المبحث الثامن والثلاثون رسالة إلى أتباع الطرق الصوفية
المطلب الأول:
حقائق تتعلق بالطرق الصوفية يتطلب تجديد التصوف ترسيخها
المطلب الثاني:
تصحيح أخطاء الطرق الصوفية .
المطلب الثالث:
نشر التصوف في ثوب صحيح جديد.
***
المطلب الأول حقائق تتعلق بالطرق الصوفية يتطلب تجديد التصوف ترسيخها
من الحقائق التي تتعلق بالطرق الصوفية، والتي يتطلب تجديد التصوف ترسيخها عدة حقائق:
(الحقيقة الأولى): بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه: فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي، يقول الشيخ يسار الحباشنة: (وجوب أخذ التصوف عن أهله المتخصصين: إن أهل الله العارفين، والسالكين الذين جاهدوا في الله فاهتدوا وصاروا من المحسنين قد أجمعوا على حقيقة ثابتة وقاعدة راسخة في علم التزكية وسلوك صراط الله المستقيم وهي أنه: ما أفلح من أفلح إلا بصحبة المفلحين، وما صدق من صدق إلا بالاتصال بالصادقين، وشاهدُنا العدل في ذلك قول العزيز الحكيم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، وشاهدنا من السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وسلم ” إنما يأكل الذئب من الشاة القاصية”، إن هذه القاعدة الجليلة ثابتة في العقول وبالتجربة لمن أراد أن يفلح في أي تخصص، إذا لا سبيل لإتقان أي علم إلا بمجالسة أهله والأخذ عنهم، ولا مناص لطالب التخلق بالأخلاق السنية والتحقق بالمقامات العلية والاطلاع على الحقائق الأصلية من الجلوس بين يدي مرشد كامل تعرّف فعَرَف وسلك فملك وتعلّم فعلِم وتحلّم فحلم، وأخذ الطريق إلى الله عن أهله واغترف الحب الإلهي من ينبوع أصله، ولا أرى الذي يستثني علم التصوف والسلوك من هذه القاعدة الجليلة إلا أحد ثلاثة: (الأول): جاهل قد بعثر أفكاره قساةُ القلوب فأفهموه أنه ربما وصل إلى حقيقة النفس الراضية المرضية عن طريق اجتهاده الشخصي وانفراده بالتعرف على مداخل الشيطان وتلبيسات النفس الأمارة بالسوء، وهيهات، أو أنه بمجرد قيامه برسوم الشريعة وإتقانه لأحكام طهارة بدنية وصلاة جسمية وتلاوة لسانية فإنه في غنى عن علوم الطريقة من تزكية قلبية وطهارة معنوية وتلاوة اتباعية روحية، ولكن هيهات، إذ أنّ من يصحب أهل الله بصدق أياما معدودات ببركة صحبتهم يُفتح عليه بما لا يُفتح على غيره، وليس كلامنا عن الاستثناءات هنا إذ لربما علم الله في عابد أهلية لمقام ما فبلغه إياه لصدقة واجتهاده أو ببركة كثرة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هذا من النادر والنادر لا حكم له، فعلى اللبيب الفطن العلم بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نواب وورثة، فالذي ورث الفقه وأحكامه لا غنى عنه، والذي ورث تلاوة القرآن لا غنى عنه، والذي ورث العلم بالحديث لا غنى عنه، وكذلك الذي ورث علم التزكية لا غنى عنه، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}، ولقد وردت هذه الآية في سورة الجمعة وكأن في ذلك إشارة إلى أن ما يجمع القلب على الله هو التزكية، أو إشارة إلى الجمع بين “تلاوة القرآن” و”التزكية” والفقه المستنبط من “الكتاب” والمستنبط من “الحكمة” المراد بها الحديث النبوي الشريف، ولنكون أقرب إلى الواقع وضرب الأمثال، نقول: ربما اشتكى أحد من عدم خشوعه بين يدي ربه في الصلاة فمن ترى سوف يسأل عن الحل لمثل هذه المشكلة؟ إن هو سأل فقيها عالما بالأحكام الظاهرية فحسب، فإنه غالبا ما سيجيبه بأن عليه أن يحسن الوضوء وأن يصلى الصلاة لوقتها أو أن يتتبع كلام الله المتلو أثناء الصلاة، ولا بأس بهذه النصيحة إذ من قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، ولربما منح الله ذلك السائل خشوعا بهذه النصيحة في صلاة أو صلاتين أو ليوم أو يومين ثم يذهب هذا الحال أدراجه ويعود السائل إلى سهوه، بيد أنه لو سأل صوفيا فسيخبره أن عدم خشوعه هذا عرض لمرض؟ فيضع الصوفي يده على المرض؟ ويخبره أن التركيز يجب أن يكون على الشفاء من المرض نفسه حتى يزول العرض تبعا، وغالبا ما يكون انعدام الخشوع في الصلاة لحب الدنيا أو نقص التوكل، فحب الدنيا يسهل على الشيطان تذكيرنا بمتاعها وشهواتها أثناء الصلاة كي لا نعقل من صلاتنا شيئا، ونقص التوكل يسهل على الشيطان تشويش قلوبنا بتدبير الدنيا ومشاغلها التي لا تنتهي حتى نخوض أثناء صلاتنا بخواطرنا في الرزق والمال والعيال والمدير والموظفين وغير ذلك، ولا يكتفي الصوفي بذلك بل يعطي السائل الحل وهو إخراج الدنيا من القلب والسعي لبلوغ مقام التوكل حتى يصير خشوعه مقاما دائما لا حالا زائلا فيكون من المفلحين الذين هم في صلاتهم خاشعون، ويزيد على ذلك بأن يبين له كيف يكون هذا الحل وما هي الخطوات التي يجب أن يفعلها، ويزيد على ذلك بأن يأخذ بيده في مشي هذه الخطوات إن كان هذا السائل صادقا في إرادة الخشوع ومن ثم الفلاح، فيقول له: الآن اتبعني وجالسني واصحبني حتى تتأثر بحالي وحال إخوتك الذاكرين كي يخرج حب الدنيا من قلبك ولن يخرج حتى تملأه بضده وهو حب الله تعالى، والآن اسمع قولي حتى تبلغ مقام التوكل ولن تبلغ ذلك المقام حتى يتغلغل الذكر في لحمك ودمك فتنقدح شعلة الحب الإلهي في قلبك فتحرق همومك وترضي عن محبوبك في كل ما يفعل وإذا رضيت عنه تمام الرضا في الحاضر وفي الماضي فإنك سترضى عنه في المستقبل وذلك الرضا بما سيفعل بك محبوبك في المستقبل هو أول قدم لك في مقام التوكل، هذا مثال واحد، ولو أردنا الإسهاب في إيراد الأمثلة لاحتجنا إلى مجلدات، إلا أن اللبيب بالإشارة يفهم، فالسلوك لا يؤخذ من الكتب وليس معادلات تنسخ ليطبقها المسلم بمفرده بل إن لكل حالة خصوصية وربما يكون العرض بسبب علة أخرى كما قد يكون ألم البطن بسبب التسمم أو ربما بسبب التقرح أو الأميبا أو غير ذلك،، ولا يشخص المرض إلا الطبيب الحاذق والدواء يختلف من حالة لأخرى.
