الفصل الثالث إشارة مختصرة إلى أهم مفاتيح علم أنظمة الفقه الشاملة ودورها في الإلمام بعلم الشريعة
وقد اشتمل هذا الفصل على تلك المباحث:
المبحث الأول: الإسلام دين ودولة ونظام شامل يتناول كل أنشطة الدولة الحديثة.
المبحث الثاني: النظام السياسي في الإسلام.
المبحث الثالث: النظام الاجتماعي في الإسلام.
المبحث الرابع: نِظامُ الحِسْبَة على المجتمع في الإسلام.
المبحث الخامس: النظام المالي (الاقتصادي) في الإسلام.
المبحث السادس: النظام التشريعي والجزائي في الإسلام.
المبحث السابع: النظام التربوي والتعليمي في الإسلام.
المبحث الثامن: النظام الجهادي (العسكري) في الإسلام.
المبحث التاسع: النظام الإعلامي في الإسلام.
.
المبحث الأول الإسلام دين ودولة ونظام شامل يتناول كل أنشطة الدولة الحديثة
[المفتاح الأول]: الإسلام ليس ديناً فقط وإنما هو دين ودولة: الإسلام دين يدين المسلمون به لله وحده، ودولة تحرس الدين وتحفظه وتدعو إليه وتنشره وتعمل على إظهار أمره والتمكين له في الأرض، وإذا قلنا بأنّ الإسلام دولة، فمعنى ذلك أنّه قد وضع أسس وأصول وقواعد جميع الأنظمة الربانية الحكيمة التي يمكن أن تسير عليها دولة الإسلام، من نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وتشريعي وتربوي تعليمي وعسكري وشتى الأنظمة التي تحتاج إليها أعظم الدول وأكثرها تقدما، وإذا كان البشر قد وضعوا للدولة الحديثة شتى أنواع النظم التي تسير حالها وتضبط أعمالها، فإننا لا يمكن أصلاً أن نقارن بين أنظمة الإسلام وبين النظم الوضعية، وذلك لأنّ أنظمة الإسلام من عند الله تعالى، والنظم الوضعية من صنع البشر، فأنظمة الإسلام ربانية عادلة، وأنظمة البشر المغايرة للإسلام جاهلية جائرة، والله تعالى يقول: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49، 50].
[المفتاح الثاني]: سعي الرسول صلى الله عليه وسلم لبناء الدولة: بدأ النبي صلى الله عليه وسلم العمل لدين الله عز وجل منفردا وذلك بنشر الدين والدعوة إليه والتكوين عليه متدرجا حتى وصل إلى بناء دولة الإسلام وتثبيت دعائمها واستخدامها في نشر الدين وحفظه وإظهار أمره، وقد كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم متميزا بالتدرج في الخطوات العملية وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينتقل بتسديد الله عز وجل من مرحلة إلى أخرى.
(المرحلة الأولى مرحلة الاستضعاف): وهي مرحلة العمل لدين الإسلام في ظل أحكام الاستضعاف، وقد كانت تلك المرحلة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم هي المرحلة المكية وهي التي ابتدأت مع بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الهجرة إلى المدينة، وقد استمرت تلك المرحلة ثلاث عشرة سنة تقريبا وكانت على فترات أبرزها: (الفترة الأولى): منذ البعثة وحتى السنة الثالثة من البعثة وكانت تتميز بالسرية والتكتم ودعوة من يثق بهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فبدأت (الفترة الثانية): واستمرت حتى السنة العاشرة من البعثة تقريبا وكانت تتميز بالجهر بالدعوة والتركيز على الأقربين قريش ومواليها وفيها حدثت الهجرة الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة والهجرة الثانية إلى الحبشة في السنّة السادسة من البعثة، وفي تلك الفترة: أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة، فقال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}[سورة الحجر الآية 94] فتلقى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الإلهي وانطلق بدعوته الجهرية، إلا أنّ المشركين وقفوا معاندين، ومعارضين لها، طاعنين في صدق دعوته ورسالته، وبالرغم من عنادهم ومعارضتهم لدعوته سلك النبي طريقه في دعوته والوحي يشد من عضده، و يحثه على الصبر، ويؤكد له حتمية نصره فيقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الأنعام الآية 34]، وقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهدا شاقا في سبيل نشر دعوته صابرا محتسبا متيقنا من نصر الله فآمن به من أهل مكة عدد قليل ولكن المشركين أبوا إلا أن يعذبوهم بشتى وسائل التعذيب آنذاك ولم يكن حينها النبي صلى الله عليه وسلم قادرا على حمايتهم فحث المستضعفين منهم على الخروج إلى الحبشة، فقال: ” لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه”([1]) .
أمّا في مكة المكرمة فبالرغم من محاصرة قريش للدعوة وصد الناس عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بأصحابه إلى شعاب مكة يتلو عليهم القرآن ويعلمهم أمور دينهم، (الفترة الثالثة): واستمرت حتى الهجرة وقد واجهت الدعوة المعادة الشديدة من قريش فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان دعوته إلى الناس جميعا في الأسواق وقوافل العرب القادمة من أنحاء الجزيرة لعل قبيلة منهم تنصره وتعينه على تبليغ رسالته، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته وهو يبحث عن منطلقات آمنة بين القبائل وهو يقول: أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلْنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّي ” ([2]) .
وفي الموسم من السنة الحادية عشرة بعد البعثة ” اجتهد صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه على القبائل في الموسم فآمن به ستة من رؤساء الأنصار ورجعوا إلى المدينة ففشا فيها الإسلام”([3]) .
وبإسلام الأنصار برز أول تجمع إسلامي مستقر في جزيرة العرب ” حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، على حماية الدعوة وحماية أهل الإسلام، قد أخرج الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ فَنَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَلَنَا الْجَنَّةُ) ([4]) .
وبعد معاهدة العقبة الثانية أذن الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا إليها أفرادا وجماعات،([5]) .
حتى لحق بهم، وبهجرته إلى المدينة المنورة تكاملت أركان الدولة الإسلامية، عندما وجدت الأمة إقليما تستقر عليه ووجدت السلطة التي تتولى شؤون الأمة وتنظم أمورها وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقا للمجتمع كان بمثابة دستوراً ([6]) .
يحفظ مصالح المجتمع والدولة وفق تعاليم الوحي الإلهي الذي ساوى بين أفراد المجتمع، ولم يفرق بينهم في الحقوق والواجبات، إلا بالتقوى وعلى قاعدة التقوى قام المجتمع الذي يدين بالولاء المطلق لله تعالى، والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به، وينهى عنه.
(المرحلة الثانية: مرحلة قيام دولة الإسلام والجهاد الدفاعي من أجل تثبيت دعائمها): وتبدأ تلك المرحلة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتمتد إلى صلح الحديبية الذي كان بمثابة الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام، وتلك المرحلة هي مرحلة بناء دولة الإسلام وتدعيم وتثبيت أركانها وذلك بوحدة الصف وبناء القاعدة الصلبة والتآخي التام مع المسلمين، وتلك المرحلة هي مرحلة الإذن في رد العدوان بمثله، وهي مرحلة عقد المعاهدات بما يتوافق وقدرات الدولة الإسلامية النامية، وكان من أهم ملامح تلك المرحلة: الحرص على أمرين: الأول: ترسيخ أركان دولة الإسلام من الداخل وكان ذلك: ببناء المسجد الذي اصبح مركز الانطلاق لنشر الإسلام وأصبح مقر الحكم والقيادة والقضاء وقيادة الجيوش ومحضن التربية الأول، والتآخي بين المهاجرين والأنصار حتى أصبح المسلمون أمة واحدة من دون الناس، وبناء القاعدة الصلبة من المؤمنين والمهاجرين بالتربية والتعليم والتزكية تلك القاعدة التي سيقوم على عاتقها نصرة الدين وتحقيق أهدافه، والاهتمام بتطبيق شرع الله على جميع المستويات الفردية والجماعية تطبيقا كاملا في مجال العبادات والشرائع والشعائر والمعاملات، وبالتالي تقديم النظام التشريعي الواضح الذي يعتبر ركن ودعائمه من دعائم ترسيخ دولة الإسلام وكذلك تقديم النموذج الكامل المثالي للمسلم الحق الذي ارتضى الله عز وجل دينه واستحق بذلك التمكين في الأرض، والأمر الثاني: السياسة الخارجية الحكيمة وذلك بعدم تعريض دولة الإسلام لما لا طاقة لها به، وتمثل ذلك في: عقد المعاهدات مع المجاورين لدولة الإسلام على أساس حسن الجوار والدفاع المشترك وقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وعدم فتح جهات عدائية جديدة ودولة الإسلام لا تزال في مرحلة تثبيت الدعائم، ولذلك لم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم على معاداة أحد حتى يتبين موقفه من دعوة الإسلام، وعدم البدء بالقتال والإذن فقط في رد العدوان قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الأنبياء: 39]، والإعلام الخارجي القبائل المجاورة ولإحياء العرب وتبليغ دعوة الإسلام الهم لعل ذلك يكون سببا في هدايتهم إلى الإسلام وكان أهم وسائل ذلك الإعلام الشعر وذلك لما له من تأثير قوي على العرب.
(المرحلة الثالثة): مرحلة عالمية دولة الإسلام والتمكين لها في الأرض: وتبدأ تلك المرحلة من صلح الحديبية إلى آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا والتحاقه بالرفيق الأعلى وتستمر وتمتد لتشمل عهد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين خير قرون الإسلام علما وعملا، وتلك المرحلة هي مرحة تبليغ الرسالة إلى البشرية جمعاء وهي مرحلة تطبيق الأحكام النهائية لشرع الإسلام، وهي مرحلة تطبيق مبدأ الجهاد الطلبي وفق ما قرره الفقهاء من أحكامه حرصاً على أن لا تكون فتنة على وجه الأرض ويكون الدين كله لله، وفي تلك المرحلة كانت الخطوة الأولى هي التفرغ لنشر الدين دعوة الناس جميعا إلى الإسلام فبعد صلح الحديبية وقد كان بمثابة الاعتراف الرسمي بدولة الإسلام قام الرسول صلى الله عليه وسلم بمراسلة الملوك والأمراء داعيا إياهم بالدخول في دين الإسلام، وكانت الخطوة الثانية متمثلة في الصدام الأول دولة الروم في غزوة مؤتة ثم غدر أهل مكة فكان الفتح المبين ففتح مكة زادها تكريما وتشريفا ثم كانت الخطوة التالية، وهي إنهاء الجيوب الوثنية في جزيرة العرب كلها في دين الإسلام، ثم كان التحدي الأكبر لدولة الروم والمتمثل في غزوة تبوك ثم نزول سورة (التوبة) وإنهاء الوجود الوثني تماما من جزيرة العرب ثم حجة الوداع ثم انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وكانت أهم ملامح تك المرحلة ومعالمها: الدعوة العالمية العامة إلى دين الإسلام ومراسلة الملوك والأفراد بذلك، وقتال المشركين كافة حتى يشهدوا بالشهادتين ويدخلوا في دين الإسلام يعملون بشرائعه، ودعوة اهل الكتاب وفي شبهة كتاب إلى الإسلام أو الجزية أو القتال حتى يفتح الله بالنصر المبين، والتمكين لدين الإسلام وبسط سلطانه عليها بإقامة شرعه وحفظ عقيدته ونشرها وتحقيق أهدافه وازال كل طاغوت من على وجه الأرض وتعبيدها لخالقها جل وعلا.
[المفتاح الثالث]: مفهوم الدولـــــــة الإسلامية مفهوم رباني يختلف عن مفهومها عند البشر: هناك فرق كبير بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، فالدولة في تعريف علماء القانون الدستوري هي:” جماعة من الناس تقيم على وجه الدوام في إقليم معين، وتقوم فيهم سلطة حاكمة تتولى تنظيم شؤونهم وتدبير أمورهم في الداخل والخارج،”، فأركان الدولة حسب التعريف هي: الإقليم وهو رقعة من الأرض التي يقوم عليها الشعب إقامة مستقرة ودائمة، والشعب أو الأمة المقيمة على هذه القطعة الجغرافية من الأرض، والسلطة الحاكمة، ولكن دولة الإسلام تختلف عنها بإضافة أركان أخرى، لأنّها الدولة التي تحمل دين الله تعالى وتسعى لتحقيق أهدافه وغاياته، وأهم تلك الأركان الجديدة تتمثل في إقامة شرع الله تعالى وتحكيم الإسلام في كل شؤونها، وتطبيق انظمة الدين السياسية بما فيها من سياسة داخلية وسياسة خارجية، وتطبيق أنظمة الدين الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والجزائية والتربوية والتعليمية والأخلاقية والعسكرية وشتى الأنظمة التي تحتاج إليها الدولة ولكن على هدي الإسلام، وإذا كان البشر قد وضعوا للدولة الحديثة شتى أنواع النظم التي تسير حالها وتضبط أعمالها، فإننا لا يمكن أصلاً أن نقارن بين أنظمة الإسلام وبين النظم الوضعية، وذلك لأنّ أنظمة الإسلام من عند الله تعالى، والنظم الوضعية من صنع البشر.
[المفتاح الرابع]: مهام الدولة الإسلامية: إن أهم مهام الدولة الإسلامية تتمثل في حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض، ومن ثم سياسة الدنيا كلها بالدين: إن مقاصد الدولة الإسلامية عظيمة يعجز عن تحقيقها آحاد المسلمين، ولكن دولة الإسلام بما لها من أنظمة ربانية تستطيع تحقيقها، ويمكن إجمال تلك المقاصد في مقصدين كبيرين، أولهما: حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض، والثاني: سياسة الدنيا كلها به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة:
[المقصد الأول]: حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض: ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وتطبيق أحكامه في علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول، ونشر الدين بالدعوة إليه وحفظ الدين بالحسبة عليه والدفاع عن الدين بالجهاد في سبيل الله من أجل التمكين له في الأرض، وإنشاء وتبني مؤسسات الدعوة إلى الله لنشر الإسلام بين غير المسلمين، وإنشاء وتبني مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحسبة على الدين بين المسلمين، وحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، وإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة، إنشاء وتبني مؤسسات لتعظيم شعائر الله ببناء المساجد ودور العلم الشرعي من مدارس وجامعات، إنشاء وتبني مؤسسات لحفظ أركان الدين ورفع راية التوحيد وإقامة الصلوات وجمع الزكاة، إنشاء وتبني مؤسسات علمية لحفظ معالم الدين وللدفاع عنه أمام الشبهات والبدع ودعاوى الباطل، إنشاء وتبني مؤسسات أخلاقية للحفاظ على أخلاق الإسلام ومحاربة الفواحش والرذائل، وإنشاء وتبني مؤسسات عسكرية عقيدتها الدفاع عن الإسلام ورفع رايته، والسعي المستمر لمتابعة كل ما من شانه حفظ الدين ونشره وبسط سلطانه، والسعي المستمر لمنع كل ما من شأنه الإضرار بعقائد المسلمين أو عباداتهم أو أخلاقهم، وأدلة هذا المقصد (حراسة الدين) من كتاب الله تعالى عديدة منها، قوله تعالى: {إِنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ *} [المائدة: 54-56] وقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} [الْأَنْفال: 60]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} [آل عمران: 104].و[المقصد الثاني]:سياسة الدنيا بالدين: ويشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ولأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة صالحة بدونه، وليس للعدل مجالات محددة في الإسلام بل هو واجب في كل نواحي الحياة المختلفة، كما أنه واجب التطبيق على مستوى المؤسسات في الدولة، وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد، فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس، وخاف أهل البغي والفساد، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع، مثل تنظيم الري وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال، وأدلة هذا المقصد (سياسة الدنيا بالدين) من كتاب الله تعالى عديدة منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]،، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، وقوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].
[المفتاح الخامس]: مـفهــوم النظام الإسلامي الشامل: تعريف النظام لغة واصطلاحاً: يطلق (النظام) في اللغة على ما نظمت فيه الشيء من خيط وغيره، وكل شعبة وأصل منه نظام ونظام كل أمر ملاكه والجمع أنظمة ونظم يقال ليس لأمرهم نظام أي ليس لأمرهم هدى ولا متعلق يتعلق به([7]) .
وعند الفقهاء (النظام) هو: “مجموعة الأوامر والنواهي والإرشادات التي تحدد الطريقة التي يجب اتباعها في تصرف معين “([8]) .
وعلى ذلك فمـفهــوم النظام الإسلامي هو: مجموعة الأصول والمبادئ الكلية التي حددها القرآن الكريم والسنة النبوية في تنظيم كافة شئون الدولة وتشمل النظام السياسي والاجتماعي والمالي (الاقتصادي) والتشريعي والجزائي والتربوي والتعليمي والحسبي والجهادي (العسكري) في الإسلام، والأهداف التي يرسمها النظام الإسلامي الشامل تحقق جميعها الغاية التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها ألا وهي عبادة الله تعالى وحده، كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[سورة الذاريات الآية 56] والعبادة تقتضي الطاعة المطلقة لله تعالى، وتطبيق أنظمة دينه التي شرعها للناس، تلك الأنظمة الربانية الحكيمة الكفيلة بتعبيد الناس لرب العالمين، والجديرة بتحقيق العدالة والمساواة والأمن والسعادة للبشرية جمعاء، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]،
[المفتاح السادس]: أهم خصائص النظام الإسلامي الشامل في دولة الإسلام : من أهم خصائص النظام الإسلامي الشامل في دولة الإسلام ثلاث أمور تميزها عن أي نظام وضعي جاهلي، (أولها): وجوب التقيد بالشرع، و (ثانيها): الشورى وخضوع الدولة لحسبة (محاسبة) علماء الأمة، و (ثالثها): طاعة الدولة في إطار طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، أولاً: وجوب التقيد بالشرع: إنّ منطلق السيادة في الدولة الإسلامية هو الشرع الإلهي وقد جعل الله تعالى الخروج على مسار الشرع كفرا،أو فسقا،أو ظلما فقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[سورة المائدة الآية 44] وقال عزّ وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[سورة المائدة 45] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة 47] والكفر الوارد في الآية إن كان كفر اعتقاد (جحود لحكم الله أو استحلال للحكم بغيره) فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وإن كان الاعتقاد موجود ولكن الحكم بغير ما انزل الله مع الإقرار به فهو كفر عمل، أي كفر دون الكفر الاكبر، وقد أثر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في ذلك قوله: ” هو به كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ” ([9]) .
ثانياً: الشورى وخضوع الدولة لحسبة (محاسبة) علماء الأمة: من أهم قواعد العلاقة بين الأمة والدولة في النظام الإسلامي قاعدتان هما: قاعدة الشورى وقاعدة الحسبة على الدين (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهاتان القاعدتان تمثلان الضمانة الحقيقية في مراقبة السلطة الحاكمة، وضمان سيرها على منهج الله تعالى لا تحيد عنه، فمبدأ الشورى هو من أهم مقومات النظام الإسلامي، وهو أهم عوامل نجاح العمل وصحته وصوابه، ولا يمكن بأي حال أن نتحدث عن أنظمة الإسلام دون أن نتطرق إلى الحديث عن واحد من أهم مميزاتها ؛ ألا وهو (مبدأ الشورى) ولأهميته سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه (سورة الشورى) دلالة على أهمية تحقق هذا المبدأ في أي شأن من شئون المسلمين، ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين مصداقًا لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، فالشورى تمثل الضمانة الحقيقية لتطبيق المنهج الإسلامي المتكامل الذي يعطي أكبر مساحة للمساهمة الجماعية وللمشاركة فيما هو حق وعدل في سياسة الأمة، ومن ثمّ فإن الأمة متمثلة في علماء الشريعة تكون قادرة على رقابة مدى التزام الدولة بمنهج الله بموجب التكليف القرآني الوارد في قوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران الآية 104] فعلى علماء الأمة ومحتسبيها تقع مسؤولية رقابة الدولة ورقابة الانحراف في سلوكها عن منهاج الله تعالى، ثالثاً: طاعة الدولة في إطار طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: وذلك لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[سورة النساء الآية 59]، في حدود قوله صلى الله عليه وسلم: (عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ) ([10]) .
فطاعة الله واجبة على الأمة وطاعة رسول الله من طاعة الله ولكن طاعة أولي الأمر رهينة بأمرين أولهما: أن يكون أولو الأمر من جماعة المسلمين لقوله تعالى: {وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}، وثانيهما: طاعة أولي الأمر رهينة بانتفاء معصية الله ورسوله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا سارت الدولة على منهاج الإسلام، وجب على الأمة طاعتها في كل ما تأمر به، ومناصرتها بكل جهد من أجل تحقيق غايتها من حراسة الدين وحفظه ونشره وإظهاره والتمكين له في الأرض، ومن ثم سياسة الدنيا كلها به.
[المفتاح السابع]: الفارق العظيم بين النظام الإسلامي والنظام الوضعي الجاهلي: النظام في العرف الجاهلي هو: “مجموعة الأحكام التي اصطلح مجتمع ما على أنها واجبة الاحترام وواجبة التنفيذ لتنظيم الحياة المشتركة لهذا المجتمع وكل ما يخالف هذا النظام يكون باطلا “، وعلى ذلك فسائر الأنظمة الوضعية الجاهلية تقوم على أساس أن الشعب هو الذي يشرع لنفسه وأنّ السيادة في التشريع للشعب، أما النظام الإسلامي فيختلف اختلافا جوهريا عن كل هذه الأنظمة الجاهلية، لأنّه يقوم على أساس أن الله وحده هو الذي يشرع للبشرية وكلهم مطالبون بتطبيق شرع الله، فالسيادة فيه لله، والعبودية للبشر، ولذلك فالنظامان لا يلتقيان، أحدهما رباني والثاني جاهلي.
(تنبيه) في فهم الآية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}: إضافة الشيء إلى الجاهلية، أو وصفه بأنه من أعمال أهل الجاهلية ، لا يلزم منها الكفر، وبرهان ذلك: أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه لـمّا عيّر رجلاً: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ([11]) .
كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم أموراً – اتفق أهل السنة على عدم التكفير بها – بأنها من أعمال الجاهلية، منها: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت ([12]) .
وعلى ذلك فلا يقول بالتلازم بين: النسبة للجاهلية والكفر، إلا الخوارج، ورحم الله البخاري حيث بوب بقوله: (باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها ، إلا الشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، وقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء 48، 116]) ([13]) . والمعنى أنّ ما سوى حكم الله العليم الخبير فهو جهل وجاهلية،
***
المبحث الثاني النظام السياسي في الإسلام
تنبيه: من أهم الكتب والمراجع التي استفدت منها في هذا المبحث: أصول الدعوة للعلامة عبد الكريم زيدان: المبحث الخامس نظام الحكم،
[المفتاح الأول]: تعريف النظام السياسي في الإسلام: النظام السياسي في اللغة: (السياسة) لغة: القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((كَانَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاء فَيَكْثُرُونَ” قالُوا: فَمَا تَأْمُرنَا؟ قال: “فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعاهُمْ)) ([14]) . قال ابن الأثير في قوله صلى الله عليه وسلم:(تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ): “أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه ” أهــ ([15]) .
و(النظام) لغة: هو مجموع الأشياء المترابطة المتناسقة المتآلفة التي يكون لها ثبات واطراد، و (في الإسلام) أي وفق شريعة الدين الإسلامي، و (النظام السياسي في الإسلام): هو مجموعة الخطوات أو الإجراءات المتناسقة التي يتم من خلالها تدبير الأمور وتسييرها في الدولة بطريقة صالحة وفق حدود الشريعة التي جاء بها دين الإسلام، هذا بالنظر إلى المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي (للنظام السياسي في الإسلام): أما في الاصطلاح فالمعنى المقصود به: النظام العام للدولة الإسلامية، ونظام الحكم فيها، وكيفية اختيار الحاكم، وحقوقه وواجباته، وحقوق وواجبات المحكوم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، والعلاقة بين الدول في حالتي السلم والحرب وفق الشريعة الإسلامية، ونظام تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدَّى حدود الشريعة وأصولها الكلية، وهو يشمل مجموعة الأحكام وما ينتج عنها من هيئات أو مؤسسات وتنظيمات متعلقة بالدولة الإسلامية من حيث إقامة الدولة وإدارتها والمحافظة عليها وتحقيق غايتها، ويدخل في إقامة الدولة الأحكام المتعلقة بنَصْب الخليفة، من حيث حكم توليته وشروطه وواجباته وحقوقه وكيفية اختياره، وصفات من يختاره، وكيفية انتقال السلطة وموجبات ذلك، وحدود صلاحياته، كما يدخل في إدارتها: الأحكام المتعلقة بالسلطة، من حيث أنواعها، ومصدرها، والقيود التي ترد عليها، وأحكام الوزارة و الولايات وتقسيم البلدان، وإنشاء المرافق العامة، وأحكام الشورى، وصفات من يتولون المناصب العامة وحقوق الرعية وواجباتها، كما يدخل في ذلك الأحكام المتعلقة بأمن المجتمع، من حيث الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصب القضاة وإقامة الحدود،، ويدخل في ذلك الحديث عن وضع أهل الذمة وغير المسلمين في الدولة الإسلامية، كما يدخل في ذلك أحكام العلاقات الخارجية، وكل ذلك يتضافر معاً ليكون وحدة واحدة هي النظام السياسي الإسلامي.
[المفتاح الثاني]: السياسة جزء أصيل لا ينفصل عن دين الإسلام: النظام السياسي الإسلامي جزء من أجزاء نظامه الشامل: فإن دين الإسلام قد جاء كاملا شاملا لكل نواحي الحياة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من أنظمة الدين الشامل، بل لا يمكن أن تتحقق رسالة دين الإسلام على الأرض من حفظ الدين وتطبيق أحكامه إلا من خلال نظام سياسي إسلامي رباني يسوس الدنيا بالإسلام وينتشر الدين ويحقق التوحيد والعدل والاستقرار، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصر، فما أكثر آيات القرآن الكريم التي تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله، وتطبيق الحدود، وإقامة شرع الله، والأمر بالشورى، ولزوم طاعة الحكام، ونحو ذلك، وما أكثر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى بيعة الخليفة، وأن من لم يبايعه مات ميتة جاهلة، وما أكثر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى لزوم طاعة الأمير في غير معصية الله، وفي الفقه الإسلامي أبواب كاملة تتناول اجتهادات الفقهاء القائمة على نصوص القرآن والسنة والتي توضح الكثير من الأحكام والقواعد المهمة المتعلقة بالنظام السياسي في الإسلام، ثم كيف يسوغ لجاهل أن ينكر أن الإسلام دولة أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحمل هم الدين وتطبق أهداف رسالته على الأرض، وإلا فمن يرفع راية التوحيد، ومن يقيم شعائر الدين، ومن يعظم شعائره، ومن يطبق الحدود، ومن يحفظ أركان الإسلام، ومن يدافع عن الإسلام وأهله، ومن يطبق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، ومن يحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، ومن يقوم بإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام إن لم يكن هناك نظام سياسي إسلامي تقوم أسسه وقواعده على الكتاب والسنة.
[المفتاح الثالث]: حكم فصل الدين عن السياسة: هذه المقولة إن اعتقدها قائلها عن علم بها ومقاصدها وأهدافها كفر، إذ هو كفر ببعض آيات القرآن التي تنظم الحياة السياسية والتي تحكم النظام السياسي على وجه العموم، والله تعالى يقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 85،86]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وفصل الدين عن السياسة يعني أن يعتقد الإنسان أنه غير ملزم بالخضوع لأحكـام الله في كل نواحي الحياة وأن الدين ليس له علاقة بشؤون الحياة في غير العبادات والصلوات، وقد أجمع علماء المسلمين أن من جحد حكم الله تعالى في أي تشريع رباني نص عليه القرآن فهو كافر الكفر الأكبر المخرج من دين المسلمين، والجحود معناه إنكار الحكم أو إنكار صلاحيته للناس أو اعتقاد إقصائه عن حياة المسلمين، وصدق الله تعالى إذ يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
[المفتاح الرابع]: جوانب الثبات والمرونة في النظام السياسي في الإسلام: من عوامل الكمال والعظمة والشمول الزماني والمكاني للنظام السياسي في الإسلام أن فيه جانبان: جانب الثبات، وهو جانب التشريع الرباني، وجانب المرونة القائم على الاجتهاد والتشاور.
(الأول): جانب النص التشريعي في الإسلام تحليلاً وتحريماً، تصحيحاً وإبطالاً، وهذا إنما هو لربِّ الناس، وأحكام هذا الجانب الشرعي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان وهذا الجانب يجب الحكم به وتطبيقه في حياة المسلمين، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، و قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، و قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، و قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، و قال تعالى: {{وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
(الثاني): جانب الاجتهاد، (اجتهاد قائم على تحقيق المصلحة في زمان محدَّد ومكان محدَّد)، وهذا الاجتهاد إنما يكون في أمور ليست من التشريع، وإنما هي من التنظيم والترتيب الذي بها ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء، وما دام أنها تلتزم بأحكام الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وأكثر هذه أمور متعلق بالخبرة البشرية وبتطورات الحياة وتقدُّم الإنسانية في معارفها، وهذا الجانب يمثل الجزء المرن في النظام السياسي الإسلامي، بل وفي كافة أنظمة الدين القيم، وهذا الجانب قائم على الاجتهاد والشورى بين المسلمين فيما يحقق لهم المصلحة، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وأهم شروط وضوابط هذا الجانب: أن لا يوجد في المسألة حكم شرعي ملزم، وأن يكون الاجتهاد فيه محقِّقا للمقصود الذي من أجله وُضع، وأن لا يخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصداً من مقاصد الشريعة، وأن لا يخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية، وأن لا يترتب على وجوده مفسدة تربو على المصلحة التي يحققها، وكلا الجانبين النصي والاجتهادي يمثلان عوامل الثبات والمرونة في دين الله القيم الصالح لكل زمان ومكان، المُصلح لكل زمان ومكان، قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]
[المفتاح الخامس]: مصادر علم النظام السياسي في الإسلام: المصدر الأول من مصادر علم النظام السياسي في الإسلام هو: القرآن الكريم، وهو المصدر الرباني الأول المحفوظ، وقد اشتمل على أسس وقواعد النظام السياسي في الإسلام، ما ترك منها أصلا إلا وبينه، ولا قاعة إلا وضحها، قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنعام: 38]، وقال تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله}، و قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}، وقال تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، ولهذا فالمصدر الأول لعلم النظام السياسي في الإسلام هو القرآن الكريم، والمصدر الثاني من مصادر علم النظام السياسي في الإسلام هو: السنة النبوية والسيرة النبوية، وهو مصدر معصوم، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4]، فلقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم السياسة بنفسه فكان الرئيس والقائد مع النبوة والرسالة وكان الداعية إلى الله كما كان الحاكم لدولة المسلمين وقد جمع الله تعالى له شؤون الحكم مع شؤون النبوة والرسالة، وكان صلى الله عليه وسلم يقيم فيهم الأحكام الدنيوية من نحو إقامة الحدود وإعلان الجهاد ضد أعداء الله، وعلى ذلك فإن المصدر الثاني لعلم النظام السياسي في الإسلام هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمصدر الثالث: مصادر خاصة متخصصة في النظام السياسي الإسلامي، وهي المؤلفات التي كتبت في مباحث النظام السياسي في الإسلام ومنها على سبيل المثال: الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن الماوردي (364 – 450هـ)، والأحكام السلطانية، لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 – 380هـ)، وغياث الأمم في الْتياث الظُّلَم، لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (419 – 478هـ)، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لابن تيمية (661- 728هـ)، وبدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله الأندلسي المالكي (توفي سنة 896هـ)، والسياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلاميّة للشيخ عبد الوهاب خلاف (توفي سنة 1376هـ)، والمصدر الرابع: مصادر عامة ذكرت مباحث النظام السياسي أو بعض مباحثه ولم تختص في فقه النظام السياسي ومنها كتب العقيدة لأن بعض مباحث النظام السياسي في الإسلام لاسيما المتعلقة بالإمامة الكبرى، وحق الطاعة وتحريم الخروج على ولي الأمر وغير ذلك من مباحث نجدها في كتب العقيدة، وكتب الفقه الإسلامي إذ الأصل أن جميع أحكام النظام السياسي تكون ضمن مباحث الفقه الإسلامي، لذلك فقد تكلم الفقهاء في الفقه الإسلامي عن أحكام النظام السياسي وكثير من مباحث النظام السياسي من حق البيعة وأحكام الحرب والصلح وأحكام الولايات نجدها جميعها ضمن مباحث كتب الفقه، وكتب تفسير القرآن إذ أن علماء التفسير يتكلمون عن كثير من مباحث الحكم وقواعده ومقاصد الدولة في الإسلام عند تفسيرهم لكثير من الآيات التي تمثل المصدر الأساس لعلم النظام السياسي في الإسلام، وكتب شروح الحديث والسيرة النبوية، وذلك لأن السنة النبوية هي المصدر الثاني لعلم النظام السياسي في الإسلام لذلك نجد كثيرًا من مباحثه في كتب شروح الحديث وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتكلم علماء السنة النبوية عن كثير من مباحث حقوق الإمام، والبيعة، وتحريم الخروج على الإمام، ووجوب لزوم الجماعة، وغير ذلك من مباحث هذا العلم، تعد شروح الحديث ومصنفاته ومصنفات السيرة من المصادر الموضحة لمعالم النظام السياسي في الإسلام.
[المفتاح السادس]: مقاصد النظام السياسي في الإسلام (حراسة الدين – سياسة الدنيا بالدين): النظام السياسي في الإسلام وسيلة إلى مقاصد عظيمة يعجز عن تحقيقها آحاد المسلمين، ولكن دولة الإسلام بما لها من نظام سياسي رباني قوي متماسك يستطيع تحقيقها، ويمكن إجمال تلك المقاصد في مقصدين كبيرين، أولهما: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة:
[المقصد الأول]: حراسة الدين: ويشمل حفظ عقائد الدين وتعظيم شعائره وتطبيق شرائعه وأحكامه وتطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وتطبيق أحكامه في علاقة الدولة – دار الإسلام – مع غيرها من الدول، وحمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية، وإزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع إذ لا يمكن حفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إزالة، وقد سبق بيان ادلتها في المبحث السابق.
[المقصد الثاني]: سياسة الدنيا بالدين، ويشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها ولأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة صالحة بدونه، وليس للعدل مجالات محددة في الإسلام بل هو واجب في كل نواحي الحياة المختلفة، كما أنه واجب التطبيق على مستوى المؤسسات في الدولة، وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد، فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين تحقق الأمن والأمان والاطمئنان بين الناس، وخاف أهل البغي والفساد، فلا يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولا يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع، مثل تنظيم الري وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال، وقد سبق بيان ادلتها في المبحث السابق.
***
[المفتاح السابع]: مقومات النظام السياسي في الإسلام ثلاثة: هي: (نظام الحكم – نظام القضاء – نظام الشورى)، ولا بد من بسط الكلام عن كل واحد من هذه المقومات،
[المقوم الأول من مقومات النظام السياسي في الإسلام: (نظام الحكم – مؤسسة الخلافة)]، (الخلافة) هي أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام، فكل المقومات الأخرى تابعة لها، وقد بلغ من أهميتها أن النظام السياسي الإسلامي نفسه سُمِّي بها، فنقول: النظام السياسي في الإسلام، أو نقول اختصاراً (الخلافة المقوم الأول من مقومات النظام السياسي في الإسلام: (نظام الحكم – مؤسسة الخلافة): و(الخلافة) هي أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام، فكل المقومات الأخرى تابعة لها، وقد بلغ من أهميتها أن النظام السياسي الإسلامي نفسه سُمِّي بها، فنقول: النظام السياسي في الإسلام، أو نقول اختصاراً (الخلافة)، قال الماوردي في تعريف هذا المنصب الجليل: ” الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا” أهــ([16]) .
وقال إمام الحرمين: ” الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا” أهــ ([17]) .
و(الخليفة) المقصود بالخليفة: هو من يتولى إمرة المسلمين أي: رئاسة الدولة الإسلامية، ويسمى أيضاً بالإمام، أو الأمير، وهو رئيس لدولة موصوفة بوصف الإسلام، دوره فيها حفظ الدين الإسلامي وسياسة حياة المسلمين به.
وجوب نصب الخليفة: ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلا بها، وعلى ذلك فنصب الخليفة الذي يتولى الحكم وإدارة شؤون الناس من فرائض الإسلام التي دلّ عليها القرآن والسنة والإجماع وطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية ولذلك أجمع فقهاء الامة على أنّ نصب الخليفة واجب، نقل إجماعهم الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي، “عقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع” أهــ ([18]) .
وابن خلدون في مقدمته: “إن نصب الإمام واجب، فقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وإلى تسليم النظر اليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعا دالاً على وجوب نصب الإمام ” أهــ ([19]) .
وقال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم. أ. هـ ([20]) .
وقال القرطبي: (ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم. وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه ([21]) .
والواقع العملي: حيث أن كثيراً من أحكام الشريعة يحتاج تنفيذها إلى قوة وسلطان، مثل أحكام الجهاد، وإقامة الحدود والعقوبات، وإقامة العدل بين الناس، فلا بد من نصب الإمام حتى يمكن تنفيذ هذه الأحكام، والخليفة (الإمام) هو من ينوب عن الامة الإسلامية في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعاً، ومن الأدلة على وجوب نصب الإمام:
أولاً: من القرآن الكريم:
قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} الآية [النساء آية 59]، أورد الطبري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن أولي الأمر هم الأمراء) ثم قال الطبري: أولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة) ([22]) .
ثانياً: من السنة ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»([23]) .
أي: بيعة الإمام، وهذا واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب، وما رواه الإمام احمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة) ([24]) .
ثالثًا: الإجماع: ومن أهم الأدلة الدالة على وجوب الإمامة الإجماع على ذلك من قبل الأمة، وأول ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على تعيين خليفة للنبي – صلى الله عليه وسلم – بعد وفاته، بل حتى قبل دفنه وتجهيزه ([25]) .
وفي تقديمهم اختيار الخليفة ومبايعته قبل تجهيز النبي – صلى الله عليه وسلم – دلالة على أن ذلك من أهم الواجبات، وإلا لما ساغ تقديمه على دفن الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ويقول النووي: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ..) ([26]) .
ويقول ابن خلدون: (نصب الإمام واجب، وقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، لأن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالاً على وجوب نصب الإمام) أ – ه([27]) .
ويقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: (إن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج، وعمّ السيف وشمل القحط، وهلكت المواشي، وتعطلت الصناعات، وكان كل من غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيًا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أُسٌّ والسلطان حارس، ومالا أُسَّ له فمهدوم. وما لا حارس له فضائع وعلى الجملة لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم، وما هم عليه من تشتت الأهواء، وتباين الآراء لو خُلُّوا وشأنهم، ولو لم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم , وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدين ونظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعًا، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك. أ. هـ([28]) .
من يملك حق انتخاب الخليفة: بالأساس الأمة هي من التي تملك حق نصب الخليفة قياماً منها بهذا الواجب الشرعي الذي خوطب به المسلمون، يؤكد ذلك ما جاء في المغني “من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامته ووجبت معونته” أهــ([29]) .
فــ (الأساس هو حق الأمة في انتخاب الخليفة) لأنّ الامة هي المخاطبة في القرآن بتنفيذ أحكام الشرع وإعلاء كلمة الله في الأرض وإقامة المجتمع الإسلامي الفاضل فمن ذلك قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} وقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، وقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}، فهذه النصوص وأمثالها كثير تدل على مسؤولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الإسلام، وما دامت الأمة مسؤولة عن تنفيذ أحكام الإسلام، ومطالبة به، فهي تملك – بداهة – السلطة على هذا التنفيذ – بتمليك من الشارع – وحيث إن جماعة المسلمين لا تستطيع أن تباشر سلطانها بصفتها الجماعية لتعذره في الواقع، فقد ظهرت النيابة في الحكم والسلطان، بأن تختار الأمة الخليفة لينوب عنها في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعاً.
(كيف تختار الأمة الخليفة؟): انتخاب الخليفة من حق الأمة المسلمة جميعها، ولما كانت الأمة فيها الجاهل بهذه الأمور، وفيها العامي من أهل الحرف والصناعات، وفيها الصغير، ومن لا يصلح لاختيار الصواب، لذا ينوب عن الأمة في ذلك أهل العقد والحل (مجلس شورى المسلمين)، فهذا الأمر متروك لهم، فيتعين عليهم اختياره و نصبه ويجب على الخلق طاعته
[أهل العقد والحل – أهل الاختيار – مجلس شورى المسلمين]: يذهب الفقهاء إلى أن أهل الحل والعقد هم الأمراء والحكماء والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع اليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة” ويفهم من هذا القول أن أهل العقد والحل هم المتبعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة والإخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الامور والحرص على مصالح الأمة، ويذهب الفقهاء إلى وضع شروط لأهل العقد والحل تعينهم على صواب الاختيار، وقد أجمل الماوردي هذه الشروط بقوله: ” فأما أهل الاختيار؛ فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: أحدها: العدالة الجامعة لشروطها، والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف” أهــ ([30]) .
(أقول): مع تطور وسائل الحكم في العالم، ووضع النظريات التي تمنع من تسلط الحكام على الشعوب، ومع مرونة الفقه الإسلامي في تحقيق المصالح ودرء المفاسد، فإن القول الأوفق عندي أنه لابد وأن يكون هناك مجلس مستقل يجمع أهل العلم والفقه بالدين المعروفين بالعلم والعمل والرئاسة في الدين والمعروفين بالحكمة والعدالة وحسن السيرة بين المسلمين، وهذا المجلس قد يسمى (مجلس أهل العقد والحل) أو (مجلس الشورى) ويناط به اختيار من هو للأمة أصلح وبتدبير المصالح أقوم، وله دور أهم هو دور الحسبة على أعمال الخليفة، لتقييم وتقويم أعمال النظام الحاكم في البلاد، ومن ثم لهم القدرة على عزل الخليفة متى خرج عن دوره في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وأما علاقة (هذا المجلس) بالأمة فهي علاقة النائب والوكيل، فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة – الخليفة – نيابة عن الأمة، ومن ثم يعتبر انتخابهم له ملزماً للأمة، وعزلهم له ملزما للأمة كذلك، متى كانت آليات العزل ممكنة متاحة.
(شروط الخليفة): الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الخليفة: الشروط التي لا بد أن تتوفر في الخليفة مجموعة من عدة شروط جمعها العلماء بناءً على طبيعة عمل الخليفة، وهذه الشروط مأخوذة من: (أولا): شروط التكليف العامة وهي الإسلام والبلوغ والعقل، (ثانيا: شروط الولاية عامةً وهي العدالة والحرية، ثالثا: شروط الإمامة العامة المنصوص عليها وهي القرشية والمجمع عليها وهي الذكورة، رابعا: شروط اجتهادية مصلحية وهي الاجتهاد والكفاءة النفسية والجسدية، وقد جمعها الماوردي بقولة ـ: ” الشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثانية: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه” أهــ([31]) .
ولبيان تلك الشروط: الشرط الأول: الإسلام: لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]} والخلافة أعظم السبيل فلا تكون لغير مسلم أبدا، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، منكم أي من المؤمنين، “قال: ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال، والإجماع هو على الإمارة العامة وليس على غيرها، قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: “قال القاضي عياض أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل”.
والشرط الثاني: البلوغ. لقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء:5]، فالسفيه كالطفل الصغير لا نعطيه المال، فمن باب أولى لا نعطيه الدولة،([32]) . قال ابن حزم في الفصل (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة ولا إمامة صبي)، ([33]) .فلا يولى الخلافة امرأة ولا صبي وهذا محل إجماع من المسلمين.
والشرط الثالث: العقل: قال ابن حزم في مراتب الإجماع (واتفقوا أن الامامة لا تجوز لامرأة ولا لكافر ولا لصبي لم يبلغ وأنه لا يجوز أن يعقد لمجنون)، ([34]) .
والشرط الرابع: الحرية: قال ابن حجر في فتح الباري : “قال ابن بطال: (وأجمعت الأمة على أنها أي الإمامة لا تكون في العبيد)، ([35]) .
فالعبد لا يملك نفسه ولا يملك أمره، فهل نوليه على أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم!.
والشرط الخامس: الذكورية، قال ابن حزم في الفصل “وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة ولا إمامة صبي.”. “،([36])
والشرط السادس: العلم: قال الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام : “إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع”،([37]) .
وقال الرملي في نهاية المحتاج: قال إن هذا الشرط أن يكون الخليفة مجتهدا محكي فيه الإجماع، وذهب بعض أهل العلم إلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد ليس بشرط.، ([38]) .
قال الشهرستاني في الملل والنحل “ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد ولا خبير بمواقع الاجتهاد ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد فيراجعه في الأحكام ويستفتي منه الحلال والحرام ويجب أن يكون في الجملة الذي هو أمير المؤمنين ذا رأي متين وبصر في الحوادث نافذ.”، ([39]) .
وذكر الغزالي في كتاب فضائح الباطنية أن الاجتهاد ليس شرطا في الخليفة قال: “وليست رتبة الاجتهاد مما لا بد منه في الامامة ضرورة بل الورع الداعي الى مراجعة أهل العلم فيه كاف فإذا كان المقصود ترتيب الإمامة على وفق الشرع فأي فرق بين أن يعرف حكم الشرع بنظره أو يعرفه باتباع أفضل أهل زمانه” ([40]) .
والشرط السابع: العدالة: وهذا محكي فيه الإجماع أيضا، قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند قوله تعالى {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]: “لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الامامة لفاسق”،([41]) .
والشرط الثامن: القرشية: والقرشية شرط في الخلافة وليست في كل إمارة لكن في الخلافة هي شرط.، والمقصود بالقرشية أن يكون الخليفة من قريش من أي بطون قريش فلا يشترط أن يكون هاشميا فقد يكون فقد يكون أمويا أو تيميا أو عدويا أو مخزوميا، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري عن مُعَاويَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ هَذَا الأمْرَ في قُرَيشٍ، لا يُعَاديهِم أَحَدٌ إِلا كَبَّهُ اللهُ على وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ) ([42]) .
وأخرج البخاري عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يَزَالُ هذا الأمر في قُريشٍ ما بقيَ منهم اثنانِ) ([43]) .وأخرج الإمام أحمد في المسند عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا فِي بَيْتِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَقَفَ فَأَخَذَ، بِعِضَادَتيِ الْبَابِ، فَقَالَ: “الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقٌّ، وَلَكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، مَا إِذَا اسْتُرْحِمُوا رَحِمُوا، وَإِذَا حَكَمُوا عَدَلُوا، وَإِذَا عَاهَدُوا وَفَّوْا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”،([44]) .
قال النووي في شرحه على مسلم “هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الاجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة “،([45]) .
وممن نقل الإجماع على شرط القرشية النووي الماوردي والأيجي والغزالي وابن خلدون، والذين خالفوا شرط القرشية هم الخوارج والمعتزلة وبعض الفقهاء المعاصرين، والشرط التاسع: الكفاءة الجسمية والنفسية، والمقصود أن يكون صحيح البدن أي سليم الحواس وسليم الأعضاء والحواس المقصود بها الحواس الخمس، وهذه محل نظر واجتهاد ليس فيها نص، وقد ذكر هذا الشرط الماوردي وأبو يعلى في الأحكام السلطانية، وكذلك الكفاءة النفسية: أي أن يكون شجاعا جريئا على إقامة الحدود واقتحام الحروب عارفا بالسياسة وحسن التدبير.
قال أبو يعلى في الاحكام السلطانية: “الثالث: أن يكون قيما بأمر الحرب والسياسة واقامة الحدود لا تأخذه رأفة في ذلك والذب عن الأمة، وقال الماوردي وهو يعدد شروط الإمام العام: “الخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.” ([46]) .
(تنبيه) هذه الشروط المتقدمة جميعها إنما هي شرط استحقاق المنصب، وأما تولي المنصب فيضاف له شرط آخر، وهو الموافقة عليه واختياره من أهل العقد والحل، وفيه يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: ” ومن استجمع الشروط المتفق عليها لا يصير إماماً له على الناس حق الطاعة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد” ([47]) .
(واجبات الخليفة): الخليفة هو رأس النظام السياسي في الإسلام ولذلك يجب على الخليفة أن يطبق جميع مقاصد النظام السياسي في الإسلام وهي واجبات شرعية كثيرة خلاصتها الحفاظ على الدين وحراسته، وتحقيق مصالح المسلمين الشــرعية والدنيوية ودرء المفاسد عنهم، [راجع مبحث مقاصد النظام السياسي في الإسلام (حراسة الدين – سياسة الدنيا بالدين)].
