المبحث الأول ميزان نبوي لمعرفة الحق في هذه الامة
[المفتاح الأول]: النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد الخلق حرصا على هداية البشر، وأكثر الناس رأفة ورحمة بأهل الإسلام، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، ولذلك وضع لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميزانا دقيقا، حتى نعرف الحق عند كثرة الاختلاف بين طوائف الامة، فلا نضيع عند تزاحم الأهواء والبدع والضلالات، أخرج ابن ماجة في سننه عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، يَقُولُ: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) ([1]) . فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ)، يدل على أن اجماع علماء الامة حق، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ) يدل على أنه عند الاختلاف يكون الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، والمراد (بالسواد الأعظم) هم سواد علماء أمته صلى الله عليه وآله وسلم لأن العلماء ورثة الانبياء وهم أهل الاستنباط والإفتاء، ولا يرد على ذلك استدلال البعض بقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، فإن مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار في الأرض وقلة المؤمنون فيها، ولم يزعم أحد أن الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكن ندعي أن الصواب يكون في جانب السواد الأعظم من علماء الأمة، وأنّ الخطأ يكون فيمن شذ عنهم، وهذا معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ).
[المفتاح الثاني]: القاعدة النبوية ترشدنا إلى اتباع سواد علماء الامة الاعظم على مر عصور الإسلام، وقد كان المسلمون في أول أمرهم أمة واحدة يجمعها الإسلام، إلى أن ظهرت الآراء المفرقة والأهواء المهلكة، فانتظم السواد الاعظم من الامة على مفهوم (أهل السنة والجماعة) للتعبير عن آراء أهل الحق والنجاة في مقابل الفرق الضالة، ولا يستطيع أحد أن يكابر وينكر أن أهل السنة والجماعة هم سواد المسلمين الاكبر على مر عصور الإسلام، لاسيما وأن كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الكتاب والسنة والإجماع والتخصص العلمي الفريد، هم الذين جمعوا القرآن وكتبوه وحفظوه، ولهم المرجعية في باب حفظ القرآن، ومعرفة القرآن، وعلوم القرآن، وهم أهل الحديث وخاصته، جمعوا الحديث وكتبوه وحفظوه، ولا يعرف المسلمون كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من مراجعهم الحديثية كالصحيحين وكتب السنن والمسانيد والمستدركات ولا يعرفون علم الرجال إلا من كتب الجرح والتعديل التي كتبها علماء اهل السنة والجماعة، وهم أهل الإجماع، المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وهم اهل التخصص العلمي لهم مدارس متخصصة في جميع علوم الدين، لاسيما علوم المقاصد (العقيدة والفقه والتزكية).
لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، (التصوف) هو السعي لتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق الصوفية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها واجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، وأخذت بيد المسلمين إلى رضا رب العالمين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية (التصوف)، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة.
[المفتاح الثالث]: هناك فريق في الامة يسعى لاقتلاع التصوف من جذوره، وقطع الصلة بين الامة وبين أوليائها المرشدين الذين يحفظ الله بهم البلاد والعباد، والذين من عادهم فكأنه عادى الله تعالى في عزته وجبروته، وهذا الفريق علامته الانتساب إلى ابن تيمية وابن عبد الوهاب في الأصول والفروع وكافة جوانب الدين، وهؤلاء الوهابية المجسمة التكفيريون أعداء كل تخصص إسلامي، كلما بنى العلماء صرحا علميا في العقيدة او في الفقه او في التصوف عادوه ونبذوه وصاروا قطاع طريق في وجه نشره بين المسلمين، وهؤلاء الجفاة يريدون أن يأخذوا التصوف ببعض أدعيائه؟ وهم يبذلون كل الوسائل المتاحة لمحاربته، ويصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، ثم تراهم يكفرون السادة الصوفية الأولياء بمقولة وجدوها في كتاب ما مدسوسة على احدهم، أو قالها في ساعة ذهول لا يقصدها، _ كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.
إن كلمة (صوفي) كانت على مر عصور الإسلام السابقة كلمة ثناء، وصفة مدح، فهل يعقل أن نأتي الآن لنغير حقائق الدين والتاريخ محاولين إضفاء صبغة البدعة والضلالة على ذلك العلم والسلوك الذي يتناول التزكية والأخلاق وأعمال القلوب في دين الله تعالى، هل يعقل اليوم أن ينادي هؤلاء الموتورون إلى ردم التراب على تراث المتصوفة بحجة تطهير المنهج من المبتدعة، فهل بعد هذا التنطع من تنطع، إننا إذا رجعنا إلى علماء الأمة الأفاضل العلماء الأبرار الأخيار سنجد ان أكثرهم ينتمي إلى التصوف أو يثني عليه خيرا، ولكن التصوف كغيره من علوم الإسلام قد يدخل فيه من ليس من أهله من الأدعياء والدخلاء والجهلاء، وهؤلاء لا يمكن أن يضروا التصوف، بل ضررهم على أنفسهم، ولا زال العلماء يتكلمون على أخطاء المتصوفين، ويصححون مسار التصوف، وهم يفرقون بين الصوفية الحقة وأدعياء التصوف، يثنون على التصوف الصحيح وأهله بالخير، ويهاجمون الأدعياء والدخلاء دون إساءة للتصوف والصوفية، قال الله تبارك تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164].
