المبحث الواحد والثلاثون قواعد التصوف
من أجل الكتب التي تحدثت عن قواعد التصوف ما كتبه أبو العباس أحمد أحمد محمد زروق في كتابه (قواعد التصوف)، قال في مقدمته: (القصد بهذا المختصر وفصوله تمهيد قواعد التصوف وأصوله على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويصل الأصول بالفقه بالطريقة)، وقد اخترت سبعين قاعدة من أهم تلك القواعد والدرر التي حواها كتابه بإيجاز:
(1) أصل التصوف مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فالتصوف أحد أجزاء الدين الذي علمه عليه السلام جبريل، ليتعلمه الصحابة رضى الله عنهم.
(2) حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه الى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه، والله أعلم.
(3) صدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضاه الحق تعالى وبما يرضاه الحق تعالى، فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذ لا بصدق وتوجه، ولا هما إلا بإيمان، إذ لا يصح واحد منهما بدونه، فلزم الجميع لتلازمها في الحكم كتلازم الأرواح للأجساد، ولا وجود لها إلا فيها، كما لا حياة لها إلا بها.
(4) أفضلية علم التصوف على غيره: العلم بفائدة الشيء ونتيجته باعث على التهمم به، والأخذ في طلبه لتعلق النفس بما يفيدها وإن وافقها، وإلا فعلى العكس، وقد صح أن شرف الشيء بشرف متعلقه، ولا أشرف من متعلق علم التصوف، لأن مبدأه خشية الله التي هي نتيجة معرفته ومقدمة إتباع أمره، وغايته إفراد القلب له تعالى، فلذلك قال الجنيد رضي الله عنه: (لو علمت أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه) انتهى، وهو واضح.
(5) مخاطبة الناس على قدر عقولهم: في كل علم ما يُخص ويُعم، فليس التصوف بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من كل، عموماً وما وراء ذلك على حسب قابله لا على قدر قائله، لحديث: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله) ([1]) .
وقيل للجنيد رحمه الله: يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة، فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا؟ فقال: (الجواب على قدر السائل)، قال عليه السلام: (أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم). ([2]) .
(6) تقديم الأهم على المهم شأن الصادقين في كل شيء: فكل من طلب من علوم القوم رقيقها قبل علمه بجملة أحكام العبودية منها، وعدل عن جليّ الأحكام إلى غامضها، فهو مخدوع بهواه، لا سيما إن لم يُحكم الظواهر الفقهية للعبادات، ويحقق الفارق بين البدعة والسنة في الأحوال، ويطالب نفسه بالتحلي قبل التخلي، أو يدعي لها ذلك، وفي الحكم: (تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب، خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب) انتهى وهو عجيب.
(7) الغيرة على علوم الصوفية وحماية العوام من التعلق بالخاص منها، فالأعمال للعامة والأحوال للمريدين والفوائد للعابدين والحقائق للعارفين، والعبارات قوت لعائلة المستمعين وليس لك إلا ما أنت له آكل، فافهم.
(8) التصوف لا يُعرف إلا مع العمل به: فالاستظهار به دون عمل تدليس، وإن كان العمل شرط كماله، وقد قيل: (العلم بالعمل فإن وجده وإلا ارتحل) أعاذنا الله من علم بلا عمل آمين،
(9) شرط العلم للعمل: لا يصلح العمل بالشيء إلا بعد معرفة حكمه ووجهه، فقول القائل لا أتعلم حتى أعمل كقوله لا أتداوى حتى تذهب علته، فهو لا يتداوى ولا تذهب علته، ولكن العلم ثم العمل ثم النشر ثم الإجادة، وبالله التوفيق.
(10) كيفية تحصيل علم التصوف: دقائق علوم الصوفية منح إلهية، ومواهب اختصاصية، لا تنال بمعتاد الطلب فلزم مراعاة وجه ذلك وهو ثلاثة: أولها: العمل بما علم قدر الاستطاعة، الثاني: اللجأ إلى الله في الفتح على قدر الهمة، الثالث: إطلاق النظر في المعاني حال الرجوع لأصل السنة ليجري الفهم وينتفي الخطأ ويتيسر الفتح، وقد أشار الجنيد رحمه الله لذلك بقوله (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال، وإنما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال)، أو كما قال: وعنه عليه الصلاة والسلام (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) ([3]) .
(11) أهل هذا الطريق مبتلون بتسليط الخلق: ما ظهرت حقيقة في الوجود إلا قوبلت بدعوى مثلها، وإدخال ما ليس فيها منها عليها ووجود تكذيبها، كل ذلك ليظهر فضل الاستئثار بها وتتبين حقيقتها بانتفاء معارضها، {فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}، وللوارث نسبة من الموروث، وأشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، إنما يبتلي الرجل على قدر دينه فمن ثم كان أهل هذا الطريق مبتلين بتسليط الخلق أولا وبإكرامهم وسطا وبهما آخرا، قيل لئلا يفوتهم الشكر على المدح ولا الصبر على الذم فمن أراده فليوطن نفسه على الشدة، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا}، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهْوَ حَسْـبُهُ}.
(12) من علم التصوف ما تتناوله الإشارة ولا تحتمله العبارة، ثم هو منقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام، ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبارة، وإن كان مما تتناوله الإشارة، ومنه ما لا تفهمه الضمائر، وإن أشارت إليه الحقائق، مع وضوحه عند مشاهده وتحقيقه عند متلقيه.
