالث: وفيه مسألتان:
(الأولى) هي: فقه الواقع: فلا يجوز لهؤلاء الضبطة أن يفتوا في نازلة إلا إذا فقهوا واقعها حق الفقه حتى يكون الحكم صحيحا لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره قال الإمام النووي في مقدمة المجموع: (لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ، أو متنزلا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها) اهـ، ([202]) .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين(ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني: فهو الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله) اهـ،([203]) .
و(الثانية) هي: إعادة صياغة الفقه وتقريبه: من المهم جدا أن تعاد صياغة الفقه بشكل جديد يتناسب مع العصر من جهتين: الأولى: من حيث الأسلوب لأن أسلوب كتب الفقه المتقدمة لا يفهمه إلا المتخصصون ونحن نريد أن نقرب الفقه إلى عامة الأمة ولكن لا نريد تقريبه بكتب ملفقة فقهيا كما هو الواقع بل بكتب منضبطة بالمذاهب والثانية: من حيث المستجدات فنحتاج أن تدرج المستجدات ضمن كتب الفقه المقَربة بحسب المذاهب وكذا أن تفرد بمؤلفات خاصة بحسب المذاهب ولا يعني هذا ألا توجد كتب فقهية تذكر الخلاف بين المذاهب وهي ما تسمى بكتب الخلاف عند المتقدمين وبكتب الفقه المقارن في المصطلح المعاصر، بل المقصود النهي عن هوس الراجح بحيث تكون هذه الكتب تنشر بين الناس مذاهب مؤلفيها فيكون عندنا ما لا يحصى من المذاهب الهزيلة مع أن عندنا مذاهب معتبرة مخدومة مضبوطة) انتهى من كتاب: [التمذهب دراسة تأصيلية، للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، المبحث الثاني: الاعتراضات على التقليد والتمذهب والجواب عنها]
***
المبحث السادس مدخل مختصر إلى الفقه الحنفي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ؛ (ولد في الكوفة سنة 80هـ)، وأدرك زمن أربعة من الصحابة رضي الله عنهم لكنه لم يرهم على الصحيح ؛ وهم: أنس بن مالك بالبصرة، وعبدالله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولذا فهو معدود في طبقة أتباع التابعين، من أبرز شيوخه: حماد بن أبي سليمان ؛ انتهت إليه رياسة الفقه في العراق بعد إبراهيم النخعي ؛ وهو شيخه الأول لزمه نحو ثماني عشرة سنة ؛ وعطاء بن أبي رباح؛ وعكرمة مولى ابن عباس؛ ونافع مولى ابن عمر؛ وجعفر الصادق، ولما مات شيخه حماد سنة 119هـ، حل محله في التدريس والافتاء.
لقد برع أبو حنيفة في الفقه حتى غدا إماما فيه؛ وصار من بعده عيالاً عليه –كما قال الشافعي-وكان يتميز بدقة النظر وحسن الاعتبار والقياس،، قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة، كما كان كثير العبادة صوّاماً قوّاماً ورعاً زاهداً؛ وكان فطناً ذكياً قوي الحجة، أريد على قضاء الكوفة زمن الأمويين فأبى وامتُحن في ذلك حتى جُلد أكثر من مئة سوطه؛ فلما رأى الوالي إصراره خلّى سبيله، وأراده المنصور فأبى فحبسه ثم أطلقه،، أخذ الإمام أبو حنيفة الفقه عن شيخه حماد بن أبي سليمان الذي لازمه نحواً من ثماني عشرة سنة، وقد أخذ حماد العلم عن إبراهيم النخعي والشعبي اللذين نقلا فقه شريح القاضي، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع الذين تلقوا العلم عن عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وقد أخذ العلم عن أبي حنيفة خلق كثيرون، ربما بلغ عددهم أربعة آلاف شخص، (توفى سنة 150هـ) رحمه الله رحمة واسعة.
ثناء العلماء عليه: سئل يزيد بن هارون: أيهما أفقه الثوري أو أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث، وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال يحيى بن معين: هو ثقة ما سمعت أحداً ضعفه، وقال علي بن المديني: أبو حنيفة ثقة لا بأس به، جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله: ” أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق النعمان بن ثابت… كان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث وقال بن المبارك أبو حنيفة أفقه الناس وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد ما رأيت أحد أورع ولا أعقل من أبي حنيفة ” أهـ، ([204]) .
وجاء في طبقات الحفاظ في ترجمته رحمه الله: ” وقال ابن معين كان ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه، وقال ابن المبارك ما رأيت في الفقه مثله، وقال مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين أورع منه،وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ” أهـ ([205]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” وقال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً، وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله ! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس، وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم، وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل، وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض، وروى الخطيب بسنده، عن أسد بن عمرو: أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة – أعني: سنة خمسين ومائة -، وعن ابن معين: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين، والصحيح الأول، وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله ” أهـ ([206]) .
الإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي:(الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه)، وأبو حنيفة -رحمه الله- ضرب مثلا عظيما في العلم بكتاب الله تعالى وسعة الاطلاع على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ووضع أصولا لمنهجه، وقد حدَّد رحمه الله تعالى بنفسه مصادر فقهه ومنهجه في الإفتاء بقوله: (آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول مَن شئتُ منهم، وأَدَعُ مَن شئتُ منهم، ولا أَخْرُج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب،، فقومٌ اجتهدوا، فأَجْتَهِدُ كما اجتهدوا) ([207]) .
وقد تميَّز رحمه الله بطريقة خاصة في استنباط الأحكام التي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تغوص إلى المعاني التي تُشير إليها، وتتعمَّق في مقاصدها وغاياتها، كما أنه لا يعني اشتهار الإمام أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يُهْمِل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قَبُول الحديث شروطًا متشدِّدة، مُبَالَغَة في التحرِّي والضبط، والتأكُّد من صحَّة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التشدُّد في قَبول الحديث هو ما حمله على التوسُّع في تفسير ما صحَّ عنده منها، والإكثار من القياس عليها، حتى يُوَاجه النوازل والمشكلات المتجدِّدة.
أبرز تلامذته: القاضي أبو يوسف (ت183هـ)؛ ومحمد بن الحسن الشيباني (ت198هـ)؛ وزفر بن الهذيل، أما أبو يوسف فهو الصاحب الأول؛ وهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ولد عام 113هـ، وتوفي عام 182هـ،، كان إماما مجتهداً، حفظ أقوال أبي حنيفة من خلال كتبه التي بث فيها أقوال شيخه؛ ككتاب: الآثار؛ والخراج، كما كان لتولّيه رياسة القضاء أثر كبير في انتشار مذهب أبي حنيفة، وأما محمد بن الحسن، فهو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني ولد بواسط ونشأ بالكوفة وكان مولده عام 132هـ وتوفي عام 187هـ، انتقل إلى بغداد وحضر مجلس أبي حنيفة، وتتلمذ على أبي يوسف، ورحل إلى المدينة، ودرس على مالك ثلاث سنين، وروى عنه الموطأ، وأخذ عن الثوري والأوزاعي، ولقي الشافعي –رحمه الله- محمد بن الحسن ببغداد، وقرأ كتبه، وناظره في كثير من المسائل وقال عنه الشافعي: (أنه كان يملأ العين والقلب) وقال: (ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله من محمد كأنه عليه نزل)، وكتب الإمام محمد بن الحسن هي المراجع الأصيلة لمذهب الحنفية؛ ولذا اعتنى بها الأتباع شرحاً وتعليقاً؛ ومن أبرزها كتب ظاهر الرواية الستة: الأصل والجامع الكبير والجامع الصغير والزيادات والسير الكبير والسير الصغير، وأما زفر بن الهذيل فهو زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي ولد سنة 110هـ- وتوفي سنة 158هـ، كان من أهل الحديث، ثم غلب عليه الرأي لصلته بإمامه أبي حنيفة، وكان أقيس أصحابه، ولذلك قالوا: إن أبا يوسف أتبع أصحاب أبي حنيفة للحديث ومحمد أكثرهم تفريعاً، وزفر أقيسهم، توفي بالبصرة، ولم يكن في بيته يوم وفاته ما يقدر بثلاثة دراهم، وذلك لزهده رحمه الله.
[المفتاح الثاني]: أهم أصول المذهب الحنفي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة النبوية، وكان يتشدد في قبولها لقلة الحديث في بلده وكثرة الوضع، وليس صحيحاً ما نُسب إليه من ردّه للسنة؛ كيف وهو القائل: إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذنا به ولم نحل إلى غيره، (3) إجماع الصحابة رضي الله عنهم ؛ (4) فإن اختلفوا تخيّر بين أقوالهم ولم يخرج عنها، ومن أصوله: (5) القياس، وقد توسع فيه بما آتاه الله تعالى من ملكة عجيبة في القياس، حتى قال الناس أبو حنيفة أفقه الناس، والناس عيال على أبي حنيفة في الفقه، (6) الاستحسان: وهو عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي لدليل خاص يراه الأحناف أحسن في حق أحكام الشريعة، وهذا هو الاستحسان الذي قال به الأحناف، وأما معارضة الشافعي للاستحسان، فهو محمول على الاستحسان بمجرد التشهي والعقل المجرد دون استناد إلى شيء من أدلة الشريعة المعتبرة، وهذا لا يقول به عامة الأحناف، وبالتالي فإن الخلاف في الاستحسان بين الحنفية والشافعية لفظي فقط، وذلك أن الاستحسان إن كان معناه ترك القواعد العامة في الشريعة للهوى فهو مردود عند كليهما من غير خلاف، وإن كان معناه ترك القواعد العامة لنصوص القرآن الكريم و السنة الشريفة والإجماع فذلك محط اتفاق بينهما، وأمّا المالكية والحنابلة فلم يقولوا بالاستحسان تحت هذا الاسم الخاص به، وإن كانوا يعملون به في تفريعاتهم للأحكام تحت أسماء أخرى، (7) العرف.ويقسم الحنفية مسائل الفقه إلى ثلاثة أقسام:
(1) الأصول، وهي المسائل التي تسمى: ظاهر الرواية، وهي ما روي عن أبي حنيفة أو أحد أصحابه في كتب ظاهر الرواية التي صنفها محمد بن الحسن.
(2) النوادر، وهي المسائل التي رويت عن الإمام وأصحابه في غير كتب ظاهر الرواية.
(3) الفتاوى، وهي المسائل التي لم يرد فيها رواية عن الإمام أو أصحابه؛ وقد أفتى فيها مجتهدو الحنفية تخريجاً على مذهبهم، ويصطلح الحنفية في ترتيب كتبهم على البدء بالعبادات ثم المناكحات ثم المعاملات ثم الدعاوى والبينات والقضاء ثم العقوبات ثم الفرائض.
[المفتاح الثالث]: أبرز التسميات والألقاب: الإمام الأعظم: أبو حنيفة، الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، الشيخان: أبو حنيفة وأبو يوسف، الطرفان: أبو حنيفة ومحمد، الصاحبان: أبو يوسف ومحمد، شمس الأئمة: السرخسي صاحب المبسوط، وهذا عند الإطلاق، وقد يقيّد فيراد به: الحلواني (ت456هـ) والكردري (ت642هـ)، الصدر الكبير؛ أو برهان الدين الكبير؛ أو برهان الأئمة: عبدالعزيز بن عمر بن مازه (تلميذ السرخسي)، الحاكم الشهيد: محمد بن محمد المروزي البلخي (ت630هـ)، الحسام الشهيد؛ أو الصدر الشهيد: عمر بن الصدر الكبير عبدالعزيز بن مازه (ت536هـ)، صدر الشريعة الأكبر أو الأول: أحمد بن جمال الدين المحبوبي؛ والد تاج الشريعة، صدر الشريعة الأصغر أو الثاني: عبيدالله بن مسعود بن تاج الشريعة محمود (ت747هـ) وإذا أُطلق اللقب فهو المراد، تاج الشريعة: محمود بن أحمد المحبوبي (ت673هـ).
[المفتاح الرابع]: أبرز كتب الحنفية: المبسوط، للسرخسي (ت483هـ)، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ؛ للكاساني (ت587هـ)؛ وهو أجودها ترتيباً، والهداية، للمرغيناني (593هـ)، وفتح القدير شرح الهداية، للكمال ابن الهمام (ت861هـ)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم الحنفي (ت970هـ)، ورد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)،لمحمد أمين ابن عابدين(ت1252هـ)، ومن كتبهم في غريب الاصطلاحات: طِلْبة الطَّلَبة، للنسفي (ت537هـ)، والمغرب في ترتيب المعرب، للمُطَرِّزي (ت610هـ)، وأنيس الفقهاء، للقونوي (ت978هـ)، ومن كتب تراجمهم: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لابن أبي الوفاء (ت775هـ)، والطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين الغزي (ت1005هـ)، وهو أوسعها، والفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات اللكنوي الهندي (ت1304هـ)،
انتشاره: انتشر المذهب الحنفي في تركيا ومصر وبعض بلاد الشام وشبه القارة الهندية (الهند والباكستان وبنغلادش)، وبلاد ما وراء النهر (الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى).
[المفتاح الخامس]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب الحنفي]
(أولاً): أهم مؤلفات الفقه على المذهب الحنفي:
(1) (الهداية): لبرهان الدين علي بن أبي بكر الميرغيناني، وهو شرح لبداية المبتدئ له أيضا، جمع فيه بين كلام محمد بن الحسن في (الجامع الصغير) وبين مختصر القدوري، ويعتبر كتاب (الهداية) من أهم كتب الفقه الحنفي، وله شروح عديدة، ولأهميته خرّج جمال الدين الزيلعي أحاديثه في (نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)، ومن أهم شروح الهداية: (أ) فتح القدير لكمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام، ولم يكمله رحمه الله حيث وصل إلى باب الوكالة، فأكمله شمس الدين أحمد بن قودر المعروف بقاضي زاده في كتاب نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، (ب) شرح العناية على الهداية لمحمد بن محمود البابرتي، (ت) حاشية سعد الله بن عيسى الشهير بسعدي جلبي وبسعدي أفندي، (ث) البناية في شرح الهداية لبدر الدين العيني.
(2) (مختصر القدوري): لأبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد القدوري، وإذا اطلق الكتاب في المذهب الحنفي فالمقصود به مختصر القدوري، ومن أهم شروحه: (أ) الجوهرة النيرة لأبي بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي، (ب) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني بن طالب بن حمادة الغنيمي.
(3) (كنز الدقائق): لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، ومن أهم شروحه: (أ) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي، (ب) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لزين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم، وصل إلى باب الإجارة، وأكمله محمد بن حسين بن علي الطوري القادري، (ت) رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق لأبي محمد محمود بن أحمد العيني.
(4) (المختار للفتوى): لأبي الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي 0 شرحه المؤلف في كتاب (الاختيار لتعليل المختار).
(5) (الكافي) للحاكم الشهيد جمع فيه كتب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن وهي: المبسوط – الزيادات – الجامع الصغير – الجامع الكبير – السير الصغير – السير الكبير، وشرح أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي كتاب الكافي في كتاب: المبسوط.
(6) (تحفة الفقهاء): لعلاء الدين السمرقندي، بناه على مختصر القدوري، وشرحه أبو بكر بن مسعود الكاساني في كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ويلاحظ أنه لم يشرح متنه لفظا، بل رتب الكتاب على مسائله.
(7) (مختصر الطحاوي): لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، وشرحه أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي في كتاب: شرح مختصر الطحاوي.
(8) (تنوير الأبصار) للتمرتاشي، شرحه الحصكفي في كتاب: الدر المختار، ثم شرح الدر المختار محمد أمين بن عمر بن عابدين في كتاب: رد المحتار على الدر المختار المشهور بحاشية ابن عابدين، ويعتبر كتاب (رد المحتار) من أهم كتب متأخري الأحناف.
(9) (مجمع البحرين وملتقى النيرين): لأحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء الساعاتي البعلبكي، جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي في الخلاف مع زوائد، وقد شرحه المؤلف نفسه.
(10) كتاب (المبسـوط): للسَّرَخْسِي (شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل) 483 هـ، وهو شــرح لكتـاب (الكافــي) للحاكــم الشهــيد أبي الفضـل المـروزي الحنفي 334 هـ، ويعتبر كتاب (الكافي) هذا ملخصاً لكتب ظاهر الرواية الستة لمحمد بن الحسن الشيباني 189هـ، والتي هي أساس المذهب الحنفي.
(11) (الفتاوى الهندية العالمكيرية): لجماعة من علماء الهند الأحناف.
(ثانياً): اقتراحات لدراسة المذهب الحنفي: المرحلة الابتدائية
(مرحلة حفظ المتون): اعتمد فقهاء المذهب الحنفي على أربعة متون تعتبر أفضل مختصر للمبتدئين يمكنهم أن يحفظوه و يتخذوه أصلا يبنون عليه تفريعهم الفقهي في هذه المدرسة الفقهية، (المتن الأول): (الكتاب) وهو (مختصر القدوري) (ت 428 هـ)، وهو متن سهل العبارة جدا، ويعد أكثر متون المذهب الحنفي تداولا واشتهارا، ويعد كذلك أحسنها وأكملها، ويعرف هذا المتن بـ (الكتاب) فإذا أطلق (الكتاب) لدى الأحناف، فينصرف إلى هذا المختصر، (المتن الثاني): (المختار للفتوى للموصلي ـ 683 هـ)، وهو متن يتميز باختصاره وسهولته، (المتن الثالث): (كنز الدقائق للنسفي ـ 710 هـ)، وهو يلي مختصر القدوري في الشهرة و التداول، وهو متن مختصر جدا للنسفي، قصره على ذكر ما عمّ وقوعه وكثر وجوده وتتوفر عائدته كما ذكر ذلك النسفي في مقدمته، المتن الرابع: (الوقاية لمحمود المحبوبي ـ 673 ه) وهو مختصر من (الهداية) الذي هو شرح البداية، كلاهما للمرغيناني، وكتاب الهداية يعد من أكثر الكتب الحنفية اعتمادا لدى متأخري الحنفية.
المرحلة المتوسطة: (مرحلة استيعاب شروح المتون): من حفظ متن اللباب فعليه بأفضل شرح له وهو (اللباب شرح الكتاب) لعبد الغني الميداني، ومن حفظ متن المختار فعليه بشرحه لنفس مؤلفه الفتوى للموصلي ـ 683 هـ: (الاختيار لتعليل المختار)، وهو شرح في غاية من الروعة و الدقة .
المرحلة المتقدمة: (مرحلة استيعاب المذهب): عندما يتقن طالب الفقه الحنفي متنا من هذه المتون الأربعة بشرح وافي كاف لها، فهو على قدر من فقه الأحناف عظيم، وعليه دراسة كتاب (الهداية شرح البداية) للمرغيناني، ثم شرحها (فتح القدير) لابن الهمام الحنفي، فمن حفظ المتن وفهم شرحه ثم استوعب الهداية والفتح يكون بذلك مستوعبا لفروع المذهب الحنفي إجمالا، ثم لا يمكن لطالب الفقه الحنفي بحال أن يكون في غنى عن حاشية: (رد المحتار على الدر المختار) و المشتهرة بـ (حاشية ابن عابدين) للإمام المحقق محمد أمين بن عمر عابدين، إذ هي المعتمد الأول لدى الحنفية في الفتوى، و عليه فتاوى كافة المتأخرين، فلا يمكن نسب فتوى حنفية واعتمادها دون مراجعة هذه الحاشية، وتوثيق الاعتماد منها.
(ثالثاً) يتحتم على طالب الفقه بعد ذلك، أن يدرس مدخلاً إلى الفقه الحنفي، مثل مدخل إلى فقه الحنفية للدكتور عبد الحسيب عبد السلام رضوان، وأن يدرس في علم أصول الفقه على مذهب الأحناف ككتاب (الفصول في الأصول) للإمام أبي بكر الجصاص، 370هـ أو كتاب (منار الأنوار في أصول الفقه) للإمام النسفي، ت 701هـ، أو كتاب (كشف الأسرار في شرح المنار) للإمام النسفي نفسه، أو كتاب: (أصول الفقه) لمحمود بن زيد أبو الثناء اللاماشي الحنفي.
(رابعاً) وأن يدرس كذلك كتابا في القواعد الفقهية على المذهب الحنفي مثل كتاب: تأسيس النظر، للدبوسي الحنفي، أو كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم، شرحه الحموي في كتاب: غمز عيون البصائر، ومجلة الأحكام العدلية، وبها قواعد فقهية على المذهب الحنفي، وكتاب (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، فهو شرح قوي متين مظهر لمناطات الفروع بالأصول الكلية و الضوابط المرعية في شرع الإسلام).
(خامسا) أن يدرس كتابا في تراجم السادة الأحناف مثل: كتاب الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لابن أبي الوفاء الحنفي، وكتاب الفوائد البهية في تراجم الحنفية، لأبي الحسنات اللكنوي، وكتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين الغزي.
***
المبحث السابع مدخل مختصر إلى الفقه المالكي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحميري، ولد بالمدينة سنة 93هـ، وكان جده أبو عامر صحابياً قدم من اليمن إلى المدينة بعد غزوة بدر؛ وشهد المغازي كلها، وأما جده القريب مالك فمعدود في كبار التابعين ؛ هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)) ([208]) . وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجد عالماً أعلم من عالم المدينة)) ([209]) .
قال إسحاق بن موسى: “فبلغني عن ابن جريج أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أنس”، وقال يحيى بن معين: ” سمعت سفيان بن عيينة يقول: نظن أنه مالك بن أنس” ([210]) .
نشأ الإمام مالك بالمدينة نشأ الإمام مالك بالمدينة في بيت علم وصلاح؛ فحفظ القرآن صغيراً ثم اتحه إلى الحديث ومجالس العلماء حيث كان يغتنم وفرة العلم وأهله في المدينة؛ وكان لذلك أثر كبير في عنايته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة وكبار التابعين؛ وقد أخذ العلم عن جمٍّ غفير من علماء المدينة؛ أبرزهم: ربيعة بن أبي عبدالرحمن (ربيعة الرأي) وهو شيخه في الفقه؛ ومحمد بن شهاب الزهري؛ وجعفر الصادق؛ ونافع مولى ابن عمر؛ وأبو الزناد الأموي عبدالله بن ذكوان، وقد تصدى للتدريس ولم يجاوز السابعة عشرة؛ رغم أنه قال: ما جلست للفتيا والحديث حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني مرضاة لذلك،، وهذا يعني أنه تأهل للعلم والفتوى في سن مبكرة، وقد ذاع صيته وطبّقت شهرته الآفاق حتى ضُربت له أكباد الإبل؛ وبقي يعلّم الناس نحواً من سبعين عاماً؛ حتى قال بعضهم: إنه يصدق عليه الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم؛ لا يجدون عالماً أعلم من عالم أهل المدينة))، واتفقوا على إمامته وجلالته ودينه وورعه وشدة تمسكه بالسنة، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه، وقال حماد بن سلمة: لو قيل لي اختر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إماماً يأخذون عنه العلم لرأيت مالكاً لذلك موضعاً وأهلاً، وقد أجمع أشياخه وأقرانه وتلاميذه ومن بعدهم على أنه إمام في الحديث؛ قال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ثم مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ألف (الموطأ) الشهير بناء على رأي أبي جعفر المنصور؛ وقد أقام في تأليفه وتهذيبه أكثر من أربعين عاماً؛ وكان أكبر مما هو عليه الآن؛ لكنه كان يختصره ويهذبه في كل مرة حتى وصل إلى ما وصل إليه، وقد امتُحن سنة 147هـ وضُرب بالسياط وانفكت ذراعه وحُبس؛ وبقي مريضاً بسلس البول حتى وفاته، روى عنه من أشياخه: ابن شهاب الزهري ؛ وربيعة الرأي؛ وموسى بن عقبة إمام المغازي، ومن أقرانه: سفيان الثوري؛ والأوزاعي؛ والليث بن سعد، ومن تلاميذه: الشافعي؛ وابن المبارك؛ ومحمد بن الحسن، ومن خواص تلاميذه في الفقه: عبدالرحمن بن القاسم الذي صحبه عشرين عاماً وهو صاحب المدونة التي انتفع بها المالكية وأخذوا عنها مذهبهم رواها عنه سحنون؛ وعبدالله بن وهب؛ وأشهب بن عبدالعزيز، وقد أقام مالك بالمدينة ولم يرحل عنها إلى بلد آخر؛ ولذا كان معظم حديثه من رواية أئمة الحجاز ومحدثيه، وكانت وفاته بها سنة 179هـ، رحمه الله رحمة واسعة.
ثناء العلماء عليه: ثناء العلماء عليه: أثنى عليه كثيرٌ من العلماء منهم الإمام الشافعي بقوله: ” إذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين”، ويُعدُّ كتابه “الموطأ” من أوائل كتب الحديث النبوي وأشهرها وأصحِّها، حتى قال فيه الإمام الشافعي: ” ما بعد كتاب الله تعالى كتابٌ أكثرُ صواباً من موطأ مالك”، وكان هذا قبل أن يكتب البخاري ومسلم صحيحيهما، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام مالك بن أنس رحمه الله: ” مالك بن أنس الإمام الحافظ فقيه الأمة شيخ الإسلام أبو عبد الله الأصبحي المدني الفقيه إمام دار الهجرة،، قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي من أثبت أصحاب الزهري قال مالك أثبت في كل شيء وقال عبد الرزاق في حديث ((يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة)) فكنا نرى أنه مالك وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم على مالك أحدا وقال الشافعي إذا ذكر العلماء فمالك النجم قال بن مهدي مالك أفقه من الحكم وحماد وقال الشافعي لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال بن وهب لولا مالك والليث لضللنا وقال شعبة قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة فإذا لمالك حلقة قال أبو مصعب سمعت مالكا يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،، وقال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من موطأ مالك ” أهـ ([211]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: والإمام مالك هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة… إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن: غير واحد من التابعين، وحدث عنه خلق من الأئمة، منهم: السفيانان، وشعبة، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن مهدي، وابن جريج، والليث، والشافعي، والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال،وقال يحيى بن معين: كل من روى عن مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية، وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري، وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومناقبه كثيرة جداً، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان، قال أبو مصعب: سمعت مالكاً، يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،، وقد روى الترمذي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة))،ثم قال: هذا حديث حسن،وقد روي عن ابن عيينة، أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق ” أهـ ([212]) .
[المفتاح الثاني]: أهم أصول المذهب المالكي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة، وكان يقبل المرسل إذا كان رجاله ثقات، ولذا كثرت المراسيل والبلاغات عنده، (3) الإجماع، (4) القياس؛ (5) عمل أهل المدينة؛ (6) المصالح المرسلة ؛ (7) سد الذرائع، ويصطلح المالكية في ترتيب أبواب الفقه على الطريقة الآتية: العبادات؛ ثم النكاح؛ ثم البيوع؛ ثم القضاء والدعواى؛ ثم الجنايات؛ ثم الفرائض؛ ثم جامع الأخلاق والآداب.
[المفتاح الثالث]: أبرز كتب المالكية: (1) الموطأ، للإمام مالك، وله روايات؛ أشهرها ثلاث: رواية محمد بن الحسن الشيباني، ورواية يحيى بن يحيى الليثي (ت234هـ)؛ وهي أكثرها انتشاراً، ورواية أبي مصعب الزبيري (ت184هـ)، ومن أبرز شروح الموطأ: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد؛ لأبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي (ت463هـ)؛ وقد غلبت عليه الدراسة الحديثية؛ ولذا اقتصر فيه على دراسة الأحاديث والآثار واتصالها وانقطاعها؛ ورتبه على ترتيب المسانيد، والاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار؛ لابن عبدالبر (ت463هـ)؛ وقد غلبت عليه الدراسة الفقهية والمقارنة بالمذاهب الأخرى؛ واعتنى فيه بدراسة أقوال مالك وآثاره؛ ورتّبه على ترتيب الموطأ نفسه، والمنتقى؛ لأبي الوليد الباجي (ت474هـ)؛ والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس؛ لابن العربي (ت543هـ)، (2) المدونة الكبرى؛ لسحنون (ت240هـ)، (3) رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) وعليها شروح كثيرة؛ منها: كفاية الطالب الرباني للمنوفي (ت739هـ) وعليه حاشية للعدوي (ت1119هـ)، والفواكه الدواني؛ للنفراوي (ت1120هـ)، (4) بداية المجتهد ونهاية المقتصد؛ لابن رشد الحفيد (ت595هـ)، (5) الذخيرة؛ للقرافي (ت684هـ)، (6) مختصر خليل؛ لخليل بن إسحاق (ت 767هـ) وعليه شروح كثيرة جداً؛ أهمها: التاج والإكليل؛ للمواق (ت897هـ)، ومواهب الجليل، للحطاب الرعيني (ت954هـ)، وشرح الزرقاني؛ لعبدالباقي الزرقاني (ت1099هـ)، وشرح الخرشي؛ للخرشي (ت1101هـ)؛ وعليه حاشية للعدوي (ت1119هـ)، والشرح الكبير للدردير (ت1201هـ)؛ وعليه حاشية للدسوقي (ت1230هـ)، ومن كتبهم في الغريب: مشارق الأنوار؛ للقاضي عياض (ت544هـ)، وغريب ألفاظ المدونة؛ للجبّي،، ومن كتبهم في تراجمهم: الديباج المُذهب في معرفة أعيان علماء المذهب؛ لابن فرحون (ت799هـ)، وترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك؛ للقاضي عياض، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية؛ لمحمد محمد مخلوف (ت1360هـ).
أبرز التسميات والألقاب: (المدنيون): ابن الماجشون؛ وابن نافع؛ وابن مسلم؛ ونظراؤهم من أهل المدينة، (المصريون): ابن القاسم؛ وأشهب؛ وأصبغ؛ وابن وهب؛ وابن عبد الحكم، (العراقيون): ابن القصار؛ وابن الجلاب؛ والقاضي عبدالوهاب، (المغاربة): ابن أبي زيد القيرواني؛ والباجي؛ وابن العربي؛ وابن عبد البر، (الأخَوَان): ابن الماجشون ومطرف، (القرينان): أشهب وابن نافع، (القاضيان): عبدالوهاب وابن القصار، (المحمدان): ابن المواز وابن سحنون،
انتشار المذهب المالكي: انتشر مذهب مالك في الحجاز أولاً ومصر وشمال أفريقياً والمغرب الأقصى والأندلس.
[المفتاح الرابع]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب المذهب المالكي]:
(أولاً) أهم مؤلفات الفقه على المذهب المالكي:
(1) (الرسالة): لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني، ومن شروحها: (أ) كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأبي الحسن علي بن محمد المنوفي المصري، وعليه حاشية علي الصعيدي العدوي، (ب) تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة، لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي، (ت) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لأحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفرواي، (ث) الثمر الداني في تقريب المعاني لرسالة ابن زيد القيرواني، لصالح بن عبد السميع الأبي الأزهري.
(2) (مختصر خليل) وهو العلامة ضياء الدين خليل بن إسحاق بن موسى المالكي 776هـ، وهو أهم مـتـون متأخــري المالكيــة، وهو اختصار (لمختصــر أبي عمرو ابن الحاجـب 646 هـ) الــذي هو اختصـار (لمختصر أبي سعيد البراذعي 430 هـ) الذي هو مختصر (رسالة ابن أبي زيد القيرواني 386 هـ) التي هى مختصر (مدونة مالك)، وتعتبر شروح (مختصر خليل) أهم مراجع الفقه المالكي الآن، ومن شروحه: (أ) مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المعروف بالحطاب، (ب) التاج والإكليل لمختصر خليل، لأبي عبد الله محمد بن يوسف الشهير بالمواق، (ت) شرح الخرشي، لأبي عبد الله محمد بن عبد اله بن علي الخرشي، ومطبوع معه (حاشية العدوي) وهو علي بن أحمد الصعيدي 1189هـ، (ث) الشرح الكبير، لأبي البركات أحمد بن محمد الدردير، وعليه حاشية الدسوقي لشمس الدين محمد بن عرفة الدسوقي، (ج) منح الجليل على مختصر سيدي خليل، لمحمد بن أحمد بن محمد الملقب بعليش، (ح) جواهر الإكليل على مختصر الإمام خليل، لصالح بن عبد السميع الأبي الأزهري، (خ) شــرح الزرقــاني على مختصـر خليـل) لعبـدالبــاقي بن يوسـف الزرقاني 1099 ه ومطبوع معه (حاشية البناني) وهو عبدالرحمن بن جاد الله البناني المغربي المالكي 1198هـ.
ومن أهم كتب المذهب المالكي أيضاً: (أ) كتاب (المــدونة الكـبرى) للإمام مالك بن أنس 179هـ، برواية عبدالسلام بن سعيد التنوخي المعروف بسحنون 240هـ، عن عبدالرحمن بن القاسم 191هـ، عن الإمام مالك، (ت) كتب أبي عمر ابن عبد البر 463هـ، وهى ثلاثة: الأول: (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي)، والثاني: كتاب (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)، والثالث: كتاب (الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار)، (ث) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي (ابن رشد الحفيد)، (ج) الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، جمع فيه بين كتب: المدونة والتلقين والتفريع لابن جلاب والرسالة والجواهر الثمينة لابن شاش، (ح) المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي، (خ) بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، لأحمد بن محمد الصاوي، وهو على الشرح الصغير للدردير.
(ثانياً): مراحل تحصيل المذهب المالكي:
المرحلة الابتدائية: (مرحلة حفظ المتون):
اعتمد فقهاء المذهب المالكي على متون تعتبر أفضل المختصرات للمبتدئين يمكنهم أن يحفظوها و يتخذوها أصلا يبنون عليها تفريعهم الفقهي في هذه المدرسة الفقهية العريقة، ومن هذه المتون، (متن الأخضري) ويشمل فقه الطهارة والصلاة، و(متن العشماوية) ويشمل فقه الطهارة والصلاة والصيام، و(متن ابن عاشر) المسمى بالمرشد المعين على الضروري من الدين ويشمل فقه العبادات (الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج)، ومختصر (إرْشَادُ السَّالِك إلىَ أَشرَفِ المَسَالِكِ) ويشمل جميع أبواب الفقه، و (مختصر خليل)، ويشمل جميع أبواب الفقه، وفي هذه المرحلة: يبدأ الطالب (متن الأخضري) ومعه شرحه المسمى (هداية المتعبد السالك) للعلامة صالح عبد السميع الآبي، وعليه شرح آخر بالدليل يسمى: (حل المسائل في شرح مختصر الأخضري بالدلائل) لسعد بن عمر بن سعيد، وبعد ضبط المتن جيدا و فهمه مع الشرح، ينتقل إلى: (متن العشماوية) لعبد الرحمن العشماوي المصري، و عليه بشرح العلامة الآبي المسمى (الدرر السنية في شرح العشماوية)، فإن ضبط المتن مع الشرح جيدا، انتقل لشرح العلامة المحقق عبد العزيز بن الصديق الغماري المسمى (إتحاف ذوي الهمم العالية بشرح العشماوية) وهو شرح بالدليل، فإن ضبطه و ضبط أدلته جيدا، انتقل إلى: (متن ابن عاشر) المسمى ب (المرشد المعين على الضروري من الدين) ويشمل فقه العبادات (الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج)، ثم مختصر (إرْشَادُ السَّالِك إلىَ أَشرَفِ المَسَالِكِ) ويشمل جميع أبواب الفقه على المذهب المالكي.
المرحلة الثانية: (مرحلة استيعاب شروح المتون):
وفي هذه المرحلة: يدرس (المرشد المعين) للعلامة ابن عاشر الأندلسي-رحمه الله-بشرح العلامة محمد ميارة -تلميذه-، و إن أراد تثبيت المسائل فعليه بـــــــ (شرح المرشد المعين) للأستاذ أحمد الطهطاوي، وهو لا يذكر إلا مشهور المذهب، ثم (بمختصر عمدة السالك على مذهب مالك) بشرح العلامة الآبي الأزهري، وهذا المتن فيه جميع أبواب الفقه وذلك ليتأهب الدارس للدخول في (الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني، وفي (أصول الفقه) في هذه المرحلة: يبدأ بقراءة شرح أبيات مقدمة في الأصول من (المرشد المعين)، ثم يثني بشرح(منظومة ابن أبي كف الموريتاني) للعلامة محمد يحيى الولاتي الشنقيطي الحوضي، وهي منظومة في ذكر أصول مذهب الإمام مالك بطريقة سهلة و ميسرة، فيضبطهما جيدا.
المرحلة الثالثة: المرحلة المتقدمة: (مرحلة استيعاب المذهب):
وفيها يدرس شرح (الرسالة للقيرواني) بشرح العلامة الآبي، المسمى(الثمر الداني بشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) بتحقيق الطهطاوي، وشرح الحافظ أحمد بن الصديق الغماري عليها المسمى(مسالك الدلالة) و هو بالدليل، مع مراجعة:(الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني) للعلامة أحمد بن غنيم النفراوي إذا استشكل عليه شيء في(الثمر الداني)، كما يمكن دراسة (متن الإرشاد) لعبد الرحمن بن عسكر البغدادي من مالكية العراق.
ثم المرحلة الرابعة:
وفيها يدرس (مختصر الدردير)، مع الشرح المعروف بـ”الشرح الصغير” مع حاشية الصاوي عليه، ومتن مختصر خليل” مع الشرح الكبير للدردير، ثم شرح خليل” للعلامة أحمد الشنقيطي بالدليل، وأن يلم بدراسة أصول الفقه والقواعد الفقهية، على مذهب السادة المالكة، ومثال ذلك: في أصول الفقه: كتاب (التقــريب والإرشــاد) للقاضي أبي بكر الباقلاني (محمد بن الطيب) المالكي: (ت 403 هـ) وكتاب (مختصــر الأصـول) لأبي عمرو بن الحاجب: (ت 646هـ)، وكتــاب (شــرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول) لشهاب الدين القرافي: (ت 684 ه)، وأن يدرس كذلك كتابا في القواعد الفقهية على مذهب المالكية مثل كتاب الفروق، للقرافي المالكي، وكتاب القواعد، للمقري المالكي، وكتاب إيضاح المسالك إلى قواعد مالك، للونشريسي المالكي، وأن يطلع على تراجم السادة المالكية في كتب تراجمهم مثل كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، وكتاب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد مخلوف، وكتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، لابن فرحون المالكي، وكتاب توشيح الديباج وحلية الابتهاج، للقرافي، وكتاب جمهرة تراجم الفقهاء المالكية، د قاسم علي سعد.
***
المبحث الثامن مدخل مختصر إلى الفقه الشافعي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، ونُسب إلى جدّه (شافع) دون غيره ؛ لأنه أول صحابي في أجداده ؛ وذلك لأن (شافعاً) والثلاثة فوقه كلهم صحابة، ويتميز من بينهم (السائب بن عبيد) بكونه شبيهاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولد الإمام بغزة سنة 150هـ؛ ولم تكن موطناً له؛ لكن أباه خرج إليها من مكة لحاجة فمات بها بعد أن وُلد ابنه محمد بقليل؛ ثم عادت به أمه إلى مكة سنة 152هـ، ونشأ بها يتيماً فقيراً، حفظ القرآن في صباه ؛ ثم خرج إلى بادية هذيل فبقي فيهم عشر سنين أفاد فيها فصاحة اللسان ومعرفة الأدب العربي وحفظ الشعر والفروسية والرماية، وقد تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ) ؛ ثم رحل إلى مالك في المدينة، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم، ولزمه حتى مات ؛ ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق ؛ فاجتمع له فقه الحجاز (مكة والمدينة) والعراق، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، وإليه ينسب علم أصول الفقه، ثم اختص بمذهبه المعروف، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها.
والإمام محمد بن إدريس الشافعي هو الإمام المجدد الذي ملأ طباق الأرض علما، له كتاب الرسالة، هو أوَّل كتاب منظَّم في أصول الفقه وفي أصول الحديث أيضًا؛ وذلك لأن الناس قبله كانوا يتكلَّمون في المسائل الأصولية حسبما اتُّفِقَ، ولم يكن لهم نظام جامع ولا قواعد كلية، إلى أن ألَّف الشافعي رسالته هذه، فوضع فيها القواعد الكلية والقانون الجامع في أصول الفقه، وكان العلماء قبل الشافعي يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه ويستدلُّون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط لهم الشافعي -رحمه الله تعالى- علم أصول الفقه، ووضع للفقه قانونًا كليًّا يُرجَع إليه في معرفة مراتب أدلَّة الشرع، واعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز على سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة الشريفة، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً،)) ([213]) . وقال البيهقي وابن حجر: طرق هذا الحديث إذا ضمت بعضها إلى أفادت قوة وعلم أن للحديث أصلا، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقد رُوي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علماً))، أخذ العلم والحديث على كثيرين من أهل الحجاز والعراق؛ مثل: سفيان بن عيينة (ت198هـ)؛ والفضيل بن عياض (ت187هـ)؛ ووكيع بن الجراح (ت197هـ، وتصدى للتدريس وهو ابن عشرين سنة، أثنى عليه الإمام مالك في حفظه وفهمه؛ وكان شيخه ابن عيينة يقول: أفضل فتيان زمانه.
وقال عنه الإمام أحمد: كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقي الإمام أحمد إسحاق بن راهويه فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله ؛ فأراه الشافعي، وقد تعرض الشافعي مرات عديدة للابتلاء؛ كان من أشدها: أن والي اليمن قدم الحجاز فأشار عليه بعض القرشيين أن يصحب معه الشافعي إلى اليمن ليلحقه بعمل يناسب مقامه نظراً لقلة ذات يده؛ فذهب معه وجعله قاضياً على نجران؛ فأقام فيها العدل والقسط وتصدى لمظالم والي نجران فاغتاظ الوالي منه ووشى به عند هارون الرشيد واتهمه بأنه متشيّع علويّ يهمّ بالخروج على الدولة؛ فأمر هارون بإحضاره إلى بغداد سنة 184هـ وكاد يفتك به لولا أن الله برأه إذ قيّض له الفضل بن الربيع (ت208هـ) ومحمد بن الحسن فدافعا عنه فعفا عنه الرشيد، ثم عاد الشافعي إلى مكة بعد وفاة محمد بن الحسن وهجر المناصب والوظائف وتفرّغ للعلم والحديث والفقه داخل المسجد الحرام؛ ومكث على هذا ست سنين، ثم عاد إلى بغداد سنة 195هـ وبدأ ببث مذهبه القديم حيث ألّف (الرسالة) في الأصول؛ و(الحجة) في الفروع، وبدأ التلاميذ يفدون عليه ويتلقون العلم على يديه؛ كالإمام أحمد بن حنبل وأبي ثور الكلبي (ت240هـ)، وصار الشافعي يتردد بين مكة وبغداد حتى عام 199هـ إذ رحل إلى مصر واستقر فيها حتى توفي، وفي مصر بدأ ببث مذهبه الجديد حيث ألّف كتابه (الأم)؛ وكان من أبرز تلاميذه: يوسف بن يحيى البويطي (ت230هـ)؛ وإسماعيل المزني (ت264هـ)؛ والربيع بن سليمان (ت270هـ)،، وهو من أخص تلاميذه وروايته مقدّمة على رواية المزني؛ وهو راوي كتاب (الأم)، وقد أصيب الإمام الشافعي بمرض الباسور في آخر حياته؛ وطال عليه المرض واشتد حتى توفي نتيجة للنزف الشديد المتواصل؛ وكانت وفاته بمصر سنة 204هـ.
[المفتاح الثاني]: ثناء العلماء عليه: لمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي في ترجمته رحمه الله: ” الشافعي الإمام العلم حبر الأمة أبو عبد الله محمد بن إدريس،، القرشى المطلبى الشافعي المكى نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصر سنته،، قال إسحاق بن راهويه قال لي أحمد بن حنبل بمكة تعال حتى اريك رجلا لم تر عيناك مثله فأقامني على الشافعي، وقال أبو ثور ما رأيت مثل الشافعي ولا رأى هو مثل نفسه وقال حرملة سمعت الشافعي يقول سميت ببغداد ناصر الحديث ووثقه أحمد وغيره، وقال بن معين ليس به بأس قال الفضل بن زياد سمعت أحمد بن حنبل يقول ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة وقال بن راهويه الشافعي إمام ما أحد تكلم بالرأي إلا والشافعي أكثرهم إتباعا واقلهم خطأ وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ وقال أبو حاتم صدوق وصح عن الشافعي انه قال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وقال الربيع سمعته يقول إذا رويت حديثا صحيحا فلم آخذ به فاشهدكم أن عقلي قد ذهب قلت مناقب الشافعي لا يحتملها هذا المختصر فدونكها في تاريخ دمشق وفي تاريخ الإسلام لي وكان حافظا للحديث بصيرا بعلله لا يقبل منه إلا ما ثبت عنده ولو طال عمره لازداد منه توفى أول شعبان سنة أربع ومائتين بمصر وكان قد انتقل إليها سنة تسع وتسعين ومائة رضي الله تعالى عنه ” أهـ ([214]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي المطلبي، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأمه أزدية وقد رأت حين حملت به كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، وقد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الأئمة منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وسأله أن يكتب له كتاباً في الأصول فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائماً، وشيخه مالك بن أنس، وقتيبة بن سعيد، وقال: هو إمام، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضاً في صلاته، وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أورع من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن، وغير واحد ممن يطول ذكرهم وشرح أقوالهم، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود، من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها)) ([215]) .
قال: فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان، عن نصر بن معبد الكندي – أو العبدي -، عن الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً، اللهم إنك أذقت أولها عذاباً ووبالاً فأذق آخرها نوالاً)) ([216]) .
وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه، قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد الإسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي، حكاه الخطيب،،وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان، وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه، وحكي عن أبي داود نحوه، وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة – وقد سئل: هل سنَّة لم تبلغ الشافعي؟ – فقال: لا !ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه، والله أعلم.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد: ناصر السنة، وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه وكذا قال الزعفراني وغيره وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من: شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل: أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة، ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين، وكذا عدَّ أبو داود من جملة تلاميذه في الفقه: أحمد بن حنبل، وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعاً للدلائل منهما، وكان من أحسن الناس قصداً وإخلاصاً، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شيء منه أبداً فأوجز عليه ولا يحمدوني،، وقد كانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة، في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وعن أربع وخمسين سنة ” أهــ ([217]) .
[المفتاح الثالث]: أهم أصول المذهب الشافعي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة، (3) الإجماع، (4) قول الصحابي إذا لم يُعلم له مخالف، (5) القياس، واصطلح الشافعية في ترتيب كتبهم الفقهية على البدء بالعبادات ثم المعاملات ثم الفرائض ثم النكاح ثم الجنايات ثم الجهاد ثم القضاء.
[المفتاح الرابع]: أبرز كتب الشافعية:
(1) الأم ؛ للإمام الشافعي، (2) العزيز شرح الوجيز؛ للرافعي (ت623هـ)، والوجيز لحجة الإسلام الغزالي (3) روضة الطالبين؛ للنووي (ت676هـ)، (4) المجموع شرح المهذب؛ للنووي (ت676هـ) ؛ لكنه توفي حين وصل باب الربا؛ فحاول تقي الدين السبكي (ت756هـ) إكماله لكن المنية اخترمته؛ وكان قد وصل إلى رد المبيع بالعيب؛ ثم جاء محمد نجيب المطيعي (ت1406هـ) فأكمله تماماً، (5) تحفة المحتاج شرح المنهاج؛ لابن حجر الهيتمي (ت974هـ)، (6) مغني المحتاج شرح المنهاج؛ للخطيب الشربيني (ت977هـ)، (7) نهاية المحتاج شرح المنهاج؛ للرملي المسمى: الشافعي الصغير (ت1004هـ)، (8) منهج الطلاب لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، اختصره من كتب منهاج الطالبين للنووي، ومن شروحه:فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا بن محمد الأنصاري، فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب، لسليمان بن عمر العجيلي المشهور بالجمل، وحاشية البيجرمي على شرح منهج الطلاب، لسليمان بن محمد بن عمر البيجرمي، ومن كتبهم في الغريب: تهذيب الأسماء واللغات؛ للنووي، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي؛ للأزهري (ت370هـ)، والمصباح المنير؛ للفيومي (ت770هـ)، ومن كتبهم في التراجم: طبقات الشافعية الكبرى؛ لتاج الدين ابن السبكي (ت771هـ)، وطبقات الشافعية؛ لابن قاضي شُهبة (ت851هـ).
[المفتاح الخامس]: أبرز التسميات والألقاب: (القديم): مذهبه بالعراق أو بمكة، (الجديد): مذهبه بمصر؛ وهو المعتمد، (الشيخان): الرافعي والنووي، (الأستاذ): أبو إسحاق الإسفراييني (ت418هـ)، (الإمام): إمام الحرمين الجويني (ت478هـ)، (شيخ الإسلام): زكريا الأنصاري (ت926هـ)، واهم أماكن انتشار المذهب الشافعي: في مصر وجنوب شرق أفريقيا والشام وجنوب شرق آسيا وأندونيسيا.
[المفتاح السادس]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب الشافعي]:
(أولاً) أهم مؤلفات الفقه على المذهب الشافعي:
(1) (متن الغاية والتقريب) ويسمى متن أبي شجاع أو غاية الاختصار، لأبي شجاع الحسين بن أحمد لأصفهاني العباداني، ومن شروحه: (أ) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، لأبي بكر بن محمد الحسيني الحصني، (ب) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، لمحمد الشربيني الخطيب، وعليه حاشية سليمان بن محمد بن عمر البيجرمي وهي: تحفة اللبيب على شرح الخطيب، (ت) فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب، لأبي عبد لله محمد بن قاسم الغزي، وعليه حاشية إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري.
(2) (منهاج الطالبين وعمدة المفتين) لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، وهو مختصر من كتاب المحرر لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي، وهو من أهم كتب متأخري الشافعية ومن هنا شرحه كثير من علمائهم، ومن أهم شروحه: (أ) شرح جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، وعليه حاشية شهاب الدين أحمد البرلسي الملقب بعميرة، وحاشية شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، (ب) تحفة المنهاج بشرح المنهاج، لشهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي، (ت) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، لمحمد بن محمد الشربيني الخطيب، (ث) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لشمس الدين محمد بن أحمد بن حمزة الرملي الشهير بالشافعي الصغير، ومطبــوع معه (حاشيـة الشــبراملــسي) لأبي الضيـاء علــي بن علــي الشبراملسي، ومعه أيضا (حاشية أحمد بن عبدالرزاق المغربي)، (ج) زاد المحتاج بشرح المحتاج لعبد الله بن الشيخ حسن الكوهجي.
(3) (متن الزبد) لأحمد بن حسين بن رسلان، ومن شروحه: (أ) غاية البيان شرح زبد بن رسلان، لشمس الدين محمد بن أحمد الرملي الشهير بالشافعي الصغير، (ب) مواهب الصمد في حل ألفاظ الزبد، لأحمد بن حجازي الفشني.
(4) (منهج الطلاب) لأبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، اختصره من كتب منهاج الطالبين للنووي، ومن شروحه: (أ) فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب لزكريا بن محمد الأنصاري، فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب، لسليمان بن عمر العجيلي المشهور بالجمل، (ب) حاشية البيجرمي على شرح منهج الطلاب، لسليمان بن محمد بن عمر البيجرمي.
(5) (روض الطالب) لشرف الدين اسماعيل بن أبي بكر بن عبد اله اليمني المقرئ، اختصره من روضة الطالبين للنووي، شرحه أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتاب: أسنى المطالب شرح روض الطالب.
(6) (المهذب) للشيرازي، شرحه النووي في كتاب المجموع، ووصل إلى باب الربا، ثم أكمله السبكي ثم المطيعي.
(7) (الوجيز) لحجة الإسلام الغزالي، وهو مختصر من كتابه الوسيط، الذي اختصره من كتابه البسيط، المختصر من كتاب نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وشرحه الرافعي في كتاب فتح العزيز شرح الوجيز، واختصر النووي فتح العزيز في كتاب روضة الطالبين.
(8) ومن كتب الفتاوى النافعة في مذهب الشافعية: كتاب (الفتاوي الكبرى) لابن حجر المكي الهيتمي، ومطبوع معه (فتاوي شهاب الدين الرملي) 957 هـ،: (فتاوى سلطان العلماء العز بن عبد السلام)، و(فتاوى السبكي)، و (الحاوي للفتاوي للإمام السيوطي)، و (الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي)، ومن الكتب التي تخرِّج ما يتداوله فقهاء الشافعية من الأحاديث: (التلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني) و(البدر المنير) و (تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج) كلاهما لابن الملقن، ومن الكتب المؤيدة بالأدلة مع مناقشة أدلة المذاهب: (نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني)، و (المجموع شرح المهذب للنووي)، و (فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي)، و (شرح المنهاج للتقي السبكي)، ومن الكتب الموضحة لمفردات فقهاء الشافعية في عبارتهم: (تحرير ألفاظ التنبيه) و (دقائق المنهاج) كلاهما للنووي، ومن كتب تراجم فقهاء المذهب: (طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي)، و (طبقات الشافعية للإسنوي)، و (طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة).
(ثانيا) اقتراح أولي لدراسة المذهب الشافعي:
(أ) في الفقه: (متن سفينة النجا)، ثم (متن أبي شجاع والمسمى بمتن الغاية والتقريب)، ثم (شرح ابن قاسم على متن أبي شجاع)، ثم (تحرير تنقيح اللباب لزكريا الأنصاري)، ثم (تحفة الطلاب شرح تنقيح اللباب لزكريا الأنصاري)، ثم (عمدة السالك وعدة الناسك)، ثم (منهاج الطالبين)، ثم شروح المنهاج، ويبدأ بأحد الشرحين (النهاية أو التحفة)، ثم ليطالع حواشي المتأخرين، وأشهر هذه الحواشي: (حاشية البيجوري على ابن قاسم)، و(حاشية الشرقاوي على التحفة لزكريا)، و(حاشية تحفة الحبيب للبجيرمي على الإقناع)، و(حاشية البجيرمي على شرح المنهج)، و(حاشية الجمل على شرح المنهج)، (ب) في الأصول: (الورقات بشرح المحلي)، ثم (لب الأصول لزكريا)، ثم (غاية الوصول شرح لب الأصول)، ثم (متن جمع الجوامع)، ثم (شرح المحلي على جمع الجوامع)، (ت) في القواعد فقهية: (القواعد الفقهية لعبدالله بن سعيد)، و (شرح منظومة القواعد الفقهية للجرهزي) و (شرح المنظومة ذاتها للأهدل) و (الأشباه والنظائر للسيوطي)، (ث) في التراجم: (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي)، أو (طبقات الشافعية للإسنوي)
(ثالثاً) مقترح الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في دراسة الفقه الشافعي، وهو مقترح جدير بالاهتمام، ومن سار عليه كان ملما بالفقه على مذهب الشافعي رحمه الله، في كتابه ” التمذهب دراسة تأصيلية ” تحت عنوان – – قال حفظه الله تعالى: المبحث الثالث: كيف تصل إلى المعتمد في المذهب الشافعي: مذهب الشافعي – كما هو الحال في بقية المذاهب – هو عبارة عن مدرسة متكاملة توارد عليها آلاف إن لم نقل عشرات أو مئات الآلاف من العلماء والأئمة في مختلف التخصصات من محدثين وفقهاء وأصوليين ومفسرين ومؤرخين وأهل عربية وليس هو مذهب فرد واحد، ومذهب الإمام هو عبارة عن نصوص الإمام وما خرج على نصوص الإمام وأصوله، ولا يصح في الأخير أن يقال عنه إنه قول الإمام ويصح أن يقال عنه مذهب الإمام قال ابن حجر الهيتمي في فتاويه (لا يجوز أن يقال في حكم هذا مذهب الشافعي إلا إذا علم كونه نص على ذلك بخصوصه، وكونه مخرجا عن منصوصه) اهـ،([218]) .
كما أنه لا يحل لمن قرأ في كتاب من كتب المذهب حكما أن يقول أن ذلك هو مذهب الشافعي حتى يعلم أن ذلك الكتاب معتمد راجح عند أهله قال الإمام النووي في مقدمة المجموع (لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام) اهـ،([219]) .
وبما أن الفقير شافعي المذهب فأريد أن أُعرف بطريقة الوصول إلى المعتمد في المذهب كما هو عليه الأمر عند متأخري الشافعية ومن المعلوم أن المعتمد في كل فن ما عليه المتأخرون من أهله وسأنقل في ذلك عن بعض مشائخنا نقلا فيه الكفاية للمبتدي إن شاء الله، قال شخينا الفقيه صالح بن محمد الأسمري في رسالته مدخل إلى مذهب الإمام الشافعي: (وأما المرحلة الرابعة [أي من مراحل المذهب]: فتتلخص في إمامين حررا المذهب وضبطاه: (أولهما): أبو القاسم عبد الكريم الرافعي المتوفى سنة ٦٢٤ ه رحمه الله، وله كتاب مشهور، وهو كتاب المحرر، قال عنه النووي في منهاج الطالبين: وهو كتاب كثير الفوائد عمدة في تحقيق المذهب، معتمد للمفتي وغيره من أولي الرغبات، وقد التزم أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب ووفى بالتزامه، وكتاب المحرر مأخوذ من الوجيز للغزالي، مع أن الرافعي له على الوجيز شرحان، و(الثاني): أبو زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ ه رحمه الله، وله كتب كثيرة في المذهب، والمشهور منها ثمانية: (أولها): منهاج الطالبين، وهو مختصر لكتاب المحرر، إلا أنه أتى بثلاثة أشياء على المحرر: ١ – ذكره قيود المسائل المهملة، ٢ – تصحيح المسائل التي خالف فيها صاحب المحرر، ٣ – بيان الروايات والوجوه ونحو ذلك في المذهب، و (ثانيها): كتاب المجموع، و (ثالثها): التنقيح، و (رابعها): الروضة، و(خامسها): كتاب التحقيق، و (سادسها): تصحيح التنبيه، و (سابعها): النكت، و (ثامنها): الفتاوى، (فائدة): اعتمد الشافعية على الشيخين الرافعي والنووي في ضبط المذهب ومعرفة معتمده، قال الرملي: (ومن المعلوم أن الشيخين قد اجتهدا من تحرير المذهب غاية الاجتهاد، ولهذا كانت عنايات العلماء وإشارات من سبقنا من الأئمة متوجهة إلى ما عليه الشيخان من الأخذ بما صححاه بالقبول والإذعان، مؤيدين لذلك بالدليل وبالبرهان، فإذا انفرد أحدها عن الآخر فالعمل بما عليه النووي،) اهـ،([220]) .
قال الكردي: (وقد أجمع المحققون على أن المفتي به ما ذكراه فالنووي، وعلى أنه لا يعترض عليهما بنص الأم أو كلام الأكثرين أو نحو ذلك، لأنهما أعلم بالنصوص وكلام الأصحاب من المعترض عليهما، فلم يخالفاه إلا لموجب علمه من علمه وجهله من جهله) اهـ ([221]) .
[تنبيه]: إذا اختلف الرافعي والنووي فمضى أن العمل بقول النووي، قال ابن حجر الهيتمي: (وإن اختلفا فما جزم به النووي ثم ما جزم به الرافعي ما لم يجمع كلامهما على أنه سهو) اهـ([222]) . [تنبيه ثان]: قال ابن حجر الهيتمي: (إن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتمد شيء منها إلا بعد مزيد الفحص والتحري حتى يغلب على الظن أنه المذهب) اهـ ([223]) .خامسها [أي مراحل المذهب]: استقر المذهب على الرجوع إلى مصدرين في معتمده وتحقيقه: أول المصدرين: إلى ابن حجر الهيتمي والرملي، حيث يصدر عنهما في المذهب ومعتمده عند المتأخرين كما قرره جماعة ومنهم الكردي في الفوائد المدنية وغيرها، إلا أن ما يكون في كتب ابن حجر والرملي لا يخرج عن ثلاث حالات: (أولاها): أن يتفقا على المذهب في كتبهما فالمذهب ما قرراه عند محققي المتأخرين، وبه قطع جمهورهم كما قال الكردي في الفوائد، و (ثانيها): أن يختلفا إلا في شرحي المنهاج، لكل منهما، فالمذهب على ما في شرحي المنهاج لكل، وذلك أن يعتمد الرملي في شرح المنهاج ما اعتمده ابن حجر في شرحه للمنهاج مع وجود خلاف ما اعتمداه في كتب أخرى لهما، وهذا هو الذي عليه محققو المتأخرين كما قرره الكردي في الفوائد المدنية، و (ثالثها): أن يختلفا في تقرير معتمد المذهب بحيث لا يكون وفاق ولا في شرحي المنهاج، فهذه الحالة اختلف فيها المتأخرون على ثلاث طرائق: أما الأولى: فطريقة أهل الشام واليمن وما وراء النهر: وهي اعتماد ما قرره ابن حجر الهيتمي، والمعتمد من كتبه تحفة المحتاج شرح المنهاج، حكاه عنهم جماعة، ومنهم الكردي في الفوائد المدنية، وأما الثانية: فطريقة أهل مصر: وهي اعتماد ما قرره الرملي، والمعتمد من كتبه نهاية المحتاج شرح المنهاج، حكاه عنهم جماعة منهم الكردي في الفوائد ، وأما الثالثة: فطريقة أهل الحرمين: (الحجاز) وقد أخذت صفتين: أما الأولى: فاعتماد ما قرره ابن حجر الهيتمي، وهو الأصل عندهم، كذا قرر الكردي في الفوائد، وجماعة، وأما الثانية: فحكاية ما يقرره ابن حجر والرملي دون اعتماد قول أحدهما، ويجوز أخذ قول أحدهما، كذا قرره الكردي في الفوائد، [تنبيه]: مشهور طريقة المتأخرين وعليها الأكثر اعتماد قول الرملي وتقديمه على ابن حجر الهيتمي ما لم يحكم بسهو الرملي من أصحاب الحواشي، وثاني المصدرين: ما فات ابن حجر والرملي من مسائل فالمشهور وقطع به محققو المتأخرين – قاله الكردي في الفوائد – أن المعتمد يكون وفق ما يلي: (أولا): يؤخذ بما اختاره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله، والمقدم من كتبه شرح البهجة الصغير، ثم كتاب المنهج وشرحه له ([224]) .
، (ثانيا): ما اختاره الخطيب الشربيني في كتبه، (ثالثا): ما اختاره أصحاب الحواشي على شروح المنهاج وغيرها بشرط عدم مخالفة شرحي المنهاج لابن حجر والرملي، كذا قرره صاحب إعانة الطالبين، وكذا في الفوائد المدنية وهم على الترتيب في التقديم: أولهم: علي الزيادي المتوفى سنة ١٠٢٤ ه، وثانيهم: أحمد بن قاسم العبادي المتوفى سنة ٩٩٤ ه، وثالثهم: الشهاب عميرة، ورابعهم: الشبراملسي المتوفى سنة ١٠٨٧ هـ، وخامسهم: علي الحلبي المتوفى سنة ١٠٤٤ هـ، وسادسهم: النشويري، وسابعهم: العناني رحمهم الله، كذا ترتب السبعة أصحاب الحواشي عند محققي المتأخرين)، ([225]) .
[تنبيه]: جوز عامة المتأخرين لمن عنده قدرة على الترجيح الرجوع إلى ما قبل ابن حجر والرملي من الاعتماد على الرافعي والنووي وأخذ معتمد المذهب منهما على ما سبق تقريره، قرره جماعة ومنهم صاحب الفوائد) اهـ كلام الشيخ الأسمريالمبحث الرابع: سلم تعليمي للمذهب الشافعي: في هذا المبحث أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم سلما تعليميا للمذهب الشافعي بفروعه الثلاثة: الفروع والأصول والقواعد وأزيد عليها سلما في التعريف بالمذهب المسمى بالمدخل، كل ذلك بناء على ثلاث مراحل: مختصر ثم متوسط ثم مبسوط وقد أزيد على ثلاث مراحل إذا اقتضى الأمر ذلك،.
الفرع الأول: سلم التعريف بالمذهب (المدخل): (أ) كتاب مختصر: رسالة شيخنا صالح الأسمري (مدخل إلى مذهب الإمام الشافعي) وبما أن رسالة شخنا غير مطبوعة فيكون الكتاب المختصر في ذلك هو كتاب (مختصر الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية) للشيخ علوي بن أحمد السقاف المكي ت ١٣٣٥ ه، وقد طبعته دار البشائر ببيروت بتحقيق الدكتور يوسف المرعشلي أستاذ الفقه بكلية الشريعة جامعة بيروت، وقد طبع طبعة أخرى قديمة ضمن مجموعة سبعة كتب مفيدة للسيد السقاف طبعته مكتبة مصطفى البابي الحلبي، (ب) كتاب متوسط: وهو أصل الكتاب السابق، كتاب (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية) للشيخ علوي بن أحمد السقاف المكي ت ١٣٣٥ ه وقد طبعته دار الفقيه بحضرموت بتحقيق حميد بن مسعد الحالمي، وللكتاب طبعة أخرى قديمة ضمن مجموعة سبعة كتب مفيدة للسيد السقاف طبعته مكتبة مصطفى البابي الحلبي، (ت) كتاب مبسوط: كتاب (الفوائد المدنية) للشيخ محمد بن سليمان الكردي طبع قديما ضمن قرة العين بفتاوى علماء الحرمين في هامش فتاوى الكردي طبعته المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ويا حبذا لو يطبع طبعة جديدة مفردا محققا، وقد سمعت أن بعض طلبة العلم يعملون على إخراجه فيسر الله لهم ذلك، (فائدة): هناك كتب كثيرة جدا في التعريف بالمذهب الشافعي إما في الجملة أو في مجالات معينة ومنها: ١ – مقدمة الإمام النووي لكتابه المجموع وهي مطبوعة مع المجموع والمجموع قد طبع عدة طبعات، ٢ – مقدمة الإمام النووي لكتابه المنهاج مع شروحها خصوصا شرحي ابن حجر والهيتمي، ٣ – سلم المتعلم المحتاج إلى معرفة رموز المنهاج للسيد أحمد شميلة الأهدل علق عليها شيخ مشايخنا الشيخ إسماعيل عثمان زين المكي وهي مكتوبة بخط اليد فيما يبدو وعندي منها نسخة ثم وجدته مطبوعا طبعته دار الفكر، ٤ – الإمام الشافعي في مذهبية القديم والجديد للدكتور أحمد عبد السلام الإندونيسي طبع عام ١٤٠٨ ه وليس على الكتاب الدار الطابعة ولا بلد النشر مع أن على الكتاب رقم الإيداع بدار الكتب وكذا الترقيم الدولي، ٥ – المذهب عند الشافعية للدكتور محمد إبراهيم علي أستاذ في كلية الشريعة جامعة أم القرى عندي منه نسخة مصورة، ٦ – المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور يوسف عمر القواسمي طبعته دار النفائس بالأردن، ٧ – مصطلحات المذاهب الأربعة لمريم محمد صالح الضفيري طبعته دار ابن حزم ببيروت، ٨ – المدخل إلى دراسة المذاهب الأربعة للدكتور على جمعة محمد طبعته دار السلام بمصر، ٩ – مطلب الإيقاظ ببيان مصطلحات الشافعية لعبد الله بالفقيه طبعته دار العلم والدعوة بحضرموت، ١٠ – وهناك كتب أخرى في ذلك مخطوطة يراجع من أراد معرفتها مقدمة تحقيق الحالمي للفوائد المكية،
الفرع الثاني: سلم فروع المذهب: (أ) كتاب مختصر: كتاب متن سفينة النجاء للشيخ سالم بن سمير الحضرمي وقد طبع عدة طبعات وعليه شروح: (الأول): نيل الرجاء بشرح سفينة النجاء للسيد أحمد بن عمر الشاطري طبعته دار المنهاج بجدة وطبعته أيضا دار التيسير بصنعاء، و (الثاني): كاشفة السجا في شرح سفينة النجا للشيخ محمد نووي بن عمر الجاوي من جاوة إندونيسيا، (ب) كتاب مختصر ٢: كتاب متن الغاية والتقريب المشهور بمتن أبي شجاع للإمام أبي شجاع أحمد بن الحسين الأصفهاني ت ٥٩٣ ه وعليه شروح وحواش كثيرة منها: شرح التقي الحصني المسمى بكفاية الأخيار، وشرح ابن القاسم الغزي وعليه حاشية للبيجوري، وشرح الخطيب الشربيني وعليه حاشية للبجيرمي، (ت) كتاب متوسط: كتاب المقدمة الحضرمية المسمى بمسائل التعليم للإمام عبد الله بن عبد الرحمن بافضل ت ٩١٨ ه وعليه شروح وحواشي منها: شرح الإمام ابن حجر الهيتمي المسمى بالمنهاج القويم وعليه حاشية للكردي مطبوعة طبعة قديمة في مكتبة الحلبي وعليه أيضا حاشية للجرهزي طبعتها دار المنهاج بجدة وشرح الشيخ باعشن المسمى ببشرى الكريم وشرح شيخنا مصطفى البغا المسمى الهدية المرضية، (ث) كتاب متوسط ٢: عمدة السالك وعدة الناسك للإمام ابن النقيب المصري ت ٧٦٩ ه وعليه شروح منها: شرح البقاعي المسمى بفيض الإله المالك بشرح عمدة السالك، وشرح الغمراوي المسمى بأنوار المسالك شرح عمدة المسالك، (ج) كتاب متوسط ٣: منظومة الزُبد لأحمد بن حسين ابن رسلان ت ٨٨٤ ه وعليها شروح منها: شرح الشهاب الرملي المسمى بفتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان، وشرح الحبشي الإبي المسمى بفتح المنان شرح زبدان رسلان، (ح) كتاب مبسوط: كتاب منهج الطلاب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وهو اختصار وتهذيب لمنهاج الطلابين للنووي مع زيادات واستدراكات وعليه شرح لشيخ الإسلام نفسه اسمه فتح الوهاب وعلى الشرح حاشية للبجيرمي وأخرى لسليمان الجمل، (خ) كتاب مبسوط ٢: كتاب منهاج الطالبين للإمام النووي رحمه الله وهو اختصار لكتاب المحرر للإمام الرافعي وهذا الكتاب مع شروحه وحواشيه هو عمدة المذهب لكنه آخر ما يدرس من المتون وليس أولها ، وعليه شروح وحواشي كثيرة جدا جدا ومنها: شرح الإمام ابن حجر الهيتمي المسمى بتحفة المحتاج وعليه حاشية لابن قاسم العبادي وأخرى للشرواني وشرح الإمام الرملي المسمى بنهاية المحتاج وعليه حاشية للشبراملسي وأخرى للرشيدي، وعلى هذين الشرحين العمدة في الغالب وشرح الإمام المحلي وعليه حاشية لقليوبي وأخرى للشهاب عميرة وشرح الخطيب الشربيني المسمى مغني المحتاج، [تتمة]: لا غنى لطالب الفقه الشافعي في الفروع عن كتب شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وأخص منها مع شرح المنهج: – أسنى المطالب شرح روض الطالب فما زال مشايخنا يوصون به ولا يعتبرون شافعيا من لم يقرأه، وروض الطالب هو لابن المقري اليمني، وعلى الأسنى حاشية للرملي، – وشرح البهجة الوردية، والبهجة هي منظومة لابن الوردي، وعليه حاشية للشربيني وأخرى لابن القاسم.
