الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق العاشر من أخلاق المسلم مع الله: الصـبر مع الله وبالله وفي الله: الصبر خلق من أخلاق الصالحين، ومنزل من منازل السالكين، ومقام من مقامات الموحدين، به ينسلك العبد في سلك المقربين، ويصل إلى جوار رب العالمين، وقد ذكره الله تعالى في أكثر من سبعين موضعاً من القرآن الكريم، ووصف الله الصابرين بأوصاف عظيمة، فقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا}، وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}، وقال تعالى: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، وقال تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}، فما من فصيلة إلا واجرهم بتقدير وحساب إلا الصبر، ولذا قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، ووعد الصابرين بأنه معهم، فقال سبحانه: {واصبروا إن الله مع الصابرين}، وعلق النصرة على الصبر، فقال جل شأنه: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين}، وجمع للصابرين الصلوات والرحمة والهدى فقال: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}، و علق الله تعالى عليه الفلاح، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}، وجعل سبحانه الصبر والتقوى جنة عظيمة من كيد العدو ومكره، فقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً}، كما رتب سبحانه المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح فقال تعالى: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير}، كما جعل سبحانه الصبر على المصائب من عزم الأمور، فقال تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور} كما أنه تعالى قال عن خصال الخير: إنه لا يلقاها إلا الصابرون: {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم}، كما أنه سبحانه أخبر أنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبار الشكور فقال تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}، كما أنه سبحانه حكم بالخسران التام على كل من لم يؤمن ويعمل الصالحات ولم يكن من أهل الحق والصبر كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)}، كما أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والمرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان ووصوا بهما غيرهم فقال تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة}، كما أنه تبارك وتعالى قرن الصبر بمقامات الإيمان وأركان الإسلام وقيم الإسلام ومثله العليا، فقرنه بالصلاة: {واستعينوا بالصبر والصلاة}، وقرنه بالأعمال الصالحة عموماً: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات}، وجعله قرين التقوى: {إنه من يتق ويصبر}، وقرين الشكر: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}، وقرين الحق {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، وقرين المرحمة {وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة}، وقرين اليقين: {لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، وقرين التوكل: {نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}، وقرين التسبيح والاستغفار: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار}، وقرنه بالجهاد: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}، وإيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون}.
ولقد جاءت آيات عديدة تؤكد فضل الصبر: منها: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، وقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، وقوله تعالى: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}.
ولقد جاءت الأحاديث النبوية الكثيرة مؤكدةً فضل الصبر، أخرج البخاري عن النبي e قوله: (ومن يتصبر يصبره الله، فما أعطي أحد عطاءً خيراً من الصبر)([1]) .
وأخرج البخاري ومسلم عن النبي e قوله: (ما يصيب المؤمن من نصبٍ، ولا وصبٍ ولاهمٍ، ولا حزنٍ ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه) ([2]) . وأخرج مسلم عن النبي e قوله: (عجباً لأمر المؤمن كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) ([3]) .وأخرج الترمذي عن النبي e قوله: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه، حتى يوافى به يوم القيامة) ([4]) .وأخرج الترمذي أيضا عن النبي e قوله: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) ([5]) . وأخرج الترمذي أيضا عن النبي e قوله: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) ([6]) . وأخرج الترمذي أيضا عن النبي e قوله: (فما يبرح البلاء في العبد، حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) ([7]) . وأخرج الترمذي أيضا عن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) ([8]) . وأخرج أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه: (أنه دخل على رسول الله e وهو موعوك على قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشد حماك يا رسول الله! قال: (إنا كذلك يشدد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر، ثم قال: يا رسول الله! من أشد الناس بلاءً؟ قال: (الأنبياء،) قال: ثم من؟ قال: (العلماء،) قال: ثم من؟ قال: (الصالحون) (كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء) ([9]) .
والصبر أنواع منها: صبر على معصية الله: بمعنى حبس النفس عن فعل المحرّمات، وصبر على طاعة الله، بمعنى حبس النفس على الطاعة، وصبر على أقدار الله، وبعد، فهذه بعض فضائل الصبر وأنه خلق من أخلاق الصالحين، ومنزل من منازل السالكين، ومقام من مقامات الموحدين، وبه يصل إلى جوار رب العالمين، والنبي e سيد الصابرين، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ}، لقد صبر الرسول e وبلغ صبره مبلغًا عظيمًا، اتهموه بالكذب، ورموه بالسحر والكهانة وقالوا ساحر كذاب، فصبر الصبر الجميل، كما أمره مولاه تعالى بقوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}، وهذه صور عظيمة من صبره e: (الموقف الأول): جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول اللَّه e يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب لـه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان، فيأخذه فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، فأخذه، فلما سجد النبي e وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول اللَّه e، والنبي e ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه،([10]) .
(موقف آخر من مواقف الصبر): أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال e: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال: فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله e: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى وحده لا يشرك به شيئًا) ([11]) .
(موقف آخر من مواقف الصبر): صبره e على المنافقين: ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنه (أن النبي e ركب حمارًا عليه إكَاف، تحته قطيفة فدَكِيَّة، وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال: فلما غشيت المجلس عجاجة الدَّابة، خمَّر عبد الله بن أبي أنفه، ثم قال: لا تغبِّروا علينا، فسلم عليهم النبي e ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء -يريد النبي e– لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقًّا فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك، قال: فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى همُّوا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي e يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: أي سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب – يريد عبد الله بن أبي- قال كذا وكذا؟ فقال سعد رضي الله عنه: اعف عنه يا رسول الله واصفح، فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة أن يتوجوه فيعصِّبوه بالعصابة -أي يجعلوه ملكًا عليهم- فلما ردَّ الله ذلك بالحقِّ الذي أعطاكه شرق بذلك، فلذلك فعل به ما رأيت، قال: فعفا عنه النبي e) ([12]) .
