المبحث الثامن والعشرون الصوفية والموقف من الفرق الضالة من أهل الإسلام
[المفتاح الأول]: أهل التصوف يرون أنّه لا يجوز تكفير أهل البدع والفرق الضالة من أهل القبلة بإطلاق، وإنما تطبق عليهم قواعد التكفير التي قـال بهـا علماء أهل السنّة والجماعة بعمـوم كل مسلـم، لا يجوز تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين: إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([1]) .
ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، والمبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بعد استيفاء شروط التكفير، وانتفاء موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررتها علماء اهل السنة والجماعة، وليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) أن نحكم عليها بأنها في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، ومن اهم مفاتيح العلم التي اعتمدها اهل التصوف في هذا الباب.
[المفتاح الثاني]: أصول الفرق الضالة على مر عصور الإسلام، الخوارج وبدع الخروج والنواصب وبدع النصب والبغض لآل البيت، والشيعة وبدع التشيع والرفض، والمعتزلة وبدع الاعتزال، والجهمية وبدع الجبر والتجهم والمرجئة وبدع الارجاء والمجسمة وبدع التجسيم والحشوية وبدع الحشو ومحاربة اهل التخصص العلمي الإسلامي، والتيمية وبدع التيميين وآخرا الوهابية وبدع الوهابية.
[المفتاح الثالث]: الفرقة الأولى: (الخوارج) ويمكن تعريفهم بتعرفين هما الأشهر: (الأول): أنهم هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وقاتلهم ولذا سموا خوارج، و(الثاني): كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة يسمى خارجيًّا، سواءً كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو غيرهم من التابعين لهم بإحسان، وقد بدأ ظهـور الخوارج كفرقة ضالة تكفر المسلمين وتستحل دماءهم وأعراضهم في عام 37 هـ عندما بايع الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم، واتهموا أمير المؤمنين على رضي الله عنه بأنّه رضي بتحكيم الرجال في دين الله تعالى: وأن هذا التحكيم كفر أكبر مخرج من الملة، واعتلوا لذلك بقول الله عز وجل {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، فكفروه بهذا الزعم الضال، وقد حاول رضي الله عنه أن يزيل ما التبس عليهم من أمر التحكيم وأنه إنما حكم كتاب الله عز وجل وشرط على الحكمين أن يحييا ما أحياه القرآن ويميتا ما أماته القرآن، وبين لهم أن القرآن إنما خط مسطوراً بين دفتين لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال، وأرسل إليهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فحاورهم وتاب منهم كثير، وأما الباقون فقد انحازوا عن جماعة المسلمين بمكان يسمى النهروان، وتركهم الإمام علي رضي الله عنه وشأنهم حتى استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، وكان أول من قتلوه عبد الله بن الصحابي الجليل خباب بن الأرت ثم قتلوا ولده وجاريته أم ولده، وانتهى خبرهم إلى الإمام علي رضي الله عنه فسار إليهم في أصحابه حتى إذا اقترب منهم أرسل إليهم أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه إنا كلنا قتلناه ولئن ظفرنا بك قتلناك، فقاتلهم رضي الله عنه وأكرمه الله عز وجل بقتل أكثرهم وصار سيفه في الخوارج سيف حق إلى قيام الساعة.
وأهم أصول الضلال عند الخوارج: (أ) غلوهم في الإمامة: فيشترطون في الإمام أن يكون على نفس معتقدهم وإلا كفروه واستحلوا دمه وأوجبوا الخروج عليه.
(ب) غلوهم مع أهل القبلة: يكفرون أصحاب الكبائر من أمة الإسلام، ويقولون كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك وكل شرك فهو عبادة للشيطان، ومرتكب الكبيرة كافر مشرك عابد للشيطان، ويحكمون على صاحب الكبيرة إذا مات عليها أنه خالد مخلد في النار أبداً كالكفار الجاحدين بالله وملائكته وكتبه ورسله ويومه الآخر، ويقولون إذا كفر الرجل كفرت نساؤه وأولاده ويحكمون بانهم مع آبائهم في النار، والكافر حلال الدم والعرض والمال ولذلك فهم يستحلون دماء وأموال وأعراض من يكفرونه من أهل القبلة، وقلما ينجو من تكفيرهم مسلم موحد.
(ت) غلوهم في حق أنفسهم: يقرون لأنفسهم بالإيمان، ويشهدون على مخالفيهم بالكفر وبالنار، يعتبرون دارهم دار إسلام وتوحيد ودار هجرة والقاعد عن الهجرة إليهم كافر ينبغي التبرؤ منه حتى يهاجر إليهم.
(ث) يقولون بأن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر مرتد حلال المال والعرض والدم دونما تفصيل أو فقه في الدين، ويقولون بأن كل من وافقه أو سكت عنه فهو كافر مثله.
(ج) من صفاتهم يدعون أهل الشرك إلى الإسلام، ويكفرون أهل الإسلام الأصليين، ويطبقون الآيات التي نزلت في المشركين على أهل الإسلام فيكفرونهم ويستحلون حرماتهم، يمرقون من الدين بأدنى شبهة، فهذه صور من غلو الخوارج كلاب أهل النار، ومن أمثلة هؤلاء في زماننا الخوارج المعروفون باسم الدواعش نسأل الله السلامة والهداية.
[المفتاح الرابع]: الفرقة الثانية: (النواصب): قوم يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحدا منهم أو يبغضون أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه على وجه الخصوص، جاء في لسان العرب: (النواصب قوم يتدينون ببغض علي عليه السلام) ([2]) .
وقال ابن حجر: (والنصب بغض علي وتقديم غيره عليه والخوارج الذين أنكروا على علي التحكيم وتبرءوا منه ومن عثمان وذريته وقاتلوهم فإن أطلقوا تكفيرهم فهم الغلاة منهم) ([3]) .
وقال الذهبي: من تعرض للإمام علي بذم فهو ناصبي يعزر فإن كفره فهو خارجي مارق بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم ونكف عما شجر بينهم) ([4]) .
والنواصب فرقة ظهرت في بدايات العصر الإسلامي: كانت تبغض آل البيت أو أفرادا منهم كالإمام علي رضي الله عنه، او الحسين رضي الله عنه، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيهم كل مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ: وهم: ذريته، من أبناء الحسن والحسن، وأزواجه أمهات المؤمنين، وبنو هاشم وبنو المطلب، ومواليهم، وهذه الفرقة كانت تفسق الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتشكّك في أفضليته، وكانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة لنفسه، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من الصحابة والتابعين في الجمل وصفين، ومنهم من يقول بأنّه شارك في دم عثمان، ومنهم من يقول: أنه رضى بقتله وفرح بذلك، ومنهم من يقول أنه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ومنهم من يقول أنّ الحسين رضي الله عنه خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([5]) . وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، والفرق بين الخوارج والنواصب، أنّ النواصب والخوارج كليهما اشتركوا في مناصبة علي العداء، ولكن النواصب يفسقون الإمام علي رضي الله عنه، أما الخوارج فيكفرون الإمام علي رضي الله عنه، وكذلك فإن النواصب يقبلون عثمان أما الخوارج فيكفرونه، وأهل السنة والجماعة يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الإسلام، ويتبرؤون من طريقة الخوارج الذين يكفرون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن طريقة النواصب الذين يفسقون آل البيت ويؤذون آل البيت بقول أو عمل، وأهل السنة والجماعة يتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وأهل السنة والجماعة يمسكون عما شجر بين الصحابة اجلالا لقدرهم وحفظا لفضلهم وحفظا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم فيهم.