الفرع الثالث: سلم القواعد الفقهية: (أ) كتاب مختصر: كتاب الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية لأبي بكر بن أبي القاسم الأهدل ت ١٠٣٥ ه وهي ٥٢٥ بيتا نظم واختصر فيها الأشباه والنظائر للسوطي وعليه شرح للجرهزي اسمه المواهب السنية وعلى الشرح حاشية لشيخ مشايخنا المسند محمد ياسين الفاداني، وهو في الحقيقة كتاب متوسط في القواعد الشافعية ولا أعلم مختصرا أقل منه في قواعد الشافعية، (ب) كتاب متوسط: كتاب القواعد الفقهية لشيخ مشايخنا الشيخ عبد الله بن سعيد اللحجي، وقد جمعه من كتب المذهب في القواعد وخصوصا شرح الجرهزي والأشباه والنظائر وقد كتبه الشيخ ليدرس في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة لطلبة المذهب الشافعي، (ت) كتاب مبسوط: كتاب الأشباه والنظائر للإمام السيوطي وعليه شروح،
[تتمة]: هناك كتب في قواعد فقه الشافعية يحسن بالطالب أن يطالعها ومنها: كتاب الأشباه والنظائر للسبكي وكتاب الأشباه والنظائر لابن الوكيل وكتاب المنثور في القواعد للإمام الزركشي وكذا قواعد العز بن عبد السلام، قواعد الفقه من الأهمية بمكان، قال الزركشي في مطلع قواعده (واعلم أن الفقه أنواع:،، العاشر: معرفة الضوابط التي تجمع جموعا والقواعد التي ترد أصولا وفروعا، وهذا أنفعها وأعمها وأكملها وأتمها وبه يرتقي الفقيه إلى الاستعداد لمراتب الاجتهاد) اهـ، ([226]) .
وقال الغياثي كما في مطلع قواعد الزركشي (أهم المطالب في الفقه التدرب في مأخذ الظنون في مجال الأحكام وهو الذي يسمى فقه النفس وهو أنفس صفات علماء الشريعة) اهـ، ([227]) .
الفرع الرابع: سلم أصول الفقه: (أ) كتاب مختصر: كتاب الورقات لإمام الحرمين وعليه شروح منها شرح الإمام المحلي، (ب) كتاب متوسط: كتاب لب الأصول لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وهو اختصار لجمع الجوامع وعليه شرح لشيخ الإسلام نفسه وعلى الشرح حواش منها حاشية الجوهري، (ت) كتاب مبسوط: جمع الجوامع للإمام ابن السبكي وهو كتاب عظيم القدر اهتم به العلماء، بالنظم والشرح والاختصار وقد جمعه من أكثر من مائة كتاب، وعليه شروح كثيرة جدا، وأشهرها وأجلها شرح الإمام الجلال المحلي وعليه حاشية للإمام العطار وأخرى للإمام البناني، وعندما أقول مبسوط فأعني من المتون التي تدرس لا أنه مبسوط مقارنة بغيرة من المبسوطات، [تتمة]: هناك كتب في أصول فقه الشافعية كثيرة جدا: كالبرهان لإمام الحرمين والمستصفى لحجة الإسلام والمحصول للإمام الرازي الإحكام للإمام الآمدي،، إلخ، لكن ينبغي على الطالب الشافعي ألا يغفل عن كتاب البحر المحيط للإمام الزركشي وهو بحر كاسمه فقد جمعه من أكثر من مئتي كتاب وينبغي على الطالب أن يبحث عن شيخ متأهل ليأخذ عنه تلك العلوم وهو الشأن في كل علم والعالم في كل فن هو من معظم مسائل الفن في ذهنه ولا يغيب عنه إلا القليل النادر ويعلم مظان ذلك النادر ليرجع إليه عند الحاجة، قال الشاطبي في الموافقات (١/ ٥٢، 53) (فلا يؤخذ [العلم] إلا ممن تحقق به وهذا واضح فى نفسه وهو متفق عليه بين العقلاء إذ من شروطهم في العالم بأي علم اتفق: أن يكون عارفا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم قادرا على التعبير عن مقصوده فيه عارفا بما يلزم عنه قائما على دفع الشبه الواردة عليه فيه،، غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة لأن فروع كل علم إذا انتشرت وانبنى بعضها على بعض اشتبهت وربما تصور تفريعها على أصول مختلفة في العلم الواحد فأشكلت أو خفي فيها الرجوع إلى بعض الأصول فأهملها العالم من حيث خفيت عليه وهي في نفس الأمر على غير ذلك أو تعارضت وجوه الشبه فتشابه الأمر فيذهب على العالم الأرجح من وجوه الترجيح وأشباه ذلك فلا يقدح في كونه عالما) اهـ([228]) . ([229]) .
***
المبحث التاسع مدخل مختصر إلى الفقه الحنبلي
[المفتاح الاول]: إمام المذهب: هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني الذهلي من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، جاءت به أمه حملاً من مرو؛ وولدته ببغداد سنة 164هـ؛ ومات أبوه وهو طفل فعاش يتيماً، بدت عليه النجابة منذ صغره؛ وعُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه؛ وتميز بالورع وعفة اللسان،، قال أبو سهل الأنطاكي عنه: “إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة على أهل زمانه”،، وقد بدأ طلب الحديث سنة 179هـ؛ ورحل في سبيل تحصيله رحلات عديدة؛ وتتلمذ على العديد من العلماء وأئمة الدين؛ قاربوا الثلاثمائة ؛ منهم: هُشيم بن بَشير (ت183هـ) ووكيع بن الجراح (ت197هـ) في الكوفة، وعبدالرحمن بن مهدي (ت198هـ) ويحيى بن سعيد القطان (ت198هـ) في البصرة، وعبدالرزاق بن همام (ت211هـ) في صنعاء، والشافعي في بغداد ومكة، كما رحل إلى واسط وعبادان وطرسوس والشام؛ وأفتى في موسم الحج في مسجد الخيف سنة (198هـ)، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإن مسنده لشاهد على ذلك، فقد انتقاه من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وجمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، ونظرا لسعة علمه بالآثار لذا يُعَدُّ الأَثَرُ أساس اجتهاد الإمام أحمد رحمه الله، ولا يَعْدِل عنه إلى القياس حتى يستنفد النصوص، ثم اجتهاد الصحابة، وإذا كان للصحابة رأيانِ رجَّح بينهما أو أقرَّ الرأيين معًا، ولهذا يُروى عنه في المسألة روايتان، وحينًا ثلاث روايات، أثنى عليه العلماء ثناء كبيرا، حتى أشياخه؛ ورووا عنه ؛ كعبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد والشافعي وعبدالرزاق،، قال عنه الشافعي: “أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث؛ إمام في الفقه؛ إمام في اللغة؛ إمام في القرآن؛ إمام في الفقر؛ إمام في الزهد؛ إمام في الورع؛ إمام في السنة”، وقال عبدالرزاق: “ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع”، وقال وكيع شيخه واستاذه: “ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى يعني: أحمد بن حنبل “، وابتلي بمحنة خلق القرآن وصبر، ورفع الله تعالى له علما عظيما يشمل الحديث والفقه إلى يوم القيامة، وقد توفي رحمه الله ضحى الجمعة في ربيع الأول سنة 241هـ.
[المفتاح الثاني]: ثناء العلماء عليه: لمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحافظ في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ” أحمد بن حنبل شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل،، ولد سنة أربع وستين ومائة سمع هشيما وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وعباد بن عباد ويحيى بن أبي زائدة وطبقتهم وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة ومطين وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوي وخلق عظيم، قال عبد الله بن أحمد سمعت أبا زرعة يقول كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث ذاكرته الأبواب وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول حفظت كل شيء سمعته من هشيم في حياته وقال إبراهيم الحربي رأيت أحمد كان الله قد جمع له علم الأولين والآخرين، قال حرملة سمعت الشافعي يقول خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا اعلم ولا افقه من أحمد بن حنبل وقال علي بن المديني ان الله أيد هذا الدين بابي بكر الصديق يوم الردة وبأحمد بن حنبل يوم المحنة وقال أبو عبيد انتهى العلم إلى أربعة افقههم أحمد وقال بن معين من طريق عباس عنه أرادوا أن أكون مثل أحمد والله لا أكون مثله أبدا قال أبو همام السكوني ما رأى أحمد بن حنبل مثل نفسه وقال محمد بن حماد الطهراني سمعت أبا ثور يقول أحمد اعلم أو قال افقه من الثوري قلت سيرة أبي عبد الله قد افردها البيهقي في مجلد وافردها بن الجوزي في مجلد وافردها شيخ الإسلام الأنصاري في مجلد لطيف توفي الى رضوان الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة ” أهـ ([230]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” قال إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان، وقال أيضاً: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل، ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله، وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً، وقال يحيى بن معين أيضاً: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن أكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه، وقال الذهلي: اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله، وقال هلال بن المعلى الرقي: منَّ الله على هذه الأمة بأربعة: بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، وبأبي عبيد بين غريبها، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلماً ومحبرة – يعني: في عصره -، وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله، وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه ” أهـ ([231]) .
[المفتاح الثالث]: أهم أصول المذهب الحنبلي: (1) القرآن الكريم، (2) السنة، (3) الإجماع، (4) فتوى الصحابي إذا لم يُخالف ؛ فإن اختلف الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقرب إلى الوحيين ؛ مع حرصه على رأي الخلفاء الراشدين وسادة الفقه من الصحابة كابن مسعود وابن عباس، (5) ثم يأخذ بالحديث الضعيف إذا كان ضعفه مقبولاً ؛ ويقدّمه على القياس؛ وقد أُثر عنه قوله: “الحديث الضعيف أحبّ إليّ من الرأي”، ثم يصير إلى (6) القياس، واصطلح الحنابلة في ترتيب كتبهم الفقهية على البدء بالعبادات ثم الجهاد ثم المعاملات ثم النكاح والطلاق ثم الفرائض ثم الجنايات ثم الصيد والأطعمة ثم الأيمان والنذور ثم القضاء.
[المفتاح الرابع]: أبرز كتب الحنابلة: من المتون والمختصرات: (1) مختصر الخرقي؛ لأبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي (334هـ)؛ وهو أول المتون الفقهية في المذهب اعتنى بشرحه المتقدمون والمتوسطون؛ حتى قيل: بلغت شروحه أكثر من ثلاثمئة شرح؛ وأشهرها وأفضلها: المغني لابن قدامة (620هـ)، (2) العمدة في الفقه، لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت620هـ)؛ وهو كتاب للمبتدئين سهل العبارة جرى فيه على قول واحد في المذهب، وقد شرحه بهاء الدين المقدسي (ت624هـ) في: العدة شرح العمدة، (3) زاد المستقنع، لشرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد الحجاوي (ت968هـ)، وهو أهم المتون عند المتأخرين وأشهرها وأبرزها، ومن أبرز شروحه: الروض المربع؛ لمنصور بن يونس البهوتي (ت1051هـ) ؛ واعتنى العلماء في هذه البلاد بالمتن وشرحه؛ فوضعوا عليهما حواشي كثيرة ؛ من أهمها: حاشية العنقري (ت1373هـ) وحاشية ابن قاسم (ت1392هـ)، وقد شرح المتنَ أيضاً: الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت1421هـ) في كتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع، (4) دليل الطالب؛ لمرعي بن يوسف الكرمي (ت1033هـ)، وعليه شرح للشيخ إبراهيم بن ضويان (ت1353هـ) باسم: منار السبيل بشرح الدليل، ومن الكتب الأخرى: (1) المقنع؛ لابن قدامة (ت620هـ) ؛ ووضعه لمن فوق المبتدئين ودون المتوسطين؛ وجرى فيه على ذكر الروايات والأوجه دون الدليل أو التعليل، وقد شرحه ابن أخيه: عبدالرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة (ت682هـ) في: الشرح الكبير، واستمد عامة شرحه من المغني، ثم شرحه: زين الدين المنجى بن عثمان بن المنجى التنوخي (ت695هـ) في: الممتع في شرح المقنع،، ثم شرحه برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت884هـ) في: المبدع، (2) الكافي لابن قدامة (ت620هـ) ؛ وهو في الرتبة فوق (المقنع) لأنه لم يكن يخلو من الأدلة والتعليلات، (3) المغني؛ لابن قدامة (ت620هـ)،، وهو شرح لمختصر الخرقي؛ مقارن مع المذاهب الأخرى؛ وقد حشد فيه المؤلف أدلة الأقوال ومناقشاتها ؛ حتى غدا بحق موسوعة الفقه الحنبلي، (4) المستوعِب؛ لمحمد بن عبدالله السامُرّي (ت616هـ)،، وقد جمع فيه مؤلفه عدداً من كتب الحنابلة؛ مثل: مختصر الخرقي؛ والتنبيه لغلام الخلال؛ والإرشاد لابن أبي موسى؛ والجامع الصغير؛ والخصال للقاضي أبي يعلى؛ والخصال لابن البناء؛ والهداية لأبي الخطاب؛ والتذكرة لابن عقيل،، وقال في مقدمته: “فمن حصل كتابي هذا أغناه عن جميع الكتب المذكورة”، (5) الفروع؛ لشمس الدين محمد بن مفلح (ت763هـ)؛ وهو كتاب حافل؛ حوى من الفروع ما بهر العقول كثرة وتحريراً واستدلالاً وتعليلاً واتفاقاً واختلافاً في المذهب، (6) الإنصاف إلى معرفة الراجح من الخلاف؛ لمصحح المذهب علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد المرداوي (ت885هـ)؛ وقد حرّر فيه المذهب وجمع الروايات وأقوال الأصحاب والأوجه والتخريجات واختيارات الشيوخ المعتمدين وترجيحاتهم ؛ وربطه بالمقنع وجعله قاعدة لمسائله لانكباب الناس عليه؛ ويضم إليه من الفوائد والتنبيهات وثمرات الخلاف ما تقرّ به عين الفقيه، (7) الإقناع لطالب الانتفاع؛ للحجاوي (صاحب الزاد)،، وهو شبيه للمستوعب إلى حد كبير،، لكنه يتميز بكثرة المسائل وتحرير النقول، وله منزلة رفيعة عند المتأخرين؛ زادها الشرح الرائع عليه للبهوتي المسمى: كشاف القناع، (8) منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات؛ لتقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الشهير بابن النجار (ت972هـ)،، وهو معتمد عند المتأخرين؛ وله منزلة كسابقه،، ومن شروحه: معونة أولي النهى؛ لابن النجار نفسه، ودقائق أولي النهى؛ للبهوتي،، وعليه –أيضا- حاشية نفيسة للشيخ عثمان بن قائد النجدي (ت1097هـ)، (9) غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى؛ لمرعي بن يوسف الكرمي (ت1033هـ) جمع فيه بين كتابين معتمدين عند المتأخرين ؛ وعليهما مدار الفتيا والقضاء عند الأصحاب، وله أهمية كبيرة؛ لأنه كان هو المرجّح عند اختلاف المنتهى والإقناع، وعليه شروح، اكتمل منها: مطالب أولي النهى؛ لمصطفى بن سعد الرحيباني (ت1243هـ)، ومن كتب الحنابلة في الغريب: الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي؛ ليوسف بن عبدالهادي (ت909هـ)، والمطلع على أبواب المقنع ؛ لشمس الدين البعلي (ت709هـ)، ومن كتبهم في التراجم: طبقات الحنابلة ؛ لأبي الحسين محمد بن محمد بن الفراء ابن أبي يعلى (ت526هـ)، وعليه ذيل: لزين الدين أبي الفرج عبدالرحمن بن رجب (795هـ)، ثم ذيل: ليوسف بن عبدالهادي (ت909هـ) باسم: الجوهر المنضد، وكتاب المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد؛ لبرهان الدين ابن مفلح(صاحب المبدع)، وكتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد؛ لعبدالرحمن بن محمد العليمي (ت بعد 896هـ)، والسحب الوابلة على ضرائح الحنابلة؛ لمحمد بن عبدالله بن حميد (ت1295هـ).
أبرز التسميات والألقاب: (الرواية): هي الحكم المروي عن الإمام في مسألة ما ؛ (رواه الجماعة): كبار تلامذة الإمام؛ وهم سبعة: ولداه صالح (ت265هـ) وعبدالله (ت290هـ) وابن عمه حنبل بن إسحاق (ت273هـ) وأبو بكر المرّوذي (ت275هـ) وإبراهيم الحربي (ت285هـ) وأبو طالب (ت244هـ) والميموني(ت274هـ)، (التخريج): نقل حكم مسألة إلى مسألة تشبهها بقياسها عليها، (الوجه): الحكم المنقول في مسألة ما؛ جرياً على قواعد الإمام؛ وجزموا بالفتيا به،، وإذا قالوا: في المسألة وجه؛ فالمنصوص خلافه، (الاحتمال): قول صالح لأن يكون وجهاً؛ لكنه لم يكن لأن دليله مرجوح أو مساوٍ، (ظاهر المذهب): المشهور من المذهب؛ سواء كان نصاً أو رواية أو تخريجاً أو وجهاً، ويدل على أن هناك قولاً آخر في المذهب، (الشيخ): موفق الدين ابن قدامة، (الشيخان): موفق الدين ابن قدامة (ت620هـ) والمجد ابن تيمية (ت652هـ)، (القاضي) عند المتقدمين: أبو يعلى (ت458هـ)، وعند المتأخرين: المرداوي صاحب الإنصاف (ت885هـ)، (تقي الدين) ؛ الشيخ تقي الدين؛ أبو العباس ابن تيمية.
انتشار المذهب الحنبلي: ينتشر مذهب الحنابلة في الجزيرة العربية ؛ وله أتباع في مصر والشام والعراق.
[المفتاح الخامس]: [منهجية مقترحة لدراسة الفقه على المذهب الحنبلي]:
(أولاً) أهم مؤلفات المذهب الحنبلي: (1) (مختصر الخرقي) لأبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، ومن شروحه: (أ) المغني، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، (ب) المقنع في شرح مختصر الخرقي، لأبي علي الحسن بن أحمد.
(2) (عمدة الفقه)، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ومن أهم شروحه: (أ) العدة شرح العمدة، لبهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي.
(3) (المقنع)، لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ومن شروحه: (أ) المبدع شرح المقنع، لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، (ب) الشافي في شرح المقنع، المشهور باسم الشرح الكبير، لابن أبي عمر عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، (ت) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، لعلا الدين علي بن سليمان المرداوي، وقد اختصره في كتاب التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع.
(4) (زاد المستقنع في اختصار المقنع)، لشرف الدين أبي النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم المقدسي الحجاوي، ومن شروحه: (أ) الروض المربع بشرح زاد المستقنع، لمنصور بن يونس بن صلاح الدين البهوتي، وعليه حاشية محمد بن قاسم، (ب) الشرح الممتع على زاد المستقنع لمحمد بن صالح العثيمين.
(5) (منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات) لابن النجار الفتوحي، ومن شروحه: (أ) معونة أولي النهي بشرح المنتهى، لابن النجار الفتوحي، (ب) شرح منتهى الإرادات، لمنصور بن يونس البهوتي، (ت) دقائق أولي النهى شرح المنتهى، لمنصور بن يونس البهوتي، (6) (دليل الطالب لنيل المآرب)، لمرعي بن يوسف الكرمي، وهو مختصر من منتهى الإرادات، ومن شروحه: (أ) منار السبيل شرح الدليل، لإبراهيم بن ضويان، (ب) نيل المآرب شرح دليل الطالب، لعبد القادر التغلبي، (ت) حاشية على دليل الطالب، لمحمد بن عبد العزيز بن مانع.
(7) (الإقناع لطالب الانتفاع)، لأبي النجا موسى بن أحمد من بن موسى الحجاوي، ومن شروحه: (أ) كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يونس البهوتي، (ب) غاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى، لمرعي بن يوسف الكرمي شرحه مصطفى الرحيباني في كتاب: مطالب أولي النهى.
(8) (أخصر المختصرات) لمحمد بن بدر الدين بن بلبان البعلي، ومن شروحه: (أ) كشف المخدرات والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات، لعبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي، (ب) الدرر المبتكرات في شرح أخصر المختصرات، لعبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.
(9) الفروع، لأبي عبد الله محمد بن مفلح، وعليه تصحيح الفروع، لعلي بن سليمان المرداوي.
(10) المحرر في الفقه، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، وعليه النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر، لمحمد بن مفلح.
(ثانياً) أبرز فقهاء المذهب أربعة: الأول: الموفق ابن قدامة: (ت 620هـ)، وله أربعة كتب، وهى: العمدة والمقنع والكافي والمغني، (العمدة) شرحه بهاء الدين المقدسي (ت 624هـ) في كتابه (العدة شرح العمدة)، و(المقنــع) له شروح واختصارات عديدة، وأهم شروحه: (الممتع شرح المقنع) لسيف الدين ابن المنجا (ت 695 هـ)، و (الانصــاف في بيان الراجـح من الخلاف) لعلاء الدين المرداوي (ت 885 هـ)، و (المبـدع شــرح المقنـع) لابن مفلح (ت 884 هـ)، ومن مختصراته: (زاد المستقنع) لشرف الدين موسي الحجاوي (ت 968 هـ)، و(الكــافي)، و(المغني) وقد كتبه كشرح لمختصر الخِرقي (أبو القاسم عمر بن الحسين) 334 هـ، والثاني: شرف الدين موسى الحجاوي (ت 968هـ)، وله كتابان مهمان هما: كتاب زاد المستقنع مختصر المقنع، وكتاب الاقناع، (زاد المستقنع مختصر المقنع) الذي شرحه الشيخ البهوتي: (ت 1051هـ)، في كتابه (الروض المربع شرح زاد المستقنع)، و(الاقناع) الذي شرحه الشيخ البهوتي أيضاً في (كشاف القناع)، والثالث: مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي: (ت 1033هـ)، وله كتاب (متن دليل الطالب) وقد اعتني العلماء بشرحه، ومن شروحه: (منار السبيل شرح الدليل) لإبراهيم بن ضويّان 1153هـ، والرابع: الشيخ منصور بن يونس البهوتي: (ت 1051هـ)، وله عدة كتب أهمها: كتاب (الروض المـربع شرح زاد المستقنع)، وكتاب (شرح منتهى الإرادات)، وكتاب (كشاف القناع على متن الإقناع).
(ثالثاً) ومن الاقتراحات لتعلم المذهب الحنبلي: (أ) اقتراح أول لدراسة المذهب الحنبلي: (المرحلة الأولى): كتاب (العمدة) للموفق ابن قدامة: (ت 620هـ)، و (المرحلة الثانية): (العدة شرح العمدة في فقه الحنابلة) والذي شرحه بهاء الدين المقدسي: (ت 624هـ)، أو كتاب (الكافي) للموفق ابن قدامة، و (المرحلة الثالثة): كتاب (المغني) للموفق بن قدامة، (ب) اقتراح ثان لدراسة المذهب الحنبلي: (المرحلة الأولى): (أخصر المختصرات) لابن بلبان، و (عمدة الطالب) للبهوتي، و(المرحلة الثانية): دليل الطالب” لمرعي الكرمي، و(الروض المربع بشرح زاد المستنقع) للبهوتي، و (المرحلة الثالثة): كتاب: (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي، ثم كتاب (المغني) للموفق بن قدامة، (ت) اقتراح ثالث لدراسة المذهب الحنبلي: (المرحلة الأولى): (زاد المستقنع مختصر المقنع) لشرف الدين موسى الحجاوي 968هـ، و (المرحلة الثانية): (الروض المـربع شرح زاد المستقنع) منصــور البهوتي، و(المرحلة الثالثة): كتاب: (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي، ثم كتاب (المغني) للموفق بن قدامة.
(رابعاً) ومن كتب القواعد الفقهية: كتاب القواعد، لابن رجب الحنبلي، وكتاب القواعد والفوائد الأصولية، لابن اللحام، وكتاب القواعد الفقهية، للدكتور صالح السدلان، ومن كتب التراجم: كتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد، للعليمي، وكتاب طبقات الحنابلة، لأبي يعلى، وعليه الذيل لابن رجب، وكتاب الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، لابن المبرد.
***
المبحث العاشر مناهج أخرى لدراسة الفقه وتقييمها
وتتناول هذا المبحث:
المطلب الأول:مذاهب كان أساس تكوينها النزاع السياسي
(1): الخوارج.(2): الإباضية.(3): الشيعة. (4): الزيدية. (5): الإمامية الاثناعشرية.
المطلب الثاني: من مذاهب أهل السنة المندثرة.
المطلب الثالث: تقييم فقه أهل الظاهر والشوكاني وابن تيمية.
(أولاً): تقييم فقه أهل الظاهر ومؤلفات ابن حزم في علم الفقه،.
(ثانياً): تقييم مؤلفات الشوكاني في علم الفقه.
(ثالثاً): تقييم ترجيحات ابن تيمية في علم الفقه والتي خالف فيها المذاهب الفقهية الأربعة.
المطلب الرابع: الفرق في التخصص بين الفقهاء والمحدثين
(أولاً): الفرق في التخصص بين الفقهاء والمحدثين.
(ثانياً): الفرق بين طلب الفقه عن طريق دراسة الحديث دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة، وبين الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء.
(ثالثاً): مؤلفات كتب آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث.
(رابعاً): ضوابط طلب الفقه عن طريق مؤلفات آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث.
***
المطلب الأول: مذاهب كان أساس تكوينها النزاع السياسي
[المفتاح الأول]: الخوارج:
بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن ما هو إلا خطا مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة.
الخوارج ليسوا فرقة واحدة: وإنما هم ربما اكثر من عشرين فرقة كل منها يكفر سائرها وسائر المسلمين دونهم، وكل فرقة منهم لا ترى الحق إلا معها ولا ترى الجنة إلا حكر على أتباعها نعوذ بالله من الضلال،([232]) .
ومذهبهم قام علي نقطتين أساسيتين:
الأولي: نظرية الخلافة وهي أنها يجب أن تكون وليدة انتخاب حر من المسلمين وإن كان المرشح لها عبدا كما يرون أنها تتعدد باختلاف الديار، ومن ينتخب ليس من حقه أن يتنازل أو يحكم، فإذا انحرف وجب عزله، فهم أشد الفرق الإسلامية معارضى لنظام الملكية والحكم المورث.
الثانية: أن العمل بأوامر الدين جزء من الإيمان فمن آمن بالله ورسالة محمد صلي الله عليه وسلم ولم يعمل بفروض الدين فهو كافر عندهم.
ولهم طابع خاص في الفقه: فمثلاً الطهارة الواجبة للصلاة يرون أنها ليست طهارة البدن فقط، وإنما هي طهارة النفس أيضاً، وطهارة اللسان من الكذب والقول الباطل، وبغير ذلك لا تتم الطهارة التي يتوقف علي تحققها صحة الصلاة، وبناء علي ذلك فإن الكذب والعدواة والقول الفاحش يخرج الشخص من الطهارة ويكون وضوءه باطلاً.
ومن فقههم: تخطئة القائلين برجم الزاني المحصن وقالوا إن الواجب هو الجلد فقط، وأجازوا الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح وغير ذلك كثير.
[المفتاح الثاني]: الإباضية:
نسبة إلي عبد الله بن إباض التميمي، توفي بالبصرة سنة 85 ه أو 86ه ، وكان أول ظهور هذا المذهب في البصرة في منتصف القرن الثاني الهجري.
وهم متفقون مع المذاهب الأربعة في كثير من مسائل الفقه، ومن أهم ما يعرف عنهم من مسائل الفروع إجازتهم للوصية للوارث إذا أجازها الورثة، وأسقطوا حق الشفعة يتنازل الشفيع عنها ولو قبل البيع، وأبطلوا نظام الوقف في غير المسجد.
ومصادر الفقه عندهم: الكتاب والسنة والإجماع والقياس عند انعدام النص، غير أن القياس عندهم لا يعمل به ما دام هناك نص حتي ولو خبر آحاد، فالقاعدة عندهم( لا حظ للنظر مع عدم وجود الأثر)
[المفتاح الثالث] : الشيعة:
(الشيعة): لغة: هم أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة) ([233]) . وقال الفيروز أبادي: (وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً) ([234]) .
وهم الذين قالوا إن علياً احق بالخلافة لأنها ميراث أدبي عن الرسول صلي الله عليه وسلم- وأنه موصي له بها منه، وأن الإمامة عندهم ركن من أركان الدين لا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويض أمرها للأمة([235])
[المفتاح الرابع]: الزيدية: يرون الخلافة في زمنهم لزيد بن علي زين العابدين بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلي أهل السنة، ومدرسة الرأي منهم خاصة التي استوطنت العراق موطن شيعة علي، غير أنهم خالفوا أهل السنة في بعض مسائل منها: أنهم حرموا أكل ذبيجة غير المسلم، ولم يجيزوا المسح علي الخفين في الطهارة، ولم يجيزوا الزواج بالكتابيات، كما أنهم خالفوا غيرهم من مذاهب الشيعة في مسألة نكاح المتعة فأبطلوه موافقين في ذلك مذاهب أهل السنة.
[المفتاح الخامس]: الإمامية الإثناعشرية: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنّه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه. ([236]) .
والزيدية والإمامية وإن اتفقا علي القول بالإمامة، إلا أنهما يختلفان في شأنها فيري الزيدية أنها لا تقف عند عدد معين والإمام عندهم يعرف بالوصف الذي يجب أن يتحقق فيه، أما الإمامية فإن الأئمة عندهم اثناعشر فقط وعرفوا بالنص.
وقد خالف الإمامية أهل السنة في بعض مسائل الإرث اختلافاً جوهرياً في بعض النواحي، واختلافاً جزئياً في نواح أخري، ويتفقون كل الاتفاق مع المجمع عليه في المذاهب الأربعة أحياناً أخري، ويختلفون مع البعض الآخر في مواضع، كما يخالفون أهل السنة في كثير من المواضع أهمها: انهم لا يعترفون بالإجماع الذي هو اتفاق علماء الأمة، ولا يعترفون بالقياس باعتبارهما من مصادر التشريع، لأن لله في كل مسألة صغرت أم كبرت حكماً معيناً عرف للرسول ولأئمتهم الذين أوصي لهم بالإمامة مع عصمتهم عن الخطأ، كما يرون أن الكذب علي رسول الله مبطل للصيام ويجب فيه القضاء والكفارة، ويرون تأخر الفطر إلي زوال الحمرة المشرقية لا غروب الشمس، ويرون الطلاق غير واقع لإذا لم يصدر أمام شاهدين، والطلاق الثلاث عندهم يعتبر طلقة واحدة ولا ينعقد الطلاق عندهم بالحلف، ويمنعون تزويج المسلم بالكتابية، ولا يعتبرون الرضاع محرماً للزواج إلا إذا بلغ خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن زوج واحد لم يفصل بينهما رضاع امرأة أخري، كما يجيزون زواج المتعة والزواج المؤقت الذي يكون محدداً وقته عند التعاقد مخالفين في ذلك جميع أهل السنة والزيدية من الشيعة أيضاً.
المطلب الثاني من مذاهب أهل السنة المندثرة
[المفتاح الأول]: هناك فقهاء مجتهدون لهم آراء فقهية لها قيمتها، إلا أن هؤلاء الأئمة قد اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع الذين يهذبون مذاهبهم، وبالتالي انقطعت مذاهبهم.
(1) الحسن البصري: «هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت: «نشأ الحسن بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان، وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار، وله يومئذ أربع عشرة سنة.
قال الحجاج بن نصير: سبيت أم الحسن البصري من ميسان، وهي حامل به، وولدته بالمدينة.
كانت أم سلمة تبعث أم الحسن في الحاجة، فيبكي وهو طفل، فتسكته أم سلمة بثديها، وتخرجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وكانت أمه منقطعة إليها، فكانوا يدعون له، فأخرجته إلى عمر، فدعا له، وقال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس.
رأى: عثمان، وطلحة، والكبار. وروى عن: عمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة بن جندب، وأبي بكرة الثقفي، والنعمان بن بشير، وجابر، وجندب البجلي، وابن عباس، وعمرو بن تغلب، ومعقل بن يسار، والأسود بن سريع، وأنس، وخلق من الصحابة.
كان فقيه ثقة يميل إلي الرأي، وكان الناس يجتمعون حوله بالبصرة يسألونه في الفقه، وفي حوادث الفتنة التي كانت في عهدهم فيفتيهم ويحدثهم متحاشياً الكلام عن الحوادث السياسية التي تسبب انقسام المسلمين. ([237]) .
(2) عامر الشعبي: «أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي من همدان، ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان ومات سنة أربع ومائة، وقيل سنة سبع ومائة، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وروي أن ابن عمر مر به وهو يحدث بالمغازي فقال: شهدت القوم وأنه علم بها مني. وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي: الزم الشعبي فلقد رأيته يستفتي وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالكوفة. وقال أبو حصين: ما رأيت أعلم من الشعبي، قلت: ولا شريح؟ قال: تريد أن أكذب؟ ما رأيت أعلم من الشعبي. وقال مكحول: ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية من عامر الشعبي.
وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة وعامر الشعبي بالكوفة والحسن بن أبي الحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام. وقال أشعث بن سوار: نعى إلينا الحسن البصري الشعبي فقال: كان والله فيما علمت كثير العلم عظيم الحلم قديم السلم من الإسلام بمكان ومنهم أبو عبدالله.
كان يكره اعمال الرأي بل يقف عند الآثار شديد التمسك بها توفي سنة 104 ه وقيل 105 ه» ([238]) .
(3) الأوزاعي: «عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الاوزاعي، الدمشقي (ابو عمرو)
. من فقهاء المحدثين. ولد ببغداد، وأقام بدمشق، ثم تحول الى بيروت فسكنها مرابطا الى أن توفي بها. من آثاره: كتاب السنن في الفقه، والمسائل في الفقه.»
كان من مدرسة الحديث لا يفضل عليه شيئاً سوي القرآن، يبغض الأخذ بالرأي وقال( إذا بلغك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم حديث فإياك أن تقول بغيره) عاصر الإمام مالك وأخذ كل منهما عن الآخر، عقدت له إمامة الفقه في الشام وقيل عنه أنه أفتي في سبعين ألف مسألة.
رحل كثير من اتباعه إلي الأندلس وحملوا معهم إليها مذهبه الذي انتشر بها واعتنقه الناس.
فكتب لمذهبه البقاء في الشام والأندلس من أوائل القرن الثاني الهجري حتي منتصف القرن الثالث إذ طغي عليه مذهب الإمام مال في الأندلس، ومذهب الشافعي في الشام([239]) .
(4) الليث بن سعد بن عبد الرحمن: مولى قيس بن رفاعة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وكان أصله من أصفهان. وقال الليث: قال لي بعض أهلي: ولدت سنة اثنتين وتسعين، والذي أوقن سنة أربع وتسعين ، ومات في النصف من شعبان، يوم الخميس سنة خمس وسبعين ومائة ودفن يوم الجمعة. قال الليث: كتبت من علم ابن شهاب علماً كثيراً وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة فخفت أن لا يكون ذلك لله فتركت ذلك. وقال الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وكان ابن وهب يقرأ عليه مسائل الليث فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث كأنه كان يسمع مالكاً يجيب فيجيب، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحداً قط أفقه من الليث، كان للإمام الليث مجادلات ومراسلات علمية مع الإمام مالك وكان الليث يأخذ علي مالك أنه بلغ به في الأخذ بعمل أهل المدينة أن يترك خبر الآحاد إذا خالف ما هم عليه، كما عاب عليه قضاءه بالشاهد واليمين من صاحب والحق وغير ذلك من المسائل العلمية قال عنه الشافعي( والليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به) »([240]) .
(5) سفيان الثوري: «سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ولد في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة ست وتسعين وقيل سبع ومات سنة إحدى وستين ومائة في خلافة المهدي. قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت أحداً من أهل العراق يشبه ثوريكم هذا.
وقال أحمد بن حنبل: دخل الأوزاعي وسفيان على مالك فلما خرجا «قال: أحدهما أكثر علماً من صاحبه ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة قلت لأبي عبد الله: فمن الذي عنى مالك أنه أعلم الرجلين؟ هو سفيان؟ قال: نعم هو سفيان أوسعهما عالماً.
وقال عبد الله بن المبارك: لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان. وقال علي بن المديني: سالت يحيى – يعني ابن سعيد – فقلت: أيما أحب إليك: رأي مالك أو رأي سفيان؟ فقال: سفيان، لا نشك في هذا، ثم قال يحيى: وسفيان فوق مالك في كل شيء.»
كان لسفيان مذهب فقهي يتبعه الناس فيه، أمر الخليفة المهدي أن يسند إليه قضاء الكوفة علي ألا يعترض عليه أحد في أحكامه، فكتب ودفع إليه فما كان من سفيان إلا أن ألقي الكتاب في نهر دجلة وخرج من الكوفة متخفيا سنة 150 ه وبقي متوارياً من السلطان متهرباً من وظيفة القضاء حتي مات بالبصرة سنة 161 ه. ([241]) .
ومن أهل السنة أصحاب المذاهب المندثرة أيضاً غير هؤلاء: عبدالله بن شبرمة، ولد سنة 72ه وتوفي 144ه ، ومحمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلي قاضي الكوفة توفي سنة 148ه وشريح النخعي المتوفي سنة 177ه، وسفيان بن عيينة المتوفي 198ه، واسحاق بن رهوية المتوفي 238ه. وغيرهم كثير
المطلب الثالث: تقييم فقه أهل الظاهر والشوكاني وابن تيمية
[المفتاح الأول]: تقييم فقه أهل الظاهر ومؤلفات ابن حزم في علم الفقه: قال الشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي في رسالته القيمة: ” التمذهب دراسة تأصيلية مقارنة للمسائل المتعلقة بالتمذهب “: (أسباب عدم الاعتداد بمذهب الظاهرية: لجمهور أهل العلم أسباب جعلتهم لا يعتبرون المذهب الظاهري ولا يعتدون بخلافه ومن هذه الأسباب: (السبب الأول): وهو الرئيس هو عدم قولهم بالقياس أما ابن حزم فكلامه في ذلك مدون في الإحكام والمحلى وأما داود فوقع الخلاف في إنكاره القياس فمن أهل العلم من يرى أنه ينكر القياس جملة وتفصيلا ومن أهل العلم من يرى أنه ينكر من القياس غير الجلي وقد تقدمت أقوالهم في ذلك، و(السبب الثاني): أن داود لم يكن مجتهدا مستقلا بل كان مجتهدا منتسبا إلى المذهب الشافعي بل كان متعصبا له ثم ادعى الاجتهاد ولم يسلم له، ذكر ذلك بعضهم لكن قد يقال: إن فتوى المجتهد المنتسب كالمستقل في العمل بها، والاعتداد بها كما تقدم معنا في كلام ابن الصلاح عند ذكر مراتب المجتهد غير المستقل.
و(السبب الثالث): أن صاحب المذهب وناقله عليهم مآخذ عقدية فداود اتهم بالقول بخلق القران وأما ابن حزم فينحو منحى المعتزلة في الصفات.
و(السبب الرابع): كثرة شذوذهم كما تقدم في كلام أهل العلم والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي كلام بعض الأئمة السابق إشارة إلى بعضها.
(تنبيه مهم): المذهب الظاهري لم يحفظ كما حفظت بقية المذاهب في أصوله وفروعه وقواعده ويدل على عدم الحفظ أمور: (1) أن ما نقله ابن حزم في المحلى والإحكام إنما يمثل اجتهاداته هو لا اجتهادات داود وأصحاب المذهب وهذا لا يخفى على من طالع المحلى، وقارن آراء ابن حزم بآراء داود، لأن ابن حزم كان يدعي الاجتهاد كما لا يخفى أيضا بل كان يلزم كل الناس بالاجتهاد حتى العذراء في خدرها والبدوي في البرية، (2) أن المسائل الموجودة في المحلى على فرض أنها اجتهادات داود وأصحابه فهي مسائل منتقاة في الأبواب الفقهية ولا تمثل الفقه من ألفه إلى يائه كما هو الحال في بقية المذاهب، (3) أن المذهب الظاهري ليس فيه كتب في قواعد الفقه كما هو الحال في بقية المذاهب، (4) أن المذهب الظاهري ليس فيه مخرجون وأصحاب وجوه ومرجحون كما هو الحال في بقية المذاهب، (5) أن المذهب الظاهري إنما نقل إلينا عن طريق ابن حزم وهذا على فرض أن ما في كتب ابن حزم يمثل المذهب الظاهري أما بقية المذاهب فقد تناقلتها الأجيال عبر آلاف العلماء وملايين الناس، (6) أن المذهب الظاهري قد اندثر فلم يعد أحد يتمذهب به منذ قرون، (لفت نظر): لعلك لاحظت أن من لا يعتد بخلاف الظاهرية يمنع من الأخذ بأقوالهم مطلقا، وأما من يعتد بخلافهم: فمن أجاز منهم الخروج عن المذاهب الأربعة فلا مانع عندهم من الأخذ بمذهب الظاهرية بالشروط المذكورة عند مسألة الخروج عن المذاهب الأربعة، وأما من لا يجيز الخروج عند المذاهب الأربعة فلا يجوز عندهم الأخذ بمذهب الظاهرية إذا خالف الأربعة) أهـ([242]) .
[المفتاح الثاني]: تقييم مؤلفات الشوكاني في علم الفقه: على الرغم من براعة الشوكاني في كتابة نيل الأوطار الذي يمثل مرجعاً بالغ الأهمية في معرفة أدلة آيات وأحاديث الأحكام، وأقوال الفقهاء حولها، وعلى الرغم من براعته في الاستفادة من جهود من سبقه من الأئمة الفقهاء، واستفادته الكبيرة من جهود الإمام ابن حجر الفقهية في كتابه فتح الباري، إلا أنّ للشوكاني شذوذات قد تأثر فيها من حيث لا يشعر بكتابات ابن حزم الظاهري فقها، والقريب من المعتزلة عقيدة، منها هجمته على الصرح الفقهي الذي بناه أئمة المذاهب الأربعة، في كثير من الأحيان، تحت مظلة الدعوة إلى فقه الكتاب والسنّة وكأنهم لم يكونوا أشد حرصا على ذلك منه، بل وأرسخ علما بهما، ومن ذلك دعوته الغير منضبطة إلى الاجتهاد وكأنّه بالأمر السهل على طلبة العلم ولقد كان فحول الفقهاء ممن هم فوق الشوكاني علما وفقها يتحرجون من الاجتهاد خوفا من القول على الله تعالى وفي دينه سبحانه بغير علم، وتحريمه للتقليد في الفروع، وهو يظن ذلك من التيسير الذي دعا إليه، وهو في الحقيقة من أعسر التعسير على أمة النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يتيسر على العامة وهم أكثر الامة الترجيح بين الاقوال الفقهية التي يتوقف عن الترجيح فيها أفحل فحول العلم والفقه، كما أنّ غالب ترجيحاته التي خالف فيها جمهور الفقهاء أقوال شاذة تغلب عليها ظاهرية ابن حزم أو قصور الشوكاني عن معرفة مرار الفقهاء وسعة أفقههم في فهم أدلة الكتاب والسنّة وتحقيقها للمصالح والمقاصد، وعلى ذلك فلا بأس من دراسة كتب الشوكاني لمعرفة ادلة الفقهاء، ولكن دراستها على أنّها منهج ومذهب فقهي فهذا غير صحيح، لأنّه لا مقارنة أصلاً بين جهد فردي قام به الشوكاني على عدم اكتمال آلته في الاجتهاد الفقهي، وبين مذاهب متكاملة خدمها آلاف الائمة المجتهدين الذين أقلهم شأناً في الفقه من أصحاب الاجتهاد في المذاهب وأصحاب الوجوه والترجيح فيها قد يكون أرسخ علماً وأبعد نظرا وأفقه بالدين من الشوكاني والصنعاني وغيرهما ممن خدم الفقه ولكن على غير طريقة المتخصصين فيه، ثم هل للشوكاني وغيره مذهب اكتمل بناؤه من حيث أصول الفقه والقواعد الفقهية وأصول الجمع والترجيح، أم أنّها ترجيحات من هنا وهناك، لا يربطها رابط منهجي عام من أصول الفقه وضوابطه، وعليه فإنّه فلا بأس من دراسة كتب الشوكاني في الاحاطة بأدلة الفقه المقارن، ولكن دراستها على أنّها منهج ومذهب فقهي فهذا غير سديد ولا رأي رشيد، وهو ولوج للفقه من غير بابه، ودراسة له على غير أهله المتخصصين فيه.
[المفتاح التالث]: تقييم ترجيحات ابن تيمية والتي خالف فيها المذاهب الفقهية الأربعة: ابن تيمية رحمه الله تعالى: كان موسوعة اسلامية واسعة في أكثر ابواب العلم الإسلامي، ولكنّها موسوعة كانت تحتاج إلى ترتيب وتهذيب، ولهذا أشار بعض علماء عصره إلى كون حفظه أكبر من مقدرة استيعاب عقله، لم يدع علماً من علوم الإسلام إلا تكلم فيه وخالف أهله بما يراه هو حقاً، ولكن كانت تنقصه دقة المتخصصين في العلم في كثير من الأحيان، ففي مجال علوم العقيدة، وقع في أخطاء أبرزها: (أ) أنّه لم يستطع تحديد دائرة المتشابه الصحيحة بدقه بسبب ذهوله عن قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي لم يدرسها على يد متخصص ولم يستطع أن يفهمها بمفرده حتى سببت له جفاء وانحراف عن المتخصصين في علم اصول الدين، (ب) نسب إلى السلف مذهب إثبات المعنى عموماً، وقد كان هذا مذهبهم حقاً إلا في المتشابهات فقد كان مذهبهم تفويض المعنى، وليس اثباته لأنّ المتشابه ليس له معنى فيدرك، ولو كان له معنى لما كان متشابها، ثم لم يكتف بذلك حتى جعل مذهب التفويض – وهو لا يدرك أنه مذهب السلف الحقيقي – من شر مذاهب الفرق الضالة، (ت) نسب إلى السلف اثبات المعنى الظاهر مع أنّه متعذر في كل الصفات (ث) شنّ حرباً على التأويل مع أنّه لا مناص منه عند التعارض، (ج) جهله العميق بقواعد التقديس والتنزيه المستفادة من الكتاب والسنّة، فسبب خللا في استيعابه لمذهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، (ح) بسبب عدم تخصصه في العقيدة مال إلى مذاهب المجسمة والحشوية وأثنى على أهلها ومؤلفاتهم ونسبهم إلى السنّة والسنّة منهم براء، (خ) تورط في نسبة الحد والجهة والمكان والحركة والانتقال إلى الله، مع أنها من المحال عند المتخصصين في علم العقيدة، (د) نسب علم (التقديس وقواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة) إلى علوم اليونان وفلسفتهم، مع أنّه مستنبط من أدله الكتاب والسنًة، وسار عليه أعلام الأئمة من علماء أهل السنّة والجماعة على مر عصور الإسلام، قال تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 84]، ولأنهم متخصصون علموه، وهو لمّا لم يكن متخصصا لم يعلمه، فأضر كثيرا بمن تأثر بكلامه فحرمه من أعظم علوم الإسلام الفقه الأكبر في الدين، (ذ) شنّ حملته الشعواء على علماء أهل السنّة والجماعة المتخصصين في العقيدة جميعا، ودمّر تخصصاتهم، فوصف الأثرية أتباع الإمام أحمد رحمه الله الحقيقيون بأنهم شر فرق الإسلام لأنّهم مفوضة، ونسب أعلام الأشاعرة والماتريدية إلى البدعة في العقيدة وإلى التوبة المزعومة عند الموت، وهي توبة مكذوبة موهومة إذ كيف يتوبوا مما يعد أفضل حسناتهم في الرد على المجسمة والمشبهة والحشوية والمعتزلة وسائر الفرق الضالة، ونقل أقوال الحشوية فيهم بأنّهم الجهمية الإناث وأنّهم مخانيث المعتزلة، مع أنهم حصون الإسلام في علم العقيدة، (ر) لم يضبط مسائل الإيمان والكفر على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول، وكتب فيه على طريقة الحشوية دون ضبط لأصل الإيمان وأهم عناصره، ودون تفريق واضح للأصل عن الواجب، وأدخل عمل الجارحة في أصل الإيمان فاقترب من مذهب المعتزلة، وسبب لدى تلامذته غلواً في التكفير، (ز) لم يضبط مسائل التوحيد والشرك على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في اتهام المسلمين بالشرك، (س) لم يضبط مسائل البدعة والسنّة على طريقة الفقهاء ولا على طريقة أهل الأصول وسبب لدى تلامذته غلواً في التبديع، (ش) انفرد عن جمهور علماء أهل السنّة والجماعة بأقوال شاذة وأطال في تقريرها مع أنّها مهما أطال في الكلام عنها لا يمكن أن تكون صحيحة، ومن ذلك:
إنكاره المجاز في القرآن واللغة مع أنّه معلوم من اللغة بالضرورة، ولا يمن انكاره لا من اللغة ولا من القرآن بحال من الأحوال، فالمجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، ولما كانت البلاغة هي ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، والقرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز.
ومخالفته لجمهور الأصوليين والفقهاء في زعمه بأنّ خبر الآحاد يفيد اليقين، وليس يفيده بحال، لأنّ خبر الآحاد العدل وإن كان الراوي حافظاً ضابطاً فإنه غير معصوم من الخطأ في اللفظ أو السهو أو الوهم أو النسيان أو الرواية بالمعنى أو وضع لفظ مكان آخر – وهذا في السنّة كثير -، ومع هذا الاحتمال، فلا يبلغ بحال ما يفيد المتواتر من مرتبة اليقين، لاشك أنّه يوجب العمل، ولكنّه لا يفيد اليقين ما كان في مرتبة الآحاد،، كما دندن حول قدم العالم كقول الفلاسفة، وقال بحدوث القرآن، وحدوث صفة الكلام، ووصف الله تعالى بالسكوت قياساً على صفة الكلام عند البشر.
وصرح بقيام الحوادث بذات الله تعالى، ودندن حول فعل الأسباب بقوة جعلها الله تعالى في طبعها، وهو قول يجرح توحيد الأفعال عند من يفهم أبعاده، ومن جملة أخطائه الغريبة: قوله على صفات الله كالعلم والسمع والبصر والكلام أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وهي بدعة غريبة يحتار لها اللبيب لأنها من المحالات والمستحيلات لأنه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة إلا في عقول أهل الجهل بالأصول، وهل يقبل القديم الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، إنّ أهل السنة والجماعة بجميع طوائفهم مجمعون على قدم الصفات، ولولا الكرامية وأشباههم ما كنا نظن أن أحدا من أهل الإسلام يتجاسر على الله بهذا القول، بل عقيدة كل مسلم أنّ الحوادث هي الحادثة بإحداث الله إياها وليست صفاته هي الحادثة من علم وسمع وبصر وإرادة وكلام، بل الصفات قديمة لا يحدها مكان ولا يجري عليها زمان ومن فهم هذا سهل عليه أمر التقديس والتنزيه.
إنّ هذه المقولة (قديم النوع حادث الآحاد) لا أساس لها من الصحة او البرهان، وهي من الأمور المستحيلة في عُرف اهل الأصول، لأنّه إذا كانت الآحاد على زعمهم محدثة، والنوع يتكون من أفراده فكيف يكون النوع قديما وأفراده حديثة، وهل يقبل القديم الأزلي الحدث وهل آحاد الشيء تخالف جنسه، هذا من المحال عند اهل الأصول ولكنهم قوم يجهلون، ودندن حول الصلاح والعدل من مبادئ المعتزلة، وهي أقوالٌ لا يرضى بها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، كما حام حول عدم عصمة الانبياء من الذنوب، واقتراف بعضهم للذنوب والتوبة منها، ودندن حول فناء عذاب اهل النار هو وتلميذه ابن القيم مع ورود الخلود فيها في قريب من أربعين آية من آيات الذكر الحكيم منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 64، 65]، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23]، وفي مجال علم التزكية والتصوف: أفنى قسطا كبيرا من عمره في شن الحروب على مدارس التصوف، مع أنّ الاولى كان ترشيدها بالنصح والإرشاد واللين والرفق لا محاربتها، وتجريح أكابرها.
وفي مجال تعلق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيت الرسول: أفتى بحرمة شد الرحال إلى زيارته صلى الله عليه وسلم، مع أنّه لا علاقة لحديث شد الرحال بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وزيارة المقابر كلها مسنونة، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أمّا حديث (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) ([243]) .
فالمعنى المقصود منه فهو بتقدير محذوف معناه: لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه بسبب فضلها فيه على غيره من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد فقد فضل الله تعالى الصلاة فيها على سائر المساجد، وهي المذكورة في الحديث المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف والمسجد الأقصى، أما سوء الفهم في بيان المراد من الحديث هو ظن أن المراد من الحديث هو النهي عن زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، بحجة أنه شد للرحال لذلك، ولا علاقة بين الحديث وبين زيارة القبر الشريف، إذ النهي متعلق بالمساجد فقط، ومتعلق بالصلاة فيها بسبب أفضلية الصلاة فيها، وإلا فشد الرحال إلى مساجد يتواجد فيها علماء لأجل طلب العلم، لا شيء فيها، بل جميع اهل العلم على مر عصور الإسلام، ما جمعوا العلم الشريف إلا بشد الرحال إلى المساجد لتلقي العلم من علمائها حيث لم توجد جامعات ولا مدارس يطلبون فيها العلم سوى المساجد، كما أن شد الرحال للتجارة جائز، وشد الرحال للسفر والاستمتاع جائز، وشد الرحال لزيارة الإخوان في الله تعالى جائز، فهل كل ذلك جائز، وشد الرحال لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم غير جائز، على أنّ زيارة القبر النبوي فلم يذهب أحد من الأئمة وعلماء الملة إلى عصر بن تيمية إلى عدم شرعيته بل اتفقوا على أنها من أفضل العبادات وأرفع الطاعات، والجمهور على ندبها، وقال بعض المالكية: إنها واجبة وقال أكثر الحنفية أنها قريبة من الواجب، وقريب الواجب عندهم في حكم الواجب، وأول من خرق الإجماع فيه وأتى بشيء لم يسبق إليه عالم قبله في هذه المسألة هو ابن تيمية، وقد تقدم أنّ عمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث: (لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، مع أنّه لا علاقة له أصلاً بزيارة القبر الشريف.
وفي مجال الموقف من آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، أدى رده على الشيعة الضالة إلى الانحراف عن آل البيت، فخانته ألفاظه عند الحديث عن أمير المؤمنين خليفة المسلمين الرابع علي رضي الله عنه، وضعّف في فضائله أحاديثاً ليست بضعيفة، وحكم على أخرى بالوضع، ولا تبلغ هذا الحد، وخانته ألفاظه عند الحديث عن سيد شباب أهل الجنّة الحسين رضي الله عنه، وموقفه من أوضاع الأمة زمان يزيد، وفي مجال المعاملة مع أكابر علماء عصره، هاجم الأكابر ولم يتحر الأدب الواجب مع أكابرهم، وصال عليهم وجال، واحتاطوا في تأديبه فلم يأمروا بقتله وإنما امروا بسجنه حتى يحفظونه من شر نفسه، ويحفظون الناس من غرائبه وتشدداته.
أمّا في مجال الفقه _ وهو بيت القصيد ها هنا -: فإنّه كان يشن بين الحين والآخر حروبا على أهله المتخصصين فيه بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل عديدة، وأكثر المسائل التي خالفهم فيها كان الصواب معهم باتفاق الفقهاء، وكانت مخالفاته عبئا على المسلمين تزيد من فرقتهم بدلا من وفاقهم، مع أن أئمة هذه المذاهب الفقهية المعتمدة بلغوا الغاية في الفقه والعلم والورع، واتباع الكتاب والسنّة، أضف إلى ذلك قيام أصحابهم على ضبط أقوالهم، وكان من بركاتهم أن صقلت مدارسهم الفقهية – على مر عصور الإسلام – كل ما يتعلق بالفقه ومسائله، هذا علاوة على خرقه الإجماع في كثير من مسائل الفروع، حتى قال الإمام المجتهد الورع تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الشافعي (683 – 756 هـ) في مقدمة كتابه الدرة المضية في الرد على ابن تيمية: (أما بعد: فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأنَّ القرآن محدَثٌ تكلَّم اللهُ به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات، فقال بحوادث لا أول لها فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملّةٍ من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكلُّ ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تَقِلُّ جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقي الأصول عنه وفَاهِمَ ذلك منه هم الأقلُّون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حُوققوا في ذلك أنكروه وفروا منه كما يفرون من المكروه، ونبهاء أصحابه ومتدينوهم لا يظهر لهم إلا مجرَّد التبعية للكتاب والسنة والوقوف عند ما دلت عليه من غير زيادة ولا تشبيه ولا تمثيل، وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث، وقد استروحَ العامَّة إلى قوله وتسارعوا إليه وخَفَّت عليهم أحكام الطلاق، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة، وكتب في المسألتين كراريسَ مطوَّلة ومختصرة، أتى فيها بالعجب العجاب، وفتح من الباطل كلَّ باب، وكان الله تعالى قد وفَّقَ لبيان خطئه وتهافت قوله ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وقد عرف ذلك خواصُّ العلماء ومن يفهم من عوام الفقهاء، ثم بلغني أنه بثَّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيثة، وأضلَّ بذلك جماعة من العوام) أهـ ([244]) .
فهل يصح بعد تلك المخالفات والمجازفات: أن يعتبر مذهبه هو الممثل والمتحدث الرسمي الصحيح عن الدين واهله، وعن السلفية والسلف، وعن العقيدة المنجية وأصولها وعن الفقه وأدلته، والتزكية وأسرارها، نعم نحترم مكانته، ولكنّه ليس بالمتخصص في علم معين يُقتدى به فيه، نحترم علمه ونذكر أخطاءه، ولا مانع عند الخطأ أن نقول: أخطأ في تقرير تلك المسألة، ولا يغرنّك رده على الأكابر في علم التقديس والتنزيه كالرازي وفحول الأشاعرة، فردوده خواء عن معرفة مقصود تنزيههم لأنّه ولج علما لا يتقن أصوله، فأخذ يحشو في الردود حشواً، وما أسوأ ردّه على كتاب تقديس الرازي، يرد الصواب بالخطأ ويجول ويصول ويجادل في اثبات خطأ الصواب وصواب الخطأ، ولا يغرنك محاولة اثباته عدم التعارض بين النقل والعقل، بجر ما توهمه معقولاً، إلى فهمه القاصر الذي فهمه بالخطأ من المنقول، فلا هو – يرحمه الله – يدرك المعقول على وجهه لأنّه غير متخصص فيه وهل أقل المعقول إلا معرفة ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حق الخالق سبحانه، وهل أقل المعقول إلا التفريق الأصولي بين القديم والمحدث وهو لا يدركه، وهل أقل المعقول إلا معرفة قواعد التنزيه التي تمنع التمثيل والتشبيه والتجسيم والحشو عند الحديث عن ما يتعلق بالله تعالى، وهو لا يدرك ذلك البته، وأنا لا أتجنى عليه، يرحمه الله فقد أمضيت ثلاثين سنة في دراسة كتبه ومعرفة مداركها ووجه المخالفة فيها لأكابر المتخصصين من علماء أهل السنّة والجماعة، وأعلم علم اليقين أنّه لو درس المعقول على وجهه لما كان هذا حاله في التنزيه والتقديس، وإنما كان يجعل المحسوس مكان المعقول وهو يتحدث عن المعقول، ولا يتبين الفارق بينهما مع أنّه فارق عظيم عند أهل التخصص والعرفان، ثم ما يفهمه من المنقول ليس هو بفهم الاكابر الذين ضبطوا الأصول في العقيدة، لأنّه لا يمتلك أدواتهم ولا حواجزهم في منع الولوج في الفهم الممنوع، ولذلك وقع في بعض المخالفات التي حاول فيها سحب الأمة بعيدا عن وسطيتها بين المعتزلة والمجسمة، إلى ناحية المجسمة، – وهو لا يدرك ذلك – بحسن ظن أنّه يريد سحبها إلى الحشوية التي عاش حياته من أجلها، ويزعم أنّه قول السلف، وهل كان السلف إلا أكابر المقدسين والمنزهين والمسبحين، ولكن أبى الله تعالى العصمة إلا لرسوله، وأبى الصحة والكمال إلا للمتخصصين من أهل العلم كلٌ في علمه الذي تخصص فيه، وأتمنى أن تتكامل اللحمة بين طوائف أهل السنّة والجماعة، فنأخذ بأحسن ما خط قلم الإمام أحمد بن تيمية ونتجنب غرائبه وأخطاءه، ونقول أصاب في كذا، وأخطأ في كذا، وخالف الجمهور في كذا، ونأخذ بقوله في كذا، ونخالفه في كذا، فتتقارب الصفوف بدلاً من شقها وتنازعها ليس على مدى القرب والبعد عن أصول الإسلام، وإنما على أساس الولاء والبراء لدعوة ابن تيمية، أما انتصارا لها وإما انتصارا لرافضيها ومحاربيها.
(تنبيه): الفرق الجوهري بين مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، وبين مدرسة الإمام ابن تيمية العلمية، أنّ مدارس المتخصصين في علوم الإسلام، سواء في العقيدة أو الفقه أو التزكية، أنّ كل واحدة منها تخصص في علم معين، ثم كان التمحيص والتأصيل والتهذيب في النور على أيدي مئات إن لم يكن آلاف المتخصصين المنتسبين إلى تلك المدارس، فصنعت في النور، وهذبت في النور، وانتشرت في النور، فكانت في مأمن من الخطأ والخلل الجسيم، وها هي مدارس العقيدة: الأثرية والأشعرية والماتريدية ملئت الأرض نوراً وانتسب إليها على مر العصور أكابر العلماء، وأساطين أهل العلم، وها هي مدارس الفقه عمت أرجاء الأرض وانتسب إليها سواد أهل السنّة والجماعة، وهكذا مدارس التربية والتزكية التي نشرت الإسلام شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، أمّا مدرسة ابن تيمية فبسبب مخالفة ابن تيمية لعلماء أهل عصره من شتى الطوائف، ولا يعقل فسادهم جميعا وصلاحه، قد صُنعت في السجون والخفاء، ولم يطلع عليها سوى فئة قليلة من اتباعه، ولم تُؤصل في النور، ولم تهذب كما كان يفعل علماء المذاهب في تخصصهم، ثم اختفت كتبه ومعارفه حتى تبناها ونشرها الشيخ النجدي محمد ابن عبد الوهاب بقوة السيف والسنان، وفي ظل هذا الجو الملبد بغيوم الارهاب الفكري بالتكفير والتبديع لمن يخالف هذه المنظومة الفكرية والعقدية، استكان من استكان ونشأ جيل لا يعرف إلا ما رأى، فلم تُؤصل الأفكار في أجواء حرية الفكر ودقة التخصص، كما حدث مع سائر مدارس التخصص الفكري الإسلامي، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث،، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها، وبسبب جهله العارم بقواعد التقديس ومباحث علم أصول الدين لاسيما في باب الإلهيات مثل مباحث منزلة العقل الصحيح في الإسلام ودوره في فهم أدلة التنزيه، والتفريق الأصولي بين القديم والحادث وهل يمكن للقديم ان يقبل الحوادث، والتفريق بين المحكم والمتشابه، والتفريق بين الحقيقة والمجاز، وحجية المتواتر والآحاد في باب العقيدة، والسر في التفريق بينهما، وقواعد التقديس والتوحيد والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة، لذلك أصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، بل ودعا إلى حملها على ظاهرها المحال على الله، وهو لا يدرك أسباب استحالتها لما تشبع به عقله من الحشو الذي تسرب إليه من مراجع الحشوية، ثم لم يكتف بذلك حتى هاجم التأويلات التي ذكرها الأصوليون في كتبهم لمنع التشبيه، ولحمل الآيات والأحاديث على المراد الحقيقي منها والذي لأجله سيقت تلك الآيات والاحاديث، فإن حديث النزول ليس الهدف منه النزول ولكن الهدف منه بيان أفضلية ثلث الليل الأخير في إجابة الدعاء، ثم لم يهدأ حتى رفض تفويض معاني الآيات المتشابهات في الذات والصفات، والذي هو مذهب الاثرية وهو مذهب السلف الصحيح والذي ليس لهم مذهب سواه، وذلك بزعم أنّه مذهب التجهيل وأنّه من شر أقوال أهل البدع، ثم أوجب حمل الآيات والاحاديث المتشابهات في الذات والصفات الواردة في القرآن والسنة على ظاهرها الحقيقي في اللغة أي المعنى المادي الحسي، ويرفض حملها على المجاز، لأنه لا مجاز عنده في القرآن والحديث!، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود على عرشه، وأنه متناه من جهة تحت، أما من جهة فوق فليس فوقه شيء، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الذي لا ينقطع عن الارض لحظه كما دلت الدراسات اليقينية المعاصرة، والمصيبة أنّ نزول الله تعالى – عنده – نزول حقيقي بذاته، فقد قال (وتفسير النزول بفعل يقوم بذاته)، ودندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل إلى العوام أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ودندن حول حديث خلق آدم على صورته، بما يُشعر أنّ آدم على صورة الرحمن، وأنّ كل ذلك على الظاهر الذي يليق بذات الله تعالى، ويظن بعد هذا الحشو والتجسيم أنّه قد اصاب السنّة التي يعلم صغار طلبة العلم من الأصوليين أنّه محال على الله لأنّ فيه تجسيم وتمثيل بالحسيات وتكييف للذي تقدس ليس كمثله شيء، وهل بعد تلك العقائد يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
لقد ثار الرأي العلمي العام الإسلامي على الشيخ ابن تيمية من جانب الأصوليين المتخصصين في العقيدة، ومن جانب الفقهاء المتخصصين في الفقه، ومن جانب العارفين من الاولياء والصالحين، بل ومن جانب المحدثين كابن حجر وغيره، وهذا دليل على انحرافه عن صراط السلف المستقيم، إذ ليس من الحكمة تخطئة جمهور علماء المسلمين واتهامهم بالسوء والضلال، وتصويب رجل واحد، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية، وضرورة الاخذ بظاهرها جاءت الاستنكارات عليه من علماء الأصول، وعندما تكلم في التوسل والاستغاثة والزيارة، استنكر ذلك عليه الفقهاء واهل التصوف، ثم عندما تكلم في الحد السفلي والجهة العدمية وعلم الكلام والمعقول والمنقول، وهو لا يعلم شيئا عن المعقول وضوابطه، قامت عليه السلفية والأثرية، فاجتمعت عليه طوائف العلماء والاولياء والفقهاء (من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) – خيرة أمّة النبي صلى الله عليه وسلم – وقرروا منعه من نشر أخطائه، فلما لم يسكت، أمروا بسجنه، ونفي من بلد إلى بلد، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال، إلى أن منع من القرطاس والكتابة، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء، ولو كان علمه صافياً لما تعرض لسخط كل هؤلاء العلماء، ولأنتصب له من الطوائف من ينصره في مظلمته، والجميع يعرفون أنّ مشاكله علمية وحسب، ولم تكن سياسية قط حتى نقول أنّ الحكام تمالئوا عليه، وظلموه، لقد كانت مشاكله علمية مع علماء عصره، فإنّ جماهير العلماء كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة، المخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء، في مجال الأُصول والفروع.
لقد ترجم للشيخ ابن تيمية مجموعة من تلامذته ممن تأثر به، ومن الطبيعي أن يزيد التلميذ في حق استاذه، فأسرفوا في الثناء عليه، ولا شك تعاطفوا معه لكونه قضي أكثر حياته في السجون، فلم يتوسعوا في ذكر الجانب السيء من علمه وحياته اكتفاءً بما لقيه من عقاب من الفقهاء والقضاة جراء أخطائه، أما الناظر الحصيف، فإنّه يعلم شذوذه في أقواله التي خالف فيها العلماء، وقد كان هناك اتفاق بين علماء وأكابر الفقهاء في عصره على أنّه يصدر عن عقائد وآراء تخالف الرأي العام بين أهل السنة والجماعة، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم، ويسجنونه مرة بعد أُخرى، خوفا من تأثر العامة به، ولولا تبني النجدي محمد بن عبد الوهاب لمؤلفاته وحمله الناس على آرائه بقوة السيف، لاندثرت ضلالاته كغيره من اهل البدع والضلال.
المطلب الرابع: الفرق في التخصص بين الفقهاء والمحدثين
[المفتاح الاول]: الفرق في التخصص بين الفقهاء والمحدثين: هناك فارق كبير بين تخصص الفقهاء وتخصص المحدثين، فالفقهاء هم المتخصصون في علم الفقه وأحكام الشريعة، واستنباط الأحكام من أدلة الكتاب والسنّة، وقد قطع الفقهاء شوطاً عظيماً لا يلحقهم فيه غيرهم في بناء علم الفقه وتناوله لكافة فروع الدين، وفي بناء علم أصول الفقه وأدلة الأحكام، وفي بناء علم القواعد الفقهية والضوابط الفقهية والقواعد الأصولية والضوابط الأصولية، وفي علم الفقه المقارن حتى صار بناؤهم محكماً دقيقاً، أمّا المحدثون فلهم تخصص آخر في معرفة علم الحديث متناً وسنداً، وعلم الجرح والتعديل وعلم تاريخ الرجال، فهم على ثغر الحديث واقفون، ولسنّة النبي صلى الله عليه وسلم حافظون، وهم بمثابة الصيادلة لأهل الفقه، وأهل العقيدة وأهل التزكية، وهم كلٌ منهم طبيب في مجال تخصصه، فالصيدلي يصرف الدواء ولكن لا يحق له أن يشخص الداء ولا أن يكتب العلاج، وقد أمرنا الشرع برد كل علم إلى أهل التخصص فيه، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].
وإنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والخطأ في اصدار الأحكام، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم، ومن المسلمات في دين الله تعالى أنه لكل علم من علوم الدين أهله المتخصصون فيه، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 12]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، لقد كان من ثمرة التخصص في الفقه ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها اختلاف تنوع وليس تضاد، ولا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، وهذه المذاهب الأربعة – بفضل جهود علمائها الكثيرين على مر عصور الإسلام السابقة – صارت بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، وهل يستطيع طالب علم – اليوم – أن يطلب العلم دونما أن يلتحق بمدارسه ومعاهده وجامعاته المتخصصة.
إنّ احترام التخصص الفقهي والرد في علم الفقه إلى تلك المدارس، ضرورة علمية، وذلك لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وواجب تحتمه تقوى الله تعالى لأنّ الذي يخاف الله تعالى لا يسأل إلا أهل العلم المتخصصين فيه خوف الخطأ، وواجب يحتمه العقل السديد، لأنّه قد جرت العادة أنّ الناس لا يسألون إلا أهل الخبرة والتخصص، وطالب العلم العاقل لا يطلب العلم إلا في مظانه، ومظانه عند أهل التخصص فيه.
[المفتاح الثاني]: دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ولا حسيب عليه، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ولقد كان في مجلس الإمام أبي حنيفة أربعين فقيها يراجعون الإمام في مسائله، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء العصر مجتمعين، فهيهات من دعاوى السفهاء التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن ينعق هؤلاء، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة والسم الناقع الدفين، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي، ومحاولة لفت الانظار يلعب بهم ابليس لعب الصبيان بالكرة وتتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة.
[المفتاح الثالث]: يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها، كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه، كما أنّ كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به إلا عند من يعتقد صحته فقط، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف، وحتى لا يُفهم الكلام على غير مقصده، فإنّه إذا ثبت أن إماما من أئمة الفقه الأربعة قد أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها، وهذا في حكم الفرضية النظرية، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق، والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وأن أتباعهم على الجادة علموا أنّهم أهل الذكر، وأطاعوا الله تعالى في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
[المفتاح الرابع]: الفرق بين طلب الفقه عن طريق دراسة الحديث دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة، وبين الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء: هناك فارق كبير بين طلب الفقه عن طريق دراسة الحديث دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة، وبين الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء، وذلك لأنّ الطريق الاول إن خلا من الاستفادة من أقوالهم واجتهاداتهم، فهو تسور للعلم ودخول له من غير بابه، وهو اهدار لجهودهم العظيمة في بناء الصرح الشامخ لعلم الفقه عند أهل السنّة والجماعة، وإن تضمن الاستفادة بجهودهم والتقيد بفقههم، فإنّ الترجيح بينهم لابد وأنّ يمر على أصول الفقه التابعة لأحدهم، وهو بالتالي اجتهاد في داخل المذهب وليس خارجه، كما أنّ لهذا الترجيح شروط أحدها الاجتهاد وحصول المؤهلات التي تتيح له القدرة على الترجيح بين الأقوال لأنّ المرجح لاشك أنّه أعلى علماً في المسألة التي يرجح فيها بين الأقوال من قائليها وإلا لما استطاع الترجيح بينها، أمّا مسألة الاستفادة من علم دراسة أدلة الأحكام من الكتاب والسنّة كأحد أهم ضوابط الفقه المقارن وسبل الترجيح بين أدلة الفقهاء، فهذا أمر حث عليه الشرع ولكنّه ليس لآحاد أهل السنّة وعوامهم، وليس هو طريق طلب علم الفقه عندهم، وقد يستغرق العالم الفقيه عمره كله دون أن يصل إلى ترجيح صحيح في مسالة واحدة من مسائل الفقه فضلا عن باب من أبوابه، فأين هذا من منهاج متكامل للترجيح لا نستطيعه لتعدد المرجحات واحتمالاتها الصحيحة من لغة وأصول ومصادر الأدلة، ثم هي قد تكون من باب التقعر وضياع الجهود التي تحتاجها الأمة فيما لا طائل منه لأنّه كما ذكرنا في خصائص الخلاف الفقهي أنّ الجميع ثبت لهم الأجر والثواب.
[المفتاح الخامس]: مؤلفات كتب آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث: من مؤلفات آيات الأحكام: كتاب (البرهان في علوم القرآن) للزركشي، وكتاب (أحكام القرآن) لابن العربي، و (كتاب أحكام القرآن) للكيالهراسي، وكتاب (أحكام القرآن) للرازي الجصاص، وكتاب (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ)، وهو من أجل التفاسير، يتوسع في بيان الأحكام، وينقل فيه عن (أحكام القرآن) للقاضي أبي بكر بن العربي (ت 543 هـ)، وكتاب أحكام القرآن، للسيوطي، ، وفي علم أحاديث الأحكام وأهم شروحها:
(1) (عمدة الأحكام من كلام خير الأنام فيما اتفق عليه الشيخان)، لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، ومن شروحه: (أ) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد، وعليه حاشية العدة على إحكام الأحكام، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، (ب) كشف اللثام بشرح عمدة الأحكام، لمحمد بن أحمد بن سالم السفاريني، (ت) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، لعبد الله البسام، (2) (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ومن شروحه: (أ) سبل السلام شرح بلوغ المرام، للصنعاني، (ب) فتح العلام شرح بلوغ المرام، لصديق حسن علي خان، (ت) توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام، لعبد الله البسام.
(3) (منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار)، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، وشرحه محمد بن علي الشوكاني في كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.
(4) طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي.
(5) الإلمام في أحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، شرحه المؤلف في كتاب: الإمام شرح الإلمام، كما أنّ هناك مؤلفات في الفقه أدنى من سابقتها لأنّها تعتمد على ظاهرية الادلة: ومثالها: كتب المذهب الظاهري ومؤلفات الشوكاني، ومن أهم كتب المذهب الظاهري: (المحلى) لابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد بن حزم) 456 هـ، ولا شك أنّ للمذهب الظاهري شذوذات في الفقه بسبب انكاره للقياس، وتوسعه في الاستصحاب، وهذا ما دعا الفقهاء إلى عدم الاعتداد بمخالفات المذهب الظاهري في الفقه، ومن مؤلفات الشوكاني (محمد بن علي بن محمد الشــوكاني) 1250 هـ، في الفقه: ولم يتقيد الشوكاني في كتاباته الفقهية بمذهب معين، ولهذا لم ندرج كتبه تحت مذهب بعينه، وتعتبر كتبه من كتب الترجيح، وإن كان قد تأثر بمنهج ابن حزم بدرجةٍ ما تركت في آرائه بعض الشذوذ، ومن كتبه الفقهية: (أ) كتــاب (الــدرر البهيــة) وهو مــتن مختصر، وله شرحان (الدراري المضيّة شرح الدرر البهية) للشوكاني نفسه، والثاني: (الروضة الندية شرح الدرر البهية) لصديق حسن خان القنوجي البخاري 1307هـ، (ب) كتاب (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار)، وهو شرح لأحاديث الأحكام الواردة بكتاب (منتقى الأخبار) لأبي البركات ابن تيمية، وقد اعتمد الشوكاني في شرحه أساساً على كلام ابن حجر في (فتح الباري)، (ت) كتاب (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار)، وفيه استدراكات للشوكاني على كتاب (الأزهار) وهو من أشهر كتب فقه الشيعة الزيدية.
[المفتاح السادس]: ضوابط طلب الفقه عن طريق مؤلفات آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث: إنّ ضوابط طلب الفقه عن طريق مؤلفات آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وكتب فقه الحديث هو عدم الخروج عن أقوال الأئمة الفقهاء المعتبرون بقول جديد لأنّه غالبا ما يكون شاذا غير صحيح، وهناك أمر أهم ينبغي التنبه إليه، ألا وهو عدم الزام المسلمين بما توصلوا إليه من احكام، وقد كان الإمام مالك عالم أهل المدينة الذي تقطعت أكباد الإبل من أجل الوصول إلى فتاويه، يأبى أن يحمل خليفة المسلمين: المسلمين على اجتهاداته وأقواله، وقد ابتلينا بأقوام لم يشموا طبيعة الفقه قط اعتكف أحدهم على مسألة الحجاب والنقاب أسبوعاً ثم خرج ليقول أنّ الحق في المسألة هو وجوب النقاب وأنّ التي تكتفي بالحجاب على كبيرة من الكبائر، وأتهم ملايين المسلمات العفيفات المحجبات بالفسق، وبكونهن على كبيرة من كبائر الذنوب تقتضي التوبة النصوح، ولا يدري المتقعر بأنّ مسائل الفقه لا تؤخذ هكذا، وأنّ خصائص الخلاف في الفقه تختلف تماما عن خصائص الخلاف في الأصول، وفاته أنّ القول الذي خالفه (ألا وهو سنّية النقاب وفرضية الحجاب) هو قول جماهير الفقهاء في مشارق الأرض ومغاربها، وأنّ قوله وإن قال به البعض (فرضية النقاب) فإنّهم لم يرتبوا عليه أحكاماً كتلك التي رتبها من كون المحجبات على كبيرة، ومن اتهامهن بالفسق لتفريطهن في حق النقاب، كما أنّ الفقهاء اتفقوا على أنّه لا انكار في مسائل الخلاف الفرعي، أي في أحكام علم الفقه، وأنّه لا تجوز الحسبة في الأمور المختلف عليها بين أئمة الفقه المتخصصين فيه، وإلا آل الأمر إلى الشقاق والنزاع وضياع الدنيا والدين، نسأل الله تعالى الفقه في الدين، ومن يرد الله تعالى به خيرا يفقه في الدين.
المبحث الحادي عشر مفاتيح الإصلاح والتجديد في علم الفقه الإسلامي
(1) الشريعة أوسع وأكمل من الفقه.
(2) لماذا المذاهب الفقهية الأربعة في فهم الشريعة.
(3) تفعيل ضوابط الانتساب الصحيحة إلى المذاهب الفقهية الأربعة.
(4) إحياء جهود علماء المذاهب الاربعة وربطها بالأدلة.
(5) الاهتمام بعلم الفقه المقارن ودوره في بناء الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة.
(6) الاهتمام بعلم أصول الفقه ودوره في بناء الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة.
(7) الاهتمام بعلم القواعد الفقهية ودوره في بناء الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة.
(8) الاهتمام بدراسة الأنظمة الإسلامية وإدخال دراسة أنظمة الإسلام ضمن دراسة الفقه.
(9) الاهتمام بدراسة علم السياسة الشرعية من منظور فقهي صحيح متوازن.
(10) مبادئ التجديد المنشود في علم الفقه الإسلامي.
***
[المفتاح الأول]: الشريعة أوسع من الفقه : الشريعة هي النصوص الشرعية الأصلية الموحى بها من الله، بينما الفقه هو فهم الفقهاء لهذه النصوص واستخراج الأحكام منها، فالشريعة تتمثل بالأحكام المنزلة من الله، أمّا الفقه فيتمثل بالأحكام التي استخلصها الفقهاء من نصوص الكتاب والسنّة أو بالدلائل الاجتهادية، كالقياس، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة، فــ (الشريعة): عامةٌ، و(الفقه): خاصٌ، و(الشريعة): صحيحةٌ كلّها، أمّا (الفقه): فقد يخطئ أحياناً بسبب اجتهاد الفقهاء في أحكامه، و(الشريعة): تطلق بصفةٍ خاصةٍ على كلّ ما شرعه الله من الأحكام العملية فقط دون الأخلاقية والاعتقادية، أمّا الفقه فهو العلم بالأحكام العملية الشرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية، فإذا أصاب الفقهاء الحق في فهمهم كان الفقه موافقًا للشريعة من هذه الحيثية، وإذا أخطأوا لم يخرج اجتهادهم عن الفقه، وإن كان ليس من الشريعة حتمًا، فلا يُعَد من الشريعة إلا ما أصاب فيه المجتهدون فقط، والفقه مأخوذ من الشريعة الإلهية، فالفقه علمٌ شرعي مبني على نصوص الشريعة، وعلى عمل العقل في استنباط الأحكام مقيدا بالأصول الشرعية في الاستدلال، فالشريعة الإسلامية بهذا المعنى مُلْزِمة للبشرية كافة، بخلاف الفقه المًستَنبَط من الأدلة الشرعية عن طريق اجتهاد المجتهدين؛ فرأي أي مجتهد لا يُلزِم مجتهداً آخر، والفقه قد يُعالج مشكلات المجتمع في زمان أو مكان بعلاج يُمكن ألا يَصْلُح لمشكلات زمان أو مكان آخر، بخلاف الشريعة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان.
[المفتاح الثاني]: لماذا المذاهب الفقهية الأربعة في فهم الشريعة: استقرت المذاهب الفقهية الأربعة ببركة صدق وعلم ونبوغ مؤسسيها، ثم بسبب جهود تلامذة الأئمة الأربعة، وهم علماء فحول استطاعوا بجهودهم استكمال بناء المذاهب الفقهية حتى صارت جامعات علمية عميقة تضم كل مسائل وأحكام الفقه وأصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وفي هذه المرحلة تلقى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها المذاهب الأربعة بالقبول، وراجت بينهم، وأصبحت العمود الفقري للفقه الإسلامي، ولم يعد الفقهاء بحاجة إلى مذاهب جديدة مُحدَثة ؛ بل انصرفوا إلى الاجتهاد داخل المذاهب المستقرة، وفق أصولها الصحيحة التي استنبطها الأئمة الأربعة المجتهدين، وانصرفوا كذلك إلى خدمة المذاهب، وذلك بجمع أقوال الأئمة وترتيبها ووضع أصولها وقواعدها، كما قاموا بتعليل الأحكام وحشد الأدلة النقلية والعقلية لها؛ ومناظرة أقوال المذاهب الأخرى من خلال مناقشة أدلتهم والجواب عنها والرد على اعتراضاتهم، كما قاموا بتحقيق المذاهب من خلال الترجيح بين الروايات والأقوال فيها، وفق أصول المذهب وقواعده ومآخذه وطريقته في الاستنباط ووفق القواعد الشرعية الكلية ومقاصدها العامة، وهكذا ارتفع بناء الفقه عاليا متمثلا في بناء المذاهب الفقهية الرصينة، التي تمثل في مجموعها وجهات النظر المتعددة للشريعة والفقه الإسلامي الشامل المتكامل الصالح لكل زمان ومكان، لقد مال الفقهاء إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة: لأسباب عديدة منها:
(السبب الأول): بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه، (السبب الثاني): صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد، حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق، (السبب الثالث): وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (وما أعسرها) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة، ويمكنه الاجتهاد في إطارها، (السبب الرابع): تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله، (السبب الخامس): الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية الجامعة، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (أحد المتون العلمية) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها، والحقيقة التي لا مراء فيها هي: تقارب المذاهب الفقهية حتى كأنّها اجتهادات في إطار مذهب واحد يمثل المذهب الفقهي الواسع لأهل السنّة والجماعة: وأسباب ذلك تتمثل في:
(أ) أنّ كل الأئمة والفقهاء أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة أهل السنة والجماعة، عقيدتهم واحدة، ومنطلقاتهم الكبرى وأصولهم الفقهية تكاد تكون واحدة تتمثل في: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، فكلهم يأخذ بها، ويقيم بناءه الفقهي على أساسها، وبالتالي فإن أكثر اختلافهم هو في اطار فهم محتملات النصوص التي تقبل الوجوه المتعددة وبالتالي صارت أقوالهم تمثل المرجعية الواسعة في الفقه في إطار الجامعة الكلية (أهل السنّة والجماعة الناجية).
(ب) الأئمة الكبار مؤسسي المذاهب أخذ بعضهم من بعض، وتتلمذ بعضهم على بعض، فأبو حنيفة ومالك كانا يلتقيان في مواسم الحج، ويتناقشان في أصعب مسائل الفقه، وتلامذة أبي حنيفة رحلوا إلى الإمام مالك وأخذوا عنه، فأبو يوسف رحل إلى الإمام مالك، واستفتاه وأخذ عنه، والإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة روى عن الإمام مالك موطأه، والشافعي تتلمذ على مالك ومحمد بن الحسن، وأحمد تتلمذ على يد الشافعي سنوات عديدة، وأخذ علم مالك من أهل المدينة وعلم أبي حنيفة من أهل العراق، وكان يأخذ من كل تلك الروافد الفقهية، حتى أنّه لا يكاد ينفرد عن الثلاثة إلا في أقل المسائل. (ت) المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والمسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة. (ث) بسبب اكتمال الأئمة الأربعة في مجال الفقه والاجتهاد، فإن أكثر اختلافهم اختلاف تعدد واختلاف توافق لا اختلاف تضاد، وأكثره تابع لكون ألفاظ الكتاب والسنّة قد تحمل معاني عدة في اللغة العربية وبالتالي فإن الفتوى ستتعدد بسبب تعدد المعاني التي ترمي إليها الألفاظ والتراكيب اللغوية التابعة لاتساع اللغة العربية واتساع معانيها وبلاغتها، وهكذا شاء الله تعالى أن يجمع موسوعة الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية في أقوال المذاهب الأربعة، ولهذه الأسباب فقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة وتتابعت القرون قرنا وراء قرن لا تكاد تجد فقيها في الأمة الإسلامية إلا وهو ينتسب لمذهب منها.
[المفتاح الثالث]: تفعيل ضوابط الانتساب الصحيحة إلى المذاهب الفقهية الأربعة: لقد وضع الفقهاء ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة، فالمذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب:
(1) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى.
(2) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه.
(3) المذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير.
(4) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة، أو وجود الدليل الراجح، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه، وليس كل الناس علماء، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء.
(5) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله، ويصعب، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي.
(6) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع.
(7) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة.
(8) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
(9) دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق غير مؤهل للاجتهاد، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ولا حسيب عليه، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ولقد كان في مجلس الإمام أبي حنيفة أربعين فقيها يراجعون الإمام في مسائله، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء العصر مجتمعين، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة والسم الناقع الدفين، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي، ومحاولة لفت الانظار يلعب بهم ابليس لعب الصبيان بالكرة وتتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة.
(10) يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها، كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه، كما أنّ كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به إلا عند من يعتقد صحته فقط، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف، وحتى لا يُفهم الكلام على غير مقصده، فإنّه إذا ثبت أن إماما من أئمة الفقه الأربعة قد أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها، وهذا في حكم الفرضية النظرية، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق، والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتياج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وأن أتباعهم على الجادة علموا أنّهم أهل الذكر، وأطاعوا الله تعالى في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
وليس معنى ذلك الزام هؤلاء المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، إنّ الذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية، إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، على اختلاف مذاهب هذا الفقه: لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية، والأحكام الشرعية، ومن أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت، كما أنّ تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبى الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان، فـــ الذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
[المفتاح الرابع]: ضرورة إحياء جهود علماء المذاهب الاربعة وربطها بالأدلة : إنّ أهم معالم التجديد المنشود في علم الفقه الإسلامي أن نربط أقوال الأئمة الفقهاء بالأدلة من الكتاب والسنّة، وهذا الامر غاية في الاهمية وذلك لانّ الله تعالى تعبدنا بأدلة الكتاب والسنّة، وإنما حفظ المتون الفقهية طريقة تربوية سليمة للإلمام بكافة أبواب الفقه في وقت قصير، ومن ثم التوجه إلى شروحها التي قام بها الأئمة الفقهاء الثقات، حتى يكون طالب علم الفقه على دراية واسعة بالأحكام الفقهية، ولكن الرسوخ في العلم والتمكن فيه يتناول معرفة الحكم بدليله، فالعلم الشرعي الحقيقي هو معرفة الحكم بدليله من الكتاب أو السنة، وطالب علم الفقه الراسخ في أشد الحاجة بعد حفظ المتون الفقهية، ومعرفة شروح الفقهاء عليها إلى معرفة أدلة الأحكام الفقهية، ولعل من أهم أسباب انتشار كتب آيات الأحكام: ككتاب (أحكام القرآن) لابن العربي، وكتب أحاديث الأحكام: ككتاب: (بلوغ المرام من أدلة الأحكام) لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وشروحه: كسبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني، وكتاب (منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار) لمجد الدين أبي البركات بن تيمية، وشرحه (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار) للشوكاني، ولعل من أهم أسباب انتشار تلك الكتب هو اهتمامها بأدلة الكتاب والسنّة، وعلى ذلك فإنّ أهم معالم التجديد المنشود في علم الفقه الإسلامي أن نربط أقوال الأئمة الفقهاء الأربعة الذين اكتملت آلة الفقه عندهم بالأدلة من الكتاب والسنّة، ولذلك فإنّ أنجح المتون الفقهية لدى مذاهب الفقه المعتمدة هي تلك المطرزة بأدلة الكتاب والسنّة، فإن ذلك سيمثل الفقه بأدلته، وهذا هو الفقه الراسخ.
[المفتاح الخامس]: ضرورة الاهتمام بعلم الفقه المقارن، وذلك لدوره المهم في تكامل علم الفقه والتقريب بين المذاهب الفقهية الأربعة ونبذ العصبية لأحدها، وقد ظهر هذا العلم -علم الفقه المقارن- بعدما اكتملت مباني المذاهب، وهو يتناول: العلم بالآراء المختلفة في حكم المسألة الشرعية ودليل كل رأي فيه والترجيح بينها، وثمرة هذا العلم تتناول: التعرف على أسباب اختلاف الفقهاء والمجتهدين، والتعرف على أدلة كل مجتهد حسب مدرسته الأصولية، وإمكانية المقارنة والموازنة والترجيح حسب قوة الدليل والبرهان، وأول من ألف في علمٍ الخلاف على حد علمي هو الإمام الشافعي، حيث ألف رسائل في الخلاف، ألحقها بكتابه (الأم) مثل: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، واختلاف الشافعي مع مالك، كما حوت الرسالة على مباحث قيمة في الخلاف والفقه المقارن، ثم ظهرت بعده كتب كثيرة في علم الخلاف منها: كتاب تأسيس النظر، وكتاب التعليقة في مسائل الخلاف بين الأمة كلاهما لأبي زيد الدبوسي الحنفي، وكتاب تذكرة الخلاف والنكت، لأبي إسحاق الشيرازي، وكتاب أحيلة العلماء في اختلاف الفقهاء، لأبي بكر الشاسي الشافعي، وعيون الأدلة، لأبي الحسن بن القصار المالكي، وكتاب المجموع للنووي، وكتاب المغني لابن قدامة، والمحلى لابن حزم الظاهري الأندلسي، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد المالكي الأندلسي، لقد ازدهر علم الفقه المقارن في الدراسات الفقهية المعاصرة، وظهرت مؤلفات مهمة في الفقه المقارن، توجت بظهور موسوعات مهمة في الفقه المقارن مثل: الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري، والموسوعة الفقهية الكويتية، وقد بلغت خمسة وأربعون جزءاً، وكتاب فقه السنة، للسيد سابق في جزئين، وكتاب موسوعة الفقه الإسلامي وأدلته، للدكتور وهبة الزحيلي، في عشرة أجزاء.
هذا ومن أهم فوائد الفقه المقارن: الإلمام بالجامعة الفقهية الواسعة العريضة لأهل السنّة والجماعة، والإلمام بالموسوعة الفقهية لأقوال فقهاء اهل السنّة والجماعة، وبيان عظمة تلك المذاهب الفقهية وحرصها العظيم على تتبع أدلة الشرع الحنيف، وبيان سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان مهما توالت العصور وتغيرت الظروف، والقضاء المبرم على العصبية المذهبية، حيث اتفاق الفقهاء على أنّ المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، واتفاقهم على أنّ المذاهب الأربعة متكافئة، واتفاقهم على أنّ من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع، واتفاقهم على أنّه لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة، واتفاقهم على أنّ الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
إنّ للفقه المقارن دوره المهم في تكامل علم الفقه والتقريب بين المذاهب الفقهية الأربعة ونبذ العصبية لأحدها، لأنّه يقضي على الجهل وينمي التواصل بينها، حيث يعتبر الجهل المتبادل بين المذاهب الإسلامية من أهم أسباب التنافر بين أتباعها ومقلديها، وبالتالي فإنّ علم الفقه المقارن يقدم معرفة جيدة بآراء المذاهب وأدلتها ومعتمد علمائها ومجتهديها وبذلك تتراجع دعاوى التعصب المذهبي بين اتباع المذاهب الفقهية الأربعة المتأصلة، كما أنّ لهذا العلم دوره العظيم في التعرف على التراث الفقهي الإسلامي العظيم الذي يُعد بحق مفخرة أهل السنّة والجماعة أهل الفقه في الدين، كما أنّه يكشف أسباب اختلاف الفقهاء ويؤصل لرفع الملام عنهم في اختلافهم، عند معرفة مآخذهم الفقهية، فإنّ من أهم ثمار ونتائج ممارسة المنهج المقارن في الفقه، هو تمكن الباحث أو المجتهد من التعرف بشكل دقيق وعلمي على أسباب اختلاف المجتهدين وأهل الرأي، سواء تعلق الأمر باختلاف الفهم أو مصادر الاستنباط، كما يساعد علم الفقه المقارن على معرفة مساحات الاتفاق والاختلاف بين المذاهب، كما يكشف أن مسائل الشريعة ليست كلها عرضة للخلاف، بل فيها ما هو قطعي لا يدخله الخلاف أصلا، وفيها كليات الشريعة التي تضافرت على معناها النصوص واتفقت عليها الأمة قاطبة، وفيها الجزئيات المنصوصة التي لا يتعدد الفهم فيها لورودها في أقصى درجات الوضوح، وهي التي يقول فيها الفقهاء: لا اجتهاد مع النص، أو لا اجتهاد في مورد النص، وأما ما كان بخلاف ذلك فهو مما يدخله الخلاف.
ومن فوائد علم الفقه المقارن: أنّه يخفف من حدة التعصب المذهبي، لأن المقلد يكتشف أن المذهب المخالف له أدلته وبراهينه، المعتبرة، وأن المسألة فيها نظر وتأمل، وليس مقطوع فيها، وقد تدفعه قوة الدليل إلى الأخذ به، والتحرر من تقليد مذهبه في هذا الرأي، لذلك فالمنهج المقارن، يجعلنا: نختار من اجتهادات جميع المذاهب ما يتفق مع تطور الحياة، ويسر الشريعة.
ومن فوائد علم الفقه المقارن أيضا: رفع الحرج على المكلف: هناك عدد من الآراء الاجتهادات فيها حرج وتشدد ظاهر وشذوذ، مع الفقه المقارن وعلم الخلاف نكتشف آراء اجتهادية أقل تشددا، وقد نهج فيها الأئمة نهج التسامح لما تذوقوه من مقاصد الشريعة ورغبتها في التساهل في هذه المسائل، وعدم إحراج المكلف بالتشدد فيها،، خصوصا عندما يصل الإتلاف في بعض المسائل إلى أن يحلل مذهب ويحرم آخر، فهاهنا لا بد من التعرف على الأدلة وقوتها والترجيح بين الأقوال، وتجاوز الأقوال الشاذة أو التي أصبحت شاذة بفعل تغير الأزمنة والواقع.
ومن فوائد علم الفقه المقارن: دعم جهود تقنين الشريعة: هناك الآن جهود لتقنين الشريعة في العالم الإسلامي، والفقه المقارن يمكنه أن يلعب دورا مهما في دعم هذه الجهود، وتيسير عملية التقنين، بمساعدة الفقهاء على اختيار أفضل الأقوال وأكثرها انسجاما مع العصر، وهذا التقنين يفترض فيه أن يستفيد من التراث الفقهي لجميع المذاهب الفقهية بدون استثناء،، وهذه بدورها خطوة جادة نحو التقريب بين المذاهب الإسلامية.
ومن فوائد علم الفقه المقارن: بناء النظريات الإسلامية في جميع المجالات: لا يمكن بناء نظرية إسلامية متكاملة تمثل الإسلام فعلا، بالاقتصار على التراث الفقهي لمذهب معين، بل لابد من إشراك جميع المذاهب في عملية بناء النظريات الإسلامية في جميع المجالات، والفقه المقارن يمكنه أن يساعد كثيرا في هذا المجال، لأن كتب الخلاف وكتب وموسوعات الفقه المقارن يمكن ان تضع بين يدي الباحث والمفكر المادة الكاملة والشاملة لآراء المذاهب والعلماء والمجتهدين حول أي موضوع، وبالتالي يتمكن من الاختيار بحرية من الأقوال والفتاوى والاجتهادات ما يساعده فعلا على بناء نظرية متكاملة في مجالات مطلوبة في الوقت الراهن، كنظربات علم السياسة الشرعية ونظريات أنظمة الدولة الإسلامية السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها مما تحتاجه الدول الحديثة اليوم.
[المفتاح السادس]: ضرورة الاهتمام بعلم أصول الفقه، (أصول الفقه): هو العلم الذي التي يُبنى عليها الفقه، وإذا كان (الفقه): هو العلم بالأحكام الشرعية العملية (أحكام العبــادات والمعاملات) المستنبطة من أدلتها التفصيلية، فإنّ (أصول الفقه) هو: العلــم بالقواعـد والأدلـة الإجماليـة التـي تستنبط منها الأحكـام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، من نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وغيرها من أدلة الاجتهاد في معرفة أحكام الفقه.
وتتمثل أهمية دراسة علم أصول الفقه في: ضبط أصول الاستدلال وذلك ببيان الأدلة الصحيحة، والتعرف على الأصول التي بنيت عليها الأحكام الشرعية، ومعرفة الطريقة التي استنبط بها الأئمة المجتهدون أحكامهم والمقدرة على مقارنة آرائهم ومذاهبهم، والتمكن من الحصول على قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أساس سليم، وتيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء والتماس الأعذار لهم، وبيان ضوابط الفتوى وشروط المفتي وآدابه، والوقوف على سماحة الشريعة ويسرها , كما يفيد هذا العلم القيم المجتهدين في تطبيق قواعده ونظرياته الكلية على الأدلة التفصيلية، وبالتالي القدرة الصحيحة على استنباط الأحكام الشرعية بواسطة الأمور الاجتهادية كالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو الاستصلاح أو غيره، ويحميهم من التناقض، ويؤهلهم لاستنباط الأحكام الصحيحة للوقائع الجديدة من خلال النصوص المحدودة، ومن هنا يمكن القول بأنّ علم أصول الفقه سبيل شرعي من سبل بقاء الشريعة وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وثمرة علم أصول الفقه: هي إبعاد الخطأ عن المجتهد، وذلك بوضع الضوابط والعلامات على طريق الاجتهاد، فكما أن السائر في طريق يحتاج إلى الدلالات، فالفقيه من باب أولى يحتاج إلى علم أصول الفقه، في الإخبار عن حكم الله، فليس سهلاً أن يحكم الفقيه في شرع الله تعالى ويقول: هذا حلال وهذا حرام، وهذا فرض وذاك مستحب إلا بوجود منهج صحيح للاستدلال، والاجتهاد، وهذا المنهج هو علم أصول الفقه، ولعلم أصول الفقه دور هام في فهم الشريعة الإسلامية وذلك لأنّ الغاية من دراسة أصول الفقه تتمثل في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الأصلية، ولكن أهمية دراسة علم أصول الفقه تتمثل في: ضبط أصول الاستدلال وذلك ببيان الأدلة الصحيحة، والتعرف على الأصول التي بنيت عليها الأحكام الشرعية، ومعرفة الطريقة التي استنبط بها الأئمة المجتهدون أحكامهم والمقدرة على مقارنة آرائهم ومذاهبهم، والتمكن من الحصول على قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أساس سليم، وتيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء والتماس الأعذار لهم، وبيان ضوابط الفتوى وشروط المفتي وآدابه، والوقوف على سماحة الشريعة ويسرها , كما يفيد هذا العلم القيم المجتهدين في تطبيق قواعده ونظرياته الكلية على الأدلة التفصيلية، وبالتالي القدرة الصحيحة على استنباط الأحكام الشرعية بواسطة الأمور الاجتهادية كالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو الاستصلاح أو غيره، ويحميهم من التناقض، ويؤهلهم لاستنباط الأحكام الصحيحة للوقائع الجديدة من خلال النصوص المحدودة، ومن هنا يمكن القول بأنّ علم أصول الفقه سبيل شرعي من سبل بقاء الشريعة وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، كما أنّ من ثمرات دراسة علم أصول الفقه: إبعاد الخطأ عن المجتهد، وذلك بوضع الضوابط والعلامات على طريق الاجتهاد، فكما أن السائر في طريق يحتاج إلى الأدِلَّاء والدلالات، فالفقيه من باب أولى يحتاج إلى علم أصول الفقه، في الإخبار عن حكم الله، فليس سهلاً أن يحكم الفقيه في شرع الله تعالى ويقول: هذا حلال وهذا حرام، وهذا فرض وذاك مستحب إلا بوجود منهج صحيح للاستدلال، والاجتهاد، وهذا المنهج هو علم أصول الفقه، إن التبحر في دراسة علم أصول الفقه لاشك أنّ ذلك له دور عظيم في ضبط الفقه القديم والمستجد، وله أعظم الدور في بناء صرح الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة.
[المفتاح السابع]: الاهتمام بعلم القواعد الفقهية ودوره في الإلمام بعلم الشريعة الإسلامية الغراء، ودوره في بناء الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة: (القواعد الفقهية): هي القواعد التي صاغها الفقهاء، لجمع الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، وبيان أوجه الشبه بينها، ثم ربطها في عقد منظوم، يجمع شتاتها، ويؤلف بين أجزائها، ويقيم صلة القربى في أطرافها، لتصبح عائلة واحدة، وأسرة متضامنة، وهي القواعد الكلية الفقهية في الفقه الإسلامي، يحدثنا الإمام القرافي عن وجود هذه القواعد فيقول: (إن الشريعة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهي في غالب أمره ليس فيها إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم،، إلخ، والقسم الثاني: قواعد كلية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن كان يشار إليها هناك على سبيل الإجمال) أهــ، و(القواعد الفقهية): على درجات في العموم والشمول، ولذلك كانت القواعد الفقهية على أنواع: أهمها:
(1) القواعد الفقهية الأساسية الكبرى، التي تدور معظم مسائل الفقه حولها، حتى رد بعض العلماء الفقه كله إليها، وهي متفق عليها بين جميع المذاهب، وهي: (أ) الأمور بمقاصدها، (ب) اليقين لا يزول بالشَّك، (ت) المشقة تجلب التيسير، (ث) الضرر يزال، (ج) العادة مُحكمة.
(2) القواعد الكلية: وهي قواعد كلية مُسَلَّم بها في المذاهب، ولكنها أقل فروعاً من القواعد الأساسية، وأقل شمولاً من القواعد السابقة، مثل قاعدة: (الخراج بالضمان)، وقاعدة (الضرر الأشد يُدفَعُ بالضرر الأخف)، وكثير من هذه القواعد تدخل تحت القواعد الأساسية الخمس، أو تدخل تحت قاعدة أعم منها، ومعظمها نصت عليها مجلة الأحكام العدلية، وقد يدخل تحتها قواعد فرعية أيضاً، وأكثرها متفق عليها بين المذاهب.
(3) القواعد المذهبية: وهي قواعد كلية في بعض المذاهب دون بعض، وهي قسمان، (الأول): قواعد مقررة ومتفق عليها في المذهب، و (الثاني): قواعد مختلف فيها في المذهب الواحد، مثل قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني) فإنها أغلبية في المذهب الحنفي والمالكي، ولكنها قليلة التطبيق في المذهب الشافعي، وقاعدة (من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه) فهي كثيرة التطبيق في المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي، نادرة التطبيق عند الشافعية، ومثل قاعدة (الرخص لا تُنَاط بالمعاصي) فإنها شائعة عند الشافعية والحنابلة، دون الحنفية، وفيها تفصيل عند المالكية.
(4) القواعد المختلف فيها في المذهب الواحد، فتطبق في بعض الفروع دون بعض، وهي مختلف فيها في فروع المذهب الواحد، مثل: قاعدة (هل العبرة بالحال أو بالمآل)، فهي قاعدة مختلف فيها في المذهب الشافعي، ولها أمثلة كثيرة، ولذلك تبدأ غالباً بكلمة ” هل ؛ “، وقاعدة (هل النظر إلى المقصود أو إلى الموجود) عند المالكية، وقاعدة (القسمة، هل هي إفراز، أم بيع) عند الشافعية والحنابلة، وقد راعى العلماء هذا التنويع للقواعد في تقسيم الدراسة، وتصنيف القواعد.
وفي بيان فوائد القواعد الفقهية وأهميتها: قال القرافي: (وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، ومن جعل يخرّج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب)، إن دراسة الفروع والجزئيات الفقهية يكاد يكون مستحيلاً، بينما يدرس الطالب والعالم قاعدة كلية تنطبق على فروع كثيرة لا حصر لها، ويتذكر القاعدة ليفرع عليها المسائل والفروع المتشابهة والمتناظرة، ولذلك سمي هذا العلم أيضاً: علم الأشباه والنظائر، يقول العلامة السيوطي: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مرِّ الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر)، فهي تسهل ضبط الأحكام الفقهية، وحصرها، وحفظ المسائل الفرعية وجمعها، إنّ دراسة الفروع والجزئيات، إن حفظت كلها أو أغلبها، فإنها سريعة النسيان، ويحتاج الرجوع إليها في كل مرة إلى جهد ومشقة وحرج، أما القاعدة الفقهية فهي سهلة الحفظ، بعيدة النسيان، لأنها صيغت بعبارة جامعة سهلة تبين محتواها، ومتى ذكر أمام الفقيه فرع أو مسألة فإنه يتذكر القاعدة، مثل قاعدة ” لا ضرر ولا ضرار”، أو “الضرر يزال “، أو ” يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام “، أو ” الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة”، كما تساعد القواعد الكلية في إدراك مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة ؛ لأن مضمون القواعد الفقهية يعطي تصوراً واضحاً عن المقاصد والغايات، مثل “المشقة تجلب التيْسير”، أو “الرخص لا تناط بالمعاصي “، أو “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”، وغير ذلك من الفوائد والمنافع التي تحصل من دراسة القواعد الفقهية.
[المفتاح الثامن]: الاهتمام بدراسة الأنظمة الإسلامية وإدخال دراسة أنظمة الإسلام ضمن دراسة الفقه، وذلك لدوره في الإلمام بجوانب الشريعة الإسلامية الغراء، وبيان كمال هذا الدين القيم وعظمة شريعته، إنّ من أهم متطلبات التجديد الفقهي أنّ يولي فقهاء العصر أهمية بالغة لثلاثة علوم تتعلق بالفقه، وهي: علم أصول الفقه، وعلم القواعد الفقهية، وعلم الأنظمة والنظريات الفقهية الإسلامية، وهو العلم المشار إليه هنا، وإذا قلنا بأنّ الإسلام دولة، فمعنى ذلك أنّه قد وضع أسس وأصول وقواعد جميع النظريات والأنظمة الربانية الحكيمة التي يمكن أن تسير عليها دولة الإسلام، من نظريات وأنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية وتشريعية وتربوية تعليمية وعسكرية وشتى الأنظمة التي تحتاج إليها أعظم الدول وأكثرها تقدما، وإذا كان البشر قد وضعوا للدولة الحديثة شتى أنواع النظريات والنظم التي تسير حالها وتضبط أعمالها، فإننا لا يمكن أصلاً أن نقارن بين أنظمة الإسلام ونظرياته وبين النظم الوضعية ونظرياتها، وذلك لأنّ أنظمة الإسلام من عند الله تعالى، والنظم الوضعية من صنع البشر، فشتان بين نُظم إسلامية تقوم على أسس مستنبطة من شرع الله الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وبين نظم وضعية تقوم على أسس من وضع البشر المخلوق الذي لم يؤت من العلم إلا قليلا، قال تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109]، – وخشية التكرار – فإن الفصل السادس من هذا الكتاب (إشارة مختصرة إلى أهم مفاتيح علم أنظمة الفقه الشاملة، ودورها في الإلمام بعلم الشريعة، وقد اشتمل على مباحث: النظام السياسي في الإسلام، والنظام الاجتماعي في الإسلام، والنظام الاخلاقي في الإسلام، والنظام المالي (الاقتصادي) في الإسلام، والنظام التشريعي والجزائي في الإسلام، والنظام الرقابي الحسبي في الإسلام، والنظام التربوي والتعليمي في الإسلام، والنظام الجهادي (العسكري) في الإسلام، والنظام الإعلامي في الإسلام.
[المفتاح التاسع]: تجديد الاهتمام بدراسة علم السياسة الشرعية من منظور فقهي متوازن، وذلك من أجل الإلمام بجوانب الشريعة الغراء، وإدخال علم السياسة الشرعية داخل إطار علم الفقه من أجل التكامل المعرفي لجوانب الشريعة، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبيان حقوق كل منهما في اطار الشرع الحكيم دونما إفراط او تفريط، وهذه يحتاجها كل مسلم ولا شك، إنّ مسألة العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم في بلاد المسلمين هي من أشد المسائل التي سال من أجلها دماء في تاريخ الإسلام واستحلت محارم ما كان ينبغي لها أن تستحل يعرف ذلك كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام، ولما كانت هذه المسألة تحتاج إلى فقه عظيم بدين الله تعالى، لأنها من أشد مسائل الفقه إشكالاً على طلاب العلم حتى إنه لم يسلم من الخطأ فيها بالغلو أو التفريط الكثير ممن ينتسب إلى العلم، ولما كانت هذه المسألة تؤثر كثيراً على عمل الدعاة والمحتسبين والمجاهدين وعلى كافة التيارات الإسلامية العاملة في مجال النهوض بالإسلام بسبب موقعها الحساس والمتعلق بالأنظمة الحاكمة لديار المسلمين، ولما كانت حاجة جميع المهتمين بالإسلام علماً وعملاً في هذه الأزمان شديدة إلى العلم بتلك القواعد والعمل بها من أجل تصحيح جميع المسارات الدعوية والتعليمية والتربوية والحسبية والجهادية العاملة لدين الله، – وخشية التكرار – فقد اشتمل الفصل الخامس من هذا الكتاب على أهم مباحث علم السياسة الشرعية، وقد افردت له كتابي السابع من سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، مفاتيح علم السياسة الشرعية ، واهم مباحث هذا الكتاب: بيان أهمية هذا الموضوع، وذكر الآيات من كتاب الله تعالى في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم، مع تفسيرها، وذكر الأحاديث في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وشرح تلك الأحاديث، ومباحث القواعد التي تضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، ومباحث القواعد التي تضبط واجبات الحكام تجاه الإسلام والمسلمين، ومباحث القواعد الفقهية التي تضبط العلاقة الشرعية بين النظام الحاكم والمحكوم، من بيان حدود طاعة الحاكم المسلم، وحدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، وأحكام الخروج على الحاكم المسلم، واستعنت بالله تعالى واجتهدت ما استطعت في إخراج هذا الكتاب تأصيلاً للمسألة واسهاماً في بيان الحق وأرجو من الله تعالى أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء، ومبحث: دور هذا العلم في التجديد الفقهي المنشود،
[المفتاح العاشر]: مبادئ الإصلاح والتجديد المنشود في علم الفقه الإسلامي: وتتمثل تلك المبادئ في: (1) إحياء جهود علماء المذاهب الاربعة وربطها بالأدلة، (2) عدم التعصب والمفاضلة بين المذاهب الأربعة المتخصصة على سبيل الصواب والخطأ فجميعها يعبر عن الجامعة الفقهية لأقوال فقهاء أهل السنّة والجماعة، (3) احترام جهود المجتهدين من علماء أهل السنّة والجماعة خارج إطار المذاهب الاربعة والاستفادة منها في أمور التيسير على المسلمين ولكن لا يصح تعميمها على الأمة لكونها لا تمثل المنهاج العام للتخصص الفقهي عند اهل السنّة، (4) تجديد الاهتمام بأصول الفقه ودراسته وفهم وجهات نظر الفقهاء حول ادلته، (5) تجديد الاهتمام بالفقه المقارن بين مدارس الفقه المتخصصة وتقبل وجهات نظر أصحابها في إطار الجامعة الفقهية لأقوال فقهاء أهل السنّة والجماعة، (6) تجديد الاهتمام بالقواعد الفقهية الضابطة للفقه وضرورة إلمام الفقيه بها لما لها من فوائد جليلة في ضبط الآراء الفقهية وتصويبها، (7) تجديد الاهتمام بدراسة النظريات الإسلامية الفقهية المتكاملة، مع ضرورة إدخال دراسة أنظمة الإسلام ضمن دراسة الفقه، وهي تشمل النظام السياسي في الإسلام، والنظام الاجتماعي في الإسلام، والنظام الاخلاقي في الإسلام، والنظام المالي (الاقتصادي) في الإسلام، والنظام التشريعي والجزائي في الإسلام، والنظام الرقابي الحسبي في الإسلام، والنظام التربوي والتعليمي في الإسلام، والنظام الجهادي (العسكري) في الإسلام، والنظام الإعلامي في الإسلام، (8) تجديد الاهتمام بدراسة علم السياسة الشرعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبيان حقوق كل منهما في اطار الشرع الحكيم دونما غلو أو تقصير، ودونما إفراط او تفريط، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
الفصل الثالث
إشارة مختصرة إلى أهم مفاتيح
علم أصول الفقه الإسلامي
ودورها في الإلمام بعلم الشريعة الإسلامية
وأكثره مستفادة من كتاب أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف
[المفتاح الأول]: (أصول الفقه) : (أصول الفقه): هي الأسس والقواعد التي يُبنى عليها الفقه، و(الفقه): هو العلم بالأحكام الشرعية العملية (أحكام العبــادات والمعاملات) المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وعلى ذلك: (أصول الفقه): هو العلــم بالقواعـد والأدلـة الإجماليـة التـي تستنبط منها الأحكـام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية منها أربعة مصادر متفق عليها عند فقهاء أهل السنّة والجماعة وتشمل: (1) القرآن، (2) السنّة، (3) الإجماع، (4) القياس، وثمانية مصادر مختلف فيها عندهم وتشمل: (5) الاستحسان، (6) الاستصحاب، (7) الاستصلاح أو المصالح المرسلة، (8) العــرف، (9) مذهب الصحابــي، (10) عمل أهل المدينة، (11) شرع من قبلنا، (12) سد الذرائع.
[المفتاح الثاني]: (أهم موضوعات أصول الفقه): علم أصـول الفقـه يبحث في الأدلة الإجمالية التي تستنبط منها هذه الأحكام، فيميز بين الدليل الشرعي وغيره، ويميز مراتب الأدلة لمعرفة ما يقدم منها وما يؤخر، ثم إنه يبحث في قواعد استنباط الأحكام من الأدلة أي الطرق التي يجب أن يتبعها الفقيه ليستنبط الأحكام من الأدلة التفصيلية، كما أنّه يتناول البحث في خمسة موضوعات رئيسية، وهى: الحاكم، والحكم، والمحكوم به، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه، فالحاكـم: هو الله سبحانه وتعالى، فمنه وحده تعرف الأحكام وأدلتها، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} [يوسف: 40]، والرسول صلى الله عليه وسلم يبيّن ما شرعه الله، كما في قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم} [النحل: 44]
وأما الحكم: فهو خطاب الله سبحانه وتعالى المتعلق بأفعال المكلفين وأقسامه خمسة هي: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح.
وأمـا المحكــوم به: فهي الأدلــة الشرعيـة وهي عشرة، منها أربعة متفق عليها وهى: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأدلة أخرى مختلف في حجيتها، وهي: الاستصحاب والاستحسان وعمل الصحابي والعرف والمصالح المرسلة وسد الذرائع وشرع من قبلنا، على تفصيل لها في كتب الفقه وأصوله.
وأما المحكوم فيه: فهو فعل المكلَّف من حيث الصحة والفساد ومن حيث الأسباب والشروط والموانع. وأما المحكوم عليه: فهو المكلَّف نفسه، وفي هذا يتم البحث في الأهلية، وعوارض الأهلية المسقطة للحكم أو المغيّرة له.
كما يبحث علم الأصول في أربعة أبواب:
[الأول]: الأحكام: وتشمل مباحث الأحكام التكليفية والوضعية، والأحكام التكليفية: هي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير، فالمراد (بالطلب) هو طلب الفعل أو طلب الترك، وطلب الفعل: أما أن يكون طالباً جازماً كالواجب، وأما طلباً غير جازماً كالمندوب، وطلب الترك: أما أن يكون طالباً جازماً بالترك كالحرام وإما طلباً للترك جازماً غير جازم كالكراهة، والمراد (بالتخيير) التسوية بين الفعل والترك كالمباح، وعلى ذلك فإنّ أقسام الحكم التكليفي خمسة هي: الواجب ويسمى (الفرض أو الحتم أو اللازم) والمندوب ويسمى (السنّة أو المستحب أو النفل أو التطوع)، والمحرم ويسمى (المحظور أو الممنوع)، والمكروه، والمباح ويسمى (الحلال أو الجائز)، والأحكام الوضعية: هي خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو صحيحاً، أو فاسداً، وسميت وضعية لأنّها موضوعة من قبل الشارع فهو الذي قرر مثلاً أن السرقة سبب لقطع اليد، والوضوء شرط لصحة الصلاة، وقتل الوارث مورثه مانع من الإرث، وتنقسم إلى خمسة أقسام هي: السبب، والشرط، والمانع، والصحة، والفساد، وألحق علماء الأصول بالأحكام الوضعية أقساماً أخرى: كالقضاء والأداء والإعادة، والرخصة والعزيمة، و لوازم الحكم الشرعي من التحسين والتقبيح، وأحكام التكليف وشروطه العائدة إلى الفعل، وشروطه العائدة إلى المكلف.
[الثاني]: الأدلة، وتشمل أدلة الاستدلال ومصادر التشريع المتفق عليها: كالقرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والمختلف فيها كالاستصحاب والاستصلاح والاستحسان وقول الصحابي وعمل أهل المدينة وشرع من قبلنا والعرف.
[الثالث]: قواعد الاستدلال ودلالات الألفاظ وطرق الاستنباط منها، ويشمل مباحث: دلالات النصوص وما يفهم من عبارتها، أو إشارتها، أو دلالتها، أو اقتضائها، وحكم مفهوم المخالفة، كما يتناول مباحث الواضح الدلالة من النصوص كالظاهر والنص والمفسر والمحكم، وغير الواضح الدلالة ومراتبه كالخفي والمشكل والمجمل والمتشابه، ومباحث المشترك ودلالته واللفظ العام ودلالته، واللفظ الخاص ودلالته، والفظ المطلق ودلالته، واللفظ المقيد ودلالته وغير ذلك من مباحث الاستدلال ودلالات الألفاظ .
[الرابع]: المستدل ويشمل مباحث الاجتهاد والتقليد، وطرق الجمع والترجيح بين الأدلة،
[المفتاح الثالث]: الفرق بين علم الفقه وعلم أصول الفقه: علم الفقه: يبحث في الأدلة التفصيلية وأفعال المكلفين، أمّا علم أصول الفقه: فإنّه يبحث في الأدلة الإجمالية واستنباط الأحكام الشرعية منها، والفقيه: هو الذي يبحث في أدلة الفقه الجزئية ليصل من خلال ذلك إلى معرفة حكم من الأحكام الشرعية العملية، والأصولي: هو الذي يبحث عن القواعد الكلية , والأدلة الإجمالية من حيث دلالتها على الحكم الشرعي.
[المفتاح الرابع]: أهمية دراسة علم أصول الفقه: الغاية من دراسة أصول الفقه تتمثل في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الأصلية، ولكن أهمية دراسة علم أصول الفقه تتمثل في: ضبط أصول الاستدلال وذلك ببيان الأدلة الصحيحة، والتعرف على الأصول التي بنيت عليها الأحكام الشرعية، ومعرفة الطريقة التي استنبط بها الأئمة المجتهدون أحكامهم والمقدرة على مقارنة آرائهم ومذاهبهم، والتمكن من الحصول على قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أساس سليم، وتيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء والتماس الأعذار لهم، وبيان ضوابط الفتوى وشروط المفتي وآدابه، والوقوف على سماحة الشريعة ويسرها , كما يفيد هذا العلم القيم المجتهدين في تطبيق قواعده ونظرياته الكلية على الأدلة التفصيلية، وبالتالي القدرة الصحيحة على استنباط الأحكام الشرعية بواسطة الأمور الاجتهادية كالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو الاستصلاح أو غيره، ويحميهم من التناقض، ويؤهلهم لاستنباط الأحكام الصحيحة للوقائع الجديدة من خلال النصوص المحدودة، ومن هنا يمكن القول بأنّ علم أصول الفقه سبيل شرعي من سبل بقاء الشريعة وجعلها صالحة لكل زمان ومكان.
[المفتاح الخامس]: استمداد علم أصول الفقه: علم أصول الفقه ليس علماً مستقلاً بذاته، بل هو في حقيقته علم يستمد وجوده من عدة علومٍ قد صيغت وألفت بشكل معين، لكي تخدم علوم الفقه، ولكي تعين الفقيه المجتهد على إصابة حكم الله في مسائل الفقه، وأهم تلك العلوم: (علوم اللغة العربية): وعلوم اللغة العربية عديدة منها النحو، والصرف، والبلاغة، واللغة، والمعاني، والبيان، والبديع، والأدب وهي ضرورية لفهم معاني الكتاب والسنّة، و(علم العقيدة) أو علم التوحيد، أو علم الكلام، أو علم أصول الدين، ويتناول: معرفة البارئ سبحانه وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وثبوت نبوته عليه الصلاة والسلام، و(علوم الكتاب والسنّة) إذ عن طريقهما يعرف استعمال الشارع الحكيم للغة، ومنهما نفهم كيفية تطبيق الرسول عليه السلام للنصوص الشرعية، ومدى مراعاته لتبدل الأحوال واختلاف الحكم باختلاف الزمان والشخص والمكان، و(علم الفقه نفسه)، وذلك لأنّ الأصولي يحتاج إلى أحكام الفقه المستنبطة في هذا المذهب أو ذاك لأجل الاستشهاد بها، ومعرفة طرق الوصول إليها، و(العلوم البشرية التي تؤدي إلى الدقة في وضع القواعد) وهو مما يجعل الذهن متفتحاً ومتقبلاً لكل ما يعين الذهن على التفكير السليم، والاستقامة فيه، ومن ذلك: علم المنطق، وهو وإن كان في الأصل من علوم الفلاسفة اليونان، إلا أنّ المسلمين ترجموه واستفادوا منه، وأضفوا عليه صبغتهم الإسلامية، وهو علم كالحساب والرياضيات ينظم الأفكار، ويبعدها عن الخطأ، ويقربها من الصواب، وقد وضعوه بالملاحظة والتتبع، فأحكمت قوانينه، حتى أن كثيراً مما فيه ليقول به العقل السليم من غير تعلمٍ، كما أنّه علمٌ يرتب الأفكار ترتيباً منسقاً، ويساعد على استدعائها وقت الحاجة، وهو بالتالي: آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ، وتعينه على الوصول إلى الصواب، ومنه أيضاً: علم الجدل وعلم آداب البحث والمناظرة، لأنّه علم يجعل الأصولي قادراً على المحاكمة بين الآراء، وترجيح ما يترجح، والقـدرة على ردِّ المخالف من أهل العناد، وفضح تلبيساتهم، وطريقة المناظرة من حق السائل وحق المجيب، ومتى يعتبر المناظر نفسه قد أفحم الخصم، أو قد أُفحم وانقطع، ورحم الله تعالى القائل ” لو ناظرني عالم لغلبته، ولو ناظرني جاهل لغلبني “، وذلك لأنّ الجاهل لا يفهم ما تقول له، وإذا فهم لا يقتنع، ولا ينقطع ولا يدرى متى يعتبر نفسه قد أفحم الخصم، أو قد أُفحم وانقطع.
[المفتاح السادس]: نشأة علم أصول الفقه وتطوره: لقد كان علم أصول الفقه موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يدون ودليل ذلك حديث معاذ رضي الله عنه عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له: بم تقضي يا معاذ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال: بسنة رسول الله قال: فإن لم تجد قال أجتهد رأي ولا آلو، فضرب رسول الله على صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يجتهدون ويتصدون للقضاء والإفتاء ومنهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب ولم تكن فتواهم عن هوى أو بغير قيد ولا ضابط بل كانت لهم معرفة تامة بعلوم اللغة العربية ودراية كاملة بأسباب النزول ومعرفتهم بأسرار التشريع بسبب مصاحبتهم وملازمتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مصادر التشريع لديهم هي: الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد، ومن الأدلة على أن الصحابة كانوا يأخذون بالاجتهاد أن الصحابي علي بن أبي طالب رضي الله عنه جعل حد شارب الخمر ثمانين جلدة كحد القذف ويدل على ذلك قوله: (أرى أن من شرب سكر ومن سكر هذي ومن هذي افترى، فأرى عليه حد القذف)، وكذلك عبد الله بن مسعود في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، أن عدتها بوضع الحمل ويستدل على ذلك من قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} فهذه الآية نسخت الآية التالية من قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}، لأنّ سورة الطلاق نزلت بعد سورة البقرة، وهذا يشير إلى قاعدة من قواعد الأصول، وهي أن النص اللاحق ينسخ النص السابق، كما كان التابعون وتابعو التابعين يجتهدون في استنباط الأحكام في الوقائع والحوادث المستجدة، لأنّهم كانوا يرون أن أكثر الأحكام الشرعية معقولة المعنى وأن جميع الأحكام شرعت لمصالح العباد فكانوا يأخذون بالرأي، ومنهم – على سبيل المثال – ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك، والأسود، وعلقمة وابراهيم النخعي وحماد بن سلمة شيوخ الإمام أبي حنيفة، وتبلور علم أصول الفقه في عصر الأئمة المجتهدين، فإنّ الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يسير على منهاج أصولي واضح من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، وكان يحدد منهجه في استنباط الأحكام فيقول: (آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده أخذت بسنه النبي والآثار الصحاح عنه التي فشت إليها أيدي الثقات)، وكان رحمه الله ببحثه عن العلل حيث لا نص، وصرح بأنه لا يخرج عن مجموع آراء الصحابة إن كان لهم رأيٌّ في المسألة، فإن لم يكن لهم رأيٌّ وآل الأمر إلى اجتهاد التابعين، فقد فقال: هم رجال وأنا رجل، وصرح بعدم عمله بخبر الواحد في حالة كون الراوي غير فقيه وقد رواه بالمعنى، وأنه لا يأخذ به إذا خالف أصلاً من الأصول المعروفة من الشرع، أو خالفه عمل الراوي، وأخذ بالاستحسان فضلاً عن القياس، وكان مالك بن أنس رحمه الله يسير على منهاج أصولي واضح من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وعمل أهل المدينة وقول الصحابة، وكان يتوسع في باب والمصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرها، وهكذا كانت للفقهاء الاكابر أصولاً ينطلقون منها نحو الاجتهاد، ولكن لم تكن مدونة باستقلال عن علم الفقه حتى جاء الشافعي رحمه الله، فكتب الله تعالى على يديه ظهور هذا العلم وتدوينه وتأصيله، فكان عالم قريش الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه يملأ طباق الأرض علما.
[المفتاح السابع]: الإمام الشافعي يؤصل ويدون علم أصول الفقه: كان أول من دون في علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي، قال ابن خلـدون في مقدمته: (اعلم أن هذا الفن – أي علم أصول الفقه – من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غِنْيَةٍ عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يُحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصا فمنهم أخِذَ معظمها، وأما الأسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النَّقَلَة وخبرتهم بهم، فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبوها فناً قائما برأسه سمّوه أصول الفقه، وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس، ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون (فقهاء الشافعية) أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها أَمَسُّ بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية والمتكلمون يجردون صــور تلك المســائل على الفقــه ويميلــون إلى الاســتدلال العقلــي ما أمكــن لأنه غالــب فنونهم ومقتضى طريقتهم) أهـ([245]) .
ومن فوائد هذا النقل معرفة أنّ أول من تكلم فيه الشافعي، والثانية أنّه بعد الشافعي ظهرت طريقتان لتدوين هذا العلم: الأولى طريقة (الفقهاء) وتشمل فقهاء الحنفية، والثانية طريقة (الأصوليين) وهم جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة.
[المفتاح الثامن]: ظهور علم أصول الفقه على يد الإمام الشافعي: أول من تكلم وألف في علم أصول الفقه كعلم مستقل هو الشافعي، وأهم ما كتبه الشافعي في أصول الفقه كتابه: (الرسالة) تكلم فيها في الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وحجية كل منها، وتكلم في الأوامر والنواهي والبيان والنسخ وخبر الآحاد وحكم قول الصحابي وغيرها من مسائل أصول الفقه، وكتــاب (ابطــال الاستحســان) كتبه للرد على فقهاء الحنفية في اعتبار أنّ الاستحسان أصل من أصول التشريع، وكتاب (اختـلاف مالك) كتبه للرد على فقهاء المالكية في استدلالهم بعمل أهــل المدينــة، وتقديمه على الحديث الصحيح بحجة أنه ليس عليه العــمل، وفي هذا قال الإمام فخر الدين الرازي (ت606هـ): (كانوا قبل الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كليّ مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانوناً كلياًّ يُرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع”([246]) .
[المفتاح التاسع]: منهج الإمام الشافعيِّ في أصول الفقه: لقد نشأ الإمام الشافعي في البادية، وهو عربيٌّ قرشي، فكان عارفاً بأساليب العربية وخفاياها، متفقهاً فيهاً أيّما تفقهٍ، فكان كلامه في اللغة العربية حجةٌ يعتد به مع أن عصر الاستشهاد اللغوي قد اقتصر قبله على عصر الجاهلية وعصر المخضرمين، ومع تمكنه في اللغة، جمع الله تعالى له مناهج الأصول التي سبقته، منهج مدرسة أهل العراق المتمثلة بمدرسة أبي حنيفة، ومنهج مدرسة أهل المدينة المتمثلة بمدرسة الإمام مالك، فهو قد درس على يد الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة ومحرر مذهبه، ودرس على الإمام مالك نفسه في المدينة المنورة وعاد إلى العراق، ثم ذهب إلى مصر فاستقرت أصوله هناك، وألف كتابه الرسالة، وتناول فيها: حجية الكتاب والسنة، ومنزلة الفقه من القرآن، وطرق إثبات السنة، والاحتجاج بخبر الواحد، والناسخ والمنسوخ، والدلالات اللفظية، من العام والخاص والمشترك والمفصل والمجمل، وبيَّن حقيقة الإجماع وحجيته، وضبط القياس، ورتب كلَّ ذلك ترتيباً علميَّاً، وتكلم عن الأدلة المجمع عليها، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، كما كان له كتبٌ أخرى في الأصول، منها: [جِماع العِلم]، و[إبطال الاستحسان]، وهذا كله دفع بعلم أصول الفقه إلى الظهور، وبعد الشافعي – كما ذكرنا – ظهرت طريقتان لتدوين هذا العلم: الأولى طريقة (الفقهاء) وتشمل فقهاء الحنفية وهى تعتمد على تدوين أصول الفقه بالتبعية للفقه، والثانية طريقة (الأصوليين) وهم جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وهى تعتمد على التدوين المستقل لأصول الفقه اعتماداً على الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية والبراهين النظرية، بدون النظر في موافقه هذه الأصول للأحكام الفقهية المدونة من عدمه، وسميت هذه الطريقة بطريقة المتكلمين.
[المفتاح العاشر]: طرق تدوين أصول الفقه بعد الشافعي: ثلاث طرق، (الأولى) تخص فقهاء الحنفية، و(الثانية) تخص جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة)، و(الثالثة) تجمع بين الطريقتين السابقتين، الطريق الأولى، طريقة فقهاء الحنفية: وهى تعتمد على تدوين أصول الفقه بالتبعية للفقه، حيث قام أصحاب هذه الطريقة باستخراج الضوابط والقواعد الأصولية بطريق الاستقراء والتتبع للأحكام الفرعية التي دونها فقهاء الحنفية في كتب الفقه، فجمعوا القواعد الأصولية التي اعتبرها أئمة المذهب في استنباطهم للأحكام الفقهية، فكان تدوين الأصول بهذه الطريقة تابعا لتدوين الفقه ومستنبطاً منه، ومن أهم مؤلفات هذه الطريقة: كتاب (أصول الجصّاص) لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص: (ت 370 هـ)، وكتاب (أصـول البـزدوي) المسمى (كنز الوصول إلى معرفة الأصول) لفخر الإسلام البزدوي: (ت 482 هـ)، و كتــاب (أصــول السرخسي) لشمس الأئمة السرخسي: (ت 490 هـ)، ومن أبرز فوائد تلك الطريقة: أنّها ألصق للفقه تربط الأصول بالفروع، ولها أثر عظيم في التفكير الفقهي، باعتبار أن أصولهم ما هي إلاَّ دراسة تطبيقية واقعيَّة لفقههم وليس دراسة نظرية مجردة، كما أنّ هذه الطريقة تكون ضابطة لجزئيات المذهب وفروعه، وهذا يعين فقهاء المذهب على استخراج أحكام ما يجدُّ من مسائل، وهو مسلك بعث في القواعد الأصولية حيويةً وحياةً، وقد ربطتها مع الأصول رابطة نسب وقرابة، ولكن من عيوبها أنّها تؤدي إلى الإكثار من ذكر الفروع الفقهية، وقد تؤدي إلى تناقض القواعد في بعض الأحيان لارتباطها الوثيق بالجزئيات، والطريقة الثانية هي طريقة المتكلمين: وهم جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة): وهى تعتمد على التدوين المستقل لأصول الفقه اعتماداً على الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية والبراهين النظرية، بدون النظر في موافقه هذه الأصول للأحكام الفقهية المدونة من عدمه، ثم جعل هذه الأصول المدونة استقلالا حاكمة على طرق استنباط المجتهدين بالصواب أو بالخطأ، فكان تدوين الأصول بهذه الطريقة مستقلا عن تدوين الفقه، ومن أهم مؤلفات هذه الطريقة: كتاب (التقــريب والإرشــاد) للقاضي أبي بكر الباقلاني (محمد بن الطيب) المالكي: (ت 403 هـ)، وكتــاب (البرهــان) لإمــام الحرمين أبي المعالي الجويني: (ت 478 هـ)، وكتـاب (المستصفى) لأبي حامد الغزالي: (ت 505 ه)، وكتاب (التبصرة)، وكتاب (اللمع) كلاهما لأبي إسحاق الشيرازي: (ت 476 ه)، وكتاب (المحصول في أصول الفقه) لفخر الدين الرازي: (ت 606 هـ)، وكتاب (الإحكام في أصول الأحكام) لسيف الدين الآمدي: (ت 631 ه)، وكتاب (مختصــر الأصـول) لأبي عمرو بن الحاجب: (ت 646هـ)، وكتــاب (شــرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول) لشهاب الدين القرافي: (ت 684 ه)، وكتاب (المنهــاج) المسمى (منهاج الوصول إلى علم الأصول) للقاضي عبدالله بن عمر بن محمد بن البيضاوي الشيرازي: (ت 685هـ) ومن شروحه: (الإبهاج بشرح منهاج الوصول للبيضاوي) لتاج الدين عبدالوهاب السبكي: (ت 771 هـ)، وكتاب (نهاية الســول شــرح منهــاج الوصــول للبيضــاوي) لجمال الدين الإسنوي: (ت 772 هـ)، ومن شروحه: كتاب (سلم الوصول لشرح نهاية السول) لمحمد بخيت المطيعي، ومن أهم مميزات تلك الطريقة: الاستدلال العقلي السديد، والبعد عن مسالك الفروع، وعدم التعصب للمذهب، والإقلال من الفروع الفقهية، وتسلم من التناقض لأنّها تبدأ بالكل وتنتقل إلى الجزء، وأنّها شاملة لكافة مسائل أصول الفقه، أما عيوبها فتتمثل في فصل علم أصول الفقه عن الفقه، وبالتالي صعوبة استيعاب العلم بمفرده، والطريقة الثالثة: وهي طريقة الجمع بين الطريقتين السابقتين، ومن أهم مؤلفات هذه الطريقة: كتاب (بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام) لمظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي الحنفي: (ت 649 هـ)، وجمع فيه بين كتابي (أصول البزدوي) و(الإحكام) للآمدي، وكتاب (المنار في أصول الفقه) لأبي البركات حافظ الدين النسفي الحنفي: (ت 710ه)، وكتاب (جمع الجوامع) في الأصول، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي الشافعي: (ت 771 هـ)، ومن شروحه: (البدر الطالع في حل جمع الجوامع) لجلال الدين المحلي الشافعي: (ت 864 ه)، وكتاب (البحر المحيط) في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي: (ت 794ه)، وكتاب (التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية) لكمال الدين بن الهمام الحنفي: (ت 861 ه)، ومن شروحه: (التقرير والتحبير) شرح التحرير، لابن أمير الحاج: (ت 879 هـ)، وكتاب (تيسير التحرير) شرح التحرير، لمحمد أمين الحسيني: (ت 987 هـ)، وكتاب (مسلــم الثبــوت) لمحب الله بن عبدالشكور: (ت 1119 ه)، وشرحه (فواتح الرحمــوت بشــرح مسلم الثبوت) لعبد العلي محمد بن نظام الدين، (تنبيه) هناك المستقلون الذين لم يتقيدوا بطريقة من الطرق السابقة، وإنما كتبوا في الأصول مجتهدين بآرائهم، ومنهم ابن حزم الظاهري (ت 456 هـ)، ومن كتاباته في الأصول: كتابه (الإحكام في أصــول الأحكـام) تكلم فيه على إبطال القياس كله على مذهبه الظاهري، والجمهور على خلافه، ولا يعتدون بخلافه، والشوكاني (محمــد بن علي): (ت 1250 هـ)، والشوكاني مستقل لا يتقيد بطريقة أحد من الأئمة المجتهدين الكبار، وقد تأثر كثيرا بابن حزم فلم يسلم من شذوذه، (وهذا للتنبيه على عدم متابعة شواذه عند مطالعة كتبه، وإن كان أخف من ابن حزم الظاهري، ومن كتاباته: (إرشــاد الفحـول إلى تحقيــق الحــق من علم الأصول).
