المبحث السادس والثلاثون دفاعا عن التصوف السني الحق
[المفتاح الأول]: يزعم المتنطعون أن التصوف دخيل على الإسلام، مع أنّ التصوف هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”) ولم نجد احدا تعرض لتلك المباحث سوى أهل التصوف، وقد أقر علماء أهل السنة والجماعة (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، ويزعم المتنطعون بأنه لم يُسمع به في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين، وبالتالي فهو بدعة ضلالة، وهذا الزعم مردود جملةً وتفصيلاً، لأن معظم الاصطلاحات أُحدثت بعد زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، واستعملها المسلمون فيما بعد، كألفاظ الفقه والعقيدة والتصوف، وغيرها، كل هذه الاصطلاحات لم تكن تستعمل زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واستعملت فيما بعد ولم تنكر، ويزعم المتنطعون بأنّ التصوف هو الخطر الأول على الإسلام وأنّه ينبغي القضاء على التصوف برمته، وهذا الفريق يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره، وهؤلاء يصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، ثم تراهم يضللون الصوفية كلها بمقولات وجدها في كتاب ما مدسوسة على احدهم، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها، وهؤلاء يناطحون الصخر.
إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، وأين يذهب الجنيد وأصحابه، وحجة الإسلام الغزالي وأتباعه، وعبد القادر الجيلاني والرفاعي والشاذلي وآلاف الآلاف من أتباعهم، إن هؤلاء هم سادة التزكية وأقطاب التصوف ودعائم الأخلاق، ولا يكابر في إنكار فضلهم إلا مجازف بدينه مخاطر بأمته، وهل انتشر الإسلام في أقاصي الشرق والغرب إلا بأخلاق هؤلاء وجهودهم في الدعوة إلى الإسلام.
[المفتاح الثاني]: اتهام البعض الصوفية بأنّهم أصحاب عقائد زائغة، ودعاوى زائفة، وأنّهم يقولون بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود، والتفريق بين الحقيقة والشريعة، وسقوط التكاليف عن أهل الحقيقة، وهذه كلها دعاوى زائفة من أُناس لا يفهمون التصوف الصحيح الصافي، ولا يعرفون الرقي الذي عليه الأكابر من أهل التصوف في العقيدة والتقديس والتنزيه والفقه والتزكية والأخلاق، ولا يمكن أن نحمل الأولياء جرائر الادعياء، في كل العلوم نجد الادعياء، في علم التفسير هناك الادعياء الذين ملئوا التفسير بالاسرائيليات، فهل نترك علم التفسير لأجلهم، وفي علم الحديث هناك الادعياء الذين كذبوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاحاديث المكذوبة، فهل نترك علم الحديث لأجل هؤلاء، لا يمكن أن نحمل الأولياء جرائر الادعياء، ولا يمكن أن نلغي التصوف القائم على مرتبة الاحسان من أجل أخطاء الادعياء، إن الذي يدعو إلى عقائد الحلول والاتحاد والوحدة، ليس هذا من تصوف المسلمين في شيء، وإنما هو تصوف مدسوس والمتهمون به أدعياء وهم نفر معدود محدود، وليس لهم تابع ولا وارث.
[المفتاح الثالث]: اتهام البعض: التصوف بأنه يدعو إلى تقديس المشايخ، واعتقاد أنهم يملكون النفع والضرر، فهذا كلام فيه تجاوز ومغالطة، فإن التصوف يدعو إلى احترام الشيخ وتوقيره لأنه الوارث لبعض علوم النبوة، واحترامهم أدب إسلامي مقرر، لا خلاف عليه، وفي الحديث (ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ولم يعرف لعالمنا حقه) رواه الترمذي، وأما الاستعانة بدعاء الشيخ، وابتهاله إلى الله في شدائد ابنائه، فهو أدب إسلامي ثابت بالشريعة، ولا يزال من المستحب ان يدعو المسلم لأبنائه وأخوانه وأصحابه، أما أنهم يزعمون أنهم يملكون النفع والضرر، فالذي يملك هو الله وحده، وعندما يغضب الشيخ لربه من مخالف لله فيدعو، فيغضب الله لغضب وليه، ويستجيب له، فلا يقال عندئذ إن الشيخ يملك نفعاً ولا ضراً، إنما هو من باب: “” لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه “، والقول بغير هذا إنما هو مسخ للصورة بالمغالاة والإغراق والتنفير، وإذا كان هناك شيء من ذلك فرضاً جدلياً فهو مما يعالج بالبيان والإرشاد والقول الطيب، والتوجيه بالحكمة البالغة، والموعظة البليغة.
