الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الرابع من أخلاق المسلم مع الله: الإيمان بالله: والإيمان في اللغة: هو التصديق والاطمئنان، والإيمان في الشرع: هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق، ومعنى الإيمان: أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه، انه لا إله إلا هو، وضده الكفر: وهو الإنكار والجحود والتكذيب، وخلق الإيمان هو من أعظم الاخلاق في حق الله تعالى، فمن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان، واستحق الجنة لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، والإيمان: قول وعمل، وادعاء وبينة، ويقين في القلب يظهر أثره على الجوارح بالطاعة والامتثال وأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات، وغالب أوامر ونواهي القرآن الكريم تدخل في إطار الأمر بتحقيق هذه المرتبة ولذلك كانت تبدأ بنداء المولى سبحانه {يا أيها الذين آمنوا}، وهذا الإيمان الواجب هو الذي مدح الله تعالى أصحابه ووعدهم به الجنة ابتداء وبشرهم بالفضل الكبير والمكانة الصادقة، وأصحاب الإيمان الحق هم المقصودون بالثناء المطلق على إيمانهم كما في قوله تعالى: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرا} [الأحزاب: 47] وقوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 72]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، وللإيمان الصادق دلائل عظيمة، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 1 إلى 4]، فلا يتحقق خلق الإيمان الصادق إلا لهؤلاء المؤمنين الذين إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وقال تعالى – في بيان دلائل الإيمان الصادق -: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74]، فلا يبلغ خلق الإيمان الصادق إلا من هاجر معاصي الله وأطاع الله، وجاهد نفسه وغيره في سبيل الله، ولا يبلغ خلق الإيمان الصادق إلا من نصر دين الله، فمن اتصف بهذه الأخلاق فأُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وقال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14، 15]، فلا يبلغ المسلم خلق الإيمان الصادق حتى يحقق شروط الآيات من اليقين في الله تعالى وفي رسوله، ومن التفاني والتضحية من أجل دين الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فلا يبلغ المسلم خلق الإيمان الصادق حتى يحقق شروط الآيات الدالة على صدق الإيمان، فلا يؤمن بآيات الله تعالى حقا وصدق كما جاء في شرط الآية: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، وللإيمان شعب متفاوتة، بهذا صحت الأحاديث عن النبي e: فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان). وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي e قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان). وأخرج مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) ([1]) . والشعب هي خصال الإيمان وهي بمثابة أغصان الشجرة وهو تشبيه من النبي e للإيمان بالشجرة وخصال الإيمان بمثابة أغصان لتلك الشجرة ولمّا كانت الشجرة لا تثمر إلاّ في وجود أغصانها فكذلك الإيمان لا يأتي بثماره المرجوة منه إلاّ إذا توافرت شعب الإيمان وخصاله، وكلما زادت الشعب زاد الإيمان وارتقى وعلت درجته كما أن الشجرة كلما ازدادت أغصانها ازدادت ثمارها، والحياء هو صفة في النفس تحمل النفس على فعل الخيرات وترك القبيح الذي يُذم فاعله ويُعاب، والمتتبـع لآيـات القـرآن الكـريم وأحاديـث النبي e حـول بـاب الإيمـان يجـد تلك الشعب واضحة للعيان، فمـن الآيـات الجامعـات الدالة على شعب الإيمان الواجب وصفات المؤمنين أصحاب مرتبة الإيمان الواجب: قال تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما}.وقال تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36]، وقال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [آل عمران: 28]. وقال تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئـك هـم الظالمـون} [التوبة: 23]، وقال الله تعالى {وأطيعـوا الله ورسولـه إن كنتـم مؤمنـين} [الأنفال: 1]، وقال تعالى {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 12]، وقال تعالى {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 51-52] وقال تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]، وقال الله تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} [التوبة: 71]، وقال تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقـون} [الحجرات: 15].
ومن أحاديث النبي e الدالة على شعب الإيمان الواجبة وصفات المؤمنين: قوله e: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ([2]) .وقوله e: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعيـن) ([3]) . .وقوله e: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكـره أن يقـذف في النار) ([4]) .وقوله e: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)([5]).وقوله e: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) ([6]) ..وقوله e عندما مر على رجل في الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء: (دعه فإن الحياء من الإيمان) ([7]) .وقوله e: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكـرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكـرم ضيفـه) ([8]) .وقوله e:(من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ([9]) . وقوله e: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلاّ كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ([10]) . ، وقوله e: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) ([11]) .، وقوله e: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) ([12]) . أي لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وذلك لأنّ إجماع أهل الحق (أهل السنّة والجماعة) على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أهل الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبيرة كانوا في المشيئة، إن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة ابتداء، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة.
