المبحث التاسع والثلاثون رسالة إلى الوهابية أعداء التصوف
المطلب الأول:
موقف الإمام أحد بن حنبل من التصوف والصوفية.
المطلب الثاني:
موقف ابن تيمية من التصوف.
المطلب الثالث:
أقوال ابن تيمية وبعض تلامذته في التصوف.
المطلب الرابع:
تجديد أمر الدين يحتاج إلى التمسك بالسلفية الصحيحة والصوفية الصحيحة.
المطلب الأولى موقف الإمام أحد بن حنبل من التصوف والصوفية
يقول أسعد الخطيب في بيان موقف الإمام أحمد بن حنبل من التصوف والصوفية: ” يجمع معظم الباحثين والمؤرخين القدماء والمعاصرين على أن التصوف ظهر في القرن الثاني الهجري وهو وليد حركة الزهد والنسك في الإسلام التي كان عليها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، ويوضح ذلك ابن خلدون عند كلامه على نشوء علم التصوف قائلاً: (وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة) ويعد القرن الثالث الهجري مرحلة هامة بلغ فيها التصوف النضج والكمال، وأصبحت له قواعد معروفة، كما شكل الفقهاء وأصحاب الحديث علم الحديث والمذاهب الفقهية المشهورة، ولكن السؤال هنا: ما هو موقف الإمام الجليل أحمد بن حنبل (164-241هـ) صاحب المذهب المشهور من التصوف والصوفية؟ في الحقيقة إن أصحاب المذاهب الأربعة وعلى رأسهم الإمام أحمد وإن غلب عليهم الاشتغال بالأمور الشرعية للضرورة القاضية بذلك فإنهم لم يكونوا متجرين بالفقه بل كانوا أيضاً كما يقول الإمام الغزالي في الإحياء: من العلماء بالله مراقبين قلوبهم، مشتغلين بمعارف ربهم عما سواهم من الخلق… وما دمنا في صدد الكلام عن الإمام أحمد بن حنبل يجدر أن نذكر وصف “أبو زرعة” له: ما رأت عيني مثل الإمام أحمد في العلم والزهد والفقه والمعرفة، ولا شك أن أصول الصوفية الصحيحة المتفرقة في ثنايا الكتب اجتمعت في شخصية الإمام أحمد، وهو رضي الله عنه ممن تكلم بعلوم الصوفية كما صرح بذلك ابن تيمية حين قال في رسالته (الصوفية والفقراء): (وقد نقل التكلم به من غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد وأبي سليمان الداراني وغيرهما)، ولذلك ليس غريباً أن نجد ترجمة الإمام أحمد مذكورة في معظم كتب تراجم الصوفية مثل حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، والكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، والطبقات الكبرى للشعراني، وفي كشف المحجوب للهجويري: (وكل السادة الصوفية من جميع الطبقات يعتقدون فيه البركة)، وقلَّ أن نجد كتاباً من كتب التراث الصوفي يخلو من أثر عن الإمام أحمد، خاصة في الرسالة القشيرية، وكتاب الفتوحات المكية، وكتاب تنوير القلوب، وكتاب إحياء علوم الدين، حتى إن البعض عند الكلام عنه وصفه بأنه: (مقتدى الطائفة)، وقد قسمنا بحثنا هذا إلى قسمين: (الأول) موقف الإمام من قضايا التصوف، و (الثاني) علاقة الإمام أحمد مع أبرز صوفية عصره.
( أولاً): قضايا التصوف وموقف الإمام أحمد منها:
(1) التوسل: قال ابن تيمية في فتاواه: قال أحمد في نسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه أنه يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، وروى ابن مفلح في الآداب الشرعية عن أحمد بن حنبل أنه قال: حججت فضللت الطريق وكنت ماشياً فجعلت أقول يا عباد الله دلوني على الطريق فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق([1]) .
، وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال عند القحط وعند انقطاع المطر: يتوسل الداعي الذي يصلي صلاة الاستسقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أيضاً أن الإمام أحمد توسل بالإمام الشافعي رضي الله عنهما، حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك فقال له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن.
(2) التبرك: جاء في خلاصة الوفاء للسمهودي وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن رجل يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويفعل بالمنبر مثل ذلك فقال: لا بأس به… ويعزز هذا الكلام قول الذهبي: أين المتنطع المنكر على أحمد؟ وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة قبر النبي ويمس الحجرة النبوية فقال: لا أرى بذلك بأساً، وختم الذهبي كلامه: أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج والبدع، وقال السندي الخواتيمي: سألت أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد، فقال: على ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأساً أن يأتي الرجل المشاهد، وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي آخذاً شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها وأحسب أني رأيته يغمسها بالماء ويشربه يستشفي به. (3) العزلة: قال الإمام أحمد رضي الله عنه: الخلوة أروح لقلبي، وقال مرة: أريد نزول مكة في شِعْب من تلك الشعاب حتى لا أعرف، وقال ابنه عبد الله: لا يمكن لأحد أن يقول: إنه رأى أبي في هذه النواحي يوماً إلا إذا خرج إلي الجمعة، وكان أصبر الناس على الوحدة، وبِشْرٌ رحمه الله لم يكن يصبر على الوحدة، وقيل لأحمد بن حنبل: ما حجتك في ترك الخروج إلى الصلاةَ في جماعة ونحن بالعسكر؟ فقال: إن الحسن وإبراهيم التيمي خافا أن يفتنهما الحجاج وأنا أخاف أن أفتتن أيضاً، واستشهد رحمه الله بقول مطرف التابعي الكبير: (تفقهوا ثم اعتزلوا)، قال فتح بن نوح: سمعت أحمد يقول: أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحد من الناس، طوبى لمن أخمل الله ذكره.
(4) السماع: جاء في طبقات الحنابلة في ترجمة يحيى بن منده: حدثنا الخلفاني، قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول في القصائد أي السماع الذي يتواجد عليه الصوفية؟ قال: مثل ماذا؟ قلت مثل: (إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني… وتخفي الذين من غيري وبالعصيان تأتيني) قال: فرد الباب وجعل يردد هذا الشعر، وقد نقل العلامة السفاريني الحنبلي عن إبراهيم القلانسي أن الإمام أحمد قال عن الصوفية: لا أعلم قوماً أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة.
(5) الزهد: وتعريفه هو أن تكون مما في يد الله أوثق مما في يدك، ولأحمد بن حنبل كتاب خاص في الزهد شحن فيه أقوال الصحابة وكبار التابعين والصوفية أمثال إبراهيم بن أدهم ومالك بن دينار والفضيل بن عياض ومحمد بن واسع وسواهم وكان رضي الله عنه يقول: أسرّ أيامي أصبح ليس عندي شيء، ويستشهد بعبارة أحد الربانيين: اهتمامك برزق غد يكتب عليك خطيئة… وقيل له: إن همة هؤلاء الصوفية كِسْرة وخرقة فقال: لا أعلم أعظم قدراً من هذه صفته، قال صالح بن أحمد بن حنبل، رأيت أبي يأخذ الكسر (الخبز) وينفض الغبار عنها ثم يصب عليها الماء ثم يأكلها بالملح، وقد أرسل له مرة المتوكل طبيباً فقيل له: يا أمير المؤمنين إن أحمد بن حنبل ليس به علة في بدنه إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة، فقد كان رحمه الله يقول: الخوف منعني من الطعام والشراب، وقال النحوي: رأيت الإمام أحمد وعليه ثياب غلاظ، وقال أبو طالب الشابي: سئُل أحمد ما الزهد في الدنيا فقال: قصر الأمل والإياس مما في أيدي الناس، أما ابن القيم فيذكر أن الزهد عند الإمام أحمد ثلاث أنواع: الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.
(6) الإخلاص: قال رحمه الله: هو الخلاص من آفات الأعمال فخلص أعمالك من الغرور والشرك ومما يلائم نفسك، والشرك الذي كان يحذر منه الإمام أحمد ذكره في مسنده عندما أورد قول شداد بن أوس للرسول صلى الله عليه وسلم: أتشرك أمتُك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم، وهناك حديث يتكرر كثيراً في مصنفات الصوفية وذكره الإمام أحمد في مسنده هو، قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيعُ الحكمة من قلبه على لسانه).
(7) الحديث الضعيف: قيل إن أحمد بن حنبل كان يحفظ ستمائة ألف حديث ما بين الصحيح والحسن والضعيف، وفسر الإمام أحمد ذلك قائلاً: (إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وكذلك إذا جاء الحديث في الكفارات والحدود والفرائض وإذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال وثوابها وترغيبها وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد) وهو يستدل بكلام أحد زهاد التابعين: (إن للحديث ضوء كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره).
(8) الأبدال: لا نعلم أحداً من الفقهاء الأربعة المشهورين أكثر من ذكر الأبدال مثل الإمام أحمد، مثال على ذلك: ما جاء في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأبدال بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب. ([2]) .
(9) تقبيل القبر الشريف: أجاز الإمام أحمد تقبيل القبر، قال الحافظ العراقي: أخبرني أبو سعيد العلاني قال: رأيت في كلام ولد أحمد بن حنبل في جزء قديم أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل غيره، فقال: لا بأس بذلك، فأريناه ابن تيمية فصار يتعجب من ذلك، وروى الإمام أحمد (وجد مروان بن الحكم رجلاً واضعاً وجهه على القبر الشريف فأخذ مروان برقبته ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ قال: نعم إنما جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آت الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذا وليه غير أهله). ([3]) .
(10) تقبيل المصحف: قال الإمام أحمد ما سمعت فيه شيئاً، ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: كلام ربي كلام ربي.
(11) تقبيل اليد: سُئل عنها الإمام أحمد فقال: لا أرى بها بأساً عن طريق التدين، وكرهها عن طريق الدنيا، وقال الخلال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت كثيراً من العلماء والفقهاء والمحدثين يقبلون يد أبي ويعظمونه تعظيماً.
(12) قراءة القرآن على الميت: قال أبو بكر المروزي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا آية الكرسي، وثلاث مرات قل هو الله أحد ثم قولوا: اللهم اجعل فضله لأهل المقابر([4]) .
، قال ابن تيمية: إنه يجوز إهداء ثواب العبادات إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد. ([5]) .
(13) كتابة التمائم وتعليقها: ذكر ابن القيم في زاد المعاد، أن الإمام أحمد سُئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء فقال: أرجو أن لا يكون به بأساً،([6]) .
وقال ابن تيمية: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء، ونص الإمام أحمد على جوازه. ([7]) .
(14) الذكر: أورد الإمام أحمد في مسنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون) ([8]) .
وفي المسند أيضاً قال صلى الله عليه وسلم لجعفر بن أبي طالب:(أشبهت خَلْقي وخلُقي فحَجَل) ([9]) .
، قال ابن حجر العسقلاني: حجل أي وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة.
(15) مناجاته: كان أحمد بن حنبل يناجي الله عز وجل مناجاة الصوفية فيقول: اللهم، إن كنت تعلم أني أحبك خوفاً من نارك فعذبني بها، وإن كنت تعلم أني أحبك طمعاً في جنتك فاحرمنياها، وإن كنت تعلم أني أعبدك حباً مني إليك وشوقاً إلى وجهك الكريم فابحنياه مرة واصنع ما شئت.
(16) أدبه: قال إبراهيم الحربي: كان أحمد بن حنبل وفّق للأدب، كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب، وكان مرة متكئاً من علة، فذكر عنده أحد الصالحين فاستوى جالساً وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ([10]) .
وقد روى الإمام النووي أن الإمام أحمد عندما رأى أحد هؤلاء الصالحين وثب إليه وأكرمه فلما مضى قال له ابنه عبد الله: يا أبت تعمل به مثل هذا العمل؟ فقال: يا بني، لا تعارضني في مثل هذا، قال ابن المنادي: سمعت جدي يقول: كان أحمد بن حنبل من أحسن الناس عشرة وأدباً، كثير الإطراق والسكوت، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد.
(17) الكرامات: ذهب الإمام أحمد إلي جواز الكرامات للأولياء وضلّل من ينكرها، قال التاج السبكي: فإن قلت: ما بال الكرامات في زمن الصحابة قليلة وبعدهم على يد الأولياء أكثر؟ فالجواب ما قاله الإمام أحمد بن حنبل: لأن قوة إيمانهم لا يحتاج معها إليها،([11]) .
ولأن الزمن الأول كان كثير النور، ألا ترى أن القنديل لا يظهر نوره بين القناديل، والنجوم لا يظهر لها نور مع ضوء الشمس، وقد وقعت للإمام أحمد كرامات عديدة، قال صاحب الجوهر: المحصل في مناقب الإمام أحمد بن حنبل له رضي الله عنه كرامات مشهورة ودعوات بالإجابة مبرورة، منها ما ظهر في حياته ومنها ما كان بعد مماته، جاء مرة حفيده ينزف من منخريه وعجز الطبيب عن ذلك، فجعل الإمام أحمد يحرك يديه ويدعو له فانقطع الدم، وحدّث أبو حرارة، قال: كانت أمي مقعدة نحو عشرين سنة، فقالت لي يوماً: اذهب إلى أحمد بن حنبل فاسأله أن يدعو الله لي، فذهبت إليه ودعا لها وعدت إلى البيت، فوجدت أمي تمشي على رجليها، وقال عبد الله بن موسى: خرجت أنا وأبي في ليلة مظلمة نزور أحمد فاشتدت الظلمة، فقال أبي: يا بني، تعال نتوسل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح، فدعا أبي، فأضاءت السماء كأنها ليلة مقمرة حتى وصلنا إليه.
