المبحث الرابع والعشرون الصوفية وأحكام السياسة الشرعية
[تنبيه]: التصوف يمثل المرتبة الثالثة الأعلى من مراتب الدين: وهي مرتبة الإحسان التي تلي مرتبتي الإسلام والإيمان، فهو إذن القائم على أعلى ثغور الدين، وهو كذلك روح الدين القادر على احتواء جميع المسلمين، وعلى التقريب بين مدارس الإسلام وفرقه ومذاهبه، بما حباه الله تعالى به من أخلاق الرحمة والمحبة والتسامح الذي أرشد إليه القرآن الكريم بقولـه تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، فــ (التصوف) هو الذي امتاز باحترام تخصصات الآخرين، وتميز باحتواء كافة المدارس المذهبية المتخصصة في علوم الدين، وهو من بين مدارس الإسلام الذي تميز بالمرونة والسعة، وهو الأقدر على وحدة المسلمين بكونه يحمل القواسم المشتركة بين كافة المذاهب، وهو الأجدر على حل مشكلات الامة في تآلف وتراحم، وهو الاقدر على جمع الجميع على مائدة واحدة، لأنه الأكثر حظا في أن يملك مفاتح الحل، من خلال تفريقه بين المراتب العلمية، وما توجبه كل مرتبة علمية من علوم ومعارف، وأهل التصوف الحق هم على أعلى الهرم المعرفي الإسلامي، لذا كان علمهم هو الزلال المصفى، هم الاوسع إدراكا والأعمق فهما ومعرفة بأحكام السياسة الشرعية، وعلم السياسة الشرعية علم شائك لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على امة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرحماء بهم، ذلك العلم الذي يضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، لقد قام اهل التصوف الحق على ثغر هذا العلم فأجلوا لبناته وأرسوا قواعده ومن اهم تلك المفاتيح:
[المفتاح الأول]: طاعة أولياء الأمور من طاعة الله ورسوله: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، وقد جعلت سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: طاعة الأمير من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) ([1]) .
وأخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([2]) .
ولا شك أنّ هذه الطاعة فيما لا يدخل في معصية الله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([3]) .
فقد وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة لأحاديث عديدة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها: ما أخرجه الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([4]) .
إذن، ونحن نتناول فقه آيات من كتاب الله تعالى تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم، نجد الأمر الرباني: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً} [النساء: 59]، فقد تضمنت الآية الكريمة إلزام الرعية أن يطيعوا الحكام في كل ما يأمرون به إلا أن يأمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة، فعدم الطاعة مقصور على المعصية.
[المفتاح الثاني]: نصح الأمراء يكون بالقول اللين، قال تعالى – آمراً نبي الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، ويؤيده قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 17 إلى 19]، فليس هناك أكفر من فرعون ولا أظلم منه فقد جعل أهل مصر شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وليس هناك أعظم جاها وكرامة آنذاك عند الله تعالى من موسى وهارون، ومع هذا فقد أمرهما الله تعالي بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق والقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، وهذا هو بيان المنهج الرباني في نصح الحكام والأدب في محادثتهم، وذلك لأنّه الاقرب إلى استجابة الحاكم للنصيحة والعمل بها، وليس مقصود النصيحة سوى ذلك، والشدة والغلظة في القول مع الحاكم لا تؤتي ثمارها، لأنّ السلطة بيده، فالشدة لا تناسبه، وقد تعني تهديده ووعيده، وهذا يصرفه عن سماع النصيحة إلى البطش بالناصح أو على أقل تقدير عدم الاستفادة من نصيحته.
