المبحث الثالث والثلاثون مصطلحات ونظريات أهل التصوف
المطلب الأول:
مصطلحات أهل التصوف.
المطلب الثاني:
نظريات أهل التصوف.
المطلب الأول: مصطلحات أهل التصوف.
[المفتاح الأول]: التصوف الحق: علم جليل له مصطلحاته الخاصة به، لا يعلمها على وجهها إلا أصحابه المتخصصون فيه، وهذا موجود في كافة العلوم، كالفقه والحديث والنحو وغيره، وللصوفية اصطلاحاتهم الخاصة بهم، التي انفردوا بها عمن سواهم، هذه المصطلحات لها معان شرعية صحيحة جليلة ومقاصد كريمة جليلة، فربما نظر البعض إلى هذه المصطلحات على أنها أمور مبتدعة، فيضلل أصحابها جهلا منه بهذا العلم ومصطلحاته، فلابد لمن يريد معرفة التصوف الحق أن يرجع إلى أصحابه، حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إِشاراتهم ومصطلحاتهم، فيستبين له مرادهم، قال بعض الصوفية: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا، وكلامهم في تحذير من لا يفهم كلامهم ولا يعرف اصطلاحاتهم ليس من قبيل كتم العلم، ولكن خوفاً من أن يفهم الناس من كتبهم غير ما يقصدون، وخشية أن يؤولوا كلامهم على غير حقيقته، فيقعوا في الإِنكار والاعتراض، على أنّ (التصوف) ليس علما مجردا يُنال بمعرفة الاصطلاحات، بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله، والتعلم على أيديهم، فإن التصوف علم وخلق وسلوك لا ينال بمعرفة الاصطلاحات ولا بقراءة الأوراق، ولكن بصحبة أهل التصوف، حتى يكرمه الله بما أكرمهم به من التذوق والمعرفة، فإنك لو ظللت أياما وشهورا تشرح لأحد ما طعم العسل، لن يعرفه حتى يتذوقه، وآنذاك يعرف، ومن لم يتذوق معاني التصوف فليس بصوفي حتى يتذوق، فإن ادمن التذوق صار من اهل العرفان.
ومن أجل الكتب التي حوت تلك المصطلحات: كتاب (التعرف على مذهب أهل التصوف) للإمام لأبي بكر الكلاباذي، وكتاب (معراج التشوف إلى حقائق التصوف للعارف بالله الإمام ابن عجيبة الحسني)، وكتاب (معجم اصطلاحات الصوفية للعارف بالله الإمام عبد الرزاق الكاشاني)، على أنّ (التصوف) ليس علما مجردا يُنال بمعرفة الاصطلاحات، بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله، والتعلم على أيديهم، فإن التصوف لا ينال بقراءة الأوراق، ولكن بصحبة أهل التصوف، حتى يكرمه الله بما أكرمهم به من التذوق والمعرفة، ومن تلك المصطلحات:
[المفتاح الثاني]: العقيدة والشريعة والحقيقة: ثلاثة جوانب للدين تمثلها علوم الدين الأساسية الثلاث: علوم العقيدة والفقه والتصوف، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم مرتبة الإسلام، ومثلما اهتم علم العقيدة بأركان مرتبة الإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن، وبيان درجات الإحسان، ومنازل المحسنين، والتي تبدأ بالمراقبة وإلى دخول حضرة الحق وحصول المشاهدة، (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهو أعمق علوم الدين وأعلاها، له مباحثة القائمة على الكتاب والسنة وجهود علمائه الربانيين في فهم أدلة الكتاب والسنة، وهو يتناول العلم بحقائق الدين، ويرسم الطريق للوصول إلى رب العالمين، وذلك عن طريق منازل ومعارف ووسائل منها الاجتهاد في العبادات واجتناب المنهيات، وتزكية النفس وتطهير القلب بالتخلية من الأخلاق السيئة، والتحلية بالأخلاق الحسنة، وارتقاء المنازل إلى الله، وهذه المعارف وتلك المنازل وهذا المنهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء فيما لم يرد فيه نص، فجعلوه علما سموه بـ علم التصوف، أو علم التزكية، أو علم الأخلاق، أو علم الإحسان، فألفوا فيه الكتب الكثيرة بينوا فيها أصوله وفروعه وقواعده، الحاصل: التصوف علم وسلوك قام على التحقيق الأوفى لمرتبة الإحسان، وتعلق ببيان أركانها الظاهرة والباطنة ودرجاتها وأحوالها ومنازلها.
[المفتاح الثالث]: الطريقة والشريعة والحقيقة: مصطلحات ضرورية لكل صوفي، ف (الطريقة) وسيلته للسير إلى الله، وتشتمل الطريقة على الأذكار والأوراد إضافة إلى التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والمندوبات والكف عن الكبائر والمحرمات، وكما أنه لا غنى للمتعلم عن العالم، فإنه لا غنى للسائر إلى الله عن الشيخ المربي والولي المرشد، ليدله على طريق سفره إلى الله، قالوا: (من لا شيخ له في الطريق فشيخه الشيطان)، لأنه لا مناص للمسافر إلى الله، من دليل يدل على الطريق، فإن لم يكن له دليل من الأولياء المرشدين، تمشيخ عليه الشيطان من حيث لا يدري، ودله على الباطل، و (الشريعة) منهاجه أثناء سيره إلى الله، والشريعة تقوم على الكتاب والسنة وجهود العلماء الوارثين في فهم أدلة الكتاب والسنة، و (الحقيقة) غاية كل صوفي، فمع سلوك الطريقة والتزام الشريعة يحصل للسالكين في سيرهم إِلى الله تعالى الكشف الرباني، وبفوز الصوفي بلقاء الله حيث تنمحي آثار الزمان المكان، فيطلع على تجليات جناب الحق، وبهذا التجليات يدرك الصوفي من حقائق الوجود ما لا يدركه غيره، غاية الصوفي الحقيقة المطلقة، وهي الدخول على جناب الحق تعالى وتقدس في حضرته الأحدية، تلك الحضرة التي تقهر كل شيء، ويكون الفناء المحض للولي في حضرة الحق حيث فناء الرسوم وانطماس الآثار، ولا يبقى إلا أحدية الحق تعالى وتقدس، فيسمع بالله، ويرى بالله ويتكلم بالله، وينظر إلى الكون من منظور علم الله حيث لا غاية ولا نهاية ولا حد ولا مقدار، لهذا فإن معاني الطريقة والشريعة والحقيقة ضرورية لكل صوفي حق سائر إلى الله، يبتغي وجه الله، لا شيء سواه.
[المفتاح الرابع]: التخلي والتحلي والتجلي: من أهم مصطلحات أهل التصوف:، والتخلية ظاهرة وباطنة، والتحلية ظاهرة وباطنة، فأما (التخلية الظاهرة) فمعناها التخلي عن المعاصي التي تتعلق بالجوارح السبعة، وهي: اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان والبطن والفرج، وأما (التحلية الظاهرة) ومعناها أن يحلي السالك إلى الله تعالى هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها، فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره، و (التخلية الباطنة) معناها التخلي عن المعاصي القلب كالكبر والرياء والغضب، و (التحلية الباطنة) معناها التحلي بالطاعات الباطنة، وتحلية القلب بصفات الخلق العظيم كالتواضع والإخلاص والحِلم، قالوا: فمن تخلى عن المعاصي الظاهرة والباطنة وتحلى بالطاعات الظاهرة والباطنة، فقد تعرض لتجليات الحق الجلالية والجمالية، وقيل: (التخلي والتحلي والتجلي): التخلي عن صفات الربوبية، والتحلي بأخلاق العبودية، والتجلّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الحق على قلوب المقبلين عليه.
