الفصل الأول مدخل إلى علم الفقه
وقد اشتمل على تلك المباحث:
المبحث الأول: التعريف بالفقه وبيان أهم خصائصه.
المبحث الثاني: مصادر الفقه الإسلامي.
المبحث الثالث: أدوار تطور الفقه الإسلامي.
المبحث الرابع: شروط الاجتهاد في الفقه الإسلامي.
المبحث الخامس: أسباب الخلاف في المسائل الفقهية.
المبحث السادس: خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي.
***
المبحث الأول التعريف بالفقه وبيان أهم خصائصه
[المفتاح الأول]: لدين الإسلام القيم باب عظيم يلج منه المرء إلى دين الإسلام هو شهادة التوحيد (لا إله إلا الله _ محمد رسول الله)، ثم له مراتب ثلاثة: الأولى: (الإسلام)، ولها خمسَةُ أركانٍ بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) ([1]) .
والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم الشريعة ويسمى علم (الفقه)، والمرتبة الثانية هي: (الإيمان)، وهي ستّة أركان بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، وتُؤمنَ بالقَدَر خَيْره وشَرِّه) ([2]) .
والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم العقيدة وله مسميات عديدة منها علم الإيمان، وعلم التوحيد، وعلم الكلام، والمرتبة الثالثة هي: (الإحسان)، ولها منازل عديدة تبدأ بالمراقبة وتنتهي بالمشاهدة، وهذا ما فهمه العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم:(الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)([3])
والعلم الذي يتناول هذه المرتبة هو علم: (التزكية والأخلاق) وله مسميات عديدة منها علم التصوف، وعلم الإحسان.
ومعنى ذلك: أنّ علوم الدين الأساسية ثلاثة: (علم العقيدة)، ويُسمّى: (علم الإيمان) أو (علم أصول الدِّين) أو (علم التوحيد) أو (علم الكلام)، والخلاف في أصول هذا العلم خطير، لأنّه خلاف بين حق وضلال وسنة وبدعة، وفرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار.
والعلم الثاني (علم الشريعة) ويُسمّى: (علم الفقه) والخلاف فيه خلاف بين صواب وخطأ ولا يؤدي إلى فرقة وضلال والفرقة الناجية بالعقيدة الصائبة (أهل السنة والجماعة) لها مدارس متخصصة ضبطت الفقه وأصوله وعلومه (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة).
والعلم الثالث: علم التزكية ويسمّى: (علم التصوف) أو (علم السلوك) أو (علم الاخلاق) وهو طريق السالكين إلى الله وله مدارس متخصصة ضبطت السلوك وأصوله وعلومه.
[المفتاح الثاني]: تعريف الشريعة وبيان الفرق في الاصطلاح بين الشريعة والفقه: الشريعة هي النصوص الشرعية الأصلية الموحى بها من الله، في كتابه أو في سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، بينما الفقه هو فهم البشر لهذه النصوص واستخراج الأحكام منها، فالشريعة تتمثل بالأحكام المنزلة من الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، أمّا الفقه فيتمثل بالأحكام التي استخلصها الفقهاء من نصوص الشريعة مثل الكتاب والسنّة أو بالدلائل الاجتهادية، مثل: القياس، والمصالح المرسلة، وأقوال الصحابة، فــ (الشريعة): صحيحةٌ كلّها، أمّا (الفقه): فقد يخطئ أحياناً بسبب اجتهاد الفقهاء في أحكامه، (الشريعة): أعم وأشمل، وهي تطلق بصفةٍ خاصةٍ على كلّ ما شرعه الله من الأحكام العملية فقط دون الأخلاقية والاعتقادية، أمّا الفقه فهو العلم بالأحكام العملية الشرعية المستنبطة من الأدلة التفصيلية، فالفقه جهد العلماء في فهم نصوص الشريعة، فإذا أصاب الفقهاء الحق في فهمهم كان الفقه موافقًا للشريعة من هذه الحيثية، وإذا أخطأوا لم يخرج اجتهادهم عن الفقه، وإن كان ليس من الشريعة حتمًا، فالفقه يشمل اجتهاد الفقهاء، سواء فيما أصابوا فيه أو أخطأوا، ولا يُعَد من الشريعة إلا ما أصاب فيه المجتهدون فقط، وعلى ذلك فــ (الشريعة) أحكام إلهية، والفقه مأخوذ من تلك الشريعة الإلهية، وهو علمٌ شرعي، من العلوم المبنية على نصوص الشريعة، وعمل العقل في استنباط الأحكام مقيدا بالأصول الشرعية في الاستدلال، والشريعة الإسلامية مُلْزِمة للبشرية كافة، بخلاف الفقه المًستَنبَط من الأدلة الشرعية عن طريق اجتهاد المجتهدين؛ فرأي أي مجتهد لا يُلزِم مجتهداً آخر، والفقه قد يُعالج مشكلات المجتمع في زمان أو مكان بعلاج يُمكن ألا يَصْلُح لمشكلات زمان أو مكان آخر، بخلاف الشريعة الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان.
[المفتاح الثالث]: دعائم التشريع الإسلامي:
كل تشريع في الواقع له دعائم يرتكز عليها، ويتوقف عليها بقاؤه وعدمه، وتعلق الناس به وانصرافهم عنه، والمشاهد أن التشريع الإسلامي يجذب الناس إليه بسرعة خاطفة، وأنهم يتقبلونه باطمئنان وانقياد وما ذلك إلا أنه يخاطب العقل ويدفع إلي العمل في الحياة، ويساير الفطرة السليمة ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾
كما أنه يهدف إلي التسامح والمساواة والحرية، واأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[موجز لأهم دعائم التشريع الإسلامي]:
(1) نفي الحرج: لقد راعي المشرع التيسير علي الناس ورفع الحرج عنهم، فجاءت تعاليم الإسلام في حدود الإستطاعة البشرية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ ولقد انتقلت هذه المعاني الي نفس الرسول – صلي الله عليه وسلم – «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ،» ([4]) . وما خير صلي الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما.
ومظهر رفع الحرج أن أصول التشريع الموحي بها والمستقرة ليس فيهت شيئ مما تضيق به صدور الناس ويشق عليهم آدؤه، ولا نعني بهذا انتفاء أصل المشقة لأن التكليف لا يتحقق إلا مع شيء منها، إذ فيه تحكم في النفس وحد من جموحها، ولذا فإن الفقهاء والأصوليين يعرفونه بأنه إلزام ما فيه كلفة، وإنما الذي أعنيه هو خلو التشريع الإسلامي من الحرج والمشقة الزائدة التي تضيق بها الصدور وتستنفذ الجهد، ومع كثرة النصوص الدالة علي التيسير في التكاليف فإنه قد ينجم عند التطبيق في بعض الأحيان شيء من الحرج والمشقة، نظرا لأن الأحكام إنما جاءت عامة دون نظر إلي فرد أو جزئية، ومن أجل رفع هذا الحرج أيضا عن الأفراد أو في هذه الجزئيات فإن الشارع قد سن لعباده رخصا عند الضرورة رفعا للضرر ودفعا للمشقة، فشرع الصيام ورخص في الفطر للمسافر والمريض والحامل والمرضع، ورخص لمن لا يقدر علي القيام في الصلاة أن يصلي قاعدا أو حسب مقدوره، وجعل للضرورة حكما يختلف عنه وقت السعة والاختيار، فأباح عند الضرورة ما كان محظورا.
هذا والتخفيف في الشريعة يكون باسقاط العبادة كالحج عند عدم الأمن، والصلاة للحائض والنفساء، أو بنقص المفروض كقصر الصلاة من أربع ركعات إلي ركعتين بالنسبة للمسافر، أو بالترخيص للضرورة كاباحة الخمر لإزالة الغصة إلي غير ذلك، او بالتاجيل كالصيام للمسافر والمريض,
(2) قلة التكاليف: اقتصر التشريع الإسلامي في التكاليف كي لا يرهق كاهل الناس ولا يشق عليهم، ولكي تبقي مسائلهم تستنتج أحكامها من القواعد العامة مع ملاحظة الناس تخفيفا عليهم.
ويؤكد هذا المعني ويبينه قول الرسول- صلي الله عليه وسلم- («إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَغَفَلَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا»)([5]) .
ولعل من أثر ذلك أن الصحابة وفقهاء المدينة كانوا يكرهون السؤال عما لم يحدث بعد، فقد كان عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه- يلعن من يسأل عما لم يكن، وبالاستقراء نجد أن ما في القرآن من الأوامر والنواهي لا يرهق كاهل الناس فيقول مثلا( ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ……﴾ [المائدة: 3] ويقول ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ……..﴾ [النساء: 23] بينما عندما يبين ما هو حلال يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ﴾ [النساء: 24] دون بيان وتحديد، ثم ينكر علي من يشق علي الناس في أمر دينهم.
فهذا يشير الي قلة التكاليف في الفقه الإسلامي، فضلا عن أ ما كلفنا به روعي فيه عدم المشقة ورفعه عند الضرورة.
(3) التدرج في الأحكام: ظهر الإسلام بين العرب وقد تأصلت في نفوسهم غرائز لا يسهل اقتلاعها طفرة وإلا لتحقق الحرج، لاجل هذا نزل القرآن علي دفعات، وجاءت أحكامه التكليفية تباعا بعد حدوث أسباب تقتضيها، كي يكون ذلك أوقع في النفس وأقرب إلي الانقياد، وتتهيأ النفوس بالحكم السابق لتلقي الحكم اللاحق فيسهل عليها الأمر.
فالخمر والميسر خصال متمكنة من نفوس العرب عند بدء التشريع، ولما أراد الشارع تحريمها تدرج في ذلك فبعد أن قال ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ﴾ [النحل: 67] جاء قول الله تعالي ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ﴾ [البقرة: 219]
وما كثر إثمه ينبغي تركه إذ العبرة في الحل والحرمة بغلبة جهة المصلحة أو المفسدة، ثم بعد أن مهد نفوسهم بذلك وغيره قال ﴿إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]
والزني كانت عقوبته أول الأمر الإيذاء بالقول والحبس في البيت ثم عدل عن الحكم بما هو أشد من ذلك الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن.
والصلاة كانت أول ما فرضت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم ألفتها النفس واعتادها الناس فشرعت خمس صلوات في اليوم والليلة.
(3) مسايرة مصالح الناس: عمد التشريع الإسلامي إلي أن تساير أحكامه مصالح الناس، ولذا فإنه شرع بعض الأحكام ثم أبطلها ونسخها لما اقتضت المصلحة ذلك.
فالوصية مثلا وجبت في القرآن من قبل نزول الميراث للوالدين والأقربين، ثم نسخت بآيات المواريث.
ووقع النسخ في السنة «قَالَ صلي الله عليه وسلم: قد نَهَيْتُكُمْ عَنْ إدخار لُحُومِ الأَضْاحَى بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا،»([6]) .
(5) تحقيق العدالة: فالناس في نظر الشريعة سواء، لا تفاضل بينهم بسبب حسب أو نسب أو مال أو جاه، أو بسبب جنس أو نوع أو لون ليس فيها حاكم يحميه السلطان إن ارتكب ظلما، وتحميه الأوضاع إن ارتكب إثما، بل الجميع أمام الله الحكم العدل سواء، وفي هذا يقول صلي الله عليه وسلم عندما أرادت قريش أن تعفي شريفة من أشراف قريش من إقامة الحد عليها (قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.») ([7]) .
وفي هذا المعني يقول الله سبحانه وتعالي ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ﴾ [النساء: 135] وقوله ( ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]
فها هي النصوص لم تقصر العدالة علي طائفة أو جنس وإنما تطلبها بالنسبة للجميع، بل وحذرت من ترك العدل لأي سبب، وقد كانت مراعاة هذه العدالة سببا في دخول أفواج الناس في الإسلام.
[المفتاح الرابع]: أهم المبادئ التي جاء بها التشريع الإسلامي:
(1) مبدأ التوحيد: فإنه جمع الناس نحو إله واحد﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 64]
(2) مبدأ الاتصال المباشر بالله دون وساطة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ﴾ [غافر: 60] وقال ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: 186]
(3) مبدأ التخاطب مع العقل: فالتشريع الإسلامي جعل العقول مناط التكليف وخصوصا فيما يتعلق بأمور الدنيا وبمعرفة الخالق﴿فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [الحشر: 2]
(4) مبدأ احاطة العقيدة بالأخلاق الفاضلة المهدئة للنفس ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا﴾ [الفرقان: 63]
(5) مبدأ جعل التكاليف الشرعية لإصلاح الروح وتطهيرها، وليس لإرهاق البدن وتسخيره ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 6] ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]
(6) مبدأ التآخي بين الدين والدنيا في التشريع، فقد جاءت أحكامه بأمور الدين والدنيا ودعا إليهما ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77] فقد كان الذهن ينصرف إلي أن الأديان إنما تدعوا إلي حرمان النفس وعدم العناية بالأمور المالية.
(7) مبدأ المساواة والعدالة: فقد ساوي بين الناس جميعا دون تفريق بين الأجناس والأفراد والأشخاص ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13]
(8) مبدأ الشوري: فقد جعلت الشوري أساس الحكم في الإسلام في وقت كان الحكام فيه هم أصحاب السلطة منفردين قال تعالي ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: 159] ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ [الشورى: 38]
(9) مبدأ التسامح: وهو أسمى وأعم مما عرف اليوم بمبدأ التعايش السلمي، والإسلام حينما يدعوا إلي التسامح يدعوا إليه في عزة وإباء دون أن يعطي هذا التسامح سلطانا لأحد أو ولاية ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8] ومع هذا يقول ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ﴾ [الممتحنة: 9]
(10) مبدأ التكافل الاجتماعي : فجعل الزكاة حقا للفقير في مال الغني وليست تفضلا وامتنانا، فلا تعاظم ولا استجداء لها، بل وكفل الإسلام نفقة الفقير العاجز عن الكسب وجعلها في بيت مال المسلمين دون النظر إلي ديانته.
فهذه المبادئ وتلك الدعائم تنبئ عن متانة البناء وقوة أركانه، وصلاحيته للاحكتام إليه في كل زمان بين جميع الناس. ([8]) .
[المفتاح الخامس]: تعريف الفقه: المعنى اللغوي للفقه هو الإدراك والفهم الدقيق العميق، ذلك الفهم الذي يتطلب بذلاً لقدر من الجهد العقلي في إدراك معانيه وكشف مراميه، ومنه قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) [متفق عليه]، والمقصود به هو الإدراك والفهم الدقيق العميق لأحكام الدين، وهذا هو المعنى العام للفقه وهو يشمل كافة جوانب الدين، ولكن مع تمايز العلوم الإسلامية واستقرارها، أطلق علماء أهل السنّة والجماعة: على أحكام العقائد: علم العقيدة أو علم الكلام أو علم التوحيد، وعلى أحكام الأخلاق علم التصوف، وعلى أحكام العبادات والمعاملات (علم الفقه)، وبهذا المعنى الاصطلاحي عرَّف علماء الأصول الفقه بأنه: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية)، وذلك بهدف قصر علم الفقه على العبادات والمعاملات دون علم العقيدة وعلم التزكية والاخلاق، وقيدوا الفقه في التعريف ب (الأحكام الشرعية العملية) ليخرج من التعريف الأحكام الشرعية التي تتعلق بالعقائد فهي من علم التوحيد، والأخلاق لأنها من علم التصوف، و(المكتسبة) للدلالة على أنّ علم الفقه يتم تحصيله عن طريق النظر والاجتهاد، (من أدلتها التفصيلية)، وذلك للتفريق بين علم الفقه وعلم أصول الفقه، حيث أنّ علم أصول الفقه يبحث في الأدلة الإجمالية وتشمل الكتاب والسنّة والإجماع وفتاوى الصحابة والقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة والعرف وشرع من قبلنا على خلاف في حجية بعض تلك الأدلة، أمّا الفقه فهو يتناول الأدلة التفصيلية الخاصة بكل مسألة على حدة.
[المفتاح السادس]: أهم خصائص الفقه الإسلامي:
(أ) يتميز الفقه الإسلامي بكون مصدره الأساسي هو الوحي المعصوم (الكتاب والسنّة)، فكل فقيه مجتهد مقيد بما ورد في القرآن والسنّة، وكلاهما مصدر معصوم محفوظ، أما القرآن الكريم فهو وحي من الله تعالى لفظاً ومعنى، وأما السنة فهي وحي بالمعنى فقط أما اللفظ فمن عند الرسول، قال الله تعالى{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3– 4]، وقال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء 80]، وقال صلى الله عليه وسلم:(ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ([9]) .
(ب) كما يتميز الفقه الإسلامي بشمول أحكامه لكل متطلبات الدين والدنيا والعبادات والمعاملات، وأحكام الفقه تشمل نوعين:
(الأول): أحكام العبادات، مما يُقصد به تنظيم علاقة الإنسان بربه من صوم وصلاة وحج وزكاة ونذر وأضحية وغير ذلك.
(الثاني): أحكام المعاملات، والتي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض سواء كانوا أفراداً أم جماعات من عقود وتصرفات وعقوبات وغير ذلك، وهذه الأحكام تشمل ما يلي: (أحكام عقود المعاملات): من بيع وإجارة وهبة وإعارة ورهن وشركة وغير ذلك مما يقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الناس.
(أحكام الأسرة أو الأحوال الشخصية): من زواج وطلاق ونفقة ونسب وميراث ووصايا وغير ذلك، (الأحكام الجنائية): وهي الأحكام التي تتعلق بما يصدر عن الإنسان المكلف من جرائم، وما يستحق عليها من عقوبات، ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم ويقصد بها حفظ الأمن.
(الأحكام الدستورية): وهي التي تنظم علاقة الحاكم بالمحكومين وتقرير ما للأفراد من حقوق وما عليهم من واجبات وهي ما نسميه بنظام الحكم.
(الأحكام الدولية) وهي الأحكام التي تتعلق بتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وعلاقة غير المسلمين المواطنين بالدولة بالمسلمين، وتشمل أحكام الجهاد والمعاهدات، (أحكام المرافعات): وهي الأحكام التي تتعلق بالقضاء والدعوى وطرق الإثبات أمام القضاء، ويقصد بها تنظيم السلطة القضائية وتنظيم الإجراءات لإقامة العدالة بين الناس وفي المجتمع.
(الأحكام الاقتصادية والمالية): وهي الأحكام التي تتعلق بحقوق الأفراد المالية، والتزاماتهم وما ينشأ عنها ويتصل بها من أحكام، وتشمل الأحكام المالية التي تنظم علاقة الأغنياء والفقراء المالية، والعلاقات المالية التي بين الدولة والأفراد، وتشمل حقوق الدولة المالية، وتنظم موارد بيت المال ونفقاته، ولذا فهي تشمل أيضاً أموال الدولة العامة والخاصة، كما يتميز الفقه الإسلامي بالمرونة والصلاحية للتطبيق في كل زمان ومكان، وذلك لأنها تقوم على المبادئ والقواعد الخالدة الثابتة المستقرة التي تتعلق بتحقيق مصالح الناس الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل على مر الدهور والعصور، كما تتسم بالمرونة التي يمكن أن تراعي جميع الأعراف والمصالح ووسائل الحياة مهما تغيرت، وذلك بسبب أن جزءاً كبيراً من أحكام هذا الفقه وخصوصاً في دائرة المعاملات بنيت على قواعد القياس، ومراعاة المآل.
(ت) كما يتميز الفقه الإسلامي بأنّ الخلاف فيه خلاف بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه – ما كان مستوفياً شروط الاجتهاد – له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة، فشتان بين خلاف العقيدة الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار، وبين خلاف الفقه الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد، فالمتفق عليه بين علماء اهل السنّة والجماعة أنّ الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة خلاف خطير لأنّه خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، وفي هذا الخلاف أشارت روايات حديث تفرق الامة، والتي منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: – (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أواثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([10]).
وحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ([11]) . وحديث معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: : (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([12]) .
وحديث انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ((إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([13]) .
وأما الخلاف الفقهي فهو خلاف في الفروع بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه – كما ذكرنا – له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ما كان صاحبة خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد.
(ث) كما يتميز الفقه الإسلامي بأنّ الخلاف فيه خلاف بين راجح ومرجوح، وإن كان المصيب واحد، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة: (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)،.
(ج) كما تميزت الاختلافات الفقهية، أنّها مثلت السعة والرحمة واليسر ورفع الحرج في كافة الأحكام الشرعية، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان، وعلى ذلك فإن الاختلاف الفقهي لا يعد بحال اختلافا مذموما، بل هو عامل من عوامل خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، كما أنّه لا خطر منه ولا ضرر، ومحاولة جمع المسلمين على رأي فقهي واحد مستحيل، نظرا لتعدد مناهج الاستدلال في فهم النص الواحد وتفسيره، فكيف بمئات بل آلاف النصوص من الكتاب والسنّة، والتي تجتهد عقول المجتهدين في شرحها وتفسيرها واستنباط الاحكام منها، وعلى ذلك، فإنّ الاختلاف في الأمور الفرعية والتفصيلية أمر طبيعي تقتضيه طبيعة الإنسان، كما أنّ الاختلاف بين المذاهب الفقهية كان السبب الأول في نماء الثروة الفقهية ومرونة التشريع، وجعله تشريعاً مرناً متجدداً ومستمراً وصالحاً لكل زمن ومكان، ملبياً لجميع حاجات الإنسان مهما اختلفت الظروف والأزمان، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة).