أما (الثاني) فمستكبر يرى أن لا أحد فوقه في مراتب الإيمان وتأنف نفسه من اتباع الربانيين وأهل الإحسان، يقول في نفسه: “ما لي ولهؤلاء؟ وماذا يزيدون علي، فهم يصلون كما أصلي ويصومون كما أصوم بل ربما قمت الليل وبعضهم لا يقوم وربما علمت من علوم الظاهر ما لا يعلمون”، وهذا هو ديدن ذلك المسكين لا يزن الأمور إلا بمظاهرها ولا يعلم من الدين سوى عدّ أعماله الصالحة وحسابها جمعا وضربا، جاهلا أن أكثر الأعمال قبولا عند الله هي الأعمال التي يغيب عن شهودها ولا ينظر إلى وجودها ويراها لا شيء في حضرة من برز منه الوجود وخلق النفوس وأعمالها ومن إذا عاملها بعدله أهلكها، قال ابن عطاء الله في الحكم: “الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها” وقال: “ما قل عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب،” وأين بالله الزهد ممن لا يعترف أصلا بشيء اسمه علم التصوف ولا يرى أن نفسه بحاجة إلى شيخ يزكيها، فذلك ما عرف الزهد وما شم رائحته.
وأما(الثالث) فعجول متسرع يريد الوصول دون الصبر على أوامر المرشد وصحبة الذاكرين، ناسيا قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}… يقول في نفسه: “هؤلاء على خير ولكن صحبتهم ومتابعتهم ستضيع علي وقتي الذي يمكن أن أستثمره فيما هو أنفع وأسمى ولا جرم أنني إن ثابرت على ما توصلت إليه باجتهادي من منهج في الوصول إلى رضا الله فإنني سأكسب الوقت الثمين الذي يضيعه هؤلاء ولن أكون بحاجة إلى صحبة الشيخ وانتظار إذنه في كل مهمة”، ولست أقول في مثل هذا سوى ما قاله الشاعر: (إذا لم يكن من الله عون للفتى… فأول ما يقضي عليه اجتهاده) ولم يعلم المسكين أن الذكر أفضل الأعمال بإطلاق لقول سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى”، فالذكر أفضل الأعمال لأنه يفضي إلى أفضل الإعمال فهو الذي يضمن لك الإخلاص في ما تعمل لنفسك وأمتك وهو الذي يضمن لك السداد والتوفيق في ذلك، وذلك أن الذكر واتباع الشيخ المرشد يجوهر القلب ويجلوه مما يشوشه من الذنوب والخواطر فيورثك الفهم عن الله لتعرف أوجه الحق في كل شيء ويهديك لما أختُلف فيه من الحق، ولذلك ترى أن هذا الصنف الثالث يكثر منه الدعاة والقادة الذين استعجلوا الثمرات وقفزوا عن مرحلة تحقيق سر الإخلاص وطهارة القلب من كل الأمراض،، فجهلوا معنى الإخلاص وخفيت عليهم آفات قلوبهم فكان ضررهم على الأمة أكبر من نفعهم، إن السلوك وصحبة مشايخ التربية لا يتعارضان مع أي تخصص ولا يقفان حائلين دون أي اتجاه شرعي آخر، ولكن المسألة تتعلق بالأولويات وما هو المقدار الكافي من السلوك لكي ينطلق المؤمن بالعمل والدعوة والتعليم على بصيرة ومع تحقق سر الإخلاص في ما يعمل، بعض الناس يرى أن صلاة الجماعة وتلاوة القرآن تكفي وبعضهم يزيد على ذلك بمطالعة كتب الرقائق وبعضهم يزيد بمطالعة كتب السلوك والأخلاق كالإحياء والرسالة والحكم العطائية، وبعضهم يرى أن لا بأس ببعض الأوراد النافلة وآخرون يرون أن لا بأس بحضور بعض مجالس الذكر بين الفينة والأخرى أو المذاكرة مع شيخ صوفي بضع مرات في العمر حول الإيمان وآفات القلوب، ولكن هل هكذا تحسب الأولويات في حياة المؤمن؟! لا أظن ذلك، البعض يرى أن الله أقامه في الاشتغال بعلم الحديث والانكباب عليه واستغراق كل الوقت فيه، وكذلك في التفسير أو علم الكلام أو الدعوة أو السعي على العيال أو غير ذلك من العلوم والأعمال النافعة في الآخرة والدنيا، ولكن من الذي قال له أن الله حقا قد أقامه في ذلك دون التزكية (أي أراد له ذلك) وأنها ليست نفسه التي أقامته في ذلك؟! من الذي أطلعه على أن الاستغراق التام في هذا التخصصات والأعمال وإهمال علم التزكية أمر مراد له من قبل الرحمن؟ إن كان يعلم أن تزكية نفسه من أمراضها هو سبيل الفلاح (قد أفلح من زكاها) ثم يتجاوزها وكأنها من فضول الأشياء فليسأل نفسه بصدق: هل أريد أن أكون من المخلصين المفلحين أم أن مرادي من حياتي لا يتعدى تغذية النفس الأمارة بالرياسة والتميز والجاه، وإن كان لا يعلم أن تزكية نفسه من أمراضها هو سبيل الفلاح فذلك راض عن نفسه وهذا لعمرك المريض الذي يجهل مرضه، والفقير يرى أن السلوك لا بد وأن يستغرق العمر كله كما علمنا مولانا العارف بالله الشيخ حسني الشريف رضي الله عنه، وخاصة في هذا الزمان، وهذا يعني السير فيه مع سائر التخصصات في آن واحد على أن تكون الأولوية دائما للسلوك إذا ما حصل إي تعارض، وأذكر إخوتي بقول العارفين: “من لا شيخ له فشيخه الشيطان” ولندع من ينكر هذه المقولة بجهله ينكرها وليسير في طريقه، وإنما نقول له: ستعلم عندما ينجلي الغبار، أفرس تحتك أم حمار، وفي الختام دعونا نتذكر المقولة: “بذكر الصالحين تتنزل الرحمة”، لنورد نماذج من الصالحين المفلحين الذين أولوا التصوف وتزكية النفس كل عناية فخرجوا من هذه البوتقة هادين مهديين فكان لهم أكبر الأثر على هذه الأمة: السلطان العادل الناصر صلاح الدين الأيوبي، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، الإمام النووي، الإمام العز بن عبد السلام، الحافظ السيوطي، السلطان محمد الفاتح، الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري، السيد الولي أحمد البدوي، الإمام المجاهد عز الدين القسام، الإمام الشهيد حسن البنا، الشيخ المجاهد عمر المختار، الإمام الرباني عبد الحليم محمود، الإمام المفسر محمد متولي الشعراوي، رضي الله عنهم جميعا، {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}، والحمد لله رب العالمين.
