المبحث السابع سبيل التصوف لبلوغ الغاية
[المفتاح الأول]: لما كانت غاية التصوف هي الدخول على حضرة الحق القدسية وشهود تجليات أسمائه الدالة على أفعاله وصفاته وجناب ذاته، فإن الدخول على ملك الملوك جل جلاله في حضرة أسمائه لا يتم إلا بتحقق شروط كثيرة، وأهم تلك الشروط سبعة: الشرط الاول: كمال الأدب مع الله تعالى بتحقق صفات العبودية والبراءة من كل صفات الربوبية، ومن لم يتحقق بالعبودية فليس بمؤدب، فلا يصل ولا يسمح له بدخول الحضرة.
والشرط الثاني: العلم الراسخ فلا يسمح لجاهل ولا لصاحب بدعة ولا لصاحب هوى ولا لصاحب ضلالة.
والشرط الثالث بلوغ مرتبة (الإحسان) فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمحسن تضلع بالإحسان وتحقق به. ورابع تلك الشروط: (الطهارة المعنوية) فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمن كان طاهر النفس من أدنى نجاسة، سليم القلب خاليا من عيوبه متحليا بأنوار الروح بلغ أعلى منازل الطهارة النفسية والقلبية والروحية.
وخامس تلك الشروط: (إزالة الحجب من طريق الوصول)، وأصعب الحجب التي تحجب الإنسان عن الوصول: حجاب رؤية النفس والعمل من اجلها وأجل مجدها.
وسادس تلك الشروط: المداومة على ذكر الله تعالى، حتى يصير الذكر صفة متأصلة في القلب واللسان.
وسابع تلك الشروط: (المجاهدة والسلوك والتدرج في منازل السالكين، من مقام اليقظة وإلى مقام التوحيد.
[1] الشرط الأول من شروط الدخول إلى حضرة الشهود: [الأدب العالي]: وللأدب عند أهل الطريق شأن كبير في سيرهم وسلوكهم إلى الله ولذا قال بعض العارفين: (الزم الأدب ولو رقيت إلى أعلى الرتب)، الأدب العالي مع الله بتحقق صفات العبودية والبراءة من كل صفات الربوبية، والادب العالي مع الخلق، صفات الربوبية كمال العلم وكمال الغنى وكمال الحمد وكمال القدرة وكمال العزة، وصفات العبودية الجهل أمام كمال علم الله، والذم أمام كمال الحمد لله، والعجز امام كمال القدرة، والتذلل امام كمال العزة، فمن كانت في نفسه صفة من صفات الربوبية لم يستأصلها فليس بمؤدب، ومن لم يتحقق بالعبودية فليس بمؤدب، فمن رأى نفسه أفضل من اخيه فلا يصل ولا يسمح له بدخول الحضرة، ومن جملة الآداب الواجب التحلي بها، أن يعلم أن مقام العبد دائما هو التقصير، فما أصابه من خير أو حسنة أو طاعة فمن الله وما أصابه من مصيبة فمن نفسه، وأنه لولا حلم الله تعالى عليه لفضحه وعذبه أشد العذاب، والسالك المؤدب دائما يتهم نفسه بالنفاق والرياء وعدم الإخلاص، وهو دائماً يتهم نفسه بالقصور في الأعمال والتقصير في الهمة والاحوال، ولهذا قالوا: (السالك ينظر إلى سيئات نفسه وحسنات الآخرين)، ومن أهم آداب السالك التواضع، لأنه يلاحظ بعين بصيرته حقيقته الأولى، وهى أنه مخلوق من ماء مهين، وأن ما زاد على ذلك من صفات وكمالات، إنما هي فيض هبات من الحق عليه، ولهذا قالوا: (من رأى نفسه فوق التراب ضل)، والسالك أبعد الناس عن أخلاق إبليس من الحسد والكبر والطمع وأذية الخلق والغيبة والنميمة، والسالك أبعد الناس عن أخلاق البهائم من الحرص والبخل والعدوان والانتقام والمكر والخداع والتملك، والسالك أقرب الناس إلى أخلاق الملائكة من الطاعة والبعد عن المعصية، هذا هو الشرط الأول: (الأدب العالي).