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين ناصبوا للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه العداوة، وعلامة هؤلاء أنّهم كانوا يتهمونه بالظلم، وأنه كان طالباً للدنيا، وانّه كان طالباً للخلافة، وأنّه قاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفا من المسلمين في الجمل وصفين، وأنّه لم يكن مقصده تأليف المسلمين وربطهم بإمام واحد، ومن علاماتهم أنّهم يقولون أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه شارك في دم عثمان، أو من يقول: أنه رضى بقتله وفرح بذلك، أو من يقول أنه لم يقاتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا ولا فتح مدينة بل قاتل أهل القبلة في الجمل وصفين والنهروان يريد التنقيص منه، ولا شك أن قولهم في هذا كله قول باطل، ولنا ما جاء في (صحيح مسلم) عن زر قال: قال عليٌّ رضي الله عنه: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([6]) .وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد النواصب الذين يبغضون الحسن والحسين رضي الله عنهما، والذين نالوا من سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما، فقالوا: إن الحسين بن علي خرج على إمام زمانه، وكانوا يجوزون قتله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان) ([7]) .
فإن الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسلهما إلى يوم القيامة هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحب الحسن والحسين من علامات الإيمان، ولنا ما جاء الصحيحين عن البراء رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي على عاتقه يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) ([8]) .
وأهل السنّة والجماعة يتبرؤون من معتقد الروافض النواصب الذين يبغضون أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن وأرضاهن، فكل من سبهن او سب إحداهن فهو ناصبي نجس، أمّا اتهام الطاهرة المطهرة الصديقة التي طهرها القرآن الكريم من الفاحشة فهذا كفر وتكذيب للقرآن، والروافض الانجاس بعضهم يتهم الصديقة بنت الصديق بالفاحشة: ففي تفسير القمي أصل تفاسيرهم المعتمدة هذه الرواية:(قال علي بن إبراهيم في قوله (وضرب الله مثلاً) ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله، مثلاً فقال (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما) قال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحل له أن تخرجين – كذا – من غير محرم فزوجت نفسها من فلان) ([9]) .
وكما ترى أن النص ليس فيه تصريح بالأسماء على عادة القوم من الكفر والتدليس عليـه، ولكن في وجود الدولة الرافضية قلت التقيه فصرح عالمهم المجلسي بالأسماء فقال: (وليقيمن الحد أي القائم عليه السلام عند الرجعة وفلانة هي عائشة ” قلت رضي الله عنها ” وفلان هو طلحة بن عبد الله ” قلت رضي الله عنه “)([10]) .، فأي عداء لآل بيت النبوة بعد هذا الذي عليه هؤلاء، يطعنون في الصديقة بنت الصديق التي برأها الله عز وجل مما قذفها به المنافقون، وتحذر المؤمنين من مجرد سماع هذا الإفك العظيم، فقال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17]، قال ابن كثير في تفسير الآية: ” أجمع أهل العلم قاطبة على أنّ من سبها ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ” أ،هـ ([11]) فمن قذف أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة رضي الله عنها، بما برأها الله منه، وهي فاحشة الزنا، فهو كافرٌ بإجماع المسلمين، لأنه مكذب لكتاب الله، إذ إن الله سبحانه وتعالى برَّأها من ذلك في كتابه الكريم في سورة النور وجعل اتهامها بالفاحشة إفكا، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فالقرآن الكريم جعل اتهامها افكا، وكتب لها البراءة {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}، وذكر أنّ {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، وليس أطيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس أطيب من زوجاته أمهات المؤمنين، فالله يقول هي بريئة، والقاذف لها يقول هي زانية، فيكون مكذِّباً لكلام الله، فهذا كافر مرتد عن دين الله، فمن قذفها بما برَّأها الله منه وهو الزنا، فقد كفر بالله العظيم، قال النووي في شرح صحيح مسلم: (براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان – والعياذ بالله – صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا إكرام من الله تعالى لهم) انتهى([12]) وقال ابن تيمية في الصارم المسلول: (فأما من سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال القاضي أبو يعلى: “من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف”، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم) انتهى([13]) .
[المفتاح الخامس]: الفرقة الثالثة: (المعتزلة): والمعتزلة اسم يطلق على فرقة ضالة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة (105 هـ وسنة 110 هـ)، وكان بداية ظهورها على يد واصل ابن عطاء (80 هـ – 131 هـ).
وأصول الضلال عند المعتزلة خمسة، يظنون أنها من أصول الحق الخمسة وهي في حقيقتها أصول الضلال عند المعتزلة [الأصل الأول]: يسمونه التوحيد وهو في حقيقته إفراط في باب التنزيه على حساب الإثبات وخوض في صفات الله تعالى بما لا ينبغي، وقد وصلوا من خلال هذا الأصل إلى نفي جميع صفات الله تعالى: من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، ووصلوا إلى نفي رؤية الله عز وجل في الدار الآخرة مع أنها ثابتة بإجماع أهل السنّة بأدلة تقرب من التواتر صحة وثبوتاً.
[الأصل الثاني] يسمونه العدل وهو في حقيقته نفي القدر والتكذيب به، وهذا الأصل يبحثون فيه أفعال الله تعالى: وقد راموا في هذا المبحث نفي الظلم عن أفعال الله تعالى: فوقعوا في وصفه – سبحانه – بالعجز، ومن ضلالاتهم المتعلقة بهذا الأصل: أنهم يرون أن أفعال العباد هم الخالقون لها والمحدثون لها، ويرون أن من قال: أن الله تعالى هو خالق أفعال العباد فقد عظم خطأه لأنه نسب إلى الله تعالى: الجور والظلم، ونسب إليه فعل القبيح لأن أفعال العباد أكثرها قبيح، ويرون أن الله عز وجل يجب عليه أبدا فعل الأصلح لأنه إذا لم يفعل ذلك كان ظلماً للعباد ونقصاً لما فيه صلاحهم وخلافاً للحكمة التي يجب أن يتصف بهــا، ومعتقد أهل السنّة أنه لا يجب على الله تعالى شيء، أراد المعتزلة نفي الجور والظلم عن الله عز وجل فوصفوا الله عز وجل بالعجز وعدم كمال القدرة والمشيئة.
[الأصل الثالث]: يسمونه الوعد والوعيد: وهو في حقيقته حجر لرحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء، ونفي لعفو الله عز وجل لعباده العاصمين لأصحاب الكبائر من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، ومفاده أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وأنه يفعل ما وعد لا محالة ولا يجوز عليه الخلف وإلا كان كذباً لا ينبغي أن يوصف به الله عز وجل – وهذا حتى الآن لا غبار عليه به قول أهل السنّة والجماعة-، ولكنهم يرتبون على ذلك أن الوعد بالثواب هو بطريق الاستحقاق وأن العبد مستحق لذلك الثواب وليس هو من باب الفضل والتفضل، وهم بذلك مخالفون لأهل السنّة والجماعة، لأن أهل السنّة يرون أن هذا محض فضل الله تعالى: على عباده المطيعين لأنه سبحانه هو الذي يسر لهم الطاعة ونعمه عليهم تكافئ الطاعة وتزيد عليها فأي حق لهم سوى فضل الله عز وجل عليهم بدليل قول أهل الجنة {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ،} [فاطر: 35] فالجنة إنما يحل فيها أهلها بفضل الله، ويصدق هذه الآية الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) [صحيح البخاري: ك الرقاق – باب القصد والمداومة على العمل]، فدخول الجنة محض فضل تفضل الله به على أهل طاعته، ولكنه محض فضل منّ الله عز وجل به من حلمه وعفوه ومغفرته وسعة رحمته وعظيم صفاته، هذا هو فهم أهل السنّة والجماعة لمسائل الوعد، وشتان بين الذي يقول أن دخول الجنة للمطيعين واجب على الله لاستحقاق المطيع ذلك بطاعته كما يقول المعتزلة وبين من يقول أنه محض فضل الله به ومن كمال رحمته تفضل بذلك الفضل على المؤمنين، وهو قول السنة.أما مسألة الوعيد، فإن المعتزلة أتوا فيها بما يضحك الثكلى فقالوا: كما أن الوفـاء بالوعد واجب على الله، كذلك الوعيد فإنه واجب على الله أن يوفي بوعيده، والوعيد معناه كل خبر يتضمن إيصال العقوبة والضرر والعقاب والعذاب إلى الغير مستقبلاً، وعلى ذلك فمن توعده الله بالعذاب أو النار فإنه لا يعفو عنه ولكن يعذبه ويوفي بوعيده وإلا تضمن خطاب الله عز وجل خلف الوعيد وبناءً على هذا الأصل الضال بنوا بأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار خلود الكافرين، مع أتفاق العقلاء على انّ الكريم إذا وعد وفى وإذا اوعد عفا.