وقال الشيخ عبد الباقي مفتاح في رسالته: ضرورة إحياء واصلاح التربية الروحية تأصيلا وتجديدا: (ومن أبرز ما تتميز به الطرق الصوفية أيضا عن غيرها من الحركات الإسلامية هو عمقها في الزمان ووسعها في المكان، لأن – كما قيل -: ما كان بالله لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، فالملاحظ أن غيرها من الحركات لا يمر على ظهورها جيل أو جيلين أو ثلاثة من أجيال أنصارها إلا وتتلاشى ثم تموت، أما كبرى الطرق الصوفية فلم تزل أجيالها منذ عهد الصحابة – رضي الله عنهم – إلى اليوم متصلة الحلقات في سلاسلها الذهبية بعروة، {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} كالشجرة الطيبة المباركة أصلها ثابت في مركز: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وتـؤتي أكلها كل حين بإذن ربها بمدد: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}، والأصل القرآني الثابت للتصوف السُنّي وفروعه المتجددة لا مقطوعة ولا ممنوعة، هي التي جعلت مفكرا معاصرا غير متصوف ولكنه منصف، وهو الأستاذ عباس محمود العقاد يعرف التصوف في كتابه الذي عنوانه ” الله ” فيقول عنه: هو العبقرية الدينية إذا بلغت التأصل والابتكار”، هذا التأصل الذي عَبَّر عنه في القرن الثالث إمام الطائفة الجنيد بقوله: ” علمنا هذا مشيّد – أو مقيد – بالكتاب والسنة ” كما عبر عنه الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي (560-638 هـ) في شعره: (ولا تقــتــــد بمن زالــــــت شريعته… عنــــــــه ولو جاء بالأنبـــــــا عن الله)، وذلك الابتكار المتجدد هو ما عبر عنه الشيخ أحمد التجاني (1150- 1230هـ) في القرن الثالث عشر بقوله: ” بسير زمانك سر “، وهو نفس ما عبر عنه الصوفي الأصيل والمجاهد الشهير الأمير عبد القادر الجزائري (1222- 1300هـ) حيث كتب في ” المواقف “: (أهل طريقنا ما أدعو الإتيان بشيء في الدين جديد، وإنما ادعوا الفهم الجديد في الدين التليد)، والسؤال اليوم: هل في زوايا اليوم شجرة النور المباركة الموروثة عن الأسلاف تـُثمر ثمار التأصيل والتجديد؟ وهل من حياضها يتدفق ماء الحياة: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا}؟ الجواب على هذا السؤال لا ينبغي تعميمه لأنه يختلف باختلاف ظروف الوسط مجتمعا وزمانا ومكانا، ومعلوم أن تلك الشجرة وحوض عينها ليست الهياكل المادية للزاوية، بل روحها المحرك لها أي الأشخاص القائمون بشؤونها الممثلون لمناهج تربيتها، فالزاوية ككل المؤسسات الدينية والدنيوية تصلح أو تفسد بصلاح أو فساد أهلها، وبالتالي فالتأصيل والتجديد اللذان هما وجها التصوف العملي ينبغي أن يتجسدا قبل كل شيء في هؤلاء الرجال، رجال الزوايا لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، ويبدو لي أن للتأصيل والتجديد بـُعدَان: بعدٌ عمودي، وآخر أفقي، العمودي صاعد إلى: {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} في صحبة: {والسابقون السابقون أولئك المقربون}، وِفْقَ سبيل {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} لتحقيق {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} وبالثبات في هذا البعد العمودي ينشأ ُالبعد الأفقي ليَسَعَ: {أَفمن كان ميتا فأَحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} وِفْقَ منهاج: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، لكن عمليا كيف يكون التحقق بهذين البعدين؟ الجواب معروف ومعمول به عند القوم، وهو: يتم التحقق بهذين البعدين بعد التمكن من الجمع بين العلم الشرعي الظاهر والسلوك التربوي الروحي الباطن على يد الشيخ المربي الحي، وهذا الجمع بين العلمين هو ما تعبر عنه المقولة المنسوبة للإمام مالك وهي: (من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق)، وهنا ينبغي أن نقول بأن التربية الكاملة لا تتحقق عند القوم إلا بصحبة المربي الحي، لأنه كما يقول الشيخ العربي الدرقاوي (1151-1239هـ) في رسائله: لو كان الانتساب للأولياء المربين الأموات كاف في التربية، لاكتفى الجميع بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ روحه هي أعظم روح مربية على الإطلاق: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}، وعبّر عن هذه الحقيقة الشيخ أحمد التجاني فقال: حسبما نقله عنه تلميذه علي حرازم في “جواهر المعاني”: اعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل في سابق علمه ونفوذ مشيئته أن المدد الواصل إلى خلقه هو في كل عصر يجري مع الخاصة العليا من خلقه من النبيين والصديقين، فمن فزع إلى أهل عصره الأحياء من ذوي الخاصة العليا وصحبهم واقتدى بهم واستمد منهم فاز بنيل المدد الفائض من الله، ومن أعرض عن أهل عصره مستغنيا بكلام من تقدمه من الأولياء الأموات طبع عليه بطابع الحرمان”: أهـ.