(13) صوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية: حكم الفقه عام في العموم، لأن مقصده إقامة رسم الدين، ورفع مناره، وإظهار كلمته، وحكم التصوف خاص في الخصوص، لأنه معاملة بين العبد وربّه، من غير زائد على ذلك، فمن ثمّ صح إنكار الفقيه على الصوفي، ولا يصح إنكار الصوفي على الفقيه، ولزم الرجوع من التصوف للفقه في الأحكام والحقائق، لا بالنبذ والترك وصح الاكتفاء به دونه، ولم يكف التصوف عن الفقه، بل لا يصح دونه، ولا يجوز الرجوع منه إليه إلا به، وإن كان أعلى منه رتبة فهو أسلم وأعم مصلحة، وفي ذلك قيل: (كن فقيها صوفيا، ولا تكن صوفيا فقيها)، وصوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية وأسلم، لأن صوفي الفقهاء قد تحقق بالتصوف حالاً وعملاً وذوقاً، بخلاف فقيه الصوفية فإنّه المتمكن من علمه وحاله، ولا يتم له ذلك إلا بفقه صحيح وذوق صريح، ولا يصلح له أحدهما بدون الآخر، كالطبيب الذي لا يكتفي علمه عن التجربة ولا العكس، فافهم.
(14) لا تجعل لأحد من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن، إذ كل باطن مجرد عن الظواهر باطل، والحقيقة ما عقد بالشريعة، فافهم.
(15) مدار الفقه على ما يسقط به الحرج، ومدار التصوف على طلب الكمال، ومرجعه لتحقيق الأكمل حكماً وحكمة.
(16) الصوفي من عامل الحق بالحقيقة والخلق بالشريعة: قال ابن الجلاء رحمه الله: (من عامل الحق بالحقيقة، والخلق بالحقيقة، فهو زنديق، ومن عامل الحق بالشريعة، والخلق بالشريعة فهو سنيّ، ومن عامل الحق بالحقيقة، والخلق بالشريعة فهو صوفيّ)، انتهى.
وهو عجيب، فمثال الزنديق: الجبري الذي يريد إبطال الحكمة والأحكام، ومثال السني: ما وقع في حديث الثلاثة الذين اشتد عليهم الغار، فسأل الله كل واحد بأفضل أعماله كما صح، وعضدته ظواهر الأدلة ترغيباً وترهيباً والله أعلم، ومثال الصوفي: حديث الرجل الذي استلف من رجل ألف دينار فقال: أبغني شاهداً، فقال: (كفى بالله شهيداً)، فقال: أبغني كفيلاً، فقال: (كفى بالله كفيلاً)، فرضي، ثم لما حضر الأجل، خرج يلتمس مركباً فلم يجده، فنقر خشبة، وجعل فيها الألف دينار، ورقعة تقتضي الحكاية، وأبذلها للذي رضي به وهو الله سبحانه فوصلت، ثم جاءه بألف أخرى وفاءً بحق الشريعة، أخرجهما البخاري في جامعه، ومنه: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}، الإنسان، فجعل متعلق الخوف مجرداً عن حامل العمل والله أعلم، وقد قال رجل للشبلي رحمه الله: (كم في خمس من الإبل؟ قال: شاة في الواجب، فأما عندنا فكلها لله، قال له: فما أصلك في ذلك؟ قال: أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله ورسوله، ثم قال: فمن خرج عن ماله كله لله فإمامه أبو بكر، ومن خرج عن بعضه فإمامه عثمان، ومن ترك الدنيا لأهلها، فإمامه علي رضي الله عنهم، وكل علم لا يؤدي إلى ترك الدنيا فليس بعلم)، انتهى وهو عظيم في بابه.
(17) غلاة المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يرد قولهم، ويتجنب فعلهم، ولا يترك المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه والله أعلم.
(18) السبب في تأخر تدوين قواعد علم التصوف: أنه لما كانت دلالة التصوف بجملته على التوجه إلى الله من حيث يرضى، كَفت أوائله مع التزام واتباع الفقه، فكان الاعتناء بعمله، أكثر من علمه، ومن ثم لم تدون قواعده، ولم تمهد أصوله، وإن أشار إليها أئمته كالسلمي في فصوله، والقشيري في رسالته، والله أعلم.
(19) المتقدم في العلم ليس بأولى من المتأخر: إذا حُقق أصل العلم، وعرفت مواده وجرت فروعه، ولاحت أصوله، كان الفهم فيه مبذولاً بين أهله، فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر، وإن كانت له فضيلة السبق، فالعلم حاكم، ونظر المتأخر أتم، لأنه زائد على المتقدم والفتح من الله مأمول لكل أحد، ولله در ابن مالك رحمه الله حيث يقول: (إذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين)، نعوذ بالله من حسد يسدّ باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف، انتهى وهو عجيب.
(20) إتيان المتأخر بما لم يسبق إليه لا يلزم منه القدح في المتقدم، ولا إساءة الأدب معه، لأن ما ثبت من عدالة المتقدم، قاض برجوعه للحق عند بيانه لو سمعه فهو ملزوم به، إن أدى لنقض قوله مع حقيقته لا أرجحيته، إذ الاحتمال ثبت له، ومن ثم خالف أئمة متأخري الأمة أولها، ولم يكن قدحاً في واحد منهما، فافهم.
