المبحث الثالث مدخل إلى علم التصوف
[المفتاح الأول]: التصوف هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام: كما هو معلوم لكل طالب علم أنّ القرآن الكريم قد تطرق إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات وترك تسمية العلوم وجمع تعريفاتها وقواعدها وأصولها للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعلى مر العصور تتبلور العلوم، وتتخصص المدارس العلمية، ويتقن كل فريق من العلماء ما تخصصوا فيه من العلوم، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام.
[المفتاح الثاني]: التصوف هو المرادف للتزكية في اصطلاح القران الكريم، وهو المرادف للإحسان في اصطلاح الحديث الشريف: التصوف هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) } [الْأَعلى: 14]، وقوله تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: 18] وقوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه: 76]،تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”))([1]) .
وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية، و (التصوف) علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها.
[المفتاح الثالث]: لماذا إذن استعمال مصطلح التصوف وليس التزكية أو الإحسان: إن مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، وعلى ذلك، فما الداعي إلى تغيير اسم مصطلح لن يغير من المعنى شيئا، ثم من يملك تغيير اسم الفقه أو العقيدة أو التصوف، وقد تعارف عليها منذ مئات السنين، وهي مدارس علمية متخصصة، تخرج عليها آلاف العلماء والأولياء والصالحين، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية)، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الْأَعلى: 14]، وأيا كانت التسمية، (التزكية أو التصوف) فإن المقصود هو تجديد المضمون وتصحيح المسار لجانب يمثل ثلث الدين الأعلى، ثلث (الإحسان)، الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، ولا ينبغي تضييع الوقت والجهد في تغيير مسمى قد عُرف على ما يزيد من ألف عام، فلنركز الجهد على تجديد التصوف وإصلاح الصوفية، حتى يتم بتجديدها تجديد مرتبة الإحسان ثلث الدين الأعلى، والله المستعان، يقول العلامة عبد القادر عيسى في كتابه القيم (حقائق عن التصوف)) بعد ذكره لتعريف التصوف: ” ومهما يكن من أمر، فإن التصوف أشهر من أن يحتاج في تعريفه إلى قياس لفظٍ، واحتياج اشتقاق، وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين مردود، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة، واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والفقه والمنطق، وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس، ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، نحن نسمي ذلك تصوفاً، وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام، أو الجانب الإحساني، أو الجانب الأخلاقي، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره، إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، فصار عُرفاً فيهم. ([2]) .
ويقول الشيخ حسني الشريف في كتابه الدلالة النورانية: (وجملة القول أن أهل هذا الطريق أشهر وأسمى من أن يُحتاج في التعرف عليهم إلى لفظ مشتق أو قياس على هذا اللفظ، فالسالك لا يهمه الاسم الذي يطلق عليه مهما كان، طالما أنه مع الله والى الله في عمله وقصده، وإنما همه ومبتغاه هو أن يكون مع خالقه بلا غرض ولا مطلب ولا تحقيق شهوة دنيوية، اللهم إلا علاقة الشكر الدائم الذي لا ينقطع، والشعور بالقصور، والشعور بالقرب بعد كدورة البعد {اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، وسواء سمي السالك صوفياً، أو أي اسم آخر، فهذا ليس بالأمر المهم، فنحن لا نهتم بالألفاظ والمسميات بقدر ما نهتم بالحقائق والمبادئ، فإذا ذكر أمامنا لفظ الصوفي أو التصوف، تبادرت إلى أذهاننا معاني تزكية النفوس، وصفاء القلوب، والسعي حثيثاً لإصلاحها، وصولاً إلى مرتبة الإحسان التي هي مقام كل العارفين الربانيين، الذين تحققوا من معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فهذه الحقائق سميت في القرن الثاني للهجرة تصوفاً، ولنا أن نسميه الآن: «الجانب الروحي في الإسلام» أو «أخلاق الإسلام» أو «التحقق من معاني الإحسان» أو أي اسم يتفق مع معاني شريعتنا الغراء وما جاء به الكتاب والسنة، وهما مصدر التصوف وحقيقته، أما إنكار بعض الناس على هذا اللفظ (التصوف) بأنه لم يُسمع في عهد الصحابة والتابعين فهو مردود جملةً وتفصيلاً، لأن معظم الاصطلاحات أُحدثت بعد زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، واستعملها جيل الصحابة والتابعين، ولم تُنكر من كبار الصحابة وأئمة التابعين، كألفاظ التابعين، وتابعي التابعين، وأمير المؤمنين، وألفاظ النحو والفقه والمنطق وعلوم الإدارة و الدواوين وعلوم القرآن والتفاسير وعلوم الحديث والجرح والتعديل، كل هذه الاصطلاحات لم تكن تستعمل زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعملت فيما بعد ولم تنكر) ([3]) .
[المفتاح الرابع]: تعريف التصوف وبيان ما هو المقصود بالتصوف:
[1] تعريف التصوف من حيث اللغة: لا يهمنا ها هنا المعنى اللغوي للتصوف، بقدر أهمية المقصود به، والمعنى الحقيقي له، والحاصل أنه قد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف عند المسلمين على معنى اللغة عدة أقوال، أشهرها: أنه من الصوفة، لأن الصوفي مع الله كالصوفة المطروحة، لاستسلامه لله تعالى، أو أنه من الصِّفة، إذ أن التصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات، وترك المذموم منها، أو أنه من الصُفَّة، لأن صاحبه تابعٌ لأهل الصُفَّة الذين كانوا يقيمون في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنه من الصف، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله، وتسابقهم في سائر الطاعات أو أنه من الصوف، لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والزهد، أو أنه من الصفاء، فلفظة “صوفي” على وزن “عوفي”، أي: عافاه الله فعوفي، كما قال أبو الفتح البستي: [تنازع الناس في الصوفي واختلفوا… وظنه البعض مشتقاً من الصوف… ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً… صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي] وقد أرجع بعض الحانقين المتحاملين على التصوف، الكلمة إلى أصل يوناني، هو كلمة: (سوفيا)، ومعناها الحكمة، وهذا الأمر لا دليل عليه ولا يرضى به أهل التصوف أبدا، لأنهم يقولون أن (التصوف الإسلامي) إسلامي النشأة والاستمداد، يتعلق بتحقيق مرتبة الإحسان، يستمد أصوله من الكتاب والسنة، ولا علاقة له بغير دين الإسلام، وكما ذكرت فإنه لا يهمنا ها هنا المعنى اللغوي للتصوف، بقدر أهمية المقصود به، والمعنى الحقيقي له. [2] تعريف التصوف من حيث الاصطلاح: نظرا لسعة علم التصوف واتساع جوانبه، لذلك كثرت الأقوال أيضا في تعريف التصوف تعريفا اصطلاحيا على آراء متقاربة، كل منها يشير إلى جانب رئيسي في التصوف، نتعرض لبعضها، ثم نذكر إن شاء الله تعالى التعريف الجامع له: قال الشيخ العلامة أحمد زروق رحمه الله: (وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه) ([4]) .(قلت) ألفي تعريف وكل تعريف منها يشيـر إلـى جانب من جوانب التصوف: منها على سبيل المثال: قال سيد الطائفة الإمام الجنيد رحمه الله (ت: سنة 297ه): (التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني)) ([5]) .
وقال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله (ت: سنة 929ه) ـ: (التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية)) ([6]) .
، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله (ت سنة 656هـ: (التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية) ([7]) .
وقال ابن خلدون رحمه الله: (التصوف هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة)) ([8]) .
وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله: التصوف هو تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه، أي تخليص القلب لله تعالى، واعتقاد ما سواه اعتقادا أنه لا يضرُّ ولا ينفع، فلا يعول إلا على الله،([9]) .
وقال الإمام ابن عجيبة: التصوف لب الإسلام، وقال: التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة([10]) .
وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: (التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبية) ([11]) .
وقال الإمام محي الدين بن عربي رحمة الله عليه: التصوف هو الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وقال: التصوف خُلُق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف ([12]) .
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله: (التصوف علم قصد به صلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام وظهور الحكمة بالأحكام، والأصول لتحقيق المقدِّمات بالبراهين، وتحلية الإيمان بالإيقان، والطب لحفظ الأبدان، والنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك ([13]) .
وقال العلامة الشريف الجرجاني: التصوف كله جد فلا يخلطونه بشيء من الهزل، وهو تصفية القلب عن مواقف البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة واستعمال ماهو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشريعة ([14]) .
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية) ([15]) . وقال الإمام الرفاعي: الصوفي لا يسلك غير طريق الرسول المكرم صلى الله عليه وسلم فلا يجعل حركاته وسكناته إلا مبنية عليه ([16]) .وقال الإمام تاج الدين السبكي (الصوفية) حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم، وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعبا ناشئا عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها، إلى أن قال: وإنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة…ثم تحدث عن تعاريف التصوف إلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم فرضي الله عنهم وعنا بهم ([17]) . وقال الإمام النووي: إن أصول طريق التصوف خمسة: 1- تقوى الله تعالى في السر والعلانية، 2- إتباع السنة في الأقوال والأفعال، 3 الإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، 4- الرضا عن الله في القليل والكثير، 5- الرجوع إلى الله في السراء والضراء ([18]) .
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت926هـ: 1520م) – عن التصوف -: ” هو علم تُعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن، لنيل السعادة الأبدية، وموضوعه التزكية والتصفية والتعمير المذكورات، وغايته نيل السعادة الأبدية، ومسائله ما يذكر في كتبه من المقاصد، وهذا العلم علم الوراثة التى هى نتيجة العمل، المشار إليه بخبر: من عَمل بما عَلم، ورّثه الله عِلمَ ما لم يَعْلَم” أهـ ([19]) .
[3] ومن تعريفات أئمة التصوف التي تظهر بعض جوانب التصوف المشرقة: قال الامام سهل بن عبد الله التستري: أصول مذهبنا – أي التصوف – ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وقال الشيخ أبو القاسم ابراهيم النصر آبادي رحمه الله: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات، وقال سمنون: التصوف أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء، وقال معروف الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، وقال النوري: التصوف من لا يتعلق بشيءٍ ولا يتعلق به شيء، وقال ذو النون المصري: الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب، وقال أبو محمد الجريري: التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دنى، وقال الكتاني: التصوف خُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصفاء، وقال سهل بن عبد الله: الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر، وقال بشر الحافي: الصوفي من صفا لله قلبه، وقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلا هم، وقال عمرو بن عثمان المكي: التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت، وقال محمد بن أحمد المقرئ: التصوف استقامة الأحوال مع الله، وقال أبو عمر بن الجنيد: التصوف الصبر تحت الأمر والنهي، وقال رويم: التصوف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده، وقال أيضا: التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار والتحقيق بالذل والإيثار وترك التعرض للاختيار، وقال ذو النون المصري: أهل التصوف هم قوم آثروا الله عز وجل على كل شيء، وقال أبو الحسين النوري: التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها، وقال حماد الدينوري: التصوف أن تظهر الغنى وأن تؤثر أن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق وأن تكف عن كل ما لا خير فيه، وقال أبو سليمان الداراني: التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وأن يكون دائماً مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو، وقال الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى: التصوف ذكر مع اجتماع ووجد مع استماع وعمل مع اتباع، وقال أيضا علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر والطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقال أيضا: علمنا هذا التصوف مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يسمع الحديث ويجلس ويأخذ أدبه من المتأدبين أفسد من اتبعه، وقال أيضا: التصوف أن يختصك الله بالصفاء فمن صفا من كل ما سوى الله فهو الصوفي وقال أيضا: التصوف حفظ الأوقات، وقال أيضا: التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقة واستعمال من هو ألى على الأبدية النصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة، وقال أيضاً: ما أخذنا التصوف بالقال والقيل، ولكن أخذناه بالجوع والسهر وترك المألوفات والمستحسنات، وسئل الجنيد عن التصوف فقال: أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة، أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء، وسئل أبو محمد الجريري رحمه الله عن التصوف فقال: الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني، وقال الشيخ عمر بن عثمان المكي رحمه الله تعالى: التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت، وقال الشيخ أبو حفص رحمه الله تعالى: التصوف كله آداب لكل وقت أجب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث يرجو القبول، وقال الشيخ حسين الزيباري رحمه الله تعالى: ينحصر التصوف في أربع كلمات: أن تنصف الناس من نفسك ولا تطلب الإنصاف منهم وأن تبدي لهم شيئك وأن تكون من شيئهم آيسا، وقال الشيخ أبو القاسم النصر أبادي رحمه الله: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ورؤية أعذار الخلائق والمداومة على الأوراد وترك الرخص والتأويلات، وقال أبو جعفر الحداد رحمه الله: التصوف هو استقامة الأحوال مع الحق، وقال المزين رحمه الله تعالى: التصوف هو الانقياد للحق، وقال الشيخ علي بن بندار رحمه الله تعالى: التصوف هو إسقاط الخلق ظاهرا وباطنا، وسئل أبو الحسن النوري رحمه الله: ما التصوف؟ فقال: ترك كل حظ للنفس، وقال الشيخ أبو القاسم جعفر بن أحمد المقرئ: التصوف استقامة الأحوال مع الحق،([20]) . [4] ومن أقوال علماء العصر في تعريف التصوف: قال الإمام العلامة حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق: ” التصوف الإسلامي هو تربية علمية وعملية للنفوس وعلاج لأمراض القلوب وغرس الفضائل واقتلاع الرذائل وقمع الشهوات وتدريب على الصبر والرضا والطاعات ” أهـ ([21]) .ويقول الإمام العلامة عبد الحليم محمود شيخ الأزهر سابقا: ” التصوف لا يعدوا أن يكون جهاداً عنيفا ضد الرغبات ليصل الإنسان إلى السمو أو إلى الكمال الروحي، ليكون عارفا بالله ” أهـ ([22]) .
وقال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي: ” التصوف اسم حادث لمسمى قديم، إذ إن مسماه لا يعدو كونه سعيا إلى تزكية النفس من الأوضار العالقة بها عادة، كالحسد والتكبر وحب الدنيا وحب الجاه، وذلك ابتغاء توجيهها إلى حب الله عز وجل والرضا عنه والتوكل عليه والإخلاص له ” أهـ ([23]) .
وقال الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: ” الصوفي هو الذي يتقرب إلى الله بفروض الله، ثم يزيدها سنة الرسول عليه الصلاة والسلام من جنس ما فرض الله وأن يكون عنده صفاء في استقبال أقضية العبادة فيكون صافيا لله، والصفا هو كونك تصافي الله ” أهـ([24]) .
وقال الشيخ محمد بدر الدين الحامد رحمه الله: ” اعلم أن التصوف هو تنقية الظاهر والباطن من المخالفات الشرعية، وتعمير القلب بذكر الله تعالى وخشيته ورجائه والسير في العبادات والأعمال على النهج الشرعي طبق السنة الشريفة وخلافا للبدعة السيئة التي يحظر الإسلام التلبس بها ” أهـ [انظر “المحامد من حياة الشيخ محمد الحامد”]، وأقوال العلماء في تعريف التصوف ومدح التصوف والصوفية لا تعد ولا تحصى ويكفينا أن نقول إن جمهور علماء اهل السنة سلفاً وخلفاً كلهم متصوفة وكلهم يمدحون التصوف ويعلِّمونه الناس، وأختم بدرة للسيوطي رحمه الله حيث يقول: ” إن التصوف في نفسه علم شريف، وإن مداره على اتباع السنة وترك البدع، والتبري من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها والتسليم لله والرضا به وبقضائه، وطلب محبته واحتقار ما سواه،، وعلمت أيضا أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله ليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، فوجّه أهل العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلم أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملت الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أر صوفيا محققا يقول بشيء منها، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادّعوا أنهم صوفية وليسوا منهم، [تأييد الحقيقة العلية: ص 57]، وبالنظر في الأقوال المتقدمة – وهي قليلة بالنسبة إلى تعريفات علماء التصوف – نجد أن كل تعريف منها يشير إلى جانب من جوانب علم التصوف المشرقة، وهذه الجوانب مجتمعة تشير إلى علم السني الذي يشتمل على جميع ما ذكر من زهد وإخلاص ومجاهدة وخلق كريم وتسليم لرب العالمين والتزام بشرعه ولهج بذكره، مع البعد عن كل ما نهى الشارع عنه، وعن البدع المضلة، وما أجمل تعريف ابن خلدون له حيث قال: التصوف هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ” أهـ([25]) .