[الأصل الرابع]: يسمونه المنـزلة بين المنـزلتين: وهو في حقيقته نفي مطلق الإيمان عن أصحاب الكبائر وجعلهم في منزلة بين الإيمان والكفر فلا يأخذون اسم أحدهما ولا حكمة، ومن ثم مضاهاة الخوارج في الحكم عليهم بالخلود الأبدي في النار خلود الكافرين.والمعتزلة بهذا القول خالفت إجماع أهل القبلة بما فيهم الفرق الضالة، فلم يقل بالمنـزلة بين المنـزلتين غيرهم ولا أحد قبلهم، وهذا وحده كاف في بيان ضلال ما ذهبوا إليه، إذ ديننا الحنيف مبني على الاتباع لا الاختراع والابتداع لا سيما في مسائل الاعتقاد التي تتعلق بها اسم الملة وأحكامها.
[الأصل الخامس]: يسمونه الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر، وهو في حقيقته تهيئة الأجواء للخروج على الحاكم المسلم العاصي أو الفاسق وإثارة الفوضى والهرج والمرج وسفك دماء المسلمين، وذلك لأنهم يرون الخروج على الحاكم العاصي أو الفاسق لأنه عندهم لا هو مسلم ولا هو كافر وإنما هو في منـزلة بين المنـزلتين وأنه في الآخرة خالد مخلد في النار مع الكافرين.وأهل السنّة والجماعة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية منها أنه لا يجوز إنكار المنكر إذا كان يعقبه منكر أكبر منه، وكذلك فإن حد إنكار المنكر هو تغييره باليد دون استعمال السيف، والسيف عندهم لا يستعمل إلا بضوابط عديدة تضمن صحة تغيير المنكر وإلا فتركه أولى من تغييره، والمعتزلة لا يفرقون في قتالهم بين الفاسق والكافر بخلاف أهل السنّة فإنهم يفرقون بين الفاسق والكافر، بل ويجعلوه في إطار الإسلام ما كان فسوقه لم يخرجه من إطار الملة إلى الكفر بناقض ينقض أصل إيمانه.
[المفتاح السادس]: الفرقة الرابعة: (المرجئة): و(الإرجاء): في الاصطلاح: هو صفة وعلامة على فرقة ضالة في الاعتقاد وهي المرجئة وإرجاء هؤلاء معناه تأخير العمل عن مسمى الإيمان، فلا يجعلون الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، و(المرجئة): لهم مقالات تدل على إهمال قيمة عمل الجارحة بالكلية منها قول بعضهم (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع من الشرك طاعة)، وقول بعضهم (المعصية لا تضر صاحب التوحيد) وقول بعضهم (لا يدخل النار مؤمن) ويقصدون بالمؤمن كل من قال لا إله إلا الله معتقداً لها مهما أتى من الذنوب والآثـام.
وأهل السنّة يقولون لا يخلد في النار مؤمن، والفارق بينهما عظيم فالمرجئة يقولون بعدم دخوله النار ابتداءً وهذا إهمال عظيم لعمل الجوارح وإهدار عظيم للطاعات واستهتار واضح بالمعاصي والذنوب، أما أهل السنّة فيقولون بأنه في المشيئة ويدخل فريق منهم النار يقيناً لأنه قد صحت بذلك الآثار، ويمكثون في النار ما شاء الله، ويقولون غمسة في النار لا تساويها الدنيا بأسرها بنعيمها ولذاتها، إلا أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار خلود الكفار الجاحدين المكذبين، وغالب فرق الإرجاء ينفون وجود مكفرات من الأعمال، فسب الله عندهم ليس بكفر إلا إن صاحبه استحلال، وكذلك قتال الأنبياء وقتلهم والسجود للأصنام وإلقاء المصاحف في الحشوش، فيقولون ليست هذه الأعمال كفراً حتى يصاحبها استحلال، وليست كذلك عند أهل السنّة لأنهم يقولون إنها لا تصدر إلا مع انتفاء عمل القلب من الانقياد والتعظيم ولا تصدر بقصد إلا من كافر، ولا يلزم معها استحلال لأنها ملازم لها لا ينفك عنها بحال، ومن مقالاتهم الشنيعة: قولهم (((من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مؤمن مستكمل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل والملائكة وإن قتل كذا وكذا وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة)) ([14]).
وقولهم ” لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة “وقولهم ” ما دون الشرك مغفور لا محالة وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات “([15]).
وقولهم ” إن الله لا يعذب الفاسقين من هذه الأمة ” أهـ([16]). وقولهم ” لا يدخل النار إلا الكفار فحسب ” ([17]). وقولهم ” من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة إذا مات وإن زنى وإن سرق وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقراً بها لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش ” ([18]).
ومقصدهم من ذلك عدم دخول النار ابتداءً فالنار محرمة عليهم ولا تمس أجسادهم قط، ” قلت ” وبعد جمع أقوالهم الشنيعة في الإيمان أرجو أن تكون الصورة قد اكتملت تجاه هؤلاء الذين يهدرون تماماً قيمة عمل الجارحة وقيمة الطاعة ويستخفون تماماً بالمعاصي والآثام والذنوب وهم مع ذلك يجزمون لأنفسهم بكمال الإيمان فنعوذ بالله من البدعة والضلالة.
[المفتاح السابع]: الفرقة الخامسة: (الجهمية): هم أتباع الجهم بن صفوان وهو ضال مبتدع قال عنه الذهبي ” هلك في زمان التابعين وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً ” أهـ ـ([19]). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ” ذكر قول الجهمية ما تفرد به جهم: الذي تفرد به جهم القول بأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله – سبحانه ! – إلا أنه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولوناً كان به متلوناً، وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتل ” جهم ” بمرو، قتله مسلم بن أحوز المازني في آخر ملك بن أمية ويحكي عنه أنه كان يقول: لا أقول إن الله – سبحانه! – شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء، وكان يقول: إن علم الله – سبحانه ! – محدث، فيما يحكي عنه، ويقول بخلق القرآن، وأنه لا يقال: إن الله لم يزل عالماً بالأشياء قبل أن تكون ” أهـ([20]).
، ويمكن تلخيص أهم ضلالات الجهمية في هذه الأصول الضالة:
(الأصل الأول): تعطيل الأسماء والصفات ونفيها عن الله عز وجل.
(الأصل الثاني): القول بالجبر في باب الإيمان بالقدر.
(الأصل الثالث): القول بالإرجاء الغالي في باب الإيمان وهو أنه يكفي المرء في الإيمان مجرد المعرفة.
(الأصل الرابع): القول بفناء الجنة والنار.
(الأصل الخامس): إنكار أكثر الأخبار الواردة في أمور اليوم الآخر كإنكار الصراط والميزان ورؤية الله تعالى: وعذاب القبر.