(حقوق الخليفة على الرعية): أوجب حقوق الخليفة حقان هما الطاعة والنصرة، وذلك حتى تعينه الرعية على تحقيق مقاصد الخلافة، قال الماوردي: ” وإذا قام الإمام بما ذكرته من حقوق الأمة؛ فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة؛ ما لم يتغير حاله” أهــ([48]) .
(حقوق الرعية على الخليفة): من حقوق الرعية عند الحكام: حماية بلادهم والدفاع عنها وحفظ الحدود والثغور،، وحراسة دينهم، وتطبيق شرع الله تعالى بينهم، وإدارة شؤون الرعية على وجه يحفظ لهم الضروريات والحاجيات ويحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس تطبيقاً عادلا على الجميع بلا محاباة، والنصح للرعية، والرفق واللين والحلم في التعامل مع الرعية، ومشاورة أهل الرأي من الرعية، وتعيين الأكفاء والأمناء، وأن يكافئ المحسن ويعاقب المسيء حتى يستتب الأمن والنظام، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع.
(ولاية العهد) أو (الاستخلاف): الأمة هي التي تختار الخليفة عن طريق (أهل الحل والعقد)، ولكن يجوز للخليفة إذا حضرته مقدمات الوفاة أن يعهد إلى من يرى فيهم الصلاح لهذا الأمر، ولكن لا يُعترف به خليفة للمسلمين حتى ينال ثقة (مجلس شورى المسلمين) الذي ينوب عن الامة في اختيار الخليفة، فإن رضي به المجلس صار الخليفة وإلا رشح (مجلس شورى المسلمين) بعض من يصلح للخلافة ويكون التصويت عليه من قبلهم، والأصل في (ولاية العهد) أنه وقع فعلاً في عصر الخلفاء الراشدين فقد عهد أبو بكر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وعهد عمر إلى ستة يختارون من بينهم واحداً للخلافة، وعلى هاتين السابقتين اعتمد الفقهاء في اثبات جواز ولاية العهد واعتبروا جواز هذا المسلك ثابتاً بالإجماع، ولكنه وفق الضوابط السابقة، فلا تنعقد له البيعة بولاية العهد، وإنما تنعقد بعهد (مجلس شورى المسلمين) الوكيل عن الأمة في اختيار الخليفة، فقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية للفقيه أبي يعلى الحنبلي ” يجوز للإمام أن يعهد إلى امام بعده… ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد للإمامة،، لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين… إن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت” أهــ([49]) .
ومعنى هذا: أن ولاية العهد ما هي إلا ترشيح للخلافة لا أكثر، والدليل على ذلك أنه في سابقة عهد أبي بكر إلى عمر، شاور أبو بكر أهل الحل والعقد في رغبته في العهد إلى عمر فاظهروا رضاهم وموافقتهم، وهذا ثابت في التاريخ، وعلى هذا يكون عهد أبي بكر إلى عمر كأنه عهد من أهل الحل والعقد بالإمامة إلى عمر بعد وفاة الخليفة، وعلى هذا التوجيه يمكن اعتبار عهد أبي بكر كاشفاً لإرادة أهل الحل والعقد، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب إلى الستة لاختيار خليفة منهم، فقد آل أمر الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فقام باستشارة كبار الصحابة وأهل الحل والعقد ثلاثة أيام بلياليها فرآهم يرضون بعثمان بن عفان فأعلن عند ذاك اختياره له ومبايعته له فبايعه المسلمون، فيكون اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان كاشفاً عن اختيار أهل الحل والعقد ولذلك بايعوه، فالأمر في الحالتين ترشيح للخلافة، يليه انعقادها بعهد (مجلس شورى المسلمين) الوكيل عن الأمة في اختيار الخليفة، ثم تتم بيعة الامة بعد ذلك، ففيما تقدم نرى ضابطين لعقد الإمامة، الأول: توافر شروط استحقاق الخلافة في الشخص المختار لذلك، والثاني: موافقة أهل الاختيار (الحل والعقد) عليه، ولا يجوز الافتئات على حق الأمة في اختيار الخليفة بإلغاء دور (مجلس شورى المسلمين) في بيعة الخليفة، فما لم يعلن أهل الحل والعقد اختيارهم الصريح وبيعتهم الصريحة لا يصير المعهود إليه – المرشح – خليفة، وقد جاءت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحذر من الافتئات على حق الأمة في اختيار الخليفة والتعجل فيه بالرأي دون الرجوع إلى أهل العقد والحل (مجلس شورى المسلمين)، منها حديث (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما،) ومثله حديث:(إنه ستكون هنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان)، ومثله حديث: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه،) روى ذلك كله مسلم في صحيحه.
(موجبات عزل الخليفة عن الخلافة): صرح الفقهاء أن موجبات عزل الخليفة عن الخلافة خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجاً يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة، ومن الأمور التي ذكرها الفقهاء والتي توجب عزل الخليفة ردة الخليفة وخروجه عن الإسلام، والجنون المطبق، وظهور الخبل في العقل والعته في الرأي، أو وقوع الخليفة في الأسر وبُعْد تَوَقُّع خلاصه، أو ضعفه وعدم قدرته على ضبط الأمور، فإنه ينبغي في تلك الحالات أن يُعزل عن الخلافة، ويستأنف أهل الحل والعقد اختيار من يستحق الخلافة، (متى يمكن تنفيذ العزل): إذا كانت الأمة تملك حق عزل الخليفة عند وجود السبب الشرعي الداعي لذلك، إلا ان وجود السبب الشرعي للعزل لا يعني بالضرورة لزوم تنفيذ العزل، لأنه عند التنفيذ يجب أن ينظر في إمكانه ونتائجه، فإذا كان تنفيذه ممكناً وعلم أنه لا تترتب على العزل نتائج مضرة بالأمة تربو على عدم عزله، وجب العزل في هذه الحالة، وإذا علم أن التنفيذ غير ممكن أو ممكن بذاته ولكن تترتب عليه نتائج مضرة بالأمة تزيد على أضرار بقائه وعدم عزله، وجب أو ترجح عدم التنفيذ، لأن من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل على إزالته المنكر مستلزماً أو مقتضياً وقوع منكر أعظم منه.
[المفتاح الثامن]: المقوم الثاني من مقومات النظام السياسي في الإسلام (نظام القضاء): (أهمية القضاء): القضاء في الإسلام يعد من أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام ومن أهم الوظائف التابعة للدولة الإسلامية، ومهمته الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع، وذلك بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، القضاء أمر لازم لنصرة المظلوم، وقمع الظالم، وقطع الخصومات، وأداء الحقوق إلى مستحقيها، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد، كي يسود النظام في المجتمع، فيأمن كل فرد على نفسه وماله وعلى عرضه وحريته، فتنهض البلدان ويتحقق العمران ويتفرغ الناس لما يصلح دينهم ودنياهم، (منظومة القضاء في الإسلام تقوم على الحق والعدل): يدل على ذلك قوله تعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)} [المائدة: 42]، وقوله تعالى – لنبي الله داود عليه السلام -: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}[ص: 26] قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]،، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
(خطورة مهنة القضاء): وقد نبهت السنة النبوية على خطورة مهنة القضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْـجَنَّةِ، رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْـحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ، فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْـحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْـجَنَّةِ)) ([50]) .
قال المناويّ في فيض القدير ” فيه إنذار عظيم للقضاة التاركين للعدل والأعمال والمقصرين في تحصيل رتب الكمال ” أهــ([51]) .
(حكم تولي القضاء): اتفق الفقهاء على أن القضاء، فرض كفاية إذا قام به بعض الأمة سقط الوجوب عن الباقين وإذا لم يقم به أحد منها أثمت الأمة جميعا، لقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135]، وقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ}[المائدة: 8]، وأما كونه على الكفاية فلأنه أمر بمعروف أو نهي عن منكر وهما على الكفاية، ولأن أمر الناس لا يستقيم بدون القضاء، فكان واجبا عليهم.
(الشروط الواجب توفرها في القاضي): يشترط الفقهاء في القاضي جملة من الشروط والمواصفات التي ينبغي توافرها في شخصيته لكي يتمكن من أداء مهمته على الوجه الأكمل، وهذه الشروط هي: البلوغ:فلا يجوز تقليد الصبي القضاء والعقـل: فلا يجوز تقليد المجنون أو المعتوه أو مختل النظر لكبر السن أو مرض والإســلام:وذلك لأن القضاء ولاية ولا تجوز ولاية غير المسلم على المسلم، قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]،ثم إن القاضي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية وهي دين، وتطبيق الدين يحتاج إلى من يؤمن بهذا الدين،ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط الإسلام في من يتولى القضاء على المسلمين أما تولية القضاء لغير المسلم على غير المسلمين، فقد منعها ولم يجزها جمهور الفقهاء لأن شرط الإسلام عندهم شرط ضروري لا بد منه في من يتولى القضاء سواء كان قضاؤه على المسلمين أو على غير المسلمين وذهب الحنفية إلى جواز تقليد الذمي وهو غير مسلم القضاء على أهل الذمة فقط، والذكورة:وهي شرط عند جمهور الفقهاء، فلا يجوز عندهم تولية المرأة القضاء لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً)) ([52]) . وهو حديث صحيح تلقته الأمة بالقبول، والواقع خير شاهد فإنَّ المرأة تعجز عن النهوض بمهام، ولهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه الراشدين من بعده أنهم ولوا امرأة قضاء ولا ولاية بلد، ولو جاز ذلكم لوقع ولو مرة واحدة ولم يخل منه جميع البلدان غالبا، وأيضا فإن القاضي يحتاج إلى مخالطة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم والمرأة في الأصل ممنوعة من مخالطة الرجال لما يخاف عليها من الفتنة بسبب هذه المخالطة التي لا ضرورة لها، والعـدالة: ولهذا لا تجوز ولاية الفاسق للقضاء لأنه متهم في دينه، والقضاء أمانة من أعظم الأمانات، والاجـتهاد: وهو الأهلية لاستنباط الأحكام من مصادر التشريع وسـلامة الحـواس: والمراد بها السمع والبصر والكلام:فلا تجوز تولية الأصم لأنه لا يسمع كلام الخصمين ولا تجوز تولية الأعمى لأنه لا يعرف المدعي من المدعى عليه ولا المقر من المقر له،ولا الشاهد من المشهود له أو عليه، ولا تجوز تولية الأخرس لأنه لا يمكنه النطق بالحكم.
(معايير وطرق اختيار القضاة في الإسلام): كان يُرَاعَى في اختيار القضاة الصفات التي تُحَقِّقُ العدالة والمساواة، من العلم، والتقوى، والعدل، والعفَّة، وما يَتَّصِلُ بذلك، ولذلك جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (أنه ينبغي للقاضي أن يتصف بثلاث خصال، هي ألا يُصانع، ولا يُضارِع، ولا يتَّبع المطامع) ([53]) .
و(المصانعة): أن تصنع له شيئًا ليصنع لك شيئًا آخر، وصانع الوالي: رشاه، والمصانعة: الرَّشوة،، و (يضارع): أي يخشع ويخضع ويذل، ويرائي، (استقلالية مؤسسة القضاء في النظام الإسلامي) النظام الإسلامي يتقيد بصفة عامة في كل أصوله وفروعه ومظاهره بغاية عليا هي العدل القائم على التوحيد، وقد تواترت الآيات في وجوب الحكم بالعدل وتحريم الظلم، والقاضي في الإسلام مقيد فيما يقضي به بحكم الله تعالى، فلا يُجيز الشرع تدخل أحد في استقلالية القضاء، ونصوص الشريعة وقواعدها العامة تمنع ولاة الأمور في الأمة من التدخل في القضاء أو التأثير في أدائه بأي وجه من الوجوه، لأن هذا محرم و والنظام السياسي في الإسلام يحيط القاضي بكل مظاهر الإجلال والتكريم، ويوجب على الجميع الامتثال لأحكام القضاء، وكم حدثتنا كتب الأثر عن مخاصمات كان بعض الخلفاء الراشدين وولاة المسلمين ومن بعدهم طرفا فيها وتم استدعاء الخلفاء للإدلاء بالشهادة أمام المحاكم وصدرت ضدهم أحكام القضاة وهم راضون طائعون.
(ابتعاد القضاة عن الشبهات): لما كان مركز القاضي في المجتمع مركزا مهما وخطيراً لأنه هو الذي يفصل بين الناس فينبغي أن يكون محل ثقة واحترام الناس لتطمئن على عدالته في الحكم، لذا فقد نبه الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن القاضي ينبغي أن يبتعد عن أعمال بعينها حتى لا تثار حوله الشكوك والريب،ومما نبه عليه الفقهاء في هذا المجال:
منعه من أعمال التجارة لأنه إذا باع واشترى لم يؤمن أن يسامح ويحابي فتميل نفسه عند المحاكمة إلى مسامحة ومحاباة من سامحه وحاباه ويقاس على البيع والشراء سائر أعمال التجارة الأخرى حسب الظروف والأحوال.
ومنعه من قبول الهدية، لأنها تورث تهمة المحاباة .
ومنعه مما يخل بالمروءة، وأن لا يغشى مجتمعات العامة التي لا تناسبه، وألا يمازح ويضاحك الآخرين في مجالسهم أو مجلسه لأن كل ذلك ينزع المهابة والوقار منه والقاضي بحاجة إلى الهيبة والوقار، ومادام أن القاضي قد شغل وقته وفرغ نفسه للحكم بين الناس وما دام أنه منع من التكسب بالتجارة ونحوها ومن كثير من مخالطة الناس وأمر بالتحلي بدرجة عالية من الأخلاق والآداب تكفل له الاحترام والاستقلال في الرأي، ما دام كذلك فإن كل هذا لن يتم له إلا إذا كان له مرتب يتقاضاه من بيت المال يكفل له العيش بأمان دون أن يكون لأحد عليه منه ودون أن يلجأ إلى بعض المكاسب التي لا تليق بمنصبه من هنا فقد نص الفقهاء على أن القاضي ينبغي أن يكون له رزق من بيت المال.
(الرقابة على القضاء في النظام الإسلامي – وظيفة قاضي القضاة): اهتمت مؤسسة الحكم والخلافة بالقضاء والقضاة، فشدَّدت الرقابة عليها، منعًا للمحاباة، وتلافيًا للظلم؛ ولذلك فإنها حرصت على تعيين قاضي القضاة الذي يملك حق عزل القاضي الظالم المتحامل، ويقوم بالتحقيق مع قضاة الأقاليم الذين كانت تُرفع فيهم الشكاوى، فكان يعزل من استحقَّ العزل، ويُبقي من ثبُتت براءته، (عزل القاضي): يتم عزل القاضي من قبل قاضي القضاة، إذا ظهر عجزه وعدم كفاءته، أو أقر بأنه حكم بجور متعمدا أو ثبت عليه ذلك بالبينة أو ظهر فسق القاضي بارتكاب بعض الأفعال المفسقة كشرب الخمر أو غيره من الكبائر فإنه ينعزل لذلك، وكذلك يتم عزله بسبب الردة أو فقدان أهلية التكليف بسبب الجنون والسفه، وكذلك يتم عزله بسبب فقدان السمع أو البصر أو النطق أو المرض المعجز المقعد عن الحركة والنهوض ولم يرج شفاؤه.
(مجلس القضاء (المحكمة) وآدابها): مجلس القضاء ـ وهو المحكمة ـ ينبغي أن يكون مكان جد وسكينة ووقار ولا مجال فيه للعبث والتطاول وسوء الأدب من قبل الحاضرين سواء كانوا من خصوم الدعوى، أو الشهود أو غيرهم، وإذا جلس القاضي في مجلسه للقضاء فيجب أن يكون في حالة نفسية هادئة راضية حتى يكون مستعدا تمام الاستعداد لسماع الدعاوى وما يقدمه الخصوم من بينات ودفوع، وبهذا جاء الحديث الشريف الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان،))([54]) .
ونهى صلى الله عليه وسلم عن الغضب ونبه على ما في معناه، ولهذا قال الفقهاء ينبغي أن يكون القاضي خاليا من الجوع الشديد والعطش والفرح الشديد والحزن الكثير والهم العظيم والوجع المؤلم ومدافعة الأخبثين أو أحدهما والنعاس لأن هذه الأشياء ونحوها مثل الغضب من جهة تأثيرها في حالة القاضي النفسية وحضور ذهنه لمقتضيات الدعوى واستعداده المطلوب لسماع أقوال الخصمين، وينبغي أن يكون القاضي في مجلس القضاء غاض البصر كثير الصمت قليل الكلام، يقتصر كلامه على سؤال أو جوابه ولا يرفع بكلامه صوتا إلا لزجر أو تأديب، وأن يلزم العبوس، من غير غضب وأن يكون جلوسه بسكينة ووقار وأن لا يتضاحك ولا يتكلم بما لا علاقة له بأمور الدعوى التي ينظرها، كما أنه ينبغي أن يكون على وضع يزيد من هيبته في قلوب الناس حتى في هيئته لباسه، وهندامه، ولا يتكلم الخصمان إلا إذا وجه القاضي الكلام أو السؤال إليهما أو أذن لهما فيتكلم من أذن له بالكلام وعلى خصمه أن يستمع ولا يقاطع خصمه أثناء كلامه، فإذا انتهي من كلامه جاز له أن يستأذن القاضي ليتكلم، فإذا أذن له تكلم، وإن لم يأذن له سكت والقاضي يستمع لكلام الخصمين دون ضجر ولا ملل ولا إنهاء إلا أن يكون منهما لغط فينهرهما أو ينتهر اللاغط منهما.
(تنفيذ حكم القاضي): للقضاء مراتب ثلاث: المرتبة الأولى: الثبوت، والمرتبة الثانية: الحكم، والمرتبة الثالثة: تنفيذ الحكم، والقضاء بدون تنفيذ لا قيمة له إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ولهذا جاء في كتاب القضاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الموجه إلى أبي موسى الأشعري (فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتابه للأشتر النخعي: (وأعط القاضي من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك)، والقاضي الذي لا تجد أحكامه تنفيذا لا احترام له ولا منزلة وإلا فما قيمة الاحترام والمنزلة بدون ذلك لهذا نجد أن العلماء يضفون على تنفيذ أحكام القاضي منزلة عظيمة حيث جعلوه من حق الله تعالى ومن الفروض، بل جعلوا الدولة تعلن الحرب على من لم يذعن له، فإذا أصدر القاضي حكمه فإنه يجب تنفيذه.
(من آداب القضاء الإسلامي): لقد جعل الإسلام للقضاء آداباً في غاية الفضل منها: عدم جواز القضاء، والقاضي في حالة غضب، أو اضطراب، أو نعاس، حتّى لا تؤثر هذه الحالات على صحة الأحكام الصادرة عنه، ومنها المساواة بين الخصمين، وعدم جواز تلقين الشهود، وقد نهت الشريعة أن يحابي القاضي أحد الخصمين، بكثرة النظر، وحضور الذهن، وتلقين بعض الشهود، فالكل سواسية أمام القضاء، ومنها أنه لا يجوز للقاضي أني يحكم في القضايا دون سماع قول المتداعيين، وإذا جلس إليه الخصمان فلا يقض بينهما حتّى تسمع من الآخر، كما سمع من الأول فانه إذا فعل ذلك تبين له القضاء.
(بعض أهم المبادئ في نظام القضاء الإسلامي): وتشمل: مبدأ قيام القضاء على الدليل والبرهان، مبدأ وجوب أداء الشهادة الحق على كل مسلم، مبدأ عدالة الشهود في القضاء، مبدأ أحكام القضاء لا تغير الحقائق عند الله، مبدأ المساواة والعدالة في القضاء الشرعي، مبدأ سرعة البت في فصل القضاء في المنازعات، مبدأ السهولة والتيسير في الإجراءات القضائية، مبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع.
(1) مبدأ قيام القضاء على الدليل والبرهان): الدليل في القضاء الإسلامي هو المعيار في تمييز الحق من الباطل، وعلى ذلك فكل ادعاء يبقى في نظر القضاء الإسلامي محتاجاً إلى دليل ولا يؤخذ به إلا بالحجة والبرهان، قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة: من الآية111]، وقال تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [سورة النور: من الآية 13]وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) ([55]) .
(2) مبدأ وجوب أداء الشهادة الحق على كل مسلم: حثت الشريعة على أداء الشهادة واعتبرت ذلك واجباً على كل مسلم كما قال تعالى: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [سورة البقرة: 282]، وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّه} [سورة الطلاق: من الآية2]، وقال تعالى: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [سورة البقرة: من الآية 283]، وقال تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [سورة النساء: من الآية 135]، بل ورهب الشارع الكريم من شهادة الزور وجعلها في مرتبة الإشراك بالله واعتبرها من أكبر الكبائر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس، وقال ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)) ([56]) .
(3) مبدأ عدالة الشهود في القضاء: في القضاء الإسلامي لا تقبل إلا شهادة العدل الثقة ولا تقبل شهادة الفاسق ولو رضي الخصوم لقوله تعالى:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}[سورة الطلاق: من الآية 2]، وقوله تعالى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُم} [سورة المائدة: من الآية106]، وقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [سورة البقرة: من الآية 282].
(4) مبدأ الضمير والنظر إلى الحساب الأخروي.
(5) مما يمتاز به القضاء في الإسلام مراعاة الحساب الأخروي وذلك بارتباطه بقاعدة الثواب والعقاب، وهذا المعنى كفيل بتربية الوازع الديني عند المسلم في مجال القضاء، فإن أحكام القضاء تتناول الظاهر، وهي لا تغير الحقائق عند الله، وهذا المبدأ له أثر عظيم في صيانة النظام القضائي في الإسلام بوجه عام.
(6) مبدأ المساواة والعدالة في القضاء الشرعي: الناس مهما اختلفت مقاماتهم فهم أمام شرع الله متساوون لا امتياز لأحد على أحد، وهم أمام تنفيذ ما يختص منه بالقضاء سواء كذلك، لا تفريق بينهم لأي سبب من الأسباب، وهذا هو العدل الرباني العظيم، قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [سورة المائدة: من الآية 8]، ومن السنة النبوية المشرفة، حادثة المرأة من بني مخزوم التي سرقت حلياً وقطيفة، فبعث قومها أسامة بن زيد بن حارثة ليشفع فيها، فرده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ((يا أسامة أتشفع في حد مـن حدود الله، وأيم الله لـو أن فاطمـة بنت محمـد سرقت لقطعـت يدها)) ([57]) .
وفي رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان قاضيه على الكوفة (آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك) ([58]) .
(6) مبدأ سرعة البت في فصل القضاء في المنازعات: من المبادئ التي يرتكز عليها القضاء في الإسلام مبدأ سرعة الفصل في النـزاع، وعدم جواز التأخير بلا مسوغ شرعي، ووجوب إصدار الحكم عند استكمال القاضي سماع كلام الخصمين، وحججهما، وذلك لأن التأخير في إصدار الأحكام بعد توافر أسبابها، وانتقاء موانعها يترتب عليه من المفاسد، وضياع الحقوق الشيء الكثير، ومن قواعد الشريعة العظيمة قوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) ([59]) .
وهذا هو الذي كان عليه القضاء في عهد النبي r، (حيث كان يقضي بين الخصوم في مجلس المخاصمة ولم يكن يرجئهم إلى وقت آخر كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة([60]) .
وسرعة البت في القضايا مشروط بأن يستوف فيها ما يجب استيفاؤه من طرق بيان الحق، أما الحالات التي يجوز فيها تأخير الحكم، فمنها: رجاء الصلح بين الخصمين: لأن الصلح مطلب شرعي وغرض ديني، قال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [سورة النساء: من الآية 128]وأرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور عامة وفي المنازعات خاصة، ولذا لما تنازع عنده رجلان في مواريث لهما قال لهما: ((اذهبا فاقتسما ثم توخيا إلى الحق ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه)) ([61]) .
والموضع الثاني: إذا التبست على القاضي الأمور وأشكلت عليه القضية.
(7) مبدأ السهولة والتيسر في الإجراءات القضائية: من المبادئ العظيمة في الإسلام مبدأ السماحة التي تعني سهولة المعاملة في اعتدال وتوسط بين التضييق والتساهل، والسماحة وصف من الأوصاف القطعية للشريعة الإسلامية قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سورة البقرة: من الآية 185]، وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [سورة الحج: من الآية 78]، وفي السـنة قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الدين يسر،،))([62]) . ومن هذا المبدأ العام في الشريعة، فإن الإجراءات القضائية في القضاء الإسلامي بنيت على التيسير والتسهيل، بما يوصل إلى إحقاق الحق وإنصاف المظلوم ورد الحقوق إلى أهلها.
(8) مبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع: الذريعة هي الوسيلة، وكما أن وسيلة الواجب واجبة، عملا بالقاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فكذلك وسيلة المحرم محرمة، والمقصود ها هنا (منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات) وقد أخذ القضاء الإسلامي بمبدأ الأخذ بقاعدة سد الذرائع، ومن ذلك: أن القاضي ممنوع من قبول الهدية، وما ذلك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى الحيف مع صاحب الهدية، وأن القاضي ممنوع من الحكم بعلمه لئلا يكون ذلك ذريعة إلى حكمه بالباطل ويقول: حكمت بعلمي، وأن القاضي لا يقبل شهادة العدو على عدوه لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة.
[المفتاح التاسع]: المقوم الثالث من مقومات النظام السياسي في الإسلام (نظام الشورى): (مفهوم الشورى): تُعرَّف الشورى بأنها استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بها، والشورى طلب الرأي ممن هو أهل له من أهل التخصص والعلم، والشورى في الإسلام منوطة بفئة من علماء وقادة المسلمين يُطلق عليهم (أهل الشورى) أو (الحلِّ والعقد) أو (أهل الاختيار)، ويشمل هؤلاء العلماء (كل في مجال تخصصه) والقادة ووجهاء المسلمين ممن جعل الله تعالى لهم القبول عند عامة المسلمين، (أهمية الشورى): مبدأ الشورى هو من أهم مقومات النظام السياسي في الإسلام وهو أهم عوامل نجاح العمل وصحته وصوابه،ولا يمكن بأي حال أن نتحدث عن النظام السياسي في الإسلام دون أن نتطرق إلى الحديث عن واحد من أهم مميزات هذا النظام الرباني المبدع ؛ ألا وهو (مبدأ الشورى) ولأهميته سُميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه (سورة الشورى) دلالة على أهمية تحقق هذا المبدأ في أي شأن من شئون المسلمين، ومما يؤكِّد ذلك ويؤصِّله أن الرسول لم يترك نصًّا مكتوبًا ولم يستخلف أحدًا ليتولَّى إمامة المسلمين، وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وعلى الرغم من اختلاف الفقهاء حول آليات تنفيذ هذا المبدأ، لكنهم مُجْمِعُون على ضرورة تَحَقُّقها بين المسلمين مصداقًا لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وقوله تعالى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
(حكم الشورى): يتراوح قول الفقهاء في الشورى بين الندب والوجوب، والتفصيل: أن هناك أمور لا تدخل فيها الشورى، وهو ما تبيَّن فيه حكم الشرع بإيجاب أو تحريم فلا تدخل المشاورة فيه، لقضاء الله ورسوله في ذلك: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، ولا تكون الشورى فيه إلا في كيفية التنفيذ، إذا كان هناك أكثر من طريقة لتنفيذه، وهناك أمور تتعلق بمصالح الأمة الجسيمة ولم يتضح وجه الصواب فيها لولي الأمر، فهذه ينبغي فيها المشاورة، وهناك أمور تستحب المشاورة فيها: وهي كل ما يراد اتخاذ قرار فيه، ووجه الصواب واضح لولي الأمر، فإنه يستحب لولي الأمر المشاورة فيه.
(شكل مجلس الشورى): الحق أن الشريعة جاءت بالكليات التي تدل على أهمية تطبيق الشورى في النظام الإسلامي، والتي تدل على مواصفات أفراد هذا المجلس، وعلى مهامه تجاه منظومة الحكم في دولة الإسلام، ولكنها تركت شكل المجلس وأعداد أفراده وطرق انعقاده لاجتهاد أولى الأمر والعلم من المسلمين، شريطة أن يقوم على مهامه على أتم حال.
(العلاقة بين مسمى ” مجلس الشورى ” ومسمى ” أهل الحل والعقد “): هناك خيط دقيق يربط بين المسميين، وقد خلط بعض الفقهاء بين المعنيين، بسبب عدم التفصيل إذ أنّ بعضهم يرى أن الشورى ليست ملزمة، ثم يرى من صلاحيات أهل الحل والعقد عزل الخليفة، فظن أن مجلس الشورى ليس هو مجلس أهل الحل والعقد، وظن أن الأول يمثله العلماء والثاني يمثله القادة وذوو الشوكة والقوة من المسلمين، وها هنا لبس يحتاج إلى تفصيل، وهو أن مجالس الشورى قد تتعدد، كلٌ في مجال تخصصه، وهذه المجالس المتعددة مهمتها استشارية ليست ملزمة، وليس الحديث هاهنا عن تلك المجالس الاستشارية، ولكن مقصودنا ونحن نتحدث عن النظام السياسي في دين الإسلام هو مجلس الشورى العام الذي يمثل صفوة علماء المسلمين، وخاصة قادتهم الذين إذا اجتمعوا على رأي واحد،فلا ينبغي للخليفة مخالفتهم فيه، وإذا اختلفوا جميعا ردوا أمرهم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
(طبيعة اختلاف أهل الحل والعقد مع الخليفة): الاختلاف في مسائل الاجتهاد (التي ليس فيها نص ملزم) ليس لهم أن يلزموه برأيهم لأن هذا من حقوق ولايته، وعليهم أن يطيعوه فيه، أما إذا كان الخلاف (مما لا يسوغ فيه الخلاف) كأن يكون مخالفا لدين الإسلام مخالفة يقينية، تصل به إلى الكفر البواح، أو تعد خروجاً منه على القواعد الدينية، أو تعد مخالفة صريحة للغاية التي نُصب من أجلها، وهي حراسة الدين وسياسة الدنيا به،، فإن أهل الحل والعقد يُنبهونه، فإذا لم يقبل الخليفة ؛ فإن أهل الحل والعقد يصدرون حكماً بعزل الخليفة، وبصدور هذا الحكم يفقد الخليفة منصبه وما يترتب عليه من حقوق وصلاحيات، ولا تجب له على أحد طاعة، ويستأنف أهل الحل والعقد عقد الخلافة لمن يرونه صالحا لها.
(مهام مجلس شورى المسلمين – أهل الحل والعقد -): لأهل الحل والعقد في النظام السياسي الإسلامي ثلاث وظائف أساسية: الأول: اختيار الخليفة، والثاني: الحسبة على أعمال الخلافة والمتابعة والمراقبة لأعمال الخلافة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،، والثالث: عزل الخليفة إن فعل ما يتوجب ذلك، ويمكن لأهل الحل والعقد أن يتابعوا ويراقبوا مؤسسة الخلافة وما ارتبط بها من المعاونين، كالوزراء وأمراء الأقاليم ونحوهم، لضمان تقيدهم بالشريعة وعدم الخروج عليها، ولكن ليس لأهل الحل والعقد أن يتدخلوا في أعمال الخليفة؛ إنما عليهم المراقبة والمتابعة والتأكد من جريان الأمور على الوجه الشرعي المطلوب، ولهم أن يستعينوا في عملهم بمن يحتاجون إليه من العلماء والفقهاء والقضاة وأصحاب الاختصاصات، كما أنه ليس لأهل الحل والعقد ولاية على الخليفة، بل هو له الولاية عليهم، وهم فيمن يبايعه على السمع والطاعة، وعليهم أن يطيعوا الخليفة فيما يأمرهم به؛ مثلهم في ذلك مثل باقي الرعية، إلا أن يأمرهم بعدم القيام بوظائفهم من المتابعة والمراقبة لمؤسسة الخلافة، فذلك لا يجوز ؛ لأنهم يؤدون واجباً شرعياً، والخليفة لا يملك عزل واحد من أهل الحل والعقد ما دام قائماً بواجباته من غير إخلال.
(الفرق العظيم بين الشورى والديمقراطية): نظام الشورى في الإسلام يختلف كثيرًا عن النظم الديمقراطية الوضعية، فالديمقراطية التي تعتبر حكم الشعب للشعب، ينتج عنها أن الشعب هو الذي يضع دستوره وقوانينه، وهو السلطة القضائية التي تحكم بين الناس بتطبيق القوانين التي يراها الشعب، وحتى يتمكن الشعب من مباشرة سلطة التشريع، ووضع القوانين، والفصل بين السلطات، يتم اللجوء إلى إجراء انتخابات عامة، والتي ينتج عنها اختيار مجموعة من الأفراد، يكونون قادرين على مراقبة سائر السلطات، ومن حق هذه الهيئة المنتخبة عزل الوزراء، ومحاسبة المسئولين وعلى رأسهم رئيس الدولة، ومع وجاهة هذا الأمر إلا أن نظام الشورى الإسلامي يختلف عن هذا التصور، فالديمقراطية عند أصحابها تقوم على حقيقة مفادها أن السيادة للشعب، ولا حكم إلا للشعب، فما استقر عليه تصويت رأي الشعب فهو الشرع، وهو القانون، حتى لو كان استحلال الربا، أو استحلال الزنا، أو استحلال شرب الخمر، أو اتخاذ أعداء الله أولياء، فالسيادة للشعب وحده لا شريك له في التشريع وإصدار القوانين، أما الشورى في الإسلام فهي تقوم على حقيقةٍ واضحة جلية، مفادها أنّ الحكم هو حكم الله المنزَّل بواسطة الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن السيادة لله لا مشرع إلا هو ولا معقب لحكمه ولا إله إلا هو، ومجال الشورى محصور في إطار الشرع لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا، وإنما هو الاجتهاد في فهم مقاصد الشرع، والاجتهاد في رسم الخطط المنهجية لتطبيق شرع الله، وهناك فرق عظيم بين الشورى والديمقراطية، ومن أحسن الظن في الديمقراطية من المسلمين إنما نظر إلى قواعدها التطبيقية التي تشابه الشورى إلى حد كبير، ولكنه غفل عن حقيقتها، وحقيقة معتقدها ومفاده، أن الله تعالى (معاذ الله) هو رب القلوب ودور العبادة وحسب، وأنه لا دخل لدين الله تعالى في التشريع بين البشر، والسيادة فيه إنما هي لتصويت الشعب، ومجلس الشعب هو المشرع، وما رآه جائزا فهو الجائز ولو كان في شرع الله تعالى حراما، ولهذا نجزم أن الفرق بين الشورى والديمقراطية عند من يعلم أصولهما وما قامتا عليه هو الفرق بين الإيمان والكفر، وبين التوحيد والشرك، هذا عند من يعلم بحقيقة حالهما، ولكن لغياب التأصيل على أساس التوحيد عند بعض علماء المسلمين، افتتن بمزايا الديمقراطية وهو لا يدري أنها بمثابة السم في العسل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(الفرق العظيم بين مجلس الشورى وبين المجالس الديمقراطية): مما سبق في الفقرات السابقة يتبين أنه من أبين الظلم والخطأ، تشبيه مجلس الشورى الموجود في النظام السياسي الذي وضعه دين الإسلام، بالمجالس الديمقراطية التي وضعها القانون الوضعي، فالأول مجلس يعلن السيادة لله وحده، والمرجعية لله وحده، ويعتقد التوحيد لله وحده في العبادة والطاعة وفي الربوبية والحكم والتشريع، أما الثاني فهو يشرك في السيادة والمرجعية [هذا على كونه كيان اعتباري، ولكن تنزيل الحكم على أفراده يحتاج إلى بيان وإقامة الحجة المعتبرة شرعا على كل واحد باستقلال، والهدف هاهنا ليس الحكم على الأفراد، وليس هذا مجاله، وفي رسالة التجديد الثانية (تجديد مسائل وأحكام الإيمان والكفر) بيان ضوابط هذا الأمر، ولكن القصد ها هنا تقييم المجالس الديمقراطية في بلاد المسلمين وفق أحكام الشريعة الغراء]، فالسيادة فيه للشعب والمرجعية فيه لأغلبية مجلس الشعب، ويعتقد الشرك في الربوبية والحكم والتشريع، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، جاء في تفسير ابن كثير للآية ” وقوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم – رضي الله عنه – أنه لما بلغته دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقدم عدي المدينة، وكان رئيسا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي عنق عدي صليب من فضة، فقرأ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم… هكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا،” أهــ ([63]) .
(قلت) وهكذا اتفقت كلمة المفسرين عامة على ذلك التفسير الذي استندوا فيه لموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من عدي ابن حاتم رضي الله عنه، وتفسيره للآية الكريمة {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} , والحديث الوارد في تفسير الآية حسّنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» وحسنه كذلك في «غاية المرام»!! وأورده في «السلسلة الصحيحة» ([64]) .
وهو وإن تكلم على ضعفه بعض المحدثين إلا إنه محمول على استحلال الحرام لأن مجرد الطاعة في المعصية لا تكون شركا ولا كفرا، وحديثنا هاهنا على عقيدة المجالس الديمقراطية كشخصية اعتبارية، وأنها قد تصوت على الحرام (كالربا) ثم تجيز العمل به وتصدر به القوانين وتحكم بها، وهذا يدخل في مفردات الاستحلال، نعوذ بالله من الخذلان،
[المفتاح العاشر]: (ربانية النظام السياسي في الإسلام): (الحكم الحقيقي فيه لله والتشريع حق خالص لله): الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى هو الركن المميز للدولة الإسلامية، فلقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم – وهو رأس دولة الإسلام – بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وبين تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله هو حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله سبحانه وتعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 49-50]، ويتبين مما سبق أن الدولة في الإسلام مخاطبة بأحكام الشرع مكلفة بتنفيذها، وهي تملك – بتمليك الشرع لها – السلطة لتنفيذ هذه الأحكام وحمل الناس عليها، ولكن سلطان الدولة مقيد غير مطلق، مقيد بسلطان الله المطلق الذي له الحاكمية الحقة المطلقة قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدا}، وعلى هذا فإنَّ سلطان الدولة في الإسلام سلطان لتنفيذ لشرع الله، وإذا كان سلطان الدولة في الإسلام مقيد بسلطان الإسلام أي بشرائعه وأحكامه ونظمه، فإنَّ الخليفة – وهو رأس الدولة – من باب الأولى سلطانه في الحكم مقيد أيضاً بسلطان الإسلام، لأن سلطانه، سلطان تنفيذ للشرع، وليس بسلطان ابتداع لشرع، والدولة الإسلامية تخضع في جميع تصرفاتها وشؤونها، كما يخضع جميع الأفراد في جميع تصرفاتهم وعلاقاتهم إلى شرع الله، وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة مرجعيتها شرع الله فإنَّ أي خلاف ينشب يكون مرجعه إلى هذا الشرع، لا إلى شيء غيره، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
[المفتاح الحادي عشر]: (التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي): (الولايات الثلاث التنفيذية والشرعية والقضائية): شئون الدولة (في النظام السياسي الإسلامي) يصرفها ثلاث فئات: الحكام والفقهاء والقضاة، فالحكام يمثلون الهيئة التنفيذية التي تقوم على حراسة الدين وسياسة الدنيا به، والفقهاء يمثلون الهيئة الشرعية التي تستنبط الأحكام من القرآن والسنة، والقضاة يمثلون الهيئة القضائية التي تقضي بالحق والعدل بين الناس، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الولايات في النظام السياسي الإسلامي إلى ثلاث ولايات، ولاية تنفيذية على رأسها الخليفة، وولاية قضائية على رأسها قاضي القضاة، وولاية شرعية من الفقهاء والعلماء بالشريعة، (والولاية) في الشرع هي (السلطة) في المصطلح المعاصر، وإذا كانت السلطات المعاصرة ثلاثة، فالسلطة التنفيذية يناظرها ولاية الخلافة وما يتفرع عنها من ولايات، والسلطة القضائية يناظرها: ولاية القضاء، وليس في الإسلام ولاية تشريعية تناظر السلطة التشريعية في الانظمة المعاصرة، وذلك لان التشريع حق خالص لله، ولكن ولاية فقهية شرعية تجتهد في تطبيق شرع الله تعالى وفق قواعد الشرع العامة وأدلته التفصيلية.
(الولاية التنفيذية): الخليفة هو رأس النظام السياسي في الإسلام، وهو صاحب الولاية العامة في الدولة الإسلامية، والولاية تعني ممارسة السلطة، والخليفة شخص واحد، وحاجات الدولة كثيرة فلا يقدر على القيام بها بنفسه، فيحتاج لذلك أن يستعين على ولايته بمن يصلح لها من المسلمين، فيوليهم الولايات التي بمقتضاها تنتظم الأمور وتتحقق الأهداف.
(الولاية الشرعية): هي الهيئة الفقهية الشرعية التي تملك إعداد دستور للأمة من خلال نصوص الشريعة وفتاوى علماء الأمة، تساهم من خلاله في تطبيق شرع الله، واستنباط التشريعات للحوادث المستجدة من نصوص الشرع، وهي الجهة التي تملك إصدار قواعد تنظم تصرفات المواطنين وغيرهم في دولة الإسلام، ولا يقال لها سلطة تشريعية لأن الشريعة الإسلامية تجعل السلطة التشريعية حقًّا لله تعالى , وهذه الضمانة في التشريع الإسلامي جعلت النظام السياسي في الإسلام يقوم على أسس ربانية تحقق العدل وتحفظ الحقوق وتمنع الظلم والاستبداد.
(تنبيه) طبيعة السلطات في النظام الإسلامي تختلف عن النظم الأخرى سواء النظم الغربية الرأسمالية أو النظم الاشتراكية, فالنظام الإسلامي بطبيعته وخصائصه يقوم على إفراد الله تعالى بالتشريع والحكم ويحتوي على ضمانات ربانية تحقق العدل والحرية لجميع أفراد مجتمعه متى ما تم تطبيق هذا النظام تطبيقًا صحيحًا على أسس الشريعة الإسلامية، وخير من يقوم على هذه الولاية، هم فقهاء المسلمين الذين يكونون المجلس الشرعي (مجلس شورى المسلمين)، وهو المقابل للمجالس الديمقراطية التي تنازع الله تعالى حق التشريع والتحليل والتحريم والحظر والإباحة، ودور (السلطة الشرعية) إنما هو إعداد دستور للأمة من خلال نصوص الشريعة وفتاوى علماء الأمة، تساهم من خلاله في تطبيق شرع الله، واستنباط التشريعات للحوادث المستجدة من نصوص الشرع، كما أن من اختصاصات السلطة الشرعية تلك الاجتهادات التي تتناول التنظيم الذي به ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء، والنظام السياسي الإسلامي جعل المجال فيها مرناً يخضع للحاجة وتطور الزمان واجتهاد فقهاء المسلمين، شريطة أن لا تخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصداً من مقاصد الشريعة، ولا تخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية ولا يترتب عليها مفسدة تربو على المصلحة التي تحققها.
(الولاية القضائية): وتقوم هذه الولاية بتطبيق الأحكام الشرعية بالفصل في الخصومات وتوقيع العقوبات وفقا للشريعة الإسلامية الغراء، وقديما كان بعض الخلفاء يمارس ولاية القضاة لأنهم مؤهلون لذلك، ولكن ذلك لا يمس استقلال القضاء بشيء , لأن القضاء يستمد استقلاله في الإسلام من التشريع الإسلامي، فالإمام أو القاضي حينما يجتهد إنما يفعل ذلك لا بوصفه خليفة أو قاضيًا وإنما باعتباره مجتهدًا يستنبط الأحكام الشرعية، والجميع تحت حكم الله وهي الضمانة التي جعلت استقلال القضاء في الإسلام لا نظير له في أي نظام وضعي.
[المفتاح الثاني عشر]: أركان الدولة الإسلامية أربعة أركان: (الشرع الإسلامي – أولو الأمر – الدار – الرعية): التعريف المعاصر للدولة أنها: مجموعة كبيرة من (الناس)، تعيش على قطعة من (الأرض)، ويقوم على تنظيم هذه الجماعة وإدارة شؤونها في الداخل والخارج في السلم والحرب (هيئة حاكمة)، ويطبق عليها (نظام معين)، وعلى ذلك فإن لها أركان أربعة: الناس والسلطة الحاكمة والأرض والقانون، وإذا طبقنا هذا التعريف على الدولة الإسلامية، وجدناها تقوم أيضاً على أربعة أركان هي: القانون هو (شرع الله) والسلطة الحاكمة وهم (أولو الأمر من المسلمين وعلى رأسهم الخليفة) والناس وهم ثلاثة أقسام (مسلمون وأهل ذمة ومستأمنون) والأرض وهي إما (دار الإسلام أو دار الكفر) و(دار الكفر) قسمان: (دار عهد ودار حرب)
(الركن الأول: الشرع الإسلامي): مرجعية الشرع الإسلامي هو الركن المميز للدولة الإسلامية، فلقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم – وهو رأس دولة الإسلام – بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقد سبق تفصيل ذلك الركن في المبحث السابق: (ربانية النظام السياسي في الإسلام، وهي تعني أنّ الحكم الحقيقي فيه لله والتشريع حق خالص لله)
(الركن الثاني: أولو الأمر): على رأس أولو الأمر الخليفة، ويلقب بأمير المؤمنين، يليه نوابه من الوزراء والولاة، وهؤلاء قد أوجب الله تعالى طاعتهم في المنشط والمكره، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وقوله صلى الله عليه وسلم (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) [أخرجه مسلم]، وعلى عاتق هؤلاء مسؤولية جسيمة تتمثل في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، ويندرج تحت كل مقصد منهما مقاصد فرعية عديدة، ذكرتها في المبحث السابق: مقاصد النظام السياسي في الإسلام (حراسة الدين – سياسة الدنيا بالدين)
(الركن الثالث: الدار): الدار هي الوطن الذي يعيش عليه الشعب، وتطبق فيه أنظمة الدولة، ويطلق عليه أيضاً الإقليم، وتنقسم الدار عند الفقهاء إلى قسمين هما: دار الإسلام ودار الكفر، و ودار الكفر لها قسمان: دار حرب ودار عهد، (دار الإسلام): هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، و (دار الكفر): هي الدار التي تظهر فيها أحكام الكفر ويغلب عليها حكم الكفر، وهي قسمان: (دار العهد) وهي دار الكفر التي ترتبط مع دار الإسلام بعهود ومواثيق، إما مهادنة وإما مصالحة على شروط شرع الإسلام، (دار الحرب) هي دار الكفر التي لا ترتبط مع دار الإسلام بعهود أو مواثيق، ولا يوجد بينها وبين أهل الإسلام سلام، وتفصيل الأحكام الفقهية لهذه الدور عظيم ومهم، وهو مفصل في كتب الفقه.
(الركن الرابع: الرعية): الأصل في الرعية في الدولة الإسلامية هم المسلمون، وقد يكون هناك غير المسلمين، وهؤلاء إما مستأمنون أو أهل ذمة، (المسلمون) وهم أهل القبلة ممن جاء بالشهادتين (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، ولم ينقضها بناقض يخرج من الإسلام، وهؤلاء قسمان، أهل سنة وهم سواد المسلمين الأعظم، وأهل بدعة، ولكل منهما أحكام يوجد لها تفصيل واسع في كتب الفقه، ومن حقوق الرعية على الحكام: إدارة شؤون الرعية على وجه يحفظ لهم الضروريات والحاجيات ويحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس لأنه أساس صلاح الإنسانية وسعادتها، وإشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس تطبيقاً عادلا على الجميع بلا محاباة، والنصح للرعية، والرفق واللين والحلم في التعامل مع الرعية، ومشاورة أهل الرأي من الرعية، وتعيين الأكفاء والأمناء، وأن يكافئ المحسن ويعاقب المسيء حتى يستتب الأمن والنظام، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع.
(المستأمنون): وهم كل من دخل دار الإسلام بأمان طلبه، والمستأمن ليس من رعايا الدولة المسلمة الدائمين، بل يقيم فيها إقامة مؤقتة، وهؤلاء أقسام منها رسل الدول الأخرى من غير المسلمين، وتجار، ومستجيرون -حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم- وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها، ونفهم حكم هؤلاء من خلال قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6]، فهؤلاء لا يُقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به.