[2] الشرط الثاني من شروط الدخول إلى جناب حضرة الشهود [العلم الراسخ]: ويكون ذلك بطلب العلم على المذاهب المؤصلة المتخصصة في العلم الشرعي الشريف، واتباع أحسن ما أنتجه المتخصصون في علومهم، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، إذن لابد لطالب العلم الراسخ من معرفة مدارس العلم المتخصصة في كل فرع من فروعه، قبل أن يهجم على العلم فيقع في البدعة أو الخلل بسبب عدم طلب العلم على اهله المتخصصين فيه، ويمثل إطار التخصص العلمي في العقيدة ثلاث مذاهب لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي، (المذهب الحنفي)، و(المذهب المالكي)، و(المذهب الشافعي)، و(المذهب الحنبلي)، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فلابد وأن تُطلب التزكية من خلال أهلها المتخصصين فيها وأئمة العارفين في هذا المجال.
[3] الشرط الثالث من شروط الدخول إلى جناب حضرة الشهود تحقيق مرتبة (الإحسان) الظاهر والباطن: فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمحسن تجاوز مرتبة الإسلام والإيمان وتحقق بمرتبة الإحسان الظاهر والباطن، وحدود مرتبة الإحسان: أداء الفرائض والواجبات الظاهرة والباطنة والكف عن الكبائر والمحرمات الظاهرة والباطنة، ثم الزيادة عليها بأداء النوافل والسنن والمندوبات والتنـزه عن المكروهات والشبهات، ولمرتبة الإحسان درجات عظيمة متفاوتة تبدأ بالمراقبة وهي تُعلم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ويندرج المحسن في منازلها حتى يبلغ مرتبة الكشف والمشاهدة وهي كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (أن تعبد الله كأنك تراه)
[4] الشرط الرابع من شروط الدخول إلى حضرة الشهود: (الطهارة المعنوية التامة): فلا يؤذن بالدخول إليها إلا لمن كان طاهر النفس من أدنى نجاسة، سليم القلب خاليا من عيوبه متحليا بأنوار الروح بلغ أعلى منازل الطهارة النفسية والقلبية والروحية، والطريق إلى الطهارة المعنوية طريق داخلي وليس خارجي، وهذه ميزة عظيمة، لأنه يستطيعه كل إنسان أخلص النية لله وسلك طريق الإحسان، رحلة داخلية تتناول تزكية النفس من أمارة بالسوء إلى لوامة ومن نفس لوامة إلى نفس ملهمة، ومن نفس ملهمة إلى نفس مطمئنة، ومن نفس مطمئنة إلى نفس راضية، ومن نفس راضية إلى نفس مرضية، ومن نفس مرضية إلى نفس كاملة زكية طاهرة، رحلة داخلية تتناول سلامة القلب من قلب مريض إلى قلب سليم، ويتم ذلك بتخليته من كبائر القلوب كالكبر والعجب والحقد والغل والحسد، وتحلية القلوب بعظيم أخلاق القلوب كالحب والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضا والتسليم والتقوى واليقين، رحلة داخلية تتناول تنوير الروح بالآداب والمجاهدات وسني العلوم والأحوال والمعارف، وبهذا يؤهل السالك إلى دخول الحضرة وقد بلغ أعلى منازل الطهارة النفسية والقلبية والروحية، طاهر النفس من أدنى نجاسة، سليم القلب خاليا من أدنى عيب، متحليا بأنوار الروح ومجاهداته، التي تؤهله للدخول على حضرة القدس الأقدس، والشهود الأجل الأكبر.