(18) في مصطلحات أخرى: المحبة: قال رضي الله عنه: سل عنها “بشر الحافي” لأني لا أجيبك عنها ما دام حياً، الرضا: قال: لكل شيء كرم، وكرم القلوب الرضا عن الله، وقال أيضاً: الرضا ثلاثة أشياء: ترك الاختيار، وسرور القلب بمر القضاء، وإسقاط التدبير من النفس، المريد: قال: أن يكون مع الله كما يريد، وأن يترك كل ما يريد لما يريد، الفتوة: قال: هي ترك ما تهوى لما تخشى، التواضع: مثال على ذلك قوله: أخذنا هذا العلم بالذل، المجاهدة: قال المجاهد: من جاهد نفسه في ذات الله، التوكل: قال: هو الثقة بالله وقال أيضاً: التوكل هو استشراف باليأس من الناس، وهذا قريب من كلام الإمام الجُنيد رضي الله عنه: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق.
(ثانياً): علاقة الإمام أحمد مع صوفية عصره: لقد عاصر الإمام أحمد بن حنبل (164-241هـ) طائفة من كبار الصوفية، وعلاقته معهم كانت قائمة على المودة والتقدير والاحترام المتبادل، وكان يقول: (صار القوم أئمة بالإخلاص وعند ذكرهم تتنزل الرحمة) وعلى رأس هؤلاء القوم:
(1) بشر بن الحارث: ت 227هـ: وقد سُئل عنه الإمام أحمد فقال: (هو رابع سبعة من الأبدال) وكان يقول: الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث، وقال الحسن الرازي قيل لأحمد: يجيئك بشر بن الحارث قال: لا تعننِّ الشيخ، نحن أحق أن نذهب إليه، وقال بشر عن الإمام أحمد خلال محنته: إن ابن حنبل دخل الكير فخرج ذهباً أحمر، فبلغ ذلك الإمام أحمد فقال: الحمد لله الذي رضى بشر بما صنعنا، وقال عندما بلغه موت بشر: لم يكن له نظير، ونستنتج من أخبار المؤرخين عن هذين الشيخين الجليلين، أن البغداديين كانوا يرون أنهما في مرتبة واحدة، وكانوا يقولون: مثل الإمام أحمد بن حنبل مثل دجلة، كل أحد يعرفها، ومثل بشر بن الحارث كمثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا الواحد بعد الواحد.
(2) أحمد بن أبي الحواري: ت 203هـ: عن يحيى بن معين قال: التقى أحمد بن حنبل وأحمد بن أبي الحواري بمكة ودار بينهما الحوار حول قول أبي سليمان الداراني: (إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علماً، وتعجب الإمام أحمد من هذا القول ووجد ما يدعمه في قوله صلى الله عليه وسلم: “من عمل بما يعلم، ورثة الله علم ما لم يعلم” ثم قال لأحمد بن أبي الحواري: صدقت يا أحمد وصدق شيخك)، ([12]) . وفي قوت القلوب كان أحمد بن حنبل يقول: العلم ما جاء من فوق، قال يعني إلهاماً من غير تعليم. ([13]) .
(3) حاتم الأصم: ت 237هـ: لما دخل حاتم بغداد واجتمع إليه أهلها فقالوا: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل أعجمي وليس يكلم أحد إلا قطعته، قال ذلك في ثلاث خصال إضهرن على خصمي: افرح إذا أصاب خصمي، واحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي ألا أجهل عليه، فبلغ ذلك الإمام أحمد فقال: سبحان الله ما أعقله قوموا بنا إليه، فلما دخلوا عليه قيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما السلامة من الدنيا؟ قال: يا أبا عبد الله لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربعة خصال: تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيساً، فقال: يا حاتم إنها لشديدة، فقال حاتم: وليتك تسلم وليتك تسلم. ([14]) .
(4) يحيى بن الجلاء: ت 258هـ: عن الطرسوسي قال: ذهبت أنا ويحيى بن الجلاء إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل فسألته: يا أبا عبد الله، بم تلين القلوب؟ فقال: بأكل الحلال، فمررنا إلى بشر بن الحارث، فقلت له: بم تلين القلوب، قال ألا بذكر الله تطمئن القلوب، قلت له: إن ابن حنبل قال: بأكل الحلال فقال جاء بالأصل. ([15]) .
(5) معروف الكرخي: ت 200هـ: وصف معروفاً الإمام أحمد بعد أن رآه بأنه (فتى عليه أثار النسك)، وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى معروف ويسأله، وقد سأل عبد الله والده أحمد مرة: هل كان مع معروف شيء من العلم؟ قال: كان معه رأس العلم وهو خشية الله، وذكر يوماً في مجلس الإمام أحمد قول أحدهم عن معروف هو قصير العلم، فقال: أحمد: امسك عافاك الله، وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف. ([16]) .
(6) سري السقطي: ت 253هـ: وهو خال الإمام الجنيد وشيخه، قال الحسن البزار سألت أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر، فقال: أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء (أي أكل الحلال) قلت: بلا، فأثنى عليه، وقد أراد السري السقطي -وكان تاجراً- أن يوصل إلى أحمد شيئاً فرده، فقال له: يا أحمد احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ، فشرح أحمد صدراً بما قال السري، وأجاب: ما رددت ذلك إلا لأن عندي قوت شهر، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلي، وعلق صاحب كتاب (أحمد بن حنبل إمام أهل السنة) على ذلك بقوله: وأحمد يستفيد من كلام السري، ولا يلقي القول بإصرار رجل تستعبده آراؤه فتلك كبرياء على العلم والعلماء. . ([17]) .
(7) أبو حمزة الصوفي: ت 269هـ: هو محمد بن إبراهيم اجتمع بالإمام أحمد كثيراً، وكان أحمد بن حنبل يجله ويعظمه، وإذا جرى في مجلسه شيء من كلام القوم يلتفت لأبي حمزه ويقول: (ما تقول فيها يا صوفي؟) ـ، ([18]) .وجاء في تنوير القلوب: إن الإمام أحمد بعد أن اجتمع مع أبي حمزه، قال لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد.
(8) الحارث المحاسبي: ت 243هـ: وقد ذكر بعض المؤرخين، أنه في البداية كان بينه وبين الإمام أحمد جفاء بسبب مسائل في علم الكلام، واتفق أن الإمام أحمد أمر بعض صحبه أن يجلسه بحيث يسمع كلام الحارث ولا يراه، ففعل فتكلم الحارث وأصحابه يسمعون كأنما على رؤوسهم الطير، ثم أخذوا يبكون فبكى أحمد حتى أغمي عليه وقال لصاحبه: ما رأيت كهؤلاء ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، لكن مع ما وقفت من أحوالهم لا أرى لك صحبتهم، قال السبكي في طبقاته: إنما قال له ذلك لقصوره عن مقامهم فإنهم في مقام ضيق، ولا ننسى أن نذكر أن المحاسبي كان يحمل التقدير لابن حنبل، مؤيداً موقفه من المحنة، وقال ابن تيمية: المحاسبي أعلم المتأخرين بالسنن والآثار. ([19]) .
(9) أبو عثمان الوّراق: ت 260هـ: وقد تخرج به أكثر نجوم البغداديين في التصوف وعنه أخذوا التجرد وسياسة النفوس كما قال أبو نعيم، وأضاف أن الإمام أحمد بن حنبل كان يحمد سيرته. ([20]) .
(10) أبو بكر المغازلي: ت 282هـ: ذكر الذهبي في ترجمته هو الإمام الولي الرباني كان من البدلاء، له أحوال عجيبة، وكان الخلال يقول: كان أبو عبد الله يقدمه ويكرمه ويقول: من مثله([21]) .
(11) أبو تراب النخشبي: ت 245هـ: وقد أخذ عنه الإمام أحمد، وقال ابن العماد: أبو تراب النخشبي دخل بغداد مرات واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل. ([22]) .
(12) أبو جعفر الطوسي: ت 254هـ: وهو أستاذ الصوفيه المشهور أبي سعيد الخراز، قال أبو بكر المروزي: سألت أبا عبد الله عن أبي جعفر فقال: لا أعلم إلا خيراً. ([23]) .
(13) أبو إبراهيم السائح: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان في دهليز أبي دكان، فإذا جاءه إنسان يريد أن يخلو به أجلس عليه، فدخله أبو إبراهيم السائح، فقال لي أبي: سلّم عليه فإنه من خيار المسلمين وكبارهم. ([24]) .
(14) أبو إسحاق النيسبوري: قال الذهبي: كان أحمد بن حنبل يغشاه ويحترمه ويجله ويقول عنه: إن كان ببغداد أحد من الأبدال، فأبو اسحاق النيسبوري،.([25]) .
(15) ذو النون المصري: ت 246هـ: قال المرزوي: دخلت على ذي النون أيام محنته وهو في السجن فقال لي: أي شيء حال سيدنا؟- يعني أحمد بن حنبل، وقال الإمام أحمد لذي النون، لما سُمّي يحيى بن الجلاء بابن الجلاء، فقال: سميناه بذلك، لأنه إذا تكلم جلا قلوبنا. ([26]) .
(16) موسى الجصاص: ت 251هـ: قال الخطيب البغدادي عنه: (ورع متخل كان لا يحدث إلا بمسائل أبي عبد الله أحمد بن حنبل وشيء سمعه من أبي سليمان الداراني، وقال غيره: هو من قدماء أصحاب الإمام أحمد: كان ذا زهد وورع وتأله. ([27]) .
(17) زكريا الهروي: ت 255هـ: قال الذهبي والجامي: هو من كبار مشايخ الصوفية وورعيهم، وكان أحمد بن حنبل يرفع من محله ويقول عنه: هو من الأبدال.
(18) فتح بن شخرف: ت 273هـ: كان يقول عنه الإمام أحمد (ما أخرجت خراسان مثله)، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كتب لي الفتح بن شخرف الخراساني: (يقولون: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه والثوري في زمانه، وأنا قلت للحارث المحاسبي: وابن حنبل في زمانه، فقال المحاسبي: نزل بالإمام أحمد ما لم ينزل بغيره. ([28]) .
(19) وكيع بن الجراح: ت 200هـ تقريباً: الكوفي الصوفي المحدث قيل: كان يصوم الدهر، قال أحمد بن حنبل: لو رأيت وكيعاً رأيت عجباً، حج أربعين حجة ورابط في عبادان أربعين ليلة، ولم يتلطخ بالسلطان. ([29]) .
(20) وهناك آخرون كثُر من العارفين لو سردنا أخبارهم هنا لطالت القائمة مثل أيوب الحمال وصفوان بن سليم ويحيى القطان وأحمد بن أبي بدر وإبراهيم النيسبوري وأبو يوسف الغسولي، وغيرهم، كان الإمام أحمد يقول عنهم: هم من خيار عباد الله يستنزل بذكرهم القطر، وما رأت عيناي مثلهم، وكان يطلق على بعضهم صفة الأبدال، أفضلُ ختام لبحثنا هذا: دعاء للإمام أحمد بن حنبل كان يردده في سجوده (اللهم من كان على هوى أو على رأي وهو يظن أنه على الحق وليس هو على الحق، فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد)، قال إبراهيم بن شماس: خاض بالناس فقالوا: إن وقع أمر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فَمَنْ الحجة على وجه الأرض، فاتفقوا كلهم على أن أحمد بن حنبل حجته، عاش الإمام أحمد (77) سنة، ودفن بعد وفاته في مقبرة باب حرب ببغداد، وصلى عليه خلائق لا يحصى عددهم، قال صاحب مختصر طبقات الحنابلة: وقبره ظاهر مشهور يزار ويتبرك به، انتهى ([30]) .
***
المطلب الثاني موقف ابن تيمية من التصوف
جاء في رسالة: ” موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية ومنهجه في الحكم عليهم ” لغنيم غنيم عبد العظيم: – باختصار -:
لم يكن ابن تيمية ممن يؤثر عنه القول ببدعية لفظ الصوفية كما يجنح إلى ذلك كثير من متأخري أهل السنة، فقد قال ابن تيمية أن هذا اللفظ لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، ونُقِلَ التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد وأبي سليمان الداراني وغيرهما، كما رُوِيَ عن سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري وتنازعوا في “المعنى” الذي أضيف إليه الصوفي –فإنه من أسماء النسب كالقرشي، والمدني وأمثال ذلك([31]) . وهذه الدقة في قول ابن تيمية توضح قاعدة التفريق بين شهرة المصطلح وبين وجوده، فالوجود غير الشهرة، وهنا يجب الإشارة أن القول ببدعية هذا الاصطلاح أقل ما يوصف به السطحية، لأن الاصطلاح لا يقف عند القرون الثلاثة المفضلة، فهذه القرون الثلاثة المفضلة المشهور لها بالخيرية لما كانت عليها من منهج وعقيدة، والمشاحة ليست في الاصطلاح، وإنما فيما تحمله من معانٍ، فالاصطلاح إنما يكون من باب التصنيف لا التعبد، وما نشأت اصطلاحات المسلمين إلا في أوقات متأخرة عن عهد النبوة، ولم يقل أحد ببدعيتها، كما أنه يمكن إلزام من قال أن مطلق اللفظ بدعة إلزامه بتبديع السلف الذين تداولوا المصطلح بينهم، فليس بصواب تبديع كل لفظ لم يأت في هذه القرون المفضلة، فكلام ابن تيمية يشير إلى تداول اللفظ ووجوده عند الإمام أحمد والحسن البصري والفضيل والجنيد وغيرهم من أوائل الصوفية، فهم من أئمة السلف، ومن أهل القرون الثلاثة المفضلة، وإقرارهم لوجود الاصطلاح حجة على من أنكره، فلا يمكن تجزءة مذهب السلف بقبول بعضه دون بعض، وقد ساهم ابن تيمية بوضع اصطلاحٍ كان في النفس منه شيء قبل الشروع في هذا البحث، ألا وهو صوفية أهل السنة والحديث، حيث ذكر هذا المصطلح ووصف به الصوفية المتقدمين كالفُضيل وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكَرْخي وأمثالهم قال عنهم: ” صوفية أهل السنة والحديث“، وذلك لأنهم في اعتقادهم وعملهم يؤمنون بما أخبر به الرسول ويَمْتَثلون أمره([32]) . وهذا القول منه يؤكد أنه كأحد أعلام المنهج السلفي لا ينكر الاصطلاح في ذاته، إذ لا مشاحة في ذاته، وإنما فيما يحمله من معانٍ وآراء، فالحكم يدور معها،
الأسماء المختلفة للصوفية واشتقاق المصطلح عند ابن تيمية ونسبته: ومما يؤكد عناية ابن تيمية بالمعنى المراد من الاصطلاح، فقد تتبع الأسماء التي تسمى بها الزهاد الأوائل، وذكر أنه كان لهم أسماء عدة تختلف باختلاف مكانهم، فكانوا يسمون بالشام “الجوعية”، وبالبصرة ” الفقرية ” و ” الفكرية “، ويسمون بخراسان ” المغاربة ” ويسمون أيضا ” الصوفية والفقراء ” ([33]) .