(أهل الذمة): هم المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم، والذمي هو المعاهد الذي أعطي عهداً يأمن به على ماله ودينه، ولا يصح عقد الذمة والهدنة إلا من الإمام أو من ينوب عنه، وعقد الذمة عقد لازم مؤبد في قول عامة الفقهاء، ومن أجل ذلك أصبح الذمي أحد رعايا الدولة الإسلامية ,
(شروط عقد الذمة): ذكر الفقهاء أنه لا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشروط أهمها: (الأول): أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل الأحوال، و (الثاني): التزام أحكام الإسلام، بمعنى قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم، و (الثالث) أن لا يستهينوا بشعائر المسلمين.
(حقوق أهل الذمة): إذا أدى الذمي واجباته، عصمت أموالهم ودماؤهم، وصارت أموالهم لها حرمة أموال المسلمين، وصارت دماؤهم لها حرمة دماء المسلمين، وصار لهم حق الانتفاع بالمرافق العامة كالمسلمين، ومزاولة بعض الأعمال كالتجارة ونحوها، بشرط عدم الإضرار بالمسلمين، وتكفل لهم دولة الإسلام حرية الاعتقاد وإجراء أحكام الأحوال الشخصية الخاصة بهم فيما بينهم، وتتكفل الدولة بالدفاع عنهم ضد من يقصدهم بأذى، وتتكفل الدولة بالنفقة عليهم عند العجز والشيخوخة، فقد ضمن الإسلام لهم كفالة المعيشة الملائمة لهم، وذلك لأنهم رعايا للدولة المسلمة وهي مسئولة عن كل رعاياها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) بل ويجوز للمسلمين برهم وحسن معاملتهم، كما في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في التحذير من ظلمهم، قوله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهِداً لَـمْ يَرحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيْحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً)) ([65]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة)) ([66]) .
(تنبيه) أجاز القرآن الكريم برهم والعدل مع الرفق في معاملتهم، ولكن لا يجوز توليهم ولا التودد إليهم، لأنهم كفروا بالله تعالى وكفروا برسوله صلى الله عليه وسلم، فـــ (لا يجوز توليهم) لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} [المائدة: 51]، ولا يجوز التودد إليهم: لقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، وأما كفرهم بالله لقول النصارى: إن الله ثالث ثلاثة، وقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم، وقولهم المسيح ابن الله، ولقول اليهود عزير ابن الله وقولهم أذلهم الله: إن الله فقير ونحن أغنياء، وأما كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، أنهم أبوا رسالته وأنكروا نبوته واستكبروا عن إتباع دينه.
[المفتاح الثالث عشر]: (السياسة الداخلية والسياسة الخارجية في النظام السياسي الإسلامي) : السياسات الداخلية والخارجية في النظام السياسي الإسلامي، سياسات منهجية راسخة، تتسم قواعدها بالثبات والصلاحية لكل زمان ومكان، وتستمد أصولها من الشريعة الإسلامية (الكتاب والسنة)، ودور السلطات فيها الاجتهاد من أجل التطبيق الأمثل لشرع الله وفق حالة المسلمين، ومن يحيط بهم من غير المسلمين، وهي في الحالتين الداخلية والخارجية تقوم على أساس العدل الرباني التام الذي تفرد به النظام السياسي في الإسلام دون سواه من أنظمة البشر، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
(السياسة الداخلية في النظام السياسي الإسلامي): ذكرنا في مبحث (مقاصد النظام السياسي في الإسلام: حراسة الدين و سياسة الدنيا بالدين) أن النظام السياسي في الإسلام وسيلة إلى حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، وذكرنا أن المقصود من جملة (سياسة الدنيا بالدين)، تشمل: إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وإقامة العدل بين الناس، وتحقيق المساواة وعدم التفرقة بين المسلمين في الحقوق والواجبات، وإشاعة الأمن والاستقرار، وتأمين الحريات في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين، وتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد،، وتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، واستثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية العيش الكريم، ويعود بالنفع العميم على الجميع، وإيجاد سبل العمل الشريفة للقادرين، وكفالة العاجزين والمحتاجين،وضمان العيش الكريم لهم، وقتال الباغين، حتى تنعم البلاد والعباد بالأمن والاستقرار.
(السياسة الخارجية في النظام السياسي الإسلامي): إن أهم الوظائف الخارجية التي تقوم بها الدولة الإسلامية: الدعوة إلى الإسلام، ونشر تعاليمه بين البشر، فالدولة الإسلامية بطبيعتها دولة ذات رسالة عالمية تحملها إلى الناس كافة، ولذلك فهي دولة عالمية تسمو على القومية والإقليمية والعنصرية، ونظرا لهذه العالمية والعقيدة النشطة المتفاعلة مع العالم، نجد أن سياساتها الخارجية متشعبة متداخلة، تقوم على هم تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم أجمع، وقد أراحنا فقهاء المسلمين بجهودهم العظيمة في بيان أهم أسس وأصول تلك السياسات في حالات السلم والحرب والدعوة والجهاد.
(أهم مبادئ العلاقات الدولية في النظام السياسي في الإسلام): إن أهم مبادئ العلاقات الدولية في الإسلام ثلاثة: (الأول): تحقيق العدالة والوفاء بالعهود والمواثيق و(الثاني): مراعاة المصلحة العامة لدعوة الإسلام ودولة الإسلام و(الثالث): مراعاة موازين القوى في العالم، حتى لا نغرر باهل الإسلام.
[1] تحقيق العدالة والوفاء بالعهود والمواثيق: وتقتضي العدالة في مجال العلاقات الدولية أن تبنى كافة العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية على أساس: العدالة لكافة الأطراف، وعدم الجور على طرف فيها من جرّاء هذا الاتفاق أو تلك المعاهدة، و تحقيق العدالة يضمن عدم القويُّ البغيَ والظلمَ على الضعيف، كما هو واقع جميع العلاقات الدولية اليوم التي تقوم على الظلم ومحاباة القوي الظالم على الضعيف العاجز، وحتى لا تظل قيم العدالة مجرد دعاوى فارغة من مضمونها ومحتواها، وقد ورد الأمر الرباني باحترام العهود، والوفاء بالعقود والالتزامات على أكمل وجه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 91]، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)} [الْإِسراء: 34].
[2] ومراعاة المصلحة العامة لدولة الإسلام: حيث ذكر الفقهاء أن مدار العلاقات الخارجية لدولة الإسلام (سلماً أو حرباً)، مبني على مراعاة المصلحة العامة للدعوة الإسلامية، وحالة المسلمين، فكل أمر يجلب نفعاً إسلاميا للعالم كله وليس للمسلمين فحسب يكون وفق قواعد الإسلام العامة، وكل امر يحقق مصلحة للدعوة الإسلامية فهو مطلب إسلامي.
[3] ومراعاة موازين القوى ف ي العالم: وهو أمر خطير لا يمكن إهماله بأي حال، وإلا تعرض العالم الإسلامي للخطر، وقد نص الفقهاء على ضرورة مراعاة حالة المسلمين قوة وضعفا في أمور العلاقات الخارجية وفي كلا الحالتين (السلم والحرب)، وقد وضح القرآن الكريم معايير القوة والضعف التي تجعل النظام السياسي الإسلامي على بينة من أمره، قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الْأَنْفال: 66]فإن كان المسلمون يعانون من ضعف في قدراتهم العسكرية فعليهم أن لا يشتبكوا في حرب مع من هو أقوى منهم وأكثر تفوقاً بحيث يغلب على الظن أن يلحق الهزيمة بالمسلمين، فآيات الصبر تتناول حالة الضعف، وآيات الطلب تتناول حالة القوة، واتفق الفقهاء والساسة من علماء المسلمين، على أن أن الأمر بالكف عن الكفار في حال الضعف ليس من المنسوخ في الشريعة، وإنما هو من قبيل (ما أُمر به لسبب) فإذا زال السبب زال الحكم، وإذا وجِد السبب عاد الحكم، وعليه فإن حكم الكف عن قتال الكفار يدور مع سببه وهو الضعف وعدم القدرة، وقد نص على ذلك الفقهاء([67]) .
ويقول ابن جُزي المالكي: (وإن علم المسلمون أنهم مقتولون فالانصراف أولى، وإن علموا مع ذلك أنهم لا تأثير لهم في نكاية العدو وجب الفرار، وقال أبو المعالي: لا خلاف في ذلك” أهــ، ([68]) .
، ويقول ابن تيمية ” فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين ” أهــ ([69]) .
ويقول الشوكاني: (إذا علم المسلمون بالقرائن القوية أن الكفار غالبون لهم، مستظهرون عليهم، فعليهم أن يتنكبوا عن قتالهم … وقد استدل على ذلك بقوله عز وجل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]) أهــ ([70]) . والنقل عن الفقهاء في ذلك يطول، وحاصله أن فقهاء الأمة كلهم متفقون على ضرورة مراعاة حال القوة والضعف حين اتخاذ ولي الأمر لقراراته في مسائل العلاقات الخارجية في حالتي السلم والحرب.
(العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية حالة السلم): (العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية حالة السلم): تحقيق السلم في العالم هدف من أهم أهداف رسالة دين الإسلام العملية على أرض الله، بل وما أحوج دولة الإسلام لحالة السلم لنشر الدين والدعوة إلى الله في أرجاء الأرض، ولولا تكالب الكفار على دعوة الإسلام وحربهم له، لكانت الأرض جميعا تنعم بالسلم والسلام، والقرآن الكريم يبين لنا حقيقة هذا الأمر بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، ومن الأمور التي تعزز حالة السلم في النظام السياسي الإسلامي مشروعية المعاهدات والاتفاقيات بشرط أن تكون من المباحات التي لا تصادم نصاً من نصوص الشريعة، ومما يدل عليها، قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال:61]، و قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4]، وقوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [الأنفال: 72]، وقد صالح الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين في صلح الحديبية وغيره، أما مدة المعاهدة: فللفقهاء في مدة المعاهدة قولان:
(الأول) أن لا تتجاوز عشر سنوات قابلة للتجديد، اقتداء بصلح الحديبية وهو قول الشافعية ([71]) .
و(الثاني) جواز أن تكون مدة المعاهدة لمدة طويلة ما دامت الحاجة قائمة لها، ولكن لا بد أن تكون محددة معلومة، كي لا يكون ذلك ذريعة لتعطيل الجهاد في سبيل الله، وهو قول الحنفية والمالكي ة والحنابلة ([72]) .
ويجوز في حالة السلم تبادل الرسل والسفارات والتبادل التجاري والاقتصادي وكل ما من شأنه خدمة الإسلام والمسلمين شريطة أن لا يحل حراما ولا يحرم حلالا من دين الله تعالى، وتنتهي المعاهدة بانتهاء مدتها، أو إذا نقضها الطرف الآخر كلياً أو جزئياً، كما نقض المشركون من أهل مكة عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستفيد المسلمون من إجراء المعاهدات مع الكفار في ترك القتال، والدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام، والإعداد عملا بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الْأَنْفال: 60].
(العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية في حالة الحرب): شرع الله تعالى الجهاد في الإسلام لغايات عظيمة تقصر عنها عقول الحكماء، من أدناها: حماية المصالح الدينية والدنيوية للمسلمين، ومن أعظمها: نشر الدين وبسط سلطانه على الأرض كلها حتى لا تكون فتنة شرك أو كفر، ويكون الدين كله لله، فينتشر السلم والسلام والعدل والبركة ورحمة الله تعالى على أرجاء الأرض كلها، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، فالله تعالى يعلم من فوائد الجهاد ما لا نعلم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقد أخبرنا سبحانه بعلمه الكامل أن الكفار لا يتركون قتالنا مهما سالمناهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، وقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، لهذا كان الأمر الرباني يطالب المسلمين بضرورة الإعداد حسب استطاعتهم لكل أنواع القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية، كي يرهب الأعداء، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60]، فالإعداد الجيد يرهب أعداء الله، ويحقق الردع للمعتدين، وبالتالي يساهم في نشر السلام والأمان في الأرض.
(مسوغات الحرب في الإسلام): الحرب في الإسلام وسيلة وليست غاية، فإن الإسلام دين السلم، وقد اشتق الله تعالى (الإسلام) من (السلام)، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} [البقرة: 208] و(السلم) هو كافة شرائع الإسلام، وإنما الحرب في الإسلام وسيلة لأمور عديدة أهمها رد العدوان والدفاع عن الدين والنفس والأهل والمال والوطن، وتأديب ناكثى العهد من المعاهدين , وإغاثة المظلومين من المسلمين، وحماية الدعوة إلى الله، وتأمين حرية الاعتقاد للناس جميعا , ورد من يفتنوهم عن دين الإسلام، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ظاهرا على الكفر والشرك، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32-33]
(بين جهاد الدفاع وجهاد الطلب):
(أ) جهاد الدفع: هو أن تدفع عدوا كافرا اعتدى على بلاد وحرمات المسلمين بجيشه، وهذا النوع من الجهاد فرض عين على جميع المسلمين الذين ينزل بساحتهم وديارهم العدو الصائل، فإن لم يكفوا لرد العدوان تعين واجب الجهاد على من بجوارهم من المسلمين إلى أن تتحقق الكفاية لرد عدوان المعتدين عن البلاد وحرمات العباد، وهذا النوع من الجهاد ينفر للجهاد كل امرئ بنفسه وما يملك،و يأثم كل مسلم على تركه أشد الإثم لكونه ترَك بلاد ونساء وذراري المسلمين غنيمة للكفار، وفي هذا الجهاد إذا لم تكن بالحاضرين كفاية صار الجهاد في حق البعيد فرض عين الأقرب فالأقرب حتى يعم الفرض الأرض كلها إلى أن يخرج الكفار من بلاد الإسلام ويُصَدّوا عنها، وفي هذا الجهاد لا يُدعى العدو إلى الإسلام، بل يقاتل بدون دعوة لأنه معتدي، وفي هذا الجهاد لا يُعتبر فيه التكافؤ في العدد والعدة بين المسلمين والكفار، لأنه لو فر الرجال خلص العدو إلى نساء وذراري المسلمين، فيجب قتالهم على كل حال، وفيه لا يعتبر إذن الوالدين، ولا إذن ولي الأمر، ولا يشترط له إماما عاما ولا جماعة.
(ب) أما جهاد الطلب: هو أن يطلب المسلمون العدو الكافر في بلادهم وديارهم، وهذا النوع من الجهاد يحتاج تنظيما إلى الدولة والإمام،ولا يعاقب المسلم على تركه إذا حصلت الكفاية بغيره، إلا أنّ الحديث دل على أن من لم يغزو أو يحدث نفسه بالغزو يموت على شعبة من النفاق، ومن حضر الصف فلا يجوز له التولي إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وفي جهاد الطلب يدعى العدو إلى الإسلام، ويُخيَّر بين الإسلام أو الجزية أو القتال، ويمهل ثلاثة أيام، وله أحكام شرعية دقيقة تولت بيانها كتب الفقه بالتفصيل، يُعتبر فيها التكافؤ في العدد والعدة، وإذن الإمام وإذن الوالدين وإذن الدائن، وغير ذلك مما جاء في كتب الفقه.
(من أخلاق الإسلام مع المحاربين): سيأتي تفصيلها في النظام العسكري، وهي من أدلة عظمة الإسلام وربانيته، وسبقه في إقرار حقوق الإنسان مهما كان الإنسان، ومنها: يحرم التمثيل بجثث قتلى العدو، فحالة الحرب في الإسلام لا تبرر الخروج على قواعد العدل والإنصاف،كما لا يجوز قتل غير المقاتلين، ككبار السن والنساء والأطفال، وكذلك فإنه ينبغي حسن معاملة الأسرى وإطعامهم وكسوتهم وعدم إكراههم على الإسلام وتحريم تعذيبهم، لأنّ ذلك من الرحمة التي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من اجلها وبنى رسالته على أساسها فهو رحمه للعالمين، لقد سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل القوانين الدولية الإنسانية التي دعت إلى احترام الأسرى والجرحى وحماية المدنيين، لقد سبقها بمئات السنين مستجيبا لربه بدعوته إياه أن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنه، وان يترك لهم حرية اختيار ما يريدون دون عنف أو قتل أو خوف، قال تعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]، لان الدعوة باللين واللطف والرحمة هي السبيل إلى الاقتناع واستماله القلوب إلى الحق والصراط المستقيم، والإسلام هو دين السلم والسلام، ورسالته هدفها تحقيق الأمن والأمان لبني البشر، فهو لم يكن يوما عدوانيا يروع الآمنين ويقتل المسالمين، والمتعبدين في صوامعهم، لم يقطع شجرا ولم يقتل طفلا ولا امرأة، ولم يتعرض لشيخ طاعن، لم يهدم بيتا على صاحبه، لم يغل، ولم يغدر بأحد، ولم ينتهك عرضا، ولم يمثل بقتيل، ولم يقتل جريح أو أسير، بل لم يتعرض للحيوانات والدواب التي ترعى في ارض الله وتسبح باسمه.
[المفتاح الرابع عشر]: (معوقات تطبيق النظام السياسي الذي جاء به الإسلام): ذكرنا فيما سبق المعالم الرئيسة المتعلقة بالنظام السياسي في الإسلام، ونرى الفرق شاسعا بين هذا النظام الرباني، الذي نحقق به العبودية لله في الأرض، وبين الأنظمة المعاصرة التي لا تدين إلا بمبدأ القوة والعنصرية واستضعاف الضعيف واحتلال الشعوب سياسيا واقتصاديا وعسكريا بغية إذلالها ونهب ثرواتها، والتحديات أمامنا رهيبة لا نقوى على مواجهتها إلا من خلال وحدة وتوافق وتكامل وتخطيط وتضحية وتفاني من أجل عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى إلى الواقع، والتحديات أمامنا قسمان، تحديات خارجية ومعوقات داخلية.
فمن التحديات الخارجية: تحول الدول العظمى بما تملك من عدة وعتاد إلى استراتيجية جديدة بعد القضاء على الشيوعية، ألا وهي استراتيجية القضاء على الإسلام، باعتباره العدو الأكبر والخطر الأقرب على فلسفة الغرب المادي، وتحركهم في ذلك القوى اليهودية في العالم، وهم أصحاب الثروات الهائلة والنفوذ الاقتصادي والسياسي والإعلامي، وشعارهم ” أبيدوا الإسلام ودمروا أهله “، وهذه القوى العالمية ترفض بشدة عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى، وهي التي سعت قديما بكل قوة حتى تمكنت من إسقاط الخلافة وتفتيت دولة الإسلام إلى دول متفرقة متنافرة، وهي تسعى اليوم إلى تفتيت المفتت، وتقسيم المقسم، حتى لا تقوم للمسلمين قومة بعدها أبدا، ولولا حفظ الله تعالى لهذه الأمة، ما بقي لها أثر، بسبب التحديات التي تفوق الوصف والتي تواجهها، أضف إلى ذلك الغزو الثقافي الذي نال معرفتنا بالإسلام، هذا الغزو الرهيب الذي يحاول صهر المسلمين في بوتقة الأفكار الغربية والثقافة الغربية، وتدمير عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام، فأنى لهؤلاء أن يقبلوا بظهور خلافة الإسلام من جديد، عودة النظام السياسي الإسلامي مرة أخرى.
ومن التحديات الداخلية: سيطرة الفكر العلماني على كثير من المثقفين في بلاد المسلمين، وغالب هؤلاء قد تركزوا في مفاصل الدول وأماكن اتخاذ القرار فيها، وهذا الفكر العلماني يرفض رفضا باتا عودة النظام السياسي الإسلامي من جديد، وأما عامة المسلمين فالكثير منهم إلا ما رحم الله يجهل موضع النظام السياسي الإسلامي من دين الله تعالى، وبعضهم يظن أن لا دين مع السياسة ولا سياسة مع الدين، وبعضهم يتباهى بالعلمانية، والبعض بالليبرالية، والبعض بالديمقراطية، وهم لا يعلمون أنها فلسفات غربية تضاد النظام السياسي في الإسلام جملة وتفصيلا، أضف إلى ذلك اتهام البعض لكل من ينادي بعودة النظام السياسي الإسلامي بأنه يريد استغلال الدين للحصول علي أهداف ومكاسب سياسية , أضف إلى ذلك انهزامية الكثير من المخلصين من أبناء الأمة ورؤية أمر عودة الخلافة مستحيلا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرنا بعودتها بقوله صلى الله عليه وسلم (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)
[المفتاح الخامس عشر]: طاعة أولي الأمر المسلم هي صمام الأمان الذي جعله النظام السياسي في الإسلام ، وذلك لصيانة حرمات المسلمين واستتباب أمورهم ، (تنبيه): ها هنا إشارة إلى أهم قواعد تأصيل المسألة، ولكن تفصيلها – حيث لا يسع المجال هنا وإلا خرجنا عن موضوعنا – في كتاب التجديد السابع: تجديد علم السياسة الشرعية الإسلامية وبيان قواعد تنظيم العلاقة الشرعية بين النظام الحاكم والمحكوم ففيه تأصيل جميع تلك القواعد بأدلة الكتاب والسنّة.
[المفتاح السادس عشر]: الطريق إلى تطبيق النظام السياسي الذي جاء به الإسلام على بلاد المسلمين: إنه طريق المصالحة والمصارحة بين أهل الحكم والسياسة وأهل العلم والدعوة، المصالحة باعتماد مبدأ عدم الافتيات على صلاحيات الحاكم المسلم، وعدم الطمع في أخذ حقه ومنافسته في حظه، والمصارحة في ظل الحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين بضرورة حمل الإسلام هدفا وغاية، تقرباً إلى الله تعالى، ونصرة لدينه، مع السعي الحثيث نحو التقارب والتكامل بين كافة القائمين على ثغور الإسلام، والمطالبة الجادة لاستئناف حياة إسلامية وقيام خلافة راشدة ونظام سياسي إسلامي خالص، وهذا الطريق الشاق الحكيم ما أحوجه إلى نشر الفهم الصحيح لدين الله تعالى بين كافة المسلمين فهما صحيحا شاملاً واسعاً يساهم مساهمة فعالة في الوصول بالعقلية الإسلامية نحو ذروة سنام الفهم الواسع لدين الإسلام والمحيط بكافة جوانبه، ومن تلك الجوانب ضرورة تطبيق النظام السياسي الرباني العادل الذي جاء به الإسلام في بلاد المسلمين.
***
المبحث الثالث النظام الاجتماعي في الإسلام نظام رباني متكامل يقوم على منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضل والقيم والعفة والفضيلة
تنبيه: من أهم الكتب والمراجع التي استفدت منها في هذا المبحث: أصول الدعوة للعلامة عبد الكريم زيدان: الفصل الرابع المبحث الأول نظام الأخلاق في الإسلام.
[المفتاح الأول]: النظام الاجتماعي في الإسلام: الاجتماع الإنساني ضروري، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، وإذا كان المجتمع ضرورياً للإنسان ولا بد من وجوده، فإنّه لابد للمجتمع من نظام اجتماعي يتضمن الحدود التي يجب أن يقف عندها الجميع، والضوابط العامة التي يجب أن يلتزم بها الجميع في سلوكهم حتى يستطيعوا العيش بأمان واستقرار، وبدون هذا النظام يتحول المجتمع الإنساني إلى مجتمع حيواني يأكل فيه القوي الضعيف، وتنتشر الفوضى وتعم الرذائل، على أنّه لا يصلح للمجتمع الإنساني إلا النظام الرباني الذي جاء به الإسلام لأنّه من عند الله تعالى العالم بخلقه وبما يصلحهم، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون َ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
[المفتاح الثاني]: أساس نظام المجتمع في الإسلام هو الدين الإسلامي:
(أ) أساس نظام المجتمع في الإسلام هو الدين وحسب، فليس الأساس هو الجنس ولا النوع ولا اللون ولا السلالة ولا الإقليم لأنّ الله تعالى خلقنا جميعاً من أصل واحد، لا فرق بين الناس سوى الدين والعقيدة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، فالتفاضل بين الناس لا أساس له سوى الدين: بما يحمله من معاني الإسلام والإيمان والإحسان، وبما يحمله من أركان العقيدة الإسلامية، وبما يحمله من معاني الأخلاق والقيم والتقوى، ويترتب على ذلك أن كل من ينتسب إلى الإسلام يكون أهلاً للانتماء إلى هذا المجتمع الإسلامي فيصبح عضواً فيه، ويساهم في بقائه وتحقيق أغراضه والتمتع بمزاياه وتحمل تبعاته مهما كان جنسه أو نوعه أو لونه أو لغته أو إقليمه أو حرفته.
(ب) إن إقامة المجتمع على أساس الدين الإسلامي والعقيدة الإسلامية لا يعني اضطهاد غير المسلمين، وإكراههم على تبديل دينهم، فهذا قول باطل لم يقل به أحد من علماء المسلمين، وذلك لأنّ الله تعالى قال في كتابه الكريم: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، وقال سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، والواقع خير دليل على ذلك، فلقد عاش النصارى بين المسلمين – على مر عصور التاريخ – يتمتعون بكافة الحقوق، وينعمون بالعدل والبر والقسط، في ظل قول الله تعالى للمسلمين: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8]، وقد شملهم عدل الإسلام وبر المجتمع الإسلامي وحمايته لهم ولأعراضهم وأموالهم وكافة حقوقهم.
(ت) لا يوجد أساس اجتماعي صحيح يقوم عليه المجتمع الإسلامي سوى أساس الدين، وكل ما عداه هو من العصبيات الباطلة التي حرص الإسلام على تهذيبها كالعصبية لجنس معين (فلا فرق بين عربي وعجمي) أو العصبية للون معين (ولا فرق بين أحمر ولا أسود ولا أبيض) أو العصبية لنسب (فلا فرق بين قبيلة كذا وقبيلة كذا)، أو العصبية لشعب (فلا فرق بين شعب كذا أو شعب كذا)، أو العصبية لإقليم (فلا فرق في ميزان النظام الاجتماعي الإسلامي بين من ينتسب إلى مصر أو الشام أو المغرب كلهم مسلمون لهم رابطة الانتساب إلى المجتمع الإسلامي الكبير)، فالمسلمون مهما تعددت جنسياتهم أو قبائلهم أو شعوبهم تربطهم رابطة الانتساب إلى الإسلام والإيمان، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم) ([73]) .
مع ملاحظة أنّ جميع الروابط السابقة غير مرفوضة ولكن بشرط أن لا تحمل شيئاً من الباطل وأن لا تعلو على رابطة الإسلام، فإن علت على رابطة الإسلام صارت من دعاوى الجاهلية المنكرة، قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية و ليس منا من قاتل على عصبية و ليس منا من مات على عصبية) ([74]) .
[المفتاح الثالث]: أهم خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي: أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تتمثل في: (أولاً) منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضل والقيم والعفة والفضيلة، و (ثانياً) نظام عدالة شاملة تنصف الجميع وتعلو على كل صور الظلم، و (ثالثاً) نظام أسري فريد لا مثيل له في دنيا البشر من تشريعات الزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما نحو الأسرة والأبناء، و (رابعاً) نظام اجتماعي شامل يوضح واجبات الفرد نحو اصلاح المجتمع الإسلامي وتقدمه، و (خامساً) نظام حسبي يحرص على المحافظة على هوية المجتمع المنتسب إلى الإسلام وقيمه وأخلاقه.
(أولاً) منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضيلة: من أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام وجود منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضل والقيم والعفة والفضيلة، فرسولنا الكريم هو قدوة البشرية جمعاء في الخلق العظيم، كما وصفه الله تعالى بقوله سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، والإسلام دين الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ([75]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً) ([76]) .
، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على حفظ كل الضرورات اللازمة لحفظ المجتمع، وتتمثل في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العرض وحفظ العقل وحفظ المال، حفظ الدين بحفظ عقائده وشرائعه وأخلاقه العظيمة التي بها زكاة المجتمع ورضا الرحمن، وحفظ النفس بتحريم كل ظلم يقع على النفس كالقتل والضرب والسب والإهانة، وحفظ العرض بتحريم الزنا واللواط وكافة الفواحش والرذائل، وحفظ العقل بتحريم كل مذهب للعقل من مسكر ومخدر ينزل بالإنسان إلى مرتبةٍ أخس من مراتب البهائم، وحفظ المال بتحريم الربا والميسر، وتحريم السرقة والغش ووكل صور أكل أموال الناس بالباطل والاحتيال.
وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على عفة المجتمع وطهارته من الرذائل والفواحش، وذلك بعفة الفروج عن كافة أنواع الفاحشة كالزنا واللواط، وتحريم كافة مقدمات الزنا، فنص الآية لا يأمر بتحريم الزنا فحسب، وإنما نهى عن مجرد الاقتراب من مسبباته، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، وعفة اللسان عن القذف (رمي الغير بالزنا) وعقوبته الجلد لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة، ولهذا كان عقابه غليظاً ولكنه عادل ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة.
وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على سد كل ذريعة إلى الفواحش والرذائل، ومن ذلك عدم جواز أن تخلو المرأة برجل غير زوجها أو من محارمها، وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعياً ساتراً لجميع البدن – ما عدا كحد أدنى الوجه والكفين – وأن لا يصف ولا يشف، ومن ذلك الأمر بغض البصر للرجال والنساء على السواء.
وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على كافة حقوق الإنسان التي تضمن له الكرامة، ولهذا حرّم الإسلام كل صور انتهاك أي حق من حقوق الإنسان،حتى حرّم التجسس والغيبة والنميمة وشهادة الزور وجعلها من الكبائر، وحرّم جميع صور الإهانة ومنها الضرب والسباب والشتم، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على جعل جميع المعاملات بين البشر يجب أن تقوم على الصدق والأمانة فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على مراعاة مظاهر الأخوة والتواد والتراحم والتعاون والتعاطف بين جميع المسلمين، كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([77]) .
(ثانياً) نظام عدالة شاملة تنصف الجميع وتعلو على كل صور الظلم: من أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام وجود منظومة ربانية لتحقيق عدالة شاملة تنصف الجميع وتعلو على كل صور الظلم وعدم تكافؤ الفرص، ومما يدل على أهمية العدل في الإسلام ورود الآيات الكثيرة فيه بالدعوة إليه، يدل على ذلك قوله تعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]، وقوله تعالى – لنبي الله داود عليه السلام -: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}[ص: 26] قوله تعالى – لأئمة المسلمين وعامتهم -: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
ومما يدلنا على أهمية العدل، ما ورد في القرآن الكريم من النهي عن الظلم في آيات عديدة من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57]، وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)} [الشورى: 40]، والمجتمع الذي يشيع فيه العدل يحس أفراده بالأمن والاطمئنان على حقوقهم، وإذا شاع الظلم كان ذلك إيذاناً بهلاك هذا المجتمع، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف اقاموا عليه الحد، وأيم الله لـو أن فاطمـة بنت محمـد سرقت لقطعـت يدها)) ([78]) .
(ثالثاً) نظام أسري متكامل فريد لا مثيل له في دنيا البشر: من أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام وجود نظام أسري فريد لا مثيل له في دنيا البشر من تشريعات الزواج وحقوق الزوجين وواجباتهما نحو الأسرة والأبناء، فالأسرة هي أساس كيان المجتمع لأن من مجموعها يتكون المجتمع فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع وإذا فسدت الأسرة فسد المجتمع، ولهذا اعتنى الشرع الإسلامي بالأسرة عناية كبيرة، لأنها أهم لبنات المجتمع الإسلامي.
(1) حث الإسلام على الزواج حثاً عظيماً، وجعله من سنن الإسلام وهديه، وجعل له أجراً عظيماً، وذلك لأنّه السبيل الوحيد لتكوين الأسرة المسلمة، وقد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ([79]) .
(2) وجعل الإسلام أساس بناء الأسرة المسلمة هو الزوجة الصالحة وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) ([80]) .
وذلك لأنّ بناء الأسرة المسلمة يحتاج إلى المرأة ذات الدين، لأنّ لها تأثير عظيم في صلاح الأسرة وتربية أبنائها على معاني الإسلام وحسن الأخلاق.
(3) رتبّ الإسلام حقوقاً للزوج وحقوقاً للزوجة وحقوقاً للذرية، وذلك حتى يضمن صلاح الأسرة ونجاحها في بناء لبنات المجتمع الإسلامي الصالح، فمن حقوق الزوجة (المهر) وهو حق خالص لها دون ذويها، و (النفقة) لأنها متفرغة لشؤون البيت وتربية الأطفال فكان من العدل أن يقوم الزوج بالنفقة عليها، و(وحسن العشرة بالمعروف)، كما في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله) ([81]) . و(الصبر عليها) فلا ينبغي للزوج إن رأى منها ما يكره أن يتعجل بطلاقها، لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 16]، ومن حقوق الزوج: (طاعته بالمعروف)، لأن القوامة له كما في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، ومن حقوق الزوج على زوجته (الأمانة معه وحفظه في نفسها وبيتها وماله، وعدم خيانته في شيء من أمورها)، ومن حقوق الأولاد على الوالدين:(تربيتهم) على أخلاق الإسلام، و(تعليمهم) الضروري من أمر الدين، و(تدريبهم وتعويدهم) على فرائض الإسلام وأهمها الصلاة.
(4) النظام الاجتماعي الإسلامي وتعدد الزوجات: أباح الإسلام للزوج أن يتزوج أكثر من واحدة إلى حد أربع زوجات، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، والمقصود بالعدل هنا العدل بين الزوجات في النفقات ونحوها مما يمكن فيه العدل، وتعدد الزوجات، وفي التعدد علاج حاسم لمشكلات العنوسة، وعند كثرة عدد النساء وقلة عدد الرجال، وهذه المشكلات لا يمكن حلها بصورة صحيحة إلا بإباحة التعدد شرعاً، واعتراض البعض على مبدأ التعدد، إنما هو اعتراض على شرع الله ودينه وكتابه، ورفض هذا المبدأ هو رفض للمعلوم من الدين بالضرورة، وهذا من الكفر الأكبر المخرج من دين الإسلام بالكلية.
(5) النظام الاجتماعي الإسلامي واباحة الطلاق: جعل الإسلام للزوج الحق في أن يطلق زوجته، والطلاق في الأصل غير مرغوب فيه في نظر الشريعة الإسلامية، فقد رغب القرآن الكريم في إمساك الزوجة المكروهة من زوجها، والصبر عليها، إبقاءً على الأسرة، وحرصا على استمرارها، قال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن، فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}، إلا أنّ الطلاق قد يكون ضرورة عند استحالة الحياة الزوجية، فآنذاك لابد من الطلاق كمخرج شرعي صحيح للزوج أو الزوجة عند استحالة استمرار التشارك على الحياة الزوجية، والطلاق جائز بنص الكتاب والسنّة والإجماع، واعتراض البعض على مبدأ جواز الطلاق إنما هو اعتراض على شرع الله ودينه وكتابه، ورفض هذا المبدأ هو رفض للمعلوم من الدين بالضرورة، وهذا من الكفر الأكبر المخرج من دين الإسلام بالكلية.
(6) حرصاً على استمرار الحياة الزوجية ضيق الإسلام مساحة الطلاق، فمنع الزوجة من سؤال زوجها الطلاق بغير سبب كما جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ([82]) .
وجعل الإسلام طرقاً لعلاج نشوز الزوجة لعلها أن ينصلح حالها دون طلاق، ومن ذلك قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، وإذا استحكم الخلاف بين الزوجين، جعل الإسلام وسائلَ لعلاج الخلاف لعلها تمنع الطلاق، منها مشاركة العائلة في حل الخلاف، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35]، فيختار الزوج حكماً من أهله، وتختار الزوجة حكماً من أهلها، فيجتمعان وينظران في الخلاف بين الزوجين وأسبابه ويعملان على إزالته، وكثيراً ما ينجح هذا التحكيم لأن كلاً من الحكمين حريص على علاج المشاكل بين الطرفين، أما إذا لم ينفع التحكيم واستمر الخلاف وأراد الزوج الفراق فعليه أن يصبر حتى يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ويطلقها طلقة واحدة (رجعية) ويكون له في هذا الطلاق الرجعي الحق في إرجاع زوجته خلال مدة العدة، فإذا انتهت مدة العدة ولم يراجعها الزوج، فله أن يراجعها بشرط بعقد نكاح جديد ومهر جديد، وله ذلك مرتين، كل ذلك لتضييق مساحة الطلاق وحرص الإسلام الشديد على الحياة الزوجية، أما إن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وذلك حتى لا يتلاعب الناس بشرع الله تعالى.
(7) من أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام فيما يتعلق بالأسرة هو الحرص الشديد على تربية الأولاد، فقد جعل الإسلام للذرية حقاً عظيماً على كلا الوالدين، الزوج والزوجة، منها (الرضاعة والنفقة) وهما واجبان لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233]، و (الحفظ والرعاية) لاسيما في فترة الصغر، و (التربية والتعليم) التربية على أخلاق الإسلام تعليمهم الضروري من أركان الإسلام، و (التعويد على فرائض الإسلام) لاسيما الصلاة والصيام) لعمر سبع، والعقاب بالضرب على ترك الصلاة لعمر تسع.
(8) من أهم خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام فيما يتعلق بالأسرة هو الحرص الشديد على بر الوالدين، فقد قرن الله تعالى عقوق الوالدين بالشرك كما في قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151]، وقرن بر الوالدين بالتوحيد كما في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23، 24]، ومن البر بهما أوجب الشرع الحكيم نفقة الأب الفقير على أولاده القادرين على الانفاق.
(9) النظام الاجتماعي الإسلامي ومهمة المرأة الأساسية: إن المرأة هي أعظم مؤثر على الأسرة وعلى المجتمع، وذلك لأنّ الدور الأكبر في تربية الأولاد واستقرار الأسرة إنما يعود على الأم ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألة المرأة كل عناية وتوضيح واهتمام، إنّ طبيعة المرأة تخالف طبيعة الرجل في أمور عديدة، فقد وهبها الله تعالى القابلية والقدرة على تربية أولادها والصبر عليهم في جو من حنان الامومة الفطري فيها، وعلى ذلك فالوظيفة الاصلية التي اختصت بها المرأة هي وظيفة الزوجة والأم وتربية الأولاد وتنشئتهم النشأة الصالحة، ولما كان تربية الاولاد تحتاج إلى وقت كاف إلى اداء هذه الوظيفة، ولذلك وفر لها الإسلام هذا الوقت، بأن رفع عنها مؤونة العمل خارج المنزل والاكتساب، وفرض على الزوج من واجب الانفاق عليها وعلى أولادها، ومن ثم لم تعد لها حاجة للعمل خارج البيت، لأن العمل يقصد به الكسب وتحصيل الرزق، وقد كفيت ذلك لقاء انصرافها إلى عمل جليل هو تربية الاولاد في البيت، كما أن الإسلام رفع عنها ايجاب بعض ما فرضه على الرجل للانصراف إلى مهمتها الأصلية من تربية الأولاد ورعاية البيت المسلم وتهيئة المسكن المريح للزوج الذي يأوي اليه بعد تعبه خارجه، فالجهاد في سبيل الله ليس بواجب عليها وجوبه على الرجل، والصلاة في المسجد من الواجبات أو السنن على الرجال دون النساء، وصلاة الجمعة تجب على الرجل دون المرأة، فهذا وأمثاله يدل على أن الإسلام يرغب في بقاء الزوجة في بيتها وعدم الخروج منه إلا لحاجة أو سبب معقول كل ذلك لأجل أن تنصرف إلى مهمتها الأساسية من تربية الاولاد ورعاية البيت المسلم، وكذلك فإن جلوس المرأة في بيتها تتفرغ لتربية أولادها وتهيئة بيتها، خير لها من خروجها لغير حاجة، وذلك لأنّ طبيعة المرأة أنّها عورة ينبغي صيانتها عن مطامع الرجال، ولذلك أوجب الإسلام عليها لبس الحجاب عند خروجها من منزلها، وحرص على عدم اختلاطها بالرجال إلى أكبر قدر ممكن، وفي سبيل ذلك لم يفرض عليها صلاة الجمعة، ولا يستحب لها اتباع الجنائز، وإذا حضرت للصلاة في المسجد وجب عليها أن تقف مع النساء في الصف الأخير خلف الرجال، وآخر صفوف النساء خير من أولها، وصلاتها في قعر بيتها أفضل لها إلا إن كان الذهاب إلى المسجد لطلب العلم، ومع هذا كله، فإن خروجها من بيتها يجوز في حدود الالتزام بالآداب الإسلامية في المشي واللباس والكلام، ولقد كانت الصحابيات رضي الله عنهن يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد لإعداد الطعام وسقي المجاهدين، ومداواة الجرحى، وهذا يستلزم الاختلاط، ولكنه اختلاط في حدود الشرع.
(10) النظام الاجتماعي الإسلامي وجواز عمل المرأة: ليس معنى ما سبق أنّه لا يجوز للمرأة أن تعمل، وهذا خطأ، لأنّ القاعدة في حقوق المرأة أنها فيها كالرجل الا فيما يختلفان فيه من استعداد وكفاية وقدرة، بشرط أن لا تعارض هذه الحقوق ما عليها من واجبات، وعلى هذه القاعدة فإن للمرأة حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة، لأن لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية، فهي فيه كالرجل.
(رابعاً) نظام اجتماعي شامل يوضح واجبات الفرد نحو اصلاح المجتمع الإسلامي: النظام الاجتماعي الإسلامي وواجبات الفرد نحو المحافظة على صلاح المجتمع الإسلامي: إنّ كل فرد في المجتمع الإسلامي مطالب بالعمل على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره للمحافظة على صلاح المجتمع الإسلامي لتحقيق هذا المطلوب قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، ومن أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على اصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مطالباً بإصلاح المجتمع، فمن البديهي انه مطالب بعدم افساده، كما قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]،
(1) من الأدلة على مسؤولية الفرد عن اصلاح المجتمع: قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، والمعروف اسم جامع لكل ما أمر به الشرع الإسلامي، والمنكر اسم جامع لكل ما نهى عنه، ويدخل في ذلك كل ما يصلح المجتمع ويطهره من الفساد، وكذلك قوله تعالى – على لسان لقمان وهو يعظ ابنه موعظة بها صلاح المجتمع – {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، ويؤكد القرآن الكريم مسؤولية الفرد عن اصلاح المجتمع بما يقصه من أخبار الامم السابقة التي فرّط أفرادها بواجب الاصلاح فلحقهم الذم والهلاك، حتى يعتبر كل مسلم بما حل بهم فلا يفرط تفريطهم لئلا يصيبه ما أصابهم، كما في قوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116]، وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]، فهذه الآية الكريمة دلت على أن الذين نجوا من العذاب، إنما نجوا بسبب نهيهم عن السوء والفساد، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([83]) .والحديث يوضح مسؤولية كل مسلم عن صلاح المجتمع وإزالة الفساد الذي يظهر فيه.
(2) النظام الاجتماعي الإسلامي وضرورة قيام المجتمع الصالح: إنّ قيام المجتمع الصالح ضروري لكل مسلم، لأن المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الذي خلق من أجله وهو عبادة الله وحده قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وتحقيق العبادة على الوجه المطلوب لا يتم إلا إذا كان المجتمع يعيش حياته وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية، ولهذا كانت أولى مهمات الدولة الإسلامية إقامة هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]، كما أنّ قيام المجتمع الإسلامي الفاضل ينجي من العقاب الجماعي، كما في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من قوفهم، فقالوا: لو انا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فان تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وان أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا) [أخرجه البخاري]، وفي الحديث دلالة على أنّ فساد البعض من المجتمع إن سكت عنه الجميع فإنه يؤدي إلى هلاك الجميع، وإن أصلحوا فسادهم نجو ونجو جميعاً.
(خامساً) نظام حسبي يحرص على المحافظة على هوية المجتمع المنتسب إلى الإسلام وقيمه وأخلاقه: لقد شرع الإسلام الحسبة على المجتمع حتى تكون أفعاله وأقواله وفق شرع الإسلام، فإن ترك المجتمع معروفاً تكفلت الحسبة بالأمر به وإيجاده، وأن ظهر في المجتمع منكراً قامت الحسبة بالنهي عنه وعملت على إزالته، وإزالة المنكر إذا ظهر فعله، والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه هو أساس ما يعرف بالشريعة الإسلامية بنظام الحسبة، وفي القاعدة التالية بيان أهم الأسس التي قام عليها نِظامُ الحِسْبَة على المجتمع في الإسلام.
المبحث الرابع نِظامُ الحِسْبَة على المجتمع في الإسلام نظام رباني متكامل يحرس الدين وينشر العفة والفضيلة ويحارب الفاحشة والرذيلة
[المفتاح الأول]: لقد شرع الإسلام الحسبة على المجتمع حتى تكون أفعاله وأقواله وفق شرع الإسلام، فإن ترك المجتمع معروفاً تكفلت الحسبة بالأمر به وإيجاده، وأن ظهر في المجتمع منكراً قامت الحسبة بالنهي عنه وعملت على إزالته، وإزالة المنكر إذا ظهر فعله، والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه هو أساس ما يعرف بالشريعة الإسلامية بنظام الحسبة
[المفتاح الثاني]: نظام الحسبة:
(1) التعريف بالحسبة: معناها في اللغة: العد والحساب، ومعناها في الاصطلاح هو أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وعلى ذلك فالحسبة تابعة لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك فإن الفقهاء يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حسبة أو احتساباً، ويسمون القائم على الحسبة – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – (المحتسب)
(2) دليل مشروعية الحسبة: كل آية وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على مشروعية الحسبة، وكل حديث ورد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على مشروعية الحسبة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71} [التوبة: 71]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([84]) .
(3) حكم الحسبة: الحسبة على الدين في مجملها فرض كفاية إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد، أثم القادرون جميعاً، وقد تصير فرض عين إذا تعينت على شخص معين كالمحتسب، وكالأب في بيته، والوالي في رعيته، ولكنها قد تحرم إذا تسببت في وقوع منكر أكبر من الأمر المحتَسب عليه، أما على التفصيل فإن حكم الحسبة يختلف باختلاف الشيء المحتَسب عليه، فإن كان موضوعها أمراً واجباً كانت واجبة، وإن كان أمراً مستحباً كانت مستحبة.
(4) مكانة الحسبة في الاسلام: للحسبة مكانة عظيمة جداً في الاسلام لأنها من أخص خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157} [الأعراف: 157]، وهي من أخص خصائص المؤمنين كما جاء في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71]، وقد كان ترك الحسبة سبب في لعن الأمم السابقة وطردهم من رحمة الله، كما في قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]، وقد كانت فضيلة (الحسبة) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب خيرية أمة الإسلام، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، والحسبة هي صمام الأمن في المجتمع وسبب نجاة المؤمنين من وقوع العذاب، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165} [الأعراف: 165]
[المفتاح الثالث]: أركان الحسبة: الحسبة تستلزم وجود من يقوم بها، وهذا هو المحتسب، ومن تجري عليه الحسبة وهذا هو المحتسب عليه، وعمل أو ترك تجري فيه الحسبة، وهذا هو المحتسب فيه، وما يقوم به المحتسب وهذا هو الاحتساب فأركان الحسبة أربعة: المحتسب، والمحتسب عليه، والمحتسب فيه، والاحتساب.
(الركن الأول) المحتسب:
(أ) المحتسب هو من يقوم بالاحتساب أي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن شاع عند الفقهاء اطلاق هذا الاسم على من يعينه ولي الأمر للقيام بالحسبة، وأطلقوا عليه أيضاً اسم والي الحسبة، أما من يقوم بها من دون تعيين ولي الأمر فقد أطلقوا عليه اسم “المتطوع” ثم راحوا يفرقون بين المحتسب والمتطوع، والفرق بين المحتسب والمتطوع: أنّ الاحتساب فرض متعين على المحتسب بحكم الولاية أي بحكم تعيينه محتسباً، أما فرضه على غيره فهو من فروض الكفاية ومن ثم لا يجوز للمحتسب أن يتشاغل عما عين له من أمور الحسبة بخلاف المتطوع، والمحتسب تلزمه اجابة من طلب ذلك منه بخلاف المتطوع إذ لا يلزمه من ذلك شيء، والمحتسب عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة حتى يتمكن من إزالتها كما أن عليه أن يبحث عما ترك من المعروف الظاهر حتى يأمر بإقامته، أما المتطوع فلا يلزمه ذلك، والمحتسب له أن يستعين على أداء مهمته بالأعوان، فيتخذ له من الأعوان والمساعدين بقدر ما يحتاج لأداء مهمته التي عين لها، وليس للمتطوع ذلك، وللمحتسب أن يعزر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها الى إقامة الحدود وليس للمتطوع ذلك، وللمحتسب أن يأخذ على عمله أجراً من بيت المال وليس للمتطوع ذلك، وللمحتسب أن يجتهد في المسائل المبنية على العرف فيقر منها ما يراه صالحاً للإقرار وينكر منها ما يراه مستحقاً للإنكار وليس للمتطوع ذلك، هذه الفروق بنيت على أساس التفريق بين المعين للحسبة وغير المعين لها، والحسبة من فروض الإسلام فلا يتوقف القيام بها على التعيين من قبل ولي الأمر، وينبغي على ولي أمر المسلمين أن يجعل في دولته نظاماً دقيقاً للحسبة، ويقوم بتعيين الأكفاء لها حتى لا تسود الفوضى في المجتمع باسم الحسبة، أما المتطوع فلا ينبغي له أن يتجاوز انكاره حد اللسان – إلا فيما يملك – لأنّ تغيير المنكر باليد ليس من اختصاصه، وإن قام به فإنه غالبا ما يؤدي إلى مناكر اكبر من تغييره للمنكر، إلا إن أمن بتغييره للمنكر بيده أنّه لا يقع منكر أكبر منه، فآنذاك يجوز له تغيير المنكر باليد.