(ح) كما تميز الفقه الإسلامي بأنّ اختلاف الأئمة الفقهاء لم يكن سببه الهوى أو أي غرض من أعراض الدنيا الزائلة، بل كان هدفه الوصول إلى الحق، ابتغاء مرضاة الله، وأكثر هذا الخلاف هو من قبيل خلاف التعدد والتنوع، وهذا لا خلاف على الحقيقة فيه إذ الكل جائز وصحيح، وأقله خلاف تضاد وهذا يكاد ينحصر في النصوص الظنية، وفي الدلالات الظنية، التي لا سبيل إلى جمع الناس جميعاً فيها على رأي واحد، والكل فيها مجتهد.
(خ) كما تميز الفقه الإسلامي بمرونته وشموله لكل أحوال البشر، وذلك لأنّ طبيعة الخلاف فيه تعود إلى عاملين رئيسين، أولهما: العامل الطبيعي: ويعود إلى التفاوت والتباين الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب، بما فضل الله به بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع، ويعود إلى التفاوت في البيئة والمعيشة لما لهما من دورٌ في التأثير على اجتهاد المجتهد، وما يترتب عليه من الحكم الشرعي الصادر عن المجتهد والفقيه، وثانيهما: العامل الشرعي: ويتناول أربعة أمور، هي: الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته، والثاني: الاختلاف في فهم النص، والثالث: الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة، والرابع: الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط، وإذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة.
(د) إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، على اختلاف مذاهب هذا الفقه: لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية، والأحكام الشرعي.
(ذ) من أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة.
(ر) تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبى الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان.
(ز) الذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان،
***
المبحث الثاني مصادر الفقه الإسلامي
[المفتاح الأول]: مصادر الفقه الإسلامي: هي الأدلة التي نصبها الشارع دليلا على الأحكام، وهذه الأدلة منها ما هو محل إجماع بين علماء أهل السنّة والجماعة، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وجمهورهم على اعتبار القياس دليلا رابعا، يضاف إلى تلك المصادر مصادر تبعية لها تفصيلاتها عند الفقهاء، وتتمثل في العرف والاستحسان والاستصلاح (المصالح المرسلة) وشرع من قبلنا وقول الصحابي وعمل أهل المدينة، على انّ هذه المصادر كلها في الحقيقة ترجع إلى مصدر واحد وهو القرآن الكريم كتاب الله تعالى، فكل مصدر بعد ذلك مستمد منه ويعتمد عليه، وعلى ذلك فإنّ مصادر الفقه الإسلامي عند فقهاء أهل السنّة والجماعة اثنا عشر مصدرا : منها أربعة مصادر متفق عليها عند فقهاء أهل السنّة والجماعة وتشمل:
(1) القرآن، (2) السنّة، (3) الإجماع، (4) القياس، وثمانية مصادر مختلف فيها فيما بينهم، وتشمل: (5) الاستحسان، (6) الاستصلاح أو المصالح المرسلة، (7) العــرف، (8) مذهب الصحابــي، (9) عمل أهل المدينة، (10) شرع من قبلنا، (11) الاستصحاب، (12) سد الذرائع
[المفتاح الثاني]: (المصدر الأول: القرآن): هو المصدر الأصلي الاول للفقه، وتعريفه عند فقهاء أهل السنّة والجماعة هو: (اللفظ العربي المعجز بسورة منه المنزل وحيا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا متوترا بلا شبهة المحفوظ في المصاحف المتعبد بتلاوته)، والقرآن الكريم هو دستور الأمة الإسلامية الشامل الذي بحث في كل الأحكام، ونظم كل الحقوق والواجبات على سبيل التفصيل أحياناً، وعلى سبيل الإجمال في أكثر الأحوال، وهو علم الفقه الأول، وليس بفقيه من لم يفقه آيات القرآن أولاً، لأنّه العلم العميم والذكر الحكيم، وأهله هم أهل الذكر، والله تعالى يقول – في موضعين من القرآن الكريم -:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، [الأنبياء: 7].
ومن أهم خواص القرآن الكريم أن ألفاظه ومعانيه من عند الله، وأن ألفاظه العربية هي التي أنزلها الله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام ما كان إلا تالياً لها ومبلغاً إياها، وبهذا يختلف القرآن عن الحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه، فلا يعد من القرآن ولا تثبت له أحكام القرآن ولا تكون له نفس المرتبة في الحفظ والحجية، ولا تصح الصلاة به، ولا يُتعبد بتلاوته، فليس ذلك إلا للقرآن، وترجمه القرآن مهما بلغ دقتها لا تعد من القرآن ولا تصح بها الصلاة،، لأن القرآن ألفاظ عربية خاصة أنزلت من عند الله، وهي المدونة بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، والمنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلا عن جيل، محفوظا من أي تغيير أو تبديل.
ودليل أنّ (القرآن الكريم) جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله إعجازه الناس عن أن يأتوا بمثله، و (الإعجاز): لا يتحقق إلا إذا توافرت أمور ثلاثة: (الأول): التحدي، و (الثاني): أن يوجد المقتضي الذي يدفع إلى التحدي، و (الثالث): أن ينتفي المانع الذي يمنعه من التحدي، فأما التحدي فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للناس إني رسول الله، وبرهاني على إني رسول الله، هذا القرآن الذي أتلوه عليكم لأنه أوحي إلى به من عند الله، فلما أنكروا عليه دعواه، قال لهم: إن كنتم في ريب من أنه من عند الله وتبادر إلى عقولكم أنه من صنع البشر فأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، وتحداهم وأقسم أنهم لا يأتون بمثله ولن يفعلوا، ولن يستجيبوا، ولن يأتوا بمثله، قال تعالى في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} [القصص: 51،50] وقال تعالى في سورة الإسراء: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88] وقال تعالى في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود:13] وقال في سورة البقرة: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24،23] وقال في سورة الطور: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 34،33]، وأما وجود المقتضى للمباراة والمعارضة عند من تحداهم فهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ادّعى أنه رسول الله وجاءهم بدين يبطل دينهم، وما وجدوا عليه آباءهم وسفه عقولهم وسخر من أوثانهم، واحتج على دعواه بأن القرآن من عند الله، وتحداهم أن يأتوا بمثله، فما كان أحوجهم وأشد حرصهم على أن يأتوا بمثله، كله أو بعضه ليبطلوا أنه من عند الله وليدحضوا حجة النبي صلى الله عليه وسلم، على أنه رسول الله، وبهذا ينصرون آلهتهم ويدافعون عن دينهم ويجتنبون ويلات الحروب، وأما انتفاء ما يمنعهم من معارضته، فلأن القرآن بلسان عربي، وألفاظه من أحرف العرب الهجائية، وعباراته على أسلوب العرب، وهم أهل البيان وفيهم ملوك الفصاحة، وقادة البلاغة، وقد دعاهم القرآن في تحديه لهم أن يستعينوا بمن شاءوا ليستكملوا ما ينقصهم ويتموا عدتهم وفيهم الكهان وأهل الكتاب، كما أنّ القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة حتى يحتجوا بأن زمنهم لا يتسع للمعارضة بل مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة، وهو زمن واسع فيه متسع للمعارضة لو كان في مقدورهم، مع شدة حرصهم وتوافر دواعيهم إلى أن يأتوا بمثله، وانتفاء ما يمنعهم لم يأتوا بمثله، مما يدل يقينا على أن هذا القرآن فوق مستوى البشر، وأنه من عند الله، قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82].
[الحفظ الإلهي للقرآن الكريم]: تكفل الله عز وجل بحفظ القرآن، إلى قرب قيام الساعة وظهور علاماتها الكبرى حيث يرفع المولى جل وعلا كتابه كما أنزله محفوظا في التبديل والتحريف والزيادة والنقصان وتأتي ريح طيبة تأخذ كل نفس مؤمنه ولا يبقي إلا شرار الخلق ليس الله فيهم حاجة تقوم عليهم الساعة، فالقرآن الكريم: حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان ومن اعتقد غير ذلك خرج من دين الإسلام إلى الكفر، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال تعالى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42][ونصوص القرآن جميعها قطعية الثبوت]، بمعنى أننا نجزم ونقطع بأن كل نص نتلوه من نصوص القرآن، هو نفسه النص الذي أنزله الله على رسوله، وبلغه الرسول المعصوم إلى الأمة من غير تحريف ولا تبديل.
[واما من جهة الدلالة]: فتنقسم إلى قسمين: نص قطعي الدلالة على حكمه، ونص ظني الدلالة على حكمه، فالنص القطعي الدلالة هو ما دل على معنى متعين فهمه منه ولا يحتمل تأويلا ولا مجال لفهم معنى غيره منه، مثل قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12]، فهذا قطعي الدلالة على أن فرض الزوج في هذه الحالة النصف لا غير، ومثل قوله تعالى في شأن الزاني والزانية: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فهذا قطعي الدلالة على أن حد الزنا مائة جلدة لا أكثر ولا أقل،، وكذا كل نصل دل على فرض في الإرث مقدر أو حد في العقوبة معين أو نصاف محدد.
وأما النص الظني الدلالة: فهو ما دل على معني ولكن يحتمل أن يؤول ويصرف عن هذا المعنى ويراد منه معني غيره مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، فلفظ القرء في اللغة العربية مشترك بين معنيين يطلق لغة على الطهر، ويطلق لغة على الحيض، والنص دل على أن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء، فيحتمل أن يراد ثلاثة أطهار، ويحتمل أن يراد ثلاث حيضات، فهو ليس قطعي الدلالة على معنى واحد من المعنيين، ولهذا اختلف المجتهدون في أن عدة المطلقة ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار، ومثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، فلفظ الميتة عام والنص يحتمل الدلالة على تحريم كل ميتة ويحتمل أن يخصص التحريم بما عدا ميتة البحر، فالنص الذي فيه نص مشترك أو لفظ عام أو لفظ مطلق أو نحو هذا يكون ظني الدلالة، لأنه يدل على معنى ويحتمل الدلالة على غيره.
و[القرآن الكريم فيه تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة]: بما يضمن الفلاح والأمن والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، والأحكام التي جاء بها القرآن الكريم تغطي كل مجالات البشر، ففيه الاحكام الاعتقادية، التي تتعلق بما يجب على المكلف اعتقاده في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفيه الاحكام الأخلاقية، التي تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلّى به من الفضائل وأن يتخلى عنه من الرذائل، وفيه أحكام العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج ونذر ويمين ونحوها من العبادات التي يقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه سبحانه، وفيه أحكام المعاملات التي يقصد بها تنظيم علاقة المكلفين بعضهم ببعض، أفرادا او جماعات أو دولا، والتي هي على اصطلاح العصر الحديث، تتناول:
(1) أحكام الأحوال الشخصية: وهي التي تتعلق بالأسرة من بدء تكونها، ويقصد بها تنظيم علاقة الزوجين والأقارب بعضهم ببعض.
(2) والأحكام المدنية: وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد ومبادلاتهم من بيع وإجارة ورهن وكفالة وشركة مداينة ووفاء بالالتزام، و يقصد بها تنظيم علاقات الأفراد المالية وحفظ حق كل ذي حق، (3) والأحكام الجنائية: وهي التي تتعلق بما يصدر عن المكلف من جرائم وما يستحقه عليها من عقوبة، ويقصد بها حفظ حياة الناس وأموالهم وأعراضهم وحقوقهم وتحديد علاقة المجني عليه بالجاني وبالأُمّة.
(4) وأحكام المرافعات: وهي التي تتعلق بالقضاء والشهادة واليمين، ويقصد بها تنظيم الإجراءات لتحقيق العدل بين الناس.
(5) والأحكام الدستورية: وهي التي تتعلق بنظام الحكم وأصوله، ويقصد بها تحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق.
(6) والأحكام الدولية: وهي التي تتعلق بمعاملة الدولة الإسلامية لغيرها من الدول، وبمعاملة غير المسلمين في الدول الإسلامية، ويقصد بها تحديد علاقة الدول الإسلامية بغيرها من الدول في السلم وفي الحرب، وتحديد علاقة المسلمين بغيرهم في بلاد الدول الإسلامية.
(7) والأحكام الاقتصادية والمالية: وهي التي تتعلق بحق السائل والمحروم في مال الغني، وتنظيم الموارد والمصارف، ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء والفقراء وبين الدول والأفراد.
ومن استقرأ آيات الأحكام في القرآن يتبين أن أحكامه تفصيلية في العبادات لأنه لا اجتهاد فيها، وأما فيما عدا العبادات والأحوال الشخصية من الأحكام المدنية والجنائية والدستورية والدولية والاقتصادية، فأحكامه فيها قواعد عامة ومبادئي أساسية، لأن هذه الأحكام تتطور بتطور البيئات والمصالح، فاقتصر القرآن فيها على القواعد العامة والمبادئ الأساسية ليكون ولاة الأمر في كل عصر في سعة من أن يفصلوا قوانينهم فيها حسب مصالح المسلمين في حدود أسس القرآن وقواعده العامة.
[المفتاح الثالث]: (المصدر الثاني: السنة الشريفة المطهـــــرة): وهي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير، (فالسنة القولية): هي كل ما نقل لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله الشريفة، (والسنة الفعلية): هي كل ما رواه الصحابة الأجلاء عن أفعاله صلى الله عليه وسلم وأعماله وعبادته وكل تصرفاته، (والسنة التقريرية): هي أن يُقال قول أو يفعل فعل أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو أمام غيره فيراه أو يسمع به فيسكت عنه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشرِع لا يجوز سكوته على معصية، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته.
أمّا مراتب السنة الشريفة من حيث ثبوتها: فقد قسمها الأصوليون إلى أقسام ومراتب تبعاً لطريق ثبوتها ودرجته، فقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين: السنة المتواترة، والسنة الأحادية، و(السنة المتواترة): هي: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته التي وردت إلينا مستوفية شروط التواتر من حيث سندها، والسنة المتواترة قليلة جداً بشكل إجمالي، وهي في أفعاله أكثر منها في أقواله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن السنة الشريفة القولية المتواترة قليلة جداً.
و(السنة الأحادية): وهي ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد أو أكثر لم يبلغوا حد التواتر في كل القرون، أمّا مراتب العلم المستفاد من السنة الشريفة: قال جمهور أهل العلم: الحديث المتواتر يفيد القطع أي العلم اليقيني، أما السنة الآحادية فإنها تفيد الظن، والسنة الشريفة هي الدليل الأصلي الثاني من أدلة التشريع الإسلامي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59]، وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)، وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65]، وكذلك فإنّ قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] فيه دليل على أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من السنة الشريفة إنما هو وحي من عند الله تعالى، وما كان من عند الله واجب الاتباع، لأن الله هو المشرع، فلذلك كانت السنة الشريفة واجبة الاتباع، والفرق بينها وبين القرآن الكريم، أنّ القرآن الكريم جاء عن طريق الوحي بلفظه ومعناه، أما السنة الشريفة فمعناها من الله تعالى، أما ألفاظها فمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنّ هناك أحاديث نبوية كثيرة تدل على وجوب اتباع السنّة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين ما إن اعتصمتم بهما فلن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنة نبيه) ([14]) . واخرجه الحاكم بلفظ: (إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، كتاب الله، و سنة نبيه) ([15]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله) ([16]) .
والسنّة حجة سواءً أكانت سواء أكانت قولية أم فعلية أم تقريرية، ولكن هذا ليس على إطلاقه، فإنّ الفقهاء يستثنون من السنة الشريفة الملزمة أمورا ثلاثة لا يعتبرون فيها حجية ما، وهي: الأعمال التي يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية، وجبلته الإنسانية، كطعامه وشرابه وقيامه وقعوده ومشيته ولباسه وغير ذلك، والأقوال التي تصدر عنه بمقتضى خبرته الإنسانية غير المعتمدة على الوحي وغير المتصلة بالأمور التشريعية، كصف الجيش، ولهذا لما رأى في بعض غزواته أن ينزل الجند في مكان معين قال له بعض صحابته: أهذا منزلٌ أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة”، فقال الصحابي: ليس هذا بمنزل، وأشار بإنزال الجند في مكان آخر لأسباب حربية بيّنها للرسول، وكذلك الآراء الدنيوية التي لا علاقة لها بالتشريع، ومثاله: ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم) ([17]) .
وكذلك ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل وقام دليل خاص على اعتباره خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعم غيره، فإنه لا يعتبر تشريعا لعامة المسلمين لهذا الدليل، من ذلك إباحة الله له التزوج بأكثر من أربع نسوة مع تحريم ذلك على المؤمنين بنص القرآن الكريم، أو قام الدليل على اعتباره خاصا بحالة واحدة، كشهادة خزيمة بشهادة رجلين، فما عدى هذه الأمور الثلاثة فهو سنة ملزمة للمؤمنين، وهو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي الأصــلية.
و (السنّة المشرفة) لها مكانة عظيمة من التشريع بعد القرآن الكريم، فهي قد تأتي مفسرة لما جاء في الكتاب الكريم مجملا أو مشتركا، أو مقيدة لما جاء مطلقا، أو مخصصة لما جاء عاما، وقد تكون مؤكدة لما جاء في القرآن الكريم، فتكون بذلك دليلا ثانيا للحكم بعد القرآن الكريم، والسنّة قد تثبت حكما زائدا على القرآن الكريم سكت عنه، ولم يتعرض له ولم ينص عليه، وأجاز الجمهور أن تنسخ حكما جاء به القرآن، فمن الاحكام التي كانت فيها السنّة مقررة ومؤكدة حكما جاء في القرآن، الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمنهيات التي دلت عليها آيات القرآن وأيدها سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقام الدليل عليها منهما.
ومن الاحكام التي كانت فيها السنّة مفصلِّة ومفسِّرة لما جاء في القرآن مجملا، مصداقا لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، ومن هذا السنن التي فصلت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، لأن القرآن أمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، ولم يفصل عدد ركعات الصلاة، ولا مقادير الزكاة، ولا مناسك الحج، والسنن العملية و القولية هي التي بينت هذا الإجمال؟ وكذلك أحل الله البيع وحرم الربا، والسنة هي التي بينت صحيح البيع وفاسدة، وأنواع الربا المحرم، والله حرم الميتة، والسنة هي التي بينت المراد منها ما عدا ميتة البحر، وغير ذلك من السنن التي بينت المراد من مجمل القرآن ومطلقه وعامه، وتعتبر مكملة له وملحقة به.
ومن الاحكام التي كانت فيها السنّة مثبِتَة ومنشِئَة حُكما سكت عنه القرآن، فيكون هذا الحكم ثابتا بالنسبة ولا يدل عليه نص في القرآن، تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطيور، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال، وما جاء في الحديث: “يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب”، وغير ذلك من الأحكام التي شرعت بالسنة وحدها ومصدرها إلهام الله لرسوله، أو اجتهاد الرسول نفسه، قال الإمام الشافعي في رسالته الأصولية: (لم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه، أحدها: ما أنزل الله عز وجل فيه نص كتاب، فسنَّ رسول الله مثل ما نص الكتاب، والآخر: ما أنزل الله عز وجل فيه جملة فبيَّن عن الله معنى ما أراد، والوجه الثالث: ما سنّ رسول الله مما ليس فيه نص كتاب) انتهى، ومما ينبغي التنبيه له: أن اجتهاد الرسول في التشريع أساسه القرآن، وما بثه في نفسه صلى الله عليه وسلم من روح التشريع ومبادئه، فهو يستند في تشريعه الأحكام إلى القياس على ما جاء في القرآن، أو إلى تطبيق المبادئ العامة لتشريع القرآن، فمرجع أحكام السنة إلى أحكام القرآن، ومنه يتبين أنه لا يمكن أن يقع بين أحكام القرآن والسنة تخالف أو تعارض، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4] [المفتاح الرابع]: (المصدر الثالث: الإجمـــــاع): والإجماع: هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، وهو في اصطلاح الأصوليين: (اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على حكم شرعي)، وركن الإجماع: الاتفاق قولا أو عملا، بأن يتفق المجتهدون جميعا، لا يتخلف عن ذلك واحد منهم، على قول واحد، سواء كانوا مجتمعين في مكان واحد أو لا، بأن يثبت عنهم جميعا الفتيا في مسألة معينة على حكم واحد، وكذلك اتفاقهم في العمل، بأن يصدر عن كل منهم العمل في المسألة على نهج واحد، وأدلة حجية الإجمــاع: قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء:115]، وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110]، ووجه الاستدلال بهذه الآيــة: أنّه يستحيل اجماع علماء خير أمة أخرجت للناس على ضلالة، فإذا اجتمعوا على الأمر بشيء يكون ذلك الشيء معروفا، وإذا نهوا عن الشيء يكون ذلك الشيء منكرا، فيكون إجماعهم حجة لذلك، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة:143]، ووجه الاستدلال بهذه الآيــة الكريمة كسابقه أي أنّهم أهل العدل الوسط فإن اجتمعوا فلا يجتمعون إلا على الصواب، كما أنّ هنالك أحاديث عدة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمجموعها عصمة هذه الأمة عن الخطأ والزلل، واستحالة اجتماعها على غير الحق، من هذه الأحاديث: (إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ) ([18]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) ([19]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن يد الله على الجماعة) ([20]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (من خالف الجماعة قدر شبر فقد مات ميتة جاهلية) ([21]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالسواد الأعظم) ([22]) .