[المفتاح الثامن]: الفرقة السادسة: (الشيعة): في مقابل الخوارج الذين كفروا الإمام علي واستحلوا دمه، بدأ ظهور الرفض في شيعة الإمام علي رضي الله عنه متمثلا في جماعة عبد الله بن سبأ، وهؤلاء (السبئية) – على النقيض من الخوارج – غالوا في الإمام علي وادعوا له ما ليس من حقه، وما لا يرضاه هو رضى الله عنه لنفسه، وقد ظل الإمام علي رضي الله عنه يبغض هؤلاء وهؤلاء (أي الخوارج والروافض)، ويحمل في قلبه ثقيل هم جمع الأمة ووحدة صفوفها على الحق كما كانت على عهد الخلفاء الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، وظل رضي الله عنه على ذلك حتى تمكن أحد الخوارج المارقين من قتله غدرا وهو في طريقه إلى صلاة الفجر، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم بايع أصحابه الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لسيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالإصلاح بين فئتين عظيمتين من المسلمين فتنازل بالخلافة للصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وبذلك توحدت الأمة واجتمعت كلمتها وسمي هذا العام بعام الصلح، وبعام الجماعة وكان ذلك عام واحد وأربعين من الهجرة، وكان كل واحد من الحزبين يعتقد بإيمان الآخر وإسلامه ويحب الإصلاح بينهما ويسعى إلى التوافق والتصالح، وعلى ذلك صالح الحسن بن علي معاوية رضي الله عنهم أجمعين وبايعه، على أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم وأخذ على هذه الشروط العهود المغلظة باليمين، وتم الصلح وسمي هذا العام عام الجماعة، ولكن التشيع بعددها بدأ يأخذ منحنى عقدي ظهر فيه تأثير جماعة عبد الله بن سبأ اليهودي، وأدخل إلى التشيع عقائد غريبة عن الإسلام شيئا فشيئا حتى استقر للشيعة ثلاث مذاهب أقربها إلى أهل السنّة والجماعة الزيدية، وأبعدها الباطنية الإسماعيلية، فهم على عقائد مكفرة تٌخرج اكثرهم من الإسلام، والفرقة الثالثة وهي الإمامية، والتي بفعل السبأيين اتباع ابن سبأ كالكليني والمفيد والكذوب وغيرهم اقتربت من الإسماعيلية ودخلت الإمامية في مكفرات خطيرة لا سيما بعد تبني الدولة الصفوية لها، وزاد الطين بلة وصول الخميني المغالي في الصفوية إلى سدة الحكم في ايران وتبني المذهب المتطرف من الإمامية.
وللتاريخ فإنّ الكليني والمفيد وأعلام الإمامية الذين أسسوا للفرقة الإمامية وألفوا فيه الكتب والمجلدات فإنهم جميعا من أعلام السبئية، ومن أتباع الزنديق عبد الله بن سبأ اليهودي المتأسلم، الذي فعل في الإسلام ما فعل أخوه بولس اليهودي في النصرانية، والملاحظ: أنّ المذهب الشيعي غير ثابت، ومن طبيعته أنه يتطور من وقت لآخر، ويتغير من جيل لجيل، حتى أن ما يعتبر غلواً عند الشيعة الماضين فإنه قد يصبح اليوم من ضرورات المذهب، والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق الشيعية، ولكن من الملاحظ أنّ الفرقة الإثنى عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى.
[1] انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، الزيدية والإسماعيلية والإمامية الإثني عشرية، و(الزيدية): أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنّة والجماعة.
و(الإسماعيلية): أبعد القوم عن دين الإسلام واكثرهم باطنية خرجوا عن الملة الإسلامية بمكفر من المكفرات، ولذلك عدهم كثير ممن تكلم في فرق المسلمين انهم ليسوا مسلمين، ولا يُعدون من الفرق الإسلامية الضالة أصلا.
و(الإمامية) هي أكبر هذه الطوائف الشيعية اليوم عددا، اختلف علماء المسلمين في تقييمهم اشد الاختلاف وذلك لعقيدة غامضة عندهم سموها التقية فيخفون بها ما يبطنون ويظهرون بها خلاف ما يعتقدون فالله أعلم بحالهم ومآلهم لنا الظاهر أنّهم مسلمون ما لم يأت أحدهم بكفر بواح لنا فيه عند الله برهان.
[2] الفرقة الأولى من فرق التشيع:[الزيدية]: (الزيدية): هم من أقرب الفرق الشيعية إلى أهل السنّة والجماعة، حيث تتصف بالاعتدال والقصد والابتعاد عن التطرف والغلو الذي هو سمة الشيعة الإمامية، ولولا الاعتزال الذي اعتقدوه لكانوا أقرب الناس قاطبة إلى أهل السنّة والجماعة، وتنسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (80 – 122 هـ) كان تقيّا شجاعا، وقد اتصل برأس المعتزلة واصل بن عطاء، وتدارس معه العلوم، فتأثر به وبأفكاره التي نقل بعضا منها إلى الفكر الزيدي، وبالمقابل تتلمذ أبو حنيفة على الإمام زيد وأخذ منه بعض العلم والفقه،
[الأفـــكار والمعتقــدات]: (1) الزيدية يُجيزون الإِمامة في كل أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحسين، (2) الإِمامة لديهم ليست بالنص، إذ لا يشترط فيها أن ينص الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنها ليست وراثية بل تقوم على البيعة، فمن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها، (3) لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مستوراً إذ لابد من اختياره من قبل أهل الحل والعقد، ولا يتم اختياره إلا إذا أعلن عن نفسه مبيناً أحقيته بالإِمامة، (4) يجوز لديهم وجود أكثر من إمام واحد في وقت واحد في قطرين مختلفين، (5) تقول الزيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعاً بل من الممكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانب من الفضل مع وجود من هو أفضل منه على أن يرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التي يدلي برأيه فيها، (6) معظم الزيدية يقرون خلافة أبي بكر وعمر، ولا يلعنونهما كما تفعل فرق الشيعة، بل يترضون عنهما، ويقرون بصحة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور، (7) يميلون إلى الاعتزال فيما يتعلق بالذات والصفات، والجبر والاختيار، ومرتكب الكبيرة يعتبرونه في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة ولكنه غير مخلد في النار إذ يعذب فيها حتى يطهر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنة، (8) وهم يرفضون التصوف رفضاً قاطعاً، (9) ويخالفون الشيعة الإمامية في زواج المتعة ويستنكرونه، (10) هم متفقون مع السنّة بشكل كبير في العبادات والفرائض سوى اختلافات قليلة في الفروع من مثالها: يقولون “حي على خير العمل” في الأذان، وصلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات، ويرسلون أيديهم في الصلاة، وصلاة العيد تصح فرادى وجماعة، ويحكمون ببطلان الصلاة خلف الفاجر، ويرون أنّ تقليد أهل البيت أولى من غيرهم، ويقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظالم الجائر ولا تجب طاعته، ولا يقولون بعصمة الأئمة عن الخطأ، ولا يغالون في رفع أئمتهم على غرار ما تفعله الإمامية والإسماعيلية.
[تأثر الزيدية بالمعتزلة]: انعكست اعتزالية واصل بن عطاء على الزيدية وظهر هذا جلياً في اقرارهم بالأصول الخمسة لدى المعتزلة، وقد تقدم ذكرها.
[تأثر الزيدية بقيام الثورة الإمامية بإيران]: جدير بالقول أن الزيدية ظلت لسنوات طويلة زيدية صرفة يحارب أئمتها التشيع والرفض، إلا أن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 شكل خطرا على الاعتدال الزيدي، خاصة وأن إيران مدّت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة الرافضية ونشر الرفض في العالم ومنه اليمن، وصارت الكثير من الهيئات والمؤسسات الزيدية تنحى منحى إمامياً اثنى عشرياً، لاسيما الجارودية أتباع الحوثي، وصاروا يقلدون الروافض الإمامية بإحياء مناسباتهم ومجالسهم مثل إحياء ذكرى استشهاد الحسين، وإقامة المجالس الحسينية، وإحياء وفاة بعض الأئمة مثل جعفر الصادق ومحمد الباقر وعلي زين العابدين، واتخاذ بعضهم جبلاً في مدينة صعدة أسموه (معاوية) يخرجون إليه في يوم عاشوراء ويطلقون عليه نيران أسلحتهم، والاحتفال بيوم الغدير، مما يثير الشك في تحولهم تماما إلى المذهب الرافضي الذي كانوا بالأمس يرفضونه ويلعنون متبعيه.