(21) مبنى الحال على التسليم والتصديق وصاحب الحال لا يقتدى به.
(22) لا متبع إلا المعصوم، لانتفاء الخطأ عنه، أو من شهد له بالفضل، ولكل فن في هذا القرن أئمة مشهور فضلهم، علماً وورعاً كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة النعمان، للفقه، وكالجنيد، ومعروف، وبشر، للتصوف، وكالمحاسبي لذلك وللاعتقادات.
(23) ما دوّن من كلام الأئمة في كل فن، فهو حجة لثبوته بتداوله، ومعرفة أصله، وصحة معناه، واتضاح مبناه، وتداوله بين أهله، واشتهار مسائله عند أئمته، مع اتصال كلٍ عمن قبله، فلذلك صح اتباعها ولزم، وإن انقرضت الرواية في أفرادها، وغير المدونة ليست كذلك، فلا يصح الأخذ بها لانقراض حملتها، واحتمال جملتها، وقد يخص ذلك ويعم، كانقراض مذهب الليثي، والسفيانين – سفيان بن عيينة وسفيان الثوري – عموماً وسائر المذاهب، سوى المالكي من المغرب، والشافعي بالعجم، والحنفي بالروم، فأما الحنبلي، فلم يوجد إلا مع غيره، فلزم كل ما تمكن معرفة صحة نقله، لا ما احتمل، ولهذا أفتى سحنون بأنه لا يفتى بالمغرب بغير مذهب مالك، ونحوه لابن الكاتب وعند أهل مصر أن العامي، لا مذهب له لتوفر المذاهب في حقه عندهم، حتى رأيت لهم على ذلك فروعاً جمة وفتاوى، والله أعلم.
(24) تشعب الأصل قاض بالتشعب في الفرع، فلزم ضبط الفرع بأصل يرجع إليه فقهاً، وأصولاً، وتصوفاً، فلا يصح قول من قال: (الصوفي لا مذهب له)، إلا من جهة اختياره في المذهب الواحد، أحسنه دليلاً، أو قصداً، أو احتياطاً، أو غير ذلك مما يوصله لحاله، وإلا فقد كان الجنيد ثورياً، وكان الشبلي مالكياً، والجريري حنفياً، والمحاسبي شافعياً، وهم أئمة الطريقة وعمدتها.
(25) وقوع الموهم والمبهم، والمشكل في النصوص الشرعية: ليميز الله الخبيث من الطيب، وتظهر مراتب الإيمان لأهلها، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، آل عمران.
(26) حكم آل البيت: أحكام الصفات الربانية لا تتبدل، وآثارها لا تنتقل، فمن ثم قال الحاتمي رحمه الله: (يعتقد في أهل البيت أن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم، لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه، بل بسابق عناية من الله لهم، إذ قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، الأحزاب، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص، ولا أن يشنأ عرض من شهد الله تعالى بتطهيره وذهاب الرجز عنه، والعقوق لا يخرج عن النسب، ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان، وما تعين عليهم من الحقوق فأيدينا فيهم نائبة عن الشريعة وما نحن في ذلك إلا كالعبد، يؤدب ابن سيده بإذنه، فيقوم بأمر السيد، ولا يهمل فضل الولد، وقد قال تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}، الشورى، قال ابن عباس: أي إلا أن تودّوا قرابتي، وما نزل بنا من قبلهم من الظلم ننزله منزلة القضاء الذي لا سبب له، إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها)، وللجزء من الحرمة ما للكل، وقد قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}، الكهف، فأثنى بصلاح الأب، فما ظنك بنبوته، إذا كان هذا في أولاد الصالحين، فما ظنك بأولاد الأولياء، وإذا كان هذا في أولاد الأولياء، فما ظنك بأولاد الأنبياء، وإذا كان هذا في أولاد الأنبياء، فما ظنك بأولاد المرسلين، بل قل لي: بماذا تعبر عن أولاد سيد المرسلين، فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره غير من خصصهم به فافهم.
(27) إنما وضعت التراجم لتعريف المناصب، فمن عرفت رتبته كانت الترجمة له تكلفا غير مفيدة في ذاته، ومن جهلت رتبته لزم عند ذكره الإتيان بما يشعر برتبته، ومن هذه القاعدة جاز أن يقال: (روى أبو بكر، وقال عمر، وعمل عثمان، وسمع علي، وكان ابن المسيب، وأخبر ابن سيرين، وقال الحسن، وذهب مالك، وحُكِيَ عن الجنيد) إلى غير ذلك، والله أعلم.
(28) نظر الصوفي للمعاملات، أخص من نظر الفقيه، إذ الفقيه يعتبر ما يسقط به الحرج، والصوفي ينظر فيما يحصل به الكمال، وأخص أيضاً من نظر الأصولي، لأن الأصولي يعتبر ما يصح به المعتقد، والصوفي ينظر فيما يتقوى به اليقين، وأخص أيضاً من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث، لأن كلاً منهما يعتبر الحكم والمعنى ليس إلا، وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتناه، وإلا فهو باطني خارج الشريعة، فضلاً عن المتصوفة، والله سبحانه أعلم.
