الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق التاسع:من أخلاق المسلم مع الله: الإخلاص في عبادة الله:، أقول وبالله التوفيق: تكلمت في الدرس السابق عن الخلق الثامن من أخلاق المسلم مع الله تعالى: الصدق مع الله، وضد الصدق مع الله النفاق والعياذ بالله، وفي هذه الحلقة أتناول بيان: الخلق التاسع:من أخلاق المسلم مع الله: الإخلاص في عبادة الله، وضد الإخلاص الرياء، وكلاهما محبط للعمل نسأل الله تعالى السلامة.[الإخلاص في عبادة الله]: الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من أمور الدنيا من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ وثناء أو أي معنى آخر من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى.
إذن: الإخلاص: هو أن لا يكون للنفس حظ في أي عمل من أعمال العبادة والطاعة لله عز وجل، إنما يكون القصد الأوحد من العبادة هو الله، وقبول الأعمال موقوف على وجود الإخلاص فيها، قال تعالى: {فاعبُدِ اللهَ مخْلِصاً له الدينَ ألا لله الدينُ الخالصُ} [الزمر: 2]، وقال تعالى: {قلْ إنِّي أُمرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لهُ الدينَ} [الزمر: 11] وقال تعالى: {قل اللهَ أعبُدُ مخلِصاً لهُ ديني} [الزمر: 14]. وقال عز وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وأوضح الحق سبحانه أن السبيل إلى لقاء الله تعالى يوم القيامة لقاء رضى وإنعام هو العمل الصالح الخالص لوجه الله، السليمُ من ملاحظة الخلق فقال: {فمَنْ كان يرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بعِبادَةِ رَبِّهِ أحداً} [الكهف: 110]
وجاءت الأحاديث الشريفة توجِّه العبد إلى الإخلاص في جميع أعماله وتحذِّره أن يقصد بعبادته ثناء الناس ومدحَهم وتبين أن كل عمل لم يتصف بالإخلاص لله تعالى فهو مردود على صاحبه، وتوضح أن الله تعالى لا ينظر إلى ظاهر أعمال العبد، بل ينظر إلى ما في قلبه من النوايا والمقاصد، لأن الأعمال بالنيات، وقد جعل الرسول e الرياء شركاً أصغرَ، أخرج البخاري ومسلم عن النبي e قوله: (إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل أمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) ([1]) . وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e:(إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوَرِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم)([2]) .وأخرج النسائي عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى رسول الله e فقال: (أرأيتَ رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله e: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، ويقول رسول الله e: لا شيء له، ثم قال: إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتُغِيَ به وجهه) ([3]) .وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن الرسول e أنه قال: (إن أخوَف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً) ([4]) . وأخرج ابن ماجة عن النبي e أنه قال: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليومٍ لا ريب فيه، نادى منادٍ: مَنْ أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك) ([5]) .والإخلاص هو البراءة من الرياء، وتصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، والإخلاص: هو أن لا يكون للنفس حظ في أي عمل من أعمال العبادة والطاعة لله عز وجل، الإخلاص في عبادة الله بالغ الأهمية، لنا أن نتخيل أهمية الإخلاص، عندما نذكر هذا الحديث: أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله e يَقُولُ: (إنّ أَوّلَ النّاسِ يُقْضَىَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتّىَ اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلّمَ العِلْمَ وَعَلّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وَعَلّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنّكَ تَعَلّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قارئ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ، وَرَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ) ([6]) . سبحان الله، أول ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة، كان من المفترض أن يكونوا أصحاب الدرجات العلا في الجنة، (شهيد وعالم وكريم ينفق ماله) ولكنه الإخلاص، الأول: شهيد في نظر الناس، ولكنه عند الله تعالى مرائي غير مخلص في عبادة الله، من أول الناس الذين تسعر بهم نار جهنم، (اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتّىَ اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ)، والثاني [عالم وحافظ للقرآن]، هذا في نظر الناس، ولكنه عند الله تعالى مرائي غير مخلص في عبادة الله، من أول الناس الذين تسعر بهم نار جهنم، ولهذا جاء في الحديث: (وَرَجُلٌ تَعَلّمَ العِلْمَ وَعَلّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلّمْتُ العِلْمَ وَعَلّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنّكَ تَعَلّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قارئ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ حَتّىَ أُلْقِيَ فِي النّارِ)، والثالث [منفق أمواله في خدمة المسلمين]، هذا في نظر الناس، ولكنه عند الله تعالى مرائي غير مخلص في عبادة الله، من أول الناس الذين تسعر بهم نار جهنم، ولهذا جاء في الحديث: (وَرَجُلٌ وَسّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إلاّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَىَ وَجْهِهِ، ثُمّ أُلْقِيَ فِي النّارِ) إذن: الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتُغِيَ به وجهه، وما أشفق الرسول e على أمته من عدم الإخلاص، من الرياء، أخرج الإمام أحمد في مسنده عن الرسول e أنه قال: (إن أخوَف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً) ([7]) .إذن الإخلاص في عبادة الله سبحانه، هو أن يريد المسلم بطاعته لله التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من أمور الدنيا من تصنعٍ لمخلوق أو اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ وثناء أو أي معنى آخر من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى، وقبول الأعمال موقوف على وجود الإخلاص فيها، وحقيقة الإخلاص أن لا يرى العبد إخلاصه، ولذلك قال بعض العارفين: (الإخلاص سِرٍّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوىً فيميله)، وقال آخر: (حق المخلص أن لا يرى إخلاصه ولا يسكن إليه، فمتى سكن إليه كان الرياء)، والصحابة أفضل البشر بعد الأنبياء كانوا يخافون أشد الخوف من عدم الإخلاص في عبادة الله، أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة وهو من التابعين قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله e, كلهم كان يخشى على نفسه النفاق) ([8]) .ومن ذلك – كما ورد في السيرة – أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأل حذيفة بن اليمان الذي هو أمين سر رسول الله e، أطلعه رسول الله على أسماء المنافقين، فقال له: (أنشدك بالله! ألم يسمني رسول الله e منهم) سبحان الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو ثاني أفضل الصحابة في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق , وهو مبشر بالجنة, ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخلها , يخشى على نفسه الرياء والنفاق، كل ذلك من شدة الحرص على الإخلاص في عبادة الله والبراءة من الرياء، وأشد شيء على النفس الإخلاص، لذا قيل لبعض العارفين: أي شيء أشد على النفس؟ قال: (الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب) بمعنى أنّ النفس قد تستفيد من أي عبادة بالذكر الحسن عند الناس، إلا عبادة الإخلاص، فإن النفس الصادقة مع الله تحزن عند ثناء الناس عليها، لأنّ ذلك قد ينقص من أجرها عند الله.
[أعلى مراتب الإخلاص]: إخراج الحظوظ بالكلية، فتكون العبادة لأنّ الله تعالى أهل للعبودية، وأهل هذا الإخلاص يعبدون الله تعالى على الإخلاص التام المجرد من منافع النفس لأنهم يعبدن الله تعالى على اعتقاد أنه مستحق للعبودية لذاته، لا لما يعود عليهم من منافع العبادة، وإن كان هذا لا يمنع من خوفهم من عذاب الله ورجائهم في ثواب الله تعالى وفضله، وأهل هذا الإخلاص عبدوا الله أساسا لأنه أهل للثناء، لا لجلب ثواب ولا لدفع عقاب، وهذا كحال النبي e غُفر له ما تقدم من ذنبه وكان يقوم الليل لتحقيق مرتبة الشكر لله، أخرج مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (كان رسول الله – e – إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه.. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!، فقال ـ e ـ: يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا) ([9]) .فلم يكن الدافع لتكلفه مشقة العبودية حتى تتقرح قدميه الشريفتين e سوى أنّ الله تعالى أهل للعبودية، وهذا كمال الإخلاص في العبودية، وهذا حال الصديقين الذين أخلصوا ديمهم لله، فعبدوا الله تعالى لله، ولأنّه أهل لتلك العبودية، وإن كان هذا لا يمنع من خوفهم من عذاب الله ورجائهم في ثواب الله تعالى وفضله، ولكن ذلك أفضل حالا ممن عبدَ الله للثواب وخوف العقاب، فإنما عَبَدَ لِحَظِّ نفسه، وإن كان هو محباً أيضاً، لكنه في درجة الأبرار، وذاك في درجة المقربين، لذا فإن أهل الإخلاص أخلصوا دينهم لله، وتركوا الناس كلهمُ وراءهم إخلاصا لله وفرارا إلى الله، هم يعلمون أنّ شرط الإخلاص أن لا يكون للنفس حظ في أي عمل من الأعمال التعبدية، ويعلمون أنّ أشد شيء على النفس التخلق بخلق الإخلاص، لأن النفس ليس لها فيه نصيب، اللهم ارزقنا الصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، واجعلنا من عبادك المخلصين، والإخلاص في عبادة الله ينجي من المهالك المحققة، أخرج البخاري: عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : (بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ وَقَالَ الثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ فَقُمْتُ عَنْهَا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ )([10]) .