[3] الفرقة الثانية من فرق التشيع: [الإسماعيلية]: (الإسماعيلية): فرقة باطنية، انتسبت إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر، وحقيقتها تخالف العقائد الإسلامية الصحيحة، وقد مالت إلى الغلوِّ الشديد لدرجة أن الشيعة الزيدية والاثني عشرية يكفِّرون أعضاءَهَا، ومن فرق الإسماعيلية: الإسماعيلية القرامطية، والإسماعيلية الفاطمية، والإسماعيلية الحشاشون، والإسماعيلية البهرة، والإسماعيلية النصيريون، والاسماعيلية الدروز.
[الأفكار والمعتقدات التي تكاد تجمع الإسماعيلية]: (1) ضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل، (2) العصمة لديهم ليست في عدم ارتكاب المعاصي والأخطاء بل إنهم يؤولون المعاصي والأخطاء بما يناسب معتقداتهم، (3) من مات ولم يعرف إمام زمانه ولم يكن في عنقه بيعة له مات ميتة جاهلية، (4) يضفون على الإمام صفات ترفعه إلى ما يشبه الإله، ويخصونه بعلم الباطن ويدفعون له خُمس ما يكسبون، (5) يؤمنون بالتقية والسرية ويطبقونها في الفترات التي تشتد عليهم فيها الأحداث، (6) الإمام هو محور الدعوة الإسماعيلية، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، (7) الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو باطن مستور فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، (8) يقولون بالتناسخ، والإمام عندهم وارث الأنبياء جميعاً ووارث كل من سبقه من الأئمة، (9) ينكرون صفات الله أو يكادون لأن الله ـ في نظرهم ـ فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، ولا يقولون بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين، ليس بالقديم وليس بالمحدث فالقديم أمره وكلمته والحديث خلقه وفطرته، و(الإسماعيلية) في بدايتها كانت إحدى الفرق الشيعية ولكنها غلت في أئمتها أشد من غلو الرافضة، وتأثرت بمؤثرات كثيرة حتى وصل الأمر إلى أن بلغت حد الغلو المخرج من ملة الإسلام حتى اعتبرتها معظم الفرق الإسلامية كافرة وخارجة من الإسلام، لما أسبغوه على إمامهم من صفات تصل به إلى ما يشبه مقام الألوهية، ولقولهم بالتناسخ واستحلال ما حرّم الله.
ومن أبرز الفرق الإسماعيلية الباطنية: [(أ) الإسماعيلية القرامطة: (ب) الإسماعيلية الفاطمية (العبيدية) (ت) الإسماعيلية الحشاشون: (ج) الإسماعيلية البهرة: (ح) الإسماعيلية (النصيرية)]:
(تنبيه): الإسماعيلية الغلاة ليسوا من أهل القبلة أصلا فلا نرى ضلالهم في الإيمان وحسب، بل هم ربما على ملة غير الإسلام نسأل الله السلامة.
[4] [الشيعة الإمامية الاثنا عشرية]: يقال لهم: (الإماميّة) لقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على استخلاف علي بن أبي طالب من بعده، ويقال لهم: (الجعفرية) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ابن محمد الباقر، وهو منهم برآء، لأنّهم يكذبون عليه، فقد اخرج ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) بإسناد صحيح إلى المحدّث الحافظ الكبير أبي حفص ابن شاهين (٣٨٥هـ) أنه قال: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد، وأحمد بن حنبل)، وهو يقصد كثرة الكذب على جعفر الصادق وعلى أحمد بن حنبل، من غلاة المتعصبين لهما، ويقال لهم (الاثنا عشرية) لانهم يقولون بالنص على اثني عشر إماما معصوما، يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأن عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وهكذا إلى أن سمّوا اثني عشر إماماً من أولاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي دخل السرداب، وينتظرون خروجه، وهو المهدي المنتظر عندهم، ويقال لهم (الرافضة) لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهما للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الوزيران، وقيل سموا بالرافضة لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، رفضه هؤلاء فقال لهم: رفضتموني، فسُمّوا رافضة لرفضهم إياه.
ومن عقائد الإمامية الاثني عشرية: (1) التشكيك في حفظ القرآن الكريم، (2) تكفير الصحابة إلا قليلاً منهم، (3) التشكيك في نزاهة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، (4) تكفير المسلمين إلا من كان على مثل عقيدتهم، وكل تلك الطوام يرى كثير من أهل العلم أنها مكفرات، ولكن لنا الظاهر والله أعلم بالسرائر.
(تنبيه): عندما تبنت الدولة الصفوية الحكم في إيران، تشددت في انتقاء الآراء لأكثر تشددا في معتقد الإمامية، حتى صارت عبئا كبيرا على الإسلام والمسلمين وحجر عثرة أمام وحدتهم وقوة بأسهم، وكانت على الإسلام وأهله أشد خطرا من الكفار الأصليين نسأل الله السلامة من الفتن، لاسيما عندما وصل الخميني إلى سدة الحكم فحاول القضاء على المد السني في العالم كله، بأنشطته التوسعية في نشر المذهب الإمامي الصفوي وأضعف أهل الإسلام بتحالفاته مع الغرب والشرق وقسم العالم الإسلامي إلى قسمين بأسهم بينهم شديد، وقد أفرت لها المبحث التالي لمعرفة معتقداتهم بعد تبني الآراء الأكثر تشددا وتطرفا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[المفتاح التاسع]: الفرقة السابعة: (الحشوية): الحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق قديما على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكنهم ي الحقيقة أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف.
[1] أبرز صفات الحشوية: الحشوية لهم مواصفات معينة، أبرزها أنّهم بعيدون عن التقديس والتنزيه، لا يعلمون شيئا عن التنزيه والتقديس المتعلق بذات الله تعالى، ينسبون إلى الله تعالى الجوارح والأجزاء والأبعاض، ويعتقدون في ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، يتكلمون في ذات الله تعالى بالمحسوس الذي يحسونه، ويخلطون ما بين المحسوس والمعقول ولا يفرقون بينهما، وهم لا يحترمون تخصص العلماء، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أهم مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، لا يستوعبون قواعد التقديس والتنزيه المستمدة من فقه الكتاب والسنّة، وأدى ذلك إلى الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، وإلى خلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، إذ توحيد الذات هو قسم التقديس الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، والغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والخطأ في فهم بعض معاني الشرك والعبادة وفيما يدخل في مسمى عبادة غير الله وما لا يدخل فيها، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون شركهم أكبر من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وإلى الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنّة والجماعة في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنّة والجماعة، ويرغب أنصاف المتعلمين منهم في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها، والغلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج، وإهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنّة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، وعدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في تهديد الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].وهم ينتسبون إلى السلف، والسلف برآء منهم، وهم يذهلون عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، واعتقاد أن مذهبهم إثبات العلم ونفي الكيفية، ولنا أن نتساءل كيف يكون متشابها ثم يتصف بالعلم، وهل كان متشابها إلا لمحاذير إثبات العلم به ولكنهم لا يعلمون تلك المحاذير، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيين – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم، وأخطر ما في هذه الفرقة أنّ آثارها السيّئة، كانت ولا زالت تهدم تخصصات الإسلام، وتنخرُ القلاع العلمية الحصينة، التي أسّسها وبناها علماء المسلمين طوال القرون، ولذلك فهم من شر الفرق، وذلك لأنّهم يتدثرون بلباس السلف، ويهدمون بمعاولهم دين الإسلام بزعم اتباع الكتاب والسنّة وباسم السلف.
[2] لماذا سماهم أهل العلم بالحشوية:
(أ) لأنّهم يحشون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة، في أبواب العقيدة وما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، ويقبلونها ويستنبطون منها الوحل والتجسيم والتشبيه والتمثيل ثم يلوكون السنتهم بعد الخوض فيها بقولهم بلا كيف.
(ب) لأنّهم يحشون عقائدهم بالمستحيلات العقلية، وبكل ما يخالف صريح العقل، وهم أبعد الناس عن العقل.