[المفتاح الخامس]: الزهد: الزهد بدايته الزهد في المعاصي، وهو أن يزهد الإنسان في المعاصي فلا يميل إليها، ثم الزهد في متاع الدنيا الفاني رغبة فيما عند الله عز وجل في الدار الآخرة، و (الزهد) للعامة قربة، وهو للمريد ضرورة لأنه لو لم يزهد في الدنيا لم يستطع الترقي في المنازل، فأول شروط الترقي في المنازل الزهد في الدنيا، والمريد إنما سمي مريدا لجمعه الإرادة والهمة على إرادة الله وترك الدنيا وعلى السير والترقي في المنازل إلى الله فلو لم يزهد لما صح أن يُقال عنه انه مريد، و (الزهد) للخاصة خسة، لانهم اهل عرفان، عرفوا حقيقة الدنيا، فهم لا يرون الدنيا تستحق أصلا ان يُزهد فيها لأنها دار الغرور، فهم يزهدون في الزهد فيها، أما الزهد الأرقى هو أن يزهد قلبه في كل ما سوى مولاه، حتى لا يخطر على القلب خاطر لغير الله جل في علاه، وهذا هو الزهد الأرقى، وهو أن يزهد في الكونين رغبة في مكون الكونين عز وجل وهذا زهد العارفين.
[المفتاح السادس]: الورع: أوله الورع في الحرام، ثم يرتقي إلى الورع في المباحات، يتورع عن بعض هذه المباحات خوف الفتنة، أو خوف الحجاب، أو خوف البعد من حضرة الكريم الوهاب، أو خوف الانشغال بها عن الله، ثم الورع عن الشبهات، والشبهات هي الأمور التي تختلط على كثير من الناس، فمن الناس من يحلها، ومنهم من يحرمها، فأهل هذا المقام يتورعون عن كل هذه الشبهات، أما ورع المتمكنين فهو التورع من أن يخطر على باله في أي نَفَس من أنفاسه شيء سوى مولاه.
[المفتاح السابع]: العشق: العشق هو مجاوزة الحد في المحبة، العاشق لا يحب أن يغيب عنه محبوبه طرفة عين، فالعشق أرقى من المحبة، و (العشق الصوفي) فناء الإنسان عن الأكوان، ثم الميل بالكلية إلى رب البرية عز وجل، يعشق جمالات الله، فإن الله جميل يحب الجمال، ويعشق كمالات الله، فإن لله الكمال المطلق، ويعشق نور حبيب الله ومصطفاه، وإذا غاب عنه طرفة عينٍ ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه، وفي ذلك يقول سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (بقي لي أربعين عاماً لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من الموحدين) ويقول في ذلك أيضاً سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه: (وإن خطرت لي في سواك إرادةٌ… على خاطري نَفَساً قضيتُ بردتي).
[المفتاح الثامن]: السُّكر والخمر: (السُكر الصوفي) لما زادت محبة الله، أو محبة حبيب الله ومصطفاه، في قلب الصوفي، غاب عما حوله، فلا يعيش إلا في نطاق محبوبه وهو الله عز وجل، أو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون قد غاب عن الدنيا ليعيش في رحاب الحبيب، لكن الجسم قائم بما ينبغي عليه في الدنيا، أما (الخمر الصوفي) فإن الصالحين لما عبَّروا عن عشقهم وحبهم لربهم ولنبيهم لم يجدوا ألفاظاً تلائم ذلك يستطيع أن يفهمها الخلق إلا ألفاظ المحبين العاديين، لكن مقصودهم معنوي وعالي وقلبي، فالخمر ما يُسكر الإنسان، هناك أُناس إذا رأى أحدهم نور رسول الله يغيب عن الوجود ولا يشعر بمن حوله.
[المفتاح التاسع]: الذوق: الذوق هو الإحساس بالمعاني الراقية بالقلب المملوء بنور الإيمان، والذوق فوق العلم، لأن العلم يُحصَّل عن طريق الأذن بالسماع، أو عن طريق العين بالقراءة، لكن الذوق يُحصَّل عن طريق القلب، والقلب إذا صفا واستنار بنور الحبيب المصطفى يأتيه دائمًا وأبدًا فيوضات وإلهامات من عالم الغيب الإلهي تجعله عندما يستمع إلى الكلام يأتيه تفسيره المناسب له من حضرة العليم عز وجل، هذا هو الذوق، قد تظل أياما وشهورا تشرح لأحد ما طعم العسل، لن يعرفه حتى يتذوقه، وآنذاك يعرف، ومن لم يتذوق معاني التصوف فليس بصوفي حتى يتذوق، فإن ادمن التذوق صار من اهل العرفان.
[المفتاح العاشر]: الجمع والتفرقة: الجمع عبارة عن: شهود الحق بلا خلق، والتفرقة شهود الحق والخلق، فإذا جمع العبد قال: الله ولا شيء سواه، وإذا فرق قال الرب رب والعبد عبد، فإثبات الحق من نعت الجمع، ورؤية العبد من باب التفرقة، ولابد للعبد من الجمع والفرق فإن من لا جمع له لا معرفة له، ومن لا تفرقة له لا عبودية له، الجمع عين الفناء بالله في الله وهو أعظم المعرفة، وهو حكم الروح، والتفرقة رؤية العبودية، وهي حكم الجسد، وما دام الإنسان مركبا من روح وجسد، فلابد من الجمع والتفرقة، إذا نظر إلى نفسه فرّق ورأى الفرق بين الربوبية والعبودية، فلزم ادب العبودية، وإذا نظر إلى ربه جمع، فلا يرى بالله إلا الله، وهو آنذاك في حالة الفناء عن النفس بالله، وفي حضرة الشهود رؤية تجليات أفعال جناب الذات تفرقة، ورؤية تجليات صفات الذات جمع، و جمع الجمع ويسمى الفرق بعد الجمع، أعلى من الجمع والتفرقة، لأن الجمع فناء في الله، وجمع الجمع بقاء بالله فهو يفرق بعد الجمع بالله، وهو يشهد الخلق قائماً بالحق، فلو نظر بعين التفرقة لا يسلب نظر الجمع، ولو نظر بعين الجمع لا يفقد نظر التفرقة، بل يجتمع له عينان، ينظر بالأولى إلى الحق نظر الجمع، وبالثانية إلى الخلق نظر التفرقة، وصاحب هذه الحالة يستوى عنده الخلطة والوحدة ولا تقدح المخالطة مع الخلق في حاله.
[المفتاح الحادي عشر]: الحضرة والحضور: الحضرة: قرب الشيء، تقول: كنت بحضرة فلان أي حظيت بقربه، والحضرة من الشهود ولهذا يقولون حضر فلان إذا رأوه، والحضرة اصطلاحاً: حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين، حضور القلب بدلالة اليقين، حتى يصير الحكم الغيبي له مثل الحكم العيني.
[المفتاح الثاني عشر]: الاتصال: أي أن ينفصل بسره عما سوى الله، فلا يَرَى بسره – بمعنى التعظيم – غيرَه، ولا يسمع إلا منه، قال النوري: الاتصال: مكاشفات القلوب، ومشاهدات الأسرار، وقال بعض الكبار: الاتصال: أن لا يشهد العبد غير خالقه، ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه.