وهذا التعدد في الأسماء يدل على أن انتشار صورا المنهج الصوفي في بقاع الإسلام، مما يدل على أصالة نزعة الزهد لدى المسلمين، كما يدل على أن الأحكام التي تأتي من أحد العلماء كما ورد عن الشافعي في صوفية العراق، إنما تتصل بأهل هذا المصر فحسب، إلا إن صرح بأن ذلك أصل للطائفة ككل، وحينما عرض ابن تيمية مذاهب شتى في اشتقاق التصوف والصوفية ذكر محاولة النسبة إلى صوفة بن مر، والصفاء، والصف المقدم، وأهل الصفة، إلا أن ما ارتضاه هو النسبة للباس الظاهر حيث قال: “واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح “([34]) .
وبين أن الصوفية لم يلزموا أحدا بلباس الصوف، وإنما نسبوا إليه لأنه كان ظاهر حالهم “([35]) .
ومما يلفت النظر انشغال ابن تيمية إلى حد تتبع اصطلاحاته وأوصاف أهله ونشأته، وهو إن دل فإنما يدل على التحقيق في المسائل، وعدم التعجل في إصدار الأحكام، وطول النفس العلمي في التتبع، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا منهج سلفي أصيل ليت من ينتسب إليه أن يتتبعه، ولا يسيء إليه بتعجله، كما نرى فقه ابن تيمية في عدم حكمه على الصوفية الأوائل بالبدعة لأنهم لبسوا الصوف، وفسر أنهم قد لبسوه عفوا لا قصدا للتدين باللباس، وأنهم لم يلزموا أحدا بلباسهم، وهذا يخرجهم من طائل البدع التي جاء بها المتأخرون، فهم لم يتخذوا هذا اللباس دينا، وإنما كان يأخذه أحدهم تخشنا وزهدا في طلب المزيد للدنيا، فيكفيه ما يستر عورته فحسب،
محاولة ابن تيمية لتعريف التصوف والملاحظات عليه: حينما أراد ابن تيمية أن يعرف التصوف كعلم، ذكر بعض المعاني التي تدور حوله، ثم ذكر ما يذهب إليه من خلال ما يعرفه من علومهم وما يعرفه من نواياهم، فعرف ابن تيمية التصوف بأنه حقائق وأحوال معروفة للوصول تهدف في نهاية الطريق إلى صفاء النفس من أجل الوصول لمرتبة الصديقية، وقيل أنه مشتق من “صفا من الكدر وامتلأ من الفكر واستوى عنده الذهب والحجر”، وقيل أنه:”كتمان المعاني وترك الدعاوى”، وهذه المرتبة –الصديقية- هي ما تلي مقام النبوة ” ([36]) .
والملاحظات على محاولة ابن تيمية لتعريف التصوف اشتماله ثلااثة أمور: (الأمر الأول): هو شق الغاية، وهو البحث عن مرتبة الصديقية التي تلي مرتبة النبوة، وهو اعتراف بالمنهج الصحيح للصوفية الأوائل بعدم القول بعلو منزلة الأولياء على الأنبياء، (الأمر الثاني): وهو الشق الوصفي للصوفي، وهو الزهد في الدنيا، والاتصاف بالأخلاق، والفناء الشرعي، (الأمر الثالث): وهو ما يختص بالحكم، فإنه لم يحكم على التصوف أو الصوفية بالبدعة في قول أو فعل من خلال التعريف، ويؤكد ذلك تعليقه بعد عرض هذه الآراء بعد أن عرض اختلاف الناس في التصوف والصوفية بين من ذمهم مطلقا وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة، وبين طائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، ثم بين أن الصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم، فمنهم السابق وفيهم المقتصد، ومنهم من يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومنهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وأنه قد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم: كالحلاج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق، كالجنيد وغيره “([37])
مراتب الصوفية عند ابن تيمية: في بيان ابن تيمية لمراتب الصوفية أنهم ثلاث مراتب: صوفية حقائق، وصوفية أرزاق، وصوفية رسم، الأولى: صوفية الحقائق، وهم أهل الزهد والوارع، الثانية: صوفية الأرزاق، وأما صوفية الأرزاق فهم الذين تم عمل الأوقاف لهم، ولم يشترط لهم العلماء أن يكونوا من أهل الحقائق لأنهم قليلون، فضلا عن أن أهل الحقائق لا يلتزمون بالتواجد في هذه الأوقاف، الثالثة: صوفية الرسم، وهم الذين اقتصروا على اللباس والآداب الوضعية، فهؤلاء بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم ” ([38]) .
كما هو واضح: فإن ابن تيمية يفرق بين هذه المراتب بعضها البعض، فأعلاها المرتبة الأولى وهم أهل الحقائق، وأدناها أهل الرسم الذين يحاولون التشبه بأهل الحقائق، أهل الزهد والأخلاق، وليسوا منهم، كما أن الواضح من كلام ابن تيمية أنه يقر الصنفين الأول والثاني دون الثالث، وإقراره للصنف الثاني ليس معناه جواز ترك العمل والعكوف للعبادة فحسب، فقد رد هذا المبدأ حينما نفى أن يكون أصل الصوفية هم أهل الصفة كما مر معنا.
قول الشيخ في الأصل الذي يرجع إليه التصوف في الدين: ذهب ابن تيمية إلى أن الزهد والعبادة هما أصل التصوف لأن أهل البصرة كانوا أهل عبادة، وأنهم إنما نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهي لباس الصوف فقيل في أحدهم: ” صوفي “، إلا أن هذا اللباس كان زهدا منهم في الدنيا، ولما يلزموا به أحدا، ولا علقوا الأمر به، وإنما أضيفوا إليه لكونه ظاهر حالهم ” ([39]) .
ويوضح ابن تيمية أن من الصوفية من كان مشتغلا بالعلم والفقه كما كان منشغلا بالعبادة، ووضح ابن تيمية أن “الزهد ” المشروع ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع بل ترك الفضول التي تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع، وكذلك في أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ ” الصوفي “، لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد ومن قال إن الصوفي نسبة إلى الصفة أو الصفا أو الصف الأول أو صوفة بن بشر بن أد بن طانجة أو صوفة القفا، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى “([40]) .
ومعنى أن الصوف يكثر في الزهاد أنه يلبسه الزهاد وغيرهم، كما أن من الزهاد من لا يلبسه ويعتبره من الرياء، وقد ورد ذلك في أقوال أكابر الصوفية في النقد الذاتي للتصوف،
كلام الشيخ في تقيد علم الصوفية بالكتاب والسنة، كان ابن تيمية دائما ما يذكر تقيد علم الصوفية بالكتاب والسنة، وكان يستشهد بكلام الشيخ أبي سليمان الداراني في عدم قبول ما يقع في قلبه إلا بشاهدين هما الكتاب والسنة، وكان يستشهد بقول أبي القاسم الجنيد رحمه الله عليه أن علم الصوفية مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث، لا يصلح له أن يتكلم في التصوف ولا يقتدى به، وينقل عن أبي عثمان النيسابوري قوله أن من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا، نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم: {وإن تطيعوه تهتدوا}، وقول أبو عمر بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ” ([41]) .
فليس كل من انتسب للتصوف صار قوله هو قول الصوفية، فما كان موافقا للكتاب والسنة فهو مقبول، وإلا فهو مردود، لأن الهداية كلها في نصوص الوحي، فالمعتبر عن العارفين بالله المذكوريين في كون معيار الولاية الشرعية هو لزوم الكتاب والسنة، لذلك أبان ابن تيمية أن الصوفية المعيارية هي ما تقيدت بالكتاب والسنة، والمراد بالمعيارية ما يقاس عليه غيرها، والتي تؤدي لمنهج السلف، وأن من خالف ذلك فهو ضال زنديق ليس من أهل الطريق، لأنه ما من سالك للطريق يستغنى عما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يخالفه في أمره ”
ومن زعم حصول العلم بغير هذا الطريق فهو عندهم ضال زنديق، لأنه لا يجوز قط أن يستغني سالك عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم “([42]) . وقد نقل ابن تيمية أمر الصوفية بالعلم، والحكم بزندقة من أنكر سبيله، فإن كبار ْمَشَايِخ الصُّوفِيَّة أوصوا به ” ([43]) . اتفقوا على وجوب تعلم العلم الشرعي والنظر والاعتبار بما في المخلوقات من الآيات، وأنهم أعظم تجردًا من أهل الكلام والفقه،وقد أنكر ابن تيمية قول بعضهم أن مجرد ترك الشهوات والتجرد المحض يوجب معرفة الحقائق من معرفة ما جاءت به الرسل ومن غير نظر في ذلك وتدبر فهذا ليس طريق القوم الذين لهم في الأمة لسان صدق ولهذا وصيتهم بالعلم الشرعي والمحافظة عليه في الأصول الخبرية وفي الأعمال أعظم من أن يذكر هنا “([44]) . [انظر بيان تلبيس الجهمية (2: 179)]، وقد ذكر ابن تيمية عن السري السقطي أن واحداً منهم دخل عليه فلما رأى عنده محبرة وقلما خرج ولم يجلس عنده، ولهذا أوصى سهل التستري الصوفية ألا يفارقوا المحبرة والأوراق لطلب العلك، لأن مفارقتهم زندقة، وذكر الشيخ قول الجنيد: علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن ” ([45]) .
اعتراف ابن تيمية بصيانة أئمة الصوفية الأوائل طريقتهم من البدع بالعلم: حينما أراد ابن تيمية بيان صيانة الصوفية الأوائل مذهبهم من البدع والمحدثات استدل بقول القشيرى رَحمَه الله: “اعلموا أَن شُيُوخ هَذِه الطَّائِفَة بنوا قَوَاعِد أَمرهم على أصُول صَحِيحَة فِي التَّوْحِيد صانوا بهَا عقائدهم عَن الْبدع ودانوا بِمَا وجدوا عَلَيْهِ من السّلف وَأهل السّنة من تَوْحِيد لَيْسَ فِيهِ تَمْثِيل وَلَا تَعْطِيل”، ثم علق ابن تيمية على قول القشيري بأنه كلام أئمة السلف والصوفية “([46]) . وهذا دليل على أن هذه الأمور من المجمع عليها، وليس ذلك هو مناط الصيانة للمذهب فحسب، وإنما كان العلم المقتضي للصراط المستقيم وعدم الحيد عنه، لذلك أشار ابن تيمية إلى أن منهج الصوفية الأوائل هو اتباع العلم المشروع، وذلك بخلاف المنحرفين المغرضين المعرضين عن العلم والعمل، وهؤلاء هم المنحرفون الموافقين لعقيدة اليهود والنصارى “([47]) .
الاستدلال بمنهجهم والنقل عنهم في بيان عقيدته لأهل الأمصار: وقد كان من منهج ابن تيمية في تصانيفه لأهل الأمصار لبيان عقيدته الاستشهاد بالصوفية الأوائل، مما يعني أنهم حجة له ولمخالفيه، ويرى أنهم أصحاب علم مستقل يسمى التصوف، وأن فهمهم ومنهجهم موافق لما عليه سلف الأمة، يقول ابن تيمية في مسألة المحبة وتأويلها: “وَالَّذِي عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها وَأهل السّنة والْحَدِيث وَجَمِيع مَشَايِخ الدّين وأئمة التصوف أَن الله مَحْبُوب لذاته محبَّة حَقِيقَة بل هِيَ أكمل محبَّة فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى الْبَقَرَة وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله “([48]) . والمراد بأئمة التصوف في قول ابن تيمية هم المتقدمين منهم الذين كانوا أئمة من أئمة السلف، ليس المقصود منهم المبتدعة والمتفلسفين ومن خالفوا منهج السلف في العقائد والأعمال، وهذا يرد على من يستدل بأقوال ابن تيمية في التوثيق المطلق للصوفية المتقدمين عنه، فالشيخ كانت وفاته في القرن الثامن عام 728هـ، وإلى هذه السنة قد مر التصوف بمراحله كلها، إلا أن مرحلته الأخيرة التي هي الطرقية التي مازالت مستمرة إلى الآن، فالمدح الصادر من ابن تيمية إنما كان في الصوفية الأوائل الذين كانوا على منهج السلف ومن تابعهم في هذا المنهح، وليس في المتأخرين منهم.