[المفتاح الرابع]: زعم البعض بأن التصوف يدعو إلى السلبية والتواكل: التصوف الحق هو: الإسلام، وليس في الإسلام سلبية، ولا تواكل، وإنما هي أمراض اجتماعية لصقت بالتصوف زوراً وبهتاناً، وقد كان عبد الله بن المبارك، يحج عاماً ويجاهد عاماً، وقد كان شقيق البلخي فارساً مغواراً، يطلب الموت حتى استشهد في سبيل الله، وكذلك كان حاتم الاصم، مقاتلاً بارعاً، له في الجهاد مواقف وكرامات، وقد كانت الألقاب الصوفية تدل على ما يتناولونه من حرف ومهن وصناعات: فمنهم الدقاق، والسماك، والوراق، والخواص، وهكذا تعرف أنهم كانوا بحق أمثالاً للمسلم الكامل إيماناً، وعملاً وإيجابية، وصلة كبرى بالله، فالتواكل مرض دخيل على التصوف الصحيح، يعالجه صوفية العلماء، كل بطريقته وأسلوبه.
[المفتاح الخامس]: بقى الزعم بأن التصوف يدعو إلى الطبل والزمر والرقص، أقول: الرقص في الذكر والاهتزاز يمينا ويسارا خصوصًا إذا صاحبته الطبول والمزامير بأنواعها خطا، وقد عمت به البلوى، وجمهور الفقهاء على تحريم ذلك، وأنه مناف للمرؤة والوقار، والأولياء لا يرضون به إلا لمن غلبه الحال، ومن تذكر وجوب خشية الله عند ذكره، لا يرضى بذلك، ومن تصور وقار الصحابة ومن بعدهم من الرجال الكمل الصادقين أهل المرؤة والعقل والحكمة، لا يتصور أنه يقع منهم هذا الرقص المنافي للأدب بين يدي الله تعالى ولا الطبل والزمر، في الذكر، ولكن هذه الأمور صارت موروثات عند أهل الجهل والرعونة ينسبونها إلى أهل الطريق، وأهل الطريق والأولياء والمربون الربانيون لا يرضون بها، وإصلاح تلك الامور يحتاج إلى قومة أهل الطريق لنفي تلك الموروثات التي أضرت بالطريق وأهله.
