المبحث العشرون الصوفية وأحكام الإيمان والكفر
[المفتاح الأول]: أهل التصوف الحق أحرص الناس على حرمة أهل الإسلام: أهل (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، لا يتورطون في تكفير أحد من أهل القبلة أبدا، نبراسهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([1]) . ولا يصح عندهم تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاة المسلمين واستقبل قبلتهم وأكل ذبيحتهم فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([2]) .
المسلم عندهم: هو كل من قال (لا إله إلا الله * محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، منقادا لها ببدنه، هذا المسلم: لا يكفرونه بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة ويقيم عليه الفقهاء الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، فإن اختلف الفقهاء رجحوا لأنفسهم السلامة، فلا يتورطون في تكفيره، ورجحوا للمسلم جانب حسن الظن والمخارج الحسنة، ولسان حالهم يقول: لان نخطئ في إدخال كافر في الإسلام فنحقن دمه، خبر لنا من أن نخطئ في اخراج مسلم من اسلامه إلى الكفر فنستحل دمه وماله وعرضه.
[المفتاح الثاني]: أهل التصوف الحق أكرمهم الله تعالى بالعلم الراسخ الذي يفرقون به بين الإيمان القلبي (الاعتقاد) وبين إيمان الجوارح (العمل)، ودليلهم على ذلك الكتاب والسنة، فأما الكتاب، فقد وجدوا أنّ القرآن الكريم يفصل بين الإيمان والعمل وذلك بعطف العمل على الإيمان مع أن العمل في جملته من الإيمان، وقد تكرر كثيرا في القرآن الكريم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فإن التفريق في الآيات بين الإيمان والعمل يوجب التفريق بين إيمانين، أصل وفرع، أصل لا يصح الإيمان بغيره، وفرع يضاف إليه فيزيده، وقد فهموا من هذا الفصل أن المقصود بالإيمان هو الأصل المقتضي للعمل، وهو الذي لا يصح الإيمان بدونه، وهو اعتقاد القلب، وأما الفرع فهو يتعلق بما زاد على الأصل المنجي من الكفر الأكبر، كما وجدوا أنّ القرآن الكريم ينف الإيمان عن قوم مسلمين، كما في قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}، فالأعراب مسلمون جفاة نادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاءً لا نفاقاً وكفراً أمرهم الله تعالى بحسن الأدب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ووعدهم خيرا إن أطاعوا الله والرسول:{وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم}، فلا شك أن هذا الإيمان ليس نفيه الكفر الأكبر المخرج من الإسلام، لأن القرآن أثبت لهم الإسلام.
كما وجدوا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإيمان عن أشخاص مسلمين، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) ([3]) .
لذلك كان من فقه أحكام الإيمان عندهم: تقسيم الإيمان إلى (أصل) لا يصح الإيمان بدونه، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، وليس بعده إلا الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وإلى (فرع): زائد عن الأصل يؤهل صاحبه لدخول الجنة ابتداءً، وهذا الإيمان ليس نفيه وصف بالكفر الأكبر وإنما نفيه يدل على الكفر في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرائن الأدلة الدالة على إحداها، والمنفي عنه هذا الإيمان (الفرع) ليس كافراً الكفر الأكبر بل هو مسلم معه مطلق الإيمان الذي منعه من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار.
[المفتاح الثالث]: أهل التصوف الحق: يقسمون الإيمان إلى ثلاثة أقسام: (الأصل) الذي يصح معه اسم الإيمان وحكمه، و (الواجب) الذي أوجبه الله تعالى على عباده، و(المستحب) الذي به كمال الإيمان:
القسم الأول: وهو أصل الإيمان ومطلق الإيمان وهو أدنى ما يصح به الإيمان، وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الخلود الأبدي في النار خلود الكافرين الجاحدين المكذبين، ونفي هذا الإيمان معناه الكفر الأكبر الموجب لأحكام الردة والخلود الأبدي في النار.
