المبحث الثالث والعشرون الصوفية وعلم التقديس والتنزيه
[تنبيه]: إذا كان السادة الأشاعرة هم أهل العلم بالتقديس والتنزيه عقيدة وبرهانا، فإن أهل التصوف هم سادة أهل التقديس والتنزيه لله تعالى، تحقيقا وعرفانا، بلغ بهم التقديس مجالا يضيق عن العبارة، لانهم العارفون بالله شهودا وكشفا، بلغوا مقام التوحيد أعلى منازل العرفان، وعلم التقديس قسم من أقسام التوحيد، وهو قسم توحيد جناب الذات الإلهي جل وعلا، وقسم توحيد الذات هو أساس التوحيد، إذ جميع أقسام التوحيد الباقية إنما تؤول إليه، فتوحيد الأسماء المقصود به توحيد أسماء جناب الذات الإلهي إذ الاسم للمسمى، والمسمى هو ذات الله تعالى، وتوحيد الصفات المقصود منه توحيد صفات الذات إذ تعود جميع الصفات إلى جناب الذات الذي يتصف بهذه الصفات، كما أنّ توحيد الأفعال المقصود به بيان قدرة الذات على الأفعال، وأنه لا يكون في ملك الله تعالى سوى أفعال الله تعالى، فالأفعال تعود بالضرورة إلى أفعال الذات، وتوحيد الربوبية ما هو إلا توحيد الذات المستحقة للربوبية على العالمين، وتوحيد الألوهية ما هو إلا اعتقاد استحقاق ذات الله تعالى للعبادة وحده، وصرف العبادات جميعها لذات الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فتوحيد جناب الذات أصل لكل أقسام التوحيد، وجميع أقسام التوحيد إنما يعود في نهاية المطاف إلى توحيد الذات، ومن هنا كان توحيد الذات هو أساس التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد، هذا القسم من التوحيد هو علم التقديس والتنزيه، وهو حجر الزاوية في تجديد التوحيد ووحدة أهل التوحيد، والمقصود منه: اعتقاد الكمال لله في ذاته، والتنزيه لذاته عن كل نقص، وهذا يستلزم تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، هذا العلم يتناول الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، والذهول عن قواعد هذا العلم حتما سيؤول بأصحاب ذلك الخلل إلى بدعة الحشو والتجسيم على حساب التقديس والتنزيه، ومن مفاتيح هذا العلم الجليل التي قال بها السادة الأشاعرة استدلالا وأيقن بها السادة الصوفية شهودا وعرفانا.
[المفتاح الأول]: تنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه: الله عز وجل لا يشبهه شيء من المخلوقات، ولا هو يشبه شيئاً منها، لأنه لو أشبهه شيء لكان مثله قديماً، ولو أشبه شيئاً لكان مثله مخلوقاً، وكلا الحالين على الله محال، كما أن ذات المخلق تتصف بالنقص والعجز لأنها مخلوقة من عدم محدثة لم تكن ثم كانت، وهي إلى الفناء سائرة كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88}، فلا يصح مشابهة الفاني للباقي، ولا المخلوق للخالق الباري، من الأدلة القرآنية على تنزيه الله تعالى عن المثيل والكفء والشبيه والسمي: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى/11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل/60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل/74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [سورة مريم/65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام/100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وسورة الإخلاص تقديس لله تعالى عن مشابهة خلقه، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، الله تعالى هو (الأحد) له تعالى: (الأحدية المطلقة)، وهي تعني التنزه عن الانقسام، فهو سبحانه [أحد] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض، وبالتالي منزه عن التركيب والجوارح وبالتالي منزه عن الجسمية، إذ الجسمية أقلها يتركب من جزئين، وكلما زادت الأجزاء كان الجسم أجسم، وكل الخلائق أجسام وأجزاء وأبعاض، فلا يتصف بالأحدية المطلقة إلا الله، [الله الصمد] أي الغني الذي يحتاج إليه كل خلقه وهو الغني عن كل خلقه، و(الصمدية المطلقة) تمنع من التركيب على جناب ذاته سبحانه، لأنّ الشيء المركب من مجموعة أجزاء،محتاج في وجوده إليها، والمحتاج إلى غيره ناقص غير كامل، لا يوصف بالصمدية المطلقة، إذن الله تعالى [أحد] لا جزء له منزه عن التركيب والأجزاء والأبعاض والجوارح، [صمد] غني حميد اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، لا ينفصل منه شيء، ولم ينفصل من شيء، تنزه عن أن يكون منه جزء مخلوق {لَمْ يَلِدْ}، وتنزه عن أن يكون هو محدث مخلوق {وَلَمْ يُولَدْ}، بل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، الخالق لكل شيء ومن عداه مخلوق، أحد لا نظير له، صمد لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات.
