المبحث الأربعون معالم التجديد في مجال التصوف
[المفتاح الأول]: التجديد تعبير شرعي صحيح: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يحدث على رأس كل قرن ليتجدد على مر الزمان دين الإسلام التام الكامل المحفوظ ولتتجدد على مر عصور الزمان رسالته الخالدة إلى قيام الساعة، وهذا الحديث الصحيح من أعظم البشارات النبوية التي تبعث في قلوب المسلمين الاطمئنان على دين الله تعالى وعلى أمة الإسلام مهما توالت عليها النكبات ومهما تكالب عليها الأعداء، حيث يبعث الله عز وجل لهذه الأمة على مشارف كل قرن هجري جديد من يجدد للأمة دينها ويصلح حالها، أخرج أبو داود في السنن والحاكم في المستدرك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائه سنه من يجدد لها دينها )) ([1]) .والحديث مشهور عند أهل العلم شهرة واسعة ذكره الأئمة على مر العصور وأشار إلى شهرته كثير من العلماء منهم الحافظ بن حجر والحافظ السيوطي والحافظ المناوي.
[المفتاح الثاني]: المعنى الصحيح للتجديد: هو البعث والإحياء والإعادة لما دُرس من معالم الدين، وتجديد أمر الدين لا يعنى إحداث شيء جديد في الدين – حاشا لله من ذلك – فذلك من دعاوى أهل الزيغ والبدع والضلال لأنه طعن في دين الله تعالى التام الكامل الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الأمور التي يقوم عليها صلاح الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد والأصول التي على مدارها سعادة الدارين، ولهذا قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3] وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([2]) . وعلى ذلك فالمعنى الصحيح لتجديد الدين: يحمل معاني البعث والإحياء والإعادة للدين ولما درس من علومه وأعماله وجوانبه وأركانه إلي قريب من حالته الأولي النقية الصحيحة الصافية زمان النبي صلي الله علية وسلم وأصحابه الكرام رضي الله تعالي عنهم، ولما كان الدين على مر العصور تأتى عليه – بسبب مكر وكيد أعدائه له وغفلة بعض أهله عنه – عوامل الخفاء والضعف وعوامل الإفراط والتفريط وعوامل الغلو والتعصب اقتضت حكمة الله عز وجل ورحمته بهذه الأمة أن يتعهد لدينها على مر الأزمان بمن يجدد أمره ويظهر منهاجه ناصعا قريبا إلى عهده الأول حيث الصحة والنقاء وعلو الكلمة والراية والعزة والظهور.
[المفتاح الثالث]: التجديد مستمر على مدار عصور تاريخ الإسلام: أخبر الله تعالى بحفظ الدين، كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وكذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله:(لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة) ([3]) .
وما أخرجه البيهقي عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) ([4]) .
والناظر إلى تاريخ الإسلام على مدار القرون الماضية لا يرى زمناً ولا قرناً إلا وقد هيئ الله تعالى له من يصلحه ويجدد أمر الدين فيه وذلك بنشر علوم الدين الصحيحة الصافية، أو بنصرة أعمال الدين، أو بتحقيق رسالة الدين على أرض الله تعالى وبين عباده، أو بتصفية الأخطاء عن الدين، وذلك بنفي تحريف الغالين من الفرق الضالة المبتدعة، وانتحال المبطلين الذين همهم ترويج باطلهم إلى الإسلام قصدا إلى تحريفه، وإثارة الشبه والشكوك حوله في عقول المسلمين، كالعلمانيين والعقلانيين، وتأويل الجاهلين كالجهمية والمجسمة والمشبهة والمرجئة وسائر أهل الجهالة في الدين، ينفون ذلك كله عن هذا الدين القيم، فيعود كما بدأ غضاً طرياً نقياً صافياً كما أراده الله تعالى، وكما بلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولله الحمد والمنّة فقد كان المجددون والمصلحون عبر التاريخ ولا يزالون بالمرصاد للغالين والمبطلين والجاهلين، يجددون أمر الدين وينفون عنه ما حرفه هؤلاء الآثمون.
