المبحث السابع عشر أخلاق وآداب أهل التصوف الحق
قام العارف بالله تعالى السيد عبد الوهاب الشعراني رحمه الله في كتابه الانوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، برسم آداب الطريق، التي لا غنى لأهل التصوف عنها، وألف الشعراني هذا الكتاب في أواخر حياته، رسم فيه آداب الطريق، وحشد فيه مجموعة طيبة من أقوال و آراء كبار رجال التربية الصوفية، يقول: وضعت هذه الرسالة كالميزان التي يوزن بها المحق و المبطل، فمن وافق حاله ما فيها فليحمد الله، و إلا فليستغفر من دعاويه الكاذبة، وذكر في كتابة: نبذه من آداب المريد في نفسه، أنتقي منها مع الإيجاز الشديد:
(فمنها): الصدق في طلبه للطريق ومحبة الشيخ، فإن وظيفة الشيخ أنه يستخرج للمريد ما هو كامن فيه لا غير، فإن الله تعالى قد بث في كل روح جميع ما يتعلق بصاحبها من المحامد والمذام، وليس مع الشيخ شيء يعطيه للمريد خارجا عنه، فإن حكم المريد في ابتداء أمره، حكم النواة الكامن فيها النخلة التي هي هنا عبارة عن الصدق في الطريق أو الكذب فيها، فإن كان صادقا تفرعت ثمرة صدقه وأثمرت، ومن شأن المريد أن يصدق في محبة الشيخ لأنه دليله في السوك في الغيب كدليل الحجاج في الليالي المظلمة ومن لازم المحبة الطاعة، ومن لازم عدم المحبة المخالفة، ومن خالف دليله تاه وانقطع سيره وهلك.
و(منها): التوبة من سائر الذنوب: فمن شان المريد أن لا يدخل في عهد شيخ حتى يتوب من سائر الذنوب الظاهرة والباطنة، كما أنه ينبغي له أن يرضى سائر الخصوم في العرض والمال فإن حضرة الطريق هي حضرة الله عز وجل، ومن لم يتطهر من سائر الذنوب باطنا وظاهرا، لا يصح له دخولها، فحكمه حكم من دخل الصلاة وفي بدنه أو ملبوسه نجاسة لا يعفى عنها أو لم يصبها الماء فإن صلاته باطلة ولو كان شيخه من اكبر الاولياء، وهذا الباب قد أغفله غالب الناس فيأخذون العهد على المريد وعليه الذنوب الظاهرة والباطنة، فضلا عن حقوق العباد في المال والعرض، فلا يصح له نتاج في الطريق.
(منها): ملازمة المجاهدة لنفسه: فمن زين ظاهره بالمجاهدة زين الله باطنه بالمشاهدة، ومن لم يجاهد نفسه في بدايته لا يشم من الطريق رائحة، لان من خصائص طريق أهل الله تعالى أن العبد إذا لم يعط الطريق كله لا تعطه الطريق بعضها، ومن ظن أنه يفتح عليه بشي من هذه الطريق بغير مجاهدة فقد رام المحال.
و(منها): قلة الكلام: فمن شان المريد أن لا يتكلم إلا بضرورة أو لحاجة شرعية
و(منها): كثرة الجوع بطريقه الشرعي وهو معظم أركان الطريق، فكما أن الشارع جعل معظم الحج عرفة، كذلك أهل الله جعلوا الجوع هو الطريق،، وأركان الطريق أربعة أشياء: الجوع، والعزلة، والسهر، وقلة الكلام، إذا جاع المريد تبعه الا ركان الثلاثة بالخاصية، إذا الجوعان من شأنه أن يقل كلامه، ويكثر سهره، وكان أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى يقول: ” إنما أساس باب الطريق الجوع لانهم لم يجدوا ينابيع الحكمة تحصل لهم إلا به.
و(منها): ملازمة الادب مع الله تعالى، فمن شأن المريد معانقة الادب على الدوام مع الله تعالى ومع أوليائه وإخوانه فلا يسامح نفسه في سوء أدب، وكان أبو على الدقاق رحمه الله يقول: ” يصل العبد بعبادته إلى الجنة ولا يصل إلى حضرة ربه إلا بالأدب في العبادة، ومن لم يراع الادب في طاعته فهو محجوب عن ربه بسبعين حجاب.