والقسم الثاني: وهو الإيمان الواجب المأمور به، وهو بأداء الواجبات والكف عن المحرمات إضافة إلى عناصر الأصل والتي لا يصح الإيمان إلاّ بها، وهذا الإيمان يسميه العلماء ” الإيمان الواجب ” وهذا الإيمان هو إيمان المقتصد الذي يؤدي الواجب الذي عليه ويكف عن المحرمات التي نُهي عنها، والقسم الثالث: وهو الإيمان المستحب ويكون بأداء السنن والمندوبات والتنزه عن المكروهات فضلاً عن أداء أصل الإيمان وواجبه، وهذا الإيمان هو إيمان المحسنين السابقين إلى الخيرات بإذن الله عز وجل، والإيمان الواجب هو الذي يمنع صاحبه من دخول النار ابتداء ويهي صاحبه لدخول الجنة ابتداء، أما المستحب فإنما يرفع درجة صاحبه في عِلِّيّين، وحدود الإيمان الواجب: أداء الفرائض والكف عن المحرمات والوقوف عند حدود الله دون تعد لها، ودرجات الإيمان المطلق المستحب عديدة: تتمثل في أداء السنن والمستحبات والقربات والتنزه عن الشبهات والمكروهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح.
وضد الإيمان الأصل: الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومن أتى بأصل الإيمان وصح له هذا الأصل فهو في مأمن من الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار.
وضد الإيمان الواجب الكفر ولكن في إطار الملة أو الفسوق أو العصيان وفق قرب المتروك منه أو بعده عن الإيمان الأصل، فالأقرب للإيمان الأصل كالصلاة فإن تركها كفر ولكن دون كفر، وما كان بعيدا عن الأصل فإن ضده العصيان، فإن تكرر كان ضده الفسوق، وأياً كان المتروك من الإيمان الواجب، فلا يبلغ منه شيء أن يخرج من الملة بكفر أكبر حتى يأتي على أصل الإيمان من الإقرار والاعتقاد على وجه الإجمال حين الإجمال، والتفصيل حين التفصيل، أما ما كان ضدا للإيمان المستحب فهو نقص الدرجة عن الكمال.
[المفتاح الرابع]: أهل التصوف الحق: يقسمون العمل إلى قسمين عمل القلب وهو القبول والانقياد القلبي والاذعان، وعمل الجوارح من صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر العبادات والطاعات، وأدخلوا القسم الأول (عمل القلب) في أصل الإيمان، وأدخلوا القسم الثاني (عمل الجوارح) فيما زاد عن الأصل من الإيمان الواجب والمستحب، وهذا الفقه في الدين عند أهل السنّة والجماعة جعلهم يتميزون عن كافة الفرق الضالة في مسائل واحكام الإيمان سواء بالتفريط أو الافراط، فهم تميزوا عن المرجئة المفرطة في مسائل الإيمان فأدخلوا (عمل القلب) في أصل الإيمان، لأنّ المرجئة لا يدخلون أي عمل في الإيمان الأصل، وتميزوا عن الخوارج والمعتزلة الغالية في مسائل وأحكام الإيمان فأخرجوا (عمل الجوارح) عن أصل الإيمان، لأن الخوارج أدخلوا عمل الجارحة في الأصل وبالتالى غالوا في تكفير المسلمين بغير حق.
[المفتاح الخامس]: أهل التصوف الحق أكرمهم الله تعالى بالعلم الراسخ الذي يعظمون به أهل الإسلام، لذا فإنهم يخرجون عمل الجارحة عن أصل الإيمان، وعناصر أصل الإيمان ثلاثة عند أهل التصوف: هي: (1) إقرار اللسان، (2) قول القلب (التصديق)، (3) عمل القلب (الإنقياد)، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان، وبعضها يدخل في الإيمان الواجب وهو أداء الفرائض والكف عن المحرمات، وبعضها يدخل ضمن عناصر الإيمان المستحب وهو أداء النوافل والكف عن المكروهات، وبالرجوع إلى كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنجد الكتاب والسنة يؤكدان ذلك ويؤيدانه تمام التأكيد.