[5] خلاصة تعريفات التصوف وبيان المقصود بالتصوف: تبين مما سبق أن التصوف هو (التزكية) وهو (التحقق بمرتبة الإحسان) أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، وأنه قد اهتم بتحقيق مقام الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، وهو علم وعمل، علم راسخ بكيفية تزكية القلوب، وعمل وسلوك وطريق يسلكه العبد للوصول إلى تزكية القلوب وتطهيرها وتحققها بالعبودية لله ومعرفته والعلم به سبحانه، والتصوف منهج يقوم على (التخلية) و (التحلية)، تخلية القلب واللسان والجوارح وتطهيرها من الأخلاق السيئة، وتحلية القلب واللسان والجوارح بالأخلاق الحسنة، وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، وطريق التصوف هو الاجتهاد في العبادات والقربات والمسارعة في الخيرات، مع اجتناب المنهيات والمكروهات، وتربية النفس على طاعة الله وجهادها على دوام ذكر الله، وتطهير القلب من مساوئ الأخلاق، ودسائس الطباع، وتحليته بأحسن الأخلاق مع الله ومع الناس، وكل ما سبق يحويه ما أسماه أصحابه بـ (علم التصوف)، وهو المرادف عندهم ل(علم التزكية)، أو(علم الأخلاق)، أو(علم الإحسان)، وألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه ومناهجه الربانية في بلوغ مراتب الصديقين والمحسنين والصالحين وحسن أولئك رفيقا.[المفتاح الخامس]: نشأة علم التصوف وبداية ظهور مصطلح الصوفية: يقول القشيري رحمه الله: ” اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم “الصحابة”، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين “الزهاد” و”العُبَّاد”، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم “التصوف”، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة ” أهـ [مقدمة الرسالة القشيرية]، لقد وجد علم التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، إلى قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته، وهو تزكية الدين ومنازله، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين، والعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر، وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه ثم جاء التابعون فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وفي عصر التابعين دخل أناس في الإسلام أي كانوا حديثي عهد بكفر، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين فركن البعض إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس أكفاء في ذلك الوقت وما بعدهم يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أي حالة السلف الصالح وهؤلاء الدعاة هم الصوفية، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل، فقام هؤلاء الأكابر من الرجال بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى هذا الطريق الراقي طريق الإحسان، أو التصوف، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ ” الزاوية أو التكية ” لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على علم الإحسان وأخلاق المحسنين، وتزكية المقربين، واستطاعوا بصدق توجههم ونقاء سريرتهم أن ينبهوا القلوب الغافلة فيحيونها بأنوار الذكر، وفتحوا البلاد فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ولكن باعتبار أن هذا العلم ليس حروفاً تكتب إنما هو أحوال ومقامات وأذواق فلا بد أن يعيشها الإنسان كي يدركها، لهذا أنكر البعض على هذا العلم وعلى من ينتسبون إليه، وإنكارهم سببه أنّ أكثر معارف الصوفية ليست فقهاً يكتب فـــي السطور أو في مؤلفات الفقهاء إنما هي أحوال ومقامات ومنازل، يتذوقها ويحس بها من أراد الله تعالى أن يشرح صدره لمنازل هؤلاء الاكابر، لقد جاء علم التصوف ليرسم منهجاً عن طريق مجموعة من القواعد والآداب للوصول إلى هذه الأحوال والمقامات ومن ثم منازل الإحسان ومراتب السابقين، إنّ التصوف بلفظِهِ لم يكن في زمنِ النبي أما ماهيتُهُ ومضمونُهُ ومَدارُهُ واستمدادُهُ وهيئتُهُ فليسَ إلاَّ الدينُ الكاملُ الذي جاءَ بهِ الرسولُ الأعظمُ وإلاَّ لَما سارَ على نهجِهِ أئمةٌ عِظامٌ يُشارُ إليهمْ بالبَنانِ ولا يخلو منهمْ جَنانٌ حتى أنَّكَ أيُّها المقبِلُ على اللهِ إذا استقصَيْتَ أسماءَ علماءِ الشريعةِ الغرّاءِ الذينَ اعتمدَتْهمُ الأُمَّةُ واتَّفَقَتْ على عدالتِهمْ وقبولِهمْ فلا تكادُ ترى واحداً منهمْ إلاَّ وقدْ تصوَّفَ وسارَ على طريقِ الصوفية، لأنّهم أَهْلُ اللَّهِ المحسنين.
[المفتاح السادس]: بداية ظهور التصوف كعلم للتزكية: القرآن الكريم شمل أصول وقواعد العلوم جميعا ومنها: (علم الفقه وعلم العقيدة وعلم التزكية) وكان الصحابة والتابعون على دراية بهذه العلوم ينقلونها للناس يعلمونها لهم دون فصل بينها، وبعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين، ودخول الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه، احتاج الناس إلى ضبط القرآن وعدم اللحن فيه، فنشأ علم النحو، وعلم أحكام التلاوة، ثم احتاج الناس إلى معرفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم تدوين الحديث، انتشر الحديث وخاف العلماء من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنشأ علم الجرح والتعديل وبقية علوم الحديث، واحتاج الناس إلى معرفة معاني آيات القرآن فنشأ علم التفسير، واحتاج الناس إلى معرفة أحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام فنشأ تدوين علم الفقه،، ثم احتاج الناس إلى معرفة أدلة الفقه الأساسية فنشأ تدوين علم أصول الفقه، ظهرت الآراء الضالة في العقيدة واحتاج الناس إلى معرفة أصول الدين وعقائده فنشأ تدوين علم التوحيد (علم العقيدة وأصول الدين)، اتسعت الدنيا على المسلمين وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، قال ابن خلدون في مقدمته: ” وهذا العلم – يعني التصوف – من العلوم الشرعية الحادثة في الملَّة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عامَّاً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) أهـ ([26]) .
[المفتاح السابع]: أصالة علم التصوف وانتسابه إلى الكتاب والسنة: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، فلقد اهتم القرآن الكريم بعلم التصوف اهتماماً كبيرا، وأولى له ولاية عظيمة، بما حوى من أسس التزكية المتمثلة في الكم الكبير من الآيات التي تأمر بمقامات التزكية القلبية، تلك الآيات التي تأمر بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضا، وتلك الآيات التي تأمر بالتوبة والمراقبة والتقوى والإحسان، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تطهير النفس عن دسائس الأخلاق كالكذب والنفاق والظلم والعدوان والحسد والكبر والغرور، وتلك الآيات التي تتحدث عن وجوب تحلية القلب بعظيم الأخلاق كالتواضع والبر والصدق وغيرها من تعظيم الأخلاق، أضف إلى ذلك أن جميع العبادات التي أمر بها القرآن من صلاة وصيام وزكاة وذكر وتلاوة للقرآن إنما هي كذلك لأنها طريق إلى تزكية القلوب وطهارتها، كما أن أحد أكبر مهمات الرسول بين المسلمين هي تزكيتهم كما جاء في قوله تعالى: {ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}، وقد رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج المتكامل لأصول وقواعد ما سيسمى بعد ذلك بعلم التصوف، كما أن مبادئ هذا العلم كانت في عهد السلف الكرام، حيث ضربوا أروع الأمثلة على التزكية والصفاء والزهد في الدنيا والرغبة فيما عند الله، وصفاء النفس وسلامة الضمير، وتصفية النفوس من طبائعها الرديئة، وتخليصها من شهواتها الطاغية واتصافها بمكارم الأخلاق وسني الآداب، وهل التصوف سوى هذه الأخلاق العظام، يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم (الدلالة النورانية) تحت عنوان: الصوفية في صدر الإسلام: ” (سؤال): لماذا لم تنتشر الدعوة إلى الصوفية في صدر الإسلام، ولماذا لم تظهر إلا بعد عهد الصحابة والتابعين، وهل جاءت بجديد أم هي امتداد لدعوة الإسلام؟ (جواب): لم تكن هناك حاجة إلى هذه الدعوة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة كانوا بسبب قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، أهل ورعٍ وتقوى، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمزكي والمربي، فليست هناك حاجة لتلقينهم علوماً ترشدهم إلى أمور، هم قائمون عليها، وهم القدوة الحسنة والمثل الأعلى بها، فالرجال الذين سبقوا التسمية باسم (الصوفية) من الصحابة والتابعين، وإن لم يَتَسَمَّوا بالصوفية، كانوا في حقيقة الأمر صوفيين، ولا يهمنا الاسم بقدر الجوهر والحقيقة، وإلا فما هي الصوفية إن لم تكن تعني إلا أخلاق الصحابة والتابعين، الذين هم خير من أقبل على الله بالقلب والروح في السر والعلن، في السراء والضراء، وهم الذين قاموا بفرائض الإسلام وعقائد الإيمان، وتحققوا من مرتبة الإحسان، فاستنارت بصائرهم، وهم الذين تربوا على يدي مرشد البشر وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم!، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني هذا، فالذي يليه والذي يليه)، ثم تقادم العهد واتسعت العلوم ودونت علوم التوحيد والحديث والفقه والتفسير والمنطق والأُصول وغيرها من العلوم، التي بانتشارها واهتمام الناس بها وانفتاحهم على خيرات الدنيا وزينتها، أخذ الجانب الروحي يتضاءل، مما دعا أهل الألباب والزهد لتدوين علوم الإحسان، التي هي علوم الصوفية، ولا يُفهم من هذا أن ذلك كان احتجاجاً على العلوم الأخرى كما يُظن…، إنما هو استكمال لحلقة الإسلام الذي عني بالمادة والروح والجسد والقلب، قال الشيخ زروق: (نسبة التصوف في الدين نسبة الروح من الجسد، وإن هذا العلم لا يؤخذ من الأوراق وإنما يؤخذ من أهل الأذواق، ولا يُنال بالقيل والقال، وإنما يؤخذ من خدمة الرجال وصحبة أهل الكمال، وكما قالوا: والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح) ” أهـ،([27]) .
ويقول الدكتور أحمد عَلْوَشْ – عن نشأة علم التصوف -: ” قد يتساءل الكثيرون عن السبب في عدم انتشار الدعوة إلى التصوف في صدر الإسلام، وعدم ظهور هذه الدعوة إلا بعد عهد الصحابة والتابعين، والجواب عن هذا: إنه لم تكن من حاجة إليها في العصر الأول، لأن أهل هذا العصر كانوا أهل تقوى وورع، وأرباب مجاهدة وإقبال على العبادة بطبيعتهم، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به في ذلك كله، فلم يكن ثمَّة ما يدعو إلى تلقينهم علماً يرشدهم إلى أمرٍ هُم قائمون به فعلاً، وإنما مثلهم في ذلك كله كمثل العربي القُحِّ، يعرف اللغة العربية بالتوارث كابراً عن كابر، حتى إنه ليقرض الشعر البليغ بالسليقة والفطرة، دون أن يعرف شيئاَ من قواعد اللغة والإعراب والنظم والقريض، فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم النحو ودروس البلاغة، ولكن علم النحو وقواعد اللغة والشعر تصبح لازمة وضرورية عند تفشي اللحن، وضعف التعبير، أو لمن يريد من الأجانب أن يتفهمها ويتعرف عليها، أو عندما يصبح هذا العلم ضرورة من ضرورات الاجتماع كبقية العلوم التي نشأت وتألفت على توالي العصور في أوقاتها المناسبة، فالصحابة والتابعون ـ وإن لم يتسموا باسم المتصوفين ـ كانوا صوفيين فعلاً وإن لم يكونوا كذلك اسماً، وماذا يراد بالتصوف أكثر من أن يعيش المرء لربه لا لنفسه، ويتحلى بالزهد وملازمة العبودية، والإقبال على الله بالروح والقلب في جميع الأوقات، وسائر الكمالات التي وصل بها الصحابة والتابعون من حيث الرقي الروحي إلى أسمى الدرجات فهم لم يكتفوا بالإقرار في عقائد الإيمان، والقيام بفروض الإسلام، بل قرنوا الإقرار بالتذوق والوجدان، وزادوا على الفروض الإتيان بكل ما استحبه الرسول صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات، وابتعدوا عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، حتى استنارت بصائرهم، وتفجرت ينابيع الحكمة من قلوبهم، وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم، وكذلك كان شأن التابعين وتابعي التابعين، وهذه العصور الثلاثة كانت أزهى عصور الإسلام وخيرها على الإطلاق، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “خير القرون قرني هذا فالذي يليه والذي يليه” “خير الناس قرني هذا ثم الذين يلونهم،،”([28]) . فلما تقادم العهد، ودخل في حظيرة الإسلام أُمم شتى، وأجناس عديدة، واتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، قام كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يُجيده أكثر من غيره، فنشأ ـ بعد تدوين النحو في الصدر الأول ـ علم الفقه، وعلم التوحيد، وعلوم الحديث، وأصول الدين، والتفسير، والمنطق، ومصطلح الحديث، وعلم الأصول، والفرائض “الميراث” وغيرها،، وحدث بعد هذه الفترة أن أخذ التأثير الروحي يتضاءل شيئاً فشيئاً، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الرياضة والزهد إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم، ولم يكن ذلك منهم احتجاجاً على انصراف الطوائف الأخرى إلى تدوين علومهم ـ كما يظن ذلك خطأً بعض المستشرقين ـ بل كان يجب أن يكون سداً للنقص، واستكمالاً لحاجات الدين في جميع نواحي النشاط، مما لا بد منه لحصول التعاون على تمهيد أسباب البر والتقوى” ([29]) .
وما أحسن ما جاء في فتوى للإمام الحافظ السيد محمد صديق الغماري رحمه الله، فقد سئل عن أول من أسس التصوف؟ وهل هو بوحي سماوي؟ فأجاب: ” أما أول من أسس الطريقة، فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما بيَّنها واحداً واحداً ديناً بقوله: “هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم” [جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه] وهو الإسلام والإيمان والإحسان، فالإسلام طاعة وعبادة، والإيمان نور وعقيدة، والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”… فإنه كما في الحديث عبارة عن الأركان الثلاثة، فمن أخل بهذا المقام (الإحسان) الذي هو الطريقة، فدينه ناقص بلا شك لتركه ركناً من أركانه، فغاية ما تدعو إليه الطريقة وتشير إليه هو مقام الإحسان، بعد تصحيح الإسلام والإيمان” أهـ ([30]) .
[المفتاح الثامن]: برآءة التصوف الإسلامي من الانتساب إلى الأديان الأُخرى: التصوف علم أصيل يستمد أصالته من الكتاب والسنة، ومن هدي السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، حيث يقوم على مبادئ التزكية والإحسان، من العبادة والطاعة ودوام ذكر الله تعالى والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، ويقوم على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة وهديه القويم، وعلى تزكية السلف الصلح وحرصهم على طاعة الله تعالى ونيل رضاه، أما الزعم الفاجر بان التصوف يستمد أصوله وأسسه من الديانات الأخرى المحرفة والنحل الباطلة المزيفة، فهذا ظلم بين لعلم التصوف، وجحود واضح لأهله الصادقين المخلصين، والله تعالى أمرنا بالإنصاف مع الكافرين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]، فكيف بالإنصاف مع عباده الصالحين وأوليائه المحسنين، وفي الحديث الصحيح: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)) ([31]) .
وقد علم القاصي والداني أن القوم أقرب الناس تحقيقاً لهذا الحديث، يقول الشيخ حسني حسن الشريف في كتابه القيم (الدلالة النورانية): ” (سؤال): يُتَّهم التصوف من بعض الجهلة وأدعياء العلم بأنه مستقى من أصول غير إسلامية كالفارسية والهندوسية والبراهمية، كما أَطلق بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم اسم التصوف على الرهبنة والبوذية والكهانة النصرانية والشعوذة الهندية، فقالوا هناك تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي، أين التصوف من كل هذا، وأين هو من الشرع الإسلامي؟، (جواب): إن علم التصوف مستمد من الكتاب والسنة النبوية جملةً وتفصيلاً، ومما سبق من نصوص يتبين لنا أن التصوف ليس أمراً مستحدثاً جديداً، ولكنه مأخوذ من الكتاب والسنة وحياة الصحابة الكرام، ومن إلهامات الصالحين الربانيين وفتوحات العارفين الصديقين، وعلى القارئ إذا أراد أن يتبحر في ذلك أن يعود إلى كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وأن يقرأ في أربعة كتب منه وهي: «كتاب العبادات» و«كتاب العادات» و«كتاب المهلكات» و«كتاب المنجيات» ليعرف السالك أن التصوف هو التطبيق العملي للإسلام وأنه يستمد فكره من الكتاب والسنة، وأنه ليس هناك فعلاً إلا التصوف الإسلامي فقط، وإنما أُريدَ بتلك التهم تشويه اسم التصوف باتهامه بأنه يرجع في نشأته إلى تلك الأصول القديمة والفلسفات الضالة، ومن ثَم إبعاد المسلمين عن حقيقة وجوهر وروح دينهم، حتى يكونوا مجردين من الروح والخلق، حافظين لنصوص دينهم دون عمل وفهم وتذوق، إن مصدر علوم التصوف هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخلق بالإجماع، وقد جاءت هذه العلوم لتحقيق الكمالات علماً وعملاً وحالاً، ولتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق، وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم، أما ثبوت شرف التصوف، فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأئمة وردت بمدح جزيئات التصوف ودعائمه، كالتوبة والتقوى والإحسان والاستقامة والصدق والإخلاص والطمأنينة والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والمراقبة والصبر والشكر وغير ذلك من المسائل، وهذه ليست جديده ولا مبتدعة، وليست قديمة من فلسفات الفرس والهندوس وغيرها، إنما هي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ربطنا بها إلا حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصوفية أتبع الناس وأكثرهم إقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودل ذلك على أنهم أحب الخلق إلى الله، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] وروى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) ([32]) .
وعلامة المحبة الإتّباع، أما حكم الشرع في التصوف فقد قال الغزالي: (إنه فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم السلام) على اعتبار أن التصوف هو المدخل إلى تزكية الأنفس، وقال الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِرّاً على الكبائر من حيث لا يشعر ولا يدري ” أهـ ([33]) .
[المفتاح التاسع]: التصوف من أهم وأعظم جوانب الدين ولابد من إنصافه ورد الاعتبار إليه ولابد من تصفيته من الدخن والخلل: [1] تكفل علم التصوف بتزكية الظاهر والباطن، الظاهر بكثرة الذكر والباطن بسلامة القلب، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَنعام: 151]، وقد تكفل علم التصوف بتزكية الباطن، لأن من تعريفات التصوف أنه (العلم الذي يعرف به كيفية تصفية الباطن وتخلية القلب عن صفاته الذميمة، حتى يتوصل إلى تزكيته وتحليته بعظيم الآداب والأخلاق)) وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وقد قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89]، والتصوف – كما هو معلوم لأهله – يتخصص في تزكية القلب بطهارته من الكفر والشرك والنفاق والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء…، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق… وهذا القسم الذي تخصص فيه التصوف هو القسم الأهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) ([34]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([35]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (… التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) ([36]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه) ([37]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليبلغ بحسن الخلق درجة الصائم القائم) ([38]) . وقوله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن) ([39]) .
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، والحق يقال أنه على مر عصور الإسلام فإن للسادة الصوفية الحظ الأوفر من الوراثة النبوية في تحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والورع والتوكل والرضا والأدب والتسليم والمحبة والذكر والمراقبة.
[2] التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة الأمراض القلبية، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة، قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته: ” علمٌ به تصفيةُ البواطنْ… مِن كدَرَات النفس في المواطنْ “، قال العلامة المنجوري في شرح هذا البيت: ” التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء،لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى)([40]).
إن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقلب أهم من التكاليف الشرعية المتعلقة بالبدن – وإن كان الكل مُهمَّاً – وذلك لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره، وأعماله مبدأ أعمال الظاهر، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة، وفي الحديث ما يدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” [متفق عليه]، وقوله صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم)) [أخرجه مسلم]، وما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88 – 89]، قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله: (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي: إنها فرض عين) [“الأشباه والنظائر” للسيوطي ص504]، ويقول العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة: (إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من “الإحياء”، قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه، وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه) [“حاشية ابن عابدين” المسماة رد المحتار على الدر المختار ج1: ص31]،
[3] التصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق الحقيقي العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، ولذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي: بعد أن اختبر طريق التصوف ولمس نتائجه وذاق ثمراته (ولقد علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق،، ثم يقول رداً على من أنكر على الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها ـ وهي أول شروطها ـ تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله) ([41]) .