(ت) لأنّهم يحشون عقولهم بالمتناقضات: لأنّهم أهل التناقض، فهم يبدعون المؤولة، ثم يتأولون القرب والمعية والإحاطة بالعلم والسمع والبصر، ولا يتأولون العلو بعلو المكانة، ولا الاستواء بالهيمنة والتدبير والربوبية، مع أنّ المنهج العلمي القويم يحتم إما تأويل الجميع أو اعتقاد الجميع، لا فرق بين هذا وهذا إلا في أسقامهم التي كيفت وجود الله من حيث لا تشعر بوجود الملك في مملكته، ولا بد له من مكان يدير منه أمر المملكة، وهذا المكان هو العرش على ظنهم، وأنّه بذاته فوق عرشه.
(ث) لأنّهم يحشون أنفسهم في زمرة أتباع السلف والسلف من زيغ عقائدهم براء، وينتسبون إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، وهم يحاولون بذلك تبرئة أنفسهم من مغبّة الآراء الباطلة، والمخالفة لأدلّة العقل السليم والنقل الصحيح، فهم يُسندون جميع أقوالهم إلى غيرهم من الأموات السالفين، ويزعمون أنهم أهل الكتاب والسنّة، وهم أهل الظاهر والحشو والجفاء، أبعد الناس عن فقه الكتاب والسنّة، وأبعد الناس عن روح عقائد التقديس التي امتلأت بها أدلة الكتاب والسنّة.
[3] أخطر مشاكل الحشوية عدم احترام التخصص العلمي لعلوم الإسلام:
إنّ أخطر الآثار المترتبة على عدم احترام التخصص تتمثل في: الفوضى العلمية، والفوضى الفكرية، والخطأ في تقييم المواقف واصدار الأحكام، كما يؤدي إلى فوضى التبديع الناشئة عن عدم احترام تخصصات الآخرين، والهجوم على أصحابها واتهامهم بالبدعة والانحراف عن الدين، كما يؤدي عدم احترام التخصص إلى فوضى الغلو والانحراف والإفراط والتفريط في دين الله تعالى، وتنتشر الفتاوى الخاطئة الناشئة عن عدم احترام التخصص والهجوم على تخصصات الآخرين بغير علم ولا معرفة لأسباب تبني أهل التخصص لهذا الحكم دون غيره، مع أنّ الحق حتما يكون مع أهل التخصص، وقد امتدح الله تعالى أهل التخصص بقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وأمرنا تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أهل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
[4] تاريخ تسلسل ظهور الحشوية: (نصيحة): إذا أردت أن تعرف تاريخ تسلسل ظهور الحشوية فلابد من مطالعة فتاوى الشيخ ابن تيمية لأنّهم سلفه الحقيقيون الذين استند إليهم في رسم صورة العقيدة التي تبناها في ذات الله تعالى، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث في جناب ذاته، وأنه يتجدد له العلم والسمع والبصر والكلام، وأنه يتأثر بالزمان وعليه يكون الزمان فاعلا في ذاته بحيث بتجدد له علم وسمع وبصر وانه يتحرك ويسكن قياسا على الأجسام كلما تجددت الوقائع والحوادث والمخلوقات وأنه يتكلم ويسكت قياسا على الآدميين وانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، وان لوازم النزول ممكنه كالحركة والسكون، وان له الوجه واليدين والعينين والقدم والساق صفات عين (ذات) بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف جناب الذات بالحد والنهاية، فوجدت أنّ سلفه في عقيدة الحشو والتجسيم بضع عشرة رجال أحدهم يجوز على الله أن يستوى على جناح بعوضة وابن تيمية لا يرى بأسا بهذا الهراء وعند التحقيق فإني أرى أن نسبة الولد إلى الله أهون من هذا الحمق والجسور على الله، فالبعوضة من أحقر الحشرات أيجوز عند أولي الألباب أن الإله جل جلاله يمكن أن يقعد على جناحها ثم تطير به فإنّا لله وإنا إليه راجعون، وبعض هؤلاء يصحح رواية الشاب الأمرد ويعتقدونها.
فإنّ هؤلاء الذين استقى منهم ابن تيمية معتقده في جناب الذات،: (الأول) هو مقاتل بن سليمان (المتوفي سنة 150 ه) وهو الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات، وأخذ من علم اليهود والنصارى ما يدعم مذهبه في التجسيم والتشبيه، (الثاني) هشام بن سالم (ت 183 هـ)، واتباعه السالمية الذين اثنى ابن تيمية على عقيدتهم، وهو الذي كان يعتقد في معبوده أنه على صورة إنسان: أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وله وفرة سوداء، (الثالث) محمد بن كرام السجزي المجسم (ت 255 هـ)، وهو القائل: إنّ معبوده مستقرّ على العرش بذاته وزعم أنه جسمٌ له حدّ ونهاية من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وأتباعه هم الكرامية المجسمة، (الرابع) وهو ذي أضر به أيما ضرر وهو أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي السجزي: (ت 282 هــ) وهو الذي زعم أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وأن الله حي ودليل حياته الحركة والانتقال وأن الفرق بين الحي والميت هو الحركة، (الخامس) ابن أبي عاصم (ت 287 هــ) وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه (السنة) من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، يقصد بعض الرحمن، وكأن سورة الإخلاص لم تبلغه وفيها الأحد تقديس عن الأبعاض والأجزاء، ومنها أن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، (السادس) كتاب السنّة لعبد الله بن الإمام أحمد (ت 290 هــ) هذا إن صحت نسبة كتاب السنّة إليه وهذا فيه شك كبير، لأنّ فيه أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، وأبوه الإمام أحمد كان يجل الإمام أبي حنيفة أيما إجلال، بل في بعضها تكفيره، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، (السابع) الخلال (ت 311 هــ): كان يصرح بجلوس الله تعالى على العرش وأنّ الذي ينكر ذلك فهو جهمي معطلي زنديق كافر، وهو صاحب عقيدة جلوس الرحمن على العرش، وعقيدة الشاب الأمرد، (الثامن) ابن خزيمة (ت 311 هــ) صنف كتابه (التوحيد) على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، باب الوجه باب العين باب اليد باب الساق، ومما فيه من السب لله ونسبة المحال إلى الله، أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو، (التاسع) البربهاري، (ت 329 هـ): كان يعتقد بأن الله تعالى على صورة شاب أمرد قطط الشعر، وكان يعتقد بجلوس الله على العرش وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجلسه ربه معه على العرش، وأن من أنكر القعود فهو جهمي كافر، (العاشر) ابن بطة (ت 387 هــ) الوضاع لكذاب المتهم بوضع الأحاديث وسرقة الكتب وكتابه الإبانة يعد موسوعة في عقيدة الحشو وهو من أوائل من تولى إثم نبذ الأشاعرة بالتجهم وكتابه مبني على التكفير للمخالفين له، أثبت لله صفات الضحك والتعجب وأنه على العرش بذاته وأنه خلق آدم على صورته، وأكثر أبواب الكتاب في تكييف جناب الذات وتكفير المعارضين له، (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر) ثلاثي الإفك الذين أدخلوا الحشو على مذهب الإمام أحمد وهو منه بريء، جلسوا على كرسي الإفتاء الحنبلي في القرن الرابع، أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، فأما (ابن حامد الورّاق) فهو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي الورّاق المتوفى (سنة 403 هجرية) له مصنفات وفيها طامات وقد أوردها الإمام ابن الجوزي ورد عليها في كتابه ” دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، واما (القاضي أبو يعلى) فهو محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي (المتوفى سنة 458 هجرية)، وقد ألف كتابا سماه إبطال التأويلات وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى له والتي فيها التجسيم والبدع، واما الثالث فهو (ابن الزاغوني) وهو أبو الحسن على بن الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة 527 هجرية، وهؤلاء أثبتوا لله صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وهؤلاء الثلاثة – أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى وابن الزاغوني – كانوا في زمانهم رؤوس الحنابلة وكان لهم أسوأ التأثير على عقائد الحنابلة وإلى يومنا هذا إذ جروهم إلى بدعة الحشو جرا ودفعوهم إلى التجسيم دفعا وقد تأثر بهم كثير ممن جاء بعدهم كالحافظ عبد الغني المقدسي والشيخ ابن قدامة صاحب المغني وابن تيمية وتلامذته كابن القيم وابن عبد الهادي والذهبي وغيرهم، وسيأتي ذكر بعض طوامهم وسبهم لله بنسبة المحال إلى جناب ذاته، (الرابع عشر) الهروي (ت 481 هـ): له كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: وفيه: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة، أضف إلى وقيعته في السادة الأشاعرة المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وكان يحكي تكفيرهم، وكان يقول عنهم أنّهم الجهمية الإناث، فهؤلاء جميعا هم سلف ابن تيمية (ت 728 هــ) الذين يريد منا ان نتخذهم سلف لنا، نسأل الله السلامة من البدعة والضلال ونسبة المحال إلى الرحمن.