(الحقيقة الثانية) : أنواع الطرق الصوفية ثلاث : طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وهذا يختلف باختلاف مستوى شيخ الطريقة.
فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دوره عند هذا التبليغ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها.
وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات، فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة، وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام: (أن تعبد الله كأنك تراه))،
(الحقيقة الثالثة) : التفريق بين الطريقة والحقيقة : التصوف طريقة للمبتدئ وهو حقيقة للسالك: والطريقة تقوم على التزام الأوراد ودوام الذكر ومتابعة إرشادات شيخ الطريقة، والطريقة مندوبة لكل مسلم، قال تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}، أما الحقيقة فهي تتمثل في الفتوحات والكشوفات والتجليات والمعارف والحقائق التي قد يعبر عنها بعض العارفين من الصوفية، إن أهل الحقيقة قد يكرمهم الله تعالى بالكرامات كالكشف والإلهام، ولكنهم وإن كانوا على علم عال رفيع إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا معصومين، ومن هنا فليس كلامهم مسلمًا إلا إن وافق قواعد الشرع وأدلته، فالكشف لا عصمة فيه، فلو عارض أدلة الكتاب والسنة فيجب التمسك بالكتاب والسنة وترك الكشف، فإنّ العصمة مضمونة في الكتاب والسنة، وليست كذلك في جانب الكشف ولا الإلهام، ولا المشاهدة، وأهل السنّة والجماعة يؤمنون بالكرامات للأولياء الصالحين، ويأخذون بالكشف والإلهام الذين لا يعارضان القرآن والسنة، إن الكرامات إنما هي هدية من الله لأوليائه من أهل الحقيقة، وهي ليست غاية ولا حتى وسيلة للقرب، ولذلك كان ديدن اهل الحقيقة كتمان الكرامات وسترها عن الناس، على أنّ هناك أخطاء تتعلق بمناهج التزكية في بعض الطرق تتمثل في الخلط بين الطريقة والحقيقة وبالتالي تجعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي طريق التزكية من الأولياء،
(الحقيقة الرابعة) : الذكر منشور الولاية: الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي: صرح القرآن الكريم بأن الذكر أكبر، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت: 45]، وجعله الله تعالى أعلى منازل الدين قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام، قال تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، و أنا معه إذا ذكرني، فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و ان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، و ان تقرب إلي شبرا تفربت اليه ذراعا و ان تقرب إلى ذراعا تقربت اليه باعا و ان اتاني يمشي أتيته هرولة) ([1]) . والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم لكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم وبضربون أعناقكم قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال ذكر الله))، وفي مقام الذكر، جاء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الاحزاب: 41]، وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الاعراف: 205]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الانسان: 25]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، ومن فوائد الذكر: 1 – عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ““ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده” ([2]) .
2 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: : “يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين“([3]) .
3 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال“يقول الرب يوم القيامة سيَعلَم أهلُ الجمع اليوم مَنْ أهل الكرم، فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد”،([4]) 4 – وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال (ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ علينا قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)، ([5]) .
5 – وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفوراً لكم قد بُدلت سيئاتكم حسنات“([6]) .
6 – وعن ثابت قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال: “ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله، قال: إني رأيت الرحمة تنزل، فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أُمتي من أُمرت أن أصبر نفسي معهم” ([7]) .
ومن (أقسام الذكر): أ ـ ذكر السر والجهر: إن ذكر الله تعالى مشروع سراً وجهراً، وقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذكر بنوعيه: السري والجهري، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم)) ([8]) .
ب ـ ذكر اللسان وذكر القلب: وقال الإمام النووي رحمه الله: (أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك) ([9]) .