و(منها): مخالفة هوى النفس، فلا يوافقها قط فيما تهواه، وقد أجمع الاشياخ على أن رأس مال المريد مخالفة نفسه، ومن أطلق عنان نفسه فيما تهواه، فقد أهلكها، وأعظم حجاب بينك وبين ربك موافقة نفسك.
و(منها): عدم الاخلال بأركان الطريق وشروطها، فمتى انهدم ركن منها أو شرط تبعه الباقي، وأركان الطريق أربعة: الجوع، العزلة، الصمت، السهر، وما زاد على هذه الاربعة فهو من التوابع وقالوا: من ضيع الاصول حرم الوصول.
و(منها): اختيار شيخ متبحر في علوم الشريعة، فلا يتتلمذ إلا لشيخ قد تضلع من علوم الشريعة، وذلك ليكفيه عن الاجتماع على غيره.
و(منها): أن لا يكون له في الطريق إلا شيخ واحد، فلا يجعل له قط شيخين – أي في الطريق – لان مبني طريق القوم على التوحيد الخالص.
و(منها): حذف العلائق الدنيوية، فإن من كان له علاقة دنيوية فقل أن يفلح، لان تلك العلاقة تجره إلى وراء ومن هنا قالوا للمريد تفقه في دينك أولا ثم تعال ادخل الطريق وذلك ليقل التفاته إلى غير الطريق.
و(منها): دلالة حاله على مقامه، فإن ادعى المحبة لله كان لونه يميل إلى الاصفرار، وان أدعى الزهد في الدنيا، كان مجانبا للأشرار، وان ادعى الجوع كان جسمه مائلا إلى الاضمار.
و(منها): الاخذ بالأحوط في الدين، ويخرج من خلاف العلماء إلى وفاقهم ما أمكن، فإن رخص الشريعة انما جعلت للضعفاء وأصحاب الضرورات والاشغال، وأما القوم فليس لهم شغل إلا مؤاخذة نفوسهم بالعزائم، ولذلك قالوا: إذا انحط الفقير عن درج الحقيقة إلى رخص الشريعة فقد فسخ عهده مع الله تعالى ونقضه.
و(منها): اخفاء أحواله التي تكون بينه وبين الله تعالى ما أمكن، حتى يرسخ في مقام مراعاة الله تعالى وحده دون أحد من خلقه، فلا يكاد أحد يأخذ من الفقير الصادق مقاما، لا يعرف له حالا من شدة كتمانه، وقد أجمع أهل الطريق على أنه إن لم يكن المريد غير ملاحظ للخلق في الباعث على أعماله لا يجيء منه شيء، وأجمعوا أيضا على أن كل مريد أحب الظهور وأن يطلع الناس على كمالاته فهو مقطوع به لا سيما إن صار الناس يتبركون به فإنه يهلك بالكلية.
و(منها): تحمل شدائد الطريق، وانه لا ينصرف عنها إلى غيرها إذا أصابته الاسقام والالام، وانه لا يترخص عند هجوم الفاقات والضرورات أبدا.
و(منها): مداومة الذكر، فإن الشيوخ لم يجدوا للمريد دواء أسرع في جلاء قلبه من مداومة ذكر الله عز وجل.
و(منها): الاحتمال والصفح والرضا والتسليم، فيجعل رأس ماله الاحتمال والصفح عن كل من أتى إليه بمكروه بطيبة نفس، ويتلقى كل ما يستقبله من أهل الزاوية أو السوق وغيرهم بالرضى والتسليم فإن لم يستطع فبالصبر لا أنزل من ذلك، فإن لم يصبر على جفاء الاخوان لا يصلح للطريق فليخرج إلى العامة ويترك طريق القوم.
و(منها): عدم الالتفات إلى عرض الدنيا، بل الواجب عليه أن يربط الدنيا كلها في صرة ويرميها في بحر الاياس وليتساوى عنده الذهب والتراب في عدم الترجيح والميل فيكون الذهب عنده كالتراب، وذلك حتى لا ينافس أهل الدنيا ولا يزاحمهم على تللك الجيفة.