[5] الشرط الخامس من شروط الدخول إلى حضرة الشهود: (إزالة الحجب من طريق الوصول): الحجاب هو الشيء الذي يحجب العبد عن رؤية الله ومن الدخول إلى حضرة الشهود لجناب ذات الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، وكشف الحجاب: هو سقوط موانع المشاهدة والرؤية، وبالتالي يسمح للسالك في الدخول إلى حضرة الشهود، ولكن الواقع أنه ما اكثر الحجب، التي تمنع من الكشف، وبالتالي تمنع من دخول حضرة الشهود، ولذلك فإن اكثر الخلق محجوبون عن دخول حضرة الشهود، ومن تلك الحجب، سوء الادب، فإنه أساس العطب، لذلك كان الأدب العالي من أهم شروط كشف الحجب، ومن تلك الحجب، حجاب الجهل، الجهل بالله: لذلك كان طلب العلم الصحيح الراسخ من أهم شروط كشف الحجب، ومن أهم شروط الدخول على حضرة الشهود، ومن تلك الحجب، حجاب البدعة: فمن ابتدع حُجب عن الله ببدعته، فتكون بدعته حجاباً بينه وبين الله حتى يتخلص منها قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([1]) .
ومن تلك الحجب، حجاب الذنوب والكبائر الباطنة: وهي كثيرة كالخيلاء والفخر والكبر والحسد والعجب والرياء والغرور،، هذه الكبائر الباطنة أكبر من الكبائر الظاهرة، أعظم من الزنا وشرب الخمر والسرقة،، هذه الكبائر الباطنة إذا وقعت في القلب،، كانت حجاباً بين قلب العبد وبين الرب، ذلك أن الطريق إلى الله إنما تقطع بالقلوب، لذلك كانت الطهارة من الذنوب من أهم شروط كشف الحجب، ومن أهم شروط الدخول على حضرة الشهود، ولذلك كانت (الطهارة المعنوية) من أهم شروط كشف الحجب، فلا يؤذن بالدخول إلي حضرة الشهود إلا لمن كان طاهر النفس من أدنى نجاسة، سليم القلب خاليا من عيوبه متحليا بأنوار الروح بلغ أعلى منازل الطهارة النفسية والقلبية والروحية، ومن تلك الحجب، حجاب أهل الغفلة عن الله: لذلك كان طلب ذكر الله من أهم شروط كشف الحجب، قال بعض العارفين: الحجاب: (هو العبد لا غير، فما لم يخل العبد من مراد نفسه كلية، لا يكون الرب مراده)، وقال العارف بالله الجنيد البغدادي: (الحجب ثلاثة: حجاب النفس، وحجاب الخلق، وحجاب الدنيا، وهذه الثلاثة هي الحجب العامة، وهناك ثلاثة حجب تسمى: بالحجب الخاصة وهي: مشهد الطاعة، ومشهد الثواب، ومشهد الكرامة)، وقال العارف بالله عبد القادر الجيلاني: (الدنيا حجاب عن الآخرة، والآخرة حجاب عن رب الدنيا والآخرة، كل مخلوق حجاب عن الخالق ـ عز وجل، مهما وقفت معه فهو حجاب)، وقال العارف بالله أبو يزيد البسطامي: (أشد المحجوبين عن الله ثلاث بثلاث: الزاهد بزهده، والعابد بعبادته، والعالم بعلمه)، وقال سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام: (حجاب الخلق عن الحق هي أربع: النفس، والهوى، والشيطان، والدنيا)، وصدق رحمه الله، فإن هذه الأربع هي أصول الحجب، فالدنيا والاهتمام بها وانشغال القلب بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ومجاهدة الدنيا يكون بالزهد فيها والحث على التقلل منها، والشيطان من ألد الأعداء وأشد الحجب، ومجاهدة الشيطان تتمثل في المداومة على ذكر الله تعالى، فإنه أعظم سلاح لمقاومة الشيطان، واما الحجاب الأكبر والأصعب للإنسان هو نفسه التي لا تفارقه لحظة من لحظات عمره، وأول مرحلة في مجاهدة النفس عدم الرضى عنها، ومخالفتها وفطامها عن شهواتها، وثاني مرحلة في المجاهدة: التخلي عن المعاصي الظاهرة، وثالث مرحلة في المجاهدة: التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة، ورابع مرحلة في المجاهدة: التخلي عن المعاصي الباطنة، وخامس مرحلة في المجاهدة: التحلي بالطاعات الباطنة، أما هوى النفس فهو أشد حجاب، والهوى إنما مرجعه إلى عبادة النفس، ولهذا قال العارفون: (أمّ الأصنام صنم نفسك) وأخطر الضلال وأشده وأصعبه اتباع الهوى، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50]، إذن أصعب الحجب التي تحجب الإنسان عن الوصول: حجاب رؤية النفس وعبادتها واتباع هواها، هذا الحجاب هو أضخم الحجب وأظلمها، وخرق هذا الحجاب أصعب من خرق جميع الحجب، وخرق هذا الحجاب هو مفتاح الدخول على حضرة الشهود، وهو باب العروج إلى كمال الروحانية التي تستأهل الدخول على حضرة الشهود، فأول مهام السالك هو الفناء عن رؤية النفس، وأهم شرط للسلوك إلى الله هو إماتة النفس في الله، وكل سالك يسلك بخطوة الأنانية، ورؤية النفس، وحب النفس، تكون رياضته باطلة، ولا يكون سلوكه إلى الله بل إلى النفس، ولهذا يهلك، إذن ما اكثر الحجب، ومن تلك الحجب، سوء الادب، فإنه أساس العطب، لذلك كان الأدب العالي من أهم شروط كشف الحجب، ومن أهم شروط الدخول على حضرة الشهود، ومن تلك الحجب، حجاب الجهل، الجهل بالله: لذلك كان طلب العلم الصحيح الراسخ من أهم شروط كشف الحجب، ومن أهم شروط الدخول على حضرة الشهود، ومن تلك الحجب، حجاب البدعة: فمن ابتدع حُجب عن الله ببدعته،، فتكون بدعته حجاباً بينه وبين الله حتى يتخلص منها قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([2]) . ومن تلك الحجب، حجاب الذنوب والكبائر الباطنة: وهي كثيرة كالخيلاء والفخر والكبر والحسد والعجب والرياء والغرور، هذه الكبائر الباطنة أكبر من الكبائر الظاهرة، وهي إذا وقعت في القلب كانت حجاباً بين قلب العبد وبين الرب، ذلك أن الطريق إلى الله إنما تقطع بالقلوب، ومن تلك الحجب، حجاب الكبائر الظاهرة: كالسرقة،، وشرب الخمر،، وسائر الكبائر، ومن تلك الحجب، حجاب الاصرار على الصغائر: إن الصغائر تعظم حتى تنقلب كبائر، ومن تلك الحجب، حجاب أهل الغفلة عن الله: لذلك كان طلب ذكر الله من أهم شروط كشف الحجب، ومن أهم شروط الدخول على حضرة الشهود، نسأل المولى الكريم أن يكشف عنا الحجب، إنه سميع مجيب الدعاء.
[6] الشرط السادس من شروط الدخول إلى حضرة الشهود: إدمان ذكر الله تعالى: بالقلب واللسان، باليل وبالنهار بالسر وبالجهر وبالفرد وبالجماعة، وهو من أهم شروط الدخول إلى جناب حضرة الشهود، قال تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وأخرج أحمد في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عن الله تعالى (أهل ذكري أهل مجالستي)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت)، وإذا اطلق الذكر فالمقصود به، التسبيحُ والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن وذكر الأسماء الحسنى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك من صيغ الذكر، ولم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلها، فقال عز من قائل: {فاذكُروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء: 103] وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41]، والذكر هو عدة السائرين ورأس مال السالكين ولا وصول إلا بالذكر ولا ارتقاء إلا بالذكر، ولا شهود إلا من طريق الذكر.