[المفتاح الثاني]: تنزيه جناب الذات تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق: لا شك في أنّ الحد معناه التناهي، وأي شيء محدود له نهاية تحده، والتناهي نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال المطلق أن لا يكون لجناب الذات حد ولا نهاية، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأجل من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال، تعالى على الحدود، هو القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، وهو القاهر فوق عباده وهو الواحد القهار، هو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنّه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، والقاعدة تقول: كل ما يقبل الحد فهو محدود، وما يحد شيء بحد إلا وهو متناهي الذات، وكل ما كان متناهياً في الذات كان متناهياً في الصفات وإذا كانت صفات الله تعالى لا حد لها فله كمال العلم لا حد لعلمه وله كمال القدرة فلا حد لقدرته وله كمال جميع الصفات العلا لا حد له فيها فبالتالي فلا حد لجناب ذاته تنزه عن الحد والمقدار والحصر والنهاية وكل ما يفيد الحدوث والخلق، ثم كيف نصف الله تعالى بالحد والمقدار، ونحن نقول في كل صلاة وعند كل حركة وانتقال، وفي الاذكار عقب الصلوات وفي الصباح والمساء (الله أكبر) ومعناها: الله أكبر من كل تصور، والله أكبر من كل خيال، والله أكبر من كل حد، والله أكبر من كل مقدار، إنّ كل متناه ملابد وان يكون ٌمحدَثا، لأن تخصيصه بهذا المقدار دون سائر المقادير لا بد له من مخصص، وجل الخالق تعالى عن ذلك أن يكون لذاته مخصص، لأنه الخالق، والخالق هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة فيستحيل أن تكون ذاته سبحانه مقَدَرة بمقدار مخصوص وإلا لزم كونه مقدراً لنفسه حادا لها بحد ونهاية وكمية ومقدار وذلك محال، لان التقدير يوجب الخلق والحد يوجب الحدوث لحاجة الحد إلى حادّ يحده والله تعالى قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء،لم يزل منزه عن الحدوث هو الأول فليس قبله شيء.
الحد نقص والنهاية عجز والله تعالى منزه عن النقص والعجز، فكل موجود له نهاية وهذه النهاية علامة نقصه لأن الموجود مهما كان كبيرا وعظيما إذا كانت له نهاية ينتهي إليها فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر منه ومن معاني الكمال المطلق: أنّ جناب الذات الإلهي لا حد له ولا نهاية ولا يقبل الزيادة لأنه بذلك يكون قبل قبول الزيادة نقصا ولا يقبل النقصان لأنه ضد الكمال _ فإن كان لذاته نهاية (سبحانه وحاشاه) فإنه يُتصور في الأذهان ما هو أكبر من ذاته، وأنه لا يُقال إن الله داخل الكون _ لأن ذلك يوحي بالحلول والاتحاد وأنى يحل الخالق المنزه عن الحدود في الكون المحدود _ ولا يُقال إنه خارجه لأنه قريب كما قال تعالى {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} وكما قال تعالى:{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، وكما قال تعالى {واسجد واقترب}، ولا يُقال أنه متصل بالكون ولا يُقال أنه منفصل عنه لأن الاتصال والنفصال صفات الأجسام، بل هو أقرب إلى كل خلقه من حبل الوريد، تحيرت العقول في حقائق وجوده، وجناب ذاته وصفاته، والعجز عن درك الإدراك صفة المخلوق القاصر، وهذا هو الغاية من علم التقديس، الإقرار بالعجر عن معرفة الذات، قال تعالى: {ولا يحيطون به علما}
[المفتاح الثالث]: تنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان:
عند تدبر قول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3}، مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدَك شيء، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([1]) .