ونعمة الإيمان: من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على المؤمنين، فإنّ الله تعالى قد تكفل للمؤمنين بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، هذه الحياة الطبية في الدنيا، أما في الآخرة فله المساكن الطيبة في جنات عدن قال سبحانه: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 12]، وللإيمان ثمار يانعة ونتائج طيبة يجنيها المؤمن في الحياة الدنيا، من أهم هذه الثمار: الهداية للحق: قال الله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 47]، الحياة الطيبة: قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97]، والولاية: قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [البقرة: 256]، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى} [محمد: 11]، والرزق الطيب: قال تعالى: {وَلَو أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]، والعزة: قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]، والنصر على الأعداء، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر: 51]، فهذه بشارة لأهل الإيمان بالنصر على الأعداء، والله تعالى يتولى الدفاع عنهم، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [الحج: 38]، وعدم تسليط الكافرين: قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، والتمكين والاستخلاف في الأرض: قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55]، فهذه جملة من ثمار الإيمان في الحياة الدنيا، وللإيمان في الحياة الآخرة ثمرات ينالها المؤمن بما قدمه في الحياة الدنيا من عمل صالح، ومن هذه الثمرات: الخاتمة الحسنة: قال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 30-31]، والتثبيت عند السؤال في القبر: قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]، والنور الذي يكشف الطريق الموصلة إلى الجنة: قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد: 12]، وحصول الاهتداء الكامل والأمن التام لأهله في الدنيا والآخرة: قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
[فائدة]: للإيمـان أركان ستـة: هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه e، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين، وهذه الأركان الستة هي: الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها: قوله – e: وقد سئل عن الإيمان – (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)
[[الركن الأول من أركان الإيمان]]: الإيمان بالله: وأنّه لا إله إلا الله: وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأنه (لا إله إلا الله) وأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه، ولا تجرى عليه الآفات، ولا تحل به العاهات، وكل ما خطر بالبال، أو تصور بالوهم، فالله بخلاف ذلك لا يشبهه شيء ولا يُشبه شيء، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، أد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، لا اله إلا هو، ولا رب سواه، ولا معبود بحق إلا هو، (لا إله إلا هو)، الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، الرحمن على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، وقاهر لكل شيء، وهو الكبير المتعال، وهو الواحد القهار، وهو الحي القيوم، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذاته، ولا الإحاطة بصفاته، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وله الصفات العلا، لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا هو، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا هو رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مهيمن، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا هو، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، ولا معبود بحق سواه، ولا تصرف العبودية إلا إليه، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.والركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة: وهو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين، مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون يسبحون الله في الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم أنهم ليسوا كالبشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون وأنهم قائمون بوظائف متنوعة أوكل الله تعالى إليهم القيام بها.
والركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بالكتب: وهي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله رحمة وهداية للناس، والإيمان بها يعني الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل كتبا على رسله إلى أقوامهم، وهي التوراة أنزلت على نبي الله موسى عليه السلام، والإنجيل أنزل على نبي الله عيسى عليه السلام، والزبور أنزل على نبي الله داود عليه السلام، وصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأن هذه الكتب قد حوت عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى، إضافة إلى تشريعات خاصة بكل أمة، وقد حُرفت جميع تلك الكتب ونُسخت بالقرآن الكريم الكتاب المحفوظ الناسخ المهيمن على الكتب السابقة جميعا، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48].
والركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل الكرام: الإيمان الجازم بكل نبي ورسول عُرفت نبوته ورسالته عن طريق القرآن الكريم أو السنة الصحيحة إجمالاً وتفصيلاً. فمن عرف منهم بأسمائهم آمنا بهم بأعيانهم على التفصيل ومن لم يعرف منهم بأسمائهم آمنا بهم على سبيل الإجمال دون أن ننكر نبوةَ أو رسالةَ أحدٍ منهم، كما في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، والرسل بشر: تلحقهم جميع خصائص البشر من المرض والموت والحاجة إلى الطعام، ولكنهم بشر يوحى إليهم، يمتازون عن البشر بالنبوة والرسالة، كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وليس لهم من خصائص الربوبية أو الألوهية شيءٌ، كما في قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، ولا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله، كما قال تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، ولكنهم أتقى الناس وأعبد الناس وأصدق الناس وأشجع الناس وأكرم الناس وأرحم الناس بالناس، وأتقى الناس، من أهم صفاتهم الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، منزهون عن الكبائر ورذائل الأخلاق، معصومون عن الخطأ في التبليغ.