وغير ذلك من الأحاديث الشريفة الكثيرة، ويُشترط في أهل الإجماع الذين يقبل إجماعهم شرطين اثنين، هما: بلوغ مرتبة الاجتهاد، والخلو من البدعة والفسوق، والفسق هو ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، وهو مورث للتهمة مسقط للعدالة، أما البدعة فهي دليل على أنّ صاحبها، إما متعصب أو سفيه أو جاهل، ولذلك لم يكن هذا من أهل الإجماع.
[المفتاح الخامس]: (المصدر الرابع: القيـــاس): هو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع، والقياس في الاصطلاح الشرعي هو: (مساواة الفرع للأصل في علة حكمه)، وقد ذهب علماء أهل السنّة والجماعة إلى الاحتجاج بالقياس، ولا يُعتد في ذلك بمخالفة أهل الظاهر، لأنّ خلافهم لم يعتد به فقهاء أهل السنّة والجماعة، ومن الأدلة على القياس: قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2]، والقياس نوع من الاعتبار، وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له: بم تقضي؟ قال بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله تعالي؟ قال: أقضي بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد فيما قضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجتهد برأيي، قال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله،([23]) .فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر معاذا على الاجتهاد برأيه فيما لا نص فيه، والقياس نوع اجتهاد، فكان مقرا به من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان مقرا به منه صلى الله عليه وسلم فهو سنة، والسنة حجة كما تقدم، ثم إن حديث معاذ هذا مشهور، والمشهور يفيد طمأنينة الظن كما تقدم في باب السنة الشريفة، فكان صالحا لإثبات القياس لذلك، ومما يدل على شرعية القياس: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقيس بنفسه كثيراً من الأحكام، ويذكر عللها، والرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا في كل أعماله وأقواله، فكان ذلك منه دليلاً على صحة القياس هنا، من ذلك حديث الخثعمية التي سألته عن جواز الحج عن والدتها فأجابها: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: بلى، قال: فدين الله أحق أن يقضى)، ([24]) .
ومما يدل على شرعية القياس: عمل الصحابة، وذلك أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يعملون بالقياس عند عدم النص، حتى بلغ ذلك مرتبة التواتر عنهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: ما روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من أنه سئل عن الكلالة ما معناها، فتلمس الدليل على ذلك من القرآن الكريم والسنة فلم يجد، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: الكلالة ما عدا الوالد والوالد، ومعلوم أن الرأي أصل القياس، والقياس فرع منه، وما روي عن عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم بعد ما أرسل أبا موسى الأشعري صلى الله عليه وسلم والياً على البصرة، وكتب إليه كتابا طويلاً فيه كثير من الحكم والأسس، جاء فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك) ([25]) .
فهو دليل ظاهر على أمره له بالقياس، وللقياس شروط بينتها كتب الفقه وأصوله، منها ما يتعلق بالأصل مثل أن يكون حكما شرعياً، وأن يكون ثابتاً بنص من الكتاب أو السنة الشريفة أو الإجماع لا غير، وأن يكون معقول المعنى واضح العلة،، ومنها ما يتعلق بالفرع مثل قيام علة حكم الأصل في الفرع، لأن القياس إنما هو تعديه الحكم من الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، فلا بد إذن من توافرها فيهما معا، وأن يساوي الفرع الأصل في علة حكمه بأن تكون العلة في الفرع مساوية لها في الأصل، فإذا كانت أنقص منها في الفرع لم يصح القياس،: ومنها ما يتعلق بالعلة، ومن شروطها: أن يدور الحكم معها في كل الأحوال، وأن تكون العلة مطردة منعكسة مع حكمها، بحيث يلزم من وجودها وجوده ومن عدمها عدمه في كل الحالات، وأن تكون ظاهرة منضبطة: فإذا كانت العلة خفية لم يجز النقل بها، والقياس دليل ظني وليس دليلا قطعيا خلافا لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة المتواترة والإجماع، وعلى ذلك فإنّ مصادر الفقه الأصلية المتفق عليها عند اهل السنّة والجماعة أربعة هي وتشمل: (1) القرآن، (2) السنّة، (3) الإجماع، (4) القياس، وثمانية مصادر أخرى مختلف فيها فيما بينهم، وتشمل: (5) الاستحسان، (6) الاستصلاح أو المصالح المرسلة، (7) العــرف، (8) مذهب الصحابــي، (9) عمل أهل المدينة، (10) شرع من قبلنا، (11) الاستصحاب، (12) سد الذرائع.
[المفتاح السادس]: (المصدر الخامس: الاستحسان): وقد اختلف العلماء في تعريفه اختلافاً كبيراً، والمعنى الصحيح المراد منه هو العدول عن القياس الجلي الظاهر لدليل خاص يراه الفقيه أحسن في حق أحكام الشريعة، وهذا هو الاستحسان الذي قال به الأحناف، وأما معارضة الشافعي للاستحسان، فهو محمول على الاستحسان بمجرد التشهي والعقل المجرد دون استناد إلى شيء من أدلة الشريعة المعتبرة، وهذا لا يقول به عامة الأحناف، وبالتالي فإن الخلاف في الاستحسان بين الحنفية والشافعية لفظي فقط، وذلك أن الاستحسان إن كان معناه ترك القواعد العامة في الشريعة للهوى فهو مردود عند كليهما من غير خلاف، وإن كان معناه ترك القواعد العامة لنصوص القرآن الكريم و السنة الشريفة والإجماع فذلك محط اتفاق بينهما، وأمّا المالكية والحنابلة فلم يقولوا بالاستحسان تحت هذا الاسم الخاص به، وإن كانوا يعملون به في تفريعاتهم للأحكام تحت أسماء متعددة.[المفتاح السابع]: (المصدر السادس: الاستصلاح أو المصالح المرسلة): وهو أحد المصادر التبعية، و(المصلحة): في اللغة المنفعة، وهي خلاف المفسدة مطلقا، وهي في الاصطلاح الشرعي (المصلحة التي لم يرد فيها دليل خاص بالاعتبار أو النفي)، والفقهاء يعلمون أنّ هناك تلازم بين المصلحة والشريعة، وذلك لأنّ الشريعة مبنية على تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة، فالشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة، وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة لا يشذ عنه شيء من أحكامها، وتنقسم المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع إلى ثلاثة أقسام: (مصلحة معتبرة شرعًا) وهي المصلحة الشرعية التي جاءت الأدلة الشرعية بطلبها من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو القياس، وذلك كالصلاة، و (مصلحة ملغاة شرعًا) وهي المصلحة التي يراها العبد – بنظره القاصر – مصلحة ولكن الشرع ألغاها وأهدرها ولم يلتفت إليها، بل جاءت الأدلة الشرعية بمنعها والنهي عنها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وذلك كالمصلحة الموجودة في الخمر، فهذا النوع من المصالح في نظر الشارع يعتبر مفسدة،، و (مصلحة مسكوت عنها) وهي التي لم يرد في اعتبارها أو إبطالها دليلٌ خاص من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، لكنها لم تخل عن دليل عام كلي يدل عليها، فهي إذن لا تستند إلى دليل خاص معين، بل تستند إلى مقاصد الشريعة وعموماتها، وهذه تسمى بالمصلحة المرسلة، وهذه تُعد عند المالكية من الأدلة الشرعية، فإنهم ذهبوا إلى الاحتجاج بالمصلحة المرسلة مطلقا، واعتبروها دليلا قائما بذاته من أدلة التشريع الإسلامي، وذهب جمهور الحنفية إلى عدم اعتبار المصلحة المرسلة دليلا قائما بذاته مستقلا عن غيره من أدلة التشريع الإسلامي، ولكنهم أدخلوها في أدلة أخرى، منها الاستحسان، فإنهم يرون صحة استحسان الضرورة، وهو ترك القياس لمطلق الضرورة المخالفة له، والمصلحة المرسلة ليست إلى تشريعا للحكم على مقتضى الضرورة التي هي المصلحة سواء خالفت القياس أم لم تخالفه، وإذا كانوا يقرون الضرورة في مقابلة القياس فهم يقرونها فيما ليس فيه قياس من باب أولى، وبذلك يمكن اعتبارهم ممن يأخذون بالمصالح المرسلة ضمنا، والشافعية لو تتبعنا تفريعاتهم وتفصيلاتهم للأحكام لوجدناهم يحتجون بالمصلحة المرسلة ويسلمون بحجيتها ضمنا كالحنفية، وبذلك يكون الجمهور ممن يأخذون بالمصالح المرسلة إن صراحة أو ضمنا، ولم يخالف في ذلك إلا القليل منهم، ومن الأدلة على ثبوت حجية المصلحة المرسلة: أن مصالح الناس متجددة متغيرة كل يوم، والحوادث لا تنتهي، ونصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع وعلل القياس محدودة، والمحدود لا يفي بغير المحدود، فكانت المصلحة المرسلة محتاجا إليها في إثبات الأحكام التي لم يرد فيها دليل، تلبية لداعي الحاجة، فكانت مصدرا تشريعيا لذلك، كما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم كثير من الأحكام الشرعية، وليس لها دليل إلا المصلحة المرسلة، دون اعتراض واحد منهم على ذلك، فكان ذلك إجماعا منهم على اعتبارها والاستدلال بها، من ذلك مثلا: جمع أبي بكر رضي الله عنه القرآن الكريم، فإنه ليس هنالك نص من كتاب أو سنة أو إجماع يقتضي وجوب جمعه أو يجيزه إلا المصلحة المرسلة، وكذلك استخلافه عمر بن الخطاب رضي الله عنهم من بعده، ومثله أيضا تضمين على رضي الله عنه الأجير المشترك ما هلك تحت يده بغير صنعه، وغيرها كثير، وللمصالح المرسلة مراتب، أهمها المرتبة الأولى وهي التي تتعلق بحفظ الضروريات، وهي خمس تتمثل في: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ الدين، ويليها المرتبة الثانية وهي حفظ الحاجيات، وهي المصالح التي إذا فاتت ألحقت بالإنسان حرجا وضيقا، ومن ذلك إباحة العقود والمبادلات المالية بأنواعها في حدود تأمين المصلحة، فإن في المنع منها حرجا كبيرا بالناس، ويليها المرتبة الثالثة والأخيرة وتتمثل في حفظ التحسينات، وهي المصالح المكملة والمزينة للحاجيات والضروريات، ولا يلزم من فواتها لحوق الحرج، ولكن شيء من الارتباك والتعقيد في بعض المصالح ومن تلك التحسينيات: التحلي بمكارم الأخلاق، والآداب الإسلامية، فإنها مكملة لمصالح الناس الحاجية، والمصالح المرسلة معتبرة بهذا الترتيب، فنقدم أو لا المصالح الضرورية، ثم التكميلية، ثم التحسينية، وذلك عند التضارب والتعارض فيما بينهما، فإذا لم يكن بينها تعارض، روعيت جميعا بقدر الإمكان، وقد وضع الفقهاء شروطا للعمل بالمصلحة المرسلة لئلا تكون الشريعة ألعوبة في أيدي الساسة، فيسخرونها لأغراضهم ويشرعون الأحكام وفقا لها على هواهم.
ولذلك اشترطوا لإعمال المصلحة المرسلة شروطا خمسة، هي:
(1) أن تكون المصلحة ضرورية أو حاجية، أما التحسينية فلا عبرة بها ولا حجية فيها، لأنه لا عسر في تركها، وقد تقدم بيان الضروريات والحاجيات والتحسينات.
(2) أن تكون حقيقية: وذلك بغلبة الظن النزيه أنها من جنس مقاصد الشارع، لأن المصلحة في هذا الباب هي المصلحة المشهود لها من قبل الشارع بالقواعد العامة، وليس كل ما جلب نفعا ودفع ضرا مطلقا، ثم بعد ذلك أن يكون نفعها غالبا على ضرها، لأن المصالح أمور نسبية كما تقدم، والعبرة فيها لما هو الغالب، فلو كانت مغلوبة لم تصلح لتشريع الحكم.
(3) أن تكون عامَّة: وذلك بأن تشمل عددا كبيرا من الناس، لا أن تكون خاصة لواحد منهم أو لفئة محدودة دون بقية الناس، ولكن ليس معنى هذا أن تكون شاملة للناس جميعا من غير استثناء، فإن ذلك متعذر، بل إذا شملت أكثرهم أو جنسا غير محدود منهم كانت عامة، كأن تعم البدو فقط، أو الحضر فقط، أو أرباب صناعة بكاملها دون الصناعات الأخرى.
(4) أن لا تكون معارضة بحكم ثابت بنص من القرآن الكريم أو السنة الشريفة أو الإجماع، فإن كانت معارضة بذلك لم تكن مرسلة، بل كانت مصلحة ملغاة، وهذا الاتفاق على منع الاحتجاج بها كما تقدم، لأنها مصلحة غير معتبرة من الشارع، ولأن النص مقدم عليها أيضا.
(5) أن تكون المصلحة معقولة المعنى، وإلا لم يجز اعتبارها، كالعبادات والمقدرات الشرعية، فإنها لا يجري فيها القياس كما تقدم، فلا تجري فيها المصلحة المرسلة من باب أولى، لأن المصلحة ما عرف نفعه من ضرره بالعقل، وهذه لا يستطيع العقل إدراك كنهها، ولذلك لا يستطيع معرفة الحسن منها من القبيح، فلا تكون معتبرة لذلك، والمصلحة المرسلة ظنية الدلالة مثل القياس، ولكنها أضعف منه في ظنيتها، لأن القياس له شاهد من الشريعة هو المقيس عليه، وهذه لا شاهد لها إلا القواعد العامة، ولذلك فإن القياس مقدم عليها، وبالتالي نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع مقدمة عليها أيضا من باب أولى، وهكذا تأتي المصالح المرسلة في الدرجة التالية للقياس في ترتيبها بين مصادر التشريع الأخرى.
[المفتاح الثامن]: (المصدر السابع: العــرف): وهو أحد المصادر التبعية، و(العرف): في اللغة: المعرفة، ويطلق على الشيء المعروف المألوف الذي استحسنته العقول واستطابته الأمزجة، وهو في اصطلاح الأصوليين: (ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول)، والعرف على نوعين: قولي وعملــي، فالقولـي: هو تعارف قوم على النطق بلفظ من الألفاظ على معنى معين، بحيث لا يتبادر إلى الذهن عند سماعه غيره، فهو في هذا يساوي الاصطلاح، والعملـي: هو تعارف قوم القيام بعمل معين، كأكلهم لحم الضأن دون غيره، وشربهم ماء النهر دون غيره، وأكلهم خبز بر دون غيره، والفقهاء على شبه الاتفاق على الاحتجاج بالعرف، وإن كانوا اختلفوا في شروط الأخذ به، وفي مرتبته بين المصادر التشريعية الأخرى إذا ما وقع التعارض بينه وبينها، واستدلوا لحجيته بأدلة منها: قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، حيث المراد بالعرف فيها الشيء المعروف المستحسن، وما أخرجه أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: (فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سيئ) ([26]) .
وقد بنى الفقهاء قواعد فقهية عديدة على أساس الاحتجاج بالعرف، منها: (العادة محكمة) و(الحقيقة تترك بدلالة العادة) و(استعمال الناس حجة يجب العمل بها) و(المعروف عرفا كالمشروط شرطا) وغيرها، ويشترط للعمل بالعرف شرط واحد هو أن لا يكون في مقابلة النص، قرآنا كان أو سنة، ولا في مقابلة الإجماع، فإن ورد العرف على خلاف ما جاء به النص كان باطلا لا حجة فيه، كأن يتعارف الناس على شرب الخمرة، أو فعل الزنا، أو أكل الربا، لأن هذه الأمور محرمة بنص الشارع، فيكون العرف على خلافها فاسدا لا حجة فيه، وإلا ألغيت كل أحكام الشريعة.
[المفتاح التاسع]: (المصدر الثامن: مذهب الصحابــي): وهو أحد المصادر التبعية الثمانية الباقية، و (الصحابي): هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإيمان، وقد اختلف الفقهاء في الاحتجاج بمذهب الصحابي وما صدر عنه من أقوال وأعمال وفتاوى، على أقوال متعددة وفق قول الصحابي، فإن كان قولاً لا مجال للرأي فيه، لأنه حكم غير معقول المعنى، فهذا النوع حجة عند جميع الفقهاء دون خلاف، لأنه في حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث المرفوع حجة بالإجماع، فكذلك هذا، وإن كان قولاً عن اجتهاد في الرأي، فوافقه عليه الصحابة جميعا دون خلاف، قولا أو سكوتا، فإن هذا النوع حجة عند جمهور الفقهاء، لأنه داخل في حد الإجماع القولي أو السكوتي، والإجماع القولي حجة كما تقدم بالإجماع، وكذلك الإجماع السكوتي عند الجمهور، فيكون قول الصحابي هذا حجة لذلك، وإن كان قولاً عن اجتهاد في الرأي، ويخالفه فيه غيره من الصحابة وينازعه فيه، فإن هذا النوع ليس بحجة على صحابي آخر غير قائله بإجماع المسلمين، وإلا لما جاز اختلاف الصحابة فيما بينهم، ولما وقع منهم ذلك، لكنه وقع اختلاف في كثير من المسائل بينهم، فدل ذلك على عدم الزامه لهم، أما بالنسبة للتابعين ومن بعدهم فقد اختلف الأئمة على الاحتجاج به على قولين: (أ) مذهب الجمهور، ومنهم الحنفية والمالكية والحنبلية وهو الاحتجاج به وتقديمه على القياس إذا عارضه، (ب) مذهب الشافعي، وهو عدم الاحتجاج بقول الصحابي، إلا للاستئناس به فإنه معتبر عنده من غير إلزام، وهذا هو الأقرب إلى أصول الفقه والشريعة.
[المفتاح العاشر]: (المصدر التاسع: عمل أهل المدينة): وهو أحد المصادر التبعية الباقية، ويرى مذهب المالكية حجية عمل أهل المدينة وذلك لما للمدينة المنورة من منزلة خاصة، لا تشاركها فيه مدن الأمصار الأخرى، فهي الدار التي استقر فيها مقام الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي مركز الخلافة الراشدة، وموطن أكثر الصحابة الأجلاء علماً وعملاً، ومنـزل أفاضل العلماء من التابعين وتابعيهم، والمقصود بعمل أهل المدينة: هو الأمر المتوارث المنقول عن أهل المدينة والمتفق عليه فيما بينهم من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، إلى عهد الإمام مالك رحمه الله تعالى وهو عصر صغار التابعين، ومثال ذلك ما نقله الإمام مالك رحمه الله تعالى عنهم في بعض أحكام المزارعة والأوقاف، ومقادير الصاع والمد، وصفة الآذان والإقامة، وبعض احكام العبادات كترك الجهر بالبسملة في الصلاة، والتفريق بين النهار والليل في مسالة الجمع بين الصلاتين في حالة المطر، وغير ذلك من أحكام أرجعها الإمام مالك إلى عمل أهل المدينة، وقدمها لتواترها عنده على أخبار الآحاد، هذا وقد رأى فقهاء المالكية: أن العمل النقلي لأهل المدينة حجة يجب المصير إليها عند التعارض، ويترك بها غيرها من الأدلة، لأنها من باب النقل، وأنّه يمتاز عن غيره بكونه متواتراً، لأنه نقل جيل عن جيل، وقد جعل المالكية لعمل اهل المدينة شروطا حتى يتسنى لهم الاستدلال به، ومن ذلك: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه، وأن يكون منقولا عن الصحابة أو التابعين من أهل المدينة فيما لا اجتهاد فيه وذلك لتعلمهم إياه من الصحابة، وأما في مسائل الاجتهاد فأهل المدينة عند مالك كغيرهم من بقية الأمة، أما جمهور الفقهاء، وهم عامة الشافعية والأحناف والحنابلة، فإنّهم يقدمون خبر الآحاد على عمل أهل المدينة إذا كان يخالف الخبر الثابت عندهم، وحجتهم في ذلك أن الخبر دليل نصي واما العمل فدليل ظني، والنص مقدم على الظن كما أن القول مقدم على العمل في قواعد الترجيح، والراجح من هذين القولين على وجه العموم: هو قول الجمهور، وعند التفصيل فإنّ قول أهل المدينة منه ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد وعدم إخراج الزكاة من الخضروات وهذا حجة بالإجماع، ومنه ما إذا تعارض في المسألة دليلان وجهل أيهما أرجح من الآخر وأحدهما معتضد بعمل أهل المدينة، فمذهب مالك والشافعي ووجه عند الحنابلة أنه يرجح بعمل أهل المدينة، وذهب أبو حنيفة ووجه آخر عند الحنابلة إلى أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة، أما العمل المتأخر بالمدينة فالذي عليه أئمة الفقهاء أنه ليس بحجة شرعية، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة وهو كذلك قول المحققين من أصحاب مالك.
[المفتاح الحادي عشر]: (المصدر العاشر: شرع من قبلنا): وهو أحد المصادر التبعية الباقية، والمقصود به شرائع الأنبياء السابقين على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كإبراهيم ونوح وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل الذين قص علينا القرآن الكريم أخبارهم، و(شرع من قبلنا) على أربعة أنواع:
(النوع الأول): أن يكون شرعًا لنا إجماعًا إذا دل الشرع الإسلامي على اعتباره ومثاله الصيام كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]
و(النوع الثاني): هو أن يكون ليس شرعًا لنا إجماعًا إذا دل الشرع الإسلامي على نسخه وإلغائه ومثاله حكم الغنائم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الغنائم كانت محرمة على من قبلنا ثم أبيحت لنا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، فهذا منسوخ في حقنا باتفاق الفقهاء لقيام الدليل الشرعي على نسخه.