اعتماد ابن تيمية لعلوم الصوفية والثناء عليها: (أولا: التفسير الإشاري): لقد كان ابن تيمية على دراية بما أسهم به الصوفية الأوائل من علوم، فكان مما أشار إليه ابن تيمية من جهودهم ما صنفوه في علم التفسير، والذي علاف بالتفسير الإشاري، وليس المراد هنا التفسير الباطني الذي قام به الصوفية الباطنية، فقد صنف ابن تيمية الصوفية الباطنية مع طوائف الباطنية بقوله: “والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية “([49]) . وإنما المراد التفسير الإشاري الذي يكون المراد فيه من باب القياس، فقد كان التفسير من جملة علوم الصوفية التي أبدع الصوفية فيها، كقول بعض الصوفية مثلا في تأويل قوله تعالى: “اذهب إلى فرعون إنه طغى” هو القلب، وفي تأويل قوله تعالى: “إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة”، هي النفس، وأمثال ذلك، مما يكون معناه صحيحا وإن لم يكن هو المراد باللفظ الظاهر، وهو الأكثر في إشارات الصوفية “([50]) . ولا يعد هذا التفسير الإشاري تفسيرا لظاهر النصوص، بل يجعل من باب الاعتبار والقياس وهذه طريقة صحيحة علمية كما في قوله تعالى “لا يمسه إلا المطهرون”، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب”، فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون، فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة وإذا كان الملك لا يدخل بيتا فيه كلب فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبا فيه أخلاق الكلاب المذمومة ولا تنزل الملائكة على هؤلاء ” ([51]) .
(ثانيا): كتب الرقائق والآداب وأعمال القلوب: وحينما سُئِلَ ابن تيمية عن كتابي قوت القلوب والإحياء، أجاب أن كتاب قوت القلوب به من أعمال القلوب أمور جيدة، أثنى على مادته خاصة ما بها من أعمال القلوب، وبين أن صاحبه من أهل الحديث، وأنه أعلم بكلام الصوفية وغيرهم من الغزالي، وأن كلامه أجود تحقيقا وأبعد عن البدعة، إلا أن به أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة “([52]) .
اعتماد ابن تيمية للصوفية كنوع ثالث للعلماء: ومما أشار إليه ابن تيمية اعتماد الصوفية كنوع مستقل من العلماء، فحينما أشار إلى وجود الصحيح والضعيف في كتب الفقه، أشار لمثله في نوع آخر من الكتب أسماه “كتب الرَّقَائِق والتصوف”، وأشار إلى أن المصنفين قد يكونُونَ أَئِمَّة فِي الْفِقْه أَوْ التصوف اَوْ الحَدِيث، ثم أخذ يعرض وجهات النظر في رواية الأحاديث المكذوبة “([53]) . والشاهد من كلام ابن تيمية اعتباره أن هناك نوع معين من العلوم يدعى التصوف، وأن هذا العلم له أئمة، وهذا العلم هدفه الرقائق والأخلاق وأعمال القلوب، وعنوان الرقائق هو من باب عطف الخاص على العام، وهو أمر مباح لما للخاص من أهمية، فهو كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]،
إتباع منهج العدل والإنصاف في الحكم على المخالف: أبان ابن تيمية أن العلماء الذين أخطأوا في الحكم على الصوفية صنفان: الأول: طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة،الثاني: طائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء،ثم أبان ابن تيمية حكمه في كلا الموقفين بقوله أن كلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كغيرهم، ففيهم السابق، وفيهم المقتصد، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه “([54]) . وتطبيقا لهذا المنهج فقد قال ابن تيمية في القشيري أن ما كتبه فيه حق وباطل، وفيه نقص عن طريقة السلف، وفيه كلمات مجملة، وأحاديث ضعيفة، إلا أنه لا يجوز رفع التصوف فوق شأنه مطلقا أو ذمه مطلقا، موضح أن العدل والإنصاف أولى في الحكم، وكان ذلك سبب كتابته لكتاب الاستقامة، حتى يقف ويبين سبيل الأمة الوسط في الحكم على التصوف، وبيان طريقه الصحيح، وأن الوسطية ليست أن يرفع التصوف فوق قدره، أو أن يحط من قدره ” ([55]) . وهذا العدل والإنصاف من ابن تيمية رغم ما رآه من صوفية عصره، وعداوتهم الظاهرة له، والمناظرات التي عقدت بينهم، خاصة الطائفة الأحمدية، وابن عطاء الله السكندري، وكونهم سببا في سجنه عدة مرات، إلا أن ذلك لم يدفعه أن يظلمهم ويحكم عليهم حكما واحدا عاما، وإنما الحكم على الأشخاص يتطلب الورع والتجرد لله، وغايته النصح للمسلمين، فكما أنه كان شديدا على أهل الأهواء الذين ضلوا وأضلوا، إلا أنه كان منصفا مع الأوائل منهم،وهذا الإنصاف معهم في تأويل كلامهم وحمله على الحسن منه، والتأول لهم في بعض المواطن كان جليا في بعض المواطن، نذكر منها:
(الأول): تفسير ابن تيمية للتوحيد عند الجنيد: ومما ذهب إليه ابن تيمية حينما حكى كلام الجنيد عن التوحيد أنه إفراد القدم من الحدث، فقال: ” قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَال والمحق يحملهُ محملًا حسنا وَغير المحق يدْخل فِيهِ أَشْيَاء ” ([56]) . وهذا معناه أنه لا بد من حمل الكلام محملا حسنا، وأنه ليس من الإنصاف إدخال أمور أخرى فيه، والمحمل الحسن ليس هو المحمل الشرعي الذي يوافق الدين، وإنما ما يوافق غالب كلام الشخص كما سيتبين بعد.
(الثاني): مسألة السماع الصوفي عند المتقدمين: ويقول ابن تيمية أَن الْكَلَام الْمُجْمل من كَلَامهم لا بد أن يحمل على مَا يناسب سَائِر كَلَامهم “([57]) . فقد تأول ابن تيمية للصوفية الأوائل في بعض ما صدر منهم كمسألة السماع، وقال أن هذه المسألة لم تكن في القرون الثلاثة المفضلة، فلم يجْتَمع على هَذَا السماع الْمُحدث ولا كان هناك من أحدٍ يمزق ثِيَابه وَلَا يرقص فِي سَماع، بل لما حدث التغبير بالعراق فِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّانِيَة وَكَانَ أَهله من خِيَار الصُّوفِيَّة، وتكلم عنه الشافعي ووصفه بالبدعة قائلا: خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثته الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن، قال فيه ابن تيمية أنهم متأولين، وأنهم من أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وَالصَّلَاح، وأن حسناتهم قد غمرت مَا كَانَ لَهُم من السَّيِّئَات أَو الْخَطَأ، ” ([58]) .
مراعاة انطباق الشروط وانتفاء الموانع في الحكم على الصوفية: حينما تكلم ابن تيمية عن السكر الصوفي والجذب، فرق بين ما هو حاصل بسبب مشروع كتلاوة القرآن، وبين ما يحصل بسبب غير مشروع، كمن بتناول الحشيشة أو الخمر، فشتان بين من لم يصدر منه تفريط أو عدوان، وإن صدر عنه فلا ذنب له فيه، كمن سمع القرآن السماع الشرعي ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك، وكذلك ما يرد على القلوب من السكر والفناء وما يغيب العقل بغير اختيار، فإنه إذا لم يكن السبب محظورا لم يكن السكران مذموما بل معذورا فإن السكران بلا تمييز، أما إن حصل بتناول السكر من الخمر والحشيشة فإنه يحرم بلا نزاع بين المسلمين، وإن استحل السكر فهو كافر “([59]) . [انظر مجموع الفتاوى (11: 10)]، ويقول أيضا في بعض الشطحات الواردة عنهم أنها قد تكون من السكر والغيبة التي ينتج عنها وجد دون تمييز فينتج عنه بعض الفناء، والتي قد ينتج عنه الشطح كالقول الذي صدر من أبي يزيد البسطامي حين قال: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، ثم علق ابن تيمية على ضابط الحكم على ذلك بقوله أن كلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى، وأما إن كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني، فسكر الأجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور وسكر الأرواح بالأصوات ” ([60]) . وهذا ضابط هام في التفريق بين من يجد حلاوة الإيمان التي قد تصل للنشوة، والتأثر بالنصوص والعيش معها، فيبكي في مواضع العذاب والجحيم، ويستبشر في مواضع الثواب والنعيم، و النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في رفع القلم عن هؤلاء: “رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ ” ([61]) . ومن هذه الضوابط التي أخذها ابن تيمية مراعاة قصد المتكلم، فحينما أراد ابن تيمية شرح مفهوم الحلول، فرق بين القصد وعدمه، فقد وضح ابن تيمية أن لفظ الحلول قد يراد به حلول الشيء ذاته تارة كعقيدة الحلول عند النصارى، وحلول معرفته ومحبته تارة، كقول الواحد منا “أنت ساكن في قلبي”، فهو كقول العامة، ولم يفهم أحد من الكلام أن الله حال فيه، فهو كما يقال أن الله في قلوب العارفين، وكما يقال: إِنَّ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ، ليس المراد أنه حَالٌّ فِيهِ، وبِهَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، وفلان مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ)) ([62]) . ويمكن أن يستدل هنا بعض الباحثين أن ابن تيمية قد تساهل معهم، لأن هؤلاء الصوفية قد تكلموا حال صحوهم، ووجدهم، ولم نجد لهم إنكارا لتلك الشطحات حال صحوهم، والرد على ذلك أننا نرد على تأويل الشطح، وليس ثبوت ما يخالفه عمن وقع منه ذلك، ولا يمكن أن نطلب تأويلا لكل حادثة بعينها، لأنهم صنفوا في ضوابط هذا الشطح، وإنما نقول أن لازم المذهب ليس بمذهب ما لم يلتزمه صاحبه، فمتى التزمه حال صحوه وقال به فهنا يثبت الحكم.
حمل المجمل على الغالب والمفصل من كلام القوم: كان من منهج ابن تيمية في تأويل مقالات العلماء بحملها على المحمل الحسن، يقول ابن تيمية: “قَالَ أَبُو الْقَاسِم عرفُوا مَا هُوَ حق الْقدَم وتحققوا بِمَا هُوَ نعت الْمَوْجُود عَن الْعَدَم وَكَذَلِكَ قَالَ سيد هَذِه الطَّائِفَة الْجُنَيْد رَضِي الله عَنهُ التَّوْحِيد إِفْرَاد الْقدَم من الْحَدث، قلت هَذَا الْكَلَام فِيهِ إِجْمَال والمحق يحملهُ محملًا حسنا وَغير المحق يدْخل فِيهِ أَشْيَاء “([63]) . والمحمل الحسن هنا ليس توجيهه إلى ما يوافق الشرع، وإنما توجيهه إلى ما يوافق مذهبه، لأن قد يكون في نسبة الأقوال المجملة للشرع ما لا يكون مراد المتكلم في الأصل، وإنما يُعلَمُ مرادُ المتكلم من تفصيله وما يوافق غالب كلامه، وليس من الإنصاف توجيه أصحاب المقالات الباطلة بما يوافق الشرع، لذلك يقول ابن تيمية في منهجه في توجيه كلام أهل المقالات: ” الْكَلَام الْمُجْمل من كَلَامهم يحمل على مَا ينْسب سَائِر كَلَامهم ” ([64]) . وهذه القاعدة عامة في فهم النصوص، فإنه متى أشكل نص بإجماله وجب البحث في تفصيله، ولا شك من منفعة بيان الإجمال، والأوجه التي يحتملها النص، خاصة إن اشتمل على أوجه فاسدة، فإن العالم مطالب ببيان الحق دون تسرع في الحكم، وبإنصاف، ولا ينشغل بالحكم على الناس في البداية،
اعتبار المصطلح الصوفي من معجم الصوفية وأنه لا مشاحة في الاصطلاح: هناك من أنكر على الصوفية أن يكون لهم معجمهم الخاص كأهل كل فن، فكما أن لأهل الأصول معجمهم، فلأهل الفلسفة معجمهم، لذلك نجد أن الواجب عند الأصوليين غير الواجب عند الفلاسفة، فلا يوجد ما يمنع أن يكون للصوفية كأصحاب علم أن يكون لهم معجمهم الخاص، وهذا ما ذكره ابن تيمية عند شرحه لمصطلح الفقر في الكتاب والسنة، فذكر أن الفقر المراد فيهما هو المضاد للغنى، والذي منه المسوغ لأخذ الزكاة، وضده الغنى المانع لأخذ الزكاة، قال تعالى: فقال في الأولى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}([65]) . ثم أوضح أنه لما كان جنس الزهد في الفقراء أغلب، صار الفقر في اصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد، فإذا قيل: هذا فيه فقرلم يرد به عدم المال، إنما يراد به ما يراد باسم الصوفي من المعارف والأحوال والأخلاق والآداب ونحو ذلك ” ([66]) . وفي ذلك إقرار لمصطلح الصوفي المشتق من التصوف، وأن الإشكال ليس في التسمية، وإنما في المعنى الواقف وراءه، كما استخدام ابن تيمية المعجم الصوفي مقرا له، فكان يصف علماء الصوفية المبرزون بالقطب، والعارف، فقد وصف الجيلي بأنه قطب العارفين “([67]) . وقد ذكر ابن تيمية تأصيلا لهذه القاعدة، وردا على بعض الصوفية الذين يقولون أن الله يرى بالأعين في الدنيا مستدلين بأقوال لاوائل لصوفية: “واعلم أن ألفاظ الصوفية وعلومهم تختلف، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم، ومرموزات وإشارات تجرى فيما بينهم، فمن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه، رجع عنهم خاسئًا وهو حسير ” ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد، فقال: كثير ما يقولون: رأيت الله، وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: رأيت الله ثم عبدته، فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تره العيون بتحديد العيان، ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان ” ([68]) . وقد استخدم ابن تيمية ألفاظ الصوفية، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، والعبرة بما تحمله تلك المعاني، بذلك يقول في مقدمته لكتاب أمراض القلوب وشفاؤها عن سبب تأليفه، فكان مما ذكره من الألفاظ: “المقامات” و”الأحوال”، وأنها من أصول الايمان، ومن هذه المقامات والأحوال محبة الله ورسوله والتوكل والإخلاص والشكر والصبر والخوف والرجاء “([69]) . وقال أيضا الاحتجاج بمصطلحاتهم حينما تكلم ابن تيمية عن الإرجاء، فقال أن الصوفية يدخلون أعمال القلوب التي يسمونها أحوالاً ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه، فهو من الإيمان المستحب، فالأول لابد لكل مؤمن منه، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين ” ([70]) . والشاهد من كلام ابن تيمية أن من لم يفهم مراد الصوفية لتقصير عن فهم مفرداتهم، فحتما سيسيء الحكم عليهم، وإساءة الحكم عليهم دليل على التقصير في طلب الفهم، وانعدام المنهج العلمي في التأويل، وإساءة ظن بالآخرين.