[المفتاح الرابع]: التجديد سنة ماضية وبشارة من الله تعالى لهذه الأمة: إن بناء دين الإسلام الشامخ بُني على أساس متين يسمح له بالبقاء إلى قيام الساعة، ولكن هذا البناء الرباني العظيم، يحتاج على مر العصور – بفعل عوامل الخفاء والضعف – إلى ترميم وتجديد، يعيد صفاءه ونقاءه وقوته إلى قريب من حالته الاولى زمان الرسول الكريم سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قدّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تلك المدة بمائة سنة، فكان من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائه سنه من يجدد لها دينها) ([5]) .
ومنه يتبين أن تجديد أمر الدين على مر قرون الإسلام سنة إلهية شرعية لهذا الدين، تتسق مع كون هذا الدين القيم محفوظ بحفظ الله تعالى له إلى قيام الساعة، مع ما هو معلوم من أن الله تعالى قد ختم الأنبياء والمرسلين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالمجددون من العلماء المجتهدين والقادة المخلصين والدعاة والمحتسبين والمجاهدين هم الوارثون لعمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أمته، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، يحيون ما اندرس من علوم الدين ويحققون ما غاب من أهدافه في أرض الله تعالى وبين عباده، كما أن حديث التجديد بشارة من الله تعالى لهذه الأمة، أنها لا تخلو من المجددين على مر عصور الزمان.
[المفتاح الخامس]: أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود: هو جانب التزكية، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، و (التصوف هو القائم على تزكية الانفس، ومن أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود: تحقيق الإحسان الظاهر والباطن، و (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ([6]) .
و أهم جوانب التجديد الإسلامي المنشود: هو الجانب الاخلاقي والسلوكي، و (التصوف) هو القائم على عظيم الأخلاق ومكارم الآداب.
[المفتاح السادس]: أولى الناس بالتجديد هم الأولياء المرشدون، فإن الغاية في الهداية هو الولي المرشد، نستفيد ذلك من مثل قوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]، وقوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]، فإذا وجد الولي المرشد الوارث الكامل فهو حينئذ المجدد الذي بإمكانه ان ينتشل الامة من الضعف والوهن، وأن يتخرج على يديه الهداة المهديين من أهل الصلاح والفلاح، إنّ الأمة الإسلامية تحتاج على مر العصور أن تجدد أمر دينها ومفتاح ذلك هو وجود الولي المرشد الوارث للنبي صلى الله عليه وسلم في امته لأنه إذا آل الامر إلى غير الوارث نقص من امر التجديد بقدر نقصان مقام الوراثة عند المجدد، فلا مناص من ان يتولى أمر التجديد أهل الوراثة النبوية الكاملة، وإن أولى الناس بالتجديد هم الأولياء المرشدين لانهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته إلى قيام الساعة، وهم الأمناء على دينه ودعوته وأمته، وعلى ذلك فإن اردنا تجديد الدين فلا بديل عن التصوف وأكابر أهله الاولياء المرشدين الهداة المهديين الصديقين الوارثين.
[المفتاح السابع]: أهم معالم الإصلاح والتجديد الفكري في مجال التصوف السني الصحيح تتمثل في النقاط التالية:
(أولا): تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة: وهذا المبدأ من المبادئ التي أكدها أئمة التصوف وعلماؤه المحققون منذ العصور الإسلامية الأولى، فمن ادعى التصوف مع إخلاله بالشرع فهو دعيٌّ في هذا الطريق لم يشتم شيئا من رائحة التحقيق، قال الإمام الجنيد رحمه الله: ” من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة ” أهـ.
(ثانيا): التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية: فإن الخبرات التربوية التي يتمتع بها أئمة التصوف ينبغي أن يستفاد منها في بلورة مناهج تربوية سليمة لإصلاح المجتمعات الإنسانية عامة والإسلامية خاصة، وضرورة الاستفادة من مناهج التصوف السمحة في مجال الدعوة الإسلامية بالتحلي بالحكمة والتزام الموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن والدعوة إلى تكامل العمل الإسلامي، ورفض كل أنواع الغلو والتعصب والتطرف الديني تمسكاً بروح التسامح الإسلامي، مع استلهام قيم ومبادئ التصوف الإسلامي في مناهج التربية والتعليم حتى ينشأ جيل مسلم مشبع بروح التدين والالتزام، وقد كان للتصوف السبق في نشر الإسلام في كل ربوع إفريقيا، فإنّها لم يصلها المجاهدون بسيوفهم من المسلمين حتى ينقلوا إليها الإسلام، وإنما نقل الإسلام إلى إفريقيا السادة الصوفية بأخلاقهم وصفاتهم التي هزموا بها الباطل، ونصروا بها الحق، وأسسوا به دولا وإمارات إسلامية في تلك المناطق، وحافظوا على الإسلام في تلك البلاد أجيالا متعاقبة.