و(النوع الثالث): إذا لم يرد له ذكر في الكتاب و لا في السنة كالأحكام المأخوذة من الإسرائيليات فهذا ليس شرعا لنا بالإجماع كما في حديث أبي هريرة أن أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية و يفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و قولوا {آمنا بالله وما أنزل إلينا و ما أنزل إليكم}،
و(النوع الرابع): أن يأتي شرع من قبلنا في القرآن أو بطريق ثابت من السنّة على صورة غير ملزمة ولا منسوخة، وهذه هي التي اختلف فيها الفقهاء، على قولين: أنّه شرع لنا، واستدلوا بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام:90] وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:123]، والقول الثاني: أنّه ليس شرعاً لنا، واستدلوا بقوله تعالى: {وأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]، فهذا يدل على أن شريعة كل أمة من الأمم السابقة خاصة بها لا حجية فيها على غيرها، واستدلوا بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً} [المائدة:3]، وكمال الدين يقتضي عدم الحاجة إلى دليل آخر، واستدلوا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا وسأله بم تقضي، وأجابه بأنه سوف يقضي بالقرآن والسنة والاجتهاد، أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولو كان شرع من قبلنا دليلا وحجة لأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، ولكنه سكت ولم يرشده إليه، فدل على أنه لا حجة علينا فيه، واستدلوا بكون الشرائع السابقة خاصة بالأقوام التي نزلت فيهم، والعموم هو من خصائص شريعتنا فقط، لما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)، ([27]) .
فدل ذلك على أن الإلزام في الشرائع السابقة ليس إلا للأقوام الذين أنزلت فيهم، فلا يكون فيها إلزام علينا، ولابد من الإشارة إلى أن البحث والاختلاف في هذا كله اختلاف غير ذي موضوع، لأنه غير حاصل من الناحية العلمية، فان الله تعالى لم يقص علينا من شرائع من قبلنا شيئاً إلا وبين نسخه أو اعتباره، فكان المدار على ذلك النسخ أو الاعتبار، ولهذا فإنّ الخلاف في المسألة لفظي فقط، لأن القائلين بشرع من قبلنا لا يعتبرونه دليلا مستقلا و إنما هو راجع إلى الكتاب و السنة إذا ذكر فيهما من غير إنكار، و من لا يرى حجيته يعمل به لوروده في الكتاب و السنة لا أنه تشريع لنا.
[المفتاح الثاني عشر]: (المصدر الحادي عشر: الاستصحاب): وهو أحد المصادر التبعية : وهو في اصطلاح الأصوليين: (الحكم ببقاء أمر كان في الزمان الأول ولم يظن عدمه)، وهو يعني أن الحكم الذي جاء الدليل بإثباته يبقى مستمرا حتى يظن ورود ما ينافيه، والاستصحاب دليل قال به الحنابلة، وله أنواع منها استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب دليل العقل، أو استصحاب العدم الأصلي، أو استصحاب دليل الشرع، مثل استصحاب عموم النص حتى يرد تخصيص، أو استصحاب العمل بالنص حتى يرد ناسخ له، أو استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته واستمراره لوجود سببه حتى يثبت خلافه، هذا وقد اختلف الفقهاء في الاحتجاج بالاستصحاب واعتباره مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي على مذاهب عديدة، فقد ذهب الحنابلة وجمهور الشافعية على أنّ الاستصحاب حجة في الدفع وفي الإثبات مطلقا، ما دام لم يعارضه دليل آخر، وذهب جمهور الحنفية إلى أن الاستصحاب لا يصلح دليلا لإثبات الأحكام، ولكنه دليل صالح لنفيها أو دفعها فقط، وذهب بعض الحنفية إلى أنّ الاستصحاب حجة في الإثبات لا في الدفع، ومن الأدلة على اعتبار الاستصحاب كحجة شرعية: أن إثباته أمر ضروري يقضي به العقل، فإن ما تحقق وجوده أو عدمه في زمان ما لقيام الدليل عليه ولم يثبت دليل معارض له مما يظن أو يغلب على الظن معه أنه يلغيه يعتبر لزوم بقائه أمر ضروري عقلا، والظن يصلح دليلا في الأحكام العملية، فيكون الاستصحاب دليلا صحيحا لذلك، كما أن الإجماع منعقد على وجوب العمل بالاستصحاب ضمنا، بدليل الإجماع على بقاء شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبقاء الشرائع السابقة إلى حين ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، وإن ذلك محل اتفاق، وليس له دليل إلا استصحاب الحال، فكان الاستصحاب دليلا صحيحا لذلك، كما أن الإجماع منعقد على الأخذ بالاستصحاب في كثير من فروع الشريعة الإسلامية، منها الحكم ببقاء الوضوء كما جاء في المثال السابق ما دام المتوضأ لم يظن نقضه،، وكذلك بقاء الحدث فيما لو لم يظن المحدث أنه توضأ، وفروع كثيرة مثله، فيكون ذلك إجماعا على اعتبار الاستصحاب والأخذ به، والإجماع حجة قاطعة، فيكون الاستصحاب حجة لذلك، ولكن يُلاحظ أنّ الاستصحاب عند القائلين بحجيته دليل ظني ضعيف، لأنه دليل عند فقدان الدليل، فلا يعتد به مع وجود أي دليل آخر.
[المفتاح الثالث عشر]: (المصدر الثاني عشر: سد الذرائع): وهو أحد المصادر التبعية: ومعناه: منع الوسائل المفضية إلى المفاسد، والمقصود به (منع المباحات التي يتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات)، ومذهب المالكية والحنابلة أن سد الذرائع دليل شرعي تبنى عليه الأحكام، فمتى أفضى الفعل إلى مفسدة راجحة أو كان الغالب فيه الإفضاء إلى المفسدة أو قصد به فاعله الإفضاء إلى المفسدة وجب منعه، وذهب الشافعية والحنفية إلى عدم الاستدلال بهذا الدليل إلا أن يرد معه نص أو إجماع أو قياس مخافة أن يُفضي التوسع في ذلك إلى تحريم الحلال، ومما استدل به المالكية والحنابلة على هذا المصدر: (سد الذرائع): قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ١٠٨]، ووجه الاستدلال أن الله منع المسلمين من سب آلهة الكفار مع أنها تستحق السب والشتم، ولكن منع من سبها حتى لا يسبوا الله، وهذا ظاهر في سد الذريعة المؤدية إلى المفسدة، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} [ البقرة: ١٠٤]، ووجه الاستدلال أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم راعنا، منعا لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم راعنا، من الرعونة، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا : يا رسول الله ! وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم، يسب أبا الرجل ؛ فيسب أباه ؛ ويسب أمه ؛ فيسب أمه) ([28]) . فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء، ومن المستفاد من تطبيق هذا المصدر: منع القاضي من أخذ الهدية لئلا يكون ذريعة إلى أخذ الرشوة، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هدايا العمال غلول)، ([29]) .
وقد اكثر المالكية من العمل بهذا الأصل حتى كاد ان ينسب إليهم، وحجتهم فيه أنّ الشارع سبحانه وتعالى ما شرع أحكامه إلا لتحقيق مقاصدها من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا كانت الوسيلة تفضي إلى مفسدة كانت مفسدة يجب منعها لما ينجم عنها من المفاسد، وكل مسألة ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل محظور ينبغي منعها من باب سد الذرائع، ويقولون: كما أن وسيلة الواجب واجبة، عملا بالقاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فكذلك وسيلة المحرم محرمة، وإن كانت في أصلها من المباحات.
***
المبحث الثالث أدوار تطور الفقه الإسلامي
ويمكن تقسيمها إلى سبعة مراحل:
(1) المرحلة الأولى: الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (عصر التشريع).
(2) المرحلة الثانية: الفقه في عصر الصحابة رضي الله عنهم (عصر جمع القرآن).
(3) المرحلة الثالثة: الفقه في عصر التابعين (عصر تدوين السنة وبداية استقلال علم الفقه).
(4) المرحلة الرابعة: الفقه في عصر الأئمة المجتهدين (عصر تمام الفقه وتكامله).
(5) المرحلة الخامسة: القيام على المذاهب وتأييدها واستقلال المذاهب الأربعة واكتمال بنيانها.
(6) المرحلة السادسة: الفقه في عصر التقليد والتعصب المذهبي للمذاهب.
(7) المرحلة السابعة: الفقه في العصر الحديث بعد إقصاء الشريعة عن الحكم والتشريع.
***
[المفتاح الأول]: المرحلة الأولى: الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (عصر التشريع) : بدأت هذه المرحلة من بعثة الرسول (صلي الله عليه وسلم) واستمرت إلى انتقاله (صلي الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، وهي ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، وفي تلك الفترة: كانت آيات القرآن الكريم تتنزل بأصول التشريع والأوامر والنواهي، وبيان الحلال والحرام، وبيان أحكام العبادات والمعاملات، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة الكرام الأحكام الشرعية بما آتاه الله تعالى من القرآن والسنة، عملا بقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقد كان صلي الله عليه وسلم يصلي، ويقول: “صلوا كما رأيتموني أصلي ” ([30]) . وكان يفعل المناسك، ويقول: (لتأخذوا مناسككم) ([31]) .
وكان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في معرفة حكم الشرع في أي مسألة أو عمل أو قول، وقد كان يعرض لبعضهم قضايا وهم بعيدون عنه عليه الصلاة والسلام، فيجتهدون فإذا عادوا إليه سألوه عما فعلوا، فإما أن يقرهم على اجتهادهم أو يصحح خطئهم، وكان التشريع في تلك المرحلة منحصراً في الوحي (الكتاب والسنة)، أو مؤيدا من الوحي ؛ وكانت هناك اجتهادات تصدر من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الوحي يتنزل على الرسول (صلي الله عليه وسلم) بإقرار اجتهاده أو عدم إقراره ومعاتبته، كما حدث في أخذ الفداء من أسرى بدر عندما خاطبه المولى بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْأَنْفال: 67-69]، وكما حدث في إذنه للمنافقين في غزوة تبوك، فخاطبه المولى بقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، لكن إذا لم ينزل الوحي بخلاف اجتهاده صلى الله عليه وسلم عُلم أنه هو الصواب؛ كما في استثنائه (الإذخر) من التحريم بمكة؛ والترخيص بغسل الأواني من لحوم الحمر الإنسية بدلاً من كسرها.
[إذن الرسول (صلي الله عليه وسلم) لعلماء الصحابة في الاجتهاد]: وفي هذه المرحلة المباركة إذن الرسول (صلي الله عليه وسلم) لعلماء الصحابة في الاجتهاد، فقد أخرج الإمام أحمد ابن حنبل في مسنده و أبو داود في سننه و الترمذي في سننه و البيهقي في سننه الكبرى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله قال أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله} ([32]) .
وفي هذا الحديث رسم الرسول صلى الله عليه وسلم المنهاج في الاجتهاد لمن ملك أدواته، وذلك بالبحث أولا في كتاب الله تعالي، إذا وجد النص فيه، وإذا لم يجد النص فيه اتجه إلى السنة، وإذا لم يجد النص في كتاب ولا في سنة اجتهد قدر طاقته، ويفهم من هذا الحديث العظيم أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر معاذا على الاجتهاد إذا لم يجد نصا فى الكتاب أو السنة، وهذا يتضمَّن الإذن للمؤهَّلين من علماء المسلمين بفَهم الأحكام من القرآن واستنباطها، والإذن لهم باستنباط الأحكام، قياسًا على الأشباه والنظائر، أو استبصارًا بمقاصد الشريعة وأحكامها كلما اضطرهم الأمر إلى الاجتهاد؛، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوِّب من أصاب باجتهاده من أصحابه، ويردُّ مَن أخطأ إلى وجه الصواب، إذ كانوا يعرضون عليه فتاواهم أو تصرفاتهم التي اعتمدوا فيها على اجتهاداتهم الخاصَّة بعد مرور الحوادث التي اجتهدوا فيها.
[اجتهاد الصحابة في زمان النبي (صلي الله عليه وسلم)]: اجتهد سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه في الحكم على بني قريظة بعد غزوة الخندق، وأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاده، وقال: (قضيت بحكم الله عز وجل) ([33]) . وكذلك أقرّ من رقى بالفاتحة على اجتهاده وقال له: (وما يدريك أنها رقية)، ([34]) . كما أنه صلي الله عليه وسلم لم يقرّ عماراً رضي الله تعالى عنه حين اجتهد فتمرّغ في التراب إذ لم يجد الماء ليتطهر؛ وإنما أخبره بصفة التيمم، وكذلك فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في فهم قوله (صلي الله عليه وسلم): (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ([35]) . ففهم بعضهم تأخير العصر حتى يصل بني قريظة؛ وفهم آخرون أن القصد هو الحض على سرعة السير إلى بني قريظة، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم الطائفتين، و وأقر النبي صلى الله عليه وسلم اجتهاد الصحابيين اللذين صليتا بالتيمم؛ فلما وجدا ماء أعاد أحدهما ولم يُعد الآخر؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أعاد: (لك الأجر مرتين) ؛ وقال للذي لم يُعد: (أصبت السنة) ([36]) .
وأهم ما تميز به التشريع في هذه المرحلة (مرحلة النبوة): العصمة إذ أن الفقه كان يعتمد اعتماداً فعلياً على مصدرين فقط هما القرآن والسنة، وهما الوحي النازل من عند الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].
[المفتاح الثاني]: المرحلة الثانية: الفقه في عصر الصحابة رضي الله عنهم: بدأت الفتوحات، واتسعت حاجة الصحابة للاجتهاد بسبب دخول كثير من الناس في دين الله أفواجا وانفتاح الإسلام على شعوب وأمم أخرى، فتعرضوا لقضايا جديدة لم تقع أيام رسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل فيها وحي، ولابد من معرفة الحكم الشرعي فيها، وكذلك فإن الصحابة كانوا قد تفرقوا في البلاد، ولم يعرف كل واحد منهم كل السنة، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كلاما، أو يقوم بأفعال في حضرة بعض الصحابة وغياب البعض الأخر،، فكان ذلك يدفع بعضهم للاجتهاد في مسائل لم يبلغهم فيها شيء، وإن كان البعض الآخر يروي فيها شيئا عن رسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان الفقهاء في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرين؛ حيث عد العلماء الذين حُفظت عنهم الفتوى من الصحابة رضي الله عنهم أكثر من مئة وثلاثين نفساً منهم ومن هؤلاء كان منهم المكثرون في الفتوى، والمتوسِّطون فيها، والمقلِّون؛ فالمكثرون سبعة هم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومن المتوسطين في الفتاوى: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقَّاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، أمَّا المقلُّون من الصحابة في الفتاوى فمنهم: أبو الدرداء وأبو عبيدة والنعمان بن بشير وأبي بن كعب وأبو طلحة وأبو ذر وصفية وحفصة وأم حبيبة، وقد اتسمت كثير من اجتهادات هذه المرحلة بالجماعية، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى؛ فإن لم يجد فيه ما يقضي به؛ نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد فيها ما يقضي به؛ سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيها بقضاء؟ فإن قام إليه أحد فقال: نعم؛ قضى فيها بكذا، قضى بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس واستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر رضي الله عنه يفعل مثل ذلك، وكان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم يتشددون في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لا يقبلان الحديث من أحد إلا إذا أتى بمن يشهد له ويصدّقه، حرصا على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أصحاب السنن الخمسة إلا النسائي عن قبيصة بن ذؤيب قال: (جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر) ([37]) . وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع الأنصار؛ فجاء أبو موسى الأشعري فزعاً؛ فقالوا: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه؛ فأتيته فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فأرسل إليّ عمر يقول: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلّمت على بابك ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت؛ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع”، فقال: والله لتقيمن عليه بينة، فهل منكم من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب رضي الله عنه: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم؛ فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك) ([38]) .
وأهم ما تميزت به هذه المرحلة المباركة: جمع القرآن ورواية جميع السنة،
[أولاً: جمع القرآن الكريم]: وقد تم جمعه على مرحلتين: (الأولى): في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وكان سببه كثرة الشهداء من القراء أيام المرتدين، فقد أخرج البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إليّ أبو بكر الصديق فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، ثم قال أبو بكر لزيد: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتَتَبّعِ القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال… فكانت الصحف عند أبي بكر رضي الله عنه حتى توفاه الله؛ ثم عند عمر رضي الله عنه حياته حتى توفاه الله؛ ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم. ([39]) .
و(الثانية): في عهد عثمان رضي الله عنه، وكان سببه ما أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه:(أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قد على عثمان رضي الله عنه وكان يغازي أهل الشام في فتح (أرمينية وأذربيجان) مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كاختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيدَ بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم؛ ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) ([40]) .
[ثانياً: رواية السنّة النبوية المشرفة]: استجاب الصحابة رضوان الله عليهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى نقل كلامه حين قال: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) ([41]) .
عشرون صحابيًّا يَرْوون هذا الحديث بألفاظ عِدَّة، وهذا الحديث قد صحَّ من رواية ابن مسعود، أخرجَها أحمد والترمذي وابن ماجه وصحَّ من حديث زيد بن ثابت، أخرجها أحمد وابن ماجه، والدارمي] وعليه فلم ينتهِ عهد الصحابة حتى نقلوا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كاملاً غير منقوص، وإذا كان قد غاب عن بعضهم أحاديث فإنه لا يغيب عن جميعهم، قال الإمام الشافعي رحمه الله: (إن كل الصحابة قد رَوَوْا أخبار الرسول، وأحاديثه، وفتاويه، فإذا كان عصر النبي -عليه الصلاة والسلام- هو عصر تبليغ الشريعة فعصر الصحابة هو عصر حفظها، ونقلها للأخلاف غضَّة خصبة كما بيَّنها النبي الأمين) ([42]) .
وقد كان فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم هم أئمة الفقه حقا لأنهم تتلمذوا في مدرسة النبوة، وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات الفقهاء والمفتين والعلماء فيها، فما فقه التابعين ولا من جاء بعدهم من الفقهاء إلا حسنة من حسناتهم لأنهم على الصحابة تتلمذوا ومن فقهم للدين تعلموا وغرفوا، ولقد ألحق كثير من الفقهاء آراء الصحابة وفتاواهم من السنة ؛ لأن أقوالهم إما سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإما مستلهمة من وحيها، أو نابعة من نبعها، فهم رضي الله عنهم أفقه الناس لرُّوح الإسلام وأعلمهم بمقاصده؛ لأنهم تخرَّجوا في مدرسة النبوة، وشاهدوا أسباب نزول الآيات، وورود الأحاديث، مع سلامة فطرة، ونور بصيرة، وتوجَّه للحقِّ، وجودة في الفَهم، وتمكُّن من اللغة، ولهذا إن اجتمعوا على رأي فهو الحق، أو نقل عن عدد منهم، ولم يُعْرَف لهم مخالف، فكان أقرب ما يكون من دين الله تعالى.
[مدارس الصحابة الفقهية]: قد تميّز في هذا العصر أربعة من كبار فقهاء الصحابة – على وجه الخصوص- كانوا مكثرين في الفقه والفتوى ؛ وقد أسس كل واحد منهم مدرسة فقهية خاصة تكفّل تلاميذها من التابعين بنشر علمها وفقهها، وهؤلاء الأربعة الكبار هم: (عبد الله بن مسعود) و (زيد بن ثابت) و (عبد الله بن عمر) و (عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهم، وعلوم الدين والفقه والعلم انتشرت في هذه الأمة من طريق أصحاب هؤلاء الأربعة: فأما أهل المدينة فعلمهم عن أصحاب زيد بن ثابت و عبد الله بن عمر، وأما أهل مكة فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن عباس، وأما أهل العراق فعلمهم عن أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن أشهر تلاميذ (زيد بن ثابت) و (ابن عمر) في المدينة المنورة: فقهاء المدينة السبعة من كبار التابعين الذين انتهى لهم العلم والفتيا في المدينة المنورة بعد وفاة الصحابة، وهم عروة بن الزبير و سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة و سليمان بن يسار مولى أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، ومن أشهر تلاميذ (عبد الله بن عباس) في مكة المكرمة: مجاهد بن جبر؛ وعطاء بن أبي رباح؛ وطاووس بن كيسان، ومن أشهر تلاميذ (عبد الله بن مسعود) في مدرسة العراق وفي الكوفة خاصة: علقمة النخعي، والأسود بن يزيد، وإبراهيم الشعبي، ومسروق بن الأجدع، ومع ذلك لم تخل سائر الأقطار الإسلامية من علماء تخرجوا من مدارس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صاروا مرجع الفتيا في بلادهم ؛ فمثلاً: تخرّج في البصرة من مدرسة (أنس بن مالك) و (أبو موسى الأشعري) رضي الله عنهما: الحسن البصري و محمد بن سيرين، وفي الشام من مدرسة (معاذ بن جبل) و (عبادة بن الصامت) و (أبي الدرداء) رضي الله عنهم: أبو إدريس الخولاني ومكحول الدمشقي ثم الأوزاعي، وفي مصر من مدرسة (عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله عنه: تخرج يزيد بن حبيب ثم الليث بن سعد.