[المفتاح السادس]: من الأدلة على صحة هذه القاعدة: أنّ الإيمان جاء مقروناً بالعمل الصالح في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله عز وجل: منها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7]، فهذه الآيات التي فيها عطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما، وكثرة الآيات التي عُطف فيها العمل على الإيمان أكبر دليل على المغايرة، فدل ذلك الحرص على الفصل بين لفظ الإيمان ولفظ العمل الصالح في القرآن الكريم على التغاير بين دلالة الإيمان ودلالة العمل الصالح، فالإيمان هاهنا المقصود به الإيمان الأصل الذي يعطي لصاحبه اسم الإسلام وحكمه ويمنع من دخوله في الكفر الأكبر وأحكامه، والمقصود بالعمل الصالح هو الإيمان الواجب المتمثل في أداء الواجبات والكف عن المحرمات ذلك الإيمان الذي تتحقق به النجاة من الكفر في إطار الملة ومن لقب الفسوق ومن دخول النار ابتداء، ويستحق به صاحبه الحمد والثناء.
ومن الأدلة على ذلك أيضاً: الآيات الكثيرة في كتاب الله عز وجل الدالة على أن أصل الإيمان منبعه في القلب: كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وكقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}، وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، فدلت الآيات على أن مقر الإيمان هو القلب،
ومن الأدلة على ذلك أيضاً: الأدلة من الكتاب على أن أصل الكفر ومنبعه أيضاً هو القلب: ومن ذلك قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}وقوله تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله تعالى:{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى:{لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ،، إلى قوله تعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}فهذه الآيات تدلنا على أن محل الكفر الأكبر هو القلب وأنه ضد لأصل الإيمان المنجي من الكفر الأكبر.
والأدلة من السنة على صحة هذه القاعدة كثيرة منها: (1): ما أخرجه مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) ([4]) .
والحديث يدل على أن الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما سبب لدخول الجنة وإن دخل النار بذنوبه فإنه لا يخلد فيهما خلود الجاحدين لأن مآله إلى الجنة.
(2): ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار) ([5]) .
فمن أقر بالشهادتين واعتقدهما حرم الله عز وجل عليه الخلود الأبدي في النار وهذا ما يجب حمل الحديث عليه إذ هو مذهب أهل السنة والجماعة لا يعرفون غيره فيقولون بأن أصحاب الكبائر في المشيئة، وقد دلت الأخبار الصحيحة على أن بعضهم يدخل النار بقدر ذنوبه ثم يخرج بالشفاعة أو ضمن قبضة الرحمن الذين لم يعملوا خيراً قط.
(3): ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال (أي معاذ) يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال: ” إذا يتكلوا ” فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً) ([6]) .
(4): ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ” قلت – أي راوي الحديث وهو أبو ذر – رضي الله عنه – وإن زنى وإن سرق قال: (وإن زنى وإن سرق) ثلاثاً ثم قال في الرابعة (على رغم أنف أبي ذر) فخرج أبو ذر وهو يقول وإن رغم أنف أبي ذر) “([7]) .
وبعد فهذه بعض الأحاديث التي تدل على صحة ما ذكرناه من كون أصل الإيمان المنجي من الخلود الأبدي في النار الإقرار بالشهادة مع اعتقادها، واعتقادها يشمل قول القلب أي تصديقه وعمل القلب بالانقياد لها إذ لا تصح الشهادة إلا بذاك.