[المفتاح الحادي عشر]: جهود المتأخرين في بيان وتدوين علم أصول الفقه: وهي الكتابات التي ظهرت في نهاية القرن الثالث عشر الهجري، وإلى يومنا هذا، وأهم ما يميزها أنّها كُتبت بأسلوب تبسيطي حديث يُناسب صياغته اللغة التي شاعت في العصور المتأخرة، كما نحى هؤلاء منحى الجمع بين الطرق البحثية المختلفة في الأصول، فلا تكاد تجد منهجاً معينا ثابتا في اقتباسهم، ونادراً ما ينسبون الرأي لأربابه، بل يكتبون بما يرونه مقبولاً أو مفهوماً، وقد يختارون: ما يرونه مناسباً لظروف زمانهم، ومن تلك المؤلفات: (أصول الفقــه) للشيخ محمد الخضري بك، و(علم أصول الفقه) للشيخ عبدالوهاب خلاف، و(أصول الفقه) للشيخ محمد أبو زهرة، و(أصول الفقه) للشيخ علي الخفيف، و(أصول الفقه) للشيخ حمدي الأعظمي البغدادي، و(الوجيز في أصول الفقه) للشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان، و(أصول الفقه) للشيخ الدكتور مصطفى الزرقا، و(أصول الفقه) للشيخ الدكتور محمد وهبة الزحيلي، كما أنّ من أبرز من تكلم في بعض مباحث علم أصول الفقه وممن ساهموا في هذا الاتجاه العلامة المحدث عبد الله بن الصديق الغماري، وقد أهله لذلك تعلمه من علماء لا يحصون كثرة فأتقن فنونا كثيرة قلما تجتمع لواحد في عصره، منها علوم اللغة والبلاغة، والفقه المالكي والشافعي، والأصول والمنطق، والتفسير والحديث والمصطلح، وعلوم العقيدة، وغير ذلك من العلوم مما أهله لتحقيق بحوث مهمة في أصول الفقه، بصورة تأصيلية جديرة بالاهتمام، مثل مبحثه القيم في رسالته “حسن التفهم والدرك لمسألة الترك ” ومقصده: أن كل فعل تركه النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يقم به لا يدل ذلك على حرمته، كما تعرض لنفس القاعدة وهو يحقق مفهوم البدعة في كتابه النافع: ” إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة “، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل كل المباحات ؛ لأنها كثيرة لا يستطيع أحد أن يستوعبها، فضلا عن أن يتناولها، وذكر أنّ من زعم تحريم شيء بدعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله فقد ادعى ما ليس عليه دليل، وكانت دعواه مردودة، وذكر أنّ من لأدلة على ذلك حديث خالد بن الوليد، وهو متفق عليه، حين ترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأكل من الضب حصل عند خالد شبهة في تحريمه فسأل النبي فكان جوابه مؤيدا للقاعدة ومؤكدا لعمومها، كما أن في الحديث أيضا دليلا على أن استقذار الشيء لا يدل على تحريمه، إلى جانب أدلة كثيرة ذكرها في رسالتيه: ” حسن التفهم والدرك لمسألة الترك “، و ” إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة “، كما أنّ له فوائد كثيرة في علم أصول الفقه، يعلمها من تتبع مؤلفاته القيمة.
[المفتاح الثاني عشر]: ثمرة علم أصول الفقه: هي إبعاد الخطأ عن المجتهد، وذلك بوضع الضوابط والعلامات على طريق الاجتهاد، فكما أن السائر في طريق يحتاج إلى الأدِلَّاء والدلالات، فالفقيه من باب أولى يحتاج إلى علم أصول الفقه، في الإخبار عن حكم الله، فليس سهلاً أن يحكم الفقيه في شرع الله تعالى ويقول: هذا حلال وهذا حرام، وهذا فرض وذاك مستحب إلا بوجود منهج صحيح للاستدلال، والاجتهاد، وهذا المنهج هو علم أصول الفقه.
[المفتاح الثالث عشر]: دور علم أصول الفقه المقارن في بناء الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة: إنّ الغاية من دراسة أصول الفقه تتمثل في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الأصلية، ولكن أهمية دراسة علم أصول الفقه تتمثل في: ضبط أصول الاستدلال وذلك ببيان الأدلة الصحيحة، والتعرف على الأصول التي بنيت عليها الأحكام الشرعية، ومعرفة الطريقة التي استنبط بها الأئمة المجتهدون أحكامهم والمقدرة على مقارنة آرائهم ومذاهبهم، والتمكن من الحصول على قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أساس سليم، وتيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الحكم، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء والتماس الأعذار لهم، وبيان ضوابط الفتوى وشروط المفتي وآدابه، والوقوف على سماحة الشريعة ويسرها , كما يفيد هذا العلم القيم المجتهدين في تطبيق قواعده ونظرياته الكلية على الأدلة التفصيلية، وبالتالي القدرة الصحيحة على استنباط الأحكام الشرعية بواسطة الأمور الاجتهادية كالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو الاستصلاح أو غيره، ويحميهم من التناقض، ويؤهلهم لاستنباط الأحكام الصحيحة للوقائع الجديدة من خلال النصوص المحدودة، ومن هنا يمكن القول بأنّ علم أصول الفقه سبيل شرعي من سبل بقاء الشريعة وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، كما أنّ من ثمرات دراسة علم أصول الفقه: إبعاد الخطأ عن المجتهد، وذلك بوضع الضوابط والعلامات على طريق الاجتهاد، فكما أن السائر في طريق يحتاج إلى الأدِلَّاء والدلالات، فالفقيه من باب أولى يحتاج إلى علم أصول الفقه، في الإخبار عن حكم الله، فليس سهلاً أن يحكم الفقيه في شرع الله تعالى ويقول: هذا حلال وهذا حرام، وهذا فرض وذاك مستحب إلا بوجود منهج صحيح للاستدلال، والاجتهاد، وهذا المنهج هو علم أصول الفقه، إن التبحر في دراسة علم أصول الفقه لاشك أنّ ذلك له دور عظيم في ضبط الفقه القديم والمستجد، وله أعظم الدور في بناء صرح الجامعة الفقهية الكبرى لأهل السنّة والجماعة.
[المفتاح الرابع عشر]: أهم مباحث علم أصول الفقه: لقد طالعت كتباً عديدة في أصول الفقه، وكان من أحسنها أسلوباً وعرضاً وشمولاً كتاب علم أصول الفقه للشيخ العلامة: عبد الوهاب خلاف (ت: 1375هـ)، فآثرت في هذه النبذة الموجزة عن علم أصول الفقه أنّ أنقل أهم مباحث الكتاب مع حذف تلك المتعلقة بالقوانين الوضعية، وما ذاك إلا لكونها من وضع البشر، ولا ينبغي ضم المعصوم المُعجز من شرع الله عز وجل إلى غيره مما يدل على كمال التشريع الإلهي ونقص تشريع البشر، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، وعلى ذلك فكل ما حوته تلك القاعدة هو ما جاء في كتاب أصول الفقه للشيخ العلامة عبد الوهاب خلاف رحمه الله، وقد وجدت أنّ كتابه حوى فكرة متكاملة عن أغلب مباحث أصول الفقه طرزها بالكثير من القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، وكمال التشريع الإلهي وعدالته ورعايته لمصالح البشر، وقد اشتمل كتابه على أربعة أقسام:
(القسم الأول): في الأدلة التي تستمد منها الأحكام الشرعية، وفي هذا القسم تتجلى سعة المصادر التشريعية في الشريعة الإسلامية ومرونتها وخصوبتها وصلاحيتها للتقنين في كل عصر ولكل أمة، و(القسم الثاني): في مباحث الأحكام الشرعية الأربعة، وفي هذا القسم تظهر أنواع ما شرع في الإسلام من الأحكام، ويتجلى عدل الله ورحمته في رفع الحرج عن المكلفين وإرادة اليسر بهم.
و(القسم الثالث): في القواعد الأصولية اللغوية التي تطبق في فهم الأحكام من نصوصها، وفي هذا القسم تظهر دقة اللغة العربية في دلالتها على المعاني ومهارة علماء التشريع الإسلامي في استثمارهم الأحكام من النصوص، وسبلهم القويمة في إزالة خفائها وفي تفسيرها وتأويلها.
و(القسم الرابع): في القواعد الأصولية التشريعية التي تطبق في فهم الأحكام من نصوصها، وفي الاستنباط فيما لا نص فيه، وهذا هو لب العلم وروحه، وفيه يتجلى مقصد الشارع العام من تشريع الأحكام، وما أنعم الله به على عباده من رعاية مصالحهم.
[1] القسم الأول في الأدلة التي تستمد منها الأحكام الشرعية: ثبت بالاستقراء أن الأدلة الشرعية التي تستفاد منها الأحكام العملية ترجع إلى أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه الأدلة الأربعة اتفق جمهور المسلمين على الاستدلال بها، واتفقوا أيضاً على أنها مرتبة في الاستدلال بها هذا الترتيب: القرآن، فالسنة، فالإجماع، فالقياس، أي أنه إذا عرضت واقعة، نظر أولا في القرآن، فإن وجد فيه حكمها أمضى، وإن لم يوجد فيها حكمها، نظر في السنة، فإن وجد فيها حكمها أمضى، وإن لم يوجد فيها حكمها نظر هل أجمع المجتهدون في عصر من العصور علي حكم فيها؟ فإن وجد أمضى، وإن لم يوجد اجتهد في الوصول إلى حكمها بقياسها على ما ورد النص بحكمه، أما البرهان على الاستدلال بها: فهو قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]، فالأمر بإطاعة الله وإطاعة رسوله، أمر باتباع القرآن والسنة، والأمر بإطاعة أولي الأمر من المسلمين أمرٌ باتباع ما اتفقت عليه كلمة المجتهدين من الأحكام لأنهم أولو الأمر التشريعي من المسلمين، والأمر برد الوقائع المتنازع فيها إلى الله والرسول أمر باتباع القياس حيث لا نص ولا إجماع، لأن القياس فيه رد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول لأنه إلحاق واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد النص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص لتساوي الواقعتين في علة الحكم، فالآية تدل على اتباع هذه الأربعة، وأما الدليل على ترتيبها في الاستدلال بها هذا الترتيب: فهو ما رواه البغوي عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: “كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟” قال: أقضي بكتاب الله، قال: “فإن لم تجد في كتاب الله؟” قال: فبسنة رسول الله، قال: “فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ ” قال: أجتهد رأي ولا آلو، (أي لا أقصر في اجتهادي)، قال: فضرب رسول الله على صدره، وقال: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله”، وما رواه البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم فقضي به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله في ذلك الأمر سنة قضي بها، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به، وكذلك كان يفعل عمر، وأقرّهما على هذا كبار الصحابة ورؤوس المسلمين ولم يعرف بينهم مخالف في هذا الترتيب، وتوجد أدلة أخرى عدا هذه الأدلة والأربعة لم يتفق جمهور المسلمين علي الاستدلال بها، بل منهم من استدل بها على الحكم الشرعي، ومنهم من أنكر الاستدلال بها، وأشهر هذه الأدلة المختلف في الاستدلال بها ستة: الاستحسان، والمصلحة المرسلة والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا، فجملة الأدلة الشرعية عشرة: أربعة متفق من جمهور المسلمين على الاستدلال بها، وستة مختلف في الاستدلال بها، وهذا تفصيل البحث فيها جميعها.
[2] القسم الثاني في الأحكام الشرعية الأربعة: مباحث الأحكام في علم أصول الفقه أربعة: الحاكم: وهو من صدر عنه الحكم، والحكم: وهو ما صدر من الحاكم دالا على إرادته في فعل المكلف، والمحكوم فيه: وهو فعل المكلف الذي تعلق الحكم به، والمحكوم عليه: وهو المكلف الذي تعلق الحكم بفعله.
[3] المبحث الأول من مباحث الأحكام: الحاكم: لا خلاف بين علماء المسلمين، في أن مصدر الأحكام الشرعية لجميع أفعال المكلفين هو الله سبحانه، سواء أظهر حكمه في فعل المكلف مباشرة من النصوص التي أوحي بها إلى رسوله، أم اهتدى المجتهدون إلى حكمه في فعل المكلف، بواسطة الدلائل والأمارات التي شرعها لاستنباط أحكامه، ولهذا اتفقت كلمتهم على تعريف الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طلبا أو تخييرا أو وضعا، واشتهر من أصولهم “لا حكم إلا لله”، وهذا مصداق قوله سبحانه: {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} [الأنعام: 57]، وإنما اختلف علماء المسلمين في أن أحكام الله في أفعال المكلفين، هل يمكن للعقل أن يعرفها بنفسه من غير وساطة رسل الله وكتبه، بحيث أن من لم تبلغه دعوة رسول يستطيع أن يعرف حكم الله في أفعاله بعقله أم لا يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسل الله وكتبه؟ فلا خلاف في أن الحاكم هو الله، وإنما الخلاف فيما يعرف به حكم الله، ولعلماء أهل السنّة والجماعة في هذا الخلاف مذهبان:
[الأول]: مذهب الأشاعرة: أتباع أبي الحسن الأشعري: وهو أنه: لا يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين إلا بواسطة رسله وكتبه؛ لأن العقول تختلف اختلافا بيّنا في الأفعال، فبعض العقول يستحسن بعض الأفعال، وبعضها يستقبحها، بل عقل الشخص الواحد يختلف في الفعل الواحد، وكثيرا ما يغلب الهوى على العقل فيكون التحسين أو التقبيح بناء على الهوى، فعلى هذا لا يمكن أن يقال ما رآه العقل حسنا فهو حسن عند الله، ومطلوب لله فعله، ويثاب عليه من الله فاعله، وما رآه العقل قبيحا فهو عند الله، ومطلوب لله تركه، ويعاقب من الله فاعله، وأساس هذا المذهب: أن الحسن من أفعال المكلفين هو ما دل الشارع على أنه حسن بإباحته أو طلب فعله، والقبح هو ما دل الشارع على أنه قبيح يطلبه تركه، وليس الحسن ما رآه العقل حسنا ولا القبيح ما رآه العقل قبيحا، فمقياس الحسن والقبح في هذا المذهب هو الشرع لا العقل، وهذا يتفق وما ذهب إليه بعض علماء الأخلاق من أن مقياس الخير والشر هو القانون، فما أوجبه القانون أو أباحه فهو خير، وما حظره فهو شر، وعلى هذا المذهب لا يكون الإنسان مكلفا من الله بفعل شيء، أو ترك شيء إلا إذا بلغته دعوة الرسول وما شرعه الله، ولا يثاب أحد على فعل شيء ولا يعاقب على ترك أو فعل، إلا إذا علم من طريق رسل الله ما يجب عليه فعله وما يجب عليه تركه، فمن عاش في عزلة تامة بحيث لم تبلغه دعوة رسول ولا شرعه فهو غير مكلف من الله بشيء ولا يستحق ثوابا ولا عقابا، وأهل الفترة – وهم من عاشوا من بعد موت رسول وقبل مبعث رسول- غير مكلفين بشيء ولا يستحقون ثوابا ولا عقابا، ويؤيد هذا المذهب قوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].
و[الثاني]: مذهب الماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي، وخلاصته أن أفعال المكلفين فيها خواص ولها آثار تقتضي حسنها أو قبحها، وأن العقل بناء على هذه الخواص والآثار يستطيع الحكم بأن هذا الفعل حسن وهذا الفعل قبيح، وما رآه العقل السليم حسنا فهو حسن، وما رآه العقل السليم قبيحا فهو قبيح، ولكن لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلفين على وفق ما تدركه عقولنا فيها من حسن أو قبح، لأن العقول مهما نضجت قد تخطئ، ولأن بعض الأفعال مما تشتبه فيه العقول، فلا تلازم بين أحكام الله وما تدركه العقول، وعلى هذا لا سبيل إلى معرفة حكم الله إلا بواسطة رسله، والخلاف بين الطائفتين لفظي، لأنّهم وافقوا الأشاعرة في أنه لا يُعرف حكم الله إلا بواسطة رسله وكتبه، وبالتالي فإنّ هذا الخلاف لا يترتب عليه اثر إلا بالنسبة لمن لم تبلغهم شرائع الرسل، وأما من بلغتهم شرائع الرسل فمقياس الحسن والقبح للأفعال بالنسبة لهم ما ورد في شريعتهم لا ما تدركه عقولهم بالاتفاق، فما أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله، وما نهى عنه الشارع فهو قبيح ومطلوب تركه ويعاقب فاعله.
[4] المبحث الثاني من مباحث الأحكام: الحكم: (الحكم الشرعي) في اصطلاح الأصوليين: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، طلباً أو تخييراً، أو وضعاً، فقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، هذا خطاب من الشارع متعلق بالإيفاء بالعقود طلبا لفعله، وقوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} [الحجرات: 11]، هذا خطاب من الشارع متعلق بالسخرية طلبا لتركها، وقوله سبحانه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، هذا خطاب من الشارع متعلق بأخذ الزوج بدلا من زوجته نظير تطليقها تخييرا فيه، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يرث القاتل) هذا خطاب من الشارع متعلق بالقتل وضعا له مانعا من الإرث، فنفس النص الصادر من الشارع الدال على طلب أو تخيير أو وضع هو الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين، وهذا يوافق اصطلاح القضائيين الآن؛ فهم يريدون بالحكم نفس النص الذي يصدر من القاضي؛ ولهذا يقولون: منطق الحكم كذا يقولون: أجلت القضية للنطق بالحكم، وأما الحكم الشرعي في اصطلاح الفقهاء: فهو الأثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في الفعل، كالوجوب والحرمة والإباحة، فقوله تعالى: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، يقتضى وجوب الإيفاء بالعقود، فالنص نفسه هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، ووجوب الإيفاء هو الحكم في اصطلاح الفقهاء، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32]، هو الحكم في اصطلاح الأصوليين، وحرمة قربان الزنا هو الحكم في اصطلاح الفقهاء، ولا يتوهّم متوهّم من تعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين، بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، بأن الحكم الشرعي خاص بالنصوص لأنها هي الخطاب من الشارع وأنه لا يشمل الأدلة الشرعية الأخرى من إجماع أو قياس أو غيرها لأن سائر الأدلة الشرعية غير النصوص عند التحقيق تعود إلى النصوص، فهو في الحقيقة خطاب من الشارع ولكنه غير مباشر، فكل دليل شرعي تعلق بفعل من أفعال المكلفين، طلبا أو تخييرا أو وضعا فهو حكم شرعي في اصطلاح الأصوليين.
[5] أنواع الحكم الشرعي: من تعريف الحكم الشرعي في اصطلاح الأصوليين يؤخذ أنه ليس نوعا واحدا، لأنه إما أن يتعلق بفعل المكلف على جهة الطلب، أو على جهة التخيير أو على جهة الوضع، وقد اصطلح علماء الأصول على تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الطلب أو التخيير بالحكم التكليفي، وعلى تسمية الحكم المتعلق بفعل المكلف على جهة الوضع بالحكم الوضعي، ولهذا قرروا أن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: حكم تكليفي، حكم وضعي، فالحكم التكليفي: هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف، أو كفّه عن فعله أو تخييره بين فعل والكف عنه، فمثال ما اقتضى طلب فعل من المكلف قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، وقوله: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران 97] وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُود} [المائدة: 1]، وغير ذلك من النصوص التي تطلب من المكلف أفعالا، ومثال ما اقتضى طلب الكف عن فعل، قوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} [الحجرات: 11]، وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32]، وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، وغير ذلك من النصوص التي تطلب من المكلف الكف عن أفعال، ومثال ما اقتضى تخيير المكلف بين فعل والكف عنه، قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة:3]،وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10]، وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء: 101]، وغير ذلك من النصوص التي تقتضي تخيير المكلف بين فعل الشيء والكف عنه، وإنما سمي هذا النوع الحكم التكليفي لأنه يتضمن تكليف المكلف بفعل أو كف عن فعل أو تخييره بين فعل والكف عنه، ووجه التسمية ظاهر فيما طلب به من المكلف فعل أو الكف عنه، وأما ما خير به المكلف بين فعل والكف عنه فوجه تسميته تكليفياً غير ظاهر، لأنه لا تكليف فيه ولهذا قالوا: إن إطلاق الحكم التكليفي عليه من باب التغليب، وأما الحكم الوضعي: فهو ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء، أو شرطا له، أو مانعا منه، فمثال ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، اقتضى وضع إرادة إقامة الصلاة سببا في إيجاب الوضوء، وقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، اقتضى وضع السرقة سببا في إيجاب قطع يد السارق، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من قتل قتيلا فله سلبه”، اقتضى وضع قتل القتيل سببا في استحقاق سلبه، وغير ذلك من النصوص التي اقتضت وضع أسباب لمسببات، ومثال ما اقتضى وضع شيء شرطا لشيء، قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، اقتضى أن استطاعة السبيل إلى البيت شرط لإيجاب حجه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بشاهدين)، اقتضى أن حضور الشاهدين شرط لصحة الزواج، ومثال ما اقتضى جعل شيء مانعا من شيء، قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس للقاتل ميراث) اقتضى جعل قتل الوارث مورثه مانعا من إرثه، وإنما سمي الحكم الوضعي، لأن مقتضاه وضع أسباب لمسببات، أو شروط لمشروطات، أو موانع من أحكام، ويؤخذ مما تقدم أن الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجهين: (أحدهما): أن الحكم التكليفي مقصود به طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل شيء والكف عنه، وأما الحكم الوضعي فليس مقصودا به تكليف أو تخييراً، وإنما المقصود به بيان أن هذا الشيء سبب لهذا المسبب، أو أن هذا شرط لهذا المشروط، أو أن هذا مانع من هذا الحكم، و(ثانيهما): أن ما طلب فعله أو الكف عنه، أو خير بين فعله وتركه بمقتضى الحكم التكليفي لابد أن يكون مقدورا للمكلف، وفي استطاعته أن يفعله وأن يكف عنه لا تكليف إلا بمقدور، ولا تخيير إلا بين مقدور ومقدور، وأما ما جعل سببا أو شرطا أو مانعا، فقد يكون أمراً في مقدور المكلف بحيث إذا باشره ترتب عليه أثر، وقد يكون أمراً ليس في مقدور المكلف بحيث إذا وجد ترتب عليه أثره، فمما جعل سبباً وهو مقدور المكلف: صيغ العقود والتصرفات، وجميع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات، بحيث إذا باشر المكلف عقدا أو تصرفا ترتب عليه حكمه، وإذا ارتكب جريمة استحق عقوبتها، ومما جعل شرطا وهو مقدور المكلف: إحضار شاهدين في عقد الزواج لصحة العقد، وإبلاغ القدر المسمى مهرا إلى عشرة دراهم لصحة تسمية المهر، وتعيين الثمن والأجل في البيع لصحة العقد ومما جعل شرطا وهو غير مقدور للمكلف، بلوغ الحلم لانتهاء الولاية النفسية، وبلوغ الرشد لنفاذ عقود المفاوضات المالية، وكذلك المانع منه ما هو مقدور للمكلف كقتل الوارث موروثه، ومنه ما هو مقدور ككون الموصى له وارثاً.
[6] أقسام الحكم التكليفي: ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، وذلك لأنه إذا اقتضى طلب فعل، فإن كل اقتضاؤه له على وجه التحتيم والإلزام فهو الإيجاب، وأثر الوجوب، والمطلوب فعله هو الواجب، وإن كان اقتضاؤه له ليس على وجه التحتيم والإلزام فهو الندب؛ وأثره الندب، والمطلوب فعله هو المندوب، وإذا اقتضى طلب كف عن فعل فإن كان اقتضاؤه على وجه التحتيم والإلزام فهو التحريم وأثر الحرمة، والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم، وإن كان اقتضاؤه له ليس على وجه التحتيم والإلزام فهو الكراهة، وأثره الكراهة، والمطلوب الكف عن فعله فهو المكروه، وإذا اقتضى تخيير المكلف بين فعل شيء وتركه فهو الإباحة، وأثره الإباحة، والفعل الذي خير بين فعله وتركه هو المباح، فالمطلوب فعله قسمان: الواجب والمكروه، والمطلوب الكف عن فعله قسمان: المحرم والمكروه، والمخير بين فعله قسمان: المحرم والمكروه، والمخير بين فعله وتركه هو القسم الخامس وهو المباح، وسنفرد كل قسم من هذه الأقسام ببيان.
[القسم الأول من أقسام الحكم التكليفي: الواجب]: تعريفه شرعا: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبا حتما بأن اقتران طلبه بما يدل على تحتيم فعله، كما إذا كانت صيغة الطلب نفسها تدل على التحتيم، أو دل على تحتيم فعله ترتيب العقوبة على تركه، أو آية قرينة شرعية أخرى، فالصيام واجب لأن الصيغة التي طلب بها دلت تحتيمه، إذ قال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وإيتاء الزوجات مهورهن واجب، إذ قال سبحانه: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24] وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وبر الوالدين، وغير ذلك من المأمورات التي وردت صيغة الأمر بها مطلقة، ودل على تحتيم فعلها ما ورد في عدة نصوص من استحقاق المكلف العقاب بتركها، فمتى طلب الشارع الفعل ودلت القرينة على أن طلبة على وجه التحتيم كان الفعل واجباً، سواء أكانت القرينة صيغة الطلب نفسها أم أمرا خارجيا.
[القسم الثاني من أقسام الحكم التكليفي: المندوب]: تعريفه: المندوب هو ما طلب فعله من المكلف طلباً غير حتم، بأن كانت صيغة طلبه نفسها لا تدل على تحتيمه، أو اقترنت بطلبه قرائن تدل على عدم التحتيم، فإذا طلب الشارع الفعل بصيغة: “يسن كذا أو يندب كذا” كان المطلوب بهذه الصيغة مندوبا، وإذا طلبه بصيغة الأمر ودلت القرينة على أن الأمر للندب كان المطلوب مندوباً، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، فإن الأمر بكتابة الدين للندب لا للإيجاب بدليل القرينة التي في الآية نفسها، وهي قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]، فإنها تشير إلى أن الدائن له أن يثق بمدينة ويأتمنه من غير كتابة الدين عليه، فالمطلوب فعله إن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه حتم ولازم، فهو الواجب مثل: كتب عليكم، وقضى ربك، وإن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه غير حتم فهو المندوب، مثل: ندب لكم، سن لكم، وإن كانت صيغة طلبه نفسها لا تدل على طلب حتم أو غير حتم، استدل بالقرائن على أن المطلوب واجب أو مندوب، وقد تكون القرينة نصا، وقد تكون ما يؤخذ من مبادئ الشريعة العامة وقواعدها الكلية، وقد تكون ترتيب العقوبة على ترك الفعل وعدم ترتيبها، ولهذا اشتهر تعريف الواجب بأنه ما استحق تاركه العقوبة، وتعريف المندوب بأنه ما لا يستحق تاركه العقوبة وقد يستحق العتاب.
[القسم الثالث من أقسام الحكم التكليفي: المُحرّم]: تعريفه: المحرم هو ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما، بأن تكون صيغة طلب الكف نفسها دالة على أنه حتم كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3]، وقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151]، وقوله: {لا يحل لكم} [النساء: 19]، أو يكون النهي عن الفعل مقترنا بما يدل على أنه حتم مثل: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} [الإسراء: 32] أو يكن الأمر بالاجتناب مقترنا بذلك نحو: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90]، أو أن يترتب على الفعل عقوبة مثل: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4]، فقد يستفاد التحريم من صيغة خبرية تدل عليه، أو من صيغة طلبية هي نهي، أومن صيغة طلبية هي أمر بالاجتناب، فالقرينة تعيِّن أن الطلب للتحريم.
[القسم الرابع من أقسام الحكم التكليفي: المكروه]: تعريفه: المكروه هو ما مطلب الشارع من المكلف الكف عن فعله طلبا غير حتم، بأن تكون الصيغة نفسها دالة على ذلك، كما إذا ورد أن الله كره لكم كذا، أو كان منهيا عنه، واقترن النهي بما يدل على أن النهي لكراهة لا للتحريم، مثل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة:101]، أو كان مأمورا باجتنابه ودلت القرينة على ذلك، مثل: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، فالمطلوب الكف عن فعله؛ إن كانت صيغة طلبه نفسها تدل على أنه طلب حتم فهو المحرم، مثل: حرم عليكم كذا، وإن كانت الصيغة نفسها تدل على أن طلب غير حتم فهو المكروه، مثل: كره لكم كذا، وإن كانت الصيغة نهيا مطلقا، أو أمرا الاجتناب مطلقا، استدل بالقرائن على أن طلب حتم أو غير حتم، ومن القرائن ترتيب العقوبة على الفعل وعدم ترتيبها، ولهذا عرَّف بعض الأصوليين المحرم بأنه ما استحق فاعله العقوبة، والمكروه بأنه ما لا يستحق فاعله العقوبة، وقد يستحق اللوم.
[القسم الخامس من أقسام الحكم التكليفي: المباح]: تعريفه: المباح هو ما خيَّر الشارعُ المكلَّف بين فعله وتركه، فلم يطلب الشارع أن يفعل المكلف هذا الفعل و لم يطلب أن يكف عنه، وتارة تثبت إباحة الفعل بالنص الشرعي على إباحته، كما نص الشارع على أنه لا إثم في الفعل، فيدل بهذا على إباحته كقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]، وكقوله سبحانه: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء} [البقرة: 235]، وكما إذا أمر الشارع بفعل ودلت القرائن على أن الأمر للإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ} [المائدة: 2]، وكقوله سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10]، وكقوله: {وكلوا واشربوا} [البقرة: 187]، وتارة تثبت إباحة الفعل بالإباحة الأصلية، فإذا لم يرد من الشارع نصل على حكم العقد أو التصرف أو أي فعل، ولم يقم دليل شرعي آخر على حكم فيه: كان هذا العقد أو التصرف أو الفعل مباحا بالبراءة الأصلية لأن الأصل في الأشياء المباحة.
هذه هي أقسام الحكم التكليفي الخمسة على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، وأما علماء الحنفية فقد قسموه إلى سبعة أقسام لا إلى خمسة، وذلك أنهم قالوا: ” إن ما طلب الشارع فعله طلبا حتما إذا كان دليل طلبه قطعيا بأن كان آية قرآنية أو حديثا متواترا فهو الفرضِ، وإن كان دليل طلبه ظنيا بأن كان حديثا غير متواترا أو قياسا فهو الواجب، فإقامة الصلاة فرض لأنها طلبت طلبا حتما بدليل قطعي هو قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 43]، وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة لأنها طلبت طلبا حتما، بدليل ظني هو قوله صلى الله عليه وسلم: “لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب”، وأما ما طلب فعله طلبا غير حتم فهو المندوب، وكذلك ما طلب الشارع الكف عن فعله طلبا حتما إن كان دليله قطعيا كآية أو سنة متواترة فهو المحرم، وإن كان دليله ظنيا كسنة غير متواترة فهو المكروه تحريما، فالزنا محرم لأنه طلب الكف عنه طلبا حتما بدلي لقطعي هو قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} [الإسراء: 32؟]، ولبس الرجال الحرير وتختمهم بالذهب مكروهان تحريما، لأنه طلب الكف عنهما طلبا حتما، بدليل ظني، هو قوله صلى الله عليه وسلم: (هذان حرام على رجال أمتي حلال لنسائهم)، وأما ما طلب الكف عنه طلبا غير حتم فهو المكروه تنزيها، فعند علماء الحنفية المطلوب فعله ثلاثة أقسام: الفرضِ، والواجب، والمندوب، والمطلوب الكف عنه ثلاثة أقسام: المحرم، والمكروه تحريما، والمكروه تحريما، والمكروه تنزيها، والقسم السابع: المباح، وقد قدمنا أن نصوص القرآن كلها قطعية الورود ولهذا يثبت بها عند الحنفية الفرض والتحريم والندب والكراهة، وأما السنة فما كان قطعي الورود منها وهو المتواتر وفي حكمه المشهور، فيثبت به أيضا ما يثبت بالقرآن، والفعل الواحد قد تعتريه هذه الأحكام كلها أو بعضها بحسب ما يلابسه، فمثلا: الزواج قد يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية، وتيقن من حال نفسه أنه إذا لم يتزوج زنى، ويكون واجبا إذا قدر على ما ذكر وخاف أنه إذا لم يتزوج زنى، ويكون مندوبا إذا كان قادرا على واجبات الزوجية وكان في حال اعتدال لا يخاف أن يزني إذا لم يتزوج، ويكون محرما إذا تيقن أنه إذا تزوج يظلم زوجته ولا يقوم بحقوق الزوجية، ويكون مكروها تحريما إذا خاف ظلمها.
[7] أقسام الحكم الوضعي: ينقسم الحكم الوضعي إلى خمسة أقسام: لأنه ثبت بالاستقراء أنه إما أن يقتضي جعل شيء سببا لشيء، أو شرطاً، أو مانعاً، أو مسوغا الرخصة بدل العزيمة، أو صحيحاً، أو غير صحيح،
[القسم الأول من أقسام الحكم الوضعي: السبب]: تعريفه: السبب؛ هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه، فيلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، فهو أمر ظاهر منضبط، جعله الشارع علامة على حكم شرعي هو مسببه، ويلزم من وجوده وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، وقد قدمنا في مبحث العلة في القياس أن كل علة للحكم تسمى سببه، وليس كل سبب للحكم يسمى علته، وبينا الفرق بينهما أو أمثلتهما.
[القسم الثاني من أقسام الحكم الوضعي: الشرط]: تعريفه: الشرط: هو ما يتوقف وجود الحكم على وجوده ويلزم من عدمه عدم الحكم، والمراد وجوده الشرعي الذي يترتب عليه أثره، فالشرط أمر خارج عن حقيقة المشروط يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده، فالزوجية شرط لإيقاع الطلاق، فإذا لم توجد زوجية لم يوجد طلاق، ولا يلزم من وجود الزوجية وجود الطلاق، والوضوء شرط لصحة إقامة الصلاة، فإذا لم يوجد وضوء لا تصح إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء إقامة الصلاة، ووجود الزواج الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على حضور الشاهدين وقت عقده، ووجود البيع الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه يتوقف على العلم بالبدلين، وهكذا كل ما شرط الشارع له شرطا لا يتحقق وجوده الشرعي إلا إذا وجدت شروطه، ويعتبر شرعا معدوما إذا فقدت شروطه ولكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، والشروط الشرعية هي التي تكمل السبب وتجعل أثره يترتب عليه، فالقتل سبب لإيجاب القصاص ولكن بشرط أن يكون قتلا عمدا وعدوانا، وعقد الزواج سبب لملك المتعة، ولكن بشرط أن يحضره شاهدان، وهكذا كل عقد أو تصرف لا يترتب عليه أثره إلا إذا توافرت شروطه.
[القسم الثالث من أقسام الحكم الوضعي: المانع]: المانع: هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم، أو بطلان السبب، فقد يتحقق السبب الشرعي وتتوافر جميع شروطه ولكن يوجد مانع يمنع ترتب الحكم عليه، كما إذا وجدت الزوجية الصحيحة أو القرابة ولكن منع ترتب الإرث على أحدهما كاختلاف الوارث مع المورث دينا، أو قتل الوارث مورثه، وكما إذا وجد القتل العمد العدوان ولكن منع من إيجاب القصاص به أن القاتل أبو المقتول، فالمانع في اصطلاح الأصوليين: هو أمر يوجد مع تحقق السبب وتوافر شروطه، ويمنع من ترتب المسبب على سببه، فقد الشرط لا يسمى مانعا في اصطلاحهم، وإن كان يمنع من ترتب المسبب على السبب، وقد يكون المانع مانعا من تحقق السبب الشرعي لا من ترتب حكمه عليه كالدين لمن ملك نصابا من أموال الزكاة، فإن دينه مانع من تحقق السبب لإيجاب الزكاة عليه، لأن مال المدين كأنه ليس مملوكا له ملكا تاما، نظرا لحقوق دائنيه، ولأن تخليص ذمته مما عليه من الدين أولى من مواساته الفقراء والمساكين بالزكاة، وهذا في الحقيقة مخل بما يشترط توافره في السبب الشرعي فهو من باب عدم توافر الشرط، لا من قبيل وجود المانع.
[القسم الرابع من أقسام الحكم الوضعي: الرخصة والعزيمة]: تعريفهما: الرخصة هي ما شرعه الله من الأحكام تخفيفا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، أو هي ما شرع لعذر شاق في حالات خاصة، أو هي استباحة المحظور بدليل مع قيام دليل الحظر، وأما العزيمة فهي ما شرعه الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال ولا بمكلف دون مكلف، والله سبحانه يحب أن تتبع رخصة، كما يجب أن تؤتى عزائمه، لأنه سبحانه ما جعل على الناس في الدين من حرج، لأن الحكم المشروع هو جعل الضرورة سببا في إباحة المحظور أو طروء العذر سبا في التخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس سببا في تصحيح بعض عقود المعاملات بينهم، فهو في الحقيقة وضع أسباب لمسببات.
[القسم الخامس من أقسام الحكم الوضعي: الصحة والبطلان]: ما طلبه الشارع من المكلفين من أفعال، وما شرعه لهم من أسباب وشروط، إذا باشرها المكلف قد يحكم الشارع بصحتها، وقد يحكم بعدم صحتها، فإذا وجدت على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن تحققت أركانها وتوافرت شرائطها الشرعية، حكم الشارع بصحتها، وإن لم توجد على وفق ما طلبه الشارع وما شرعه، بأن اختل ركن من أركانها أو شرط من شروطها حكم الشارع بعدم صحتها، ومعنى صحتها شرعا: ترتب آثارها الشرعية عليها، فإن كان الذي باشره المكلف فعلا واجبا عليه، كالصلاة والصيام والزكاة والحق وأداء المكلف مستكملا أركانه وشروطه سقط عنه الواجب، وبرئت ذمته منه، ولم يستحق تعزيزا في الدنيا واستحق المثوبة في الآخرة، وإن كان الذي باشره المكلف سببا شرعيا كالزواج والطلاق والبيع والهبة وسائر العقود والتصرفات، واستوفى المكلف أركانه وشرائطه الشرعية، وترتب على كل سبب أثره الشرعي الذي رتبه الشارع عليه من إثبات الحل أو إزالته، أو تبادل ملك البدلين أو الملك بغير عوض، أو غير ذلك من الآثار والحقوق التي تترتب على الأسباب الشرعية الصحيحة، وإن كان الذي باشره شرطا كالطهارة للصلاة، واستوفى المكلف شروطها وأركانها، أمكن تحقيق المشروط صحيحا، ومعنى عدم صحتها عدم ترتب آثارها الشرعية عليها، فإن كان الذي باشره واجبا لا يسقط عنه ولا تبرأ ذمته منه، وإن كان سببا شرعيا لا يترتب عليه حكمه، وإن كان شرطا لا يوجد المشروط، وذلك لأن الشارع إنما رتب الآثار على أفعال وأسباب وشروط تتحقق كما طلبها وشرعها، فإذا لم تكن كذلك فلا اعتبار لها شرعا، ومن هذا البيان يؤخذ أن ما صدر عن المكلف من أفعال أو أسباب أو شروط ولم يتفق وما طلبه الشارع أو ما شرعه يكون غير صحيح شرعا، ولا يترتب عليه أثره، سواء كان عدم صحته لاختلال ركن من أركانه أو لفقد شرط من شروطه، وسواء أكان عبادة أو عقداً أو تصرفاً، وعلى هذا لا فرق بين باطل وفاسد، لا في العبادات ولا في المعاملات، فالصلاة الباطلة لا تسقط الواجب عن المكلف ولا تبرئ ذمته، والزواج الباطل كالزواج الفاسد لا يفيد ملك المتعة ولا يترتب عليه أثره، والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يفيد نقل الملك في البدلين ولا يترتب عليه حكم شرعي، وتكون القسمة ثنائية، أي أن الفعل أو العقد أو التصرف إما صحيح تترتب عليه آثاره، وإما غير صحيح لا يترتب عليه أثر شرعي، وهذا هو رأي الجمهور، وقال علماء الحنفية: إن القسمة ثنائية في العبادات، فهي إما صحيحة وإما غير صحيحة، ولا فرق بين باطل الصيام مثلاً وفاسده في أنه لا يترتب عليه أثره ولا يسقط الواجب، وعلى المكلف قضاؤه، وأما في العقود والتصرفات فالقسمة ثلاثية، لأن العقد غير الصحيح ينقسم إلى باطل وفاسد؛ فإن كان الخلل في أصل العقد أي في ركن من أركانه بأن كان في الصيغة أو العاقدين أو المعقود عليه، كان العقد باطلا لا يترتب عليه أثر شرعي، وإن كان الخلل في وصف من أوصاف العقد بأن كان في شرط خارج عن ماهيته وأركانه، كان العقد فاسدا، وترتبت عليه بعض آثاره، وعلى هذا قالوا: إن بيع المجنون أو غير المميز أو بيع المعدوم باطل وأما البيع بثمن غير معلوم فهو فاسد، وإن زاوج غير المميز أو زواج إحدى المحرمات مع العلم بالحرمة باطل، وأما الزواج بغير شهود فهود فاسد، ولم يرتبوا على الباطل أثرا، ورتبوا على الفاسد المهر والعدة وأثبتوا النسب، وفي البيع الفاسد إذا رفع سب الفساد في المجلس بأن عيَّن الثمن أو الأجل ترتبت على العقد آثاره، وهو يفيد الملك بالقبض، ومما قدمنا بيانه من معنى الصحة ومعنى البطلان: يظهر الوجه في عدهما من الحكم الوضعي؛ لأن الصحة هي ترتب الآثار الشرعية على الأفعال والأسباب أو الشروط التي باشرها المكلف، والبطلان عدم ترتب شيء من تكلك الآثار، فالحكم بصحة البعض حكم بسببيته شرعا لأحكامه.
[8] المبحث الثالث من مباحث الأحكام: المحكوم فيه: المحكوم فيه: هو فعل المكلف الذي تعلق به حكم الشارع، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، الإيجاب المستفاد من هذا الخطاب تعلق بفعل من أفعال المكلفين هو: الإيفاد بالعقود فجعله واجبا، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، الندب المستفاد من هذا الخطاب تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو كتاب الدين، فجعله مندوباً، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ} [الأنعام:151]،التحريم المستفاد من هذا الخطاب تعلّق بفعل من أفعال المكلفين هو قتل النفس، فجعله محرّماً، وقوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267]،الكراهة المستفادة من هذا الخطاب تعلقت بفعل من أفعال المكلفين هو إنفاق المال الخبيث فجعلته مكروهاً، وقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، الخطاب تعلق بالمرض والسفر فجعل كلا منهما مبيحا للفطر، فكل حكم من أحكام الشارع فهو لابد متعلق بفعل من أفعال المكلفين على جهة الطلب، أو التخيير، أو الوضع، ومن المقرر أنه لا تكليف إلا بفعل، أي أن حكم الشارع التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف، فإذا كان حكم الشارع إيجابا أو ندبا فالأمر واضح، لأن متعلق الإيجاب فعل الواجب على سبيل الحتم، ومتعلق الندب فعل المندوب لا على سبيل الحتم والإلزام، فالتكليف في الحالتين بفعل، وإذا كان الشارع تحريما أو كراهة فالمكلف به في الحالتين هو فعل أيضا، لأنه هو كف النفس عن فعل المحرم أو المكروه، فمعنى قولهم: “لا تكليف إلا بفعل”، أن الفعل يشمل الكف، أي المنع للنفس عن فعل، وبهذا تكون جميع الأوامر والنواهي متعلقة بأفعال المكلفين، ففي الأوامر: المكلف به: فعل المأمور به، وفي النواهي: هو الكف عن المنهي عنه، وشرط صحة التكليف بالفعل: يشترط في الفعل الذي يصح شرعا التكليف به ثلاثة شروط: (أولها): أن يكون معلوماً للمكلف علماً تاماً حتى يستطيع المكلف القيام به كما طلب منه، وعلى هذا فنصوص القرآن المجملة؛ أي التي لم يبين المراد منها، لا يصح تكليف المكلف بها إلا بعد أن يلحق بها بيان الرسول عليه الصلاة والسلام، فقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 43]، لم يبين النص القرآني أركان الصلاة وشروطها وكيفية أدائها، فكيف يكلف بالصلاة من لا يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها؟ لذلك بين الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المجمل وقال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، وكذلك الحج والصوم والزكاة وكل فعل تعلق به خطاب من الشارع مجمع لا يعلم مراد الشارع به، لا يصح التكليف به ولا مطالبة المكلفين بامتثاله إلا بعد بيانه، ولهذا أعطى الله ورسوله سلطة التبيين بقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وبيّن الرسول بسننه القولية والفعلية ما أجمل في القرآن، واتفق العلماء على أنه لا يسوغ تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، و (ثانيها): أن يكون معلوما أن التكليف به صادر ممن له سلطان التكليف، وممن يجب على المكلف اتباع أحكامه لأنه بهذا العلم تتجه إرادته إلى امتثاله، و(ثالثها): أن يكون الفعل المكلف به ممكنا، أو أن يكون في قدره المكلف أن يفعله أو أن يكف عنه.
[9] المبحث الرابع من مباحث الأحكام: المحكوم عليه: المحكوم عليه: هو المكلف الذي تعلق حكم الشارع بفعله، ويشترط في المكلف لصحة تكليفه شرعا شرطان: (أحدهما): أن يكون قادرا على فهم دليل التكليف، بأن يكون في استطاعته أن يفهم النصوص القانونية التي يكلف بها من القرآن والسنة بنفسه أو بالواسطة، لأن من لم يستطيع فهم دليل التكليف لا يمكنه أن يمتثل ما كلف به ولا يتجه قصده إليه والقدرة على فهم أدلة التكليف إنما تتحقق بالعقل وبكون النصوص التي يكلف بها العقلاء في متناول عقولهم فهمها، لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه تتوجه الإرادة إلى الامتثال، ولما كان العقل أمرا خفيا لا يدرك بالحس الظاهر، ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر يدرك بالحس هو مظنة للعقل وهو البلوغ، فمن بلغ الحلم من غير أن تظهر عليه أعراض خلل بقواه العقلية فقد توافرت فيه القدرة على أن يكلف، وعلى هذا لا يكلف المجنون ولا الصبي لعدم وجود العقل الذي هو وسيلة فهم دليل التكليف، ولا يكلف الغافل والنائم والسكران لأنهم في حال الغفلة أو النوم أو السكر ليس في استطاعتهم الفهم، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)، وقال عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها)، وأما إيجاب الزكاة والنفقة والضمان على الصبي والمجنون فليس تكليفا لهما، وإنما هو تكليف الولي عليهما بأداء الحق المالي المستحق في مالهما، كأداء ضريبة أطيانهما وأملاكهما، وأما قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، فليس تكليفا للسكارى حتى سكرهم بأن لا يقربوا الصلاة، وإنما هو تكليفا للسكارى حين سكرهم بأن لا يقربوا الصلاة، وإنما هو تكليف للمسلمين في حال صحوهم أن لا يشربوا الخمر إذا دنا وقت الصلاة حتى لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، فكأنه سبحانه قال: إذا دنا وقت الصلاة فلا تشربوا الخمر، وأما إيقاع طلاق السكران على مذهب الحنفية هو عقاب له على سكره، ولهذا شرطوا أن يكون جانياً بسكره بأن شرب محرما طائعا، وأما من لا يعرفون اللغة العربية ولا يستطيعون فهم أدلة التكليف الشرعية من القرآن والسنة، كاليابانيين والهنود والجاويين وغيرهم فهؤلاء لا يصح تكليفهم شرعاً إلا إذا تعلموا اللغة العربية واستطاعوا أن يفهموا نصوصا، أو ترجمت أدلة التكليف الشرعية إلى لغتهم، بحيث يستطيعون أن يجدوا كتابا دينيا بلغتهم يبين لهم ما يكلفهم به الإسلام، أو قامت طائفة بتعلم لغات هذه الأمم التي لا تعرف اللغة العربية ونشرت بينهم تعاليم الإسلام وأدلته التكليفية مخاطبة لهم بلغتهم، وهذا الطريق الثالث هو الطريق القويم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم حجة الوداع أشهد الله أنه بلغ رسالته، وأمر المسلمين أن يبلغ منهم الشاهد الغائب؛ والشاهد يشمل كل من اهتدى إلى الإسلام وعرف أحكامه، والغائب يشمل كل من لم يعرف لغة القرآن ولم يستطع فهم آياته، فأما إذا ترك هذا الغائب على حالة لا يعرف لغة القرآن ولا يستطيع أن يفهم دلائله، ولا ترجمت آياته إلى لغته، ولا قام أحد يعرف لغة القرآن بتعليمه ما يكلف به باللغة التي يفهمها؛ فهو شرعا غير مكلف، لأن الله لا يكلف نفسها إلا وسعها، ولهذا قال الله تعالى في سورة إبراهيم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4]، و (ثانيهما): أن يكون أهلا لما كلف به، والأهلية معناها في اللغة: الصلاحية، يقال فلان أهل للنظر على الوقف أي صالح له، وأما في اصطلاح الأصوليين فالأهلية تنقسم إلى قسمين: أهلية وجوب، وأهلية أداء، فأهلية الوجوب: هي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وأساسها الخاصة التي خلق الله عليها الإنسان واختصه بها من بين أنواع الحيوان، وبها صلح لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وهذه الخاصة هي التي سماها الفقهاء الذمة، فالذمة هي الصفة الفطرية الإنسانية التي به ثبتت للإنسان حقوق قبل غيره، ووجبت عليه واجبات لغيره، وأما أهلية الأداء: فهي صلاحية المكلف لأن تعتبر شرعا أقواله وأفعاله، بحيث إذا صدر منه عقد أو تصرف كان معتبرا شرعا وترتبت عليه أحكامه، وإذا صلى أو صام أو حج أو فعل أي واجب كان معتبرا شرعا ومسقطا عنه الواجب، وإذا جنى على غيره في نفس أو مال أو عرض أخذ بجنايته وعوقب عليها بدنيا ومالياً فأهلية الأداء هي المسئولية وأساسها في الإنسان التمييز بالعقل.
و[حالات الإنسان بالنسبة لأهلية الوجوب]: الإنسان بالنسبة لأهلية الوجوب له حالتان اثنتان فقط: (الأولى): تكون له أهلية وجوب ناقصة إذا صلح لأن تثبت له حقوق، لا لأن تجب عليه واجبات، أو العكس، ومثال ذلك الجنين في بطن أمه فإنه تثبت له حقوق لأنه يرث ويوصى له ويستحق في ربع الوقف ولكن لا تجب عليه لغيره واجبات، فأهلية الوجوب الثابتة له ناقصة، أو الميت، إذا مات مدنيا فإنه تبقى عليه حقوق دائنيه، و (الثانية) تكون له أهلية وجوب كاملة إذا صلح لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وهذه تثبت لكل إنسان من حين ولادته، فهو في طفولته وفي سن تمييزه وبعد بلوغه، على أية حال كان في أي طور من أطوار حياته له أهلية وجوب كاملة، وكما قدمنا لا يوجد إنسان عديم أهلية الوجوب.
و[حالات الإنسان بالنسبة لأهلية الأداء]: الإنسان بالنسبة لأهلية الأداء له حالات ثلاث: (الأولى): قد يكون عديم الأهلية للأداء أصلا، أو فاقدها أصلا، وهذا هو الطفل في زمن طفولته، والمجنون في أي سن كان، فكل منهما لكون لا عقل له لا أهلية أداء له، ولك منهما لا تترتب عليه آثار شرعية على أقواله ولا على أفعاله، فعقوده وتصرفاته باطلة، غاية الأمر إذا جنى أحدهما على نفس أو مال يؤاخذ ماليا لا بدنيا، فإن قتل الطفل أو المجنون أو أتلف مال غيره ضمن دية القتيل أو ما أتلفه، ولكنه لا يقتص منه، وهذا معنى قول الفقهاء: “عمد الطفل أو المجنون خطأ”، لأنه مادام لا يوجد العقل لا يوجد القصد فلا يوجد العمد، و(الثانية) قد يكون ناقص الأهلية للأداء: وهو المميز الذي لم يبلغ الحلم، وهذا يصدق على الصبي في دور التمييز قبل البلوغ، ويصدق على المعتوه، فإن المعتوه ليس مختل العقل ولا فاقده ولكنه ضعيف العقل ناقصة، فحكمه حكم الصبي المميز، وكل منهما لوجود وثوب أصل أهلية الأداء له بالتمييز تصح تصرفاته النافعة له نفعا محضا، كقبوله الهبات والصدقات بدون إذن وليه، وأما تصرفاته الضارة له ضررا محضا، كتبرعاته، وإسقاطاته، فلا تصح أصلا ولو أجارها وليه، فهبته، ووصيته ووقفه وطلاقه وإعتاقه كل هذه باطلة ولا تلحقها إجازة وليه، وأما تصرفاته الدائرة بين النفع له والضرر به، فتصح منه ولكنها تكون موقوفة على إذن وليه بها، فإن جاز وليه العقد أو التصرف نفذ، وإن لم يجزه بطل، فصحة أصل هذه العقود والتصرفات من المميز أو المعتوه مبينة على ثبوت أصل أهلية الأداء له، وعلها موقوفة على إذن أولي مبنى على نقص هذه الأهلية، فإذا انضم إذن الولي أو إجازته إلى التصرف جبر هذا النقص فاعتبر العقد أو التصرف من ذي أهلية كاملة، و(الثالثة) قد يكون كامل الأهلية للأداء: وهو من بلغ الحلم عاقلا، فأهلية الأداء الكاملة تتحقق ببلوغ الإنسان عاقلاً، والأصل أن أهلية الأداء بالعقل ولكنها ربطت بالبلوغ لأن البلوغ مظنة العقل، والأحكام تربط بعلل ظاهرة منضبطة، فالبالغ سواء كان بلوغه بالسن أو بالعلامات يعتبر عاقلا وأهلا للأداء كامل الأهلية ما لم يوجد ما يدل على اختلال عقله أو أنقصه.
[10] عوارض الأهلية: قدّمنا أن أهلية الوجوب تثبت للإنسان، وأنه وهو جنين في بطن أمه تثبت له أهلية وجوب ناقصة، وبعد ولادته تثبت له أهلية وجوب كاملة في طفولته وفي سن تمييزه وبعد بلوغه وفي نومه ويقظته وفي جنونه وإفاقته، وفي رشده وسفهه، وما دام حيا لا يعرض لهذه الأهلية ما يزيلها أو ينقصان، وأما أهلية الأداء فقد قدمنا أنها لا تثبت للإنسان وهو جنين قبل أن يولد، ولا هو طفل لم يبلغ السابعة، وأنه من سن التمييز أي بعد السابعة إلى سن البلوغ أي خمس عشرة سنة تثبت له أهلية أداء ناقصة، ولهذا تصح بعض تصرفاته ولا يصح بعضها، ويتوقف بعضها على إذن الولي أو إجازته، وإنه من سن بلوغه الحلم تثبت له أهلية أداء كاملة غير أن هذه الأهلية قد تعرض لها عوارض، منها ما هو عارض سماوي لا كسب للإنسان فيه ولا اختيار، كالجنون والعته والنسيان، ومنها ما هون عارض كسبي يقع بكسب الإنسان واختياره كالسكر والسفه والدين، وهذه العوارض التي تعرض لأهلية الأداء: منها ما يعرض للإنسان فيزيل أهليته للأداء أصلا كالجنون والنوم والإغماء، فالمجنون والنائم والمغمي عليه ليس لواحد منهم أهلية أداء أصلا، ولا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية، وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية يؤديها عنه وليه، وما وجب على النائم والمغمى عليه بمقتضى أهليتهما للوجوب من واجبات بدنية أو مالية يؤديها كل منهما بعد يقظته أو إفاقته، ومنها ما يعرض للإنسان فينقص أهليته للأداء ولا يزيلها كالعته، ولهذا صحت بعض تصرفات المعتوه دون بعضها كالصبي المميز، ومنها ما يعرض للإنسان فلا يؤثّر في أهليته لا بإزالتها ولا بنقصها، ولكن يغير بعض أحكامه لاعتبارات ومصالح قضت بهذا التغيير، لا لفقد أهلية أو نقصها كالسفه، والغفلة، والدين، فكل من السفيه وذي الغفلة بالغ عاقل له أهلية أداء كاملة، ولكن محافظة على مال كل منهما من الضياع، ومنعا من أن يكون كل منهما عالة على غيره حجر عليهما في التصرفات المالية فلا تصح معاوضة مالية منهما، ولا تبرعات مالية، لا لفقد أهليتهما، أو نقصها، ولكن محافظة على مالهما، وكذلك المدين بالغ عاقل له أهلية أداء كاملة، ولكن محافظة على دائنيه حجر عليه أن يتصرف في ماله بما يضر بحقوق الدائنين كالتبرعات، فأهلية الأداء أساسها التمييز بالعقل، وأمارة العقل البلوغ، فمن بلغ عاقلا فأهليته للأداء كاملة، وإذا طرأ عليه طارئ ذهب بعقله كالجنون، أو أضعفه كالعته، أو حال دون فهمه كالنوم والإغماء، فهذا الطارئ عارض له تأثير في أهلية الأداء بإزالتها أو بنقصها، وإذا طرأ على الإنسان طارئ لم يذهب بعقله ولم يضعفه ولم يحل دون فهمه، فهذا الطارئ لا تأثير له في أهلية الأداء لا بإزالة ولا بنقص، وإن كان يقضي بتغير بعض الأحكام لمصالح اقتضت هذا التغير، كالسفه والغفلة والدين، ولهذا لا يرى الإمام أبو حنيفة الحجر بواحد من هذه الثلاثة، لأنه لا تأثير لواحد منها في أهلية الإنسان، ويرى أن المصالح التي تترتب على الحجر بها لا توازن بالضرر الذي يلحق الإنسان من الحجر عليه واعتباره غير أهل.
[11] القسم الثالث في القواعد الأصولية اللغوية التي تطبق عند فهم الأحكام من نصوصها : تنبيه: هذا القسم يتناول: قواعد الاستدلال ودلالات الألفاظ وطرق الاستنباط، ويشمل مباحث: دلالات النصوص وما يفهم من عبارتها، أو إشارتها، أو دلالتها، أو اقتضائها، وحكم مفهوم المخالفة، كما يتناول مباحث الواضح الدلالة من النصوص كالظاهر والنص والمفسر والمحكم، وغير الواضح الدلالة ومراتبه كالخفي والمشكل والمجمل والمتشابه، ومباحث المشترك ودلالته واللفظ العام ودلالته، واللفظ الخاص ودلالته، والفظ المطلق ودلالته، واللفظ المقيد ودلالته وغير ذلك من مباحث الاستدلال ودلالات الألفاظ، تمهيد: نصوص القرآن والسنة باللغة العربية، وفهم الأحكام منها إنما يكون فهما صحيحا إذا روعي فيه مقتضى الأساليب في اللغة العربية وطرق الدلالة فيها، وما تدل علية ألفاظها مفردة ومركبة، ولهذا عني علماء أصول الفقه الإسلامي، باستقراء الأساليب العربية وعباراتها ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقرار ومما قرره علماء هذه اللغة قواعد وضوابط، يتوصل بمراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهما صحيحاً، يطابق ما يفهمه منها العربي الذي وردت من النصوص الشرعية فهما صحيحا، يطابق ما يفهمه منها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل بها أيضا إلى إيضاح ما فيه خفاء من النصوص، ورفع ما قد يظهر بينها من تعارض، وتأويل على تأويله، وغير هذا مما يتعلق باستفادة الأحكام من نصوصها،، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4]، وعلى هذا فالقواعد والضوابط التي قررها علماء أصول الفقه الإسلامي في طرق دلالة الألفاظ على المعاني، وفيما يفيد العموم من الصيغ، وفيما يدل على العام والمطلق والمشترك، وفيما يحتمل التأويل وما لا يحتمل التأويل وفي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي أن العطف يقتضي المغايرة، وأن الأمر المطلق يقتضي الإيجاب، وغير ذلك من ضوابط فهم النصوص واستثمار الأحكام منها.
(القاعدة الأولى): في طريق دلالة النص: (النص الشرعي يجب العمل بما يفهم من عبارته، أو إشارته، أو دلالته، أو اقتضائه): لأن كل ما يفهم من النص بطريق من هذه الطرق الأربعة هو من مدلولات النص، والنص حجة عليه، وإذا تعارض معنى مفهوم بطريق من هذه الطرق، ومعنى آخر مفهوم بطريق آخر منها رجح المفهوم من العبارة على المفهوم من الإشارة، ورجح المفهوم من أحدهما على المفهوم من الدلالة، والمعنى الإجمالي لهذه القاعدة: أن النص الشرعي قد يدل على معان متعددة بطرق متعددة من طرق الدلالة، وليست دلالته قاصرة على ما يفهم من عبارته وحروفه، بل هو قد يدل أيضا على معان تفهم من إشارته ومن دلالته ومن اقتضائه، وكل ما يفهم منه من المعاني بأي طريق من هذه الطرق يكون من مدلولات النص ويكون النص دليلا وحجة عليه، ويجب العمل به، لأن المكلف بنص شرعي مكلف بأن يعمل بكل ما يدل عليه هذا النص، بأي طريق من طرق الدلالة المقررة لغة، وإذا عمل بمدلول النص من بعض الوجوه، ولهذا قال الأصوليون: يجب العمل بما تدل عليه عبارة النص وما تدل عليه روحه ومعقولة، وهذه الطرق بعضها أقوى دلالة من بعض، ويظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض.
(القاعدة الثانية): في مفهوم المخالفة: (النص الشرعي لا دلالة له على حكم في مفهوم المخالفة)، فإذا دل النص الشرعي على حكم في محل مقيدا بقيد، بأن كان موصوفا بوصف أو مشروطا بشرط أو مغيّاً بغاية أو محددا بعدد، يكون حكم النص في المحل الذي تحقق فيه القيد هو منطوق النص، وأما حكم المحل الذي انتفى عنه القيد فهو مفهومه المخالف، والمعنى الإجمالي لهذه القاعدة: أن النص الشرعي لا دلالة له على حكم ما في المفهوم المخالف لمنطوقه، لأنه ليس من مدلولاته بطريق من طرق الدلالة الأربع، بل يعرف حكم المفهوم المخالف المسكوت عنه بأي دليل آخر من الأدلة الشرعية التي منها الإباحة الأصلية، فقوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام: 145]، منطوقة تحريم الدم المسفوح، وأما تحليل الدم غير المسفوح فهو مفهوم مخالف لمنطوقه ولا دلالة لهذه الآية عليه، بل يعرف بالإباحة الأصلية أو بأي دليل شرعي، مثل قول الرسول: (أحلت لكم ميتتان ودمّان، أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال)، وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] منطوقة أن من لم يستطع زواج الحرائر يباح له أن يتزوج الإماء المؤمنات، وأما من استطاع زواج الحرائر فلا دلالة لهذه الآية على حكمه، وكذلك الإماء غير المؤمنات لا دلالة لهذه الآية على حكم فيهن.
[مدى الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة] اتفق الأصوليون على عدم الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة في صورة، وعلى الاحتجاج به في صورة، واختلفوا في الاحتجاج به في صورة:1- فأما ما اتفقوا على عدم الاحتجاج بالنص على مفهوم المخالفة فيه فهو مفهوم اللقب، والمراد باللقب اللفظ الجامد الذي ورد في النص أسما وعلما على الذات المسند إليها الحكم المذكور فيه، ففي حديث: (في البر صدقة)، لفظ البر اسم للحب المعروف الذي أوجبت فيه زكاة، ولا يفهم لغةً ولا شرعاً ولا عرفاً أن ذكر البر احترازاً عما عداه من الحبوب، ولا أنّ ذكر الغنم احتراز عما عداها من السوائم، ولا أن إيجاب صدقة في البر يفهم منه أن لا صدقة في الشعير والذرة وغيرها من الحبوب، ولا أن إيجاب زكاة في الغنم يفهم منه أن لا زكاة في الإبل والبقر وغيرهما، فلهذا اتفق الأصوليين على عدم الاحتجاج بمفهوم المخالفة في اللقب، لأنه لا يقصد بذكره تقييد و لا تخصيص ولا احتراز عما عداه.
2- وأما ما اتفقوا على الاحتياج بمفهوم الوصف، أو الشروط، أو العدد، أو الغاية، في غير النصوص الشرعية، أي في عقود المتعاقدين وتصرفاتهم، وأقوال الناس وعبارات المؤلفين، ومصطلحات الفقهاء، فقول الواقف: جعلت ربع وقفي من بعدي لأقاربي الفقراء، منطوقة ثبوت الاستحقاق لأقاربه الفقراء، ومفهوم المخالفة له نفي استحقاق أقاربه غير الفقراء، ونصه حجة على الحكمين، وقول الواقف: جعلت ثمن ريع وقفي من بعدي لأرملتي إذا لم تتزوج، منطوقة ثبوت الاستحقاق لأرملته إذا لم تتزوج، ومفهوم المخالفة له نفي استحقاقها إذا تزوجت، ونصه حجة على الحكمين، وهكذا كل عبارة من أي عاقد أو متصرف أو مؤلف أو أي قائل، إذا قيدت بوصف أو شرط أو حددت بعدد أو غاية، تكون حجة على ثبوت الحكم الوارد بها حيث يوجد ما قيدت به، وعلى نفيه حيث ينتفي، لأن عرف الناس واصطلاحاتهم في النفس والتعبير على هذا؛ ولو لم يفهم النفي والإثبات كان التقييد في عرفهم عبثاً، إلا إذا قرينة على أن القيد ليس للتخصيص.
3- وأما الصورة التي اختلف الأصوليون في الاحتجاج بمفهوم المخالفة فيها فهي مفهوم المخالفة في الوصف، أو الشرط، أو الغاية، أو العدد في النصوص الشرعية خاصة، فذهب جمهور الأصوليين إلى أن النص الشرعي الدال على حكم في واقعة؛ إذا قيد بوصف أو شرط بشرط أو حدد بغاية أو عدد، يكون حجة على ثبوت حكمه في الواقعة التي وردت فيه بالوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد الذي ذكر فيه، ويكون حجة على ثبوت نقيض حكمه في الواقعة التي وردت فيه إذا كانت على خلاف الوصف، أو الشرط، أو الغاية، أو العدد الذي ذكر فيه، ويسمى حكمه الأول منطوقة، ويسمى حكمه الثاني مفهومه المخالف، فالتحريم للدم المسفوح والتحليل للدم غير المسفوح، كل منهما مدلوله قوله تعالى: {أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام: 145].
وذهب الأصوليون من الحنفية ؛ إلى أن النص الشرعي الدال على حكم في واقعة، إذا قيد بوصف أو شرط بشرط، أو حدد بغاية أو عدد، لا يكون حجة إلا على حكمه في واقعته، التي ذكرت فيه بالوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد الذي ذكر فيه، وأما الواقعة التي انتقى عنها ما ورد فيه من قيد، فلا يكون حجة على حكم فيها، بل يكون النص ساكتا عن بيان حكمها، فيبحث عن حكمها بأي دليل من الأدلة الشرعية التي منها أن الأصل في الأشياء الإباحة، وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بعده أدلة، أظهرها اثنان: (الأول): أن المتبادر إلى الفهم من أساليب العرب وعرفهم في استعمال عباراتهم؛ أن تقييد الحكم بوصف أو شرط، أو تحديده بغاية أو عدد، يدل على إثبات الحكم حيث يوجد القيد، وعلى نفيه حيث ينتفي، فمن قال: مطل الغنى ظلم، يفهم من قوله أن الفقير ليس كذلك، ومن قال: هب ابنك ساعة إذا نجح، يفهم منه لا تهبه إذا لم ينجح، ولهذا لما رأى عمر أنهم يقصرون الصلاة في السفر ولا خوف من فتنة الكفار لهم، تعجب من هذا وسأل الرسول: ما بالنا نقصر الصلاة في الأمن؟ فقال الرسول “صدقة تصدق الله بها عليم فاقبلوا صدقته”، ومنشأ هذا التعجب أن عمر فهم من قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء:101]، أنهم إن لم يخافوا الفتنه لا يقصرون، وهذا هو مفهوم المخالفة، والرسول في جوابه لم يخطئه في فهمه، وإنما دل على أن الله وسع عليهم ورخص لهم في حال الأمن أيضا.
و(الثاني): أن القيود التي ترد في النصوص، لابد أن تكون لحكمة، لأن الشارع لا يقيد بوصف أو شرط أو غاية أو عدد عبثا، وأظهر ما يتبادر إلى الفهم أن تكون هذه الحكمة تخصيص الحكم بما وجد فيه القيد، والتخصيص يقتضي نفي الحكم عما لم يوجد فيه القيد، ولا فرق في هذا بين النص الشرعي وغيره من عبارات الناس، إلا إذا دلت قرينة على أن الوصف أو الشرط أو الشرط أو غيرهما، ليس للقيد بل لغرض آخر مثل التفخيم أو المدح أو الذم أو الجري على الغالب، فلا يحتج بمفهوم المخالفة له، واستدل الأصوليين من الحنفية على مذهبهم بعدة أدلة، أظهرها اثنان:
(الأول): إنه ليس مطردا في الأساليب العربية أن تقييد الحكم بوصف أو شرط أو تحديد، بغاية أو عدد، يدل على إثبات الحكم حيث يوجد القيد وعلى نفيه حيث ينتفي، وكثيرا ما ترد العبارة مقيدة، ويتردد السامع في فهم حكم ما في انتفى فيه القيد، ويسأل المتكلم عنه ولا يستنكر عليه السؤال، فمن قال: إذا سألك صباحا فاقض حاجته، لا ينكر على سامعه إذا استفهم عمن سأله مساء، وإذا كانت الدلالة على نفي الحكم حيث ينتفي القيد غير مقطوع بها، فلا يكون النص الشرعي حجة عليه لأن النصوص الشرعية يجب الاحتياط في الاحتجاج بها، ولا تكون حجة بمجرد الاحتمال.
و(الثاني): أن كثيرا من النصوص الشرعية التي دلت على أحكام وقيدت بقيود، لم ينتف حكمها حيث انتفى القيد، بل ثبت حكم النص للواقعة التي فيها القيد، وللواقعة التي انتقى عنها، فالصلاة في السفر تقصر عن خاف المصلون فتنة الذين كفروا وإن لم يخافوا، مع أن النص شرط القصر بهذا الشرط: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 101]، والربيبة تحرم على زوج أمها إذا كانت في حجره، وإذا لم تكن في حجره، مع أن النص قيد التحريم بهذا الوصف: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم} [النساء: 23]، فالاحتياط في فهم النص الشرعي يوجب أن لا يحتج به على نفي الحكم إذا انتفى القيد، وكثير من النصوص، بعد أن ذكرت الحكم المقيد، نصت على مفهوم المخالفة له، مثل قوله تعالى: {مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23]، وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} [البقرة: 222]، وهذا دليل على أنه غير مفهوم قطعا من النص السابق، وإلا ما ذكره ثانيا، ويظهر أثر هذا الخلاف في مثل قوله تعالى في توريث بنات المتوفي: {فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11]، مع قول الرسول لأخي سعد بن الربيع: (أعط ابنتي سعد الثلثين وزوجة الثمن وما بقى فهو لك)، فعلى مذهب الجمهور يوجد تعارض بين مفهوم المخالفة للآية، وهو أن الواحدة والاثنتين لا يرثن الثلثين، وبين منطوق هذا الحديث الذي ورث البنتين الثلثين، ويرجح المنطوق، وعلى مذهب الأصوليين من الحنفية لا تعارض، لأن الحديث بين حكم واقعة مسكوت عنها في آية توريث البنات، وفي مثل قوله تعالى في قصر الصلاة في السفر: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 101]، مع قصر الرسول الصلاة في السفر حال الآمن وعدم خوف فتنة الذين كفروا، فعلى مذهب الجمهور يوجد تعارض بين مفهوم المخالفة ومنطوق الحديث، وعلى مذهب الأصوليين من الحنفية لا تعارض، والذي نستخلصه من المقارنة والمقابلة بين أدلة الطرفين: أن النص الشرعي حجة على مفهم المخالفة للوصف أو الشرط أو الغاية أو العدد، ولكن بعد البحث وإمعان النظر والتحقق من أن القيد الوارد في النص، إنما ورد للتخصيص والاحتراز به عما عداه، ولم يرد لحكمة أخرى، ولم يعارض هذا المفهوم بمنطوق نص آخر، وأما إذا دلت القرينة على أن القيد ليس للتخصيص ولا للاحتراز، بل ورد جريا على الغالب مثل {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23] أو لمجرد تفخيم الأمر مثل قول الرسول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج)، ([247]) .