[المفتاح الثالث عشر]: التجريد والتفريد: التجريد أن يتجرد بظاهره عن الأعراض، وبباطنه عن الأعواض، بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى، لا لعلة غيره، ولا لسبب سواه، ويتجرد بسره عن ملاحظة المقامات التي يخلها، والأحوال التي ينازلها، والتفريد: أن يتفرد عن الأشكال، وينفرد في الأحوال، ويتوحد في الأفعال، فلا يكون فيها رؤية نفس، ولا مراعاة خلق، ولا مطالعة عوض، ويتفرد في الأحوال عن الأحوال: فلا يرى لنفسه حالا، بل يغيب برؤية محولها عنها، ويتفرد عن الأشكال: فلا يأنس بها، ولا يستوحش منها، وقيل: التجريد: أن لا يَملِك، والتفريد: أن لا يُمْلَك،، وقيل: التجريد: قطعُ العلائق الظاهرية، والتفريد: قطع العلاقات الباطنية، وقيل: التجريد: على ثلاثة أقسام: تجريد الظاهر، وهو ترك كل ما يشغل الجوارح عن الله، وتجريد الباطن، وهو كل ما يشغل القلب عن الله، وتجريدهما، وهو إفراد القلب والقالب لله.
[المفتاح الرابع عشر]: الغيبة والشهود: الغَيْبَة: أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها،و (الغيبة): غيبة القلب عن مشاهدة الخلق، بحضوره ومشاهدته للحق بلا تغيير ظاهر العبد، ثم قد يغيب عن إحساسه بنفسه وغيره بواردٍ من تذكر ثوابٍ أو تفكر عقابٍ، و (الشُّهُودُ): أن يرى الباقي لا غير.
[المفتاح الخامس عشر]: الفناء والبقاء: الفناء يكون بالفناء عما سوى الله، بالفناء عن السوى والاغيار وعن النفس والرسم، والبقاء يكون بعد الفناء، ويكون بالله فيسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله.
[المفتاح السادس عشر]: الإرادة: عند أهل التصوف: جمرةٌ من نار المحبة في القلب مقتضية لإجابة دواعي الحقيقة، والإرادة: عندهم هي استدامة الكدّ وترك الراحة، والإرادة: عندهم هي الإقبال بالكلّية على الحق والإعراض عن الخلق، وهي ابتداء المحبة، والمريد هو من تحقق بتلك الإرادة.
[المفتاح السابع عشر]: الأنس: عند الصوفية يطلق على الأنس بالله، وهو حال شريف يشمل اِلتذاذ الروح بكمال صفات الجمال، قال الجنيد: الأنس ارتفاع الحِشمة مع وجود الهيبة، ومعنى ارتفاع الحشمة هو أن يغلب الرجاء على الخوف منه.
[المفتاح الثامن عشر]: البسط والقبض: يستخدم اهل الطريق: ألفاظ البسط والقبض، ويريدون بالبسط وارد على القلب يغلب الرجاء على الخوف، ويريدون بالقبض وارد على القلب يغلب الخوف على الرجاء، فإذا كاشف الله تعالى العبد بنعوت جلاله قبضه، وإذا كاشفه بنعوت جماله بسطه.
[المفتاح التاسع عشر]: الإصطلام: الإصطلام هو الشوق الشديد الذي يجعل صاحبه لا ينشغل بغير محبوبه طرفة عين ولا أقل، فلو نام يفكر فيه، ولو مشى يكون مشغول به، في كل أحواله مشغول بمحبوبه، فالمحبوب هو الله عز وجل، أو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والإصطلام هو الشوق الشديد، والحب الذي لا ينتهي، وليس له أمل ولا وقت.
[المفتاح العشرون]: الخلوة والجلوة: الخلوة: محادثة السر مع الحق حيث لا ملك ولا أحد، وتتضمن الخلوة الصمت الا عن ذكر المحبوب، والاعراض عن غير المحبوب، والخلوة اذا زوجت بالذكر، ولدت حسن المشاهدة، والجلوة: خروج العبد من الخلوة بالنعوت الالهية، والجلوة انما تبتدي بعد الخلوة، ذلك ان الجلوة هي خروج العبد من الخلوة بالنعوت الإلهية.
[المفتاح الحادي والعشرون]: الجمال والجلال: الجمال هو التجلي والظهور، ومن نعوته معاني الدنو والقرب واللطف والرحمة والانس، والجلال هو الاحتجاب، ومن نعوته العلو والعزة والقهر، ولكل جمال جلال، ووراء كل جلال جمال، والجمال المطلق لا يليق الا بالله، وهو الجمال الالهي الذي لا يعلل، ولا يكيّف ولا يمثل، ولا يعرف كنهه الا هو، والجلال المطلق لا يكون إلا لله، له الكبرياء والعظمة وله القهر والجبروت وله الحكم والأمر.
[المفتاح الثاني والعشرون]: الحلول والاتحاد: (الحلول) حال يصير معها الذاكر الى مقامٍ يفنى فيه عن نفسه وعن الخلق أجمعين، وتجري ينابيع الحكمة من قلبه، يحل في القلوب الإيمان بالله والمعرفة له، لا هو بذاته أو بصفاته يحل بهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، و (الاتحاد) هو شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي كلُّ الوجود به موجودٌ، وبنفسه معدوم، فليس لغير الله تعالى وجود ذاتي خاص به، فالكل بالله موجود وبنفسه معدوم، فمتى وصل السالك إلى رؤية الوجود موجودا بالله تعالى، عدم في وجوده بنفسه، فهذا عندهم هو الاتحاد.
[المفتاح الثالث والعشرون]: الإحسان: هو التحقق بالعبودية على مشاهدة حضرة الربوبية بنور البصيرة، أي رؤية الحق موصوفاً بصفاته بعين صفته، فهو يراه يقيناً ولا يراه حقيقة، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: “كأنك تراه، لأنه يراه من وراء حجب صفاته، فلا يرى الحقيقة بالحقيقة، لأنه الله هو الداعي، وصفة لوصفه، هو دون مقام المشاهدة في مقام الروح”.
[المفتاح الرابع والعشرون]: التوحيد: أعلى منازل السائرين، وهو نهاية مطلب الطالبين، وهو بحر عظيم لا حد له وقف الأولياء على ساحله، ولا يسبح فيه إلا الأنبياء، وهو في النهاية: توحيد الحق ذاته بذاته لذاته، فهذه بعض مصطلحات التصوف، ومن أراد الوقوف على المزيد منها مع بيانها خير بيان، فعليه بكتاب (معراج التشوف إلى حقائق التصوف للعارف بالله الإمام ابن عجيبة الحسني)، أو كتاب (معجم اصطلاحات الصوفية للعارف بالله الإمام عبد الرزاق الكاشاني)، على أنّ (التصوف) ليس علما مجردا يُنال بمعرفة الاصطلاحات، بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله، والتعلم على أيديهم، فإن التصوف لا ينال بقراءة الأوراق، ولكن بصحبة أهل التصوف، حتى يكرمه الله بما أكرمهم به من التذوق والمعرفة.
***
المطلب الثاني نظريات أهل التصوف
من أهم نظريات أهل التصوف الناشئة عن العرفان الحقيقي والكشف الإلهي والتجلي الرباني، نظريتان هما (وحدة الوجود) و(الحقيقة المحمدية) سأحاول إلقاء الضوء بإيجاز شديد على كل منهما، مع التنبيه إلى انهما ناشئتان عن شهود، فليس الامر في المعرفة العلمية لهما، بل الشأن في شهودهما، ولا يشهدهما إلا ولي من أولياء الله، نسأل الله تعالى من فضله الواسع العظيم،
[النظرية الأولى]: وحدة الوجود: أهل التصوف الحق هم العارفون بالله الربانيون القائمون على مرتبة الإحسان وهم أهل التنزيه والتقديس لله، لا يجوز الظن فيهم بأنهم يخالفون عقائد الكتاب والسنة كيف وهم أولياء الله، وأعلم الناس بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يُتصور مخالفتهم لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية أبدا، كيف وهم أهل العلم اللدني، وأهل المعرفة شهودا، وهم أئمة أهل السنة والجماعة علما ومعرفة وتحقيقا، إذن: لابد من معرفة المنهل الذي منه يغترفون، أهل العرفان لا يعتقدون (وحدة الوجود) بل هم يشهدون هذه الوحدة، فهي حالة شهودية تخص الأولياء إذا بلغوا منازل عالية من السير إلى الله، فهم يقولون بما يشهدون، وفي القرآن الكريم ما يؤيد شهودهم، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، فالفناء جاء بصيغة الاسم للدلالة على تحقق الفناء، ولا معنى للفناء إلا العدم، وكذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، ولا معنى للهلاك إلا العدم، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ([1]) .