إذن محصلة هذا الباب الجليل: باب الإيمان والكفر عند اهل التصوف الحق: هو تلك القواعد: الإيمان قول وعمل، والإيمان أصل وفرع والأصل قول وعمل والفرع قول وعمل، وعمل الأصل يختلف عن عمل الفرع، فإن عمل الأصل هو عمل القلب من الانقياد والاذعان والتعظيم، وعمل الفرع هو كافة أعمال الجوارح التي تدخل في مسمى الإيمان، وعناصر أصل الإيمان في الشرع ثلاثة (قول القلب وعمل القلب وإقرار اللسان) وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الأصـل داخلة في مسمى الإيمان، فمما يدل على أنه لا يصح الإقرار إلا بالتصديق: قوله عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}[البقرة: 8 – 9]، وقوله جل شأنه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}[المنافقون: 1]، ومما يدل على أنه لا يصح الإقرار والتصديق إلا بالانقياد القلبي: ما جاء في كتاب الله تعالى عن كفر إبليس الرجيم مع أنه يقيناً كان مصدقاً وإنما أتى كفره من قبل عدم الانقياد وليس من قبل التكذيب كما ذكر ذلك المولى تعالى في سورة البقرة بقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] وفي سورة الإسراء نجد قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 61 – 62]، في الآيات دلالة واضحة على أن كفر إبليس إنما هو لمعاندة أمر الله تعالى وليس لتكذيبه والمعاندة واضحة في قوله (أأسجد لمن خلقت طيناً)، فهذا معاندة للأمر واستكبار عن اتباعه وليس هو من باب التكذيب أبداً، وفي سورة ص نجد قول الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[ص: 71 – 85]، وفي هذه الآيات دلالات عديدة على تصديق إبليس وأنه إنما أتي من قبل انتفاء عمل القلب وهو انقياده وإذعانه لأمر الله، وبالتالي استكباره عن طاعة الله وهذا هو كفر إبليس الحقيقي، ومعصية إبليس لم تكن في ترك السجود وإلا فقد أكل آدم من الشجرة بعد أن نهاه الله تعالى عنها ولكنه عصى الله بجوارحه وقلبه منقاد لأمر الله يعلم أنه ما كان ينبغي له مخالفة أمر الله في شيء ولذلك لما تاب وأناب تاب الله تعالى عليه، أما إبليس فلم يكن تركه للسجود معصية جارحة وإنما هو استكبار القلب وعناده وخلوه عن الانقياد لأمر الله فاستحق الكفر والرجم، ولو نظرنا إلى الآيات لوجدناه يخاطب الله عز وجــل بقوله ” رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ” فهو مصدق بالله بربوبيته له وللعالمين أجمعين، ولم يكن مكذباً بشيء من ذلك أبداً بل هو يحلف بعزة الله ويعلم أنها صفة جليلة للرحمن سبحانه فيقول ” فبعزتك لأغوينهم أجمعين ” ومن ذلك كله نعلم يقيناً أن التصديق المجرد لا ينفع بشيء حتى يضاف إليه انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لأمر الله، وعلى ذلك: فعناصر الأصل ثلاثة هي: (1) إقرار اللسان (2) قول القلب (التصديق) (3) عمل القلب (الإنقياد)، وأما أعمال الجوارح فهي خارجة عن الإيمان الأصل داخلة في الإيمان الواجب، فلا مجال لتكفير المسلم الكفر الأكبر إلا بما ينقض أصل الإيمان من التصديق والانقياد والإقرار، وهذه من أعظم ضوابط أهل السنة والجماعة في الباب.
[المفتاح السابع]: أهل التصوف الحق: لا يكفرون مسلما بعمل خال عن الاعتقاد، فالإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وإنما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم {بالكفر} ليدلنا على وخامة هذا الفعل وخطورة عاقبته التي قد تؤول بصاحبه إلي خذلان الله عز وجل له فيضرب على قلبه قبل الموت، فيموت كافراً، نسأل الله السلامة وحسن الختامة، وليس بعد هذا التحذير النبوي البليغ من تحذير، إلا أن الكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية.