(29) تنوع الفرع بتنوع أصله، وأصل التصوف هو مقام الإحسان، وهو متنوع إلى نوعين: أحدهما: بدل من الآخر، هما أن تعبد الله كأنك تراه، وإلا فإنه يراك، فالأول رتبة العارف، والثاني: رتبة من دونه، وعلى الأول يحوم الشاذلية ومن نحا نحوهم، وعن الثاني يحوم الغزالي ومن نحا نحوه،
(30) في اختلاف المسالك راحة للسالك، وإعانة على ما أراد من بلوغ الأرب والتوصل بالمراد، فلذلك اختلف طرق القوم ووجوه سلوكهم، فمن ناسك يؤثر الفضائل بكل حال، ومن عابد يتمسك بصحيح الأعمال، ومن زاهد يفر من الخلائق، ومن عارف يتعلق بالحقائق، ومن ورع يحقق المقام بالاحتياط، ومن متمسك يتعلق بالقوم في كل مناط، ومن مريد يقوم بمعاملة البساط، والكل في دائرة الحق بإقامة حق الشريعة والفرار من كل ذميمة وشنيعة.
(31) اتباع الأحسن أبدا، محبوب طبعا، مطلوب شرعا، {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}، ولذا بُني التصوف على اتباع الأحسن، حتى قال ابن العريف رحمه الله تعالى: (السرّ الأعظم في طريق الإرادة، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)، والاستحسان يختلف باختلاف نظر المستحسن، والله سبحانه أعلم.
(32) تعدد وجوه الحسن، يقضي بتعدد الاستحسان، فمن ثم كان لكل فريق طريق: فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي، ومن نحا نحوه، وللفقيه تصوف رحاه ابن الحاج في مدخله، وللمحدث تصوف حام حوله ابن العربي في سراجه، وللعابد تصوف دار عليه الغزالي في منهاجه، وللمتريض تصوف نبه عليه القشيري في رسالته، وللناسك تصوف حواه القوت والإحياء، وللحكيم تصوف أدخله الحاتمي في كتبه، وللمنطقي تصوف نحا إليه ابن سبعين في تآليفه، وللطبائعي تصوف جاء به البوني في أسراره، وللأصولي تصوف قام الشاذلي بتحقيقه، فليعتبر كل بأصله من محله، وبالله التوفيق،
(33) إنما يؤخذ علم كل شيء من أربابه: فلا يعتمد صوفي في الفقه، إلا أن يعرف قيامه عليه، ولا فقيه في التصوف، إلا أن يعرف تحقيقه له، ولا محدث فيهما، إلا أن يعلم قيامه بهما، فلزم طلب الفقه من قبل الفقهاء لمريد التصوف، وإنما يرجع لأهل الطريقة، فيما يختص بصلاح باطنه من ذلك، ومن غيره، ولذلك كان الشيخ أبو محمد المرجاني رضي الله عنه، يأمر أصحابه بالرجوع للفقهاء في مسائل الفقه، وإن كان عارفاً بها، فافهم.
(34) الفرق بين الناسك والعابد والورع والزاهد والعارف والمريد: النسك: الأخذ بكل ممكن من الفضائل، من غير مراعاة لغير ذلك، فإن رام التحقيق في ذلك فهو العابد، وإن مال إلى الأخذ بالأحوط فهو الورع، وإن آثر جانب الترك طلباً للسلامة فهو الزاهد، وإن أرسل نفسه مع مراد الحق فهو العارف، وإن أخذ بالتخلق والتعلق فهو المريد.
(35) النظر في كتب التصوف وما يتشعب فيها مفيد لمن له أصل يرجع إليه، فنظر المتسعات كالقوت (كتاب قوت القلوب لأبي طالب مكي)، والإحياء (كتاب إحياء علوم الدين) ونحوهما، نافع لمن له طريق يقتفيها بعلم أو عمل أو حال، فلذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: كتاب قوت القلوب، يورثك النور، وكتاب إحياء علوم الدين يورثك العلم، انتهى وما جرا مجراهما فهو على حكمهما، والله سبحانه أعلم.
(36) تحريم الخروج عن الإمام بقول أو فعل: حفظ النظام واجب، ومراعاة المصلحة العامة لازم، فلذا أجمعوا على تحريم الخروج عن الإمام، بقول أو فعل حتى أن جز في إجماعهم على الصلاة خلف كل بر وفاجر من الولاة وغيرهم ما لم يكن فسقه في عين الصلاة، وكذا يرون الجهاد مع كل أمير من المسلمين، وإن كان فاجرا لا غيره، وزعم ابن مجاهد إجماع المسلمين، وأنكره ابن حزم، وفيه كلام لهما، والمعول، المنع بكل حال، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما سب قوم أميرهم إلا حرموا خيره) ([4]) .
إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ويجمعه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ([5]) . والقوم أهرب الناس مما لا يعنى، والله سبحانه أعلم.
(37) محمل كلام القوم في ذم الرخص والتأويلات هو في كل مشكوك الحكم لا في المحقق، وعليه يتنزل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يكره أن تترك عزائمه) ([6]) .