[الفقه في هذا العصر واقعياً]: كان الصحابة رضوان الله عليهم هم أصحاب السلطان وفيهم الخلافة ولديهم من شئون الدولة وأمور السياسة ما يحد من وقتهم، واذا علمنا ذلك علمنا أن االاستفتاء لم يكن قاصرا علي من دخلوا جديدا في الإسلام من غير العرب حتي يعلموا أمور دينهم، بل كان هناك من المسلمين القدامي أنفسهم الذين لم يكن لهم حظ الإلمام بدقائق القرآن والإحاطة بالسنة، ولم تمكنهم ظروفهم من مخالطة الرسول-صلي الله عليه وسلم- وملازمته وليس لهم ملكة فقهية، والقرآن الكريم لم يكن في متناول كل فرد منهم، وان السنة لم تكن قد جمعت فضلا عن أنهما قد جاءا بأحكام وقواعد يصعب علي العامة فهمها واستنتاج الأحكام منها، يضاف إلي ذلك أن الصحابة الذين يقومون بالافتاء والقضاء تفرقوا في المدن وخاصة بعد عهد عمر تبعا لاتساع الفتح وارتفاع الحظر، وأنهم كانوا علي جانب كبير من الورع مما جعل بعضهم يحيل الفتوي علي غيره مهابة وورعا. خاصة بعد ظهور بعض الأفراد ممن أرادوا الكيد للإسلام رغم تظاهرهم به كعبدالله بن سبأ ومعاونيه الذين كانوا يفترضون المسائل ويطلبون فيه حكما، ولا يقصدون بها إلا بلبلة الأفكار وتشكيك الناس.
كل هذه العوامل كانت سبباً لقصورهم الفتوي علي المسائل الواقعية فعلا، ولا يجيبون علي المسائل الافتراضية، فقد روي أن زيد بن ثابت أنه كان إذا استفتي في مسالة سأل عنها، فإذا كان الموضوع الذي تطلب فيه الفتوي قد حدث ووقع فعلا أفتي، وإلا قال:( دعوها حتي تكون)
والملاحظ أن الخلفاء كانوا يحتاطون جداً للتثبت مما يروي لهم علي أنه سنة عند الإفتاء أو القضاء نظراً لأنها لم تكن دونت بعد، ولم تكن دونت بعد، ولم يكن الجميع قد ألم بها بل منهم من سمع عن الرسول شيئاً لم يسمعه غيره ّإذ لم يكن حاضرا ًفضلاً عن تفاوتهم في الاستيعاب والحفظ والفهم ومعرفة المناسب وقد أدي كل هذا إلي اختلاف في رواية بعض الأحاديث وشيوع التحريف فيها. ([43]) .
[تفرق الصحابة وتنازعهم السياسي وأثره في الفقه]:
تفرق الصحابة علي المدن تبعاً لاتساع الفتح، وكان فيهم الحكم والقضاء وكان من آثار هذا انتشار رواية الحديث والتحريف فيها، ووجود فتاوي مختلفة وأحكام متباينة في الواقعة الواحدة لاختلافهم في تفهم آيات الأحكام ولعدم تدوين السنة، وتعذر عقد جمعيتهم التشريعية لبعد الشقة بين تلك المدن المختلفة فضلاً عن أن طرقهم في البحث كانت متعددة فمنهم من كان يقف عن الدلالة اللفظية للنص الوارد في أصل التشريع، ومنهم من كان ينظر إلي العلة التي بني الحكم عليها فيحكمها ويقيس النظير علي النظير، ومنهم من كان يحكم المصلحة التي جاءت بها الشريعة، وكثيراً ما كانوا يرجعون إلي ما تدل عليه العادة وترشد إليه ظروف الحياة، وقد كان هذا الاختلاف في منهج البحث مما أدي إلي تعدد المذاهب واختلاف الآراء.
ومن ناحية أخري فإن الإسلام لم يكد يبلغ أشده حتي دهمته ريح عاتية من الفورات والأهواء المتباينة أثرت في خطاه كما أثرت في مصاير الدولة الإسلامية لأن النظم الروحية والسلطة الزمنية نشأتا في المجتمع الإسلامي ممتزجتين مجتمعتين.
ومع هذا تركت هذه الحوادث المتتالية وراءها أحزاباً، فهؤلاء الأمويون وقد كان فيهم الحكم والشيعة الذين تشيعوا لعلي وآل بيته، وهؤلاء الخوارج الذين كانوا في ركب علي وفي صفوف جيشه، قد خرجوا عليه لما قبل التحكيم بينه وبين معاوية، وهؤلاء المرجئة الذين سالموا الجميع، وكان من أثر هذا أن تفرق المسلمون وتباعدوا، وهم متفاوتون في فهم الكتاب واستيعاب السنة، بل هذا التحزب جعل كل فريق لا يثق فيما انفرد بروايته الفريق الآخر من الأحاديث، وخصوصاً إذا كانت تتعلق بنظام الحكم والقضاء، كما أن الحكماء أنفسهم كنتيجة لهذا الانقسام انصرفوا عن الدين للسياسة وأحدثوا في الدين مالم يكن منه، فجعلوا الحكم وراثياً في بيت معاوية، إلي غير ذلك مما أوجد جفوة بين الفقهاء والحكام.
كل هذا جعل مهمة الفقهاء شاقة، وإن كان قد ترتب علي انحراف الخلفاء الأمويين عن سيرة سلفهم الصالح اعتزال الفقهاء الحياة العامة والاعتكاف علي نشر السنة والفقه، وقد تبع هذا أن علم الفقه بدأ يستقل ويصير له كيانه وموضوع يخصه، وأصبح يراد من العلم معرفة النصوص، ومن الفقه ملكة فهم الأحكام من تلك النصوص.
وأكثر من هذا فقد تمكن الدساسون من وضع الأحاديث المكذوبة، ولعل كل هذه الأمور كانت سبباً في وجود نزعتين في الفقه الإسلامي: نزعة تنتحي ناحية الرأي والاجتهاد والتوسع في ذلك بحثاً وراء علل الأحكام، وأخذوا يفترضون المسائل ويستنتجون أحكامها، وأخري تقف عند النص وتقف عند المسائل التي وقعت ولذا كان فقههم واقعياً كما كان هذا أيضاً منبهاً لتدوين السنة والفتاوي. ([44]) .
[المفتاح الثالث]: المرحلة الثالثة: الفقه في عصر التابعين: الفقه في هذا المرحلة امتداد للمرحلة السابقة لأن زمام الفقه كان بيد فقهاء كبار التابعين الذين ساروا على نهج الصحابة ؛ إذ جمعوا فتاوى الصحابة رضي الله عنهم واقتفوا أثرهم في طريقة الاجتهاد واستنباط الأحكام؛ ولا غرو؛ فهم من القرون التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية حين قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ([45]) .
لقد ترك الصحابة رضوان الله عليهم ثروة من الفقه النبوي بالنصِّ عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو بالتخريج عليه، أو بالتطبيق على ما عرفوا من مقاصد الإسلام، وحمل ذلك من بعدهم تلاميذُهم من التابعين، فقد كان لكل صحابي تابعون يلازمونه، وكان هؤلاء التابعون ينقلون أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام والآثار المرويَّة عنه من أعمال وتقريرات، وينقلون علم الصحابة الذين تخرجوا عليه، ويَعتبرون ما أجمع عليه الصحابة حُجَّة قَطْعِيَّة لا مناصَ من اتِّباعها، وإن اختلفوا كان لهم أن يختاروا من بينها، ولا يَخْرُجُوا عن كُلِّها، وفي الغالب كان كل تلميذ يَتْبَع شيخه من الصحابة، على أن التابعين كان لهم مع ذلك اجتهادٌ فيما لا يُعْرَف فيه رأي من قبلهم في أمر من الأمور؛ فإنهم حينئذ يجتهدون آراءهم كما سلك شيوخهم من الصحابة، وقد أَخَذت مناهج الاجتهاد تتميَّز في عهد التابعين من غير انحراف ولا خروج عن المبادئ العامَّة للإسلام، بل الجميع متعلِّقون بالكتاب والسنة وعلم الصحابة، يَعْتبرونها المنجاة من هاوية الباطل؛ فكان لفقهاء العراق نهجٌ في الاجتهاد بعد النصوص وأقوال الصحابة، وغلب عليهم الاجتهاد بالقياس، وكان لفقهاء الحجاز نهجٌ، ويغلب فيه الأخذ بالمصلحة، وكان لكلِّ منهاج مدرسة قائمة بذاتها، ابتدأت تتكوَّن في عهد التابعين، ثم نَمَتْ من بعدهم حتى تكاملت.
لقد كانت المدارس التي أسسها فقهاء الصحابة: (عبد الله بن مسعود) في العراق و(زيد بن ثابت) و(عبد الله بن عمر) و(عبد الله بن عباس) في الحجاز (المدينة المنورة و مكة المكرمة) هي أكبر المدارس وأبرزها ؛ وإذ كان إتباع النقل سمة أهل الحجاز مع اهتمامهم بالرأي، وإذا كان إتباع الرأي سمة أهل العراق مع اهتمامهم بالحديث ؛ لذا اصطُلح على تسمية المدارس الحجازية بأهل الحديث ؛ ومدرسة العراق بأهل الرأي.
[أولاً: مدرسة أهل الحديث في الحجاز]: تميزت مدارس الحجاز كلها: مدرسة زيد بن ثابت ومدرسة عبد الله بن عمر في المدينة، ومدرسة عبد الله بن عباس في مكة بالحرص الشديد على تتبع السنة النبوية واقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مردّ هذا التميز إلى أمور أهمها: توافر عدد كبير من حملة السنة النبوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم المكثرون في الحديث: كأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم، إضافة إلى يُسر الحياة الحجازية وقلة المشاكل فيها لبعدهم عن مواطن الفتنة وبواعثها.
[ثانياً: مدرسة أهل الرأي في العراق]: كان شيخ هذه المدرسة هو: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد تأثر كثيراً بفقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وآرائه وطريقته في القياس والاستنباط؛ وكان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وقد تميزت مدرسة العراق بالرأي والقياس وكان مردّ هذا التميز إلى أمور أهمها: تأثر أتباعها بشيخها عبد الله بن مسعود؛ الذي كان ينحى في كثير من مسائله منحى الرأي والقياس، إضافة إلى تثبت أهل العراق في قبول الحديث بسبب كثرة الوضع في الأحاديث بسبب البدع والفتن السياسية، علاوة على متاخمة المجتمع الإسلامي هناك للحضارات الأخرى واتصالها بها اتصالاً وثيقاً؛ ومن شأن ذلك: أن تجدّ مسائل فقهية جديدة ونوازل متجددة هي بحاجة إلى رأي شرعي يقضي فيها، والحقيقة أن الرأي كان بالعراق، والحديث أيضا كان بجواره، كما كان بالمدينة الحديث وبجواره الرأي، فلا غنى للفقه عن كليهما، بيد أن مقدار الرأي عند أهل العراق أكثر منه عند أهل الحجاز، كما أن فقهاء مدرسة الرأي كانوا يسيرون فيه علي منهاج القياس، وقد تبع ذلك أن كثرت التفريعات الفقهية في العراق، والإفتاء فيما لم يقع لاختبار الأقيسة، وذلك يسمي بالفقه التقديري، ولم يوجد ذلك النوع من الفقه بالمدينة، لأنهم كانوا يسيرون فيه على منهاج المصلحة، وهي لا تتحقق إلا في الوقائع، فلا يجيء فيها الفرض والتقدير.
[تنبيه] ليس معنى ذلك: قلة بضاعة أهل العراق من الحديث، فهذا خطأ محض، فإنّ كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم نزلوا بالكوفة وأقاموا بها، وفي مقدمتهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، كما كان فيها الكثير ممن اشتهر برواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن عباس، وأنس بن مالك، رضي الله عنهم جميعاً، حتى بلغت عدة القراء والفقهاء والمحدثين في زمانهم أكثر من أربعة آلاف طالب علم من خيرة التابعين، ثم سكنها الإمام علي رضي الله عنه، فأصبحت الكوفة لا نظير لها في كثرة الفقهاء والمحدثين، يقول أنس بن سيرين: (أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربع مئة قد فقهوا)، كما أنّ فعلماء العراق لم يكونوا بمعزل عن غيرهم من المحدثين والفقهاء من سائر الأمصار، ومما يدلنا على مبلغ العلم بالحديث عند أهل العراق: الإمام أبو حنيفة الذي يعد إمام أهل الرأي بالعراق ينتقي كتابه الآثار من أربعين ألف حديث.
[بداية تدوين السنة النبوية وجهود علماء هذه المرحلة في تدوينها]: في هذه المرحلة المباركة من مراحل تطور علم الفقه: كتب الخليفة المجدد لأمر الدين عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء)، ولم يكتف بذلك؛ بل كتب إلى جميع عماله بالأمصار أن يجمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ علماء الحديث في جمع دواوين السنة، ويرجع الجهد الأكبر في التدوين للإمام محمد بن شهاب الزهري؛ فقد ذكر مسلم أن له تسعين حديثاً لا يرويها غيره ؛ وقال بعض معاصريه: لولا الزهري لضاع الكثير من السنة، إلا أن التدوين في هذه الفترة كان من غير تبويب ولا تقسيم؛ وإنما هو جمعٌ مجردٌ للأحاديث، ثم انتشر التدوين بعد الزهري وحصل التفنن في طريقة التأليف؛ فظهرت الموطآت والمسانيد والمعاجم والجوامع والسنن ثم فتحت المجال بعد ذلك لجمع الصحاح وانتقاء السنن في المرحلة التالية.
[فضل تدوين السنة على تقارب مدارس الفقه]: كان لتدوين السنة أثر كبير في ازدهار الفقه ونموّه وتدوينه فيما بعد؛ لأن السنة جاءت بالتشريع ابتداء وبالتبيين لكتاب الله عز وجل، كما أن ارتحال المحدثين لطلب الحديث أسهم في تبادل الآراء العلمية والاجتهادات الفقهية، كما أن تدوين السنة كان له أكبر الأثر في تقارب مدرسة الحديث بالحجاز مع مدرسة الرأي بالعراق وتضييق مساحة الاختلاف بين المدرستين، وأدى هذا التقارب إلى النضج الكبير للأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل) في مجال الفقه بعد انقضاء تلك المرحلة بقليل، وساهم مساهمة فعالة في بناء صرح المذاهب الفقهية الأربعة بعد ذلك والتي تمثل كمال الفقه وتمامه ونضجه الكامل.
[المفتاح الرابع]: المرحلة الرابعة: الفقه في عصر الأئمة المجتهدين (عصر تمام الفقه وتكامله واستقلاله كعلم للشريعة) : في هذا العصر الذهبي لعلم الفقه ؛ نضج الفقه وازدهر وبلغ الذروة والقمة؛ حيث دوّن مع علوم الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وظهر الأئمة المجتهدون وكبار فقهاء الأمة؛ أمثال: أبي حنيفة النعمان (ت150هـ) بالكوفة، والأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، ومالك بن أنس (ت179هـ) بالمدينة ؛ سفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ والشافعي (ت204هـ) بمصر؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور؛ وأحمد بن حنبل (ت241هـ) ببغداد، إلا أن بعض هؤلاء الأئمة اندثر مذهبه ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم، وفي تلك المرحلة أكرم الله تعالى الأمة الإسلامية بالأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل) هؤلاء الرواد العظام الذين تطوَّر الفقه على أيديهم، وبلغ غاية في النضج والإحكام، واعترف لهم الجمهور بالإمامة والاجتهاد المطلق وساهم كل واحد منهم في تتويج علم الفقه وجني ثماره، وأكرم الله تعالى كل واحد منهم بالتلاميذ النجباء والأئمة العلماء الذين حولوا آراء الأئمة الأربعة الفقهاء إلى مدارس ومؤسسات وجامعات علمية فقهية يضن التاريخ على البشرية بمثلها.
[أسباب ازدهار الفقه في هذه الفترة]:
(1) تساع الدولة وامتزاج الثقافات فيها: اتسعت رقعة الدولة الإسلامية فتبعها أقوام من أجناس تختلف في عاداتها وأعرافها، فجري بينهم التعامل وزالت بينهم الحواجز، وحدثت بينهم معاهدات واتصالات مما ينشأ معه عادة ظهور مسائل جديدة يحتاج الناس إلي معرفة الحكم فيه.
(2) تفرق الفقهاء في الأمصار: تفرق الفقهاء في مختلف المدن التي تبعت الإسلام، فدخلوها إما مع القوة الفاتحة أو وفدوا إليها للقضاء والافتاء، أو جمع الأموال للدولة من خراج وعشور وجزية ونحو ذلك، أو للتعرف علي حديث ومن جهة أخري فإن بعض العلماء من أهل هذه البلاد الذين أسلموا وتفقهوا في الدين، تنقلوا من جهة إلي أخري للكسب العلمي، والتعرف علي حديث الرسول – صلي الله عليه وسلم – إذ كان لم يدون بعد.
فنتج عن ذلك أن تعرف كل فقيه علي ما عند الآخر، ولمس نظما وأعرافا تختلف عن نظم وأعراف المنطقة التي هو بها، ففي العراق مثلاً تعرض علي الفقهاء معاملات وعادات متأثرة بالحضارة الفارسية، وفي الشام تجد أقضياتهم ومعاملاتهم في طابعها الحضارة الرومانية، وفي مصر تجد الناس متأثرين بالعادات المصرية القديمة والعادات الرومانية.
(3) كثرة الفتاوي والوقائع: حرص المسلمون علي أحكام الشريعة فكثر استفتاؤهم مما دفعهم إلي استنباط أصول وقواعد تيسر لهم تخريج الأحكام، بل كانوا أكثر من هذا يفترضون ما لم يقع من المسائل ويستخدمون وسائل اجتهادهم في تعرف حكم الله لتلك المسائل المفترضة.
(4) شيوع الجدل والمناظرة: عمل كل فقيه جاهدا لتفهم ما وجد من الأحكام عند غيره، وتبييين عللها كي يطبقها علي ما عساه قد يحدث عنده، أو ليقارنه بالأحكام المماثلة لهذا الحادث، وكثيراً ما تختلف الفكرة ويتباين الرأي أو لا يسلم الدليل، وهنا يبدأ السجال والجدل بين الفقهاء، غير أن الجدل كان يصل إلي حد العنف إذا كانت المناظرة في مسائل السياسة بسبب الإمارة والحكم.
(5) التدوين والترجمة: كان لتدوين السنة وتبويبها ومعرفة الصحيح من غيره، وكذا لتدوين الفقه والأصول وتفسير القرآن الكريم وغير ذلك من مختلف العلوم أثر كبيرفي ازدهار الفقه والنهوض به، فقد يسر ذلك الأمر أمام الفقهاء، وسهل عليهم التزود منه والإحاطة به، بالإضافة إلي هذا فإن المسلمين قد توسعوا في التعرف علي الثقافات المختلفة بما ترجم من كتب عن الفلسفة والمنطق وما يتعلق بالأديان السابقة.
(6) أثر السياسة في ازدهار الفقه: كانت الدولة الأموية دولة تعني بنواحي السياسة والحكم أكثر من عنايتها بالنواحي الأخرى، ومع هذا فقد نشط الفقه في أيامها ونظمت حلقات الدروس في المساجد، وبدأت نواة التدوين والتأليف.
ولما قامت الدولة العباسية ازدهر الفقه الإسلامي في بدء تكوينها لأن الفقهاء وجدوا أن حريتهم في المناقشة مطلقة، إذ كانت سياستهم أن يقربوا الفقهاء إليهم ويعتنوا بهم، فكانت للعلماء في مجالسهم منازل لم تكن لسواهم عندهم.
(7) الموالي وأثرهم في ازدهار الفقه: تبع الفتح الإسلامي أن كثرت السبايا والإماء حسب النظم التي كانت في هذه العصور، وحدث الامتزاج الجنسي بين المسلمين الأصليين وبين المسلمين المغلوبين من الأمم فنشأ جيل جديد من المسلمين يختلف في خصائصه العقلية عن الجيل الذي سبقه، إذ أقام نظرته في الحياة علي أساس عقلي حتي في العقائد، ودخل في البيت العربي عناصر فارسية ورومانية، فقد كان الموالي ينعمون في الحكم الإسلامي بالمساواة الكاملة مع العرب ([46]) .
[الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان]: الإمام الأعظم أبو حنيفة يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي:(الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه)، وأبو حنيفة -رحمه الله- ضرب مثلا عظيما في العلم بكتاب الله تعالى وسعة الاطلاع على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تتلمذ على كبار أئمة التابعين، فهضم علمهم، واستوعب فقههم، ووضع أصولا لمنهجه، وقد حدَّد رحمه الله تعالى بنفسه مصادر فقهه ومنهجه في الإفتاء بقوله: (آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول مَن شئتُ منهم، وأَدَعُ مَن شئتُ منهم، ولا أَخْرُج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا ما انتهى الأمر، أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب،، فقومٌ اجتهدوا، فأَجْتَهِدُ كما اجتهدوا) ([47]) .
وقد تميَّز رحمه الله بطريقة خاصة في استنباط الأحكام التي لا تقف عند ظاهر النصوص، بل تغوص إلى المعاني التي تُشير إليها، وتتعمَّق في مقاصدها وغاياتها، كما أنه لا يعني اشتهار الإمام أبي حنيفة بالقول بالرأي والإكثار من القياس أنه يُهْمِل الأخذ بالأحاديث والآثار، أو أنه قليل البضاعة فيها، بل كان يشترط في قَبُول الحديث شروطًا متشدِّدة، مُبَالَغَة في التحرِّي والضبط، والتأكُّد من صحَّة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التشدُّد في قَبول الحديث هو ما حمله على التوسُّع في تفسير ما صحَّ عنده منها، والإكثار من القياس عليها، حتى يُوَاجه النوازل والمشكلات المتجدِّدة، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله: ” أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق النعمان بن ثابت… كان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب قال ضرار بن صرد سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة فقال أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث وقال بن المبارك أبو حنيفة أفقه الناس وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وقال يزيد ما رأيت أحد أورع ولا أعقل من أبي حنيفة ” أهـ([48]) .