، وقال الإمام النووي رحمه الله: (الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل، ثم لا ينبغي أن يُترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظن به الرياء، بل يذكر بهما جميعاً، ويقصد به وجه الله تعالى) ([10]) .
ج ـ الذكر المنفرد والذكر مع الجماعة: العبادات مع الجماعة ـ وفيها ذكر الله تعالى ـ تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد، ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من المُنَوَّر، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) ([11]) . وعن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال: (ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يُباهي بكم الملائكة)) ([12]) .
، آداب الذكر المنفرد: وينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القِبلة متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار، مطرقاً برأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، ولكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل، *وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة، وينبغي أن يكون فمُه نظيفاً، وإن كان به تغيُّرٌ أزاله بالسواك، إذا كانت هذه النظافة الحسية قد نُدبنا إليها فإن نظافة القلب الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى أولى بالاعتبار، والذكر محبوب في جميع الأحوال، والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يلاحظ الذاكر ذلك ويتدبر معاني ما يذكر.
آداب الذكر الجهري مع الجماعة: الذكر الجهري له آداب ثلاثة: آداب سابقة، وآداب مقارنة، وآداب لاحقة، وكل قسم من هذه الثلاثة له ظاهر وباطن.
1 – فظاهر الآداب السابقة: أن يكون الذاكر طاهر الثوب، طيب الرائحة متوضئاً، نقياً من الحرام كسباً وغذاء، وباطنها: أن يطهِّر قلبه بالتوبة الصادقة، ويتخلى عن جميع الأمراض القلبية، ويتبرأ من حوله وقوته، ويدخل الحضرة متحققاً بذله وفقره واحتياجه إلى نفحات الله وفضله.
2 – وظاهر الآداب المقارنة: أن يجلس حيث انتهى به المجلس وينتظم في حلقتهم، فإذا أراد أن يخرج لعذر طارىء وصل بين مَنْ على جانبيه بلطف، وخرج حتى لا يقطع عليهما اشتغالهما بالذكر، وأن يكون موافقاً لهم في وضعهم، فلا يشذ عنهم بمخالفة.
وباطنها: أن يجاهد في طرد وساوس الشيطان وهواجس النفس، وأن لا يشغل قلبَه أُمورُ الدنيا، وأن يجتهد في الحضور بقلبه وهمته فيما هو فيه من الذكر وما يَرِدُ عليه من واردات وأحوال، متهيئاً لما يَمنُّ الله به عليه من تجليات إفضاله.
د ـ الذكر المقيد والذكر المطلق: أما الذكر المقيد: فهو الذي ندبَنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيَّداً بزمان خاص أو مكان خاص، كالذكر بعد أداء كل صلاة، من تسبيح وتحميد وتكبير، وأذكار المسافر والآكل والشارب، وأذكار النكاح.
وأما الذكر المطلق: فهو ما لم يقيد بزمان ولا مكان، ولا وقت ولا حال، ولا قيام ولا قعود، فالمطلوب من المؤمن أن يذكر ربه في كل حال حتى لا يزال لسانه رطباً بذكر الله، والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة: 152]، وقد وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه).
حكم الذكر بالاسم المفرد [الله]: أما الذكر بالاسم المفرد [الله] فجائز بدليل قول الله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8]، وقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً} [الدهر: 25]، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله” ([13]) .
فهذا اسم مفرد ورد ذكره مكرراً في هذا الحديث، ثم إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً معيناً، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد [الله]، واعترض بعضهم أيضاً على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا: الله جليل، والجواب على ذلك: أن الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً، لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه.
التحذير من ترك الذكر: لقد حذر الله تعالى عباده من ترك ذكره في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حذر العارفون بالله من المربين المرشدين مريديهم من ترك الذكر كذلك، فقد قال تعالى: {ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له قرين، وإنَّهم لَيَصُدُّونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 36 – 37]، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها([14]) .
(الحقيقة الخامسة) : أهمية الأوراد في حياة المسلم : ينبغي لكل مسلم – فضلا عن الصوفي السالك طريق الإحسان – أن تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها، ولابد وان تشمل تلك الأوراد على صلوات الفرائض جماعة في المساجد – قدر الإمكان -، وأن يحافظ على أوراد الصلوات، من التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين، وغيرها من أذكار ختم الصلاة، وأن يقيم السنن الرواتب، وأن يحافظ على سنة الضحى وسنة قيام الليل والوتر، وأن يخصص لنفسه قدرا يومياً من القرآن الكريم، والحد المعتدل في ذلك جزء لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعبد الله بن عمرو بن العاص عن القرآن: (اقرأ القرآن في كل شهر)) ([15]) .
وأوراد الذكر من الاستغفار التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والحوقلة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع المحافظة على أذكار الأوقات والأعمال كأذكار الطعام والنوم والدخول والخروج، مع صيام ما تيسر مما جاء في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم كصيام ثلاثة أيام من كل شهر أو يومي الإثنين والخميس، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد، مع الأخذ في الاعتبار بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل)) ([16]) . كما ينبغي لكل مسلم – فضلا عن الصوفي السالك طريق الإحسان – أن يكون له ورد أسبوعي وآخر شهري وآخر سنوي يملأ هذا الورد حياته بالبر والتقوى، وقد مر بنا في القاعدة الاولى من هذا الباب ” مقدمة عن نشأة مدارس وطرق التصوف في العالم الإسلامي ” أوراد كل طريقة من طرق التصوف المعروفة المشهورة.
***
المطلب الثاني تصحيح أخطاء الطرق الصوفية.