، لا على الرخصة المختلف في حكمها، إذ الورع مطلوب في كل مشكوك الحكم، بخلاف المحقق، فإن تركه تنطع، وعلى هذا الأخير يتنزل كلام القوم في ذم الرخص، والتأويلات، والله أعلم،
(38) المقصود موافقة الحق حتى إن كان موافقا للهوى: حتى قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (إذا وافق الحق الهوى، فذلك الشهد بالزبد)، وقد أغرق قوم في مخالفة النفس، حتى خالفوا الحق في طي ذلك، ومنه استئذانهم في الواجب والضروري الذي لا يمكن انفكاكه، وتركهم جملة من السنن، لإلفها مع ترك ما ألفوا منها، وهذا وإن كان مؤثرا في النفس، فهو مثير للباطل وسائر بصاحبه لعكس القصد، نسأل الله العافية،
(39) الأجر على قدر الاتباع لا على قدر المشقة و(خير دينكم أيسره)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أجرك على قدر نصبك) ([7]) . إخبار خاص في خاص لا يلزم عمومه، سيما وما خير في أمرين إلا اختار أيسرهما مع قوله: (إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا) ([8]) .
(40) التشديد في العبادة منهي عنه، كالتراخي عنها: والتوسط: أخذ بالطرفين، فهو أحسن الأمور كما جاء: (خير الأمور أوسطها)، {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}، {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}، قال عليه السلام: (أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر) ([9]) .
، وكان يقوم من الليل نصفه، وثلثه، وثلثيه، وهو الوسط باعتبار من يأتي على كله، أو لا يقوم منه إلا اليسير، وكذلك رد عبد الله بن عمر للوسط بصيام نصف الدهر وقيام نصف الليل، وختم القرآن في سبع إلى غير ذلك، فلزم التوسط في كل مكتسب، لأنه أرفق بالنفس وأبقى للعبادة.
(41) ما رُكب في الطباع معين للنفس على ما تريد حسب قواها، فلذا قيل: إذا علم الصغير ما تميل إليه نفسه من المباحات، خرج إماما فيها، وإذا انتحل المريد ما ترجحه حقيقته من الأذكار والأوراد، كان معينا على مقصده بدوامه، فإنه ما قصر جسد عن مهمته ويعين الله العبد على قدر نيته، ما دخل بانبساط كان أدعى للدوام، وقد أشار لهذه الجملة في تاج العروس، وتكلم عليها الشيخ ابن أبي جمرة في حديث حذيفة إذ قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير) ([10]) . والله أعلم.
(42) طلب الشيء بوجه واحد مع الإلحاح أقرب لنواله، وأدعى لدوام سببه المطلوب في نفسه لإفراد الحقيقة له، فلزم التزام ورده لا تنتقل عنه حتى تحصل نتائجه، وإلا فالمنتقل قبل الفتح كحافر بئر لا يدم على محل واحد، كالمقطر قطرة، على كل محل يريد تأثير المحل بالنظر أثرا يظهر لعمله مع ذلك أثر.
(43) دوام الشيء بدوام ما رتب عليه، وثوابه على قدر نيته، ورتبته على قدر التقرب به، والله تعالى دائم الربوبية فأحكام عبوديته دائمة على خلقه لا ترتفع عنهم وأجل العباد عنده من عبده، لأنه أهل للعبادة، مع رجائه والخوف منه أو الهيبة أو الحياء ونحوه فافهم والله سبحانه أعلم.
(44) العبد لا يأمن مكر الله ولا ييأس من روح الله، بساط الكرم قاض بان الله تعالى لا يتعاظمه ذنب يغفره، وبساط الجلال قاض بان الله تعالى يأخذ العاصي ولا يمهله، فلزم أن يكون العبد ناظراً لهما في عموم أوقاته، حتى لو أطاع بأعظم الطاعات، لم يأمن مكر الله، ولو عصى بأعظم المعاصي لم ييأس من روح الله، وبحسب ذلك، فهو يتقي الله ما استطاع، ويتوب إليه، ولو عاد في اليوم ألف مرة، فافهم،
(45) السبحة وعقد الذكر بالأصابع: لعقد الأعداد وجه في والشرع إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم لنساء من المؤمنات: (واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات) ([11]) .
، وأقر بعض أزواجه على تسبيحها في نوى كان بين يديها، وكان لأبي هريرة خيط قد ربط فيه خمسمائة عقدة يسبح فيها، قيل: والسبحة أعون على الذكر وأدعى للدوام، وأجمع للفكر، وأقرب للحضور، وأعظم للثواب، إذ له ثواب أعدادها وما تعطلت فيه لضرورة أو تعطل منها لغلط ونحوه، لتعيينها وفي تحصيل ثواب ذكر جامع لعدد، كقول: (سبحانه الله عدد خلقه) على ما هو به مع تضعيفه أو دونه، أو لغوه أقوال، وصحح بلا تضعيف، قيل: وذوات الأسباب كتسبيح التعجب أفضل من مطلقها فيترك المطلق للمقيد في وقته، والله سبحانه اعلم.