[5] ابن تيمية (ت 728 هــ) ودوره في التأسيس لبدعة الحشو: كل من سبق كانوا جميعا سلف ابن تيمية في تبني عقيدة الحشو: لقد أضر مقاتل بن سليمان وهشام بن سالم وابن كرام والسجزي الدارمي والخلال وابن خزيمة وابن بطة والبربهاري والهروي وابن حامد الوراق والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني، لقد أضر هؤلاء بعقيدة ابن تيمية أيما ضرر، وهؤلاء هم سلف ابن تيمية، ويقينا فإنّ اطلاع ابن تيمية على مؤلفات هؤلاء واحسان ظنه فيها وهو لم يكن دارسا لعلم التقديس ولا ملما بقواعده، فتسربت إليه بدع الحشو، ومذهبه هو الحشو ذاته، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويعتقدون فيه بأنّه محيي مذهب السلف، ومجدد السلفية، ولكنّه للأسف لم يجدد مذهب السلف، بل جدد بناء المدرسة الحشوية بجميع مفرداتها، وأخص صفاتها من محاربة التخصص العلمي والاستهانة به والجهل المطبق بقواعد التقديس والتنزيه والتوحيد، لقد اهتم ابن تيمية بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي ظنه صحيحا، ولم يتبين الأفكار التي تسربت إليه بفعل احسان ظنه بالحشوية وروادها الأوائل الذين انتسبوا زورا إلى الحنابلة وأهل الحديث، وبسبب عدم قدرته على فهم علم التنزيه وعدم مقدرته على هضم مفرداته، فهجم عليها دون فهم حقيقي لمغزاها،ومن العجيب الذي تدمى له القلوب، أنّ ابن تيمية لم يقنع بمفردات العقيدة الحشوية حتى أضاف إليها أُموراً تزيد الطين بلة، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة، وللأسف، عادى وخالف أكابر أهل العلم في زمانه وما سبقه من أزمان، ولم يسلم من قلمه ولسانه الكثير من الهداة المهديين من علماء أهل السنّة والجماعة، نصحوه فلم يرعوى، ولم يتعظ من قوة ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق.
[6] محمد ابن عبد الوهاب والتجديد لبدعة الحشو: لقد انطفأت الفتنة بعد موت ابن تيمية، إلى أن جاء زمان محمد ابن عبد الوهاب (ت 1206 هــ) فتبنى نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، واستحل في سبيل ذلك الدماء والأموال، أضف إلى ذلك أنه كانت له اجتهادات خاطئة في مباحث توحيد الألوهية، وفي مباحث توحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا، فزادت الطين بلة، وقد تقدم بيان ذلك كله في الكتاب الثالث من هذه السلسلة: مفاتيح علم التوحيد والشرك، والله المستعان.
[المفتاح العاشر]: الفرقة الثامنة: الفرقة الوهابية: تنتسب إلى النجدي محمد ابن عبد الوهاب، ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري فكفرت أكثر المسلمين على وجه البسيطة إلا اتباعها، واستحلت دماءهم واموالهم وحاولت مزاحمة أهل السنة والجماعة في مسماها، بل وحاولت حين غفلة من أهل العلم سحب البساط من تحت أقدام أهل السنة والجماعة لتنسبه لنفسها، ولكن الميزان النبوي لا زال عاملا، فإن سواد أهل السنة والجماعة على مر عصور الإسلام هم أهل المذاهب العقدية والفقهية والصوفية المعروفة والتي لاقت قبولا عند سواد أهل الإسلام الاعظم، وهؤلاء الوهابية يدعون السلفية، والسلف من بدعهم براء، فهم في العقيدة حشوية مجسمة، وفي الفقه يتتبعون الآراء المتشددة والشاذة ولا يجدون مناسبة للتشفي من أهل المذاهب الأربعة إلا واقتنصوها، وفي التزكية يخاربون التصوف السني الرشيد ويحاربون الاولياء، ولهم مفردات غريبة بالغة في الغلو في التكقير والتشريك والتبديع وديدنهم شن الحروب على أهل التخصص العلمي من مدارس أهل السنّة والجماعة العقائدية والفقهية والسلوكية، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمذهب عقدي أشعري او ماتريدي أو أثري ومذهب فقهي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي، ومنهاج صوفي للتزكية، وطريقة سلوكية تأخذ بيده نحو رضا الله، إنّ السلفية نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف الصالح، ولكن السلفية الحقة الأصيلة بريئة من انتساب الوهابية إليها، بل سلفهم الحشوية والمحسمة والخوارج، نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، وآفتهم اتباع المتشابهات وترك المحكمات فإنا لله وإنا إليه راجعون، والقاعدة عند أهل التخصص أنّ التيميون المغالون في الشيخ ابن تيمية، والوهابيون المغالون في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا على منهج أهل السنّة والجماعة الصحيح الصافي، بل هم عند أهل العلم مزيج مريب من فرق الخروج والحشو، نسال الله السلامة ، ومن كبر وخيلاء وغرور الوهابيين يرون أن منهجهم هو المنهج الوحيد الصحيح لأهل السنة والجماعة، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، فأنهم اعتمدوا على أفكار مدرسة شاذة واحدة تقوم على أفكار الشيخ محمد ابن عبد الوهاب المتأثر بشكل كبير بفكر الشيخ ابن تيمية ومدرسته، مع ما على هذا وذاك من ملاحظات وشذوذات في كل أبواب العلم، وقد علمنا تأثر الشيخ ابن تيمية بالحشوية القدامى واغتر بهم واتخذهم سلفا له ينسب قوله إليهم وينسب قولهم إلى السلف الصالح، وقد علمنا كذلك المفردات الشاذة التي أدخلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الدين في أبواب التوحيد والعقيدة والفقه والتزكية، وهكذا اختزل الوهابيون كل علوم دين الإسلام القيم في مفاهيم هؤلاء، مع إهمال كافة المدارس الأصولية والعلمية والتربوية والتي تأسست على يد مئات الآلاف من علماء الأمة وانتسب لها سواد المسلمين الأعظم مر عصور الإسلام، والاعجب أن الوهابيين صاروا يصنفون المذاهب العلمية واهل العلم وفق مقاييسهم المغلوطة، مما يمثل أكبر الخطر على صورة الدين وسعته ووسطيته واحترام تخصصاته العلمية العقدية والفقهية والصوفية.
[المفتاح الحادي عشر]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة هدي رباني رشيد، إذ ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات.
[المفتاح الثاني عشر]: من مسائل الشريعة الغراء التي تبين هدي الإسلام في معاملة الفرق المسلمة التي ضلت الطريق في بعض جوانب الدين:
(أ) المسلمون أمة واحدة من دون الأمم، و (المسلم): هو كل من قال (لا إله إلا الله * محمد رسول الله): معتقدا لها، مصدقا لها بلسانه، ومنقادا لها بقلبه، ولا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بلازم قوله، ولا ببدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، واهل البدع وإن كانوا على ضلالة، فإنها دون الكفر وهم من أمة الإسلام، وهم داخلون في الاصطفاء العام، الوارد في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، (ب) افتراق المسلمين لا يؤثر على الولاء العام للإسلام: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([21]) .