[4] التصوف هو العلم الذي اهتم برسم الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي، وليس كما يظن بعض الناس أنه مجرد اجتماع لذكر الله وقراءة الأوراد وحسب، بل نقول (التصوف) منهج عملي كامل، يحقق صلاح المسلم وتهذيب أخلاقه وتحوله إلى شخصية مسلمة مثالية متكاملة، تعيش في درجات الإحسان، ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا بوضوح، أنه علم إسلامي قيم، لا غنى عنه لكل مسلم، كما لا غنى له عن علوم العقيدة التي تصلح الاعتقاد وعلوم الفقه التي تصلح العبادات والمعاملات، وأنه (علم التصوف) العلم الذي يصلح القلوب والأخلاق وبه يصل العبد إلى مرضاة الله، كما أن التصوف هو العلم الذي اختص بتحلية النفس بالصفات الكاملة كالتوبة والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب والمحبة والذكر والمراقبة، وللصوفية في هذا المجال الحظ الأوفر من الوراثة النبوية،
[5] علم التصوف من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة ولابد من إنصافه، لان (التصوف) هو مقام الاحسان من الاسلام الذي ورد في حديث جبريل المشهور حيث ينتقل العبد من مقام الايمان بالغيب إلى مقام شهود الغيب (أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذا لا يتأتى إلا بتصفية القلب وتخليصه من كثير من السحب المتلبدة عليه، و (التصوف) مرتبة عالية تتمثل في إصلاح القلب بالوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهو مبني على الكتاب والسنة وذلك باتباع شرع الله تعالى والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأحوال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال، وتسليم الامور كلها لله من غير إهمال في واجب ولا مقاربة محظور، وحاصله اتصاف بجميع المحامد وترك لجميع الأوصاف الذميمة، وهو مسلك قائم على العلم والعمل، وله منازل أعلاها المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه) وأولها المراقبة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وله مقامات عديدة شريفة منها التوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والصدق والإخلاص والصبر والورع والزهد والرضا والتوكل والشكر، و(التصوف) هو الطريق المؤدي إلى أرقى درجات الكمال الإيماني والإحساني الذي به يتحقق مقام الشهود وحق اليقين، وهو الطريق إلى مدارج السالكين ومراقي الصاعدين إلى مرضاة رب العالمين.
[6] علم التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة علم من أجَّلِ العلوم الإسلامية، ولابد وأن ينصف، ولو رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار لوجدنا أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا،ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية، أما أن نأخذ الصالح بجريرة الطالح فهذا ظلم عظيم، قال الله تبارك تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164].
[7] إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي بعض من يزعمون الإصلاح إلى اقتلاع التصوف من جذوره، وابادة التصوف وأهله، وردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، وأين يذهب تسعة أعشار أهل السنة في العالم اليوم في مصر والسودان ودول المغرب العربي واندونيسيا والباكستان وغيرها من بلاد المسلمين، هذا اليوم، فما بالنا بهم على مر عصور الإسلام السابقة، وأين يذهب الجنيد وأصحابه، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وآلاف الآلاف من أتباعهم، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام.
وليس معنى ذلك أن نبرأ الصوفية من كل خطأ وأنهم معصومون، فهناك من أدعياء الصوفية من أساء للصوفية أكثر من أعداء التصوف، ولابد من تجديد التصوف حتى يسير في إتمام مهمته من تزكية النفس وبناء أمة الأخلاق في خضم زمان لا يعرف أهله سوى الماديات.
[8] لابد من انصاف التصوف ورد الاعتبار إليه وتصفيته من الدخن والخلل، والعودة به إلى تزكية الكتاب والسنة، لقد أساء – على مر عصور الإسلام – أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه وادِّعائهم له مع خيانة مبادئه ومخالفة أوامره، وأساء آخرون باعتراضهم عليه جملة وتفصيلا، إن واجبنا نحو التصوف اليوم هو التزام المبادئ الإيجابية التي جاء بها التصوف الإسلامي، مع إصلاحه و تجديد أمره وإعادته إلى تزكية القرآن والسنة وتأكيد ارتباطه بالكتاب والسنة، لأنه – بحق – علم رباني من أهم علوم الإسلام وأعلاها منزلة، فلا مناص من تجديد أمر التصوف وتصفيته من الدخن والخلل: فإن (الصوفية) طائفة إسلامية كبيرة من طوائف أهل السنة والجماعة، تنتشر في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وهي مثل بقية الطوائف الإسلامية كالمحدثين والفقهاء والأصوليين والمؤرخين، فيهم الصالح والطالح، والصحيح والفاسد والمصيب والمخطئ ولا يصح أن ننسب إلى أي طائفة من هؤلاء الطالح والفاسد والمخطئ فقط، فعندما يقال (الصوفية) فإننا نعرف أن المراد بهم أمثال الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي وعبد القادر الجيلاني والجنيد وغيرهم كثير من الأولياء والصالحين على مر عصور الإسلام، ولا يراد بالصوفية أولئك الدجالون المخرفون المخالفون للكتاب والسنة، الذين دخلوا على التصوف فأفسدوه، لذلك وجب عدم خلط الأوراق بعضها من بعض فالعدل مطلوب مع الموافق والمخالف، وهو الأمر الذي طلبه منا الله في محكم تنزيله بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] فالعدل مطلوب مع العدو الكافر، فضلاً عن كل المسلم، فضلا عن من انتسب إلى إطار الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، أما إلقاء التهم اعتباطا ليس من خلق المسلم، والصوفية أسم جامع لطائفة عظيمة من المسلمين، نخص منهم أولئك الصالحين المتمسكون بالكتاب والسنة والقائمون على ثغور مهمة التزكية التي هي إحدى مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الطائفة هي المقصودة بالتصوف الصافي النقي الصحيح الذي قام على صفاء النفس من الكدر، وامتلائها من الفكر والذكر والخلق العظيم، وتحقيق مرتبة الإحسان أعلى مراتب دين الإسلام.
[9] إن من الإنصاف أن نذكر فضل التصوف الصحيح الذي نهض برسالته منذ فجر الدعوة الإسلامية، في التزكية والإحسان وبناء المؤمن الحق، وكان رجال التصوف السابقون مدارس التربية والتزكية داخل المجتمع الإسلامي، وكان بهم يتحقق تكامل العلم والسلوك، وكانوا في الجهاد في مقدمة صفوف المجاهدين يحثونهم على التعلق بالآخرة، والشوق إلى لقاء الله، وكانوا ينشئون الرباطات على أطراف المدن الإسلامية وثغورها المتاخمة للأعداء، فكانوا يشتغلون فيها بذكر الله حتى إذا ما دعاهم داعي الجهاد، كانوا خيل الله السابقة، وكانوا هم أئمة الدعوة إلى الله، يصلون بدعوة الإسلام إلى المواقع التي لم تكن تبلغها جيوش الفتح العسكري، فكان الدعاة من رجال التصوف يتكفلون بهذه الرسالة، ينشرون الإسلام في مختلف أنحاء الأرض، هذا هو التصوف الحق المستمد من قواعد الكتاب والسنة وأحوال السلف الصالح، وهو التصوف الصافي الذي كان الفقهاء يعتبرون أنه من الشرف الانتساب إليه وانه بنقائه جزء مهم في تكوين شخصية كل مسلم، ولكننا – اليوم – نرى التصوف قد اختلط بصفائه بعض الأخطاء مما جعل الكثيرين لا ينظرون إليه بعين الرضا والقبول، بل بعين الشك والريبة، فلابد من تجديد التصوف، حتى نزيل عنه ما ليس منه، وننقيه من العثرات والهفوات، ونعيده إلى ثوب الكتاب والسنة، حتى يتبوأ مكانه الحقيقي في مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، وما أحوجنا إلى منهاج تجديدي صحيح نقي صافي، يقوم على أكتاف رجال التزكية المخلصين، لا أشباه الرجال من الأدعياء والمنتسبين، منهاج يعود بالصوفية إلى قمة منازل الصالحين من أهل السنة والجماعة، وما أشد حاجة المسلمين إلى قيم التصوف المثلى وحضارته الروحية الطاهرة الزكية. [10] لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه، وادِّعائهم له، وأساء آخرون باعتراضهم عليه، وردِّهم له جُملةً وتفصيلاً، وذلك لأنهم لم يفقهوا حقيقته، ولم يفرِّقوا بين الحقِّ الذي هُدِيَ إليه الصوفية الصادقون، وبين الباطل الذي أُلصق بهم وأُدخل على طريقتهم، وهم منه براء، ولاشك أن هناك عوامل عديدة يجب إصلاحها بسرعة وإتقان داخل (التصوف) حتى يعود التيار الصوفي إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية – وأنا هنا لا أعمم تلك العوامل على جميع التيار الصوفي فالمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا، وهناك جهلاء، وهناك مبتدعون، وهناك منحرفون، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا إليه، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين الصوفية الصادقين، أصحاب السلوك، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين، ثم هل يتحمل التصوف الصحيح في جوهره النقي جريرة المدعين، وهل يؤاخذ البريء الطاهر بجرم المعتدين، وهل من الإنصاف أن تنسب إلى هذه الفئة النقية أخطاء المتصوفة الشاذين من أعداء التصوف، ولطالما حذّر الصوفية أنفسهم من هؤلاء الأدعياء، إن الذين يحاولون طمس التصوف والقضاء عليه وإخراج أهله من دائرة أهل السنة والجماعة، مخطئون، يناطحون الصخور، وهم – للأسف – غير منصفين يجهلون حقيقة التصوف الإسلامي، ورجاله الصادقين وعلماءه المخلصين، نظرتهم للإسلام هي فقط نظرة سطحية بعيدة عن الإنصاف والتمحيص، وها هو العالم الأصولي المدقق (الإمام الشاطبي) صاحب كتاب الاعتصام ورافع لواء الحرب على البدع والمحدثات يصف الصوفية بأوصاف حميدة ومناقب جليلة، فقال: ” الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة، مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرقة من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى خلاف السنة، وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولا لا فروعا، ومن لم يكن كذلك، فلا بد من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته” أهــ([42]) .كما أثنى عليهم بوصفهم: ” أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على مناهجهم…” أهــ ([43]) . وقد كان في نيته – رحمه الله – أن يخصص مؤلفا للإشادة بطريق التصوف، وتحصينه من أهل البدع والأهواء، حيث قال: “وفي غرضي- إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسّر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا، يُستدل به على صحتها، وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع: من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادّعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم…، وطريقة القوم بريئة من هذا الخُباط بحمد الله” أهـ ([44]) . والحاصل أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي، وفضل التصوف الصحيح الذي هو ضرورة لإحياء القلوب، وتهذيب النفوس، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام، والإصلاح واجب شرعي وهو لا يختص بالتصوف وحسب بل بجميع علوم الشريعة، وما أحسن قول السيوطي رحمه الله فيه إذ يقول عن التصوف: ” علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل ” أهـ [تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، لجلال الدين السيوطي، ص: 4]، إن من الإنصاف ألا نغمط حقوق الصوفية، ولا تنسينا أخطاؤهم حسناتهم، والتجديد الصوفي يعني إصلاح الأخطاء بتجرد والعودة حقائقة القائمة على أدلة الكتاب والسنة ووراثة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، تلك الأحوال التي تحلى بها أكابر أهل الطريق، وعند ذلك تتآلف القلوب وتنتفي الخصومات والعداوات ونكون يداً واحدةً في العمل على الدفاع عن دين الإسلام وتجديد أمره.
[المفتاح العاشر]: ما الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف: من خير الكتب التي تناولت المختصر المفيد الذي ينبغي أن يعرفه المسلم عن التصوف: كتاب أبجدية التصوف للشيخ العارف بالله تعالى محمد زكى إبراهيم رائد العشيرة المحمدية: وأنقل هنا – باختصار يسير – ما قاله الشيخ العارف بالله تعالى محمد زكى إبراهيم في كتابه أبجدية التصوف، قال رحمه الله: ”
\السؤال الأول: ما هو المقصود بالتصوف الإسلامي؟ وهل مورس هذا التصوف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا يختلفون في تعريف التصوف؟ ولماذا يختلفون في تحديد مصادره؟ (الجواب):
(1) المقصود بالتصوف الإسلامي، يعرف من تعريفاته كثيرة: التي تتلخص كلها في أن: ” التصوف هو: التخلي عن كل دَنِى، والتحلي بكلى سَنى ” سلوكاً إلى مراتب القرب والوصول، فهو إعادة بناء الإنسان، وربطه بمولاه في كل فكر، وقول، وعمل، ونية، وفي كل موقع من مواقع الإنسانية في الحياة العامة “، ويمكن تلخيص هذا التعريف في كلمة واحدة، هي: (التقوى) في أرقى مستويات الحسية، والمعنوية، فالتقوى عقيدة، وخٌلق، فهي معاملة الله بحسن العبادة، ومعاملة العبادة بحسن الخلق، وهذا الاعتبار هو ما نزل به الوحى على كل نبي، وعليه تدور حقوق الإنسانية الرفيعة في الإسلام، وروح التقوى هو (التزكية) و {قد افلح من تزكى} ” [الأعلى: 14]، و {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9]، (2) وبهذا المعنى تستطيع أن تستيقن بأن التصوف قد مُورس فعلاً في العهد النبوي، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وقد امتاز التصوف مثلاً بالدعوة، والجهاد، والخلق، والذكر،والفكر، والزهد في الفضول، وكلها من مكونات التقوى (أو التزكى) وبهذا يكون التصوف مما جاء به الوحى، ومما نزل به القرآن، ومما حثت عليه السنة، فهو مقام (الإحسان) فيها، كما أنه مقام التقوى في القرآن والإحسان في الحديث: مقامُ الربانية الإسلامية، يقول تعالى: {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب بما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]، هذا هو التصوف الذى نعرفه، فإذا كان هناك تصوف بخلاف ذلك، فلا شأن لنا به، ووزره على أهله، ونحن لا نُسأل عنهم فــ ” كل امرئ بما كسب رهين “.
(3) أما الاختلاف في تعريف التصوف، فهو راجع إلى منازل الرجال في معارج السلوك، فكل واحد منهم ترجم أساسه في مقامه، وهو لا يتعارض أبداً مقام سواه، فإن الحقيقة واحدة، وهي كالبستان الجامع، كلٌ سالك وقف تحت شجرة منها فوصفها، ولم يقل إنه ليس بالبستان شجرٌ سواها ومهما اختلفت التعريفات، فإنها تلتقى عند رتبة من التزكي والتقوى: أي الربانية الإسلامية، أي (التصوف) على طريق الهجرة إلى الله {ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين} [الذرايات: 50] وقال: {إني مهاجر إلى ربى} [العنكبوت: 26]، فالواقع أنها جميعاً تعريف واحد، يُكمل بعضه بعضاً.
(4) أما الاختلاف في تحديد مصادر التصوف، فدسيسة من دسائس أعداء الله، فالتصوف كما قدمنا ” ربانية الإسلام “، فهو عبادة، وخلق، ودعوة، واحتياط، وأخذ بالعزائم، واعتصام بالقيم الرفيعة، فمن ذا الذى يقول: إنه هذه المعاني ليست من صميم الإسلام؟، إنها مغالطات، أو أغالط نظروا فيها إلى هذا الركام للدخول على التصوف من المذاهب الشاذة، أو الضالة، ولم ينظروا إلى حقيقة التصوف، والحكم على الشيء بغير الدخول عليه غلطٌ أو مغالطة، والحكم على المجموع بتصرف أفراد انتسبوا إليه صدقاً أو كذباً: ظلم مبين، وهل من المعقول أن يترك المسلمون إسلامهم مثلاً لشذوذ طائفة منهم تشرب الخمر، أو تمارس الزنا، أو تحلل ما حرم الله؟ وهل عملُ هؤلاء يكون دليلاً على ان الإسلام ليس من عند الله؟!…، شيئاً من التدبر أيها الناس !!!،
السؤال الثاني: من هو الصوفي؟ وبماذا يمتاز عن عامة المسلمين؟ وهل هناك فرق بينه وبين التقى، أو المؤمن، أو المسلم، أو الصديق؟ وإذا لم يكن هناك فرق، فلماذا الإصرار على استخدام الاصطلاح؟ (الجواب):
(1) تستطيع أن تعرف الصوفي الحق، بأنه المسلم النموذجي، فقد اجمع كافة أئمة التصوف على أن التصوف هو الكتاب والسنة، في نقاء وسماحة واحتياط، وشرطه أئمة التصوف في مريديها أخذاً من قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79]، والعلم هنا أولاً: علم الدين بدعامتيه ” الكتاب والسنة “، ثم هما بدورهما منبع كل علم إنساني نافع، على مستوى كافة الحضارات، وتقدم البشرية، مقتضى تطور الحياة، فالتصوف إذن هو: ربانية الإسلام الجامعة للدين والدنيا (قال الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردى رحمه الله تعالى: ” إن الصوفي من يضع الأشياء في مواضعها ويدبر الأوقات، والأحوال كلها بالعلم، يقيم الخلق مقامهم، ويقيم أمر الخلق مقامه، ويَستر ما ينبغى أن يُستر، ويُظهر ما ينبغى أن يظهر، ويأتي بالأمور من مواضعها بحضور عقل، وصحة توحيد، وكمال معرفة، ورعاية صدق وإخلاص ” ([45]) .
ومن هنا جاء قول أئمة التصوف، وفي مقدمتهم (الجنيد): ” من لم يَحصل علوم القرآن والحديث، فليس بصوفي “، وأجمع على ذلك كل ائمة التصوف، من قبل ومن بعد، وتستطيع مراجعة نصوص أقوالهم عند القشيري، والشعراني، ومن بينهما، ومن بعدهما.
(2) أما الامتياز عن عامة المسلمين، فالقاعدة الإسلامية هنا هي العمل، فإذا عمل الصوفي بمقتضى ما يتعين عليه كقدوة وداعية، امتاز بمقدار جهده، شأن كل متخصص وإلا فهو دون كل الناس إذا انحرف أو شذ، بل إن تجاوز، فالصوفية يجعلون خلاف الأولى في مرتبة الحرام اتقاءً للشبهات، واستبراءٌ للعرض والدين “ومن نصوص الحديث كما في الفتح الكبير قوله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل مَلك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، الا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب]، ” رواه الأربعة، والبخارى ومسلم “، وهم يعرفون كيف أن السلف كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال: خوف الوقوع في الحرام، فهم يؤمنون بهذا، ويحاولون العمل به، والله تعالى يقول: {ولكل درجات مما عملوا}، فهم يؤمنون بهذا ويحاولون العمل به.
