المبحث السابع والعشرون الصوفية وحرمة أهل الإسلام قاطبة
أهل التصوف الحق هم على أعلى الهرم المعرفي الإسلامي، لذا كان علمهم هو الزلال المصفى، هم الأعلى فهما لأحكام الإيمان والكفر، وهم الأبعد عن تكفير المسلمين، نبراسهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته)) ([1]) .وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ)) ([2]) .
والمسلم عندهم: هو كل من قال (لا إله إلا الله * محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، منقادا لها ببدنه، هذا المسلم: لا يكفرونه بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة ويقيم عليه الفقهاء الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، فإن اختلف الفقهاء رجحوا لأنفسهم السلامة، فلا يتورطون في تكفيره، ورجحوا للمسلم جانب حسن الظن والمخارج الحسنة، ولسان حالهم يقول: لان نخطئ في إدخال كافر في الإسلام فنحقن دمه، خير لنا من أن نخطئ في اخراج مسلم من اسلامه إلى الكفر فنستحل دمه وماله وعرضه، وأهل التصوف الحق ينظرون إلى الامة بأن الله تعالى أكرم الأمة بعوامل عديدة تمثل أصول الإسلام التي يمكن أن تكون أصول التصالح والتعايش بين جميع المسلمين، ومن أهم تلك العوامل: (العامل الاول): الانتساب المجمل إلى دين الإسلام الذي هو دين الله في الأرض وفي السماء قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وقال تعالى وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، و (العامل الثاني): الإله الواحد والرب الواحد والمعبود الواحد وعقيدة جميع المسلمين هي قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وجميع المسلمين يؤمن باللَّه الواحد الأحد المنزه عن الشبيه والمثيل والصاحبة والوالد والولد، و (العامل الثالث) الرسول الواحد سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجميع المسلمين يؤمن به نبيا ورسولاً أرسله اللَّه تعالى إلى الناس كافة وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، و (العامل الرابع) القرآن الواحد وجميع المسلمين يؤمنون بالقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، و (العامل الخامس) القبلة الواحدة وكل المسلمين يستقبل القبلة في صلاته، و (العامل السادس) أصول الدين الواحدة وكل المسلمين متفقون على الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ومتفقون على أركان الإسلام الخمسة شهادة أن لا اله إلا اللّه وان محمدا رسول اللّه وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، و (العامل السابع): العبادات الواحدة تجمع جميع المسلمين، فالصلاة واحدة فلا خلاف بينهم حول الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها وبقية أركانها والصيام في شهر رمضان واحد والزكاة واحدة وهي النصاب الذي فرضه اللَّه في أموال الأغنياء يتفق عليه جميع المسلمين والحج واحد والحلال بين والحرام بين والفرائض معلومة والمنهيات واضحة والكبائر يعلمها الصغير والكبير من أهل الإسلام، و (العامل الثامن) الانتماء الواحد: فجميع المسلمين ينتمي إلى أمة الإسلام وقد قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، و (العامل التاسع) الخطر المشترك الواحد قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، فلابد مناص من الوحدة والتكامل بين كافة طوائف الامة من أجل مواجهة الاخطار الخارجية، و (العامل العاشر) مرونة الشريعة التي تقبل التصالح بين كافة الطوائف المنتسبة إلى الإسلام فإن الله تعالى أراد لشريعة الإسلام ان تصلح لكل زمان ولكافة العقول والافهام فأكرمها بوجود نوعين من الادلة الدليل القطعي الذي يجتمع عليه المسلمون والدليل الظني الذي يعطي مساحة واسعة للاجتهاد والخلاف ومن سماحة الشرع أنّ من اجتهد فيما تعلق بالأدلة الظنية فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد بمعنى أنه لا يحرم الأجر ومن رحمة الله تعالى بالمسلمين أن أكثر قضايا الخلاف في الأمة هي القضايا الظنية، والعموميات أكثرها ظني الدلالة وإن كانت قطعية المتن وذلك لكثرة ما يرد عليها من التخصيص، وجميع الأحكام والقضايا التي لم تثبت بالنص القطعي ثبوتا ودلالة لا يصح أن تكون مفصالا بين الحق والباطل، بل يتسع فيها الإعذار، ولا يجوز أن يبنى عليها تكفير ولا استحلال محارم، ومن اهم مفاتيح العلم التي اعتمدها اهل التصوف في هذا الباب
[المفتاح الأول]: المسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([3]) . ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا، ولا أن يسبي بعضهم بعضا، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) و(المسلم) هو كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، والاعتقاد القلبي له ركنان، (قول القلب وهو التصديق القلبي للشهادة، وعمل القلب، وهو الانقياد القلبي لها)، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله، فإن المسلم عند الفقهاء: هو كل من قال (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله)، مقرا بها منقادا لها، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما.