لقد أساء أقوام إلى التصوف بانتسابهم إليه، وادِّعائهم له، والمنصفون يعلمون أن هناك صوفية أولياء في عداد الصديقين والأصفياء، وهناك أدعياء للتصوف متمصلحون منه يأخذون منه عرض الحياة الدنيا، وهناك جهلاء، وهناك غلاة مبتدعون، وهناك منحرفون، وهناك مغرضون تزيّوا بزيه، وانتسبوا إليه، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء، ولذلك كان لا بد من التفريق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين الصوفية الصادقين، أصحاب السلوك، ممن لهم درجات عليا في التزكية والإيمان والورع والتقوى واليقين، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين، والدعوة إلى الله تعالى في سائر أزمان المسلمين، إنّ التصوف الصحيح في جوهره النقي لن يتحمل جريرة المدعين، وليس من الإنصاف أن تنسب إلى هذه الفئة النقية أخطاء المتصوفة الشاذين من أعداء التصوف، ولطالما حذّر الصوفية أنفسهم من هؤلاء الأدعياء، ولله در العالم الأصولي المدقق (الإمام الشاطبي) حيث يصف الصوفية بأوصاف حميدة ومناقب جليلة، فقال: ” الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة، مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرقة من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى خلاف السنة، وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ عنه الدين أصولا لا فروعا، ومن لم يكن كذلك، فلا بد من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته” أهــ ([17]) .
كما أثنى عليهم بوصفهم: ” أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على مناهجهم…” أهــ([18]) .
وقد كان في نيته – رحمه الله – أن يخصص مؤلفا للإشادة بطريق التصوف، وتحصينه من أهل البدع والأهواء، حيث قال: “وفي غرضي- إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسّر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا، يُستدل به على صحتها، وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما دخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع: من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادّعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقوّلوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الآخر كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم…، وطريقة القوم بريئة من هذا الخُباط بحمد الله” أهـ([19]) .
والحاصل: أن الإنصاف تجاه القوم مطلوب شرعي، وفضل التصوف الصحيح الذي هو ضرورة لإحياء القلوب، وتهذيب النفوس، لا ينكره منصف أضاء الله تعالى بصيرته بأهمية الحفاظ على طوائف أهل السنة والجماعة القائمين على ثغور الإسلام، والإصلاح واجب شرعي لهذا أشرع في بيان الأخطاء التي يجب إصلاحها بسرعة وإتقان حتى تعود الصوفية إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية، ومن تلك الأخطاء التي أدت إلى اتهام التصوف بتهم هو منها بريء:
[الخطأ الاول]: المغالاة والإسراف في اعتقاد الصالحين، حتى وصل الأمر إلى النذر لهم، والتمسح بأعتابهم، والسجود عند أضرحتهم، وحتى شكوا إليهم أحوالهم، وطلبوا منهم شفاء المرضى وعودة الغائبين، ونجاح الأولاد وصلاح الأحوال، وإغناء الفقير وإسعاد الزوجات ودفع المصائب والبلايا، وإصلاح شئون البلاد والعباد، وغير ذلك مما يعتبر إسرافاً في اعتقاد الصالحين، وممارسات خارجة عن حد الشريعة وحفظ جناب التوحيد، ونحن لا نقول أنهم عبدوهم من دون الله، وذلك لان ضابط العبودية هو اعتقاد الإلهية والربوبية لمن نصرف له العبادة، وهؤلاء إنما توسلوا بهم عند الله لأجل صلاحهم، وإن كان هذا النوع من التوسل له ضوابط عديدة، وفيه خلافات فقهية تدور على حفظ جناب التوحيد، وسد ذرائع الشرك، وغلق مظاهر الانحراف العقدي، إلا أنه لا ينبغي أن يصل إلى ذلك الحد من الإسراف في التوسل بالصالحين كأن لهم حق عند الله – تعالى وتقدس عن ذلك -، وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]،
[الخطأ الثاني]: الغلو في علاقة المريد بالشيخ، والوصول بها إلى حد التقديس أحيانا، لدرجة إلغاء الحسبة على الدين معه، والتحذير كل التحذير من الاعتراض على أخطائه، ولو كانت كبائر، ولاشك أن احترام الشيخ مطلوب، لأنه وارث علم الرسول وسبب الهداية، ولكن لاشك أن الحسبة على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة وحق على كل مسلم في حدود الأدب والاحترام، ومن الغلو ظنّ بعض جهلة المتصوفة أنّ الشيخ يجل عن الخطأ وهذا مخالف لكلام الصوفية الصادقين، كقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: (إذا علم المريد من الشيخ خطأ فلينبهه، فان رجع فذاك الأمر وإلا فليترك خطأه وليتبع الشّرع) قال ذلك في أدب المريد، وقال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله: (سلم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع فاذا خالفوا فكن مع الشرع)، وكتب الصوفية طافحة بمثل هذا.
[الخطأ الثالث]: التوسع والتساهل في مسائل الإتباع والابتداع إلى حد أدى إلى انتشار المحدثات والبدع والمنكرات، وحتى صار (السماع) – بدلا من سماع القرآن – سماعاً للألحان، وصار الذكر – ولا حول ولا قوة إلا بالله – مضبوطاً بالحركات، ورقصاً على نغمات الألحان، وحتى صارت الموالد والاحتفالات والمهرجانات على مدار العام، وكأن الإسلام قد اكتملت فرائضه وطبقت أحكامه ووثقت عراه ولم يبق إلا الاحتفال بمناسباته، وما أكثرها عند القوم.
[الخطأ الرابع]: التوسع والتساهل في مسائل الطاعة والمعصية، حتى صارت الموالد والاحتفالات مرتعاً خصباً للفواحش والموبقات بسبب اختلاط الرجال بالنساء، مما آل بالفقهاء إلى الإفتاء بإلغائها بسبب مفاسدها العظيمة التي تفوق الفائدة المرجوة منها.