التمييز بين أئمة الصوفية المعتدلين وبين أتباعهم الغالين فيهم من بعدهم: كان من منهج ابن تيمية التفريق بين أئمة التصوف المعتدلين وأتباعهم الذين غلوا فيهم، فإن الغلو قد حصل في الأنبياء، والصالحين، ولا يضرهم هذا الغلو بشيء لأنهم لم يأمروا به، ولم يشهدوه ليقروه، لذلك حينما كان ابن تيمية يتكلم عن فرق الصوفية وجماعتهم، يفرق بين ما وصلوا إليه من انحراف، وما كان عليه إمامهم الذي ينتسبون إليه، فحينما تكلم عن عدي بن مسافر بن صخر وصفه بالصلاح، وأن له أتباع صالحون، إلا أن من أصحابه من غلا فيه إلى حد الكفر “([71]) . وهذا التفريق يمكن أن يوجد في شيء منه في قاعدة العدل والإنصاف، والتفريق بين المتقدمين والمتأخرين، إلا أنه يضيف بعدا آخر في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، وعدم مسؤولية المتقدمين عما صنعه أتباعهم، فلا ينبغي أن نظن أن الرفاعي كان على ما عليه الرفاعية، أو أن عبد القادر الجيلاني كان على ما كان عليه القادرية، وهو يشابه انتساب الأشاعرة للإمام الأشعري رغم مخالفتهم لما استقرت عقيدته عليه،
التفريق بين المجتهد والمقصر في طلب الحق: ومن قواعد الشريعة الإسلامية أن المجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، وهذا القول هو ما طبقه ابن تيمية على الصوفية حينما أراد إنزال الأحكام عليهم فقال: “فالمجتهِدُ الْمَحْضُ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَأْجُورٌ، وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَحْضِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذَابِ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْ شُبْهَةٍ وَهُوَ مُسِيءٌ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ وَبِحَسَبِ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى فِقْهٍ أَوْ تَصَوُّفٍ مُبْتَلُونَ بِذَلِكَ “([72]) . ومن هنا وجب البحث عما كان الرجل مجتهدا في طلب الحق، أم أنه مقلد للتقليد الأعمى، مقصر في طلب العلم، عاملا بما لم يعلم، والكتاب والسنة يحثان على طلب العلم قبل القول والعمل، ومن هنا نلتمس لهم الزلات، ونغفر لهم العثرات، لكننا نردها ونبين عوارها، وهذا هو الحق المبين في هذه المسألة والله أعلم،
تحقيق ابن تيمية في الغشيان والسكر والوجد الصوفي: فقد بين ابن تيمية أن هذا السكر الصوفي لم يكن حال الصحابة، وأنه تكلم به طائفة من متأخري الصوفية الذين كان يحصل لهم نوع من الوجد والذوق، مع سقوط التمييز والعقل مع حصول اللذة الناتجة عن الخشية، وقد يكون عن العجز عن الإدراك المفرط للعظمة التي تجلت للإنسان، كما حدث لموسى عليه السلام، كما علق على الضابط لمشروعية هذا الفناء، وبيان المشروع منه من الممنوع بقوله: “يحمد مَا فِيهَا من الامور المحمودة الايمانية من ذوق اَوْ وجد ايماني مَشْرُوع اَوْ محبَّة ايمانية اوخشية ايمانية وَلَا يحمد مِنْهَا مَا زَاد على الْمُسْتَحبّ وَمَا شغل عَن مَا هُوَ احب مِنْهُ،ويذم مِنْهَا مَا تضمن ترك وَاجِب من علم اَوْ عمل اوفعل محرم ” ([73]) .
ليس ذلك فحسب، بل وأبان ابن تيمية أن المذموم منها قد لا يكون بإرادة العبد، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعا، وفي النهاية استنتج ابن تيمية حُكمَه أنه لا يُذَم بضابط، يقول ابن تيمية: “لَكِن اذا كَانَ المذموم بِغَيْر تَفْرِيط من العَبْد وَلَا عَن عدوان مِنْهُ لم يذم مِنْهُ، وكما ذكرت مثل ذَلِك فِي قاعة المولهين وعقلاء المجانين والمغلوبين فِي احوالهم وَمن يسلم اليه حَاله وَمن لَا يسلم اليه حَاله فَإِن السكر نوع من الْغَلَبَة ويذم من لم يحصل لَهُ من هَذِه الاحوال مَا يجب حُصُوله كَمَا ينقص من عدم مِنْهَا مَا يسْتَحبّ حُصُوله فَهَكَذَا يجب التَّفْصِيل فِي هَذِه الاحوال وَالله اعْلَم ” ([74]) .
تحقيق ابن تيمية لمسألة الفناء الصوفي: وقد فرق ابن تيمية بين المعاني المختلفة للفناء، ووضح أنه الفناء عند الصوفية ثلاثة أمور: الأول: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب بالتوكل وعبادة القلب، فهذا حق صحيح يراد به الفناء عن عبادة الغير ” ([75]) .
الثاني: فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، فهذا الفناء فيه نقص، لأن شهود الحقائق على ما هي عليه هو شهود الرب مدبرا لعباده آمرا بشرائعه أكمل من شهود وجوده أو صفة من صفاته، ولهذا كان الصحابة أكمل شهودا من أن ينقصهم شهود للحق مجملا عن شهوده مفصلا “([76]) .
الثالث: فناء عن وجود السوى، بمعنى أنه يرى أن الله هو الوجود وأنه لا وجود لسواه لا به ولا بغيره وهذا القول والحال للاتحادية الزنادقة من المتأخرين كالبلياني والتلمساني والقونوني ممن قالوا أن الله عين الموجودات، ولا وجود لغيره، وهنا يأتي التفصيل من ابن تيمية بقوله أنهم لو أرادوا قول الله تعالى ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ لكان ذلك هو الشهود الصحيح، أما لو أرادوا أن الله هو عين الموجودات فهذا كفر وضلال، ثم قال ابن تيمية معلقا على هذا التقسيم: ” فتدبر هذا التقسيم فإنه بيان الصراط المستقيم “([77]) .
وهذا التفصيل هو ما نقصده في تقعيد ابن تيمية لهذه القواعد، ليس في الحكم على الصوفية فقط، وإنما لمن طلب الحق غير متعصب لمذهب، وإنما تعصب للحق وحده،
أسباب الخطأ في فهم موقف ابن تيمية من الصوفية في العصر الحديث: (أولا): تصرف بعض المحققين في وضع المقدمات والعناوين التي لا تتناسب مع مذهب ابن تيمية: (1) الشيخ محمد رشاد سالم رحمه الله: فقد وضع الشيخ محمد رشاد سالم رحمه الله عنوانا عاما في “غلو الصوفية” يتنافى مع المتن الذي كتبه ابن تيمية في ذكر بعض الطوائف الصوفية([78]) .
“ [انظر جامع الرسائل لابن تيمية (1: 264-265)]، وبالرجوع للنسخ غير المحققة تبين أن ابن تيمية لم يضع هذا العنوان، وإنما كانت هذه العناوين الجانبية تصرفا من المحقق واجتهادا منه لتيسير فهرسة الكتاب، وهذا يؤكد أن المنهج الذي سار عليه ابن تيمية منهج محكم لا تعميم فيه للأحكام، ولا شك أن الشيخ محمد رشاد سالم رحمه الله لم يكن من أنصار هذا المنهج، وهو من أكثر العلماء خدمة لتراث ابن تيمية، فقد اجتهد في وضع العناوين الجانبية، والتي غالبا ما لا تنفك صياغتها عن الواقع العملي للتصوف.
(2) الأستاذ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي: ففي تحقيقه لكتاب “قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة”، ذكر في مقدمته أن ابن تيمية: “عرف التصوف وما ينطوي عليه من شرور وخرافات وأباطيل واصطلاحات فاسدة ومغالطات تفسد وتدمر الدين والعقل، فثلَّ عروشه ودمر قواعده، وكشف تلك المغالطات بالحجج الواضحة والبراهين الساطعة، “([79]) .
(3) الأستاذ الدكتور ناصر عبد الكريم العقل: في تحقيق الأستاذ الدكتور ناصر عبد الكريم العقل لكتاب “اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم”، ذهب في دراسته للكتاب إلى تعميم الأحكام على الصوفية، ولا يعني ذلك أن ما ذكره من بدع ومحدثات وشركيات ليس بحق، بل هي عين الحق، إلا أن الضبط المنهجي يستلزم التفريق بين المتقدمين والمتأخرين على الرغم من كون منهج المتقدمين يكاد يكون قد انقرض الآن، فذكر أن الصوفية بطرقها الكثيرة، وطقوسها المبتدعة، وشركياتها وأساليبها الشيطانية لا تزال تؤتي ثمارها النكدة، من التفريق بين المسلمين، وجعلهم طرائق قددًا ” ([80]) .
فهذا التعليق العام هو ما يوقع القارئ في التعميم بالأحكام على التصوف ورفض التصوف بإطلاق، ورغم أن الواقع العملي قد يتمشى مع هذا التعميم، إلا أن الواقع العلمي يتنافي معه ويرفضه، خاصة بعدما سبب إشكاليات واتهامات متبادلة بين الطرفين، فسبيل العدل والإنصاف يقتضي بيان الحقائق العلمية، وإلا فلا يجوز لنا أن ننكر قول من ينتقص المنهج السلفي لانحراف بعض المنتسبين إليه علميا أو عمليا، فالعبرة بأصل المنهج، ولا يجوز الحكم عليه بعدم الشرعية أو التبديع المطلق طالما أنه انطلق من أصول صحيحة، وهذا ما ذكره الله جل وعلا بقوله في أصل توحيد النصارى ورصد الانحراف وذم من بدل، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [النساء: 116، 117]، فلا ذنب لعيسى عليه السلام فيما بدله من جاء بعده، فلا يستحق الذم.
(ثانيا): الإجمال في الفتوى من بعض العلماء المجتهدين والجهات الموثوقة في الفتوى التي تنصر فكر ابن تيمية:،، هناك بعض الفتاوى التي خرجت مخرج الحكم المجمل، ومع الثقة في مرجعية هؤلاء العلماء، وذيوع صيتهم في الأمصار، وانتشار مصنفاتهم المقروءة، وتدوين المسموعة، وتتلمذ العديد من العلماء والدعاة على أيديهم، انتشرت هذه الفكرة عن الصوفية كافة، وكان من هؤلاء الأعلام على سبيل المثال بعض المفتين السعوديين، كالشيخ محمد بن إبراهيم آلشيخ رحمه الله، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله [118]، ومن كبار العلماء الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، ومن الجهات العلمية هيئة كبار العلماء، ولا شك أنهم جميعا من العلماء الربانيين بحق، إلا أنه مع متغيرات العصر، وشيوع طلب الفتوى عن طريق الإذاعة، والتي لا تيسر كثيرا من الوقت لتأصيل الإجابة، وأن الإجابة تكون حسب السؤال وواقع السائل، وخاصة مع انتشار الطرق الصوفية في بلاد الإسلام، فصار اسم التصوف لا يذكر إلا مقترنا بالطرقية والغلو،.
(ثالثا): ظهور تيار يحاول إثبات موقف غالي لابن تيمية من المتصوفة: والمقصود بالموقف الغالي أنه ليس الموقف الوسطي الذي قررناه، فهو يعمم الأحكام على كل الصوفية، ولا يثبت الجانب التاريخي لهم، ولا فضل متقدميهم، بل يحمل كل المحدثات والبدع على الصوفية أجمعين، ولا يرى أن للصوفية تاريخا إلا تاريخ بدعهم، وإحداثهم في الشرع، من ذلك عبد الرحمن عبد الخالق حيث يقول في النشأة التاريخية: ” لا يعرف على وجه التحديد من بدأ التصوف في الأمة الإسلامية ومن هو أول متصوف “، ويقول في ابن تيمية أنه كان من أعظم الناس بيانًا لحقيقة التصوف، وتتبعًا لأقوال الزنادقة والملحدين منهم وخاصة ابن عربي، والتلمساني، وابن سبعين، وأنه قد تعقب أقوالهم وفضح باطنهم وحذر الأمة من شرورهم، وأن ابن تيمية كان من أعظم الرجال الذي كشفوا عوار التصوف، وما كتبه ودونه وقام به في هذا الصدد شيء يطول وصفه جدًا “([81]) .
ونحن نشكر له فضله فيما بينه من حقائق وطوام عن متأخري الصوفية في الكتاب المذكور، وفي كتابه الآخر فضائح الصوفية، إلا أننا حينما نذكر موقف العلماء لا يمكن الحكم عليه إلا بعد تحريره وتتبعه، والتفريق كما سبق بين المتقدمين والمتأخرين، وبيان منهجه ورصد التطور التاريخي للمذهب، وإلا كنا على غير المنهج العلمي في البحث.