[المفتاح الثامن]: أهل التصوف الحق: يفرقون بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، ف (الكفر الأكبر): هو الكفر المناقض لأصل الإيمان (الإقرار والتصديق والانقياد)، ولهذا كان ستة أنواع منها ما يضاد الإقرار ومنها ما يضاد التصديق ومنها ما يضاد الانقياد: فكفر التكذيب يضاد الإقرار والتصديق، وكفر الجحود يضاد الإقرار، وكفر العناد ومنه الاستكبار والإباء يضاد الانقياد، وكفر الشك يضاد التصديق، وكفر النفاق يضاد التصديق، وكفر الإعراض يضاد الإقرار والتصديق، وكل ما يناقض أصل الإيمان فهو كفر أكبر مخرج من الملة ومآله إلى أحد أنواع هذه الستة الذي ذكرها الفقهاء في أنواع الكفر الأكبر، وأما (الكفر دون الكفر الأكبر): وهو ما يسميه بعض العلماء بالكفر داخل إطار الملة أو بالكفر الأصغر، وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان وإنما هو يناقض الإيمان الواجب القريب من أصل الإيمان، ولهذا كانت خطورته في أنه يفتح طريقاً عريضاً نحو الكفر الأكبر ويخشى على صاحبه بسوء الخاتمة، وذلك لأن الإيمان من شأنه الزيادة والنقصان، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وصاحب الكفر دون الكفر الأكبر مفرط في الإيمان الواجب من أصل الإيمان فهو يكاد ويوشك أن يقع فيما ينقض أصل الإيمان، ومن أمثلة هذا الكفر قتل المسلمين وقتالهم لأنه قريب من اعتياد ذلك واستحلاله، واستحلاله كفر أكبر، ومن أمثلته النياحة على الميت لأنه قريب من اعتياد الاعتراض على قضاء الله وقدره، والظن السيئ بالله، وهو بذلك قريب من الكفر الأكبر، ومن أمثلته تكفير المسلم لأخيه المسلم بغير وجه حق لأنه قريب إلى استحلال دمه وماله وعرضه بغير وجه حق، وهكذا فكل ما حكم الشرع بكونه كفر دون كفر، فهو دلالة على قربه من الكفر الأكبر وأنّ اعتياده طريق إلى الكفر الأكبر المضاد لأصل الإيمان والموجب للخلود الأبدي في النار، ومن أمثلته أيضاً ترك الصلاة تكاسلا لأنّه قريب من اعتياد ذلك وجحوده فيختم له بسوء الخاتمة، نسأل الله عز وجل التثبيت وحسن الخاتمة.
[المفتاح التاسع]: من قواعد أهل التصوف الحق في هذا الباب: هذه القاعدة: (الكفر الأكبر كفر جحود واعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه كفر القلب من زوال قوله أو عمله) وهي قاعدة مطردة، فكل ما كان من الكفر يمس الاعتقاد فهو كفر أكبر مخرج من الملة، وكل ما كان من الكفر يتعلق بالعمل المحض المجرد عن الاعتقاد فهو كفر دون كفر، ولا يخرج عن هذه القاعدة المطردة سوى الأعمال التي أجمع فقهاء أهل السنّة والجماعة على كفر فاعلها كإهانة المصاحف وسب الدين، وهذه الأعمال لا تصدر إلا مع ذهاب عمل القلب وانقياده، وإذا خلا القلب من الانقياد زال أصل الإيمان وحل محله الكفر الأكبر، فهذه الأعمال إنما كانت كفراً أكبر لأنها لكفر القلب فحلّت محله، وهذا هو السر في جعلها من الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهي فيما يظهر للناس كفر عملي وفي حقيقتها كفر اعتقادي يضاد أصل الإيمان في القلب.
[المفتاح العاشر]: من قواعد أهل التصوف الحق في هذا الباب: هذه القاعدة: (التـولي عن الطاعـة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب والجوارح، وكفر دون كفر إذا كان التولي بالجوارح فقط): فإنّ المأمور به إذا تركه العبد فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أو لا يكون، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركاً لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به، وكذلك المحرم إذا فعله إما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلاً له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصارت له حسنه وسيئة، وعليه فالمسلم لا يكفر الكفر الأكبر إلا بتوليه التام عن الطاعة بقلبه وجوارحه معاً، فإن اعتقد الطاعة بقلبه وأقر بها فليس متولياً بالكلية لأنه قد أتى بنصف الطاعة وأصلها، وهو طاعة القلب بالإقرار بوجوبها، وبالتالي فقد أتى بحسنة تحفظ له أصل إيمانه وتنجيه من الخلود الأبدي في النار خلود الجاحدين، وأتى بسيئة تُزيل عنه إيمانه الواجب الذي يُنجي من دخول النار إبتداءً.