و(منها): غض البصر عن رؤية الصور المستحسنة ما أمكن: فإن النظر إليها كالسهم الذي يصيبه في قلبه فيقتله لا سيما إن نظر بشهوة فإنه كالسهم المسموم الذي يذيب جسم الانسان في لمحة، ومن اكبر القواطع على المريد مصاحبة الاحداث والنسوان والمساكنة إليهم بميل القلب، ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك فبإجماع القوم: ذلك عبد أهانه وخذله بل وعن مصالح نفسه شغله، ولو لم يكن إلا أنه شغل قلبه بمخلوق فأدخل فيه الشيطان وحرم محبة الحق قلبه.
و(منها): السعي لبلوغ مقامات أهل الطريق، فلا يقنع بحكايات أهل الطريق دون منازلة مقاماتهم ويصير يحكي المقامات حتى كأنه نزلها، فإن ذك من أكبر القواطع على المريد وهو من النفاق والخيانة في الطريق.
و(منها): عدم التصدر للإرشاد إلا بإذن الشيخ، فلا يصدر لإلقاء درس في علم الظاهر والباطن حتى يشهد له شيخه بالإخلاص فيه، وكذلك لا يجعل له مريدا، فلو أن كل مريد تصدر لإلقاء درس، أو لتعليم الطريق قبل خمود نار بشريته، والاذن له من شيخه فقد قطع به وضل وأضل، وحجبت عنه الحقائق وعدم الخلق والانتفاع به، وكل شيخ جعل مريده واعظا قبل خمود نار بشريته فقد غشه وظلمه،
و(منها): المحافظة على آداب الشريعة، فإن الترقي كله في امتثال أمر الشارع.
و(منها): مجاهدة النفس في ترك الشهوات، فقد قالوا: من وافق شهوته عدم صفوته.
و(منها): حفظ العهد مع الله تعالى، على ملازمة التوبة من كل ذنب فإن نقض العهد من أعظم الذنوب.
و(منها): قصر الامل، وذلك حتى يجد في الطاعات ويجتنب المخالفات، فإن من كان طويل الامل لازمه التسويف بالخيرات، والوقوع في المخالفات، ومن هنا قالوا: إن الفقير ابن وقته، لا نظر له إلى ماض ولا آت، لان نظره تفويت للوقت لحاصل.
و(منها): التجرد وعدم الالتفات إلى ما يملك من حطام الدنيا، حتى يصير لا التفاف له إلى شيء دون الله تعالى، وفي كلام سيدي أحمد الرفاعي رحمه الله: “ ملتفت لا يصل، ومتسلل لا يفلح ومن لم ير في نفسه النقصان، فكل أوقاته نقصان “.
و(منها): التباعد عن مجالسة الغافلين من أبناء الدنيا من التجار والمباشرين ونحوهم فإن مجالستهم: سم قاتل للمريد، لضعفه ولكثرة غفلتهم عن الله تعالى، واشتغالهم بأمور الدنيا فيسرق طبع المريد منهم محبة العلائق الدنيوية، والمريد إنما عمله على حذف العلائق، وإن قدر أنهم ينتفعون بالفقير، فهو نقص له، قال تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}، وما رأينا أحدا من المريدين خالط أبناء الدنيا إلا مات قلبه، وعدم الميل إلى مجالس الذكر والخير.
و(منها): التباعد عن فعل ما يميت قلبه، ككثرة اللغو والغفلة فإن ذلك مجرب لموت القلب، وليس عمل الفقير إلا بتحصيل حياة قلبة عن شيء يشغله عن الله تعالى.
و(منها): أن لا يقطع مجلس الذكر قبل أن يغيب عن الا كوان كلها، فإن الذكر إنما شرع للحضور مع الحق جل وعلا، ومادام المريد يشهد شيئا من الاكوان فهو لم يدخل حضرة الحق، ولا يفتح على المريد بشيء من المواهب وهو يستحضر في ذهنه شيئا من الكون، إذ الفتح لا يكون إلا لمن شهد الحق تعالى بقلبه، وغفل عما سواه، فلا ينبغي للمريد قطع مجلس الذكر، قبل أن تحصل له الغيبة عن الاكوان، لان من قطعه قبل هذه الغيبة، فكأنه لم يذكر الله شيئا من حيث الثمرة التي هي الرقى، وإن كتب له بذلك حسنات.