(46) التغزل، والندب، والإشارة، والتعريج، دليل البعد عن وجود المشاهدة، إذ الجلال والجمال مانع، ومن ظهر نور الحق على قلبه، لم يبق فيه نصيب لغيره، فيكون ما جاء عنه أشهى إليه من الماء البارد، (بل لا يجد في نفسه بقية تقبل ما سواه، ولا تتسع لرؤية غيره، ورؤية المحبوب توجب العمى عن غيره ما سدة وهو لا فلا يذكر إلا بذكره)، ولهذا قل شعر المحققين من الأكابر، كالجنيد، والشيخ أبي محمد عبد القادر، والشاذلي، ونحوهم، ولهم أسوة في الأكابر من الصحابة، إذ كانوا اعلم الناس به، ولكنهم لم يذكروه إلا في محل لا يشير بشيء من الحقائق، وإن كانت مضمنة فيه، فعلى قدره، والله اعلم.
(47) منع السماع في حق من علم غلبة عقله به، حفظ العقول واجب، ولا يجوز قطع الخرق، وإن دخل فيه على المكارمة لإضاعة المال، ولا يجوز أن يدخل مع القوم من ليس منهم، وإن كان عابدا أو زاهدا، لا يقول بالسماع ولا يراه، وكذا العارف لأن حاله أتم، فيؤدي لاغتيابه الجماعة بالنقص (وصورة الهوى) واغتيابهم له.
(48) يعذر الواجد بحالة لا يملك نفسه فيها، وله حكم المجنون في حاله، بسقوط اعتبار أفعاله، وعدم جري الأحكام عليه إن تحقق وجود الحالة منه، ويلزمه استدراك الفائت كالسكران لتسببه في الأصل، وينتفي جواز الاقتداء به كتواجد النوري في قيامه للسيف إيثارا، وإلا فهو إعانة على قتل نفسه، وكحالة أبي حمزة في بقائه في البئر حتى خرج بمهلكة، وكحالة الشبلي في حلق لحيته وإلقائه المال في البحر عند شعوره ببخله، إلى غير ذلك مما لا يوافق الشرع من ظاهر أعمالهم التي حمل عليها غالب الوجد كما هو ظاهر من حكاياتهم، فلهم فيها حكم المجانين، ومن ذلك الرقص ونحوه، وبالجملة فلا عتب على معذور لم يقصد المخالفة بوجه لا يمكنه غير ما فعل لعدم ضبط حركاته.
(49) يجوز التشبه بأهل الخير في زيهم إلا إن قصد التلبيس والتغرير لحديث:(من تشبه بقوم فهو منهم) ([12]) . لأنه مؤذن بالمحبة، وقد صح: (الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال: أنت مع من أحببت) ([13]) .
، فجاز التشبه بأهل الخير في زيهم إلا أن قصد التلبيس والتغرير، كلباس المرقعة، وأخذ السبحة والعصا، والسجادة والأصباغ ونحوه لما في ذلك مما ذكر، ومن حماية النفس عن كبائر لا يمكن معه وإن أمكنت، فلا تمكن المجاهدة بها، ثم لباس المرقعة أعون على دفع الكلف، وأذهب للكبر، واقرب للحق مع الاقتداء بعمر رضي الله عنه، إذ لبسها مع وجود غيرها لصلاح قلبه، إلا تراه يقول حين البس غيرها قال: أنكرت نفسي، وهو أيضا اقرب لوجود الحلال في اللباس نعم.
(50) يجوز التبرك بآثار أهل الخير ممن ظهرت كراماته، بديانة أو علم أو عمل، أو اثر ظاهر، كتكثير القليل أو الأخبار عن الغيب حسب فراسته وإجابة الدعوة، وتسخير الماء والهواء إلى ذلك مما صح من آيات الأنبياء، فيكون كرامة الأولياء، إذ الأصل التأسي، ولم يزل أكابر الملة يتبركون بأهل الفضل من كل عصر وقطر، فلزم الاقتداء بهم حسبما يهدي إليهم النظر في الأشخاص، والله سبحانه أعلم.
(51) يعرف باطن العبد من ظاهر حاله، لأن الأسرة تدل على السريرة، وما خامر القلوب فعلى الوجوه أثره يلوح، {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع اخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع نباته ليغيظ به الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما}.
(52) من ظهرت عليه خارقة، إن صحت ديانته فكرامة وإلا فهي استدراج أو سحر، وإن ظهر بعد ثبوت الرتبة مناف مما يباح بوجه تأول مع إقامة الحق الشرعي إن تعين، وإن كان مما لا يباح بوجه فالحكم لازم،والتأويل غير مصادف محلاً إذ الحقائق لا تنقلب، والأحكام ثابتة على الذوات، فلزم الحكم عليه بحكمه، وأصل تأويل ما لا يباح بوجه مذكور في قضية الخضر مع موسى عليهما السلام، إذ بين الوجه عند فراقه، فافهم، والله سبحانه اعلم.
(53) المزية لا تقتضي التفضيل، والاقتداء لا يصح إلا بذي علم كامل، أو دين، ولو قيل بالتفضيل بالمزايا للزم تفضيل إبليس على عوام المؤمنين، إذ له مزية خرق الهواء، والمشي على الماء، ونفوذ الأرض في لحظة وما اثبت الله له تعالى من أن يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه، وللزم تفضيل الخضر على موسى عليهما السلام، وكل ذلك لا يصح، فلزم أن التفضيل بحكم الله في الجملة فلا يتعرض له إلا بتوفيق ثابت في بابه، ولكن للدليل ترجيح فوجب التوقف عن الجزم، وجاز الخوض في الترجيح إذا أحوج إليه الوقت، وإلا فترك الكلام فيه أولى والله سبحانه اعلم.