والباطل هو العدم، كما أنّ (الحق) اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الثابت الوجود المتصف بالوجود الدائم وقد تكرر ذكره سبحانه في القرآن الكريم كثيراً، (الحق): هو الذي لم يزل ولا يزال، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به سبحانه، فأهل العرفان حكموا بما شهدوا، وأهل العرفان حكموا بما حكم الشرع، وأهل العرفان أهل فناء عن السوى والاغيار، وأهل فناء عن النفس والرسم والدنيا والآخرة، وأهل بقاء بالله، به يشهدون، وبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، فإن قالوا: بوحدة الوجود، فهم قد حكموا بالحق الأزلي الذي جاء به الشرع، وهم قد حكموا بما شاهدوه، وبما رأوه ببصائرهم، والبصر الحقيقي هو بصر القلب (البصيرة)، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، فما ذنب اهل العرفان إن شهدوا بما حُجب عنه أكثر الخلق، فلا حجة للنافي على المثبت ولا حجة للجاهل على العالم، وفوق كل ذي علم عليم.
يقول اهل التصوف: هناك مقامان رفيعان من مقامات التصوف الحق:
المقام الاول: (مقام الفناء) هو أن تبدو للسالك من عظمة الله تعالى ما يغيبه عن كل شيء وينسيه كلَّ شيء، سوى الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء، مثاله – لتقريب المعنى – حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن من جمال نبي الله يوسف عليه السلام، فبسبب جماله عليه السلام ذهلن وفنينّ عن أيديهن فقطعن أيديهن، ولم يشعرن بألم القطع أبدا لأنهن كنّ في حالة فناء عن أنفسهن بجمال يوسف عليه السلام، فكيف بحال من تجلت عليه أنوار المعرفة بالله، وهي الحال التي يستغرق فيها الصوفي ويفنى عن نفسه وعن جميع من حوله، فلا يشاهد سوى الحق لاستغراقه فيه بالكلِّية.
أما المقام الثاني: (مقام البقاء) فهو أعلى من مقام الفناء لأنه شهود الخلق بالله، فالفناء انجذاب إلى حضرة الخالق والغيبة عن الخلق، و(البقاء) يمثل العودة إلى شهود عالم الخلق بالله، فيكون الولي فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق ويؤيده الحديث: (وما يزال عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحْبَبْته: كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويَدَه التي يَبْطِش بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها) [أخرجه البخاري]، فإذا قال الصوفي: (لا أرى شيئًا غير الله)، فهو في مقام الفناء، فلا يرى بقلبه شيئا سوى الله لأنه في غيبة بالخالق عن الخلائق، وإذا قال: (لا أرى شيئًا إلا وأرى الله فيه)، فهو في مقام البقاء فهو يرى الخلق ولكنها رؤية بالله، فهو يعلم بالفرق بين وجود الخالق ووجود المخلوق، ولكنه لا يشعر إلا بالوجود الأصلي الواجب الذي هو وجود الله تعالى وحده، أهل المقامات العظام، غلب عليهم الشهود في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه) فاستغرقوا في بحر التوحيد والمشاهدة القلبية، ففني أحدهم عن نفسه وعن العالم من حوله، فلا يشهد بقلبه إلا الله.
وهؤلاء غابوا عن شهود غير الله، فقالوا بوحدة الوجود، مع استقامتهم على شرع الله تعالى، وهذا القول منهم من الشهود والعرفان وعالي منازل الإحسان، ومن جهة ثانية، إذا نظرنا إلى الكون على انه تجليات أسماء الله تعالى الدالة على جناب ذاته وصفاته وأفعاله، فإن الوجود من هذه الوجهة، واحد لا يتعدد ولا يتكثر هو وجود الرب المعبود بجناب ذاته وأسمائه وصفاته، وكل ما نراه، وكل ما نشاهده، وكل هذا الوجود إنما هو من آثار تجليات الحق سبحانه، فمن هذا المعنى يصح قولا أيضا القول بوحدة الوجود على سبيل الاستدلال، فكيف باهل التصوف وقد شاهدوا الامر بالعيان فأغناهم عن الاستدلال، فهم يرون شهودا كل ما في الوجود أثر لأسماء الله تعالى الدالة على جناب ذاته وصفاته وافعاله، فلا ثم إلا الله وكل الخلائق والاكوان إنما هي أثار خلقه وفعله ومشيئته وارادته فلا يكون إلا ما يريد ولا يخرج شيء عن مشيئته وقدره وهم يرون شهودا من وراء الستار ما لا يراه غيرهم من أهل المراتب الأدنى الإسلام والإيمان، فهل يتعالى الأدنى على الأعلى وهل ينفي الأدنى ما يراه الأعلى ما دام في اطار الشريعة لا يستدل إلا بها ولا يخرج عن منطوقها قيد أنمله، والخلاصة (وحدة الوجود) حالة شهودية لا يراها إلا من اكرمه الله ببلوغها وقد يتحول الحال إلى مقام فينطق العارف بها اضرارا لا تشبعا، ولا ادعاء، ومن كان هذا حاله فإنما ينطق بها من مقام الصديقية، اما المدعى فحسابه على الله وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الانعام: 21]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 69-70]
(تنبيه): القائلون بوحدة الوجود أنواع، منها ما هو كفر بواح، ومنه ما هو توحيد وعرفان وإحسان، (أولاً): القائلون بالوحدة الحسية، وهؤلاء يعتقدون أن وجودنا هو عين وجود الله تعالى، وأن العالم بجميع ما فيه جزء من الخالق، بمعنى أن الخلق والخالق شيء واحد، سبحان الله وتعالى عمّا يصفون، و(وحدة الوجود) بهذا المعنى مذهب كفري قولا واحدا، وكل من ثبت عليه هذا القول ثبوتا واضحا بحيث لا شبهة تحول دون إكفاره فلا خلاف في أنه كافر به إلا أن يتوب، ونسبة هذا المذهب للسادة الصوفية العارفين بالله، فرية لا تصح بحال.
(ثانياً): القائلون بالوحدة الفلسفية، وهؤلاء يعتقدون أنه ليس إلا وجود واحد لا يتعدد ولا يتكثر، وأنّ الله تعالى تجلى لنفسه، إذ العالم عندهم ليس له وجود أبدا، ولا وجود إلا له سبحانه، وهذه العقيدة موغلة في الفلسفة، غريبة على عقائد اهل السنة والجماعة، وهي من الأمور التي ينبغي تنزيه التصوف السني عنها، ولا تجديد لأمر التصوف إلا بالابتعاد عن مثل ذلك الإغراق الفلسفي الذي يبرأ التصوف السني عنه، والمعنى الذي يتبناه اهل التصوف هو أنّ الكون أفعال الله وآثار رحمة الله وهم لا ينفون وجود الخلائق لأنها من فعل الله وخلق الله.