[المفتاح الثالث]: الملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة فلا يجوز التطلع إليها: قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]، الملك هبة يؤتيها الله تعالى من يشاء من عبادة {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}، لا ينبغي لآحاد المسلمين أن يتطلع إليها، ولا أن يزاحم أهلها فيها، وذلك حتى يستتب الأمر ويظهر الأمن ويتفرغ الحاكم والمحكوم كلٌ لأداء مهامه التي يحاسبه الله تعالى عليها، وقد أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل وقال الآخر مثل ذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه) ([5]) . والقرآن الكريم يعلمنا كيف يكون الحوار مع الملوك، فنبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام وهو خليل الرحمن، يخاطب الملك الكافر بمنتهى الحكمة واللين، ولو دعا على الملك الكافر دعوة لأنهى ملكه وسلطانه، ولكنها حكمة النبوة في معاملة الحكام والملوك، إذن كيف ينبغي أن يكون الحال عندما ينصح من هو أقل شأنا من الخليل عليه السلام ينصح من هو يقينا أحسن شأنا من النمرود الكافر، الصواب أنه لابد من الحكمة واللين والموعظة الحسنة في معاملة أولياء الأمور.
[المفتاح الرابع]: لا يصح منازعة الامر أهله: أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([6]) .وهذا الحديث الشريف يأمر بالسمع والطاعة للحكام المسلمين في كل الأحوال (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا) – إلا إن أمروا بمعصية كما سيتبين في الأحاديث التالية -، ويمنع من التعدي على صلاحياتهم (وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ)، ويضع شروطا رصينة للخروج على الحكام أهمها التيقن من الكفر البواح الظاهر الذي لا خلاف فيه، فهذا معنى البواح، والذي عندنا فيه من الله تعالى دليل واضح وبرهان بين لا يحتاج في الاستدلال عليه إلى قياس أو استنباط، (إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ)
[المفتاح الخامس]: طاعة الحاكم المسلم وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك: أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم(يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) ([7]) وهذا الحديث يأمرنا بالسمع والطاعة لحكام المسلمين ولو بلغ بهم الأمر أن كانوا على قلوب الشياطين يضربون ظهورنا ويسلبون أموالنا، ما كانوا مسلمين، لأنّ مصلحة الامة مقدمة على مصلحة الأفراد، ولا تستقيم الامة إلا باستقرار الحكم واستتباب الامن فيها، فترجيح مصلحة الامة على مصلحة الفرد امر واجب.
[المفتاح السادس]: لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم ما أقام الصلاة: أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: : (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة). ([8]) . يوضح الحديث أنّ هناك من الحكام من سيبلغ بهم الظلم والفساد أن نبغضهم ونلعنهم، ولكن لا يجوز منابذتهم إلا في حال بلغ بهم الجور والفسوق أن منعوا إقامة الصلوات في المساجد، وكررها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مرتين للدلالة على أهمية هذا الضابط، (قَالَ: لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ)، فلا ينزع المسلمون يدهم من طاعته إلا إن بلغ بهم الفساد والجور هذا الحد، وما لم يبلغ هذا الحد نكره معاصيهم بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق دون نزع اليد من الطاعة العامة.
[المفتاح السابع]: لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم الذي يصلي: أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([9]) . وهذا الحديث يدلنا على فقه انكار المنكر المتعلق بالحكام المسلمين الجائرين، فمن كره مناكرهم ولم يتابعهم عليها فقد برئت ذمته (فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ)، ومن ناصحهم وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقد سلم من غضب الله تعالى على مرتكبي المنكر (وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ)، ومن رضي بمنكرهم وتابعهم على ظلمهم وفسادهم فعليه ما عليهم من السخط والعذاب (وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)، ثم وضح الحديث الشريف ضابط الخروج عليهم ومقاتلتهم، ألا وهو ترك الصلاة، (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا).
[المفتاح الثامن]: اثم الحاكم على نفسه فلا يجوز نزع الطاعة من يده: أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّـمَـا عَلَيْهِمْ مَـا حُــمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُـــمِّـــلْــتُمْ، وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([10]). والحديث يدل على وجوب اظهار السمع والطاعة للحاكم المسلم الظالم فيما يأمر به إلا إن أمر بمعصية، فلا طاعة في المعصية ولا نزع للطاعة بالكلية، ودل الحديث على أنّ إثم الظلم وعاقبته على الظالم، (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، فأثم الحاكم على نفسه وبركة وجوده تعم على المجتمع كله.