(3) أما مسألة الفرق بين الصوفي، والمسلم، والمؤمن، والتقى: فإن الإسلام شرع لنا تعريف الناس بخصائصهم، وذكرهم بما يميزهم عن غيرهم، وقد ذكر الله المهاجرين والأنصار بخصيصتهم: تعريفاً، وهم مسلمون مؤمنون أتقياء، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي بما يميزهم من الألقاب، وهم مسلمون مؤمنون أتقياء، وذكر القرآن من المسلمين أصنافاً: الخاشعين، والقانتين، والتائبين، والمتصدقين، والعابدين، والحامدين، والسائحين وغيرهم، وكلهم من أهل {لا إله إلا الله}، إذن، فذكر إنسان بخصيصة عُرف بها عند الناس، سنة قرآنية ونبوية، وما دامت هذه الطائفة، قد عرفت باسم الصوفية لسبب أو لآخر، فليس بدعاً أن تُدعى بهذا الاسم، ثم لماذا كل هذه الزوبعة هنا، ولا تكون هناك زوبعة حين يقال (سلفية)؟! ـو (أزهرية)، أو (وهابية)، أو (شافعية)، أو (مالكية)، أو(حنبلية)؟! وهل كان فيما مضى (جمعية كذا – أو جماعة كذا)؟ أرايت أن الأمر كان أهون من أن يكون سؤالاً، لولا المذهبية المدمرة، والتعصب الموبق 1؟
السؤال الثالث: ما رأيكم فيما يوجه للتصوف من اتهام بأنه يعود في أصوله الأولى للبوذية؟ والمجوسية؟ والرهبانية… ألخ؟ (الجواب): قدمت أن التصوف الإسلامي، هو الربانية، فهو: إيمان وعمل، وعبادة، ودعوة، وأخلاق، وبر مطلق، وهو إرادة وجه الله في كل قول وعمل، أو نية، أو فكر، دنيوي أو أخرى، وهو التساوي بالبشرية إلى مستوى الإنسانية الرفيعة، فهو وحى من الوحى، وهو الدين كل الدين، لأنه بهذا الوصف (طلب الكمال)، وطلبُ الكمال فرض عين، وهو علاج لأمراض النفوس، وما من إنسان إلا وهو مبتلى بجانب – قل أو كثر – من النقص الذى نسميه: مرض النفس، أو الخلقُ، وإنما جاءت رسالات السماء كلها لعلاج هذه الأمراض النفسية والخلقية أول ما تعالج في بنى أدم، ولما كان التصوف قد تخصص في هذا الجانب، كان طلبهُ فرضاً شرعياً، وعقلياً، وإنسانياً واجتماعياً – حتى يوجد الإنسان السوى الذى به تتسامى الحياة، وتتحقق خلافة الله على أرضه، وينتشر الحب والسماحة بين الناس، وتأخذ الحضارة والتقدمية روحهما الإيماني المحقُق لمراد الله، وأدلة ذلك جميعاً مما لا يغيب عن صغار طلبة العلم، ومما تزخر به علوم الكتاب والسنة، ولا أعرف أن الكتاب والسنة نقلاً عن المجوسية، والبوذية والرهبانية شيئاً أبداً، وإنما هو الغل المورث للتهم الكواذب، وتضليل خلق الله، أما إذا كان المراد بالتصوف في السؤال، هو هذه الفلسفات الأجنبية عن العقيدة والشريعة، فهذا باب آخر، لا علاقة له بتصوف أهل القبلة، والاحتجاج بهؤلاء علينا فيه تلبيس الحق بالباطل، ثم إن أخذ البريء بذنب المجرم: فعلة دنيئة، على أن الذين اشتهروا بهذا الجانب الفلسفي، ممن ينسبون إلى التصوف، عدد محدود، قد لا يجاوز العشرة، وسواء قبلت فلسفتهم التأويل والتوجيه – ولو من وجه ضعيف – أو لم تقبل، فهؤلاء، وقد أصبحت كتبهم بما فيها من الأفكار أشبه بنواويس الموتى: تُعرض – إذا عُرضت – للزينة، او التاريخ والعبرة، فليس بين صوفية عصرنا من يرى رأيهم، او يذهب مذهبهم، سواء على ظاهره، أو على تأويله، وأين فكرٌ الجماهير من العمال والفلاحين، وأنصاف المتعلمين، أو حتى كبار المثقفين، من كتب هؤلاء وألغازهم وأحاجيهم؟!،، والغاضبون على التصوف جميعاً يحتجون بهؤلاء، وقد انتهي أمر هؤلاء، فقد كانت مذاهبهم شخصية، لا تجد طريقها إلى الجماهير، لحاجتها إلى استعدادات وقابليات ومدارك، ومنطق لا يوافق لدى الكافة ومؤاخذة الخلف بفعل السلف- لو سلمنا جدلاً بأنهم سلف – أمر بعيد عن العلم والعدل، والحكم على الكل بذنب البعض – لو سلمنا بهذه البعضية – أمر بعيد عن العلم والعدل، ولو أننا إخواننا (خصوم التصوف)، نظروا إلى الواقع الفعلي، فكافحوا معنا منكرات العصر ومبتدعاته، من نحو: الطبل، والزمر، والرقص، وتحريف أسماء الله، وغير ذلك من مناكر المواد، والتجمعات العامة، وأخذوا طريق التعاون بالحسنى، والدعوة بالحكمة، لكان هذا أدنى إلى الصواب وأهدى سبيلاً، عند الله والناس، أما حملتهم على هؤلاء الموتى، ممن جنحوا إلى الفلسفة، فاستئساد على الرمم، وصيال في غير مجال، ومبارزة مع الهواء الطلق، فهؤلاء الموتى، ما يملكون الدفع عن أنفسهم، وليس من ورائهم وراث يدافع عنهم، إلا – إذا وجد – لمجرد التصويب وإحسان الظن بأهل القبلة، أو لمجرد الثقافة والتاريخ، وهنا أقر بملء الثقة واليقين، أنًّ كل ما جاء منسوباً إلى التصوف مما يخالف الكتاب والسـنة، مهما كان مصـدره، فليس – فيما نرى – من ثمرة الإسـلام بوصـفه مقام (الإحسان) الذى سجله الحديث النبوى المشهور، كما قدمنا،وهو في تساميه أبعد من لهو الفلسفة وعبثها، وإن تأولت.
السؤال الرابع: ثابت أن المسلمين لم يعرفوا التصوف، إلا بعد ثلاثة قرون من انتشار الإسلام، فهل يحتاج الإسلام إلى التصوف؟ وهل التصوف يضيف جديداً إلى الإسلام؟ وما هو الفرق بين الزهد الإسلامي والتصوف؟ (الجواب): من الذى قال بأن المسلمين لم يعرفوا التصوف إلا بعد القرون الثلاثة الأولى؟، هذه مجازفة: ليست بعلمية، ولا تاريخية، وليس لها سند، فإذا كان المراد بأنهم لم يعرفوا لفظ التصوف إلا بعد القرون الثلاثة، فليس هذا بصحيح أيضاً (هذا الذى قالوه: إنما من كلام ابن تميمة رحمه الله تعالى، قال في كتابه ” الصوفية والفقراء “: ” الحمد لله: أما لفظ الصوفية، فإنه لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة الأولى وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به من غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل، وأبى سليمان الدراني، وغيرهما، وقد روى عن سيفان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى، وتنازعوا في المعنى الذى أضيف إليه الصوفي، فإنه من أسماء النسب كالقراشي، والمدني، وأمثال ذلك، فقيل: إنه نسبة إلى أهل الصفة، وهو غلط، لأنه لو كان كذلك لقيل: صُفي، وقيل: إنه نسبة إلى الصف المقدم بين يدى الله، وهو أيضاً غلط، فإنه لو كان كذلك لقيل: صَفي، وقيل: نسبة إلى صوفة بن أُد بن طابخة قبيلة من العرب كان يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك ” إلى آخر ما قال)، فقد اثبت مؤرخو اللغة وغيرهم أن هذا اللفظ كان عندما اشتهروا بالخشونة والرجولة، ولبس الصوف، والاستعداد للجهاد، فإن تصوف المسلمين: دعوة إلى القوة، والحرية، والمساواة، والتكافل، والإخاء، والتوحيد، ومعالى الأمور، لبناء شخصية المسلم المتكامل، وكان عهد التدوين قد بدأ بمن كتب الحديث في عهد رسول صلى الله عليه وسلم، وظل ينمو حتى ازدهر في أواخر القرن الأول، وأوائل الثاني، بتحرير الحديث والفقه، والتفسير، واللغة، وما إلى ذلك، وقال ايضاً بعد كلام: “… والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذى هو من أهل اليمين… ” إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى، فراجعه هناك،”، أما إذا كان المراد بأن مادة التصوف وحقيقته وأصوله وموضوعه لم تُعرف إلا بعد هذه المدة، فالخطأ هنا يستحيل إلى خطيئة، فمادة التصوف من حيث العبادة، والخلق – على أوسع معانى العبادة والخلق – موجود مشهودة في الكتاب والسنة، شأن بقية مواد علوم الدين، فإذا لم يكن لفظ (التصوف) موجوداً في هذا العقد، فقد كانت العبادات والأخلاق، وتربية النفس، ووسائل العفة بالله، والارتفاع بإنسانية الإنسان، كل هذه مسجلة في دين الله، وهي التصوف (سماه الناس كذلك) فالاسم حادث، والمادة قديمة بقدم الكتاب والسنة، شأن بقية علوم الدين سواء بسواء، ولم يكن هذا بدعاً، فلم يكن في هذا العهد علم باسـم (الفقه) ولا باسم (الأصول) ولا باسم (مصطلح الحديث)، ولا غير ذلك من علوم الدين، ولكن المادة كانت موجودة بين دفتى الكتاب والسنة، فلا دٌونت العلوم، ورٌسمت القواعد والمصطلحات، أطلقت الأسماء حسبما رجحته الظروف الواقعية آنذاك، وإذن، فلماذا ننكر تسمية التصوف، ولا ننكر تسمية بقية علوم الدين، والشأن واحد !؟ ثم لماذا ننكر تسمية (التصوف) ولا ننكر تسمية (التسلف)؟! إن كلمة التصوف عربية قديمة، في لغة العرب، فمن ارجعها إلى (سوفيا) اليونانية، فقد جهل وانحرف وقلد العميان، ومن أدعى إنها بدعة محدثة، كان أشد جهلاً وانحرافاً، فالتصوف أخلاق، وعبادة، ودعوة، وجهاد، وسلوك، فهو وحى من الوحى ودين من الدين، إن كلمة صوفي بعيدة كل البعد – من حيث المعنى – عن التأثر باليونان، فقد عرفت واستعملت قبل نهاية القرن الثاني الهجري، حيث أطلقت على أبو هاشم الكوفي (المتوفي سنة 150هـ)، وإن هذا النوع من التصوف وليد لحركة الإسلام ذاته، أما: هل الإسلام يحتاج إلى التصوف؟ فإذا كان الشىء يحتاج إلى نفسه، جاز أن يقال: إن الإسلام يحتاج إلى التصوف، الإسلام انقياد ظاهري، لا يتم إلا بالانقياد الباطني، وإلا كان نفاقاً، والانقياد الباطني هو: الإيمان بوصفه عملاً من أعمال القلب، التي نسميها ” التصوف “، فليس التصوف شيئاً غير الإسلام، حتى يقال: إنه يحتاج إليه، او يستغنى عنه، إنما التصوف هو ذروة الدين كله، مقام ” الإحسان “: التقوى، والتزكية، والربانية، كما قدمنا، فهو الغاية والثمرة التي لا تتاح إلا لسالك مريد موفقًّ ذَواق.
وهكذا نجد: أن السؤال الذى يقول: هل التصوف يضيف جديداً إلى الإسلام سؤال غير وارد، والإجابة عليه واضحة في الرد على الشطر السابق، أين هذا السؤال من قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الإسلام ديناً} [المائدة: 2]، إن التصوف الحق هو: الإسلام في اعلى مستوياته، ومن اعجب العجب من بعضهم أن يكتب أنه يقبل أوصاف الشكر والصب والورع والزهد والذكر والفكر، من كتب المتمسلفة، ولا يقبلها من كتب المتصوفة، تعصباً وغلاً للذين آمنوا، أما الفرق بينه وبين الزهد الإسلامى: فإن الصوفي أكبر من زاهد في الدنيا، لأن الزاهد إنما يزهد في الدنيا، وهي لا شئ، فالزهد في الدنيا زهد في لا شئ، والزاهد في (لا شئ) غافل أو جاهل، لكن زهد الصوفي منصب على كل ما يبعده عن الله، على أى وضع يكون، أما كل ما يكره بالله (ولو على المال) فليس هو بزاهد فيه، دخل صوفي على أحد الخلفاء، فحدثه، فأجازه الخليفة بما لم يكافئ بمثله أحداً قبله: فاعتذر الصوفي عن قبول عطية الخليفة، فاندهش الخليفة قائلاً له: ما أزهدك !! قال الصوفي: بل أنت أزهد منى يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: لأنني أزهد في الدنيا، وهي لا شيء، وأنت تزهد في الآخرة، وهي كل شيء، “وهو نوع من التبكيت الواضح “، الزهد عند الصوفية: أن تكون الدنيا في يده، لا في قلبه، لأن الزاهد (غير الصوفي) تاجر، يحرم نفسه من متع الدنيا، ليعوضها أضعافاً في الآخرة، ولا كذلك الصوفي الذى لا يحرم نفسه متعة أحلها الله، إلا إذا حجبته عن الله، وهذا أبو الحسن الشاذلى رضي الله عنه، كان صاحب تجارات ومزارع، وهذا شمس الدين الدمياطى، كان تاجراً من أثرى علماء الصوفية، وهو الذى بنى برج دمياط من ماله الخاص في عهد السلطان الغورى، وهذا الليث بن سعد، فقيه مصر، وأمام زهادها، كان أثرى أهل عصره، ولم تمنع هؤلاء أموالهم أن يكونوا أزهد الناس في الدنيا إذا شغلتهم عن الله عز وجل، ولكنهم لم تشغلهم بعد، بل كانت طريقهم إليه عز وجل !! وهكذا يتضح أن سحق الشخصية بالزهد المادى، والتبتل البشرى مما لا تعرفه قوانين التصوف الإسلامي، وقد كان من أعيان الزاهدين من الصحابة: بلال، وسلمان، وأبو ذر ن وتميم الداري، أول من جلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام عمر يذكر الناس بالله في يوم الجمعة، فإنما الزهد في حده المحدود، مما جاء عن كثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم كما أسلفنا، وفي صدر هؤلاء جميعاً زهد (العمرين) ابن الخطاب، وابن عبد العزيز بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت الدنيا في أيديهم، ولم تكن في قلوبهم، فاستغنوا برب الدنيا عن الدنيا وما فيها ومن فيها، إن الذى يملك هو الذى يملك، وهو الذى يزهد، أما الذى لا يملك، ففي أي شيء يزهد؟!