(ثالثاً): القائلون بوحدة الوجود وهم يقصدون بها وحدة الشهود، وهؤلاء أهل المعرفة والإحسان، وأهل المقامات العظام، غلب عليه الشهود في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه)) فاستغرقوا في لجج بحار التوحيد والمشاهدة القلبية، ففني أحدهم عن نفسه وعن العالم من حوله، فلا يشهد بقلبه إلا الله، وهؤلاء غابوا عن شهود غير الله، فقالوا بوحدة الوجود على معنى وحدة الشهود، مع استقامتهم على شرع الله تعالى، وأكابر العارفين من أهل الولاية، يفرقون بين مقام الفناء، ومقام البقاء، مقام الفناء، ويمثل وحدة الشهود، والمقام الثاني مقام البقاء ويمثل وحدة الوجود، بمعاني صحيحة سامية، وذلك لأنّ (مقام البقاء) أعلى من مقام الفناء لأنه شهود الخلق بالله، فالفناء انجذاب إلى حضرة الخالق والغيبة عن الخلق، و(البقاء) يمثل العودة إلى شهود عالم الخلق بالله، وهذا ما نطق به العارفون عن وحدة الوجود شهودا وتحققا على معناها الصحيح، فالكون وما فيه لا يستغني عن الله طرفة عين، {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41]، فهم يرون المؤثر وراء الأثر وهم يرون الحي وراء كل حي ويرون القيوم وراء كل الوجود، فقالوا شهودا بوحدة الوجود، و(الكون) كله ظلمة لأنه حجاب لمن وقف مع ظاهره عن شهود ربه، سبحانه هو المتجلي في الكون بنوره وهدايته، قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور:35]، فمن أشرقت على قلبه شمس الحق فلا يغطيها برؤية الظلال دون الحقائق، ورؤية الكائنات دون المكون، فما الكون كله إلا ظلال لتجليات أسماء الحق وصفاته، وما الكون كله إلا آثار خلق الله ورحمة الله ، والعارفون يشهدون الحق في كل شيء وعنده وقبله وبعده، وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آية ٌ … تَدُلّ على أنّهُ الواحِدُ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، والمحجوب في الحقيقة هو العبد المحجوب وليس الحق سبحانه، إذ لا وجود للأشياء مع وجوده سبحانه ولا ظهور لها مع ظهوره، فكل ما ظهر من أشياء ومخلوقات لا ظهور لها إلا منه ولا قيام لها إلا به، فــ (الحق) هو الموجود الباقي القديم الازلي، والقديم والحادث لا يلتقيان، فاذا قرن المخلوق الحادث بالرب القديم تلاشى الحادث وبقي القديم، فإذا رفع الله عن قلب عبده الحجاب وصار من أهل حضرته، ومن أهل قربه ووصاله، شهد الحق ، (الحق) سبحانه واجب الوجود وكل ما سواه ظل لأسمائه الحسنى ، والظل لا يحجب الوجود، والظل لا يحجب الحق المبين، جل القديم ان يحجبه المحدث، وجل الخالق ان يحجبه مخلوق، وجل المنزه عن الحدود أن يحجبه المحدود، فالحجاب على قلب العبد المحجوب، فمتى اكرم الله عبده من اهل حضرته وقربه ووصاله، فالأمر كله فتح من الله لم شاء من أهل حضرته وقربه ووصاله ورضوانه، ومعنى قول أهل التصوف بأنّ وجود المخلوقات مع الاسماء كوجود الظل مع الأجسام، أنه كما أن الظل لا حقيقة له بل مرتبط بسببه، فإن زال مسببه زال، كذلك ارتباط الكون بما فيه مع تجليات الأسماء الحسنى، وجود الله أزلي واجب، ووجودنا ممكن عارض مرتبط بموجده سبحانه، ووجودنا كوجود الظلال للأشياء، والسعيد من أسعده الله في الأزل والشقي من أشقاه الله في الأزل وإنما كلٌ يعمل لما هو مسخر له.
[النظرية الثانية: الحقيقة المحمدية]: كما فني أهل التصوف في الله تعالى حتى ما عادوا يرون في الكون سواه (وحدة الشهود)، فاكرمهم الله تعالى بــ (وحدة الوجود) على معاني التجلي الإلهي لأهل حضرته وقربه ووصاله، كذلك أكرم الله اهل محبة النبي صلى الله عليه وسلم والفناء فيه بالحقيقة المحمدية على سبيل الكشف، يرون الوجود المحمدي ملء الزمان والمكان، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: {واعلموا أنّ فيكم رسول الله}، فالوجود المحمدي ملء الزمان والمكان، لأننا في صلاتنا ونحن أكثر من مليار ونصف وكلنا في الصلاة، في التشهد الأخير حين نقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، ماذا تعنى هذه الكلمة إن لم تكن تعنى وجوده بيننا بكامل وجوده، فنحن لا نسلم على غائب أو غير موجود، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يُسَلِّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ عليه السلام) ([2]) .
وهذا يقتضي أن تبقى روحه معه صلى الله عليه وسلم لأنه لا تخلو لحظة إلا ويصلي عليه أحد الناس في أنحاء الأرض.
واهل التصوف يقولون: الوجود نوعان، وجود بالجسم الترابى، وهو لا يكون إلا في مكان واحد، ولا يجوز تعدده، ووجود بالجسم المثالي، بمعنى أن الجسم الشريف في مكانه من الروضة المطهرة، مع تعدد وجوده في أي مكان بالجسم المثالي، ففى ليلة الإسراء حين أسرى به صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة، قال عليه الصلاة والسلام: (مررت على أخي موسى فوجدته قائما يصلى في قبره) ([3]) .
ثم كان النبي موسى عليه السلام مع الأنبياء في صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يؤمهم بالمسجد الأقصى، وقد كان في استقباله في السماء السادسة، فهذا تعدد وجود الجسم المثالي لموسى عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرم على الله من موسى عليه السلام ومن جميع خلقه، له الوجود المثالي يسلم علي كل مسلم يسلم عليه فيرد عليه السلام، وقد تواتر عن اهل الله الاجتماع به صلى الله عليه وسلم في عالم المثال، وهو غير عالم الرؤيا والمنام، وقد أجمع اهل الحق بان الاسراء والمعراج كان بالروح والجسد على سبيل الحقيقة والمعجزة ، وقد رأى في الاسراء والمعراج موسى وإبراهيم وأدم واجتمع بجميع الأنبياء والمرسلين، وصلى بهم حقيقة وليس مناما، وقد تواتر عن اهل الله الاجتماع به صلى الله عليه وسلم في عالم المثال، يقظة ومناما ، له صلى الله عليه وسلم الوجود الذي أضاء الزمان والمكان، قال تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ * يَهْدي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ}، فالنور هو السراج المنير صلى الله عليه وآله وسلم، والكتاب المبين هو القرآن الكريم، يقول سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (بقي لي أربعين عاماً لو غاب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من الموحدين)، ويقول الولي العارف: سيدي أبو العباس المرسي: قال عن نفسه: (والله لو حُجب عني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين)، ومثل ذلك قاله الامام الشعراني والامام السيوطي، وتواتر ذلك عن أكثرهم، وهاهنا تقريب لتلك الحقيقة، وهي في الخلاصة منة إلهية وكشف رباني أن يرى الولي من اهل حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الرسول صلى الله عليه وسلم حاضرا لا يغيب عن أمته صلى الله عليه وسلم، {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} [الحجرات: 7]، فالمسلمون يسلمون عليه في الصلاة سلام الحاضر المخاطب، والاولياء اهل الحقيقة المحمدية يسلمون عليه ويسمعون رد السلام من عالم المثال، لو حُجب عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين لذابوا وهلكوا .
وهناك مفردات تُعين على فهم الحقيقة المحمدية:
(1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضل خلق الله، جعل الله تعالى طاعته من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}، هو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهو أفضل الأولين والآخرين، وهو سيد ولد آدم أجمعين، روى مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:(أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)([4]) .
وروى الترمذي وحسنه، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْر َ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ) ([5]) .