[المفتاح السادس]: من أبرز أعداء التصوف وأهله الوهابية أدعياء السلفية: والسلفية في ذاتها نسبة كريمة لأنها نسبة إلى السلف الكرام، وهم أهل القرون الثلاثة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية في الحديث الصحيح: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فالسلفية الحقة تنتمي إلى هذا السلف، والسلفيون الصادقون ينتمون إلى هذه السلفية، ولكن السلفية الحقة الأصيلة قد ابتليت بالأدعياء، (الوهابية) نسبوا أنفسهم إليها وهي منهم براء، شوَّهوا جمال عقائدها بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، إنّ السلفية انتسب إليها المحق والمدعي، والمحقون هم السادة الأثرية أهل التقديس والتنزيه وعدم الخوض بالحشو فيما يتعلق بجناب ذات الله تعالى وصفاته وهؤلاء على وفاق في أصول العقيدة مع مذاهب التخصص العقدي على منهاج اهل السنة والجماعة (السادة الأشعرية والماتريدية)، وهم على وفاق في الفقه مع المذاهب الفقهية الأربعة، وهم على وفاق في التزكية مع السادة الصوفية أهل التصوف الحق القائمون على ثغر الإحسان، أما المدعون لها فهم الوهابيون أهل الحشو الجاهلون بما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله، والجاهلون بحقائق التصوف وما عليه أئمته من العرفان والتحقيق والتجريد والتفريد والتوحيد، وهؤلاء الوهابيون يشقون وحدة أهل السنة ويضربون مرجعيتها وتخصصاتها العلمية في مقتل، وهم حجر عثرة أمام وحدة اهل السنة والجماعة، وهؤلاء (الوهابية) ينتسبون في الحقيقة إلى فرقة ضالة أسماها العلماء قديما (الحشوية)، وياليتهم اقتصروا على مفرداتها وضلالاتها بل ضموا إليها بدعا أخرى من الخوارج والمعتزلة والكرامية المجسمة، و(الحشوية) لقب أُطلق على طائفة من المبتدعة الذين اعتقدوا بلوازم التجسيم من الحد والصورة والتغير والحدوث وقبول الحوادث والكون في المكان، يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في لفظ التجسيم، ومن أبرز صفاتهم: البعد عن التقديس والتنزيه، يعتقدون في جناب ذات الله تعالى الحد والمقدار والكون في المكان، ويجيزون عليه سبحانه الحركة والسكون والجلوس والقيام والقعود، ويجيزون أنّ تكون ذاته سبحانه محلاً للحوادث، وهم لا يحترمون تخصص المذاهب العقائدية والفقهية والسلوكية المنتسبة إلى اهل السنّة والجماعة، ويهجمون على كل أبواب العلم، لا سيما الأصول، يكفرون ويبدعون ويقعون في أعراض أكابر العلماء، يشوشون على أبواب العلم كلما بنى العلماء صرحاً علميا هدموه، فيهم زيادة تكفير وزيادة تبديع وسوء ظن بكل مخالف لهم يتهمونه على دينه، ظاهريون سطحيون لا يتعمقون في فهم المراد من النصوص، ويحشون رؤوسهم بما لا يُعقل، ويبتعدون عن المنهج العلمي في الاستدلال على العقائد، ويكتفون فقط بظاهر النصوص، ومن أبرز مشاكل هؤلاء، أنّ ما فهموه بعقولهم السقيمة، وعلومهم القاصرة، نسبوه إلى السلف، وتحصنوا بهذه النسبة، فمن خالفهم اتهموه بمخالفة السلف، والمروق من الدين، يتتبعون المتشابه، مصداقا لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، لقد تسربت تلك المعتقدات إلى ابن تيمية فحملها ودافع عنها وأفنى عمره في نصرتها وزاد طينها بلة، ثم حمل رايتها من بعده ابن عبد الوهاب ونصر أفكارها بقلمه وسيفه، وزاد عليها بعض مفردات الخروج فاستباح دماء وحرمات مخالفيه من أهل القبلة، ووصفهم بالشرك الأكبر، وجعل حربه معهم بمثابة جهاد أهل الإسلام ضد المشركين.
[المفتاح السابع]: جهل ابن عبد الوهاب بحقيقة التصوف: من أبرز أعداء التصوف وأهله: (الوهابية) أتباع الشيخ النجدي محمد بن عبد الوهاب: لقد تبنى ابن عبد الوهاب نشر كتب وأفكار ابن تيمية بقوة السيف والسنان، ولكن أيضاً: كانت له كذلك تصورات مغلوطة، واجتهادات خاطئة خالف فيها أهل العلم المتخصصين فيه، وذلك في بعض مباحث توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وفي مباحث تقرير حقيقة الشرك الأكبر، وفي مجال نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك، وفي مجال الخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، بحسنه وسيئه، واعلان الحرب على أهله واستحلال حرماتهم لمسائل لا تبلغ بهم هذا الحال أبدا.