السؤال الخامس: بم تعلل فضيلتكم كون شيوخ التصوف من الفرس، وأحفاد المجوس، في العصر الإسلامي؟ وكيف تعلل ازدهار التصوف في القرن السابع، وما بعده بين العرب والمنتسبين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (الجواب): ليتك يا ولدى لم توجه إلى هذا السؤال العنصري الذى لا يرضاه الله ولا رسوله، أو لم تقرأ قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ” سورة الحجرات، الآية: 13، وقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا فضل لأبيض على احمر، ولا عربي على عجمي إلا بالتقوى ” ” وفي رواية ذكرها ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم: {يا أيها الناس، وأن الله تعالى قد أذهب عنكم غبية بالجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل يرتقى كريم على الله، ورجل فاجر شقى هين على الله} إلى آخر الحديث الذى رواه أبن أبى حاتم} “، وقوله صلى الله عليه وسلم ” إن الله أذهب عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقى، وفاجر شقى،أنتم لآدم وآدم من تراب… ألم يأتك أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق به سيدنا سلمان الفارسى، فقال: ” سلمان منا أهل البيت ” – ألم يرسل الله رسوله للناس كافة بشيراً ونذيراً؟! إنها حمية الجاهلية، يرددها ببغاوات البشر، بلا تدبر، ولا بينة، وهل جاء الإسلام للعرب وحدهم، فاغتصبه منهم غيرهم، فأصبحوا منبوذين؟! لم هذه الشعوبية، والعنصرية الكريهة، التي ينكرها الإسلام، وتنكرها الإنسانية الشريفة؟! أليس الإمام البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني، والبيهقي، والاكثرية الغالبة من رجال الحديث، كلهم من غير العرب، وكذلك طائفة من أكبر المفسرين، كالزمخشري، والنيسابوري،، وطائفة من أكبر علماء البلاغة، كالجرجاني، والتفتازاني !؟ من هو طارق بن زياد، وموسى بن نصير، هذان الموليان القائدان الفاتحان، اللذان أسسا للإسلام مجداً تاريخياً، لا يمحوه الزمان؟ من هو ابو حنيفة النعمان؟ اليس كان من الموالى، ولولاه ما كان لبنى تيم الله ذكر ولا فخر ” أبو حنيفة من الأفغان، قالوا من كابل “، يا ولدى: إمام مصر الليث بن سعد، أصله من (أصبهان)، أمام أهل السنة، احمد بن حنبل، أصله من (مرو) والإمام المفسر الطبرى، أصله من (طبرستان)، والشعبى علامة التابعين وغمامهم، كانت أمه من (جلولاء)، والحسن البصرى، الكوكب الفرد،، كان أبوه من (ميسان)، وهذا علاّمة اللغة سيبويه، فارسى الأصل، والأمام الكسائي، فخر اللغة العربية، أصله من فارس، وتلميذه الإمام الفراء من الديلم، ثم أن إبن مسكويه وابن سينا، والفارابي، كانوا فرساً أعجمين، اسمع يا ولدى: فقيه مكة، عطاء بن رباح، وفقيه الشام: مكحول، وفقيه الجزيرة: ميمون بن مهران، وفقيه خراسان: الضحاك بن مزاحم، وفقيها البصرة والكوفة: إبراهيم النخعي وابن سيرين، كل أولئك ليسوا من العرب أصلاً، ولكنهم برزوا في جوانب العلم والفكر والمعرفة والدين، كانوا الأئمة بكل ما في اللفظ من معنى يتجدد ولا يفنى، إنما يتفاضل الناس بالأحلام ” العقول “، لا بالأرحام، والناس عند الله سواسية كأسنان المشط، والله يقول: {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237]، ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد (مولاه) على جيش كان فيه أبو بكر وعمر، وعندما أراد عمر أن يستخلف قال: ” لو كان سالمُ مولى حذيفة حياً لوليته !! “، تأمل هذا الموقف الخطير، ولدى ها هم أهل العلم: لا يكادون يذكرون ابن عمر ذكروا معه مولاه نافعاً، ولا يكاد يذكر أنس بن مالك، إلا ومعه مولاه ابن سيرين، ولا يكاد يذكر ابن عباس، إلا ومعه مولاه عكرمة، ولا يكاد يذكر أبو هريرة إلا ومعه مولاه ابن هرمز…، وما اكثر هذه الامثلة في الإسلام، لقد أطلت عليك – عامداً في هذا المجال – يا ولدى، فإن هذه الشعوبية هي التي كانت مسمار النعش في وحدة الإسلام، والتي انتهت بما يسمى زوراً ” النهضة العربية ” وهي التي قصمت ظهر الخلافة، وشتت العرب أوزاعاً وشيعاً ودويلات هزيلة متناحرة باسم العروبة، والقومية، التي تٌستخدم الآن بلا وعى ولا تدبر، ولنرجع إلى سؤالك في تعليل كون بعض الشيوخ الصوفية اوائل من الفرس، فهؤلاء الناس اجتهدوا في هذا الجانب، كما اجتهد غيرهم ممن ذكرنا أسماءهم، فاستحقوا التقديم والإمامة كمسلمين، فإذا قيل: إنهم فعلوا ذلك ليحطموا الإسلام من الداخل، فهذه قضية، إذا فرضنا نهوض دليلها في واحد، فلن ينهض هذا الدليل في كل واحد، وفي كل طائفة طيب وخبيث، والحلال بين والحرام بين، ولو طبقنا قاعدة سوء الظن بالفرس، أو بغير العرب عموماً، لأذهبنا ثلثي علوم الإسلام، ولكان أول ما ننبذه كتاب البخاري، ومن والاه، فهل هذا منطق يقول به إنسان سوى أو قاض منصف؟ {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم} [المطففين: 4، 5]، أولا يذكرون قول الله تعالى: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار} [ص: 62]، إن من إحفاد المجوس: من خدم الإسلام أصدق الخدمات في الثقافات والعلوم، والفتوحات والفنون… وراجع إن شئت من حضرنا ذكرهم وأسلفناه، ومن ورائهم صف شريف طويل معروف، لم نشر إليه، وهؤلاء شــأنهم – بالضبط شـأن كبار الصحابة (وقد كانوا – أى الصحابة – من المشركين، أما تعليل ازدهار التصوف في القرن السابع، وما بعده بين العرب، والمنسوبين بحق أو بباطل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا السؤال يحتاج إلى تكملة: هي أن هذا الازدهار في هذا القرن وما قبله، كان بين العرب وغيرهم، وكان هذا نتيجة لطبيعة الأشياء، فإن تطور الدعوة الصوفية وامتدادها، كان قد أهل الكثيرين للزعامة والاجتهاد في هذا الوقت، كثمرة للتفاعل، والتطور فيما سبق هذا الزمان، فمثلاً: نجد من صوفية القرن السابع أمثال أبى الحسن الشاذلي، وأحمد البدوي، وابن دقيق العيد، ومجد الدين القشيري، وزكى الدين المنذري – ونجد من قبلهم في القرن السادس أمثال أحمد الرفاعي، وأبى مدين، ونجد في القرن الخامس، أمثال الغزالي، وعبد القادر الجيلاني، وفي الثالث والرابع أمثال: الجنيد، والشبلي، ومن قبلهم ذو النون المصري، وأبو يزيد، ومن قبلهم الحسن البصري، وسفيان الثوري، ومالك بن دينار، وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض، وشقيق البلخي، وحاتم الأصم – بكل ما في تواريخهم من صدق وكذب، وأصيل ودخيل، أضف إلى ذلك موضوع التطور والامتداد، وقابلية البيئة، بما كان من الحروب الصيلبيية والتترية والمغولية، واضطراب عاصمة الخلافة ببغداد، ومثل هذه الظروف بطبعها تدفع الناس إلى الله تلقائياً، وقد جربنا نحن أخيراً في العاشر من رمضان، فمن أجل هذا وما هو منه، أو يتعلق به، كان هذا الازدهار الذى تشير اليه.
السؤال السادس: من الاتهامات الموجهة إلى التصوف: أنه لا سند له من الكتاب والسنة، وأنه دخيل على الإسلام، وأنه يدعو إلى عقائد تتعارض مع عقيدة التوحيد، كالحلول، والاتحاد والوحدة، وأنه يدعو إلى تقديس المشايخ، والاستعانة بهم في الشدائد، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضر، وأنه يدعو إلى التواكل والسلبية، (الجواب): أما أن التصوف لا سند له من الكتاب والسنة، فقول ساقط بعد كل ما قدمنا، فإذا لم يكن التعبد ومكارم الأخلاق ومحاسبة النفس، والأخذ بالأحوط، ومجاهدة الهوى والشيطان، إذا لم يكن كل ذلك له سند من الكتاب والسنة، فقد جهل الناس الكتاب والسنة، وفيما سبق أدلة مكررة على أن تصوف المسلمين هو عصارة الإسلام وإكسيره، لا يمترى في ذلك إلا ذو هوى، أو من هوى !؟، وبهذا، وبالذي قدمنا، يتأكد أن التصوف نابع من العقيدة، والبيئة الإسلامية جملة وتفصيلاً، وليس هو بدخيل على دين الله، إنما الدخيل، هو هذه الدعوى العصبية المتشنجة، التي تفوح بالغرض، والمرض، وحسبك أنها بضاعة استشراقية، استعمارية صهيونية، لا هم لها إلا انتقاض الإسلام.
أما أن التصوف يدعو إلى عقائد الحلول والاتحاد والوحدة، فليس هذا هو تصوف المسلمين، وإنما هو تصوف أجنبي، أعجمي، مدسوس والمتهمون به نفر معدود محدود، انتهي أمرهم، وليس لهم اليوم تابع ولا وارث، كما قدمنا، وأصبح ما نسب إليهم بحق أو بباطل، سواء قبل التأويل، أو لم يقبله، نوعاً من الحفريات التاريخية، التي لا يتابعها إلا الهواة والمتخصصون، إن وجد اليوم هواة أو متخصصون في البحث عن مقابر الأفكار المهملة، وإلا أصحاب الهوى الذى يعمى ويصم، ولا اعتبار لأولئك و هؤلاء، وقد اصبح الكلام اليوم في هذا الجانب نوعاً من مجرد الإثارة والتشويه، والعبث وإضاعة الأوقات، والتشويش على أفاضل الناس وشراء العاجلة بالآجلة، وإنما يقول الصوفية بنوع معين من الفناء، فصله الشيخ ابن تيميه في (رسائله) بشيء من الإنصاف، وأشار إليه الشيخ ابن القيم في شرحه على كتاب الهروي ” كتاب منازل السائرين لشيخ الإسلام: عبدالله بن محمد بن إسماعيل الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي المتوفي سنة 481 هـ، شرحه أبو بكر بن قيم الجوزية الدمشقى الحنبلى المتوفي سنة 751 هـ، وسماه ” مدراج السالكين “، وشتان ما بين هذا والقول الفاجر بالحلول، والاتحاد، والوحدة المنكرة.
أما أن التصوف يدعو إلى تقديس المشايخ، والاستعانة بهم في الشدائد، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضرر: فهذا كلام تافه تجاوز ومغالطة، فإن التصوف يدعو إلى احترام الشيخ كوالد روحي، وهو أدب إسلامي مقرر، لا خلاف عليه، وفي الحديث الصحيح ” ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ولم يعرف لعالمنا حقه ” رواه الترمذي عن ابن عمر، وأبو يعلى عن أنس، والعسكري عن عبادة ابن الصامت، والقضاعي عن ابن عباس “، و لا تنس تأديب الله للصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أصل أدب التابع مع المتبوع ” راجع سورة الحجرات “.
أما الاستعانة بدعاء الشيخ، وابتهاله إلى الله في شدائد ابنائه، فهو أدب إسلامي ثابت، يعرفه كل من قراً (باب الدعاء) في كتب المسلمين، أما أنهم يزعمون أنهم يملكون النفع والضرر، فالذي يملك هو الله وحده، وعندما يغضب الشيخ لربه من مخالف لله فيدعو، فيغضب الله لغضب وليه، ويستجيب له، فلا يقال عندئذ إن الشيخ يملك نفعاً ولا ضراً، إنما هو من باب: “” لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه “، والقول بغير هذا إنما هو مسخ للصورة بالمغالاة والإغراق والتنفير، وإذا كان هناك شيء من ذلك فرضاً جدلياً فهو مما يعالج بالبيان والإرشاد والقول الطيب، ونحن أمة تحكمها الأمية، فلا ننكر أن فيها ضلالة وجهالة، وإنما في حاجة – أشد الحاجة – إلى النصح والتوجيه بالحكمة البالغة، والموعظة البليغة.
- بقى القول بأن التصوف يدعو إلى السلبية والتواكل: التصوف الحق هو: الإسلام، وليس في الإسلام سلبية، ولا تواكل، وإنما هي أمراض اجتماعية لصقت بالتصوف زوراً وبهتاناً، وقد كان عبد الله بن المبارك، يحج عاماً ويجاهد عاماً، وقد كان شقيق البلخي فارساً مغواراً، يطلب الموت حتى استشهد في سبيل الله، وكذلك كان حاتم الاصل، مقاتلاً بارعاً، له في الجهاد مواقف وكرامات، وقدمت أن أبا الحسن الشاذلي كان صاحب مزارع وتجارات، وأن شمس الدين الدمياطي بنى برج دمياط من ماله الخاص، ومن ربحه من تجارته، ولو تتبعت آداب المريدين بالصوفية، لوجدتهم جميعاً يدفعون تلاميذهم إلى العمل والإنتاج، ويعرفون تماماً كل ما ورد في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن أشياخهم في الله الذين يؤكدون لهم أنه لا يمكن تحقيق خلافة الله على الأرض بالسلبية والتواكل والاستسلام، فإذا تغالى أو تطرف واحد، فليس هو كل واحد، ولقد ثبت في الحديث أن بعض الصحابة تغالى بأكثر مما يفعل الرهبان، والنبي صلى الله عليه وسلم حي، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ” وحديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التبتل متفق عليه، ورواه الإمام أحمد، وأبو داوود عن سعد، وأحمد الترمذي والنسائي وابن ماجه عن سمرة، وروى الدرامي عن سعد بن أبى وقاص ” رضى الله عنه ” أنه قال: ” لما كان من أمر عثمان ابن مظعون قال: يا رسول الله: إني رجل تشق على هذه العزوبة في المغازي فتأذن لي يا رسول الله في الخصاء فأختصي؟ قال: لا، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفرة “،([46]) .
إذا انفرد واحد بمغالاته، فليس هذا بقانون ولا قاعدة في الجميع، ولا بعار يؤخذ به سواه، نزل أحد المريدين على زاوية الشيخ ضيفاً، فأقراه ثلاثة أيام، ثم قال له: يا ولدى قد انتهت مدة الضيافة، فقال المريد: إنما جئت لأتصوف، فقال الشيخ: ” ليس التصوف عندنا أن تصف قدميك وغيرك يمون لك، ولكن أبداً برغيفيك فأحرزهما، ثم تصوف، ثم اجعل منشارك مسبحتك، واذكر على دقات الفأس والمكوك “، وقد كانت الألقاب الصوفية تدل على ما يتناولونه من حرف ومهن وصناعات: فمنهم الدقاق، والسماك، والوراق، والخواص، وهكذا تعرف أنهم كانوا بحق أمثالاً للمسلم الكامل إيماناً، وعملاً وإيجابية، وصلة كبرى بالله، فالتواكل مرض دخيل على التصوف الصحيح، يعالجه صوفية العلماء، كل بأسلوبه،
السؤال السابع: أولياء الله، من هم؟ وهل يجوز تعيين ولى لله بالاسم؟ وهل الولاية تورث بالأسرة؟
(الجواب): أولياء الله هم عباده الصالحون،الذين نسلم عليهم في كل صلاة كلما قرأنا التشهد، وعلى رأسهم الأنبياء، عليهم صلوات الله وسلامه، ثم يليهم في ولاية الله أتباعهم، فأصحاب سفينة نوح، وأصحاب ميقات موسى، والحواريون مع عيسى والراشدون، ومن تبعهم بإحسان، والائمة من أمة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل أولئك، ومن على أقدامهم هم الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون “، والشرط في الولي: الإيمان، والتقوى، كما جاء في الآية {الذين آمنوا وكانوا يتقون} [فصلت: 18]، ثم الصلاحية للنيابة عن حضرة المصطفي صلى الله عليه وسلم، والله يتولى الصالحين، لقوله تعالى {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]، فالصلاحية بمعنى الصلاحية التي تستوجب كفاية معينة في الجوانب الثقافية والروحية، والذاتية والتعبدية، حتى يكون العبد أهلاً للتبليغ، ووارثة النبوة، وسيادة البشرية {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105]، وهنا ينكشـف البون الهائل، ما بين (الولاية) و(الــبلاهة)، وما بين (الولايـة) و(الاحتراف)، وأن الولاية كسب غال بمجهود أغلى أو هي اجتباء بحكم المشيئة الإلهية، كما جاء بالآية {الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب} [الشورى: 13]، وتعيين رجل توافرت فيه الشروط بوصف الولاية، لا يتعارض مع مبادئ الإسلام – فيما أعرف – وقد وصف علماء الحديث رجالاً بأوصافهم لا حرج، أما أن الولاية ميراث حتمي: فذلك ما لا علم للتصوف به، ولابد هنـا من الإشــارة إلى أنني أتحدث عن (التـصوف)، وهنــاك شيء آخر نسـميه (المتصوف) وهذا هو الذى أساء إلى التصوف، ومازال، وسوف يبقى كذلك، ما لم يشأ الله شيئاً، وما لم ينقذ الله التصوف من التردي الذى يعانيه، كما أنه لابد من الإشارة إلى أن للولاية معانِ شتى جاءت بها كلمات القرآن والحديث، تدور حول أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، وقد حصرنا الكلام هنا، فيما نرجح أنه المقصود وفي الحجم المطلوب للصحيفة، (فنحن هنا للقارئ عناوين ومؤشرات فقط وللبحوث مقام آخر).
السؤال الثامن: لماذا يبدى الصوفية ولعاً شديداً: بإقامة الأضرحة؟ وبإقامة الموالد؟ والتماس بركة الموتى؟… وما سند ذلك من الكتاب والسنة؟ (الجواب): الصوفية لا ييأسون من الموتى {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} [آخر سورة الممتحنة]، وهم يرون أن الموت مرحلة من مراحل السفر الإنساني الكادح إلى الله، فالميت عندهم حي حياة برزخية، وللميت علاقة أكيدة بالحي، بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من احاديث، رد الميث السلام على الزائر، ومعرفته، وبتشريع السلام على الميت عند قبره، ومحادثته صلى الله عليه وسلم لموتى (القليب يوم بدر)، كما وردت في عدة أحاديث ثابتة، ومن القرآن حسبك قوله تعالى {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} [آل عمران: 17]، فهناك إذن علاقة مؤصلة بين الحى والميت، وإلا الدعاء والسلام على الميت موجهاً إلى الأحجار !!، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع، والسلام عليهم وتكليمهم والدعاء لهم، وللأمام ابن قيم الجوزية (تلميذ ابن تميمة، وحواريه، ووارث دعوته) له كتاب الروح وقد أثبت فيه كل مذهب الصوفية، بما لا مزيد عليه، في موضوع الحياة بعد الموت، وعلاقة الأرواح بالأحياء، ولابن أبى الدنيا في ذلك تأليف مفيد، والصوفية يعتقدون: بحق: أن الولي في الدنيا ولى بخصائصه الروحية، ومواهبه الرهبانية، والخصائص والمواهب من متعلقات الرواح، ولا ارتباط لها بالأجسام ألبتة، فالولي حين يموت ترتفع خصائصه ومواهبه مع روحه إلى برزخه، ولروحه علاقة كاملة بقبره، بدليل ما قدمنا من السلام عليه وده السلام… إلخ، ومن هنا جاء تكريم هؤلاء السادة الصالحين من أصحاب القبور، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع حجراً على قبر بعض الصحابة، وهو عثمان بن مظعون رضى الله عنه ” في أسد الغابة: أنه لما توفي سيدنا إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الحق بالسلف الصالح: عثمان بن مظعون “، وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم قبر عثمان بن مظعون بحجر، وكان يزوره “، وقال: ” أتعرف به قبر أخي ” وكان هذا الحديث، بعد حديث على رضي الله عنه بتسوية القبور المشرفة، فاستدلوا به على جواز اتخاذ ما يدل على القبر، وعلى فضل صاحب القبر بلا إغراق ولا مبالغة، رجاء استمرار زيارته، والدعاء له والقدوة به، والصدقة عليه، وحفظ أثره، ومن هنا نقل الميت من مكان إلى مكان أفضل، كما صح في حديث جابر غيره، ثم بالغ بعض الناس في ذلك – بحسن نية من جانب، وخوف اندثار القبر من جانب آخر – فاتخذ الآمر بالتطور الصورة التي تراها، وقالوا: إن الأمر يدور مع علته، وقد كانت علة تسوية القبور، والمنع الأول من زياراتها، هي مخالف الانتكاس والعودة إلى الشرك، وقد استقر الإيمان والتوحيد في قلوب الناس، (وإن أخطأت أحياناً ألسنتهم) فلا باس بعمل ما يذكر الصالحين للقدوة والاعتبار، والقيام بحق صاحب القبر من الزيارة وغيرها.