، وجاء في طبقات الحفاظ في ترجمته رحمه الله: ” وقال ابن معين كان ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه، وقال ابن المبارك ما رأيت في الفقه مثله، وقال مكي بن إبراهيم كان أعلم أهل زمانه وما رأيت في الكوفيين أورع منه، وقال الشافعي الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ” أهـ،([49]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” وقال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً، وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله ! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس، وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وقال عبد الله بن داود الحريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم، وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه، وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل، وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض، وروى الخطيب بسنده، عن أسد بن عمرو: أن أبا حنيفة كان يصلي بالليل ويقرأ القرآن كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه، ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة – أعني: سنة خمسين ومائة -، وعن ابن معين: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين، والصحيح الأول، وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله ” أهـ ([50]) .
[إمام أهل المدينة وعالم المدينة مالك ابن أنس]: هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة) ([51]) . وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يضرب الرجل أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجد عالماً أعلم من عالم المدينة) ([52]) .
قال إسحاق بن موسى: “فبلغني عن ابن جريج أنه كان يقول: نرى أنه مالك بن أنس”، وقال يحيى بن معين: ” سمعت سفيان بن عيينة يقول: نظن أنه مالك بن أنس” ([53]) .
وقد أثنى عليه كثيرٌ من العلماء منهم الإمام الشافعي بقوله: ” إذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين”، ويُعدُّ كتابه “الموطأ” من أوائل كتب الحديث النبوي وأشهرها وأصحِّها، حتى قال فيه الإمام الشافعي: ” ما بعد كتاب الله تعالى كتابٌ أكثرُ صواباً من موطأ مالك”، وكان هذا قبل أن يكتب البخاري ومسلم صحيحيهما، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم.
جاء في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام مالك بن أنس رحمه الله: ” مالك بن أنس الإمام الحافظ فقيه الأمة شيخ الإسلام أبو عبد الله الأصبحي المدني الفقيه إمام دار الهجرة،، قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي من أثبت أصحاب الزهري قال مالك أثبت في كل شيء وقال عبد الرزاق في حديث (يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة) فكنا نرى أنه مالك وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم على مالك أحدا وقال الشافعي إذا ذكر العلماء فمالك النجم قال بن مهدي مالك أفقه من الحكم وحماد وقال الشافعي لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال بن وهب لولا مالك والليث لضللنا وقال شعبة قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة فإذا لمالك حلقة قال أبو مصعب سمعت مالكا يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،، وقال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من موطأ مالك ” أهـ،([54]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: والإمام مالك هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة… إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن: غير واحد من التابعين، وحدث عنه خلق من الأئمة، منهم: السفيانان، وشعبة، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن مهدي، وابن جريج، والليث، والشافعي، والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال، وقال يحيى بن معين: كل من روى عن مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية، وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري، وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومناقبه كثيرة جداً، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان، قال أبو مصعب: سمعت مالكاً، يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك،، وقد روى الترمذي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)،ثم قال: هذا حديث حسن،وقد روي عن ابن عيينة، أنه قال: هو مالك بن أنس، وكذا قال عبد الرزاق ” أهـ ([55]) .
[الإمام المطلبي الذي ملأ الأرض علما محمد ابن إدريس الشافعي]: الإمام محمد بن إدريس الشافعي هو ثالث الأئمة والإمام المجدد الذي ملأ طباق الأرض علما،إليه ينسب علم أصول الفقه، جمع علم مدرسة الفقه بمكة المكرمة، ثم رحل إلى المدينة فجمع علم مدرسة الفقه بالمدينة المنورة، وقرأ الموطأ على الإمام مالك رحمه الله، ثم رحل إلى العراق، ولقي أصحاب أبي حنيفة، وأخذ عنهم،ودارس الإمام محمد ابن الحسن تلميذ الإمام أبي حنيفة، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، ثم اختص بمذهبه المعروف، واستقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، وكتاب الرسالة هذا هو أوَّل كتاب منظَّم في أصول الفقه وفي أصول الحديث أيضًا؛ وذلك لأن الناس قبله كانوا يتكلَّمون في المسائل الأصولية حسبما اتُّفِقَ، ولم يكن لهم نظام جامع ولا قواعد كلية، إلى أن ألَّف الشافعي رسالته هذه، فوضع فيها القواعد الكلية والقانون الجامع في أصول الفقه، وكان العلماء قبل الشافعي يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه ويستدلُّون ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط لهم الشافعي -رحمه الله تعالى- علم أصول الفقه، ووضع للفقه قانونًا كليًّا يُرجَع إليه في معرفة مراتب أدلَّة الشرع، واعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز على سائر المجتهدين بسبب هذه الدرجة الشريفة، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً،) ([56]) .
أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقى وقال البيهقي وابن حجر: طرق هذا الحديث إذا ضمت بعضها إلى أفادت قوة وعلم أن للحديث أصلا، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي رضيَ الله عنه، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقد رُوي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: (عالم قريش يملأ الأرض علماً)، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي في ترجمته رحمه الله: ” الشافعي الإمام العلم حبر الأمة أبو عبد الله محمد بن إدريس،، القرشى المطلبى الشافعي المكى نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وناصر سنته،، قال إسحاق بن راهويه قال لي أحمد بن حنبل بمكة تعال حتى اريك رجلا لم تر عيناك مثله فأقامني على الشافعي، وقال أبو ثور ما رأيت مثل الشافعي ولا رأى هو مثل نفسه وقال حرملة سمعت الشافعي يقول سميت ببغداد ناصر الحديث ووثقه أحمد وغيره، وقال بن معين ليس به بأس قال الفضل بن زياد سمعت أحمد بن حنبل يقول ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة وقال بن راهويه الشافعي إمام ما أحد تكلم بالرأي إلا والشافعي أكثرهم إتباعا واقلهم خطأ وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ وقال أبو حاتم صدوق وصح عن الشافعي انه قال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وقال الربيع سمعته يقول إذا رويت حديثا صحيحا فلم آخذ به فاشهدكم أن عقلي قد ذهب قلت مناقب الشافعي لا يحتملها هذا المختصر فدونكها في تاريخ دمشق وفي تاريخ الإسلام لي وكان حافظا للحديث بصيرا بعلله لا يقبل منه إلا ما ثبت عنده ولو طال عمره لازداد منه توفى أول شعبان سنة أربع ومائتين بمصر وكان قد انتقل إليها سنة تسع وتسعين ومائة رضي الله تعالى عنه ” أهـ،([57]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي المطلبي، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأمه أزدية وقد رأت حين حملت به كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، وقد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الأئمة منهم: عبد الرحمن بن مهدي، وسأله أن يكتب له كتاباً في الأصول فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائماً، وشيخه مالك بن أنس، وقتيبة بن سعيد، وقال: هو إمام، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضاً في صلاته، وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أورع من الشافعي، ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن، وغير واحد ممن يطول ذكرهم وشرح أقوالهم، وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود، من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) ([58]) . قال: فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان، عن نصر بن معبد الكندي – أو العبدي -، عن الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً، اللهم إنك أذقت أولها عذاباً ووبالاً فأذق آخرها نوالاً)، وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه، قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد الإسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي، حكاه الخطيب،،وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان، وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه، وحكي عن أبي داود نحوه، وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة – وقد سئل: هل سنَّة لم تبلغ الشافعي؟ – فقال: لا !ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه، والله أعلم، وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد: ناصر السنة، وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه وكذا قال الزعفراني وغيره وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من: شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل: أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة، ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين، وكذا عدَّ أبو داود من جملة تلاميذه في الفقه: أحمد بن حنبل، وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعاً للدلائل منهما، وكان من أحسن الناس قصداً وإخلاصاً، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شيء منه أبداً فأوجز عليه ولا يحمدوني،، وقد كانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل: يوم الجمعة، في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وعن أربع وخمسين سنة ” أهــ ([59]) .
[إمام أهل السنة أحمد ابن حنبل]: أما رابع هؤلاء الأئمة فهو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، طلب الحديث في فجر شبابه، وأخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، وإن مسنده لشاهد على ذلك، فقد انتقاه من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وجمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، ونظرا لسعة علمه بالآثار لذا يُعَدُّ الأَثَرُ أساس اجتهاد الإمام أحمد رحمه الله، ولا يَعْدِل عنه إلى القياس حتى يستنفد النصوص، ثم اجتهاد الصحابة، وإذا كان للصحابة رأيانِ رجَّح بينهما أو أقرَّ الرأيين معًا، ولهذا يُروى عنه في المسألة روايتان، وحينًا ثلاث روايات، أثنى عليه العلماء ثناء كبيرا، وابتلي بمحنة خلق القرآن وصبر، ورفع الله تعالى له علما عظيما يشمل الحديث والفقه، ولمحة سريعة على ثناء العلماء على الإمام الأعظم لنعلم كم هي منة الله تعالى على أمة الإسلام بهذا الإمام العظيم، جاء في تذكرة الحافظ في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ” أحمد بن حنبل شيخ الإسلام وسيد المسلمين في عصره الحافظ الحجة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل،، ولد سنة أربع وستين ومائة سمع هشيما وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وعباد بن عباد ويحيى بن أبي زائدة وطبقتهم وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة ومطين وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوي وخلق عظيم، قال عبد الله بن أحمد سمعت أبا زرعة يقول كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث ذاكرته الأبواب وقال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول حفظت كل شيء سمعته من هشيم في حياته وقال إبراهيم الحربي رأيت أحمد كان الله قد جمع له علم الأولين والآخرين، قال حرملة سمعت الشافعي يقول خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا اعلم ولا افقه من أحمد بن حنبل وقال علي بن المديني ان الله أيد هذا الدين بابي بكر الصديق يوم الردة وبأحمد بن حنبل يوم المحنة وقال أبو عبيد انتهى العلم إلى أربعة افقههم أحمد وقال بن معين من طريق عباس عنه أرادوا أن أكون مثل أحمد والله لا أكون مثله أبدا قال أبو همام السكوني ما رأى أحمد بن حنبل مثل نفسه وقال محمد بن حماد الطهراني سمعت أبا ثور يقول أحمد اعلم أو قال افقه من الثوري قلت سيرة أبي عبد الله قد افردها البيهقي في مجلد وافردها بن الجوزي في مجلد وافردها شيخ الإسلام الأنصاري في مجلد لطيف توفي الى رضوان الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة ” أهـ،([60]) .
وجاء في البداية والنهاية في ترجمته رحمه الله: ” قال إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان، وقال أيضاً: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله عز وجل، ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله، وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً، وقال يحيى بن معين أيضاً: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن أكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه، وقال الذهلي: اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله، وقال هلال بن المعلى الرقي: منَّ الله على هذه الأمة بأربعة: بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، وبأبي عبيد بين غريبها، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس،، وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلماً ومحبرة – يعني: في عصره -، وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله، وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه ” أهـ، ([61]) .
(فائدة): [علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة]: الأئمة الفقهاء أئمة المذاهب الأربعة يجمعون علوم الفقه الإسلامي التي نشرها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم في الأمصار، فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، ويتخرج على هؤلاء أكابر الفقهاء، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي (ت157هـ) بالشام ؛ وسفيان الثوري (ت161هـ) بالعراق ؛ والليث بن سعد (ت175هـ) بمصر، وسفيان بن عيينة (ت198هـ) بمكة ؛ وإسحاق بن راهويه (ت238هـ) بنيسابور ؛ إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة، وهم أولى المجتهدين بالإتباع لأنّ الأمة قد اتفقت على إمامتهم وأهليتهم للاجتهاد من كلّ الجوانب، وصارت لهم مذاهب معروفة، أقوال منضبطة مدونة محررة منتشرة، تخرج من خلال مدارسهم آلاف الفقهاء، ولم يتسنى ذلك على مر عصور الإسلام لغير الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على علمهم وفقههم: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة.
[المفتاح الخامس]: المرحلة الخامسة: القيام على المذاهب وتأييدها واستقلال المذاهب الأربعة واكتمال بنيانها: في هذه المرحلة استقرت المذاهب الفقهية الأربعة ببركة صدق وعلم ونبوغ مؤسسيها، ثم بسبب جهود تلامذة الأئمة الأربعة، وهم علماء فحول استطاعوا بجهودهم استكمال بناء المذاهب الفقهية حتى صارت جامعات علمية عميقة تضم كل مسائل وأحكام الفقه وأصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وفي هذه المرحلة تلقى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها المذاهب الأربعة بالقبول، وراجت بينهم، وأصبحت العمود الفقري للفقه الإسلامي، ولم يعد الفقهاء بحاجة إلى مذاهب جديدة مُحدَثة ؛ بل انصرفوا إلى الاجتهاد داخل المذاهب المستقرة، وفق أصولها الصحيحة التي استنبطها الأئمة الأربعة المجتهدين، وانصرفوا كذلك إلى خدمة المذاهب، وذلك بجمع أقوال الأئمة وترتيبها ووضع أصولها وقواعدها، كما قاموا بتعليل الأحكام وحشد الأدلة النقلية والعقلية لها؛ ومناظرة أقوال المذاهب الأخرى من خلال مناقشة أدلتهم والجواب عنها والرد على اعتراضاتهم، كما قاموا بتحقيق المذاهب من خلال الترجيح بين الروايات والأقوال فيها، وفق أصول المذهب وقواعده ومآخذه وطريقته في الاستنباط ووفق القواعد الشرعية الكلية ومقاصدها العامة، وهكذا ارتفع بناء الفقه عاليا متمثلا في بناء المذاهب الفقهية الرصينة، التي تمثل في مجموعها وجهات النظر المتعددة للشريعة والفقه الإسلامي الشامل المتكامل الصالح لكل زمان ومكان.
[المفتاح السادس]: أسباب ميل فقهاء هذه المرحلة إلى الاكتفاء بالمذاهب الأربعة: أسباب عديدة منها:
(السبب الأول): بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه.
(السبب الثاني): صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد، حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق.
(السبب الثالث): وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (وما أعسرها) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة، ويمكنه الاجتهاد في إطارها.
(السبب الرابع): تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله.
(السبب الخامس): الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية الجامعة، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر، وقد خرجت لنا أكثر وأفضل علماء المسلمين على مر عصور الإسلام، من أهم الطرق العلمية الناجحة في تحصيل علم الفقه دونما أخطاء جسيمة في الفقه والفتوى، هو ما تفعله تلك المدارس الفقهية المتخصصة من دراسة (أحد المتون العلمية) المختصرة الجامعة لأبواب الفقه، والتي تعطي طالبها الخلفية الأساسية الراسخة لعلم الفقه، ثم التدرج في طلب الفقه بدراسة الشروح على تلك المتون ثم التوسع ببيان الأدلة التفصيلية والحواشي على تلك الشروح، هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية المتعلقة بالمذهب، وهكذا يكون طالب العلم الفقهي على أرض صلبة صحيحة راسخة يتوسع من خلالها في سلوك دروب الاجتهاد لمعالجة الحوادث النازلة على حياة المسلمين، ومعرفة الحكم الشرعي المتعلق بها.
[المفتاح السابع]: [الآراء الفقهية المؤصلة المعبرة عن رأي أهل السنّة والجماعة استقرت على المذاهب الأربعة]: أصبح لكل من الأئمة الأربعة تلاميذ وأتباع يتبنون طريقتـه، وقد عرفت هذه الطرق بالمذاهب، والمذاهب الفقهية الباقية إلى اليوم والمعبرة عن رأي أهل السنّة والجماعة أربعة هي: مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، ومن ينظر اليوم في المذاهب الفقهية الأربعة الباقية فإنه يجد أن لكل مذهب بناءً فقهياً هائلاً له مؤلفاته وقواعده وأصوله وعلماؤه، وجذور كل مذهب تمتد إلى صاحب المذهب ومؤسِّسه، وهؤلاء الأئمة قد بنوا مذاهبهم بناءً مُحكماً، وذلك أنهم كان اعتمادهم على كتاب الله وسنة رسوله، والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة، وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنَّة، وقد تمثلت مذاهبهم في أقوالهم التي دونوها في كتبهم، أو أملوها على تلامذتهم، أو أجابوا بها من سألهم واستفتـاهم، وقد حملها عنهم أصحابهم وتلامذتهم، وجاء أصحاب الأئمة من بعدهم، فكان لهم دور كبير في استيعاب علوم أئمتهم، وحفظها ونقلها، ولولاهم لضاعت مذاهبهم وتلاشت، واعتبر بهذا بعالم مصر المحدث الفقيه الليث بن سعد رحمه الله، فإن جمعـاً من أهــل العلم يقدمونه على الإمام مالك، ولكن أصحابه لم يحفظوا فقهه، يقول الإمـام الشافعي رحمه الله تعالى: (الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به) ([62]) .
كما لم يقتصر دور أصحاب الأئمة وتلامذتهم على نقل أقوال أئمتهم واستيعاب ما سمعوه منهم، فقد كان الرعيل الأول من أهل كل مذهب أصحاب عقول راجحة، قادرة على النظر والاستنباط، ولذلك فإن كثيراً منهم كانوا يزاحمون أئمتهم في الاجتهاد، ولم يكونوا يتحرجون من مخالفة أئمتهم إذا تبين لهم أن الحق في خلاف قولهم، واعْتُبِرَ في هذا بالمذهب الحنفي، فإن أصحاب الإمام أبي حنيفة وتلامذته شاركوا الإمام في تأصيل المذهب وإنضاجه، فمدونات الحنفية تذكر أن أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب كانوا أربعين رجلاً، كانـوا يختلفون عنده في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي بالجواب عن كثب، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثمَّ يكتبونها في الديوان([63]) .
[المفتاح الثامن]: [تقارب المذاهب الفقهية حتى كأنّها اجتهادات في إطار مذهب واحد يمثل المذهب الفقهي الواسع لأهل السنّة والجماعة]: المذاهب الفقهية متقاربة فيما بينها تقارباً كبيراً، حتى أن الذي يطالع اجتهادات الفقهاء في مختلف مذاهبهم، يجد كأنها مذهب واحد، وأسباب ذلك تتمثل في:
(أ) أنّ كل الأئمة والفقهاء أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة أهل السنة والجماعة، عقيدتهم واحدة، ومنطلقاتهم الكبرى وأصولهم الفقهية تكاد تكون واحدة تتمثل في: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، فكلهم يأخذ بها، ويقيم بناءه الفقهي على أساسها، وبالتالي فإن أكثر اختلافهم هو في اطار فهم محتملات النصوص التي تقبل الوجوه المتعددة وبالتالي صارت أقوالهم تمثل المرجعية الواسعة في الفقه في إطار الجامعة الكلية (أهل السنّة والجماعة الناجية).
(ب) الأئمة الكبار مؤسسي المذاهب أخذ بعضهم من بعض، وتتلمذ بعضهم على بعض، فأبو حنيفة ومالك كانا يلتقيان في مواسم الحج، ويتناقشان في أصعب مسائل الفقه، وتلامذة أبي حنيفة رحلوا إلى الإمام مالك وأخذوا عنه، فأبو يوسف رحل إلى الإمام مالك، واستفتاه وأخذ عنه، والإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة روى عن الإمام مالك موطأه، والشافعي تتلمذ على مالك ومحمد بن الحسن، وأحمد تتلمذ على يد الشافعي سنوات عديدة، وأخذ علم مالك من أهل المدينة وعلم أبي حنيفة من أهل العراق، وكان يأخذ من كل تلك الروافد الفقهية، حتى أنّه لا يكاد ينفرد عن الثلاثة إلا في أقل المسائل.
(ت) المتدبر لمسيرة تطور علوم الفقه وبناء المذاهب الفقهية ذلك البناء الشامخ، يجد أنّ أقوال وآراء أكثر الأئمة المجتهدين على مر عصور الإسلام السابقة لعصر بناء المذاهب الفقهية الكبرى يجد أنّها جميعا قد دخلت في إطار أقوال المذاهب الأربعة، فقد جمع مالك في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كالصديق والفاروق وفقه زيد بن ثابت، وتلامذتهم من الفقهاء السبعة فقهاء المدينة، وجمع أبو حنيفة في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة ممن عاشوا بالعراق كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وتلامذتهما، وجمع الشافعي في مذهبه الأقوال الفقهية لأكابر الصحابة كعبد الله بن عباس ومدرسته الفقهية في مكة المكرمة، وجمع أحمد في مذهبه الأقوال الفقهية والمسوعة الحديثية لأكابر الصحابة ممن رووا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشروا العلم في سائر الأمصار، كما دخل في أقوالهم الفقهية علوم الليث بن سعد عالم مصر وعلوم الأوزاعي عالم الشام وعلوم الثوري عالم العراق، فلا تكاد ترى قولاً لعلماء وفقهاء أهل السنّة والجماعة إلا وهو مدون في المذاهب الأربعة.