نعلم يقيناً أن الله تعالى له الكمال المطلق في وجود ذاته سبحانه، كمال منزه عن أن تحكمه قوانين المكان ولا الزمان، {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} دليل على تنزيه الله عن الزمان فلا يتعلق به زمان، {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} تنزيه عن المكان، إذ هو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، خالق المكان، فكيف يحويه المكان وهو بكل شيء محيط، وعلى ذلك: فالله موجود ولكن وجوده تعالى ليس كمثله شيء ولا له كفء ولا شبيه وليس له مثال يقاس عليه، وعلى ذلك فإن لله تعالى كمال الوجود المطلق المنزه عن المكان فلا يحويه مكان، والمنزه عن الزمان فلا يجري عليه زمان.
ومن الادلة على تنزيه الله تعالى عن الزمان أنّ الزمان هو عبارة عن أثر الحركة الحادثة في المكان، ولولا الحركة في المكان لما كان هناك زمان، وإجماع أهل الأصول على أن المكان متقدم على الزمان، وإذا كان الله تعالى كان قبل المكان ثم خلق المكان فمن الضرورة أنه كان قبل الزمان ثم خلق الزمان، وإذا كان الله تعالى غني عن المكان غنى الخالق عن مخلوقه فإن الله تعالى غني عن الزمان فلا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، وإنما يجري الزمان على مخلوقاته التي من أهم سمات نقصها الحدوث والتغير والحركة والسكون.
[المفتاح الرابع]: تنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، وتنزيه ذات الله تعالى عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق: الله تعالى هو الأول الآخر القديم الباقي، لا يقبل الحدوث أو التغير أو الأفول، وكل ذلك نقص يتنزه عنه جناب القديم بذاته وأسمائه وصفاته، ولو قبل الحدوث لم يُؤمن عليه من الفناء، ولو قبل الحدوث لكان جزء منه حادث، والحادث مخلوق، والخالق منزه عن أن يكون شيء منه مخلوق، والقديم منزه عن أن يكون شيء منه حادث، وهو الأحد الذي لا تتجزأ ذاته، كما أن الحوادث نقص يضاد الكمال المتمثل في القدم الذاتي للذات والأسماء والصفات، فهو سبحانه الأزلي القديم بجناب ذاته، منزه عن الحدوث إذ ليس لوجوده ابتداء، وهو سبحانه الأبدي الباقي بجناب ذاته إذ ليس لوجوده انتهاء، هو الأول فليس قبله شيء، متصف سبحانه بالأولية في ذاته وصفاته، ومعنى الأولية أنه سبحانه أزلي لا يقبل ذاته تغيرا أو حدوثا ويستحيل عليه قبول الحوادث لأن التغير والحدوث وحلول الحوادث نقص يتنزه عنه كمال الذات.
ويوجد في الحديث الصحيح ما يدل على اسمه القديم، ففي سنن أبي داود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ([2]) .