هذه هي وجهة النظر عندهم بصفة عامة: وهي على علاتها – أبعد شيء عن التهويل بالشرك والوثنية، والكفر والردة، واستحلال ماء المسلمين، وقد مرت السنين على هذه الأضرحة ن فما عبد منها ضريح من دون الله – ولا صلى مسلم لولى ركعة، والمثل العملي مضروب بقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبور كبار الائمة، أما ما يكون على عادة من بدع الزيارات ومناكرها، فأمور يمكن تقويمها بالتعاون على علاجها بالتي هي أقوم، وإنني مستيقن – سلفاً بأن هذه الكلمات بالذات، ستنبرى لها ألسن وأقلام احترفت خصومة هذا الرأي، واتخذته أساس مذهبها، وهو كل دعوتها وبضاعتها، ولكنى أعرض الرأي، ولا أدعى العصمة، ولا أحتكر الصواب، وأرى أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا ما جاء عن الله ورسوله، بقدر ما أعرف سلفاً، كافة النصوص المقابلة، ووجهات النظر الأخرى، فالحديث هنا قديم ومكرر، لا جديد فيه على الإطلاق، والتقريب بين وجهات النظر ممكن، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، وارجع إن شئت إلى ما كتبناه بتفصيل عن التوسل والقبر في رسالة (قضايا الوسيلة والقبور)،.
أما الاحتفال بالمولد: فهو ما لم يكن بصورته هذه في الصدر الأول، وهو – على وضعه الحالي – فيه المقبول والمرفوض، وإن كان المرفوض قد غلب فعلاً على المقبول، ولابد من وقفة إصلاح، فإن القائلين بالإلغاء يطالبون بغير الممكن أصلاً، ولا ينظرون إلا إلى الجانب المرفوض وحده، أن أول من احتفل بذكرى المولد النبوي، هو الملك المظفر (طغرل) ملك (إربل) العراق، بموافقة الإمام أبى شامة، والعلماء، ثم التقط الفاطميون الحبل، فزودا وتوسعوا، وقد التمس علماؤنا الدليل، فوجدوا أن الله كرم يوم الولادة، ويوم الموت، والبعث مرتين، مرة بلسان القرآن، وأخرى حكاية عن لسان عيسى عليه السلام ” {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت يبعث حياً} – {والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} [سورة مريم]، أذن فليوم الولادة منزلة عند الله، ثم نظروا فوجدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلازم صوم يوم الاثنين من كل أسبوع ! فسئل في ذلك، فقال: ” هو يوم ولدت فيه، وأنزل على فيه ” كما ثبت في الحديث الشريف.
ومعنى هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحيى ذكره مولده الشريف، شكراً لله تعالى في كل اسبوع مرة بالصيام، وربما بما تيسر له من خير، فهو يوم من أيام الله، وقد أهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام الله، كما فعل في يوم عاشوراء، وكما فعل في (سبوع) الحسن والحسين، بالإضافة إلى ما ورد من أنه ذبح صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة، بعدد سنى عمره الشريف، ومن مجموع هذا، وما هو منه، يمكن استنباط مشروعية إحياء الموالد، لما فيها من الذكريات النافعة، والعبر الموجهة، وبما فيها من تلاوة القرآن، والوعظ والإرشاد، والذكر الصحيح، والثقافة، ثم بما فيها من التعرف على البر والتقوى، والرواج الاقتصادى والصدقات، والحركة الاجتماعية، فهي بهذا الوصف أسواق خير ونفع عام لا تضيق به اصول الأحكام الشرعية، ولا فروعها، بل إنها تدعو إليه، وتحض عليه، ثم إن الله تعالى يقول: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الانبياء: 107] إذن، فليوم الولادة منزلة عند الله، ثم نظروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلازم يوم الاثنين من كل أسبوع ! فسئل في ذلك، فقال: ” هو يوم ولدت فيه، وأنزل على فيه ” كما ثبت في الحديث الشريف.
ومعنى هذا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يحي ذكرى مولده الشريف، شكراً لله تعالى في كل اسبوع مرة بالصيام، وربما بما تيسر له من خير، فهو يوم من أيام الله، وقد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام الله، كما فعل في يوم عاشوراء، وكما فعل في (أسبوع) الحسن والحسين، بالإضافة إلى ما ورد من أنه ذبح (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة، بعدد سنى عمره الشريف، ومن مجموع هذا، وما هو منه، يمكن استنباط مشروعية إحياء الموالد، لما فيها من الذكريات النافعة، والعبر الموجهة، وبما فيها من تلاوة القرآن، والوعظ والإرشاد، والذكر الصحيح، والثقافة، ثم بما فيها من التعرف على البر والتقوى، والرواج الاقتصادي والصدقات، والحركة الاجتماعية، فهي بهذا الوصف أسواق خير ونفع عام لا تضيق به أصول الأحكام الشرعية، ولا فروعها، بلى أنه تدعو ايه، تحض عليه، ثم إن الله تعالى يقول {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إنما رحمة مهداة ” وقد أمر الله تعالى أن نفرح بفضله ورحمته صلى الله عليه وسلم: {قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا} [يونس: 58]، فإحياء ذكرى مولد الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشروع من العبادات والخيرات ونحوها، إنما هو فرح برحمة الله، فهو تنفيذ لأمره تعالى، كذلك نحن مأمورون بالشكر على النعمة، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بشروطها: نوع منشكر النعمة، وهو واجب قرآني صريح، وعلى نحو ذلك أو بعضه ينسحب حكم مشروعية إحياء ذكريات موالد الله جميعاً، بشروطها المقررة، وهنا يجب أن نقرر أيضاً القاعدة العلمية الثابتة: بأنه ليس كل ما لم يكن في الصدر الأول هو حرام، وإلا فلم يبق في حياتنا شيء حلال، وفيما عدا هذا – مما اندس في هذه التجمعات من المفاسد الخلقة والدينية والاجتماعية وغيرها فالحكومة والصوفية الرسمية، والجمهور، هم المسئولون جميعاً عنها، في الدنيا والآخرة، وهو شيء عم وطم وأورث الهم والغم.
السؤال التاسع: يقول الصوفية بضرورة وجود الشيخ، لتوصيل المريد إلى ربه، ويقولون: من لا شيخ فالشيطان شيخه، فهل هذا صحيح؟ (الجواب): يا ولدى: الصوفية في هذا يصدرون عن صحيح الشريعة، وصحيح التجربة، وصحيح الممارسة والواقع، أما الشريعة فالله تعالى يقول: {فاسألوا أهل الذكر} [الأنبياء: 7] ويقول تعالى: {الرحمن فاسأل به خبيراً} [الفرقان: 59] ويقول تعالى: {ولكل قوم مهاد} [الرعد: 7] ويقول تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]، ويقول تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، ويقول تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلى} [لقمان: 15]، ويقول تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [الممتحنة: 4]، وفي الحديث الثابت: هلا سألوا، فإن دواء العى السؤال !، وإذن: فلابد من هاد (قدوة مسئول)، ذا ذكر، خبير بوسائل الفرار إلى الله، والهجرة إليه، ألم تر إلى موسى كيف طلب المرشد ليتبعه، كما جاء في سورة الكهف، وكيف كان أدب موسى مع مرشده، ولذا كان لابد لطالب حفظ القرآن من المقرئ الموقف الخبير بأحكام التلاوة، وصحة الأداء، ولو ترك القارئ العادي لنفسه، لاستحال عليه أن يحصل حق التلاوة وصحة الأداء، وبالتالي ربما اضطربت معه مفاهيم الآيات، وغابت الأحكام، وقل ذلك في علوم الدين واللغة، وكل علوم الدنيا فكرية كانت أم عملية، حتى الحرف والمهن والصناعات، مهما علت أو دنت، لابد لها من اختصاصي يلقنها ويكشف أسرارها، فما لم يكن للمرء شيخ في العلم ضل وافترسه الشيطان، واستهواه وجعل إلهه هواه، فهلك، وما لم يكن للمرء معلم في بقية الصناعات لما أصاب ولا أجاد وربما أهلك وهو يطلب الحياة، ومن هنا كان لابد للسالك إلى الله من غمام يرشده ويوجهه ويسدده، ويكشف له أحابيل الشيطان، في العبادات والمعاملات، والخطرات النفسية والإرادات القلبية، والواردات التي قد تكون أخطر على صاحبها من الكفر على صاحبها من الكفر الصريح. يا ولدى: فكر في موقف الإمام في الصلاة، وفي تلقى الرسول عن جبريل عليهما الصلاة والسلام، ولهذا سجل كبار ائمتنا أخذهم وتقيهم عن كبار شيوخهم، كابراً عن كابر، بالإجازة الشريفة، والثبت المحكم، وسواء في العلوم، او في تلقى البيعة الصوفية، واتصال السند، ولا يزال في عصرنا هذا يستعد الطالب لأعلى درجات الثقافة (الدكتوراه مثلا) ولابد له من مشرف يشاركه رحلة العلم والجهد {وما يستوى الأعمى والبصير} [الرعد: 16]، وقد تلقينا من قواعد أهل العلم (غير الصوفية) قولهم: ” لا تأخذ العلم من صحفي ولا القرآن من مصحفي “، و” الصحفي “: هو الذى جمع محصوله من الصحف وحدها، دون مرشد، و” المصحفي “: من قرأ القرآن وحده، من غير موقف، وهذا مجرح عند اهل العلم، ثم تأمل مرة أخرى بعثة الرسل إلى الناس، ونزول جبريل صلى الله عليه وسلم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتوجيه والهداية، ولا تنس يا ولدى: أن التقاء روح الطالب والأستاذ، وتبادل الود، ووحدة الإرادة، واندماج الشخصيتين بالحب والتسامي، وقصد وجه الله: فيه أثر روحى ونفسى مقرر عند أهل العلم بالقديم والحديث، وحين يكون السند موصولاً، يكون من ورائه سر مجر، يسميه الصوفية (بركة السند)، وإن لم يؤمن الجاهلون بسره ألا ترى قوله تعالى: {وداعياً إلى الله بإذنه} ” سورة الأحزاب، الآية 46، تأمل، فمن هنا تبدا البركة، ثم تتسلسل !!وأظن في هذا الإجمال كفاية إن شاء الله، وإلا فـــ {إنك لا تهدى من أحببت} [القصص: 56]،
السؤال العاشر: ما هو الحكم في استخدام الرقص والطبل والزمر والغناء (والحركات غير اللائقة في كثير من حلقات الذكر)؟!، وتحريف أسماء الله تعالى؟! و (أه، أه) أو (هه، هه)؟!، وإصدار الأصوات الساذج بنحو (ها) و (أه، أه) أو (هه، هه)؟!، واشتراط أن يتخيل الذاكر شيخه بين عينيه؟!، والاعتراف للشيخ بالذنوب والمعايب؟! (الجواب):،، أولاً: فأما استخدام الراقص، والطبل، والزمر، والغناء – فيما يسمى حلقات الذكر – فليس من دين الله (قولاً واحداً)… وإنما هو من الدخيل، والدسيس الذى تسلل إلى التصوف، فأفسده، وأساء إليه، ينقل الشيخ (ابن الحاج) في مدخل (الشرع الشريف): قلنا: وقد عاب الله نحو ذلك على المشركين من قبل، فقال: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35]، يعنى تصفيراً وتصفيقاً ! وهما من لوازم الطبل والزمر والرقص !!، إن الرقص، والطبل، والزمر، لاشك هو لهو ولعب، فإذا اتخذناه ديناً، كان افتراء على الله، وهو تعالى يقول: {وذروا الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} [الأعراف: 51] و {لعباً ولهواً} كما في آيتي (الأنعام والأعراف) والله لا يأمر بترك شيء هو قربة إليه، فإذا كرر الأمر كان معنى هذا أنه شيء يغضب له غضباً مضاعفاً، لما فيه من تعد على حدوده تعالى، وعلى حدوده يقول شاعر الصوفية: (يا عصبة ما ضر أمة أحــمد… وسعى على إفسادها إلا هي… طار، ومزمار، ونغمة شادن… أتكــــــــــــون قط عبادة بملاهــــــــي؟!) وإنما يعبد الله بما شرع وفيما شرع تعالى سعة وكافية، ومتعة روحية بغير حدود، والعبادة جد كلها، وهو تعالى يقول: {لو أردنا أن نتخذ لهواً، لاتخذناه من لدنا، إن كنا فاعلين، بل نقذف الحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 17]، ومن شاء لهواً مباحاً، فليبتعد به عن العبادة، وعن التصوف، ولوجهه الله، وللحق في ذاته ورغم ما أصابنا، ولا يزال – وفي سبيل التجديد والإصلاح الصوفي – نقرر أن مشيخة الطرق الصوفية المعاصرة، أصدرت عدة منشورات، تنهي فيها عن هذا العبث، ولكن هناك أهواء، وخلفيات، ومواريث ومصالح، ونوع من الجهلوت ” الجهل المتأصل في النفس ” المستحكم، والاقتدار، بل الإصرار على المخالفة كل ذلك يقف دون التنفيذ الواقعي لهذه المنشورات، حتى كأنها لم تكن، ولكن لابد لهذا الليل من آخر.
- ثانياً: أما الغناء والإنشاد، فإن كان ملتزماً، وبشروطه المشروطة شرعاً، فإن له أصلاً في السنة الصحيحة، ففي البخاري وغيره أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحابه رضي الله عنهم وهو يشارك في بناء مسجده الشريف ينشدون: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا… ولا تصدقنا ولا صلينا… فانزلنا ســكينة علينا… وثبت الأقدام إن لاقينا) إلى آخر ما قالوا بأصوات منغمة طبعاً على لحون العرب !! كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يردد نحو هذه المقاطع على من كان ينشد مع المرديين من الصحابة، وساء في بناء المسجد، أو حفر الخندق أو غيره، وقد استمع صلى الله عليه وسلم: ” رويدك، رفقاً بالقوارير “! يريد النساء عن خلف الركب، منهن من لا يقوين على شدة خطو الإبل المأخوذة بجمال الحداء وحسن الصوت، ورقة الأداء والتلحين ” تواتر أنه صلى الله عليه وسلم استمع إلى غناء الجواري، عند دخوله المدينة كما استمع إلى المرأة التي نذرت أن تضرب له الدف وتغنى، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يستمع لبعض ” الأراجيز ” في بعض المناسبات والأراجيز شعر ينسد منغماً بلحن عربي موروث، فهو ضرب جاد من الغناء العفيف، فضلاً عما كان يستمعه من الشعر (بلحون العرب) وأصواتها بمسجده، وتأثر النفس الشريفة باللحن والصوت الجميل طبيعة في الإنسان الكامل، لا ينكرها رجل سوى قط، ألا ترى أنه سوف يكون من متع الجنة أن يستمع أهلوها كلام الرحمن عز وجل، وكيف اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلالاً) لأذان، وكيف كان العرب يضربون المثل بصوت وأداء (أبى محذورة) أحد مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه صلى الله عليه وسلم أقام منبراً لحسان في المسجد ينشد الشعر عليه منافحاً، ولقد استمع صلى الله عليه وسلم لصوت ابن مسعود، فقال: ” لقد أوتى هذا مزماراً من مزامير آل داود ” ” ([47]) .
الحديث بهذا اللفظ رواه الإمام أحمد والنسائي، وابن ماجه عن أبى هريرة والنسائي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن، ترتيلاً يأخذ بمجامع القلوب الصحاة فيتمنون لو أنه طال وبالغ، وفي الصحيحين حديث: (حسن استماع الله لنبي حسن الصوت بالقرآن)) ومن ألفاظ الحديث: (ما أذن لشيء ما اذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن: يجهر به)) ([48]) .
، ثم ألا ترى أن الله أبغض لصوت الكريه، فقال تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان: 19] !! ومن مجموع هذا، وما هو منه (وهو كثير)، يمكن الحكم على الإنشاد الملتزم بالمشروعية على اقل صور الحكام، إن لم يكن السنية، أو الندب، أو الاستحسان، فأن من الإنشاد ما يرتقى بالمرء إلى أسمى معارج الأرواح، إذا كان رقيق القلب شفيف الروح.
ثالثاً: أما تحريف أسماء الله الحسنى في حلقات الذكر: فإجماع أئمة التصوف على أنه حرام موبق، وحسبك فيه قوله تعالى: {ولله الاسماء الحسنى، فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في اسمائه، سيجزون ما كانوا يعلمون} ” سورة الأعراف، الآية 180 فهنا أمر بالذكر، مع نهي شديد عن تحريفه والتحذير عن اصلة بمن يحرفونه، أي يلحدون فيه، وإعلان أنهم سيجزون بسوء عملهم، فيكون هذا الإعلان بمثابة إنذار، ونهي شديد مكرر، حتى ندع من يحرفون أسـماءه تعالى، فكيف بحـكم المحرفين أنفسهم !؟، وهذا الإلحاد يشمل نحو قولهم ” ها، ها ” أو ” هي، هي ” أو ” أه، أه ” وغير ذلك من الأصوات الساذجة الحمقاء، التي لا تكون أبداً من كرام الناس، ولا أفاضلهم: لا أسلوباً، ولا أداء.
لكن المأخوذ عن نفسه، لا يؤاخذ، لأنه ممن رفع عنه القلم ولهذا وجبت التفرقة الشرعية بين هذا وذاك، ويلحق بهذا نطقهم باسم (الله) على غير وضعه الشريف، من نحو ضم ألفه الأولى أو كسرها، مع قصر الفم الوسطى، ومع تخفيف لامه أو تغليطها، مما يخرجها من منطوقه القرآني إلى منطوق سوقي محرم، وخصوصاً مع ما يسمونه (الدوكة) أي تغليظ الصوت، أما قولهم (هو، هو): فهذا اللفظ (ضمير الغائب لغة) وقد ورد في القرآن الكريم كثيراً من نحو قوله تعالى: {الله لا اله إلا هو} [اية الكرسي] وقوله: {هو الحى لا إله إلا هو} [غافر: 65]، فهو الغائب عن النظر، المشهود بالبصيرة، وقد أفرد الإمام الفخر الرازي في تفسير الفاتحة بحثاً ضافياً، أثبت فيه أن لفظ (هو) ربما كان اسم الله الأعظم بنحو عشرين دليلاً، نحن في ذلك معه، فالمسألة في لفظ (هو) على أسوأ الأحوال خلافية، ومادام في الأمر وجهان ودليلان، فإنه يسعنا ما يسع غيرنا وليس منن العدل تجريم من أختار أحد الوجهين لصحة دليله عنده، والفروع كلها محل خلاف !!