و(منها): تجنب الاعتناء بظاهره إلا بقدر الضرورة، فمن نظر إلى ظاهره انقطع عن السير، والمريد يجب عليه أن يقلل من علائق الدنيا، ومن الالتفات إليها، وإلى التزين بملابسها، فعلم أن كل مريد أشتغل عن إصلاح حاله بنظافة ثيابه، ولبس الاصواف الرفيعة وغيرها لا يفلح في طريق القوم، ولو كان شيخه من أكبر الا ولياء.
و(منها): مداومة النشاط ومجاهدة الكسل، فمن شأن المريد أن يكون ذا نهضة ونشاط على الدوام، فلا يرمي بنفسه إلى الكسل وقتا من الأوقات.
و(منها): مداومة ذكر الله في سائر الاوقات، فمن شأن المريد أن يكون لهجا بذكر الله عز وجل في سائر أوقاته ولا يجيب قط من عدله عنه إلى غيره، إلا بطريق شرعي، فإن الطريق لا تقبل الشركة معها، وكل من لم يعطها كله لا تعطه بعضها، فلا يزال المريد يلهج بذكر اسم الله، حتى يحصل له الخضور الدائم مع الله فهناك يستغنى عن ذكر اللسان بالشهود القلبي، وما دام لم يحصل له الحضور الدائم مع الله فهناك لا يستغنى عن ذكر اللسان في سائر الأوقات.
و(منها): إتباع الشرع في سنن الفطرة وآداب الطعام ونحو ذلك: فمن أدبه اتخاذ المشط والمقص والسواك والخلال، والابرة ومحك الظهر والرأس، واتخاذ أو القطيفة لمسح الاعضاء بعد الوضوء، واتخاذ السجادة للصلاة عليها إذا لم يجد مكانا طاهرا، وكل شيء ندب الشارع إليه فتهيئة أسبابه من السنة، وكذلك من أدبه استعمال الطيب في الابط، ووضع الطعام على السفرة دون الارض، تعظيما للنعمة وخوفا من أن يقع الفتات على الارض والله أعلم.
و(منها): الايثار لغيره على نفسه، وقد أجمع الاشياخ على أن المريد إذا كان شأنه احتمال الاذى، فلا بد من رفعته على جميع أقرانه، إما في الدنيا وإما في الا خرة وإما فيهما معا، ومن شأن المريد أن لا يتأثر على شيء فاته من الدنيا، ومتى تأثرت منه شعرة إذا دخل اللصوص وأخذوا جميع ما فيها فهو كاذب في الطريق، والصادق ينشرح لكل شيء فاته من الدنيا فضلا عن التأثر عليه.
و(منها): التباعد عمن لا يعمل بعلمه، لئلا يسرق طباعة مثله فيهلك، فإن جليس السوء أضر على جليسه من إبليس فإن إبليس إذا وسوس للمؤمن عرف المؤمن أنه عدو مضل مبين، وإذا أطاع وسواسه عرف أنه عصى ربه عز وجل فيأخذ في التوبة من ذنبه وكثرة الاستغفار عنه، ولا هكذا إخوان السوء لأنه يلبس الحق بالباطل على وفق غرضه وهواه، ولا يكاد يعتذر عن ذنب وربما احتج بالقضاء والقدر، وجادل بالباطل، ومن خالط مثل هذا ضل سعيه، وقد قالوا: ستون من مردة الشيطان، لا يفسدون ما يفسده قرين السوء في لحظة.
و(منها): عدم الالتفات إلى ما خرج عنه قبل دخوله في الطريق، لا إلى دار ولا ضيعة، فإن الالتفات إلى ذلك من أضر شيء على المريد الضعيف، وربما انتكس إلى حال أقبح مما كان عليه قبل دخوله في الطريق، وقد كان الجنيد رضي الله عنه يقول: لو أقبل صدقا على الله تعالى ألف عام ثم أدبر عنه لحظة كان ما فاته في تلك اللحظة أكثر مما ناله قبل ذلك، وإيضاح ذلك أن كل لحظة متضمنة لجميع الا مداد السابقة، ويزيد عليها بمدد الوقت، فإن وجود الحق تعالى لم يزل فياضا على الدوام.
و(منها): الاجتهاد في طاعة ربه في أول بدايته: فإنهم قالوا: من لم يكن مجتهدا في بدايته، لا يفلح في نهايته.