(أ) ففي مجال توحيد الألوهية: أخطأ في تفسير العبادة، ففسرها بمعناها اللغوي وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع، وذهل عن ضابطها الذي يضبط أحكامها ألا وهو الإتيان بأقصى غاية الذل والخضوع لمن يعتقده إلها له صفات الإلهية واستحقاق العبادة من دون الله، وكان هذا الغلط في تفسير العبادة هو المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى، وانتهكت به أعراض لا تعد، وتقاطعت فيه أرحام أمر اللّه بها أن توصل، عياذاً باللّه من المزالق والفتن.
(ب) وفي مجال توحيد الربوبية: نسب إلى المشركين زمان النبي صلى الله عليه وسلم توحيد الربوبية، مع أن هؤلاء المشركين اعتقدوا بأن لآلهتهم قدرة ذاتية على النفع والضر وهذا شرك في الربوبية، ويتضح ذلك في مثل قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، وقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: 74]، وكانوا يخوفون الرسل من بطش آلهتهم وهذا يعني اعتقادهم أنها تنفع وتضر استقلالا وهذا واضح لمن تدبره في مثل قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: 54]، وقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].
(ت) والخطأ في تقرير حقيقة الشرك الأكبر: كما كان الخطأ في تقرير العبادة كان كذلك الخطأ في تقرير الشرك، وأنّه ليس مجرد صرف صور العبادة كالسجود والدعاء والذبح وغيرها من صور العبادة لغير الله تعالى، ولكنه الصرف المُصاحب بالاعتقاد لمن يصرف إليه صورة العبادة أنّه إله معبود أو رب قادر، وإلا لم يكن شركا أكبر يُخرج من الملة إلى الكفر الأكبر.
(ث) والخطأ في نقل مباحث خلافية من علم الفقه كالتوسل والتبرك وبناء المساجد على القبور وشد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علم العقيدة وإلصاقها بالتوحيد والشرك.
(ج) والخطأ في الهجوم على علم التصوف برمته، واعلان الحرب على أهله الاولياء الصالحين، واستحلال حرماتهم بآيات نزلت في المشركين فأنزلها على المسلمين، وبمسائل مغلوطة معكوسة استغلها لإخراجهم من دين المسلمين بظلم وبغي ناشئ عن الغلو في فهم مفردات التوحيد والشرك والسنّة والبدعة.
(ح) الغلو في تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وحرماتهم، فقد استحل دماء المسلمين في نجد والحجاز بتهم الشرك والكفر والخروج من ملة الإسلام، ونظرة عابرة إلى تاريخ نجد لابن غنّام، نعلم كيف كانت (الغزوات) ! على أعراب نجد والحجاز، وكيف كانت الدماء والحُرمات تُستحل حتى في المساجد، والغنائم توزع على المجاهدين وكأنّهم يحاربون عُباد الأوثان، لا مسلمين يقولون (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ويعتقدون أنّه لا إله ولا رب لهذا الكون إلا الله، وأنّ كل ما جاء به رسول الله تعالى من عند الله حق يدينون به لله، لقد مرت تلك المحنة والحمد لله، ولكن لابد من تصفية المنهج واعتماد التخصص العلمي لأنّه ما أودى بنا إلى تلك الحال إلا اعتماد مؤسسة واحدة تسربت إليها مفردات الحشو على أنّها البديل العلمي العام لجميع التخصصات العلمية في العقيدة او الفقه او التصوف.