(ب) ولاية المحتسب يستمدها أصلاً من الشرع الشريف: وذلك لأن المسلم مكلف بالحسبة وحيث يوجد التكليف توجد الولاية على القيام بما كلف به، إلا أن المعين من قبل ولي أمر المسلمين يملك من الولاية أكثر مما يملكه غير المعين، ومقصود هذه الولاية (ولاية المحتسب) هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد والامر بكل معروف ظهر تركه والنهي عن كل منكر ظهر فعله.
(ت) شروط المحتسب: اشترط الفقهاء شروطاً معينة في المحتسب ليكون أهلاً للاحتساب، وأهم تلك الشروط: أن يكون مسلماً وهذا شرط واضح لأن الحسبة نصرة للدين فلا يكون من أهل النصرة من هو جاحد لأصل الدين، وأن يكون عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وأن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف به المنكر فينهى عنه، ويعرف به المعروف فيأمر به حسب الموازين الشرعية، وبهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبط، وللمحتسب أن يستعين بأهل الخبرة والثقة في الحرف والأعمال التي يحتسب عليها، فيستشيرهم فيما يحتسب فيه من شؤون هذه المهن والحرف والصنائع ويأخذ بأقوالهم ما داموا أهل ثقة وأمانة.
(الركن الثاني) المحتسب عليه: تجري الحسبة على أي فرد في المجتمع بلا استثناء إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة، سواء كان إماماً للمسلمين أو واحداً من عموم الناس، وعلى هذا تجري الحسبة على جميع المسلمين دون استثناء، الأقارب والأباعد على حد سواء، لأن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر والكل أمام هذا الفرض سواء، إلا احتساب الابن على والديه يكون ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ولا يتعدى ذلك إلى الوسائل الأخرى كالكلام الغليظ والضرب، رعاية لحق الأبوة والأمومة دون تفريط بواجب الاحتساب، وإلا احتساب المحتسب على الأمير وصاحب السلطان والمنصب فإنّه يكون بالرفق واللين، ولا يكون الاحتساب عليهم لا بالقوة واليد، ولا بالتهديد ولا الوعيد ولا التشهير ولا نزع اليد من الطاعة، فكل تلك من صور الخروج المخالفة للسياسة الشرعية الحكيمة التي جاء بها الإسلام لضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، راجع بالضرورة كتابي: الكتاب السابع من هذه السلسلة: [مفاتيح علم السياسة الشرعية، وبيان القواعد الشرعية الصحيحة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم]، ، في ضوء الكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وسبيل علماء أهل السنة والجماعة الأئمة الأعلام) ففيه بحمد الله تعالى بيان تلك القواعد الربانية لتصحيح العلاقة بين الراعي والرعية في ظل السياسة الشرعية الإسلامية الحكيمة.
(تنبيه): كما تجري الحسبة على غير المسلمين المقيمين دار الإسلام، فيما يتعلق بشرائع الدين، وقد أمرنا الله تعالى بتركهم وما يدينون، إلا أن هذا الترك لهم لا يعني تركهم يخرقون نظام الإسلام ويتعاطون ما يناقضه علانية، وإنما يعني تركهم وما يعتقدون وما يباشرونه في بيوتهم ومعابدهم من صنوف العبادة، أما إذا تظاهروا وأعلنوا ما يناقض الإسلام كما لو سكروا في قارعة الطريق، أو خطبوا في الناس يعلنون شتمهم للإسلام وتكذيبهم لنبي الإسلام فإنهم يمنعون من ذلك وتجري أحكام الحسبة عليهم في ضوء ما يفعلون.
(الركن الثالث) المحتسب فيه: شروط المنكر الذي ينبغي الاحتساب عليه:
(أ) أن يكون ظاهراً ينكشف للمحتسب بدون تجسس، وعلى هذا من كان في بيته وقد أغلق بابه عليه وقام بشيء من المنكر لم يجز للمحتسب أن يتسلق الجدار أو يكسر الباب ليطلع على ما يفعله أهل الدار، ولكن لو ظهر المنكر الذي يباشرونه عن طريق الصياح أو الاستغاثة جاز للمحتسب اقتحام الدار لظهور المنكر عن طريق سمعه للصياح أو الاستغاثة.
(ب) أن يكون المنكر قائماً في الحال، ومعنى ذلك أن يكون موجوداً في الحال لأن المنكر إذا وقع وانتهى فلا احتساب فيه على فاعله وإنما لولي الأمر أن يعاقبه إذا ثبت ذلك عليه ولكن يجوز الاحتساب على فاعله بوعظه بعدم العودة إليه.
(ت) عدم الخلاف فيه بمعنى أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكراً حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء وإن كان غير جائز على رأي المحتسب، ولكن ينبغي أن يكون الخلاف سائغاً، وعلامة كونه كذلك أن يكون قال به عالم معتبر من علماء أهل السنّة المجتهدين كأحد أئمة المذاهب الأربعة المقتدى بهم في الدين، فهذا الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب عليه، أما الخلاف غير السائغ، فهو الخلاف الباطل الذي لم يقل به أحد الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، فهذا الخلاف لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول، ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب عليه.
(الركن الرابع) الاحتساب:
(أ) أمثلة للحسبة على العقائد: تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهر عقيدة باطلة، أو اظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة أو دعا الناس إليها أو حرف النصوص أو ابتدع في العقيدة بدعة لا أصل لها، منع من ذلك وجرت الحسبة عليه، ويدخل في ذلك الدعاة على أبواب جهنم كالدعاة إلى العلمانية والليبرالية والديمقراطية وغيرها من دعاوى الجاهلية، ويدخل في ذلك الحسبة على الفرق الضالة كالشيعة والخوارج والمعتزلة والمشبهة والمرجئة، ويدخل في ذلك رواية الأحاديث المقطوع ببطلانها وكذبها، وتفسير كتاب الله بالباطل من القول كتفسير الباطنية الذي لا تحتمله النصوص ولا اللغة ولا الشرع ولا المنقول عن علماء المسلمين المقتدى بهم في الدين.
(ب) أمثلة للحسبة على العبادات: ويدخل في ذلك ترك صلاة الجمعة من قبل أهل قرية أو بلد مع توافر شرط إقامتها، وترك الأذان أو الزيادة فيه بما لم يأت به الشرع، ومثل المخالفة لهيئات العبادات كالجهر في صلاة الاسرار، والاسرار في صلاة الجهر، أو عدم الطمأنينة في الصلاة، أو الافطار في رمضان، أو الامتناع عن اخراج الزكاة، وهكذا.
(ت) أمثلة للحسبة على المعاملات: ويدخل في ذلك الرشوة والغش في الصناعات والمبيعات، وأكل أموال الناس بالباطل، والتعامل بالربا، والتطفيف في الكيل والميزان وغيره من أنواع الغش، ويدل على ذلك الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس منا) ([85]) .
(ث) أمثلة للحسبة على ما يتعلق بالأخلاق والفضيلة: ويدخل في ذلك جميع ما يناقض الاخلاق الفاضلة، والآداب الإسلامية مثل خروج النساء بغير حجاب شرعي، والجلوس في الطرقات والتطلع على الحرمات.
[المفتاح الرابع]: مراتب الاحتساب: مراتب الاحتساب ثلاثة، المرتبة الأولى: تغيير المنكر باليد، ولو باستعمال القوة والاستعانة بالأعوان، والمرتبة الثانية: الاحتساب بالقول، ويشمل التعريف – أي تعريف المحتسب عليه بالحكم الشرعي لفعله أو تركه إذ قد يكون المحتسب عليه جاهلاً بذلك فارتكب المنكر-، والوعظ والنصح والارشاد والتخويف من الله تعالى – فقد يقلع العاصي عن معصيته إذا سمع نصح الناصح ووعظ الواعظ فيحصل المقصود من الاحتساب-، والتهديد والتخويف بإنزال الأذى به من قبل المحتسب وينبغي أن يكون ذلك مما يقدر عليه المحتسب فعلاً وبما هو غير ممنوع شرعاً لأنه إذا هدده بما لا يقدر عليه، لم يؤثر تهديده وإذا هدده بغير الجائز شرعاً، كان ذلك غير جائز، لأن على المحتسب أن لا يخالف الشرع في احتسابه، والمرتبة الثالثة: الاحتساب بالقلب، وهذا إذا عجز عن المرتبتين السابقتين، وهذه المرتبة لا يجوز أن يخلو منها أي مسلم يسمع بمنكر أو يراه إذ لا ضرر فيه ثم يتبع ذلك بالاحتساب القولي أو الفعلي.
[المفتاح الخامس]: فقه الاحتساب:
(أ) الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض وإيجاد المعروف فعلاً، وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب فيجب أن ينظر المحتسب الى ما يؤول اليه احتسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يحجم عن الاحتساب، وذلك لأن الاحتساب إنما يطلب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوباً شرعاً وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجباً أو فعل محرماً، لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر، لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح، فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقداراً من الفساد أكبر من الفساد القائم أو يفوت من الصلاح مقداراً أكبر من الصلاح الفائت لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع، فمن فقه الاحتساب: أن يتبصر المحتسب في حسبته، ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه او يحجم عنه،وهذا كله بالنسبة للواقعة المعينة والشخص المعين، اما بالنسبة للعموم فإن المحتسب يأمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً.
(ب) ومن فقه الاحتساب نستطيع أن نفهم لماذا منع العلماء من الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وإن ظهر منه شيء من الفسوق، لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه، وحيث كانت المفسدة أعظم لم يجز الاحتساب، كما أنَّ الإمام لا يزال في دائرة الإسلام ولم يخرج منه بفسقه، فيبقى له حق الطاعة على الرعية ما لم يأمر بمعصية فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة وحمل السلاح واحداث الفتنة والاقتتال بين المسلمين، كما أنّ السلطان بحاجة الى التلطف معه لما يحس من نفسه من سلطة، ولأنه محتاج الى الهيبة وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعاً لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب وبهذا أشار الفقهاء، ويقاس على السلطان نوابه وولاة الأمور، وقد يدل على ذلك و يؤيده، ما جاء في القرآن الكريم من أمر الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام وأخاه هارون وقد أرسلهما الى فرعون بقوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، (ت) ومن فقه الاحتساب: الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك عند الاحتساب، ودليل ذلك قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159} [آل عمران: 159]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه ” ([86]) .ومنها حديث الفتى الذي أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال:” يا نبي الله ائذن لي بالزنا، فصاح الناس به فقال صلى الله عليه وسلم: قربوه أُدن، فدنا حتى جلس بين يديه فقال له: أتحبه لأمك؟ فقال: لا جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك؟ قال: لا جعلني الله فداك، فقال له: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم،، “، وفيه أيضاً ” بال إعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال صلى الله عليه وسلم دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين “،([87])
[المفتاح السادس]: متى يحرم الاحتساب:
(أ)يحرم الاحتساب إذا لحق المحتسب من جرائه اذى جسيماً بغيره من اصحابه أو اقربائه او رفقائه أو عموم المسلمين حتى ولو قدرنا زوال المنكر، لأنه يفضي إلى منكر آخر هو إلحاق الأذى بالآخرين وهذا لا يجوز، لأن للمسلم أن يتسامح في حق نفسه ويتحمل الأذى ولكن ليس من حقه أن يتسامح في إيذاء غيره عن طريق احتسابه.
(ب) وكذلك يحرم الاحتساب إذا أدى إلى وقوع منكر أكبر من المحتسب عليه مع لحوق الأذى بالآخرين.
(ت) وكذلك يحرم الاحتساب إذا لم يكن من ورائه إلا إلحاق الأذى الجسيم بنفسه كقتله أو هتك عرضه دون أن يكون لاحتسابه اي مصلحة أو أي أثر في إزالة المنكر ورفعه.
***
المبحث الخامس النظام المالي (الاقتصادي) في الإسلام نظام رباني متكامل يحقق التكافل بين الناس ويدعم العدالة والحقوق
تنبيه: من أهم الكتب والمراجع التي استفدت منها في هذا المبحث: أصول الدعوة للعلامة عبد الكريم زيدان: الفصل الرابع المبحث السادس النظام الاقتصادي في الإسلام.
[المفتاح الأول]: ما هو النظام الاقتصادي الإسلامي: النظام الاقتصادي هو عبارة عن الأفكار والقواعد والأحكام التي تنظم النشاط الاقتصادي للأفراد في أي مجتمع، والانظمة الاقتصادية في العالم ثلاثة: اثنان منها من صنع البشر هما النظام الرأسمالي، والنظام الاشتراكي، وكلاهما نظامان ظالمان، الأول يظلم المجتمع على حساب الفرد، والثاني يظلم الفرد على حساب المجتمع، والثالث هو النظام الرباني العادل الذي يعطي كل ذي حق حقه بلا إفراط ولا تفريط لأنّه من عند الله، إنه النظام الذي جاء به شرع الإسلام (النظام الاقتصادي الإسلامي)، ولما كان الشمول من خصائص دين الإسلام الذي لم يفرط في شيء مما يحتاجه الناس، فمن البديهي أن نجد فيه تنظيماً للنشاط الاقتصادي للإنسان بما يضعه له من قواعد وأحكام يقوم على أساسها النظام الاقتصادي الإسلامي، ويبنى النظام الاقتصادي الإسلامي على أساس العقيدة الإسلامية، والأخلاق الإسلامية، وهو يراعي مصلح الفرد والمجتمع بصورة ربانية متوازنة فريدة تؤكد على ضرورة سد حاجات الأفراد اللازمة للعيش.
[المفتاح الثاني]: أسس النظام الاقتصادي الإسلامي: يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على مجموعة من الأسس الربانية الفريدة تتمثل في:
(أ) الأساس الأول: الملك لله وحده ومن لوازم الملك التام التصرف التام في المملوك: فالكون بكل ما فيه مملوك لله تعالى وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189]، وقال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120]، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: 22]، ومن لوازم الملك التام التصرف التام في المملوك، ولهذا فإنَّ لله وحده حق التصرف المطلق في جميع مخلوقاته.
(ب) الأساس الثاني: المال مال الله وهو المالك الحقيقي للمال: المال مال الله وهو المالك الحقيقي للمال قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، وما دام الملك لله والمال مال الله تعالى، فإنّ ملكية الإنسان للمال مجازية، ليس له من حق في التصرف بالمال إلا بإذن صاحبه وهو الله تعالى، والإنسان يخضع فيما يملكه من مال إلى جميع القيود والتنظيمات التي شرعها المالك الحقيقي وهو الله تعالى، وأنه لا يجوز للإنسان أبداً أن يخرج عن هذه القيود، فإن خرج عنها كان عاصياً لأمر الله واستحق العقاب المقرر في الشرع.
(ت) الأساس الثالث: الإنسان مستخلف في مال الله تعالى: المال مال الله تعالى ونحن مستخلفين فيه، قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7]، المالك للمال هو الله سبحانه وتعالى، وقد استخلفنا في هذه الأموال عمن كان قبلنا، وأمرنا أن نقوم بحق هذا الاستخلاف من عدم صرف المال إلا في مواضع الحاجة أو الفائدة التي تعود على المسلمين بالخير.
(ث) الأساس الرابع: الملك المجازي للإنسان وحق التصرف في مال الله: مع أن الملك الحقيقي هو لله رب العالمين، فقد اذن الله تعالى بفضله للإنسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه واضافته وتسميته مالكاً له، كما في قوله تعالى: {قال ربنا تبارك وتعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]،}، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274]، فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للإنسان اضافة ملك واختصاص، وفي الحديث الشريف (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه) ([88]) .فهذا الحديث الشريف يضيف المال للإنسان على وجه الملك له.
(ج) الأساس الخامس: المال قوام الحياة للمسلمين ويجب ان يستعملوه فيما يرضي الله: قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5} [النساء: 5]، فلابد للمسلم ان يستعمله فيما يرضي الله، ولابد للدولة المسلمة من الحفاظ على الثروات وعدم تضييعها، لأنها قوت المسلمين وقوام دنياهم، وهو وسيلة دولة الإسلام لتطبيق شرع الله، وتحقيق الاكتفاء الذاتي للمسلمين، والإعداد الجيد للدفاع عن دين الله، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].
(ح) الأساس السادس: المال وسيلة المسلمين لطاعة الله تعالى ابتغاء الدار الآخرة: الإسلام يجعل المال وسيلة لطاعة الله تعالى ابتغاء الدار الآخرة، فالدنيا في حقيقتها ما هي إلا مرحلة زائلة والدار الباقية هي الدار الآخرة، وإذا كانت الدنيا كلها ما هي إلا وسيلة للدار الآخرة فالمال وسيلة أيضاً للوصول إلى تلك الدار:قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46} [الكهف: 46]، وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)} [القصص: 77]، وهذا لا يعني حرمان المسلم نفسه من طيبات الدنيا التي أحلها الله تعالى لعباده، كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32]
(خ) الأساس السابع: المال وسيلة المسلمين لحمل رسالة الإسلام إلى العالم أجمع: ويتم ذلك أولاً: بتحقيق القوة المادية والدفاعية للأمة الإسلامية: وذلك بما يكفل لها الأمن والحماية ويدرأ عنها العدو المتربص باستقلالها والمستنزف لطاقاتها الاقتصادية، كما في بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، وثانيا: بتبني إعلام إسلامي عالمي يهدف إلى نشر الإسلام بما فيه من عقائد وأخلاق وشرائع ومبادئ وكافة جوانب دين الله تعالى (الإسلام) الذي لا يقبل الله تعالى من عباده جميعاً ديناً سواه، وثالثاً: بتبني مؤسسات دعوية إسلامية تنشر دين الإسلام بين الناس جميعاً، وتتكفل بمن يدخل في الدين كفالة تهيء لهم العمل المناسب والحياة الكريمة في ظل الانتساب للإسلام.
[المفتاح الثالث]: خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي: يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على مجموعة من الخصائص الربانية الفريدة من أهمها تلك الخصائص:
(أ) الخاصية الأولى: النظام الاقتصادي الإسلامي جزء من دين الإسلام الذي تعبدنا الله تعالى به: أهم ما يميز نظام الاقتصاد الإسلامي هو ارتباطه التام بدين الإسلام عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً، الأمر الذي يجعل النشاط الاقتصادي في الإسلام جزء من عبادة الله تعالى وطاعته، كما يجعل الرقابة عليه رقابة ذاتية ناشئة عن ضمير المسلم وعلاقته بربه تعالى، وقد وردت أحاديث عديدة تربط الاقتصاد الإسلامي بالدين، فمن ذلك ما أخرجه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) ([89]) . وما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا: (إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يَخُنْ أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما) ([90]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) ([91]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) ([92]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) ([93]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله) ([94]) .
(ب) الخصيصة الثانية: ذاتية الرقابة على ممارسة النشاط الاقتصادي في الإسلام: النظم الاقتصادية الوضعية قد انفصلت عن الدين تماماً، وأبعدته عن القيام بأي دور في نظامها الاقتصادي، ونتيجة لذلك فإن رقابة النشاط الاقتصادي في ظل هذه النظم قاصرة على سلطة الدولة، تمارسها طبقاً للقانون، الأمر الذي يجعلها في النهاية عاجزة عن تحقيق جميع أهدافها، بسبب عدم وجود رقابة ذاتية من داخل الضمير، أما في ظل نظام الاقتصاد الإسلامي فإنه يوجد إلى جوار الرقابة التي تمارسها الدولة رقابة الضمير المسلم، القائمة على الإيمان بالله وعلى الحساب في اليوم الآخر كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]، وقوله تعالى – عن حال الناس يوم القيامة -: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وهذا في حد ذاته فيه أكبر ضمان لسلامة النشاط الاقتصادي الفريد الذي جاء به شرع الإسلام.
(ت) الخاصية الثالثة: التوازن الرباني الفريد في رعاية المصلحة الاقتصادية للفرد والجماعة في آنٍ واحد: إنّ من الوسطية والاعتدال الذين حبى الله تعالى بهما نظم الدين الإسلامي أنّ النظام الاقتصادي الإسلامي جاء لمصلحة الفرد والمجتمع في آنٍ واحد، فهو لا يظلم الفرد ويهدر كرامته وحريته ومصلحته ويحرمه من ثمرة جهده وعمله من أجل الجماعة مثلما تفعل الاشتراكية، التي جعلت الدولة هي المالك لكل شيء وهي المنفردة بعناصر الإنتاج، وهو لا يظلم المجتمع ويضيع أخلاقه ويتلاعب بمصالحه من أجل مصالح أفراد معدودين كما تفعل الرأسمالية التي أعطت الفرد الحرية الواسعة في تكوين الأرباح بغض النظر عن كون هذه المكاسب تعود على المجتمع بالانحلال والفساد الأخلاقي والمادي، أما الاقتصاد الإسلامي فإنه يقوم على التوازن الرباني الفريد في رعاية المصلحة الاقتصادية للفرد والجماعة في آنٍ واحد، يرعى مصالح الفرد بما يعود عليه وعلى المجتمع بالخير، (لا ضرر ولا ضرار)، وعند التعارض فإنه يقدم مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد مع ملاحظة تعويض الفرد عما لحقه من أضرار، (لا تَظلمون ولا تُظلمون)
(ث) الخاصية الرابعة: التوازن الرباني الفريد بين الجانبيْن المادي و الروحي: الأنظمة الاقتصادية الوضعية الاشتراكية والرأسمالية كلاهما أعطى تركيزه على الجانب المادي فقط، حتى أصبح هو الهدف الوحيد للنشاط الاقتصادي في هذه الانظمة الوضعية، دون أي مراعاة للجانب الروحي، أما النظام الاقتصادي الإسلامي فهو يعطي كلا الجانبين المادي والروحي ما يستحقانه من الرعاية والعناية، إذ أنّه يدعو الإنسان إلى العمل والكسب في الدنيا، كما يدعوه في الوقت نفسه إلى العمل لطلب الآخرة، كما جاء في قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]، وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، [الجمعة: 10]
(ج) الخاصية الخامسة: مراعاة الفطرة الانسانية في حبها لتملك المال مع تهذيبها في طاعة الله: فطر الله الانسان على حب تملك المال، كما في قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر: 20]، وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، فلذلك أقر الإسلام له حرية العمل لجمع المال وتملكه من الحلال وترك له حرية اختيار العمل المناسب له، وأقر له المنافسة الحرة في مجال النشاط الاقتصادي، وأقر كذلك التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال نظراً لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول، وأقر الإسلام له حق الملكية الفردية، ورتب على مبدأ حق الملكية الفردية التزاماً عاماً على الكافة باحترامه وعدم المساس به إلا بوجه حق، وأقر الإسلام له حق الإرث: فاذا مات الشخص وترك مالاً، ورثه اقرباؤه، وفق منهج رباني فريد جاء على غاية في العدل والدقة، يراعي القرابة والنسب والحاجة، والإرث يحقق ضماناً اجتماعياً لأفراد الأسرة الواحدة، وفي مجال تهذيب تلك المباحات أتاح الإسلام حرية العمل في اطار من الأخلاق الاسلامية الفاضلة، وبشرط مراعاة ما أحله الله تعالى وما حرّمه، وفي مجال تهذيب الإسلام للملكية العامة أوجب الإسلام حقوقاً في مال الانسان مثل حق الزكاة والنفقات الشرعية، كما لا يعترف الإسلام بالنماء الناتج عن سبب باطل حرام.
أقر الإسلام للإنسان حرية العمل لجمع المال وتملكه من الحلال وترك له حرية اختيار العمل المناسب له، وأقر له المنافسة الحرة في مجال النشاط الاقتصادي، وأقر كذلك التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال نظراً لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول، ففي مجال حرية العمل لجمع المال وتملكه من الحلال، حث الإسلام الإنسان على العمل، ونهاه عن الكسل والبطالة، وأمره بالسعي في طلب الرزق، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ماا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) ([95]) .
وفي مجال حرية اختيار العمل المناسب له، ترك الإسلام للفرد مجال حرية اختيار العمل المناسب له، فلا يجوز تقييد حريته في مجال العمل والنشاط الاقتصادي بلا ضرورة تقضي ذلك، لأن في هذا التقييد اهداراً لحريته وكرامته، كما أقر الإسلام المنافسة الحرة بين الأفراد في مجال النشاط الاقتصادي، وأقر كذلك التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال نظراً لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32].
ضوابط الإسلام لحرية العمل: أتاح الإسلام حرية العمل في اطار من الأخلاق الاسلامية الفاضلة، وبشرط مراعاة ما أحله الله تعالى وما حرّمه، فلا يجوز الغش والخداع والخصام وتنزيل الأسعار الى حد الخسارة بحجة المنافسة الحرة بينما القصد منها الاضرار بالآخرين واحتكار البيع في السوق، وكذلك لا يجوز العمل في مجال المحرمات كالعمل في أي شيء يتعلق بالخمور والميسر أو فيما يتعلق بالربا، أو في أي عمل حرّمه الله كالسرقة والقتل والفواحش، أو أي عمل ينشأ عنه ظلم مسلم أو أكل ماله بالباطل. كما أقر الإسلام حق الملكية الفردية، ورتب على مبدأ حق الملكية الفردية التزاماً عاماً على الكافة باحترامه وعدم المساس به إلا بوجه حق، فقد أقر الإسلام حق الملكية الفردية، وبهذا الاقرار أمكن للفرد أن يكون مالكاً، كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس: 71]، فأثبت الله تعالى للناس الملك لما خلقه الله سبحانه وتعالى، مما يدل دلالة قاطعة على أن الإسلام يقر مبدأ الملكية الفردية، كما رتب الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزاماً عاماً على الكافة باحترامه وعدم المساس به إلا بوجه حق، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188]، وقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]
ومن ضوابط الإسلام للملكية العامة: ما شرعه الإسلام من حقوق في مال الانسان ووجوب أداء هذه الحقوق مثل حق الزكاة والنفقات الشرعية، كما لا يعترف الإسلام بالنماء الناتج عن سبب باطل حرام كالربا مثلاً أو بيع الخمور، بل يعتبر ذلك من الكبائر التي تضر بالفرد والمجتمع، ويجب إنكارها، وكذلك أمر الإسلام بالاعتدال وعدم الإسراف في الانفاق كما في قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وهذا الاعتدال المطلوب في الانفاق إنما هو في الانفاق على المباحات أو على حاجات الإنسان الضرورية كالأكل والشرب، أما الانفاق على المحرمات فممنوع قليله وكثيره، فلا يجوز الانفاق على الملذات المحرمة كالفحش والخمور ولبس الذهب من قبل الرجال ونحو ذلك مما وقع فيه المترفون الذين لا يخشون الله تعالى، مما أدى الى شيوع الفاحشة في المجتمع وظهور فئات كثيرة منحرفة تقوم بهذه الأفعال المحرمة التي يهواها هؤلاء المترفون.
كما أقر الإسلام حق الإرث: فاذا مات الشخص وترك مالاً، ورثه اقرباؤه، وفق منهج رباني فريد جاء على غاية في العدل والدقة، يراعي القرابة والنسب والحاجة، والإرث يحقق ضماناً اجتماعياً لأفراد الأسرة الواحدة، لما يوفره من أموال تعود الى الاحياء منهم إذا مات أحدهم وترك مالا، فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا يصيرون عالة على المجتمع.
(ح) الخاصية السادسة: مراعاة الاخلاق الإسلامية العظيمة والأعمال الفاضلة: يراعي النظام الاقتصادي الإسلامي الأخلاق العظيمة التي جاء بها شرع الله، فلا يجوز لإنسان أن يهملها، ومن هذه الأخلاق التي يراعيها النظام الاقتصادي الإسلامي: الصدق والامانة، والمحبة والإيثار والتعاون، كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، ومن الأخلاق التي ينهى عنها النظام الاقتصادي الإسلامي الحسد والخصام والحقد والبغضاء، والكذب والغش والخداع، والغدر والخيانة، كما يراعي النظام الاقتصادي الإسلامي الأعمال العظيمة التي جاء بها شرع الله، ومن ذلك النفقة على الوالدين وذوي القربى، وكفالة اليتامى، والصدقة على الفقراء والمساكين وإقراض المحتاجين، وتنفيس الكرب عن المكروبين، وتحقيق التكافل الاجتماعي بين كافة أفراد المجتمع، وينهى النظام الاقتصادي الإسلامي عن الأعمال التي تؤدي إلى فساد المجتمع، وانتشار الفواحش فيه كفتح حانات الخمور والفحش والرذيلة والاقراض بالربا.
(خ) الخاصية السابعة: ضمان توفير الضروريات وسد حاجات الأفراد والتأكيد على التكافل الاجتماعي: إنّ للإنسان حاجات مادية ضرورية لا يمكنه العيش بدونها كحاجته الى الطعام والشراب والسكن واللباس وما يلحق بهذه الأشياء وينزل منزلتها، ولا بد من توفير هذه الأشياء لكل انسان الى الحد الأدنى للعيش الكريم، وقد أكد النظام الاقتصادي الاسلامي على هذه الناحية أي لزوم سد هذه الحاجات الضرورية لكل انسان في المجتمع الإسلامي، ولهذا ألزم النظام الاقتصادي الإسلامي المسلمين جميعا بالتكافل من أجل ضمان تحقيق التكافل وتوفير الضروريات لكافة أفراد المجتمع، وأوجب على الدولة المسلمة أن تهيئ سبل العمل للقادرين عليه حتى ولو اقتضى الأمر اقراضهم من (بيت مال المسلمين) ما يستطيعون به العمل والاكتساب، وإذا عجز أي فرد عن سد حاجاته بنفسه لعجزه أو شيخوخته أو مرضه أو عدم تيسر العمل له مع قدرته عليه، وجب على أفراد أسرته القيام بالإنفاق عليه حسب القواعد المقررة في الفقه الاسلامي في باب النفقات الشرعية لأفراد الأسرة، وإذا لم يجد العاجز الفقير من ينفق عليه من أفراد أسرته لعدم وجودهم أو لفقرهم وجب اعطاؤه ما يكفيه من الزكاة وهي حق الفقراء في أموال الأغنياء، وحصيلة الزكاة من أوسع أبواب الضمان الاجتماعي العام للفقراء والمحتاجين، وإذا لم تكف الزكاة وجب سد حاجات المحتاجين من موارد بيت مال المسلمين الأخرى، كما أوجب الإسلام التكافل الاجتماعي بين المسلمين، بمعنى أنّه إذا لم يوجد في بيت المال ما يسد حاجات المحتاجين وجب على الأغنياء سد حاجات الفقراء، فلا يبيت مسلم شبعان، وجاره جوعان، وفي ذلك، أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل) ([96]) .
[المفتاح الرابع]: أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي: يهدف الإسلام في نظامه الاقتصادي إلى تحقيق: حد الكفاية المعيشية، وإلى الاستثمار الأمثل لكل الموارد الاقتصادية، وإلى تخفيف التفاوت الكبير في توزيع الثروة والدخل، وإلى تحقيق القوة المادية والدفاعية للأمة الإسلامية بما يكفل لها الأمن والحماية ويدرأ عنها الأعداء، وإلى تحقيق الإمكانات اللازمة لحفظ الدين ونشره والتمكين له في الأرض،
(الهدف الأول): تحقيق حد الكفاية المعيشية: وهذا المصطلح الفقهي يقصد به توفير مستوى ملائم من المعيشة لكل إنسان يعيش على دولة الإسلام، ومن أجل تحقيق حد الكفاية المعيشية أوجب الإسلام الزكاة، وكتب الكفارات، وأوجب النفقات، وحث على الصدقات، وجعل في المال حقوقاً أخرى دون الزكاة تحقق التكافل الاقتصادي، كل ذلك من أجل تحقيق الكفاية المعيشية للذين لا يقدرون على كفاية أنفسهم.
(الهدف الثاني): الاستثمار الأمثل لكل الموارد الاقتصادية دون إسراف أو تبذير: وذلك يتمثل في إنتاج الطيبات من الرزق وعدم إنتاج السلع أو الخدمات الضارة والمحرمة، والتركيز على إنتاج الضروريات والحاجيات التي تسهم في حماية مقاصد الشريعة، وعدم الإفراط في إنتاج السلع والخدمات الكمالية، وإبعاد الموارد الاقتصادية عن إنتاج السلع والخدمات التي تتطلب الإسراف، فإن المسرفين إخوان الشياطين، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27} [الإسراء: 27]، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152} [الشعراء: 151، 152]، وقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31} [الأعراف: 31]،
(الهدف الثالث): تخفيف التفاوت الكبير في توزيع الثروة والدخل: وعمدة هذا المبدأ قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، ولذلك نجد أنّ الإسلام يمنع من كنز الأموال ويمنع من الاحتكار ويمنع من كل وسائل أكل أموال الناس بالباطل كالربا والقمار والرشوة والغش وكل أشكال الاستغلال والأنانية التي يكون الفقير هو ضحيتها، كما أنّه يفرض الزكاة والنفقات الواجبة ويحث على الوصايا والأوقاف والصدقات التطوعية بشكل يحقق في النهاية توزيعاً عادلاً للدخل والثروة في المجتمع ويرتقي بحال الفقير، ويؤدي إلى تخفيف التفاوت الكبير في توزيع الثروة والدخل.
(الهدف الرابع): تحقيق القوة المادية والدفاعية للأمة الإسلامية: وذلك بما يكفل لها الأمن والحماية ويدرأ عنها العدو المتربص باستقلالها والمستنزف لطاقاتها الاقتصادية، كما في بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} [الأنفال: 60]
(الهدف الخامس): تحقيق الإمكانات اللازمة لحفظ الدين ونشره والتمكين له في الأرض: إنّ من أهم أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي نشر الدين وإظهاره وإقامة شرع الله في الأرض، كما قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} [التوبة]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) الفتح، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} [الصف]، وتحقيق هذا الهدف يكون بالدعوة إلى الله بكل الجهد والطاقة ليلا ونهارا جهرا وإسرارا، وقد وعد الله تعالى عباده الصالحين بتحقيق هذا الهدف، قال تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)}، [النور]
[المفتاح الخامس]: الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية:
(أ) النظام الاقتصادي الإسلامي من عند الله تعالى، فلا يمكن أصلاً أن نقارن بينه وبين النظم الاقتصادية الوضعية الاشتراكية أو الرأسمالية التي من صنع البشر، فشتان بين نظام اقتصادي يقوم على أسس مستنبطة من شرع الله الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وبين نظم اقتصادية تقوم على أسس من وضع البشر المخلوق الذي لم يؤت من العلم إلا قليلا، ولا يمكن أن نقارن بين نظام أسس بنيانه على تقوى من الله تعالى مع أنظمة أُسس بنيانها على شفا جرف هار، كما جاء في قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 109]، ولكن على سبيل إبراز عظمة النظام الاقتصادي الإسلامي وبيان الفروق بينه ويبين النظم الاقتصادية الوضعية لا بأس من ذلك لكي يزداد المسلمون إيمانا مع إيمانهم بأن الإسلام نظام شامل لجميع نواحي الحياة، وأنّه لا مقارنة بين شرع الله وقوانين البشر، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
(ب) شتان ما بين المنهج الرباني وما بين المناهج الوضعية: المنهج الرباني الذي يعتبر تحقيقه طاعة للرحمن مع كونه فلاح البشرية في الدنيا والآخرة بما تحققه من العدل والتكافل والرخاء، وما بين المناهج الوضعية التي في اعتقادها الكفر بشمول دين الإسلام، وفي تطبيقها دمار البشرية بما تجلبه من ظلم وفساد وفجور، البون شاسع من حيث المقاصد ومن حيث المنهج ومن حيث التشريع ومن حيث الأساليب والوسائل ومن حيث المقومات و من حيث حركة السوق، شتان ما بين حكم الله وحكم الجاهلية، حكم الله تعالى الذي يقول الله تعالى فيه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، وبين حكم الجاهلية الذي حذرنا الله تعالى منه بقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة: 49، 50]
(ت) الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية من حيث المقصد: يتمثل مقصد النظام الاقتصادي الإسلامي في إشباع الحاجات الأصلية للإنسان مادياً وروحياً، وتوفير حد الكفاية لكل فرد ليحي الناس حياة كريمة في ظل طاعة الله وعبادته، أما مقاصد النظم الاقتصادية الوضعية فمتناقضة، فهي في الرأسمالية تتمثل في تحقيق أقصى إشباع مادي ممكن وتكوين الثروات المادية للفرد ولو أدى ذلك إلى انحلال المجتمع أخلاقياً وروحياً، وهي في الاشتراكية تتمثل في هدر كرامة الفرد من أجل منفعة مزعومة للمجتمع لا يستفيد منها إلا فئة محدودة من مجرمي البشر.
(ث) الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية من حيث المنهج: يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على منهج اسلامي يقوم على الإيمان والأخلاق، أما النظم الاقتصادية الوضعية فهي تقوم على منهج الفصل بين الدين والاقتصاد، فلا دخل للدين ولا للعقيدة ولا للأخلاق في الاقتصاد، ومن هنا فقد المنهج الوضعي الرقابة الذاتية التي منبعها من الإيمان بالله ومحاسبة الضمير.
(ج) الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية من حيث التشريع: يضبط النظام الاقتصادي الإسلامي التشريع الرباني العادل المعصوم عن الخطأ والظلم، والمتمثل في مجموعة القواعد المستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية، كما أنه يحرص على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية من حفظ الدين والعقل والنفس والعرض والمال، بينما يحكم النظم الاقتصادية الوضعية مجموعة من المبادئ والأسس من استنباط واستقراء البشر الذي يصيب ويخطئ، كما تتأثر هذه المبادئ بأهواء واضعيها وأفكارهم التي تتصف بالجهل والعجز عن المعرفة الكاملة باحتياجات البشرية
(ح) الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية من حيث الأساليب والوسائل: النظام الاقتصادي الإسلامي يركز على مشروعية الغاية ومشروعية الأساليب ومشروعية الوسائل، فكل الأساليب والوسائل مرتبطة بشرع الله تعالى محكومة بالحلال والحرام بينما لا يعتقد بذلك في النظم الاقتصادية الوضعية.
(خ) الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية حيث المقومات: يقوم النظام الاقتصادي الإسلامية على مجموعة من المقومات من أبرزها زكاة المال وتحريم الربا وكافة المعاملات التي تؤدي إلي أكل أموال الناس بالباطل كما يطبق التكافل الاجتماعي وغير ذلك من المقومات المشروعة التي تحقق للإنسان الحياة الكريمة ورضا الله عز وجل، بينما تؤدي مقومات النظم الوضعية إلى تكدس الأموال في يد حفنة من الناس ليسيطروا على مقادير الآخرين.
(د) الفروق الأساسية بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظم الاقتصادية الوضعية من حيث حركة السوق: يعمل النظام الاقتصادي الإسلامي في ظل سوق حرة طاهرة نظيفة خالية تماما من: الغرر والجهالة والتدليس والمقامرة والغش والاحتكار والاستغلال وكل صور البيوع التي تؤدي إلي أكل أموال الناس بالباطل، ويضبط التزام المتعاملين بذلك كل من الوازع الديني والرقابة الاجتماعية والرقابة والحكومية، ويجوز للدولة التدخل في السوق إذا ما حدث خلل يترتب عليه ضرر للأفراد وللمجتمع، بينما يعمل النظام الاقتصادي الاشتراكي في طل سوق مخططة من حيث العرض والأسعار، فلا توجد فردية للإنتاج أو التسعير، وفي هذا قتل للحوافز البشرية على الإبداع والابتكار، كما يقوم النظام الاقتصادي الرأسمالي على فكرة حرية السوق أو ما يسمى أحياناً باقتصاد الطلب المنبثق من السوق بدون ضوابط عقائدية أو خلقية أو حدود انسانية لمنع الاحتكار والسيطرة والجشع وكل ما يمس ذاتية الإنسان وحفظ عقيدته وعقله وعرضه ونفسه وماله.
[المفتاح السادس]: أهم موارد بيت مال المسلمين : بيت لمال المسلمين هو الجهة الذي يتم من خلالها حفظ أموال المسلمين واحصاء دخل الدولة الإسلامية من مواردها المتعددة، واحصاء مصاريفها ومقدار هذه المصاريف مثل رواتب الجند والعمال والولاة ونحو ذلك من وجوه الصرف على المصالح العامة وحاجات الدولة، والزائد من الأموال بعد الصرف يحفظ في خزانة بيت مال المسلمين وينفق عند الحاجة إليه، فبيت المال إذن يشبه الخزانة العامة في الوقت الحاضر، حيث كل ما يعود للدولة من حقوق مالية يضاف اليها باعتباره حقاً لها، وكل ما تحتاجه الدولة من نفقات وصرف تتحمله هذه الخزانة العامة ويضاف إليها باعتباره حقاً عليها، وأهم موارد بيت مال المسلمين هي: الزكاة، والخراج، والجزية، والعشور، والفيء، وخمس الغنائم.
(أ) الزكاة هي أهم موارد بيت مال المسلمين: وهي في (اللغة) مأخوذة من النماء والزيادة، وهي في (الاصطلاح) حقّ واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص، وللزكاة مكانة عظيمة في الإسلام، وشرعها الله تعالى تطهيراً لنفوس البشرية من الشح والبخل والطمع ومواساة للفقراء والمساكين والمحتاجين، وتطهيراً للمال وتنميته وإخلال البركة فيه، ووقايته من الآفات والفساد، وإقامة المصالح العامة التي تتوقف عليها حياة الأمة وسعادتها، وقد ذكر الله تعالى الحكمة من أخذ الزكاة في كتابه حيث قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [سورة التوبة: من الآية103]، ولمعرفة الاحكام الفقهية للزكاة، وعلى من تجب، ومعرفة كل ما يتعلق بزكاة الأموال وأنصبتها، وزكاة بهيمة الأنعام، وزكاة الزروع والثمار، وزكاة عروض التجارة، وزكاة المعادن والركاز، ومعرفة مصارف الزكاة، وفقه أحكام زكاة الفطر، وغير ذلك مما يتعلق بأحكام الزكاة، علي كل مسلم أن يعرف الاحكام الفقهية للزكاة على أحد المذاهب الفقهية الأربعة، لأنها المدارس المتخصصة في علم الفقه ذات الخبرة العريقة في الفقه على أساس الكتاب والسنّة وهم الخبراء بأحكام الفقه، وقد قال الله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر: 14]
(ب) الجزية من موارد بيت مال المسلمين: والجزية هي المال المقدر المأخوذ من الذمي، فهي ضريبة على الرؤوس يلتزم غير المسلم بأدائها الى الدولة الإسلامية إذا ما دخل في الذمة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، ومن السنّة: ما جاء في صحيح البخاري (فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية) ([97]) . وأجمع المسلمون على أخذ الجزية من غير المسلم([98]) .
ويشترط لوجوب الجزية العقل والبلوغ والذكورة فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين، كما يشترط لوجوبها السلامة من الزمانة والعمى والشيخوخة فلا تجب على زمن ولا أعمى ولا شيخ كبير، وتجب الجزية في آخر كل سنة، وتسقط الجزية بعد وجوبها إذا أسلم الذمي أو عجزت الدولة الإسلامية عن حماية الذميين.
(ت) من موارد بيت مال المسلمين الأخرى: الخراج والعشور والغنائم وكل ممتلكات الدولة الإسلامية: (الخراج)، وهي ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة التي تركها المسلمون بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها، و(العشور) وهي ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمنون، و(الغنائم) وهي الأموال المأخوذة من الكفار بالقتال، و(الفيء) وهو كل مال أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، كما أنّ هناك موارد أخرى لبيت مال المسلمين منها (كل ممتلكات الدولة) من أراضي أو أنهار أو بحار أو موانئ تستغلها أو تؤجرها أو مشاريع أو مصانع أو ركائز كالنفط والمعادن أو غيرها مما يدخل ريعه في بيت مال المسلمين.
[المفتاح السابع]: أهم مصارف بيت مال المسلمين: ليست أملاك بيت مال المسلمين ملكاً لشخص أو عائلة مالكة، بل هي لعامة المسلمين حدد الشرع الحكيم مصارفها، ومن ذلك حدد مصارف الزكاة، وبين مصارف الموارد الأخرى بلا نهب ولا إسراف.
(أ) مصارف الزكاة: تصرف الزكاة لمن سماهم الله تعالى في كتابه في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]، و(الفقراء) هم المحتاجون الذين لا يجدون شيئاً، و(المساكين) وهم المحتاجون الذين يجدون ما لا يكفيهم، و(العاملين عليها) هم الموظفون على جمع الزكاة، و(المؤلفة قلوبهم) وهم نوعان: كافر ترجى بعطيته منفعة كإسلامه أو دفع مضرته، والنوع الثاني: مسلم يرجى حسن اسلامه أو اسلام نظيره، و(في الرقاب) ويدخل فيه عتق الرقيق وافتداء الأسرى و(الغارمين) وهم الذين عليهم ديون في أمور مباحة ولا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم، و(في سبيل الله) وهم المجاهدون في سبيل الله، فيعطون ما يحتاجون من سلاح ونفقة، و(وابن السبيل) وهو الغريب في البلد وليس عنده نفقة سفره ولا ما يوصله إلى بلده، ولا يجوز دفع الزكاة إلى كافر ولا إلى ذوي القربى من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم.
(ب) مصارف (زكاة المعادن وخمس الركاز): هي مصارف الزكاة، والواجب في (الغنائم) لبيت المال خمسها، ومصارف هذا الخمس ويقسم على من ذكرهم الله تعالى في سورة الأنفال، في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]
(ت) مصارف الفيء: تقسم على من ذكرهم الله تعالى في سورة الحشر، في قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7]، ويلحق بالفيء ويكون مصرفه مصرف الفيء جميع الأموال التي ليس لها مالك معين أو التي تعذر معرفة أصحابها.
(ث) مصارف ما تملكه الدولة من موارد أخرى: ويصرف فيما يعود على الإسلام والمسلمين بالخير، ولا يجوز التصرف فيه وفق نزوات البعض أو أهوائهم، وينبغي على الدولة الإسلامية استحداث مؤسسة مالية تقوم على وضع الخطط القصيرة والطويلة الامد بما يخدم قضايا الإسلام وأهله وفق الأولويات التي حددها شرع الإسلام، ومن أهم مهامها: تحقيق حد الكفاية المعيشية لكافة المسلمين، وتحقيق الاستثمار الأمثل لكل الموارد الاقتصادية الإسلامية، وإلى تحقيق القوة المادية والدفاعية للأمة الإسلامية، وذلك بما يكفل لها الأمن والحماية ويدرأ عنها العدو المتربص باستقلالها والمستنزف لطاقاتها الاقتصادية، وإلى تحقيق الإمكانات اللازمة لحفظ الدين ونشره والتمكين له في الأرض، وإلى تبني إعلام إسلامي عالمي يهدف إلى نشر الإسلام بما فيه من عقائد وأخلاق وشرائع ومبادئ وكافة جوانب دين الله تعالى (الإسلام) الذي لا يقبل الله تعالى من عباده جميعاً ديناً سواه، وتبني مؤسسات دعوية إسلامية تنشر دين الإسلام بين الناس جميعاً، وتتكفل بمن يدخل في الدين كفالة تهيء لهم العمل المناسب والحياة الكريمة في ظل الانتساب للإسلام.
***
المبحث السادس النظام التشريعي والجزائي في الإسلام نظام رباني متكامل يحقق الأمن والأمان ويردع المجرمين والمنحرفين
تنبيه: من أهم الكتب والمراجع التي استفدت منها في هذا المبحث: أصول الدعوة للعلامة عبد الكريم زيدان: الفصل الرابع المبحث الثامن.