[المفتاح الرابع]: التصوف أهم وأعظم جوانب الدين، جاء بتزكية الظاهر والباطن، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الْأَعراف: 33]، وقد أجمع الفقهاء على أن الأمراض والآفات القلبية كالكبر والشح والحقد والحسد والطمع من الذنوب والكبائر القلبية التي تحتاج إلى توبة وطهارة وغالبها لا ينفك عنها بشر، والتصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية والعمل على تزكية النفوس والتخلص من صفاتها الناقصة الذميمة، كما أنّ (التصوف) هو العلم الذي تخصص في تحقيق الإحسان ظاهرا وباطنا، وبيان درجاته ومنازله.
وليس معنى قولنا التصوف اعظم جوانب الدين أن تنصرف الأنظار إلى التمايل عند الذكر ولا الرقص عند سماع الأناشيد فالتصوف جد كله وليس بالهزل وعزيمة كله وليس بالرخص، وإنما المقصود هو المنهج القائم على الكتاب والسنّة يطلب التزكية والإحسان، وليس معنى ذلك تبرئة التصوف المطروح اليوم، مما علق به من أخطاء تراكمت على مر عصور الإسلام، فإذا كان الدين كله يحتاج كل قرن من الزمان إلى تجديد لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائه سنه من يجدد لها دينها )) ([2]) .
ولا تعارض بين كمال الدين وبين تجديد الدين، لأنّ التجديد معناه الصحيح البعث والإحياء والإعادة لما دُرس من معالم الدين وأعماله وجوانبه إلي قريب من حالته الأولي النقية الصحيحة الصافية زمان النبي صلي الله علية وسلم وأصحابه الكرام رضي الله تعالي عنهم ، ولما كان الدين على مر العصور تأتى عليه – بسبب مكر وكيد أعدائه له وغفلة بعض أهله عنه – عوامل الخفاء والضعف وعوامل الإفراط والتفريط وعوامل الغلو والتعصب اقتضت حكمة الله عز وجل ورحمته بهذه الأمة أن يتعهد لدينها على مر الأزمان بمن يجدد أمره ويظهر منهاجه الصحيح، كما جاء في الحديث الذي أخرجه البيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )) ([3]) .
وهكذا التصوف فإنه احد جوانب الدين التي تحتاج على مر العصور من يصلح أخطائها المتراكمة ، فإن التصوف الإسلامي الأصيل بفعل تقادم الزمان ودخول الجهلاء والأدعياء لاشك فإنه يحتاج إلى تجديد وتطهير مما علق به من أخطاء، شأنه في ذلك شأن غيره من علوم الدين، وأهل التصوف الحق يعلمون أنّه: ليس من الدين ولا من التصوف: القول بمخالفة الشريعة للحقيقة، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه، أو أن مسلماً عاقلاً رُفع عنه التكليف، وليس منه: القول بالحلول أو الاتحاد، وليس منه: البطالة ولا الجهالة، ولا ادعاء الولاية، ولا المتاجرة بالكرامات، إنّ التصوف الحق بريء من ذلك كله، فينبغي تصفية التصوف السني الصحيح الصافي من جميع الأخطاء، وينبغي اعتماد مبدأ التصفية للتراث الصوفي العريض مما علق به من مخالفات، فإن التصوف الصافي جد وكد وليس بطالة وتكاسل، والتصوف الصافي خلق وزهد وليس تحاسد وجشع، والتصوف الصافي فتوة ورجولة وإيثار، وليس رعونة وتخنث وطمع، والتصوف الحق علم وعمل، وليس جهل وخرافة، والتصوف الحق صدق وأمانة وليس شعوذة ودجل، والتصوف الحق حقائق وأحوال ومجاهدات، وليس دعاوى عريضة وترهات، ورحم الله تعالى القائل: ” ليس التصوف لبس الصوف ترقعه… ولا بكاءك إن غنى المغنونا… ولا صياح ولا رقص ولا طرب… ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا… بل التصوف أن تصفو بلا كدر… وتتبع الحق والقرآن والدينا… وأن تُرى خائفا لله ذا ندم… على ذنوبك طول الدهر محزونا “، والخلاصة: التصوف الحق: علم راسخ، وعمل جاد دائب، لا محل فيه للهزل واللهو، أوله علم وأوسطه عمل ومجاهدة وأعلاه عطاء وموهبة، وهو أعلى مراتب الدين، وأهله الكُمل هم الصديقون وهم الأولياء المرشدون أهل الوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
***
([1]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.