فضائله صلى الله عليه وسلم غير منحصرة، صاحب لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب الوسيلة وهي درجة في الجنة لا تكون إلا له صلى الله عليه وآله وسلم.
(2) النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا مثل له: هو صلى الله عليه وآله وسلم أكمل خلق الله تعالى خلقا، وأعبد خلق الله لله واتقاهم له، اجتمعت له أحسن السير، وأعظم الأخلاق التي لم تجتمع لأحد غيره من خلق الله، كان أعبد الخلق لله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، و كان أعظم الخلق خُلقا قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وهو أكرم الناس وأجود الناس ينفق ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويبقى مع ذلك لا يوقد في بيته نار لطعام لأشهر عديدة، وكثيراً ما يطوي على الجوع، وكان أشجع الناس يقود الجيش القليل العدد الضعيف العُدَد فيقاتل بهم ألوفاً من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة، ويكون أول الصفوف يتقي الناس به إذا حمي الوطيس، فإذا انتصر عليهم، عفى وصفح، لين هين رحيم رؤوف رقيق القلب قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، أرسله ربه رحمة للعالمين أجمعين، كان مشغول الفكر والهم بدعوة العالم أجمع إلى دين الإسلام، دين الله الذي لا يقبل من عباده دينا سواه، يكاد يقتل نفسه كمدا وحزنا على حال الكافرين والمعرضين عن دعوته، وهو مع ذلك لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده وأصحابه، بل ولا يفوته أمر من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم أهل الصفة الذين لا مأوى لهم إلا المسجد، يهتم بأمر الكافرين المعرضين يحرص على هدايتهم وإصلاحهم، ويهتم لأمر المسلمين يخفض جناحه لهم ويصبر نفسه على تعليمهم وتربيتهم وتزكيتهم، وهو مع ذلك كله أعبد الخلق لخالقه وربه، عبدٌ متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا، يقوم من الليل حتى تفطرت وتقرحت قدماه، قلبه معلق بالله وحده، لم ينتقم من أحد لنفسه قط، بل كان يدعو لعدوه كما كان يدعو لصاحبه، رموه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين، وجاءه ملك الجبال يستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين فأبى، ودعا لهم بالهداية المغفرة (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، لم تجتمع أخلاقه لأحد من خلق الله، فهو النبي الكامل والرسول المعصوم، كان كريما حييا سخيا زاهدا في الدنيا يوزع ما أفاء الله عليه، ثم يعود إلى حجرته لينام على حصير، ويتكئ على وسادة من ليف، تأتيه الأموال العظيمة فينفقها في سبيل الله، لا يدخر منها شيئا، وتأتيه ابنته وفلذة كبده السيدة فاطمة تشكو إليه ما تكابده من الحاجة والفقر والجهد فيعلمها دعاء تدعو الله تعالى به هو خير لها من الدنيا وما فيها، تولى الله عز وجل الثناء عليه، فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] و امتن سبحانه عليه بأن حسن خلقه فجعله ليناً للمؤمنين فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، ووصفه سبحانه بالرأفة و الرحمة على المؤمنين و هذا من حسن الخلق فقال عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، ووصفه بالرحمة على الكافرين والحرص على هدايتهم فقال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]، وقال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3، 4]، كانت حياته صلى الله عليه وسلم كلها صدق وأمانة، ما عهد عليه غدر ولا كذب، ولا خيانة ولا خداع، عرف بين قومه قبل النبوة والرسالة بالصادق الأمين، وكان طيب الكلام فصيح اللسان، يحب الخير للناس كافة، جميل الخَلق والخُلق، هو الرحمة المهداة، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.
(3) من دلائل تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العالمين:
(1) أخذ العهد والميثاق من جميع الأنبياء والرسل إذا بعث محمد ليؤمنن به ولينصرنه، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين}، روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية السابقة: (ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه).
(2) رسالته رسالة عامة: كان الرسول قبل يرسل إلى أمته خاصة، وأرسل هو إلى الخلق عامة، إلى الثقلين الإنس والجن، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}
(3) ختمت به النبوة والرسالة: قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}
(4) الرحمة المهداة للعالمين: قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}
(5) كان أمنة لأصحابه من العذاب: قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}
(6) خلود معجزته الكبرى وهي القرآن الكريم محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}
(7) غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: على الرغم من أن الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام معصومون من الشرك، والكبائر، والصغائر، وكل ما يشين المروءة، وما صدر من بعضهم ولم يقروا عليه نتج إما عن نسيان، أو خطأ في اجتهاد، إلا أنه خُصَّ رسولنا بخصيصة انفرد بها على سائرهم، قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وغفره له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيه تشريف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(8) القَسَم بحياته صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}، قال ابن عباس: (ما خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}
(9) لم يناده ربه باسمه المجرد إلا مقروناً بالنبوة والرسالة، في حين نادى الأنبياء بأسمائهم، قال تعالى: {يَا آدَمُ}، {يَا نُوحُ}، {يَا إِبْرَاهِيمُ}، {يَا مُوسَى}، {يَا عِيسَى}، وقال في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}، وإنما ذكره بالاسم المجرد في معرض ذكر الرسالة كقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}، (10) وقد خص صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة بأمور منها: الشفاعة العظمة لأهل المحشر: عندما اعتذر عنها أولو العزم من الرسل تصدى لها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشفاعته في افتتاح الجنة، فهو أول داخل لها، وشفاعته في سبعين ألفاً من أمته، مع كل ألف سبعون ألفاً، يدخلون الجنة بغير حساب، وشفاعته في قوم من الموحدين من أمته، استحقوا النار، فيشفع فيهم فلا يدخلونها، وشفاعته في إخراج العصاة الموحدين من أهل الكبائر من النار بعد أن تطهروا فيها، وشفاعته في رفع درجات ناس من أمته دخلوا الجنة، وكانوا في درجات دنيا، فيرفعون إلى درجات عليا، وادخار دعوته لأمته في الآخرة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً) ([6]) .
(11) المقام المحمود: وهو المقام الذي يقومه يوم القيامة للشفاعة بين الخلق، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}.
(12) الوسيلة والفضيلة: وهي أعلى درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد واحد من عباد هو أعلاهم عند الله منزله وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(4) النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بشراً كالبشر بل كانت له خصائص لا تجتمع لغيره، وكان من خصائصه أنه كان يرى من خلفه الصفوف وكل شيء كما يرى من أمامه، وكان يرى مالا نرى ويسمع مالا نسمع كما في الحديث الذي أخبر فيه بأنه ما من موضع قدم في السماء إلا فيها ملك راكع أو ساجد، فكان يسمع أطيط السماء وهو على الأرض، ويرى الجنة والنار وهو في الصلاة ويرى الجن والملائكة والغيوب مما يفتح به الله عليه مما لا يدخل تحت العد والحصر، إن المؤمن الذي يعرف الحقيقة المحمدية تحقيقاً هو الذي يرى حضرة الرسول محمد في كل مكان حاضراً وناظراً، ومن يصل إلى هذه المعرفة فقد وصل إلى الحقائق، قال تعالى: {واعلموا أنّ فيكم رسول الله}: الوجود المحمدي ملء الزمان والمكان، لأننا في صلاتنا ونحن أكثر من مليار ونصف وكلنا في الصلاة، في التشهد الأخير حين نقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، ماذا تعنى هذه الكلمة إن لم تكن تعنى وجوده بيننا بكامل وجوده، فنحن لا نسلم على غائب أو غير موجود، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من أحد يُسَلِّمُ عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ عليه السلام) ([7]) .