والسلطان القديم لا يكون إلا لمن كان قديم الذات والأسماء والصفات، هو الحي الذي لا يموت، له سبحانه كمال الحياة، فهي حياة أزلية ذاتية ليس لها ابتداء (الاول فليس قبلك شيء)، وهي حياة أبدية ذاتية باقية ليس لها انتهاء (الآخر فليس بعدك شيء)، (ت) تنزيه الله تعالى عن التغير والحدوث هو الدليل الذي استعمله نبي الله إبراهيم عليه السلام في إثبات عدم ألوهية الشمس والقمر والكواكب، قال في حق الكوكب: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76]، أي لا يصلح المتغير الآفل أن يكون إلها، ثم قال في حق القمر: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}، ثم قال في حق الشمس: {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} قال المفسرون:قال ذلك لقومه تنبيها لهم على أن الكواكب والقمر والشمس لتغير حالها لا يصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة فهو ضال، وتنبيها لهم أن الله دائم لا يزول، وأن الزوال نقص لا يصلح للإله المتصف بالكمال وأن (الآفلين) أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، وتنبيها على أن من غاب بعد الظهور كان حادثا مسخرا وليس برب أزلي أول ليس بمحدث، منزه عما لا يليق بذاته الأقدس من لوازم الإمكان ولواحق التغير والحدوث، ولهذا تبرأ من آلهتهم بقوله عليه السلام في سورة الأنعام: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]
[المفتاح الخامس]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق: (أ) (الجسم) هو الشيء المؤلف المركب من أجزاء، وكلما كثرت تآليف ذلك الشيء وزاد حجمه كان أجسم من غيره، قال تعالى {وزاده بسطة في العلم والجسم}، ومن خصائص الجسم أنه مكون من أجزاء وأن له طول وعرض وعمق وحجم ومقدار يكسبه وصف الجسم، ومن خصائص الأجسام كذلك أنها محدودة متحيزة ومهما كبر حجمها فلا بد لها من حد تنتهي إليه وحيز يحصرها ومكان يحيط بها، وبالجملة فإن الجسمية دليل على كون صاحبها مخلوق محدود مقدر، ويستحيل وصف ذات الله تعالى بها ولهذا تواترت أقوال علماء الأمة على نفي الجسمية عن الله سبحانه ماعدا شرذمة حقيرة من أهل التجسيم، الجاهلين بما يستحيل وصف الله تعالى به من النقائص والعيوب التي تنزه الله عنها، (ب) الجسمية تعني التكون من أجزاء والله تعالى أحد صمد منزه عن الأجزاء والأعضاء لا يخالف في ذلك إلا مجسم غير عارف بالله سبحانه، والجسمية تعني قابلية الانقسام والله تعالى أحد صمد منزه عن الانقسام لأن الانقسام دليل الخلق والنقص والحدوث والله تعالى هو الأحد الذي لا يتجزأ وهو الصمد الذي لا ينقسم وهو الأول المنزه عن الحدوث وهو الخالق لكل محدث، (ث) الجسمية تعني الاحتياج لأن الجسمية تتآلف من أجزاء وكل جزء يحتاج إلى الآخر والله تعالى هو الغني له كمال الغنى منزه عن النقص و الحاجة، (ج) الجسمية تعني مماثلة الأجسام والله تعالى ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا احد، فهو سبحانه منزه عن الجسمية لقوله تعالى {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى:11] ولو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام.
[المفتاح السادس]: تنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق]: (أ) ذات الله سبحانه منزه عن الصور والتخطيط والتركيب لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الهيئة والصورة والتركيب والتأليف كل ذلك إنما يصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة.
(ب) الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء).
(ت) الصورة تقتضي الكيفية، وهي عن الله تعالى وعن صفاته منفية، لذلك فإن الذي يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة، وكل ما ورد في الشرع مما يوهم الصورة والشكل فهو محمول على الصفة وليس الصورة بمعناها في اللغة من الأشكال والالوان والتخاطيط مما يدل على الخلق والحدوث.
[المفتاح السابع]: تنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق]: أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد} (الإخلاص: 1)، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء} (محمد: 38) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال، ومن أبرز الادلة على تنزيه الله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، قوله تعالى (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) قوله تعالى (أحد) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، وقوله تعالى (والله الغنى وأنتم الفقراء) دلت هذه الآية على كونه تعالى غنى ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لما كان غنياً لأن كل جسم مركب وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه.