[المفتاح الأول]: النظام التشريعي والجزائي في الإسلام شرع الله تعالى لا يجوز استبداله بغيره:
(أ) الحكم والتشريع من صفات الربوبية والألوهية وهي صفات لا تنبغي إلا لله، وأفراد الله تعالى بالحكم والتشريع بين البشر هو جزء من عقيدة التوحيد، واستحلال اتخاذ شركاء لله تعالى في الحكم والتشريع نوع من أنواع الشرك الأكبر المضاد لعقيدة التوحيد.
(ب) أبرز أقسام التوحيد عند أهل الإسلام: توحيد التحكيم والتشريع، وهو توحيد الله تعالى بتحكيم شرعه: لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَالِمُونَ} [المائدة: 45]، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، وقوله تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21]، وقوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31].
(ت) جاء في السنّة المشّرفة أنّ معنى اتخاذهم أربابا من دون الله: إعطائهم حق التشريع والتحليل والتحريم من دون الله، فقد أخرج الترمذي عن عدي بن حاتم قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب، فقال لي: يا عدي بن حاتم، ألق هذا الوثن من عنقك، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31]، قال: قلت: يا رسول الله، إنا لم نتخذهم أربابًا، قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرموه عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت: بلى، قال: تلك عبادتهم) ([99]) .
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب قال فسمعته يقول {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} قال قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم) ([100]) . وأخرج الطبري والمفسرون عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ “سورة براءة”، فلما قرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، قلت: يا رسول الله، إما إنهم لم يكونوا يصلون لهم! قال: صدقت، ولكن كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه، وأخرج عن حذيفة رضي الله عنه: أنه سئل عن قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه، وأخرج عنه أيضاً: قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم) أهـ([101]) .
وقال القرطبي في تفسيره عند آية آل عمران قوله تعالى: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى، وهو نظير قوله تعالى: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31]، معناه: أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله) أه([102]) .
[قلت]: واجماع أهل السنّة والجماعة: أنّ من استحل الحكم بغير ما أنزل الله فقد كفر الكفر الأكبر وأشرك الشرك الأكبر باتخاذه مشرعاً من دون الله تعالى، ومن استحل أنّ يشرع للناس بما يخالف شرع الله، فهو طاغوت من الطواغيت التي لا يصح عقد الإيمان إلا بالكفر به كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]، فمن شرع شيئاً من عند نفسه وجعله مضاهياً لشرع الله، فقد جعل نفسه شريكاً لله سبحانه وتعالى في ربوبيته، ومن أقر بحق التشريع لغير الله، أو استحل تشريع غير الله، فقد جعل ذلك الغير شريكاً لله في ربوبيته، واتخذه رباً من دون الله، وهو بذلك مشرك كافر مرتد عن دين الله تعالى، والضابط الفقهي للمسألة هو (الاستحلال)، فمن استحل فقد كفر الكفر الأكبر، ومن أقر وحكم بغير ما أنزل الله، فهو كافر في إطار الملة (كفر دون كفر)، مع ملاحظة أنّ توحيد الحكم والتشريع، لا يعارضه عمل الفقهاء والمجتهدين في تقنين الشريعة، لأنّ عملهم هو استخراج واستنباط الاَحكام الشرعية من الكتاب والسنّة وهو اجتهاد في معرفة شرع الله، لا إنشاء شرع جديد.
(ث) شريعة الله تعالى واجبة التطبيق، ليس لمسلم أن يعطل منها شيئاً، ويدلنا على ذلك خطاب الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم بلزوم تطبيق شرع الله تعالى دون مجاملة ولا مداهنة لأحد، والتحذير الرباني من تركه لشيء من شرع الله: كما في قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 18 إلى 20]، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48 إلى 50]، وقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 13 إلى 15]، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21].
[المفتاح الثاني]: أهم خصائص النظام التشريعي والجزائي في الإسلام: خصائص النظام التشريعي والجزائي في الإسلام هي خصائص شريعة الإسلام، وأهم خصائص شريعة الإسلام: أنها من عند الله أما ما دونها فهي جميعاً من وضع البشر، وأنّ الاحتكام إليها توحيد وإيمان واسلام، والاحتكام إلى غيرها شرك عظيم، وكفر كبير، وأنها شريعة محفوظة عن أن تمتد إليها أيادي التحريف والتبديل، وأنها شريعة معصومة عن الخطأ خالية من كل النقائص، وأنها شريعة تامة شاملة كاملة تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين، وأنها شريعة عامة تصلح لكل البشر على اختلاف أجناسهم، وأنها شريعة تناسب فطرة الإنسان الذي لا يصلحه إلا شريعة الرحمن، وأنها شريعة عادلة فعالة قادرة على تحقيق العدالة والصلاح والطهر والعفاف وقمع الفساد والجريمة ودسائس الأخلاق، وانها ثابتة وفق علم الله القديم فلا تتبدل ولا تتحول وفق أهواء البشر.
(أ) أنها شريعة من عند الله الحكيم العليم الخبير بما يصلح الناس في حياتهم ويحقق بينهم العدل، أما ما دونها فهي جميعاً من وضع البشر، والاحتكام إلى شرع الله تعالى توحيد وإيمان واسلام، والاحتكام إلى غيره شرك عظيم، وكفر كبير، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى:21]، وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]،
(ب) أنها شريعة محفوظة عن أن تمتد إليها أيادي التحريف والتبديل، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى – عن القرآن الكريم مصدر الشريعة -: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].
(ت) أنها شريعة معصومة عن الخطأ خالية من كل النقائص، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
(ث) أنها شريعة تامة شاملة كاملة تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين، قال تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
(ج) أنها شريعة عامة تصلح لكل البشر على اختلاف أجناسهم، قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الاعراف]، وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فضلت على الأنبياء بست، منها (وأرسلت إلى الخلق كافة) ([103]) .
(ح) إنها شريعة ثابتة خالدة لا يلحقها تبديل ولا تغيير، جاءت وفق علم الله القديم بما يصلح حياة الإنسان، فلا تتبدل ولا تتحول وفق أهواء البشر، وهي بذلك تصلح لكل العصور والأزمنة من يوم مبعثه عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض، قال تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [يونس: 64]،
(خ) أنها شريعة تناسب فطرة الإنسان، لا يصلحه إلا شريعة الرحمن، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].
(د) أنها شريعة عادلة فعالة قادرة على تحقيق العدالة والصلاح والطهر والعفاف وقمع الفساد والجريمة ودسائس الأخلاق، وليس ذلك إلا لشرع الله وحده، وذلك لأنّه قام على أسس ربانية عليمة بحال الناس وغرائزهم، ومحيطة إحاطة تامة بما يصلح له أمر الناس، مما يؤدي الى قمع الإجرام فيهم، مع عدالة تامة في تقدير العقوبة وجعلها بقدر الجريمة، وصدق الله العظيم حيث يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
[المفتاح الثالث]: القانون الجنائي الاسلامي آية معجزة من آيات الله تعالى الدالة على أنّه لا يصلح للبشر إلا شرع الله:
(أ) القانون الجنائي الاسلامي هو جزء من الشريعة الإسلامية، وهو القانون الأوحد الذي يصلح لجميع البشر بمختلف أجناسهم بما يحتويه من الرحمة والعدل والردع لكافة الناس في جميع بقاع الأرض، والناس جميعاً مخاطبون بأحكامه، مطالبون بتنفيذه، ولو طبقوه لنعموا بالخير والعدل والأمن والأمان، فقد أخرج النسائي في سننه الكبري عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحاً) ([104]) .وأخرجه أحمد في مسنده بلفظ (حدٌ يقام في الأرض خير للناس من أن يمطروا ثلاثين أو أربعين صباحاً) ([105]) . والمسلم من باب الأولى هو المعني بتطبيق شرع الله تعالى، لأنه النظام الذي جاء به دين الإسلام لمصلحة العباد جميعا، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].
(ب) أنواع الجرائم: (الجرائم): هي في مصطلح القانون الجنائي الاسلامي: محظورات شرعية زجر الشرع الإسلامي عنها ورتب على فعلها عقوبة بحد او تعزير، فالعقوبة المقدرة شرعاً هي (الحد)، وإن كان تقديرها مفوضاً الى رأي القاضي تسمى (التعزير)، فاذا خلا الفعل او الترك من عقوبة لم يكن جريمة، في مصطلح القانون الجنائي الاسلامي، و(أنواع الجرائم): قسّمها الفقهاء بالنظر إلى نوع العقوبة إلى ثلاثة انواع، وهي: جرائم الحدود وجرائم القصاص والديات، وجرائم التعزير، و(جرائم الحدود) هي الجرائم التي قدّر الشرع عقوبتها وجعلها حقاً خالصاً لله، فلا يجوز العفو عنها ولا التصالح فيها إذا وصلت إلى القاضي، وتشمل: الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي، و(جرائم القصاص والديات) وهي الجرائم التي قدّر الشرع عقوبتها وجعل حقها يرجع طرف منه إلى البشر، فإن شاء المظلوم أن يسامح ويعفو، فله ذلك، وتشمل جرائم القتل والجروح وقطع الاطراف،، وعقوبة هذه الجرائم (القصاص)، ومعناه أن يفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه، إذا توافرت شروطه، أو (الدية) إذا كانت الجريمة غير عمدية، او كانت عمداً ولم تتوافر شروط القصاص الاخرى، و (الدية) هي المال الواجب في الجناية على النفس او على ما دون النفس بشروطها المقررة في الفقه الاسلامي، وقد تجب (الكفارة) أيضاً في جرائم القتل، ولولي القتيل أن يعفو عن القصاص، كما له أن يعفو عن الدية لأنها حقه، وفي جرائم الجراح ونحوها يجوز للمجني عليه أن يعفو عن الجاني، واما الكفارة فهي عقوبة فيها معنى العبادة وتكون بعتق رقبة مؤمنة او بالصيام، و(جرائم التعزير) وهي الجرائم التي ترك الشرع تقديرها مفوضاً الى رأي القاضي،
(ت) العقوبة والجزاء: الأصل في الجزاء عند شرع الإسلام هو جزاء الآخرة، ولكن جعل الشرع الحكيم العقوبة في الدنيا للحفاظ على استقرار المجتمع، وزجر المجرمين، وردع من تسول لهم أنفسهم ارتكاب الجرائم، وتنظيم علاقات الافراد على أساس العدل وضمان الحقوق، وتشريع العقاب الدنيوي من رحمة الله بعباده: لأنّه يزجر الانسان عن ارتكاب الجريمة فيتخلص من الاثم، وإذا وقع في الجريمة، فان العقوبة في حقه بمنزلة التطهير من الإثم، كما أن في هذا العقاب للمجرم مصلحة مؤكدة للمجتمع، لما يترتب عليه من اطمئنان الناس على حياتهم وأموالهم واخافة للمجرمين، وهذه المصلحة العامة يهون معها الضرر الذي يصيب المجرم بسبب ما جنت يداه.
(ث) الحزم وعدم التهاون في إقامة العقوبات الشرعية: كما في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)} [النور: 2]، فالعقوبات الشرعية واجبة التطبيق والتنفيذ، لا يسع ولي الأمر التهاون فيها أو تعطيلها لأنها من شرع الله، ولأنّ تعطيلها يؤدي الى سخط الله تعالى كما يؤدي الى فساد المجتمع واضطراب احواله وسوء اوضاعه، واذا اقيمت الحدود الشرعية ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر، فينبغي أن يكون ولاة الامور أشداء في اقامة حدود الله لا تأخذهم رأفة في الدين.
(ج) المساواة في اقامة العقوبات الشرعية: فالعقوبات الشرعية تقام على جميع من قامت فيهم أسبابها وشروطها، لا فرق بين شريف ووضيع، وقوي وضعيف، فان المحاباة في انزال العقوبات الشرعية سبب لهلاك الأمة جاء في الحديث الشريف أن امرأة من بني مخزوم سرقت فكلموا اسامة بن زيد ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن العفو عنها، فلما فعل ذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (انما أهلك الذين من قبلكم انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ([106]) .
كما لا تجوز الشفاعة في الحدود لقوله صلى الله عليه وسلم: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) ([107]) . وهذه هي الشفاعة السيئة، التي جاء فيها قول الله تعالى: {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)} [النساء: 85]
(ح) جميع العقوبات الشرعية قائمة على العدل والردع: جميع العقوبات الشرعية بنيت على أساسين كبيرين: هما العدل والردع، ويظهر (العدل) في أن العقوبة بقدر الجريمة، كما في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، فليس فيها زيادة على ما يستحقه المجرم، وليس فيها أي ظلم أو قسوة على العباد، كما يظن هذا بعض المنافقين، ويظهر (الردع) في مقار الألم الذي تحدثه العقوبة في المجرم وما تسببه له من فقدان حريته أو بعض أعضائه، مع شهود المجتمع لعذابه، ولا شك أن هذا كله يمنعه من ارتكاب جريمته.
(خ) عقوبات الحدود: (الحدود) هي: العقوبات المقدرة لجرائم الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي، ولا يجوز اسقاط هذه العقوبات بعد ثبوت جرائمها امام القضاء حتى ولو رضي المجني عليه بهذا الاسقاط، لتعلق حق الله بهذه العقوبات.
(*) حد الزنا: الجلد مع التغريب أو الرجم: أما الجلد فالأصل فيه قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2]، كما جاءت السنة النبوية مقررة للجلد، من ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بجلد رجل أقر بزناه مائة جلدة وكان بكراً، ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصناً، أما الرجم، فقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه علماء أهل السنّة والجماعة، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: (إن الله أنزل على نبيه القرآن، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها، ورجم النبي صلّى الله عليه وسلّم ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنا إذا أَحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف) ([108]) .
والرجم معناه رجم الزاني بالحجارة أو ما يقوم مقامها حتى الموت، ولا يجب الرجم إلا على المحصن بإجماع العلماء، ومن شروط الاحصان أن يكون الزاني قد وطئ وطئاً كاملاً في نكاح تام، أما (التغريب) فمعناه نفي الزاني عن البلد الذي زنى فيه إلى بلد غيره، وقد اختلف العلماء في وجوبه مع الجلد، فعند الحنفية لا تغريب مع الجلد إلا إذا رأى الامام المصلحة فيه فيكون تعزيراً لا حداً، وعند الحنابلة والشافعية لا بد من تغريب الزاني غير المحصن لمدة سنة مع جلده سواء كان ذكراً أو انثى، وقال مالك يغرب الرجل ولا تغرب المرأة، والحبس قد يحل محل التغريب في الفقه الإسلامي.
(*) حد اللواط: اللواط يدخل في مفهوم الزنى عند الجمهور كالمالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، فيكون عقابه عقاب الزنى، وقد أخرج أحمد وأبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي من حديث عكرمة عن بن عباس (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) ([109]) .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به أو رجمهما ضعيف،([110])
وقال العيني في عمدة القاري : وحديث: ” ارجموا الفاعل والمفعول به ” متكلم فيه([111]) .، وقال الالباني في الارواء حسن صحيح،([112]) .
[قلت] الحديث مختلف في صحته ولم يأخذ به جمهور الفقهاء – وهو أهل هذا الفن – ولهم أدلتهم القوية في إلحاقه بالزنا، وعقوبة الزنا بها الردع الكافي.
(*) حد القذف: القذف شرعاً الاتهام بالزنى، أي نسبة الشخص الى الزنى بشروط معينة، كأن يقال: يا زاني، أو يا زانية، وعقوبته الجلد ثمانون جلدة، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]، والنص وإن ورد في المحصنات لكن الحكم يثبت في المحصنين أيضاً وعليه اجماع الفقهاء، ويشترط لوجوب عقوبة القذف شروط منها أن يكون القاذف بالغاً عاقلاً، وأن يكون المقذوف مصحناً رجلاً كان أو امرأة، وشرائط الاحصان هي العقل والبلوغ والحرية والعفة عن الزنى والاسلام وهذا عند جمهور الفقهاء.
(*) حد اللعان: إذا قذف الزوج زوجته بالزنى، وعجز عن إثبات قذفه، وجب عليه اللعان، وإذا أثبت قذفه بالبينة وجب على زوجته حد الزنى، والأصل في اللعان قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6 إلى 9]
(*) حد الخمر: وهو ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ضرب في شرب الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين، وكان علي رضي الله عنه يضرب مرة أربعين، ومرة ثمانين، فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب اربعون، والزيادة يفعلها الامام عند الحاجة، والخمر التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها هي: كل شراب مسكر من أي أصل كان سواء كان من الثمار أو الحبوب أو غيرها، وتحريم الخمر ثابت في القرآن الكريم كما هو ثابت بالسنة النبوية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90].
(*) حد السرقة: السرقة اعتداء على مال الغير بأخذه خفية ظلماً بشروط معينة، منها: ان يكون محرزاً ولا تقل قيمته عن ربع دينار ذهبا، وعقوبتها قطع اليد قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]، والسرقة بالإكراه والتهديد بالسلاح ليست سرقة وإنما هي حرابة يطبق عليها حد الحرابة، وهو حد أشد عقوبة من الزنا، أما خيانة الأمانة وجحدها والاختلاس وغيره من صور الاعتداء على مال الغير التي لا تعتبر سرقة بالمعنى الاصطلاحي الفقهي، لا يجب فيها قطع اليد وإنما يجب فيها التعزير.
(*) حد الحرابة: الحرابة عند الفقهاء هي الخروج على المارة لأخذ المال منهم مجاهرة بالقوة والقهر، مما يؤدي الى امتناع الناس عن المرور وانقطاع الطريق، سواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة، بسلاح أو غيره، ويسمى مرتكب هذه الجريمة، بالمحارب، والأصل فيه قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33،34]، وعقوبة قاطع الطريق أن يقتل أو يصلب إذا قتل وأخذ المال، ويقتل بلا صلب إذا قتل ولم يأخذ مالا، وتقطع يده ورجله من خلاف إذا أخذ المال ولم يقتل، وينفى من الأرض إذا أخاف السبيل فقط فلم يقتل ولم يأخذ مالا، هذا مجمل الحكم، وله تفصيل عند الفقهاء.
(*) حد المرتد: هو الراجع عن دين الاسلام إلى الكفر، وعقوبة المرتد القتل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ([113]) .
ويجب إمهال المرتد قبل قتله ويعرض الاسلام عليه لعله يرجع عن ردته، فأن أبى قُتل.
(*) حد البغي: البغي هو خروج جماعة ذات قوة وشوكة على الامام بتأويل سائغ يريدون خلعه بالقوة والعنف، والأصل في حد البغي قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]، وعقوبة البغاة قتالهم إذا أظهروا العصيان للإمام وامتنعوا عن أداء ما عليهم من حقوق وجاهروا بذلك وتهيؤوا للقتال، ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم الامام من يسألهم ويكشف لهم الصواب ويدفع ما يحتجون به وينذرهم ويخوفهم نتيجة بغيهم ويدعوهم الى الطاعة والرجوع الى الجماعة، فإذا أبوا قاتلهم، هذا ويجوز قتالهم وإن لم يبدؤوا بالقتال فعلاً، إذا ترجح للإمام أنهم يماطلون ويسوفون ويريدون كسب الوقت وتجميع الأنصار استعداداً للقتال، وقد يكون، في هذه الحالة، من الحزم معاجلتهم قبل أن يستفحل شرهم وتقوى شوكتهم فيصعب القضاء عليهم، فاذا رجع البغاة الى الطاعة ولزوم الجماعة لم يجز قتالهم لأن المقصود حصل وهو رجوعهم الى طاعة الامام.
(د) عقوبات القصاص: النوع الثاني من أنواع العقوبة في الشريعة الإسلامية: القصاص والديات، وتجب هذه العقوبة في جرائم الاعتداء على النفس أو على ما دون النفس، أي في جرائم القتل والجروح وقطع الاطراف والاعضاء، وقد تجب الكفارة أيضاً في جرائم القتل، والأصل فيها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 178، 179]، وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92]، على تفصيل يطلب عند كتب الفقه.
(ذ) عقوبات التعزير: ثالث أنواع العقوبات هو التعزير: ويجب في كل معصية لم يرد في الشرع تقدير لعقوبتها، مثل تقبيل الصبي الأمرد، أو أكل ما لا يحل كالدم والميتة ولحم الخنزير، أو قذف الناس بغير الزنى، أو السرقة من غير حرز، أو سرقة ما لا يبلغ نصاب حد السرقة، أو خيانة الامانة كالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو الغش في المعاملة، أو التطفيف في المكيال والميزان، أو شهادة الزور، أو الرشوة، الى غير ذلك من أنواع المحرمات، فمرتكبها يعاقب تعزيراً بقدر ما يراه ولي الأمر أو القاضي، وتتعدد أنواع التعزير، فقد يعزر الشخص بوعظه وتوبيخه والاغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب أو يقلع عن معصيته، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه {الثلاثة الذين خلفوا} وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يكون التعزير بالنفي عن الوطن أو بالحبس، أو بالضرب، وقد يكون بالعقوبات المالية وأخيراً قد يكون التعزير بالقتل مثل قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين، على تفصيل واسع لعقوبات التعزير وبيان حدها الأعلى عند السادة الفقهاء، وذلك لأنّ نطاق العقوبات التعزيرية أوسع بكثير في شريعة الإسلام من نطاق الحدود والقصاص.
[المفتاح الرابع]: القانون الجنائي الاسلامي نظام عادل فعّال يؤدي إلى صلاح المجتمع وقمع الجريمة وتحقيق العدالة: القانون الجنائي الاسلامي نظام رباني عادل فعّال يؤدي إلى صلاح المجتمع وقمع الجريمة وتحقيق العدالة، وليس ذلك إلا لشرع الله وحده، وذلك لأنّه قام على أسس ربانية عليمة بحال الناس وغرائزهم، ومحيطة إحاطة تامة بما يصلح له أمر الناس، مما يؤدي الى قمع الإجرام فيهم، مع عدالة تامة في تقدير العقوبة وجعلها بقدر الجريمة، وصدق الله العظيم حيث يقول: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]،
[المفتاح الخامس]: اعتراضات زائفة على شرع الله تعالى يروجها الجهلاء أو المنافقون أو المغرضون: هناك اعتراضات زائفة على شرع الله تعالى يروجها الجهلاء أو المنافقون أو المغرضون وذلك حتى يصلوا إلى عدم تطبيق شرع الله تعالى بحجة أنّه لا يمكن تطبيقه في الوقت الحاضر، وأظهر تلك الاعتراضات، إهدار آدمية الشخص بجلده في الزنى والقذف وشرب الخمر، والتدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر، وقطع الأعضاء في عقوبة السرقة وقطع الطريق، والرجم في الزنى بالنسبة للمحصن والتدخل في حرية العقيدة وقتل المخالف كما في عقوبة الردة، والواقع أن هذه الاعتراضات واهية وما قامت عليه أوهى منها، وإن اغتر بها أصحابها وحسبوها حججاً قوية وأدلة دامغة تبرر اعتراضهم وتعذرهم في هجر العقوبات الشرعية، فلا بد من كشف بطلان هذه الاعتراضات بشيء من التوضيح.
(أ) ادعاؤهم أنّ الجلد للزاني وشارب الخمر والقاذف فيه اهدار لآدمية الشخص هو قول مردود، لأن الجاني هو الذي أهان نفسه ولم يكرمها، وعرضها للإهدار ولم يصنها، وهذه الفواحش إن ترك لها المجال أفسدت المجتمع كله، والاسلام يعنى بنظافة المجتمع وطهارته وسلامة الاعراض والاخلاق، ومن ثم أوجب التشدد على من يريد تلويث المجتمع وتفويت هذه الاغراض المهمة الشريفة عليه، أما ادعاؤهم بأن هذه العقوبات تتضمن التدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر، فمردود لأن الحرية الشخصية لا يجوز أن تؤدي الى الاضرار بالمجتمع، فالحرية الشخصية تقف حيث تكون اداة ضرر وهدم في المجتمع.
(ب) ادعاؤهم بقسوة بعض العقوبات لما فيها من بتر وقطع بعض الاعضاء فإنهم قد فاتهم مدى ترويع السارق وقاطع الطريق للآمنين وأخذ أموالهم بغير حق، بل لو ترك المجال لهؤلاء لم ينعم المجتمع قط بأمن ولا أمان ولا استقرار، ثم يقال: إن العقوبة يجب أن يكون فيها قدر كاف من الردع والزجر، ولا شك أن قطع يد السارق او المحارب فيه هذا المقدار، أما غيرهما من العقوبات الوضعية كالحبس والغرامات فلا تملك هذا القدر من الردع، ودليل ذلك الواقع فان جرائم السرقة بازدياد ولم تقللها عقوبة الحبس، بل إن السجن صار نزلا لأصحاب السوابق يترددون اليه ويعتبرونه مأوى أميناً لهم بل ومحلا للقائهم وتبادل خبراتهم في عالم السرقة والاجرام.
(ت) ادعاؤهم أن عقوبة الردة بقتل المرتد تدخل في حرية العقيدة ومصادرة لها واكراه للإنسان على اعتقاده ما لا يريد، فهذا القول مأخذه الجهل في طبيعة هذه العقوبة، ومعنى الردة، ومعنى الاكراه على تبديل الدين، فالردة كما قلنا الرجوع عن الاسلام، أي ان مسلماً يرجع عن اسلامه، فنحن اذن إزاء مسلم ارتكب جرماً معيناً يسمى “الردة” ولسنا أمام رجل يهودي أو نصراني نكرهه على تبديل عقيدته، ومبدأ لا اكراه في الدين مقرر في الشريعة الاسلامية وفي نص القرآن الكريم، ولا يجوز المساس به، بدليل واضح أن الاسلام شرع الجزية، والجزية اقرار لغير المسلم على دينه، فلو كان هناك اكراه على تبديل عقيدة غير المسلم وتحويله بالجبر عن عقيدته لما شرعت الجزية، أما سبب عقوبة المرتد وجعلها القتل فيرجع الى أن المرتد مع اخلاله بالتزامه بإسلامه يقوم بجرائم خطيرة تتمثل في تشكيك ضعاف العقيدة في عقيدتهم، وتجرئة المنافقين ليظهروا نفاقهم، والاستهزاء بدين الدولة والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره،ومع هذا فإن الشرع يمهله ثلاثة أيام لإعطائه فرصة الرجوع عن ردته، فهل يمكن بعد هذا أن يقال: عقوبة الردة قاسية أو أن فيها اكراهاً على تبديل العقيدة أو أن فيها تدخلا في حرية العقيدة.
(ث) وبعد فإنّ المناقشة مع هؤلاء هي على سبيل بيان حكمة الإسلام في تشريع تلك العقوبات، وإلا فان المؤمن بالله وباليوم الآخر وبدين الاسلام لا يجوز له الاعتراض على شرع الله لأن الاعتراض عليه نوع من الارتداد عن دين الاسلام، وان من شرط الايمان الحكم بما شرعه الله والرضى به، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، ثم لا بأس من السؤال عن الحكمة على سبيل التعلم لا الاعتراض،والله تعالى قد امتدح الموقنين في حكمة الشرع وحسنه بقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].
***
المبحث السابع النظام التربوي والتعليمي في الإسلام نظام رباني متكامل ينشر الربانية والعلم المفيد النافع
تنبيه: انظر لتأصيل تلك القاعدة: أصول الدعوة: عبد الكريم زيدان، أساليب التربية في القرآن الكريم: الدكتور عثمان قدري، التعليم بين الأصالة والتجديد: فاروق السامرائي، مفاهيم تربوية في الإسلام: د محمود السيد سلطان، التراث والمعاصرة: أكرم العمري، نحو صياغة إسلامية لمناهج التربية والتعليم: د إسحق الفرحان وآخرون، أثر مشكلتي الاختلاط والمنهاج التعليمي على تعليم الفتاة المسلمة: الباحثة فاطمة محمد رجا مناصره.
[المفتاح الأول]: أهمية التربية والتعليم في ميزان الإسلام:
(أ) لقد تناول القرآن الكريم كل ما يتعلق بمنهاج التربية (التزكية) والتعليم، كما في قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]، فقد تناولت الآية الكريمة بيان مهمتين من أعظم مهام النبي صلى الله عليه وسلم: {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ألا وهما التربية (التزكية) والتعليم، وقد ورد مصطلح (التربية) والأدب في كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منها: ما أخرجه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يؤدب الرجل ولده خيرٌ من أن يتصدق بصاع) ([114]) .
وما أخرجه أيضاً عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نحل والدٌ ولده أفضل من أدبٍ حسن) ([115]) .
وما أخرجه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أكرموا أولادكم، وأحسنوا أدبهم) ([116]) .
وقريب منه مصطلح (التزكية) كما تقدم في قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} فالمقصود بالتزكية التربية على طهارة النفس وسلامة القلب وحسن الأخلاق، وكما تقدم فإن (التعليم) هو من أهم مهام النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {ويُزكيهم ويُعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين}، وكما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ([117]) .
(ب) الربانيون هم أهل التربية، والأحبار هم أهل التعليم، وهما منزلتان عظيمتان، وكلاهما وارث النبوة : قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فالربانيون هم أهل التربية والتزكية، والأحبار هم أهل العلم، والربانية منزلة عظيمة في الإسلام تدل على أهمية التربية، قال تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]، والعلم ذو شأن عظيم في الإسلام، ففي القرآن الكريم رفع الله تعالى مكانة العلماء فوق الجميع، فقال تعالى::{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [الزمر: 11]، وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [المجادلة: 11]،، وقصر الخشية من الله تعالى عليهم، فقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]، وضم شهادتهم إلى شهادته، فقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، ولم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، فقال تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، قال ابن حجر: (قول الله عز وجل:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}: واضح الدلالة في فضل العلم، لأن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي،،) أهـ([118]) .
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل العلم وأهله، قوله صلى الله عليه وسلم: (فَضلُ العَالِم على العَابِد كفضلِي على أدناكُم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللَّه وملائكتهُ وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحرها وحتى الحوت لَيصلُون على مُعَلِمي النّاس الخير) ([119]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّينِ) ([120]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللهُ له به طريقًا إلى الجنةِ، وما اجتمعَ قومٌ في بيتِ من بيوتِ اللهِ، يتلون كتابَ اللهِ، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتْهم الرحمةُ وحفّتهم الملائكةُ، وذكرَهم اللهُ فيمن عنده) ([121]) .
والعلماء الشرعيون هم ورثة الانبياء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن العُلَماء ورَثةُ الأنبياَء، إن الأنبياَء لم يورثُوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثُوا العِلمَ فمَن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ) ([122]) .
[المفتاح الثاني]: أهم الأسس التي تقوم عليها التربية الإسلامية:
(أولاً): التربية الإسلامية تحقق النمو المتكامل المتوازن المعتدل لشخصية الإنسان كما يريده خالق الإنسان، فالتربية لا تركّز على جانب واحد من الشخصية الروحي أو العقلي أو الجسمي أو الانفعالي أو الاجتماعي وإنما تهتم بجميع هذه الجوانب معاً، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فقلت بلى يا رسول الله قال فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لزورك عليك حقا وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله فشددت فشدد علي قلت يا رسول الله إني أجد قوة قال فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام قال نصف الدهر فكان عبد الله يقول بعد ما كبر يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم) ([123]) .
وأخرج الدارقطني في سننه: (آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك يا أم الدرداء؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار وليس له في شيء من الدنيا حاجة، فجاء أبو الدرداء، فرحب به وقدم إليه طعاما، فقال له سلمان: اطعم، فقال: إني صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرنه، قال: ما آكل حتى تأكل، ثم بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل وآت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه، فلما كان في الصبح، قال: قم الآن إن شئت، قال: فقاما فصليا ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، وجاء أبو الدرداء ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أمره سلمان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لجسدك عليك حقا مثل الذي قال لك سلمان) ([124]) .
كما أنّ التربية الإسلامية تحقق للإنسان التوازن وترفض التطرف في أمر على حساب آخر، حتى في العبادات والقربات، فقد أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ([125]) .
(ثانياً): التربية الإسلامية منهاج أخلاقي متكامل يحقق الخلق العظيم، والأدب القويم للإنسان كما يريده رب الإنسان رب العالمين، ولذلك جعل الإسلام للأخلاق مكانة عظيمة، تظهر مكانتها في مثل قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ([126]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم (إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً) ([127]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق)، ([128]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (أن أحبكم اليّ واقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) ([129]) .
، كما أنّ حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنان، وان التفريط بهذا الشرط لا يغني عنه حتى الصلاة والصيام، جاء في الحديث أن بعض المسلمين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن فلانة تصوم النهار وتقومن الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها، قال: (لا خير فيها هي من أهل النار)، ([130]) .
وقد دعا الإسلام إلى الأخلاق الكريمة دعوة عامة، من ذلك ما جاء في القرآن الكريم: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً} والقول بما هو أحسن دعوة عامة للقول الطيب المطلوب بجميع أنواعه في مخاطباتهم ومحاوراتهم، وفي قوله تعالى: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} دعوة عامة للابتعاد عن رذائل الاخلاق، وفي السنة النبوية من هذه الدعوة العامة الى الأخلاق الشيء الكثير، ومن ذلك: (اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ([131]) .والخلق الحسن يجمع أنواع الاخلاق الحسنة، وفي الحديث (ان العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، ([132]) .
(ثالثاً): التربية الإسلامية تربية عقائدية وتشريعية وسلوكية في آنٍ واحد، إذ يشمل الإسلام العقيدة التي تطهر القلب، ويتعداها ويضيف إليها الشريعة التي تتطهر الجوارح، ثم يشتمل على السلوك الذي يشمل الأدب مع الخالق وجميع الخلائق، فالإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل وكثيراً ما اقترن العمل الصالح بالإيمان في آيات القران الكريم، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]
(رابعاً): تجمع التربية الإسلامية بين التربية الفردية على الفضيلة والأخلاق، وبين التربية الاجتماعية على تحمل المسؤولية في المجتمع، فكل امرئ في دين الإسلام بما كسب رهين، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]، وكل إنسان مسؤول أمام الله سبحانه عن أعماله , قال تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14، 15]، وكذلك فإن كل مسلم راع وكل راع مسؤول عن رعيته , قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته قال وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته) ([133]) .
(خامساً): التربية الإسلامية تنشئ الفرد على وازع الضمير الذي يراقب الله تعالى في السر والعلن، فالتربية الإسلامية تعمل على غرس الدوافع الإيمانية في نفس الفرد تلك الدوافع التي تملك علية فكره وسلوكه فهو يراقب الله في عباداته ومعاملاته وكل شؤونه، قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وقال تعالى: {يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}، وقال صلى الله عليه وسلم في معنى الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([134]) . وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (اتق الله حيثما كنت) ([135]) .
(سادساً): التربية الإسلامية تحافظ على فطرة الإنسان النقية كما خلقها الله تعالى، أخرج مسلم عن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة واقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}، ([136]) .
وتجهد في أن تجعله دائما على تلك الفطرة النقية السليمة إلى أن يلقى الله تعالى، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89]،
(سابعاً): التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 131 إلى 136]،
(ثامناً): التربية الإسلامية تربية مستمرة: فهي لا تنتهي بفترة زمنية معينة وإنما تمتد من المهد إلى اللحد تدعم باستمرار عقيدة التوحيد عند الإنسان وتدعوه باستمرار لتحصيل المزيد من العلم والمعرفة كما قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]،
(تاسعاً): التربية الإسلامية تربية عالمية تقوم على مبادئ سماوية خالدة وتقاليد ربانية راسخة وقيم إسلامية عريضة: فالإسلام دين لكل البشر وليس لأقوام محددة كما هو الحال في الديانات السابقة عليه، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]،
[المفتاح الثالث]: أهم أساليب التربية الإسلامية
(أولاً): أسلوب القدوة الحسنة: وخير القدوة على الإطلاق رسولنا صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، وقد أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم والمسلمين جميعاً من بعده أن نتخذ من الأنبياء الكرام خيرَ أسوة وأفضلَ قدوة، فقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}، كما يحشد الله سبحانه وتعالى أسماء ثمانية عشر نبياً، مادحاً إياهم بالهدى والرشاد آمراً المسلمين بإتباع هداهم، قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}، وأسلوب القدوة الحسنة هو أهم الأساليب فلا خير في مرب يتشدق بقيم واتجاهات لا يحققها سلوكاً في نفسه, وينهانا القران الكريم عن التناقض بين القول والفعل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]، وقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، والإنسان العاقل لا يقتدي إلا بمن ينفعه في الدنيا والآخرة، ويأخذ بيده إلى دروب النجاة والسلامة إنه يقتدي بالهادين المهديين، بالأنبياء المرشدين، وأتباعهم الصالحين، وهذا هو أعظم أساليب التربية التي عرفها الناس، وهي التي جاء بها دين الإسلام: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
(ثانياً): أسلوب الترغيب والترهيب: يعتمد الإسلام في صياغة الشخصية الإسلامية على أسلوب الثواب والعقاب , وهو أسلوب يتفق مع طبيعة الإنسان حيثما كان , وهذا الأسلوب من أنجع الأساليب في التربية ؛ لاعتماده على عنصري الثواب والعقاب، اللذين علم الله من طبيعة البشر أنهما يشكلان حافزاً قويًّا؛ للإقبال على كل ما هو نافع، والانكفاف عن كل ما هو ضار، والمراد من أسلوب الترغيب والترهيب، أن يذكر الشرع ما يتضمن ترغيباً في القيام بعمل يرضى الله عنه ورسوله، ثم يتبعه ما يتضمن ترهيباً من القيام بعمل يُغضب الله ورسوله، وقد يكون العكس، فيبدأ بذكر ما فيه ترهيب، ثم يردفه ما فيه ترغيب، المتأمل في القرآن الكريم يجد أن أسلوب الترغيب والترهيب يعد من أهم أساليب القرآن الكريم في التربية والإرشاد، ومن ذلك: قوله تعالى: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأنعام:165]، وقوله تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد:6]، وقوله تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول} [غافر:3]،]، وقوله تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49، 50] وقوله تعالى: {إن بطش ربك لشديد * وهو الغفور الودود} [البروج: 13، 14]، وقوله تعالى: {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} [الزمر:71]، ثم وصف القرآن لحال أهل الإيمان في قوله تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين} [الزمر:73-74].
(ثالثاً) الصحبة الحسنة: مخالطة المؤمنين ذوي الأخلاق الحسنة ومجالستهم والسماع منهم، لأن رؤية الرجل الصالح ذي الخلق الحسن ومجالسته والسماع منه يؤثر في جليسه فيدفعه إلى اقتباس بعض أخلاقه، وقد ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي” لأن المرء يقتدي بمن يعاشره ويصاحبه ويجالسه فيقتبس منه صفاته، ولهذا كان السلف الصالح يوصون أو يأمرون بهجر أصحاب البدع والمعاصي وذوي الأخلاق الرذيلة، وقد جاء في الأثر: (المؤمن مرآة أخيه المؤمن)، وقديماً قالوا: (صاحب السعيد تسعد، وصاحب الشقيَّ تشقَ)، ويؤكد هذا القول ويعضده قولُ الله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا}، فالأصحاب الذين يلازم بعضهم بعضاً في الدنيا، ويتبرأ كل منهم يوم القيامة من صاحبه، إلا الصحبة في الله، والأخوة في الدين، قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}،
(رابعاً) الثقة بالله واللجوء إليه في كل أمر: الثقة بالله واللجوء إليه في كل أمر هي الإيمان عينه، فمن وثق بالله آمن به، ومَنْ آمن به توكل عليه، ومَنْ توكل عليه نال رضاه، ولذلك يبدأ الإنسان صلاته بالفاتحة، وفيها الالتجاءُ إليه وعبادتُه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 5 إلى 7]، فهو سبحانه الذي يعطي ويمنع، ويرفع ويخفض: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، هذه الثقة بالله واللجوء إليه في كل أمر تتمثل في قول ابراهيم عليه السلام – كما جاء في قوله تعالى -: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}، وفي قول مؤمن آل فرعون: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ}، وفي موقف سحرة فرعون – كما جاء في قوله تعالى -: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ}، فهكذا يكون الإيمان، وهكذا تكون الثقة في الله وهكذا تكون التربية الإيمانية كما أرادها الإسلام.
(خامساً) التدرج في التربية: التدرج في التربية أسلوب يدلُّ على حكمة صاحبه، وقدرته على التلطف في مخاطبة العقول والأفهام، فينتقل من فكرة إلى فكرة، معتمداً على المحاكمة العقلية، والحجة المقنعة، والبرهان الواضح، والقرآن الكريم سجّل لنا كثيراً من وقائع هذا الأسلوب الحكيم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 75 إلى 79]، أراد سيدنا إبراهيم أن يزيل الغشاوة عن عيون قومه، والران عن قلوبهم، فيعبدون الله وحده، وينبذون الآلهة المزعومة الأخرى، فرآهم يعبدون كوكب المشتري الذي لا يضرُّ ولا ينفع، فقال مثلما يقولون: {قَالَ هَذَا رَبِّي} وهو موقن أنّه ليس رباً، لكنّه يريد أن يستدرجهم لسماع حجته على بطلان عبوديتهم لهذا الكوكب، فأوهمهم أنه موافق لهم، فلما غاب هذا الكوكب نقض ربوبيّته، فما ينبغي لإله أن يغيب عن عبيده، فغيابه نقص فيه، وضعف شديد، وسيبحث العباد عن إله غيره يبقى معهم ويرعاهم، لكنّه لم يقل ابتداء: إن هذا ليس إلهاً لأنه أراد أن يعرّض بجهل قومه دون أن يستفزّهم، وينبههم إلى ما غاب عنهم من تفكير صحيح وتقدير سليم دون أن يحرّك مشاعر العداء نحوه، فقال: {لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ}، وبهذا رمى بذرة الشك في نفوسهم، ثم انتقل في الليلة التالية إلى القمر، فضوؤه أسطع، وحجمه حسب ما يرونه أكبر فهو على هذا الأساس أحقُّ أن يعبد: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، لئن لم يهدني ربي ويوفقني لإصابة الحقِّ في توحيده فلسوف أكون كبقية الناس ضالاً بعيداً عن عبادة الله الحق، وهذا تعريض يقرب من التصريح بضلال قومه، وحين بزغت الشمس وملأ ضوؤها المكان، {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، قال إبراهيم مشيراً إليها: الذي أراه الآن ربي أليس كذلك، إنه أكبر من النجم والقمر، وأشدُّ تأثيراً، قال هذا يجاريهم حتى يستأصل بعد ذلك الإشراك من نفوسهم، فلما غابت كعادتها قال كلمته التي يريدها دون أن يخاف ردّة فعلهم الشديدة، فغياب الشمس أشدُّ وحشة من غياب المشتري والقمر، فالظلمة بعد النور الساطع أشدُّ وأقسى من الظلمة بعد الضوء الخفيف، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، فبعد أن تبرّأ من معبوداتهم وترك في نفوسهم الشك فيها، أعلن اتجاهه إلى الله تعالى وحده والبراءة من المشركين أنفسهم،
(سادساً) حسن الأدب: والمقصود به القول والفعل اللذين إن اتصف بهما المرء كان من المروءة بمكان، ونال من الله تعالى الحظوة والقبول، وإن خلا المرء منهما ناله ذم وقدح، وابتعد عن دائرة النُّبل والمروءة، قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}، ومن هذه الصفات أيضاً إكرام اليتيم، والحضُّ على إطعام المسكين، وقد مدح الله تعالى الأنصار، الذين أكرموا إخوانهم المهاجرين إليهم فقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، وهذا لقمان الحكيم يوصي ابنه بكمال الأدب، كما في قوله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، وفي سورة الإسراء آداب عدة، جاءت في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 23 إلى 39]، وسورة الحجرات سميت سورة الآداب لما اشتملت عليه من عظيم الأخلاق وكريم الآداب.
[المفتاح الرابع]: أمثلة من القرآن الكريم على الأخلاق والآداب التي ينبغي أن يتربى عليها المسلم: (أ) الوفاء بالعهد: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً}، (ب) النهي عن القول بلا علم {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً}، (جـ) النهي عن مشية التبختر والتمايل كما يفعل المتكبرون، {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً}، (د) النهي عن الاسراف والتبذير والبخل والتقتير {وآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً}، {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً}، (هـ) الامر بالعدل في جميع الاحوال وبالنسبة لجميع الناس حتى الكفار {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى}، {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى}، (و) التعاون على البر والتقوى وما ينفع الناس، والنهي عن التعاون على البغي والعدوان {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}، (ز) الظلم ظلمات يوم القيامة، وعاقبته وخيمة، وهو أنواع، أقبحها افتراء الكذب على الله، وتعدي حدود الله، والظالم مقطوع الصلة بالله فهو مخذول غير منصور، ومن أجل هذا نهى الاسلام عنه {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون} {تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} {وما للظالمين من أنصار}، (ح) الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فلا بد للمؤمن من صبر على طاعة الله وصبر على قضاء الله وبهذا يكون من المحسنين، ورحمة الله قريب من المحسنين، ولهذا أمر الاسلام بالصبر {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}، {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}، {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}، (ط) الصدق من علامات الايمان وثمراته، ولهذا أمر الإسلام به {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، {وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً}، (ي) الكذب رذيلة لا ينال صاحبها هداية الله، ويثمر النفاق في القلب ولهذا نهى الإسلام عنه وحذر منه {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب}، {فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}، (ك) التكبر والعجب والبخل والفخر والرياء رذائل وأمراض تصيب القلب فتطمسه وتمحق نوره وتبعد صاحبها عن الله تعالى، ولهذا جاء النهي عنها {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور}، {إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً}، (ل) الاعتدال في المشي بين البطيء والاسراع مطلوب من المسلم، وخفض الصوت وعدم رفعه بلا حاجة مطلوب أيضا من المسلم، {واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير}، (م) الثبات على الحق والدوام على الطاعة والعبادة، أمور مطلوبة لأن الأمور بخواتيمها، وبدون الاستقامة والدوام والثبات على الحق تفوت الثمرة ولا يصل المسلم الى الغاية، وينقطع عن ركب الصالحين، ومن أجل هذا وجب على المسلم أن يكون على قدر كبير من الثبات على معاني الايمان والاستقامة عليها لينال الفوز والرضوان {ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}، (ن) الجنة درا الطيبين، اعدها الله للمتقين الذين من اخلاقهم الحسنة الانفاق في جميع الأحوال في اليسر والعسر فينفقون بقدر ما لهم ولا يبخلون عن الانفاق ولو كان قليلاً، ومن أخلاقهم أنهم لا يستوفون كل حقوقهم من الناس بل يتركون منها لهم احساناً عليهم {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، (س) النهي عن الغل والحقد: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، (ع) علاج الجاهل الإعراض عنه وتركه وشأنه، وبهذا أمر الاسلام {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، (ف) ومن وصايا الإسلام الجامعة لعباده المؤمنين، في باب الأخلاق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}، (ص) ومن الآيات التي جمعت كثيرا من أخلاق المؤمنين، وجعلت هذه الاخلاق علامة على ايمانهم قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، كذلك قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}.
[المفتاح الخامس]: أمثلة من السنة النبوية على الأخلاق والآداب التي ينبغي أن يتربى عليها المسلم:
(أ) في النهي عن الغضب، ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: (لا تغضب)، ([137]) .
(ب) وفي الحياء، وردت أحاديث كثيرة منها: (الحياء لا يأتي الا بخير)، ([138]) .
(الحياء خير كله) ([139]) . (إن لكل دين خلقا وخلق الاسلام الحياء) ([140]) (اذا لم تستح فاصنع ما شئت)، ([141]) .
(ج) في التعاون: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، ([142]) .
(د) في حقوق المسلم، والنهي عن بعض الأخلاق: (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله اخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا – ويشير الى صدره الشريف ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)، ([143]) .
(هـ) النهي عن اخلاق المنافقين: (آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا اؤتمن خان) ([144]) .، (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: اذا اؤتمن خان واذا حدث كذب، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر)، ([145]) .
(و) في الحلم والاناة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والاناة)، ([146]) .
(ز) في الرفق: (ان الله رفيق يحب الرفق في الامر كله)، ([147]) .
(ح) في الرياء والسمعة والاخلاص: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، ([148]) . (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه)، ([149]) .
(ط) في النهي عن المراء والجدل: (من ترك المراء وهو محق بني له بيت في الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة)، ([150]) . (وما ضل قوم بعد أن هداهم الله الا أوتوا الجدل)، ([151]) .
(ي) في بذاءة اللسان: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)، ([152]) .
(ك) في العجب والشح: (ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب كل ذي رأي رأيه)، ([153]) .
(ل) ترك الكلام فيما لا يعنيك: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ([154]) .
(م) ترك فضول الكلام: (طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفَضْلَ من ماله)، ، ([155]) .
