الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق السابع من أخلاق المسلم مع الله: التوبة إلى الله: التوبة من أوجب أخلاق المسلم مع الله، وهي أول أخلاق السائرين إلى الله، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين، قال تعالى: {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [النور: 31]، وقال تعالى: {استغفروا ربَّكُمْ ثم توبوا إليهِ} [هود: 52]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]، وقد وصف الله تعالى بها أتباع الرسول e، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} وكان النبي e كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً: أخرج مسلم قوله e: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة) ([1]) .قال الإمام النووي: (التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها. فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غِيبة استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب) ([2]) .
والمؤمن الصادق لا ينظر إلى صغر الذنب، بل ينظر إلى عظمة الرب، اقتداءً بأصحاب رسول الله e، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إنْ كنا نعدُّها على عهد رسول الله e من الموبقات. قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات) ([3]) . والتوبة درجات أولها: التوبة من المعصية، وأعظم منها أن يتوب من كل شيء يشغل قلبه عن الله تعالى، وأعظم من ذلك كله أن يتوب من توبته القاصرة حياء من الله، ولهذا قال بعض العارفين: (شتان بين تائب وتائب، وتائب، فتائب يتوب من الذنوب والسيئات، وتائب يتوب من الزلل والغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات) ([4]) .
والتوبة من أخلاق المتقين، قال تعالى: {إنَّ المتَّقينَ في جنَّاتٍ وعيونٍ. آخذينَ ما آتاهم ربُّهم إنَّهم كانوا قبلَ ذلك محسنينَ. كانوا قليلاً مِنَ الليل ما يهجعونَ. وبالأسحارِ هُمْ يستغفرونَ} [الذاريات: 15ـ18]، و[[باب التوبة مفتوح]]: فتح الله تعالى بمنه وكرمه باب التوبة لا يُغلق ما لم يغرغر المرء، لقوله e: (إِنَّ الله عز وجل يَقْبَلُ تَوبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)؛ ([5]) . (ما لم يغرغر)، والغرغرة هي الحشرجة عند وصول الروح إلى الحلقوم، عندها يتيقن الإنسان أن الموت قد حل به، فلا يُعتدُّ آنذاك بالتوبة لأنها توبة اضطرار، قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [لنساء: 18]، أما قبل ذلك فباب التوبة مفتوح، والتوبة واجبة أمر الله تعالى بها، ووعد بقبولها مهما عظمت الذنوب، قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} [الزمر: 54]، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء: 110]، وقال تعالى في حق الضالين النصارى{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، ثم قال تعالى محرضاً لهم على التوبة: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 74]، وقال في حق أصحاب الأخدود الذي حفروا الحفر لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 10]، بل إنه تعالى حذَّر من القنوط من رحمته، فقال: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
[[فضائل التوبة]]: للتوبة فضائل جمة، وفوائد متعددة، وبركات متنوعة، فمن ذلك أن التوبة سبب الفلاح، والفوز بسعادة الدارين: قـال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، والتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التحريم: 8]، وبالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات، قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [الفرقان: 70]، وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح، والتوبة سبب للمتاع الحسن، ونزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين: قال تعالى: {وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3]، وقال تعالى على لسان هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52]، وقال على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح: 10_12]، كما أنّ الله يحب التوبة والتوابين: فعبودية التوبة من أحب العبادة إلى الله وأكرمها، وللتائبين عنـده تعالى محبـة خاصـة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، والله تعالى يفرح بتوبة التائبين: قال e: (لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع مكاني، فرجع فنام نومًة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده) ([6]) . [[والتوبـة النصـوح]]: هـي الخالصـة، الصادقـة، الناصحـة، الخاليـة من الشوائب، والعلل، وهي التي تكون من جميع الذنوب، فلا تدع ذنبًا إلا تناولته، وهي التي يجمع صاحبها العزم والصدق بكليته عليها، فلا يبقى عنده تردد، ولا تلوُّمٌ، ولا انتظار، وهي التي تقع لمحض خوف الله، وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده، فمن كانت هذه حاله غفرت ذنوبه كلها، وإذا حسنت توبته بدل الله سيئاته حسنات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 68 إلى 71] [[وللتوبة أقسام]]: التوبة تكون من حق الله، وحق العباد، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك، بل أضاف إليه الكفارة والقضاء، أما حق غير الله فيحتاج إلى التحلل من المظالم، فيه وإلى أداء الحقوق إلى مستحقيها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، قال النبي e:(من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض، فليتحلَّلْه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات) ([7]) . ومما يدخل في الحقوق والمظالم التي يجب التحلل منها ما يلي: (الحقوق المالية): كالسرقة والغصب والاختلاس ونحو ذلك يجب ردها كاملة، و(الحقوق في الأبدان): التوبة منها أن يمكن التائبُ صاحبَ الحقّ من استيفاء حقه، إما بالمال، وإما بالقصاص، و(المظالم في الأعراض): إن كان الإخبار بها تترتب عليه مفاسد من فساد ذات البين وقطيعة الأرحام، فالأولى عدم الإخبار، بل يكفي توبته بينه وبين الله، ويستغفر لمن أخطأ في حقهم بقدر خطئه، و (المظالم العامة): التي يتضرر بسببها عموم الناس كالتلبس ببدعة فالتوبة في حق من يقوم بذلك أوجب، فالواجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله، وتوبتهم تكون بالندم على ما فات، وإظهار الندم، وإعلان الخطأ، والرجوعِ عنه، والقيام بنشر الخير قدر المستطاع.[[ومن الأمور التي تعين المسلم على التوبة]]: (1) الإخلاص لله، والإقبال عليه تعالى: فالإخلاص لله أنفع الأدوية، فإذا أخلص الإنسان لربه، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، قال الله تعالى في حق يوسف: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، (2) محبة الله، فالمحبة أعظم محركات القلوب، فمن أحب الله حرص على طاعة الله، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32]، (3) المجاهدة في طاعة الله ومرضاة الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، (4) عبادة الدعاء، فهي من أعظم الأسباب، وأنفع الأدوية، والدعاء عدو البلاء يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
[ومن الأخطاء التي يقع فيها البعض مما يتعلق بالتوبة]: (1) ومن الأخطاء: تأجيل التوبة: فمن الناس يسوف في التوبة، وهذا خطير، فإن العبد لا يعلم متى تكون ساعته، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)} [الزمر: 53 إلى 58]، فيجب على العبد أن يتوب من الذنب، قبل أن تعاجله المنية وهو مصر على الذنب، ولئلا تصير المعاصي راناً على قلبه، والران لا يقبل المحو، قال النبي e: (إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإذا تاب ونزع، واستغفر صقل قلبه منها، وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]) ([8]) .(2) ومن الأخطاء: ترك التوبة، مخافة الرجوع للذنوب: فمن الناس من يرغب في التوبة، ولكنه لا يبادر إليها، مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى، وهذا من تلبيس إبليس عليه، فإن الله تعالى يفرح بتوبة العبد، وعلى العبد أن يحسن ظنه بربه جل وعلا قال النبي e: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني) ([9]) .وأخرج مسلم كذلك عن النبي e قوله: (فيما يحكى عن ربه تعالى قال: إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك و تعالى أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب، فقال: أيْ ربّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك و تعالى: عبدي أذنب ذنبا ً، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب ذنباً فقال: أي ربِّ اغفر لي، فقال تبارك و تعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك ([10]) .ومعنى ذلك: ما دمت تُبتلى بالذنب، فتبادر إلى التوبة منه غفرت لك.