ولا تفريق بين أحد من الرسل من حيث الصدق والعصمة وتبليغ الرسالة: وهذا كما في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، والكفر بواحد منهم كفر بهم جميعا، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 151]، وبعض الرسل أفضل من بعض في الفضل والمكانة وعدد الأتباع والمعجزات، وأفضلهم الرسول e ثم أولي العزم من الرسل، كما في قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، وبعد بعثة الرسول e وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) إلا بإضافة شهادة الإتباع (أشهد أن محمد رسول الله) وإفراد الطريق إلى الله باتباع رسول الله e، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً e هو المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، فقد أخرج مسلم في باب وجوب الإيمان برسالة النبي e: قوله e (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) ([13]) . ويعلق النووي على هذا الحديث بقوله: (وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد – e – وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور وهذا جاء على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم، وقوله – e ” لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ” أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته وإنما ذكر اليهود والنصارى تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى والله أعلم) ([14]) .
والركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر: واليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء. وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم، ويشتمل الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالحياة البرزخية في القبر، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات الساعة وأشراطها الصغرى والكبرى، والإيمان بما يكون في اليوم الآخر من أهوال واختلاف أحوال، وما يكون فيه من الحساب والنشر وتطاير الصحف ونصب الموازيين يوم القيامة والمرور على الصراط، والإيمان بما يكون بعده من الجنّة ونعيمها للمؤمنين الأبرار، والنار وجحيمها للمشركين والكفار والأشرار.
والركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر: والمراد به الإقرار بأن الله تعالى علم كل شيء وكتب مقادير كل شيء، وكل شيء بإرادته ومشيئته وأنه خالق كل شيء. يخلق ما يشاء فعّال لما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، بيده ملكوت كل شيء، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير. يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، خلق الخلق، وقدر أعمالهم وأرزاقهم وحياتهم وموتهم، والخير والشر مقدران على العباد، ولم يكلف الله العباد إلا ما يطيقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله سبحانه، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكما أن المسبَّبات من قدر الله الذي فرغ منه، فكذلك أسبابها أيضاً من قدر الله الذي فرغ منه.
والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله e، لجبريل حين سأله عن الإيمان، فقال e: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) والإيمان بالقدر ركن ركين من أركان الإيمان لا يصح الإيمان بدونه، اللهم ارزقنا الإيمان، والتخلق بأخلاق الإيمان، أخرج الترمذي عن النبي e قوله: (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) ([15]) .ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، والجنة لا يدخلها إلا عبد مؤمن، قال e: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) ([16]) . بالإيمان ينال العبد جنةً عرضها كعرض السماء والأرض، قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، ولكن ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وقال تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وقد ذكر المفسرون أن البر هو الإيمان.
وقال e: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)،، وقال e: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ)،، وقال e: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، ([17]) . وقال e: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) ([18]) . وقال e: (الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) ([19]) . إذن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقَر في القلب وصدَّقته الأعمال، للإيمان أركان لا يصح الإيمان إلا بها، وللإيمان شعب لا يتم إلا بها، الإيمان: قول وعمل، وادعاء وبينة، ويقين في القلب يظهر أثره على الجوارح بالطاعة والامتثال وأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات،، قال e: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ e رَسُولًا) ([20]) . وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)([21]). اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين، اللهم ارزقنا الإيمان حقا وصدقا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من عبادك الراشدين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([3]) المصدر السابق 1/12 ح 14.
([4]) المصدر السابق 1/12 ح 16.
([8]) صحيح البخاري 8/32 ح 6135، صحيح مسلم 1/68 ح 47.
([9]) المصدر السابق 1/69 ح 49.
([10]) المصدر السابق 1/69 ح 50.
([11]) المصدر السابق 1/74 ح 54.
([12]) صحيح البخاري 3/136 ح 2475.
([14]) صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص 188.
([15]) سنن الترمذي 4/633 ح 2450.
([16]) صحيح البخاري 4/72 ح 3062، صحيح مسلم 1/105 ح 111.
([17]) سبق تخريج هذه الأحاديث.
([18]) صحيح البخاري 8/10 ح 6011، صحيح مسلم 4/1999 ح 2586.