(ن) وزن الكلمة بميزان الإسلام قبل النطق بها: (ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه الى يوم القيامة وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه الى يوم القيامة)، ([156]) .
(س) في الامانة والوفاء بالعهد: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)، ([157]) . وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة فقال له: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال، وكيف إضاعتها قال اذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة)، ([158]) .
(ع) في الصدق والكذب: (عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ([159]) .
(ف) في القوة والعزيمة: (المؤمن القوي خير وأحب الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل لو اني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)، ([160]) .
(ص) المتابعة في الخير لا في الشر: (لا يكن احدكم إمعة، يقول: انا مع الناس ان أحسن الناس أحسنت وان أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن احسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم)، ([161]) .
(ش) الحزم واليقظة: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، ([162]) .
(ض) النهي عن الذل: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه…)، ([163]) .
(ط) في التوادد والتراحم والتعاطف: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([164]) .
[المفتاح السادس]: الأساليب والوسائل التربوية الإسلامية في تقويم الأخلاق واكتسابها:
(أولا): أهم الأساليب التربوية الإسلامية في تقويم الأخلاق واكتسابها تتمثل في:
(أ) تقليل آثارها وعدم المضي في تنفيذ مقتضاها وما تدعو إليه، يدل على ذلك ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني: فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تغضب) فردد الرجل سؤاله مراراً، فكان النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم يقول له: (لا تغضب). ([165]) .
(ب): توجيهها الوجهة المرضية في الشرع الإسلامي، بأن تكون ابتغاء مرضاة الله وحده لا لطلب سمعة ولا رياء ولا جاه ولا ثناء، فقد أخرج… عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). ([166]) .
(ت): استبدال الخلق الذميم بالخلق الجيد، كاستبدال الكذب بالصدق والغدر بالوفاء، والظلم والعدوان بالعدل والإنصاف، وهذا الاستبدال ممكن في كثير من الأخلاق، حيث يزول الخلق الذميم ويحل محله خلق جميل، كما نشاهد ذلك في الشخص الذي يتوب توبة صادقة.
(ثانيا): أهم وسائل تقويم الأخلاق في منهاج التربية الإسلامية:
(أ) العلم: بمعرفة أنواع الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام، وأنواع الأخلاق الرديئة التي نهى عنها الإسلام، ان هذا العلم ضروري لأنه بدونه لا يدري المسلم بأي خلق يتخلق، ومن أي خلق يتجرد، وقد كفى الإسلام المسلم مؤنة البحث والاستنباط فقد فصل الأخلاق بنوعيها، وما على المسلم إلا أن يعرض نفسه على الأخلاق بنوعيها ليعرف موضعه منها، ثم يعمل جاهداً لتكون أخلاقه أخلاقاً اسلامية حقاً. (ب) أن يعرف المسلم عظيم حاجته الى الخلق الحسن، لأنه متصل بالإيمان وتقوى الله وسبب للظفر برضوان الله ودخول الجنان، كما يجب أن يعرف عظيم ضرر الخلق السيء عليه لأنه من علامات النفاق وإمارات ضعف الايمان وسبب سخط الله ودخول النار، ان هذه المعرفة ستدفعه الى التخلق بالأخلاق الحسنة رغبة في رضوان الله تعالى، كما تدفعه الى الخلاص من الأخلاق السيئة خوفاً من سخط الله، لأن من رغب في شيء سعى اليه، ومن خاف من شيء هرب منه.
(ت) استحضار هذه المعرفة في ذهنه لئلا ينساها، فان آفة العلم النسيان، والنسيان يؤدي الى إهمال معاني الأخلاق، فيضعف أثرها في النفس، ويصدر عنها ما لا ينبغي من الأفعال، فالتذكر الدائم لمعاني الأخلاق وتذكر الأساس الذي قامت عليه وهو الإيمان بالله تعالى، وان الالتزام بمقتضى الأخلاق من ثمرات الايمان ومن معاني الإسلام، كل هذا يجعل سلوك المسلم في حدود الأخلاق الإسلامية.
(ث) الاهتمام الكامل بتقوية معاني العقيدة الاسلامية في النفس، وعلى رأس هذه المعاني الايمان بالله وباليوم الآخر وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والاحساس بالغربة في هذه الدنيا وان المسلم عما قريب سيرحل عنها، وانه سيجازى على أعماله، ومن أعماله أخلاقه، وأن الله تعالى وعد وعد الصدق بالثواب للمتخلقين بأخلاق الاسلام، ووعد بالعقاب لمن رفض أخلاق الإسلام، إن تقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس يؤدي الى انفتاح النفس وتقبلها لمعاني الأخلاق الإسلامية، لأن هذه الأخلاق موصولة بالإيمان ومعاني التقوى.
(ج) مباشرة الأعمال الطيبة التي تساعد أو تؤدي إلى تقويم الأخلاق أو تسهل على النفس قبول الأخلاق الزكية وطرد الخبيثة، فالعلم وحده بدون عمل لا يكفي، قال تعالى: {قد أفلح من زكاها} ولم يقل ربنا تبارك وتعالى قد أفلح من تعلم كيفية تزكيتها، فلا بد من تزكية فعلية، بمباشرة الأعمال المحققة لزكاة النفس وتخليصها من أمراض الأخلاق الرذيلة، إن المريض الذي يوصف له العلاج أو يقدم له العلاج فعلاً، ولا يستعمله لن يستفيد منه وإن ظل ينظر اليه ويكرر القول في تركيبه وكيفية صنعه.
(ح) ومن أنواع الأعمال الطيبة النافعة لتقويم الأخلاق، القيام بأنواع العبادات والطاعات المفروضة والمندوبة: لأنها تزكي النفس وتسهل عليها اكتساب الأخلاق الطيبة وطرد الأخلاق الخبيثة، فهي لها طهرة وزكاة وقوة ووقاية، وقد أشار القرآن إلى هذه المعاني، قال تعالى في الصلاة: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وقال عن الزكاة {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} تطهرهم من البخل والشح وتصفي نفوسهم من الكدورات والأخلاق الرديئة، والصوم يربي في الإنسان فضيلة الصبر وقوة الإرادة والعزيمة والأخلاق والخلاص من الرياء، والحج تربية عملية للروح ورياضة مؤثرة في النفس ووسيلة فعالة لاكتساب كثير من الأخلاق والتخلص من كثير من ذميم الصفات، ففي الحج تربية على الصبر والإخلاص والاستعلاء على شهوات الجسد وإنفاق المال فيما يحبه الله، والتخلص من الكبر والعجب والغرور وتجاوز الإنسان قدر نفسه وغير ذلك مما هو معروف ومذكور في موضعه في كتب الفقه، وهكذا بقية العبادات بدوامها تزكو النفس فتدوم فيها معاني الإيمان والتقوى ومنها الأخلاق الرضية، لأن هذه الأخلاق لا تنبت إلا في النفس الزكية، ولا شيء مثل العبادات بأنواعها المختلفة يزكي النفس ويهيئها لاكتساب الأخلاق الطيبة والتخلص من الأخلاق الرديئة، وفي كتاب الله إشارة إلى هذه المعاني قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين الذين هم علا صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.
(خ) مخالطة المؤمنين ذوي الأخلاق الحسنة ومجالستهم والسماع منهم، لأن رؤية الرجل الصالح ذي الخلق الحسن ومجالسته والسماع منه يؤثر في جليسه فيدفعه إلى اقتباس بعض أخلاقه، وقد ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي” ([167]) .
لأن المرء يقتدي بمن يعاشره ويصاحبه ويجالسه فيقتبس منه صفاته، ولهذا كان السلف الصالح يوصون أو يأمرون بهجر أصحاب البدع والمعاصي وذوي الأخلاق الرذيلة.
(د) ترك البيئة الفاسدة والفرار كما يفر المرء من المكان الموبوء، والتحول إلى البيئة الصالحة التي تضم الجماعة الصالحة من المؤمنين الطيبين فإن هذه البيئة الصالحة تقوي في المؤمن معاني الأخلاق الفاضلة وتقيه من الأخلاق الرديئة، وفي الحديث: (أن رجلاً قتل مائة نفس ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة فقال نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) ([168]) .
فهذا الحديث يدل على ضرورة التحول من المجتمع الفاسد إلى المجتمع الطيب أو إلى الجماعة الطيبة المؤمنة العابدة، فإن العيش معها والبقاء معها أدعى إلى استقامة الشخص وابتعاده عن السوء، والبيئة الفاسدة كل ما يعرضك للمعصية وسوء الأخلاق، والبيئة الصالحة كل ما يعينك على طاعة الله وتقواه ومنها حسن الأخلاق.
(ر) الحرص على الصفات الحسنة، وقد مدح الله تعالى رسوله إسماعيل عليه السلام بصفة صدق الوعد قال تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد}، وجاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ([169]) .
(ز) على المسلم أن يروض نفسه على قبول نصيحة المتدين الكيس الورع الصادق، فإن المؤمن يرى من عيوب غيره ما لا يرى الغير من عيوب نفسه، ومن هنا حسنت صحبة الأخيار، وكان عمر رضي الله عنه يقول: ” رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي ”
[المفتاح السابع]: التربية الأخلاقية في الإسلام منظومة أخلاقية ربانية متكاملة تسمو بالمجتمع إلى أعلى مراتب الفضل والقيم والعفة والفضيلة: رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هو قدوة البشرية جمعاء في الخلق العظيم، كما وصفه الله تعالى بقوله سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، والإسلام دين الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على حفظ كل الضرورات اللازمة لحفظ المجتمع، وتتمثل في حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العرض وحفظ العقل وحفظ المال، حفظ الدين بحفظ عقائده وشرائعه وأخلاقه العظيمة التي بها زكاة المجتمع ورضا الرحمن، وحفظ النفس بتحريم كل ظلم يقع على النفس كالقتل والضرب والسب والإهانة، وحفظ العرض بتحريم الزنا واللواط وكافة الفواحش والرذائل، وحفظ العقل بتحريم كل مذهب للعقل من مسكر ومخدر ينزل بالإنسان إلى مرتبةٍ أخس من مراتب البهائم، وحفظ المال بتحريم الربا والميسر، وتحريم السرقة والغش ووكل صور أكل أموال الناس بالباطل والاحتيال، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على عفة المجتمع وطهارته من الرذائل والفواحش، وذلك بعفة الفروج عن كافة أنواع الفاحشة كالزنا واللواط، وتحريم كافة مقدمات الزنا، فنص الآية لا يأمر بتحريم الزنا فحسب، وإنما نهى عن مجرد الاقتراب من مسبباته، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، وعفة اللسان عن القذف (رمي الغير بالزنا) وعقوبته الجلد لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة، ولهذا كان عقابه غليظاً ولكنه عادل ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على سد كل ذريعة إلى الفواحش والرذائل، ومن ذلك عدم جواز أن تخلو المرأة برجل غير زوجها أو من محارمها، وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعياً ساتراً لجميع البدن – ما عدا كحد أدنى الوجه والكفين – وأن لا يصف ولا يشف، ومن ذلك الأمر بغض البصر للرجال والنساء على السواء، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على كافة حقوق الإنسان التي تضمن له الكرامة، ولهذا حرّم الإسلام كل صور انتهاك أي حق من حقوق الإنسان، حتى حرّم التجسس والغيبة والنميمة وشهادة الزور وجعلها من الكبائر، وحرّم جميع صور الإهانة ومنها الضرب والسباب والشتم، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على جعل جميع المعاملات بين البشر يجب أن تقوم على الصدق والأمانة فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس، وهذه المنظومة الاخلاقية تقوم على الحرص الشديد على مراعاة مظاهر الأخوة والتواد والتراحم والتعاون والتعاطف بين جميع المسلمين، كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقوله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([170]) .
[المفتاح الثامن]: أهمية العلم وأقسامه المتعددة
(أ) دين الله تعالى الإسلام هو أولى ما يُطلب له العلم: قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، والمقصود من {أهل الذكر} الذين أوجب الله تعالى الرجوع إليهم لمعرفة الدين، هم العلماء، فدين الله تعالى (الإسلام) هو أولى ما يُطلب له العلم، وهو أولى العلوم بالتخصص حتى يستطيع طالب العلم الشرعي أن يكون على بينة من دين الله تعالى، وهو أولى ما يحترم فيه المتخصصون فلا ينبغي التعدي على اهل التخصص في العلم الشرعي،، ولا يجوز التكلم في دين الله تعالى بغير علم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168، 169].
(ب) العلم الشرعي: المقصود به العلم الذي يتناول دين الإسلام، قال ابن حجر: (المراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يُفيد معرفة ما يجب على المكلَّف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته وما يجب من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه) ([171]) . ومصادر العلم الأصلية الكتاب والسنّة الثابتة، ثم الإجماع، ثم بقية الأدلة المذكورة في علم لأصول الفقه، وهي القياس والاستصحاب والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة وسد الذرائع وعمل المدينة، على تفصيل لها في كتب الفقه وأصوله، والعلوم المستنبطة من تلك الأصول أهمها ثلاث هي: علم العقيدة وأصول الدين، وعلم الفقه وأصوله، وعلم الأخلاق والتزكية، والعلوم التي تعين على فهم مصادر العلم الأصلية، تشمل علوم القرآن كالتفسير والقراءات والتجويد، وعلوم الحديث كعلم دراسة المتن وعلم رواية الحديث، وعلم الرجال والجرح والتعديل، وعلوم اللغة العربية، وعلوم السيرة والتاريخ.
(ت) أهل العلم الشرعي: يطلق لفظ العَالِم الشرعي على كل متخصص في علوم الدين كالمتخصص في العقيدة أو الفقه أو التزكية، والعلماء الشرعيون هم ورثة الانبياء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن العُلَماء ورَثةُ الأنبياَء، إن الأنبياَء لم يورثُوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثُوا العِلمَ فمَن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ) ([172]) .
(ث) أقسام العلم الشرعي: العلم الشرعي من حيث حكمه ثلاثة أقسام فرض عين وفرض كفاية ومندوب: قال النووي في مقدمته الأصولية لكتابه المجموع – وهو يتكلم عن أقسام العلم الثلاث: (الأول: فرض العين: وهو تعلم المكلَّف مالا يتأدى الواجب الذي تعين عليه فعله إلا به، ككيفية الوضوء والصلاة ونحوهما… القسم الثاني: فرض الكفاية وهو تحصيل ما لابد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومها والأصول والفقه والنحو واللغة والتصريف: ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف… القسم الثالث: النفل: وهو كالتبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية،) أهـ ([173]) .
(ج) القسم الأول: فرض العين من العلم الشرعي، وهو: ما يجب على كل مكلَّف (أي كل مسلم بالغ عاقل) أن يتعلمه، وهو: العلم الذي لا يتمكن المكلَّف من أداء الواجب الشرعي الذي تعين عليه فعله إلا بتعلمه، ويشمل (فرض العين العام)، وهو ما يشترك فيه جميع المكلفين ويلزمهم معرفته بلا استثناء كالإيمان المجمل والتوحيد من علم العقيدة، وكالطهارة والصلاة والصيام والحلال والحرام من علم الفقه، وكسلامة القلب وطهارته وتزكيته من علم التزكية والأخلاق، ويشمل (فرض العين الخاص)، وهو ما يجب على بعض المكلفين دون بعض، إما لقدرتهم على أدائه كالزكاة والحج، وإما لشروعهم في عمل من الأعمال اختياراً كالنكاح أو التجارة، وإما لتعيّن واجب عليهم كالقضاة، وإما لنازلة نزلت عليهم وجب عليهم معرفة حكمها الشرعي كحكم صلاة المريض والمسافر ومن فقد الماء، فمن تعيّن عليه واجب أو اشتغل بمباح أو أُبتلي بنازلة وجب عليه تعلم أحكامها دون غيره، ومن أمثلة فرض العين العام من العلم الشرعي: يجب على كل مســـلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى معرفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويشمل العلم بالشهادتين والتوحيد والإيمان المجمل، ويجب عليه معرفة ما تصح به عباداته كالطهارة والصلاة والصيام، وما يحل له ويحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأقوال والأعمال، ويجب عليه معرفة ما فيه سلامة قلبه من الكبر والنفاق ومحبطات الاعمال، فهذا كله لا يسع جهله أحدا من المسلمين، وسوف أستوعب بمشيئة الله تعالى في الرسالة الحادية والعشرين من رسائل التجديد (رسالة تجديد طلب العلم وترشيده وتصحيح مساره وإعادة ترتيب المكتبة الإسلامية) كل ما يتعلق بالمعلوم من الدين بالضرورة من قسم العلم العيني المفروض.
ومن أمثلة فرض العين الخاص من العلم الشرعي: يجب على كل مســـلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى إن كان ذا مال أن يتعلم أحكام الزكاة، وإن لزمه الحج أن يتعلم أحكام الحج، وإن نوى التجارة أن يتعلم أحكام التجارة والبيع والشراء والربا وكل ما يتعلق بها من أحكام، وإن نوى الزواج أن يتعلم احكام الزواج وحقوق الأسرة وواجباتها، وهكذا، فإن تعين على المسلم شيء وجب عليه تعلم أحكامه قبل البدء فيه،
(ح) القسم الثاني: فرض الكفاية من العلم الشرعي، وهو: ما يجب على الأمة الإسلامية ككل تعلمه وحفظه، فإن قام بهذا البعض بما يكفي كان لهم الفضل والثواب وسقط الإثم عن الكل، وإن لم يقم بهذا البعض بما يكفي أثم الكل، ويشتمل هذا العلم على تحصيل ما لابد للمسلمين منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية الأصلية (القرآن والسنّة)، ويشمل حفظ القرآن كله ومعرفة علومه كعلم التفسير والقراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، ومعرفة السنّة وعلومها كعلم الرواية والسند والجرح والتعديل والحكم على الحديث، ويلي ذلك معرفة مواطن الإجماع والخلاف في العلم الشرعي، كما يشمل علوم الشرع المستنبطة من القرآن والسنّة كعلم العقيدة وأسماء الملة وأحكامها كالإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والسنّة والبدعة، وكعلم الفقه وأصول الفقه، وكعلم التزكية والأخلاق وطهارة القلب وسلامته، ويشمل كذلك كافة العلوم المعينة على فهم الدين كعلم اللغة العربية وما يشمله من نحو وصرف وبلاغة وبيان، وكعلوم السيرة والتاريخ التي تعين على فهم الإسلام فهماً شاملاً صحيحا، قال الشافعي: (فقال لي قائل: ما العلمُ؟ وما يجب على الناس في العلم؟، فقلت له: العلمُ علمانِ علم عامَّة ٍ لا يَسَعُ بالغاً غيرَ مغلوبٍ على عقله جهلُه، قال: ومِثْل ُ ماذا؟ قلتُ: مِثلُ الصلواتِ الخمسِ، وأن لله على الناس صوم شهرِ رمضان، وحَجَّ البيتِ إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حَرَّم عليهم الزِّنا والقتل والسرقةَ والخمرَ، وما كان في معنى هذا، مما كُلِّفَ العِبادُ أن يعقلوه ويعملوه ويُعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عن: ما حرَّم عليهم منه، وهذا الصنف كله من العلم موجود نصَّا في كتاب اللهِ، وموجود عامَّا عند أهل الإسلام، ينقُلُهُ عوامُّهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، وهذا العلم العام الذي لا يُمكن فيه الغلطُ من الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوزُ فيه التنازعُ، قال: فما الوجه الثاني؟ قلت له: ما ينوبُ العبادَ من فروع الفرائض، وما يُخصُّ به من الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نصُ كتاب ٍ، ولا في أكثره نصُ سنة ٍ، وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصّة، لا أخبارِ العامّة، وما كان منه يحتملُ التأويلَ ويُستدركُ قياساً… هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامةُ، ولم يُكلفها كل الخاصَّة، ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافةً أن يُعطلوها، وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يحرج غيره ممن تركها، إن شاء الله، والفضلُ فيها لمن قام بها على من عطلها) أهـ ([174]) .
ومن أمثلة فرض الكفاية من العلم الشرعي: فرض على كل مجتمع اسلامي في قرية أو مدينة أو تجمع سكني أن يكون عندهم من يعلمهم العلم الشرعي بأصوله وفروعه، وأن يكون عندهم من يعلمهم القرآن، ومن يعلمهم السنّة، ومن يعلمهم العقيدة، ومن يعلمهم الفقه، ومن يعلمهم التزكية والأخلاق، فإن لم يجدوا في مجتمعهم مَن يعلمهم ويفقههم في ذلك كله، فرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، كما يجب أن يكون في مجموع الأمة الإسلامية من يصلح للاجتهاد عند النوازل، وأن يكون جميع العلم الشرعي بأصوله وفروعه محفوظاً لديهم، وأصحاب هذا العلم الشرعي هم ما نسميهم بالعلماء الشرعيين، وقد ندب الله تعالى في القرآن الكريم إلى طلب التخصص في هذا العلم، بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]
(خ) القسم الثالث: النفل من طلب العلم: وهو التبحر في أصول الأدلة، والإمعان فيما وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، ومثاله التبحر في علوم القراءات والتبحر في علوم القرآن والحديث، والتبحر في علوم اللغة العربية والتاريخ، بما يمثل متممات العلم الزائدة على القدر الواجب المطلوب منه.
(د) الرسوخ والتمكن في العلم الشرعي: أشار القرآن الكريم إلى مرتبة الرسوخ في العلم في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وأساس الرسوخ في العلم التمييز بين المحكم والمتشابه، وحمل المتشابه على المحكم، ورد علم المتشابه إلى علاّم الغيوب، مع الإيمان به واليقين أنّه من عند الله تعالى، وأنّ له حكم عظيمة منها: تمييز الراسخ في العلم من أهل الإسلام عن الذين في قلوبهم زيغ، ومعرفة التفاضل بين العلماء ومنازلهم في العلم وتفاوتهم فيه، أما التمكن من العلم الشرعي: فهو معرفة الحكم بدليله، إذ العلم الشرعي الحقيقي هو معرفة الحكم بدليله من الكتاب أو السنة، ومعرفة الاعتراضات والأقوال المخالفة والشبهات الواردة على هذا الحكم، وكيفية الرد عليها، ومعرفة الراجح من المرجوح في أقوال أهل العلم، فهذا هو التمكن في العلم، أما معرفة الحكم الشرعي بغير معرفة دليله، ولا رد الاعتراضات حوله، فهو في نفسه علم، ولكن التمكن في العلم منزلة اعلى واعظم، على أنّ العلم الشرعي المعتبر حقاً هو العلم المحفوظ في الصدور، لقوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، فليس بعلم معتبر حقا، ذلك العلم الذي لا يكون مع صاحبه، يذهب معه أينما ذهب.
(ذ) حكم تعلم العلوم الدنيوية: العلوم تنقسم إلى قسمين: علوم شرعية كعلم العقيدة والفقه والحديث، وعلوم دنيوية كعلوم الطب والهندسة والصناعة والزراعة، فأما العلوم الشرعية فمنها ما هو فرض عين ونها ما هو فرض كفاية – وقد تقدم بيان ذلك -، وأما العلوم الدنيوية، فمنها ما يحتاجه المسلمون وهذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين واهم ذلك علوم الصناعات العسكرية اللازمة لقوة الأمة والإعداد الذي أمر الله تعالى به في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]، وعلوم الطب للمحافظة على صحة المسلمين، وسائر العلوم الدنيوية التي يحتاجها المسلمون أو تعود عليهم بالخير، وتعلم هذه العلوم أجر لمن نوى منها خدمة الإسلام والمسلمين، وإلا فهي مباحة لا حرج في تعلمها، باستثناء العلوم المنهي عن تعلمها كعلوم السحر والشعوذة والكهانة، وتعلم العلوم الدنيوية التي يحتاجها المسلمون فرض كفاية يجب على عموم المسلمين أن يقوم به بعضهم، وإذا أهملوه أثموا جميعا،
[المفتاح التاسع]: المنهاج الإسلامي في التربية والتعليم والفرق بينه وبين المناهج العلمانية
(1) إنّ المنهاج التربوي والنظام التعليمي ككل يعتبر عصب الحياة في حياة الفرد والأمة، فهو انعكاس لواقع المجتمع الفكري والاجتماعي والعقدي، تتجلى فيه عقيدة مؤلفيه، وعقلية واضعيه، وهو تعبير عن أفكار وقيم الشعب، فلا يمكن استعارة مناهج بتعليمية ونظريات تربوية من دولة أخرى، فالنظام التعليمي ليس بضاعة تستورد من بلد إلى بلد، إن التربية في نظر كبار التربويين في العالم، لباس يفصل على كافة الشعوب، ينسجم مع تاريخهم وثقافتهم ودينهم وقيمهم العليا، قال تعالى {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48]، فلكل أمة شرعتها ونهاجها، ونحن المسلمين أولى أن نجعل عقيدتنا السماوية السمحة هي مصدر فكرنا ومنهاجنا التربوي ونظامنا التعليمي لاسيما ونحن المسلمين نملك أعظم منهاج تربوي ونظام تعليمي في العالم كله، لأنّه منهاج العليم اللطيف الخبير، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، إنّ المنهاج الإسلامي في التربية والتعليم يجب أن يكون منبثقاً من فكر الأمة الإسلامية وعقيدتها ورسالتها العالمية التي تسعى إلى حمل رسالة الإسلام للعالمين، وعليه يجب أن يبرز المنهاج الإسلامي شخصية الأمة الإسلامية الحضارية وإنجازاتها وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية بوجه عام.
(2) أبرز ما يعيب مناهج التربية والتعليم الحالية: افتقارها إلى الأصالة، وبعدها عن روح الإسلام، وتأثرها بمناهج الغرب، وعدم تخصيص الفتيات بمنهاج يناسبهن،:
(أ) افتقارها إلى الأصالة: فإن الأصالة في المناهج المعاصرة ما زالت سطحية، لا تربط الجيل الإسلامي بتراثه ولا توصله بالجذور الحقيقية للثقافة الإسلامية، فهي قاصرة حتى عن بناء الإنسان المعاصر في إطار الفكر الإسلامي، مناهج هزيلة، ممزقة، بعيدة عن روح الإسلام، حتى إن كثيراً من المناهج الإسلامية الهادفة التي قُرّرت في بعض المؤسسات التعليمية ضعف دورها بشكل كبير، بسبب إحاطتها بمناهج علمانية تنطلق من أسس مادية تحط من قدر الدين، كما أنّ غالبيتها قد أسس في إطار الفلسفة المادية، والسبب في ذلك أننا ندور في فلك الغرب، ونترجم عنه.
(ب) بعدها عن روح الإسلام: فإن معظمها نشأ على أسس علمانية، وذلك بحكم تسلط الغرب، والقوى الاستعمارية على العالم الإسلامي وقت تكوينه، فتطبع بطابع الحضارة الغربية وتولت شؤونه قيادات تخرجت من الجامعات الغربية، لذلك لم يكن للإسلام دور هام في صياغة مناهج التعليم لاسيما الجامعي، بل إن اسم الإسلام قد لا يُرى في لوائح هذه الجامعات، فضلاً عن أن يكون محوراً للأهداف أو أساساً للمناهج، فلقد حرصت القوى الاستعمارية على السيطرة على التعليم في البلاد الإسلامية وتوجيهه بحيث يخدم أغراضها، ليس فقط أثناء سيطرتها الفعلية على البلاد الإسلامية، بل ليخدم مصالحها أيضاً على المدى البعيد، وبعد زوال الوجود الاستعماري العسكري في البلاد المستعمرة [انظر: نحو صياغة إسلامية لمناهج التربية والتعليم، د، إسحق الفرحان وآخرون، ص20]، ولذلك كان للغزو الفكري بجميع أداوته وأساليبه دوراً كبيراً في تحقيق هذا الهدف وهذه الغاية، وكان أنجح أدواته وأخطرها، السيطرة على المناهج في المؤسسات التربوية وتسييرها بشكل يخدم أهدافه وغاياته.
(ت) تأثرها بمناهج الغرب: فلقد وقع الشرق الإسلامي في أحضان التربية الغربية ونظمها التعليمية ومناهجها الفكرية، وأخذها بحذافيرها وعلى علاتها، مع أنها قد ولدت في بيئة تؤمن بعقائد ومبادئ تختلف كل الاختلاف عن العقائد والمبادئ التي يؤمن بها المجتمع الإسلامي، بل تقوم على نفيها في كثير من الأحيان، حتى أصبح الخطر الفكري يهدد معتقدات أبناءنا، وأصبحت ظاهرة الازدواجية في مناهج التعليم تصبغ الكثير من مؤسساتنا التربوية، لذلك نجد العلماء المسلمين يحذرون الأمة من مغبة استيراد المناهج، كما تستورد البضاعة، لما في ذلك من أخطار فكرية واجتماعية، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: “وكلما استعير منهاج من بلاد غير إسلامية أو اختيرت كتب وضعت في بلاد غير مسلمة، ولناشئة غير مسلمة، كان هذا المنهاج وكانت هذه الكتب حلقة نابية لا تفي في المطلوب ويكون الصراع مستمراً بين الفكر الإسلامي والروح الإسلامية، وبين العقلية الجديدة والنفسية الجديدة التي تنشأ بتاثير هذه الكتب… وقد تجلى هذا الصراع وعنف واستفحل في جميع الأقطار الإسلامية التي أخذت العلوم الغربية برمتها والكتب المقررة في تلك البلاد، ثم يقول: فكان غاية ذلك بعد مدة قليلة فوضى فكرية هائلة واضطراب وتناقض،، إلخ ” أهـ([175]) .
ومن خلال ما تقدم يتبين أن تطبيق نظام التعليم الغربي على أبناء المسلمين في بلادهم له من الأخطار الفكرية والعقائدية والخلقية ما اتفق عليها الشرق والغرب على حد سواء، ومن تلك الآثار: الفوضى الفكرية والاضطراب والتناقض في الأفكار والآراء، وشك وارتياب في الدين واستخفاف بفرائضه وواجباته، وثورة على الآداب والأخلاق وضعف وانحطاط في الأخلاق، وتقليد الأجانب في الغث دون السمين.
(ث) عدم تخصيص الفتيات بمنهاج يناسبهن: إن نظرة سريعة في مناهج التعليم في الجامعات اليوم تعطينا تصوراً واضحاً عنها، فهي عبارة عن تخصصات ومواد مشتركة بين الذكور والإناث دون أي تمييز، ودون مراعاة حاجة أو فطرة أو غريزة، وسيأتي تفصيل هذا الأمر في الفقرة التالية.
[المفتاح العاشر]: المنهاج الإسلامي في تربية المرأة وتعليمها
(1) إنّ الإسلام أعلى مكانة المرأة واهتم بتعليمها وتربيتها، لأنّها المدرسة الحقيقية التي تتربى فيها أجيال الإسلام، لذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم المرأة، ووعد بالثواب العظيم على ذلك، فقال: (ثلاثة لهم أجران، وذكر منهم: ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم اعتقها فتزوجها فله أجران) ([176]) .
كما باشر النبي صلى الله عليه وسلم تعليم المرأة بنفسه، فقد أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النساء قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهُنْ فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهنّ: ما منكن امرأة تُدّم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنتين: فقال: واثنتين) ([177]) .
(2) دعا الإسلام إلى التعليم وحث عليه، والمرأة والرجل في ذلك سواء، فالمرأة العالمة أقدر على فهم أحكام الشريعة وتطبيقها من المرأة الجاهلة، ولهذا جعل الإسلام للمرأة الحق في أن تأخذ نصيبها من التعليم في إطار الآداب والضوابط الشرعية التي لا ينبغي تجاوزها، مثل الفصل فيا لتعليم بين البنين والبنات، عملاً بعموم الأحاديث والوقائع التي فصل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم النساء عن الرجال في الصلاة، حيث جعل للنساء صفوفاً تبدأ من آخر المسجد، أي من أبعد مكان فيه عن الرجال، فقال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) ([178]) .
كما جعل للنساء مجلسا يجلس إليهن ليعلمهن أمور دينهن، وذلك عندما طالبن الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يجعل لهن يوماً يجلس إليهن يعلمهن أحكام الدين دون حضور الرجال، ففعل عليه الصلاة والسلام ذلك،
(3) الأدلة على حرص الإسلام على تعليم المرأة: لقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أهمية تعليم المرأة، ومن ذلك: (أ) قوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: 34]، فقد أمر الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في هذه البيوت من القرآن والسنّة، حتى يُبَلِّغْنَ ذلك إلى عامة النساء، (ب) قوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11]، وعلو منزلة العلماء عند الله، يشمل الرجل والمرأة، لأنّ الجنسين يشملهما خطاب الله تبارك وتعالى {الذين آمنوا} و{الذين أوتوا العلم}، (ت) قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، فالخشية تلازم أهل العلم والتقوى، ويتحقق ذلك للرجل والمرأة.
(ث) ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري، قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: (غلبنا الرجل فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لَهُنّ: ما منكن امرأةً تُقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار، فقالت امرأةً واثنتين؟ فقال: واثنتين) ([179]) .
ما أخرجه البخاري عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمَةً فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران) ([180]) .
ما أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ([181]) . وهذا يشمل الرجل والمرأة على السواء،ما أخرجه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) ([182]) .
(4) اختلاف واقع تعليم المرأة المعاصر عن المنهاج الإسلامي لتعليمها: إن نظرة متأملة إلى واقع تعليم المرأة المعاصر، يرينا أن الأمر اختلف، إنّ تعليم المرأة في الواقع المعاصر أخذ مسارات تختلف عنها في الإسلام، شكلاً ومضموناً حيث تساوت المرأة مع الرجل في كيفية التعليم ونوعيته، حتى أنّ الفتاة المسلمة التي يكون لديها رغبة صادقة في نيل نصيبها من التعليم تصطدم بواقع مغاير – في كثير من جوانبه – عن المنهاج الإسلامي في التربية والتعليم، وأبرز مشكلاتها في ذلك: طبيعة المناهج التعليمية التي لا تلائم المرأة ولا تراعي التخصصات التي تناسبها، والمشكلة الثانية الاختلاط في التعليم وما له من تأثير سيء على تعليم الفتاة المسلمة.
(5) المشكلة الأولى من مشكلات تعليم المرأة: طبيعة المناهج التعليمية التي لا تلائم المرأة ولا تراعي التخصصات التي تناسبها بل تتجاهل طبيعة المرأة، ووظيفتها الإنسانية، والاجتماعية، فبعد أن انتهى الغزو العسكري الغربي للعالم الإسلامي، حلّ محلّه الغزو الفكري، ليلعب دوره المرسوم، لأجل مواصلة الهيمنة الغربية على مقوّمات الأمّة الإسلامية، المادية والمعنوية، وباشر علماء التربية الغربية وغالبيتهم من اليهود، يساعدهم في ذلك تلامذتهم من علماء الشرق، في رسم الأهداف، وبلورة المناهج التي تحقق أهداف الغرب في مسخ هويّة الأمّة، وتحطيم كيانها، وكان نصيب المرأة المسلمة من هذه الهجمة الفكرية، أنّ تعليمها أصبح على النمط الغربي، سواء ما يتعلق بحالة التعليم البعيدة عن ضوابط الشريعة، أو مناهجه التي وُحّدت تحت مظلتها حاجة المرأة والرجل على حدّ سواء، يقول الأستاذ سعد جمعة في كتابه “أبناء الأفاعي” ، حيث ينقل عن بروتكولات حكماء صهيون: (وعلينا أن نبدأ بالجامعات فتقضى أساليب التعليم من أساسها، ونهيئ الأساتذة وفق برامج سرية، ونقذف العالم كل سنة بألوف من المخنثين اللاهين برعونة وراء الخيالات) ([183]) .
، لقد كانت ثمرة هذه السياسة التعليمية، أن وُجد جيل جديد من النساء فقدن كثيراً من خصائص الأنوثة، وأصبحت المرأة في المكتب والمصنع والمعمل والمتجر تقاوم ضعفها وعجزها لتحصل على لقمة عيشها، لقد تلقينا سياستنا التعليمية من الغرب، وسعينا في تطبيقها، فكان انحرافنا في الأهداف والمناهج، وفي أنظمة المؤسسات، بعد أن اكتفينا ببعض التعديلات اليسيرة، التي لم تغيّر من جوهر الاقتباس، حتَى كان نتاج تعليم المرأة، أنّها أصبحت للمجتمع لا للبيت، وللمؤسسات العامّة أكثر من أن تكون للمؤسسات التي تتناسب مع أنوثتها وخصائصها، فلا شيء عندنا اسمه مناهج تعليم المرأة، ولا شيء عندنا اسمه مؤسسات تعليم المرأة.
(6) انعكاس الغزو الفكري على تعليم المرأة: لقد أحدث الغزو الفكري للعالم الإسلامي، انقلاباً جذرياً في التربية والتعليم، وكانت المرأة المسلمة من بين الأهداف التي قصدها الغزو الفكري، في تربية أجيالها، وقيامها بدورها الذي أراده الإسلام لها، قالت المبشرة أنا ميلغان: ” في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات، وليس هناك مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس هناك طريق حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة ” أهـ ([184]) .
، وصرح [جب] في كتابه “إلى أين يتجه الإسلام” بقوله: “والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي، والأساس الأول في كل ذلك هو أن يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية وعلى التفكير الغربي، وهذا هو السبيل الوحيد، ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من الزعماء الدينين” أهـ ([185]) .
إن تبني المناهج الغربية في تعليمنا المعاصر يعني فصل الدين عن الإسلام وقيمه وروحه، وهذا يؤدي إلى عزلها عن مقوماتها الأساسية، حيث أن التربية الإسلامية تقوم أساساً على بناء الشخصية الإسلامية وفق إطار العقيدة، وتكمن مشكلة المناهج المقتبسة في مناهجنا، أنّ جزءاً كيراً منها قام بتدوينها أناس لا يؤمنون بالله ورسوله، ولذلك دونوها بطريقة تبعث بالفكر الالحادي، وخاصّة في علوم الاجتماع والاقتصاد والنفس وغيرها، ولهذا يدرس الطلاب أفكار فرويد وماركس، وغيرهما من الملاحدة، إنّ المناهج التعليمية المعاصرة تهدف إلى تكوين الإنسان العلماني، وبالتالي يكون انتماء الطالب للفكر الغربي أكثر من انتماؤه للفكر الإسلامي الأصيل.
(7) المشكلة الثانية من مشكلات تعليم المرأة: الاختلاط في التعليم: الاختلاط: هو اجتماع الطلاب والطالبات غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر أو الكلام أو البدن، والغاية في الإسلام من منع الاختلاط لتجنّب تعريض الجنسين للفتنة، والحفاظ عليهما من أن يقعا في الفحشاء والمنكر، إنّ الإسلام حريص على منع حدوث الاختلاط بين الجنسين، لما في ذلك من أضرار اجتماعية وأخلاقية، فالإسلام دعا إلى غض البصر والعفة في العلاقة بين الجنسين، كما في قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 30]، ومعنى غض البصر الذي أمر الله به، صرفه عن نظر ما هو وسيلة الفتنة والوقوع في الفساد، ومن ذا يجمع بين الطلاب والطالبات في مكان واحد وعلى مقاعد متجاورة وينتظر منهم أن يصرفوا أبصارهم عن النظر ولا يتبعوا النظرة بنظرات تؤدي إلى عواقب وخيمة ناتجة عن نظرات مغرضة سببها الاختلاط المحرم، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يخلوَن رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) ([186]) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو، فقال: الحمو الموت) ([187]) .
وفي هذا الحديث يحذّر النبي صلى الله عليه وسلم الأجانب من الدخول على النساء، وما ذلك التحذير إلا لمنع الخلوة والحد من الاختلاط، ولا شك في أن لهذا الاختلاط آثاره ونتائجه السلبية على الجنسين، وفيما يلي أبرز المشكلات التي تترتب على الاختلاط:
(1) مشكلات أخلاقية: سببها المبالغة في التبرج والسفور عند الفتيات، والتصنع من قِبل الطرفين، وضعف الوازع الديني، وتعرض الفتيات لمضايقات الشباب، – وانتشار الجرائم الأخلاقية مثل الزنا: فإن كثرة المخالطة مع وجود عوامل الفتنة تؤدي إلى ارتكاب الفاحشة، وفساد الأخلاق عند الطرفين لأنّ الاختلاط له أثر كبير في تربية الشباب على الاستهانة بالقيم الأخلاقية، ومكارم الأخلاق.
(2) مشكلات نفسية: حيث القلق والاضطراب والخوف من الجنس الآخر نتيجة ما يلاحظ من تصرفات غير مرغوب فيها، بالإضافة إلى أن هذه المشاهدات التي هي آثار للاختلاط، تؤذي مشاعر ونفسيات الأشخاص المتدينين الذين يغضبون لما يُغضب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
(3) انتشار ظاهرة السفور، بسبب تبرج الطالبات ولباسهن المخالف للزي الإسلامي، فطالبات الجامعة اللاتي يرحن ويرجعن بين البيت والجامعة سافرات متبرجات يلبسن ثياب رقيقة قصيرة، لا شك أنهن شرّ مستطير على أنفسهن وعلى من ينظرون إليهن، وحرب على العلم ومكارم الأخلاق، إنّ الإسلام لم يحرّم على المرأة التعليم، ولكنه بالمقابل لا يبيح للطالبة أن تأتي لمؤسسات التعليم سافرة متبرجة، ولقد حرّم القرآن الكريم على المرأة إظهار زينتها الخفية، قال تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31]، والغالبية من طالبات الجامعة لا يلتزمن أوامر الله، فلا يضربن بخمرهن على جيوبهن، ويأتين في أجمل ثيابهن، ويختلطن بطلاب ليس بينهم وبينهن من الصلات المشار إليها في الآية الكريمة، ولذلك وجب التفريق بين الطلاب والطالبات، واختيار المعلمات الصالحات لتعليم البنات، وتقويم أخلاقهن، وإعدادهن إعداداً سليماً.
(8) علاج مشكلة الاختلاط: يتم ذلك بالفصل في أماكن التعليم، بحيث يكون للطالبات جامعات، أو كليات منفصلة تماماً عن الذكور، وإذا لم يمكن ذلك يجعل الطالبات في صفوف خلفية منفصلة تماماً عن صفوف الطلبة وجعل مدخل تدريسهن مختلفاً عن مدخل تدريس الطلاب في قاعات الدرس الواحد.
(2) اجتناب فتنة اللسان: لقوله تعالى: {إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً} [الأحزاب: 31]، لأنّ اللسان وكيل لشيطان النفس، وفتنة اللسان فتنة لا تقل عن فتنة التبرج وإظهار الزينة والخلوة والاختلاط والنظر.
(3) غض البصر: لقوله تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور: 30، 31]
(4) منع تبرج الطالبات وسفورهن: وقد وضع الفقهاء شروطاً للباس الفتاة المسلمة نوجزها فيما يلي: استيعاب جميع البدن، وأن لا يكون اللباس زينة في نفسه، وأن لا يشف، لأن ستر عورة المرأة لا يتحقق إلا به، وأن يكون فضفاضاً غير ضيقن لأن الغرض من اللباس ستر العورة ومنع الفتنة، وأن لا يكون لباس الطالبة مطيّباً أو مبخراً، فإنّه يحرم على المرأة أن تخرج من بيتها متطيبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) ([188]) .
وأن لا تتشبه المرأة في لباسها بلباس الرجل، للحديث: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل) ([189]) .
وأن لا تتشبه بلباس الكافرات الخاص بعباداتهم وأعيادهم، وأن لا يكون اللباس لباس شهرة، وهو كل ثوب يقصد به الاشتهار، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذّلة يوم القيامة ثم ألهب فيه ناراً) ([190]) .فتلك هي شروط لباس الطالبة المسلمة.
(5) منع الخلوة بين الطلاب والطالبات وبين المدرسين والطالبات ؛ لأنه يحْرم اختلاء الرجل بامرأة أجنبية لحديث (لا يخلوَن رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) ([191]) .
(6) عدم خروج الطالبات وسفرهن لأجل التعليم بدون محرم يصاحبهنّ، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) ([192]) .
***
المبحث الثامن النظام الجهادي (العسكري) في الإسلام نظام رباني متكامل غاياته الدفاع عن المسلمين وإرهاب الكافرين ونشر العدل والإسلام وتحرير الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى
[المفتاح الأول]: مقدمة عن معنى الجهاد وبعض أحكامه
(أ) مفهوم الجهاد لغة وشرعًا: الجهاد لغة: من جَهَدَ جهداً في الأمر: جد وبذل وسعه، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، والجهاد بالكسر: القتال مع العدو، فالجهاد: محاربة الأعداء، أما الجهاد شرعا: فهو بذل الوسع والطاقة بقتال الكفار في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان والعتاد، وقد يتسع الجهاد ليشمل جهاد النفس والشيطان وغير ذلك، لكنه إذا أطلق فإنما يقصد به القتال لإعلاء كلمة الله.
(ب) الجهاد يشمل اللسان كما يشمل النفس والمال: أخرج أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاهدوا المشركين بألسنتكم، وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم) ([193]) . وقوله تعالى عن القرآن: {وجاهدهم به جهاداً كبيراً} [الفرقان:52]، وقد سماه القرآن الكريم {جهاداً كبيراً} ليدل على مركزه الكبير المتميز بين أنواع الجهاد، ومما يؤكد هذه الحقيقة ويزيدها وضوحاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ([194]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى) ([195]) .
وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن النبي صلي الله عليه وسلم: ” أفضل الجهاد كلمة عدل عند ذي سلطان جائر ” ([196]) .
(ت) المعنى الواسع للجهاد: أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) ([197]) .
، ومنه يتضح أن للجهاد معنى خاص هو (قتال الكفار) وقد يراد به معنى واسع يشمل جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الدعوة إلى الله تعالى بالقرآن، وجهاد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومقاومة الشر والسعي في إبطاله، وأنه ليس محصوراً في القتال وحسب.
(ث) مراتب الجهاد في سبيل الله: الجهاد له مراتب عديدة: تبدأ جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وتشمل جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، وجهاد البغاة المعتدين، وجهاد المبتدعة المارقين، والطغاة الظالمين، والفساق والعاصين، أمرنا الله تعالى بجهادها جميعاً بقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، وقال تعالى في عاقبة جهادها: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، أما جهاد النفس فيكون على الإيمان والعمل الصالح، وإتباع الحق، والصبر على الطاعة، لقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *} [سورة العصر]، وجهاد الشيطان على ما يلقي إليه من الشهوات والشبهات، والمعاصي والذنوب لقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، وجهاد الكفار بالمال والنفس، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111]، وجهاد المنافقين بالمال واللسان واليد، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9]، وجهاد المنافقين يكون بكشف ألاعيبهم، وفضحهم، وبيان مؤامراتهم؛ لأنهم يتآمرون للقضاء على الإسلام، فلابد من جهادهم،، وجهاد البغاة المتحزبين المعتدين بقتالهم لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] وجهاد المبتدعة المارقين، والطغاة الظالمين، وجهاد الفساق والعاصين، وهذا يكون بنشر العلم الصحيح والدعــوة إلى الله تعالى، وبالأمر بالمعـروف، والنـهي عن المنـكر، فجميع ذلك أنواع من الجهاد، وجهادهم يكون باليد إذا قدر المجاهد على ذلك مع أمن الفتنة، فإن عجز انتقل إلى اللسان بالنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن عجز جاهدهم بقلبه، لما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [أخرجه مسلم]، وأكمل الناس عند الله جهادا من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في مراتب الجهاد؛ وأكمل الخلق جهادا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده.
(ج) حكم الجهاد في سبيل الله تعالى: ذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يدفع العدو سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفى أثم الجميع، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]، وما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعث إلى بني لحيان وقال ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعدين، أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير، كان له مثل نصف أجر الخارج([198]) .
وذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات: (الحالة الأولى): إذا حضر المسلم المكلف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان، حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام، لقوله تعالى: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 45]، وقوله سبحانه: {آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16]، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التولي يوم الزحف من السبع الموبقات [متفق عليه.
و(الحالة الثانية): إذا نزل الكفار بلدا من بلدان المسلمين تعين على أهله قتالهم ودفعهم وطردهم منها، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب.
و(الحالة الثالثة): إذا استنفر إمام المسلمين قوماً لزمهم النفير معه لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38، 39] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا استنفرتم فانفروا)) ([199]) .