(رابعا): الصعوبة في قراءة كتب ابن تيمية نفسها والمنهج الانتقائي في البحث: فإن ابن تيمية ابن تيمية يتميز في كتاباته بالموسوعية، لأنه غالبا ما يكتب من الذاكرة، ولم يكن يتيسر له الوقت لمراجعة كتاباته، وضمها وصفها جنبا إلى جنب، وهذا ملاحظ في كتاباته التي غالبا ما نجد التكرار فيها بين المصنفات تارة، وفي المصنف الواحد تارة أخرى، أضف إلى ذلك حجمها الكبير، وطول حجم الفقرات، ولعدم ترتيبها في بعض المواطن، فكل هذه العوامل حينما تتضافر سويا تجعل النظر في مصنفات ابن تيمية لا يتيسر إلا للباحثين الجادين من طلبة العلم، لا من يدخل الكتاب ليبحث عن ضالته، فمتى وجدها خرج من الكتاب بها، وجعل هذه الضالة هي المذهب العام السائد في مصنف العالم أو في مصنفاته، ومع التقصير في طلب العلم، واندفاع الناس إلى عدم التأصيل وطلب العلم من كتب الفتوى التي تقتصر في الردود دون تأصيل، إلا المشتغلين الحقيقيين بالعلم، والمخلصين لدين الله الذين لا يشغلهم أمر الأحكام أكثر مما يعنيهم التدقيق في الوصول إليها، فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه، كل هذه العوامل كان لها الأثر في تحريف موقف ابن تيمية من الصوفية ومنهجه في الحكم عليهم، ولتصحيح الوجهة في الفهم لا بد من إعادة قراءة تراث ابن تيمية بإنصاف وموضوعية، ونشره ليستفيد منه المنتمين له انتماء دون أن يعرفوا تفاصيل آرائه، فالشيخ رحمه الله من أعلام السلف الذين ينبغي أن نقف على آرائهم الحقيقية لنعرف أصالتها، ومدى صلتها بالسلف، ومدى القرب من منهجه أو البعد عنه، فرحم الله الشيخ، وسائر السلف، والله الموفق.
الخاتمة وأهم النتائج: لم يكن ابن تيمية يقول بأن التصوف بدعة، أنه يقول أن أصل التصوف هو الزهد والتعبد، وهو أصل مشروع، أنه كان يدعو للتحقيق فيما ينسب للتصوف من أقوال وأفعال، أن ابن تيمية قد قسم الصوفية إلى طبقتين: المتقدمين، والمتأخرين، فالمتقدمين هم ما كانوا على النقاء في العقائد والأعمال كالفضيل والجنيد، أما المتأخرين فهم من أحدثوا في التصوف وأدخلوا فيه ما ليس منه، أن ابن تيمية كان يعتبر آراء المتقدمين ويحتج بهم، أن ابن تيمية كان يثني على الصوفية الأوائل وأتباعهم، ويصنفهم كنوع ثالث من العلماء، ويثني على علومهم، أن ابن تيمية كان ينطلق في حكمه على الصوفية على قواعد مطردة تقوم على ضوابط الحكم على المعين مع مراعاة العدل والإنصاف، واعتبار المصطلح الصوفي والبحث التاريخي، أن ابن تيمية كان من أشد الناس توقيرا للسلف ولآرائهم دون أن يوصل هذه الآراء إلى التقديس طالما أنها لم يحصل عليها الإجماع، أن هناك العديد من الأسباب التي أدت لتحريف موقف ابن تيمية، منها ما يتصل بالواقع المعاصر لطلب العلم، والإجمال في الفتوى من العلماء الموثوقين والجهات الموثوقة في الفتوى، وبعضها يعود لصعوبة البحث في آراء ابن تيمية لصعوبة الأسلوب مع كم التراث الهائل لديه،([82])
المطلب الثالث أقوال ابن تيمية وبعض تلامذته في التصوف
في مبحث مؤصل للشيخ حسام دمشقي بعنوان: (أقوال ابن تيمية وبعض تلامذته في التصوف): اشتمل على تلك النقاط – باختصار يسير -:
1- شهادة ابن تيمية للتصوف: قال ابن تيمية: “وأول من حمل اسم “: صوفي”: هو أبو هاشم الكوفي، الذي ولد في الكوفة، وأمضى معظم حياته في الشام، وتوفى عام”160ﻫ”، وأول من حدد نظريات التصوف وشرحها هو “: ذو النون المصري”: تلميذ الإمام “: مالك”:، وأول من بوبها ونشرها هو”: الجنيد”: البغدادي: اهـ، (ملحوظة):أبو هاشم الكوفي كان معاصراً للامام المجتهد سفيان الثوري الذي توفي عام 155هـ، قال عنه سفيان الثوري: “: لولا أبو هاشم ما عُرِفت دقائق الرياء، قال ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” “: “أول ما ظهرت الصوفية من البصرة وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد وعبد الواحد من أصحاب الحسن وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار ولهذا كان يقال فقه كوفي وعبادة بصرية: ([83]) .
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى : وعبد الواحد بن زيد وأن كان مستضعفاً في الرواية إلا أن العلماء لا يشكون في ولايته وصلاحه ولا يلتفتون إلى قول الجوزجاني فأنه متعنت كما هو مشهور عنه:،وذكر ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: “أن عبدالواحد ابن زيد من أولياء الرحمن: !!،، ([84]) .
2- تعريف الصوفي عند ابن تيمية: في ” مجموع الفـتاوى: “هو ـ أي الصوفي ـ في الحقيقة نوع من الصديقين فهو الصديق الذي اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذي اجتهدوا فيه فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال: صديقو العلماء وصديقو الأمراء فهو أخص من الصديق المطلق ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين أنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة أنهم صديقون أيضاً كل بحسب الطريق الذي سلكه من طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده وقد يكونون من أجلّ الصديقين بحسب زمانهم فهم من أكمل صديقي زمانهم والصديق من العصر الأول أكمل منه والصديقون درجات وأنواع ولهذا يوجد لكل منهم صنف من الأحوال والعبادات حققه وأحكمه وغلب عليه وإن كان غيره في غير ذلك الصنف أكمل منه وأفضل منه: ([85]) .
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “”: “وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والاثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة اتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه “،([86]) .
- التصوف تكلم به الإمام أحمد ابن حنبل وسفيان الثوري والداراني وغيرهم: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “” ” أما لفظ الصوفية فانه لم يكن مشهورا فى القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام احمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى”،اهـ ([87]) .
ملحوظة: عبارة لم يكن مشهورا لا تنافي انه كان موجود وقال في مجموع الفتاوى “”طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا أنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معرفون به وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه وقد انتسب إليهم من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم “،اه([88]) .
ـ يقول ابن تيمية في هذا الباب الفتاوى “” “لفظ الفقر والتصوف قد أدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله فتلك يؤمر بها، وإن سميت فقرا وتصوفا، لأن الكتاب والسنة إذا دل على استحبابها لم يخرج ذلك بأن تُسمى باسم أخر، كما يدخل في ذلك أعمال القلوب كالتوبة والصبر والشكر والرضا والخوف والرجاء والمحبة والأخلاق المحمودة،” “اهـ،،([89]) .
مجموع فتاوي ابن تيمية – كتاب التصوف “”: “: و «أولياء الله» هم المؤمنون المتقون، سواء سمي أحدهم فقيراً أو صوفياً أو فقيهاً أو عالماً أو تاجراً أو جندياً أو صانعاً أو أميراً أو حاكماً أو غير ذلك”:،” اهـ، ([90]) .
قال ابن تيمية مجموع الفتاوى ” “ثم هم إما قائمون بظاهر الشرع فقط كعموم أهل الحديث والمؤمنين الذين في العلم بمنزلة العباد الظاهرين في العبادة وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به فهم في العلوم كالعارفين من الصوفية الشرعية فهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة وهم أفضل الخلق وأكملهم وأقومهم طريقة والله أعلم” اه ([91]) . قال في ” مجموع الفتاوى ” “وهم يسيرون بالصوفي إلى معنى الصديق وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون:،، ([92]) .
قال في مجموع الفتاوى “: ” فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالا ومقامات أو منازل السائرين الى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب وفيها ما أحبه ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب فالأول لابد لكل مؤمن منه ومن اقتصر عليه فهو من الابرار اصحاب اليمين ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين وذلك مثل حب الله ورسوله بل أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما بل أن يكون الله ورسوله والجهاد فى سبيله أحب إليه من أهله وماله ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين والتوكل على الله وحده دون المخلوقين والإنابة إليه مع خشيته كما قال تعالى هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ومثل الحب فى الله والبغض فى الله والموالاة لله والمعاداة لله” اهـ، ([93]) .
4- ابن تيمية يزكي رجال التصوف ويثني عليهم: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر “الجيلاني:، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم” اهـ،،([94]) . قال ابن تيمية يصف الجنيد وعبد القادر الجيلاني بأنهم أئمة الصوفية في مجموع الفتاوى “: “و أما أئمة الصوفية و المشايخ المشهورون من القدماء مثل الجنيد بن محمد و أتباعه و مثل الشيخ عبد القادر و أمثاله فهؤلاء من أعظم الناس لزوماً للأمر والنهي و توصية بإتباع ذلك، و تحذيرا من المشي مع القدر كما مشى أصاحبهم أولئك و هذا هو الفرق الثاني الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه، والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على إتباع المأمور و ترك المحظور والصبر على المقدور ولا يثبت طريقاً تخالف ذلك أصلا، لا هو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين و يحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر و النهي: اهـ([95]) .
قال ابن تيمية متحدثاً عن الشيخ عبدالقادر الجيلاني: في مجموع الفتاوي قُلْت:”وَلِهَذَا يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ – قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- كَثِيرٌ مِنْ الرِّجَالِ إذَا وَصَلُوا إلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَمْسَكُوا وَأَنَا انْفَتَحَتْ لِي فِيهِ رَوْزَنَةٌ فَنَازَعْتُ أَقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ وَالرَّجُلُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعًا للِقَدَرِ لَا مُوَافِقًا لَهُ وَهُوَ – رضي الله عنه – كَانَ يُعَظِّمُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَيُوصِي بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَر([96]) .
: قال ابن تيميه في مجموع الفتاوى “” “والشيخ عبد القادر من أعظم شيوخ زمانه أمرا بالتزام الشرع والأمر والنهى وتقديمه على الذوق، ومن أعظم المشائخ أمرا بترك الهوى والإرادة النفسية:، ([97]) .
مجموع فتاوي ابن تيمية “”والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال، وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك، وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى”،” اهـ،([98]) .
قال ابن تيميه في كتابه ” الفرقان ” متحدثاً عن الإمام الجنيد ما نصه: “فان الجنيد قدس الله روحه من أئمة الهدى: ([99]) .
،قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “”: “فمن سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف و المعرفة كان قد اهتدى و نجا و سعد،([100]) .
5- ابن تيمية يصف أعلام التصوف ورجاله ” بمشايخ الاسلام وأئمة الهدى”: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوي ” أنهمْ مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الَّذيْن جعلَ اللّهُ تعالَى لهم لسْان صدق في الأمةِ، مثْلَ سعْيد بنُ المسيبِ، والحسْن البصريِّ، وعمرْ بنُ عبد العزيز، ومالْك بنُ أنسْ، والأوزاعي، وإبراهيْم بنْ أدهم، وسفْيان الثوري، والفضيّل بنُ عياض، ومعروف الكرّخْي، والشافعي، وأبي سليْمان، وأحمد بنَ حنبل، وبشرُ الحافي، وعبد اللّهِ بنُ المبارك، وشقيّق البلّخِي، ومن لا يحصَّى كثرة، إلى مثْلَ المتأخرينَ: مثْلَ الجنيد بن محمد القواريري، وسهَلْ بنُ عبد اللّهِ التسْتري، وعمرُ بنُ عثمان المكي، ومن بعدهم ـ إلى أبي طالبَ المكي إلى مثْل الشيْخ عبد القادرِ الكيلاني، والشّيْخ عدّي، والشيْخ أبي البيْان، والشيخ أبي مدين، والشيخ عقيل، والشيخ أبي الوفاء، والشيخ رسلان، والشيخ عبد الرحيم، والشيخ عبد الله اليونيني، والشيخ القرشي، وأمثال هؤلاء المشايخ الذين كانوا بالحجْازِ والشّام والعرْاق، ومصْر والمغرْب وخرّاسْان، من الأوليْنِ والآخريْنِ:،” اهـ،([101]) .
“مجموع فتاوى ابن تيمية – كتاب السلوك – فصل في تزكية النفس” “وكذلك ما ذكره معلقا قال: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوةً إلا بالله، فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء، فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليماً وتأديبا وتقويما ـ وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا، فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالاً ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه،”: اهـ،([102]) .
6– ابن تيمية يمتدح الذين صنفهم ابو عبد الرحمن السلمي بأنهم اولياء صالحين: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “وكذلك ممن صنف في التصوف و الزهد جعل الاصل ما ورد عن متأخري الزهاد واعرض عن طريق الصحابة والتابعين كما فعل صاحب الرسالة ابو القاسم القشيري وأبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي وابن خميس الموصلي في مناقب الابرار وابو عبد الرحمن السلمى في تاريخ الصوفية لكن ابو عبد الرحمن صنف ايضا سير السلف من الاولياء والصالحين وسير الصالحين من السلف كما صنف فى سير الصالحين من الخلف ونحوهم من ذكرهم لاخبار اهل الزهد والاحوال من بعد القرون الثلاثة من عند ابراهيم بن ادهم والفضيل بن عياض وابي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ومن بعدهم واعراضهم هم عن حال الصحابة والتابعين الذين نطق الكتاب والسنة بمدحهم والثناء عليهم والرضوان عنهم”،([103]) .
7- ابن تيمية يقول ان للصوفية الفاظ ومصطلحات لا يعرفها غيرهم: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “”وأعلم أن لفظ الصوفية وعلومهم تختلف فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم و مرموزات واشارات تجرى فيما بينهم فمن لم يداخلهم على التحقيق ونازل ما هم عليه رجع عنهم وهو خاسئ وحسير ” اهـ،([104]) .