أو لآية حكمه أخرى يدل عليها سياق النص أو حكمه التشريع، فلا يكون النص حجة على مفهوم المخالفة فيه.
(القاعدة الثالثة): في الواضح الدلالة ومراتبه: (الواضح الدلالة من النصوص: هو ما دلّ على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي، فإن كان يحتمل التأويل، والمراد منه ليس هو المقصود أصالة من سياقه، سمّى (الظاهر) ؛ وإن كان يحتمل التأويل والمراد منه هو المقصود أصالة من سياقه، سمّي (النص) ؛ وإن كان لا يحتمل التأويل ويقبل حكمه النسخ، سمّي (المفسر) ؛ وإن كان لا يحتمل التأويل ولا يقبل حكمه، سمّي (المحكم)، وكل نصّ واضح الدلالة يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه، ولا يصح تأويل ما يحتمل التأويل منه إلا بدليل)، هذه القاعدة خاصة ببيان الواضح الدلالة من النصوص الشرعية، وغير الواضح الدلالة منها، وبيان مراتب وضوح الواضح، ومراتب خفاء غير الواضح، وما يزال به هذا الخفاء، وأساس التفريق بين الواضح وغير والواضح هو: دلالة النص بنفسه على المراد منه من غير توقف على أمر خارجي أو توقفه على أمر خارجي، فما فهم المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي فهو الواضح الدلالة، وما لم يفهم المراد منه إلا بأمر خارجي فهو غير الواضح الدلالة، وأساس التفاوت في مراتب الوضوح هو: احتمال التأويل وعدم احتماله، فما فهم معناه من نفس صيغته ولا يحتمل أن يفهم منه معنى غيره، أوضح دلالة مما فهم معنى منه ويحتمل أن يفهم منه معنى غيره، وأساس التفاوت في مراتب الخفاء هو القدرة على إزالة الخفاء وعدمها، فما في دلالته خفاء، ولا سبيل إلى إزالة خفائه إلا بالرجوع إلى مصدره وهو الشارع، أخفى مما في دلالته خفاء، والطريق ممهدة لإزالة خفائه بالبحث والاجتهاد، وقد قسم علماء الأصول الواضح الدلالة إلى أربعة أقسام: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم: وهي في وضوح دلالتها على هذا الترتيب: فالمحكم أوضحها دلالة، ويليه المفسر، ثم النص، ثم الظاهر، وتظهر ثمرة هذا التفاوت عند التعارض.
(1) الظاهر: الظاهر في اصطلاح الأصوليين هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف فهم المراد منه على أمر خارجي، ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة من السياق، ويحتمل التأويل، فمتى كان المراد يفهم من الكلام من غير حاجة إلى قرينة، ولم يكن المقصود الأصلي من سياقه، يعتبر الكلام ظاهرا فيه، فقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، ظاهر في إحلال كل بيع وتحريم كل ربا ؛ لأن هذا معنى يتبادر فهمه من لفظي “أحلّ وحرّم” من غير حاجة إلى قرينة، وهو غير مقصود أصالة من سياق الآية، لأن الآية كما قدمنا مسوقة أصالة لنفي المماثلة بين البيع والربا ردا على الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275] لا بيان حكميهما، وقوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} [النساء: 4]، ظاهر في إباحة نكاح ما حل من النساء لأن هذا معنى يتبادر فهمه من لفظ، فانكحوا ما طاب لكم منهن من غير توقف على قرينة، وهو غير مقصود أصالة من سياق الآية ؛ لأن المقصود أصالة من سياقها هو قصر العدد على أربع أو واحدة كما قدمنا، وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7] ظاهر في وجوب طاعة الرسول في كل ما أمر به وكل ما نهى عنه؛ لأنه يتبادر فهمه من الآية، وليس هو المقصود أصالة من سياقه، لأن المقصود أصالة من سياقه هو: ما آتاكم الرسول من الفيء حين قسمته فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ([248]) .
ظاهر في حكم ميتة البحر، لأن ليس المقصود أصالة من السياق، إذ السؤال خاص بماء البحر، وحكم الظاهر: أنه يجب العمل بما ظهر منه ما لم يقم دليل يقتضي العمل بغير ظاهره، لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا إذا اقتضى ذلك دليل، وحكم الظاهر: أنه يجب العمل بما ظهر منه ما لم يقم دليل يقتضي العمل بغير ظاهره، لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره إلا إذا اقتضى ذلك دليل، وأنه يحتمل التأويل أي صرفه عن ظاهره وإرادة معنى آخر منه، فإن كان الظاهر عاماً يحتمل أن يخصص، وإن كان مطلقاً أن يقيد، وإن كان حقيقة يحتمل أن يراد به معنى مجازي، وغير ذلك من وجوه التأويل، وأنه يقبل النسخ، أي أن حكمه الظاهر منه يصح في عهد الرسالة وفي زمن التشريع، وأن ينسخ ويشرع حكم بدله متى كان من الأحكام الفرعية الجزئية التي تتغير بتغير المصالح وتقبل النسخ.
(2) النص: النص في اصطلاح الأصوليين: هو ما دل بنفس صيغته على المعنى المقصود أصالة من سياقه، ويحتمل التأويل، فمتى كان المراد متبادراً فهمه من اللفظ، ولا يتوقف فهمه على أمر خارجي، وكان هو المقصود أصالة من السياق، يعتبر اللفظ نصاً عليه، فقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] نص على نفي المماثلة بين البيع والربا، لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ ومقصود أصالة من سياقه وقوله تعالى:{فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء:4] نص على قصر أقصى عدد الزوجات على أربع، لأنه معنى متبادر فهمه من اللفظ ومقصود أصالة من سياقه، وقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]، نص على وجوب طاعة الرسول في قسمة الفيء إعطاءً ومنعاً لأنه المقصود من سياقه، وحكمه حكم الظاهر، فيجب العمل بما هو نص عليه، ويحتمل أن يؤول أي يراد منعه غير ما هو نص عليه، ويقبل النسخ على ما بينا في الظاهر، ولهذا أخذ من قوله تعالى:{فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم…} [النساء:4]، إباحة الزواج وقصر العدد على أربع، فكل من الظاهر والنص واضح الدلالة على معناه، أي لا يتوقف فهم المراد من كل منهما على أمر خارجي، ويجب العمل بما وضحت دلاله عليه إذا ما وجد ما يقضي هذا التأويل، والتأويل معناه في اللغة: بيان ما يؤول إليه الأمر، وقال تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59]، ومنه المآل، ومعناه في اصطلاح الأصوليين: صرف اللفظ عن ظاهره بدليل، ومن المقرر أن الأصل عدم صرف اللفظ ظاهره، وأن تأويله أي صرفه عن ظاهره، ولا يكون صحيحاً إلا إذا بني على دليل شرعي من نص أو قياس، أو روح التشريع أو مبادئه العامة، وإذا لم يبن التأويل على دليل شرعي صحيح بل بني على الأهواء والأغراض والانتصار لبعض الآراء، كان تأويلاً غير صحيح، وكذلك إذا عارض التأويل نصاً صريحاً، أو كان تأويلاً إلى ما لا يحتمله اللفظ، من أمثلة التأويل الصحيح: تخصيص عموم البيع في قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275]، بالأحاديث التي نهت عن بيع الغرر، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده، وعن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وهذا من تأويل الظاهر، لأن الآية كما قدمنا، نص ظاهر في إحلال كل بيع ونص في المماثلة، وتخصيص عموم المطلقات في قوله تعالى:{وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ} [الطلاق: 4]، وتقييد الدم المطلق في قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ}[المائدة:3]، بقوله تعالى:{أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} [الأنعام:145]، وهكذا من كل تخصيص أو تقييد، قضى به التوفيق بين نصوص القرآن والسنة، وكذلك تأويل الشاة في قوله صلى الله عليه وسلم: (في كل أربعين شاة: شاة)، والصاع من تمر في حديث المصرة: (من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار بين أن يمسكها وبين أن يردها وصاعا من تمر)، فإن ظاهر الحديث الأول أنه لا يجزئ في زكاة الأربعين شاة إلا واحدة منها، ولا تجزئ قيمتها، وظاهر الحديث الثاني أنه إذا رد المشتري الشاة المصراة لا يجزئ في تعويض البائع عما احتلب من لبنها إلا صاع من تمر، وهذا الظاهر، تقتضي حكمة التشريع والأصول العامة في التضمين تأويله وصرفه عن ظاهره، وإرادة معنى آخر يتفق معهما، لأن الغرض من إيجاب الشاة زكاة للأربعين دفع حاجة الفقراء، وقد تكون دفع حاجة الفقير بقيمة الشاة أكثر توافراً، فيراد بالشاة شاة، أو ما يعادلها من كل مال متقوم، ولأن الغرض من إيجاب صاع من تمر هو تعويض البائع عما أتلفه من لبن شاته، وقد يتراضيان على التعويض بقيمة اللبن، أو بأي تعويض آخر غير الصاع من التمر، والمقصود هو مثل ما أتلف أو قيمته، وهذا هو الأصل العام شرعاً في ضمان المتلفات، وكذلك تأويل الثلث للأم بثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين في إحدى المسألتين الغراوين، منعاً من زيادة نصيبها في الإرث عن نصيب الأب، ومن التأويل الذي هو موضع نظر: تأويل قوله تعالى:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة:89]، بإرادة عشرة مساكين أو مسكيناً واحد عشر مرات، وقوله تعالى:{فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً}[المجادلة:4]، بإرادة ستين مسكيناً أو مسكيناً واحد ستين مرة، وقوله تعالى:{وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}[النساء:86] بإرادة الهبة، أي إذا وهب أحدكم هبة فليعوض الواهب خيراً منها أو مثلها، وإغلاق باب التأويل كله والأخذ بالظاهر دائماً، كما هو مذهب الظاهرية، قد يؤدي إلى البعد عن روح التشريع والخروج عن أصوله العامة، وإظهار النصوص متخالفة، وفتح باب التأويل على مصراعيه بدون حذر واحتياط، قد يؤدي إلى الزلل والعبث بالنصوص ومتابعة الأهواء، والحق هو في احتمال التأويل الصحيح وهو ما دل عليه دليل من نص أو قياس أو أصول عامة، ولا يأباه اللفظ بل يحتمل الدلالة عليه بطريق الحقيقة أو المجاز، ولم يعارض نصاً صريحاً.
(3) المفسر: في اصطلاح الأصوليين: هو ما دل بنفسه على معناه المفصل تفصيلاً لا يبقى معه احتمال للتأويل، فمن ذلك، أن تكون الصيغة دالة بنفسها دلالة واضحة على معنى مفصل، وفيها ما ينفي احتمال إرادة غير معناها، كقوله تعالى في قاذفي المحصنات: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، فإن العدد المعين لا يحتمل زيادة ولا نقصاً، وقوله تعالى:{وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} [التوبة: 36]، فإن كلمة كافة تنفي احتمال التخصيص، ومن ذلك أن تكون الصيغة قد وردت مجملة، وألحقت من الشارع بيان تفسيري قطعي أزال إجمالها، وفصلها حتى صارت مفسرة لا تحتمل التأويل، كقوله تعالى:{وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، وكقوله{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران:97]، وكقوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]، فالصلاة والزكاة والحج والربا، كل هذه ألفاظ مجملة لها معان شرعية لم تفصل بنفس صيغة الآية، وقد فصل الرسول صلى الله عليه وسلم معانيها بأفعاله وأقواله، فصلى وقال:(صلوا كما رأيتموني أصلي)، ([249]) . وحج وقال: (خذوا عني مناسككم)، ([250]) . وفصل الزكاة وفصل الربا المحرم، وهكذا كل مجمل في القرآن، مكملً له مادام قطعياً، وهذا ما يسمى في الاصطلاح الحديث: التفسير التشريعي، أي الذي مصدره الشارع نفسه، فإن الرسول أعطاه الله سلطة التفسير والتفصيل بقوله سبحانه:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]، وحكم المفسر: أنه يجب العمل به كما فصل، ولا يحتمل أن يصرف عن ظاهره، ويقبل حكمه النسخ إذا كان مما بيناه في الظاهر، أي حكماً فرعياً يقبل التبديل، فالتفسير الذي ينفي احتمال التأويل هو التفسير المستفاد من نفس الصيغة، أو المستفاد من بيان تفسيري قطعي ملحق بالصيغة صادر من المشرع نفسه، لأن هذا البيان من القانون، وأما تفسير الشراًح والمجتهدين، فلا يعتبر جزءاً مكملاً للقانون ولا ينفي احتمال التأويل، وليس لأحد غير الشارع نفسه أن يقول فيما يحتمل التأويل المراد منه هو كذا لا غير، ويظهر من مقارنة التفسير بالتأويل، أن كلاً منهما تبيين للمراد من النص، ولكن التفسير تبيين للمراد بدليل قطعي من الشارع نفسه، ولهذا لا يحتمل أن يراد غيره.
(4) المحكم: المحكم في إصلاح الأصوليين: هو ما دل على معناه الذي لا يقبل إبطالاً ولا تبديلاً بنفسه دلاله واضحة لا يبقى معها احتمال للتأويل، فهو لا يحتمل التأويل أو إرادة معنى آخر غير ما ظهر منه، لأنه مفصل ومفسر تفسيراً لا مجال معه للتأويل، ولا يقبل النسخ في عهد الرسالة وفترة التنزيل ولا بعدها، لأن الحكم المستفاد منه، إما حكم أساسي من قواعد الدين لا يقبل التبديل: كعبادة الله وحده، والإيمان برسله وكتبه، أو من أمهات الفضائل التي لا تختلف باختلاف الأحوال: كبر الوالدين، والعدل، أو حكم فرعي جزئي، ولكن دل الشارع على تأييد تشريعه كقوله تعالى في قاذفي المحصنات:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً}[النور:4]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (الجهاد ماض إلى يوم القيامة)، وحكمه أنه يجب قطعاً العمل به، ولا يحتمل صرفه عن ظاهره ولا نسخه، وإنما قلنا لا يقبل النسخ، لأنه بعد عهد الرسول وانقطاع الوحي والتنزيل، صارت الأحكام الشرعية التي جاءت في القرآن والسنة كلها محكمة لا تقبل نسخاً، ولا إبطالاً، إذ لا توجد بعد الرسول سلطة تشريعية، تملك إبطال ما جاء به أو تبديله، وسيأتي توضيح هذا في مبحث النسخ، وهذه الأنواع الأربعة للواضح الدلالة، متفاوتة في وضوح دلالتها على المراد منها كما قلنا، ويظهر اثر هذا التفاوت عند التعارض، فإذا تعارض ظاهر ونص يرجح النص، لأنه أوضح دلالة من الظاهر من جهة أن معنى النص مقصود أصالة من السياق، ومعنى الظاهر غير مقصود أصالة من السياق، ولاشك في أن المقصود أصالة يتبادر إلى الفهم قبل غيره، فلهذا كانت دلالة النص أوضح من دلالة الظاهر، ولهذا يرجح الخاص على العام عند التعارض، لأن الخاص مقصود أصالة بالحكم، فاللفظ نص فيه، وهو في العام غير مقصود أصالة بل في ضمن أفراد، ومثال هذا قوله تعالى بعد عد المحرمات من النساء:{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} [النساء:24]، مع قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3]، فالآية الأولى ظاهرة في إحلال زواج خامسة لأنها مما وراء ذلكم، والآية الثانية نص في قصر إباحة الزواج على أربع، فلما تعارضا رجح النص لقوته في وضوح دلالته، وحرم زواج ما زاد على أربع، وإذا تعارض نص ومفسر يرجح المفسر، لأنه أوضح دلالة من النص من جهة أن تفسيره جعله غير محتمل للتأويل وجعل المراد منه متعيناً، ومثال هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة) ([251]) .مع قوله: (المستحاضة تتوضأ وقت كل صلاة)، فالأول: نص في إيجاب الوضوء لكل صلاة، لأنه يفهم من لفظه ومقصود من سياقه، والثاني مفسر لا يحتمل تأويلاً، لأن الأول يحتمل إيجاب الوضوء لكل صلاة ولو في وقت واحد، أو لوقت كل صلاة، ولو أدى في الوقت عدة صلوات، ولكن الثاني قطع هذا الاحتمال، فيرجح، وصار الحكم الشرعي هو إيجاب الوضوء للوقت وتصلي فيه ما شاءت من الفرائض والنوافل.
(القاعدة الرابعة): في غير الواضح الدلالة ومراتبه: (غير الواضح الدلالة من النصوص وهو ما يدل على المراد منه بنفس صيغته، بل يتوقف فهم المراد منه على أمر خارجي، إن كان يزال خفاؤه بالبحث والاجتهاد فهو (الخفي) أو (المشكل)، وإن كان لا يزال خفاؤه إلا بالاستفسار من الشارع نفسه فهو (المجمل)، وإن كان لا سبيل إلى إزالة خفائه أصلاً فهو (المتشابه)، قدمنا في القاعدة الثالثة أن مراتب الواضح الدلالة تتفاوت في وضوحها، وبينا في تلك القاعدة أقسام الواضح الدلالة، ونبين في هذه القاعدة أقسام الواضح الدلالة ومراتب خفائه وما يزال به الخفاء، وقد قسم الأصوليون غير الواضح الدلالة إلى أربعة أقسام أيضا: الخفي والمشكل، والمجمل، والمتشابه.
(1) الخفي: المراد بالخفي في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي يدل معناه دلالة ظاهرة، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء تحتاج إزالته إلى نظر وتأمل، فيعتبر اللفظ خفياً بالنسبة إلى البعض من الأفراد، ومنشأ هذا الغموض أن الفرد فيه صفة زائدة على سائر الأفراد أو ينقص عنها صفة، أو يكون له اسم خاص، فهذه الزيادة أو النقص أو التسمية الخاصة تجعله موضع اشتباه، فيكون اللفظ خفياً بالنسبة إلى الفرد، لأن تناوله له يفهم من نفس اللفظ، بل لابد له من أمر خارجي، مثال ذلك: لفظ السارق معناه ظاهر، وهو آخذ المال المتقوم المملوك للغير خفية من حرز مثله، ولكن في انطباق هذا المعنى على بعض الأفراد نوع غموض، كالنشال، فإنه آخذ المال في حاضر يقظان بنوع من المهارة وخفة اليد ومسارق الأعين، فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه جرأة المسارقة، ولذا سمي باسم خاص، فهل يصدق عليه لفظ السارق فتقطع يده، أولا يصدق عليه فيعاقب تعزيزاً؟ وقد ثبت بالاجتهاد اتفاقاً وجوب قطع يده من طريق دلالة النص، لأنه أولى بالحكم من جهة أن علة القطع أكثر توافراً فيه، وكالنباش، فإنه أخذ مال غير مرغوب فيه عادة من قبور الموتى، كأكفانهم وثيابهم، فهو يغاير السارق من جهة أنه لا يأخذ مملوكاً من حرز، ولذا سمي باسم خاص به، فهل يصدق عليه لفظ السارق فتقطع يده،أو لا يصدق فيعاقب تعزيزاً؟! وكذا لفظ القاتل في حديث (لا يرث القاتل)، ([252]) . هل يتناول القاتل خطأ أو بالتسبب أو لا يتناوله؟ والبائع إذا أخذ من المشتري نقوداً على أن يأخذ منها ثمن البيع ويرد الباقي فاختفى، هل يصدق عليه أنه سارق أو خائن الأمانة؟ وكذا كل لفظ دل دلالة ظاهرة على معناه ولكن وجد خفاء واشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد يعتبر اللفظ خفياً بالنسبة إلى الأفراد، والطريق لإزالة هذا الخفاء هو بحث المجتهد وتأمله، فإن رأى اللفظ يتناول هذا الفرد ولو بطريق الدلالة جعله من مدلولاته فأخذ حكمه، وإن رأى اللفظ لا يتناوله بأي طريق من طرق الدلالة لم يجعله من مدلولاته فلا يأخذ حكمه، وهذا مما تختلف فيه أنظار المجتهدين، ولذلك جعل بعضهم النباش سارقاً ولم يجعله آخرون، ومرجعهم في اجتهادهم لإزالة هذا الخفاء هو علة الحكم، وحكمته، وما ورد في هذا الشأن من النصوص، فقد تكون العلة أكثر توافراً في هذا الفرد، وربما لا تكون متحققة فيه، وقد يدل على حكمه نص آخر يتناوله بوضوح.
(2) المشكل: المراد بالمشكل في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لابد من قرينة خارجية تبين ما يراد منه، وهذه القرينة في متناول البحث، فسبب الخفاء في الخفي ليس من نفس اللفظ، ولكن من اشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد لعوامل خارجية، وأما سبب الخفاء في المشكل فمن نفس اللفظ لكونه موضوعاً لغة لأكثر من معنى، ولا يفهم المعنى المراد منه بنفسه أو لتعارض ما يفهم من نص مع ما يفهم من نص آخر، وقد ينشأ الإشكال في النص من لفظ مشترك فيه، فإن اللفظ المشترك موضوع لغة لأكثر من معنى واحد، ليس في صيغته دلالة على معنى معين مما وضع له، فلابد من قرينة خارجية تعينه، كلفظ القرء في قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، فإنه موضوع في اللغة للطهر وللحيض، فأي المعينين هو المراد في الآية؟ وهل تنقضي عدة المطلقة بثلاث حيضات أو بثلاث أطهار؟ ذهب الشافعي وبعض المجتهدين إلى أن القرء في الآية المراد منه الطهر، والقرينة هي تأنيث اسم العدد لأنه يدل لغة على أن المعدود مذكر وهو الأطهار ولا الحيضات، وذهبت الحنفية وفريق آخر من المجتهدين إلى أن القرء في الآية هو الحيض والقرينة: أولاً: حكمة تشريع العدة، فإن الحكمة في إيجاب العدة على المطلقة يعرف براءة رحمها من الحمل، والذي يعرف هذا هو الحيض لا الطهر، وثانياً: قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[الطلاق:4]، فإنه جعل مناط الاعتداد بالأشهر عدم الحيض، فدل على أن الأصل هو الاعتداد بالحيض، وثالثاً: قول الرسول صلى الله عليه وسلم (طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان) ([253]) . فالتصريح بأن عدة الأمة بالحيض بيان للمراد بالقرء في اعتداد الحرة، أما تأنيث اسم العدد فلمراعاة تذكير لفظ المعدود وهو القرء، وقد ينشأ الإشكال في النصوص بعضها ببعض، أي يكون كل نص حدته ظاهر الدلالة على معناه ولا إشكال في دلالته، ولكن الإشكال في التوفيق والجمع بين هذه النصوص، ومثال قوله تعالى:{مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء:79]، مع قوله سبحانه: {قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ} [النساء:78]، وقوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} [الأعراف:28]، مع قوله سبحانه:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}[الإسراء:16]، وهذه النصوص ظاهرها التعارض، والطريق لإزالة إشكال المشكل هو الاجتهاد، فعلى المجتهد، إذا ورد في النص لفظ مشترك أن يتواصل بالقرائن والأدلة التي نصبها الشارع إلى إزالة إشكاله وتعيين المراد منه، كما تبين من اجتهاد المجتهدين تعيين المراد بلفظ القرء في للآية واختلاف وجهة نظرهم في هذا التعيين، وإذا وردت نصوص ظاهرها التخالف والتعارض، فعلى المجتهد أن يؤولها تأويلاً صحيحاً يوفق بينها، ويزيل ما في ظاهرها من اختلاف، وهاديه في هذا الدليل: إما نصوص أخرى، أو قواعد الشرع أو حكمة التشريع.
(3) المجمل: لمراد بالمجمل في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا يوجد قرائن لفظية أو حالية تبينه، فسبب الخفاء فيه لفظي لا عارض، فمن مجمل الألفاظ التي نقلها الشارع عن معانيها اللغوية ووضعها لمعان اصطلاحية شرعية خاصة، كألفاظ الصلاة والزكاة والصيام والحج والربا، وغير هذا من كل لفظ أراد به الشارع معنى شرعياً خاصاً لا معناه اللغوي، فإذا ورد لفظ منها في نص شرعي كان مجملاً حتى يفسره الشارع نفسه، ولذا جاءت السنة العملية والقولية بتفسير الصلاة وبيان أركانها وشروطها وهيئاتها، وقال الرسول (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وكذلك فسر الزكاة والصيام والحج والربا وكل ما جاء مجملاً في نصوص القرآن، ومن المجمل اللفظ الغريب الذي فسره النص نفسه بمعنى خاص، كلفظ القارعة في قوله تعالى:{الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة:1:4]، ولفظ الهلوع في قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}}[المعارج:19:21]، فكل لفظ لا يفهم المراد منه بنفسه بسبب وضعه لغة لأكثر من معنى إذا حفت به قرائن يمكن أن يتوصل بها إلى تعيين المراد منه فهو (المشكل)، وكل لفظ لا يفهم منه المراد بنفسه إذا لم تحف به قرائن يتوصل بها إلى فهم المراد منه فهو (المجمل)، فسبب إجمال اللفظ إنا كونه من المشترك الذي لا تحف به قرينة تعين أحد معانيه، أو إرادة الشارع منه معنى خاصاً غير معناه اللغوي، أو غرابة اللفظ وغموض المراد منه والمجمل بأي سبب من هذه الأسباب الثلاثة لا سبيل إلى بيانه وإزالة إجماله وتفسير المراد منه إل بالرجوع إلى الشارع الذي أجمله، لأنه هو الذي أبهم مراده ولم يدل عليه لا بصيغة لفظية ولا بقرائن خارجية، فإليه يرجع في بيان ما أبهمه، وإذا صدر من الشارع بيان للمجمل ولكنه بيان غير واف بإزالة الإجمال صار به المجمل من المشكل، وفتح الطريق للبحث والاجتهاد لإزالة إشكاله، ولم يتوقف بيانه على الرجوع إلى الشارع، لأن الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين فتح الباب للبيان بالتأمل والاجتهاد، ومثال ذلك الربا، ورد في القرآن مجملاً وبينه الرسول بحديث الأموال الربوية الستة، ولكن هذا البيان ليس وافياً لأنه لم يحصر الربا فيها، وبهذا فتح الباب لبيان متى يكون فيه الربا قياسا على ما ورد في الحديث، وفتح الطريق لبيانه بالاجتهاد.
(4) المتشابه: المراد بالمتشابه في اصطلاح الأصوليين: اللفظ الذي لا تدل صيغته بنفسها على المراد منه، ولا توجد قرائن خارجية تبينه، واستأثر الشارع بعلمه فلم يفسره، والمتشابه بهذا المعنى ليس في النصوص منه شئ، فلا يوجد في آيات الأحكام أو أحاديث الأحكام لفظ متشابه لا سبيل إلى علم المراد منه، وإنما يوجد في مواضع أخرى من النصوص مثل الحروف المقطعة في أوائل بعض السور: {الم} [البقرة:1]، {ص} [ص:1]، {حم} [غافر:1]، ومثل الآيات التي ظاهرها أن الله يشبه خلقه في أن له يداً وعيناً ومكاناً، مثل قوله تعالى:{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:10]، وقوله:{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود:37]، وقوله:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة:7]، فالحروف الهجائية المقطعة في أوائل بعض السور لا تدل بنفسها على المراد منها، ولم يفسر الله ما أراده منها فهو أعلم بمراده، وكذلك الآيات الموهم ظاهرها تشبيه الخالق بخلقه لا يمكن أن يفهم منها معنى ألفاظها اللغوية، لأن الله سبحانه منزه عن اليد والعين والمكان وكل ما يشبه خلقه، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولم يبين الشارع ما أراد منها فهو أعلم بمراده، هذا هو رأي السلف في معنى المتشابه، فهم يفوضون إلى الله علمه ويؤمنون به ولا يبحثون تأويله، وأما رأي الخلف في أن هذه الآيات ظاهرها مستحيل، لأن الله لا جارحة له ولا مكان، ويراد به معنى يحتمله اللفظ ولو بطريق المجاز، وليس فيه تشبيه الخالق بخلقه، فقوله تعالى:{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:10]، تأويله: قدرة الله فوق قدرتهم، وقوله: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37]، واصنع الفلك برعايتنا وإحاطتنا، وقوله:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة:7]، وتأويله: أنه سبحانه مع كل من يتناجون بعلمه وإحاطته وهكذا، ومنشأ هذا الخلاف اختلافهم في قوله تعالى في شأن المتشابهات:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران:7]، فمن جعل الوقف على لفظ الجلالة قال لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فنؤمن به ونفوض علمه له ولا نبحث في تأويله، ومن جعل الوقف على:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7]، قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، فهم يعلمون تأويله بإرادة معنى يحتمله اللفظ، ويتفق وتنزيه الخالق عن مشابهة خلقه، وعلى هذا – على المذهب الثاني وكلاهما صحيح معبر عن قول أهل السنّة والجماعة في المتشابه – ليس في القرآن ما لا سبيل إلى علم المراد منه، وإنما فيه ألفاظ تدل على المراد منها بنفسها من غير اشتباه ولا احتمال للتأويل والاختلاف، وفيه ألفاظ تدل على معنى ويحتمل أن يراد منها غيره، وهذه مجال البحث والاجتهاد لإزالة الاحتمال وتعيين المراد، وفيه ألفاظ لا تدل على المراد منها بنفسها ولكن أحاطها الشارع بقرائن أو ألحقها ببيان يفسر ما أراد منها، لأن الله انزل القرآن للتدبر والذكر فكيف يكون في آياته ما لا سبيل إلى فهمه مطلقاً؟! والمقطعات في أوائل بعض السور ذكرت للدلالة على أن القرآن الذي أعجز الناس هو مكون من حروفهم وليس من حروف أخرى غريبة عنهم، ولهذا يُرى أن أكثر السور المبدوءة بهذه المقطعات فيها ذكر الكتاب بعد سرد هذه الحروف.
(القاعدة الخامسة): في المشترك ودلالته: إذا ورد في النص الشرعي لفظ المشترك، فإن كان مشتركاً بين معنى لغوى ومعنى اصطلاحي شرعي، وجب حمله على المعنى الشرعي، وإن كان مشتركاً بين معنيين أو أكثر من المعاني اللغوية وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يعينه، ولا يصلح أن يراد بالمشترك معنياه أو معانيه معاً، هذه القاعدة الخامسة والقاعدتان السادسة والسابعة الآتيتان خاصة ببيان الألفاظ الثلاثة التي ترد كثيراً في النصوص الشرعية، وهي اللفظ المشترك، واللفظ العام، واللفظ الخاص، وبيان ما يدل عليه كل واحد منهما إذا ورد في النص، والفرق الجوهري بين هذه الألفاظ الثلاثة من حيث المعنى: أن المشترك لفظ وضع لمعان متعددة بأوضاع متعددة: كلفظ السنة وضع للهجرية وللميلادية، ولفظ اليد لليمنى واليسرى، وإن العام لفظ وضع لمعنى واحد، وهذا المعنى الواحد يتحقق في أفراد كثيرين غير محصورين في اللفظ وإن كانوا في الواقع محصورين، أي أنه بحسب وضعه اللغوي لا يدل على عدد محصور من هذه الأفراد، وإنما يدل على شمول جميع هذه الأفراد كلفظ الطلبة يدل على معنى يتحقق في أفراد غير محصورين ويشملهم جميعاً، وإن الخاص لفظ لمعنى يتحقق في فرد واحد أو أفراد محصورين كلفظ محمد أو الطالب، فالاشتراك يتحقق بتعدد المعاني التي وضع لها اللفظ بأوضاع متعددة، والعموم يتحقق بدلالة اللفظ على شمول جميع الأفراد التي يصدق عليها من غير حصر، والخصوص يتحقق بدلالة اللفظ على الفرد أو الأفراد المحصورين التي يصدق عليها من غير شمول، فاللفظ المشترك، وهو ما وضع لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة، يدل على ما وضع له على سبيل البدل، أي يدل على هذا المعنى أو ذاك، كلفظ العين وضع في اللغة للباصرة، ولعين الماء النابع، ولفظ القرء وضع في اللغة للطهر، وللحيض، ولفظ السنة، ولفظ اليد، وأسباب وجود الألفاظ المشتركة في اللغة كثيرة، وأهمها اختلاف القبائل في استعمال الألفاظ للدلالة على معان، فبعض القبائل تطلق اليد على الذراع كله، وأخرى تطلق اليد على الساعد والكف، وأخرى تطلقها على الكف خاصة، فنقلة اللغة يقررون أن اليد في اللغة العربية لفظ مشترك بين المعاني الثلاثة، ومنها أن يوضع اللفظ على سبيل الحقيقة لمعنى، ثم يستعمل في غير ما وضع له مجازاً، ثم يشتهر استعمال هذا اللفظ في المعنى المجازي حتى يتناسى أنه مجازي، فيقرر علماء اللغة أن اللفظ موضوع لهذا ولهذا: كلفظ السيارة، ولفظ الدراجة، ومنها أن يوضع اللفظ لمعنى ثم يوضح اصطلاح شرعي أو قانوني لمعنى آخر، كلفظ الصلاة، وأيا كان سبب وقوع الاشتراك في الألفاظ لغة فإن الألفاظ المشتركة بين معينين أو أكثر ليست قليلة في اللغة، وواردة في النصوص الشرعية من آي القرآن وأحاديث الرسول، وهي كما قدمنا من باب المشكل ما دامت توجد قرائن يتوصل بها إلى ترجيح أحد المعاني، وعلى المجتهد أن يزيل إشكالها ويعين المراد من كل لفظ منها إذا ورد في نص شرعي، والمشترك قد يكون اسماً كما مثلنا، أو فعلاً كصيغة الأمر للإيجاب وللندب، أو حرفا مثل الواو للعطف وللحال، فإذا كان اللفظ المشترك الوارد في النص الشرعي مشتركاً بين معنى لغوي ومعنى اصطلاحي شرعي، فلفظ الصلاة وضع لغة للدعاء، ووضع شرعاً للعبادة المخصوصة، ففي قوله تعالى:{أَقِيمُواْ الصَّلاةَ} [الأنعام:72]، يراد منه معناه الشرعي وهو العبادة المخصوصة لا معناه اللغوي، وهو الدعاء، ولفظ الطلاق وضع لغة لحل أي قيد، ووضع شرعاً لحل قيد الزوجية الصحيحة، ففي قوله تعالى:{الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة:229]، يراد منه معناه الشرعي لا اللغوي، وهكذا كل لفظ مشترك بين معنى لغوي ومعنى شرعي إذا ورد في نص شرعي، فمراد الشارع منه معناه الذي وضعه له، لأنه لما نقل هذا اللفظ عن معناه اللغوي إلى المعنى الخاص الذي استعمله فيه، كان اللفظ في لسان الشارع الدلالة على ما وضعه الشارع له، وإذا كان اللفظ المشترك الوارد في النص الشرعي مشتركاً بين عدة معان لغوية، وجب الاجتهاد لتعيين المعنى المراد منها، لأن الشارع ما أراد باللفظ إلا أحد معانيه، وعلى المجتهد أن يستدل بالقرائن والأمارات والأدلة على تعيين هذا المراد، فلفظ القرء في قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة:228]، مشترك بين الطهر والحيض، وقد بينا في الكلام على المشكل ما استدل به بعض المجتهدين على أن المراد به الطهر، وما استدل به آخرون على أن المراد به الحيض، ولفظ اليد في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [النساء:38]، مشترك بين الزراع (من رؤوس الأصابع إلى المناكب)، وبين الكف والساعد (من رؤوس الأصابع إلى المرافق)، وبين الكف (من رؤوس الأصابع إلى الرسغين)، وبين اليمنى واليسرى، وقد استدل جمهور المجتهدين بالسنة العلمية على تعيين المراد منها في الآية، وهو المعنى الأخير أي من رؤوس الأصابع إلى الرسغين في اليمنى، ولفظ الكلالة في قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ} [النساء:12]، يطلق لغة على من لم يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا بوالد من المخلفين، وعلى القرابة من جهة غير الولد والوالد، وقد استدل جمهور المجتهدين باستقرار آيات التوريث على تعيين أن المراد في الآية هو المعنى الأول، ولفظ الواو في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121]، مشترك، يستعمل للعطف ويستعمل للحال، فإن أريد به هنا الحال كان النهي وارداً على ما لم يذكر اسم الله عليه، والحال أنه فسق، أي ذكر عليه حين ذبحه اسم غير الله، وإن أريد به العطف كان النهي وارداً على ما لم يذكر اسم الله عليه مطلقاً، سواء ذكر عليه حين الذبح اسم غير الله أم لم يذكر، والمجتهدون انقسموا في تعيين المراد منها في الآية إلى رأيين، ولكل وجهة، ولا يصح أن يراد باللفظ معنيان أو أكثر من معانيه معا، بحيث يكون الحكم الذي ورد في النص متعلقً وقت واحد بأكثر من معنى، لأن اللفظ ما أراد به الشارع إلا معنى واحد من معانيه، ووضعه لمعان متعددة إنما هو على سبيل البدل، أي أنه إما أن يدل على هذا أو ذاك، فأما دلالته على هذا وذاك في وقت واحد، فهو تحميل اللفظ ما لا يدل عليه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، فلا يصح أن يراد بالقرء في الآية الطهر والحيض معاً، بحيث أن المطلقة إن شاءت تربصت ثلاثة أطهار، وإن شاءت تربصت ثلاثة حيضات، لأن اللفظ لا يدل على هذا بأي طريق من طرق الدلالة، وكذلك الحال في نصوص القوانين الوضعية إذا ورد فيها لفظ مشترك بين عدة معان لغوية، ولم يبين الشارع المعنى الذي أراده منه، وجب الاجتهاد في تعيين المعنى، إما بواسطة نصوص أخرى في القانون، وإما بالرجوع إلى قواعد التشريع، ولا يصح أن يراد من لفظ مشترك في نص أكثر من معنى واحد، لأن اللفظ المشترك ما وضع إلا لمعنى واحد ولكنه دائر بين اثنين أو أكثر.
(القاعدة السادسة): في العام ودلالته: (إذا ورد في النص الشرعي لفظ عام ولم يقم دليل على تخصيصه، وجب حمله على عمومه وإثبات الحكم لجميع أفراده قطعاً، فإن قام دليل على تخصيصه وجب حمله على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، وإثبات الحكم لهذه الأفراد ظنا لا قطعاً، ولا يخصص عام إلا بدليل يساويه أو يرجحه في القطعية أو الظنية).
(1) تعريف العام: العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه لجميع الأفراد، التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها، فلفظ (كل عقد) في قول الفقهاء: كل عقد يشترط لانعقاده أهلية العاقدين، لفظ عام يدل على شمول كل ما يصدق عليه أنه من غير عقد من غير حصر في عقد معين أو عقود معينة، ولفظ (من ألقى) في حديث: (من ألقى سلاحه فهو آمن)، لفظ عام يدل على استغراق كل فرد من غير سلاحه من غير حصر في فرد معين أو أفراد معينين، ومن هذا يؤخذ أن العموم من صفات الألفاظ لأنه دلالة اللفظ على استغراقه لجميع أفراده، وأن اللفظ إذا دل على فرد واحد كرجل، أو اثنين كرجلين، أو كمية محصورة من الأفراد كرجال ورهط ومائة وألف، فليس من ألفاظ العموم، وأن الفرق بين العام والمطلق، هو أن العام يدل على شمول كل فرد من أفراده، وأما المطلق فيدل على فرد شائع أو أفراد شائعة لا على جميع الأفراد، فالعام يتناول دفعة واحدة كل ما يصدق عليه من الأفراد، والمطلق لا يتناول دفعة واحدة إلا فرداً شائعاً من الأفراد، وهذا هو المراد بقول الأصوليين: (عموم العام شمولي، وعمومي المطلق بدلي).
(2) ألفاظ العموم: باستقرار المفردات والعبارات في اللغة العربية دل على أن الألفاظ التي تدل بوضعها اللغوي على العموم والاستغراق لجميع أفرادها هي:
1-لفظ كل، ولفظ جميع: (كل راع مسئول عن رعيته)، {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة:29]، (كل خطأ يحدث ضرراً بالغير يلزم فاعله بالتعويض).
2- المفرد المعرف بأل تعريف الجنس: {الزانية والزاني} [النور:2]، {السارق والسارقة} [المائدة:38]، {واحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275]، (البيع ينقل الملكية)، لأن الجنس يتحقق في كل فرد من أفراده لا في فرد خاص أو أفراد مخصوصين، 3- الجمع المعرف بأل تعريف الجنس: {والمطلقات يتربصن} [البقرة:228]، {والمحصنات من النساء} [النساء:24]، والجمع المعرف بالإضافة: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة:103]، {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء:23]، 4- الأسماء الموصولة: {والذين يرمون المحصنات} [النور:4]، {واللأئي يئسن من المحيض} [الطلاق:4], {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق:4]، {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}[النساء:24]، 5- أسماء الشرط: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء:92]، {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة:245]، 6- النكرة في سياق النفي أي النكرة المنفية: (لا ضرر ولا ضرار)، (لا هجرة بعد الفتح)، {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}[البقرة:233]، فلكل لفظ من هذه الألفاظ موضوع في اللغة وضعاً حقيقياً للدلالة على استغراق جميع أفراده، وإذا استعمل في غير هذا الاستغراق كان استعمالاً مجازياً، لابد له من قرينة تدل عليه وتصرفه عن المعنى الحقيقي.
(3) دلالة العام: لم يختلف الأصوليين في أن كل لفظ من ألفاظ العموم التي بيناها موضوع لغة لاستغراق جميع ما يصدق عليه من الأفراد، ولا أنه إذا ورد في نص شرعي دل على ثبوت الحكم المنصوص عليه لكل ما يصدق عليه من الأفراد، إلا إذا قام دليل تخصيص على الحكم ببعضها، وإنما اختلفوا في صفة دلالة العام الذي لم يخصص على استغراقه لجميع أفراد، هل هي دلالة قطعية أو دلالة ظنية، فذهب فريق منهم وفيهم الشافعية إلى أن العام الذي لم يخصص ظاهر العموم لا قطعي فيه، فهو ظني الدلالة على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص كان ظني الدلالة أيضاً على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده، ويترتب على هذا أنه يصح تخصيص العام بالدليل الظني مطلقاً، سواء كان أول تخصيص أو ثاني تخصيص، لأن الظني يخصص بالظني، وانه لا يتحقق التعارض بين الدليلين أن يكونا قطعيين أو ظنيين، بل يعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما عداه، وحجتهم على ما ذهبوا إليه أن استقرار النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العموم دل على أنه ما من عام إلا وخُصِّص، وعلى أن العام الذي بقي على عمومه نادر جداً، وما استفيد بقاؤه على عمومه إلا من قرينة صاحبته، وإذا كان هذا الشأن والكثير فهو بناء على عام الكثير الغالب محتمل للتخصيص، وعلى هذا فالعام المطلق عن دليل يخصصه ظاهر في العموم لا قطعي فيه، وذهب فريق منهم وفيهم الحنفية إلى أن العام الذي لم يخصص قطعي في العموم، فهو قطعي الدلالة على استغراقه لجميع أفراده، وإذا خصص صار ظاهراً في دلالته على ما بقي بعد التخصيص، أي ظني الدلالة عليه، ففي هذا المذهب: العام الذي لم يخصص قطعي الدلالة على استغراقه جميع الأفراد، وإذا خصص صار ظني الدلالة على ما بقي من أفراده بعد التخصيص، ويترتب على هذا أنه أن يصح العام أول تخصيص بدليل ظني، لأن الظني لا يخصص القطعي، وأنه يصح أن يخصص ثانياً وثالثاً بدليل ظني، لأنه بعد التخصيص الأول صار ظنياً، والظني يخصص الظني، وأنه يتحقق التعارض بين العام الذي لم يخصص، وبين الخاص القطعي لأنهما قطعيان، وحجتهم على ما ذهبوا إليه (أن اللفظ العام موضوع حقيقة لاستغراق جميع ما يصدق عليه معناه من الأفراد)، واللفظ حين إطلاقه يدل على معناه الحقيقي قطعاً، فالعام المطلق عن قرينة تخصصه يدل على العموم قطعاً، ولا يصرف عن معناه الحقيقي إلا بدليل، ولهذا استدل الصحابة والتابعون والأئمة والمجتهدون بعموم الألفاظ العامة التي وردت في النصوص مطلقة عن التخصيص، واستنكروا تخصيصها من غير دليل، فإذا خصص العام بدليل دل هذا على صرفه عن متناه الحقيقي وهو العموم، واستعماله معنى مجازي وهو الخصوص، وصار محتملاً لتخصيص ثان قياسياً على التخصيص الأول، لأن علة التخصيص الأول قد تتحقق في أفراد أخرى، ولهذا صار العام الذي خصص ظني الدلالة على ما بقي بعد التخصيص، والذي يظهر بعد المقارنة بين أدلة الفريقين وأمثلتهما وشواهدهما أنه ليس بين رأييهما اختلاف جوهري من الناحية العلمية، لأنه لا خلاف بينهما في أن العام يجب العمل بعمومه حتى يقوم على تخصيصه دليل، ولا في العام يحتمل أن يخصص بدليل، وأن تخصيصه بغير دليل تأويل غير مقبول، والقائلون بأن العام الذي لم يقم دليل على تخصيصه قطعي الدلالة على العموم، ما أرادوا بكونه قطعي الدلالة أنه لا يحتمل التخصيص مطلقاً، وإنما أرادوا أنه ل يخصص إلا بدليل والقائلون بأنه ظني الدلالة على العموم ما أرادوا أنه يخصص مطلقاً، وإنما أرادوا أنه يخصص بالدليل.
(4) أنواع العام: وقد ثبت باستقراء النصوص أن العام ثلاثة أقسام: (1) عام يراد به قطعاً العموم، وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه، كالعام في قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} [هود:6]، وفي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30]، ففي كل واحدة من هاتين الآيتين، تقرير سنة إلهية عامة لا تتخصص ولا تتبدل، فالعام فيهما قطعي الدلالة على العموم، ولا يحتمل أن يراد به الخصوص، (2) وعام يراد به قطعاً الخصوص، وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي بقاءه على عمومه وتبين أن المراد منه بعض أفراد، مثل قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران:97]، فالناس في هذا النص عام، ومراد به خصوص المكلفين لأن العقل يقضي بخروج الصبيان والمجانين، مثل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ} [التوبة:120]، فأهل المدينة والأعراب في هذا النص لفظان عامان مراد بكل منهما خصوص القادرين، لأن العقل لا يقضي بخروج العجزة، فهذا عام مراد به الخصوص، ولا يحتمل أن يراد به العموم، (3) عام مخصوص، وهو العام المطلق الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم، مثل أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم، مطلقه عن قرائن لفظية أو عقلية أو عرفية تعين العموم أو الخصوص، وهذا ظاهر في العموم حتى يقوم الدليل على تخصيصه، مثل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}[البقرة:228]، قال الشوكاني في التفريق بين العام الذي يراد به الخصوص، والعام المخصوص: العام الذي يراد به الخصوص هو العام الذي صاحبته حين النطق به قرينة دالة على انه مراد به الخصوص لا العموم، مثل خطابات التكليف العامة، فالمراد بالعام فيها خصوص من هم أهل للتكليف لاقتضاء العقل إخراج من ليسوا مكلفين، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}[الأحقاف:25]، فالمراد كل شيء مما يقبل التدمير، وأما العام المخصوص فهو الذي لم تصحبه قرينة دالة على أنه مراد به بعض أفراده، وهذا ظاهر في دلالته على العموم حتى يقوم دليل على تخصيصه.
(5) تخصيص العام: تخصيص العام في اصطلاح الأصوليين: هو تبيين أن مراد الشارع من العام ابتداء بعض أفراده لا جميعها، أو هو تبيين أن الحكم المتعلق بالعام هو من ابتداء تشريعه حكم لبعض أفراده، فحديث: (لا قطع في اقل من ربع دينار)، تخصيص للعام في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38]، لأنه تبيين لأن حكم القطع ما شرع لكل سارق وسارقة، وحديث: (ليس للقاتل ميراث) تخصيص لعموم الوارث في آيات المواريث، لأنه تبيين لأن حكم الإرث ما شرع لكل قريب، أما إذا شرع الحكم ابتداء متعلقاً بكل أفراد العام، ثم قضت المصلحة بقصر الحكم على بعض أفراده، وقام الدليل على هذا القصر فلا يسمى هذا في اصطلاح الأصوليين تخصيصاً، وإنما يسمى نسخاً جزئياً، لأنه إبطال العمل بحكم العام بالنسبة لبعض أفراده، فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عاماً، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته، ودل على هذا حديث ابن مسعود قال: كنا جلوس في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل أنصاري فقال يا رسول الله، أرأيتم الرجل يجد مع زوجته رجلاً، فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟ ثم قال (اللهم افتح)، فنزلت آية اللعان في سورة النور: {والذين يرمون أزواجهم000} [النور: 6]، ([254]) . الآيات، ومن هذا ينتج أن التخصيص في اصطلاح الأصوليين لابد أن يكون بدليل مقارن للتشريع العام، لأنه بهذا المقارنة يتبين أن المراد ابتداء من العام بعض أفراده، وأما إذا كان متأخراً عنه فهو نسخ جزئي له.
(6) دليل التخصيص: دليل التخصيص قد يكون غير مستقل لفظاً عن نص العام بأن يكون متصلاً به كالجزء منه، وقد يكون مستقلاً عن نص العام، ومنفصلاً عنه، ومن أظهر الأدلة المتصلة غير المستقلة: الاستثناء، والشرط، والوصف، والغاية، فالاستثناء كقوله تعالى في آية المداينة، بعد أن أمر بكتابة الدين المؤجل: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا}[البقرة:282]، والشرط كقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ}[النساء:101]، والوصف كقوله تعالى: {مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ}[النساء:23]، والغاية كقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}[المائدة:6]، ومن أظهر أدلة التخصيص المستقلة المنفصلة: العقل، والعرف، والنص، وحكمة التشريع، فمن التخصيص بالعقل، ما بيناه من قبل من تخصيص الناس في قوله تعالى:{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}[آل عمران:97]، بمن عدا فاقدي الأهلية من الصبيان والمجانين، وتخصيص العام في كل خطاب تكليفي بمن هم أهل للتكليف، وتخصيص أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب القادرين على الجهاد مع الرسول، لأن العقل يقضي بأن يوجه الخطاب إلى من هم أهل له، وأن يخص الذي يقتضيه العقل، ومن التخصيص بالعرف، تخصيص الوالدات في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233]، بمن عدا الوالدة الرفيعة القدر، التي ليس من عادة مثلها أن تلزم بإرضاع ولدها، كما ذهب إلى هذا الإمام مالك، وتخصيص الطعام في حديث نهي رسول الله عن بيع الطعام بجنسه متفاضلاً بالطعام الذي كان متعارفاً إطلاق لفظ الطعام عليه وقت التشريع، وتخصيص كل شيء في قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف:25]، بكل شيء قابل للتدمير، وبعض الأصوليين يعتبر دليل التخصيص في المثال الأخير الحس، وبعضهم يعتبره العقل والنتيجة واحدة، ومن التخصيص بالنص، ما أشرنا إليه من قبل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى في المطلقات قبل الدخول: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49]، الذي خصص عموم قوله سبحانه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، ولا خلاف بين الأصوليين، في أنه يجوز تخصيص عام القرآن بالقرآن وبالسنة المتواترة، لأن نصوص القرآن والسنة المتواترة قطعية الثبوت، فيخصص بعضها بعضاً، وأما تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة، فذهب جمهور الأصوليين إلى أنه سائغ، واحتجوا بوقوعه والاتفاق على العمل به، فحديث (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ([255]) .خصص عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وحديث: (ليس للقاتل ميراث) ([256]) . خصص عموم الوارث في آيات المواريث، وحديث الرجم خصص عموم الزاني والزانية، وحديث (لا قطع في أقل من ربع دينار) ([257]) خصص عموم السارق والسارقة، وحديث (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ([258]) . خصص عموم {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} [النساء:24]،
(7) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: إذا ورد النص الشرعي بصيغة عامة وجب العمل بعمومه الذي دلت عليه صيغته، ولا اعتبار لخصوص السبب الذي ورد الحكم بناء عليه، سواء كان السبب سؤالاً أم واقعة حدثت، لأن الواجب على الناس إتباعه، هو ما ورد به نص الشارع، وقد ورد نص الشارع بصيغة العموم فيجب العمل بعمومه، ولا يعتبر خصوصيات السؤال أو الواقعة التي ورد النص بناء عليها، لأن عدول الشارع في نص جوابه أو فتواه عن الخصوصيات، إلى التعبير بصيغة العموم قرينة على عدم اعتباره تلك الخصوصيات، روي أن قوماً قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، ولو توضأنا بما معنا من الماء خشينا العطش، أنتوضأ بماء البحر؟ فقال الرسول: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فهذه الصيغة العامة ـ هو الطهور ماؤه ـ تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهر كل أنواع الطهور في حال الضرورة والاختيار، فيجب العمل بعمومها، ولا عبرة بكون السؤال ورد خاصاً عن التوضؤ، ولا بكون السائلين سألوا عن حال ضرورتهم من الماء خشية العطش، وروى أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد، وقد أخذ عمهما مالهما، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال الرسول لعم البنتين: (أعط البنتين الثلثين وللزوجة الثمن، وما بقي فهو لك)، ([259]) . فهذا الحديث يدل على أن لبنتي المتوفى الثلثين، ولا اعتبار لكونهما لا مال لهما أو لكون أبيهما قتل في احد، وروى انه صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميمونة وهي ميتة فقال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ([260]) .، فكل جلد دبغ صار طاهراً ولا اعتبار لخصوص جلد الشاة، قال الآمدي في الإحكام: أكثر العموميات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق مسلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك، والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير، فدل ذلك على أن السبب غير مسقط للعموم، نعم إذا ورد جواباً غير مستقل بنفسه عن السؤال بأن كان الجواب نعم، أولا، أو ما في معنى أحدهما، فمثال ما روي أن رسول الله سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟) قالوا: نعم، قال: (فلا إذا) ([261]) . وأما في خصوصه فمثاله قول الرسول لأبي بردة وقد سأله عن الأضحية بجزعة من المعز: (تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك) ([262]) .، فما دام الجواب الشرعي عن السؤال ورد تابعاً للسؤال في عمومه وخصوصه، وكان السؤال معاد في الجواب، وأما الجواب المستقل إذا ورد عاماً فهو عام ولا عبرة بخصوصيات سببه، ولا عبرة بخصوصيات السبب الذي بني عليه تشريعها، لأن السبب كما قال الشافعي لا يصنع شيئاً، إنما تصنع الألفاظ، ويلاحظ الفرق بين حكمة تشريع النص وبين ما ورد النص بناء عليه من سؤال أو واقعة، فإن حكمة تشريع العام قد تخصصه بلا خلاف، وأما ما ورد النص بناء عليه فهو المراد بقولهم: لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ.
(القاعدة السابعة): في الخاص ودلالته: إذا ورد في النص خاص ثبت الحكم لمدلوله قطعاً، ما لم يقم دليل على تأويله وإرادة معنى آخر منه، فإن ورد مطلقاً أفاد ثبوت الحكم على الإطلاق ما لم يوجد دليل يقيده، وإن ورد على صيغة الأمر أفاد لإيجاب المأمور به ما لم يوجد دليل يصرفه عن الإيجاب، وإن ورد على صيغة النهي أفاد تحريم المنهي عنه ما لم يوجد دليل يصرفه عن التحريم.
(1) اللفظ الخاص: هو لفظ وضع للدلالة على فرد واحد بالشخص مثل محمد، أو واحد بالنوع مثل رجل، أو على أفراد متعددة محصورة مثل ثلاثة وعشرة ومائة وقوم ورهط وجمع وفريق، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على عدد من الأفراد ولا تدل على استغراق جميع الأفراد، وقد يرد اللفظ الخاص مطلقاً من أي قيد، وقد يرد مقيداً بقيد، وقد يكون على صيغة طلب الفعل، مثل: (اتق الله)، وقد يكون على صيغة النهي عن الفعل، مثل: (ولا تجسسوا)، فيندرج في الخاص المطلق، والمقيد والأمر والنهي.
(2) حكم الخاص على وجه الإجمال: أنه إذا ورد نص شرعي دل دلالة قطعية على معناه الخاص الذي وضع له حقيقة، وثبت الحكم لمدلوله على سبيل القطع لا الظن، فالحكم المستفاد من قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}[المائدة:89]، هو وجوب إطعام عشرة مساكين، ولا تحتمل العشرة نقصاً ولا زيادة، والحكم المستفاد من حديث: (في كل أربعين شاة: شاة) هو تقدير النصاب الذي تجب الزكاة فيه من الغنم بأربعين، وتقدير الواجب بشاة بلا احتمال زيادة أو نقص في هذا أو ذاك، ولكن إذا قام دليل يقضي تأويل هذا الخاص، أي إرادة معنى آخر منه يحتمل على ما اقتضاه الدليل، ومثال هذا ما قدمناه في تأويل علماء الحنفية الشاة في الحديث السابق بما يعم الشاة وقيمتها، وتأويلهم الصاع من تمر أو شعير في صدقة الفطر بما يعم الصاع وقيمته، وتأويلهم الصاع من تمر في حديث المصراة بما يشمله ويشمل أي عوض يماثل المتلف، فإذا ورد الخاص مطلقاً حمل على إطلاقه، وإذا ورد مقيداً حمل على تقييده، والفرق بين اللفظ المطلق واللفظ المقيد: أن المطلق هو ما دل على فرد غير مقيد لفظاً بأي قيد، مثل: مصري، ورجل، وطائر، والمقيّد هو ما دل على فرد مقيد لفظاً بأي قيد، مثل: مصري مسلم، ورجل رشيد، وطائر أبيض، فالمطلق يفهم على إطلاقه إلا إذا قام دليل على تقييده، فإن قام الدليل على تقييده كان هذا الدليل صارفاً له عن إطلاقه ومبيناً المراد منه، ففي قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}[النساء:11]، الوصية مطلقة قيدت بالحديث، الذي دل على انه لا وصية بأكثر من الثلث، فصار المراد في الآية الوصية التي في حدود ثلث التركة، وإذا ورد اللفظ مطلقاً في نص شرعي، وورد هو نفسه مقيداً في نص آخر، إن كان موضوع النصين واحداً بأن كان الحكم الوارد فيهما متحداً، والسبب الذي بني عليه الحكم متحداً، حمل المطلق على المقيد، أي: كان المراد من المطلق هو المقيد لأنه مع اتحاد الحكم والسبب، لا يتصور الاختلاف بالإطلاق والتقييد، فيكون المطلق مقيداً بقيد المقيد، مثال هذا: قوله تعالى في سورة المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ 000} [المائدة:3] الدم هنا مطلق القيد، وقوله تعالى في سورة الأنعام: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام: 145]، الدم هنا مقيد بالمسفوح، فالمراد بالدم في آية المائدة الدم المسفوح المنصوص على تحريمه في آية الأنعام، لأن الحكم في الآيتين واحد وهو التحريم، والسبب الذي بني عليه الحكم فيهما واحد وهو كونه دماً، فلو كان الدم محرم مطلق الدم خلا القيد وهو (مسفوحاً) من الفائدة، أما إذا اختلف النصاب في الحكم، أو في السبب، أو فيهما معاً، فلا يحتمل المطلق على المقيد بل يعمل بالمطلق على إطلاقه في موضعه، وبالمقيد على قيده في موضعه، لأن اختلاف الحكم أو السبب أو أحدهما قد يكون هو علة الاختلاف إطلاقاً وتقييداً، وهذا مذهب الحنفية وأكثر المالكية، وأما إذا اختلفا في السبب واتحد في الحكم فيحمل المطلق على المقيد، مثال النصين المختلفين حكماً مع اتحاد السبب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [الأنعام:6]، وقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6]، والسبب في الآيتين واحد وهو التطهير لإقامة الصلاة، والحكم في الأول وجوب الغسل وفي الثانية وجوب المسح، ومثله قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ}[النساء:23]، وقوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} [النساء:23]، ومثال النصين المتحدين حكما المختلفين سبباً، قوله تعالى في كفارة القتل خطأ:{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:92]، وقوله تعالى في كفارة الظهار:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة:3]، وقوله في شهود المداينة: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} [البقرة:282]، وقوله في شهود المراجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:2]، ففي الآيتين الحكم واحد وهو وجوب تحرير رقبة، والسبب في الوجوب مختلف لأنه في إحداهما المداينة، والثانية المراجعة، فلا يعتبر المقيد بياناً ويحمل المطلق عليه إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا اتحد موضوعهما حكماً وسبباً، وأما إذا اختلف حكماً، أو سبباً، أو اختلفا حكماً وسبباً، فلا يحمل المطلق على المقيد بل يفهم المطلق في موضعه على إطلاقه، ويفهم المقيد في موضعه على قيده، لأن اختلاف الحكم قد يكون سبباً في الاختلاف بالإطلاق والتقييد، أي أنه لما كان الحكم في آية الوضوء وجوب غسل الأيدي، أطلقها ولم يقيدها بكونها إلى المرافق، لأن التيمم رخصة شرعت للتخفيف عند عدم وجود الماء، فيناسبه التخفيف أيضاَ في إطلاق اليد فيجزئ كل ما يصدق عليه لفظ يد، وكذلك الحال إذا اختلف السبب فقد يكون القتل خطأ اقتضى تقييد الرقبة بالإيمان تشديداً للعقوبة، وإرادة المظاهر العودة لم يقتض هذا التشديد فيجزئ تحرير أية رقبة.
(3) صيغة الأمر: وإذا ورد اللفظ الخاص في النص الشرعي على صيغة الأمر أو صيغة الخبر الذي في معنى الأمر أفاد الإيجاب، أي طلب الفعل المأمور به أو المخبر عنه على وجه الإلزام، فقوله تعالى: {فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38]، أفاد إيجاب قطع يد السارق والسارقة، وقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة:228]، أفاد إيجاب تربص المطلقة ثلاث قروء، واللفظ عند إطلاقه يدل على معناه الحقيقي الذي وضع له، ولا يصرف معناه الحقيقي غلا بقرينة، فإن وجدت قرينة تصرف صيغة الأمر عن الإيجاب إلى معنى آخر فهم منها ما دلت عليه القرينة كالإباحة في قوله: {كلوا واشربوا} [البقرة:187]، والندب في قوله: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ 0000}على قوله: {…، مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]، والتهديد في قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت:40]، والتعجيز في قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة:23]، وغير ذلك مما تدل عليه صيغة الأمر بالقرائن، وإذا لم توجد قرينة اقتضى الأمر الإيجاب، وبعض الأصوليين ذهبوا إلى أن صيغة الأمر مشترك بين عدة معان ولابد من قرينة لتعيين احد معانيه شأن كل مشترك، فهو موضوع لمعان متعددة، وصيغة الأمر لا تدل لغة على أكثر من طلب إيجاد الفعل المأمور به، ولا تدل على طلب تكرير الفعل المأمور به، ولا على وجوب فعله فوراً، فالتكرير أو المبادرة بالفعل لا تدل الصيغة عند إطلاقها على واحد منهما، لأن المقصود الآمر هو حصول المأمور به، وهذا المقصود يتحقق بوقوعه مرة في أي وقت، فإن وجدت قرينة تدل على التكرير كان هذا التكرير مستفاداً من القرينة لا من الصيغة، وكذلك إن وجدت قرينة تدل على المبادرة، ففي قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]، استفيد تكرير طلب الصيام من تعليق الأمر به بشرط متكرر وهو شهود الشهر، كأنه قال: فكلما شهد أحدكم الشهر أحدكم الشهر وجب عليه الصيام، وكذا في قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}[الإسراء:78]، وفي الواجبات المحددة بأوقات استفيدت المبادرة من تحديد وقت للواجب يفوت بانتهائه، وفي الأوامر بالخيرات استفيدت المبادرة من قوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران:123]، وقوله: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148].
(4) صيغة النهي: وإذا ورد اللفظ الخاص في النص الشرعي على صيغة النهي أو صيغة الخبر التي في معنى النهي أفاد التحريم، أي طلب الكف عن المنهي عنه على وجه الإلزام والختم، فقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة:221]، أفاد تحريم زواج المسلم بالمشركات، وقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} [البقرة:229]، أفاد تحريم أخذ عوض من المطلقات، لأن صيغة النهي على الرأي الراجح، موضوعة لغة للدلالة على التحريم فيفهم منها عند الإطلاق، وإذا وجدت قرينة تصرفها عن المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي، فهم منها ما دلت عليه القرينة، كالدعاء في قوله:{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران:8]، والكراهة في قوله: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [البقرة:101]، وبعض الأصوليين ذهبوا إلى أن صيغة النهي من باب المشترك هي كالأمر والخلاف فيهما واحد، والنهي يقتضي طلب الكف دائماً وفوراً، لأنه لا يتحقق المطلوب وهو الكف ألا إذا كان دائماً، بمعنى انه كلما دعت المكلف نفسه إلى فعل المنهي عنه كفها، فالتكرير ضروري لتحقق الامتثال في النهي، وكذلك المبادرة لأن النهي عن الفعل إنما هو تحريمه لتلاقي ما فيه من مضار، وهذا واجب في الحال, لأن من نهي عن شيء إذا فعله ولو مرة في أي وقت لا يتحقق أنه امتثل، فتكرير الكف وكونه على الفور من مقتضيات النهي، فصيغة النهي المطلق تقتضي الفور والتكرير، وصيغة الأمر المطلق لا تقتضي فوراً ولا تكريراً.
[12] القسم الرابع: في القواعد الأصولية التشريعية: هذه القواعد التشريعية استمدها علماء أصول الفقه الإسلامي من استقراء الأحكام الشرعية، ومن استقراء عللها وحكمها التشريعية، ومن النصوص التي قررت مبادئ تشريعية عامة وأصولً تشريعية كلية، وكما تجب مراعاتها في استنباط الأحكام من النصوص تجب مراعاتها في استنباط الأحكام فيما لا نص فيه، ليكون التشريع محققاً ما قصد به موصلاً إلى تحقيق مصالح الناس والعدل بينهم.
(القاعدة الأولى): في المقصد العام من التشريع: (المقصد العام للشارع من تشريعه الأحكام هو تحقيق مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم، وتوفير حاجياتهم وتحسينياتهم، فكل حكم شرعي ما قصد به إلا واحد من هذه الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس، ولا يراعى تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحاجي، ولا يراعى حاجي وتحسيني إذا كان في مراعاة أحدهما إخلال بضروري)، هذه القاعدة الأولى بيَّنت المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام الشرعية، سواء أكانت تكليفية أم وضعية، وبينت مراتب الأحكام باعتبار مقاصدها، ومعرفة المقصد العام للشارع من التشريع من أهم ما يستعان به على فهم نصوصه حق فهمها، وتطبيقها على الوقائع واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، لأن دلالة الألفاظ والعبارات على المعاني، قد تحتمل عدة وجوه، والذي يرجح واحداً من هذه الوجوه هو الوقوف على مقصد الشارع، لأن بعض النصوص قد تتعارض ظواهرها، والذي يرفع هذا التعارض ويوفق بينها أو يرجح أحدها هو الوقوف على مقصد الشارع، لأن كثيراً من الوقائع التي تحدث ربما لا تتناولها عبارات النصوص، وتمس الحاجة إلى معرفة أحكامها بأي دليل من الأدلة الشرعية بنصوصه وروحه ومعقوله، وكذلك نصوص الأحكام التشريعية لا تفهم على وجهها الصحيح إلا إذا عرف المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام، وعرفت الوقائع الجزئية التي من أجلها نزلت الأحكام القرآنية، أو وردت السنة القولية أو الفعلية، فالمقصد العام للشارع من التشريع هو المبين في هذه القاعدة الأصولية الأولى وأما الوقائع الجزئية التي شرعت لها الأحكام فهي مبينة في كتب التفسير وأسباب النزول وصحاح السنة.
(1) منطوق هذه القاعدة: أن المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام هو تحقيق مصالح الناس في هذه الحياة، بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم، لأن مصالح الناس في هذه الحياة تتكون من أمور ضرورية لهم، وأمور حاجية وأمور تحسينية، فإذا توافرت لهم ضرورياتهم وحاجياتهم وتحسيناتهم فقد تحققت مصالحهم، والشارع الإسلامي شرع أحكاماً في مختلف أبواب أعمال الإنسان لتحقيق أمهات الضروريات والحاجيات والتحسينات للأفراد والجماعات، وما أهمل ضروريا ولا حاجيا ولا تحسينيا من غير أن يشرع حكماً لتحقيقه وحفظه، وما شرع حكماً إلا لإيجاد وحفظ واحد من هذه الثلاثة، فهو ما شرع حكماً إلا لتحقيق مصالح الناس وما أهمل مصلحة اقتضاها حال الناس لم يشرع لها حكماً، أما البرهان على أن مصالح الناس لا تعدو هذه الأنواع الثلاثة: فهو الحس والمشاهدة، لأن كل فرد أو مجتمع تتكون مصلحته من أمور ضرورية وأمور حاجية وأمور كمالية، مثلاً: الضروري لسكنى الإنسان مأوى يقيه حر الشمس وزمهرير البرد ولو مغارة في جبل، والحاجي أن يكون المسكن مما تسهل فيه السكنى بأن تكون له نوافذ تفتح وتغلق حسب الحاجة، والتحسيني أن يجمل ويؤثث وتوفر فيه وسائل الراحة، فإذا توافر له ذلك فقد تحققت مصلحته في سكناه، وهكذا طعام الإنسان ولباسه وكل شأن من شئون حياته، تتحقق مصلحته فيه بتوافر هذه الأنواع الثلاثة له، ومثل الفرد والمجتمع، فإذا توافر لأفراده ما يكفل إيجاد وحفظ ضرورياتهم وحاجيتهم وتحسيناتهم، فقد تحقق لهم ما يكفل مصالحهم، أما البرهان على أن كل حكم في الإسلام إنما شرع لإيجاد واحد من هذه الأمور الثلاثة وحفظه فهو: استقراء الأحكام الشرعية الكلية والجزئية في مختلف الوقائع والأبواب، واستقراء العلل والحكم التشريعية التي قرنها الشارع بكثير من الأحكام، وقبل أن نعرض أمثلة من هذا الاستقراء نبين المراد شرعاً بالضروري والحاجي والتحسيني، فأما (الضروري): فهو ما تقوم عليه حياة الناس ولابد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فقد اختل نظام حياتهم، ولم تستقم مصالحهم، وعمت فيهم الفوضى، والمفاسد، والأمور الضرورية للناس بهذا المعنى ترجع إلى حفظ خمسة أشياء: الدين والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فحظ كل واحد منهما ضروري للناس، وأما (الأمر الحاجي): فهو ما تحتاج إليه الناس لليسر والسعة، واحتمال مشتاق التكليف، وأعباء الحياة، وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم ولا تعم فيهم الفوضى، كما إذا فقد الضروري، ولكن ينالهم الحرج والضيق، والأمور الحاجية للناس بهذا المعنى ترجع إلى رفع الحرج عنهم، والتخفيف عليهم ليحتملوا مشاق التكليف، وتيسر لهم طرق التعامل والتبادل وسبل العيش، وأما (التحسيني): فهو ما تقتضيه المروءة والآداب وسير الأمور على أقدام منهاج، وإذا فقد لا تختل حياة الناس كما إذا فقد الأمر الضروري، ولا ينالهم حرج، كما إذا فقد هذا الأمر الحاجي، ولكن تكون حياتهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة، والأمور التحسينية للناس بهذا المعنى ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج.