[المفتاح الحادي عشر]: من قواعد أهل التصوف الحق في هذا الباب: هذه القاعدة: (كفر تارك الحكم بما أنزل الله، كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وكان تفريطه في عمل الجارحة فقط)، وقوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فمن أقر بلسانه واعتقد بقلبه وجوب الحكم بما أنزل الله، فقد حكم بقبله بما أنزل الله، ولم يترك حكم الله بالكلية فلا ينطبق عليه الكفر الأكبر، وإنما هو كفر عملي لا يخرج من الملة، ومن جحد حكم الله بقلبه، فقد كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولذلك اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن بعدهم على التفصيل في المسألة، قال حبر الأمة عبد الله بن عباس قوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق([8]) .
[المفتاح الثاني عشر]: من قواعد أهل التصوف الحق في هذا الباب: هذه القاعدة: (ترك الصلاة كفر لنص الشرع عليه، ولكنه كفر أكبر إذا كان الترك بالقلب – جحد الصلاة -، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد واقتصر الترك على عمل الجارحة، ومنه الجمع بين قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ([9]) .
، وبين قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – (خمس صلوات افترضهن الله على العباد … من أتى بهن … ومن لم يأت بهم لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) ([10]) .
ولا يكون تحت المشيئة إلا مؤمن، ولهذا قال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر: (ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة ويورثون عنه ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث)، انتهي([11]) .
[المفتاح الثالث عشر]: من قواعد أهل التصوف الحق في هذا الباب: هذه القاعدة: (موالاة الكافرين على المؤمنين كفر لنص الشرع عليه، قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، ولكنه كفر أكبر إذا كانت الموالاة على دينهم، وكفر في إطار الملة إذا صح الاعتقاد والإقرار واقتصرت الموالاة على الظاهر)، ودليله ما أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما هذا يا حاطب؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال (إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم) ([12]) .
فموالاة الكافرين: يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات،
[المفتاح الرابع عشر]: أهل التصوف الحق أحرص الناس على حرمة أهل الإسلام أهل (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)، لا يتورطون في تكفير أحد من أهل القبلة أبدا، ومن قواعدهم التي تضبط باب الإيمان والكفر: (1) الإيمان الاعتقادى يضاده الكفر الاعتقادى، والإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والكفر العملي لا يخرج المسلم من الدائرة الإسلامية، (2) هناك فرق واسع بين الكفر الأكبر وبين الكفر دون كفر، الكفر الأكبر: يخرج من الملة بالكلية فلا يأخذ صاحبه أبداً ـ اسم الإسلام ولا حكمه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما (الكفر دون الكفر الأكبر): فهو داخل إطار الملة وهذا الكفر لا مناقضة فيه لأصل الإيمان، وصاحيه له اسم الإيمان وحكمه، (3) الكفر الأكبر: كفر اعتقاد وجحود، والكفر دون كفر: كفر عمل مجرد عن الاعتقاد، والكفر الأكبر هو ما كان ضداً لأصل الإيمان أو لعنصر من عناصره الثلاثة [الإقرار – التصديق – الانقياد]، والكفر دون كفر هو ما كان ضداً للإيمان الواجب أو لعنصر من عناصره الأساسية التي حكم الشرع على تاركه بالكفر أي الكفر في إطار الملة، وبالتالي لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة شهد بالشهادتين: مقرا لهما بلسانه، معتقدا لهما بقلبه، هذا المسلم: لا يجوز تكفيره الكفر الأكبر بعمل حتى يأتي على أصل إيمانه واعتقاده، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([13]) .
***
([1]) صحيح البخاري 1/87 ح 391.
([2]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([5]) المصدر السابق 1/57 ح 29.
([6]) المصدر السابق 1/61 ح 32.
([7]) المصدر السابق 1/95 ح 94.
([9]) مسند أحمد 38/20 ح 22937.
([11]) المجموع شرح المهذب 3/17.