(ثالثا): تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى الآخرين: فمن المعلوم أن التصوف الإسلامي قد تعرض لكثير من الاتهامات على امتداد تاريخه الطويل، منذ أن عرف بهذا الاسم، في القرون الأولى، ثم تراكمت هذه الاتهامات، نتيجة لعوامل متعددة، بعضها ناتج عن ممارسات بعض المنتسبين إلى التصوف، وبعضها من تحامل خصومهم، أو من جهلهم بحقيقة التصوف ومقومات بنائه ومرتكزاته الشرعية، لذا ينبغي تصحيح التصورات الخاطئة لدى غير المنتسبين إلى التصوف، وبيان وجه الصواب والخطأ في هذه التصورات، سالكين في سبيل ذلك طريق الحكمة والموعظة الحسنة.
(رابعا): تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة: وذلك نظرا للواقع المشاهد من أن كثيرا من الانتقادات والتصورات الخاطئة عن التصوف التي يطلقها خصوم التصوف، تأتي نتيجة لممارسات يقوم بها بعض المتصوفة أو المنتسبين إلى ميدان التصوف، فيتخذها المنتقدون وسيلة للتشهير، بعد أن يعمموها على جميع الصوفية، المحقين منهم والمبطلين، على السواء، من هنا ينبغي بذل الجهد الصادق في تصحيح هذه الأخطاء والمفاهيم الخاطئة لدى المتصوفة، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين.
(خامسا): التمييز بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة: فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها جماعة واحدة تضمها أصول واحدة، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية فلا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها، فإنّ أهل السنة، وهم الجماعة والسواد الأعظم، ميزتهم أن الخلاف بينهم في الفروع لا يفرق جماعتهم.
(سادسا) العمل على نشر التصوف الحق وتعاليمه، بصفته جزءاً مهماً في تكوين شخصية المسلم، فإن التصوف روح الإسلام ولا غنى للجسد عن الروح، والتصوف هو التحقيق العلمي والسلوكي (ظاهرا وباطنا) لمقام الإحسان أعلى مراتب الدين، وهو الطريق إلى تزكية النفس وفلاحها {قد أفلح من زكاها}، وهو الوسيلة التي يتم من خلالها طهارة الظاهر والباطن: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه}، وهو السبيل إلى سلامة القلب {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}، وهو العلم الذي تخصص بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، وهو العلم الذي اختص بمعالجة لأمراض القلبية، قال حجة الإسلام الغزالي: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب، إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، وقال العارف بالله أبو الحسن الشاذلي: (من لم يغلغل في علمنا هذا، مات مُصراً على الكبائر وهو لا يشعر).
(سابعا): العمل على نشر أخلاق التصوف الحق، أخلاق التسامح والمحبة والمودة وخفض الجناح، والصوفي: مثال للخلق العظيم، فلا يخاصم أحدا على حقه، ولا يطالب أحدا بحق، وهو يتغافل عن الزلة، وينسى الأذية، وهو يقرب من يقصيه، ويكرم من يؤذيه، وهو يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، يقنع بقليل الدنيا عن كثيرها، يتصف بالشفقة على الخلق، والتواضع للصغير والكبير، والإيثار ولو كان به خصاصة، سخي النفس يكرم ضيفه ويصل رحمه، مَضرب المثل في التواصل والتعاون، وقضاء حوائج الخلق، فهذه أخلاق التصوف التي ينبغي نشرها في الامة لانها من أخلاق صاحب الخلق العظيم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ) ([7]) .
***
([1]) سنن ـأبي داود 6/349 ح 4291. المستدرك 4/567 ح 8592.
([2]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697. صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([3]) صحيح مسلم 28/128 ح 16932.