(3) ومن الأخطاء: التمادي في الذنوب؛ اعتماداً على سعة رحمه الله: فمن الناس من يسرف في المعاصي، فإذا زجر وليم على ذلك قال: إن الله غفور رحيم، ولا ريب أن هذا الصنيع سفه، وجهل، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين، المفرطين المعاندين، المصرين، ثم إن الله تعالى مع عفوه، وسعة رحمته شديد العقاب، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين، قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 49،50]،.
(4) ومن الأخطاء: الاغترار بإمهال الله للمسيئين: فمن الناس من يسرف على نفسه بالمعاصي؛ فإذا نصح عنها، وحُذِّر من عاقبتها قال: ما بالنا نرى أقواماً قد امتلأت فجاجُ الأرض بمفاسدهم، ومباذلهم، وظلمهم، وقتلهم الأنفس بغير الحق، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأكلهم الربا وقد نهو عنه، ومع ذلك نراهم وقد درَّت عليهم الأرزاق، وأنسئت لهم الآجال، وهم يعيشون في رغد ونعيم بعيد المنال؟ ولا ريب أن هذا القول لا يصدر إلا من جاهل بالله، وبسننه تعالى، فالله تعالى يعطي الدنيا من أحب، ومن لا يحب؛ وهؤلاء المذكورون مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون؛ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ فما هذا الذي هم فيه من النعيم إلا استدراج، وإمهال، وإملاء من الله تعالى حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال النبي e: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]) ([11]) .
(5) ومن الأخطاء: اليأس من رحمة الله: فمن الناس من إذا أسرف على نفسه بالمعاصي، أو تاب مرّة أو أكثر ثم عاد إلى الذنب مرة أخرى أيس من التوبة، وظن أنه ممن كتب عليهم الشقاوة، فاستمرّ في الذنوب، وترك التوبة إلى غير رجعة، وهذا ذنب عظيم، وربما كان أعظم من الذنب الأصلي، لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، قال تعالى: {وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، فليجدد التوبة، وليجاهد نفسه في ذات الله.
[[ومن قصص التوبة في القرآن الكريم]] توبة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وفيهم جاء قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]، لقد نزلت هذه الآيات عقب عودة النبي صلى الله علية وسلم من غزوة تبوك، لقد غزا النبي صلى الله علية وسلم هذه الغزوة بنفسه، وفرضه على القادرين من أصحابه، فلا يتخلف إلا أهل الأعذار الشرعية، وفعلا لم يتخلق سوى أهل الأعذار الشرعية، أو أهل النفاق والعياذ بالله، وتخلف ثلاثة آخرون من الصحابة (لم يكونوا من أهل الأعذار الشرعية، ولا من أهل النفاق) وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال ابن أبي أمية، ورغم فداحة الذنب وعظمته لأنهم تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله علية وسلم، إلا أنهم لتوبتهم الصادقة التي عبر عنها القرآن بقوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} لتوبتهم الصادقة تجاوز الله عنهم وغفر لهم صنيعهم، وخير من يحكي قصتهم هو أحدهم وهو كـعـب بـن مـالـك رضي الله عـنـه، أخرج الـبخاري و مسلم: عـن كـعـب بـن مـالـك رضي الله عـنـه قـــال:(لـم أتـخـلـف عـن رسـول الله e في غـزوة غـزاها إلا فـي غـزوة تـبـوك، غـيـر أنـي كـنـت تـخـلـفـت فـي غـزوة بـدر ولـم يُـعـاتـب أحـدا تـخـلـف عـنـهـا، إنـمـا خـرج رسـول الله e يـريـد عِــيـرَ قـريـش حـتـى جـمـع الله بـيـنـهـم وبـيـن عـدوّهـم عـلـى غـيـر مـيـعـاد، ولـقـد شـهـدت مـع رسـول الله e لـيـلـة الـعـقـبـة حـيـن تـواثـقـنـا عـلـى الاسـلام، ومـا أحـب أن لـي بـهـا مـشـهـد بـدر، وإن كـانـت بـدر أذكـَـرَ فـي الـنـاس، وكـان مـن خـبـري: أنـي لـم أكـن قـط أقـوى ولا أيـسـر حـيـن تـخـلـّـفـت عـن رسـول الله e فـي تـلـك الـغـزوة، والله مـا اجـتـمـعـت عـنـدي قـبـلـه راحـلـتـان قـط حـتـى جـمـعـتـهـمـا فـي تـلـك الـغـزوة، ولـم يـكـن رسـول الله e يـريـد غـزوة إلا وَرّى بـغـيـرهـا، حـتـى كـانـت تـلـك الـغـزوة غـزاهـا فـي حـر شـديـد، واسـتـقـبـل سـفـرًا بـعـيـدًا ومَـفـازًا وعـدوًا كـثـيـرًا، فـجَـلـّى لـلـمـسـلـمـيـن أمـرهـم لـيـتـأهـبـوا أهـبـة غـزوهـم، فـأخـبـرهـم بـوجـهـه الـذي يـريـد. والـمـسـلـمـون مـع رسـول الله e كـثـيـر ولا يـجـمـعـهـم كـتـاب حـافـظ… (سجـل أو ديـوان)… فـمـا رجـل يـريـد أن يـتـغـيّـب إلا ظـن أن سـيـسـتـخـفـي لـه مـا لـم يـنـزل فـيـه وحـي الله، وغـزا رسـول الله e تـلـك الـغـزوة حـيـن طـابـت الـثـمـار والـظـلال، وتـجـهـز رسـول الله e والـمـسـلـمـون مـعـه. فـشـرعـت أغـدو لـكـي أتـجـهـز مـعـهـم فـأرجـع ولـم أقـض شـيـئـا، فـأقـول فـي نـفـسـي: أنـا قـادر عـلـيـه، فـلـم يـزل يُـتـمـادى بـي حـتـى اشـتـد بـالـنـاس الـجـدّ. فـأصـبـح رسـول الله e والـمـسـلـمـون مـعـه ولـم أقـض مـن جَـهَـازي شـيـئـا، فـقـلـت:أتـجـهـز بـعـد يـوم أو يـومـيـن، ثـم ألـحـقـهـم، فـغـدوت بـعـد أن فــَصَـلـوا لأ تـجـهـز، فـرجـعـت ولـم أقـض شـيـئـا، ثـم غـدوت، ثـم رجـعـت ولـم أقـض شـيـئـا. فـلـم يـزل بـي حـتـى أسـرعـوا وتـفـارط الـغـزو، وهَـمَـمْـتُ أن أرتـحـل فـأدركـهـم ــ ولـيـتـنـي فـعـلـت ــ فـلـم يُـقـَدّر لـي ذلـك. فـكـنـت إذا خـرجـت فـي الـنـاس بـعـد خـروج رسـول الله e فـطــُـفــْتُ فـيـهـم ـ أحـزنـنـي أنـي لا أرى إلا رجـلا مـغـمـوصـا عـلـيـه الـنـفـاق، أو رجـلا مـمـن عـذر الله مـن الـضـعـفـاء، ولـم يـذكـرنـي رسـول الله e حـتـى بـلـغ تـبـوك. فـقـال وهـو جـالـس فـي الـقـوم بـتـبـوك: مـا فــعــل كــعــب؟ فـقـال رجـل مـن بـنـي سَــلِـمَـة: يـا رسـول الله حـبـسـه بُـرداه و نـظـره فـي عِـطــْـفِـهِ، فـقـال مـعـاذ بـن جـبـل: بـئـس مـا قـلـت، والله يا رسـول الله مـا عـلـمـنـا عـلـيـه إلا خـيـرا. فـسـكـت رسـول الله e، قـــــال كـعـب بـن مـالـك:فـلـمـا بـلـغـنـي أن رسـول الله e تـوجّـه قـافـلا (راجـعـًـا) حـضـرنـي هـَـمّـي، وطـفـقـت أتـذكـّـر الـكـذب...وأقـــول: بـمـاذا أخـرج مـن سـخـطـه غـدًا؟ واسـتـعـنـت بـكـل ذي رأي مـن أهـلـي، فـلـمـا قـيـل: أن رسـول الله e قـد أظــَـلّ قـادمـا زاح عـنـي الـبـاطـل!، وعـرفـت أنـي لـن أخـرج مـنـه أبـدًا بـشـيء فـيـه كـــذب!!. فـأجـمـعـت صِـدقـه، وأصـبـح رسـول الله e قـادمـا، فـكـان إذا قـدم مـن سـفـر بـدأ بـالـمـسـجـد فـركـع فـيـه ركـعـتـيـن، ثـم جـلـس لـلـنـاس. فـلـمـا فـعـل ذلـك جـاء الـمُـخـَـلـّـفـون فـطـفـقـوا يـعـتـذرون إلـيـه ويـحـلـفـون لـه ـــ وكـانـوا بـضـعـة وثـمـانـون رجـلا ـــ فـقـبـل مـنـهـم رسـول الله e عـلا نـيـتـهـم، وبـايـعـهـم واسـتـغـفـر لـهـم!!!، ووكـّـل سـرائـرهـم إلـى الله عـزّ وجـلّ فـجـئـتـه، فـلـمـا سـلـّـمـت عـلـيـه تـبـسّـم تـبـسّـم الـمُـغـضِـب، ثـم قـــــــال: (تـعـــــــــال: فـجـئـت أمـشـي حـتـى جـلـسـت بـيـن يـديـه، فـقـــــــال: (مــا خــلــّـفــَـك؟ ألـم تـكـن قـد ابـتـعـت ظـهـرك… نـاقـــتــــــك)، فـقـلــــت: بـلـى، إنـي ــ والله ــ إن جـلـسـت عـنـد غـيـرك مـن أهـل الـدنـيـا لـرأيـت أن سـأخـرج مـن سـخـطـه بـعـذر، ولـقـد أعـْـطِـيـتُ جَــدلا ً، ولـكـنـي ــ والله ــ لـقـد عـلـمـتُ لـئـن حـدّثـتـك الـيـوم حـديـث كـذب تـرضـى بـه عـنـي لـيُـوشِـكـَـنّ الله أن يُـسْـخِـطــُـك عَـلـيّ، ولـئـن حـدثـتـك حـديـث صِـدق تـجـِـدُ (تـغـضـب) عَـلـيّ فـيـه إنـي لأرجـو فـيـه عـفـو الله، لا والله مـا كـان لـي مـن عُـذر، ووالله مـا كـنـت أقـوى ولا أيْـسَـرَ مـنـي حـيـن تـخـلـفـت عـنـك، فـقـال رسـول الله e: (أمّـا هـذا فـقـد صَـدَقَ فـَـقــُـمْ حـتـى يـقـضـي الله فيك) ـقـمـت، فـثـار رجـال مـن بـنـي سَـلــَـمَـةَ فـاتـّـبَـعُـــونـي فـقـالـــوا لـي: والله مـا عـلـمـنـاك كـنـت أذنـبـت ذنـبًـا قـبـل هـذا؟ ولـقـد عـجـزت أن لا تـكـون اعـتـذرت إلـى رسـول الله e بـمـا اعـتـذر بـه الـمـخـلـّـفـون، وقـد كـان كـافـيـك ذنـبـك إسـتـغـفـار رسـول الله e لـك. فـوالله مـا زالـوا يُـؤنِـّبـُونِـي حـتـى هـمَـمْـت أن أرجـع فـأكـذب نـفـسـي، ثـم قـلـــت لـهـم: هـل لـقِـيَ هـذا مـعـي أحـدًا؟ قـالـــــوا: نـعـم، رجـلان قـالا مـثـل مـا قـلـت، وقـيـل لـهـمـا مـثـل مـا قـيـل لـك فـقــلــت: مـن هـمـا؟ قـالـــوا: مُـرارة بـن الـربـيـع الـعَـمْـري، وهـلال بـن أمـيّـة الـواقـفـي، فـذكـروا لـي رجـلـيـن صـالـحـيـن قـد شـهـدا بـدرًا فـيـهـمـا أسـوة، فـمـضـيـت حـيـن ذكـروهـمـا لـي. ونـهـى رسـول الله e عـن كـلامـنـا أيـهـا الـثـلاثـة مـن بـيـن مـن تـخـلـف عـنـه، فـاجـتـنـبـنـا الـنـاس وتـغـيّـروا لـنـا حـتـى تـنـكـرت فـي نـفـسـي الأرض، فـمـا هـي الـتـي أعـرف، فـلـبـثـنـا عـلـى ذلـك خـمـسـيـن لـيـلـة، فـأمـا صـاحـبـاي فـاسـتـكـانـا وقـعـدا فـي بـيـوتـهـمـا يـبـكـيـان، وأمـا أنـا فـكـنـت أشـَبّ الـقـوم وأجـلـَدَهـم، فـكـنـت أخـرج فـأشـهـد الـصـلاة مـع الـمـسـلـمـيـن، وأطـوف فـي الأسـواق ولا يـكـلـمـنـي أحـد. وآتـي رسـول الله e فـأسَـلِـّـمُ عـلـيـه وهـو فـي مـجـلـسـه بـعـد الـصـلاة، وأقـــول فـي نـفـسـي: هـل حـرّك شـفـتـيـه يـرد الـسـلام عـلـيّ أم لا؟ ثـم أصَــلِـّي قـريـبـا مـنـه فـأسـارقـه الـنـظـر (أنـظـر إلـيـه وهـو لا يشعـر) فـإذا أقـبـلـت عـلـى صـلاتـي أقـبـل إلـيّ، وإذا الـتـفـت نـحـوه أعـرض عـنـي. حـتـى إذا طـال عـلـيّ مـن جـفـوة الـنـاس (الـغـلـظ في الـمـعـاشـرة) مـشـيـت حـتـى تسَـوّرت جـدار حـائـط (بـسـتـان) أبـي قـتـادة ـــ وهـو ابـن عـمـي وأحـب الـنـاس إلـيّ ـــ فـسـلـمـت عـلـيـه، فـوالله مـا ردّ الـسـلام عـلـيّ، فـقـلـت: يـا أبـا قـتـادة، أنـشـدك بـالله هـل تـعـلـمـنـي أحـب الله ورسـولـه؟ فـسَـكـَـتَ، فـعـدت لـه فـنـشـدتـه، فـسـكـَتَ، فـعـدت لـه فـنـشـدتـه، فـقـــال: الله ورسـولـه أعـلـم!!! فـاضـت عـيـنـاي وتـولـّـيْـتُ حـتـى تـسـوّرت الـجـدار، قـــال كـعـب بـن مـالـك:وبـيـنـا أنـا أمـشـي بـسـوق الـمـديـنـة إذ نـَبـَـطِـيّ مـن أنـبـاط أهـل الـشـام مِـمّـن قـدِمَ بـطـعـام يـبـيـعـه بـالـمـديـنـة، يـقـــول: مـن يـدلـّـنِـي عـلـى كـعـب بـن مـالـك؟ فـطـفـق الـنـاس يُـشِـيـرون لـه، حـتـى إذا جـاءنـي دفـع إلـيّ كـتـابـًا مـن مـلـك غـسـان فـي سَـرَقــَـةٍ مـن حـريـر (قـطـعـة مـن جـيّـد الـحـريـر) فـإذا فـيـهـا:أمـا بـعـد: فـإنـه قـد بـلـغـنـي أن صـاحـبـك قـد جـفـاك، ولـم يـجـعـلـك الله بـدار هـوان ٍ ولا مَـضـْـيَـعَـة فـالـْـحَـقْ بـنـا نِـواسِـك، فـقـلـت لـمّـا قـرأتـهـا: وهـذا أيـضـا مـن الـبـلاء!! فـقـصـدت بـهـا الـتـنـور فـسـجـرتـه (أدخـلـتـه) بها، فـأقـمـنـا عـلـى ذلـك حـتـى إذا مَـضـَت أربـعـون لـيـلـة مـن الـخـمـسـيـن، إذا رسـول رسـول الله e يـأتـيـنـي فـقـــــال: إن رسـول الله e يـأمـرك أن تـعـتـزل امـرأتـك، فـقـلـت: أطـلـقـهـا أم مـاذا أفـعـل؟ قـــــال: لا، بـل اعـتـزلـهـا ولا تـقـربـهـا، وأرسـل رسـول الله e إلى صـاحـبـَـيّ بـمـثـل ذلـك، فـقـلـت لامـرأتـي: الحقي بـأهـلـك فـكـونـي عـنـدهـم حـتـى يـقـضـي الله فـي هـذا الأمـر قـــال كـعـب بـن مـالـك:فـجـاءت امـرأة هـلال بـن أمـيـة إلـى رسـول الله e فـقـالـت: يـا رسـول الله إن هـلال بـن أمـيـة شـيـخ ضـائـع، لـيـس لـه خـادم، فـهـل تـكـره أن أخـدمـه؟ قـــــال رسـول الله e: (لا، ولـكـن لا يـقـربـك) قـالـت: إنـه ــ والله ــ مـا بـه حـركـة إلـى شـيء، والله مـا زال يـبـكـي مـنـذ كـان مـن أمـره مـا كـان إلـى يـومـه هـذا، قـــال كـعـب بـن مـالـك:فـقـال لـي بـعـض أهـلـي: لـو اسـتـأذنـت رسـول الله e فـي امـرأتـك كـمـا اسـتـأذن هـلال بـن أمـيـة أن تـخـدمـه امـرأتـه، فـقـلـت: والله لا أسـتـأذن فـيـهـا رسـول الله e، ومـا يُـدريـنـي مـا يـقـول رسـول الله e إذا اسـتـأذنـتـه فـيـهـا وأنـا رجـل شـاب، فـلـبـثـت بـعـد ذلـك عـشـر لـيـال ٍ حـتـى كـمـلـت لـنـا خـمـسـون لـيـلـة مـن حـيـن نـهـى رسـول الله e عن كـلامـنـا، فـلـمـا صـلـيـت الـفـجـر صُـبـْح خـمـسـيـن لـيـلـة وأنـا عـلـى ظـهـر بـيـت مـن بـيـوتـنـا، فـبـيـنـا أنـا جـالـس عـلـى الـحـال الـتـي ذكـر الله عـز وجـل قـد ضـاقـت عـلـيّ نـفـسـي، وضـاقـت عـلـيّ الأرض بـمـا رحُـبَـت وسـمـعـت صـوت صـارخ أوفـى (أشرف) عـلـى جـبـل سَـلــْـع: يـقـــول: بـأعـلـى صـوتـه: يـا كـعـب أبـشـر، فـخـررت سـاجـدًا وعـرفـت أن قـد جـاء فـرج، وأذِنَ رسـول الله e الـنـاس بـتـوبـة الله عـلـيـنـا حـيـن صَـلـّى صـلاة الـفـجـر، فـذهـب الـنـاس يُـبـشـرونـنـا، وذهـب قِـبَـلَ صـاحـبـيّ مـبـشـرون، وركـض رجـل إلـيّ فـارسًـا، وسـعـى سـاع مـن أسـلـم فـأوفـى عـلـى الـجـبـل فـكـان الـصـوت أسـرع مـن الـفـرس، فـلـمـا جـاءنـي الـذي سـمـعـت صـوتـه يـبـشـرنـي نـزعـت لـه ثــَوْبــَيّ فـكـسـوتـه إيـاهـمـا بـبـشـراه، ووالله مـا أمـلـك غـيـرهـمـا يـومـئـذ، واسـتـعـرت ثـوبـيـن فـلـبـسـتـهـمـا، وانـطـلـقـت إلـى رسـول الله e فـتـلـقـّـانـي الـنـاس فـوجًـا فـوجًـا يـهـنـئـونـنـي بـالـتـوبـة، يـقـولـون: لـتـهـنـئـك تـوبـة الله عـلـيـك.، فـدخـلـت الـمـسـجـد فـإذا بـرسـول الله e جـالـس ومـن حـولـه الـنـاس، فـقـام إلـيّ طـلـحـة بـن عـبـيـد الله رضي الله عـنـه يـهـرول حـتـى صـافـحـنـي وهـنـّـأنـي، فـلـمـا سـلـّـمـت عـلـى رسـول الله e، قــــال ووجـهـه يـبـرق مـن الـسـرور: (أبـشِـر بـخـيـر يـوم مَـرّ عـلـيـك مـنـذ ولـدتـك أمـك)، قـلـــت: أمِـن عـنـدك يـا رسـول الله أم مـن عـنـد الله؟ قـــال: بـل مـن عـنـد الله، وكـان رسـول الله e إذا سُـرّ اسـتـنـار وجـهـه حـتـى كـأنـه قـطـعـة قـمـر، وكـنـا نـعـرف ذلـك مـنـه فـلـمـا جـلـسـت بـيـن يـديـه قـلــت: يـا رسـول الله إن مـن تـوبـتـي أن أنـخـلـع مـن مـالـي صـدقـة إلـى الله وإلـى رسـولـه، قـــال رسـول الله e: (أمـسـك عـلـيـك بـعـض مـالـك فـهـو خـيـر لـك، قـلـت: فـإنـي أمـسـك سـهـمـي الـذي بـخـيـبـر، وقـلـت: يـا رسـول الله إن الله إنـمـا نـجّـانـي بـالـصـدق، وإن مـن تـوبـتـي، ألا أحـدث إلا صِـدقــًا مـا بـقـيـت، فـو الله مـا أعـلـم أحـدًا مـن الـمـسـلـمـيـن أبلاه الله فـي صـدق الـحـديـث مـنـذ ذكـرت ذلـك لـرسـول الله e أحـسـن مـمـا أبـلانـي، ومـا تـعـمـدت إلـى يـومـي هـذا كـذبـًا، وإنـي لأرجـو أن يـحـفـظـنـي الله فـيـمـا بـقـيـت، وأنـزل الله عـلـى رسـولـه e:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} فـو الله مـا انـعـم الله عـلـيّ مـن نـعـمـة قـط بـعـد أن هـدانـي للإسلام أعـظـم مـن نـفـسـي مـن صِـدقـي رسـول الله e أن لا أكـون كـذبـتـه فـأهـلـك كـمـا هـلـك الـذيـن كـذبـوا) ([12]) .
لقد كان من بركة صدق الصحابة الكرام الثلاثة (كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال ابن أبي أمية) رضي الله عنهم أن نزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة {{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، إذن من أهم وأولى أخلاق المسلم مع الله: التوبة إلى الله، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين، قال تعالى: {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [النور: 31]، وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]، وكان النبي e كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً: أخرج مسلم قوله e: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة) ([13]) .اللهم ارزقنا خلق التوبة النصوح يا قابل التوب، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([1]) صحيح مسلم 4/2075 ح 2702.
([3]) صحيح البخاري 8/103 ح 6492.
([4]) الرسالة القشيرية” باب التوبة ص47.
([5]) سنن الترمذي 5/547 ح 3537.
([6]) صحيح البخاري 8/67 ح 6308.
([7]) مسند أحمد 16/337 ح 10573.
([8]) سنن ابن ماجة 5/317 ح 4245، المستدرك للحاكم 1/45 ح 6.
([9]) صحيح مسلم 4/2061 ح 2675.
([10]) المصدر السابق 4/2112 ح 2785.
([11]) صحيح البخاري 6/74 ح 4686.