ليس المراد منه ان نعادي المسلمين ونستحل دماءهم ومحارمهم، وإنما المراد السعي الجاد في تصحيح معتقدات المسلمين وهداية الفرق الضالة إلى سبيل النجاة، وإذا كان جدال أهل الكتاب والكافرين لا يكون إلا بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فكيف بجدال أهل الإسلام والقرآن.
(ت) أهل الفرق الضالة من أهل الإسلام مسلمون لا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم: وأبرز رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل الفرقة الناجية أهل السنّة والجماعة: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، وبدعة الإرجاء، وسيأتي بيانها وبيان أصول الضلال فيها، ومع ذلك: يجب أن يعم الإخاء والولاء بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، فدلت الآية على أن إخوة المؤمنين لا تزول حتى مع اقتتالهم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([22]) .
(ث) خطورة تكفير أهل الفرق الضالة من المسلمين: إذ التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([23]) . والتسرع في التكفير صفة أهل الضلال،
(ج) لا يجوز موالاة الكفار على فرق الإسلام الضالة لأنهم وإن كانوا على بدعة ضلالة فإنهم مسلمون مؤمنون لهم اسم الإيمان وحكمه، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ونهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين على المؤمنين، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، وأمر سبحانه بالولاء العام لكل مؤمن، فقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 55-56]، وقال تعالى – محذرا من موالاة الكفار على المؤمنين: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الانفال: 73].
(ح) وجوب الأخوة والوفاق بين عموم المسلمين، يجب أن يعم الإخاء والوفاق بين عموم المسلمين لعموم النصوص في ذلك، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ([24]) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([25]) .
[المفتاح الثالث عشر]: أحكام عامة تتعلق بالمبتدع:
(أ) (مسألة تكفير المبتدع): لا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها: (الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، (الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وهي تلك الشروط التي نص عليها أهل السنة في تكفير المعين، وذلك أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة: أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد انطباق شروط التكفير وانتفاء موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء.
(ب) (مسالة قتل المبتدع): الأصل في كل مسلم حرمة دمه فلا يجوز قتله، وفي الحديث (لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: – الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لايزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً)، وقال العلماء في شرحه: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول.
(ت) (مسألة بغض المبتدع): يجب بغض البدعة باتفاق أهل السنة، والمبتدع مسلم، نحبه لإسلامه، ونبغض ما تلبس به من أمر البدعة، نبغضه بقدر بدعته ومخالفته للشرع ونحبه بقدر ما بقي معه من الإسلام والإيمان، ولا يجوز أن يبغض البغض المطلق كبغض الكفار.
(ث) (مسألة معاداة أهل البدع): المبتدعة الذين لا يزالون في دائرة الإسلام فإننا نعادي بدعتهم ولا نعاديهم هم، وندعو لهم بالهداية، احتراما لشهادة التوحيد التي يحملونها والتي لا يثقل معها شيء في الميزان، والتي بفضلها يدخلون الجنة وإن استحقوا الوعيد بالنار فقد يغفر الله لهم وقد يعذبهم بقدر بدعتهم ولكنهم لا يخلدون في النار خلود الكافرين.
(ج) (مسألة البراءة من أهل البدع): تجب البراءة من البدعة نفسها، والمبتدع لا يزال في دائرة الإسلام فإننا نبرأ من بدعته، ولكن له ولاء الإسلام العام وننصحه ونرشده ولا نعاديه مطلق العداء، (ح) (مسألة الصلاة على أهل البدع): الأصل أن المبتدع الذي بقي معه أصل الإسلام يصلى عليه، لكن إن تخلف عن الصلاة عليه أهل الدين والصلاح زجراً عن فعله وترهيباً من بدعته فحسن.
(خ) (مسالة الاستغفار للميت المبتدع أو الدعاء له بعد موته بالرحمة): المبتدع يدعى له ويستغفر له، لأنه مسلم ووجود بدعته لا ينقض أصل إسلامه، فيدعى ويستغفر له، بل هو في هذه الحالة أحوج من غيره بالدعاء له والاستغفار له لأنه مات على هذه المخالفة.
(د) (مسألة السلام على أهل البدع): الأصل جواز السلام عليه لأن له أسم الإسلام وحكمه، لكن إن كان في ترك السلام عليه من باب زجره مصلحة خالصة أو راجحة رجاء ان يقلع عن بدعته فإنه يترك السلام عليه، وإن لم يكن في ترك السلام على المبتدعة مصلحة خالصة ولا راجحة فإن المشروع السلام عليهم ورده إذا سلموا، لأنهم مسلمون، وإذا كان ترك السلام يؤدي إلى عكس المراد فلا يجوز، (ذ) (مسالة هجر المبتدع): يُشرع الهجر في حق المبتدع إن كانت المصلحة الشرعية تقتضي ذلك وإلا فلا يهجر، وأما إذا كان الهجر لا يزيده إلا بعداً ولا يجنى منه إلا المفاسد الخالصة أو الراجحة فإنه يستمر بدعوته ومواصلته ونصحه ولا يهجر، لأن الهجر في حق الكافر مقصود لذاته، وأما الهجر في حق المبتدع فإنه مشروع إن كان يحقق المصلحة الشرعية، فإن كان لا يحققها فلا يشرع.
(ر) (مسألة الصلاة خلف المبتدع): تصح الصلاة خلفه، وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف المعتزلة ممن يقولون: القرآن مخلوق.
(ز) (مسألة حكم غيبة المبتدع): الأدلة من الكتاب والسنة حرمت غيبة المسلم كما قال تعالى {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره) فالأصل هو تحريم غيبة المسلم، ولا يجوز التوسع في غيبة المبتدع إلا بقدر بدعته، وذلك مثل الميتة فإن الأصل فيها التحريم ولكن يجوز منها للمضطر بقدر ما تندفع به ضرورته، والضرورة هنا تتمثل في وجوب التحذير من أهل الأهواء والبدع ومحاربة بدعهم وكشف زيفها وتحذير العامة من الوقوع فيها وبيان باطلها.
(س) (مسالة مجالسة أهل البدع): جاءت الآثار عن السلف تنهى عن مجالسة أهل البدعة، وكلها محمولة على أتباع الفرق الضالة الداعين إليها، ومحمولة على البدع العقائدية العريضة الضالة، ومحمولة على العامة الغير مسلحين بسلاح العلم بمذهب اهل الحق، أما إذا كان الشخص عالماً بمذهب أهل السنة قادرا على الرد على ضلالات الفرق الضالة، وأراد أن يجلس معهم لدعوتهم إلى السنة وإزالة الشبهة وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك بل هو من باب الجهاد بالكلمة لإظهار الحق، هذا هو هدي اهل التصوف في معاملة الفرق الإسلامية الضالة، أمّا ما يفعله المغالون اليوم من استحلال دماء وحرمات أهل البدع من المسلمين فإنه من الغلو المقيت الذي يعود على صاحبه بالهلاك، وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (هلك المتنطعون، قالها ثلاثا) ([26]) .
***
([4]) سير أعلام النبلاء ج7/ص370.
([5]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1862.
([8]) صحيح البخاري 5/26 ح749 صحيح مسلم 4/1881 ح 2421.
([9]) تفسير القمي 2/377 – بحار الأنوار 22/420.
([14]) شرح أصول اعتقاد أهل السنّة للالكائي 5 / 107.
([15]) نقله عنهم الشهريتاني في الملل 1/139، 1/140.
([16]) نقله عنهم الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين ص 70.
([17]) حكى إجماعهم على هذه المقولة السكسكي في البرهان ص 33.
([18]) نقله عنهم الملطي في التنبيه والرد ص 43.
([19]) ميزان الاعتدال ج1 / 426.