[المفتاح الثامن]: تنزيه ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق: (أ) المقصود بالأعراض مثل الألوان والأحجام والأشكال والطعوم والروائح التي تتصف به ذات المخلوق، والمقصود بالكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق كالجلوس والاستقرار والنزول والصعود على معنى التغير في ذاته، والذهاب والمجيء على معنى التغير في ذاته، والقبض والبسط على معنى التغير في ذاته، والمشي والقيام والقعود والاتكاء والاضطجاع على معنى التغير في ذاته والتعلق والاتصال والانفصال والمماسة والمقابلة والمدابرة والالتفات على معنى التغير في ذاته، والسكون والتحرك والتماس والتباين والخروج والدخول على معنى التغير في ذاته، والقرب بالمسافة والبعد بالمسافة، (ب) الله تعالى منزه عن تلك الأعراض والكيفيات الحسية، ومنزه وأي معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل أو يكيفه الحس لأن هذه الأعراض والكيفيات الحسية من أمارات الحدوث والله تعالى أول أزلي قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال لتعاليه عن ذلك تبارك الله رب العالمين، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجرى عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له تقدس عن كل تغير وحدوث، (ت) ما جاء في الكتاب والسنة من إضافة الاستواء والنزول والذهاب والمجيء والقبض والبسط والضحك والتبسم والغضب والتردد إلى ذات الله تعالى، فإنه حق وصدق على مراد الله ومراد رسول الله، صفات تليق بالذات، وكما أنّ ذات الله تعالى ليس كمثله شيء، فإن ما أضيف إلى الذات يتبع الذات، منزه عن التغير والحدوث والانفعال الذي يعتري ذات الإنسان، لا نتقول على الله بغير علم، ولا ننفي ما جاء عن الله في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ننفي اللوازم التي لا تليق بذات الله تعالى من النقص والتغير والأفول وما يوحي بالحدوث الذي هو ضد القدم الذي اتصف به ذات الرحمن.
[المفتاح التاسع]: تنزيه جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول، وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق: وبيان ذلك: ما ثم إلا خالق أو مخلوق فهل يتحد الخالق القديم الأزلي الباقي الذي ليس كمثله شيء بالمخلوق المحدث الفاني، أم هل يحل الذي تنزه عن الحد والمقدار في المخلوق المحدود المقدر، والله منزه عن الحلول في المواضع والأماكن لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق بالله، والاتصال والانفصال لا يكون إلا بين الأجسام والله منزه عن الجسمية ولوازم الجسمية كما مر بنا، (ب) أجمع علماء أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن الاتحاد بخلقه أو الحلول في شيء منها وعن الاتصال بها أو الانفصال عنها ونقل الإجماع كل من تكلم عن فرق المسلمين.
[المفتاح العاشر]: تنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق: الله تعالى منزه عن كل ما ينافي كمال الحياة كالسنة والنوم والموت والفناء والهلاك، وكل ما ينافي كمال العلم كالجهل والغفلة والنسيان، ومنزه عن كل ما ينافي كمال القدرة كالعجز والضعف والتعب واللغوب، ليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء أخر ولا بأصعب عليه منه لأن له كمال القدرة، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الإرادة كالجبر والاضطرار وأن يكون في ملكه ما لا يريد، ومنزه عن كل ما ينافي كمال السمع كالصمم واختلاط الأصوات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال البصر كالعمى واختلاط المبصرات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الكلام كالبكم والعي وتناهي الكلمات، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الغنى كالحاجة والشهوة والآفة والعلة والأكل والشرب واجترار المنافع واحتراز المضار، ومنزه عن كل ما ينافي كمال الحكمة والعدل كالظلم وخلف الوعد.