و(منها): البعد عن الجدال وكل ما فيه حظ للنفس، ومن شأن المريد أن لا يكون عنده منافسة لاحد، ولا جدال في شريعة ولا حقيقة، ولا منافسة في تصحيح أعمال غيره، لان ذلك من وظيفة الاشياخ، وأما المريد فإن اشتغل بذلك، قطعة عن السير وأورث عنده الرئاسة والعجب، فهلك من حيث لا يشعر، بل الواجب عليه أن يكون عمالا في طريق الترقي، ولا يمل منها كسلا ليلا ونهارا، وللجدال أقوام وللتسليم أقوام، وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه الله يقول: من شرط المريد الصادق، أن يكون خارجا عن حظوظ نفسه كلها، لا التفات له إلى حظ من الحظوظ من مال أو جاه أو نسبة إلى صلا ح، يرضى بالتلف والضيق، ويفرح بالخمول وعدم الشهرة، كما هو شأن الصادقين لان الفلاح والنجاح لا يصح إلا لمن ترك حظوظ نفسه وقابل الاذى بالاحسان، والشر بالاحتمال، وكان يقول: من شرط المريد الصادق أن لا يكون له فعل ردىء، ولا يصرفه عن طريق القوم صارف، ولا يرده عنها السيوف والمتالف.
و(منها): البعد عن الحرام والشبهات، فمن شأن المريد أن يفتش على الحل في اللقمة.
و(منها): الصبر على السهر والجوع والعزلة مع المحبة والتسليم للشيخ: فمن شأنه أن يكون ذا صبر شديد على ملازمة السهر، والجوع، والعزلة عن الناس ببدنه وقلبه، فقد قال سيدي إبراهيم الدسوقي: إن الطريق إلى الله تعالى تفني الجلاد وتفتت الاكباد وتضعف الا جساد، وتدفع للسهاد، وتسقم القلب، وتذيب الفؤاد، وكان يقول: من أعظم ما يؤمن به المريد المحبة والتسليم للشيخ، وإلقاء عصى المعاندة والمخالفة، والسكون تحت مراد شيخه وأمره، فإذا كان كل يوم يزداد محبة في شيخه وفي التسليم له، سلم من القطع فإن عوارض الطريق وعقبات الالتفاتات والارادات هي التي تقطع الا مداد وتحجب المريد عن المراد والله أعلم.
و(منها): الحرص على شهود الاسحار وفعل السنن والاوراد والتباعد عن المعصية، وترك الادعاء: فمن علامة كذب المريد في دعواه كمال الصدق في محبة ربه، نومه في الاسحار، وإذا عمل المريد بالرخص بعد أن كان يعمل بالعزائم، نقل بعد ذلك إلى فعل المحظورات، وقد أجمعوا على أنه ما قطع مريد ورده إلا انقطعت عنه الامداد في ذلك اليوم، وإيضاح ذلك، أن طريق القوم تصديق وتحقيق، وجهد وعمل، وغض بصر وطهارة قلب، ويد وفرج ولسان، ومن خالف شيئا من أفعالها رفضته الطريق كرها عليه، وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن يجمع همة العزم، ليعرف الطريق بالذوق لا بالوصف والقلم، وكان يقول: كيف يدعي أحدكم محبة ليلى، وهو ليلا ونهارا مع عذالها، ولوامها والمنكرين على أهلها، والمعترضين عليها بالجهل، والخائنين لعهودهم، وكان يقول: من شرط المريد الصادق أن لا يكثر من مجالسة أرباب المحال، وزخارف الاقوال، ولقلقة اللسان، وإنما يجالس من أخذته الطريق ودققه التمزيق، وتفرق عنه كل صديق، وذاب قلبه، فليمتحن نفسه بالأنس بالله تعالى، لان الانس بالله من علامة القرب والرضى، وتركه من علامة البعد.
و(منها): توبيخ النفس وحثها على السير في الطريق: كلما وقفت مع حظ من حظوظها، ويقدم حذف العلائق على كل عمل، وينبغي له كلما تعب من عبادة أن يقول لنفسه اصبري: فإن الراحة أمامك، وإنما أريد بتعبك إكرامك.