[7] الشرط السابع من شروط الدخول إلى حضرة الشهود: المجاهدة والسلوك والتدرج في منازل السالكين مع شيخ مربي ولي مرشد يدله على الطريق إلى الله): ويجمع تلك المجاهدات ثلاث مراحل، (المرحلة الأولى): أخذ القاصد في السير، و (المرحلة الثانية) دخوله في الغربة، و (المرحلة الثالثة) حصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد في طريق الفناء، ولا يتم السير إلا مع شيخ كامل وولي مرشد يدله على الطريق، قال تعالى: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا}، وقال تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}، فلا مناص للسائر من شيخ مرشد يدله على الله وعلى منازل السير إليه، طاعته، ويذعن لنصحه وتوجيهه، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: (مما يجب في حق سالكِ طريق الحق أن يكون له مرشد ومرب ليدله على الطريق، ويرفع عنه الأخلاق المذمومة، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة،، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة) ([3]) .
وقال العارف بالله ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (وينبغي لمن عزم على الاسترشاد، وسلوك طريق الرشاد، أن يبحث عن شيخ من أهل التحقيق، سالك للطريق، تارك لهواه، راسخ القدم في خدمة مولاه فإذا وجده فليمتثل ما أمر، ولينتهِ عما نهى عنه وزجر) أهــ، وقال الإمام الشعراني بعد أن بين أن من سلك من غير شيخ تاه: (من قال إن طريق القوم يوصَل إليه بالفهم من غير شيخ يسير بالطالب فيها، لما احتاج مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي والشيخ عز الدين بن عبد السلام أخْذَ أدبهما عن الشيخ، مع أنهما كانا يقولان قبل دخولهما طريق القوم: (كل من قال: إن ثم طريقةً للعلم غير ما بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل)، فلما دخلا طريق القوم كانا يقولان: قد ضيعنا عمرنا في البطالة والحجاب واثبتا طريق القوم ومدحاها، وكان سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام يقول: (ما عرفت الإسلام الكامل إلا بعد اجتماعي على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمه الله)، فإذا كان هذان الشيخان قد احتاجا إلى الشيخ مع سعة علمهما بالشريعة فغيرهما من أمثالنا من باب أولى) انتهى كلام الشعراني، فلا بد للمرء أن يسعى لاتخاذ مرشد، قد ورث الإرشاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخاً بعد شيخ، يصله برسول الله صلى الله عليه وسلم صلة روحية، يأتمر بأمره ويسير معه ويتعلم منه ويأخذ عنه أمور دينه ودنياه، ويعرفه طريق الوصول إلى الله عز وجل، قال ابن عباد: (ولا بد للمريد في هذه الطريق من صحبة شيخ محقق مرشد، قد فرغ من تأديب نفسه، وتخلص من هواه، فليسلم نفسه إليه، ويلتزم طاعته والانقياد إليه في كل ما يشير به عليه، من غير ارتياب ولا تأويل ولا تردد، فقد قالوا: من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه) أهـ، وقال أبو علي الثقفي: (لو ان رجلا جمع العلوم كلها، وصاحب طوائف الناس، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ومن لم يأخذ أدبه من آمر له او ناه يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، فلا يجوز الاقتداء به في تصحيح المقامات) أهـ، وقال أبو مدين: (من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه)، فمن كان بلا شيخ فليبحث عن شيخ، وعليه أن يصدق العزم، ويصحح النية، ويتجه إلى الله تعالى بقلب ضارع منكسر، يناديه في جوف الليل، ويدعوه في سجوده وأعقاب صلاته: (اللهم دلَّني على من يدلني عليك، وأوصلني إلى من يوصلني إليك)،،وعليه أن يبحث ويفتش ويسأل عن المرشد بدقة وانتباه، فإنه لا يخلو زمان ممن يقوم بالحجة من أولياء الله، حتى يأتي أمر الله.
***
([1]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697. صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.