[الخطأ الخامس]: هناك أخطاء تتعلق بمناهج التزكية مثل جعل همة الصوفي تجري وراء الكشف والكرامة، والأصل أن همته تبحث عن تحقيق كمال العبودية لله رب العالمين، والكشف ما هو إلا أثر وثمرة من ثمرات التزكية، والكمال الصوفي يتمثل في عدم البحث عن الكشف والكرامة التي ما هي إلا مثبتات لغير الكمل من سالكي طريق التزكية من الأولياء.
[الخطأ السادس]: هناك أقوام منهم غلب عليهم الكسل والتواكل والبطالة، وصفهم العارف بالله الشيخ أحمد زروق بقوله: ” هناك قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال، ونحن في بركة الزِّي، وقد قنعنا بالتزي، وما هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل،([20]) .
[الخطأ السابع]: الشطح والطامات التي تصدر عن بعضهم وقت ورود الوارد الثقيل، الذي لا يقوى على تحمله، فيشطح بما لا يمكن تأويله بحال، كقول بعضهم (ولجنا بحرا وقف الأنبياء بساحله)، والأصل في الشطح أنها زلات لسان لا ينبغي محاسبة قائلها عليها وقت الذهول، كمثل الذي أخطأ من شدة الفرح فقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)) ([21]) .
ولكن سيف الشريعة يمنع من التمادي في تلك الأقوال التي لا يحسن تأويلها، لاسيما مع تشنيع الخصوم بها.
[الخطأ الثامن]: الفساد والجهل المتفشي في العديد من المؤسسات والطرق الصوفية بسبب التكالب على الدنيا وكثرة الأتباع، وذلك غالبا ما يكون بين أدعياء التصوف أو أنصاف المشايخ ممن ورثوا هذا الأمر وراثة، دون الوصول إلى حقائق التصوف، وصار هم هؤلاء كثرة الأتباع ولو على حساب التزكية، وكثرة الأموال ولو على حساب الدين، والتكالب على الشبهات وأموال الحكام والرؤساء، فما أبعد هؤلاء عن التصوف الصافي، وهل التصوف إلا الزهد في الدنيا، وفيما بين الناس، وهل التصوف إلا الخلق، وقد لخص العارفون معنى التصوف في الخلق الحسن، وقالوا (التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في التصوف))
[تنبيه]: لقد دس أعداء الاسلام علي التصوف من يشوه صورته فسار وراء بعضهم العوام والجهلة، وإن التصوف الإسلامي الأصيل قد ابتلي بالأدعياء شأنه شأن غيره من علوم الإسلام والدعوات الصادقة فيه، إذ اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون لكل حق باطل يشبهه، ليميز الله الخبيث من الطيب، وقد سخر الله تعالى من عباده من بينوا للناس منهج الحق والخير والصواب، وميزان العدل والاعتدال، ليميز الناس الحق من الباطل، والزيف من الصرف.
وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه:
(أ) ليس من التصوف الإسلامي: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف.
(ب) وليس من التصوف الإسلامي: القول بالحلول أو الاتحاد، أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو الله، والله هو الكون، وما جاء مما يوهم ذلك على لسان بعضهم فهو مؤول بما يوافق دين الله، أو هو مدسوس على القائل، أو هو مما قاله في حالة الفناء والغيبوبة على لسان الحق عز وجل، ونحن نستغفر الله للجميع، ونحسن الظن بكل مسلم.
(ت) وليس من التصوف الإسلامي: الذكر على الطبل والزمر بأنواعه مهما كانت (اما الدف ففي الاناشيد والقصائد والمدائح فجائز).
(ث) وليس من التصوف الإسلامي: تحريف أسماء الله والرقص بها، رقصاً سخيفاً مع القفز والنط كما يفعل الجهلة، ولا يجوز وجود أدوات وآلات اللهو والغناء، وكل ما نراه من ذلك من بعض الاشخاص فهو ليس من التصوف والتصوف منهم براء، أن هناك جماعة من الدخلاء على الصوفية ـ نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء ـ شوَّهوا جمال حلقات الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، وأفعال منكرة، تحرمها الشريعة الغراء، كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والغناء الفاحش، فلم يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية النفوس الغافلة، وتحقيق الأغراض الدنيئة، وهذا بخلاف الحركة في الذكر فإنها تنشط الجسم لعبادة الذكر وهي جائزة شرعاً بأدلة كثيرة ذكرتها في كتاب التجديد التاسع (التجديد في باب التزكية والإحسان والتصوف) الباب السادس ” أدلة عامة لمنهاج أهل التصوف “.
(ج) وليس من التصوف الإسلامي: القذارة، ولا البلادة، ولا البطالة، ولا الجهالة بدين الله، ولا ادعاء الولاية ولا المتاجرة بالكرامات، لان الولاية فقط لأهل الولاية وليس لأصحاب الادعاء من المجاذيب الذين لا يتحركون ولا يعملون ويجلسون في المساجد بدون وعي ويدعون الولاية.
(ح) وليس من التصوف الإسلامي: ما يحدث في الموالد من اختلاط محرَّم، ومباذل وسفاسف لا يرضاها عاقل، وادعاءات فضفاضة وتغييب للعقول.
(خ) وليس من التصوف الإسلامي: ادعاء الغيب والدجل والشعوذة والاتصال بالجن والشياطين والسحر والألفاظ الأعجمية والساذجة، ([22]) .