سبحان الله الإخلاص في عبادة الله ينجي من المهالك المحققة، ثلاثة اضرهم المطر إلى دخول غار بالجبل، ومع سيل المطر الجارف نزلت صخرة عظيمة فسدت الغار، فايقنوا بالهلاك، ولكن لبركة إخلاصهم مع الله أنجاهم الله، (الأول صاحب البر بوالديه ابتغاء مرضاة الله): يقول: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ – ها هنا الشاهد – إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ، و (الثاني صاحب التقوى من الله ابتغاء مرضاة الله) يقول: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ فَقُمْتُ عَنْهَا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، – ها هنا الشاهد – إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً يقول النبي e: فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً، و(الثالث) يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، – ها هنا الشاهد – إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً) يقول النبي e: فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) هذا كله ببركة الإخلاص في عبادة الله، [النبي e]: في بداية الدعوة، وعندما فشل اسلوب التعذيب والاضطهاد رأت قريش أن تجرب أسلوباً آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد e تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، فبعث المشركون عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول اللَّه e أموراً لعله يقبل بعضها فيُعطَى من أمور الدنيا ما يريد، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه e، فقال رسول اللَّه e: (قل أبا الوليد أسمع)، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد به شرفاً سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.،. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللَّه e يستمع منه، قال: (أفرغت أبا الوليد؟) قال نعم، قال: (فاستمع مني) قال: افعل، فقال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ،.،} ثم مضى رسول اللَّه e فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول اللَّه e إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك) ([11]) . النبي e لا يطلب ملكاً ولا مالاً ولا جاهاً، لقد مكنه اللَّه من هذا كله، لقد عُرض عليه أن يكون له جبل أحد ذهبا فأبى، لأنّ الدُنيا لا تساوي عنده شيئا، (موقف صهيب الرومي): أراد رضي الله عنه الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله، وإن أحب يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجراً إلى اللَّه ورسوله وأنزل اللَّه عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا لـه: ربح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر اللَّه تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن اللَّه أنزل فيه هذه الآية([12]) .(موقف عبد اللَّه بن حذافة رضي الله عنه): ذكر ابن حجر في كتابه القيم والإصابة في تمييز الصحابة، وذكر الذهبي في كتابه القيم سير أعلام النبلاء للذهبي: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما وجه جيشاً إلى الروم، فأسروا من هذا الجيش عبد اللَّه بن حذافة رضي الله عنه، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد، فقال: هل لك أن تتنصَّر وأُعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تَملُك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد e طرفة عين، قال: إذاً أقتلك. قال: أنت وذاك، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرماة: ارموه قريباً من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع، فأنزله، وأمر بقدر فصبَّ فيه ماء وأُغلي عليه حتى احترقت، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه، فقال: ما أبكاك؟ قال: قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في اللَّه. فتعجب الطاغية فقال لـه: هل لك أن تُقبّل رأسي وأًخلِّي عنك؟ فقال لـه عبد اللَّه: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلّى عنهم، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد اللَّه بن حذافة، وأنا أبدأُ. فقبَّل رأسه([13]) اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
([2]) صحيح مسلم 4/1987 ح 2564.
([3]) سنن النسائي 4/286 ح 4333.
([4]) مسند أحمد 39/39 ح 23630.
([5]) سنن ابن ماجة 5/291 ح 4203.
([6]) صحيح مسلم 3/1513 ح 1905.
([7]) مسند أحمد 39/39 ح 23630.
([9]) صحيح مسلم 4/2172 ح 2820.
([10]) صحيح البخاري 3/105 ح 2333.
([11]) سيرة ابن هشام ص 294 سير اعلام النبلاء 1/128، تفسير ابن كثير 7/163.
([12]) تفسير ابن كثير، 1/564 وسير أعلام النبلاء، 2/17-26، والإصابة، 3/365.