[المفتاح الحادي عشر]: دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه: لأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 إلى 195]، ما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، والقرآن الكريم يمتلئ بالمجاز الذي هو ذروة اللغة وسنام بلاغتها، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257]، والتعبير عن القرآن بالحبل لأنّ فيه النجاة، كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، والتعبير عنه بالنور لأنّ فيه الهداية، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنّه ليس للرسول صلى الله عليه وآله وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، كما يعبر عن التواضع باللين، وعن القسوة بغلظة القلب كما في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، والتعبير بالقبض عن البخل كما في قوله تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67} [التوبة: 67]، والتعبير بالبسط عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: {إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، تنزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح، أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فهذا ما يتعلق بالأمر الأول: ألا وهو: ان دراسة بلاغة القرآن فقه عظيم وفتح مبين لعلم التقديس والتنزيه.
[المفتاح الثاني عشر]: خطأ اعتماد ظواهر النصوص في فهم علم التقديس والتنزيه:
(أ) قال القرطبي رحمه الله – في درة من كلامه -: ” اعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته (المجسمة) الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع تعالى الله عن ذلك ” أهـ([3]) .
(ب) هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، منها قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ علم الله تعالى قديم، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، قال تعالى، {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ” أهـ.
(ت) وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، منها قوله: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى.
(ث) وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، منها قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]،واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، والمعنى: {سنفرغ لكم} أي سنحاسبكم ونأخذ في أمركم أيها الإنس والجن فنعاقب أهل المعاصي ونثيب أهل الطاعة.
(ج) وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى استوى على عرشه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها: بأن الاستواء المقصود هو استواء الصفات، صفات الربوبية والملك والتدبير والقهر والتسخير والهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء.
[المفتاح الثالث عشر]: بيان طرق الراسخين في العلم فيما يتعلق بالصفات الخبرية كالوجه واليد والعين والاستواء: هي ثلاث طرق لا رابع لها، (الطريق الأول) اثبات الوجه على سبيل الصفة لا سبيل الجزء والجارحة، (والطريق الثاني) حمل الآية على المجاز المراد من الوجه وهو الذات، (والطريق الثالث) تفويض علمها إلى الله مع المنع من تفسيرها على ظاهرها (الذي هو الجزء من الذات) مع تنزيه الله تعالى عن النقص، ولا شك أنه يجب تدريس وفهم قواعد التنزيه والتقديس المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس: لأن أهم العلم وأعظمه العلم الراسخ بالله في جناب ذاته وتقديس الله وتسبيحه وتنزيهه عن العيب والنقص، ودراسة قواعد التقديس تؤدي بصاحبها إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، والفهم الصحيح للآيات التي تتناول نفي المثل والند والكفء والشريك لله تعالى، وتؤدي إلى وضع الحاجز الذي يمنع من الولوج في التشبيه والتمثيل والتجسيم وغير ذلك من البدع الضالة في حق الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه، والعيش مع الله على التنزيه والاعتراف بالعجز عن الإدراك والإحاطة كما في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام: 103]، ولله در العالم الرباني أبو عثمان المغربي، حيث جاء في [طبقات الشافعية الكبرى]: (وقال أبو عثمان المغربي كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبت إلى أصحابي بمكة أني أسلمت جديدا) ([4]) .
فهذا هو الأثر المرجو من تعلم قواعد علم التقديس (علم توحيد الذات) الذي هو أشرف العلوم، وهذا العلم العظيم هو من جملة العلوم الغائبة عن هذا الزمان والتي ادى غيابها إلى وقوع طوائف من الأمة في بدعة الحشو والتجسيم، وأرى أنه لا مناص للأمة من تجديد الطلب لهذا العلم الجليل، ويكفيه شرفا أنه العلم المتعلق بالتقديس والتنزيه والتسبيح لجناب ذات الله تعالى تقدست ذاته وتعالت صفاته ولا إله إلا هو، وأنه العلم المتعلق بالعلم بالله تعالى، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يجب له من صفات الكمال والجلال والإكرام، وما يستحيل في حقه سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث والتشبيه والتجسيم، وتحدثا بنعمة الله الكريم أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود، وأنّ الإحاطة بعلم التقديس والتنزيه له أعظم الدور في تصحيح مفاهيم علم التوحيد، وأعظم الأثر في تحقيق التقارب والتكامل والوحدة العقائدية والعلمية والعملية بين المسلمين عامة، وبين طوائف أهل السنّة والجماعة خاصة.