وبعد: وبعد فتلك هي الأخطاء التي أدت إلى تطاول الطوائف الأخرى على التصوف يريدون محوه والخلاص منه، مع أنه الواقف على ثغور التزكية والمقامات، ومناهج التربية والأخلاق، وما أحسن قول السيوطي رحمه الله فيه إذ يقول عن التصوف: ” علم شريف رفيع قدره سني أمره، لم تزل أئمة الإسلام وهداة الأنام قديما وحديثا يرفعون مناره ويجلون مقداره ويعظمون أصحابه، ويعتقدون أربابه، فإنهم أولياء الله وخاصته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، غير أنه دخل فيهم قديما وحديثا دخلاء تشبهوا بهم وليسوا منهم، وتكلموا بغير علم وتحقيق فزلوا وضلوا وأضلوا، فمنهم من اقتصر على الاسم وتوسل بذلك إلى حطام الدنيا، ومنهم من لم يتحقق فقال بالحول وما شابهه، فأدّى ذلك إلى إساءة الظن بالجميع، وقد نبّه المعتبرون منهم على هذا الخطب الجليل ونصوا على أن هذه الأمور السيئة من ذلك الدخيل ” أهـ ([23]) .
إن من الإنصاف ألا نغمط حقوق الصوفية، ولا تنسينا أخطاؤهم، حسناتهم، والتجديد الصوفي يعني إصلاح تلك الأخطاء بسرعة وتجرد وإتقان حتى تعود الصوفية إلى الوسطية التي حبى الله تعالى بها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم، إن التجديد الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار والاجتهاد الصادق في إزالة الحواجز والعقبات بين أهل التصوف وبين الطوائف الأخرى من أهل السنة والجماعة وذلك بالتقارب والتكامل مع بقية الطوائف، من خلال الهدف المشترك بالعودة إلى الكتاب والسنة والاقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وإخلاصاً، وعند ذلك تتآلف القلوب وتنتفي الخصومات والعداوات ونكون يداً واحدةً في العمل على الدفاع عن دين الإسلام وتجديد أمره.
***
المطلب الثالث
نشر التصوف السنّي النقي الصحيح في ثوب صحيح جديد
نشر التصوف السنّي النقي الصحيح في ثوب صحيح جديد: وذلك بالقيام بعدة مهام:
(الأولى): ترسيخ الحقائق الصحيحة التي تتعلق بالطرق الصوفية، والتي يتطلب تجديد التصوف ترسيخها.
و(الحقيقة الأولى): بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي. (الحقيقة الثانية) التفريق بين أنواع الطرق الصوفية ثلاث: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وهذا يختلف باختلاف مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات، فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام: (أن تعبد الله كأنك تراه))
(الحقيقة الثالثة): التفريق بين الطريقة والحقيقة، فإنّ التصوف طريقة للمبتدئ وهو حقيقة للسالك: والطريقة تقوم على التزام الأوراد ودوام الذكر ومتابعة إرشادات شيخ الطريقة، والطريقة مندوبة لكل مسلم، قال تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}، أما الحقيقة فهي تتمثل في الفتوحات والكشوفات والتجليات والمعارف والحقائق التي قد يعبر عنها بعض العارفين من الصوفية، إن أهل الحقيقة قد يكرمهم الله تعالى بالكرامات كالكشف والإلهام، ولكنهم وإن كانوا على علم عال رفيع إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا معصومين، ومن هنا فليس كلامهم مسلمًا إلا إن وافق قواعد الشرع وأدلته.
(الحقيقة الرابعة) الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي: كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات.
(الحقيقة الخامسة) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان، فينبغي لكل مسلم – فضلا عن الصوفي السالك طريق الإحسان – أن تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد.
(الثانية) تصحيح أخطاء الطرق الصوفية، والتي قد تم ذكرها في القاعدة الثالثة السابقة، تلك الأخطاء التي يتحمل وزرها أدعياء للتصوف المتمصلحون، أو الجهلاء، أو الغلاة المبتدعون، أو المنحرفون، أو المغرضون الذين تزيّوا بزي التصوف، وانتسبوا إليه، لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء.
(الثالثة) اعادة ترتيب الطرق، بما يتناسب وطبيعة العصر، وبما يفرق بين أنواع الطرق ومسؤلياتها المتفاوتة ما بين: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية.
(الرابعة) إعادة صياغة الأوراد بما يناسب العصر وتطوراته، وإعادة تهذيب الأدعية بما يكون مفهوما بعيدا عن التكلف والألفاظ الغريبة والأدعية التي كانت تناسب زمانا غير زماننا وأحوالا غير أحوالنا،
(الخامسة) التوافق على ميثاق للعمل الصوفي يقرب ولا يفرق يأخذ بالمتفق عليه ويبتعد عن المختلف عليه، ويأخذ بدرء الشبهات والجدية في المسؤوليات والبعد عن مواطن الخلاف، مع التركيز على صياغة تربوية جديدة للطرق تناسب العصر والحال، والتركيز على إعادة صياغة الطريق إلى الحقائق وصناعة الأولياء، والتركيز على عوامل الوحدة والتكاتف لتحقيق التجديد في التصوف القائم على ثغر التزكية ومرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين.
***
([1]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405.
([2]) صحيح مسلم 4/2074 ح 2700.
([3]) مسند الدارمي 2/1066 ح 3456.
([4]) مسند أحمد 18/195 ح 11652.
([14]) المعجم الكبير للطبراني 20/93 ح 182.
([15]) صحيح البخاري 3/40 ح 1978، صحيح مسلم 2/814 ح 1159.
([16]) صحيح البخاري 7/155 ح 5861، صحيح مسلم 2/811 ح 782.
([17]) الاعتصام، الشاطبي 1/172.
([20]) عدة المريد الصادق، دار ابن حزم، ص: 65
([21]) صحيح مسلم 4/2104 ح 2747.
([22]) كتاب ابجدية التصوف للإمام الرائد العلامة محمد زكي ابراهيم رحمة الله ص
([23]) تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية، لجلال الدين السيوطي، ص: 4.