(ث) بسبب اكتمال الأئمة الأربعة في مجال الفقه والاجتهاد، فإن أكثر اختلافهم اختلاف تعدد واختلاف توافق لا اختلاف تضاد، وأكثره تابع لكون ألفاظ الكتاب والسنّة قد تحمل معاني عدة في اللغة العربية وبالتالي فإن الفتوى ستتعدد بسبب تعدد المعاني التي ترمي إليها الألفاظ والتراكيب اللغوية التابعة لاتساع اللغة العربية واتساع معانيها وبلاغتها، وهكذا شاء الله تعالى أن يجمع موسوعة الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية في أقوال المذاهب الأربعة، ولهذه الأسباب فقد حظيت المذاهب الأربعة بقبول واسع لدى المسلمين وجاء فترات للأمة وتتابعت القرون قرنا وراء قرن لا تكاد تجد فقيها في الأمة الإسلامية إلا وهو ينتسب لمذهب منها.
[المفتاح التاسع]: [ضوابط الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة]: المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب:
(1) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى، (2) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه.
(3) المذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير. (4) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة، أو وجود الدليل الراجح، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه، وليس كل الناس علماء، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء.
(5) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله، ويصعب، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي.
(6) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع.
(7) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة.
(8) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة.
(9) دعوى البعض بطلب الفقه عن طريق دراسة الحديث، دون تقيد بأحد المذاهب الأربعة المؤصلة تنكب عن طريق الفقهاء وعودة بالعلم إلى الوراء، وهل سيلغ في علم الحديث معشار أحدهم، وهل سيبلغ في الفقه معشار معشار أحدهم، إننا بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أربعة متخصصة مؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الفقهية الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد الفقه، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل من قرأ عدة أحاديث يفهمها بفهمه القاصر وجهله المركب، ولا حسيب عليه، لقد كان وراء الأئمة الأربعة ألف حسيب وحسيب، يضبطون أقوال الأئمة ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها، ولقد كان في مجلس الإمام أبي حنيفة أربعين فقيها يراجعون الإمام في مسائله، أقلهم في العلم قد يكون أعلم من علماء العصر مجتمعين، فهيهات من دعاوى الحمقى والسفهاء التي ما جرت على الأمة سوى التنازع والتفرق، وللأسف فهناك موتورون كلما اتفقت الأمة على قضية نخروا في أساسها يبغون الخلاف، وكلما بني الفقهاء صرحا علميا شامخاً أرادوا تشويه صورته ولا أدري لمصلحة مَن مِن أمة الإسلام ينعق هؤلاء، فإن زعموا أنّه الانتصار للكتاب والسنّة فهل كان الفقهاء على خلاف مع الكتاب والسنّة ام كانوا على جهل بهما وحاشاهم من ذلك، أم أنّه حب الظهور وداء الكبر وبطر الحق وغمط الناس، وغالب هؤلاء يذب الذباب عن وجه الآخرين وفي قلوبهم الحنوش الموتورة والسم الناقع الدفين، تتحكم فيهم أمراض نفسية قاتلة تتمثل في عدم احترام التخصص الفقهي، ومحاولة لفت الانظار يلعب بهم ابليس لعب الصبيان بالكرة وتتجارى الأهواء في دمائهم نسأل الله تعالى السلامة.
(10) يفهم البعض من قول الأئمة الفقهاء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) الفهم الخاطئ، فهم بهذا القول يظنون أنّه لا حرج من تخطئة الأئمة الفقهاء المجتهدين، بكل حديث ظنوا أنّه يُخالف ما ذهبوا إليه، ومن ثم يريدون الزام الناس بما فهموه، ويؤثمون أتباع الفقهاء في ترك الحديث من أجل قول فلان وفلان، وقد يبلغ بهم الحال إلى اتهام الناس في دينهم واخلاصهم لأنّهم ردوا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل قول فلان وفلان، وهم لضيق أفقهم ومحدودية علمهم لا يعلمون أنّ الحديث قد يُعارضه حديث آخر أًصح منه، وقد صحت أحاديث عديدة عند الإمام مالك رحمه الله ورواها في الموطأ ولم يعمل بها لأنه عارضها حسب وجهة نظره ما هو أقوى منها، كما أنّ للفقهاء شروطا معينة للعمل بالحديث قد لا يستوعبها المحدث غير الفقيه، كما أنّ كل حديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه فلا يلزم العمل به إلا عند من يعتقد صحته فقط، وكم رأينا محدثين يصححون اليوم حديثا ثم يتراجعون عن تصحيحه لعلة علموها من الحديث، فهل ننتظر في ديننا حتى يستقر رأى هؤلاء على التصحيح والتضعيف، وحتى لا يُفهم الكلام على غير مقصده، فإنّه إذا ثبت أن إماما من أئمة الفقه الأربعة قد أخطأ في حكم مسألة ما فلا يجوز تقليده فيها، وهذا في حكم الفرضية النظرية، لأنّه انتسب إلى تلك المذاهب آلاف الفقهاء فكيف سهى الجميع عن هذا الخطأ، وإن كان عمداً فهل نتهم فقهاء الأمة على التمالؤ على كتم الحق.
والخلاصة أنّ الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم وجعل فقهاءها خير الفقهاء، وقد كفانا الأئمة المجتهدون مؤونة أكثر الفقه، على أمل أن تتفرغ الأمة لغايتها من نشر الدين ونصرته وتحقيق أهدافه على أرض الله تعالى وبين عباده، لقد استوفت مسائل العبادات في باب الفقه بحثاً بما لا مزيد عليه، ومع تكرار البحث فيها والتقعر في مباحثها تضخمت وتورمت، وفي المقابل ضمرت مباحث المعاملات وتقلصت، مع أنّ مجال المعاملات واسع وكل يوم تأتي معاملة جديدة تبحث عن حكم شرعي، ناهيك عن احتاج الدول الإسلامية إلى مباحث علوم الاقتصاد الإسلامي والسياسة الشرعية الإسلامية، والعلاقات الدولية، والمعاهدات الجائزة في السلم والحرب والأمن والخوف، فالفحولة ها هنا تكون في الاجتهاد في تلك الأبواب لا أن نجتر كل يوم مسائل الخلاف في العبادات مع اتفاقنا أن الفقهاء الأربعة مجتهدون مأجورون في كل حال، من أصاب منهم له أجران ومن أخطأ منهم فله أجر، وأن أتباعهم على الجادة علموا أنّهم أهل الذكر، وأطاعوا الله تعالى في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وليس معنى ذلك الزام المحدثين بقول الفقهاء، فليس لنا الزامهم، ولكننا نطلب منهم عدم تصدير الخلاف إلى أمة الإسلام وعدم استعمال معاول الهدم لشرخ جدران الصرح الفقهي الذي بناه الفقهاء، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
[المفتاح العاشر]: المرحلة السادسة: الفقه في عصر التقليد والتعصب المذهبي للمذاهب: بعد الكمال لا يكون إلا النقص، ولذلك بعد بناء صروح الفقه الشامخة بدأ ظهور التعصب المذهبي، الذي جعل أصحاب المذاهب يصلون في المساجد الجامعة أربعة جماعات، كل أهل مذهب في جماعة، وهكذا جمد الفقه عن معالجة الواقع وازداد التعصب، وتنافس الفقهاء على المناصب الدنيوية، وظهرت دعاوى مغالية تزعم تحرم الانتقال من مذهب إلى آخر، ومثل عدم جواز المرأة من رجل من المذهب المخالف، ولاشك أن هذا الوضع المؤسف الذي وصلت إليه الأمة، هو الذي أدى إلى تشرذمها، وتفرقها، مما أدى إلى ضعفها وهزالها، وقد طالت تلك المرحلة حتى شملت الأمة منذ غزو التتار وإلى سقوط الخلافة العثمانية، ولكن والحق يُقال كانت الشريعة مطبقة والفقه – رغم ما شابه من بعض التعصب المذهبي – زاهر بالعلماء والفقهاء من كل مذهب، وانتشرت في تلك المرحلة المتون الفقهية وشروحها والحواشي عليها، في طريقة أصيلة للإحاطة الصحيحة بعلوم الفقه وأصوله وقواعده.
[المفتاح الحادي عشر]: المرحلة السابعة: الفقه في العصر الحاضر بعد إقصاء الفقه عن الحكم والتشريع: ومن ضعف إلى ضعف، ومن وهن إلى وهن غدت أمة الإسلام لقمة سائغة لأعدائها فتناهبوها وقسموها، وتكالبت علينا الأعداء وأحاطت بنا من كل جانب، وإلى أن وصل الحال إلى الاحتلال الانجليزي والفرنسي والايطالي لكل بلاد المسلمين، ثم هزيمة الدولة العثمانية دولة الخلافة، وسقوط بلاد المسلمين غنائم لهم، وإلغاء الخلافة الإسلامية، وتقسيم بلاد المسلمين ومقدراتهم في أيدي هؤلاء، ثم بدأ الغزو الفكري والثقافي الأوربي لبلاد المسلمين، وأتاح هذا الوضع الشاذ ظهور الكليات والمعاهد الحقوقية التي يُتعلّم فيها القانون الوضعي بدلاً من شريعة القرآن، وإلى ظهور طائفة من أبناء المسلمين تدرس القانون الفرنسي بدلاً من الشريعة، وتعلق هؤلاء به، وصاروا لا يعرفون سواه، وأخذ هؤلاء مناصب القضاء والفتوى والتشريع، وتصدروا في الحكم والإدارة والإعلام، وانزوى الفقهاء الحقيقيون في الطرف لا يحكمون إلا في الزواج والطلاق والميراث، وتشدق الدعاة على أبواب جهنم بدعاوى العلمانية وإقصاء الفقه (فقه المعاملات) عن دُنيا المسلمين، وحل القانون الفرنسي – بحكم القانون – محل شريعة الله تعالى في المعاملات بين المسلمين، وتعطلت حدود الإسلام إلا فيما رحم الله، وأصبحت المحاكم الشرعية لا تحكم إلا في الأحوال الشخصية فقط، ودخل الربا كل مكان حتى لا تكاد تخلو معاملة من الربا ولا حول ولا قوة إلا بالله، وتقلص فقه المعاملات والسياسة الشرعية والعلاقات الدولية القائم على الكتاب والسنّة، ومع هذا لم تخلو الأمة من العلماء والفقهاء والمصلحين والمجددين، ولكن كثر الفساد وقل الخير، نسأل الله السلامة، والحمد لله أن كتب لدينه الحفظ والظهور ولو كره المشركون والكافرون، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]، وأمة الإسلام باقية كالمطر لا يدرى الخير في أوله أو آخره، كما في الحديث: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى الخير في أوله أو آخره) ([64]) .
ومعنى الحديث بقاء الخير في أمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة ولو تكالب عليها من بأقطار الأرض من الأعداء والموتورين.
المبحث الرابع شروط الاجتهاد في الفقه الإسلامي
[المفتاح الأول]: تعريف الاجتهاد: الاجتهاد لغة: هو بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد ([65]) .
والاجتهاد اصطلاحا: عرّفه المناوي بقوله: (هو: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي) [مهمات التعاريف 35]، وعرّفه الزحيلي بقوله: (هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة) ([66]) .
ويُستفاد من التعريفين السابقين: أنّ الاجتهاد معناه أن يقوم المجتهد (وهو من كان مستوفيا لشروط الاجتهاد) أقصى جهده لغرض التعرف على الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، فإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا عبرة باجتهاده، وإنّما يكون الاجتهاد مقبولا إذا صدر من أهله، وإن لم يكن التعرف عليها بطريق الاستنباط فلا تكون اجتهادا، كحال من تعلمها على يد غيره، او نالها عن طريق حفظ مسائلها من كتب الفقه.
[المفتاح الثاني]: تعريف المجتهد: المجتهد هو الفقيه المستوفي لشروط الاجتهاد و المستفرغ لوسعه لتحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، ولابد أن يكون له ملكة يقتدر بها على تحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة، قال الدكتور عبد الكريم زيدان: (المجتهد هو من قامت فيه ملكة الاجتهاد، أي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهو الفقيه عند الأصوليين، فلا يعتبر الشخص مجتهدا ولا فقيها إذا عرف الأحكام الشرعية بطريق الحفظ والتلقين، أو بتلقيها من الكتب أو من أفواه العلماء بلا بحث ولا نظر ولا استنباط، والقدرة على الاجتهاد إنما تكون بتوافر شروط الاجتهاد التي بها يكون الشخص مجتهدا ” أهـ ([67]) .
[المفتاح الثالث]: شروط الاجتهاد: شروط الاجتهاد عشرة هي معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم، و معرفة أحاديث الأحكام من السنة، و معرفة الناسخ والمنسوخ من السنة، و معرفة مسائل الإجماع، و معرفة وجوه القياس، و معرفة اللغة العربية، و معرفة أصول الفقه، و أن يدرك مقاصد الشريعة العامة، وأن يكون لديه ملكة الاجتهاد، قال الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي في سلسلة بحوثه الفقهية (3)، بحث في الاجتهاد وشروط المجتهد: (ويمكن تحليل هذه العبارات ونحوها باشتراط الشروط التالية لبلوغ درجة الاجتهاد:
(1) معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم: أن يعرف الشخص معانى آيات الأحكام المذكورة في القرآن الكريم لغة وشرعا، ولا يشترط حفظه لها عن ظهر قلب ولا حفظ سائر القرآن، وإنما يكفي أن يكون عالما بمواضعها حتى يرجع إليها في وقت الحاجة، وقد حدد الغزالي والرازي وابن عربي عدد هذه الآيات بمقدار خمسمائة آية([68]) .
قال الشوكاني: ” ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال، قيل: ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والالتزام ” أهـ([69]) .
أما معرفة معانى الآيات لغة: فيتم بمعرفة معانى المفردات والمركبات وخواصها في إفادة المعنى، إما بحسب السليقة بأن ينشأ نشأة عربية، أو بتعلم اللغة العربية من طريق علوم الصرف والنحو والمعانى والبيان وسائر فنون البلاغة، وأما معرفتها شريعة: فبأن يعرف العلل والمعاني المؤثرة في الأحكام وأوجه دلالة اللفظ على المعنى من عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء، أو منطوق ومفهوم، ومعرفة أقسام اللفظ من عام وخاص ومشترك ومجمل ومفسر وغيرها.
(2) معرفة أحاديث الأحكام من السنة: أن يعرف أحاديث الأحكام لغة وشريعة كما سبق بالنسبة للقرآن الكريم، ولا يلزم حفظها ولا حفظ جميع أحاديث السنة، وإنما أن يكون متمكنا من الرجوع إليها عند الاستنباط، بأن يعرف مواقعها بواسطة فهرسها، وحدد ابن العربي مقدارها بثلاثة آلاف ونقل عن أحمد بن حنبل: أن الأصول التي يدور عليها العلم عن البنى صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون ألفا ومائتين، وهذا التحديد ربما يكون غير دقيق لأن أحاديث الأحكام كثيرة وموزعة في كتب مختلفة، قال الشوكاني: ” والحق الذى لاشك فيه ولا شبهة: أن المجتهد لابد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الست (وهى صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وما يلحق بها (كسنن البيهقى والدارقطنى والدارمي)، مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات والكتب التي التزم مؤلفوها الصحة (مثل صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وصحيح الحاكم النيسابورى) حتى لا يلجأ المجتهد إلى القول بالرأي أو القياس مع وجود النص، وهذا ما يتعلق بمتن الحديث ” أهـ ([70]) .
كذلك يشترط معرفة سند الحديث، وهو طريق وصوله إلينا: من تواتر أو شهرة أو آحاد، وأن يعرف حال الرواة من جرح وتعديل ليعرف صحيح السنة من ضعيفها، ولا يشترط حفظ حال الرجال عن ظهر قلب، بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل، ونظرا لأن البحث عن أحوال الرواة في عصرنا هذا أمر متعذر لطول المدة بيننا وبينهم، فإنه يكتفي بتعديل الأئمة الموثوق بهم في علم الحديث، كالبخاري ومسلم والبغوي وغيرهم من أئمة الحديث ” ([71]) .
وقد اعتنى العلماء بجمع أحاديث الأحكام وصنفوا فيها المصنفات، ورتبوها حسب أبواب الفقه، وشرحوها الشروح المختصرة والمطولة، وبينوا ما فيها من أحكام ومقارنتها بمذاهب فقهاء الأمصار، وتكلموا عن أسانيدها، مما سهل على المجتهد الوصول إلى أحاديث الأحكام، والتعرف على معانيها وأحكامها، ومن هذه الكتب: ” نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ” للإمام الشوكانى، وكتاب ” سبل السلام ” للصنعانى، فضلا عن كتب السنة الصحيحة وشروحها التي لم تقتصر على أحاديث الأحكام ” ([72]) .
(3) معرفة الناسخ والمنسوخ من السنة: أن يعرف الناسخ والمنسوخ في آيات وأحاديث مخصوصة، حتى لا يعتمد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤديه اجتهاده إلى ما هو باطل، ويكفي أن يرجع إلى ما كتب في هذا الموضوع، مثل كتاب ابن خزيمة وابن الجوزي والحازمي وابن حزم والطحاوي في معانى الآثار وغيرهم، ولا يشترط معرفة جميعه وحفظه، وإنما يكفيه في كل واقعة يفتى فيها بآية أو حديث أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية محكمان “([73]) .
(4) معرفة مسائل الإجماع: أن يعرف مسائل الإجماع ومواقعه، حتى لا يفتى بخلافه، وليس من اللازم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل في كل مسألة يفتى فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع، بأن يعلم أنها موافقة مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان، أو يغلب على ظنه أن هذه الواقعة ناشئة في عصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض “([74]) .
إن معرفة مواضع الإجماع شرط بالاتفاق، ومواضع الإجماع التي لاشك في وجود الإجماع بالنسبة لها هى أصول الفرائض، فإن الأخبار قد تواترت بالإجماع عليها، وأصول المواريث فإن الإجماع قد انعقد عليها، والمحرمات التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة قد انعقد الإجماع عليها، وهكذا غير ذلك من المفردات الإسلامية التي أجمع عليها العلماء من عصر الصحابة إلى عصر الأئمة المجتهدين ومن جاء بعدهم “([75]) .
(5) معرفة وجوه القياس: يقول الشافعي: أن الاجتهاد هو العلم بأوجه القياس وطرائقه، بل إنه ليقرر أكثر من ذلك أن الاجتهاد هو القياس ” ([76]) .
فلابد أن يعرف منهاج القياس السليم، ويكون عنده من العلم بالأصول المستنبطة من النصوص التي وردت بالأحكام ما يمكنه من أن يختار من أقربها للموضوع الذى يجتهد الفقيه في معرفته، فإن العلم بالقياس يقتضى العلم بثلاثة أمور: (أولها): العلم بالأصول من النصوص التي يبنى عليها والعلل التي قامت عليها أحكام هذه النصوص، والتي بها يمكن إلحاق حكم الفرع إليها، (ثانيها): العلم بقوانين القياس وضوابطه كألا يقاس على ما يثبت أنه لا يتعدى حكمه، ومعرفة أوصاف العلة التي يبنى عليها القياس ويلتحق بها الفرع بالأصل، (ثالثا): أن يعرف المناهج التي سلكها السلف الصالح في تعرف علل الأحكام، والأوصاف التي اعتبروها أسسا لبناء الأحكام عليها، واستخرجوا طائفة من الأحكام الفقهية “([77]) .
ولابد للمجتهد أن يعرف وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وعلل الأحكام وطرق استنباطها من النصوص ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية، لأن القياس قاعدة الاجتهاد، والذى تبنى عليه أحكام كثيرة تفصيلية([78]) .
(6) معرفة اللغة العربية: اتفق علماء الأصول على ضرورة أن يكون المجتهد على علم باللغة العربية، لأن القرآن الكريم الذي نزل بهذه الشريعة عربي، ولأن السنة التي هي بيانه جاءت بلسان عربي، وإنه على قدر فهم الباحث في الشريعة لأسرار البيان العربي ودقائقه تكون قدرته على استنباط الأحكام من النصوص الفقهية، وإن الشاطبي ليرتب الباحثين بمقدار مرتبتهم في فهم الكلام فيقول: ” فإذا فرضنا مبتدئا في فهم اللغة فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإذا انتهى إلى الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة، كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوه فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يكن حجة، ولا كان قوله مقبولا ” ([79]) .
وإن ذلك الكلام معقول في ذاته، لأن المجتهد حجة لغير المجتهد، ولا يبلغ هذه المرتبة إلا من يكون قد بلغ مرتبة قريبة ممن تكون أقوالهم حجة، وهم الصحابة الأعلام والأئمة الذين تلقوا عنهم وتوارثوا علمهم من بعدهم، وكلهم كان إماما في العربية بقدر إمامتهم في الفقه، وقد كذب وافترى من ادعى جهل بعضهم بالعربية ” ([80]) .
لهذا لابد للمجتهد أن يعلم علوم اللغة العربية من: لغة ونحو وصرف ومعان وبيان وأساليب لأن الكتاب والسنة عربيان، فلا يمكن استنباط الأحكام منهما إلا بفهم كلام العرب إفرادا وتركيبا، أو معرفة معانى اللغة وخواص تراكيبها، ومنه معرفة حكم العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والإطلاق والتقييد، وحكم دلالات الألفاظ، وغريب اللغة ونحوها، ولا يشترط أن يكون حافظا لها عن ظهر قلب، بل تكفي القدرة على استخراجها من مظانها ومؤلفاتها “([81]) .
والمراد من هذا الشرط ليس البلوغ في إتقان اللغة إلى درجة الخليل والمبرد والأصمعي وسيبويه، ولا أن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو، وإنما ينبغي معرفة القدر الذى يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقه ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه، وذلك في القدر الذى يتعلق بالكتاب والسنة، ويستولى به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه “([82]) .