(2) ما الذي شرعه الإسلام للأمور الضرورية للناس: الأمور الضرورية للناس كما قدمنا ترجع إلى خمسة أشاء: الدين، والنفس، والعقل، والعرض،والمال، وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الخمسة أحكاماً تكفل إيجاده وتكوينه، وأحكاماً تكفل حفظه وصيانته، وبهذين النوعين من الأحكام حقق للناس ضرورياتهم، فالدين هو مجوع العقائد والعبادات والأحكام والقوانين التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وقد شرع الإسلام لإيجاده وإقامته: إيجاب الإيمان وأحكام القواعد الخمس التي بني عليها الإسلام، وهي: شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وسائر العقائد، وأصول العبادات، التي قصد الشارع بتشريعها، إقامة الدين و وتثبيته في القلوب باتباع الأحكام التي لا يصلح الناس إلا بها، وأوجب الدعوة إليه، وتأمين الدعوة إليه من الاعتداء عليها وعلى القائمين بها، ومن وضع عقبات في سبيلها، وشرع لحفظه وكفالة بقائه وحمايته من العدوان عليه: أحكام الجهاد، لمحاربة من يقف عقبة في سبيل الدعوة غليه، ومن يفتن متديناً ليرجع عن دينه، وعقوبة من يرتد عن دينه، وعقوبة من يبتدع و يحدث في الدين ما ليس منه، أو يحرف أحكامه عن مواضعها، والحجر على المفتي الماجن الذي يحل المحرم، (النفس): شرع الإسلام لإيجادها الزواج للتوالد والتناسل، وبقاء النوع على أكمل وجوه البقاء، وشرع لحفظها وكفالة حياتها، إيجاب تناول ما يقيمها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن، وإيجاب القصاص والدية والكفارة على من يعتدي عليها، وتحريم الإلقاء بها إلى التهلكة، وإيجاب دفع الضرر عنها، وشرع لحفظ العقل تحريم الخمر وكل مسكر، وعقاب من يشتريها أو يتناول أي مخدر، وشرع لحفظ العرض حد الزاني والزانية وحد القاذف، شرع الإسلام لتحصيله وكسبه: إيجاب السعي للرزق وإباحة المعاملات والمبادلات والتجارة والمضاربة، وشرع لحفظه وحمايته: تحريم السرقة، وحد السارق والسارقة، وتحريم الغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل، وإتلاف مال الغير، وتضمين من يتلف مال غيره، والحجر على السفيه وذي الغفلة، ودفع الضرر وتحريم الربا، وكفل حفظ الضروريات كلها بأن أباح المحظورات للضرورات، فمن هذا يتبين أن الإسلام شرع أحكاماً في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات تقصد إلى كفالة ما هو ضروري للناس بإيجاده وبحفظه وحمايته، وقد دل على هذا القصد بما قرنه ببعض هذه الأحكام من العلل والحكم التشريعية، كقوله تعالى في إيجاب الجهاد: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [البقرة:193]، وقوله في إيجاب القصاص: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179]، وقوله سبحانه: {لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} [البقرة: 188]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليل النهي عن بيع التمر قبل أن يبدو صلاحه: (أرأيت إذا منع الله الثمر بم يأخذ أحدكم مال أخيه)، إلى غير ذلك من العلل التي تدل على قصد الشارع حماية الدين والأنفس والأموال وكل ما هو ضروري للناس.
(3) ما الذي شرعه الإسلام للأمور الحاجية للناس: الأمور الحاجية للناس، كما قدمنا ترجع إلى ما يرفع الحرج عنهم، ويخفف عليهم أعباء التكليف، وييسر لهم طرق المعاملات والمبادلات، وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات جملة أحكام المقصود بها رفع الحرج، واليسر بالناس، ففي العبادات، شرع الرخص ترفيهاً وتخفيفاً عن المكلفين إذا كان في العزيمة مشقة عليهم، فأباح الفطر في رمضان لمن كان مريضاً أو على سفر، وقصر الصلاة الرباعية للمسافر، ولصلاة قاعداً لمن عجز عن القيام، وأباح التيمم لمن لم يجد الماء، والصلاة في السفينة ولو كان الاتجاه لغير القبلة، وغير ذلك من الرخص التي شرعت لرفع الحرج عن الناس في عباداتهم، وفي المعاملات، شرع كثيراً من أنواع العقود والتصرفات التي تقتضيها حاجات الناس، كأنواع البيوع والإيجارات والشركات والمضاربات ورخص في عقود لا تنطبق على القياس، وعلى القواعد العامة في العقود، كالسلم وبيع الوفاء والاستصناع، والمزارعة، والمساقاة، وغير ذلك مما جرى عليه عرف الناس ودعت إليه حاجتهم، وشرع الطلاق للخلاص من الزوجية عند الحاجة، وأحل الصيد وميتة البحر والطيبات من الرزق، وجعل الحاجات مثل الضروريات في إباحة المحظورات، وفي العقوبات جعل الدية على العاقلة تخفيضاً عن القاتل خطأ، ودرأ الحدود بالشبهات، وجعل لولي المقتول حق العفو عن القصاص من القاتل، وقد دل على ما قصده بهذه الأحكام من التخفيف ورفع الحرج بما قرنه ببعضها من العلل والحكم التشريعية، وكقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة:6]، وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقوله: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء:28]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفة السمحة).
(4) ما الذي شرعه الإسلام للأمور التحسينية للناس: الأمور التحسينية للناس ـ كما قدمنا ـ ترجع إلى كل ما يحمل حالهم ويجعلها على وفاق ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق، وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والعقوبات أحكاماً تقصد إلى هذا التحسين والتجميل وتعود الناس أحسن العادات، وترشدهم إلى أحسن المناهج وأقومها، ففي العبادات شرع الطهارة للبدن، والثوب، والمكان، وستر العورة، والاحتراز عن النجاسات، والاستنزاه من البول، وندب إلى أخذ الزينة عند كل مسجد، وإلى التطوع بالصدقة والصلاة والصيام، وفي كل عبادة شرع مع أركانها وشروطها آداباً لها، ترجع إلى تعويد الناس أحسن العادات، وفي المعاملات حرم الغش والتدليس والتغرير والإسراف والتقتير، وحرم التعامل في كل نجس وضار، ونهى عن بيع الإنسان على بيع أخيه، وعن تلقي الركبان، وعن التسعير، وغير ذلك مما يجعل معاملات الناس على أحسن منهاج، وفي العقوبات، يحرم في الجهاد قتل الرهبان والصبيان والنساء، ونهى عن المثلة والغدر، وقتل الأعزل، وإحراق ميت أو حي، وفي أبواب الأخلاق وأمهات الفضائل، قرر الإسلام ما يهذب الفرد والمجتمع ويسير بالناس في أقوم السبل، وقد دل سبحانه على قصده هذا التحسين والتجميل بالعلل والحكم التي قرنها ببعض أحكامه، كقوله تعالى: {لَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة:6]، وقول لرسول صلى الله عليه وسلم: (وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله طيب لا قبل إلا طيبا)، فاستقراء الأحكام الشرعية والعلل والحكم الشرعية في مختلف الأبواب والوقائع ينتج أن الشارع الإسلامي ما قصد من تشريعه الأحكام إلا حفظ ضروريات الناس وحاجيتهم وتحسينياتهم،، وهذه هي مصالحهم وقد أفاض الإمام أبو إسحاق الشاطبي في أول الجزء الثاني من كتاب (الموافقات) في إثبات هذا بما لا مزيد عليه، وبعد أن أتى بأمثلة عديدة من أحكام الشريعة وحكم تشريعها تدل على أن كل حكم شرعي، إنما قصد بتشريعه حفظ واحد من هذه الثلاثة التي تتكون منها مصالح الناس، قال ما نصه: (إن الظواهر، والعمومات، والمطلقات، والمقيدات، والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة ووقائع مختلفة في كل باب من كل أبواب الفقه وكل نوع من أنواعه، ويؤخذ منها أن التشريع دائر حول حفظ هذه الثلاث التي هي أسس مصالح الناس)، وقد اقتضت حكمة الشارع الإسلامي وما أراده من حفظ هذه الأنواع الثلاثة على أتم وجه، أن شرع مع الأحكام التي تحفظ كل نوع منها أحكاماً تعتبر مكملة لها في تحقيق هذه المقاصد، ففي الضروريات لما شرع إيجاب الصلاة لحفظ الدين، شرع أداءها جماعة وإعلانها بالأذان، لتكون إقامة الدين وحفظه أتم بإظهار شعائره والاجتماع عليها، ولما أوجب القصاص لحفظ النفوس، شرع التماثل فيه ليؤدي إلى الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء، لأن قتل القاتل بصورة أفظع مما قد يؤدي على سفك الدماء وإلى نقيض المقصود من القصاص، ولما حرم الزنا لحفظ العرض حرم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة، ولما حرم الخمر حفظاً للعقل حرم القليل منه ولو لم يسكر، وجعل كل ما لا يتم الواجب إلا به واجباً، وكل ما يؤدي إلى المحظور ومحظوراً، وحذر من كثير من المباحات وقيد كثيراً من المطلقات، وخصص كثيراً من المطلقات، وخصص كثير من العمومات سداً للذرائع، ولما شرع الزواج للتوالد والتناسل، اشترط الكفاءة بين الزوجين تكميلاً للوفاق وحسن المعاشرة، فالأحكام التي شرعها لحفظ الضروريات كملها بتشريع أحكام تحقق هذا المقصد على أكمل وجوهه، وفي الحاجيات لما شرع أنواع المعاملات من بيوع وإيجارات وشركات ومضاربات، كملها بالنهي عن الغرر والجهالة وبيع المعدوم، وبيان ما يصح اقتران العقد به من شروط و ما لا يصح، وغير ذلك مما يقصد به أن تكون المعاملات فيها سر حاجة الناس من غير أن تثير الخصومات والأحقاد، وفي التحسينيات لما شرط ندب فيها عدة أشياء تكلمها، ولما ندب إلى التطوع جعل الشروع فيه موجباً له، حتى لا يعتاد المكلف إبطال عمله الذي شرع فيه قبل أن يتمه، ولما ندب إلى الإنفاق ندب أن يكون الإنفاق من طيب الكسب، فمن حقق النظر في أحكام الشريعة الإسلامية، يتبين أن المقصود من كل حكم شرع فيها: حفظ ضروري للناس، أو حاجي لهم، أو تحسيني، أو مكمل لما يحفظ واحداً منها،
(5) ترتيب الأحكام الشرعية بحسب المقصود منها: مما قدمنا في بيان المراد من الضروري والحاجي والتحسيني يتبين أن الضروريات أهم هذه المقاصد لأنها على فقدها اختلال نظام الحياة، وشيوع الفوضى بين الناس و ضياع مصالحهم، وتليها الحاجيات، لأنه يترتب على فقدها وقوع الناس في الحرج والعسر، واحتمال المشقات التي قد تنوء بهم، وتليها التحسينيات، لأنه لا يترتب على فقدها اختلال نظام الحياة ولا وقوع الناس في الحرج، ولكن يترتب على فقدها خروج الناس على مقتضى الكمال الإنساني والمروءة وما تستحسنه العقول السليمة، وعلى هذا: فالأحكام الشرعية التي شرعت لحفظ الضروريات أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة، وتليها الأحكام التي شرعت لتوفير الحاجيات، ثم الأحكام التي شرعت للتحسين والتجميل، وتعتبر الأحكام التي شرعت للتحسينيات كالمكملة التي شرعت للحاجيات، وتعتبر الأحكام التي شرعت للحاجيات كالمكملة للتي شرعت لحفظ الضروريات، فلا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري أو حاجي، لأن المكمل لا يراعى إذا كان في مراعاته ‘خلال بما هو مكمل له، ولذا أبيح كشف العورة إذا اقتضى هذا علاج أو عملية جراحية، لأن ستر العورة تحسيني، والعلاج ضروري، وأبيح تناول النجس إذا كان دواء أو اضطر إليه، لأن الاحتراز عن النجاسات تحسيني، والمداواة ودفع الضروريات ضروري، وكذلك أبيح بيع المعدوم في السلم والاستصناع، واغتفرت الجهالة في المزرعة والمساقاة وبيع الغائب، لأن حاجة الناس قضت بأن تراعى هذه التحسينات، ولا يراعى حكم حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري، ولهذا تجب الفرائض والواجبات على المكلفين الذين ليسوا في حال تبيح الرخصة وإن شق عليهم ما كلفوا به، وإذ كل تكليف فيه إلزام بما فيه كلفة ومشقة، فلو روعي أن لا تنال المكلف أية مشقة لأهملت عدة من الأحكام الضرورية من عبادات وعقوبات وغيرها، لأن كل ما أمر به المكلف أو نهى عنه لحفظ الضروريات لا يخلو امتثاله من مشقة عليه، ولكن احتملت هذه المشقة في سبيل حفظ الضروريات للمكلفين، وأما الأحكام الضرورية فتجب مراعاتها، ولا يجوز الإخلال بحكم منها إلا إذا كانت مراعاة ضروري تؤدي إلى الإخلال بضروري أهم منه، ولهذا أوجب الجهاد حفظاً للدين وإن كان فيه تضحية النفس، لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس، وأبيح شرب الخمر إذا أكره على شربها بإتلاف نفسه أو عضو منه أو اضطر إليها في ظمأ شديد، لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل، وإذا أكره على إتلاف مال غيره، أبيح له أن يقي نفسه الهلاك بإتلاف مال غيره، فهذه الأحكام فيها إهمال حكم ضروري مراعاة لحكم ضروري أهم منه، فقد ثبت بالبرهان أن مقاصد الشارع مما شرعه من الأحكام، لا تعدو حفظ واحد من الثلاثة أو ما يكمله، وأن هذه المقاصد مرتبة في مراعاتها حسب أهميتها، وعلى ترتيبها رتبت الأحكام التي شرعت لتحقيقها، وعلى هذه القاعدة الأصولية التشريعية الأولى، وضعت المبادئ الشرعية الخاصة بدفع الضرر، والمبادئ الشرعية الخاصة برفع الحرج، وعن كل مبدأ من هذه المبادئ تفرغت عدة فروع واستنبطت جملة أحكام.
(6) وهذا بيان المبادئ الخاصة بدفع الضرر، وأمثلة مما تفرع عن كل مبدأ منها:
(1) الضر يزال شرعا: من فروعه: ثبوت حق الشفعة للشريك أو الجار، وثبوت الخيار للمشتري في رد المبيع بالعيب وسائر أنواع الخيارات، والجبر على القسمة إذا امتنع الشريك، ووجوب الوقاية والتداوي من الأمراض، وقتل الضار من الحيوان، وتشريع العقوبات على الجرائم من حدود وتعازير وكفارات.
(2) الضرر لا يزال بالضرر: من فروعه: لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره، ولا أن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره، ولا يجوز للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر.
(3) يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: من فروعه: يقتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم، وتقطع يد السارق لتأمين الناس على أموالهم، ويهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام، ويحجر على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، يباع مال المدين جبراً عنه إذا امتنع عن بيعه وأداء دينه، تسعير أثمان الحاجيات إذا غلا أربابها في أثمانها، يباع الطعام جبراً على مالكه إذا احتكر واحتاج الناس إليه وامتنع عن بيعه، يمنع اتخاذ حانوت حداد بين تجار الأقمشة.
(4) يرتكب أخف الضررين اتقاء لأشدهما: من فروعه: يحبس الزوج إذا ماطل في القيام بنفقة زوجته، ويحبس القريب إذا امتنع عن الإنفاق على قريبه، تطلق الزوجة للضرر وللإعسار، إذا اضطر المريض إلى تناول الميتة أو مال الغير تناوله، إذا عجز مريد الصلاة عن التطهير أو استقبال القبلة صلى كما قدر، لأن ترك هذه الشروط أخف من ترك الصلاة.
(5) دفع المضار مقدم على جلب المنافع، ولذا جاء في الحديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، ومن فروعه: يمنع أن يتصرف المالك في ملكه إذا كان تصرفه يضر بغيره، ويكره للصائم أن يبالغ في المضمضة أو الاستنشاق.
(6) الضرورات تبيح المحظورات: من فروعه: من اضطر إلى مخمصة إلى ميتة أو دم أو أي محرم فلا إثم عليه في تناوله، من لم يستطيع الدفاع عن نفسه إلا بالإضرار بغيره فلا إثم عليه في الدفاع به، من امتنع من أداء دينه يؤخذ الدين من ماله بغير إذنه.
(7) الضرورات تقدر بقدرها: من فروعه: ليس للمضطر أن يتناول من المحرم إلا قدر ما يسد الرمق، ولا يعفى من النجاسة إلا القدر الذي لا يمكن الاحتراز منه، وأحكام الرخص تبطل إذا زالت أسبابها، فالتيمم يبطل إذا تيسر التطهير بالماء، والفطر يحرم في رمضان إذا أقام المسافر الصحيح، وكل ما جاز لعذر يبطل زواله.
(7) وهذا بيان المبادئ الخاصة برفع الحرج وأمثلة مما يتفرع عنها:
(أ) المشقة تجلب التيسير: من فروعها: جميع الرخص التي شرعها الله ترفيهاً وتخفيفاً عنة المكلف لسبب من الأسباب التي تقتضي هذا التخفيف، وهذه الأسباب بالاستقراء سبعة: (السفر): ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، وسقوط الجمعة، والجماعة، والتيمم، (المرض): ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، التيمم، والصلاة قاعداً، وتناول المحرم للعلاج، (الإكراه) ومن أجله أبيح للمكره التلفظ بكلمة الكفر، وترك الواجب، وإتلاف مال الغير، وأكل الميتة، وشرب الخمر، (النسيان): ومن أجله رفع الإثم عمن ارتكب معصية ناسياً، ولم يبطل صوم من أكل في نهار رمضان أو شرب ناساً، ولم تحرم ذبيحة من ترك التسمية عليها عند ذبحها ناسياً، (الجهل): ومن أجله ساغ رد المبيع بالعيب لمن اشتراه جاهلاً بعيبه، وساغ فسخ الزواج بالعيب لمن تزوج جاهلاً به، واغتفر التناقض في دعوى النسب للجهل، وكذلك اغتفر التناقض للوراث والوصي وناظر الوقف للجهل، (عموم البلوى): ومن أجله عفي عن رشاش النجاسات من طين الشوارع وغيره مما لا يمكن الاحتراز عنه، وعفي عن الغبن اليسير في المعاوضات، (النقص): ومن فروعه: رفع التكليف عن فاقد الأهلية كالطفل والمجنون، ورفع بعض الواجبات عن الأرقاء وعن النساء، ولذا لا تجب عليهن الجمعة ولا الجماعة، ولا الجهاد. (ب) الحرج شرعاً مرفوع: من فروعه: فبول شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال من عيوب النساء وشؤونهن، والاكتفاء بغلبة الظن دون التزام الجزم والقطع في استقبال القبلة وطهارة المكان والماء والقضاء والشهادة، ومن فروعه: ما قرروه من انه إذا ضاق الأمر اتسع.
(ت) الحاجات تنزل منزله الضرورات في إباحة المحظورات: ومن فروعه: الترخيص في السلم، وبيع الوفاء، والاستصناع، وضمان الدرك، وجواز الاستقراض بالربح للمحتاج، وغير ذلك مما فيه العقد أو التصرف على مجهول أو معدوم، ولكن قضت به حاجة الناس، ومما يتفرع على هذا المبدأ حكم كثير من عقود المعاملات وضروب الشركات التي تحدث بين الناس وتقتضيها تجارتهم، فإنه إذا قام البرهان الصحيح، ودل الاستقراء التام على أن نوعاً من هذه العقود والتصرفات صار حاجياً للناس بحيث ينالهم الحرج والضيق إذا حرم عليهم هذا النوع من التعامل، أبيح لهم قدر ما يرفع الحرج منه ولو كان محظوراً لما فيه من الربا أو شبهته، بناء على أن الحاجيات تبيح المحظورات كالضرورات، وتقدر بقدرها كالضرورات، قال صاحب الأشباه والنظائر: (ومن ذلك الإفتاء بصحة بيع الوفاء حين كثر الدين على أهل بخارى، وهكذا مصر، وقد سموه بيع الأمانة،، وفي القنية والبغية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح)
(القاعدة الثانية): فيما هو حق الله، وما هو حق المكلف: (أفعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية، إن كان المقصود بها مصلحة المجتمع عامة فحكمها حق خالص لله وليس للمكلف فيه خيار، وتنفيذه لولي الأمر، وإن كان المقصود بها مصلحة المكلف خاصة، فحكمها حق خالص للمكلف وله في تنفيذه الخيار، وإن كان المقصود بها مصلحة المجتمع والمكلف معاً، ومصلحة المجتمع فيها أظهر، فحق الله فيها الغالب، وحكمها كحكم ما هو حق خالص لله، وإن كانت مصلحة المكلف فيها أظهر، فحق المكلف فيها الغالب، وحكمها كحكم ما هو خالص للمكلف)، القاعدة التشريعية الأولى تضمنت أن أحكام الإسلام بوجه عام إنما قصد بها تحقيق مصالح الناس، وهذه القاعدة التشريعية الثانية تضمنت أن المصلحة التي قصد بتشريع الحكم تحقيقها قد تكون مصلحة عامة للمجتمع، وقد تكون مصلحة خاصة للفرد، وقد تكون مصلحة لهما معاً.
[المراد بما هو حق الله]: ما هو حق المجتمع وشرع حكمه للمصلحة العامة لا لمصلحة فرد خاص، فلكونه من النظام العام، ولم يقصد به نفع فرد بخصوصه نسب إلى رب الناس جميعهم، وسمي حق الله، المراد بما هو حق المكلف ما هو حق الفرد، وشرع حكمه لمصلحته خاصة، وقد ثبت بالاستقراء أن أفعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية، منها ما هو حق خالص لله، ومنها ما هو حق خالص للمكلف، ومنها ما اجتمع فيه الحقان، حق الله غالب، ومنها ما اجتمع فيه الحقّان، وحق المكلف غالب، فأما ما هو حق خالص لله فهو منحصر بالاستقراء فيما يأتي:
(1) العبادات المحضة كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما بنيت عليه هذه العبادات من الإيمان والإسلام، فأن هذه العبادات وأسسها مقصود بها إقامة الدين وهو ضروري لنظام المجتمع، وحكمة تشريع كل عبادة منها على أنها لمصلحة عامة أي لمصلحة المكلف وحده.
(2) العبادات التي فيها معنى المؤونة كصدقة الفطر، فإنها عبادة من جهة أنها تقرب إلى الله بالصدقة للفقراء والمساكين، ولكنها ليست عبادة محضة بل فيها معنى الضريبة على النفس، لبقائها وحفظها، وهذا مرادهم بأن فيها معنى المؤونة، ولهذا لا تجب على الإنسان عن نفسه فقط، بل تجب عليه عن نفسه وعمن يعولهم منن هم في ولايته، كابنه الصغير وخادمه، ولو كانت عبادة محضة ما وجبت على الإنسان إلا على نفسه، وكان ينبغي أن تعد الزكاة من هذا النوع من الأول وهو العبادات المحضة، لأن الزكاة عبادة فيها معنى الضريبة على المال لبقائه وحفظه، ولهذا تجب على رأي جمهور المجتهدين في مال فاقد الأهلية كالصبي، والمجنون، ولو كانت عبادة محضة ما وجبت إلا على البالغ العاقل. (3) الضرائب التي فرضت على الأرض الزراعية، سواء أكانت عشرية أم خراجية، وسواء أكان المفروض على الأرض العشرية العشر أم نصف العشر، والمفروض على الأرض الخراجية خراج وظيفة أم خراج مقاسمة، فإن المقصود من هذه الضرائب صرفها في المصالح العامة التي يقتضيها بقاء الأرض في يد أربابها واستثمارها كإصلاح طرق الري والصرف، وإقامة الجسور، وتمهيد الطرق وحمايتها من العدوان عليها، ومعونة الفقراء، والمساكين، وغير ذلك مما تستوجبه المصلحة العامة والتأمين الاجتماعي، وقد أطلق الأصوليين على ضريبة الأرض العشرية أنها مؤونة فيها معنى العبادة، وعلى ضريبة الأرض الخراجية أنها مؤونة فيها معنى العقوبة، أما العلة في أن كلاً منهما مؤونة فظاهرة، لأن مؤونة الشئ ما به بقاؤه، وهذه الضريبة بها الأرض في أيدي أهلها مستثمرة غير معتدى عليها، وأما العلة في أن ضريبة الأرض العشرية فيها معنى العبادة فظاهرة أيضاً، لأن زكاة الخارج من الأرض تصرف مصارف الزكاة، وأما العلة في أن ضريبة الأرض الخراجية فيها معنى العقوبة فغير ظاهرة، لأن الخراج ضريبة وضعها عمر بن الخطاب على الأرض الزراعية التي استبقيت في أيدي غير المسلمين ليصرفها في المصالح العامة نظير الضريبة التي فرضها الله على الأرض التي في أيدي المسلمين لصرفها في المصالح العامة، والآراء التي تبودلت بين عمر وكبار الصحابة في وضع هذه الضريبة لا يؤخذ منها أن فيها معنى العقوبة.
(4) الضرائب التي فرضت فيما يغنم بالجهاد، وفيما يوجد في باطن الأرض من الكنوز والمعادن، فإن الشارع جعل أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وخمسها لمصالح عامة بينها الله في القرآن بقوله: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال:41]، وجعل أربعة أخماس ما يوجد من المعادن والكنوز للواجد، وخمسة لمصالح عامة بينها.
(5) أنواع من العقوبات الكاملة وهي، حد الزنا، وحد السرقة، وحد البغاة الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً فهي لمصلحة المجتمع كله.
(6) نوع من العقوبات القاصرة، وهو حرمان القاتل من الإرث فهو عقوبة قاصرة، لأنه عقوبة سلبية لم يلحق القاتل بها تعذيب بدني، أو غرم مالي، وهو حق الله لأنه ليس فيه نفع للمقتول.
(7) وعقوبات فيها معنى العبادة، كالكفارة لمن حنث في يمينه، والكفارة لمن أفطر في رمضان عمداً، والكفارة لمن قتل خطأ أو ظاهر زوجته، فهي عقوبة لأنها وجبت جزاء على معصية، ولهذا سميت كفارة، أي ستارة للإثم، وفيها معنى العبادة لأنها تؤدي بما هو عبادة من صوم، أو صدقة، أو تحرير رقبة، فهذه الأنواع كلها حق خالص لله، وتشريعها لتحقيق مصالح الناس العامة، وليس للمكلف الخيرة فيها، وليس له إسقاطها، لأن المكلف لا يملك أن يسقط إلا حق نفسه، ولا يملك أن يسقط صلاة أو صوماً أو حجاً أو زكاة أو صدقة واجبة، أو ضريبة مفروضة، أو عقوبة من هذه العقوبات لأنها ليست حقه، وأما ما هو حق خالص للمكلف فمثاله: تضمين من أتلف المال بمثله أو قيمته، هو حق خالص لصاحب المال عن شاء ضمن وإن شاء ترك، وحبس العين المرهونة حق خالص للمرتهن، واقتضاء الدين حق خالص للدائن، فالشارع أثبت هذه الحقوق لأربابها، وهم لهم الخيرة إن شاءوا استوفوا حقوقهم، وإن شاءوا أسقطوها، ونزلوا عنها، لأن لكل مكلف الحق في أن يتصرف في حق نفسه، وهذه ليست من المصالح العامة، وأما ما اجتمع فيه الحقان وحق الله فيه غالب: فهو حد القذف، لأنه من جهة أنه صيانة لأغراض الناس، ومنع من التعادي والتقاتل يحقق مصلحة عامة، فيكون من حق الله، ومن جهة أنه دفع للعار عن المحصنة التي قذفت وإعلان لشرفها وحصانتها يحقق مصلحة خاصة بها فيكون من حق الفرد، ولكن الجهة الأولى أظهر في العقوبة، فلهذا كان حق الله غالباً فيها، فليس للمقذوفة أن تسقط الحد عن قاذفها لأنها لا تملك إسقاط حد غلب حق الله فيه، وليس لها أن تقيم الحد بنفسها لأن الحدود التي هي حق خالص لله أو يغلب فيها حق الله لا يقيمها إلا الحكومة، وليس للمجني عليه أن يقيمها بنفسه، وأما ما اجتمع فيه الحقان، وحق المكلف فيه غالب: فهو القصاص من القاتل العامد، فإن القصاص من جهة أن فيه حياة الناس بتأمينهم على أنفسهم يحقق مصلحة عامة، ومن جهة أن فيه شفاء صدور أولياء المقتول، وإطفاء نار غضبهم وحقدهم على القاتل يحقق مصلحة خاصة، ولكن الجهة الثانية غلبت، ولهذا كان حق المكلف غالباً معه، ولو جاز لولي المقتول أن يعفو فلا يقتص منه، ولا يقتص من القاتل ألا بناء على طلب ولي المقتول، ومن هذا يؤخذ أن العقوبات المقدرة في القرآن وهي الحدود الشرعية الخمسة، منها ما هو حق خالص لله، وهي حد الزنا، وحد السرقة، وحد السعي في الأرض فساداً بالخروج على الجماعة، ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق الله غالب فيه، وهو حد قذف المحصنات، وفي هذين لا يملك المجني عليه العفو عن الجاني، ولا يملك أن يتولى عقابه بنفسه، لأن حق الله خالصاً أو غالباً لا يملك المكلف إسقاطه، والمنوط باستيفائه الإمام العام(الحكومة)، ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق المكلف غالب فيه، وهو القصاص، فللمجني عليه أن يعفوا عن القاتل، وإذا حكم على القاتل بالقصاص كان له أن يتولى تنفيذ الحكم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:178]، ومما تقدم يتبين أن: كل حدّ من الحدود الشرعية فيه حق لله، أي للمجتمع، ولكن هذا الحق قد يكون خالصاً، وقد يكون معه حق للفرد، إما راجحاً وأما مرجوحاً.
(القاعدة الثالثة): فيما يسوغ الاجتهاد فيه: (لا مساغَ للاجتهاد فيما فيه نص صريح قطعي):
(1) [الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين]: هو بذل الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي من دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية، فإن كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها، والواجب لأن ينفذ فيها ما دل عليه النص، لأنه ما دام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن الله أو رسوله موضع بحث وبذل جهد، وما دام قطعي الدلالة فليست دلالته على معناه واستفادة الحكم منه موضع بحث واجتهاد، وعلى هذا فآيات الأحكام المفسرة التي تدل على المراد منها دلالة واضحة، وتحتمل تأويلاً يجب تطبيقها، ولا مجال للاجتهاد في الوقائع التي تطبق فيها، ففي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، لا مجال للاجتهاد في عدد الجلدات، وكذلك في كل عقوبة أو كفارة مقدرة، وفي قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، بعد أن فسرت السنة العلمية المراد من الصلاة أو الزكاة، لا مجال للاجتهاد في تعرف المراد من أحدهما، فما دام النص صريحاً مفسراً بصيغة أو بما ألحقه الشارع به من تفسير وبيان، فلا مساغ للاجتهاد فيما ورد فيه، ومثل هذه الآيات القرآنية المفسرة السنن المتواترة المفسرة، كحديث الأموال الواجبة فيها الزكاة ومقدار النصاب من كل مال منها ومقدار الواجب فيه أما إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد ورد فيها نص ظني الورود والدلالة أو أحدهما ظني فقط ففيهما للاجتهاد مجال، لأن المجتهد عليه أن يبحث في الدليل الظني الورود من حيث سنده، وطريق وصوله إلينا عن الرسول، ودرجة رواته من العدالة والضبط والثقة والصدق، وفي هذا يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فمنهم من يطمئن إلى روايته ويأخذ به، ومنهم من لا يطمئن إلى روايته ولا يأخذ به، وهذا باب من الأبواب التي اختلف من أجلها المجتهدون في كثير من الأحكام العلمية، فإن أداة اجتهاده في سند الدليل إلى الاطمئنان لروايته، وصدق رواته، واجتهد في معرفة ما يدل عليه الدليل من الأحكام وما يطبق فيه من الوقائع، لأن الدليل قد يدل ظاهره على معنى، ولكنه ليس هو المراد، وقد يكون عاماً، وقد يكون مطلقاً، وقد يكون على صيغة الأمر والنهي، فالمجتهد يصل باجتهاده إلى معرفة أن الظاهر على ظاهره أو هو مؤول، وأن العام باق على عمومه أو هو مخصص، وكذلك المطلق على إطلاقه أو هو مقيد، والأمر للإيجاب أو لغيره، والنهي للتحريم أو لغيره، وهاديه في اجتهاده القواعد الأصولية اللغوية، ومقاصد الشارع ومبادئه العامة، وسائر نصوصه التي بينت أحكاماً، وبهذا يصل إلى أن النص يطبق في هذه الواقعة أو لا يطبق، وكذلك إذا كانت الواقعة لا نص على حكمها أصلاً ففيها مجال متسع للاجتهاد، لأن المجتهد يبحث ليصل إلى معرفة حكمها بواسطة القياس، أو الاستحسان أو الاستصحاب أو مراعاة العرف أو المصالح المرسلة، فالخلاصة: أن مجال الاجتهاد أمران: ما لا نص فيه أصلاً، وما فيه نص غير قطعي، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص قطعي.
(2) الأهلية للاجتهاد: بعد أن بينا ما فيه مجال للاجتهاد، وما ليس فيه مجال نبين من يكون أهلاً للاجتهاد، يشترط لتحقيق الأهلية للاجتهاد شروط أربعة:
(الأول): أن يكون الإنسان على علم باللغة العربية وطرق دلالة عباراتها ومفرداتها، وله ذوق في فهم أساليبها كسبه من الحذق في علومها وفنونها، وسعة الاطلاع على لآدابها وآثار فصاحتها من شعر ونثر غيرهما، لأن أول وجهة للمجتهد هي النصوص في القرآن والسنة وفهمها العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، وتطبيق القواعد الأصولية اللغوية في استفادة المعاني من العبارات والمفردات، و(الثاني): أن يكون على علم بالقرآن، والمراد أن يكون عليماً بالأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن، وبالآيات التي نصت على هذه الأحكام، وبطرق استثمار هذه الأحكام من آياتها، بحيث إذا عرضت له واقعة كان ميسوراً له أن يستحضر كل ما ورد في موضوع هذه الواقعة من آيات الأحكام في القرآن، وما صح من أسباب نزول كل آية منها، وما ورد في تفسيرها وتأويلها من آثار، وعلى ضوء هذا يستنبط حكم الواقعة، وآيات الأحكام في القرآن ليست كثيرة، وقد خصها بعض المفسرين بتفسير خاص، ومن الممكن أن تجمع الآيات المرتبطة بموضوع واحد بعضها مع بعض، بحيث يتيسر للإنسان أن يرجع في مجموعة واحدة إلى كل الآيات القرآنية التي تضمنت أحكاماً في الطلاق، وكل الآيات التي تضمنت أحكاماً في الزواج، وفي الإرث، وفي العقوبات، وفي المعاملات، وفي غير ذلك من أنواع أحكام القرآن، ومن الميسور أن يذكر مع كل آية ما ورد في الصحاح من سبب نزولها، وما ورد من الأحاديث التي فيها تبيين لمجملها، وما ورد من الآثار في تفسيرها، وبهذا تكون المجموعة القانونية في القرآن ميسوراً الرجوع إليها عند الحاجة، وميسوراً مقارنة مواد الموضوع الواحد بعضها ببعض، وفهم كل مادة على ضوء سائر مواد موضوعها لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، ومن الخطأ أن تفهم آية منه على أنها وحدة مستقلة.
و(الثالث): أن يكون على علم بالسنة كذلك، بأن يكون عليماً بالأحكام الشرعية التي وردت بها السنة بحيث يستطيع في كل باب من أبواب أعمال المكلفين أن يستحضر ما ورد في السنة من أحكام هذا الباب، ويعرف درجة سند هذه السنة من الصحة أو الضعف في الرواية، ولقد أدى العلماء للسنة النبوية خدمات جليلة، وعنوا بفحص أسانيدها ورواة كل حديث منها، حتى كفوا من جاء بعدهم مؤونة البحث في الأسانيد، وصار معروفاً في كل حديث أنه متواتر، أو مشهور، أو صحيح، أو حسن، أو ضعيف، وكذلك عني العلماء بجمع أحاديث الأحكام، وترتيبها حسب أبواب الفقه وأعمال المكلفين، بحيث يتيسر للإنسان أن يرجع إلى ما ورد في السنة الصحيحة من أعمال البيع أو الطلاق أو الزواج أو العقوبات أو غيرها، ويستطيع أن يرجع إلى الآيات والأحاديث التي وردت في موضوع واحد من موضوعات الأحكام، وعلى ضوئها يفهم الحكم الشرعي، ومن خير الكتب التي يرجع إليها في هذا (كتاب نيل الأوطار) للإمام الشوكاني.
و(الرابع): أن يعرف وجوه القياس، وذلك بأن يعرف العلل والحكم التشريعية التي شرعت من أجلها الأحكام، ويعرف المسالك التي مهدها الشارع لمعرفة علل أحكامه، ويكون خبيراً بوقائع أحوال الناس ومعاملاتهم، حتى يعرف ما تتحقق فيه علة الحكم من الوقائع التي لا نص فيها، ويكون خبيراً أيضاً بمصالح الناس وعرفهم، وما يكون ذريعة إلى الخير والشر فيهم، حتى إذا لم يجد في القياس سبيلاً إلى معرفة حكم الواقعة، سلك سبيلاً أخرى من السبل التي مهدتها الشريعة للوصول إلى استنباط الحكم فيما لا نص فيه، ومما ينبغي التنبيه إليه أمور ثلاثة:
(أحدهما): أن الاجتهاد لا يتجزأ: أي انه لا يتصور أن يكون العالم مجتهداً في أحكام الطلاق وغير مجتهد في أحكام البيع، أو مجتهد في أحكام العقوبات، وغير مجتهد في أحكام العبادات، لأن الاجتهاد كما يؤخذ مما قدمناه أهلية وملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص واستثمار الأحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، فمن توافرت فيه شروط الاجتهاد وتكونت له هذه الملكة لا يتصور المدينات دون العقوبات أو في العقوبات دون المدنيات، ولكن لا يتصور أن يكون قادراً على الاجتهاد في هذا الموضوع من الأحكام دون هذا، ولأن عماد المجتهد في اجتهاده فهم المبادئ العامة وروح التشريع التي بثها الشارع في مختلف أحكامه وبني عليه تشريعه، وهذه الروح التشريعية والمبادئ العامة لا تخص باباً دون باب من أبواب الأحكام، وفهمها حق فهمها لا يتم غلا بأقصى ما يستطاع من استقراء الأحكام الشرعية وحكمها في مختلف الأبواب، وقد يكون هادي المجتهد في أحكام الزواج مبدأ أو تعليلاً تقرر في أحكام البيع، فلا يكون مجتهداً إلا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن والسنة حتى يصل من مقارنة بعضها ببعض، ومن مبادئها العامة إلى الاستنباط الصحيح.
و(ثانيها): أن المجتهد مأجور، إن أصاب فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الصواب، وإن أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، لأننا قدمنا أن الله سبحانه ما ترك الناس سدى، بل شرع لكل فعل من أفعال المكلفين حكماً، ونصب لكل حكم دليل يدل عليه، وطلب من أهل النظر في هذه الأدلة أن ينظروا فيها ليهتدوا إلى حكمه، فمن توافرت فيه أهلية النظر فيها، واجتهد حتى وصل إلى الحكم الذي أداه إليه اجتهاده،فهو مأجور على هذا الاجتهاد وواجب عليه ان يعمل في قضائه وافتائه بما أداه اليه اجتهاده لأنه حكم الله حسب ظنه الراجح، والظن الراجح كما قدمنا، كاف في وجوب العمل، ولا يجب على غيره أن يقلده في العمل بما وصل إليه اجتهاده، لأن قول أي إنسان بعد الرسول المعصوم ليس حجة واجباً أتباعه على أي مسلم، وإنما يجوز للعامة الذين ليست لهم ملكة الاجتهاد واستثمار الأحكام من نصوصها، أن يتبعوا المجتهدين ويقلدهم مصداق قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7]
و(ثالثها): أن الاجتهاد لا ينقض بمثله: فلو مجتهد في واقعة وحكم فيها بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده، ثم عرضت عليه صورة من هذه الواقعة فأداه اجتهاده إلى حكم آخر، فإنه لا يجوز له نقض حكمه السابق، كما لا يجوز لمجتهد آخر خالف في اجتهاده أن ينقض حكمه، لأنه ليس الاجتهاد الثاني بأرجح من الأول، ولا اجتهاد أحد المجتهدين أحق أن يتبع من اجتهاد الآخر، لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يؤدي إلى أن لا يستقر حكم وإلى أن لا تكون للشيء المحكوم به قوة، وفي هذا مشقة وحرج، وقد ورد أن عمر بن الخطاب قضى في حادثة بقضاء، ثم تغير اجتهاده فلم ينقض ما قضى به أولاً، بل قضى في مثل هذه الحادثة بالحكم الآخر الذي أداه غليه اجتهاده الثاني، وقال: ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي، وقد قضى أبو بكر في مسائل وخالفه بعده عمر فيها ولم ينقض حكمه، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم قول عمر بن الخطاب في عهده لبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء: (لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل)
(القاعدة الرابعة): في نسخ الحكم: (لا نسخ لحكم شرعي في القرآن أو السنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما في حياته، فقد اقتضت سنة التدرج بالتشريع، ومسايرته المصالح نسخ بعض الأحكام التي وردت فيهما ببعض نصوصها نسخاً كليا، أو نسخاً جزئيا)
(2) النسخ في اصطلاح الأصوليين: هو إبطال العمل بالحكم الشرعي بدليل متراخ عنه، يدل على إبطاله صراحة أو ضمناً، إبطالاً كلياً أو إبطالاً جزئياً لمصلحة اقتضته، أو إظهار دليل لاحق نسخ ضمناً العمل بدليل سابق، (حكمته): وهذا النسخ وقع في التشريع الإلهي، ويقع في كل تشريع وضعي، لأن المقصود من كل تشريع سواء أكان إلهيا أم وضعيا تحقيق مصالح الناس، ومصالح الناس قد تتغير بتغير أحوالهم، والحكم قد يشرع لتحقيق مصالح اقتضتها أسباب، فإذا زالت هذه الأسباب فلا مصلحة في بقاء الحكم، كما ورد أن وفوداً من المسلمين وفدوا على المدينة في أيام عيد الأضحى، فأراد الرسول أن يقيموا بين أخوانهم في سعة، فنهى المسلمين عن ادخار لحوم الأضاحي حتى تجد الوفود فيها توسعة عليهم، فلما رحلوا أباح للمسلمين الادخار، وقال عليه السلام: (إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة ألا فادخروا)، ولأن عدالة التشريع تقتضي التدرج وعدم مفاجأة من يشرع لهم بما يشق عليهم فعله، أو ما يشق عليهم تركه، وهذا التدرج يقتضي التعديل والتبديل، كما وقع في حكم الخمر، فإن الله سبحانه وتعالى لم يشرع تحريمها في ابتداء التشريع، ولكن بين سبحانه أن فيها إثماً كبيراً، ومنافع للناس، وأن أثمها أكبر من نفعها، وكان هذا تهيئة وتمهيداً إلى تحريمها، لن الذي ضرره أكبر من نفعه يجدر بالعقل أن يجتنبه، ثم أمر المسلمين أن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، فكان هذا تمهيداً ثانياً لتحريمها واجتنابها، لأن أوقات الصلاة متعددة ومتفرقة، فلا يأمن المسلمون إذا شربوها أن يدخل عليهم وقت الصلاة وهم سكارى، ثم بعد ذلك جاء النص الصريح على أنها رجس من عمل الشيطان، والأمر باجتنابها، وكذلك نظام التوريث، بقي فترة في بدء الإسلام على ما كان عليه عند العرب في جاهليتهم، ثم أخذ الإسلام في تعديله بالتدريج، فنسخ أولاً الإرث بالتبني، ثم نسخ الإرث بالتحالف والتآخي، ثم شرعت للتوريث أحكام مفصلة، هدمت الأسس الجائزة التي كان عليها أهل الجاهلية في نظام توريثهم.
(أنواعه): قد يكون النسخ صريحاً، وقد يكون ضمنياً، فالنسخ الصريح أن ينص الشارع صراحة في تشريعه اللاحق على إبطال تشريعه السابق، ومثال ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:66، 65]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الحياة الآخرة) ([263]) . وقوله عليه السلام: (إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لجل الدفة ألا فادخروا) ([264]). وأما النسخ الضمني فهو أن لا ينص الشارع صراحة في تشريعه اللاحق على إبطال تشريعه السابق، ولكن يشرع حكماً معارضاً حكمه السابق، ولا يمكن التوفيق بين الحكمين غلا بإلغاء أحدهما، فيعتبر اللاحق ناسخاً للسابق ضمناً، وهذا النسخ الضمني هو الكثير في التشريع الإلهي، فقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:180]، يدل على ذلك أن المالك إذا حضرته الوفاة عليه أن يوصي لوالديه وأقاربه من تركته بالمعروف، وقوله تعالى في آية التوريث: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ،،} [النساء:11]، يدل على أن الله قسم تركة كل مالك بين ورثته حسبما اقتضت حكمته، ولم يعد التقسيم حقاً للمورث نفسهن وهذا الحكم يعارض الأول، فهو ناسخ له على رأي الجمهور، ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت آية المواريث: (إن الله أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) ([265]) . وقد يكون النسخ كليا، وقد يكون جزئيا: فالنسخ الكلي أن يبطل الشارع حكماً شرعه من قبل إبطالاً كلياً بالنسبة إلى كل فرد من أفراد المكلفين، كما أبطل إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بتشريع أحكام التوريث ومنع الوصية للوارث، وكما أبطل اعتداد المتوفى عنها زوجها حولاً باعتدادها أربعة أشهر وعشراً، فقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240]، ثم قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة:234]، والنسخ الجزئي أن يشرع الحكم عاماً شاملاً كل فرد من أفراد المكلفين، ثم يلغى هذا الحكم بالنسبة لبعض الأفراد، أو يشرع الحكم مطلقاً ثم يلغى بالنسبة لبعض الحالات، فالنص الناسخ لا يبطل العمل بالحكم الأول أصلاً، ولكن يبطله بالنسبة لبعض الأفراد أو بعض الحالات، مثال ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، يدل على أن قاذف المحصنة الذي لم يقم بينة على ما قذف به يجلد ثمانين جلدة، سواء كان زوجها أم غيره، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]، يدل على أن القذف إذا كان الزوج لا يجلد بل يتلاعن وزوجته، فالنص الثاني نسخ حكم جلد القذف بالنسبة على الأزواج فقط، وإنما يكون نسخاً جزئياً إذا شرع أولاً حكم العام على عمومه، أو المطلق على إطلاقه، ثم بعد ذلك بفترة حكم لبعض أفراده، أو بقيد، وأما إذا ورد العام في القانون وورد في القانون نفسه تخصيص بعض أفراده بحكم يكون هذا التخصيص بياناً للمراد من العام لا نسخاً، وكذلك يكون التقييد بياناً للمراد من المطلق لا نسخاً، وهذا معنى قول الأصوليين إخراج بعض أفراد العام من حكمه، أو تقييد المطلق بقيد إذا كان بدليل مقارن تشريع حكم العام أو المطلق، ويعتبر بياناً للمراد العام أو المطلق بمنزلة الاستثناء ولا يعتبر نسخاً، والحكام الشرعية وغن كانت شرعت تدريجياً في اثنين وعشرين سنة وشهور، ولكن بعد وفاة الرسول واستقرار التشريع، صارت في حق المسلمين قانوناً واحداَ، فالخاص منه بيان للعام، والمقيد بيان للمطلق، من غير نظر إلى أن هذه الآية بعد هذه الآية في التلاوة، أو في سورة بعد السورة التي فيها الآية، إلا ما نص عليه من ناسخ ومنسوخ، وقد يكون النسخ بتشريع حكم بدل حكم، كما نسخ إيجاب الوصية للوالدين والأقربين، بتقسيم الإرث، وكما نسخ الاتجاه على بيت المقدس في الصلاة بالاتجاه إلى الكعبة، وكما نسخ اعتداد المتوفى عنها زوجها بالتربص حولاً، باعتدادها بالتربص أربعة شهور وعشرة أيام، وقد يكون النسخ بمجرد إلغاء الحكم كنسخ زواج المتعة، وكما يجوز أن يكون الحكم الذي شرع مساوياً الحكم الذي نسخ، أو أخف منه على المكلفين، ويجوز أن يكون اشق منه عليهم، لأن هذا الإلغاء والتبديل إنما قضت به مصالح المكلفين، وقد تقضي مصلحتهم حكماً اشق عليهم من المنسوخ، فتحريم الخمر والميسر اشق عليهم من إباحتهما، ولكن قصد به المصلحة، وقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}[البقرة:106]، المراد بالخير ما يكون أصلح للمكلفين، سواء كان أشق عليهم أم مساوياً أم أخف، هذا إذا كان المراد آيات القرآن في قوله تعالى:{ما ننسخ من آية} [البقرة:106].
(2) ما يقبل النسخ وما لا يقبله: ليس كل نص ورد في القرآن أو السنة، يقبل في عهد الرسول أن ينسخه نص لاحق، بل من النصوص نصوص محكمات لا تقبل النسخ أصلاً وهي:
(أولاً): النصوص التي تضمنت أحكاماً أساسية لا تختلف باختلاف أحوال الناس ولا تختلف حسناً وقبحاً باختلاف التقدير، كالنصوص التي تضمنت إيجاب الإيمان بالله، ورسله وكتبه واليوم الآخر، وسائر أصول العقائد والعبادات، كالنصوص التي قررت أمهات الفضائل من بر الوالدين، والصدق، والعدل، وأداء الأمانات إلى أهلها، وغير ذلك مما لا يتصور أن يكون قبيحاً في أية حال وعلى أي تقدير، كالنصوص التي دلت على أسس الرذائل من الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وعقوق الوالدين، والكذب والظلم، وغير ذلك مما لا يتصور أن يكون حسناً في أي حال.
(ثانياً): النصوص التي تضمنت أحكاماً، ودلت بصيغتها على تأيدها، لأن تأييدها يقتضي عدم نسخها، كقوله تعالى في بيان حكم قاذفي المحصنات: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} [النور: 4]، فإن لفظ أبداً يدل على أن هذا حكم دائم لا يزول، وكقوله الرسول صلى الله عليه وسلم: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) ([266]) . فإنه كونه ماضياً إلى يوم القيامة يدل على أنه باق ما بقيت الدنيا.
و(ثالثاً): النصوص التي دلت على وقائع وقعت وأخبرت عن حادثات كانت، كقوله تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة:6،5]، وكقول الرسول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) ([267]) .لأن نسخ النص الخبري تكذيب لمن أخبر به والكذب محال على الشارع، فهذه الأنواع الثلاثة من النصوص التي لا تقبل النسخ، وما عاداها يقبله في بدء التشريع، أي في حياة الرسول لا فيما بعده،
(3) ما يكون به نسخ: الأصل العام أن النص لا ينسخه إلا نص في قوته أو أقوى منه، وعلى هذا فنصوص القرآن قد ينسخ بعضها بعضاً، وقد تنسخ بالسنة المتواترة لأنها كلها قطعية وفي قوة واحدة ونصوص السنة غير المتواترة قد ينسخ بعضها بعضاً لأنها في قوة واحدة، وقد تنسخ بنصوص القرآن والسنة المتواترة لأنها أقوى منها، فالنص القرآني الذي دل على اعتداد التوفي عنها زوجها بحول، نسخ بالنص القرآني الذي دل على اعتدادها بأربعة أشهر وعشرة أيام، والنص القرآني الذي دل على تحريم كل ميتة، خصص بالسنة العلمية المتواترة التي دلت على إباحة ميتة البحر والتي أكدها الرسول بقوله: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، والنص القرآني الذي دل على وجوب تنفيذ أية وصية، قيد بالسنة العلمية التي منعت نفاذ الوصية بأكثر من الثلث وأكدها الرسول بقوله في حديث معاذ: (الثلث والثلث كثير) ([268]) .
وفي السنة النهي عن زيارة القبور ثم إباحتها، والنهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم إباحته، وغير ذلك، وعلى هذا لا ينسخ نص قرآني أو سنة متواترة بسنة غير متواترة أو بقياس، لن الأقوى لا ينسخ بما هو أقل منه قوة، ومن أجل هذا تقرر انه لا نسخ لحكم شرعي في القرآن أو السنة بعد وفاة الرسول، لأنه بعد وفاة الرسول انقطع ورود النصوص واستقراء الأحكام، فلا يمكن أن ينسخ النص بقياس أو اجتهاد، ويؤخذ مما قدمناه أن: النص لا ينسخه إلا نص، وأن النص لا يتصور أن ينسخه الإجماع، لأن النص إذا كان قطعياً لا يمكن أن ينعقد إجماع على خلافة أصلاً، وإن كان ظنياً لا يمكن أن ينعقد إجماع على خلافته إلا مستنداً إلى نص، فيكون النص الذي استند إليه الإجماع هو الناسخ، والحكم الثابت بالقياس لا ينسخ بمثله، لأن المجتهد إذا استنبط حكماً في واقعة بطريق القياس ثم استنبط بالقياس هو أو مجتهد آخر في مثل هذه الواقعة حكماً يخالف الأول، فإن هذا ليس نسخاً للحكم الأول، وإنما هو إظهار لبطلان الدليل الأول أي لخطأ القياس السابق، والقياس لا ينسخ حكماً شرعياً ثابتاً بالنص أو الإجماع، لأنه ليس في مرتبتهما، فالقياس لا ينسخ حكمه ولا ينسخ حكماً.
(القاعدة الخامسة): في التعارض والترجيح: (إذا تعارض النصان ظاهراً وجب البحث والاجتهاد في الجمع والتوفيق بينهما بطريق صحيح من طرق الجمع والتوفيق، فإن لم يمكن وجب البحث والاجتهاد في ترجيح أحدهما بطريق من طرق الترجيح، فإن لم يمكن هذا ولا ذاك وعلم تاريخ ورودهما كان اللاحق منهما ناسخاً للسابق، وإن لم يعلم تاريخ ورودهما توقف عن العمل بهما، وإذا تعارض قياسان أو دليلان من غير النصوص ولم يمكن ترجيح احدهما، عدل عن الاستدلال بهما)
(1) التعارض بين الأمرين معناه في اللغة العربية: اعتراض كل واحد منها الآخر، والتعارض بين الدليلين الشرعيين معناه في اصطلاح الأصوليين: اقتضاء كل واحد منهما في وقت واحد حكماً في الواقعة يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر فيه، مثلاً: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}[البقرة:234]، هذا النص يقتضي بعمومه، أن كل من توفى عنها زوجها تنقضي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، سواء أكانت حاملاً أم غير حامل، وقوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، هذا النص يقتضي بعمومه أن كل حامل تنقضي عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها زوجها أم مطلقة، فمن توفى عنها زوجها وهي حامل، واقعة يقتضي النص الأول أن تنقضي عدتها بتربص أربعة أشهر وعشرة أيام، ويقتضي النص الثاني أن تنقضي عدتها بوضع حملها، فالنصان متعارضان في هذه الواقعة، ولا يتحقق التعارض بين دليلين شرعيين إلا إذا كانا في قوة واحدة، أما إذا كان احد الدليلين أقوى من الآخر، فإنه يتبع الحكم الذي يقتضيه الدليل الأقوى ولا يتلف لخلافه الذي يقتضيه الدليل الآخر، وعلى هذا يتحقق التعارض بين نص قطعي وبين نص ظني، ولا يتحقق التعارض بين نص وبين إجماع أو قياس، ولا بين إجماع وبين قياس، ويمكن بين آيتين أو حدثين متواترين أو بين آية وحديث متواتر، أو حدثين غير متواترين أو بين قياسين، ومما ينبغي التنبيه له: انه لا يوجد تعارض حقيقي بين آيتين أو بين حديثين صحيحين أو بين آية وحديث صحيح، وإذا بدا تعارض بين نصين من هذه النصوص فإنما هو تعارض ظاهري فقط بحسب ما يبدو لعقولنا، وليس بتعارض حقيقي، لأن الشارع الواحد الحكيم لا يمكن أن يصدر عنه نفسه دليل آخر يقتضي في الواقعة نفسها حكماً خلافة في الوقت الواحد، فإن وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهاً للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه، فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما، جمع بينهما وعمل بهما، وكان هذا بياناً لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما، (مثال): قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة:234]، وقوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، ويمكن التوفيق بينهما بان الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، فإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الوفاة، تربصت حتى تتم أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن أمضت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع حملها تربصت حتى تضع حملها، ومن طرق الجمع والتوفيق: تأويل أحد النصين أي صرفه عن ظاهره، وبهذا لا يعارض النص الآخر.
(2) ومن طرق الجمع والتوفيق: اعتبار أحد النصين مخصصاً لعموم الآخر، أو مقيداً لإطلاقه، فيعمل بالخاص في موضعه وبالعام فيما عداه، ويعمل بالمقيد في موضعه وبالمطلق فيما عداه، وأن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين المتعارضين، نظر في ترجيح أحدهما على الآخر بطريق من طرق الترجيح، فإذا أظهر البحث رجحان أحدهما على الآخر عمل بما اقتضاه الدليل الأرجح، وكان هذا تبييناً، لأن النصين غير متساويين في المرتبة، وقد يكون الترجيح من جهة الدلالة فيرجح المدلول عليه بعبارة النص على المدلول عليه بإشارة النص، ويرجح المفسر على الظاهر أو النص، وتقدمت عدة أمثلة لهذا التعارض والترجيح، وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين، ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بطريق الترجيح، نظر في تاريخ صدورهما عن الشارع، فإذا علم أن أحدهما سابق كان المتأخر منهما ناسخ للسابق فيعمل به، ويعلم هذا من الرجوع على أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث، وجمع الأمثلة التي قدمناها في نسخ بعض الآيات لأحكام بعض آيات أخرى، ثابت فيها أن الناسخ لاحق في وروده للمنسوخ، وإن لم يمكن الجمع والتوفيق بين النصين ولا ترجيح أحدهما على الآخر، ولم يعلم تاريخ ورودها، نوقف عن الاستدلال بهما، ونظر في الاستدلال على حكم الواقعة التي فيها التعارض بدليل غيرهما كأنها واقعة لا نص فيها، وهذه صورة فرضية لا وجود لها، وإن كان التعارض بين دليلين شرعيين ليسا نصين، كالتعارض بين قياسين، فهذا قد يكون تعارضاً حقيقياً، لأنه قد يكون أحد القياسين خطأ، فإن أمكن ترجيح أحد القياسين على الآخر عمل به، ومن طرق ترجيح أحد القياسين على الآخر أن تكون علة أحدهما منصوصاً عليها، وعلة الآخر مستنبطة، أو تكون علة أحدهما مستنبطة بطريق إشارة النص، وعلة الآخر مستنبطة بطريق المناسبة، ومجال الأصوليين في طرق التوفيق أو الترجيح بين النصوص والأقيسة المتعارضة ذو سعة، ومن طرق الترجيح طرق موضوعية قرروا فيها مبادئ ترجيحية عامة، مثل قولهم: إذا تعارض المحرم والمبيح، رجح المحرم، وقولهم: إذا تعارض المانع والمقتضى، قدم المانع، والله يوفق من يريد الحق، ويهدي من يشاء إلى طريق مستقيم، انتهى كتاب علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف بشيء من الاختصار.
***
الفصل الرابع
إشارة مختصرة إلى علم القواعد الفقهية الإسلامية
ودوره في الإلمام بعلم الشريعة
أكثره مستفاد من كتاب القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة للدكتور محمد مصطفى الزحيلي
[المفتاح الأول]: أهمية علم القواعد الفقهية الإسلامية في الإلمام بعلم الشريعة وتسهيل تحصيل الفقه:
(القواعد الفقهية): هي قضايا كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة جدا من الفقه، تجعل الفقيه محيط بكثير من مسائل الفقه في شتى أبوابه الفقهية، وهذه القواعد مهمة في الفقه، وبقدر الإحاطة بها تتضح للفقيه مناهج الفتوى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، كما أنّ القواعد الفقهية تقوم بضبط الفقه ومسائله، فإن الفقه يتعامل مع حوادث مستمرة لا متناهية، تحتاج إلى بيان حكمها، والقواعد الفقهية هي التي تقوم بتأصيل هذه الفروع، ونظم عقدها في سلك واحد، لمنعها من التشتت والضياع، ولها اعظم الدور في عدم تناقض الاحكام الفقهية حيث أنّ من أخذ بالفروع الفقهية الجزئية دون القواعد الفقهية الكلية تناقضت عليه الأحكام الفقهية واضطربت، واحتاج إلى حفظ جزئيات لا تتناهى، وفيه يقول العلامة السيوطي: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مرِّ الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر)، أهـــ ([269]) .
[المفتاح الثاني]: نبذة تاريخية عن ظهور القواعد الفقهية: بدأ التشريع الإسلامي في العهد النبوي، ومع نزول القرآن الكريم، وبيانه في السنة النبوية، لمعرفة أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة، ثم بدأت الحركة الفقهية بالظهور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقام الصحابة والتابعون، ومن بعدهم الأئمة والمجتهدون والعلماء والفقهاء باستنباط الأحكام الفقهية من المصادر الشرعية، وشمروا عن سواعدهم لاستخراج حكم المسائل والقضايا من الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، والاجتهاد بواسطة بقية المصادر، لاعتقادهم أن لكل قضية أو أمر من أمور الدنيا حكماً لله تعالى، وأنهم المكلفون ببيان هذه الأحكام، ومسؤولون أمام الله تعالى عن ذلك، فإذا حدث أمر، أو طرأت حادثة، أو أثيرت قضية، أو وقع نزاع، أو استجد بحث، رجع الناس والحكام إلى العلماء والفقهاء والمجتهدين لمعرفة حكم الله تعالى في ذلك، وأحسَّ العلماء بواجبهم نحو هذه الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، فنظروا في كتاب الله، فإن وجدوا فيه نصاً صريحاً بينوه للناس، وإن لم يجدوا رجعوا إلى السنة دراسة وبحثاً وسؤالاً، فإن وجدوا فيها ضالتهم المنشودة أعلنوها ووقفوا عندها، وإن لم يجدوا نصاً في كتاب ولا سنة شرعوا في الاجتهاد وبذل الجهد والنظر في الكتاب والسنة وما يتضمنان من قواعد مجملة، ومبادئ عامة، وأحكام أصيلة ومن إحالة صريحة أو ضمنية إلى المصادر الشرعية الأخرى، ويعملون عقولهم في فهم النصوص وتفسيرها، وتحقيق مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة، ليصلوا من وراء ذلك إلى استنباط الأحكام الفقهية وبيان الحلال والحرام، ومعرفة حكم الله تعالى، وتكوَّن من عملهم مجموعة ضخمة من الأحكام الشرعية والفروع الفقهية، وقاموا بواجبهم أحسن قيام في مسايرة التطور، ومواكبة الفتوح، ورسم المنهج الإلهي في حياة الفرد والمجتمع والدولة، لتبقى مستظلة بالأحكام الشرعية في كل صغيرة أو كبيرة، ويظهر من ذلك أن الفقه الإسلامي بدأ من الفروع والجزئيات، واستمر على هذا المنوال طوال القرن الهجري الأول، وظهر خلال القرن الثاني عوامل جديدة، وطرق مختلفة، وتطورات ملموسة، منها ظهور الفقه الافتراضي الذي اتجه إلى مسابقة الزمن، واستباق الحوادث، وافتراض القضايا، وما يستجد من المسائل، لبيان أحكامها الشرعية، كما ظهر أئمة المذاهب الذين دونوا أحكامهم، وتميزت اجتهاداتهم، وتحددت قواعدهم وأصولهم في الاستنباط والاجتهاد، واستقل كل مذهب بمنهج معين في بيان الأحكام، معتمدين على القواعد والأصول التي يسيرون عليها، وهنا برزت للوجود ثلاثة أنواع من القواعد.
[النوع الأول]: قواعد الاستنباط والاجتهاد، وهي السبل التي يعتمد عليها المجتهد، ويستعين بها في معرفة الأحكام من المصادر، وهي قواعد علم أصول الفقه.
و[النوع الثاني]: قواعد التخريج، التي وضعها العلماء لرواية الأحاديث، وتدوين السنة، وضبط الروايات، وقبول الأسانيد، والحكم عليها بالصحة أو الضعف، والجرح والتعديل، للاعتماد على الصحيح في الاجتهاد والاستنباط، وترك الضعيف، وتجنب الواهي، والحذر من الموضوع، وهذه القواعد هي: مصطلح الحديث، أو أصول الحديث، أو قواعد التحديث.
و[النوع الثالث]: قواعد الأحكام، وهي القواعد التي صاغها العلماء، وبخاصة أتباع الأئمة ومجتهدو المذاهب، لجمع الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، وبيان أوجه الشبه بينها، ثم ربطها في عقد منظوم، يجمع شتاتها، ويؤلف بين أجزائها، ويقيم صلة القربى في أطرافها، لتصبح عائلة واحدة، وأسرة متضامنة، وهي القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، أو القواعد الفقهية، يحدثنا الإمام القرافي عن وجود هذه القواعد فيقول: “إن الشريعة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهي في غالب أمره ليس فيها إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم،، إلخ، والقسم الثاني: قواعد كلية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن كان يشار إليها هناك على سبيل الإجمال، ويبقى تفصيله لم يتحصل،، “، وهذه القواعد التي أشار إليها القرافي، وبيَّن نشأتها هي مناط البحث في هذه الدراسة لتعريفها، وبيان فائدتها، وأهم كتبها، وعرض أنواعها وما يتفرع عنها.
[المفتاح الثالث]: تعريف القواعد الفقهية: القواعد: جمع قاعدة، والقاعدة لغة: الأساس، ومنه قواعد البناء وأساسه، قال الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، والقاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة، والقاعدة إما أن تطبق على جميع الفروع التي تدخل تحتها، كما سبق في التعريف، وإما أن تشمل غالبَ الجزئيات أو أكثرها، ويخرج عنها بعض الفروع والجزئيات التي تعتبر استثناءات، وقد تطبق عليها قاعدة أخرى، ولذلك عرفها الحموي في (حاشيته على الأشباه والنظائر) بأنها: “حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته “([270]) .
وقد اخترنا التعريف الأول الذي يفيد انطباق القاعدة على جميع الجزئيات، لأن الأصل فيها أن تكون كذلك، وأن خروج بعض الفروع عنها لا يضر ولا يؤثر، وتكون استثناء من القاعدة، لأن كل قاعدة أو مبدأ أو أصل له استثناء، وهذا الاستثناء لا يغير من حقيقة الأصل أو المبدأ، وقد صرحت مجلة الأحكام العدلية بهذا فقالت في المادة الأولى منها:”ثم إن بعض هذه القواعد، وإن كان بحيث إذا انفرد يوجد من مشتملاته بعض المستثنيات، لكن لا تختل كليتها وعمومها من حيث المجموع، لما أن بعضها يخصص ويقيد بعضاً “([271]) .
[المفتاح الرابع]: الفرق بين القاعدة والضابط: القاعدة: بمعنى الضابط في الأصل، لكن يميز العلماء بين القاعدة والضابط عملياً وفي القرون الأخيرة بأن القاعدة تحيط بالفروع والمسائل في أبواب فقهية مختلفة، مثل قاعدة ” الأمور بمقاصدها” (م/ 2) فإنها تطبق على أبواب العبادات، والجنايات، والعقود، والجهاد، والأيمان، وغيرها من أبواب الفقه، أما الضابط فإنه يجمع الفروع والمسائل من باب واحد من الفقه، مثل “لا تصوم المرأة تطوعاً إلا بإذن الزوج أو كان مسافراً “، ومثل “أيما إهاب دُبغ فقد طَهُر” وهو نص حديث شريف، ومثل “كل ماء مطلق لم يتغير فهو طهور”، ومثل “الكفار مخاطبون بفروع الشريعة” عند الشافعية، ومثل “الإسلام يجبُّ ما قبله في حقوق الله، دون ما تعلق به حق آدمي كالقصاص وضمان المال “، يقول السيوطي: ” لأن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعَ بابِ واحد”، ويقول أبو البقاء بعد تعريف القاعدة: “والضابط يجمع فروعاً من باب واحد”، وإن هذا التفريق بين القاعدة والضابط عند معظم العلماء فقط، كما أنه ليس تفريقاً حتماً جازماً، فقد يذكر كثير من العلماء قواعد فقهية، وهي في حقيقتها مجرد ضابط، كما سيمر معنا.