[المفتاح الرابع عشر]: قال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في كتابه القيم: التعرف لمذهب أهل التصوف، قال في باب بيان عقيدة أهل التصوف: (واعلم أن الصوفية أجمعوا على أن الله واحد، فرد صمد، قديم عالم، قادر حي، سميع بصير، عزيز عظيم، جواد رؤوف، متكبر جبار، باق أول، إله مالك رب، رحمن رحيم، مريد حكيم، متكلم خالق رازق، موصوف بكل كمال يليق به، منزه عن كل نقص في حقه، لم يزل قديما بأسمائه وصفاته، غير مشابه للخلق بوجه من الوجوه، لا يشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدوثهم، موجودا قبل كل شيء، لا قديم غيره، ولا إله سواه، ليس بجسم ولا شبح، ولا صورة ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، لا اجتماع له ولا افتراق، لا يتحرك ولا يسكن، ولا ينقص ولا يزيد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ولا جوارح ولا أعضاء، ولا بذي جهات ولا أماكن، لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات، ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات، ولا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الأبصار، وأجمعوا أن لله صفات على الحقيقة، هو بها موصوف من العلم والقدرة والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام، وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، وأن له سمعا وبصرا ليسا كالأسماع والأبصار، وأنها صفات الذات، وقد أجمعوا على أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه، لم يزل كذلك، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) أهـ([5]) .
[المفتاح الخامس عشر]: قال الشيخ العارف بالله قطب العارفين الإمام أحمد الرفاعي في كتابه القيم البرهان المؤيد، قال وهو يخاطب السالكين: (صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، لأن ذلك من أصول الكفر قال تعالي (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران 7) والواجب عليكم وعلي كل مكلف في المتشابه: الايمان بأنه من عند الله، أنزله علي عبده سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما كلفنا سبحانه وتعالي تفصيل علم تأويله قال جلت عظمته (وما يعلم تأويلة إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران 7) فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالي عما دل عليه ظاهره، وتفويض معناه المراد منه إلي الحق تعالي وتقدس وبهذا سلامة الدين سئل بعض العارفين عن الخالق تقدست اسماؤه فقال للسائل: إن سألت عن ذاته، فليس كمثله شيء وإن سألت عن صفاته، فهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإن سألت عن اسمه فـ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ} [الحشر: 21] وإن سألت عن فعله فـ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] وقد جمع إمامنا الشافعي رضي الله عنه جميع ما قيل في التوحيد بقوله: من انتهض لمعرفة مدبره فانتهي إلي موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإن اطمأن إلي العدم الصرف، فهو معطل وإن اطمأن لموجود، واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد، (أي سادة): نزهوا الله عن سمات المحدثين، وصفات المخلوقين وطهروا عقائدكم من تفسير معني الاستواء في حقه تعالي بالاستقرار، كاستواء الأجسام علي الأجسام المستلزم للحلول، تعالي الله عن ذلك واياكم والقول بالفوقية والسفلية، والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالاتيان والانتقال فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره علي ما ذكر، فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود فما بقي إلا ما قاله صلحاء السلف: وهو الإيمان بظاهر كل ذلك ورد علم المراد إلي الله ورسوله،مع تنزيه الباري تعالي عن الكيف وسمات الحدوث وعلي ذلك درج الأئمة وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالي ورسوله ولكم حمل المتشابه علي ما يوافق أصل المحكم لأنه اصل الكتاب والمتشابه لا يعارض المحكم سأل رجل الإمام مالكا بن أنس رضي الله عنه عن قوله تعالي {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا وأمر به أن يخرج وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن ذلك آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: من قال لا أعرف الله أ في السماء هو أم في الأرض؟ فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال: استوي كما أخبر، لا كما يخطر للبشر وقال الإمام ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، فقد أشرك إذ لو كان علي شيء لكان محمولا ولو كان في شيء لكان محصورا ولو كان من شيء لكان محدثا) أهـ([6]) .