(ح) أنواع الجهاد: للجهاد نوعان: النوع الأول: جهاد الدفع: والمقصود به قتال العدو وصده عن بلاد الإسلام إن اعتدى عليها، والنوع الثاني: جهاد الطلب: والمقصود به غزو الكفار – غير المعاهدين – في بلادهم على ثلاثة عروض، فإما أن يسلموا وإما أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وإما القتال، وجهاد الدفع فرض عين باتفاق العلماء، حتى يخرج العدو من بلاد المسلمين أو يُصدَّ عنها، وجهاد الطلب فرض كفاية إذا فعله من تحصل الكفاية بهم سقط عن الباقين، فإذا احتاج المسلمون له وهو يستطيع الوصول إليهم صار في حقه فرض عين، وجهاد الدفع لا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، فيجب على كل مسلم حسب قدرته، ويجاهد الرجل بغير إذن والديه، وتجاهد المرأة بغير إذن زوجها، ويجاهد المدين بغير إذن دائنه، وإذا لم تكن بالحاضرين كفاية للدفع صار الجهاد في حق القريب فرض عين الأقرب فالأقرب حتى يعم الفرض الأرض كلها إلى أن يخرج الكفار من بلاد الإسلام ويُصَدّوا عنها.
أما جهاد الطلب فيعتبر من شروطه: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة، وإذن الوالدين، وإذن المدين، وإذن الزوج، وتارك جهاد الدفع يأثم على تركه أشد الإثم لكونه ترَك بلاد ونساء وذراري المسلمين غنيمة للكفار، وتارك جهاد الطلب لا يعاقب على تركه إذا حصلت الكفاية بغيره، إلا أنّ من لم يغزو أو يحدث نفسه بالغزو يموت على شعبة من النفاق، ومن حضر الصف فلا يجوز له التولي إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، ولا يسبق جهاد الدفع دعوة للعدو إلى الإسلام لأنه معتدي، أما جهاد الطلب فإنه يسبقه دعوة العدو – إذا لم يبلغه من قَبل – إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتال، و جهاد الدفع لا يعتبر فيه التكافؤ في العدد أو العتاد، لأنه لو فر الرجال خلص العدو إلى نساء وذراري المسلمين، فيجب قتالهم على كل حال حتى تسلم بلاد الإسلام ويصد العدو عن نساء وذراري المسلمين، أما جهاد الطلب فيعتبر فيه التكافؤ، فإن كان العدو أكثر من الضعف جاز الفرار إلى فئة، أو مكيدة حسب المصلحة، ولا يجوز بغير عذر شرعي.
(خ) الشروط السابقة لجهاد الطلب: (الأول): الاعداد للحرب: لقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال: 60]، فقبل الشروع في القتال، لا بد أن يكون الجيش على أهبة الاستعداد لمواجهة أي خطر من الأعداء ودفعه، والاستعداد نوعان: الأول: إعداد مادي: وهو إعداد الجيش إعدادا قويا من حيث العدد والعدة، إعدادا يتحقق به إرهاب العدو وبث روح الذعر والخوف فيهم ويخذلهم عن القتال، والثاني: إعداد معنوي: وهو لا يقل شأنا عن الإعداد المادي، بل هو أكثر أهمية، وله أبلغ الأثر في انتصارات المسلمين في معارك عديدة لم يقارن جيش المسلمين بجيش الأعداء فيها من حيث العدد والعدة، ولكن كانت انتصارات المسلمين بفضل الله وإيمانهم به.
(الثاني) وجود أمير للجهاد: وهو من الأمور التي لا بد منها قبل الحرب وجود أمير للجهاد، وذلك لأن المجاهدين يحتاجون إلى اجتماع الرأي والكلمة،، ولفعله صلى الله عليه وسلم، ما بعث جيشا أو سرية إلا عين لها قائدا، بل في بعض الغزوات عين أكثر من قائد، كما حدث في غزوة مؤتة.
(الثالث) الدعوة قبل القتال: الكفار إما أن يكونوا بلغتهم دعوة الإسلام أو لا، فإن لم تبلغهم الدعوة فلا يقاتلون حتى يدعون إلى الإسلام، لأنه لا يلزم الإسلام قبل العلم، لقوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل: 125]، ولقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]، والدعوة قبل القتال تكون بتخييره بين إحدى ثلاث خصال: الأولى: الإسلام، والثانية: الخضوع لجماعة المسلمين وإعطاء الجزية، والثالثة: القتال، وتكون المهلة لمدة ثلاثة أيام، أما من بلغتهم الدعوة فلا يجب دعوتهم لأن الدعوة قد وصلتهم.
[المفتاح الثاني]: أهداف الجهاد والحكمة من مشروعيته
(أ) إزالة فتنة الكفر وجعل الدين كله لله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39]، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193]، وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ([200]) .
(ب) نصر المظلومين والمستضعفين، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]،
(ت) ردّ العدوان وحفظ الحرمات، قال الله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]،
(ث) نشر الدين وتأمين الدعوة إلى الله، قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) والفتنة الشرك، فأمر الله عز وجل بقتال المشركين حتى يزول الشركُ وقوله ” فتنة ” نكرة في سياق نفي فهي عامَّة، وقوله ويكون الدين لله عامٌّ في الدين كله في التعبد والحكم، وقد أكّده في قوله: ويكون الدين كله لله، قال ابن تيمية رحمه الله: فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، وقوله فإن انتهوا، بيّن الغاية التي يستمرُّ القتال إليها، وقوله: فلا عدوان إلا على الظالمين، دال بمنطوق الحصر على قتال الكفار لأنهم ظالمون، وبمفهومه على أنَّ رفع القتال لا يكون إلاَّ بارتفاع الظلم، ودلالة مفهوم الحصر من دلالة المنطوقِ لا المفهوم على الصحيح، وإنَّما يسمّى مفهومًا لأنَّه مفهوم الإثبات في جملة الحصر، وإن كان منطوقًا للنفي في الجملة نفسِها، فهو أقوى من المنطوقِ المجرَّد لاجتماع الدلالتين فيه ومن هذا الوجه كان الحصر من أساليب التوكيد،، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الشيخان من حديث ابن عمر وغيره من الصحابة: ”أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم“([201]) .
الحديث وفيه الأمر بمقاتلة الناس عامة دون تخصيص وجعل غاية ذلك أن يدخلوا الإسلام، ومفهوم الشرط في قوله: فإذا قالوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، أنَّ من لم يقلها لم يُعصم دَمُه ومالُه، وقوله كما في حديث بريدة عند مسلم: ”امضوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله“([202]) .
الحديث وفيه قوله: ”وإذا لقيت عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصالٍ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم“، ([203]) . وقوله كما في المسند وسنن أبي داود من حديث ابن عمر بسندٍ جيدٍ: ”بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له“([204]) . وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ”عجب الله من قومٍ يدخلون الجنَّة في السلاسل“،([205]) .
وغير ذلك من الأحاديث
(ج) النيل من الكافرين وإرهابهم: فقد افترض الله على عباده المؤمنين، البراءة من أعدائه الكافرين، وأوجب عليهم بغضهم وعداوتهم، وأمرهم بالنيل منهم وإغاظتهم، فقال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) الآية، فجعل الله الإرهاب مقصودًا للإعداد، والمقصود من الأمر مأمور به، فعُلم منه الأمر بإرهاب الكافرين سواء كان ذلك بالإعداد أو بالجهاد أو بغير ذلك، وهذا داخلٌ في الآية بالقياسِ الجليِّ على الحكم المعلَّل بالنصِّ، فقد افترض الله على عباده المؤمنين، البراءة من أعدائه الكافرين، وأوجب عليهم بغضهم وعداوتهم، وأمرهم بالنيل منهم وإغاظتهم، فقال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) الآية، فجعل الله الإرهاب مقصودًا للإعداد، والمقصود من الأمر مأمور به، فعُلم منه الأمر بإرهاب الكافرين سواء كان ذلك بالإعداد أو بالجهاد أو بغير ذلك، وهذا داخلٌ في الآية بالقياسِ الجليِّ على الحكم المعلَّل بالنصِّ، فالسعي في إرهاب الكفَّار مطلوبٌ أصلاً لكفرهم، ولعداوتهم الأصلية للمؤمنين، التي هي مقتضى إيمان المؤمنين وكفر الكافرين، (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)، فلكون المؤمنين يُقاتلون في سبيل الله وكون الكافرين يُقاتلون في سبيل الطاغوت، أُمر أولياء الرحمن بقتال أولياء الشيطان، والبراءة من الكفَّار وعداوتهم كما هي مطلوبةٌ باللسان والقلب، مطلوبةٌ بالعمل، وذروة سنام العمل الجهاد في سبيل الله، وأشدُّ ما تكون البراءة والمعاداة أن تسل السيوف وتلتقي الصفوف.
[المفتاح الثالث]: فضل الجهاد في سبيل الله تعالى
(أولا): آيات قرآنية في فضل الجهاد: (أ) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].
(ب) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10-13].
(ت) قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]
(ث) قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169-171]
(ج) قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]
(ح) قال الله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 95، 96]
(خ) وقال الله تعالى:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}]التوبة: 19-20[،
(ثانيا): أحاديث نبوية في فضل الجهاد: (أ) وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: وأخرج البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: ((سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)) ([206]) .
(ب) وعن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) ([207]) .
(ت) قوله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان) ([208]) .
(ث) قوله صلى الله عليه وسلم: (حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله) ([209]) .
(ج) قوله صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) ([210]) .
(ح) قوله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عيها) ([211]) .
(خ) قوله صلى الله عليه وسلم: (لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خير من الدنيا وما فيها) ([212]) .
(د) قوله صلى الله عليه وسلم: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار) ([213]) .
(ذ) قوله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ([214]) .
(ر) أخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: (لا أجده) قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر)؟ قال: (ومن يستطيع ذلك؟)([215]) .
(ز) قوله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة) ([216]) .
(س) قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يُكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيل إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك) ([217]) .
(ش) قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة) ([218]) .
(ص) وأخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: “أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ([219]) .
(ض) قوله صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ([220]) .
(ط) قوله صلى الله عليه وسلم: (يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) ([221]) .
(ظ) أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال: (مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله” قال: ثم من؟ قال: “ثم مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ربه ويدع الناس من شره) ([222]).
(ف) قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة، ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) ([223]) .
(ق) قوله صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) ([224]) .
[المفتاح الرابع]: نظام الجهاد في الإسلام: (تنبيه): انظر لتأصيل ذلك المبحث أصول الدعوة إلى الله لعبد الكريم زيدان: مبحث نظام الجهاد:
(1) الجهاد أنواع فهناك الجهاد باللسان ببيان شرائع الاسلام ودحض الاباطيل المفتراة عن الاسلام، والجهاد بالمال بإنفاقه في وجوه البر، لا سيما على الغزاة والمقاتلين في سبيل الله بشراء العتاد والسلاح والارزاق لهم، والجهاد بالنفس بمقاتلة اعداء الله، وإذا أطلق الجهاد فانه يراد به – غالباً – الجهاد بالنفس أي القتال كما أن الجهاد بالنفس يقرن غالباً بالجهاد بالمال، كما نلاحظ ذلك في آيات القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكين طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين}،
(2) الجهاد بالنفس: بمقاتلة الاعداء من فروض الكفاية في الاحوال الاعتيادية إذا حصلت به الكفاية، ولكنه يصير فرض عين، إذا احتل الكفرة بلداً من بلاد الاسلام أو إذا استنفر الامام المسلمين، قال الامام ابن العربي المالكي “إذا كان النفير عاماً لغلبة العدو على الحوزة أو استيلائه على الأسارى كان النفير عاماً ووجب الخروج خفافاً وثقالاً وركباناً ورجالاً عبيداً وأحراراً، من كان له أب من غير اذنه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة، ويخزي الله العدو ويستنقذ الاسرى، ولا خلاف في هذا” أهـ([225]) .
(3) أهمية الجهاد : (أ) لما كان الجهاد من فروض الاسلام فقد عظمت به الوصية، وامر الله تعالى بأخذ العدة اللازمة له قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [سورة الأنفال الآية: 60]، فكل ما به قوة وحاجة في القتال وجب تحصيله واعداده، وهذا يختلف باختلاف الازمان والاحوال، ولا شك ان من وسائل القوة المهمة في زماننا تعلم واتقان مختلف العلوم والفنون والصناعات اللازمة لإعداد القتال، وتعلم هذه الأمور من الفروض الكفائية في الأمة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن المستحب لكل مسلم ان يتعلم ما يستطيعه من أمور القتال، كالرمي والطعن واستعمال السلاح مبتغياً بذلك وجه الله تعالى ويعلمه للآخرين، وقد أشار شيخ الاسلام ابن تيمية الى هذه الامور فقال رحمه الله: “وتعلم هذه الصناعة – أي صناعات الحرب وآلات القتال – هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله عز وجل فمن علم غيره ذلك كان شريكه في كل جهاد يجاهد به لا ينقص أحدهما من الأجر شيئاً”، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يوصي المسلمين وولاتهم “أن علموا أولادكم الرمي والفروسية” وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم “… ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا”.
(ب) والواقع أن الجهاد ضروري لبقاء المسلمين امة قوية مرهوبة الجانب بعيدة عن أطماع الطامعين والحاقدين من الكافرين والمنافقين، كما أن الجهاد بنفسه دليل قاطع على ايمان المسلم ومبادرته إلى ما يحبه الله تعالى وايثاره مرضاته وما عنده، ولهذا وبخ الله تعالى من يتقاعس عن الجهاد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} [سورة التوبة الآية: 38].
(ت) ولعظيم اثر الجهاد ودلالته على الايمان، قال الفقهاء: المقام في ثغور المسلمين أفضل من المجاورة في المساجد الثلاث: المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، وتعليل ذلك أن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} [سورة التوبة الآية: 19]، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن أي الأعمال افضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)، ([226]) .
(ث) وترك الجهاد سبب للمذلة والهوان وضياع الديار وتسلط الكفرة على بلاد الاسلام، وهذا من العذاب الذي توعد به الله تعالى تاركي الجهاد، قال ربنا في القرآن الكريم {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير} [سورة التوبة الآية: 39]، قال الامام العربي المالكي في تفسيره: في هذه الآية تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير والخروج الى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا، أما نوع العذاب، فقال عنه الامام ابن العربي: “هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من يستولي عليه، وبالنار في الآخرة”،([227]) .
ووقائع التاريخ القديمة والحديثة تؤيد ما ذكره ابن العربي، فما أصاب المسلمين من ذل وتسلط الكفرة عليهم الا بتركهم الجهاد المطلوب منهم.
(4) الرد على من قال أنّ الجهاد في سبيل الله يقتصر على الدفاع فقط: يقول بعض الكتاب المحدثين: إن القتال في الاسلام، أو الجهاد في الاسلام، هو دفاعي لا هجومي، بمعنى أنه لا يجوز للدولة الاسلامية ان تهاجم دولة غير اسلامية إلا إذا هاجمتها هذه الأخيرة، والواقع ان هذا القول غير سديد وينقصه التحقيق والتدقيق، ولا تدل عليه دلائل الشريعة، ذلك ان القتال في الاسلام له أسباب منها: رد الاعتداء وفي هذا قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [سورة البقرة الآية: 190] ومنها: القتال لنصرة ضعفاء المسلمين الذين يتعرضون لظلم الكفرة قال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [سورة النساء الآية: 75] ومنها: أن يبدأ المسلمون قتال الكفرة إذا رفضوا الاسلام ومنعوا المسلمين من تولي الحكم والسلطان لإقامة شرع الله وتطبيقه في الأرض، وهذا هو الذي يجادل فيه البعض ويعتبره من قبيل القتال الذي يبدأ به المسلمون وغيرهم بلا مبرر، والحقيقة أن القرآن والسنة النبوية يدلان على هذا النوع من القتال، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [سورة الأنفال الآية: 39]، والفتنة معناها الكفر والشرك، قال الامام أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن في تفسير هذه الآية: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع،، أما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة،، والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له… ودين الله هو الاسلام لقوله تعالى: {ان الدين عند الله الاسلام} [سورة آل عمران الآية: 19]، فقول الامام الجصاص: حتى يتركوا الكفر، أي كفرهم المتعلق بتشريع الاحكام، لأن التشريع من حق الله وحده، فمن نازعه ذلك فقد كفر وأشرك، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [سورة الشورى الآية: 21]، ويؤيد ما قلناه أيضاً قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [سورة التوبة الآية: 21]، قال الامام الشافعي: ” الصغار أن تؤخذ منهم الجزية وتجري عليهم احكام الإسلام ” أه([228]) .
ـ [فهذا صريح في ان قتال المسلمين انما هو لإظهار دين الله بتطبيق شرائعه بعد أن يتولى المسلمون الحكم والسلطان وليس المقصود قتل غير المسلمين أو اكراههم على الإسلام لأنه لو كان هذا هو المقصود لما شرعت الجزية ولما أقر الكافر على كفره في دار الاسلام، وفي السنة النبوية ما يؤيد ما قلناه، فقد وردت احاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم امراء الجند عند توجيههم الى المشركين ان يدعوهم الى الاسلام فان أبوا فإلى الجزية أي الى الخضوع الى سلطان الدولة الاسلامية فان أبوا قاتلوهم حتى يخضعوهم قهراً لسلطان المسلمين([229]) .
، والحقيقة ان بدء المسلمين لغيرهم بالقتال إذا رفضوا الاسلام أو الجزية، انما هو لمصلحة عموم المشركين الذين يخضعون لسلطان الكفر، لأن المسلمين يريدون بهذا القتال رفع هذا الحكم الكافر عنهم وإزالة شرائعه الباطلة، ورفع الحواجز عن عموم الناس لرؤية الاسلام وشرائعه، فمن شاء آمن ومن شاء بقي على كفره بشرط الولاء للدولة الاسلامية، وهذا كله من مصلحة المشركين الدنيوية والاخروية، أما الدنيوية فتظهر في تمتعهم بعدل الإسلام والحافظة على أموالهم وحقوقهم، وأما الأخروية فبتهيئة سبل رؤيتهم الإسلام واحتمال دخولهم فيه عن رضى واختيار لا عن جبر واكراه وفي هذا سعادتهم وفوزهم في الآخرة، والخلاصة فان المسلم لا ينفك عن الجهاد في سبيل الله أبداً فهو في جهاد دائم: يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة وعلى بذل المال والنفس في سبيل مرضاة الله تعالى، ويجاهد بلسانه وقلمه ليبين معاني الإسلام ويرد على افتراءات المبطلين، ويجاهد في جميع أحواله، في الرخاء والشدة، وفي حالة الضعف والقوة، وفي حالة الفقر والغنى، وبهذا قال المفسرون في قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} سورة التوبة الآية: 41، والأمر بالجهاد وذكر فضائله وثوابه في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصر، بل ولم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وتعليل ذلك ان نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة مثل محبة الله والاخلاص له والصبر والزهد، وان القائم به بين احدى الحسنين دائماً، إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة ” أهـ ([230]) .
[المفتاح الخامس]: العقيدة العسكرية الإسلامية: (تنبيه): انظر كتاب أساسيات في القيادة والإدارة لهايل عبد المولى طشطوش صـ 149 إلى صـ 155 باختصار: [العقيدة العسكرية في الإسلام تختلف عن أي عقيدة أخرى في الدنيا كلها من حيث المنطلقات والثوابت والأهداف والغايات، وذلك لأنها تنبثق من الشرع الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكذلك من لسنه النبوية المطهرة المفصلة والموضحة لما جاء في هذا الدستور، لذا فان لها من المرتكزات والأسس والمبادئ ما يستحق الدراسة والتفصيل، والبيان والتوضيح لعلها تكون الهادي والمرشد لكل من يسعى إلى قيادة راشدة ناجحة: (1) القران الكريم: لم يغفل القران الكريم عن أن يحتوي على أسس راسخة وجذور عميقة لكل ما يتصل بالعقيدة العسكرية من مبادئ وتعاليم وثوابت انطلق منها أتباع هذا الدين الحنيف فوجدوا فيها الخير والفلاح والنجاح لهم ولغيرهم، لأنها مبادئ تقوم على الأخلاق الفاضلة والمعاملة الحسنة الكريمة.
(2) السنة النبوية المطهرة: رسمت السنة المطهرة خطوطا عظيمة لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها في العقيدة العسكرية الإسلامية، كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان خير القادة وكان سيد المقاتلين الأقوياء الرحماء الأشداء، حيث كانت أولى هذه الخطوط هي الرحمة التي جاء محمد من اجلها وبنى رسالته على أساسها فهو رحمه للعالمين…، لقد سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل القوانين الدولية الإنسانية التي دعت إلى احترام الأسرى والجرحى وحماية المدنيين، لقد سبقها بمئات السنين مستجيبا لربه بدعوته إياه أن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنه، وان يترك لهم حرية اختيار ما يريدون دون عنف أو قتل أو خوف، قال تعالى: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]، لان الدعوة باللين واللطف والرحمة هي السبيل إلى الاقتناع واستماله القلوب إلى الحق والصراط المستقيم.
(3) عقيدة سلمية دفاعية: بما أن أهم مرتكزات هذه العقيدة هو القران الكريم والسنه المطهرة فهي عقيدة سلمية – من غير ضعف- بامتياز، وذلك لان هذا الدين هو دين السلم والسلام، ورسالته هدفها تحقيق الأمن والأمان لبني البشر، فهو لم يكن يوما عدوانيا إرهابيا، فهو لم يروع الآمنين ولم يقتل المسالمين ولم يعتدي على المطمئنين في بيوتهم، والمتعبدين في صوامعهم، لم يقطع شجرا ولم يقتل طفلا ولا امرأة، ولم يتعرض لشيخ طاعن، لم يهدم بيتا على صاحبه، لم يغل، ولم يغدر بأحد، ولم ينتهك عرضا، ولم يمثل بقتيل، ولم يقتل جريح أو أسير، بل لم يتعرض للحيوانات والدواب التي ترعى في ارض الله وتسبح باسمه.
[(تنبيه): ليس معنى ذلك ابطال الجهاد الطلبي وإنما الحكمة من تشريعه هي تامين الحماية لحرية العقيدة وتامين حرية انتشارها بين الناس، فإن تحققت حرية العقيدة وحرية انتشارها بين الناس، كأن يتفق العالم كله على ذلك دون مساس بها من حكومات العالم المتعددة فعندها لا داعي له لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، هذا من الجهة النظرية، ولكن عند التطبيق فيستحيل ذلك لأنّه لن تصفى قلوب الكافرين لنا، وقد أعلمنا الله تعالى ذلك بقوله: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]
(4) الأهداف والغايات: إن طبيعة الأهداف تلعب الدور الأكبر في تحديد أساسيات العقيدة العسكرية لأية أمة، وفي الإسلام فان الأهداف والغايات هي أهداف نبيلة كريمة حددها الخالق عز وجل، فحاشا أن يأتيها النقص أو القصور أو النقد، إنها أهداف ترمي إلى حماية الأمة وزيادة هيبتها ورفعه شانها لتكون مهابة الجانب تؤدي رسالتها التي طلبها الله عز وجل على أكمل وجه وأتم شكل، بعيدا عن الاعتداء أو الإيذاء أو الإكراه أو القوة الغاشمة الظالمة، قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190]، إذن أهدافها رد المعتدين وحماية ديار المسلمين، وليس العدوان والتوسع واستغلال خيرات الشعوب ومقدراتها، أهداف وغايات بنيت على التسامح والرحمة والرفق واللين والحرية المنضبطة والأخلاق العالية والتضحية بالنفس في سبيل الدين والرسالة، مقصدها رد العدوان وحماية ذمار المسلمين، تقوم على احترام الآخر ولا تلغيه، وتحاوره وتجادله بالتي هي أحسن، ومع ذلك فهي تمتاز بالقوة من غير ضعف وباللين من غير استكانة ومذله، إنها عقيدة تغرس في أتباعها عزة النفس والكبرياء وعدم الخوف إلا من الله العلي القدير، إن هذه الأسس هي مبادئ العقيدة العسكرية الإسلامية التي بنيت على السلم والرحمة واحترام الآخر، بعيدا عن العدوان والظلم والتوسع والقهر والإذلال، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رجمه للعالمين}، هذا هو القول الفصل والخطاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي يلخص فحوى عقيدة الإسلام العسكرية لكي لا يبقى مكان لجاحد أو منكر أو متجن أو مدع بان الإسلام هو دين التطرف والإرهاب، بل انه دين الحوار والرحمة والتسامح والرفق.
[المفتاح السادس]: أهداف وغايات الحرب في الإسلام: الحرب في الإسلام لم يكن مقصدها التدمير والتخريب وقتل الأبرياء وترويع الآمنين، بل أن مقاصدها وغاياتها شريف ونبيلة، وهي تتلخص فيما يلي:
(1) تامين حريه نشر الدين: القاعدة الربانية التي بنى عليها المسلمون عقيدتهم القتالية في هذا الخصوص هي قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256]، لذا فان اعتناق وإتباع الدين في الإسلام ليس بالإكراه وبحد السيف، بل هو بالدعوة اللينة الحسنه، المبنية على أسلوب الإقناع وليس الإكراه والإجبار، قال تعالى: {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي احسن} [النحل: 125]، لذلك فان المسلمين لم يقاتلوا من اجل اجبار الناس على اعتناق الإسلام بالقوة، بل كان الهدف هو تامين الحماية لحرية العقيدة وتامين حرية انتشارها بين الناس.
(2) الدفاع عن الدعوة: لابد ان تكون الدعوة محفوظة ومصانة من عبث العابثين ومن اعتداء المعتدين لتكون عزيزة الجانب مهابة الحمى، لقد تعرض المسلمون في بداية الدعوة الى ألوان مختلفة من العذاب والظلم والاعتداء، لدرجه أنهم هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم وأهليهم، وجلسوا في المدينة يتحملون الظلم ويصبرون عليه ولم يردوا بالحرب والعدوان منتظرين أمر الله، حيث كان يقول لهم صلى الله عليه وسلم: (لم أومر بقتال، لم اومر بقتال)، إلى أن جاء أمر الله بالدفاع عن الدعوة ورد الظالمين، وحماية الدين وتوفير الأجواء المناسبة لهم للعبادة ونشر الدين الجديد وتامين حمايته، حيث قال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39]، عندها استجاب المسلمون لأمر الله فكانت حربهم حربا دفاعيه ليست أداة للهدم والتخريب والإفساد وإذلال الناس وتحقيق المنافع وإشباع المطامع، بل هي حفظ لتوازن ومنعا للظلم والتعسف والطغيان، [ثم صارت بعد ذلك جهاداً طلبياً من أجل تامين الحماية لحرية العقيدة وتامين حرية انتشارها بين الناس]
(3) رد العدوان الخارجي: وذلك امتثالا لقوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين}، لذا فان المسلمين لا يذهبون للاعتداء على ديار الآخرين ولا يدمروا بيوتهم وصوامعهم ولا يروعوا الآمنين المسالمين، بل يردوا وبكل قوة من يعتدي على بلادهم وديارهم ويدنس أرضهم.
(4) تحقيق السلام وتثبيت أركانه: إنّ السلام – وليس الحرب – هو غاية الإسلام وهدفه، مصداقا لقوله تعلى: {يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافه} وقوله تعالى: {وان جنحوا للسلم فاجنح لها}، إن من أهداف الإسلام العامة هو تحقيق السلام بين الأمم، لان الهدف المتوخى من إتباع الإسلام هو تحقيق السلام وليس الحرب والنزاع.
[المفتاح السابع]: أخلاقيات الحرب في الإسلام: الحرب في الإسلام هي حرب أخلاقية وليست حربا انتقاميه، وذلك لان القصد منها هو هداية الناس وإخراجهم من الظلمات الى نور الإسلام وعدله وسماحته، ولأنها كذلك فقد امتازت بأخلاقيات مثاليه وحضارية اقتدت بها الأمم المتمدنة واتخذتها كقوانين إنسانيه تطبقها أثناء الحروب والقتال،ومن ابرز مثاليات وأخلاقيات الحرب العادلة في الإسلام ما يلي:
(1) احترام العهد: إنها شيمه منة شيم الإسلام العظيم وصفه من صفات نبيه الكريم،حتى انه قبل الإسلام كان يسميه قومه الصادق الأمين، بل انه كان صادقا حتى في المزاح والمداعبة، فقد اخرج الترمذي عن أبي هريرة انه قال: قالوا يا رسول الله انك تداعبنا، قال (إني لا أقول إلا حقا) ([231]) .
، حيث كان صلى الله عليه وسلم يحترم العهد الذي يقطعه على نفسه ولا يحنث به ولا ينكثه، بل انه كان يحث أصحابه اذا عاهدوا ان يحترموا العهد ولا ينقضوه مهما كانت الظروف والأحوال، وان موقفه صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر خير دليل على ذلك، رغم ان اليهود نكثوا العهود مع المسلمين وحرضوا القبائل على قتالهم، الا انه صلى الله عليه وسلم منع أصحابه ان يعتدوا على بيوتهم او ثمارهم أو الاعتداء على نسائهم، ومنعهم من دخول بيوت اليهود الا بإذنه،وان موقفه صلى الله عليه وسلم من الرجل الذي استجار بأم هانئ، خير شاهد على ذلك حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لام هانئ عندما أجارت رجلا من المشركين: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)، ([232]) .
لان القاعدة في الإسلام هي حديثه صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) ([233]) .وهنا اعتبار ذمه أي مسلم مهما كان هي ذمه لكل المسلمين.
(2) الوفاء بالوعد: ان صور الوفاء بالوعد عند النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتعددة فهو لم يخلف وعدا قطعه على نفسه لأحد من الناس حتى ولو كان مشركا، ويكفينا قوله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) ([234]) .
(3) معامله الأسرى: ان أخلاقيات الحرب في الإسلام عديدة ومتنوعة ومثاليه، لأنها تطبق كل المثل الإنسانية الرفيعة وتبتعد عن الفتك والدمار والتلذذ بجريان الدماء كما هي حال كثير من الحضارات التي قامت ومازالت تقوم على مجاري الدماء وبين أنقاض بيوت الآمنين، قال تعالى – مادحا نبيه صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام -: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}، إنهم فعلا يستحقون هذا المدح الإلهي، فها هو قائدهم وزعيمهم صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه بعد أن جاءوا بثمامة بن اثال بعد ان وقع أسيرا في أيدي المسلمين،: (أحسنوا أسارة) وقال لهم: (اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به اليه) بل انهم كانوا يقدمون له لبن ناقة الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، وبعد ان رأى هذا الأسير هذه الأخلاقيات العظيمة من محمد صلى الله عليه وسلم وحبه دخل في الإسلام، إن موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة موقف تاريخي عظيم يشهد على ان حربه صلى الله عليه وسلم هي حرب مثاليه أخلاقية، فهم لم متعطشا لدماء ولا هاويا للحرب بل ان هدفه هو دخول الناس في دين الله أفواجا عن رغبه ومحبه، فقد وقف عليه الصلاة والسلام مخاطبا قريش وقال لهم: (يا معشر قريش ما تظنون اني فاعل بكم؟، فقالوا: خيرا،اخ كريم وابن اخ كريم، فقال: اذهبوا فانتم الطلقاء)، الم يكن قادرا على أبادتهم وقتلهم وسفك دمائهم وتخريب ديارهم وتشريدهم انتقاما منهم لما فعلوه به من تشريد وإذلال وأهانه؟ بلى، ولكن أخلاقه العظيمة التي حباه بها ربه تأبى عليه ذلك،قال تعالى: {انك لعلى خلق عظيم}، هذه هي المبادئ التي تنادت بها البشرية كدستور إنساني تحتكم إليه في النزاعات والحروب قد سبقها اليه محمد عليه الصلاة والسلام بمئات السنين.
(4) احترام الجرحى والمرضى والعزل: من الآداب العظيمة للحرب في الإسلام هي عنايته بالجرحى والمرضى واحترامه لهم وخاصة الناس المسالمين والذين لا علاقه لهم بالقتال، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأوصاهم بان لا يتعرضوا للنساء والأطفال والشيوخ الكبار في السن وكل من اعتزل القتال،فها هو صلى الله عليه وسلم يوصي جنده فيقول لهم: (انطلقوا باسم الله تعالى وعلى بركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة ولا تغلوا (أي تخونوا) وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
(5) دفن القتلى ومنع التمثيل بهم: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بالقتلى في الحرب حيث كانت من عادة المنتصر في الحرب ان يمثل بالقتلى ويشوه الجثث ويسيء الى إنسانيتها، وذلك لان الحرب في الإسلام ليست لتشفي والانتقام وليست حرب غل وحقد بل هي حرب دعوة وهداية القصد منها إخراج الناس من الظلمات الى النور وإرشادهم لما فيه خيرهم وصلاحهم، قال صلى الله عليه وسلم موصيا وموجها أصحابه: (إياكم والمثلة)، بل انه صلى الله عليه وسلم أمر بدفن جثثهم واحترامها من ان تكون طعاما للوحوش الكاسرة والطيور الجارحة،ففي بدر أمر صلى الله عليه وسلم بدفن قتلى المشركين في القليب،بل انه صلى الله عليه وسلم نهى عمر بن الخطاب عن قطع لسان سهيل بن عمرو الذي كان يهجوا النبي ويؤلب الناس عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم لعمر: (لا امثل به فيمثل الله بي وان كنت نبيا)، ([235]) .
(6) صيانة الأعراض والأموال: الحرب في الإسلام لا تشن للعدوان والبغي والانتقام بل أنها تشن لتوطيد أركان السلام وتصون الأرواح وتحفظ الأعراض والأموال وقد كانت أخلاقيات الحرب في الإسلام سببا رئيسيا لدخول كثير من الناس الى هذا الدين أفواجا وجماعات لقناعتهم بأنه دين الرحمة والسلام، يقول (مونتغمري) عن أخلاقيات الحرب في الإسلام:”كان المسلمين يستقبلون في كل مكان يصلون إليه كمحررين للشعوب من العبودية وذلك لما اتصفوا به من التسامح والإنسانية والحضارة،مما زاد من إيمان الشعوب بهم علاوة على تميزهم بالشجاعة والصلابة في القتال وقد ادى هذا الى اعتناق معظم الشعوب التي انتصر عليها العرب الدين الإسلامي “، هذه شهادة الأعداء وليس الأصدقاء لذا فهي بريئة من التحيز والتزلف،
(7) عدم الاعتداء على المتعبدين: لقد كان من قواعد الحرب في الإسلام احترام المتعبدين في صوامعهم حتى ولو كانوا على غير دين الإسلام، وهذا يدل على سماحه وعدل الإسلام وبأنه لا يجبر احد على ترك دينه والتحول الى الإسلام لان قاعدته هي: {لا إكراه في الدين}، ونعود نتذاكر معا وصيه الرسول الكريم الى قائد جيشه حين قال له: (اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع)، ([236]) .
أي المتعبدين في صوامعهم ودور العبادة الخاصة بهم، وروى ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقتلوا أصحاب الصوامع) أي الرهبان والمتعبدين، وقد بلغ من رحمة الإسلام أن اسقط الجزية عن الرهبان والمنقطعين للعبادة، فأي إنسانيه أعظم من ذلك؟،
(8) عدم هدم البيوت وتخريب العمران: بما ان الحرب في الإسلام غايتها بعيدة كل البعد عن الحقد والانتقام، ولم يخرج لها المسلمون إلا مجبرين، ورغم تمتعهم بالقوة والتفوق على أعدائهم، كل ذلك لم يجعلهم متغطرسين حاقدين، بل أنهم لم يتخلوا عن أعظم القيم السامية والمثل الأخلاقية الطيبة في أحلك الظروف، ورغم قدومهم على بلاد هي غريبة بالنسبة لهم، ومن عادة الجيوش القادمة للحرب ان تدمر وتخرب وتسعى الى ما يسمى (بسياسة الأرض المحروقة) من اجل تحطيم معنويات العدو والتأثير على قوته، لكن ذلك لم يحصل ولا في معركة من معارك الإسلام، وان وصايا الرسول الكريم إلى أصحابه وجنده المتوجهين الى القتال لهي خير شاهد على ذلك، فها هو صلى الله عليه وسلم يوصي جيشه الخارج إلى مؤته بأن لا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين ولا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الشجر.
(9) احترام السفراء والرسل: تبادل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام السفراء مع الدول المجاورة له وبعث الرسل إلى الملوك والأمراء والزعماء يدعوهم الى الدين الجديد او لإجراء المفاوضات حول أمر ما سواء كان امرا حربيا ام سلميا، فكانت تأتيه الرسل للرد على رسائله او لتبين له موقف بلادهم ورأيها في الدين الجديد او في القضية المتفاوض حولها، وقد كان لهؤلاء الرسل عند نبينا الكريم كل الاحترام والتقدير وتوفير الحماية لهم ومنع التعرض او الاعتداء عليهم بأي شكل من الأشكال، لان أخلاقيات الإسلام العظيم ومكارم الأخلاق النبوية تأبى ذلك،لذا فان الرسل في الإسلام آمنون لا يقتلون ولا يعتدى عليهم ولهم حق الجوار والعهد ما داموا داخل ديار الإسلام،ومن سيرته صلى الله عليه وسلم في هذا الخصوص انه قال لرسولي مسيلمة عندما سمع منهما كلاما جارحا: (لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما) ([237]) .
، وقد كان لهذه السنة الكريمة اثر كبير في بيان أخلاق الإسلام للشعوب الأخرى مما دفع بالكثير من الرسل وملوكهم وشعوبهم إلى الدخول في الإسلام أفواجا وجماعات، وقصه أبي رافع رسول قريش تؤكد صحة ذلك، حيث قدم أبو رافع رسولا لقريش للنبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله إني لن ارجع إليهم ابدا “، فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إما إني لا اخيس بالعهد ولا احبس البرد ولكن ارجع فان كان في قلبك الذي في قلبك فارجع) قال: ” فرجعت، ثم أقبلت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأسلمت “،([238]) .
هذه هي الأخلاق النبوية التي كانت القدوة الحسنه والحافز والدافع لكثير من أمم الأرض للدخول في هذا الدين والانضمام تحت لواءه وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ([239]) .
، ولقد استقت القوانين الدولية من هذه السنة الكثير الكثير حيث منعت الاعتداء على البعثات الدبلوماسية والقنصلية واعتبرت ذلك من الأمور الخطيرة التي يؤدي الى توتر العلاقات الدولية وقد تؤدي الى حروب طاحنه، ولعل تاريخ العلاقات الدولية يحفل بالكثير من القضايا في هذا الخصوص.
(10) العفو والصفح: إن الله بعث محمد عليه الصلاة والسلام رحمه للعالمين وذلك مصداقا لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين}، فقد كانت رحمته صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين فهي في الحرب كما هي في السلم، شواهد كثيرة تدل على رحمه الرسول الكريم في اشد المواقف وأعسرها وفي أحلك ساعات القتال بل وهو في اوج قوته، ويكفي ان نتذكر هنا موقفه من الناس الذين أذوه وضربوه وطردوه من بلدة التي وولد فيها، فعندما جاءها فاتحا وهو في عز قوته فقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ([240]) . إنها رحمه نبوية ليس بعدها رحمه،حتى أنها طالت الحيوان قبل الكانسان، فها هو يأمر جنده الذين افزعوا الطيور من أعشاشها فيقول لهم: (من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها)، ([241]) .
أي رحمه وأية رأفة هذه التي يتصف بها محمد عليه الصلاة والسلام.
(11) عقد الصلح والمعاهدات: أمر الله سبحانه وتعالى نبيه ان يرضى بالصلح وان يقبل دعوة السلم اذا ما دعي إليها حيث قال تعالى: {وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع البصير} [الأنفال: 61]
[المفتاح الثامن]: حقوق القيادة في النظام العسكري الإسلامي: كما أوجب الإسلام على القائد العناية والاهتمام والرعاية بجنوده ومقاتليه وإعدادهم الإعداد السليم من جميع جوانب حياتهم، فكذلك أوجب عليهم واجبات مقدسه ومهمة تجاه قادتهم ورؤسائهم تعبر عن مدى الاحترام والتقدير لهذا الشخص الذي يبذل الجهود المضنية لأعداهم وتأهيلهم وتربيتهم التربية السليمة الصحيحة نفسيا وبدنيا، لذا فقد رتب عليهم حقوق وواجبات نستطيع ان نجملها بما يلي:
أولا: السمع والطاعة: إن أهم ما يميز العمل العسكري هو الطاعة واحترام الأوامر الصادرة من القادة والتي يجب على الجندي الالتزام بها والامتثال لها،إذ بغير السمع والطاعة لا يمكن أن يستقيم الضبط والربط، وتسود الفوضى وتتداخل الواجبات ويعم الاضطراب في أرجاء المؤسسة العسكرية، وهذا السلوك الايجابي يجب ان ينمو في نفس الجندي حتى في غياب الرقابة عليه ليصبح حاجه ذاتية تلقائية يقوم بأدائها في جميع المواقف والظروف، وتنبت هذه الصفة في الإنسان العسكري من خلال قناعته بقادته وقيادته والمبادئ التي عنها يقاتل عنده يتولد الدافع الذاتي في نفسه بشكل عفوي وتلقائي، قال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم}، وقال صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وان ولي عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة) ([242]) .
ثانيا: المناصرة والتأييد: من حقوق القيادة على الأتباع هي المناصرة والدعم والمؤازرة والتأييد وخاصة اذا ما كانت تقود الناس بما يرضي الله ورسوله وتقيم فيهم حكم الله وشرعه وتقوم بواجباتها تجاه الأفراد، وتدفع عنهم الأخطار والعاديات، وتتراوح صورة التأييد والمؤازرة بين المشاركة الوجدانية، والمناصرة باللسان من خلال الكلمة الصادقة التي تشد من أزر القيادة وترفع معنوياتها وتقوي صمودها في وجه المخاطر والتحديات التي تواجهها، وقد تكون بالتضحية بالمال والنفس دفاعا عن الأوطان والأعراض، وفي الإسلام فان الجندي المخلص هو الذي يمارس كل هذه الصور مجتمعه كواجب عليه تجاه قيادته ووطنه وأمته مقابل ما قدمته له من جهد وتضحيات.
ثالثا: النصح والإرشاد: إن قاعدة الإسلام هي أن (الدين النصيحة لله ولرسوله وللمسلمين لائمتهم وعامتهم) فهي واجب كل مسلم لديه القدرة والإمكانية عليها، وللنصيحة أهميه كبرى وفوائد جمة وثمرات تظهر أثارها على المجتمع المسلم في حال تم تطبيقها بالطرق الصحيحة واستخدمت فيها الوسائل السليمة، لان تعطيل النصيحة تؤدي الى وقوع المجتمع المسلم فريسة للتفكك والفوضى واختلاط الأمور على الناس، ولا شك أن أقامه النصيحة وتأديتها يوحد صف الأمة ويدلها على الرأي الاصوب والارشد ويشد من أزرها.
***
المبحث التاسع النظام الإعلامي في الإسلام نظام رباني متكامل يبلغ رسالة الإسلام كاملة إلى الناس جميعا
[المفتاح الأول]: أهم أنظمة الإسلام هو النظام الإعلامي: وذلك لأنّ الإسلام هو دين الإعلام والدعوة والبلاغ، وذلك لما له من تأثير كبير على العمل للدين وحراسته ونشره وإظهار أمره، ولذا جعلت الحديث عنه خاتمة الباب، ويشتمل هذا المبحث (النظام الإعلامي في الإسلام) على تلك الموضوعات التي تدل على أهمية الإعلام الإسلامي: مفهوم الإعلام عامة ومفهوم الإعلام الإسلامي خاصة، وما هو المقصود النظام الإعلامي في الإسلام، وخصائص دين الإسلام القيم تجعله دين الإعلام والبلاغ، والقرآن الكريم هو أعظم رسالة إعلامية، وهو الرسالة الإعلامية المعصومة المقدسة، وهو المرجع الأساس لكل نشاط إعلامي صحيح ناجح، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمثل الأعلى في النظام الإعلامي الإسلامي، والنظام الإعلامي الإسلامي هو ميدان العمل للدين، وتنامي أهمية الإعلام في الزمن الحاضر، وتعدد مجالات الإعلام، ورسالة الإعلام الإسلامي وأهم مهام الإعلام الإسلامي وأهم وظائف الإعلام الإسلامي، ووجوب الاستفادة من التطور الهائل في وسائل الإعلام في نشر رسالة الإسلام، وحاجة الأُمَّة الإسلامية الماسة إلى نظام إعلامي إسلامي، وحاجة الأُمَّة الإسلامية الماسة إلى إعلاميِّين اسلاميين، وحاجة الإعلام الإسلامي الماسة إلى العلماء والفقهاء والدعاة، ولا غنى لأمة الإسلام عن الإعلام الإسلامي المتخصص، وحاجة النظام الإعلامي الإسلامي إلى الدعم المادي والمعنوي الكبير، ومن أهم المبادئ التي قام عليها الإعلام الإسلامي، وجسامة دور الإعلام في زماننا المعاصر، ودَوْر الإعلام الإسلاميِّ مهم جدا في خدمة قضايا الإسلام، وأهم سمات النظام الإعلامي الإسلامي، وضوابط الإعلام، وخصائص الإعلام الإسلامي.
[المفتاح الثاني]: مفهوم الإعلام عامة: (الإعلام) يأتي من مادة العلم، والعلم نقيض الجهل، ويقال: استعلم لي خبر فلان وأعلمني إياه حتى أعلمه، واستعلمني الخبر فأعلمته إياه، وهو يشير إلى حصول حقيقة العلم، أي معرفته للمستعلم وهو المتلقي، ويأتي الإعلام بمعنى التبليغ، يقال: بلغت القوم بلاغًا أي أعلمتهم بالمطلوب، كما في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]، وقوله تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة: 99]، وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40]، وقوله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ابراهيم: 52]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ، ومن كذبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأْ مقعدَه من النارِ) ([243]) . وعلى ذلك فالإعلام هو بث المعلومات وتبليغها ونشرها وإذاعتها على الناس.
[المفتاح الثالث]: مفهوم الإعلام في الاصطلاح الإعلامي: يعرفه المتخصصون في الإعلام بأنّه النقل الحر والموضوعي للأخبار والمعلومات ونشر تلك الأخبار والآراء على الجماهير، وإحاطة الرأي العام علماً بما يجري من أمور وحوادث سواء في الشئون الداخلية أو الخارجية، ثم توسع الإعلام ليشمل كافة مجالات الحياة، فمنه الإعلام السياسي، والإعلام الاقتصادي، والإعلام الاجتماعي، والإعلام الأمني، والإعلام الديني، الإعلام الثقافي، والإعلام العلمي، والإعلام التربوي، والإعلام الرياضي، وإعلام الترفيه والتسلية، وغيرها مما يشمله الإعلام في الزمن الحاضر.
[المفتاح الرابع]: مفهوم الإعلام الإسلامي: هو ذلك الإعلام الذي يقوم على مبادئ الإسلام وقيمه، يتبنى قضاياه، ويقرر عقائده، ويوضح شرائعه، وينشر أخلاقه ومبادئه، ويعظم شعائره، ويأمر بمعروفه وينهى عن منكره، ويوضح آراءه في كافة جوانب الدين والدنيا، ويتجنب إشاعة الفحش بالكلمة والصورة والصوت، ويلتزم الصدق الإعلامي في كل ما يقوله ويعرضه للناس، ولا يضره بعد ذلك إن كان ذلك في أيٍ من مجالات الإعلام التي سبق ذكرها.
[المفتاح الخامس]: ما هو المقصود بالنظام الإعلامي الإسلامي: النظام الإعلامي الإسلامي هو ذلك النظام الإعلامي الشامل المتكامل الذي يعمل كموجّه عقائدي وتشريعي وأخلاقي لبناء الأمّة على دين الإسلام بكافة جوانبه، يحافظ على قيم الإسلام الروحيّة والماديّة، ويلتزم بناء النظام الأخلاقي في الأمة، ويتبنى الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح، ويكون الهدف الأساسي منه نشر رسالة الإسلام، وقيمها وعقائدها وأخلاقها، يعبّر عن الرسالة الإسلاميّة، ويحمل قيمها وأخلاقها ومبادئها، ويبلغها إلى كافة الأمم والشعوب.
[المفتاح السادس]: خصائص دين الإسلام القيم تجعله دين الإعلام والبلاغ: دين الإسلام هو الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا، وأنّه رسالة عالمية إلى الناس كافة وأنّه رسالة خالدة إلى قيام الساعة، وأنه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا، وأنه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة، وأنه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة، وأنه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه، ولذلك فإن الرسالة الإسلامية هي رسالة عالمية ودعوة لكل البشر وليست دعوة مقتصرة على أمة بعينها، ولهذا وجب الإعلام بها وحملها إلى البشر كافة وإلى كافة أنحاء الأرض، وهذا أصبح اليوم يسيراً إذا أدى الإعلام الإسلامي دوره المنوط به في حمل دين الله تعالى إلى كافة البشر.