8- أقوال الشيخ ابن تيمية في الصوفية، وهو يشرح بعين الإنصاف الفناء و الأحوال والمقامات التي تمرّ بهم: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوي “”فان الفناء ثلاثة انواع نوع للكاملين من الأنبياء والأولياء ونوع للقاصدين من الاولياء والصالحين ونوع للمنافقين الملحدين فأما الأول فهو الفناء عن ارادة ما سوى الله بحيث لا يحب الا الله ولا يعبد الا اياه ولا يتوكل الا عليه ولا يطلب غيره وهو المعنى الذى يجب ان يقصد بقول الشيخ ابى يزيد حيث قال اريد ان لا اريد الا ما يريد أي المراد المحبوب المرضى وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد ان لا يريد ولا يجب ولا يرضى الا ما اراده الله ورضيه واحبه وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب ولا يجب الا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين وهذا معنى قولهم في قوله الا من أتى الله بقلب سليم قالوا هو السليم مما سوى الله او مما سوى عبادة الله او مما سوى ارادة الله او مما سوى محبة الله فالمعنى واحد وهذا المعنى أن سمى فناء او لم يسم هو اول الاسلام وآخره وباطن الدين وظاهره ” اما النوع الثاني فهو الفناء عن شهود السوى وهذا يحصل لكثير من السالكين فانهم لفرط انجذاب قلوبهم الى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قلوبهم عن ان تشهد غير ما تعبد وترى غير ما تقصد لا يخطر بقلوبهم غير الله بل ولا يشعرون كما قيل في قوله واصبح فؤاد ام موسى فارغا ان كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها قالوا فارغا من كل شيء الا من ذكر موسى وهذا كثير يعرض لمن فقمه أمر من الأمور إما حب وإما خوف واما رجاء يبقى قلبه منصرفا عن كل شيء الا عما قد احبه او خافه او طلبه بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره فإذا قوى على صاحب الفناء هذا فانه يغيب بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته حتى يفنى من لم يكن وهى المخلوقات المعبدة ممن سواه ويبقى من لم يزل وهو الرب تعالى والمراد فناؤها في شهود العبد وذكره وفناؤه عن ان يدركها او يشهدها” اهـ ([105]) .
مجموع فتاوي ابن تيمية – فصل “الفناء”” “”وفي هذا الفناء قد يقول: أنا الحق، أو سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، إذا فني بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، وبمذكور عن ذكره، وبمعروفه عن عرفانه كما يحكون أن رجلاً كان مستغرقا في محبة آخر، فوقع المحبوب في اليم فألقى الآخر نفسه خلفه، فقال ما الذي أوقعك خلفي؟ فقال: غبت بك عني فظننت إنك أني وفي مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان، كما يحصل بسكر الخمر، وسكر عشيق الصور، وكذلك قد يحصل الفناء بحال خوف أو رجاء، كما يحصل بحاله حب فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق ويصدر منه قول أو عمل من جنس أمور السكارى وهي شطحات بعض المشائخ: كقول بعضهم: انصب خيمتي على جهنم، ونحو ذلك من الأقوال والأعمال المخالفة للشرع، وقد يكون صاحبها غير مأثوم، وأن لم يكن فيشبه هذا الباب أمر خفراء العدو من يعين كافرا أو ظالما بحاله ويعلم أنه مغلوب عليه، ويحكم “على: هؤلاء أن أحدهم إذا زال عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليهم فيما يصدر عنهم من الأقوال والأفعال المحرمة بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل والغلبة أمرا محرما،”” اهـ،([106]) .
كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوي الجزء” قال: “قد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع منا الحلول والاتحاد،، لما ورد عليه ما غيب عقله عما سوى محبوبه، ولم يكن ذلك بذنب منه كان معذورًا غير معاقب عليه مادام غير عاقل… وهذا كما يحكى: أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم، فألقى الآخر نفسه خلفه فقال: أنا وقعت، فما الذي أوقعك؟ فقال: غبت بك عني، فظننت أنك أني، فهذه الحال تعتري كثيرً امن أهل المحبة والإرادة في جانب الحق، وفي غير جانبه… فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه، وبمذكوره عن ذكره… فلا يشعر حينئذ بالتميز ولا بوجوده، فقد يقول في هذه الحال: أنا الحق أو سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك “اهـ([107]) .
، وقال ابن تيمية من كتابه”: ” وفي هذا الفناء قد يقول: انا الحق، أو سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، إذا فنى بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، وفي مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان كما يحصل بسكر الخمر وسكر عشق الصور، ويحكم على هؤلاء أن أحدهم إذا زال عقله بسبب غير محرم فلا جناح عليه فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال المحرمة، بخلاف ما إذا كان سبب زوال العقل أمراً محرماً، وكما أنه لا جناح عليهم فلا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم وفعالهم على الصحة، بل هم في الخاصة مثل الغافل والمجنون في التكاليف الظاهرة”،([108]) .
وكذلك قال ايضاً في كتابهَ الاستقامة “ولهذا غلب على كلام العباد الصوفية اهل الارادة والعمل اسم الذوق والسرور والنعمة فالشهوة والارادة والمحبة والطلب ونحو ذلك من الاسماء……،الى ان قال:- ولهذا كان ائمة الهدى ممن يتكلم في العلم والكلام او في العمل والهدى والتصوف يوصون باتباع الكتاب والسنة وينهون عما خرج عن ذلك كما امرهم الله والرسول وكلامهم في ذلك كثير منتشر مثل قول سهل بن عبد الله التستري كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل” اهـ([109]) .
9- ابن تيميه يعترف بالدس في كتب الصوفية: قال ابن تيميه في مجموع فتاوى ابن تيمية قسم التصوف “” ليس أحد من أهل المعرفة بالله، يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات، ولا اتحاده به، “وإِن سُمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب، اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحية، الذين أضلهم الشيطان اهـ،([110]) .
10- ابن تيمية يبرئ الصوفية عن عقيدة الحلول وينسبها لمن تشبه بهم وليس هو منهم: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “” ” ثم الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة لم يكونوا يستحسنون مثل هذا بل ينهون عنه ولهم في الكلام في ذم صحبة الأحداث وفى الرد على أهل الحلول وبيان مباينة الخالق مالا يتسع هذا الموضع لذكره وإنما يستحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر فيتظاهر بدعوى الولاية لله وتحقيق الإيمان والعرفان وهو من شر أهل العداوة لله وأهل النفاق والبهتان والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة والله سبحانه وتعالى أعلم” ([111]) .
11- ابن تيمية يبرئ الصوفية عن الكفر: في مجموع الفتاوى “”على ذلك لم يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين فان هؤلاء يقولون إنهم معصومون من الاقرار على ذلك ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والتفسير والصوفية الذين ليسوا كفارا باتفاق المسلمين”([112]) .
12- ابن تيمية يجيز التبرك وينسبه الي الإمام احمد ابن حنبل: قال ابن تيميّة في كتابه المسمّى اقتضاء الصراط المستقيم،: “فقد رخص أحمد وغيره في التمسح بالمنبر والرمانة التي هي موضع مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ويده:، ([113]) .
13- ابن تيمية يجوز التبرك بالقرآن “الدواية – المحاية” واثار النبي صلى الله عليه وسلم: مجموع فتاوي ابن تيمية: “”واذا كتب شيء من القران أو الذكر في إناء أو لوح ومحي بالماء وغيره، وشرب ذلك فلا بأس به – نص عليه أحمد وغيره، ونقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكتب كلمات من القران والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء وهذا يقتضي أن لذلك بركة،والماء الذي توضا به النبي صلى الله عليه وسلم هو ايضاً ماء مبارك، صب منه على جابر وهو مريض، وكان الصحابة يتبركون به اهـ([114]) .
14- ابن تيمية يجيز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وقال يؤجر عليه الانسان: قال الشيخ ابن تيمية في ” اقتضاء الصراط ” في بحث المولد:””فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط، وليس مقصود أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضا مفسدة كره لأجلها: اهـ([115]) .
15- ابن تيمية يجيز استعمال السبحة ويقول انها سنة ومن فعل الصحابة: مجموع فتاوي ابن تيمية: “وعد التسبيح بالأصبع سنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء سبحن واعتقدن بالإصبع فإنهن مسؤولات مستنطقات: وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن، وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يفعل ذلك، وقد راى النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين تسبح بالحصى، وأقرها على ذلك، وروي أن ابا هريرة كان يسبح به أما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز، ونحوه، فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، واذا احسنت فيها النية فهو حسن غير مكروه: اهـ، ([116]) .
16- ابن تيمية يجيز استعمال السبحة في الصلاة: وفي مجموع الفتاوى أيضا””: سئل عما إذا قرأ القرآن يعد في الصلاة بسبحة هل تبطل صلاته أم لا؟ فأجاب: “إن كان المراد بهذا السؤال أن يعد الآيات أو يعد تكرار السورة الواحدة مثل قوله ” قل هو الله أحد ” بالسبحة فهذا لا بأس به وإن أريد بالسؤال شيء آخر فليبينه والله اعلم “أهـ،([117]) .
17- ابن تيمية يثبت نورية النبي صلى الله عليه وسلم: مجموع فتاوي ابن تيمية: “”وكذلك قوله: “لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين” قيل: النور هو محمد عليه الصلاة والسلام، ([118]) .
18- ابن تيمية يقول بوجود الاقطاب والابدال والنجباء: مجموع فتاوي ابن تيمية في حديثه عن المقارنة بين الملائكة وبني ادم، وقد قالوا: إن علماء الآدميين مع وجود المنافي أحسن وأفضل، ثم هم في الحياة الدنيا وفي الاخرة يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس، واما النفع المتعدي، والنفع للخلق، وتدبير العالم، فقد قالوا: هم تجري ارزاق العباد على أيديهم، وينزلون بالعلوم والوحي، ويحفظون ويمسكون وغير ذلك من أفعال الملائكة، (الجواب): أن صالح البشر لهم مثل ذلك وأكثر منه، ويكفيك من ذلك شفاعة الشافع المشفع في المذنبين، وشفاعته في البشر كي يحاسبوا، وشفاعته لأهل الجنة حتى يدخلوا الجنة، ثم بعد ذلك تقع شفاعة الملائكة، وأين هم من قوله” وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين” “الانبياء 107؟ واين هم من الذين يؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة”: الحشر: 9″؟ وأين هم ممن يدعون الى الهدى ودين الحق، ومن سنة سنة حسنة؟ وأين هم من قوله صلى الله عليه وسلم: إن من امتي من يشفع أكثر من ربيعة ومضر، وأين هم من الاقطاب والاوتاد والاغواث والابدال والنجباء؟: اهـ ([119]) .
19- ابن تيمية يقول بوصول ثواب الاعمال الي الميت: مجموع فتاوي ابن تيمية: وقد سئل إبن تيمية رضي الله عنه عمن هلل سبعين ألف مرة وأهداه للميت يكون براءة للميت من النار ” حديث صحيح؟ أم لا؟ وإذا هلل الإنسان وأهداه إلى الميت يصل إليه ثوابه أم لا؟ فأجاب: إذا هلل الإنسان هكذا: سبعون ألفا أو أقل أو أكثر، وأهديت إليه نفعه الله بذلك وليس هذا حديثا صحيحا ولا ضعيفا، والله أعلم،([120]) .
وفي مجموع الفتاوى ” سئل: عن قراءة أهل الميت تصل إليه والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إذا أهداه إلى الميت يصل إليه ثوابها أم لا؟ فأجاب: يصل إلى الميت قراءة أهله وتسبيحهم وتكبيرهم وسائر ذكرهم لله تعالى إذا أهدوه إلى الميت وصل إليه والله أعلم، ([121]) وكذلك في كتابه مجموع الفتاوى: قال: “وأما القراءة والصدقة وغيرهما من أعمال البر: فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة فى وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق، كما يصل إليه أيضا الدعاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والدعاء عند قبره، وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه… الي ان قال وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم، سواء كان من أقاربه أو غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره” اهـ ([122])
20- ابن تيمية يقول بالبدعة الحسنة: قال ابن تيمية في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله:، أهـ، ([123]) .، وقال ايضا في مجموع فتاويه مسألة الزيارة: “إذًا البدعة الحسنة عند من يقسم البدع إلى حسنة وسيئة لابد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: كل بدعة ضلالة، ويقولُ عمر في التراويح نعمت ِالبدعة هذه، إنما سماها بدعة باعتبار وضع اللغة، فالبدعة في الشرع عند هؤلاء مالم يقم دليل شرعي على استحبابه، ومآل القولين واحد، اهـ، ([124]) .
21- ابن تيمية يتخذ لنفسه وردا وذكرا محدداً وفي وقت محدد: جاء في كتاب: “الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للحافظ عمر بن علي البزار”: » “”وكان قد عرفت عادته، لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر فلا يزال في الذكر يسمع نفسه وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر في تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأْبُه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة، وكنت مدة إقامتي بدمشق ملازمه جل النهار وكثيراً من الليل، وكان يدنيني منه حتى يجلسني إلى جانبه، وكنت أسمع ما يتلو وما يذكر حينئذ، فرأيته يقرأ الفاتحة ويكررها ويقطع ذلك الوقت كله ـ أعني من الفجر إلى ارتفاع الشمس ـ في تكرير تلاوتها، ففكرت في ذلك، لمَ قد لزم هذه السورة دون غيرها؟ فبان لي ــ والله أعلم ــ أن قصده بذلك أن يجمع بتلاوتها حينئذ ما ورد في الأحاديث، وما ذكره العلماء: هل يستحب حينئذ تقديم الأذكار الواردة على تلاوة القرآن أو العكس؟ فرأى رضي الله عنه أن في الفاتحة وتكرارها حينئذ جمعاً بين القولين وتحصيلاً للفضيلتين، وهذا من قوة فطنته وثاقب بصيرته” اهـ ([125]) .