(54) العافية سكون القلب عن الاضطراب حتى لو دخل صاحبها النار لرضي عن ربه، وهذه عافية أهل الكمال وهي الشاملة بكل حال فافهم، والله سبحانه اعلم.
(55) القطع بإيمان مسلم أو ولاية صالح، قد تفيد الدلائل من الظن ما يتنزل منزلة القطع، وإن كان لا يجري على حكمه في جميع الوجوه، كالقطع بإيمان مسلم ظهرت منه أعلام الإسلام، وكولاية صالح دلت على مقامه أفعاله وأقواله وشواهد أحواله، كل ذلك في علمنا من غير جزم بعلم الله فيه، إلا في حق من جاءنا عن الله مخصص له، كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وقد صح: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان) ([14]) .
(56) ألسنة الخلق، أقلام الحق، فثناؤهم عليه بما يرتضيه الحق ثناء من الحق عليه بذلك، فإن كان فيه فالثناء منه، وإلا فهو تنبيه وثناء، إن شكره بالقيام بحقه أتمه عليه وزاده منه وإلا سلبه عنه، والمعتبر الإطلاق العام، وما في النفوس لا ما يقع من الطعن بالجحود الذي يدل على بطلانه فقدا لترجمة المترجم، واضطراب القائل في قوله، ويظهر ذلك بارتفاع موجب النكير كالموت ونحوه، وقد صح: (إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل) ([15]) .الحديث،
(57) جواب على مسالة الغني الشاكر والفقير الصابر، الفقر والغنى وصفان وجوديان، يصح اتصاف الحق بالثاني منهما دون الأول، فلزم فضله عليه، وللناس فيها طريقان، والحق أن كلا منهما مضمن بالآخر، فلا تفاضل، وقد اختار كلا مهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: (أجوع يوما وأشبع يوما) ([16]) . الحديث، فافهم.
(58) النهي عن إضاعة المال: ملك العبد لما بيده من أعراض الدنيا غير متحقق له، بل إنما هو خازن فيه لقصره عليه تصرفا وانتفاعا دون غيره، ومن ثم حرم الله الإقتار والإسراف حتى عد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنجيات: القصد في الغنى والفقر، ونهى عليه السلام عن إضاعة المال إلى غير ذلك، وفي الحديث: (ليس الزهد بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، إنما الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك) ([17]) .
(59) ذم الدنيا أو مدحها: ما ذم لا لذاته، قد يمدح لا لذاته، ومنه وجود المال والجاه والرياسة ونحو ذلك مما ليس بمذموم لذاته، ولا محمود في ذاته، بل يحمد ويذم لما يعرضه له، ولذلك ذم صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا بقوله: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله) ([18]) .، ومدحها بقوله: (فنعمة مطية المؤمن) ([19]) .، وأثنى سبحانه على قوم طلبوا الرياسة الدينية إذ قالوا: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما).
(60) من أراد الظهور فهو عبد الظهور ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء، وعبد الله سواء عليه أظهره أو أخفاه، انتهى وهو لباب هذا الباب.
(61) فائدة التدقيق في عيوب النفس معرفة المرء بنفسه وتواضعه لربه، ورؤية قصوره وتقصيره وإلا فليس في قوة البشر التبري من كل عيب بإزالته، إذ لو انك لا تصل إلى الله إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا، فافهم.
(62) من أضاف فضيلة الغير لنفسه بتصريح أو تلويح فهو سارق، والمتشبع بما لم يعط، كلابس ثوبي زور، فمن ثم قيل: من حكا حكاية السلف واتخذها حالا لنفسه به قدمه في مهاوي الضلال، وعن قريب تفضحه شواهد الامتحان، لأن من ادعى فوق مرتبته حط لدون مرتبته، ومن وقف دون مرتبته وقع فوقها، ومن ادعى مرتبته نوزع في استحقاقها، فافهم.
(63) وجوب تحفظ الصوفي على إقامة رسم الطريقة بترك ما يريب ويعيب، وإن كان مباحا لأن دخوله فيه إدخال للطعن على طريقة، فافهم.
(641) النظر لصرف الحقيقة مخل بوجه الطريقة، فمن ثم وقع القوم في الطامات، وتكلموا بالشطحات حتى كفر من كفر، وبدع من بدع، وفسق من فسق، بواضح الشريعة ولسان العلم، ظاهرا وباطنا، فلزم التحفظ في القبول، بأن لا يؤخذ إلا عن الكتاب والسنة، وفي الإلقاء بان لا يلقى إلا بالوجه السائغ فيهما من غير منازع وإلا فلا عتب على منكر استند لأصل صحيح، وقد قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: (إنها لتقع النكتة من كلام القوم في قلبي أياما، فأقول: لا أقبلك إلا بشاهدي عدل الكتاب والسنة)، انتهى.
(65) الإنسان مطالب على قدر حاله، ومخاطبته بما يقتضيه وجود أصله، فلا يطالب عامي بزائد على التقوى، ولا فقيه بزائد على الاستقامة، ويطالب المريد بالصدق بعد تحصيل الأولين، والعارف بالورع، فعامي لا تقوى له فاجر وفقيه لا استقامة له مقصد، ومريد لا صدق له متلاعب، وعارف لا ورع له ناقص، وأصل التصوف دائر على الإحسان أبدا إن تحررت طريقته فواجب في الأحكام الورع، ولازمه في السن التحفظ، وحاله في الأدب دائر مع قلبه، ولذلك اختلفت أحواله فيه فليعتبر بكل في محله.