[المفتاح الخامس]: الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية: رأينا أن العلماء وضعوا قواعد أصولية للاستنباط والاجتهاد، وكان تدوينها مبكراً وسابقاً على القواعد الفقهية، وأول من دونها وجمعها في كتاب مستقل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى (ت 204 هـ) في كتابه (الرسالة) ثم تطورت وتوسعت وانتشرت وعمت المذاهب، كما وضع الأئمة والعلماء قواعد فقهية لجمع الأحكام المتشابهة، والمسائل المتناظرة، وكانت مبعثرة في الكتب والأبواب الفقهية، وتأخر تدوينها وجمعها بشكل مستقل، كما سنرى، وصرح القرافي بالنوعين السابقين، وميز بينهما، لكنه جمع في كتابه (الفروق) بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، وكذلك فعل السيوطي الشافعي، وابن نجيم الحنفي، وابن اللحام الحنبلي، في كتابه (القواعد والفوائد الأصولية) وغيرهم، ويمكن التمييز بين النوعين بما يلي:
(1) إن القواعد الأصولية ناشئة في أغلبها من الألفاظ العربية، والقواعد العربية، والنصوص العربية، كما صرح القرافي سابقاً، أما القواعد الفقهية فناشئة من الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية.
(2) إن القواعد الأصولية خاصة بالمجتهد، يستعملها عند استنباط الأحكام الفقهية، ومعرفة حكم الوقائع والمسائل المستجدة في المصادر الشرعية، أما القواعد الفقهية فإنها خاصة بالفقيه، أو المفتي، أو المتعلم الذي يرجع إليها لمعرفة الحكم الموجود للفروع، ويعتمد عليها بدلاً من الرجوع إلى الأبواب الفقهية المتفرقة.
(3) تتصف القواعد الأصولية بالعموم والشمول لجميع فروعها، أما القواعد الفقهية فإنها، وإن كانت عامة وشاملة، تكثر فيها الاستثناءات، وهذه الاستثناءات تشكل أحياناً قواعد مستقلة، أو قواعد فرعية، وهذا ما حدا بكثير من العلماء لاعتبار القواعد الفقهية قواعد أغلبية، وأنه لا يجوز الفتوى بمقتضاها.
(4) تتصف القواعد الأصولية بالثبات، فلا تتبدل ولا تتغير، أما القواعد الفقهية فليست ثابتة، وإنَّما تتغير – أحياناً – بتغير الأحكام المبنية على العرف، وسد الذرائع، والمصلحة وغيرها.
(5) إن القواعد الأصولية تسبق الأحكام الفقهية، وأما القواعد الفقهية فهي لاحقة وتابعة لوجود الفقه وأحكامه وفروعه.
[المفتاح السادس]: الفرق بين القواعد والنظريات: قلنا: إن الفقه الإسلامي بدأ بالفروع والجزئيات في التدوين، ثم انتقل إلى التقعيد بإقامة الضوابط الفقهية والقواعد الكلية، وهذه الضوابط والقواعد مرحلة ممهدة لجمع القواعد المتشابهة، والمبادئ العامة، لإقامة نظرية عامة في جانب من الجوانب الأساسية في الفقه، ولكن الظروف التي مرت بالأمة الإسلامية، وأحاطت بالاجتهاد والمجتهدين والعلماء، أوقفت العمل عند مرحلة القواعد، إلى أن ظهرت في هذا القرن النهضة الفقهية والدراسات المقارنة، وشرع العلماء في صياغة النظريات الأساسية في الفقه الإسلامي، مثل: نظرية العقد، ونظرية الملكية، ونظرية الأهلية، ونظرية الفساد، ونظرية البطلان، ونظرية الشروط المقترنة بالعقد، ونظرية العقد الموقوف، ونظرية الضرورة، ونظرية الضمان، ونظرية الإثبات، ونظام الحكم في الإسلام، ونظام المال في الإسلام، ونظرية التكافل الاجتماعي، ونظام الجهاد، وغيرهما، مما يتيح للباحث أو الدارس أن يحصل على منهج الإسلام العام، وآراء الفقهاء في كل جانب من جوانب التشريع الأساسي في الإسلام، والفرق بين القواعد الفقهية وبين النظريات أن القواعد إنما هي ضوابط وأصول فقهية تجمع الفروع والجزئيات، ويعتمد عليها الفقيه والمفتي في معرفة الأحكام الشرعية، أما النظريات الفقهية فهي دساتير ومفاهيم كبرى تشكل نظاماً متكاملاً في جانب كبير من جوانب الحياة والتشريع، وأن كل نظرية تشمل مجموعة من القواعد الفقهية، كما تقوم النظرية على أركان وشروط ومقومات أساسية، وكثيراً ما تخلو من بيان الأحكام الفقهية، أما القواعد فلا يوجد لها أركان وشروط، وتنطوي على عدد كبير من الأحكام الفقهية والفروع والمسائل، مثال القواعد ” الفقهية ” العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني ” التي تفسر صيغة العقد، وموضوعه، لتحديد الآثار المترتبة عليه، ومثال النظريات الفقهية (نظرية العقد) التي تتناول جميع العقود الشرعية في مختلف أحكامها وأطرافها من التعريف والأركان والشروط والآثار، وموقع العقد بين مصادر الالتزام الأخرى، والخلاصة: أن القواعد واسطة بين الفروع والأصول، أو هي واسطة بين الأحكام والنظريات، ونشير هنا إلى أهم تطور للفقه الإسلامي في العصر الحاضر، وذلك بتقنين أحكامه في قانون أو نظام في مجال معين، واختيار الآراء فيه من مختلف المذاهب الفقهية، والتزام القضاة العمل بموجبه، ويختلف ذلك سعة وضيقاً، وشمولاً وحصراً من بلد إلى آخر، وكان أقدم قانون (مجلة الأحكام العدلية) في الدولة العثمانية التي سنشير إليها، وآخرها قانون العقوبات في الفقه الإسلامي الذي صدر بالسودان، والتقنين مستمر.
[المفتاح السابع]: فوائد القواعد الفقهية وأهميتها: بيَّن لنا العلامة القرافي أهمية القواعد وفوائدها فقال: (وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، ومن جعل يخرّج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب)، ([272]) . وقال العلامة ابن نجيم مبيناً فوائد القواعد: (الأول: في معرفة القواعد التي تُردُّ إليها، وفرعوا الأحكام عليها، وهي أصل الفقه، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد، ولو بالفتوى) ([273]) .
وممكننا أن نلخص فوائد القواعد وأهميتها بما يلي:
(1) إن دراسة الفروع والجزئيات الفقهية يكاد يكون مستحيلاً، بينما يدرس الطالب والعالم قاعدة كلية تنطبق على فروع كثيرة لا حصر لها، ويتذكر القاعدة ليفرع عليها المسائل والفروع المتشابهة والمتناظرة، ولذلك سمي هذا العلم أيضاً: علم الأشباه والنظائر، يقول العلامة السيوطي: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مرِّ الزمان، ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر) ([274]) . فهي تسهل ضبط الأحكام الفقهية، وحصرها، وحفظ المسائل الفرعية وجمعها.
(2) إن دراسة الفروع والجزئيات، إن حفظت كلها أو أغلبها، فإنها سريعة النسيان، ويحتاج الرجوع إليها في كل مرة إلى جهد ومشقة وحرج، أما القاعدة الفقهية فهي سهلة الحفظ، بعيدة النسيان، لأنها صيغت بعبارة جامعة سهلة تبين محتواها، ومتى ذكر أمام الفقيه فرع أو مسألة فإنه يتذكر القاعدة، مثل قاعدة ” لا ضرر ولا ضرار”، أو “الضرر يزال “، أو ” يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام “، أو ” الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة”.
(3) إن الأحكام الجزئية قد يتعارض ظاهرها، ويبدو التناقض بين عللها، فيقع الطالب والباحث في الارتباك والخلط، وتشتبه عليه الأمور حتى يبذل الجهد والتتبع لمعرفة الحقيقة، أما القاعدة الفقهية فإنها تضبط المسائل الفقهية، وتنسق بين الأحكام المتشابهة، وترد الفروع إلى أصولها، وتسهل على الطالب إدراكها وأخذها وفهمها.
(4) إن القواعد الكلية تسهل على رجال التشريع غير المختصين بالشريعة فرصة الاطلاع على الفقه بروحه ومضمونه وأسسه وأهدافه، وتقدم العون لهم لاستمداد الأحكام منه، ومراعاة الحقوق والواجبات فيه، وهذا ما حققته القواعد الفقهية في مجلة الأحكام العدلية، والتي انتقلت إلى العديد من القوانين المعاصرة.
(5) تكوِّن القواعد الكلية عند الطالب ملكة فقهية تنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسع، ومعرفة الأحكام الشرعية في المسائل المعروضة عليه، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة، والمشاكل المتكررة، والحوادث الجديدة.
(6) تساعد القواعد الكلية في إدراك مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة ؛ لأن مضمون القواعد الفقهية يعطي تصوراً واضحاً عن المقاصد والغايات، مثل “المشقة تجلب التيْسير”، أو “الرخص لا تناط بالمعاصي “، أو “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”، وغير ذلك من الفوائد والمنافع الي تحصل من دراسة القواعد الفقهية.
[المفتاح الثامن]: مصادر القواعد الفقهية: إن القواعد الكلية في الفقه الإسلامي – بصيغتها الأخيرة – هي من وضع الفقهاء وصياغتهم وترتيبهم، وقد فعلوا ذلك على مر العصور، وحتى العصر الحاضر، أما أصلها ونشأتها فمستقاة من ثلاثة مصادر، هي:
(1) القرآن الكريم: لقد جاء القرآن الكريم بمبادئ عامة، وقواعد كلية، وضوابط شرعية، في آياته ونصوصه، لتكون مناراً وهداية للعلماء في وضع التفاصيل التي تحقق أهداف الشريعة، وأغراضها العامة، وتتفق مع مصالح الناس، وتطور الأزمان، واختلاف الببئات، وقد حققت هذه المبادئ العامة في القرآن الكريم هدفين أساسيين: (الأول): تأكيد الكمال في دين الله تعالى الذي ورد في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، و(الثاني): بيان ميزة المرونة في التشريع الإسلامي لمسايرة جميع العصور والبيئات، ليبقى صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان، وهذه المبادئ العامة في القرآن الكريم كانت مصدراً مباشراً للأئمة والفقهاء في صياغة القواعد الكلية في الفقه الإسلامي، وإرشادهم إلى المقاصد والغايات من الأحكام، والاستعانة بها لتشمل جميع الفروع التي تدخل تحتها، مثل قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}، فالآية تصف المؤمنين بالتشاور في جميع الأمور، سواء كانت عائلية أو اجتماعية أو إدارية أو سياسية، وتركت كيفية التنفيذ ووسائله بحسب الأحوال والأزمان، ومثل قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، التي تعتبر قاعدة عامة لتحديد الحقوق والواجبات بين الزوجين، ومثل قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، التي تقرر مبدأ التراضي في العقود والتصرفات، واحترام سلطان الإرادة، وسترد أمثلة أخرى، كما سترى أن كثيراً من القواعد الفقهية ترجع في أصلها إلى آيات الذكر الحكيم.
(2) السنة النبوية: لقد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، وكان عليه الصلاة والسلام ينطق بالحكمة القصيرة التي تخرج مخرج المثل، وتكون قاعدة كلية، ومبدأ عاماً، ينطوي على الأحكام الكثيرة، والمسائل المتعددة، والفروع المتكررة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم) ([275]) .
وقوله: (إنما الأعمال بالنيات) ([276]) . وقوله: (الدين النصيحة) ([277]) . وقوله: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدّ) ([278]) . وقوله: (الخَرَاج بالضَّمَان) ([279]) .وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن) ([280]) . وسترد أمثلة أخرى كثيرة، وسترى أن بعض القواعد الفقهية هي نص حديث نبوي شريف، وأن كثيراً من القواعد الفقهية ترجع في أصلها واستنباطها إلى الأحاديث الشريفة.
(3) الاجتهاد: وذلك باستنباط القواعد الكلية من الأصول الشرعية السابقة، ومن مبادئ اللغة العربية، ومسلمات المنطق، ومقتضيات العقول، وتجميع الفروع الفقهية المتشابهة في علة الاستنباط، فالعالم الفقيه يرجع إلى هذه المصادر، ويبذل جهده فيها، ويجمع بين الأحكام المتماثلة، والمسائل المتناظرة، ويستخرج قاعدة كلية منها، تشمل كل ما يدخل تحتها أو أغلبه، وكما فعل علماء الأصول في وضع القواعد الأصولية، سار الفقهاء في القواعد الفقهية، مثل قاعدة (الأمور بمقاصدها) المأخوذة من مجموعة أحاديث في النية، أهمها حديث (إنما الأعمال بالنيات)، ومثل قاعدة (الضرر يزال) المأخوذة من حديث (لا ضرر ولا ضرار)، ومثل قاعدة (المرء مؤاخذ بإقراره)، المأخوذة من قوله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ}، ومثل قاعدة (السؤال معاد في الجواب)، المأخوذة من مبادئ اللغة العربية، ومثل قاعدة (الأصل في الكلام الحقيقة) المأخوذة من اللغة العربية، وقاعدة (التابع تابع) المأخوذة من مسلمات المنطق، ومثل قاعدة (إذا تعذر إعمال الكلام يهمل)، وقاعدة (إذا زال المانع عاد الممنوع) المأخوذة من لوازم التفكير ومبادئ العقل.
[المفتاح التاسع]: أنواع القواعد الفقهية: إن تعريف القاعدة السابقة يشمل جميع القواعد، ولكن القواعد الفقهية على درجات في العموم والشمول، والاتفاق عليها بين المذاهب الفقهية عامة، أو الاختلاف فيها بين المذاهب، ولكنها شاملة في المذهب الواحد، وبعضها قواعد مختلف فيها في المذهب الواحد، لذلك كانت القواعد الفقهية على أنواع هي: (1) القواعد الفقهية الأساسية الكبرى، التي تدور معظم مسائل الفقه حولها، حتى رد بعض العلماء الفقه كله إليها، وهي متفق عليها بين جميع المذاهب، وهي: (أ) الأمور بمقاصدها، (ب) اليقين لا يزول بالشَّك، (ت) المشقة تجلب التيسير، (ث) الضرر يزال، (ج) العادة مُحكمة.
(2) القواعد الكلية: وهي قواعد كلية مُسَلَّم بها في المذاهب، ولكنها أقل فروعاً من القواعد الأساسية، وأقل شمولاً من القواعد السابقة، مثل قاعدة: (الخراج بالضمان)، وقاعدة (الضرر الأشد يُدفَعُ بالضرر الأخف)، وكثير من هذه القواعد تدخل تحت القواعد الأساسية الخمس، أو تدخل تحت قاعدة أعم منها، ومعظمها نصت عليها مجلة الأحكام العدلية، وقد يدخل تحتها قواعد فرعية أيضاً، وأكثرها متفق عليها بين المذاهب.
(3) القواعد المذهبية: وهي قواعد كلية في بعض المذاهب دون بعض، وهي قسمان، (الأول): قواعد مقررة ومتفق عليها في المذهب، و(الثاني): قواعد مختلف فيها في المذهب الواحد، مثل قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني) فإنها أغلبية في المذهب الحنفي والمالكي، ولكنها قليلة التطبيق في المذهب الشافعي، وقاعدة (من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه) فهي كثيرة التطبيق في المذهب الحنفي والمالكي والحنبلي، نادرة التطبيق عند الشافعية، ومثل قاعدة (الرخص لا تُنَاط بالمعاصي) فإنها شائعة عند الشافعية والحنابلة، دون الحنفية، وفيها تفصيل عند المالكية.
(4) القواعد المختلف فيها في المذهب الواحد، فتطبق في بعض الفروع دون بعض، وهي مختلف فيها في فروع المذهب الواحد، مثل: قاعدة (هل العبرة بالحال أو بالمآل)، فهي قاعدة مختلف فيها في المذهب الشافعي، ولها أمثلة كثيرة، ولذلك تبدأ غالباً بكلمة ” هل ؛ “، وقاعدة (هل النظر إلى المقصود أو إلى الموجود) عند المالكية، وقاعدة (القسمة، هل هي إفراز، أم بيع) عند الشافعية والحنابلة، وقد راعى العلماء هذا التنويع للقواعد في تقسيم الدراسة، وتصنيف القواعد.
[المفتاح العاشر]: تطور القواعد الفقهية في تاريخ الفقه الإسلامي: جاء في كتاب تطوّر القواعد الفقهيّة من ظاهرة إلى علم وأثر ذلك في الفقه الإسلامي للدكتور محمد عبد الرحمن المرعشلي: (تطور القواعد الفقهية في تاريخ الفقه الإسلامي مع نماذج مختارة في المذاهب المختلفة: لم توضع هذه القواعد جملة واحدة في وقت معين على أيدي أناسٍ معلومين، بل تكونت بالتدرج في عصور ازدهار الفقه ونهضته على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل الترجيح والتخريج، ولم تكتسب الصياغة الأخيرة عن طريق الصقل والتحرير على يد كبار الفقهاء إلا بعد استقرار المذاهب الفقهية الكبرى، ويستطيع الناظر لتاريخ الفقه الإسلامي أن يقسم المراحل التي مرّت بها القواعد الفقهية إلى ثلاثة محطات أو مراحل، وهي:
(المرحلة الأولى: مرحلة النشوء والتكوين): (الممتدة من عصر النبي صلى الله عليه وسلم مروراً بالصحابة والتابعين وكبار الفقهاء وأصحاب المذاهب حتى القرن الثالث الهجري)، ففي عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت أحاديثه الشريفة قواعد فقهية عامة، بما أوتيه من جوامع الكلم، كما سبق ومثلنا له في مصادر القواعد الفقهية في السنة، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان)… و(العجماء جُرحُها جُبار)، وفي عصر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم قواعد سبقت الإشارة إليها عند الحديث عن مصادر القواعد الفقهية يمكن الرجوع إليها، فإذا ما انتقلنا إلى عصر أئمة الفقهاء حيث تفتحت براعم الفقه وجدنا الصاحبيَّن أقدم من دوّن في القواعد كما في كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم (ت182هـ)، مثل قاعدة “التعزير إلى الإمام على قدر عظم الجرم وصغره”، وقاعدة “كل من مات من المسلمين لا وارث له فماله لبيت المال” أما الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ) فيقول في كتابه الأصل: “التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة”، وذلك عند اشتباه الطاهر بالنجس للوضوء، ويقول في كتابه الحجة على أهل المدينة : “كل شيء كره أكله والانتفاع به على وجه من الوجوه فشراؤه وبيعه مكروه، وكل شيء لا بأس بالانتفاع به فلا بأس ببيعه”،([281]) . بجانب ذلك نجد في كتاب الأم للإمام الشافعي ([282]) . أصولاً نستطيع تسميتها “كليات” باعتبار بدايتها بـ “كل “، إضافة إلى قاعدة فقهية تدل على رسوخ فكرة التعليل والتأصيل عند الأولين، منها؛ قاعدة “الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه”في معرض حديثه عن الإكراه والكفر، ومنها، قاعدة “إذا ضاق الأمر اتسع” التي نقلها الزركشي في (المنثور في القواعد) ([283]) .
وللإمام أحمد مرويات أوردها الإمام أبو داود في كتابه (المسائل) ([284]) . منها: قاعدة: “كل ما جاز فيه البيع تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن”، وقاعدة: “كل شيء يشتريه الرجل مما يكال أو يوزن فلا يبعه حتى يقبضه، وأما غير ذلك فرخص فيه”، لقد كان أثر هذه القواعد عند الفقهاء عظيماً -أيضاً- عند المحدثين الذين تناولوا شرح السنة، منهم الخطابي حمد بن محمد، (ت: 388 هـ) كما في شرح سنن أبي داود في كتابه معالم السنن ([285]) .
حيث نجد قواعد وأصول فقهية محكمة مع ربطها بالأحاديث، نختار منها قاعدة “الشك لا يزحم باليقين”، وكقاعدة “كل أمر يتذرع به إلى محظور فهو محظور” ومنهم: الإمام ابن عبد البر القرطبي المالكي (ت: 463 هـ) صاحب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد الذي أورد قواعد فقهية ثمينة تدل على التعليل والتأصيل عند تعليقه على حديث وتوجيهه لبعض الآراء الفقهية المستنبطة من الحديث، كقاعدة “الأصل براءة الذمة، ([286]) .وقاعدة “الأشياء على الإباحة” ([287]) .
وكل هذه القواعد تدل على وجودها في كتب المتقدمين كلبنة أولى، دون أن تصطبغ بصبغة العلم في هذه الفترة، بل كانت منثورة ومبددة هنا وهناك في بطون كتب الفقه والحديث الأولى، ويبدو أنها كانت الحافز للمتأخرين على استنباط القواعد وجمعها وتدوينها، والتقدم في هذا الاتجاه بعد أن تبلورت فكرتها في أذهان العلماء السابقين، حتى إذا ما دخل القرن الرابع الهجري بدأت هذه القواعد بالاستقلالية كفن مستقل مع وجود الثروة الفقهية العظيمة التي نشأت عن تدوين الفقه وذكر أدلته وخلاف المذاهب، وترجيح الراجح؛ لتشكل المحطة الثانية من أطوار تاريخ القواعد الفقهية.
(المرحلة الثانية: مرحلة النمو والتدوين): (وتمتد هذه الفترة من القرن الرابع الهجري حتى ما بعد القرن الحادي عشر الهجري)، إنه عصر القواعد الذهبي، وهو ما سنمثل له بشيء من التفصيل، ويروى أن الإمام الدباس – وقد عاش في القرنين الثالث والرابع الهجري – قد جمع (17) قاعدة كلية في مذهب أبي حنيفة، وقد تلاه الكرخي (ت340هـ) -الذي هو من أقران الإمام الدباس- وقد اقتبس منه بعض تلك القواعد وضمها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على (37) قاعدة، لعلها أول نواة للتأليف في هذا الفن، وفي هذا دليل على أن فقهاء المذهب الحنفي هم الأسبق بوضع هذه القواعد، خصوصاً لتوسعهم في الفروع، كما ألف الإمام محمد بن حارث الخشني المالكي (ت361هـ) كتابه أصول الفتيا، ثم جاء في القرن (5هـ) الإمام الدبوسي عبد الله بن عمر أبو زيد الحنفي (ت430هـ) فوضع كتابه تأسيس النظر وضمنه طائفة من الضوابط الفقهية الخاصة بموضوع معين من القواعد الكلية مع التفريع عليها، مستفيداً من عمل الكرخي، وفي القرن (6هـ) كتب الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي (ت540هـ) إيضاح القواعد، ثم بدأت القواعد تتبلور وتختمر في القرن (7هـ) مع محمد بن إبراهيم الجاجرمي (ت613هـ) صاحب القواعد في فروع الشافعية، تلاه العز بن عبد السلام، صاحب قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ومن المالكيين برز العلامة محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (ت736هـ) صاحب المذهب في ضبط قواعد المذهب، وهكذا إلى أن جاء العصر الذهبي في تدوين القواعد في القرن (8هـ) حيث برزت عناية الفقهاء الشافعية فيه بشكل خاص، ومن الكتب المشهورة في ذلك العصر نذكر: الأشباه والنظائر لابن الوكيل محمد بن عمر بن مكي الشافعي (ت716هـ)، و القواعد للمقري محمد بن محمد بن أحمد أبي عبد الله المالكي (ت758هـ)، والمجموع المُذهب في ضبط قواعد المذهب للعلائي الشافعي صلاح الدين خليل بن كيكلدي (ت761هـ)، والأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي (ت771هـ)، والأشباه والنظائر لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي (ت772هـ)، والمنثور في القواعد لبدر الدين الزركشي محمد بن بهادر بن عبد الله (ت794هـ)، والقواعد في الفقه لابن رجب الحنبلي زين الدين أبي الفرج، عبد الرحمن شهاب الدين بن أحمد السلامي (ت795هـ)، والقواعد في الفروع لعلي بن عثمان الغزي الدمشقي الحنفي، شرف الدين (ت799هـ)، ومع إطلالة القرن (9هـ) نجد ابن الملقن عمر بن علي بن أحمد (ت804هـ) قد صنف كتاباً في القواعد اعتمادا على كتاب السبكي، وممن ألف أيضاً غيره نذكر الكتب التالية التي كملت ونسقت ما جمعه الأوائل: أسنى المقاصد في تحرير القواعد لمحمد بن محمد الزبيري (ت808هـ)، والقواعد المنظومة لابن الهائم المقدسي (ت815هـ) وله أيضاً تحرير القواعد العلائية وتمهيد المسالك الفقهية، والقواعد لتقي الدين الحصني (829هـ)، ونظم الذخائر في الأشباه والنظائر للمقدسي عبد الرحمن بن علي المعروف بشُقير (ت876هـ)، والقواعد والضوابط لابن عبد الهادي (ت880هـ)، ووبلغ تدوين القواعد الفقهية مبلغاً عظيماً في القرن (10هـ) حين جاء الإمام السيوطي (ت910هـ) وجمع كتابه العظيم الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية، مستخلصاً إياها من أهم القواعد المتناثرة عند العلائي والسبكي والزركشي، كما قام أبو الحسن الزقاق التجيبي المالكي (ت912هـ) بنظم القواعد الفقهية بعد استخراجها من كتب السابقين مثل الفروق للقرافي والقواعد للمقري، تلاه العلامة ابن نجيم زين الدين بن إبراهيم الحنفي (ت970هـ) الذي ألف الأشباه والنظائر على طراز ابن السبكي والسيوطي، وقد انكب عليه فقهاء الأحناف شرحاً وتدريساً وعناية، وكل ما تم في هذا العصر إنما هو اقتباس من المصادر الفقهية المتناثرة في أماكن مختلفة، لكن بصياغة متقنة، اللهم إلا ما تمكن منه بعض الراسخين أمثال ابن الوكيل والسبكي من وضع قواعد جديدة.
(المرحلة الثالثة: مرحلة الرسوخ والتنسيق):
(1) وضع مجلة الأحكام العدلية وتعريفها: لم يستقر أمر القواعد الفقهية التي كانت في نشأتها الأولى مبددة ومتفرقة وممزوجة مع فنون فقهية أخرى مثل القواعد الأصولية والفروق والألغاز إلا بعد أن وُضِعَتْ مجلة الأحكام العدلية [صدرت عام 1869-1876م، ولها عدة طبعات وشروحات]، ليعمل بها في المحاكم التي أنشئت في ذلك العهد، وضعها فحول فقهاء السادة الحنفية من علماء الدولة العثمانية في عهد السلطان الغازي عبد العزيز خان العثماني، في أواخر القرن (13هـ)، وقد جمعوها من كتب أمثال الأشباه والنظائر لابن نجيم، ومجامع الحقائق للخادمي محمد بن محمد ابن مصطفى (ت1176هـ)، وأحسنوا انتقاءها واختيارها وتنسيقها تنسيقاً قانونياً رائعاً في أوجز العبارات حتى اشتهر ذكر القواعد وشاع أمرها عن طريق المجلة، وجاءت كموسوعة فقهية في أحكام المعاملات، وصيغت أحكامها في مواد على غرار مواد القوانين الوضعية، بلغت (1851 مادة) تقع في (16) كتاباً، سدّت فراغاً كبيراً في حينها في عالم القضاء والمعاملات الشرعية بعد أن كانت المسائل الفقهية مبددة ومتناثرة في كتب الفقه العديدة، وبعد أن كانت الفتاوى والنصوص الفقهية متعددة ومختلفة في الموضوع الواحد فظهرت بديعة مشرقه منتظمة في سلك واحد، وقد حوت المجلة قواعد أصولية مثل: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة) و(لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح)
(2) شروح مجلة الأحكام: التي تبنت فروع المذهب الحنفي: من أقدمها: الشرح المسمى مرآة مجلة الأحكام العدلية (وهو شرح باللغة العربية على المتن التركي)، وشرح سليم رستم باز اللبناني النصراني (ت1920م) (ظل كثير التداول في أيدي رجال القانون في البلاد العربية)، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام للعلامة علي حيدر شرحه بالتركية وهو من أكبر الشروح وأجلها، قام بتعريبه المحامي الأستاذ فهمي الحسيني، وشرح المجلة للعلامة خالد بن محمد بن عبد الستار الأتاسي (ت1326هـ) بدأ بأول البيوع حتى المادة (1720)، فمات، فأكمل شرحه نجله العلامة مفتي حمص (محمد) طاهر بن خالد الأتاسي (ت1359هـ)، وشرح المجلة للمحاسني محمد سعيد بن أبي الخير الدمشقي (ت1374هـ)، وشرح الشيخ عبد الستار القسطنطيني (ت1304هـ) بعنوان تشريح القواعد الكلية، وهو شرح مستقل لقواعد المجلة دون سائر موادها، وشرح العلامة أحمد الزرقا الحلبي (ت1357هـ) وهو الأعظم شأناً ومادةً وبياناً، ولم يتتبع أحد من العلماء غير فروع المذهب الحنفي عند شرح القواعد، وتجدر الإشارة إلى المحاولة الطيبة التي قام بها مشكوراً الدكتور محمد الزحيلي من علماء دمشق وهي كتابه القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي عام (1420هـ/1999م) التي نأمل أن تتبع بخطوات عند دراسة القواعد المقارنة المذهبية، ومثله الدكتور عبد الواحد الإدريسي الذي أصدر كتابه القواعد الفقهية من خلال كتاب المغني لابن قدامة عام (1423هـ/2002م)، دور المجلة في النهضة الفقهية والقانونية والفكرية: كان للمجلة العدلية التي صدرت عام 1876م بقواعدها الفقهية والأصولية وقوانينها فاتحة عهد جديد في النهضة الفكرية والفقهية، فقد عمل البحاثة الإسلامي قدري باشا على مجموعة من أحكام المعاملات تحت اسم: “مرشد الحيران في معرفه أحوال الإنسان” كما قام الأستاذ عبد القادر عودة في مصر (ت1954هـ) على إصدار كتابه التشريع الجنائي الإسلامي، بالإضافة إلى إصدار السيد عبد الرزاق أحمد السنهوري (ت1971هـ) كتابه “مصادر الحق في الفقه الإسلامي” والذي جاء مقارناً بين الفقه الإسلامي والقانون الغربي، ويعتبر هذا العمل أول المحاولات في ولوج وضع أسس للقانون المقارن، كما لعبت المجلة دوراً بارزا عبر قواعدها الفقهية والأصولية في وضع الفقه الإسلامي على عتبات التقدم والتطور والارتقاء بحركة التقنين، فقد نشرت العديد من اللجان العلمية للبحوث الفقهية والتشريعية الإسلامية وأهمها مجمع البحوث الإسلامية الذي أنشئ عام 1961م في مصر برئاسة شيخ الأزهر الشريف، وموسوعة الفقه الإسلامية التي أنشئت في دمشق عام 1956م وتعود إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق، وقد تبع ذلك العديد من المجمعات والموسوعات الفقهية بالإضافة إلى التشريعات الإسلامية التي بدأت تغزو المؤتمرات الدولية كالمؤتمر الذي عقد في “لاهاي” عام 1937م، وموضوعه القانون المقارن حيث كانت الأحكام القانونية الإسلامية تشكل المحور الرئيسي له، ومؤتمر باريس الذي عقد عام (1951م) من قبل الشعبة القانونية لقوانين الشرق، وأهمية هذا المؤتمر أن باريس التي كانت فيما مضى المصدر الأول للقوانين ولعبت دوراً بارزا في عمليات التغريب القانوني في الدولة العثمانية، أصبحت اليوم مقراً لمؤتمرات إسلامية قانونية وتشريعية، منها: يشع نور الفقه الإسلامي بقواعده الفقهية والأصولية ليحتل مكانته العالمية، كما كان للمجلة العدلية التي بدأ العمل بها عام 1293هـ/1883م أثر في النهضة القانونية، كانت أهم نتائجه بروز معالم علم جديد في عالم القضاء والقانون هو “القانون المقارن”
[المفتاح الحادي عشر]: مؤلفات القواعد الفقهية: بدأت صياغة القواعد الفقهية في عصر متقدم، وذلك منذ القرن الثاني الهجري، ولكنها لم تُفرد في التأليف والتصنيف والتدوين بشكل مستقل إلا بعد قرنين تقريباً، وكانت المذاهب الفقهية قد نضجت وتبلورت، فأخذ تأليف القواعد طابع المذاهب الفقهية، واتجه علماء كل مذهب لكتابة القواعد في مذهبه، ولكن جاءت صياغة القواعد غالباً عامة وواحدة ومشتركة بين المذاهب، وتختلف الفروع التي تدخل تحتها، وأول من بدأ في تدوين القواعد – فيما وصلنا – أبو طاهر الدَّباس إمام الحنفية فيما وراء النهر، وردَّ قواعد مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، وسافر إليه العلماء لأخذها عنه، ولما بلغ ذلك القاضي حسين إمام الشافعية في زمانه ردَّ جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد ؛ ثم استمر التصنيف والإضافة والزيادة على هذه القواعد، وانتقل العمل إلى بقية المذاهب، وظهرت القواعد بعدة أسماء، مثل: كتب الأشباه والنظائر، وكتب الفروق، وكتب القواعد، وهذه إشارة لبعضها في كل مذهب.
(أولاً) كتب القواعد الفقهية في المذهب الحنفي:
(1) أول من بدأ التصنيف في القواعد – فيما نعلم – أبو طاهر الدَّباس الذي جمع سبع عشرة قاعدة في الفقه الحنفي، وصار يكررها كل ليلة في مسجده، ويعيدها ويصقلها، ولم تذكر كتب التراجم تاريخ وفاته، ولكن كان ذلك في القرن الرابع الهجري.
(2) أخذ أبو الحسن الكرخي (المتوفى سنة 340 هـ) عن أبي طاهر الدباس، وكان معاصراً له، وزاد على قواعده، ودونها في رسالة (الأصول) التي جمع فيها فروع المذهب الحنفي.
(3) ثم جاء أبو زيد الدَّبُوسىِ (وهو عبيد الله بن عمر بن عسيى 430 هـ) وألف كتاب (تأسيس النظر في الأصول) وضمنه القواعد الكلية للفقه، مع الضوابط الفقهية، وبين أساس الاختلاف بين الأئمة، (4) ثم جاء بعد ذلك نجم الدين عمر النسفي (المتوفى سنة 537 هـ) وتناول قواعد الكرخي، وذكر الأمثلة والشواهد لكل قاعدة من القواعد، وما تشتمل من الفروع الفقهية، والأحكام المستنبطة على المذهب الحنفي.
(5) وصنف الإمام أبو المظفر أسعد بن محمد الكرابيسي (570 هـ) كتاب (الفروق) بحسب الأبواب الفقهية، ورتبه على بحوث، واشتمل كل بحث على مسألتين في الغالب، أو أكثر، وبين الفرق بين المسألتين أو المسائل المذكورة، ورد الخلاف في بعضها إلى الخلاف في القواعد الفقهية التي تندرج تحتها، فذكر القواعد الكلية عرضاً.
(6) وانتقلت هذه القواعد مع شواهدها وأمثلتها من كتاب إلى آخر، حتى جاء العلامة إبراهيم بن نجيم المصري (975 هـ) وألف كتابه (الأشباه والنظائر) الذي جمع فيه القواعد الكلية، ورتبها، وصنفها، وقسمها، وبين الفروع التي تشتمل عليها، ثم ذكر أصل القاعدة، والمسائل التي تستثنى منها، ورتب كتابه على سبعة فنون، الأول: في معرفة القواعد، وأنها أصل الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد، ولو في الفتوى، والثاني: فن الضوابط، وهو أنفع الأقسام للمدرس والمفتي والقاضي، إلخ، وصرح في مقدمة الكتاب أنه يريد أن يحاكي كتب الشافعية في القواعد، فقال: (وإن المشايخ الكرام قد ألفوا لنا ما بين مختصر ومطَوَّل من متون وشروح وفتاوى، واجتهدوا في المذهب والفتوى، إلا أني لم أر لهم كتاباً يحاكي كتاب الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي، مشتملاً على فنون في الفقه… فألهمت أن أصنع كتاباً على النمط السابق).
(7) مجامع الحقائق، للفقيه الحنفي أبي سعيد محمد الخادمي (1155 هـ) وهو في أصول الفقه ؛ ولكن المؤلف ضمنه القواعد الفقهية في أربع وخمسين قاعدة في نهاية الكتاب، ثم جاء مصطفى محمد الكوز الحصاري، وشرح هذه القواعد في كتابه (منافع الدقائق) وسار الخادمي في كتابه على طريقة الزركشي الشافعي (794 هـ) في كتابه، (8) ثم جاء مفى دمشق، في عهد السلطان عبد الحميد، الشيخ محمود حمزة الدمشقي الحنفي (1305 هـ) وألف كتاباً في القواعد باسم (الفوائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية) وصنف القواعد بحسب أبواب الفقه، وذكر لكل قاعدة مصدرها الفقهي، وفروعها التي تدخل تحتها، أما القواعد الفقهية في (جملة الأحكام العدلية) فسوف نفصل الكلام عنها في فقرة مستقلة، مع بيان شروحها.
(9) وفي العصر الحاضر قام العلامة المحقق المدقق، الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، بدراسة معمقة عن القواعد الفقهية في المذهب الحنفي في الباب السادس من كتابه القيم النافع الفريد (المدخل الفقهي العام) فعرض القواعد الفقهية الواردة في مجلة الأحكام العدلية، وصنفها تصنيفاً علمياً مفيداً، ورتبها ترتيباً مميزاً، وقسمها إلى أساسية وفرعية، فبلغت الأساسية أربعين قاعدة، واندرجت سائر القواعد التسع والتسعين تحت الأربعين، وقدم دراسة، لم يسبق إليها، عن تاريخ نشأة القواعد، وأطوار صياغتها، وقدم شرحاً موجزاً ومختصراً ومركزاً لمفاهيمها، وذكر أدلتها، وبعض الأمثلة الفقهية لكل قاعدة، ثم وضع فهرسة خاصة لقواعد المجلة مرتبة ترتيباً أبجدياً، وفهرسة خاصة للمصطلحات الفقهية الواردة في قواعد المجلة، ثم أردف ذلك بقواعد يحسن إلحاقها بالقواعد السابقة، جمعها من مناسباتها المختلفة في الكتب الفقهية، وبعضها عبارات مأثورة عن بعض الأئمة الفقهاء، وبلغت (31 قاعدة)، ورتبها على حروف المعجم بحسب أوائل كلماتها.
(ثانياً) كتب القواعد الفقهية في المذهب المالكي:
(1) أصول الفتيا، لأبي عبد الله محمد بن حارث الخشني القيرواني (361هـ)، وهو يتضمن أصولاً مالكية، ونظائر في الفروع، وبعض الكليات، ورتبه المؤلف على أبواب الفقه، ثم أضاف إليه أبواباً أخرى، وكان يفتتح غالب أبوابه بأصل فقهي من أصول المالكية، وهو كقاعدة فقهية، كقوله في باب حد الزنى: (من أصول هذا الباب قوله: “الحدود تُدْرَأ بالشبهات، ولا يقام مع الرجم شيء من الحدود ولا من القصاص).
(2) الفروق، للقرافي شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري المالكي المتوفى سنة 684 هـ جمع فيه المؤلف القواعد الكلية والضوابط الفقهية، وقارن بينها، وذكر أوجه الشبه بين كل قاعدتين، أو ضابطين، أو أصلين، أو مصطلحين، وذكر أوجه الافتراق بين كل ذلك، وعليه (تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية) للشيخ محمد علي بن الشيخ حسين، مفتي المالكية بمكة المكرمة.
(3) ادرار الشروق على أنواء الفروق، لأبي القاسم، قاسم بن عبد الله الأنصاري، المعروف بابن الشاط، المتوفى سنة 723 هـ، تعقب فيه القرافي في قواعده، ورجح بعض الأقوال، وصحح بعض الحالات، لكن الحق مع القرافي في كثير من المسائل.
(4) القواعد، للمَقَّري، أبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد القرشي التلمساني، قاضي الجماعة بفاس، المتوفى سنة 758 هـ، واشتمل الكتاب على ألف ومئتي قاعدة، قال العلامة الشيخ محمد بن محمد مخلوف عنه: (وهو كتاب غزير مفيد، لم يسبق إليه أحد).
(5) إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للونشريسي، أبي العباس أحمد بن يحيى، المتوفى سنة 914 هـ، وهو كتاب قيم ومفيد، اشتمل على (118 قاعدة)، وهي غير مرتبة، بدأها بقاعدة مختلف فيها وهي (الغالب هل هو كالمحقق)، وختمها بقاعدة (كل ما أدى إثباته إلى نفيه فنفيه أولى) وهو أشهر ما ألف في قواعد المذهب المالكي.
(6) شرح المنهج المنتخب، لأحمد بن علي المنجور المالكي (995 هـ)، حققه الشيخ محمد بن الشيخ محمد الأمين، ونشرته دار عبد الله الشنقيطي، وهو شرح لمنظومة (المنهج المنتخب) لأبي الحسن علي بن قاسم الزفاق المالكي (912 هـ) وبلغ عدد أبياتها: (443) بيتاً، مرتبة على الأبواب الفقهية، واستخلص القواعد من كتب السابقين من علماء المالكية، وخاصة من قواعد المقري (758 هـ)، وجاء شرح المنهج المنتخب للمنجور مطولاً، ونال شهرة عند المالكية، وصنفت كتب كثيرة حول المنظومة والشرح، منها (الإسعاف بالطلب مختصر شرح المنهج على قواعد المذهب)، لأبي القاسم بن محمد بن أحمد التواني من علماء المالكية المعاصرين.
(ثالثاً): كتب القواعد الفقهية في المذهب الشافعي: كان الإمام الشافعي أول من وضع القواعد الأصولية ودونها، أما القواعد الفقهية فسبق فيها علماء الحنفية، وإن أقدم من وضع القواعد الفقهية وصاغها ودونها في الفقه الشافعي – فيما نعلم – القاضي حسين (المتوفى سنة 462 ه) وكان إماماً كبيراً، وصاحب وجه في المذهب، وصنف في الأصول والفروع والخلاف، وإذا أطلق لفظ القاضي في الفقه الشافعي فهو المراد، ثم صار مذهب الشافعية أكثر المذاهب اهتماماً وتأليفاً في القواعد الفقهية، وصنفت كتب بذلك على المذهب الشافعي، منها:
(1) الفروق، لوالد إمام الحرمين، أبي محمد الجويني، عبد الله بن يوسف بن محمد (438 هـ)، أظهر الفرق بين المسائل بتعمق، ورتبه على أبواب الفقه، ووضع كل مجموعة من المسائل بعنوان تندرج تحته.
(2) قواعد في فروع الشافعية، للجاجرمي، معين الدين، أبي حامد محمد بن إبراهيم الشافعي المتوفى سنة 613 هـ، وقد أكثر الناس من الاشتغال بها في عصره، كما يقول العلامة ملا جلبي.
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام، (660 هـ)، وتسمى القواعد الكبرى في فروع الشافعية، وله القواعد الصغرى، وكان من تلامذته القرافي المالكي صاحب (الفروق).
(4) الأشباه والنظائر، لابن الوكيل، صدر الدين محمد بن عمر بن الوكيل الشافعي المتوفى سنة 716 هـ، جمع فيه قواعد المذاهب الشافعي، وذكر معظم مسائله من كتاب (فتح العزيز) للرافعي (ت 623 هـ) شيخ الشافعية، ومحقق المذهب مع النَّووي، لكن الكتاب غير مرتب، لأن مؤلفه مات قبل أن ينقحه، ويحتوي على قواعد فقهية وأصولية وضوابط فقهية، ثم جاء ابن أخيه زين الدين بن المُرَحِّل (738 هـ) فنقحه، وتبعه العلماء في تنقيحه.
(5) المجموع المُذْهَبُ في قواعد المذهب الشافعي، للعلائي، صلاح الدين بن خليل كَيْكَلدي العلائي الشافعي الحافظ الدمشقي المتوفى سنة 761 هـ) وقال عنه ملا جلبي: (وهي أجود القواعد، اختصرها الشيخ محمد بن عبد الله الصرخدي (المتوفى سنة 792 هـ)، وفيه أحاديث كثيرة وقواعد أصولية عديدة أيضاً.
(6) الأشباه والنظائر، لابن السبكي، تاج الدين، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة 771 هـ) وهو الكتاب المشهور الذي اعتمد عليه السيوطي في (الأشباه والنظائر)، وأراد ابن نجيم أن يحاكيه بوضع كتاب مثله في المذهب الحنفي، وهو من أحسن الكتب لما يمتاز به مؤلفه من دقة واحاطة بالفقه والأصول وغيرهما، مع حسن الترتيب.
(7) الأشباه والنظائر، للأسنوي، جمال الدين عبد الرحيم بن حسن الإسنوي الشافعي المتوفى سنة (772 هـ) ولكن ابن السبكي يقول عنه: (فيه أوهام كثيرة، لأنه مات عن مسودة).
(8) القواعد في الفقه، أو المنثور في القواعد، للزركشي، بدر الدين محمد بن عبد اللّه، المتوفى سنة 794 هـ) وهو كتاب فريد في منهجه، عميق في أسلوبه، رتبه على حروف المعجم، وشرحه سراج الدين العبادي في مجلدين، واختصر الأصل الشيخ عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة 973 هـ في مجلد.
(9) القواعد، للغزي، شرف الدين علي بن عثمان الغزي المتوفى سنة 799 هـ) وصنفه على طريقة ذكر القاعدة، وما يستثنى منها.
(10) نواظر النظائر، لابن المُلَقن، سراج الدين عمر بن علي، المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة 804 هـ) وهو مختصر الأشباه والنظائر لابن السبكي.
(11) الأشباه والنظائر، للسيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي، المتوفى سنة (911 هـ) وهو من أحسن كتب القواعد، وأجمعها، وأشملها، استفاد السيوطي ممن قبله، وبخاصة التاج السبكي والحافظ العلائي والزركشي، وأحال على السبكي والزركشي دون العلائي، وأضاف إلى ذلك خلاصة علمه ودرايته في الفقه والأصول والعربية، ورتبه على سبعة كتب، أهمها الأول في شرح القواعد الخمس، والثاني في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، والثالث في القواعد المختلف فيها، وقال السيوطي: (أول من فتح هذا الباب شيخ الإسلام ابن عبد السلام في (قواعده الكبرى)، فتبعه الزركشي في (القواعد) وابن الوكيل في (أشباهه) وقد قصد ابن السبكي بكتابه تحرير كتاب ابن الوكيل، وذلك بإشارة والده).
(12) الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية والضوابط والقواعد الكلية، للسقاف، السيد علوي بن أحمد السقاف، ثم اختصره المؤلف في كتابه (مختصر الفوائد المكية).
(رابعاً): كتب القواعد الفقهية في المذهب الحنبلي: يقول الشيخ محمد حسن الشطي الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 1307 هـ في مقدمة (توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية): (إن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية، كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، وقد أوصلها فقهاء الحنابلة إلى نحو ثمان مئة قاعدة).
وإن أهم كتب القواعد على المذهب الحنبلي – التي وصلت إلى علمنا – هي: (1) الفروق، للسامري، أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي، المعروف بابن سُنَيْنة، مجتهد المذهب (616 هـ)، ذكر فيه المسائل المشتبهة صورة، المختلفة أحكامها وأدلتها وعللها، وسبب الفرق من حديث أو من القواعد الأصولية.
(2) الرياض النواضر في الأشباه والنظائر، للصرصري، سليمان بن عبد القوي ابن عبد الكريم الطوفي (المتوفى سنة 710 هـ وقيل 716 هـ)، ويسمى كتابه (القواعد الكبرى في فروع الحنابلة)، وللمؤلف (القواعد الصغرى) أيضاً.
(3) القواعد النورانية الفقهية، لابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، المتوفى سنة (728 هـ)، وهي قواعد موزعة على أبواب العبادات ثم المعاملات…
(4) القواعد، لابن قاضي الجبل، أحمد بن الحسن بن عمر المقدسي، المتوفى سنة 771 هـ، وهو من تلامذة ابن تيمية.
(5) القواعد، لابن رجب، الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة (795 هـ)، وسماها المؤلف (تقرير القواعد وتحرير الفوائد)، لكنه مشهور باسم (القواعد) في الفقه الإسلامي، قال ملا جلبي عنه: (وهو كتاب نافع من عجائب الدهر)، ويتألف الكتاب من مئة وستين قاعدة، وإحدى وعشرين مسألة، تتضمن فوائد فقهية جمة، وأحكاماً شرعية كثيرة، وفيها القواعد الفقهية والضوابط، والقواعد الأصولية، وفروع فقهية، ولكن بأسلوب خاص، ومنهج يقرب من الفقه أكثر من القواعد.
(6) القواعد والفوائد الأصولية، وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية، لابن اللحام علي بن عباس البعلي الحنبلي المتوفى سنة (803 هـ)، وهذا الكتاب يحتوي على القواعد الأصولية، وما يتفرع عنها من فروع فقهية، مع المقارنة بين المذاهب، ويضم بين دفتيه بعض القواعد الفقهية مع ذكر الضوابط والمسائل والأحكام الشرعية التي تدخل تحتها.
(7) كتاب القواعد الكلية والضوابط الفقهية، تصنيف الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الحنبلي (909 هـ)، حققه وعلق عليه جاسم ابن سليمان الفُهيد الدوسري، وهذا الكتاب لا يتضمن القواعد الفقهية الكلية إلا نادراً، وأغلبه ضوابط مختصة بأبواب محدّدة، وأحكام فرعية جزئية على صيغة حكم عام.
(8) رسالة في القواعد الفقهية، تأليف عبد الرحمن السعدي، أبي عبد الله عبد الرحمن بن ناصر عبد الله السعدي الحنبلي، ولد بعنيزة سنة (1357) وصار عالم القصيم، وتوفى سنة (1376 هـ)، وهي منظومة من 47 بيتاً، ثم شرحها المؤلف شرحاً وجيزاً، دون أن يذكر لذلك الفروع الفقهية الي تندرج تحتها إلا في بعض الأمثلة الإجمالية، وللمؤلف كتاب بعنوان (الرياض الناضرة) ذكر فيه فصلاً عن “التنبيه على أصول وقواعد وضوابط جامعة نافعة” ذكر تحته 74 قاعدة وضابطاً.
(خامساً): القواعد الكلية في مجلة الأحكام العدلية: سارت القواعد الفقهية شوطاً ممتازاً، وتقدمت خطوة جيدة في العصر الحديث، وذلك من حيث الصياغة والتطبيق والشهرة، والاعتماد عليها في الإطار التشريعي والقضائي، فقد رأت اللجنة المكلفة بوضع مجلة الأحكام العدلية في المعاملات المالية من الأحكام الشرعية في الخلافة العثمانية، رأت اللجنة أن تتوج عملها بوضع مقدمة لمواد المجلة بذكر القواعد الكلية، في أولها، للرجوع إليها، والاعتماد عليها، فأخذت القواعد التي جمعها ابن نجيم، وأضافت إليها بعض القواعد الأخرى، وعدلت في الصياغة والأسلوب، وصدرت المجلة عام 1286 هـ، وبدأ العمل بها عام 1293 هـ / 1876 م، وفي أولها تسع وتسعون قاعدة، كل قاعدة في مادة مستقلة، من المادة الثانية إلى المادة المئة، ولكنها جاءت غير مرتبة، بحسب الحروف أو الأبواب الفقهية، وإنما ذكرت بشكل عشوائي، ونصت على الهدف والغرض من القواعد الكلية في نهاية المادة الأولى، فقالت: (إلا أن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية، كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، وتلك القواعد مسلمة، معتبرة في الكتب الفقهية، تتخذ أدلة لإثبات المسائل وتفهمها في بادئ الأمر، فذكرها يوجب الاستئناس بالمسائل، ويكون وسيلة لتقررها في الأذهان، فلذا جُمعَ تسعٌ وتسعون قاعدةً فقهية)، ثم قالت: (ثم إن بعض هذه القواعد، وإن كان بحيث إذا انفرد يوجد من مشتملاته بعض المستثنيات، لكن لا تختل كليتها وعمومها من حيث المجموع، كما أن بعضها يخصص ويقيد بعضاً) وتولى شراح المجلة البدء بشرح هذه القواعد، وبيان أهميتها، ودلالاتها، والفروع الفقهية التي تدخل تحتها، والمسائل الجزئية التي تتناولها، والمستثنيات التي تخرج منها، وكثير من هذه الشروح باللغة التركية، وترجم بعضها أحياناً، ووضعت شروح مستقلة باللغة العربية، منها:
1 – شرح المجلة، للشيخ محمد خالد الأتاسي، والشيخ محمد طاهر الأتاسي، والشرح مكون من ستة أجزاء، وخصص الجزء الأول منها للقواعد الكلية.
2 – درر الحكام شرح مجلة الأحكام، تأليف علي حيدر، وتعريب فهمي الحسيني، جزآن.
3 – شرح المجلة، سليم رستم باز اللبناني، وهو مجلد ضخم يقع في 1288 صفحة، ومطبوع في جزأين أيضاً، وفي أوله شرح القواعد الفقهية.
4 – مرآة المجلة، يوسف آصاف، جزآن.
5 – شرح مجلة الأحكام العدلية، للأستاذ محمد سعيد المحاسني، ثلاثة أجزاء.
6 – شرح القواعد الفقهية، للشيخ أحمد بن محمد الزرقا الحلبي (ت 1357 هـ)، وهو شرح خاص بالقواعد الفقهية الواردة في مجلة الأحكام العدلية، بمنهج سديد، وذلك بتوضيح معنى القاعدة لغة، مع شرح مصطلحاتها، وبيان معناها والمراد منها، ثم ذكر المسائل التطبيقية لها من فروع الحنفية حصراً، ثم بيان المستثنيات من القاعدة، وإضافة الفوائد الفقهية، والتنبيهات الضرورية التي لها صلة بالقاعدة، مع نسبة الآراء والأقوال والنصوص إلى الكتب المقتبسة منها، لكن المؤلف لم يرتب هذه القواعد، بل عرضها كما جاءت في المجلة بدون ترتيب.
7 – القواعد الفقهية، مع الشرح الموجز، للأستاذ الشيخ عزت عبيد الدعاس، وهو كتاب صغير في (90) صفحة، فيه مقدمة عن القواعد الفقهية، ثم عرض لقواعد المجلة، مع ترتيبها وتقسيمها إلى قواعد أساسية، وقواعد متفرعة عنها، وهو شرح موجز كما رحمه المؤلف لتوضيح معنى القاعدة باختصار، وبيان أصلها أحياناً، وذكر بعض الفروع التطبيقية، وإيراد بعض المستثنيات، ويحسن الإشارة هنا إلى أن مجلة الأحكام العدلية كانت تمثل القانون المدني للمعاملات في ظل الدولة العثمانية، وكانت تطبق عل جميع الأقطار التي كانت تظلها الدولة العثمانية، انتهى من مقدمة الزحيلي.
[المفتاح الثاني عشر]: عرض موجز للقواعد الخمس الكلية في الفقه الإسلامي: القواعد الخمس التي اتفق عليها علماء الفقه والأصول والتي لا خلاف بينهم في كونها أصولاً تبنى عليها فروع الفقه هي: (الأمور بمقاصدها)، و(اليقين لا يزول بالشك)، و(لا ضرر ولا ضرار)، و(المشقة تجلب التيسير)، و(العادة مُحَكَّمة)، وتقوم هذه القواعد الفقهية الكلية الخمس في الفقه الإسلامي بدور عظيم في الوصل بين أطرافه المتباعدة، والتأليف بين أحكامه المتناثرة، وهي تدخل في جميع أبواب الفقه الإسلامي أو أغلبها، حتى قيل: إن الفقه كله مبني عليها، القاعدة الأولى:(الأمور بمقاصدها)، وهي مستمدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، والقاعدة الثانية: (اليقين لا يزول بالشك) وهي مستمدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخْرُجَنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ([288]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أو أربعاً ؛ فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن) ([289]) . وقوله صلى الله عليه وسلم – عندما شُكي إليه الرجل يُخيل إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة -: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ([290]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أو أربعاً ؛ فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن) ([291]) .
والقاعدة الثالثة: (المشقة تجلب التيسير) وهي مستمدة من قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السَّمْحَة)، ([292]) .
والقاعدة الرابعة: (الضرر يُزال)، وهي مستمدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ([293]) .
والضرر ما يكون بغير قصد، والضرار ما يكون بقصد، والقاعدة الخامسة: (العادة مُحَكَّمة) وهي مستمدة من قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)، ([294]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) ([295]) .
القاعدة الأولى: (الأمور بمقاصدها): ولها ألفاظ أخرى مثل: (الأعمال بالنيات) أو (العبرة بالقصد والمعنى لا اللفظ والمبنى) أو (لا ثواب إلا بنية) أو (الأيمان مبنية على الألفاظ والمقاصد) أو (مقاصد اللفظ على نية اللافظ) أو (المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات)، والأصل في هذه القاعدة ما رواه الشيخان في: “صحيحيهما” من طريق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم حديث النية، وأنه لا شيء أجمع، وأغنى، وأكثر فائدة منه، وأنه ثلث العلم، وأنّه يدخل في سبعين باباً في الفقه، والنية محلها القلب في كل موضع، وحقيقتها: قصد الشيء مقترناً بفعله، ووقتها في أول العبادة غالباً، والفعل عامة، وهذه القاعدة يجري تطبيقها في كافة المعاملات، فإنها كلها عند إطلاقها فإن النية والقصد شرط فيها، ويرجع إلى صاحبها في بيان قصده، وكذلك العبادات، فإنّ النية أساس فيها للتقرب، ولتمييز العبادات من العادات، ولتمييز العبادة والقربة من غيرها، ولذلك قال العلماء: ” لا ثواب ولا عقاب إلا بنية”، ويُفهم من هذه القاعدة الجليلة أنّ جميع أعمال المسلم وتصرفاته تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصوده من تلك الأعمال والتصرفات، وأنّ الفعل الواحد يختلف حكمه باختلاف نية فاعله وقصده منه، وهذه القاعدة، لا يُفهم منها إهدار قيمة اللفظ أو الفعل، وإنما تُهدر قيمة اللفظ أو الفعل إذا تبين بالقرائن الصحيحة أن ظاهره يخالف أو يناقض المقصود منه فعندئذ يُعمل بالمقصود الذي تبين بالقرائن ويهدر اللفظ أو الفعل الذي حوى هذا المقصود المراد، ومنه نعلم أهمية تلك القاعدة وسعة تعلقها بأحكام الفقه والقضاء والشرع الإسلامي.
القاعدة الثانية: (اليقين لا يزول بالشك): ومن ألفاظ تلك القاعدة: (اليقين لا يزال بالشك) أو (من شك هل فعل شيئاً أو لا، فالأصل أنه لم يفعله)، أو (من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير عمل على القليل، لأنه المتيقن) أو (الثابت باليقين لا ينتقض إلا بيقين مثله) أو (اليقين لا يرفع بالشك) أو (ما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين) أو (ما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين مثله) أو (لا يرفع يقين بشك)، ومستند هذه القاعدة: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخْرُجَنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ([296]) . وقوله صلى الله عليه وسلم – عندما شُكي إليه الرجل يُخيل إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة -: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ([297]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أو أربعاً ؛ فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن) ([298]) . وهذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية، وتدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها من عبادات ومعاملات وغيرها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر، قال الإمام النووي في المجموع شرح المهذَّب: (هذه قاعدة مطَّردة، لا يخرج منها إلا مسائل)، وقال العلائي في كتابه المجموع الْمُذْهب: (ومن هذا الوجه يمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة إما بنفسها أو بدليلها)، وقال السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد اللغة: (هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه)، ومعنى القاعدة: أنه إذا ثبت أمر من الأمور أو حالة من الحالات ثبوتاً يقينياً أي قطعياً، ثم وقع الشك في وجود ما يزيله، يبقى الأمر المتيقن هو المعتبر إلى أن يتحقق السبب المزيل، وهذه القاعدة الكبرى تتفرع عليها جملة كبيرة من القواعد ضمن إطار ما يسميه الفقهاء باستصحاب الأصل المتيقن والتمسك به وطرح الشك الطارئ، ومن تلك القواعد المتفرعة على هذه القاعدة: قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) أي أن الفقيه ينظر إلى الشيء: على أي حال كان هو؟ فيحكم بدوامه على تلك الحال ؛ لأنه الأمر المستيقن، ما لم يقم دليل على نقله وتغييره، وقاعدة: (الأصل العدم) ومعناه استصحاب العدم الأصلي، فإذا كان الأصل المستيقن هو عدم قيام المرء بفعل ما، فيستصحب هذا الأصل حتى يثبت خلافه، وقاعدة: (الأصل براءة الذمة)، فالأصل المستيقن براءة ذمة الإنسان من حقوق الغير؛ وذلك لأن المرء يولد خالياً من كل دين أو التزام أو مسئولية، وكل شغل لذمته بشيء من الحقوق إنما يطرأ بأسباب عارضة بعد الولادة، فيجب أن يستبقى هذا الأصل المتيقن إلى أن يزول بعارض متيقن، وقاعدة: (الأصل في الكلام الحقيقة) والمراد بها أنه إذا كان للفظ معنيان متساو استعمالهما، معنى حقيقي ومعنى مجازي، وورد مجرداً عن مرجح يرجح أحد المعنيين على الآخر، فإنه يراد به حينئذ المعنى الحقيقي لا المجازي، وقاعدة: (الحدود تسقط بالشبهات)، وقاعدة: (الأصل في العقود والشروط الإباحة والصحة)، وقاعدة: (لا ينسب لساكت قول) لأن الأصل المتيقن هو عدم القول حيث إنه ساكت، إلا إذا كان سكوته في معرض الحاجة فإنه يكون قرينة على الرضا لذلك قالوا ” لا ينسب لساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان، وقاعدة: (لا عبرة للتوهم) لأن التوهم والشك لا يزيل اليقين فلا عبرة به في مقابلة اليقين، وقاعدة: (لا عبرة بالظن البين خطؤه)، وعليه فإنه إذا بنى حكم أو استحقاق على ظن ثم تبين خطؤه بطل هذا الحكم، وقاعدة: (لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح) ومعناها إذا وجد التصريح بخلاف ما تفيده دلالة الحال أُخد بالتصريح، ولا عبرة للدلالة، لأن دلالة التصريح يقينية، ودلالة الحال والقرائن محل شك،ومن تطبيقات تلك القاعدة: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث، والماء: إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته، أو تيقن نجاسته، وشك في طهارته، فالتيقن لا يزول بالشك، والوقت: إذا شك في دخول الوقت في الصلاة والصوم، أو إذا شك في خروجه، فاليقين لا يزول بالشك، وإذا استيقن في ثوب نجاسة، بحيث لا يدري مكان النجاسة، يغسل الثوب كله، لأن الشك لا يرفع المتيقن قبله، ولو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، وهو منفرد، بنى على اليقين، إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته، وكذلك إذا شك هل طاف ستاً أو سبعاً، أو رمى ست حصيات أو سبعاً، بنى على اليقين، لو شك الصائم في غروب الشمس، لم يجز له الفطر، اعتباراً بالأصل المتيقن، وهو بقاء النهار، ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل ؛ لأن الأصل بقاء الليل، والمفقود: وهو الذي غاب عن بلده، ولا يحرف خبره أنه حي أو ميت، تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له، فلا يُورث، ولا تبين زوجته ؛ لأن حياته حين تغيبه متيقنة، وموته قبل المدة المضروبة شرعاً، بموت جميع أقرانه، مشكوك، والعقد: إذا ثبت عقد بين اثنين ووقع الشك في فسخه فالعقد قائم، والدَّيْن: إذا تحقق الدين على شخص ثم مات، وشككنا في وفائه، فالدين باق، والوديعة: إذا هلكت الوديعة عند الوديع، وشككنا في أنها هلكت بتعديه عليها أو تقصيره، أو قضاء وقدراً، فهو غير ضامن، لأن صفة الأمانة هي المتيقنة عند العقد، فلا تزول بالشك في حصول التقصير.
القاعدة الثالثة: (لا ضرر ولا ضرار): هذه القاعدة لفظ حديث شريف حسن، رواه ابن ماجة والدارقطني وأحمد والحاكم مسنداً، ورواه مالك في (الموطأ) مرسلاً، بلفظ: (لا ضرر ولا إضرار) ([299]) .
وتكملته في المستدرك: (من ضار ضاره الله، ومن شاق شاق الله عليه) ([300]) .
، وهذه القاعدة من جوامع كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّ استغراق النفي في الحديث الشريف يفيد تحريم سائر أنواع الضرر، ونفي الضرر يفيد دفعه قبل وقوعه بطريق الوقاية الممكنة، ورفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيله، وتمنع تكراره، كما يفيد الحديث اختيار أهون الشرين لدفع أعظمهما، لأن في ذلك تخفيفا للضرر عندما لا يمكن منعه منعاً باتاً، ومن القواعد الفقهية التي تتخرج على هذه القاعدة الأم، قاعدة: (الضرر يدفع بقدر الإمكان)، وهذه القاعدة تعبر عن وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل الممكنة، وقاعدة: (الضرر يزال)، وهذه القاعدة تقضى بوجوب إزالة الضرر إذا وقع، وقاعدة: (الضرر لا يزال بمثله)، وهذه القاعدة تضع حداً لمجال عمل القاعدة السابقة (الضرر يزال)، وقاعدة: (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، وقاعدة: (الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف)، لأنّ فيه تقليص للضرر وتضييق لدائرته بقدر الإمكان،، وقاعدة: (إذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)، وقاعدة: (يُختار أهون الشرين)، فإذا تعارضت مفسدتان أو ضرران، ولم يكن بالإمكان دفعهما معاً، وكان لابد من ارتكاب أحدهما، فإنه ينظر إلى أيهما أخف وأهون فتحتمل وتبقى؛ لتدفع الأشد الأعظم، وقاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، ومعناها أنّ المفسدة إذا عارضتها مصلحة مساوية لها، فإن الترجيح يكون في جانب المفسدة، فتدفع هذه المفسدة وإن أدى دفعها إلى تفويت المصلحة وضياعها، وذلك لأن أثر وقوع المفسدة أضر من أثر فوات المصلحة، ومن ثم كان حرص الشارع على منع المنهيات أقوى من حرصه على تحقيق المأمورات، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، ([301]) .
وقاعدة: (إذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الأرجح منها على المرجوح)، وهذه القاعدة شاملة لأكثر لأبواب الفقه، ومن ذلك: الرد بالعيب، لإزالة الضرر عن المشتري، والخيارات، كخيار الشرط، واختلاف الوصف المشروط، والتغرير، وإفلاس المشتري، والحجر بأنواعه، للمحافظة على مال غير القادر على التصرف السليم، ولحماية الغرماء، والشفعة التي شرعت للشريك لدفع ضرر القسمة، وللجار لدفع ضرر الجار السوء، وضمان المتلف، لإزالة الضرر اللاحق بمن أتلف له، والقسمة، لرفع الضرر عن أحد الشريكين أو كليهما، ونصب الأئمة والقضاة، لمنع الضرر عن الأمة، ليقيموا الحدود، ويمنعوا الجرائم، ويستأصلوا شأفة الفساد، ودفع الصائل عن النفس والعرض والمال، لإبعاد ضرره، وقتال المشركين، لنشر الدعوة وإظهار الحق، ودحر فتنة الباطل،، وفسخ النكاح بالعيوب، أو الإعسار، أو الإضرار، لإزالة الضرر عن الزوج أو الزوجة، ومن تطبيقات تلك القاعدة: أنّ من أتلف مال غيره مثلاً لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله، لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة المتلَف، فإنه فيه نفعاً بتعويض المضرور، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، وأنّ أحداً لو أعار أرضاً للزراعة، أو آجرها لها، فزرعها المستعير أو المستأجر، ثم رجع المعير، أو انتهت مدة الإجارة، قبل أن يستحصد الزرع، فإنها تترك في يد المستعير أو المستأجر بأجر المثل إلى أن يستحصد الزرع، توقياً من تضرره بقلع الزرع قبل أوانه، ولو باع لآخر شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً، وغاب المشتري قبل قبضه وقبل نقد الثمن، وأبطأ وخيف فساد المبيع، فللبائع أن يفسخ البيع، ويبيع من غيره توقياً من تضرره بفساده، دفعاً لضرره، ولا يرجع على المشتري بشيء لو نقص الثمن الثاني عن الأول، وأنّه يجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد، حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين قضائياً، دفعاً لشرهم، لأنهم قد يحتاطون ويتحفظون، فيملؤون الأرض فساداً، ولا يمكن إثبات شيء عليهم بطريق القضاء، وجواز اتخاذ السجون، وجعلها مضجرة، حتى يعلم أهل الفساد والدعارة أن مثل هذا السجن واقف لهم بالمرصاد، فيرتدعوا، ويكفوا عن أذى الناس، وشرع خيار الشرط وخيار الرؤية، لدفع الضرر عن المشتري وحاجته إلى التروي لئلا يقع في ضرر الغبن، أو بدفع الضرر بدخول ما لا يلائمه في ملكه، وشرع الحجر توقياً من وقوع الضرر العائد تارة لذات المحجور، وتارة لغيره، فإن من وجب حجره إذا ترك بدون حجر يضر بنفسه، وقد يضر بغيره، وشرعت الشفعة توقياً من ضرر جار السوء، ويحبس الموسر إذا امتنع عن الإنفاق على أولاده أو قريبه المحرم، ويجوز ضربه في الحبس إذا أصر على الامتناع، توقياً من وقوع الضرر بأولاده أو قريبه الفقراء، ببقائهم بلا نفقة، ولا تجوز شهادة المسلم على أخيه إذا كانت بينهما عداوة دنيوية، لئلا يصل إلى المشهود عليه، أو المحكوم عليه، ضرر من هذه العداوة، وأن المدعي إذا انكشف للحاكم أنه مبطل في دعواه، أي يعمد البُطل فيها، فإنه يؤدبه، وأقل ذلك الحبس، ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد، ولا يجوز تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر، فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولا يجوز الاحتكار لما يحتاج الناس إليه محرم، وذلك أن المحتكر يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام، فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم، وهو ظالم للخلق المشترين، مضار لهم، وأنّ لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، والناس في مخمصة، فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة المثل، لمنع الضرر، وقسمة العين المشتركة إذا لم يكن تفريقها وتبعيضها مضراً بأحد الشركاء فهي قابلة للقسمة، ولا تجري القسمة (الجبرية) في العين المشتركة إذا كان تبعيضها وقسمتها يضر بكل واحد من الشركاء.
القاعدة الرابعة: (المشقة تجلب التيسير): الأصل في هذه القاعدة قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ([302]) .
، وقوله صلى الله عليه وسلم: (بُعثت بالحنيفية السمحة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن دين الله يسر)، ([303]) . وما أخرجه الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) ([304]) .