[المفتاح الثامن]: جهل اتباع السلفية المعاصرة بحقائق التصوف: السلفية المعاصرة فريقان: الفريق الأول أثري ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص الإسلامي في العقيدة او الفقه او التصوف، أما الفريق الثاني – وهو الاوسع دائرة والأكثر عددا – أهل حشو وتجسيم، وأهل علظة وتدسية، واهل جهل مركب ويحسبون انهم يحسنون صنعا، وأهم علامات هؤلاء: الوقيعة في مذاهب أهل السنة والجماعة المتخصصة في العقيدة والفقه والتزكية، وأهم أخطاء هؤلاء والتي يجب علاجها من أجل التصحيح: (1) الذهول عن اضافة قسم تنزيه الذات إلى أقسام التوحيد، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك.
(2) الغلو في فهم مفردات التوحيد وفهم مفردات العبادة، بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، والذهول عن ضابط العبادة الذي يجعل صرفها لله تعالى توحيد وصرفها لغير الله تعالى شرك أكبر،، فأدى ذلك إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، حيث زعموا أنهم على شرك اعظم من شرك المشركين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظرة إلى تاريخ ابن غنام وغيره ممن أرخ لتلك الفترة نعرف مدى صحة ذلك.
(3) الغلو في التكفير وعدم فهم بعض مسائل الإيمان فهماً معتدلا، والميل فيها عن جهل إلى قريب من مذهب المعتزلة والخوارج، فأدى ذلك إلى تكفير الكثير من المسلمين، في أمور لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وأدى ذلك إلى جواز تفجير القنابل بين عوام المسلمين على أنهم كافرين، وتحويلهم إلى أشلاء، وما أدبيات السلفيات القتالية والجهادية عن ذلك ببعيد.
(4) الغلو في التبديع وتبديع بعض الأكابر من علماء أهل السنة والجماعة، في مسائل هم المخطئون فيها لعدم إلمامهم بأدلتها الشرعية وعدم فقههم الواسع لها، وتبديع طوائف برمتها، ظلت على مر عصور الإسلام في إطار أهل السنة والجماعة، ويرغب أهل الحشو في طردهم منها، وكأنما امتلكوا صكوك الانتساب إليها.
(5) غلو في مسائل عدم الإعذار بالجهل والتأويل، ونصرة المعتزلة في بعض هذه المسائل، وغلو في مسائل الحكم بغير ما أنزل الله، وفي مسائل الولاء والبراء بما يولج معتقدها في مذاهب الحرورية والخوارج.
(6) إهمال دراسة قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد المستمدة من ادلة الكتاب والسنة.
(7) عدم الدقة في تحديد دائرة المتشابه الصحيحة، وما آل إليه ذلك من تتبع المتشابه والخوض فيه، ووقوعهم بذلك تحت خطر الوعيد القرآني المتمثل في وصف الذين يتتبعون المتشابه بزيغ قلوبهم، وذلك في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7].
(8) الذهول عن حقيقة مذهب السلف في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا المفوضة – وهم أهل السلف الحقيقيون – بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم السلف الراسخون في العلم.
(9) بعث بعض مفردات مذهب الحشوية والخطأ بنسبتها إلى مذهب السلف وإلى أهل الحديث، وجعله بديل لكافة التخصصات العلمية، ومن ثم بعث بعض كتب الحشوية والمجسمة من جديد وإعادة طباعتها على أنها تمثل مذهب السلف والأثر، وهم منها براء، وهل كان السلف مجسمة أو مشبهة وحاشاهم من ذلك.
(10) الوقيعة في أهل التنزيه والأصول من أكابر أهل السنة الأشاعرة والماتريدية ومحاولة التشكيك في انتسابهم إلى أهل السنة والجماعة، مع إهمال قيمة التخصص العلمي لديهم وتلميع أهل التعدي على أكابرهم بغيا وظلما بغير وجه حق.
(11) إهمال مناهج التربية والتزكية، ومن ثم كانت النفسية التي تتسم بالغلظة والقسوة وغمط طوائف أهل السنّة والجماعة الأخرى واحتقارهم وتبديعهم والجفاء عند معاملتهم، وافتراض سوء القصد في أقوالهم وأفعالهم التي قد تنشأ عن غير قصد غالبا.