ونواقض الشهادتين: هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، وتتمثل في: إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء.
والتكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحكم بالتكفير على أي مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([4]) .
وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([5]) .
[المفتاح الثاني]: الأصل بين المسلمين هو وحدة التآلف والتكامل والتراحم، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في هذا الأمر: قوله صلى الله عليه وآله وسلم(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)([6]).
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([7]) . وقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) ([8]) .
وقد وضح الشرع الحكيم حقوق المسلم على المسلم، روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ: (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) ([9]) .
[المفتاح الثالث]: من قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات كل مسلم، واهم تلك القواعد: [القاعدة الأولى]: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر[القاعدة الثانية]: من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد،[القاعدة الثالثة]: خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه،[القاعدة الرابعة]: لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره،[القاعدة الخامسة]: العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر،[القاعدة السادسة] العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر،[القاعدة السابعة]: لا يجوز التكفير بلازم المذهب[القاعدة الثامنة] العذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم،[القاعدة العاشرة]: لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم.
[القاعدة الأولى]: مـن تشهـد بالشهادتـين حُكـم لـه بالإسـلام الظاهـر والله يتـولى السرائـر لما أخرجه مسلم عن المقداد رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فلمّا أهويت لأقتله قال لا إله إلاّ الله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) ([10]) .
[أخرجه مسلم]، صورة الحديث تدل يقيناً على أنّ هذا الرجل ما قال (لا إله إلا الله) إلاّ تقية وهرباً من القتل، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقداد رضي الله عنه أن لا يقتله بل وأخبر بأنه إن قتله فقد قتل مسلماً، وأخرج مسلم عن أسامه بن زيد رضي الله عنهما قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحُرقة من جهينة، فصبّحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلمّا غشيناهُ قال: لا إله إلاّ الله، فكفّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال فلمّا قدمنا، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي (يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟) قال قلت: يا رسول الله ! إنما كان متعوذاً، قال، فقال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلاّ الله؟) قال فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليـوم) ([11]) .وفي رواية أخرى عند مسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقتلته؟ قال: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟، قال: يا رسول الله ! استغفر لي، قال: وكيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: فجعل لا يزيده على أن يقول (كيف تصنع بلا إله إلاّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟)([12]) .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم🙁من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله) ([13]) .
فهذه الأحاديث جميعها تدل على أنّ باب الإسلام مدخله هو الشهادتان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل في الإسلام وعصم بالإسلام الظاهر نفسه وماله من القتل على سبيل الكفر وحساب الباطن على الله، ليس معنى ذلك أنّ كل من نطق بالشهادتين، أنه يفعل ما يشاء، فقد جعلت الشريعة الحكيمة اعتقادات وأقوال وأفعال ناقضه للإسلام ومن أتى بها عالماً بها، مختاراً لها، قاصداً لفعلها فقد ارتد عن الإسلام،
[القاعدة الثانية]: من مات على التوحيد استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده إنه لا يخلف الميعاد، لما جاء في حديث الشفاعة، وفيه: (ثم أعود في الرابعة فأحمده بتلك ثم أخِرّ له ساجداً فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعط واشفع تشفع فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلاّ الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلاّ الله) ([14]) .
ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم (يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن بره من إيمان ويخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وفي قلبه وزن ذره من إيمان) ([15]) .
ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم (أشهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنى رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلاّ دخل الجنة) ([16]) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من شهد أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمد رسول الله حرّم الله عليه النار) ([17]) .
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (ما من عبد قال لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك إلاّ دخل الجنة، فقال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سـرق، ثلاثاً ثم قال في الرابعة (على رغم أنف أبى ذر) ([18]) .
[القاعدة الثالثة]: خطـورة تكفـير المسلـم ووجوب الاحتياط عند الحكـم عليـه وترجيـح جانب حسـن الظـن به وحمل المحتمـلات قـدر المستطـاع لصالحـه، إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([19]) .