والقاعدة: ” متى دخل الاحتمال، بطل الاستدلال “، أما لفظ (آه) فلم يثبت علمياً أنه ذكر به إمام الشاذلية (أبو الحسن) رضى الله عنه ولا كبار تلاميذه – من أمثال: أبى العباس المرسى، وابن عطاء الله ” والشيخ الحنفي، ولم يرد له ذكر في أهم مراجع التاريخ الشاذلي، كــ ” درة الأسرار ” و ” المفاخر العلية “، ” واللطائف “، ولكنه منسوب إلى بعض كبار أئمة الشاذلية المتأخرين، ولهم على مشروعية الذكر بعد أدلة شتى، لعل من أقواها، وأحكمها ما كتبه المرحوم الشيخ الظواهري شيخ الأزهر السابق، ثم ما كتبه المرحوم الشيخ عمران الشاذلي في عصرنا الحديث، ثم إن الذاكرين بهذا الاسم يقررون: أن له أثراً عظيماً بالممارسة والتجربة ولابد من مراجعة أدلتهم قبل الحكم لهم أو عليهم، فهو أيضاً نمط من الخلافات الفرعية، ومن الشاذلية من لا يذكرون به، (كالحصافية، والحامدية، والمحمدية) ومن أشد الناس تمسكاً به فروع (الفاسية الشاذلية)، وكان والدى رضى الله عنه لا يستهجنه، ولا يستحسنه، ويقول: (أنا لا آمر بهذا الاسم، وأنهي عنه)، وكان يقول: (إن عذري معي في التوقف في هذا الاسم بما له، وما عليه، وما خلاف عليه خير مما فيه الخلاف)، قلنا: ونحن على الأثر، فلا نعيب على من يذكر به بدليله، ولا نلوم من لا يذكر به لدليله.
رابعاً: وفيما يتعلق باشتراط تخيل المريد شيخه عند الذكر بين عينيه: فهم يقولون: إن المراد الأساسي من هذا، هو استجماع المهمة، وطرد الشواغل، وتفريغ القلب لحسن التوجه، والاستعداد للاستمداد، فهو وسيلة – مؤقتة – للتجهيز لدخول حضرة الحق، فإذا ما انحصرت الطاقة في تصور الشيخ، والنبي، وهما يدفعان المريد إلى الله، ويهيئانه للعمل، ثم إذا أخذ المريد في الذكر، كان أول ما ينطرح على المريد هو الخيال الفاني، فلم يبق إلا الله الباقي، هذا هو أصل الموضوع عندهم، وتخيل صورة الشيخ ليست شرطاً، ولكنها من الوسائل الاجتهادية والتجريبية النافلة، ولهذا لم يقل بها كثير من الشيوخ، اكتفاء بصدق المحبة، والربطة بين المريد وشيخه ونبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كأنه بينهما، وفي هذا الموضوع بحوث نفسية عميقة، وإذا عرفنا أن هذه الحالة – عندهم – إنما تكون قبيل البدء في التعبد، ولمدة لحظات فقط، ثم يكون الذكر الذى يستغرق كل أحاسيس الذاكر، إن تخيل النبي صلى الله عليه وسلم والشيخ عند الذكر، أشبه شيء بما يخطر على بال المصلى من اخيلة الجنة والنار، والإنس والجن، وأهوال الحشر، وعظمة الله، وهذه صورة لا تبطل الصلاة، ولا تتهم بالوثنية، فالموقف هنا وهنا واحد، وبالتالي يكون الحكم واحداً، فقد انتفت دعوى الوثنية، التي يرمى بها الصوفية – أو بعضهم – في هذا المجال، تهوراً ومجازفة.
خامساً: ثم تأتى قضية اعتراف المريد لشيخه بذنوبه وعيوبه، فأي حرام في هذا؟ إنك عندما تذهب إلى الطبيب تذكر له كل ما تشكوه، وما يؤلمك، وهذا الشيخ هو طبيبك الروحي في الله، وعقدة الذنب تؤرق صاحبها، فهو يسأل طبيبه الروحي عما عسى أن يطهره ويغسله من خطاياه، وينقذه من آلامه، ووخز الضمير، وهو (النفس اللوامة) في لغة القرآن والتصوف، أليس كان يأتي الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول أحدهم مثلاً: ” هلكت يا رسول الله، فقد فعلت كذا وكذا ” كما حدث مثلاً في قصة ” ماعز ” وقصة ” الغامدية ” واعترافهما بارتكاب الخطيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدل المعترف بخطئه على لو عمل به تقبله الله، وعفي عنه، فإن من الفطرة ضرورة الإفضاء والاستنصاح ” والدين نصيحة ” رواه البخاري في التاريخ عن سيدنا ثوبان رضى الله عنه، والبزار عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه “، أليس الله يقول {فاسألوا أهل الذكر} [الانبياء: 7]، ثم إن الآيات القرآنية كلها تدل على أن المؤمنين – بل وغير المؤمنين – كانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسنبئونه، ويستفتونه، في مثل قوله تعال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآيتنا، فقل سلام عليكم،،} [الانعام: 54]، وقوله تعالى: {ولو إنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله…} [النساء: 64]، وقوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم…} [المائدة: 42]، وقوله تعالى: {يا ايها البنى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك،،} [الممتحنة: 12]، فكلها حث على المجيء إلى أهل الصلاح وطلب النصح منهم، أو الفتوى، او التوجيه، ولا يكون ذلك إلا مع بيان طلب الاستيضاح أو الاستفتاء، فكان هذا جميعاً من أسباب الإفضاء إلى الشيخ بالنوب أو العيوب، طلباً للتعرف على ما يرضى الله، وما يكون سبباً للإنابة والمتاب، ثم أليس يستشير الرجل من هو اعلم منه، ليستفيد من تجربته أو خبرته أو سوابقه في معاناة الأمور؟ أليس يقض الأخ إلى الاخ بما يؤرقه ويقلقه طالباً نصحه وتوجيهه؟ وهل اتخاذ الشيخ إلا من اجل تنقية النفس من أوضارها، وترقيتها في معارج السالكين؟ فلست أرى ممنوعاً – شرعاً، أو وضعاً – ان يطلب المريد نصيحة شيخه فيما واقعه من مثالب وخطايا، ليدله على وسيلة النجاة، وفي القرآن {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، وأظن ما قدمته كافياً الآن، في هذا المجال، ولا اعتراض بأن: هذا يشبه نوعاً من الكهنوت في الاعتراف لرجال الدين (وهي كلمة ” كنسية ” وإما كلمة الإسلام فهي ” علماء الشريعة ” وفوق كبير بين هذا وذاك، فالفارق هائل ضخم، فهناك يعتقدون أن مجرد الاعتراف كاف في محو الخطيئة، وأن الاعتراف الذى يقبله الكاهن، يقبله الكاهن، يقبله الله حتماً، أما هنا: فإنما يدل الشيخ مريده على ما به يرضى الله عنه، من توبة واستغفار أو صدقة، أو عبادة، ثم يدع ما وراء ذلك لله وحده، إن شاء قبل، وإن شاء لا، وهذا فارق ما بين الشرك والتوحيد.
السؤال الحادى عشر: ما حكم التضرع والتوسل بأصحاب الأضرحة؟!، وما حكم الاستخدام الشائع لكلمة ” مدد ” والمدد لله وحده؟! (الجواب): مسألة التوسل إلى الله بما يحب، وبمن يحب، مسالة قديمة، تناولتها طبقات من السلف والحلف، بين الرفض والقبول، وكما مال إلى الرفض أمثال الشيخ ابن تيمية، مال إلى القبول أمثال الحافظ ابن حجر والإمام الشوكاني، وبخاصة في كتابه ” الدر النضيد “، وللإمام الألوسي في ذلك تفصيل مفيد، والإسلام متفق على صحة مبدأ التوسل، والخلاف كله على اللفظ والكيفية والاتجاه، والأدلة هنا لا يتسع لها مقال، وقد سبق أن نشرت لي (التعاون) ما يكفي، وعليك أن تراجع ما كتبناه في رسالة ” الوسيلة ” ففيه التفاصيل الكافية، والمهم في هذه المسألة المتشعبة الجوانب، الفسيحة الرحاب أن يوجه الطلب إلى الله وحده، وأن يكون ذكر المتوسل به – لمن شاء التوسل – نوعاً من تأكيد الطلب، بالاعتراف بالتقصير والتفريط في جنب الله، مما يخجل معه المتوسل أن يكتفي بدعائه، وهو ليس أهلاً للاستجابة، فيستشفع إلى الله بما (أو بمن) يغلب على ظنه أنه مقبول عنده في رجاء إلا يرد أو يرفض، وما دام الطلب إلى الله، وإلى الله، ابتداء وانتهاء، كقول القائل: ” اللهم إني أسألك كذا وكذا، متوسلاً إليك بكذا ” فلا خطأ، ولا شرك على الإطلاق، وقد ذهب إلى هذا المرحوم الإمام حسن البنا، واعتبرها من الخلافات الفرعية، وليس التوسل واجباً، وإنما هو اختيار لمن شاء، على ألا يكون الطلب موجهاً إلى العباد، سواء أحياؤهم أم أمواتهم، فإذا أخطأ الجاهل – مع هذا – وطلب من العبد، فإنه يعلم ويرد إلى الصواب، ويكفيه نيته وحسن اعتقاده، وعلمه اليقيني – مهما كان أميا جاهلاً – بأن الله هو الفعال، وإنما العبد وسيلة، لا يملك مع الله شيئاً، وإذن فلا نخرجه من الإسلام بجرة قلم، أو انفعال لسان، فإن هذا أمر خطير، لا يملكه أحد، وإن كان قد شاع تكفير الناس في أيامنا هذه بما لا يقبله عقل ولا دين.
أما قولهم “مدد “: فإن نعمة الإيجاد والإمداد كلتاهما لا تكونان إلا لله، ومن الله عز وجل، فالحياة الأولى والآخرة جميعاً، ومحتوى الملك، والملكوت كله، إنما هو من إيجاده، وإمداده تعالى، وهو يقول: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} [الإسراء: 20]، وهي أية كاملة شاملة، ومؤداها في معنى: {قل كل من عند الله} [النساء: 78]، والعبد سبيل أو سبب، ولكل شيء سبيل وسبب، فطالب المدد: إن كان يطلبه من شيخ حي، فهو إنما يريد بالمدد: طلب العلم، أو الإرشاد، أو الدعاء، قلبياً كان أو نفسياً، أو تلقى السيالات، والتيارات الروحية من طاقات الشيخ المشحون بأسرار الإيمان، وقوى التعبد، والعلاقة بالله، ولكل مخلوق ميالات وتيارات كهربية ومغناطيسية مؤثرة، أثبتها العلم القديم والجديد، واستدل بما في الإنسان من الشجاعة والمروءة، والهمة، ونحوها، فكلها قوى خفية، سميناها بالأسماء، ووصفناها بالأخلاق، ثم قررها علم النفس الحديث، واتخذ من ” الحسد ” دليلاً على القوى الشريرة في الإنسان، وهذا يثبت إن للإنسان – بالمقابلة دليلاً قوى خيرة، تؤثر في الغير بمثل ما تؤثر قوى الشر من الحسد في المحسود، فكل شيء له مقابل، هو ضده، ثم إن التنويم المغناطيسي في أسلوبه العلمي المعترف به في كل جامعات العالم، وكل المحاكم العالمية هو دليل في هذا الجانب غير مدفوع ” راجع كتاب ” سبيل السعادة ” للمرحوم يوسف الدجوى، وكتاب ” على أطلال المذهب المادي ” للمرحوم محمد فريد وجدى، وقد قرر الشيخ ابن القيم في كتابه ” الروح ” كثيراً من القوى والطاقات الإنسانية في الإحياء والموتى، فارجع إليه، وهذا، وإن كان يطلب المدد من شيخ متوفي، فهو يطلب من روحه ” التي يعتقد أنها تحيا برزخيا، في مقام القرب من الحق ” أن تتوجه شفاعة إلى الله في شأنه بما يهمه، فالأرواح في عالمها تحيا حياة غير مقيدة بحدود زمان أو مكان، فالقيود والحدود نتيجة الحياة البشرية، وأما الأرواح، فهي من عالم الانطلاق، ولاشك أن هذا الجانب كله مزلق من اخطر المزالق، ولا يقوى على فهمه وضبطه إلا أولوا الألباب، ومن ثم وجب تبصير الناس، أو سد الذرائع، وليس معنى هذا أنني أجيز الحالات الهستيرية التي نشاهدها في كثير من التجمعات المنسوبة إلى التصوف، وإنما أردت أن أبين علة الموضوع وإسناده إلى أهل العلم، ولكل حق باطل يشبهه، وما يستوى الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور.
أما ما يحيط بالموالد من منكرات جعلتها مجالاً خصباً للمرتزقة والنصابين، فقد قررنا أن الموالد بوضعها الحالي فيها الشروع والممنوع، وقد أصبح الممنوع فيها غالباً على المشروع للأسف الشديد، فمثلاً: قراءة القرآن، ومجالس العبادة، وحلق العلم، وانتشار الصدقات، وما يكون بين الناس من التعارف، والتآلف، والتعاطف، ورواج الحكة التجارية، والتلاقي على الله بحسن النية وصفاء القلب، وفقره الاجتماعي المحبب شرعاً وطبعاً، كل ذلك ” حركة فيها بركة ” لا ينكرها عقل، ولا دين، والإسلام دين التجميع والتكتيل، ومعنا جماعات الصلوات، والجمع، والعيدين، فضلاً عن اعتبار الموالد نوعاً من الفرح بفضل الله ورحمته، فبذلك فليفرحوا، ولكن بجوار هذا شر موبق: عبادة محرفة، وتجمعات منكرة، ولصوصية أراض، ولصوصية أموال، ومراتع فسوق، وبؤر ميسر، ومستنقعات تخريف، وتحريف، وشعوذة، وتفاخر، وتكاثر بالاتباع والأموال، والمظاهر، وضياع أي ضياع للأموال والأوقات والأخلاق والطاعات !! إن هذه الموالد يمكن أن تصبح أسواقاً للثقافة الربانية، ومنابر للدعوة الوطنية والإسلامية، ومناسبات للخير العام والخاص، لا يمكن أن تضارعها فيه أي تجمعات مصنوعة، مهما استقطبت من المغريات، وليس هذا في يد أحد سوى الحكومة أولاً، فيما لها من الإشراف عليه، ثم في يد مشيخة الطرق الصوفية، فيما لها من الإشراف عليه إذا صح العزم، وصح الحزم، على التغيير، وطرحت المجاملات، وصدقت المواجهات، أما والحال على هذا المنوال، فخسارة ووبال، وليس بعد الحق إلا الضلال، إن الكلام عن الموالد في جوانبها المختلفة تاريخياً وشرعياً، كلام طويل، وتستطيع أن ترجعه إلى بعضه في بعض نشرات العشيرة ومجلتها، وفما قدمناه هنا آنفاً كافية.
السؤال الثاني عشر: ما حكم المواكب الصوفية؟ وما يكون فيها من الرقص؟ والدفوف؟ والصاجات؟ والأعلام؟ والأزياء الشاذة؟ والأوشحة؟ والعمائم الملونة؟ (الجواب): أما الطبل، والزمر، والرقص، وما يليه من الدفوف والصاجات، فقد أوضحنا – فيما قدمنا – حكم تحريمه باتفاق كعبادة، فهو لهو وباطل، وعبث ليس من الدين، ولا هو شأن الرجال ” راجع ما قررناه آنفاً “، أما نفس المواكب: فقد كان أول موكب انعقد في الإسلام يوم إذن الله بإعلان هذا الدين الخاتم، فخرج المسلمون في صفين على رأس أحدهما: عمر بن الخطاب، وعلى رأس الآخر: حمزة بن عبد المطلب، وأخترق هذا الموكب شعاع مكة وثنياتها، يعلن بالتهليل والتكبير، ثم جاءت مواكب المجموعات في المدينة تعلن بالتكبير ليالي الأعياد والجماعات، التي تعلن بالتلبية في الحج، ثم جاءت السرايا والبعوث، تأخذ وجهتها في الدعوة إلى الله، كلما علوا شرفاً، أو هبطوا سهلاً، هللوا وكبروا، فكان هذا جميعاً أصل ” المسيرات ” والمواكب الصوفية السليمة.
أما الأعلام: فقد وجدت في مسيرات الجيوش في الصدر الأول، حتى إذا غزا لويس التاسع دمياط، ودع الإمام الصوفي العظيم ” الشيخ أبو الحسن الشاذلي ” الناس في الجهاد، بعد أن كف بصره، ودقت طبول الحرب بين يديه، وسار إلى موكبه أئمة الدين في عصره، ومنهم سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وإمام المحدثين الشيخ زكى الدين المنذري ” صاحب الترغيب والترهيب “، ومكين الدين، وابن دقيق العيد، ورجاله من الصعيد إمام علماء الأصول، وغيرهم من الخاصة، فضلاً عن الجماهير الهائلة، وكان قد أثار خروج أبى الحسن (وهو مكفوف) حماس الناس وغيرتهم، فتابعه الآلاف يخرجون إلى كفاح الفرنسيس بأموالهم وأنفسهم، وقد اتخذت كل بلدة أو اسرة راية لها، تعرف بها، ويتجمع تحتها رجالها، حتى إذا نصر الله المسلمين، وأسر ” لويس ورجاله “، وحبس في دار ابن لقمان (الصوفي) بالمنصورة ” لا زالت دار ابن لقمان موجودة في المنصورة، وقد حولت إلى متحف معروف “، ثم ورث بعض المتصوفة هذه الأعلام من أسرهم، وأقاربهم، وبلادهم، واتخذها شعاراً وحولها من حقيقة إلى تمثيل، وفلسفوها، فأدخلوا إشارة في مجال مجاهدة النفوس، ولست أرى هذا الرأي ولا أسيغه، وخصوصاً بعد هبوط مستواه إلى ما ترى في المدن والقرى ومن الناس، أما الأزياء الشاذة: فمدسوسة على أهل الله، ولم يعرف ولى الله كان له زي غير مألوف: فهي أثواب شهرة، ” ومن لبس ثوب شهرة شهر الله به “، كما جاء في الحديث الشريف ” وفي حديث آخر {من لبس ثوب شهرة ألسه الله يوم القيامة ثوباً مثله، ثم يلهب فيه النار} رواه أبو داود، وابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه…
أما القول بان: الصفراء كانت علامة الملائكة يوم بدر، فلا دليل من العلم فيه، وأكثر ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما عمامته بيضاء كالغمامة، وكل ما جاء في ألوان العمائم، فحديث واه شديد الضعف، أو حديث موضوع، وكلاهما لا يؤخذ به، وخصوصاً من الصوفية: فإنهم يجعلون خلاف الأولى، في رتبة الحرام، غير أنه ثبت أن الصحابي الجليل (أبا دجانة) كانت به عصابة حمراء، سماها (عصابة الموت) كان يلبسها إذا غامر في صفوف الأعداء، فسئل فقال: حتى يعرفني بها المسلمون، إذا شرفني الله بالشهادة، فقد لبسها لسبب غير الشهرة والترفع والزهو على خلق الله، وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب الأحمر غير المخطط، أما العمامة الخضراء فقد احدثها السلطان (شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون) أيام حكم المماليك، وخص بها آل البيت لبعض الأسباب، كما نقله العدوي في (مشارق الأنوار)، والشبلنجى في (نور الأبصار)، على ان للعلماء فيها رأيا مضاداً، فإذا لبس الناس عمائمهم الملونة على أنها ” عادة ” فلعله لا يكون بها بأس، أما إذا لبسوها تعبدا، أو تمذهبا، فلن يكون معهم كتاب ولا سنة ثابتة، لأنها أما أن تكون تعصباً للمذهب والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليس منا من دعا إلى عصبية ” ” ومن نصوص الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: ” ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من مات على عصبية “، رواه أبو داود، وإما أن تكون تزكية للنفس، وإعلاناً عن الشرف: والله يقول: {لا تزكوا أنفسكم} وإما أن تكون تعبداً، وإنما يعبد الله بما شرع، وإما أن تكون تبركاً، ولا تكون البركة إلا فيما أذن فيه الله ورسوله: {ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون} فليكن إذن لبسها على سبيل العادة، خروجاً من الحرج، لمن يشاء، إذا ضمن ألا يجره لبسها إلى الرياء والتعالي والسمعة وغضب الله ورسوله.