(12) شن الحروب التي لا داعي لها – بين الحين والآخر – على المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، بدعوى إتباع الدليل من الكتاب والسنة وتجريد الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن أصحابها بلغوا القمة العالية في الفقه والعلم والورع، فأيهما أجدى البناء على ما بناه أولئك الاكابر فيرتفع البناء عاليا، أم هدمه والتشكيك فيه، مع استحالة إتقان ما أتقنوه، واستيعاب ما استوعبوه، وبناء ما بنوه، (13) شن الحروب على التصوف القائم على ثغر التزكية وتحقيق الإحسان، وهم لا يفرقون في ذلك بين الصوفية الصادقين وبين الأدعياء، مع أنه قد مرت عصور كاملة، وقرون تامة، يندر أن يكون فيها المسلم لا يلتزم بمنهج صوفي للتزكية، وطريقة صوفية تأخذ بيده نحو رضا الله، فهل جميع أولئك على ضلالة، وأين خيرية هذه الأمة إن كانوا جميعا كذلك وهم سواد الأمة الأعظم.
(14) أمر خطير يمثل خطرا على صفاء منهاج السلفية، ألا وهو اعتماد كلام ابن تيمية وكأنه المتحدث الملهم عن كافة طوائف أهل السنة والجماعة، واختزال آراء من خالفوه في كثير من المسائل، وكانوا وقتها يمثلون جمهور أمة الإسلام بمن فيهم الحنابلة، فقد خالفوه في مسائل عديدة، أخطأ فيها بسبب تسرب مفردات الحشو إلى أفكاره.
(15) الخطأ العلمي القائم على احتكار مصطلح السلف الصالح لأنفسهم والى كل من ينتسب الى جماعتهم فقط، مع الخلط بين مفهوم السلف الصالح كمصطلح علمي، وما بين انتسابهم للسلفية كمؤسسة بديلة عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية يعبر عنها آراء ابن تيمية، وآراء ابن عبد الوهاب المؤسس الثاني لهذه الدعوى في القرن الثاني عشر، هذه الآراء التي تبين بيقين عدم تمثيلها لمذهب السلف.
(16) الخطأ في فهم المقصود بالخيرية التي وصفت بها قرون السلف الأولى، والظن أن الخيرية اقتصرت على القرون الثلاث الاولى فقط، فاتجهوا الى رفض ومعارضة كل رأي او فهم يأتي من خارج دائرة القرون الثلاث، والحقيقة التي يجب معرفتها: أنّ الخيرية لم تكن في جميع من عاش القرون الثلاث الاولى بل الخيرية كانت في العموم والمجموع الغالب، ثم ظهرت التخصصات العلمية بعد ذلك مستمدة أصولها من علماء تلك الحقبة المباركة من عصور الإسلام، فليس المقصود بالخيرية رفض كل صحيح بعدها، وهذا هو الخلل في فهم الخيرية.
(17) الخطأ والخطر في تقديم مؤسسة واحدة (السلفية بمفرداتها التي اشتهرت بها) على أنّها البديل عن جميع التخصصات العلمية الإسلامية، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا تخصصهم العلمي وابداعهم الفكري، وظل المسلمون يحترمون أهل التخصص في العلوم الشرعية لاسيما (العقيدة والفقه والتصوف) إلى أن جاءت فوضى عدم احترام التخصص متمثلة في طرح السلفية على أنّها بديل عن جميع التخصصات العلمية، وبعد فتلك الفرق نجدها اليوم من أشد الناس عداوة للتصوف وأهله، مع انهم أدعياء للسلفية وليسوا من أهلها، وهم أهل الحشو والتجسيم، واهل الغلظة والجفاء، وأهل الجهل بحقائق التصوف وما عليه أئمته من المعرفة والتحقيق والتجريد والتفريد والتوحيد والوراثة لعلوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعارفه.
***