[المفتاح التاسع]: خطورة الخروج على الحاكم المسلم: أخرج البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([11]) . وهذا الحديث يدل على الأمر بالصبر على الحاكم، (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر)، ويبين خطورة الخروج على الحاكم المسلم وأنّ هذا من عمل الجاهلية، (مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً)
[المفتاح العاشر]: أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا: أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([12]) . وفيه دليل على أداء حقوق الحكام وإن جاروا وظلموا،
[المفتاح الحادي عشر]: التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام: أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) ([13]) . وفيه اولوية التزام جماعة المسلمين وإمامهم فإن اختلطت الأمور فالاعتزال أولى من الخروج على الحكام.
[المفتاح الثاني عشر]: الصبر على جور الحكام: أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال: (أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([14]) . وفيه الأمر بالصبر على جور الحكام.
[المفتاح الثالث عشر]: الحرص على نصيحة الحكام وعدم مخالفتهم حتى لا تختلف الكلمة عليهم وأخرج مسلم عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال(قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كيف أنت إذا كانت عليك أمراءُ يُؤخِّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يُميتونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ قال قلتُ: فما تأمرني؟ قال صَلِّ الصلاةَ لوقتِها، فإن أدركتَها معهم فصلِّ، فإنها لكَ نافلةً) ([15]) .وفيه الحرص على ملازمة الحكام، حتى في الهيئة والصورة العامة (فإن أدركتَها معهم فصلِّ)، وذلك حتى لا تختلف الكلمة عليهم.
[المفتاح الرابع عشر]: هناك أحاديث قد يُفهم منها الإنكار على الحكام وعدم السكوت على أخطائهم، ولذا وجب بيان مفاتيح الفهم السديد لتلك الأحاديث:
[الحديث الأول]: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) ([16]) .
والفقه الصحيح للحديث يتكون من خلال فهم تلك الضوابط:
(الضابط الأول): أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طاعة الأمراء واحترامهم والنهي عن اهانتهم خوفا من سقوط هيبتهم عند الرعية، مما يؤول إلى الضرر بالأمة والهرج والمرج والفوضى واستحلال الحرمات.
(الضابط الثاني): الهدي القرآني في معاملة الحكام، قال تعالى – آمراً نبي الله موسى ونبي الله هارون عليهما السلام -: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]
(الضابط الثالث): منطوق الحديث وفيه (كلمة عدل عند) والعندية قد تعني وجوده أمام السلطان، وليس كما يفهمه البعض من التشهير في المجالس وذكر المساوئ والعيوب، وتقويض دعائم الحكم وهيبته.
(الضابط الرابع): أن تكون كلمة حق صادقة، فكم من كلمة حق أريد بها باطل، فكل من له طمع بالملك لا ينبغي له أن يأمر أو ينهى حتى يعلم الحاكم أن ليس له طمع في كرسي الملك وأنّ الآمر الناهي القائل بكلمة الحق لم يخلع يداً من طاعة، وإنما قالها انتصاراً لدين الله تعالى، خالصاً لله وحده، وليس هدفها التشهير به أو تقليل هيبته.
(الضابط الخامس): منطوق الحديث (كلمة عدل) أو في الرواية الثانية (كلمة حق)، فهذا هو أفضل الجهاد وقصاراه، فلا ينبغي أن يتعداها إلى تهديد ووعيد أو إلى حمل السلاح أو نزع يد الطاعة أو إعلان العصيان والمخالفة، فمن أهان سلطان الله تعالى في الأرض أهانه الله، ولا أن يتعداها إلى التشهير بالحاكم في المجالس والطرقات فكل ذلك افتيات على هيبة الحاكم وسلطته.
[الحديث الثاني]: أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([17]) .
قال ابن رجب في شرح الحديث: (هذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة، وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح فقال التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره ومع هذا متي خاف على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم قال أحمد لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول) ([18]) . [قلت]: يحتاج هذا الحديث إلى عدة توضيحات تبين المراد منه:
(الأول): الحديث لم يذكر جهاد الأمراء صراحة، فهو يتناول جهاد الفرق الضالة كالخوارج وغيرهم، ويتناول الطوائف المنحرفة كالمنافقين والزنادقة، قال ابن الصلاح: (وما ورد في هذا الحديث من الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم وليس في لفظه ذكر هذه الأمة والله أعلم) أهـ ([19]) .