[المفتاح السابع]: الإسلام هو دين البلاغ والإعلام لجميع الناس بلا استثناء: النبي صلى الله عليه وسلم ما بُعث إلا لإعلام الناس برسالة الإسلام ودعوتهم للتمسك بها والعمل من أجلها، وقد خاطب الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، والدعوة إلى الله عز وجل ما هي إلا إعلام للناس عن رسالة الإسلام، من هنا يتبين لنا أهمية الإعلام في الرسالة الإسلامية والدعوة إلى الله عز وجل من خلالها.
[المفتاح الثامن]: القرآن الكريم هو أعظم رسالة إعلامية: وهو الرسالة الإعلامية المعصومة المقدسة، وهو المرجع الأساس لكل نشاط إعلامي: لأنّه كلام الله تعالى إلى الناس، ولذلك وصف الله تعالى القرآن بقوله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [إبراهيم: 52]، وهذا البلاغ الرباني المعجز، وهذه الرسالة الإعلامية الربانية، فيها الشفاء والهدى لكل من يؤمن بها، وفيها الشقاء والخسارة لمن يجحدها، كما في قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، وقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57، 58]، ولذلك يُعَدُّ القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساس للإعلام الإسلامي، ذلك بما يتضمنه من عقائد وشرائع، وبما يتضمنه من أحكام وتعاليم وآداب وأخلاق.
[المفتاح التاسع]: النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمثل الأعلى في النظام الإعلامي الإسلامي: النبي صلى الله عليه وسلم هو قائد الإعلاميين الأطهار من الرسل والأنبياء والدعاة والمصلحين، قضى حياته كلها إعلاماً بدين الحق، وراسل الملوك والرؤساء يدعوهم إلى عبادة الله وحده، قال تعالى – واصفاً رسالته الإعلامية -: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، وقال تعالى: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت: 18]، وقال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48]، وهذه الرسالة السامية هي رسالة الرسل جميعاً من قبله، كما في قوله تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 35، 36]، ولهذا تُعَدُّ السنّة النبوية المشرفة هي المصدر الثاني والأساس الثاني للإعلام الإسلامي، ذلك بما تتضمنه من عقائد وشرائع، وبما تتضمنه من أحكام وآداب وأخلاق، وبما تتضمنه من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح العاشر]: النظام الإعلامي الإسلامي هو ميدان العمل للدين: لأنّه ميدان الدعوة إلى الله، وهو ميدان التربية والتزكية والتعليم، وهو ميدان نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وهو ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة على الدين، وهو ميدان الجهاد بالكلمة في سبيل الله، وبرامج الإعلام الإسلامي عندما تؤدى دورها في نشر الإسلام وحراسته وحفظه وإظهار أمره، إنما هي ميادين الدين كله من دعوة وحسبة وجهاد، وتربية وتزكية وتعليم، يوضح فيها الدعاة إلى الله تعالى كيف تكون الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة، ويوضح فيها المحتسبون كيف تكون الحسبة على الدين وكيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويوضح فيها المجاهدون كيف يكون الجهاد في سبيل الله تعالى، ويوضح فيها العلماء كيف يكون العلم بالدين والفقه فيه،، ويوضح فيها الربانيون كيف تكون أخلاق الصالحين، وهكذا أهل كل علم إسلامي فالإعلام مجالهم لنشر معالم الإسلام ومبادئه.
[المفتاح الحادي عشر]: تنامي أهمية الإعلام بشتى وسائله في الزمن الحاضر: نحن في زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام تلعب الدور الأكبر في تثقيف الأفراد ونشر المبادئ والقيم التي يستقى منها أفراد أي مجتمع ثقافتهم وقيمهم، ووسائل الإعلام لها أشكال عدة تختلف في طريقة عرضها للرسالة فمنها: وسائل مكتوبة ومقروءة: مثل الكتب والصحف والمجلات، ومنها وسائل سمعية: مثل الإذاعات وشريط الكاسيت وملفات الصوت، ومنها وسائل سمعية وبصرية: مثل الندوة، والخطبة والمناقشة والقرص المدمج، ومنها وسائل مرئية: مثل التلفاز والسينما والمسرح ومنها وسائل إلكترونية ورقمية: مثل المحطات الفضائية الرقمية والإنترنت والصحيفة الإلكترونية، ومما لا شك فيه أن أفضل الوسائل لإيصال الرسالة هي الوسائل السمعية البصرية والمرئية لأنها تستحوذ على حاستي السمع والبصر ويستلزم معها الصمت الذى يساعد على التركيز في فهم محتوى ومضمون الرسالة، لذلك كانت تلك الوسائل من أهم أسلحة الإعلام لما لها من مفعول السحر في تغيير عقول الكثيرين وترسيخ مفاهيم محددة في أذهانهم، وقد دخلت القنوات الفضائية المتعددة إلى كل بيت، وإلى كل الناس بما فيهم الصغير والكبير والفتيان والفتيات والرجل والمرأة، والطفل والشيخ الكبير، تغذي عقولهم بما تشاء، وتتلاعب بعواطفهم كما تحب، وتصنع الرأي العام وتوجهه في الوقت الذي تريد، تزين لهم الشهوات وتقرب إليهم الفحشاء وتزرع في أخلاقهم كل دنيء، فينقلب بتأثيرها المعروف منكرا والمنكر معروفا والعالم جاهلا والجاهل عالما، والشريف وضيعا والوضيع شريفا، يقضي الناس أمامها الساعات الطويلة تؤثر فيهم أكثر من تأثير السحر على العقول والأوهام.
[المفتاح الثاني عشر]: تعدد مجالات الإعلام: لقد تعددت مجالات الإعلام في زماننا الحاضر، حتى شملت كافة المجالات البشرية، فمنه الإعلام السياسي الذي يرمي إلى تأييد الأنظمة الحاكمة وتأييد أفكارها وأطروحاتها وتبني العداء لكل من يخالفها، ومنه الإعلام الاقتصادي الذي يهدف إلى ترويج الأفكار الاقتصادية من رأسمالية واشتراكية وغيرها، ومنه الإعلام الاجتماعي الذي يهدف إلى تزويد المجتمعات بالأخبار والمعلومات بهدف تكوين رأي اجتماعي عام معين والتأثير في عقلية الجماهير واتجاهاتهم، ومنه الإعلام الأمني الذي يهدف إلى حماية الدول وتهيئة الشعوب للقيام بواجبها الأمني تجاه الوطن والأنظمة الحاكمة، ومنه الإعلام الديني الذي يتبنى القضايا الدينية والمسائل المتعلقة بالدين وبعض جوانبه، ومنه الإعلام الثقافي الذي يهدف إلى تكوين ثقافة معينة في شتى مجالات الحياة وأنماطها، ومنه الإعلام العلمي الذي يركز على القضايا العلمية الخالصة، كما أنّ منه الإعلام الرياضي الذي يركز على الأنشطة الرياضية، ومنه إعلام التسلية وإضاعة الاوقات بالفن والأغاني والأفلام والمسلسلات، وبعد فهذه هي مجالات الإعلام على وجه العموم، أما الإعلام الإسلامي فهو يشمل كل تلك المجالات ولكن بفكر رباني خالٍ من الكذب والنفاق والرذيلة ونشر الفاحشة وإضاعة الأوقاب بغير جدوى، إنه يشمل الإعلام السياسي الذي بتبني كل قيم النظام السياسي كما جاء بها الإسلام، والإعلام الاقتصادي الذي بتبني كل قيم النظام المالي والاقتصادي كما جاء بها الإسلام، ويشمل الإعلام الاجتماعي الذي بتبني كل قيم النظام الاجتماعي كما جاء بها الإسلام، ويشمل الإعلام الديني الذي بتبني كل قيم ومبادئ الإسلام، وعقائده وشرائعه وأخلاقه، ويشمل الإعلام التربوي والتعليمي والتثقيفي الذي بتبني كل قيم النظام التربوي والتعليمي والتثقيفي كما جاء بها الإسلام، ويشمل الإعلام الأمني والعسكري الذي بتبني كل قيم النظام العسكري والدفاعي كما جاء بها الإسلام، إنّ الإعلام الإسلامي رسالة شاملة متكاملة تحمل الدين بكافة جوانبه وتوجهاته إلى الناس كافة، كما أعلمنا الله تعالى بعالمية الإسلام ورسالته، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، كما أنّ الإعلام الإسلامي رسالة رحمة وفلاح للعالم أجمع تحمل الرحمة إلى الناس كافة، كما أعلمنا الله تعالى ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 106، 107].
[المفتاح الثالث عشر]: رسالة الإعلام الإسلامي: النظام الإعلامي الإسلامي هو الذي يعمل كموجّه أخلاقي لبناء الأمّة، ويحافظ على قيم الإسلام الروحيّة والماديّة، ويلتزم ببناء النظام الأخلاقي في الأمة، وتبني الدعوة إلى الله ونشر العلم الصحيح، والتزام الصدق الإعلامي، فرسالة الإعلام في المنظومة الإسلاميّة هي التي تعبّر عن الرسالة الإسلاميّة، وهي التي تحمل القيم والأخلاق إلى سائر الأمم والشعوب.
[المفتاح الرابع عشر]: أهم مهام الإعلام الإسلامي: تتركز أهم مهام الإعلام الإسلامي في عدة مهام منها ما يختص بأمة الإسلام، ومنها ما يختص بالعالم كله، فمما يختص بأمة الإسلام، (الأمر الأول) يتناول: حراسة دين المسلمين ونشر علومه وحفظ شرائعه وعباداته، وتعظيم شعائره وإظهار أمره، وبيان أخلاقه، وذلك من خلال برامج تعليمية تتبنى نشر علوم الكتاب والسنّة، وتعليم المسلمين دينهم متمثلاً في العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية والتزكية الإسلامية، وتوعيتهم بقضايا أمتهم، وتتبنى سياسة الحسبة على الدين والأمر بكل معروف ظهر تركه، والنهي عن كل منكر ظهر فعله و(الأمر الثاني) يتناول حراسة أمة الإسلام وسياستها بالدين، وذلك من خلال برامج تعليمية تتبنى الرقابة على الأمة ومحاربة الفساد والمالي والإداري في كافة المجالات، ومحاربة المنكرات وشتى ألوان الفسوق والعصيان، وبناء الأمة على الاعتزاز بدينها وبخصوصيتها التي جعلتها عند الله تعالى خير الأمم، وتبني سياسة نشر الفضيلة والأخلاق في مجتمعات المسلمين، والقيام بدور توعية المسلمين بأوليائهم وبأعدائهم وبما يجري في العالم من حولهم بصدق الكلمة وصدق الخبر و (الأمر الثالث) هو الارتقاء بمستوى الإعلام من حيث الأداء والتقنية حتى يوازي الإعلام الجاهلي الذي ينشر الرذيلة ويعلم الناس النفاق والفجور، ومما يختص بالناس جميعا: (الأمر الأول) هو نشر الدعوة الإسلامية في أنحاء العالم، ومخاطبة جميع الأمم بالإسلام وحمل أمانة تبليغهم بدين الله تعالى، وهذا الأمر كان من المستحيل في الأزمنة الماضية قبل هذه الثورة الهائلة في وسائل الاتصالات والمواصلات التي جعلت من العالم أجمع أشبه بالقرية الصغيرة بل بالبيت الواحد، وبالتالي وجب على المسلمين استغلال هذا التطور في نشر الإسلام واعلام الناس بمبادئه وعقائده وشرائعه وأهدافه.
[المفتاح الخامس عشر]: أهم وظائف الإعلام الإسلامي: تتعدد وظائف الإعلام الإسلامي: ما بين وظيفة إخبارية إعلامية تتمثل في عملية نقل المعلومات والأخبار على اختلافها ولكن بتحري الصدق والأمانة والحق والعلم، والحرص على العفة ونشر الخير، وما بين وظيفة اجتماعية تتمثل في صيانة المجتمع وحمايته والقيام بواجب الإرشاد فيه بدعوته إلى الخير والإصلاح، وغرس الفضيلة وتثبيت القيم والمبادئ السامية في نفوس أفراده، وما بين وظيفة تعليمية تنشر العلم الصحيح، أو تثقيفية تعمم ثقافة الإسلام، أو ترفيهية تروح على قلوب المسلمين بالحلال، وما بين وظيفة إنسانية تحمل رسالة الإسلام وتحمل الرحمة للبشرية جمعاء.
[المفتاح السادس عشر]: وجوب الاستفادة من التطور الهائل في وسائل الإعلام في نشر رسالة الإسلام: تلك الرسالة التي شرفنا الله عز وجل بحملها وأوجب علينا تبليغها إلى الناس متمثلين قوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلا اللهَ وَكَفي بِاللهِ حَسِيباً} [الأحزاب]، لذلك علينا نحن أمة الإجابة أن نبلغ هذا الحق لأمة الرسالة بالوسائل المتاحة فهي دعوة سنسأل عنها لكن علينا أن نفهم ونعرف حقيقة الحق الذي معنا ففاقد الشيء لا يعطيه.
[المفتاح السابع عشر]: حاجة الأُمَّة الإسلامية الماسة إلى نظام إعلامي إسلامي: إنّ الحاجةُ ماسَّة لنظام إعلامي إسْلامي يُعبِّر عن حقيقة مُعْتَقَدِنا ومنهج حياتِنا، يتمكَّن المسلِمون من خِلاله من إدراك أُسُس الدِّين الصَّحيح، وما هُوَ مَعْلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، والَّذي يَجهل معظمَه الكثيرُ من النَّاس، كما إن الحاجة ماسَّة لإنشاء قنواتٍ إسلاميَّة تتصدَّى لِما تعْرِضه الكثير من الفضائيَّات، من شهواتٍ وشُبُهات تسعى لهدْم البنْيان الديني والأخلاقي لمجتمعاتِنا المسلمة من قواعدِه، فلا تُبقِي لنا حاضرًا ولا مُستقْبلاً، كما أنّ الحاجة ماسة لإنشاء برامج وقنوات تقوم بواجب الدَّعوة إلى الله تعالى، وتبْليغ الدِّين الإسلامي بصورتِه الحقيقيَّة الصَّافية إلى أقْطار الأرض كافَّةً، وإزالة ما عَلِق بأذْهان الكثيرين عنْه؛ نتيجةَ حملات التَّشويه المستمرَّة، الَّتي يقوم بها غير المُنْصِفين من أتباع المِلَل الأخرى.
[المفتاح الثامن عشر]: حاجة الأُمَّة الإسلامية الماسة إلى إعلاميِّين إسلاميين: أمَّةُ الإسلام خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاس تعيش بين إعلامٍ إسلامي لا يبلغ إلى مستوى الاحتراف، وإعلام غربي يَستهدِفُ قيمنا وأخلاقنا وديننا، وهذا الإعلام المخالف لديننا وقيمنا يدخل إلى بيوتنا ويتسلل إلى قيمنا ولا نستطيع توقيفه، والأُمَّة الإسلامية بحاجةٍ إلى إعلاميِّين اسلاميين فقهاء علماء دعاة ومحتسبين يَعْرفون جيِّدًا أنَّهم أصحابُ رسالة يُدافعون بها عن الأُمَّة، مُلتزِمين في ذلك بالضَّوابط الشرعيَّة، حتى نجد إعلامًا إسلاميًّا مؤثِّرًا، يجعل الإعلاميَّ المسلم في مقدمة الصفوف يليق بالرسالة العالمية العظيمة التي حملها لنا ديننا القيم الذي لا يقبل الله تعالى من البشر جميعاً ديناً سواه.
[المفتاح التاسع عشر]: حاجة الإعلام الإسلامي الماسة إلى العلماء والفقهاء والدعاة: وذلك لأنّ خطيب الجمعة والعالم في درسه قد يسمعه عشرات من الناس فيستفيدون بعلمه، ولكن هذا الدرس وتلك الخطبة يمكن أن تصل إلى عشرات بل مئات الملايين من المسلمين والناس جميعا إذا كان عرضها من خلال القنوات الفضائية وشبكات الحاسوب والاتصالات العالمية، ولنا أن نتخيل كيف سيكون تأثير هؤلاء على المسلمين من خلال تركيزهم على التوحيد والإسلام والإيمان والإحسان، وعلى أداء العبادات لاسيما الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكيف سيكون تأثير هؤلاء على المسلمين من خلال تركيزهم على الأخلاق الفضلة العظيمة، وكيف سيكون تأثير هؤلاء على المسلمين من خلال تركيزهم على محاربة الفواحش والرذائل وأنواع الفسوق والعصيان، ما أحوج الإعلام الإسلامي إلى العلماء والفقهاء والدعاة، وما أحوج المسلمين إلى هذا اللون من ألوان الإعلام الإسلامي المتقن المتخصص، وما أحوج العُلماء والدُّعاة لغزْو الفضاء الإعْلامي، بمعاني الإسْلام النَّبيلة وقِيَمه الحكيمة، وبلاغ رسالة الله تعالى لجميع خلقه.
[المفتاح العشرون]: لا غنى لأمة الإسلام عن الإعلام الإسلامي المتخصص: إنّ تبليغ رسالة الإسلام لا يمكن أن يكون على أتم وجه عندما تقتصر الدعوة على المساجد والمنابر، إذ لا يرتاد المساجد إلا الصالحون، فلن تصل الدعوة إلى المقصرين وهم أشد الناس احتياجاً إلى الدعوة، ولا يمكن أن يكون تبليغ رسالة الإسلام على وجهه الصحيح في ظل اعلام معادي يدخل إلى جميع البيوت ويصل إلى كل الناس بما فيهم الصغير والكبير والرجل والمرأة، والفتيان والفتيات، والكثير من هؤلاء لا يرتاد المساجد ولا يحضر دروس العلم، ولا تصل إليهم الدعوة ولا الحسبة، إن أمة الإسلام في أشد الحاجة إلى الإعلام الإسلامي المتخصص الذي يدخل إلى البيوت والغرف ويصل إلى كل مسلم في سهولة ويسر.
[المفتاح الحادي والعشرون]: حاجة النظام الإعلامي الإسلامي إلى الدعم المادي والمعنوي الكبير: إنّ الإعلام والبلاغ عن دين الإسلام والجهاد في سبيلِه بالنَّفس والكلِمة والمال واجبٌ ديني يتعلَّق برقبة كلِّ مسلم، كلٍّ في موقعِه وبما يستطيع، فالله تعالى يقول: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، كما أنّ الأنظمة في الإسلام أنظمة متكاملة، فينبغي للنظام السياسي الإسلامي أن يساند النظام الإعلامي الإسلامي بالدعم والتأييد السياسي وأن يقف خلفه يشد ظهره، كما ينبغي للنظام الاقتصادي الإسلامي أن يساند النظام الإعلامي الإسلامي بالدعم والتأييد المالي الكبير لللازم لبناء صرح الإعلام الإسلامي المؤثر القادر على غزْو الفضاء الإعْلامي العالمي بكل ما في رسالة الإسلام من مبادئ عظيمة وقيم جليلة، وإلا فلن يستطيع أن يواجه الإعلام العالمي الجاهلي البغيض الذي تدير أكثره قوى صهيونية تحارب العفة والفضيلة وتنشر العهر والمجون، وهم أشد الناس عداوة للإسلام وأهله، مصداقاً لقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82].
[المفتاح الثاني والعشرون]: من أهم المبادئ التي قام عليها الإعلام الإسلامي: (المبدأ الأول): التحقق من المادة الإعلامية قبل نشرها: ورد هذا جليًا من قول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]، (المبدأ الثاني): العودة إلى جهة الاختصاص قبل نشر المادة الإعلامية: يقول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، (المبدأ الثالث): الصبر وحسن المعاملة والجدل بالتي هي أحسن: لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، (المبدأ الرابع): الموضوعية: ويقصد بها إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيز، فهي تتنافى مع الكذب والخداع ومرجو منها أن تكون في إبراز الحقيقة وتمييزها عن الوهم، يقول المولى سبحانه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144]، (المبدأ الخامس): الدقة والواقعية: قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء: 89]، وجه الدلالة: أشار القرطبي في تفسير هذه الآية إلى أن القرآن الكريم عرض لأهل مكة الحق وعرض لهم الأمثلة وكانت هذه الأمثلة لتقريب الصورة بدرجة كبيرة من الحقيقة الواقعة، فكان التجسيد حينًا والرمزية أحيانًا، كي يترك للمستمع التفكير في هذه الآيات ويجيد تصور المواقف، فلم يكن اهتمام القرآن بالمصور والممثل به، وإنما كان الاهتمام بتقريب الصورة في النفس، ليحقق قدرًا من التأثير في النفس حيث يكون الترغيب أحيانًا والترهيب أخرى، (المبدأ السادس): الثقة بالإنسان واحترام العقل: يتعامل الخطاب القرآني مع الإنسان بثقة ويمنحه إرادته الحرة بما لا يتنافى مع نواميس الشريعة والكون، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وجه الدلالة:يشير القرطبي في تفسيره إلى أن الكرم هو نفي النقصان، من حيث الهيئة وحسن الصورة وتحمل الإرادة وكرامة النطق والتمييز والفهم؛ لأن العقل مناط التكليف، وهو أساس في التفضيل على كثير من الخلائق، (المبدأ السابع): إعلام نزيه) أهـ([244]) .
[المفتاح الثالث والعشرون]: جسامة دور الإعلام في زماننا المعاصر: إن الإعلام سمة بارزة لهذا العصر الذي نعيشه، حيث برز قوة جبارة تؤثر تأثيرًا مباشرًا في الأحداث، بل تستطيع من خلال هذا التأثير أن تهزَّ أي أمة هزًّا عنيفًا قد يسقطها، على أن نفوذ الإعلام بدأ يتعاظم؛ حتى أصبح قوة لا يُستهان بها توجِّه الرأي العام، وتتسلط على كل شيء، على الكبار والصفار، على الرجال والنساء، على القيم والأخلاق، على الأعراف والعادات، على التربية والتعليم، على السياسة والاقتصاد، يغير المفاهيم ويقلب الحقائق ويوجه الجماهير، والإعلام المباشر عبر القنوات الفضائية يُعد – اليوم – من أهم وسائل الترويج للأفكار والتغيير للمجتمعات.
[المفتاح الرابع والعشرون]: دَوْر الإعلام الإسلاميِّ مهم جدا في خدمة قضايا الإسلام: الإعلام الإسلاميَّ يتحمَّل دورًا كبيرًا في مُواجهة التَّحديات التي تتعرَّض لها أمَّتُنا الإسلاميَّة، كما يجب على الإعلاميِّ أيضًا أن يتبنَّى الدَّعوة إلى وحدة مصير هذه الأُمَّة؛ لأنَّ هذا التمَزُّق بين الجماعات المُتناحِرة، وفصائل الشَّباب، والتيَّارات المتصارعة لا يَخْدم قضيَّة الإسلام، ولا يخدم الأمَّة الإسلاميَّة، ولا يخدم الإنسانيَّة جمعاء، والإعلامي المسلم ليس كسائر الإعلاميين هدفه السبق الإخباري، فهذه تفاهات يتنزه عنها الإعلامي المسلم، بل هدفه الأسمى تبليغ دعوة الإسلام الوسط والعدل إلى الناس كافة، والحفاظ على عقائد الإسلام وشرائعه وشعائره وعباداته وسلوكياته وأخلاقه، وأن يوقن الجميع أنّه لا فلاح ولا نجاح ولا سعادة إلاَّ بالإسلام، وأنَّ كلَّ شقاء يَحِلُّ إنَّما هو بسبب البعد عن الإسلام، وأن يعلم الجميع أنّ حضارة الإسلام حضارة عدل وفضيلة ورحمة وسعة للبشرية جمعاء.
[المفتاح الخامس والعشرون]: أهم سمات النظام الإعلامي الإسلامي: الإعلام الإسلامي له هُوية اسلامية خاصة ورسالة إصلاحية جسيمة، وأسس ربانية راسخة، إذ هو جهاز دعوة إلى الله، وحسبة على الدين وأمر بكل معروف ونهي عن كل منكر، وهو جهاز تربية وتزكية وتعليم، وهو جهاز اصلاح وإرشاد وتثقيف، وهو جهاز توحيد للصفوف وبناء للقيم والأخلاق، وهو جهاز موضوعي صادق يزوِّد الناس بالحقائق والمعلومات الصحيحة والثابتة، والأخبار الصادقة، وهو جهاز محكوم بقواعد أخلاقية ربانية، وأسس حضارية علمية يتمثل بعضها في احترام الناس عند إمدادهم بالمعلومات، وتجنب الكذب في رواية الأخبار، والدقة في استقاء الأنباء ونشرها، وتجنب خداع الناس، إضافة إلى نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وهداية الناس إلى طريق الله، وينبغي أن يكون هذا النظام متقدماً يستفيد من كل الوسائل المتاحة في وقتنا الحاضر؛ سواء أكانت صحفًا أو مجلات، إذاعة أو تلفاز، فضلاً عن ندوات الوعظ ومحاضرات الإرشاد، على أنّ القناة الفضائية الإسلامية تبقى الخطوة الأهم في بناء الصرح الإعلامي الإسلامي، كما ينبغي أن يكون هذا النظام على أعلى مستوى في إعداد البرامج، واستخدام كافة وسائل العرض، ولجميع الأعمار والفئات، شريطة أن تسير هذه الوسائل المختلفة في منظومة واحدة محددة بالشرع وحدوده وضوابطه، وَفْق منهج إعلامي إسلامي صحيح شامل متكامل.
[المفتاح السادس والعشرون]: ضوابط الإعلام: (1) ضوابط المرسل: (أولا): التيقن من صدق المعلومة: وذلك بالتحري والدقة في اختيار المصدر الذي يتم التعامل معه انطلاقُا من قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]، إذ لا ينبغي الأخذ والتسليم برواية أي مصدر بل ينبغي التأكد من صدق الرواية ومحاولة استقاء المعلومات من أكثر من مصدر، للتحقق من صدقية المعلوم، (ثانيُا): الالتزام بالصدق في نقل المعلومة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، (ثالثُا): حجب أي معلومة فيها إضرار بالمصلحة: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]، محررًا أو ناقلا أو مذيعًا أن يتوقف عن إرسال أية معلومة، للمسؤولية التي تقع على عاتقة لقوله سبحانه وتعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]، وقوله عز وجل: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وينبغي للمرسل أن يحرص على مصلحة المجتمع فلا يذيع أو ينشر ما ليس فيه خير، وهذا من باب المحافظة على الأمن الاجتماعي وذلك بإقرار القيم والأخلاق والآداب وعدم إتاحة الظهور لأي مادة بها أدنى مساس بالقيم والمبادئ، (رابعُا): الحصول على المعلومات بطريق مشروع: إن الحرية في الحصول على المعلومة ونشرها دون قيود، لا يطلق الحرية في الحصول عليها بطرق غير مشروعة، لذا ينبغي الابتعاد عن التنصت أو التجسس أو الحصول على المعلومات خلسة، دون مراعاة حقوق أصحابها لأنه سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12]، (خامسًا): صون الخصوصية للفرد: إن الاعتداء على خصوصية الفرد هو اعتداء على عرضه، وهذا ما يجري أحيانًا في وسائلِ الإعلام من قبل المرسل الذي لا يراعي خصوصية الفرد، حيث يصل إلى حد القذف والذي يعتبره الأئمة أن الحق لله فيه غالب؛ لأن المحافظة عليه صيانة للمجتمع، وتحقيق للمصلحة العامة للجماعة بدفع العار عنه، وتخليص الفرد مما يخدش سمعته فيه مصلحة للفرد، (سادسًا): الالتزام بحفظ ما يؤتمن عليه من أسرار: قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]، (سابعًا): الالتزام بالأخلاق الكريمة يقع في مسئولية كل مرسل أن يتمثل الخلق الكريم، لقوله سبحانه وتعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، ويقول سبحانه وتعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، (2) ضوابط الرسالة: (الأول) الوضوح والضمنية: كي تحقق الرسالة الهدف المرجو لابد من الوضوح حتى تزداد القدرة على الإقناع ويكون القبول إيجابيُا من متلقي هذه الرسالة وتكون النتيجة إيجابية، وهذا ما ورد في رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء: 30] (الثاني) الاقتران بالأدلة والشواهد: لإضفاء الشرعية على الرسالة لابد من سوق الدليل الذي يزيد من القدرة على الإقناع والتأثير، وبالتالي يحدث التغيير، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21، 22]، في الآيات نداء إلى الناس، كي يعبدوا الله وجاءت الأدلة بأنه ينبغي عبادته وحده سبحانه لأنه تفرد بالخلق والرزق وله تقتصر العبادة فقط، (الثالث) مخاطبة العقل والعاطفة متوازنة: لابد عقلا من حكمة الخطاب ودقة الاستدلال واستخدام الاستمالات العاطفية، فمخاطبة العقل استمالة تثمر في ظرف معين مع جمهور مثقف واع، حيث يميل هذا الصنف من الناس إلى دليل مقنع، بينما تكون الاستمالة العاطفية للجانب الوجداني والعاطفي في الإنسان عندما يعيش الخوف والرجاء لاستثارة الجانب الإيجابي فيه، (الرابع) عرض الموضوع بصورته المتقابلة: حرص القرآن الكريم على عرض الصورة من جانبين، لتتضح طبيعتها، ولابد للرسالة أن تعرض الوجهين المتقابلين؛ لتكون أبلغ في الوصول إلى المتلقي حيث يقول الله سبحانه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 103 إلى 107]، فتعرض الآيات جزاء أهل الضلال وهو جهنم، وفي الصورة المقابلة جزاء المؤمنين وهو الجنة وهما صورتان متقابلتان، (3) ضوابط الوسيلة: الأصل في الوسائل الإباحة كما تقرر مقاصد الشريعة، وما يتلبس بوسيلة مباحة يعتبر مخالفة، فالوسائل لها أحكام المقاصد، ولا ينبغي أن تخرج الوسيلة على قصدها إذ لابد أن تنضبط بالتالي: أن تكون مباحة في ذاتها، وأن تكون معروفة الحكمة من عملها، وأن لا تعود على المقصد بالأبطال، وأن لا تكون ذريعة إلى محرم، ولزوم الأفضلية في الوسيلة، أهـ([245]) .
[المفتاح السابع والعشرون]: خصائص الإعلام الإسلامي: للإعلام الإسلامي خصائص تجعله يختلف عن غيره من أنواع الإعلام: [1] إعلام قاعدته الحرية وقمته المسئولية: في النظام الإسلامي تُعَدُّ الحرية أساس النظام السياسي، وهي قاعدة لنظامه الإعلامي، والحرية فطرة لا يصادرها الإسلام وفي الإعلام الإسلامي إذا كانت قاعدته الحرية؛ فالمسئولية هي قمته، حتى لا تنطلق الحرية بدون ضوابط، ومن هذه الضوابط: العقيدة، والأخلاق، وعدم المساس بالآخرين، وهي خاصية يمتاز بها الإعلام الإسلامي دون الإعلام الغربي الذي يطلق للحرية العنان، مما ينتج عنه التفريط، وبها أصبح الإعلام الغربي إعلاماً إباحياً وفاسداً، [2] إعلام حرمات وحقوق: والحرمات هي: حرمة الدين، وحرمة العِرْض، وحرمة النفس، وحرمة العقل، وحرمة المال، وقد حافظ الشارع على الضرورات الخمس، وهي: الدين، والعِرْض، والنفس، والعقل، والمال، أوجدها وأصلحها وأكملها، وأبعد عنها الموانع ودرأ عنها المفاسد، فأي عمل يخل بها أو يهدمها محرَّم وعلى المسلم أنْ يجتنبه، والإسلام يقدر المسئولية ويحافظ على حقوق الفرد في مواجهة الآخرين، وللإسلام ضوابط للإعلام، منها: أنَّ الإعلام يخدم المبدأ ولا يخدم النظام، ويكون الإعلام في خدمة الإسلام وليس الإسلام في خدمة الإعلام، وعندما يكون الإعلام إسلامياً؛ فإنَّ المشرفين عليه يستندون إلى أحكام الشرع في كل ما يقال ويعلن.
[3] إعلام ملتزم بالإسلام وأخلاقه: الإعلام الوضعي المعاصر انفصل عن الدين لأسباب كثيرة، فالذي يميز الإعلام الإسلامي هو ارتباطه التام بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقاً، وهذا الذي يجعل الإعلام الإسلامي إعلام صدق وأمانة وثقة ودقة وشمولية وموضوعية وسائر أخلاق الإسلام، ولذلك لا بُدَّ أنْ يكون إعلاماً أخلاقياً إسلامياً، ولا يكون الإعلام كاملاً إلاَّ بالأخلاق، [4] إعلام مستقل رافض للتبعية: الإعلام الإسلامي يتميز باستقلاليته ورفضه للهيمنة، وهو ذاتي الانطلاق ويرفض أشكال التبعية، وهو عالمي التوجيه ودعوته عالمية، وهو بهذا يرفض كل ما يتعارض مع المصادر الأساسية للإسلام من قرآن كريم وسُنَّة نبوية، [5] إعلام القدوة الحسنة والمثل الصالح: لقد ركَّز الإسلام على القدوة الحسنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو أسوتنا وقدوتنا ومثلنا الأعلى، وخرَّج لنا نماذج بشرية من أصحابه كانوا أيضاً القدوة والمثل، مما أثبت أهمية الصفوة المختارة المتميزة بالحكمة، والعلم، والبصيرة، والصلاح، والاستقامة التي يمكن أنْ تشكِّل القدوة الحسنة،، [6] إعلام موضوعي هادف: الإعلام الإسلامي يعتمد على الأسلوب الموضوعي، القائم على التحليل والتأمُّل، واتخاذ كافة الوسائل التي تنمي ملكة التفكير لدى الإنسان، الذي يجب أنْ تتوجه إليه بالإقناع، لا أنْ تجره جراً بوساطة الغرائز، والعواطف، والانفعالات، والإعلام الإسلامي الهادف يركَّز على بناء الإنسان الصالح الذي يعرف ربه ونفسه ورسالته، بحيث يصبح الإنسان لبنة صالحة في بناء المجتمع، [7] إعلام قائم على الإقناع لا الإكراه: اعتمد الإعلام الإسلامي في مخاطبة جماهير الناس على الإقناع دون الإكراه، وهو مبدأ إسلامي مهم عرضته الآيات والأحاديث وطبَّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودأب عليه الإسلام إلى يومنا هذا، أهـ ([246]) .([1]) السيرة النبوية لابن هشام 1 /321.
([2]) سنن الترمذي 5/184 ح 2925.
([3]) السيرة النبوية لابن هشام 2/428.
([4]) مسند أحمد 37/429 ح 22769.
([5]) السيرة النبوية لابن هشام 2/468 وعيون الأثر لابن سيد الناس 1/ 173.
([6]) السيرة النبوية لابن هشام 2/ 501.
([7]) لسان العرب لابن منظور 14/196.
([8]) معجم لغة الفقهاء لرفيق العجم، 482.
([10]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([11]) صحيح البخاري 1/15 ح30 ، صحيح مسلم 3/1282 ح 1661.
([13]) صحيح البخاري 1/15 ح30 .
([14]) صحيح البخاري 4/169 ح 3455.
([15]) النهاية في غريب الحديث (2/421)
([16]) الأحكام السلطانية: ص 15.
([18]) الأحكام السلطانية للماوردي ص 15، الأحكام السلطانية لابن يعلى الحنبلي ص 19.
([19]) مقدمة ابن خلدون ص 1/240
([20]) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/72.
([21]) الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (1/ 264)
([22]) تفسير الطبري: 7/ 177، 182.
([23]) صحيح مسلم 3/1487 ح 1851.
([24]) مسند أحمد 36/485 ح 22160، صحيح ابن حبان 6/56 ح 4866.المستدرك 4/573 ح 8611.
([26]) شرح النووي على صحيح مسلم (12: 205)
([27]) مقدمة ابن خلدون ص 1/240.
([28]) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص 128.
([29]) المغني لابن قدامة الحنبلي 12/243.
([30]) الأحكام السلطانية: ص 8.
([31]) الأحكام السلطانية ص 20.
([32]) شرح النووي علي مسلم (12/ 229)
([33]) الفصل في الملل والنحل (4/ 89)
([36]) الفصل في الملل والنحل (4/ 89)
([37]) الاعتصام للشاطبي 2/164.
([42]) صحيح البخاري 9/62 ح (7139)
([43]) المصدر السابق 9/62 ح 7140.
([44]) مسند ـأحمد 20/249 ح 12899.
([45]) شرح النووي علي مسلم 12/ 200.
([46]) الاحكام السلطانية صـ 20.
([47]) السياسة الشرعية عبد الوهاب خلاف : ص 63.
([48]) الأحكام السلطانية: ص 18.
([49]) الأحكام السلطانية لابن يعلى الحنبلي ص 9.
([50]) سنن ابن ماجة 3/412 ح 2315، سنن أبي داوود 5/426 ح 3572، سنن الترمذي 3/605 ح 1322.
([51]) فيض القدير للمناوي 4/538.
([52]) صحيح البخاري 6/8 ح 4425.
([53]) أخبار القضاة: وكيع بن خلف: 1/70.
([54]) صحيح مسلم 3/1342 ح 1717.
([55]) صحيح البخاري 6/35 ح 4552، صحيح مسلم 3/1336 ح 1711.
([56]) صحيح البخاري 3/172 ح 2654 ، صحيح مسلم 1/91 ح 87.
([57]) صحيح البخاري 4/175 ح 3457، صحيح مسلم 3/1315 ح 1688.
([58]) سنن الدار قطني 5/369 ح 4472. السنن الكبرى للبيهقي 10/229 ح 20460.
([59]) موطأ مالك 2/745 ح 31، سنن ابن ماجة 3/432 ح 2341.
([60]) صحيح البخاري 3/111 ح 2359.
([61]) مسند أحمد 44/308 ح 26717. سنن الدار قطني 5/428 ح 4580.
([62]) صحيح البخاري 1/16 ح 39.
([64]) «صحيح سنن الترمذي» رقم (3095)، «السلسلة الصحيحة» برقم (3293)!،
([65]) صحيح البخاري 4/99 ح 3166.
([66]) سنن أبي داوود 4/658 ح 3052.
([67]) انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (2 / 41 – 42) والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (2 / 21).
([69]) الصارم المسلول لابن تيمية (ص 221).
([72]) فتح القدير (4 / 293)، وشرح الدسوقي (2 / 290)، والمبدع (3 / 398)
([73]) صحيح مسلم 4/1996 ح 2580.
([74]) سنن أبي داود 7/441 ح 5121.
([75]) الأدب المفرد ص 104 ح 273. صحيح الجامع 1/464 ح 2348.
([76]) مسند أحمد 11/609 ح 7036.
([77]) صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([78]) صحيح البخاري 4/175 ح 3457، صحيح مسلم 3/1315 ح 1688.
([79]) صحيح البخاري 3/26 ح 1905، صحيح مسلم 2/1019 ح 1400.
([80]) صحيح البخاري 7/7 ح 5090، صحيح مسلم 2/1086 ح 1466.
([81]) سنن ابن ماجة 3/148 ح 1978، سنن الترمذي 5/709 ح 3895.
([82]) سنن أبي داود 3/543 ح 2226، سنن الترمذي 3/485 ح 1187.
([86]) صحيح مسلم 4/2003 ح 2593.
([87]) صحيح البخاري 1/54 ح 220.
([88]) السنن الكبرى 17/54 ح 16837.
([89]) سنن الترمذي 3/507 ح 1209.
([90]) سنن أبي داود 5/265 ح 3384.
([91]) صحيح البخاري 3/64 ح 2110، صحيح مسلم 3/1164 ح 1532.
([92]) صحيح البخاري 3/57 ح 2076.
([93]) صحيح البخاري 3/58ح 2078.
([94]) صحيح مسلم 4/2301 ح 3006.
([95]) صحيح البخاري 3/57 ح 2072.
([96]) صحيح مسلم 3/1354 ح 1728.
([97]) صحيح البخاري 4/97 ح 3159.
([99]) سنن الترمذي 5/278 ح3095، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث، والحديث حسنه ابن تيمية في الفتاوى 7/67.
([100]) سنن البيهقي الكبرى:20/341 ح 20377.
([102]) الجامع لأحكام القرآن 4/106.
([103]) صحيح مسلم 1/371 ح 523.
([104]) السنن الكبرى 7/19 ح 7350.
([105]) مسند أحمد 14 /351 ح 8738.
([107]) سنن أبي داود 5/450 ح 3597.
([108]) صحيح البخاري 8/168 ح 6829، صحيح مسلم 3/1317 ح 1691.
([109]) سنن ابن ماجة 3/594 ح 2561، المستدرك 4/395 ح 8049، مسند أحمد 4/464 ح 2731.
([113]) صحيح البخاري 9/15 ح 6922.
([114]) سنن الترمذي 4/337 ح 1951.
([115]) سنن الترمذي : ح 1952، مسند أحمد 24/128 ح 15403.
([116]) سنن بن ماجة 4/636 ح 3670.
([117]) صحيح البخاري 6/192 ح 5027.
([119]) سنن الترمذي 5/50 ح 2685.
([120]) صحيح البخاري 4/85 ح 3116، صحيح مسلم 2/719 ح 1037.
([121]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2699.
([122]) سنن ابي داود 5/485 ح 3641.سنن الترمذي 5/48 ح 2682.
([123]) صحيح البخاري 3/39 ح 1975.
([124]) سنن الدارقطني 3/137 ح 2235.
([125]) صحيح البخاري 7/2 ح 5063.
([128]) مسند أحمد 15/435 ح 9696.
([129]) سنن الترمذي 4/370 ح 2018.
([130]) المستدرك 4/183 ح 7304 .
([131]) مسند أحمد 35/319 ح 21404.
([133]) صحيح البخاري 2/5 ح 893.
([134]) صحيح البخاري 1/19 ح 50.صحيح مسلم 1/36/ح 8.
([135]) مسند أحمد 35/284 ح 21354.
([136]) صحيح البخاري 2/95 ح 1395.
([138]) صحيح البخاري 8/29 ح 6117
([141]) مسند أحمد 37/34 ح 22346.
([142]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2699.
([143]) المصدر السابق 4/1986 ح 2564.
([144]) صحيح البخاري 1/16 ح 33.
([145]) المصدر السابق 1/16 ح 34.
([147]) صحيح البخاري 8/13 ح 6024.
([148]) صحيح مسلم 3/1513 ح 1904.
([150]) سنن ابي داود 7/178 ح 4800.
([151]) سنن ابن ماجة 1/33 ح 48.
([152]) الأدب المفرد ص 116 ح 312.
([153]) المعجم الأوسط 5/328 ح 5452.
([155]) المعجم الكبير 5/71 ح 4615.
([156]) صحيح البخاري 8/101 ح 6478.
([157]) مسند أحمد 19/376 ح 12383، مصنف عبدالرازق 6/168 ح 30401.
([158]) صحيح البخاري 1/21ح 59.
([159]) صحيح مسلم 4/2012 ح 2607.
([160]) صحيح مسلم 4/2052 ح 2664.
([161]) المعجم الكبير 9/152 ح 8765.
([162]) صحيح البخاري 8/31 ح 6133.
([163]) مسند أحمد 38 /435 ح 23444.
([164]) صحيح مسلم 4/1999 ح2586.
([167]) سنن الترمذي 4/600 ح 2395.
([168]) صحيح ابن حبان 1/404 ح 560. تيسير الوصول ج 1 ص 212.
([171]) فتح الباري: جـ 1 صـ 141.
([173]) المجموع: جـ 1 صـ 24 إلى 27.
([174]) الرسالة للإمام الشافعي بتحقيق أحمد شاكر، صـ 357.
([175]) كيف توجه المعارف في الأقطار الإسلامية، أبو الحسن الندوي، ص7-8.
([176]) صحيح البخاري 1/31 ح 97.
([177]) صحيح البخاري 1/32 ح 101.
([178]) صحيح مسلم 1/326 ح 440.
([181]) سنن ابن ماجة 1/151 ح 224.
([184]) لمحات في الثقافة الإسلامية: عمر عودة الخطيب، ص 183.
([185]) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر: محمد محمد حسين 2/216، 217.
([186]) صحيح البخاري 7/37 ح 5233.
([187]) صحيح البخاري 7/37 ح 5232.
([188]) السنن الكبرى للنسائي 8/349 ح 9361.
([189]) سنن ابي داود 6/195 ح 4098.
([190]) سنن ابن ماجة 4/601 ح 3606.
([192]) صحيح البخاري 2/43 ح 1088.
([193]) مسند أحمد 20/26 ح 12555، سنن ابي داود 4/159 ح 2505.
([196]) سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.
([197]) مسند أحمد 39/381 ح 23958، صحيح ابن حبان 5/327 ح 4480.
([198]) صحيح مسلم 3/1507 ح 1896. البحر الرائق لابن نجيم 5 / 76، مجمع الأنهر 1 / 632، بداية المجتهد 2 / 278، القوانين الفقهية ص 126، المجموع 18 / 48، مغني المحتاج 4 / 208، شرح منتهى الارادات 2 / 91، المغنى 9 / 178، المحلى 7 / 291]
([199]) صحيح البخاري 4/15 ح 2783، صحيح مسلم 3/1488 ح 1864، بدائع الصنائع 7 / 98، ملتقى الأبحر ص 355، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 3 / 348، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 174 – 175، نهاية المحتاج 8 / 58 – 59، شرح الزركشي 6 / 427، العدة شرح العمدة ص .582
([200]) صحيح البخاري 4/20 ح 2810.
([202]) صحيح مسلم 3/1357 ح 1731.
([204]) مسند أحمد 9/123 ح 5114، سنن ابي داود 6/144 ح 4030.
([205]) صحيح البخاري 4/60 ح 3010.
([206]) صحيح البخاري 1/14 ح 26، صحيح مسلم 1/89 ح 85.
([207]) صحيح البخاري 4/16 ح 2792، صحيح مسلم 3/1499 ح 1880.
([208]) صحيح مسلم 3/1520 ح 1913.
([209]) مسند أحمد 28/446 ح 17213، السنن الكبرى للنسائي 8/139 ح 8818.
([210]) سنن الترمذي 4/175 ح 1639. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/127
([211]) صحيح البخاري 4/35 ح 2892.
([212]) صحيح البخاري 4/16 ح 2792، صحيح مسلم 3/1499 ح 1880.
([213]) صحيح البخاري 4/20 ح 2811.
([214]) صحيح البخاري 9/84 ح 7237، صحيح مسلم 3/1362.
([215]) صحيح البخاري 4/15 ح 2785.
([216]) صحيح البخاري 9/125 ح 7423.
([217]) صحيح البخاري 4/18 ح 2803.
([218]) صحيح البخاري 4/22 ح 2817. صحيح مسلم 3/1498 ح 1877.
([219]) صحيح مسلم 3/1502 ح 1887.
([220]) صحيح مسلم 3/1517 ح 1908.
([221]) صحيح مسلم 3/1502 ح 1886.
([222]) صحيح البخاري 4/15، صحيح مسلم 3/1503 ح 1888.
([223]) صحيح البخاري 4/15 ح 2787، صحيح مسلم 3/1498 ح 1878.
([224]) مسند أحمد 36/345 ح 22016، سنن الترمذي 5/12 و وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2/359.
([225]) أحكام القرآن لابي العربي المالكي 2/517.
([227]) أحكام القرآن لابي العربي المالكي 2/511.
([228]) مختصر المزني ج 8 ص 277.
([229]) صحيح مسلم ج 7 ص 310، الخراج لابي يوسف ص 190، زاد المعاد ج 2 ص 65.
([230]) أصول الدعوة إلى الله لعبد الكريم زيدان: من مبحث نظام الجهاد.
([231]) سنن الترمذي 4/357 ح 1990.
([232]) صحيح البخاري 1/80 ح 357.
([233]) المستدرك للحاكم 2/153 ح 2623، سنن الدارقطني 4/150 ح 3249.
([235]) مصنف عبدالرازق 7/365 ح 36739.
([236]) مسند أحمد 4/461 ح 2728.
([237]) مسند أحمد 6/306 ح 3761.
([238]) سنن ابي داود 4/387 ح 2758.
([240]) السنن الكبرى للبيهقي 18/385 ح 18324.
([241]) سنن ابي داود 4/309 ح 2675.
([243]) صحيح البخاري 4/170 ح 3461.
([244]) رسالة الإعلام ضوابطه وأحكامه الشرعية لحسام عايش باختصار.
([245]) انظر رسالة الإعلام ضوابطه وأحكامه الشرعية لحسام عايش باختصار
([246]) انظر كتاب الإعلام قراءة في الإعلام المعاصر والإعلام الإسلامي للدكتور: محمد منير سعد الدين باختصار