و(منها): الخلو من الحسد والغيبة وغيرها من الصفات الذميمة: لا يكون عنده حسد، ولا غيبة، ولا بغي، ولا مخادعة، ولا مكابرة، ولا مماراة وممالقة، ولا مكاذبة، ولا مصادقة، ولا كبر، ولا عجب، ولا ترفه ولا افتخار، ولا شطح،لا حظوظ نفس، ولا تصدر في مجالس، ولا رؤية نفس على أحد من المسلمين، ولا جدال، ولا امتحان ولا تنقيص لاحد من أهل الطريق، ولا من تزيق بالزيق، ومن ادعى الصدق في الا دارة وعنده خصلة واحدة مما ذكرنا،فهو غير صادق، ولا يجيء منه شيء في الطريق، لان هذه الصفات توقف صاحبها عن السير، بل تطرده عن حضرة الله عز وجل إلى حضرة الشياطين، لأنها صفاتهم والله أعلم.
و(منها): أن يسد عنه باب مراعاة تعظيمه من المخلوقين: فلا يلتفت إلى أحد من الخلق أقبل عليه أو أدبر عنه، إلا بطريقة الشرعي، لان من شرط المريد الصادق، أن يحب العزلة عن الناس ولا يطلب له مقاما عند أحد منهم، فما له ولهم، فلا ينبغي له حضور المجالس التي فيها لغو، أو مداهنة، أو جدال، أو عجب أو رياء، ولو كانت مجالس علم وقد قلت السلامة من هذه الا مور في طلبة العلم، فعليك يا أخي بالوحدة إلافي حضور الجماعات، ومجالس العلم السالمة مما ذكر، وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه الله يقول: من شرط المريد الصادق أن لا يمل من شهود رؤية التقصير في سائر أحواله، فإن رؤية التقصير تفتح له باب المزيد في الدرجة، وقد يعطي المولى من هو قاصر مالا يعطيه لأهل المحابر.
و(منها): التقليل من النوم لا سيما وقت السحر، والثبات والصدق في طلب الطريق، فمن شأن المريد أن يقلل من النوم ما أمكن لا سيما وقت الاسحار، فإن النوم ليس له فائدة فيه فائدة دنيوية، ولا أخروية بالاصالة، وإنما كثرته خسران لأنه أخو الموت، وقد كان سيدي ابراهيم الدسوقي رحمه الله يقول: كيف يدعي المريد الصادق في الحب للطريق، وهو ينام وقت الغنائم، وقت فتح الخزائن، ووقت نشر العلوم، وإظهار المكتوم؟ أما يستحي الكذاب من الدعاوي!؟ همته راقدة، وعزيمته خامدة، وهو مع ذلك يدعي الصدق !؟ ثم يقول: والله ما صدق مريد في محبة الطريق إلا نبعت الحكمة من قلبه وصار يبرئ الاكمه والابرص ويحي الموتى بإذن الله تعالى.
و(منها): تحمل الاذى والمواظبة على النسك والعبادة ليلا ونهارا: لا يحيد ولا يميل حتى يسكن من حب الله عز وجل، فإذا سكن من حبه فهناك لا يلتفت لسواه في الدارين إلا بإذنه، وكان سيدي ابراهيم الدسوقي رحمه الله يقول: يا ولدي إن كنت صادقا في إرادتك، وصفاء معاملتك، وطهارة سريرتك، فإياك أن تدعي أنك شممت للطريق رائحة، ولا ترى نفسك إلا عاصيا مفلسا، فكم تلف من غرور النفس مريد؟ وكان يقول: يا ولدي إن طلبت أن تكون مريدي حقا فقم قياما دائما وجاهدا ملا زما، ولا تمل، ولا ترخص لنفسك في ترك العبادة وقتا واحدا بحجة العجز عنها، فإن الناقد بصير، وكان إذا رأى من لبس لبس القوم وخالفهم في الا خلا ق ينبهه على ذلك، وكان يقول: ليس كل من تزيا بزي القوم يكون صادقا في طلب طريقهم فإن الزي أمر ظاهر، والقوم عملهم قلبي باطني وما رأينا أحدا قط لبس جبة بيضاء وأرخى له عذبة وكتب له إجازة صار شيخا بذلك أبدا، وكان يقول: إذا لم يكن قلب المريد شفافا، أي صافيا من الكدورات، لا يظهر لفتيلة قلبه نور، ولو عمل بجميع أعمال الصالحين، ومن هنا شرطوا التوبة للمريد من سائر الزلات، ليستنير قلبه، ثم استنار وظهر نوره للخاص والعام، فمن الادب ستر نفسه، يحجب الناس عن شهود ذلك النور ليخرج من الدنيا برأس ماله كاملا من غير نقص، وكان يقول: من شأن المريد أن لا يكون في صحيفته شيء من الزلات، بل تطوي صحيفته كل يوم مضمخة معنبرة ممستكة معطرة بأعمال ها الزكية، وشيمه المرضية، والله أعلم.