كما يشترط في المشقة التي تجلب التيسير: ألا تكون مصادمة لنص شرعي، فإذا صادمت نصاً روعي دونها، وأن تكون المشقة زائدة عن الحدود العادية، أما المشقة العادية فلا مانع منها لتأدية التكاليف الشرعية، كمشقة العمل، واكتساب المعيشة، وألا تكون المشقة مما لا تنفك عنها العبادة غالباً كمشقة البرد في الوضوء، والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر في الحج، وألا تكون المشقة مما لا تنفك عنها التكاليف الشرعية كمشقة الجهاد، وألم الحدود، ورجم الزناة، وقتل البغاة والمفسدين والجناة، فهذه المشقات الأربع: لا أثر لها في جلب التيسير ولا التخفيف، لأن التخفيف عندئذ إهمال وتضييع للشرع، وهذه القاعدة تعتبر من القواعد الكبرى المتفق عليها في كل المذاهب، ويتخرج عليها جميع رخص الشرع وتخفيفاته، ولذلك قال السيوطي: (فقد بان أن هذه القاعدة يرجع إليها غالب أبواب الفقه)، ومن القواعد التي تنبثق من هذه القاعدة، قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)، ومعناها أن الضرورة إذا حصلت للمكلف فإنها تبيح له الترخص بفعل ما حرم الله، مما يناسب ضرورته، وقاعدة: (لا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة)، هذه القاعدة توسع دائرة القاعدة السابقة، حيث تجعل العجز عن أداء الواجب ضرورة تبيح ترك الواجب المعجوز عن أدائه، وقاعدة: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة)، ومعنى القاعدة أن الحاجة يمكن أن تنزل منزلة الضرورة في تجويز الممنوع شرعاً، وقاعدة: (الضرورات تقدر بقدرها) ومعنى القاعدة أن المحظور الذي يباح للضرورة لا تكون إباحته مطلقة وإنما يباح من هذا المحظور ما يكفي لدفع الضرورة ورفع الحرج دون زيادة، وقاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور)، ومن تطبيقاتها جواز إمامة المفضول عند عدم القدرة على تولية القادر، ومن تطبيقات تلك القاعدة العظيمة: جواز فسخ الإجارة بعذر السفر، وسقوط صلاة الجمعة عن المسافر، وجواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وجواز القعود للمريض في صلاة الفرض، وجواز الاضطجاع في الصلاة والإيماء فيها والجمع بين الصلاتين، وجواز التخلف لأهل الأعذار عن الجمعة والجماعة، وجواز الاستنابة في الحج، وفي رمي الجمار، وإباحة محظورات الإحرام مع الفدية، وجواز التداوي بالنجاسات، وإباحة النظر للعلاج حتى للعورة والسوءتين، وإباحة نظر الطبيب، والشاهد، والخاطب، للأجنبية، وجواز الصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدم القروح والدماميل والبراغيث والقيح والصديد وطين الشارع، والعفو عن أثر نجاسة عَسُر زواله، والعفو عن زَرْق الطيور إذا عم في المساجد والمطاف، وإسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن.
القاعدة الخامسة: (العادة مُحَكَّمة): هذه القاعدة مستمدة من قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، وقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233]، وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)، ([305]) . وهو حديث حسن موقوف على قول ابن مسعود رضي الله عنه، وإن كان موقوفاً عليه فله حكم المرفوع، لأنه لا مدخل للرأي فيه،وقوله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة:(خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)([306]) .
قال النووي رحمه الله تعالى في فوائد حديث هند رضي الله عنها: (ومنها اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي) ([307]) .
وهذه القاعدة تعني: أن ما اعتاده الناس وتعارفوه في أمورهم ومعاملاتهم وسائر تصرفاتهم، إذا لم يخالف نصاً شرعياً ولا قاعدة شرعية، ولم يجر اتفاق أو تعاقد على خلافه ؛ فإنه يكون معتبراً، ويحكمه الشرع فيما لا ضابط له شرعاً، ومنه يتضح أن العادة تُحكَّم فيما لا ضابط له شرعاً بمعنى أن الشيء إذا لم يكن محدداً في الشرع كان الرجوع فيه إلى العادة، وشرط تحكيم العرف ألا يكون مصادماً لنص شرعي أو قاعدة شرعية، وألا يقع اتفاق على خلافه، فإن وقع اتفاق أو تعاقد على خلاف العرف عمل به دون العرف، كما يشترط الفقهاء لتحكيم العادة أن تكون مطردة أو غالبة، ومن هنا وضعوا هذا الضابط الذي يحدد العادة المحكمة التي تعتبر شرعاً، وهو إنما تعتبر العادة إذا اضطردت أو غلبت، كما أنّ هناك قواعد متفرعة عن هذه القاعدة، منها قاعدة: (العبرة للغالب الشائع لا للنادر)، وقاعدة: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، وقاعدة: (الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت)، ومن تطبيقات تلك القاعدة: أنّه يجوز التقاط الثمار التي يتسارع إليها الفساد من البساتين على العادة، واعتبار الكيل أو الوزن فيما تعورف كيله أو وزنه، واعتبار أقل الحيض والنفاس والطهر حسب العرف وعادة النساء، وأنّ الأفعال المنافية للصلاة إذا كانت قليلة فلا تؤثر، وإن كانت كثيرة فتبطلها، والعبرة في ذلك العادة والعرف، وأنّه يُعفى عن النجاسات القليلة دون الكثيرة، والعبرة في ذلك العرف والعادة، (قلت) وهذه هي أهم القواعد الفقهية الكلية التي تنتظم من خلالها فروع الفقه على أصوله، كما أنّ هناك قواعد كلية أخرى سوى هذه الخمس الكبرى، سأتناول منطوقها في المبحث التالي.
[المفتاح الثالث عشر]: عرض موجز لأهم القواعد الكلية المتفق عليها في جميع المذاهب الفقهية : منها قاعدة: (التابع تابع) ومعناها أنّ التابع لشيء في الوجود تابع له في الحكم ؛ لأن التابع لا يحمل وجوداً مستقلاً، وقاعدة: (التابع يسقط بسقوط المتبوع)، وقاعدة: (يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع)، وقاعدة: (إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه وما بنى عليه)، وقاعدة: (إعمال الكلام أولى من إهماله)، ومفاد هذه القاعدة أن الكلام الصادر عن العاقل يصان عن الإلغاء ما أمكن، فإذا أمكن حمله على الحقيقة لم يحمل على المجاز، وإذا لم يمكن حمله على الحقيقة حمل على المجاز صيانة له عن الإلغاء، وإذا انسدت أبواب المجاز ينظر إلى أي وجه يمكن أن يصح الكلام إذا حُمل عليه، فإذا لم يمكن حمله على أي وجه فإنه عندئذ يهمل، والخلاصة أنه لا يجوز إلغاء اللفظ مع إمكان إعماله، وقاعدة: (الأصل في الكلام الحقيقة) ومعنى القاعدة أن الأصل حمل كلام المتكلم على معناه الحقيقي، وترتيب الحكم على ذلك، ما لم يقم دليل أو قرينة على أن المعنى الحقيقي غير مراد، فعندئذ فقط يحمل على المعنى المجازي، وقاعدة: (إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز)، أي إذا تعذر حمل كلام المتكلم على معناه الحقيقي، فإنه يحمل على المعنى المجازي لأن المجاز عندئذ يتعين طريقاً لإعمال الكلام واجتناب إهماله، وقاعدة: (ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله) ومعناه: ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كله وإسقاط بعضه كإسقاط كله، أي أن الشيء الذي لا يقبل التجزئة من الأحكام إما أن يثبت كله أو يسقط كله، ولا أثر لاختيار المكلف فيه، فاختيار بعضه يكون كاختيار كله، وإسقاط بعضه يكون كإسقاط كله، وقاعدة: (الشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم والتحرز مما عسى أن يكون طريقاً إلى المفسدة)، وقاعدة: (ما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة)، وقاعدة: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) ومعنى القاعدة أن من استعجل الشيء الذي جعل له الشارع وقتاً تجرى عليه الأحكام فيه، على وجه محرم، فإن الشارع يعاقبه بحرمانه من المنفعة التي استعجل من أجلها هذا الشيء لأنه متعد باستعجاله على الشرع الحكيم فيعامل بضد مقصوده عقوبة له، وزجراً لغيره وسداً للذريعة إلى الحرام، وقاعدة: (إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام) ومعنى القاعدة إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضى التحريم والآخر يقتضى الإباحة قدم دليل التحريم؛ عملاً بالاحتياط، وقاعدة: (الحريم له حكم ما هو حريم له، وقاعدة: (وسائل الحرام حرام)، وقاعدة: (إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع)، معناها أنه إذا كان للشيء أو العمل محاذير تستلزم منعه، ودواع تقتضى تسويغه يرجح منعه، وقاعدة: (البينة على المدعى واليمين على من أنكر)، فالبينة على من ادعى، وعند فقدان البينة يكون اليمين على من أنكر، وقاعدة: (الأحكام تجرى على الظاهر فيما يعسر الوقوف على حقيقته)، وقاعدة: (دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه)، وقاعدة: (الجهل والخطأ والنسيان يرفع الإثم ولا يسقط الحكم)، وقاعدة: (الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان)، وقاعدة: (الحق لا يسقط بالتقادم) فمن ادعى حقاً على إنسان وأقام عليه البينة، ثبت له هذا الحق الذي ادعاه وحكم القاضي له به، دون أن يلتفت القاضي إلى الزمن الذي تعلقت فيه ذمة المدين بهذا الحق،، وقاعدة: (الساقط لا يعود) ومعناه: أن المرء إذا أسقط حقاً من الحقوق التي يجوز له إسقاطها؛ يسقط هذا الحق، وبعد إسقاطه لا يعود، وقاعدة: (تستعمل القرعة في تمييز المستحق إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم)، وقاعدة: (المسلمون عند شروطهم)، وقاعدة: (الشرط المخالف لمقصود الشارع باطل والعقد صحيح، والمخالف لمقصود العقد باطل يبطل العقد)، وقاعدة: (ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط)، وقاعدة: (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني)، وقاعدة: (إذا تعذر إعمال الكلام يُهمل)، وقاعدة: (الوصف في الحاضر لَغو وفي الغائب معتبر)، وقاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بمثله)، وقاعدة: (ما جاز لعذر بطل بزواله)، وقاعدة: (يُغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء)، وقاعدة: (من ملك شيئًا ملك ما هو من ضروراته)، وقاعدة: (إذا سقط الأصل سقط الفرع)، وقاعدة: (إذا اجتمع المباشر والمتسبب يُضاف الحكم إلى المباشر)، وقاعدة: (الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة)، وقاعدة: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) وبعد فهذه بعض القواعد الكلية التي لها دور عظيم في التأليف بين أحكام الفقه المتناثرة والتي يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.
[المفتاح الرابع عشر]: بعض القواعد الفقهية التي اشتهر الاحتجاج بها في المذهب الحنفي: ومن ذلك قاعدة: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص)، وقاعدة: (ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس)، وقاعدة: (إذا زال المانع عاد الممنوع)، وقاعدة: (ليس للمظلوم أن يظلم غيره)، وقاعدة: (من سعى في نقض ما تمَّ من جهته فسعيه مردود عليه)، وقاعدة: (البقاء أسْهَل من الابتداء)، وقاعدة: (إذا بطل الأصل يصار إلى البدل)، وقاعدة: (الساقط لا يعود كما أنَّ المعدوم لا يعود)، وقاعدة: (لا يتم التبرع إلا بالقبض)، وقاعدة: (تبدل سبب الملك كتبدل الذات)، وقاعدة: (المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط)، وقاعدة: (المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة)، وقاعدة: (يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان)، وقاعدة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان)، وقاعدة: (الغُرْمُ بالغُنْم)، وقاعدة: (النعمة بقدر النقمة، والنقمة بقدر النعمة)، وقاعدة: (الأجر والضمان لا يجتمعان)، وقاعدة: (لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه)، وقاعدة: (الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل)، وقاعدة: (لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي)، وقاعدة: (يُضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مُجْبِرًا)، وقاعدة: (المباشر ضامن وإن لم يَتَعَمَّد)، وقاعدة: (المتسبب لا يضمن إلا بالتعمُّد)، وقاعدة: (جناية العجماء جُبار)، وقاعدة: (يقبل قول المترجم مُطلقاً)، وقاعدة: (المرء مؤاخذ بإقراره)، وقاعدة: (دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقام الظاهر)، وقاعدة: (الثابت بالبرهان كالثابت بالعِيان)، وقاعدة: (البينة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة)، وقاعدة: (البينة لإثبات خلاف الظاهر، واليمين لإبقاء الأصل)، وقاعدة: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وقاعدة: (لا حجة مع التناقض)، وقاعدة: (الإسقاط قبل سبب الوجوب يكون لغوًا)، وقاعدة: (الإجازة اللاحقة كالوحالة السابقة)، وقاعدة: (الاحتياط في باب العبادات واجب)، وقاعدة: (الأكثر يقوم مقام الكل)
[المفتاح الخامس عشر]: بعض القواعد الفقهية التي اشتهر الاحتجاج بها في المذهب المالكي: مثل قاعدة: (المفرط ضامن)، وقاعدة: (ما يضمن بالعمد يضمن بالخطأ)، وقاعدة: (ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول)، وقاعدة: (ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان)، وقاعدة: (كل ما لا يضمن من التلفات المأخوذة بغير إشهاد)، وقاعدة: (الزعيم غارم)، وقاعدة: (إيجاب الأخذ يفيد إيجاب الدفع)، وقاعدة: (العقد على الأعيان كالعقد على منافعها)، وقاعدة: (كل ما لم يمنع العقد على العين، لم يمنع العقد على منفعتها)، وقاعدة: (كل عقد جاز أن يكون على القسمة، جاز أن يكون على المشاع)، وقاعدة: (العقود لا تثبت في الذمم)، وقاعدة: (كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه)، وقاعدة: (الشرط الباطل لا يؤثر في العقد)، وقاعدة: (ما ليس بشرط في صحة العقد فليس بواجب أن يقترن به)، وقاعدة: (الإكراه يبطل العقد)، وقاعدة: (كل ما يصح تأبيده من عقود المعاوضات فلا يصح توقيته)، وقاعدة: (كل ما كان لأحد المتعاقدين فسخه بوجه، كان للآخر فسخه بمثل ذلك الوجه)، وقاعدة: (ما هو موجَب العقد لا يحتاج إلى اشتراطه)، وقاعدة: (ما حرم للاستعمال حرم للاتخاذ)، وقاعدة: (ما حرم لذاته حرم ثمنه)، وقاعدة: (ما صح إجارته صحَّ ملكه)، وقاعدة: (كل ما صح أَن يملك إرثًا صح أن يملك هبة وابتياعًا)، وقاعدة: (كل تمليك في الحياة صح بعد الوفاة)، وقاعدة: (الحقان المختلفان لا يتداخلان)، وقاعدة: (كل حق لم يسقط بتأخير الإقرار لم يسقط بتأخير الشهادة)، وقاعدة: (أخد الحق لا يتوقف إلا بدليل)، وقاعدة: (إذا اجتمع في المال حقان، أحدهما قد أخذ عوضه، والآخر لم يؤخد عوضه، قُدِّم ما أخذ عوضه على ما لم يؤخذ عوضه)، وقاعدة: (كل ما يفسد العبادة عمدًا يفسدها سهوًا)، وقاعدة: (لا قياس في العبادات يضر معقولة المعنى)، وقاعدة: (التلبس بالعبادة يوجب إتمامها)، وقاعدة: (كل ما جاز في الحضر لعذر جاز في قصير السفر وطويله)، وقاعدة: (طهارة الأحداث لا تتوقف)، وقاعدة: (كل قرض جرَّ نفعًا فهو حرام)، وقاعدة: (الإطلاق محمول على العادة)، وقاعدة: (ما لا يمكن الاحتراز عنه فهو معفو عنه)، وقاعدة: (الحدود تدرأ بالشبهات)، وقاعدة: (العبرة في الحدود بحال وجوبها لا حال استيفائها)، وقاعدة: (إعطاء الموجود حكم المعدوم، والمعدوم حكم الموجود)، وقاعدة: (كل ما أدى إثباته إلى نفيه، فنفيه أولى)، وقاعدة: (الربح يتبع المال الأصل، فيكون ملكا لمن له المال الأصل)، وقاعدة: (من أثبت أولى ممن نفى)، وقاعدة: (الأصل لا يجتمع مع البدل)، وقاعدة: (من أصول المالكية مراعاة الخلاف)، وقاعدة: (الأصل ألَّا يسقط الوجوب بالنسيان)، وقاعدة: (كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة)، وقاعدة: (مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبدًا)
[المفتاح السادس عشر]: بعض القواعد الفقهية التي اشتهر الاحتجاج بها في المذهب الشافعي: قاعدة: (ما حرم استعماله حرم اتخاذه)، وقاعدة: (يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد)، وقاعدة: (يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصدًا)، وقاعدة: (يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل)، وقاعدة: (يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام)، وقاعدة: (إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام)، وقاعدة: (الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال)، وقاعدة: (الإيثار في القُرَبِ مكروه)، وقاعدة: (الحر لا يدخل تحت اليد)، وقاعدة: (الحريم له حكم ما هو حريم له)، وقاعدة: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا)، وقاعدة: (الدفع أقوى من الرفع)، وقاعدة: (الخروج من الخلاف مستحب)، وقاعدة: (الرخص لا تناط بالمعاصي)، وقاعدة: (الرخص لا تُناط بالشك)، وقاعدة: (الرضا بالشيء رضاً بما يتولد منه)، وقاعدة: (العمل المتعدي أفضل من القاصر)، وقاعدة: (ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً)، وقاعدة: (الفرض أفضل من النفل)، وقاعدة: (الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها)، وقاعدة: (الواجب لا يترك إلا لواجب)، وقاعدة: (ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، لا يوجب أهونهما بعمومه)، وقاعدة: (ما ثبت بالشرع مقدم عن ما ثبت بالشرط)، وقاعدة: (المشغول لا يُشْغَل)، وقاعدة: (المُكبَّر لا يُكبَّرُ)، وقاعدة: (النفل أوسع من الفرض)، وقاعدة: (النية في اليمين تخصص اللفظ العام)، وقاعدة: (مقاصد اللفظ على نية اللافظ)، وقاعدة: (الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود)، وقاعدة: (لا ينكر المُخْتلف فيه، وإنما ينكر المُجمَع عليه)، وقاعدة: (يدخل القوي على الضعيف، ولا عكس)، وقاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور)
[المفتاح السابع عشر]: بعض القواعد الفقهية التي اشتهر الاحتجاج بها في المذهب الحنبلي: مثل قاعدة: (الأصل في العبادات الحظر، وفي العادات الإباحة)، وقاعدة: (جعل المعدوم كالموجود احتياطًا)، وقاعدة: (يقدم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شرُّ الشَّرين)، وقاعدة: (إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحهما)، وقاعدة: (جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه)، وقاعدة: (ما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة)، وقاعدة: (المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان)، وقاعدة: (الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة)، وقاعدة: (كل حيلة تضمنت إسقاط حق أو استحلال محرم فهي محرمة)، وقاعدة: (كل لفظ بغير قصد من المتكلم لا يترتب عليه حكم)، وقاعدة: (دلالة الحال تغني عن السؤال)، وقاعدة: (كل ما أمر الله به أو نهى عنه فإن طاعته فيه بحسب الإمكان)، وقاعدة: (الأصل إذا ما يحصل به المقصود قام بدله مقامه)، وقاعدة: (المعصية لا تكون سببًا للنعمة)، وقاعدة: (الأصل في العادات عدم التحريم)، وقاعدة: (الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة)، وقاعدة: (الأصل في العقود رضا المتعاقدَين،)، وقاعدة: (الأصل في العقود جميعها العدل)، وقاعدة: (الأصل حمل العقود على الصحة)، وقاعدة: (تنعقد العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل)، وقاعدة: (إذا حرّم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة)، وقاعدة: (من أدى عن غيره واجباً رجع عليه وإن فعله بغير إذنه)، وقاعدة: (الأصل في الشروط الصحة واللزوم)، وقاعدة: (كل شرط لا يرضي الرب ولا ينتفع به المخلوق فهو باطل في جميع العقود)، وقاعدة: (العبادات كلها لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها)، وقاعدة: (إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد تداخلت أفعالهما)، وقاعدة: (إمكان الأداء ليس بشرط في استقرار الواجبات بالشرع في الذمة على ظاهر المذهب)، وقاعدة: (النماء المتولد من العين حكمه حكم الجزء، والمتولد من الكسب بخلافه على الصحيح)، وقاعدة: (من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه)، وقاعدة: (من أتلف نفساً، أو أفسد عبادة، لنفع يعود إلى نفسه، فلا ضمان عليه، وإن كان النفع يعود إلى غيره فعليه الضمان)، وقاعدة: (كل عقد يجب الضمان في صحيحه يجب الضمان في فاسده)، وقاعدة: (كل من ملك شيئاً بعوض، مُلك عليه عوضه، في آن واحد)، وقاعدة: (الفعل الواحد يبنى بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد)، وقاعدة: (ينزل المجهول منزلة المعدوم)، وقاعدة: (المنع أسهل من الرفع)
***
الفصل الخامس
مفاتيح علم السياسة الشرعية
وتصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم
ودور هذا العلم في التجديد الفقهي المنشود
[المفتاح الأول]: دور هذا العلم (علم السياسة الشرعية وتصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم) في الإلمام بعلم الشريعة: إنّ علم السياسة الشرعية وتصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم بات حقاً من اللوم المطلوبة التي تعود على العلم والعلماء والفقه والفقهاء، بل والدعاة والمحتسبين وجميع العاملين لدين الله تعالى بالخير، وعلى أعمالهم بالبركة والتوفيق، وما ذاك إلا لأنّ هذه المسألة تؤثر كثيراً على عمل الدعاة والمحتسبين والمجاهدين وعلى كافة التيارات الإسلامية العاملة في مجال النهوض بالإسلام بسبب موقعها الحساس والمتعلق بالأنظمة الحاكمة لديار المسلمين، ولما كانت هذه المسألة من مسائل الفقه السياسي الإسلامي الذي بات من أشد مجالات الفقه الإسلامي في حاجة إلى بيان القواعد الشرعية الصحيحة التي تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فإن معرفة الحق والصواب والتزام ضوابط الشرع الحكيم فيها، سيؤدي إلى فتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين أهل العلم والفقه وبين أهل السياسة والحكم، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، وفتح صفحة جديدة بيضاء بين العلماء والمصلحين والدعاة وطلبة العلم وبين أهل الحكم والسياسة الذين هم أشد الناس احتياجاً إلى النصيحة والدعوة والعلم، صفحة تمتلئ بالإصلاح على فقه وبصيرة، وعلى حكمة وموعظة حسنة، وتمتلئ بالرأفة والرحمة، وتمتلئ بنشر العلم الراسخ بأدلته الربانية المحفوظة بعيداً عن مناهج الغلّو سواء في التكفير أو الخروج على الحكام دون ضوابط حكيمة قررها أهلها علماء الأمة الأئمة الثقات.
[المفتاح الثاني]: آيات من كتاب الله تعالى في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبيان فقه تلك الآيات:
(أ) قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في طاعة الله، فإن حصل بينهم نزاع فمرجعه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم، أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه فردوه إلى الله، يعني بذلك فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك من كتاب الله فاتبعوا ما وجدتم… فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا، وإن كان ميتا فمن سنته) ([308]) . ولهذا جعل الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: : (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([309]) .
ولا شك أنّها فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (: عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([310]) . فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث الذي أخرجه مسلم – وسيأتي بيانه في المبحث التالي (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([311]) .
(ب) قول الله تعالى – آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، ويؤيده قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 17 إلى 19]، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها، لأنّ السلطة بيده، فالشدة لا تناسبه، وقد تعني تهديده ووعيده، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته.
(ت) قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]، فالقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك، والملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها، ولا أن يزاحم أهلها فيها، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها، وقد أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه) ([312]) . الشاهد من الآية: أنّ نبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام يخاطب الملك الكافر بمنتهى الحكمة واللين، وهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء عليه السلام ولو دعا على الملك الكافر دعوة لأنهى ملكه وسلطانه، ولكنها حكمة النبوة في معاملة الحكام والملوك.
(ث) قول الله تعالى: – حكاية على لسان نبي الله يوسف عليه السلام -: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، فدل ذلك على أنّ الملك منّة ونعمة من الله تعالى، لما يترتب على صلاحه من صلاح أمور المسلمين، قال ابن كثير في تفسيره للآية: (هذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه عز وجل، لما تمت النعمة عليه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما من الله به عليه من النبوة والملك، سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه، قاله الضحاك، وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين) أهـ،([313]) .
(ج) قول الله تعالى – في قصة طالوت وجالوت وإيتاء الله تعالى الملك لنبيه داود عليه السلام -: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]، فقد امتن الله تعالى على بني اسرائيل بأنّه سبحانه آتى دواد الملك والحكمة والعلم، ثم قال سبحانه: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}، قال الألوسي في تفسير هذه الآية: (وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك، وأنه لولاه ما استتب أمر العالم، ولهذا قيل: الدين والملك تؤامان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الأخر، لأن الدين أس والملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع) ([314]) .
ونقل بدر الدين ابن جماعة عن الطرطوشي في قوله تعالي: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251]، قال: (قيل في معناه: لولا أن الله تعالي أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم أمتن الله تعالي على عباده بإقامة سلطان لهم بقوله {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ} ([315]) .
فوجود الحاكم منّة ونعمة من الله تعالى، وفي غيابه فساد الأرض، وقد قيل: (ستون سنة في ظل حاكم ظالم أهون من ساعة في غياب حاكم)
[المفتاح الثالث]: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبيان فقه تلك الأحاديث: [الـحديث الأول]: أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([316]) .
وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ).
[الـحديث الثاني]: أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([317]) وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين للحديث السابق.
[الـحديث الثالث]: أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: : (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة). ([318]) .يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، (؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ)، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة).
[الحديث الرابع]: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([319]) .وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([320]) .
[الـحديث الخامس]: أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([321]) .وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجاترين، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ)، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ)، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب (وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم، ألا وهو ترك الصلاة، لأنها صلة العبد المسلم بربه، فمن تركها فقد كفر، وترك الصلاة وإن كان عند جماهير الفقهاء كفر دون كفر، إلا أنّ تركها يدل على مبلغ الفساد والفسوق والظلم الذي لا يصلح معه المرء أن يكون حاكما للمسلمين، ولكن لا يكون الخروج إلا مع استيفاء شروط القدرة ووجود الإمام البديل الذي يجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين، وإلا فالصبر مع الجهر بالحق وانكار المنكر أولى من المجازفة بالمسلمين وإيرادهم المهالك.
[الـحديث السادس]: أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([322]) والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)
[الـحديث السابع]: أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([323]) .وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر)، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، (مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)
[الـحديث الثامن]: أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([324]) . يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم، (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)،
[الـحديث التاسع]: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: : (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ([325]) . وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً.
[الـحديث العاشر]: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([326]) .
وفيه دليل على أنّ طاعة أولى الأمر من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعصية أولى الأمر من معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الطاعة مقيدة بما إذا لم يأمروا بمعصية الله تعالي فإذا أمروا بمعصية فلا يطاعون في هذه المعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد شهدت السنة بهذا القيد في أحاديث عديدة يأتي إن شاء الله ذكرها.
[الحديث الحادي عشر]: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([327]) . وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا.
[الـحديث الثاني عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([328]) . وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا.
[الـحديث الثالث عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([329]) وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام.
[الـحديث الرابع عشر]: أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ([330]) والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج.
[الـحديث الخامس عشر]: أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ([331]) . والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم، أو أراد تفريق كلمة المسلمين.
[الحديث السادس عشر]: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) ([332]) . والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم.
[الحديث السابع عشر]: أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أُمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) ([333]) .والمراد هاهنا كما ذكر النووي في شرح الحديث: (فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى، قال العلماء: معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا) أه([334]) . وقال السندي رحمه الله: (يقودكم بكتاب الله: فيه إشارة إلى أنه لا طاعة له فيما يخالف حكم الله تعالى والله تعالى أعلم) [([335]) .فمعنى الحديث إن قادكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا، وإن لم يقدكم بكتاب الله؛ أي: إن أمركم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة، قلت: وقد فهم البعض خطأً أنّ المقصود من الحديث الخروج على الحكام إن لم يحكموا بكتاب الله، وهذا خطأ لأنّ المقصود هو الالتزام المجمل بالإسلام وبكتاب الله تعالى واعتقادهما، وإلا فكل جائر أو ظالم أو فاسق فإنه لم يحكم بكتاب الله، فهل يجوز الخروج عليه بمجرد جوره ومخالفته لكتاب الله تعالى، والتفصيل في الأمر: أنّ عدم الحكم بما أنزل الله قد يرجع إلى الكفر به، والكافر قد سقطت ولايته بالكلية لقوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، ف (منكم) تدل على أنّه لا يكون إلا مسلما، وإلا لم يعد ولياً للأمر ووجب الخروج عليه عند توافر القدرة، وقد يرجع عدم الحكم بكتاب الله تعالى إلى جور أو ظلم أو فسوق، والجائر والظالم والفاسق هم من المسلمين ما اعتقدوا كتاب الله تعالى بقلوبهم وحكموا بغيره، وهنا لهم الطاعة في كل ما ليس بمعصية، فإن خالف كتاب الله، فلا سمع ولا طاعة له فيما خالف فيه كتاب الله تعالى، ولا ننزع اليد من طاعته فيما سوى ذلك، مع النصح والصدع بالحق وإنكار المنكر في اطار الاعتراف بولايته.
[الحديث الثامن عشر]: عن الزبير بن عدي قال: (أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([336]) . وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام.
[الحديث التاسع عشر]: أخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه ن قال: (قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ قال قلتُ: فما تأمرني؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ، فإنها لكَ نافلةً) ([337]) . وفيه الحرص على ملازمة الحكام، حتى في الهيئة والصورة العامة (فإن أدركتَها معهم فصلِّ)، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم.
[الحديث العشرون]: عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصيحةُ قلنا: لمن؟ قال: للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتِهم) ([338]) . وفيه الامر بإخلاص النصيحة للحكام والحرص على مصالحهم.
(تنبيه): ليس الهدف من ذكر تلك الأحاديث المبالغة في مداهنة الحاكم، أو تنزيهه كما يفعل البعض من إضفاء صفات الكمال عليه، وليس الهدف كذلك تبرير أخطاء الحكام، أو تمحل المعاذير لهم فيما يأتونه مما يُخالف الدين، وإنّما المقصد هو وضع الضوابط والأسس الشرعية لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ما أملت به السياسة الشرعية الإسلامية، دونما افتيات على صلاحياتهم أو تأليب عليهم وتهييج الرعية عليهم وافساد سريرتها معهم، ودونما تتبع للزلات والأخطاء الشخصية واشاعتها بين الناس، أما ما يتعلق بدين الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بأعظم فريضة تتعلق بحراسة الدين والحسبة عليه، ألا وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وفق ضوابطها الشرعية التي تتلائم مع وضع الحكام المسلمين، وسيأتي بينها في الباب الثالث: قواعد فقهية تضبط العلاقة الشرعية بين النظام الحاكم والمحكوم، القاعدة الأولى: حدود طاعة الحاكم المسلم، والقاعدة الثانية: حدود انكار المنكر المتعلق بالحاكم المسلم، أمّا ما يتعلق بفعل البعض من اعلان العصيان عليهم ونزع يد الطاعة منهم أو الخروج المسلح عليهم، فهذا ما حرصت الشريعة على بيان ضوابطه أتم بيان ونهت عن ذلك إلا أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان، فإن معاداة الحكام لا عائد منها سوى الضرر والمفسدة والخراب والدمار والوهن والضعف على بلاد المسلمين ولا يستفيد منها سوى أعداء الدين من اليهود والمشركين.
[المفتاح الرابع]: أحاديث في الانكار على الحكام الظلمة، وبيان فقه تلك الأحاديث وفق السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة:
[الحديث الأول]: قوله صلى الله عليه وسلم(أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ([339]) .والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط:
(الضابط الأول): أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات.
(الضابط الثاني): الهدي القرآني في معاملة الحكام، قال تعالى – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44].
(الضابط الثالث): منطوق الحديث وفيه (كلمة عدل عند) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب، وتقويض دعائم الحكم وهيبته، ثم ينبغي أن تكون كلمة حق صادقة، فكم من كلمة حق أريد بها باطل، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى، خالصاً لله وحده، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته.
(الضابط الرابع): منطوق الحديث (كلمة عدل) أو في الرواية الثانية (كلمة حق)، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته.
(الضابط الخامس): قائل الحق المجرد من أهواء النفس إن سلمت له الضوابط السابقة فإما أن يكون آمنا على نفسه فيجب عليه الإنكار انتصارا لدين الله تعالى، وإما أن يكون غير آمن على نفسه، وآنذاك فإن كان قتله أو أذاه سوف يعود على الدين بالعزة والنصر، فهذا هو الذي يُشرع له ذلك، وإما أنه لن يعود على الدين بنفع ولا ضر، فله أن يجهر بالحق، وإما أن يلحق بالدين او بالمسلمين غيره مفاسد عظيمة، كأن ينتقم الحاكم من طائفة من المسلمين بسببه، وآنذاك لا يكون جهره بالحق جائزا، بل له أن يُسر النصيحة إلى الحاكم دون الجهر بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ) ([340]) وكما أخرج البخاري ومسلم عن أبي وائل، قال قيل لأسامة رضي الله عنه: : (أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ) ([341]) .
[الحديث الثاني]: أخرج أحمد ، والحاكم في المستدرك: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني ثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي ثنا أبو نعيم و أبو حذيفة قالا: ثنا سفيان عن الحسن بن عمرو عن محمد بن مسلم بن السائب عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت أمتي تهاب فلا تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم)، قال الحاكم: صحيح الإسناد و لم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والسيوطي وأحمد شاكر، والأربعة – كما ذكر علماء الحديث – متساهلون في الحكم على الحديث، والحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد ضعفه الألباني والأرناؤوط والوادعي والحويني.(أ) ذكر من صحح الحديث: الحديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وقال: (رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد) أهـ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير ونسبه لأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: (رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد، إلا أنه وقع فيه في الأصل غلط، فلذلك لم أذكره) أهـ.([342]) .
(ب) الحديث ضعفه الشيخ الالباني في السلسلة الضعيفة وقال: ” ضعيف، أخرجه أحمد و الحاكم من طريق أبي الزبير عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، قال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي، و أقول كلا ليس بصحيح، فإن أبا الزبير لم يسمع من ابن عمرو كما قال ابن معين وأبو حاتم، .. و لذلك فإني أقطع بضعف هذا الإسناد، و الله أعلم، (ت) الحديث ضعفه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد ، وقال: ( إسناده ضعيف، رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن أبا الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدْرُس- لم يسمع من عبد الله بن عمرو، فيما قاله أبو حاتم في المراسيل هـ،([343]) .
(ج) والحديث ضعفه الشيخ إسحاق الحويني في: النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة ، وقال مقبل بن هادي الوادعي في تحقيقه على الحديث في مستدرك الحاكم قال: محمد بن مسلم هو محمد بن مسلم بن تدرس وليس بابن السائب , قال البيهقي: ان ابا الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو فهو منقطع أهـ من فيض القدير بتصرف , وكذا في ” جامع التحصيل ” عن ابن معين وابي حاتم لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص أهـ , وقوله هنا ابن السائب غلط فهو ابن تدرس ) أهـ([344]) .
(ث): فقه الحديث على اعتبار قبوله سنداً: الحديث عام في كل ظالم، وهو من باب إنكار المنكر، وقد جاءت الشريعة بإنكار المنكر، وهو أحد أسباب خيرية هذه الأمة، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وهو أبرز صفات المؤمنين، كما وصفهم الله تعالى بقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، ولابد من أن يكون في الأمة من يجهر بالحق، ويقول للظالم أنت ظالم، ولابد من إنكار المنكر، ولكن إذا تعلق الأمر بالحكام وولاة الأمور، فلابد من فهم الحديث في إطار أحكام إنكار المنكر على الولاة والتي قررها الفقهاء، من خلال فهم قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 44].
ومن خلال فهم الأحاديث الصحيحة المحكمة كحديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([345]) . وحديث حذيفة رضي الله عنه: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([346]) . وحديث عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([347]) وحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([348]) . وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([349]) . وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([350]) .
وفي ظل الطاعة في المعروف والاحترام الذي فرضه الله تعالى على المسلم لمن ولاه الله تعالى أمر المسلمين، ولا ينبغي أن يتعدى إلى تهديد أو حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، أو إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، وكل ذلك افتيات على هيبة ولي الأمر وسلطته، ثم لا ينبغي أن ننسى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الفوضى والهرج والمرج.
[الحديث الثالث]: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([351]) .
قال ابن رجب في شرح الحديث: (هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة، وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح فقال التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره ومع هذا متي خاف على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم قال أحمد لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول) ([352]) . [قلت]: يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه، (الأول): الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة، قال ابن الصلاح: (وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم وليس في لفظه ذكر هذه الأمة والله أعلم) أهـ ([353]) .
(الثاني) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة – وقد تقدم جزء منها – على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان.
(الثالث) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه،، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد: أنّه سئل عن هذا الحديث فقال: (الحارث بن فضيل – وهو من رواة الحديث – ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله: (اصبروا حتى تلقوني) ([354]) .
(قلت): وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير([355]) . ولم يخرجه في الصحيح، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح، قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال: الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (اصبروا حتى تلقوني) ([356]) .
(الرابع): لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم، ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق، لما يُفضي على الأمة من الشرور، ولما يولد من المفاسد، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه)([357]) .وقال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: (وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان: فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم) اهـ ([358]) .
[الحديث الرابع]: حديث أبي سعيد الخدري: قال صلى الله عليه وسلم: : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([359]) .
وهذا الحديث عام في بيان مراتب إنكار المنكر، ولكن لفقهاء أهل السنّة والجماعة تفصيل في باب الإنكار على الأمراء، وأنّه لا يجوز أن يتعدى الإنكار باللسان حتى لا يؤول إلى منكر أكبر، ولا يكون بالتحزب وحمل السلاح، وغير ذلك من الضوابط التي دلت عليها السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة، ومن أهم ذلك، أن يكون مشوبا بالنصح والرفق، بعيدا عن التشهير والتأليب، كما أنّه ليس لأحد منع منكر الحاكم بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أعواناً، لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجرئتهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وضياع الأمن ومصالح المسلمين، وخدمة أعداء الدين من غير المسلمين، وغير ذلك مما لا تخفي أضراره على أهل الفقه في الدين، وحديث (من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فهذا حديث خطاب لجميع الأمة، وعموم الحديث يقضي بمشروعية الإنكار باليد لمن قدر عليه، ولكن هذا مشروط بشروط منها: ألا يفضي إنكاره هذا إلي منكر اشد منه، وأن لا يكون الإنكار باليد مما اختص السلطان به شرعاً كإقامة حد، أو شهر سيف، ونحو ذلك، وهذا كله فيما إذا كان صاحب المنكر غير السلطان، فإن كان السلطان، قال ابن النحاس في تنبيه الغافلين: (فليس لأحد منعه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع عليه أواناً لأن في ذلك تحريكاً للفتن وتهييجاً للشر، وإذهاباً لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدي ذلك إلي تجريهم على الخروج عليه وتخريب البلاد، وغير ذلك مما لا يخفي) ([360]) . وقد قال الإمام أحمد – رحمه الله -: (لا يتعرض للسلطان، فإن سيفه مسلول) ([361]) .
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (ولا ينكر أحد على سلطان إلا واعظاً له وتخويفاً أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك. ذكره القاضي، وغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره، والمراد: ولم يخف منه بالتخويف والتحذير، وإلا سقط المنكر مع السلاطين: التعريف والوعظ فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرورها إلي الغير لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عنه جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك) أه([362]) .وقال ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين (ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رأس الأشهاد بل يود لو كلمة سراً ونصحه خفية من غير ثالث لها) اهـ، ([363]) .
[الحديث الخامس]: حديث أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ) ([364]) .
وفي رواية: (أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده) ([365]) .
(قلت): الحديث عام في كل ظالم (إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ)، ولكنه مخصوص في الحاكم الظالم، فيستثنى من عموم الحديث، وسبب ذلك هو عموم الأحاديث التي تأمر بالصبر على الحاكم الظالم وتنهى من الخروج عليه، وما قيل في الأحاديث السابقة يُقال هنا: من أنّ انكار منكر الأمراء له أحكام تختلف عن عامة الرعية، وله ضوابط عديدة لا ينبغي تجاوزها وإلا آل الامر إلى الفتنة ووقوع مناكر أشد من المنكر المراد تغييره.
[الحديث السادس]: قوله صلى الله عليه وسلم: : (لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم) ([366]) .
(قلت): الحديث عام في إنكار المنكر على كل ظالم، و إنكار المنكر سبب النجاة من عذاب الدنيا، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]، وقوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116]، ولابد من أن يكون في الأمة من يجهر بالحق، ويقول للظالم أنت ظالم، ولابد من إنكار المنكر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه).
وهذا على وجه العموم، ولكن إن تعلق الأمر بولاة الأمور، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تأمر بالكَف، والصبر، وتنهى عن الخروج، وأنّه لا يجوز إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق، لما يُفضي على الأمة من الشرور، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) أهـ ([367]) .
[الحديث السابع]: أخرج مسلم عن أم الحصين الأحمسية قالت سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: : ((إن أُمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) ([368]) . استدل به من يرى أنّ طاعة ولي الامر متوقفة على التمسك بكتاب الله (يقودكم بكتاب الله)، وهذا فهم خاطئ للحديث، فإنّ مقصد الحديث الانقياد المجمل بالإسلام وتعاليم الإسلام، قال النووي في شرحه للحديث: (ومقصوده: التنبيه على نهاية خسته، فإن العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجدعه نقص آخر، وفي الحديث الآخر: كأن رأسه زبيبة ومن هذه الصفات مجموعة فيه فهو في نهاية الخسة، والعادة أن يكون ممتهنا في أرذل الأعمال، فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى، قال العلماء: معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا، بل إذا ظهرت منهم المنكرات وعظوا وذكروا، فإن قيل: كيف يؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة كونه قرشيا؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن المراد بعض الولاة الذين يوليهم الخليفة ونوابه، لا أن الخليفة يكون عبدا، والثاني: أن المراد لو قهر عبد مسلم واستولى بالقهر نفذت أحكامه، ووجبت طاعته، ولم يجز شق العصا عليه، والله أعلم) ([369]) .
وقال القاضي عياض في إكمال المعلم: (عبدا حبشيا يقودكم بكتاب الله) أي: بالإسلام وحكم كتاب الله وإن جار انتهى، وقال السيوطي في الديباج على مسلم: (يقودكم بكتاب الله) .. أي ما دام متمسكا بالاسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كان في نفسه ودينه فاسمعوا له وأطيعوا انتهى.
[المفتاح الخامس]: إشارة إلى الكتاب السابع من هذه السلسلة: [مفاتيح علم السياسة الشرعية]، وهو يتناول بحمد الله تعالى التأسيس لعلم السياسة الشرعية من المنظور الشرعي وفق أدلة الكتاب والستّة وهدي السلف الصالح وأقوال العلماء الراسخين في العلم على منهاج اهل السنّة والجماعة، وأهم ذلك: هو التأسيس لعلم السياسة الشرعية في باب معاملة الحكام، وبيان المفاتيح الشرعية التي تضيء الطريق في الأمور الشائكة التي تتعلق بسير العمل الإسلامي بما يخدم الدين، وبرسم علاقة الدعاة والمصلحين والعلماء العاملين، بالحكام بوضوح بما يحفظ حقوق الحكام وبما ينفي المداهنة عن عمل المصلحين، وبما يمنع التعدي على حقوق الحكام، فيطمئن الحكام إلى حفظ علماء الدين والدعاة إليه لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الإفتئات عليها، وبما يخدم القضية العامة ألا وهو العمل لدين الله واعلاء رايته، كما حرصت على تبني الاعتدال الشرعي في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والرعية، وتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة، والرد عليها، بأدلة الشرع الحكيم، كما حرصت على تأصيل مسائل الإسلام السياسي على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وسهولة إدراكها وتطبيقها وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام هذا الباب مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد، [الأهداف الشرعية من ضم هذه الرسالة عن فقه العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والرعية إلى سلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية التي يحتاجها طالب العلم الشرعي]، (الهدف الأول): نشر العلم الراسخ الرصين الذي تحلى به المحققون من علماء أهل السنّة والجماعة الأئمة الأعلام في باب السياسة الشرعية، وبيان الصورة العامة لهذا العلم الشريف الذي أراه من أهم ثغور العلم في الوقت الراهن وبيان اهم أصول وأسس هذا العلم الشريف، بما يخدم العمل الإسلامي ويضبط خطواته في القريب العاجل والآجل إن شاء الله، و(الهدف الثاني): التأصيل العلمي السديد لواحد من أهم مباحث علم (السياسة الشرعية الإسلامية): ألا وهو باب العلاقة الشرعية الصحيحة بين الحاكم والمحكوم، وبيان القواعد التي تضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، فيطمئن الحكام إلى حفظ الرعية لحقوقهم وعدم التعدي عليها أو الإفتئات عليها، وبالتالي تخف العداوة ويقل الاحتكام بين الأنظمة الحاكمة وبين الدعاة والعلماء، بما يخدم القضية العامة الشاغلة لكل المصلحين ألا وهو العمل لدين الله عز وجل، و(الهدف الثالث): الاعتدال الشرعي في مسائل الحاكمية والعلاقة بين الحاكم والرعية، وتتبع جذور الغلّو في هذه المسألة، ومحاولة اجتثاثها من أصولها، حتى يتفرغ الحاكم والمحكوم لأداء مهامهم تجاه الدين وأهله، وفتح صفحة جديدة للتعامل بالحسنى والثقة بين أهل الدعوة إلى الله وبين أهل السياسة والحكم، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، و(الهدف الرابع): معرفة فقه الواقع الحقيقي لأمة الإسلام بين أمم العالم، وبيان الحكومة الخفية من اليهود الصهاينة والتي تحكم العالم بقبضة من حديد والتي يعمل عندها رؤساء الدول الكبرى كأمريكا وروسيا وأوروبا مجرد موظفين أو عملاء، ليس لهم من أمر بلادهم شيئا، فنعرف الامر الواقع على حقيقتهن فننطلق على بصيرة نحسب لكل حادث قدره، نعم حالنا لا يسر عدوا ولا حبيبا، ولكن لنا الله العزيز الجبار، ونسأل الله تعالى نصرنا، ولكنّ عملنا للإسلام إن كان عن جهل بالواقع فقد قصرنا وان كان عن مجازفة بغير اعداد العدة فقد تواكلنا، وليس لنا ان نختبر الله ونورد الامة موارد الهلاك، فإن علم (السياسة الشرعية الإسلامية) علم يتعامل مع واقع متغير، ولهذا فلا يصح تبني موقف واحد صلب تجاه كل قضايا السياسة الشرعية، وقد أجاز الإمام الشافعي للمسلمين في زمان الضعف الشديد والهوان وعدم القدرة على جهاد الكفار أن يصالحوهم على بعض المال حتى يحفظوا حرماتهم وأرواحهم، فلا مناص من الاخذ بأسباب الحفظ والعناية لانّ الأمة الإسلامية أمانة في أعناق أولياء امورها فلا يوردوها موارد المهالك بغير ضرورة، فإنّ مبنى السياسة الشرعية على درء أكبر المفاسد وتحقيق أكبر المصالح بأقل الجهود، وقد جاء في سيرة ابن اسحق أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى تكالب الأحزاب على غزو المدينة وغدر بني قريظة أراد ان يكسر الحصار، ويخفف الضغط على المسلمين، فراسل غطفان على المصالحة وان يعطيهم ثلث تمر المدينة، وقال للأنصار: (إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم)، فكان هذا درسا عظيما في السياسة الشرعية، ولكي نعلم إلى أي مدى يبلغ علم السياسة الشرعية، ومن تدبر فعله صلى الله عليه وسلم يعلم مدى مرونة هذا العلم، فالجمود في علم السياسة الشرعية لا يصلح، فمن جمد على قواعد ثابتة تحكم السياسة الشرعية في كل أحكامها فقد ضيق واسعا، بل السياسة الشرعية تعامل واقعا جديدا يحتاج في مشاكله إلى طرح الحلول المثلى لتلك المشاكل بصورة لا تتناقض أبدا مع الأحكام الإسلامية الأصيلة، و(الهدف الخامس): بيان حلقات الوصل المفقودة بين حكام المسلمين وبين الإسلاميين في باب السياسة الشرعية، فقد وجدت أنّ هناك مباحث عديدة يمكن أن تكون بمثابة حلقات الوصل بين حكام المسلمين وبين الإسلاميين في باب السياسة الشرعية، وذلك في باب فهم العلاقة ما بين السياسة الشرعية، وما بين طبيعة دين الإسلام العملية، واهم تلك المباحث: معرفة أهمية وضرورة العمل من أجل دين الله، ومعرفة أهم الخصائص العملية لهذا الدين، ومعرفة أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى وبين عباده، ومعرفة أهم الوسائل الشرعية لتحقيق رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله تعالى، ومعرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العمل لدين الله، ومعرفة هدي السلف الصالح في التمكين لدين الله، ومعرفة فقه الواقع الإسلامي المعاصر وفقه الواقع العالمي المرير المحيط بالعمل الإسلامي، ومعرفة فقه سنن الله تعالى في النصر والتمكين لدين الله تعالى وتحقيق رسالته العملية، ومعرفة ضوابط دين الإسلام الشرعية الرصينة الحكيمة في أبواب السياسة الداخلية والخارجية لدولة الإسلام، ومعرفة كيف يكون العمل للإسلام في ظل الواقع المعاصر، و(الهدف السادس): معرفة الحل الشرعي الأمثل في باب السياسة الشرعية، وفض الاشتباك ما بين الإسلاميين والأنظمة الحاكمة في باب العمل للإسلام، وتأصيل مسائل الإسلام السياسي على طريقة أهل العلم والفقه بالكتاب والسنّة والتي تتميز بوضوح الأحكام وسهولة إدراكها وتطبيقها وذلك حتى يتيسر لطالب العلم جمع أهم مسائل وأحكام هذا الباب مجتمعة متكاملة في مؤلف واحد، وأظنه ثغرٌ يحتاجُ اليومَ إلى من يسده عن المسلمين عموماً وعن طلاب العلم على وجه الخصوص، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يجنبنا الخطأ والزيغ وأن يهدينا صراط علماء أهل السنّة المحققين إنه وليّ ذلك وهو سبحانه نعم المجيب، [خطوط عريضة لأهم موضوعات الرسالة]: حوت الرسالة بحمد الله تعالى على تمهيد وسبعة فصول وخاتمة: [التمهيد]: أهمية علم السياسة الشرعية، [الفصل الأول]: مقدمة لفهم النظام السياسي في الإسلام: ويشتمل على تلك المباحث: المبحث الأول: الإسلام دين ودولة ونظام شامل يتناول كل أنشطة الدولة الحديثة، المبحث الثاني: التعريف بالنظام السياسي الإسلامي، المبحث الثالث: مقومات النظام السياسي في الإسلام، المبحث الرابع: معوقات تطبيق النظام السياسي الذي جاء به الإسلام، المبحث الخامس: مشروع الدستور الإسلامي الذي قدمه الازهر الشريف، المبحث السادس: العوامل الربانية الذاتية التي تمنع الاستبداد السياسي في الإسلام، المبحث السابع: صمام أمن النظام السياسي في الإسلام هو البيعة والطاعة، المبحث الثامن: القواعد الاضطرارية التي توجبها السياسة الشرعية في النظام السياسي الإسلامي، المبحث التاسع: الرد الباهر على من رأى جواز الخروج على الحاكم المسلم الفاسق أو الجائر، [الفصل الثاني]: أخطاء الإسلاميين في باب الإيمان والكفر مما يؤدي إلى تكفير الحكام الظلمة بغير وجه حق: وقد اشتمل هذا الفصل على سبعة مباحث: (المبحث الأول): درر ومفاتيح من فقه مسائل الإيمان في الكتاب والسنّة، (المبحث الثاني): درر ومفاتيح من فقه مسائل الكفر في الكتاب والسنّة، (المبحث الثالث): قواعد التكفير عند اهل السنّة والجماعة، (المبحث الرابع): تحقيق القول في بيان أنواع كفر تارك الحكم بما أنزل الله، (المبحث الخامس): درر ومفاتيح من فقه مسائل الشريعة في باب الإيمان والكفر، (المبحث السادس): الرد على شبهات أهل الغلو في التكفير واستحلال حُرمات المسلمين، (المبحث السابع): خطورة الغلو في التكفير بلا ضابط من الفقه ولا وازع من الدين، [الفصل الثالث]: أخطاء الإسلاميين في باب السياسة الشرعية: ويتناول تلك المباحث: (المبحث الأول): أخطاء الإسلامين العامة في مسائل السياسة الشرعية، (المبحث الثاني): أخطاء الإخوان المسلمين في باب السياسة الشرعية، (المبحث الثالث): أخطاء التيارات الحسبية في باب السياسة الشرعية، (المبحث الرابع): أخطاء التيارات الجهادية في باب السياسة الشرعية، (المبحث الخامس): حلقات الوصل المفقودة في باب السياسة الشرعية بين الإسلاميين وبين حكام المسلمين، [الفصل الرابع]: مباحث مهمة في علم السياسة الشرعية: المبحث الأول: خصائص دين الإسلام العملية والسياسة الشرعية، المبحث الثاني السياسة الشرعية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، المبحث الثالث: السياسة الشرعية في حياة الصحابة رضي الله عنهم، المبحث الرابع: السياسة الشرعية في حياة السلف الصالح، المبحث الخامس: السياسة الشرعية وفقه الواقع المعاصر، المبحث السادس: المنظمات اليهودية هي من تحكم العالم اليوم، المبحث السابع: السياسة الشرعية وسنن الله في النصر والتمكين، [الفصل الخامس]: الحل الأمثل في باب السياسة الشرعية: ويشتمل على تلك المفاتيح: المفتاح الاول: الخلافة العامة قادمة لا محالة، المفتاح الثاني: حتى يستقر الامن والأمان في بلاد المسلمين، المفتاح الثالث: العمل الجماعي الإسلامي جائز ولكن بضوابط، المفتاح الرابع: نصائح للحكام الذين ولاهم الله أمر المسلمين، المفتاح الخامس: نصائح لأهل الإسلام فيما يخص ولاة الأمور، المفتاح السادس: نصائح للعاملين للإسلام فيما يخص السياسة الشرعية، المفتاح السابع الاستفادة من المنهج الصوفي في باب السياسة الشرعية، [الخاتمة]: وتناولت فيها أهم توصيات الرسالة.
([2]) صحيح مسلم 3/1476 ح 1847.
([4]) السنن الكبرى للنسائي 7/286 ح 8031.
([6]) صحيح البخاري 1/31 ح 100، صحيح مسلم 4/2085 ح 2673.
([7]) مصنف عبدالرازق 10/154 ح 18696، المستدرك 4/498 ح 8392.
([9]) صحيح البخاري 8/92 ح 6434.
([10]) صحيح البخاري 1/103 ح 480.
([11]) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 1/30.
([13]) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه للإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي
([16]) ديوان الإمام الشافعي:ص 29.
([18]) الرسالة القشيرية: 1/79.
([21]) الوصية السعدية للشيخ طارق بن محمد السعدي
([28]) الرد على الإخنائي ” ص 310.
([29]) مجموع الفتاوي 24/315 و 24/366.
([31]) إعلام الموقعين (2/184).
([34]) إعلام الموقعين (2: 138)
([35]) صحيح مسلم 3/1357 ح 1731.
([36]) مسند أحمد 35/467 ح 21590.
([40]) المصدر السابق (23 /377)
([41]) المعجم الكبير 9/80 ح 8458.
([42]) سنن ابن ماجة 1/98 ح 139.
([43]) مناقب أحمد لابن الجوزي ص ١٧٨.
([45]) فضل علم السلف على الخلف ص 4.
([48]) الفواكه الدواني للنفراوي (٢/٣٥٦)
([49]) البرهان في أصول الفقه: ٢/177.
([50]) الأشباهـ والنظائرلابن نجيم ص 92.
([51]) نشر البنود على مراقي السعود2/352.
([52]) الفروع لابن مفلح 11/103.
([54]) شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر (١/٣٤).
([55]) تاريخ ابن خلدون (١/ ٥٦٣).
([56]) مواهب الجليل للحطاب: (١ / ٣٠)
([59]) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي: (١/ ٥٢٧)
([61]) فتاوى ابن حجر: (٤/٣٠٧).
([64]) تحفة المحتاج في شرح المنهاج ١٠/ ١٠٩.
([65]) حاشية ابن القاسم على التحفة
([66]) سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٧.
([68]) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٠٥.
([69]) مختصر الفوائد المكية لعلوي بن أحمد السقاف المكي ص ٨٩.
([70]) الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة 2/625.
([73]) مطالب أولي النهى للرحيباني ٦/ ٤٤٥.
([75]) الدرر السنية من الأجوبة النجدية (١/ ٢٢٧)
([76]) التقرير والتحبير ٣/ 354.
([78]) التحبير شرح التحرير ١/ ١٢٨
([79]) التمذهب دراسة تأصيلية، للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، ص 210 إلى ص 225.
([80]) الموطأ 2/745 ح 31، مسند أحمد 5/55 ح 2865، المعجم الكبير 2/86 ح 1387.
([83]) صحيح ابن حبان 4/471 ح 3789.
([85]) صحيح البخاري 3/167 ح 2526، صحيح مسلم 3/1336 ح 1711.
([86]) مسند ـأحمد 28/367 ح 17142، سننن ابن ماجة 1/29 ح 43.
([87]) مسند أحمد 38/287 ح 23251.
([88]) صحيح البخاري 7/126 ح 5705، صحيح مسلم 1/199 ح 220.
([89]) صحيح البخاري 4/138 ح 3348، صحيح مسلم 1/200 ح 221.
([90]) مسند أحمد 7/349 ح 4328، مسند البزار 5/368 ح 1999، مسند ابي يعلي 7/445 ح 5358. المعجم الأوسط 2/77 ح 1301، مجمع الزوائد 10 /403 ح 18676.
([91]) المعجم الكبير 11/328 ح 11902/ مجمع الزوائد 10 /403 ح 18676.
([92]) سنن ابي داود 6/349 ح 4291، المعجم الأوسط 6/323 ح 6527.
([93]) مسند البزار16/247 ح 9422، مجمع الزوائد 1/140 ح 597.
([94]) تهذيب الأسماء واللغات 1/17.
([96]) طبقات الشافعية الكبرى 8/395.
([97]) البداية والنهاية لابن كثير 17/540.
([98]) عن كتاب تاريخ التشريع الإسلامي لخضر بك باختصار وكتاب تاريخ التشريع للشيخ الدكتور عبدالطيف الفرفور.
([101]) الإنصاف ص (53) وحجة الله البالغة (1/132 ط: الخيرية
([102]) المصدر السابق ص (124 – 125)
([104]) إعلام الموقعين (3/68، ط: السعادة)
([111]) تاريخ ابن خلدون 1/563.
([114]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/293 و 294.
([115]) المستصفى للغزالي ص 372.
([117]) الموافقات اللشاطبي 5/337.
([118]) الموافقات للشاطبي 5/337.
([119]) صحيح ابن حبان 7/298 ح 6502.
([120]) صحيح البخاري 3/152 ح 2563، صحيح مسلم 2/1141 ح 1504.
([121]) شذرات الذهب لابن العماد (1/148)
([122]) زغل العلم والطلب ص 35.
([123]) الاعتصام للشاطبي 3/312:314.
([125]) رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية ص (31)
([127]) كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (2/298) فما بعدها وكتاب موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين (4/350) فما بعدها.
([128]) شرح المهذب للنووي 1/55.
([129]) الفتاوي الفقهية الكبرى 4/307.
([130]) الموسوعة اليوسفية للشيخ يوسف خطار محمد مبحث المذاهب الأربعة
([131]) الضياء اللامع من صحيح الكتب الستة ص 37.
([132]) المعجم الأوسط ١/١١ ح 21.
([133]) مجمع الزوائد 3/234 ح 5434.، مسند أحمد 4/132 ح 2275.
([138]) حجة الله البالغة ١: 121.
([139]) الميزان الكبرى للشعراني (١: ١٦).
([140]) فوائد في علوم الفقه ص ٣٠.
([141]) مجموع الفتاوي: ٢٠: 232.
([142]) فوائد في علوم الفقه: (ص ٦)
([143]) رفع الملام ضمن فتاويه: ص 17.
([146]) طبقات الشافعية الكبرى: (5: 76)
([150]) معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ص 143.
([151]) أدب المفتي والمستفتي ص 117.
([153]) تهذيب الأسماء واللغات : 1: 51.
([154]) معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ص ١٠٧.
([156]) فتح الباري لابن حجر: 2: ٢٢٣.
([158]) التقرير والتحبير 3/353.
([159]) أدب المفتي والمستفتي ص 121.
([161]) معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ص ١٣٦.
([164]) سير أعلام النبلاء 8: ٩٣.
([165]) الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة 2/628.
([167]) روضة الطالبين 11: 150.
([168]) جزيل المواهب للسيوطي ص 2.
([172]) شرح صحيح مسلم للنووي 11: 91، 92.
([173]) مجموع الفتاوى: (30: 80)
([174]) المصدر السابق : (14: 159).
([176]) المعجم الأوسط: 4: ٣٣٥ ح 4361. ورواها الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١٢٨ وابن حزم في المحلى (8: ٤١٥)، والخطابي في معالم السنن: (3: 145)،
([177]) الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة 2/628.
([179]) مجموع الفتاوى: 22: ٢٥٤.
([180]) المصدر السابق 20: ٢٩٢.
([181]) العقود الدرية: 2: ٣٣٣.
([182]) مجموع الفتاوى: 30: ٨٠.
([183]) جامع بيان العلم وفضله: 2/902
([184]) مجموع الفتاوى ٢٧: ٣٠٠.
([188]) شرح الكوكب لابن النجار الفتوحي 4/558.
([190]) قمع أهل الزيغ لمحمد خضر الشنقيطي ص ١١٧.
([191]) المجموع للنووي : 1: 78.
([192]) المجموع للنووي : 1: 78.
([193]) الفتاوي لابن حجر 4: ٣٠٣.
([194]) الفروق للقرافي : 2: ١٠٧.
([195]) فتاوي الشيخ عليش : 1: ٧٥.
([197]) لطائف الإشارات للقسطلاني: (1: 80)
([198]) قمع أهل الزيغ لمحمد خضر الشنقيطي ص ١٣٣.
([199]) تأويل مختلف الحديث ص 133.
([200]) أدب المفتي والمستفتي ص 100.
([201]) رساله في المذاهب الأربعة للشيخ محمد الحامد ص ١٣.
([206]) البداية والنهاية 13/419.
([207]) مصطفى الشكعة: الأئمة الأربعة ص163، 164.
([208]) سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([209]) صحيح ابن حبان 6/63 ح 4879.
([210]) تزيين الممالك، للإمام جلال الدين السيوطي ص22-23.
([212]) البداية والنهاية 9/291.
([213]) مسند ابي داوود الطيالسي 1/244 ح 307، حلية الاولياء 6/295. معرفة السنن والاثار 1/206 ح 413.
([215]) سنن ابي داوود 6/349 ح 4291.
([216]) مسند ابي داوود الطيالسي 1/244 ح 307، حلية الاولياء 6/295. معرفة السنن والاثار 1/206 ح 413.
([217]) البداية والنهاية 14/132.
([219]) فتاوي ابن حجر (٤/ ٣٠٠).
([221]) الفوائد المدنية ص ١٩ وبنحوه قال ابن حجر في الفتاوى (٤/ ٣٢٤)
([223]) تحفة المحتاج (1 / 39)، وبنحوه في الفتاوي (٤ / ٣٢٤)
([224]) الفوائد المدنية ص 37/38 /41.
([225]) المصدر السابق ص 232، إعانة الطالبين ٤/،١٩.
([226]) المنثور في القواعد ١/ ٧١.
([228]) الموافقات للشاطبيي 1/140 .
([229]) التمذهب دراسة تأصيلية للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي، ص 313 إلى 323.
([231]) البداية والنهاية 14/410.
([232]) يراجع كتابنا: ( الكتاب الخامس مفاتيح علم الانتساب إلي أمة الإسلام)
([235]) يراجع كتابنا: ( الكتاب الخامس مفاتيح علم الانتساب إلي أمة الإسلام)
([236]) يراجع كتابنا: ( الكتاب الخامس مفاتيح علم الانتساب إلي أمة الإسلام)
([237]) سير اعلام النبلاء 4/464.
([239]) تاريخ دمشق لابن عساكر 35/147. تهذيب التهذيب 3/400.
([240]) طبقات الفقهاء ص 78. سير أعلام النبلاء 8/136.
([241]) سير أعلام النبلاء 7/229، طبقات الفقهاء ص 84.
([242]) التمذهب دراسة تأصيلية مقارنة للمسائل المتعلقة بالتمذهب للشيخ عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي ص 244.
([243]) صحيح البخاري 2/60 ح 1189، صحيح مسلم 2/1014 ح 1397.
([244]) مقدمة الدرة المضية تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري.
([245]) مقدمة ابن خلدون: 1/576.
([247]) صحيح البخاري 7/61 ح 5345.
([248]) مسند أحمد 12/171 ح 7233.
([249]) صحيح البخاري 8/9 ح 6008.
([250]) السنن الكبرى للبيهقي 10/102 ح 9601.
([251]) سنن أبي داود 1/222 ح 301.
([252]) مسند أحمد 1/423 ح 345.
([253]) معرفة السنن والآثار 11/92 ح 14880.
([254]) مسند أحمد 7/105 ح 4001.
([257]) سنن الترمذي 4/50 ح 1446.
([258]) صحيح مسلم 2/ 1071 ح 1447.
([259]) مسند أحمد 23/108 ح 14797.
([260]) المعجم الكبير للطبراني 11/167 ح 11383.
([262]) صحيح البخاري 7/101 ح 5557.
([263]) المستدرك علي الصحيحين 1/532 ح 1393.
([265]) سنن ابن ماجة 4/18 ح 2713.
([266]) المعجم الأوسط 5/95 ح 4775.
([267]) صحيح البخاري 1/74 ح 335.
([268]) المصدر السابق 4/3 ح 2742.
([269]) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 6.
([270]) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر 1/51.
([271]) مجلة الأحكام العدلية ص 16.
([273]) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 14.
([274]) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 6.
([275]) سنن أبي داود 5/446 ح 3594.
([277]) صحيح مسلم 5/318 ح 3280.
([279]) مسند أحمد 40/272 ح 24224.
([280]) صحيح البخاري 1/20 ح 52.
([281]) الحجة على أهل المدينة 2 /771-772.
([282]) الأم للإمام الشافعي 3 /236.
([283]) المنثور في القواعد 1/120.
([288]) صحيح مسلم 1/276 ح 362.
([289]) المصدر السابق 1/400 ح 571.
([290]) صحيح البخاري 1/39 ح 137، صحيح مسلم 1/276 ح 361.
([294]) المعجم الكبير 4/58 ح 3602.
([295]) صحيح البخاري 9/71 ح 7180.
([301]) مسند أحمد 16/179 ح 10255.
([304]) مسند أحمد 42/ 492 ح 25756.، صحيح البخاري 8/160 ح 6786، صحيح مسلم 4/1813 ح 2327.
([307]) شرح النووي علي مسلم 12/8.
([309]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([310]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([311]) صحيح مسلم 3/1482 ح 1855.
([312]) صحيح البخاري 9/64 ح 7149.صحيح مسلم 3/1456 ح 1733.
([315]) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ص 49.
([316]) صحيح البخاري 9/47 ح7055. صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([317]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([318]) صحيح مسلم 3/1481 ح 1855.
([319]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([320]) صحيح مسلم 3/1482 ح 1855.
([321]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1854.
([322]) صحيح مسلم 3/1474 ح1846.
([323]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([324]) صحيح مسلم 3/1467 ح 1836.
([325]) صحيح مسلم 3/1467ح 1837.
([326]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([327]) المصدر السابق 9/62 ح7142.
([328]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([329]) صحيح البخاري 4/199ح 3606، صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([330]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1853.
([331]) صحيح مسلم 3/1479 ح1852.
([332]) صحيح البخاري 4/169 ح 3455، صحيح مسلم 3/1471 ح 1842.
([333]) صحيح مسلم 2/944 ح 1298.
([334]) شرح النووي على مسلم ج 9 /47.
([335]) حاشية السندي على النسائي ج 7/154.
([336]) صحيح البخاري 9/49 ح 7068.
([337]) صحيح مسلم 1/448 ح 648.
([339]) سنن ابي داود 6/400 ح 4343، سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.
([340]) مسند أحمد 24/49 ح15333. قال الأرناؤوط: صحيح لغيره
([341]) صحيح البخاري 4/121 ح 3267، صحيح مسلم4/2290 ح 2989.
([342]) مسند أحمد 11/73 ح 6521الترغيب والترهيب 3: 172/ المستدرك علي الصحيحين 4/108 ح 7036 الجامع الصغير ص 1514، مجمع الزوائد 7: 262.
([343]) السلسلة الضعيفة 2: 45 رقم (577)، مسند أحمد 11/73 ح 6521. المراسيل لابي حاتم ص 46 رقم 154.
([344]) النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة 1/52 ح 28 .
([352]) جامع العلوم والحكم 3/954.
([354]) مسائل الإمام أحمد صـ 419.
([355]) التاريخ الكبير(ج 1/ 346)
([356]) صيانة صحيح مسلم صـ 209.
([357]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 229)
([358]) صيانة صحيح مسلم صـ 209.
([360]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص 59.
([361]) الآداب الشرعية 1/176،177.
([362]) الآداب الشرعية (1/176،177.
([363]) تنبيه الغافلين لابن النحاس ص76.
([364]) سنن ابي داود 6/394 ح4338، سنن الترمذي 4/467 ح 2168. وقال المنذري في الترغيب والترهيب ج 3/232 إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما وصححه
([365]) مسند أحمد 1/178 ح 1، السنن الكبرى للنسائي 10/88 ح 11092، سنن ابن ماجة 5/142 ح 408.
([366]) سنن ابي داود 6/392 ح 4337. المعجم الكبير 10/146 ح 10267.السنن الكبرى للبيهقي 20/262.
([367]) شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 229.