(66) كل صوفي أهمل أحواله من النظر لمعاملة الخلق، كما أمر فيها، وصرف وجهه نحو الحق دون نظر لسنته في عباده، فلا بد له من غلط في أعماله أو شطح في أحواله، أو وقوع طامة في أقواله، فإما هلك أو أهلك، أو كانا معا جاريين عليه، ولا يتم له ذلك، ما لم يصحب متمكنا، أو فقيها صالحا، أو مريدا عالما، أو صديقا صادقا، يجعله مرآة له، إن غلط رده، وإن ادعى دفعه، وإن تحقق أرشده، فهو ينصفه في حاله وينصحه في جميع أحواله، إذ لا يتهمه ولا يهمله، فافهم.
(67) لا يصح التصوف بدون فقه، فمن ثم كان الفقيه الصوفي تام الحال، بخلاف الصوفي الذي لا فقه له، كفى الفقه عن التصوف، ولم يكف التصوف عنه، ومن ثم خص الأئمة على القيام بالظاهر لما سئلوا عن علم الباطن، قال صلى الله عليه وآله وسلم للذي سأله أن يعلمه من غرائب العلم: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) ([20]) .الحديث، فافهم.
(68) دواعي الإنكار على القوم خمسة: أولها: النظر لكمال طريقهم، فإذا تعلقوا برخصة، أو أتوا بإساءة أدب، أو تساهلوا في أمر، أو بدأ منهم نقص، أسرع للإنكار عليهم، لأن النظيف يظهر فيه أقل عيب، ولا يخلو الإنسان من نقص ما لم تكن له من الله عصمة أو حفظ، الثاني: رقة المدرك ومنه وقع الطعن على علومهم في أحوالهم، إذ النفس مسرعة لإنكار ما لم يتقدم له علمه، الثالث: كثرة المبطلين في الدعاوي والطالبين للأغراض بالديانة، وذلك سبب إنكار حال من ظهر منهم بدعوى، وإن أقام عليها الدليل لاشتباهه، الرابع: خوف الضلال على العامة باتباع الباطن دون اعتناء بظاهر الشريعة كما اتفق لكثير من الجاهلين، الخامس: شحة النفوس بمراتبها، إذ ظهور الحقيقة مبطل لكل حقيقة، ومن ثم أولع الناس بالصوفية أكثر من غيرهم، وتسلط عليهم أصحاب المراتب أكثر من سواهم، وكل الوجوه المذكورة صاحبها مأجور أو معذور إلا الأخير، والله سبحانه أعلم.
(69) ما ألف من الكتب للرد على القوم نافع في التحذير من الغلط، ولكن مستفيد إلا بثلاثة شروط: أولها: حسن النية في القائل، باعتقاد اجتهاده وانه قاصد حسم الذريعة وإن خشي لفظه، كابن الجوزي، فللمبالغة في التنفير، ثانيهما: إقامة عذر القول فيه بتأويل أو غلبة، أو غلط، أو غير ذلك، إذ ليس بمعصوم، وقد تكون للولي الزلة والزلات، والهفوة والهفوات لعدم العصمة وغلبة الأقدار كما أشار إليه الجنيد رحمه الله تعالى، بقوله تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}، ثالثهما: أن يقتصر بنظره على نفسه، فلا يحكم به على غيره، ولا يبديه لمن لا قصد له في السلوك فيشوش عليه اعتقاده الذي ربما كان سبب نجاته وفوزه، فإن احتاج لذلك فليعترض على القول دون تعيين القائل ويعرض بعظمته وجلاله مع قامة قدره إذ ستر زلل الأئمة واجب، وصيانة الدين أوجب، والقائم بدين الله مأجور، والمنتصر له منصور، والإنصاف في الحق لازم، ولا خير في ديانة يصحبها هوى، فافهم والله سبحانه أعلم، فافهم.
(70) اتباع العلم الظاهر شرط في الوصول للعلم الباطن، إذ كل باطن على انفراده باطل، وجيده من الحقيقة عاطل، والرسول هو الإمام عليه الصلاة والسلام، وكل شيخ لم يظهر بالسنة فلا يصح اتباعه لعدم تحقق حاله، وإن صح في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره فافهم.
***
([1]) صحيح البخاري 1/37 ح 127.
([2]) الفردوس بمأثور الخطاب (الديلمي) 1/398 ح 1607.
([4]) السنن الواردة في الفتن 2/405.
([6]) مسند أحمد 10/107 ح 5866.
([7]) المستدرك علي الصحيحين 1/644 ح 1733.
([8]) المصدر السابق 1/647 ح 1742.
([10]) صحيح البخاري 4/199 ح 3606.
([11]) مسند أحمد 45/35 ح 27089.
([12]) سنن أبي داود 6/144 ح 4030.
([13]) صحيح البخاري 8/39 ح 6170. بلفظ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»
([14]) سنن الترمذي 5/227 ح 3093.
([15]) صحيح البخاري 9/142 ح 7485.
([16]) شعب الإيمان 7/310 ح 10410.
([17]) المستدرك علي الصحيحين 4/300 ح 7707.