وهذا يقتضي أن تبقى روحه معه صلى الله عليه وسلم لأنه لا تخلو لحظة إلا ويصلي عليه أحد الناس في أنحاء الأرض، قال بعض أهل التصوف: الوجود نوعان، وجود بالجسم الترابى، وهو لا يكون إلا في مكان واحد، ولا يجوز تعدده، ووجود بالجسم المثالي، بمعنى أن الجسم الشريف في مكانه من الروضة المطهرة، مع تعدد وجوده في أي مكان بالجسم المثالي، ففى ليلة الإسراء حين أسرى به صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة، قال عليه الصلاة والسلام: (مررت على أخي موسى فوجدته قائما يصلى في قبره) ([8]) .
ثم كان النبي موسى عليه السلام مع الأنبياء في صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يؤمهم بالمسجد الأقصى، وقد كان في استقباله في السماء السادسة، فهذا تعدد وجود الجسم المثالي لموسى عليه السلام، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرم على الله من موسى عليه السلام ومن جميع خلقه، له الوجود المثالي مع كل مسلم يسلم عليه أو يصلي عليه فيرد عليه السلام، والأبدال من هذه الأمة سُمُّوا كذلك لأن الواحد منهم يتعدد وجوده في أماكن كثيرة، وقد كان أحدهم يسافر من موضع إلى موضع بجسده المثال، وهو في مكانه لا يفتقده الناس، فكيف بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بلغ من التكريم والتعظيم مبلغا لم يبلغه عبد قط، ومتواتر عن الاولياء الاجتماع به صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال السيد المرسى أبو العباس: (لو حُجبتُ عن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم طرفة عين ما عددت نفسى في المسلمين)، إن جميع الأولياء لا تتم ولايتهم إلا بإذنه صلى الله عليه وآله وسلم وبتزكيته، وكانوا يجتمعون بسيد المرسلين يقظة ومناما، والقرآن الكريم يقول: {واعلموا أن فيكم رسول الله}، له الوجود الذي أضاء الزمان والمكان، قال تعالى: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ * يَهْدي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ}، فالنور هو السراج المنير صلى الله عليه وسلم، والكتاب المبين هو القرآن الكريم.
(5) الحقيقة المحمدية: إنّ أول ما خلق الله من عالم الغيب الأرواح، وأول ما خلق الله من عالم الشهادة الأجسام كالعرش والماء والقلم واللوح، وعالم الغيب يسبق عالم الشهادة، والدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 28، 29]، فدل على ان الأرواح كانت موجودة قبل خلق آدم عليه السلام، خلق الله الأرواح من عالم الغيب.
وكان أول تلك الأرواح هو روح النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على انه أول الأرواح، أنه صلى الله عليه وسلم أول من انصاع للأمر الرباني، فكان أول العابدين، وكان أول المسلمين لله، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الانعام: 163]، فهو أول العابدين وهو أول المسلمين، وهو(الروح) النور الذي خلقه الله قبل كل شيء، وجعله في صلب آدم عليه السلام، وظل يتقلب في أصلاب بني آدم حتى ظهر في أكمل الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجعله نورا مبينا وسراجا منيرا، قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46]، فالكتاب المبين هو القرآن الكريم والنور والسراج المنير هو نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
(6) الوجود كله بما فيه من عالم الملك والملكوت، إنما هو من آثار تجليات الأسماء الحسنى، كان الله تعالى بجناب ذاته الأحدية في الأزل حيث لا مكان ولا زمان ولا خلق، ولا أكوان، كان الله وليس معه احد، كان الله ولا موجود غيره، فتجلت أسماؤه الحسنى بتجليات كان من أثرها خلق الاكوان والعوالم والمحدثات، وكان أول التجليات على خلقه باسمه الأول، فابتدأ خلق الأكوان والعوالم، فأول ما خلق من عالم الغيب الأرواح، وجعلها أنوار ربانية من أمره لا يعلم حقيقتها إلا هو، وكان أعظم تلك الأرواح وأنورها وأكثرها بركة على الخلق روح سيد المرسلين وخير الخلائق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا السبب كان رحمة للعالمين جميعا بلا استثناء، وأول ما خلق الله تعالى من عالم الشهادة: العرش والماء والقلم واللوح، بتجليات اسمائه الخالق البارئ المصور، خلق المخلوقات، وأخرجها من العدم إلى الوجود، وصورها في أي صورة ما شاء ركبها، وبتجليات اسمه المبدع أبدعها على غير مثال سابق، وبتجليات اسمه الظاهر أظهر ما شاء من خلقه، وبتجليات اسمه الباطن غيب ما شاء من غيبه، وبتجليات اسمه الحي عاشت الخلائق وتكاثرت، وبتجليات اسمه القيوم قامت وتحركت وتكاثرت، وبتجليات اسمه الواسع اتسع الملك والملكوت، فلا يحيط مخلوق بقدر سعة خلائقه، وبتجليات اسمه العليم ظهر أثر العلم في مخلوقاته سبحانه، وبتجليات اسمه الحكيم ظهرت الحكمة في تدبير أمر الملك والملكوت، وبتجليات اسمه العظيم ظهرت العظمة في اتساع الكون ودقة نظامه، وبتجليات اسمه الرحمن ظهرت الرحمة وتعاظمت وعمت الكون ووسعت كل شيء، وبتجليات اسمه الرحيم امتدت الرحمة وتواصلت، وبتجليات اسمه القاهر قهر الخلائق بقوانين الوجود والزمان والمكان، وبتجليات اسمه الرب ربى الخلائق ودبر وصرف واعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وبتجليات اسمه الإله، تألهت الخلائق فلا بد لها من عبودة في القلب لإلهها وخالقها، وبتجليات اسمه الهادي هدى المؤمنين من عباده، وبتجليات اسمه المضل أضل ابليس ومن شاء من خلقه، وبتجليات اسمه المقدم قدم من شاء، وبتجليات اسمه المؤخر أخر من شاء، وبتجليات اسمه المعز أعز من شاء، وبتجليات اسمه المذل أذل من شاء، وبتجليات اسمه المعطى أعطى، وبتجليات اسمه المانع منع، وبتجليات اسمه التواب تاب،، وبتجليات اسمه العفو عفى، وبتجليات اسمه المنتقم انتقم وعذب، وهكذا فإنه بتجليات الاسماء الحسنى ظهر كل ظاهر من الاكوان والخلق، وبطن كل باطن، فليس في الوجود الحق سواه، وكل ما نراه من عالم الخلق والامر والملك والملكوت إنما هي تجليات أسمائه، ووجود هذه المخلوقات مع الاسماء كوجود الظل مع الأجسام، فكما أن الظل لا حقيقة له بل مرتبط بسببه، فإن زال مسببه زال، كذلك ارتباط الكون بما فيه مع تجليات الأسماء الحسنى، ولهذا قال الأصوليون: وجود الله أزلي واجب، ووجودنا ممكن عارض مرتبط بموجده سبحانه، وقال العارفون: وجودنا كوجود الظلال للأشياء، والسعيد من أسعده الله في الأزل والشقي من أشقاه الله في الأزل وإنما كلٌ يعمل لما هو مسخر له.
وأعظم التجليات الإلهية كانت في خلق الإنسان: كل الخلائق ما عدا الإنسان تجليات لبعض الأسماء، فلما أراد الله تعالى أن يتجلى على أحد أجناس خلقه بجناب ذاته وجميع أسمائه اختار آدم عليه السلام، فكان خليفة الله، أورثه العلم والحكمة وجعله نبيا، وأورث ذريته جميع الأسماء والصفات، فكان هو الجامع لكل التجليات، ولذلك خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وصوره في أحسن صورة، وأسجد له أطهر خلقه (الملائكة)، وسخر له الكون بما فيه، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}.