ومِن صبره e، صبره e على مشاق الحياة وشدتها: أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: (إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله e نار، فقلت: ما كان يُعيِّشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله e جيران من الأنصار كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله e من أبياتهم فيسقيناه) ([13]) .
ومِن صبره e، صبره e على فقد الأولاد والأحباب، فمات عمه أبو طالب، وتوفيت زوجته خديجة، وتوفي أولاده كلهم في حياته إلا فاطمة، وقتل عمه حمزة، ورأى مقتل ياسر أبو عمار ومقتل سمية أم عمار، وكل من مات من أصحابه في حياته استشهادا في سبيل الله، فما أعظم صبره e، والصحابة الكرام ضربوا أروع المثال في الصبر، (بلال بن رباح رضي الله عنه) يعذبه أمية بن خلف على توحيده وإيمانه باللَّه تعالى، يعذبه أشد العذاب، ومن ذلك أن أمية كان يُخرج بلالاً إذا حميت الشمس في الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحدٌ أحدٌ، فصبر على ذلك حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه فاشتراه ([14]) .
(مواقف من صبر للصحابة الكرام رضي الله عنهم):
عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سُميّة رضي الله عنهم يُعذبون أشد العذاب من أجل إيمانهم باللَّه – تعالى -، فلم يردهم ذلك العذاب عن دينهم، لأنهم صدقوا مع اللَّه فصدقهم اللَّه تعالى وكان النبي e يمر عليهم وهم يعذبون ويقول لهم: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) فرضي اللَّه عنهم وأرضاهم([15]) .
أبو سلمة وأم سلمة رضي الله عنهما، يصبران على البلاء العظيم ويقفان الموقف الحكيم الذي يدل على صدقهما مع اللَّه، كان أبو سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة، قبل العقبة الثانية بسنة تقريباً، بعد أن رجع أبو سلمة وزوجته أم سلمة من الهجرة إلى الحبشة آذته قريش، وعلم بإسلام من أسلم من الأنصار، فقرر الهجرة إلى المدينة – فراراً بدينه –، فحمل زوجته أم سلمة، وابنهما سلمة وقاد بهما راحلته وخرج متجهاً إلى المدينة، وقبل أن يخرج من مكة لحقه رجال من بني مخزوم فقالوا لـه: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه عَلامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا الراحلة وعليها أم سلمة وابنه سلمة، وغضب لذلك رجال من بني عبد الأسد وقالوا: واللَّه لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذب بنو مخزوم وبنو عبد الأسد الطفل حتى خُلِعَت يده، وأخذه بنو عبد الأسد وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة هارباً بدينه. قالت أم سلمة: ففرَّقوا بيني وبين زوجي وبيني وبين ابني، فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، وذلك سنة أو قريباً منها حتى مرّ بي رجل من بني عمي – أحد بني المغيرة – فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ولدها؟ قالت فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت:وردّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فارتحلت ببعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق اللَّه) ([16]) .
خبيب بن عدي بن عامر رضي الله عنه عندما أسرته كفار قريش وعذبته حتى قُتِلَ شهيداً رضي الله عنه، أخرج البخاري: قالت بعض بنات الحارث بن عامر: واللَّه ما رأيت أسيراً قطُّ خيراً من خبيب واللَّه لقد وجدته يوماً يأكل قِطفاً من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه اللَّه خبيباً. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: واللَّه لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت، ثم أنشأ يقول: (فلست أبالي حين أقتل مسلماً… على أي جنب كان للَّه مصرعي… وذلك في ذات الإله وإن يشأ… يُبارك على أوصال شلو ممزع)، ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو الذي سنَّ لكل مسلم قُتِلَ صبراً الصلاة([17]) .
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([1]) صحيح البخاري 2/122 ح 1469.
([2]) صحيح البخاري 7/114 ح 5641، صحيح مسلم 4/1992 ح 2573.
([3]) صحيح مسلم 4/2295 ح 2999.
([4]) سنن الترمذي 4/601 ح 2396.
([5]) المصدر السابق 4/601 ح 2396.
([6]) المصدر السابق 4/602 ح 2399.
([7]) المصدر السابق 4/601 ح 2398.
([8]) المصدر السابق 4/601 ح 2398.
([9]) مسند أحمد 18/391 ح 11893.
([10]) صحيح البخاري 1/57 ح 240، صحيح مسلم 3/1418 ح 1794.
([11]) صحيح البخاري 4/115 ح 3231.صحيح مسلم 3/1420 ح 17595.
([12]) صحيح البخاري 8/56 ح 6254، صحيح مسلم 3/1422 ح 1798.
([13]) صحيح البخاري 3/153 ح 2567.
([14]) الإصابة في تمييز الصحابة، 1/456، وسيرة ابن هشام، 1/318 وسير أعلام النبلاء، 1/347
([15]) سير أعلام النبلاء، 1/406، والإصابة، 4/226 وسيرة ابن هشام، 1/320.
([16]) سير أعلام النبلاء، 1/150، والإصابة في تمييز الصحابة، 8/404 والبداية والنهاية لابن كثير، 4/423.، وسيرة ابن هشام 1/469.