وهذه درر من أقوال العارف بالله الشيخ الأكمل أحد أركان الطريق وأحد أشهر أئمة العارفين الذين اجتمعت الأمة على إمامتهم واعتقادهم، وهذه هي عقائد السادة الصوفية التي تمثل السمو والعظمة، وتدل على أنّهم أهل الله تعالى وخاصته، وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي، وأنّهم على أعلى وأعظم عقائد الإسلام،
[المفتاح السادس عشر]: قال الشيخ الإمام القشيري: (الفصل الأول: بيان اعتقاد هذه الطائفة في مسائل الأصول: اعلموا -رحمكم الله-، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم، وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم، ولذلك قال سيد هذه الطريقة الجنيد، رحمه الله: “التوحيد إفراد للقدم من الحدث”، وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل، ولائح الشواهد… إلى أن قال: هذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب، قال شيوخ هذه الطريقة، على ما يدلُ عليه متفرقات كلامهم، ومجموعاتهم، ومصنفاتهم في التوحيد: إن الحق، سبحانه وتعالى: موجود، قديم، واحد، حكيم، قادر، عليم، قاهر، رحيم، مريد، سميع، مجيد، رفيع، متكلم، بصير متكبر، قدير، حيُّ أحد، باق، صمد، وأنه عالم بِعِلم، قادر بقدرة، مريد بإرادة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، حيُّ بحياة، باقٍ ببقاء، وله يدان هما صفتان، يخلق بهما ما يشاء، سبحانه، على التخصيص، وله الوجه الجميل، وصفات ذاته مختصة بذاته، لا يقال هي هو، ولا هي أغيار له، بل هي صفات له أزلية، ونعوت سرمدية، وأنه إحدىُّ الذات، ليس يشبه شيئاً من المصنوعات، ولا يشبهه شيء من المخلوفات، ليس بجسم، ولا جوهر ولا عرّض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصوَّر في الأوهام، ولا يتقدَّر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصُّه هيئة وقدُّ، ولا يقطعه نهاية وحدُّ، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث، ولا يجوز عليه لون ولا كوْن، ولا ينصره مدد ولا عون، ولا يخرج عن قدرته مقدور، ولا ينفك عن حكمه مفطور، ولا يعزب عن علمه معلوم، ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم، لا يقال له: أين، ولا حيث، ولا كيف، ولا يُستفتح له وجود: فيقال: متى كان: ولا ينتهي له بقاء: فيقال استوفى الأجل والزمان، ولا يقال: لِمَ فعل ما فعل، إذ لا علَّة لأفعاله، ولا يقال ما هو، إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله، يُرى لا عن مقابلة، ويرى غيره لا عن مماقلة، ويصنع لا عن مباشرة ومزاولة، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، يَفعل ما يريد، ويذل لحكمه العبيد، لا يجري في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون، وما علم أنه لا يكون، مما جاز أن يكون: أراد أن لا يكون، خالق إكساب العباد: خيرها وشرِّها، ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار: قُلُّها وكُثْرها، ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه، ومتعبَّد الأنام على لسان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، بما أزاح به العذر، وأوضح به اليقين والنكر، وحافظ بيضة الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، بخلفائه الراشدين، ثم حارس الحق وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه، عصم الأمة الحنفية عن الاجتماع على الضلالة، وحسم مادة الباطل بما نصب من الدلالة، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله: {ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، فهذه: فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز، وباللّه التوفيق) أهـ([7]) .
***
([1]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([2]) سنن أبي داود 1/349 ح 466.
([4]) طبقات الشافعية الكبرى ج: 9 ص: 42.
([5]) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص 35.