جنس الإنسان هو مجلى الذات والأسماء والصفات، ولهذا اختاره الله تعالى لحمل الأمانة، واصطفى منه الرسل والأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصالحين، والمقدم من بني آدم، على الإطلاق هو من بلغ رتبة الكمال الإنساني، والإنسان الكامل بإجماع العارفين هو النبي صلى الله عليه وسلم، تجلى الله تعالى عليه بجناب ذاته وأسمائه، وكل من اكرمه الله تعالى وكُشفت له بعض معاني الأخلاق المحمدية العظيمة، يعلم ذلك ويوقن به، ولهذا ذكر الكثير من العارفين في حقه أوصاف صحيحة، ومعاني صحيحة تتعلق بالخلق، فالأوصاف إذا نسبت إلى الله تعالى كانت على الإطلاق، وإذا نسبت إلى الخلق كانت بقدرهم، قالوا: أنه صلى الله عليه وسلم: في البشر، بل في الخلق اجمعين: ليس كمثله في البشر أحد، لا في اخلاقه ولا في علومه ولا في معارفه، ولا يبلغ منزلته في الخلق أحد، قالوا: وهو الأول في الانبياء فضلا ومنزلة، أمره الله تعالى بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، وهو الآخر في الأنبياء بعثة ووحيا وختما للرسالات، {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، وهو الظاهر على جميع الخلق بأخلاق الكمال ولهذا سماه العارفون بالبدر التمام، وهو الباطن على جميع الخلق بما حواه قلبه الشريف من معارف وأسرار، وهو التجلي الأكرم المتحقق بكل تجليات حضرات الشهود، هو الذي قابل تجليات شمس جناب الذات الأحدية، فلم تدخل عليه الظلمة من أي جانب، وهو الذات المخلوقة الجامعة لكافة تجليات الأسماء الحسنى العلية، وكافة صفاتها وأفعالها السنية، ليس لأحد من الكمل ما له من الخلق والأخلاق، والباقون من الرسل والأنبياء والأولياء ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل ومنتسبون إليه انتساب الفاضل إلى الأفضل، إذ هو صاحب درجة التوسط الاعتدال والكمال الخلقي، وهو المثال الذي لا مثل له في الخلائق، وهو باب العطايا والرحمة والمنة والإنعام، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه عدد خلقك وزنة عرشك ومداد كلماتك.
(7) (الحقيقة المحمدية): سميت حقيقة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ومحمد حق) في حديث التهجد الطويل، و(الحقيقة المحمدية) هي أول مخلوق عبد الله تعالى وأسلم وجهه لله، قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81]، وقال تعالى: {وأنا اول المسلمين}، فهو صلى الله عليه وآله وسلم أول العابدين لله، وهو أول من أسلم وجهه لله، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد) ([9]) .
إن الحقيقة المحمدية هي أول موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب، وهي روح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أول موجود عبد الله تعالى، لكونها لم يتقدمها أحد في الوجود، ثم لما خلق الله آدم أبا البشر، أودعه تلك الحقيقة فظلت تتقلب بين الساجدين، إلى أن أكرم الله الوجود بمقدم احمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحب تلك الروح، وظهر إلى الوجود شخصه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، بجسده وقلبه وروحه، والأولياء مختلفون في الإدراك لهذه المراتب المحمدية، و لا مطمع لأحد في درك الحقيقة في ماهيتها التي خلقت فيها، لان له الكمال الإنساني الممكن، الذي تكاملت معرفته وصفاته وأخلاقه، وصار القدوة الحسنة لكل الخلائق.
(8) (الحقيقة المحمدية مخلوقة): هي أول مخلوق تحقق بالعبودية الكاملة لله، وكل من نسب القدم الازلي إلى الحقيقة المحمدية فهو مخطئ ، فلا أزلي إلا الله جل جلاله، ومن قال بأزلية احد مع الله فقد جعل لله شريكا والعياذ بالله في القدم، إن الأساس الأول الذي قام عليه توحيد اهل التصوف هو كما قاله لسان الطائفة الجنيد – رحمه الله – للتوحيد بأنه: (إثبات الفرق بين القديم والمحدث) ، ولكن يبدو أن طوائف من المتصوفة الذين يتمسحون بالتصوف دون وعي بحقيقته، قد اختلطت عليهم هذه الحقيقة، فضلوا لجهلهم بأصول الدين وحقيقة التصوف، لقد توهم بعض الادعياء أو اخطأ بعض الجهلاء فنسبوا الروح المحمدية إلى القدم الازلي وتوهموها جزءا من جناب الذات ، أو أنها غير مخلوقة إلى غير ذلك من الأخطاء التي لا تتفق مع عقيدة التوحيد، التي تقوم على (إثبات الفرق بين القديم والمحدث)، وهؤلاء قالوا: الروح المحمدية نور من نور الله، وتوهموا أنها من ذاته، وهذا محال، لأنه لا قديم إلا الله تعالى سبحانه.
(9) تمتاز الحقيقة المحمدية بكونها:
(أ) أكمل وأتم مجلّى خلقي توجهت إليه الأسماء والصفات الإلهية، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم له الكمال الخلقي المطلق، فهو الحامل لكل الأسماء، وله المقام المحمود الذي تنظر إليه جميع الأسماء الإلهية المختصة بالمقامات، وبهذا الأمر صحّت له السيادة على جميع الخلق يوم العرض، ومنه يفتح باب الشفاعات، ولا يجمع يوم القيامة المحامد كلها إلا محمداً وهو في المقام المحمود الذي لا يرتقي إليه سواه، فكان (الإنسان الكامل) الذي تكاملت معرفته وصفاته وأخلاقه، فأصبح قطباً يدور في فلكه كل طالب للكمال من الأنبياء والأولياء فمن دونهم، فلا طريق لكل كمال يمكن لأي إنسان نواله إلا أن يدور في فلك قطبية رسول الله، وأن يشمر ساعديه باتباع سنته، والتخلق بأحواله وشمائله لكي تنعكس على ذاته بعض من كمالاته صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تصح المعرفة الصوفية إلا بالاستمداد من أنوار مشكاته الشريفة التي تقيم في دائرة الحقيقة المحمدية، وهي المشكاة التي يستقي منها الأنبياء والأولياء العلم اللدني (الباطن) كل بحسب مقامه واستعداده، لذلك تعددت الطرائق بعدد أنفاس الخلائق، بيد أنها جميعا لابد وان تستمد من طريق أنفس الخلائق صلى الله عليه وآله وسلم.
(ب) (الحقيقة المحمدية): هي النبوة بالأصالة، ومما يدل على انها النبوة بالأصالة، قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}، فما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، فكل الأنبياء والمرسلين نواب لحضرته، فإذا ظهر فلا نبي إلا هو، هو النبي الخاتم وهو الرسول المتبع.
(ت) (الحقيقة المحمدية): هي الرحمة بالأصالة: قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)،، لم يقل رحمة للصحابة وحدهم أو رحمة لمن رآه من معاصريه وانما رحمة للعالمين أجمعين، فيدخل في العالمين كل مخلوق من ملك او جن أو أنس أو طير او حيوان.
و(الحقيقة المحمدية): هي مقام الخلافة عن الله في إعمار الأرض، ولذا سخر الله تعالى الكون لهذا الخليفة، قال تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض}، وإذا كان آدم هو الخليفة الأول، فإن الرسول هو الحليفة الحق لأنه سيد آدم وولد آدم، والسيد هو الخليفة الحق ومن عداه خليفة بالنيابة، و(الولاية) بعده لا تكون إلا لورثته، صلى الله عليه وآله وسلم.
***
([2]) سنن أبي داود 3/384 ح 2041.
([3]) صحيح مسلم 4/1845 ح 2375.
([4]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278.