[القاعدة الرابعة]: لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره، والأمـور المحتملة للكفـر وغيـره: هي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة، ولكنها تحتمل الكفر وغيره، ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يعتقد فيه صفات الربوبية والإلهية، وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر، وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء، وهذا كان جائزاً في شرع من قبلنا ثم حرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأت بما هو كفر أكبر مخرج من الملة، وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى نتبين قصد فاعلها، ومـن الأدلـة على صحـة هـذه القاعـدة: ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قـال: (لمّا قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال ما هذا يا معاذ؟ قال أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) ([20]) .
ولمـا أخرجـه البخـاري ومسلـم في قصة حاطب رضي الله عنه ومكاتبته لقريش بأمر مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما هذا يا حاطب؟ قال لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأً من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه قد صدقكم فقال عمر دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال (إنه شهد بدراً وما يدريك لعلّ الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملـوا مـا شئتـم فقـد غفـرت لكـم) ([21]) .
فموالاة الكافرين: يحتمل أن تكون موالاة باطنة على الدين ويحتمل أن تكون موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة، ولوجود هذا الاحتمال لم يحكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه بالكفر حتى تبين قصده بالسؤال، فلمّا علم أنها موالاة ظاهرة على سبيل التقية والمصانعة دلّهم على أنّ صنيعه هذا ذنب من الذنوب وكبيرة من الكبائر التي تدخل ضمن إطار الذنوب التي تكفرها الحسنات،
[القاعدة الخامسة]: العذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر، لقد جعلت الشريعة أعذارا شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر، من أهمها العذر بالجهل، فإنه إذا كانت رحمة الله تعالى اقتضت أنّ الكفار لا يُحاسبون على كفرهم ما لم تقع عليهم الحُجة الرسالية بأن تأتيهم نذارة أو يسمعوا برسول، لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وقوله تعالى {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، فإنه من باب الأولى إعذار المسلم الذي وقع في مسألة من مسائل الكفر عن جهل، إذ لم يسمع بالدليل، والدليل على عذره: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115]، والمعنى: أنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحُجة بالبيان، وقوله تعالى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء: 115]، أي خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلـك بعـث المبشريـن والمنذريـن) ([22]) .
والأدلة على العذر بالجهل كثيرة جداً لا فرق في ذلك بين أصول وفروع ولا بين اعتقادات وعمليات، فكل مؤمن لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر، وليس معنى ذلك أنه قد سقط عنه الإثم أو العقوبة فالعذر بالجهل يمنع فقط من تكفيره، ولكن إذا ثبت تقصيره في طلب العلم وكان العلم ميسراً عنده بحيث كان متمكناً من طلبه، فهذا يأثم ويعّذر، ولكن لا يوصف بالكفر المخرج من الملة حتى تقوم عليه الحُجة الرسالية بالعلم وتستوفي كافة شروطها الشرعية التي قررها علماء الشرع الحنيف، وهذا في أحكام الظاهر، أمّا أحكام الباطن والتي اختص الله تعالى بعلمها فإن كان يعلم حقيقة بالكفر ويدعي جهله به فهذا كافر في الباطن وهو من المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، والإثم واقع عليه لا محالة إن قصّر في طلب العلم أو تهاون في طلبه مع تمكنه من تحصيله والوقوف عليه.
[القاعدة السادسة] العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر، بشرط ان يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية، وكان القصد منه موافقة الشريعة لا تكذيبها ولا تعطيلها، وكان له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه إن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثالها غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة منهم، أما إن كان قصد المتأول التلاعب بالشريعة، وليس له وجه مستساغ في الشرع فهذا لا يُعذر به صاحبه البتة، ومثاله تأويل القرامطة والباطنية أصحاب الأقوال المكفرة التي لا وجه مستساغ لها في الشرع، والعذر إنما يكون في التأويل المستساغ، وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول من كتاب الله عز وجل ومن سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ذلك قوله تعالى {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]، وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال (قد فعلت) ([23]) .
فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة، وحديث مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما لحق رجلاً من المشركين ـ كان قد أثخن على المسلمين فلما تمكن منه قال (لا إله إلاّ الله)، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (يا أسامه أقتلته بعد أن قال لا إله إلاّ الله) ([24]) .