السؤال الثالث عشر: ما حكم الاعتقاد في قدرة بعض الاشياخ على الاطلاع على الغيب؟ وقد نفي القرآن عن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه علمه بالغيب؟
(الجواب): هذا الباب مما لا ينبغي فيه التعميم المبهم، فأن الغيب نوعان: غيب حقيقي، وغيب مجازي، فالغيب الحقيقي: ما كان في كنون العلم الإلهي، لا يحيط به إلا الله وحده، أما الغيب المجازي: فما قد كشف الله عنه لمن شاء من خلقه، فهو العلم الذى تنزل به الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر، وبخاصة حين – يفرق – في ليلة القدر – كل أمر حكيم – (ومن معانى الفرق: الكشف، والإظهار، والبيان)، ومما يدخل في الغيب المجازي: ما يكون في الأحداث الكونية التي تقع في منطقة ما، فيراها من هم حولها، ولا يراها ولا يعرفها الآخرون، فالغيب الحقيقي: لله وحده {وعند مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الانعام: 59]، وقد يتفضل الله على بعض رسله فيحيطهم علماً بما يشاء من علمه، تأييداً لهم، وتعجيزاً لخصمهم {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 27]، كما كان عيسى صلى الله عليه وسلم ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، راجع الآية رقم 49 من سورة آل عمران، وكما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – في أعلام نبوته – عن وقائع واحداث جاءت في حياته وبعد مماته، كما حدث بها بكل تحديد، وهناك نفر من أهل الله – ولله آهلون من عباده، كما صح في الحديث الكريم ” الذى رواه الائمة: أحمد والنسائي، وابن ماجه، والحاكم عن سيدنا أنس رضى الله عنه ” إن لله آهلين من الناس “: قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: آهل القرآن هم أهل الله وخاصته “([49]) .
ومعنى كل هذا: أن الله تعالى يتعطف على بعض الخواص من عباده بما يشاء من بحر علمه، فلا أحد يستطيع أن يحيط بشيء من علمه إلا إن يشاء الله ! وهو قوله تعالى – على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسنى السوء} [الأعراف: 188]، أي فلا أعلم إلا ما علمني ربى، وما كشف عنه لي، ومن هذا الوجه أيضاَ قول تعالى: {وعلمناه من لدناً علماً) وقوله على لسان يوسف صلى الله عليه وسلم في تأويله الرؤيا {ذلكما مما علمني ربي} [يوسف: 37]، وقوله تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113]، كل هذا في الغيب الحقيقي، أما المجازي: وهو ما خرج من نطاق المكنون الرباني، فلا يتمنع أن تكون هناك وسائل للإحاطة به، وقد فصل الإمام الألوسي هذا الجانب تفصيلاً مفيداً حاسماً، وقد يكون من هذه الوسائل: صفاء النفوس بطول ملازمة العبادة والاستغراق، وعدم الانشغال بغير الله – شأن أولياء الله الصالحين، وقد يكون من هذه الوسائل ما هو آلي فلسفي، كالذي نراه في فقراء الهنود، وقد يكون من هذه الوسائل استخدام الشياطين، كما جاء في الصحيح: (إن الشياطين يذهبون في العنان فيخطفون الكلمة من الملك، فيقرونها في آذان الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة)) ([50]) .
وروى البخاري أن الملائكة تنزل في العنان – وهو السحاب – فتذكر الأمر قضى في السماء – فيسترق الشيطان السمع فيسمعه، فيوجهه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ” راجع الزواجر لابن حجر “، وقد يكون من هذه الوسائل تطوع بعض صالحي الجن، بما لا بأس به مع بعض الصالحين من الإنس، وقد يكون بأسباب أخرى كثيرة جداً – فالأمر متشابه متشعب دقيق، لا تحكمه العواطف المنفعلة، وبين أيدينا من التجارب الواقعية ما يغطى كل هذه الأنواع وغيرها، مما لم نشر إليه، وهو كثير، وهذه الأصول كلها يجب أن يستنبطها من يتصدى للحكم على الغيب، فإن فتنة تعميم الأحكام، والتهويل والإيهام، كثيراً ما تخرج بطرفي القضية عن المنهج العلمى، او العلم المنهجى، فلا يتحقق إنصاف، ولا ينصف تحقيق.
السؤال الرابع عشر: ادعاء العصمة للأشياخ؟ (الجواب): العصمة للأنبياء وحدهم، أما غيرهم، فلو صحت لهم العصمة لكانوا أنبياء، ولا نبوة بعد سيدنا المصطفي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل بالعصمة لبشر بعد النبي إلا في (الشيعة) الذين أعطوا ائمتهم هذا الحق بأدلة قبلوها هم، وليس في الصوفية الراشدين من يقول هذا القول في شيخ له، ” ولا عبرة بالمتصوفة ولا المستصوفة “، لكنهم نقلوا عن أبى الحسن الشاذلي قوله: ” إن الله يتفضل على وليه ” بالحفظ ” كما يتفضل على ” نبيه ” والفرق بين الحفظ والعصمة، فسيح الأبعاد، وحسبك أن العصمة هبة ومنحة، والحفظ كسب وأثر للاجتهاد والاحتياط والورع {فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين}، وقد قررنا أن المتطرفين والغلاة موجودون في كل مذهب ودين، وبغيهم على أنفسهم، لا على المذهب، ولا على الدين، كما قررنا أن الغلاة وجدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردهم وأمرهم بالتشبه به.
السؤال الخامس عشر: ما حكم توارث المشيخة في أبناء الأسرة الواحدة؟ (الجواب): إذا وجد في الأسرة من هو أهل لحمل عبء الدعوة، فلا شك أنه أحق وأولى من كل الوجوه، وفي القرآن أن الله فضل آل إبراهيم وآل عمران على العالمين {ذرية بعضها من بعض} ” سورة آل عمران، الآية: 34 ” ومن ثم كان سيدنا إبراهيم أباً لجميع الانبياء، أي أن الانبياء جميعاً كانوا من آسرة واحدة، فلا اعتراض من جهة الشرع أو العقل على ذلك، مادام يحمل الأمانة من هو أهل لها، وقد ورث سليمان داود، واستورث موسى آخاه هارون، ودعا ذكريا ريه: {هب لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم: 5، 6]، وفي الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: ” من كنت مولاه فعلى مولاه ” قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، أما إذا فقد شرط الصلاحية والكفاية، كان ذلك إقطاعاً بشرياً، ولا يعرفه دين الله، ولا يقبله نظام الانضباط الاجتماعي: {فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ، ولا يتساءلون} ثم نذكر هنا نوحاً وابنه، وفرعون وامرأته.
- السؤال السادس عشر: تعيين ولى الله بالاسم؟ مع أن الولاية سر بين العبد وربه؟ (الجواب): سبق أن قررنا أن للولاية مواصفات، وعلامات، فمن تحققت فيه هذه العلامات، فهو ولى الله، بالنص القرآني {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون} ” [الأعراف: 196]، وفي الآية {وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]، فإذا تحصلت الولاية – وللإيمان والتقوى والصلاحية وإشارات وعلائم، ولها روائح وملامح معروفة بين الناس، فإذا ما تحققت – أطلق الله ألسنة خلقه بحسن الذكر، وطيب السمعة، وإفاضة البركة، وفي الحديث المشهور: (إن الله اذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، ثم يكتب له القبول في الأرض والسماء)) ([51]) .
“،، فالولاية وظيفة إلهية في الأصل، فإذا تسنى أن يعرف الناس صاحبها، واطلقوا عليه بمقتضى وظيفته، فلا أظن أن بذلك بأساً، على أن من أولياء الله من هو مستور مغمور، على قدم العبد الصالح صاحب موسى عند مجمع البحرين، والعبد الصالح أويس القرني، فأولياء الله نماذج للإنسانية الكاملة، لأنهم الممثلون الشخصيون للحضرة النبوية فيما ندبهم الله إليه.
ويجب أن يكون مفهوماً: أن الولاية شيء، والبلاهة شيء آخر، فمن شروط الولاية: تمام العقل، الفقه بدين الله، أما الأبله: فلا نعتقده ولا ننتقده، أما إطلاق الولي على من ميز نفسه بملبس خاص، ووضع خاص، وأسلوب حياة خاصة، ولم يتحقق فيه أوصاف الآيات: فطوى الناس تحت لواء الشعوذة والتهريج، والدعوى، واختلاق الكرامات، والخوارق، فذلك ولى الشيطان وحزيه، فلا يفلح حيث أتى، وإن اجتمع عليه الثقلان، فإنما هو حينئذ من طلائع المسيخ الدجال، وكثير ما هم، وكثير أتباعهم، ثم تأمل: هل أحد أكثر اتباعاً من ابليس؟ فكثرة الاتباع لا تدل على حقيقة الولاية، بل قد تكون نوعاً من الفتنة والابتلاء الإلهي.
السؤال السابع عشر: ما هو القول في شفاعة الأولياء لاتباعهم؟ وحضورهم عند سؤالهم؟ (الجواب): شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض يوم القيامة آمر لا خلاف عليه بين المسلمين، وإذا ثبت لمجرد الإخوة في الإسلام، فلعلها تكون أثبت إذا اجتمع مع الأخوة في الإسلام أخوة أخص منها في الله، فلا يستبعد أبداً أن يشفع مؤمن في مؤمن بإذن الله {من ذا الذى يشفع عنده إلا بأذنه} [آية الكرسي]، لكن من غير المقبول أن يشيع بين بعض الطوائف أن شيخهم يحضرهم عند السؤال في القبر، وقد دسوا مثل هذا الهراء في تاريخ (أبى الحسن الشاذلي) وهو منه براء، كما دسوه في تاريخ بعض ائمة الصوفية الآخرين، وهو مخالف للعقل، والتاريخ الصحيح، والنقل جميعاً، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك مع أصحابه، سألت أحدهم: لو أن عشرة مثلاً من أتباع الشيخ في عدة بلاد أو دول متباعدة، أو حتى في بلدة واحدة، وقد ماتوا جميعاً في وقت واحد، وهم يسألون في وقت واحد، فمع من يكون الشيخ يا ترى؟ أم أن الملائكة تنتظر حضور الشيخ حتى يفرغ من وجوده مع الآخرين؟؟ (فعبس ويسر، ثم أدبر واستكبر)، ثم ما هو الدليل من كتاب الله وسنة مصطفاه صلى الله عليه وسلم؟ لا دليل، ولا استئناس، ولا نظر، ولا استصحاب بالمرة، وإن من علمائنا من يرى في تصديق ذلك مزلقاً إلى الوثنية، ولعل من أشد ما يتألم له المرء أن يأخذ بعض الصالحين هذه القضايا الدخيلة على التصوف بحسن النية، ويرددوها على أنها حقائق، لأنها وجدت مطبوعة في بعض الكتب، وقد دسها من دسها على الشيوخ بلؤم وخبث نية، إن بعض الكتب المطبوع تقول: (إن الله ثالث ثلاثة) فهل نأخذ بهذا الشرك، لأنه مطبوع في كتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب.
- السؤال الثامن عشر: لماذا الاهتمام بصناديق النذور بحيث يندر أن نجد ضريحاً كبيراً ليس به صندوق نذور؟ (الجواب): النذر في ذاته مشروع، وإن كان لا يرد قضاء، فالله يقول {وليوفوا نذورهم} ومدح قوماً فقال: {يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} [الإنسان: 7]، ويقول {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من نذر ان يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)) ([52]) .
والنذر أصلاً لله (ومن نذر لغير الله فقد أشرك) يعنى عمل عمل أهل الشرك، وإن لم يخرج من الملة، فإذا اتضح هذا التأصيل، كان لا بأس بأن تجمع النذور بطريقة واعية، لتصرف على أهلها، وعلى وجوه الخير، التي تعود على المسلمين بالأهدى والأجدى، وتعود على من كان سبباً فيها وعلى فاعلها بالأجر والمثوبة… وعندما يكون الناذر جاهلاً، فيقول مثلاً: هذا النذر للسيد البدوي، او السيدة زينب، أو غيرهما، فعلينا أن نعلمه أن يقول: ” النذر لله، وثوابه للبدوي أو للسيدة زينب، أو نحو ذلك، ولا نرميه بكفر ولا شرك، فمراده صحيح، وتعبيره خطأ، ولنتذكر أن سيدنا (سعدا) رضى الله عنه عندما حفر بئره المعروفة، قال (هذه لأم سعد) ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، لصحة قصده، وانتظام هذا التعبير مع علوم اللغة العربية سليم، فهو في اللغة على حذف مضاف تقديره(هذه لرب أم سعد)، فالقائل (هذا للسيد البدوي) أو للسيدة، أو للحسين – يريد أنه (نذر لرب السيد، أو السيدة أو الحسين) وإن لم ينطق بلسانه، كما حدث تماماً من سعد بن أبى وقاص، وإنما الأعمال بالنيات، لا بالكلمات.
كلمة اخيرة: قد طاوعتك رجاء تصحيح بعض المفاهيم لوجه لله، وقد أجبت (بغاية الاختصار) على ما سألت من أسئلة، بعضها يحتاج إلى سعة كبرى في الوقت والبيان، والدليل والتعليل، وقد أكون مصيباً أو مخطئاً في حكم أو في أحكام وما أبرئ نفسى، ولا أزكى على الله أحداً، وهذا شأن البشرية {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء: 82]، فأسأل الله أن يجعل لي ما كسبت صواباً، وأن يغفر لي ما اكتسبت من خطأ هو قطعاً غير مقصود، وهو الغفور والودود، وبهذا أكون قد أجبت على أهم ما سألت، مما ينفع الناس ويمكث في الأرض إن شاء الله، ومنه يظهر بكل الوضوح: أنه ليس هناك خلاف بين الصوفية وبين غيرهم من أهل السنة، إلا في بعض صور الفهم، وتحليل المضامين التي جعلت الصوفة يهتمون بالقلوب والتربية والأخلاق، والاعتصام بمقامات التسامي والربانية، فالتصوف مذهب إسلامي أصيل، من مذاهب أهل السنة التي لابد منها للحياة الصحيحة، وإذا كان الصوفية يدعون إلى الأخلاق وبناء داخل الانسان بعد أن تهدم وتحطم، فهم إنما يعملون غابة ما يجب على الإنسان لاستعمار الأرض والاستخلاف عليها، واستقرار الأمة بأفرادها على ما لو يكن لهلكت، وها نحن قد جربنا، وضرب الامثال، وليس بعد الحق إلا الضلال، ونستغفر الله، ونتوب إليه.
***
([2]) حقائق عن التصوف الباب الاول تعريف التصوف.
([3]) الدلالة النورانية للشيخ حسني حسن خير الدين الشريف.
([5]) النصرة النبوية” للشيخ مصطفى المدني ص22.
([6]) على هامش “الرسالة القشيرية” ص7.
([7]) نور التحقيق” للعلامة حامد صقر ص93.
([10]) معراج التشوّف إلى حقائق التصوف ص: 4.
([12]) شرح كلمات الصوفية” ص 326
([13]) قواعد التصوف” قاعدة 13 ص 6.
([15]) “الرسالة القشيرية” ص 07.
([16]) حكم السيد أحمد الرفاعي” ص 49-50.
([17]) معيد النعم ومبيد النقم ص 94.
([19]) حقيقة التصوف وكرامات الأولياء، ص2.
([20]) راجع لتلك التعريفات: الرسالة القشيرية وطبقات الصوفية والتعرف لمذهب أهل التصوف.
([21]) السالكون إلى الله” ص 15.
([23]) السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي ص 189.
([27]) الدلالة النورانية للشيخ حسني الشريف ص ، قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق ص
([28]) صحيح البخاري 5/3 ح 3651.
([29]) المسلم مجلة العشيرة المحمدية” عدد محرم 1376هـ، من بحث: التصوف من الوجهة التاريخية للدكتور أحمد علوش.
([30]) الانتصار لطريق الصوفية” ص 6 للمحدث محمد صديق الغماري.
([31]) صحيح البخاري 8/105 ح 6602.
([32]) صحيح البخاري 1/12 ح 15.
([34]) صحيح البخاري 1/20 ح 52، صحيح مسلم 3/1219 ح 1599.
([35]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([36]) المصدر السابق 4/1986 ح 2564.
([37]) السنن الكبرى للبيهقي 4/286 ح 4333.
([38]) مسند أحمد 41/470 ح 25012.
([39]) سنن الترمذي 4/355 ح 1987.
([40]) النصرة النبوية” للشيخ مصطفى إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26.
([41]) المنقذ من الضلال ص 178.
([42]) الاعتصام، الشاطبي 1/172.
([43]) الاعتصام، الشاطبي 1/172.
([45]) الخطط التوفيقية لــ ” على باشا مبارك 1/225.
([46]) مسند أحمد 23/283ح 15035، المعجم الكبير 9/38 ح 8320.
([47]) مسند أحمد 38/69 ح 22969، السنن الكبرى 2/28 ح 1095.
([48]) صحيح البخاري 9/158 ح 7544.
([49]) مسند أحمد 21/175 ح 13542، سنن ابن ماجة 1/146 ح 215، سنن النسائي 7/263 ح 7977.
([50]) صحيح البخاري 4/125 ح 3287.