(الثاني) الحديث يتناول الأمم السابقة كما يدل على ذلك نصه، ولا يمنع دخول أمة الإسلام في الخطاب، بخصوصية معاملة حكام المسلمين لأنّ الأحاديث الصحاح الكثيرة – وقد تقدم جزء منها – على ضرورة الصبر على جور الحكام وعدم الخروج عليهم بالسلاح ما أقاموا الصلاة وما لم نر منهم كفراً بواحاً عندنا فيه من الله تعالى برهان.
(الثالث) هذا الحديث بالرغم من وجوده في صحيح مسلم إلا أنّ الإمام أحمد ابن حنبل تكلم فيه،، فقد جاء في مسائل الإمام أحمد: أنّه سئل عن هذا الحديث فقال: (الحارث بن فضيل – وهو من رواة الحديث – ليس بمحمود الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود , ابن مسعود يقول قال رسول الله: (اصبروا حتى تلقوني) ([20]) .
(قلت): وقد أخرجه البخاري في التاريخ الكبير([21]) . ولم يخرجه في الصحيح، ولعله لتلك العلة ترك تخريجه في الصحيح، قال ابن الصلاح: إن هذا الحديث مما انفرد به مسلم عن البخاري وقد أنكره أحمد بن حنبل فيما بلغنا عن أبي داود السجستاني في مسائله عن أحمد قال: الحارث بن فضيل ليس بمحفوظ الحديث وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود وذكر أحمد قوله صلى الله عليه وسلم (اصبروا حتى تلقوني) ([22]) .
(الرابع): لابد من التفريق بين نوعين من الإنكار، فأما الإنكار بمعنى الخروج عليهم وخلع بيعتهم، ففي هذه الحالة لا يجوز الإنكار عليهم إلا بشرطين: (أولهما): أن يصدر منهم كفرٌ بواح، ظاهر لا يقع فيه تأويل، و (الثاني): أن لا يكون في الخروج عليهم مفسدة راجحة من انتهاك أعراض، وسفك دماء، وإضرار بالدنيا والدين ! ولذلك نهى العلماء من سلوك هذا الطريق، لما يُفضي على الأمة من الشرور، ولما يولد من المفاسد، ولما ينتج عنه من محو لرسوم الدين، قال النووي: (وأما الخروج عليهم، وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدِّمَاء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه)([23]) .وقال الحافظ أبو عَمْرو ابن الصلاح: (وما ورد في هذا الحديث مِن الحث على جهاد المبطلين باليد واللسان: فذلك حيث لا يلزم منه إثارة فتنة. على أن لفظ هذا الحديث مسوق فيمن سبق من الأمم، وليس في لفظه ذِكر هذه الأمة. والله أعلم) اهـ ([24]) . وقد نقل النووي إجماع أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على الحكام، وإن كانوا فسقة ظالمين،
***
([1]) صحيح البخاري 4/50 ح 2957.
([3]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([4]) صحيح مسلم 3/1482 ح 1855.
([5]) صحيح البخاري 9/64 ح 7149.صحيح مسلم 3/1456 ح 1733.
([6]) صحيح البخاري 9/47 ح7055. صحيح مسلم 3/1470 ح 1709.
([7]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([8]) صحيح مسلم 3/1481 ح 1855.
([9]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1854.
([10]) صحيح مسلم 3/1474 ح1846.
([11]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053.
([12]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([13]) صحيح البخاري 4/199ح 3606، صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([14]) صحيح البخاري 9/49 ح 7068.
([16]) سنن ابي داود 6/400 ح 4343، سنن ابن ماجة 5/144 ح 4011.
([18]) جامع العلوم والحكم 3/954.
([20]) مسائل الإمام أحمد صـ 419.
([21]) التاريخ الكبير(ج 1/ 346)
([22]) صيانة صحيح مسلم صـ 209.