وفي الحديث عذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسامه رضي الله عنه بتأويله، أنه ما قالها إلاّ متعوذاً من القتل وإلا لأقام عليه الحد لقتله مسلما متعمدا، والنبي يعذر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بالتأويل عندما كاتب المشركين بمكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفتح مكة، والحديث أخرجه البخاري، ولذلك فإن جماهير أهل الفقه والأصول على الاعذار بالتأويل، ويستدلون لذلك بالأدلة السابقة، وأدلة أخرى منها:
(أ) عدم تكفير الصحابة ومن بعدهم للخوارج الذين هم أكثر من تأول النصوص واستحلوا أشد المحرمات القطعية وهو قتل المسلمين وذلك بتأويل منهم، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون، حتى إن علياً الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما دفع بغيهم.
(ب) عدم تكفير عبد الرحمن بن ملجم مستحل قتل علي وقاتله، فقد أوصى علي بالقصاص منه ولم يتحدث عن ردته أو قتله لكفره.
(ت) عدم تكفير قدامة بن مظعون وأبو جندل بن سهيل وضرار بن الخطاب، وهم من الصحابة قد شربوا الخمر مستحلين لها بتأويل، لذلك أقام عليهم عمر عقوبة الشرب ولم يحكم عليهم بالردة.
[القاعدة السابعة]: لا يجوز التكفير بلازم المذهب: فلا يحكم على اصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه لا سيما إن كانوا ينفونه، فلا يجوز تكفير المجسمة لأنهم عبدوا جسماً، وهو غير الله فهم عابدون لغير الله، ومن عبد غير الله كفر، ولا يجوز تكفير المعتزلة لأنهم وإن اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها فهو كافر، فإننا لو عاملنا كل مبتدع بلازم قوله كفرنا كل مبتدع، وفي هذا من الغلو ما فيه، والصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من علماء المسلمين لم يكفروا الخوارج الذين قتلوا المسلمين وانتهكوا محارمهم، مع ان لازم قولهم استحلال قتل المسلمين، ومن استحل المحرمات كفر، ومع ذلك لم يكفرهم المسلمون، حتى إن علياً رضي الله عنه الذي قاتلهم لبغيهم لم يحكم عليهم بالكفر ولهذا لم يعاملهم معاملة الكفار أو المرتدين المحاربين إنما اكتفى بدفع بغيهم.
[القاعدة الثامنة] العذر بالإكراه نص عليه القرآن الكريم، قال تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ،،} [النحل: 16]، وعلى ذلك فإن العذر بالجهل والعذر بالتأويل والعذر بالإكراه جميعها أعذار شرعية تمنع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفر الأكبر، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بذلك.
[القاعدة التاسعة]: المسلــم المتلبــس بالكفــر الأكبــر لا يكفـر حتى تقـوم عليه الحُجـة الشرعيـة، وعلماء أهل السنّة والجماعة متفقون على أن المسلم إذا وقع في الكفر أو الشرك لا يكفر حتى تقوم عليه الحُجة الشرعية بالكفر، أمّا قبل إقامة الحُجة فإنه لا يُحكم عليه بالكفر الاكبر والخروج من الملة، ولا يُخالف في هذه القاعدة إلاّ الخوارج والمعتزلة والحشوية أهل الغلو في مسائل التكفير، قال تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}[التوبة: 115]، والآية تدل على أنّ الله لا يُؤاخذ عباده حتى يُبين لهم ما يأتون وما يذرون، وتقوم عليهم الحجة بذلك، وقد ثبت أن قدامة بن مظعون شرب الخمر مستحلاً لها، فأقام عليه عمر الحدّ ولم يكفره، وكذلك أبو جندل بن سهيل وجماعة معه شربوا الخمر بالشام مستحلين لها مستدلين بقول الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}[المائدة: 93]، فلم يكفروا وعرفوا تحريمها فتابوا وأقيم عليهم الحدّ، وكذلك كل جاهل بشيء لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك، ولأهل العلم في ضبط هذه القاعدة ثلاث ضوابط لا يسع جهلها وإلاّ آل الأمر إلى التعجل في تكفير أهل القبلة، وهذه الضوابط الثلاث تتمثل في:
(الضابط الأول): الحُجة لا تكون معتبرة شرعاً حتى تستوفي كافة شروطها من جهات ثلاث، جهة صفة الحُجة، وجهة صفة من يُقيم الحُجة وجهة صفة إقامة الحُجة، فالحُجة نفسها التي تصلح لأن تكون حُجة لتكفير المسلم إما أن تكون قرآناً صريحاً أو تكون سنّة متواترة صريحة أو إجماع أهل العلم، أمّا غير ذلك فأدلة محتملة لا تصلح لتكفير مسلم علمنا إسلامه بيقين، وأمّا صفة من يُقيم الحُجة فلا تقوم الحُجة الشرعية إلاّ بمسلم عالم عدل معروفاً عند من يُخاطبه بالعلم والعدالة لقوله تعالى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] فمن لم يكن موصوفاً بالعلم معروفاً به في مكان ما لم تقم به الحُجة الشرعية، وأما صفة إقامة الحُجة فيشترط فيها أن تصل إلى المُخاطب بلغته التي يفهمها لقوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [ابراهيم: 4]، وأن تكون مفصلة مبينة ترد على جميع شبهات المخاطب حتى ينقطع أمامها فلا يجد حُجة تدحضها، لقوله تعالى {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92]، وقوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}[التوبة: 115]. (الضابط الثاني): لا يكفر المسلم حتى تتوفر شروط تكفيره وتنتفي موانعه، وشروط تكفيره تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شروط في الفاعل نفسه وهي أن يكون بالغاً، عاقلاً، عالماً بأن فعله مكفر، متعمداً قاصداً لفعله، مختاراً له بإرادته، والقسم الثاني: شروط في الفعل نفسه (الذي هو سبب الكفر) بأن يكون هذا الفعل مكفراً الكفر الأكبر بلا شبهة فلا يصح التكفير بمسائل مختلف فيها بين فقهاء أهل السنّة والجماعة، لأن من دخل الإسلام بيقين (أي الإقرار بالشهادتين) لا يخرج منه إلاّ بيقين، وأن يكون صريح الدلالة على الكفر فلا يجوز التكفير بدليل محتمل الدلالة على الكفر وغيره، والقسم (الثالث): شروط في إثبات الكفر على صاحبه، فلا يُحكم على مسلم بالكفر حتى يقوم الدليل الشرعي المكتمل على تكفيره فلا يكفر في حكم الظاهر كمثل المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بسبب كفرهم رغم علمه يقيناً بكفر اعيان منهم لأنه لم يثبت الكفر على أحدهم بطريق شرعي صحيح كأن يشهد عليه مسلمان بالكفر فيستتيبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الكفر وإلاّ قتله، فهذه هي شروط تكفير المسلم المتلبس بالكفر الأكبر، أمّا موانع تكفيره التي يُشترط انتفاؤها للحكم على معين بالكفر تتمثل في: موانع في المعين منها الصغر والجنون والخطأ والجهل والتأويل والإكراه فلا يُحكم عليه بالكفر حتى تنتفي تلك الموانع.
(الضابط الثالث): فإنه عند الاختلاف وتعارض الأدلة على تكفير المسلم يُرجح الجانب الذي فيه صالح المسلم لما فيه من السلامة والاحتياط والبعد عن خطر التكفير: وهذا الضابط هو من أهم ما يميز هل السنّة والجماعة الذين لا يكفرون أحداً من أهل القبلة إلاّ من ثبت على تكفيره دليل صريح صحيح لا معارض له، فإن اختلفت فيه الأقوال فالأولى عدم تكفيره، لان الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة خير من الخطأ في سفك دمٍ مسلم.
[القاعدة العاشرة]: افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة ناجية، أخرج الإمام أحمد ابن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([25]) .
وهذا الحديث يفهمه أهل البدع والضلال فهما على عكس مراده، فليس المراد ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن.
***
([6]) صحيح البخاري3/129 ح 2446، صحيح مسلم 4/1999 ح 2585.
([7]) صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.
([8]) صحيح البخاري 3/ 128 ح 4242، صحيح مسلم 4/1996 ح 2580.
([9]) صحيح البخاري 2/71 ح 1240، صحيح مسلم 4/1704ح 2162.
([11]) المصدر السابق 1/97 ح 96.
([12]) المصدر السابق 1/97 ح 97.
([14]) صحيح البخاري 9/146 ح 7510، صحيح مسلم 1/182 ح 193.
([15]) صحيح البخاري 1/17 ح 44.
([17]) المصدر السابق 1/57 ح 29.
([19]) صحيح البخاري 8/26 ح 6104، صحيح مسلم 1/79 ح 60.
([20]) سنن ابن ماجة 3/59 ح 1853، المستدرك علي الصحيحين 4/190 ح 7325.