22- ابن تيمية يقول ان الولي الصالح يقول للشيء كن فيكون: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “متحدثا عن الحديث القدسي فقال: وقد جاء في الاثر “يا عبدى أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون يا عبدى انا الحى الذى لا يموت أطعني أجعلك حيا لا تموت “وفى أثر أن المؤمن تأتيه التحف من الله من الحى الذى لا يموت الى الحى الذى لا يموت “فهذه غاية ليس وراءها مرمى كيف لا وهو بالله يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى فلا يقوم لقوته قوة”، اهـ،، ([126]) .
23- كرامات الاولياء ومكاشفاتهم وقدراتهم وتأثيراتهم: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوي” “قال “ومن أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم و المكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات…”اهـ “([127]) .
24- الناس يخبرون بالغيب: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى “””وكذلك إيمانهم بالمعاد والجنة والنار وغير ذلك من أمور الغيب، وكذلك ما يخبر به الناس بعضهم بعضًا من أمور الغيب هو كذلك، بل يشاهدون الأمور ويسمعون الأصوات، وهم متنوعون في الرؤية والسماع، فالواحد منهم يتبين له من حال المشهود ما لم يتبين للآخر، حتى قد يختلفون فيثبت هذا ما لا يثبت الآخر، فكيف فيما أخبروا به من الغيب؟” ([128]) .
25- ابن تيميه وكرامة احياء الموتى: قال ابن تيمية في كتاب النبوات ” قال: “وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما وقع لطائفة من هذه الأمة”،([129]) .
ويقول ايضا مجموع فتاوى ابن تيمية “ج11 ص 281”: ورجل من النخع كان له حمار فمات في الطريق فقال له أصحابه: هلم نتوزع متاعك على رحالنا، فقال لهم: أمهلوني هنيئة، ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا حماره فحمل عليه متاعه([130]) .
، ويقول ابن تيمية أيضاً:مجموع الفتاوى ابن تيمية ” “وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال اللهم لا تجعل لمخلوق عليّ منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال: يابني خذ سرج الفرس فإنه عارية، فأخذ سرجه فمات الفرس، وجاع مرة بالأهواز دعا الله عز وجل واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل الرطب وبقي الثوب عند زوجته زمانا([131])
26- تبرئة ابن تيمية للصوفية: جاء في كتابه ابن تيمية ” بيان تلبيس الجهمية ” ما نصهُ: ” فأما شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل أبي القاسم الجنيد وسهل بن عبدالله التستري وعمرو بن عثمان المكي وأبي العباس ابن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبدالرحمن السلمي وأمثال هؤلاء فحاشا لله أن يكونوا من أهل هذا المذهب بل هم من أبعد الطوائف عن مذهب الجهمية في سلب الصفات … ([132]) .
وقال في بيان تلبيس الجهمية : فكذلك المشائخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلا عن من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته واعتبر ذلك بما ثبت مقبولا من أئمة المشائخ كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والسري السقطي والجنيد بن محمد وسهل ابن عبدالله التستري وعمرة وبن عثمان المكي وخلائق قبل هؤلاء من الصحابة فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم الباطن وعلوم الباطن ونحو ذلك فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر بل هم متفقون على أن من ادعا باطنا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق وإنما يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك: ([133]) .
27- ينسب ابن تيمية الصوفية إلى السنة وإلى مالك والشافعي: قال ابن تيمية في درء التعارض وهو يصف الشيوخ الصوفية بأنهم ممن ينتسبون لأهل السنة ما نصهُ:- “وهذا الشيخ أبو محمد بن عبد البصري المالكي طريقته طريقة أبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي وامثالهما من المنتسبين إلى السنة والمعرفة و التصوف واتباع السلف وائمة السنة والحديث كمالك وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي واحمد ابن حنبل وأمثالهم وكذلك ينتسبون إلى سهل بن عبد الله التستري وامثاله من الشيوخ([134]) .
28- ابن تيمية يؤمن بالكشف والعلم الباطن: قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)) ما نصه: [فما كان مِن الخوارق من “باب العلم” فتارة بأنْ يَسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً، وتارة بأنْ يعلم ما لا يعلم غيره وحياً وإلهاماً، أو انزال علمٍ ضروري، أو فراسة صادقة، ويُسمَّى كشفاً ومشاهدات، ومكاشفات ومخاطبات: فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة، ويُسمَّى كله “كشفاً” و “مكاشفة” أي كشف له عنه]، انتهى([135]) .
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (وأما العلم اللدني، فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه المتقين، وعباده الصالحين بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه، واتباعهم ما يحبه- ما لا يفتح به على غيرهم، وهذا كما قال عليّ: إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وفي الأثر: «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم»، وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع، كقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 66، 68]، فقد أخبر أنه من فعل ما يؤمر به يهديه الله صراطًا مستقيمًا، وقال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} [المائدة: 16]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17]، وقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13]، وقال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وقال تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20]، وقال تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} [الأعراف: 203])) انتهى،([136]) .
29- ابن تيمية يجيز الاجتماع على الذكر والجهر به: (مسألة 175) في رجل ينكر على أهل الذكر يقول لهم هذا الذكر بدعة وجهركم في الذكر بدعة وهم يفتتحون بالقرآن ويختتمون ثم يدعون للمسلمين الأحياء والأموات ويجمعون التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم والمنكر يعمل السماع مرات بالتصفيق ويبطل الذكر في وقت عمل السماع: (الجواب): الاجتماع لذكر الله واستماع كتابه والدعاء عمل صالح وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله ملائكة سياحين في الأرض فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم وذكر الحديث وفيه وجدناهم يسبحونك ويحمدونك لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم المداومة عليه في الجماعات من الصلوات الخمس في الجماعات ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك، وأما محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء طرفي النهار وزلفا من الليل وغير ذلك فهذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله قديما وحديثا فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات فعل كذلك وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك كما كان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون أحيانا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكان من الصحابة من يقول اجلسوا بنا نؤمن ساعة وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه التطوع في جماعة مرات وخرج على الصحابة من أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم يستمع وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين واقشعرار الجسوم فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة، وأما الاضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات، فهذا إن كان صاحبه مغلوبا عليه لم يلم عليه كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه وأما ما ذكر من السماع فالمشروع الذي تصلح به القلوب ويكون وسيلتها إلى ربها بصلة ما بينه وبينها هو سماع كتاب الله الذي هو سماع خيار هذه الأمة لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال زينوا القرآن بأصواتكم وهو السماع الممدوح في الكتاب والسنة) ([137]) .
30- ابن تيمية يعترف بأن تحصيل العلم اللدني يتم بتصفية القلب والروح من الرعونات: قال ابن تيمية في كتابه الرد على المنطقيين (وقد أنكر عليه [على الإمام أبو حامد الغزالي] طائفة من أهل الكلام والرأي كثيراً مما قاله من الحق وزعموا أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم وأخطأوا أيضا في هذا النفي بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم)) اهـ ([138]) . ([139]) .
***
المطلب الرابع تجديد أمر الدين يحتاج إلى التمسك بالسلفية الصحيحة والصوفية الصحيحة
لا يوجد أي خلاف بين السلفي الحقيقي والصوفي الحقيقي أبدا، لانّ السلفي الحقيقي صوفي حقيقي والصوفي الحقيقي سلفي حقيقي ، وكل مسلم ينبغي أن تكون فيه سلفية صحيحة تقوم على مبدأ الكتاب والسنّة والتوحيد والاتباع، ولابد وأن تكون فيه صوفية حقة صادقة تقوم على التربية والتزكية والأخلاق، وإنّ الخلاف لا يقع حقيقة إلا في وجود أدعياء السلفية المتنطعين، كالوهابية الحشوية الذين ينتسبون زورا إلى السلف ، ونسبتهم الحقيقية إلى الحشوية والمجسمة والخوارج، أو في وجود ادعياء التصوف الزائفين، وفي عصور الإسلام الاولى كان العلماء أمثلة صحيحة لمعاني السلفية والصوفية، والخلاف لا ينتج إلا عند الإفراط أو التفريط .
و(السلفية المشوهة): هي التي تـُبدّع وتكفر كل اجتهاد وفهم يخالف نظرتها، و(الصوفية المنحرفة): التي أسرفت بسبب الشطح والبدع والخرافات والمنكرات هي التي تُعادي السلفية بمعناها الصحيح، إنّ الانتماء للسلف الصالح (الصحابة والتابعين وتابعي التابعين) هو منهج وليس مذهب، وهو منهج ينبني على صفاء العقيدة، والأخذ بعلم الكتاب والسنة، والاستفادة من فهم السلف الصالح للكتاب والسنّة، وقد كان من بركة اتباع السلف ظهور مدارس التخصص الكبرى في العقيدة وفي الفقه وفي التصوف، وكذلك فإنّ الانتماء إلى الصوفية منهج وليس مذهب، منهج يقوم على التربية والتزكية والتخلي عن الآثام الظاهرة والباطنة، ثم التحلي بالطاعات الظاهرة والباطنة، فمتى خلا السلفي المعاصر عن بدع الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، ومتى خلا الصوفي عن الرعونات والشطحات، كان أجمل الوفاق، وأحسن الاتفاق، وكان الإحسان ظاهرا وباطنا، وهذا هو أهم المطلوب، ألا وهو تحقيق التلازم بين الظاهر والباطن، فأهل التصوف الحق يعتنون بقضايا أعمال الباطن مثل الحقائق والرقائق والدقائق، والسلفيون الصادقون يركزون على ظاهر الاتباع، وأحسن الحقيقة هو المزج بين علم الظاهر وعلم الباطن، وتلازم الظاهر والباطن هو المعادلة التي تجتمع عليها امة الإسلام ، وهي المعادلة التي كان عليها أكابر اهل التصوف، مثل بشر الحافي، ومعروف الكرخي، وأبي سليمان الداراني، والحارث المحاسبي، والإمام الجنيد، كان يقول: “طريقنا هذا مسدود، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في علمنا هذا”، وكان يقول : “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة “اهـ، وكان يقول: (الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على مَن اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتَّبع سُنَّته، ولزمَ طريقته، فإن طُرُقَ الخيرات كلها مفتوحة عليه “اهـ،
***
([3]) المصدر السابق 38/558 ح 23585.
([4]) الجامع لعلوم الإمام أحمد 7/153.
([10]) الجامع لعلوم الإمام أحمد 16/157.
([11]) طبقات الشافعية للسبكي 2/333.
([16]) الجامع لعلوم الإمام أحمد19/181.
([18]) الجامع لعلوم الإمام أحمد 18/528.
([19]) طبقات الشافعية للسبكي 2/279.
([21]) الجامع لعلوم الإمام أحمد 16/309.
([23]) الجامع لعلوم الإمام أحمد 19/61.
([24]) صفوة الصفوة لابن الجوزي 1/516.
([25]) سير أعلام النبلاء 13/18.
([26]) تاريخ الإسلام للذهبي 18/46.
([30]) مبحث في بيان موقف الإمام أحمد بن حنبل من التصوف والصوفية لأسعد الخطيب.
([32]) الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق 1/123.
([36]) مجموع الفتاوى 11/16:17.
([37]) المصدر السابق 11/17:18.
([38]) المصدر السابق 11/19:20.
([40]) المصدر السابق 11/28:29.
([41]) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (74)
([42]) بيان تلبيس الجهمية (2: 186-187)
([43]) بيان تلبيس الجهمية (2: 186-187)
([45]) مجموعة الرسائل والمسائل (5: 99)
([48]) أمراض القلوب وشفاؤها (68)
([50]) المصدر السابق 5/551، 552.
([51]) المصدر السابق 5/551، 552.
([54]) مجموع الفتاوى 11/17: 18.
([56]) المصدر السابق 1/91: 92.
([57]) المصدر السابق 1/113: 114.
([61]) سنن أبي داود 6/455 ح 4403.
([62]) صحيح مسلم 4/1990 ح 2569، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (3: 345).
([64]) المصدر السابق 1/113: 114.
([65]) مجموع الفتاوى 11/20- 22.
([66]) مجموع الفتاوى 11/20- 22.
([68]) الفتوى الحموية الكبرى ص 455.
([69]) أمراض القلوب وشفاؤها ص 36.
([70]) الإيمان لابن تيمية ص 152.
([72]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4/28.
([77]) المصدر السابق 10/342: 343.
([78]) جامع الرسائل لابن تيمية 1/265: 265.
([79]) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 24.
([80]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 1/41.
([81]) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة ص 458: 459.
([82]) انتهى مختصراً من رسالة: موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية ومنهجه في الحكم عليهم ” لغنيم غنيم عبد العظيم.
([89]) المصدر السابق 11/28: 29.
([94]) مجموع الفتاوى 10/516: 517.
([103]) المصدر السابق 10/367: 368.
([110]) مجموع الفتاوي 11/74: 75.
([113]) اقتضاء الصراط المستقيم 1/367.
([114]) مجموع فتاوي ابن تيمية 12/599.
([115]) اقتضاء الصراط المستقيم 1/297: 298.
([116]) مجموع فتاوي ابن تيمية 22/ 6.
([117]) مجموع فتاوي ابن تيمية 22/625.
([121]) المصدر السابق 24/312- 324.
([122]) المصدر السابق 24/366: 367.
([123]) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 1/28.
([125]) “الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية 1/38.
([126]) مجموع الفتاوي 4/376: 377.
([129]) النبوات لابن تيمية 2/807.
([132]) بيان تلبيس الجهمية ص 238 ”
([138]) الرد على المنطقيين 1/511
([139]) مبحث للشيخ حسام دمشقي بعنوان: (أقوال ابن تيمية وبعض تلامذته في التصوف)