و(منها): أن تكون أعماله على وفق الشريعة المطهرة نصا أو استنباطا سالمة من الشطح عن ظاهر الشريعة: فإن الشريعة هي الحد القاطع، والسيف اللامع لعصمتها بخلاف ما يدعي أنه باطن مما يخفي على العلماء وجه استنباطه من الكتاب والسنة فإنه غير معصوم، وكان سيدي ابراهيم الدسوقي رضي الله عنه يقول: من أحب أن يكون صادقا في إرادته، وجميع أعماله وأقواله، فليحبس نفسه في قمقم الشريعة وليختم عليها بخاتم الحقيقة، وليقتلها بسيف المجاهدة، وتجرع المرارات.
و(منها): الصبر على الجوع: فمن شأن المريد الصبر على الجوع بل نسيان الا كل بالكلية اشتغالا بربه عز وجل، وقد كان الشبلي يقول: مكثت سنين أيام بدايتي وأن لا آ كل إلا يوم الجمعة من طعام أبي القاسم الجنيد، فكنت لا أتذكر إلا حين أحضر عنده يوم الجمعة، وما لم أحضر لا يحظر الا كل على بالي، وكان سيدي إبراهيم الدسوقي رحمة الله يقول: قاعدة الطريق للمريد، ومحكمها ومجلاها هي الجوع، وذلك لأنه يغسل من الجسد مواضع إبليس، فمن أراد السعادة فعليه بالجوع الشرعي، ولا يأكل إلا على فاقة، ومن طلب شربة بلا حمية أخطأ طريق الدواء، وقد تقدم أن الجوع أحد أركان الطريق عند الابدال وهي أربعة: الجوع، والسهر، والعزلة، والصمت، ومن جاع استتبعه الأركان الثلاثة الباقية بخلاف العكس، فمن شبع وأراد الصمت أو السهر أو العزلة في طاعة الله تعالى مع عدم الخواطر المشغلة عن كمال الاقبال فلا يقدر على ذلك والله أعلم.
و(منها): الاشتغال بذكر الله تعالى مع حضور القلب: فالمريد من شأنه أن لا يكثر من مطالعة كتب القوم وغيرها بل يشتغل بذكر ربه عز وجل فإنه هو الجلاء لقلبه، فالاصل التي يبني عليها المريد أمره أربعة أشياء: اشتغال اللسان بذكر الله عز وجل مع حضور القلب، وجبر القلب على جمعه لمراقبة الله عز وجل، ومخالفة النفس والهوى من أجله تعالى، وتصفية اللقمة لعبوديته من الشبهة، وهذه الرابعة هي القطب، وبها تزكو الجوارح، ويصفو القلب، والاكسير الذي يقلب عين طينة العبد ذهبا خالصا هو الا كثار من ذكر الله تعالى مع الإخلاص.
و(منها): أن لا يسامح نفسه في الاشتغال بشيء من الاكوان ولا يصحب أبناء الدنيا: فلا يسامح نفسه في الاشتغال بشيء من الا كوان فإن في ذلك الحجاب عن الرحمن ومن فعل ذلك ذل وهان كما أن من شغل قلبه بالرحمن عز وجل وخضعت له الاذقان وتأمل قوله تعالى: يا عبدي خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشغل بما خلق لك عما خلقتك له، وكذلك ينبغي أن يحذر المريد من الميل إلى صحبة أبناء الدنيا المعرضين عن الطريق، فإن كل مريد تجمل بصحبة أبناء الدنيا فكأنه نادى على نفسه بأنه ممن أهانه ربه ومن يهن الله فما له من مكرم، وفي القرآن العظيم: {فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا}، أي أقبل بكليتك علينا وعلى من يريدنا تسلم وتغنم والله أعلم.
و(منها): العناية بطهارة الظاهر والباطن: فإن المريد من شأنه أن يكون ناهض الهمة، خفيفا في أمر الطهارة بسرعة، فلا يزيد على الغسلات الشرعية، فإن ذلك من وساوس الشيطان، وإياك ايها المريد الصادق أن تشتغل بطهارة ثيابك وبذلك تنسى طهارة قلبك كما عليه طائفة الموسوسين، فإن ذلك يشغلك عن تدقيق النظر في تطهر قلبك فتضيع الوقت وتكتسب المقت وعليك بالطهارة الحقيقية وهي أن تلجأ إلى الله تعالى وتتضرع إليه أن يطهرك بصلاته الطيبات، ويزكيك بتحياته المباركات.
و(منها): التورع عن الحرام والشبهات: فإن المريد من شأنه أن يكون ورعا عن الحرام والشبهات في مأكله، وملبسه، ومنطقه، وسمعه، وبصره ويده، ورجله، وقلبه، وفرجه، وعمدة ذلك كله الورع في اللقمة، لان الاعمال تنشأ من جوارح العبد على صورة اللقمة في الحل والحرمة، فلو أراد من أكل الحلال أن يعصي لما قدر، ولو أراد آكل الحرام أن يطيع لما قدر، وقد كان إبراهيم ابن أدهم يقول: أطب مطعمك، ولا عليك بعد ذلك أن لا تصوم النهار ولا تقوم الليل، يعني نفلا.
و(منها): أن لا يستبطئ الفتح عليه: بل يعبد الله تعالى لوجهة الكريم سواء أفتح عين قلبه ورفع عنه الحجاب ام لا؟ فإن العبادة من شروط العبودية وقد كان الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه الله يقول: إياك أن تترك المجاهدة إذا لم تر أمارات الفتح، بل دم على المجاهدة فإن الفتح بعدها أمر لازم لابد منه، تطلبه الاعمال وتناله الانفس ولكن للفتح وقت لا يتعداه فلا تتهم ربك فإنه لابد لأعمالك من الثمرة إذا كنت مخلصا وارفع من نفسك التهمة لربك جملة واحدة.
و(منها): أن يلازم الزهد في الدنيا، فإنه أساسه الذي يبني عليه جميع أحكام الطريق إذ الراغب في الدنيا لا تفتح له أعمال الاخرة، وقد كان سيدي أحمد بن الرفاعي رحمه الله يقول: أول أساس يضعه المريد الصادق في الطريق: الزهد في الدنيا، فمن لم يزهد في الدنيا لا يصح له بناء شيء بعده، وكان يقول: لا يكون المريد صادقا حتى يسأل الله تعالى بتوجه قلب تام أن الله تعالى يحول عنه كل ما يشغله عنه من مال وولد ويفرح بالفقر إذا أقبل، وكان يقول: لا يصل أحد إلى صفاء المعاملة مع الله تعالى حتى يترك حظوظ نفسه في الدنيا والاخرة، ويعبد الله تعالى امتثالا لأمره ومحبة لمشاهدته.
و(منها): استيفاء مراحل المريد: المريد أولا يسمع، وثانيا يفهم، وثالثا يعلم، ورابعا يشهد، وخامسا يعرف، فما أعز طريق القوم، وما أعز من يطلبها، وما أعز من يجد من يدله عليها، وما أعز من يثبت عليها حتى يبلغ مبلغ الرجال.
و(منها): اتباع شرط المريد: ومن شروط المريد الصادق: أن لا يهدأ له شوق إلا بلقاء الله تعالى، واللقاء في الدنيا والبرزخ بالمشاهدة بالقلب، وفي الآخرة بالنظر بالعين، وكان الشيخ أبو مدين المغربي يقول: ليس للقلوب إلا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها فإن توجه إلى الدنيا حجب عن الآخرة وإن توجه إلى الآخرة حجب عن الدنيا، وإن توجه إلى حضرة الله حجب عن الدارين.
و(منها): دوام الذكر مع كل أنفاسه، فإن أقرب رحلة للمريد إلى حضرة الحق هي دوام الذكر، فقد أجمعوا على أن من دامت أذكاره صفت أسراره ومن صفت أسراره كان في حضرة الله قراره، وأفضل أوراد المريد الذكر، وأفضل صيغ ذكر المريد قول (لا إله إلا الله) ما دام له هوى، فإن فنيت أهويته كلها كان ذكر اسم الجلالة (الله) أنفع له، ومن حرم الأوراد في بدايته حرم الواردات في نهايته، والمريد لا يترك الأوراد ولو بلغ المراد.
***