ونظرا لأهمية هذا الشرط جعله بعضهم أول الشروط، لأن معرفة قدر صالح من اللغة يعتبر كالآلة التي بها يحصل الشيء، ومن لم يحكم الآلة والأداة لم يصل إلى تمام الصنعة كما قال الشهرستانى([83]).
(7) معرفة أصول الفقه: على المجتهد أن يكون عالما بعلم أصول الفقه، لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذى تقوم عليه أركان بنائه إذ أن الدليل التفصيلي يدل على الحكم بواسطة كيفية معينة، ككونه أمرا أو نهيا أو عاما أو خاصا ونحوها، وعند الاستنباط لابد من معرفة تلك الكيفيات وحكم كل منها، ويعرف هذا في علم أصول الفقه، قال الفخر الرازي في المحصول: إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه، وقال الغزالي: إن أعظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون: الحديث واللغة وأصول الفقه، وقد نبه الشوكاني على أنه لا يكفي معرفة مسائل الأصول التي قررها المجتهدون، بل لابد أن يدرك هذه الأصول بنفسه كما أدركها الأئمة قبل تدوين علم الأصول، وأن ينظر في كل مسألة نظرا مستقلا يوصله إلى ما هو الحق فيها، ويتوفر له هذا بالإحاطة بموارد الشريعة والتضلع في فهم لسان العرب وتتبع وجوه استعمال الألفاظ والمعاني وأساليب العرب نثرا وشعرا وخطابة وكتابة، وإلا فإنه يكون مجتهدا في دائرة إمام المذهب وليس مجتهدا مستقلا “([84]) .
إن علم أصول الفقه ضروري لكل مجتهد وفقيه، إذ بهذا العلم يعرف المجتهد أدلة الشرع وترتبها في الرجوع إليها وطرق استنباط الأحكام منها، وأوجه دلالات الألفاظ على معانيها وقوة هذه الدلالات، وما يقدم منها وما يؤخر، وقواعد الترجيح بين الأدلة إلى غير ذلك مما يبحثه علم أصول الفقه “([85]) .
(8) أن يدرك مقاصد الشريعة العامة: على المجتهد أن يدرك مقاصد الشريعة العامة في استنباط الأحكام، لأن فهم النصوص وتطبيقاتها على الوقائع متوقف على معرفة هذه المقاصد، فمن يريد استنباط الحكم الشرعي من دليله يجب عليه أن يعرف أسرار الشريعة ومقاصدها العامة في تشريع الأحكام، لأن دلالة اللفظ على المعاني قد تحتمل أكثر من وجه، ويرجح واحدا منها ملاحظة قصد الشارع، كما أن الأدلة الفرعية قد تتعارض مع بعضها فيؤخذ بما هو الأوفق مع قصد الشارع، وقد تحدث أيضا وقائع جديدة لا يعرف حكمها بالنصوص الشرعية، فيلجأ إلى الاستحسان أو المصلحة المرسلة أو العرف ونحوها، بواسطة مقاصد الشريعة العامة من التشريع “([86]) .
يقول الشاطبي في الموافقات: (والمراد من هذه المقاصد: حفظ مصالح الناس بجلب النفع لهم ودفع الضرر عنهم، لأنه ثبت بالاستقراء أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في الدنيا والآخرة معا، قال الله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وقال سبحانه: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين})([87]) .
ولا يخفي أن معيار تحديد النفع والضرر ليس كما يراه الناس، بل كما يراه الشارع، لأن الإنسان قد يرى ما هو ضار نافعا، فيستحل السرقة أو شرب الخمر مثلا، وقد يرى ما هو نافع ضارا، فيجد في الزكاة نقصا لماله، مع أنها تطهير له، كما يرى الخروج إلى الجهاد ضارا به مع أنه فيه نفع العموم، قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن}، إن مقاصد الأحكام في الشريعة الإسلامية هي الرحمة بالعباد، إذ هذا هو المقصد الأسمى للرسالة المحمدية، كما قال تعالى بصيغة الحصر: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وإن تلك الرحمة العامة اقتضت أن تكون تلك الشريعة قائمة على رعاية المصالح بمراتبها الثلاث: الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات، كما اقتضت رفع الحرج ومنع الضيق، وتخير اليسر لا العسر، وأن المشقة التي يطالب بها الشارع الإسلامي هى المشقة التي يمكن الاستمرار علي القيام بها، والمشقة التي لا يمكن الاستمرار عليها تشريع لدفع الأضرار الكبيرة، كالجهاد في سبيل الله تعالى لدفع الفساد، كما قال الله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز} [سورة الحج: 40]، ويجب أن يعلم المجتهد والمتصدي للاجتهاد ذلك ليستطيع أن يتعرف أوجه القياس ومناط الأحكام والأوصاف المناسبة إن كان ممن يقتصرون في الاستنباط بالرأي على القياس لا يتجاوزه، وإن كان ممن لا يقتصرون في الرأي على القياس بل يتجاوزونه إلى المصلحة المرسلة أو الاستدلال المرسل كما تعبر عنه بعض كتب المالكية، فإن معرفة المصالح الإنسانية أصل من الأصول المقررة الثابتة، فلكى يفتى بالمصلحة يجب أن يعرف المصالح الحقيقية والمصالح الوهمية التي تنبعث عن الهوى والشهوات، كما يجب أن يعرف ما يكون الفعل من مصلحة ومضرة ويوازن بينهما، فيقدم دفع المضار على جلب المصالح، وما ينفع الناس على الآحاد، وهكذا يعرف وجوه المصالح ووجوه المضار، وأن ذلك أساسا في الاجتهاد ” ([88]) .
ولذلك بنى الشاطبي الاجتهاد على أصلين: (أحدهما): فهم مقاصد الشريعة، وأنها مبنية على اعتبار أن المصالح الإسلامية هي حقائق ذاتية، لا ينظر إليها باعتبارها شهوات أو رغبات للمكلف، بل ينظر فيها إلى الأمر في ذاته من حيث كونه نافعا في ذاته أو ضارا، وقال الشاطبي في هذا الأصل: ” إذا بلغ الإنسان مبلغا فهم فيه عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في بلوغه منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله تعالى “، و (الثاني): الذى ذكر هو التمكن من الاستنباط بمعرفة العربية ومعرفة أحكام القرآن والسنة والإجماع وخلاف الفقهاء وأوجه القياس، فإن هذه أداة الاستنباط،ويقول الشاطبي: ” إن الأصل الأول هو الأساس، والثاني خادم له، لأن فهم مقاصد الشارع هو العلم الذى ينبني عليه الاجتهاد، والمعارف الأخرى من لغة ومعرفة لأحكام القرآن وغيرها تكون تحصيلات عملية لا تنتج استنباطا جديدا إن لم يكن على علم كامل بمقاصد الشارع ومراميه وغاياته، وفي ذلك يقول الشاطبي: ” إن الأصل الثاني كالخادم للأصل الأول ” ([89]) .
(9) الاستعداد الفطري للاجتهاد: هذا شرط وجيه قد ذكره د عبد الكريم زيدان في كتابه” الوجيز في أصول الفقه” وهو لا يقل أهمية عما سبق من الشروط حيث قال: ” وهناك شرط هو في رأينا ضروري وإن لم ينص عليه الأصوليون صراحة، وهو أن يكون عند العالم استعداد فطرى للاجتهاد، بأن تكون له عقلية فقهية مع لطافة إدراك وصفاء ذهن ونفاذ بصيرة، وحسن فهم وحدة ذكاء، إذ بدون هذا الاستعداد الفطري لا يستطيع الشخص أن يكون مجتهدا وإن تعلم آلة الاجتهاد التي ذكرناها في شروطه، لأنها إذا لم تصادف استعدادا فطريا للاجتهاد لا تجعل الشخص مجتهدا، وليس في قولنا هذا غرابة، فإن تعلم الإنسان اللغة العربية وعلومها وأوزان الشعر لا تجعله شاعرا إذا لم يكن عنده استعداد فطرى للشعر، فكذلك الحال في الاجتهاد، ونوابغ المجتهدين ما كانوا أكثر من غيرهم معرفة بعلوم الاجتهاد ووسائله وآلاته، وإنما كانوا أكثر من غيرهم في القابلية على الاجتهاد وفي الاستعداد الفطري له “([90]) .
هذه هي شروط الاجتهاد التي تقتضيها طبيعة القيام بهذا العبء الجسيم “([91]) .
(قلت) ومنه يتبين جسامة الخطر في الافتاء في الشرع والقول في الفقه بغير تأهل لمرتبة الاجتهاد.
[المفتاح الرابع]: ما يجوز فيه الاجتهاد ومالا يجوز:
الاجتهاد عامل ضروري في تاريخ نشوء التشريع إذ هو الواسطة لاستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية منقولة كانت أو معقولة، وقلنا إن لله في كل مسألة حكما، وأن الكثير من الأحكام مسكوت عنها، وقد نصب الشارع أمارات ومهد طرقا للدلالة عليها، وأن بعض الأحكام قد ورد بها نص قاطع أو عرفت من الدين بالضرورة أو كانت محل إجماع المسلمين فلا يمكن الخروج عنها.
وبناء علي هذا نتبين أن الأحكام الشرعية ليست كلها محلا للاجتهاد وأن هناك أحكاما لا مجال للاجتهاد فيها وهي:
(1) الأحكام التي ورد فيه نص قطعي الثبوت والدلالة من الكتاب أو السنة المتواترة كافتراض الصلاة والصوم والزكاة والحج، وحل البيع والزواج والوفاء بالعقود، وأن لل1كر مثل حظ الأنثيين، ..وحرمة الزني والربا وأكل أموال الناس بالباطل.
وكذلك المقدرات الشرعية التي لامجال للرأي فيها وثبتت بالسنة المتواترة كأعداد الركعات وموااقيت الصلوات وأن الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات، وكبعض مناسك الحج ، وكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة فإنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ولا يكون محلا له.
(2) الأحكام التي لم يرد فيها نص ما ولم تعلم من الدين بالضرورة، وإنما أجمع عليها المسلمون المجتهدون في عصر من العصور كبطلان زواج المسلمة بغير المسلم، وتوريث الجدات السدس، وجواز عقد الاستصناع وما إلي ذلك. غير أنه يجب علي المجتهد أن يتأكد من أن الحكم انعقد عليه الإجماع من قبل.
أما الأحكام التي يسوغ فيها الاجتهاد وتكون محلا له فهي:
(1) ما ورد فيه نص ظني الثبوت والدلالة معاً، ويكون الاجتهاد في هذا من ناحية السند وصحة ثبوته وطريق وصوله، ومن ناحية دلالة النص علي الحكم المطلوب استنتاجه فينظر المجتهد فيه من جهة الدلالة قوة وضعفاً، ومن جهة عمومه أو خصوصه إلي غير ذلك.
(2) ماو رد فيه نص قطعي الثبوت ظني الدلالة وهذا كما يكون في السنة يكون في القرآن ومجال الاجتهاد فيه قاصر علي ناحية الدلالة فقط وفي دائرة النص.
(3) ما ورد فيه نص ظني الثبوت قطعي الدلالة وهو لايكون في القرآن إنما يكون في السنة، والاجتهاد فيه من ناحية السند وصحة الحديث ونسبته للرسول صلي الله عليه وسلم، ومجال الاجتهاد في هذه الأمور الثلاثة محدود مقيد بالنص فلا يصح للمجتهد أن يخرج عن احتمالات دلالة النص.
(4) مالم يرد فيه نص أو اجماع ولم يعلم من الدين بالضرورة، وهو الذي قلنا أنه اجتهاد بالرأي، ووظيفة المجتهد فيه أن يسلك مسالك القياس أو الاستحسان أو العرف، وما إلي ذلك مما تختلف فيه أنظار المجتهدين ولذا فإن مجال الاجتهاد فيه أوسع من غيره.
ولا شك أن هذه الأشياء مما تختلف فيه أنظار الباحثين اختلافا بينا ولا سيما اجتهادهم فيما لا نص فيه ولا اجماع، ومن أجل هذا اختلفت الأحكام في المسألة الواحدة تبعا لاختلاف مسالك المجتهدين وتفاوت أنظارهم فيه.
[ المفتاح الخامس]: حجية الحكم الاجتهادي: الحكم الاجتهادي إنما يلتزم به المجتهد ومن استفتاه: فما يراه المجتهد باجتهاده ويطمئن إليه قلبه ليس بحجة بالنسبة لكافة المسلمين، إذ الواقعة التي ظهر حكمها بالاجتهاد لا مانع من أن تكون مجالاً للاجتهاد في كل زمن وبيئة، إذ الاجتهاد السابق لا يمنع من اجتهاد للاحق، واجتهاد المجتهد لا يمنع من اجتهاد غيره، إذ الحكم الذي وصل إليه المجتهد مبني علي الظن لأنه لم يأت عن طريق نص قطعي أو حكم مجمع عليه، وإنما أساسه الامارات التي نصبها الشارع للاهتداء بها، وهذا يختلف باختلاف عقول الباحثين.
أما بالنسبة للمجتهد نفسه فإنه يجب عليه أن يعمل به ما دام لم يتغير رأيه، لأنه هو الحكم الشرعي حسب ظنه، ولا يجوز له اتفاقاً أن يتركه ويقلد مجتهدا آخر يخالفه في حكم هذه المسألة، لأن أساس كل منهما غلبة الظن فلا ترجيح لأحدهما علي الآخر، يقول الآمدي( من حَصَلَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ بِتَمَامِهَا فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَإِنِ اجْتَهَدَ فِيهَا، وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حُكْمٍ فِيهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي خِلَافِ مَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ وَتَرَكَ ظَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اجْتَهَدَ فِيهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ.) ([92]) .
وكذلك فإن حكم المجتهد في مسألة يكون حجة ملزمة لمن يستفتيه فيها لأن مذهب المستفتي هو مذهب مفتيه فيلزمه اتباع قوله والأخذ بفتواه عند المحققين من الأصوليين. يقول الآمدي ( «وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مُحَصِّلًا لِبَعْضِ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الِاجْتِهَادِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْأَخْذُ بِفَتْوَاهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ مُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ. وَنُقِلَ عَنِ الْجُبَّائِيِّ أَنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ دُونَ غَيْرِهَا كَالْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ.) ([93]) .
والحكم الاجتهادي غير مقطوع بأنه حكم الشرع، وإنما هو ما غلب علي ظن المجتهد أنه حكم الشرع، ولذا قال الأصوليين أن المجتهد لا ينشئ حكما من عنده حتي لو كان الاجتهاد بالرأي، وإنما هو كاشف عنه في ظنه باتباعه الأمارات التي نصبها اشارع للوصول إليه. فقد كان المجتهدون من الصحابة والتابعين كثيرا ما يفتون العامة من غير ابداء المستند ويتبعون في ذلك من غير نكير. ([94]) .
[ رجوع المجتهد عن رأيه ]:
(1) لو كان المجتهد يجتهد لنفسه في أمر يخصه هو فغلب علي ظنه حكم فيه عمل بمقتضاه، ثم بدا له أن الصواب غير ذلك، لزمه أن ينقض ما بناه علي الاجتهاد الأول، ويأخذ في هذا الأمر نفسه بالرأي الجديد إذ قد تبين له فساد رأيه الأول.
(2) أما إذا كان قد استفتاه شخص فأفتي بما أداه اجتهاده وعمل به المستفتي ثم تغير اجتهاد هذا المجتهد إلي حكم آخر فإن المستفتي إذا لم يعلم به بقي علي الحكم الذي أفتاه به في هذه المسالة كلما تجددت، ففي حاشية العطار(«وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلِمْ الْمُسْتَفْتِيَ بِرُجُوعِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ فِي حَقِّهِ اهـ) ([95]) .
ولكن إذا علم بعدول المفتي برأيه الجديد بعد العمل لزمه أن يتبع الرأي الأخير فيما يجد له ويبقي ما تم عمله سليما لا ينقص ولا يعتريه البطلان، أما إذا علم به المستفتي أثناء قيامه بالعمل لزمه العدول عنه إلي ما أدي إليه الاجتهاد الثاني (وَمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) بَعْدَ الْإِفْتَاءِ (أَعْلَمَ الْمُسْتَفْتِي) بِتَغَيُّرِهِ (لِيَكُفَّ) عَنْ الْعَمَلِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ (وَلَا يُنْقَضُ مَعْمُولُهُ) إنْ عَمِلَ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ لِمَا تَقَدَّمَ)([96])
كمن اتجه في صلاته إلي جهة بناء علي اجتهاد غيره ثم تغير اجتهاد ذلك الغير إلي جهة أخري وأعلمه أثناء الصلاة فإنه يجب عليه أن يتحول إلي ما أدي إليه الاجتهاد الثاني ويتم الصلاة من غير ابطال لما أداه منها، بقي ماإذا علم بالرأي الجديد قبل العمل فهنا يحرم عليه العمل بالرأي الأول. ([97]) .
(3) أما إذا كان في المجتهد حاكما وحكم بمقتضي اجتهاده ثم تبين له خطأ اجتهاده واهتدي إلي رأي آخر، فإنه بالاتفاق لا يجوز نقض الحكم ما دام لم يخالف دليلا قطعيا أو نصا أو قاعدة أو قياساً جليا، وذلك لمصلحة الحكم نفسه إذ لو نقض بتغير اجتهاده أو باجتهاد خاكم آخر لما استقرت الأحكام، وإنما يقضي فيما يعرض عليه من أقضيات في الموضوع نفسه بما أداه إليه اجتهاده الأخير([98]) .
[تنبيه] : الحكم إذا وجد للمجتهد رأيان في المسألة:
قد يوجد في المسألة دليلان متعارضان متساويان في القوة ويمكن أن يقول بكل واحد منهما قائل فحينما ينقل عن الفقيه القولان في المسألة فهما ليسا بقولين له علي الحقيقة وإنما يقصد أن يبين أن المسألة محتملة لكليهما، ويمكن أن يقول بواحد منهما، ولا يعتبر هذا في الواقع قولاً للمجتهد ولا حكما شرعياً بالمتناقضين أو المتباينين أو المتغايرين، وإنما هو تردد هذا المجتهد في الحكم، كما حدث من تردد الإمام الشافعي بالنسبة للبسملة هل هي آية من أول كل سورة أم لا فنسب له في ذلك قولان ومنه نقل عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن لكل منهم قولين في المسألة: هل كل مجتهد مصيب أي نقل عنهم بالتصويب والتخطئة. ([99]) .
علي أنه إذا لم يكن ذلك ترددا من الفقيه فإنه لابد أن يكون أحدهما ناسخاً للآخر، فإن عرف القول المتأخر منهما زمنا كان هو الناسخ والمعتبر، وإلا إذا نص عليهما كذلك في وقت واحد نبحث عن ترشيحه لأحدهما، وإلا فإننا نمتنع عن الأخذ بواحد منهما إذ قد يكون هو المنسوخ المعدول عنه أو المرجوح. ([100]) .
المبحث الخامس: حكم التقليد والتلفيق وتتبع الرخص
[المفتاح الأول]: معني التقليد والفرق بينه وبين الاتباع :
التقليد في اللغة: مأخوذ من القلادة التي يقلد الإنسان غيره بها.
وفي الاصطلاح: قال الغزالي: هو قبول قول بلا حجة. وقال غيره: التقليد هو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة. وقال آخرون في معناه: أنه قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله.
ويخلص لنا من هذه التعاريف أن التقليد يعني أخذ رأي الغير بلا معرفة دليله ولا قوته، كمن يري جواز فسخ النكاح للعيب، لأن المجتهد الفلاني قال هذا القول دون أن يعرف دليله وقوة هذا الدليل. ([101]) .
وعلي هذا فليس من التقليد عند للآمدي الرجوع إلي النبي وإلي الإجماع لأن كلا منهما حجة شرعية ومصدر، وليس منه عمل العامي بقول المفتي وعمل القاضي بقول العدول لأن النص قد أمر العامي بأن يأخذ بقول المفتي، والقاضي أن يأخذ بقول العدول، وغيره يكون قول المجتهد الذي يأخذ عنه حجة بمنزلة الدليل بالنسبة له، فلو جاز تسمية المجتهد مقلدا أيضا، أما إذا تعارف الناس علي تسمية هذا تقليداً فهو اصطلاح ولا مشاحة في اللفظ، وأما حقيقة التقليد فهي أن يرجع المجتهد إلي مثله والعامي إلي مثله. ([102]) .
الفرق بين التقليد والاتباع:
فرّق كثير من العلماء بين التقليد الذي يأخذ فيه الشخص بقول غيره بدون معرفة دليله، وبغير حجة تظهر له، بل بمجرد الاقتناع والثقة والمحاكاة، حتى لا يعرف دليل القول، ولا معنى قوله، وإنما يسلم به، ويلتزمه فيه، ويسير على هداه.
أما الاتباع فهو الأخذ بقول الآخر بعد معرفة دليله، والطريق الذي أخذ به، فيقتنع بالقول مع الدليل، ثم يتبعه، فيكون تابعًا طريق المتبوع، ولذلك فإن معظم الأصحاب لإمام المذهب هو تابعون له؛ لمعرفتهم الحكم مع الدليل، وكذلك معظم الباحثين والدارسين للفقه المذهبي يعتبرون تابعين للمذهب، وليسوا مقلدين له.
ولذلك فكل من خرج عن الاجتهاد ممن ذكرناه سابقًا، ولم يبلغ درجة الاجتهاد، بل يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم والإجماع والمعلوم بالضرورة فهذا اتباع، وليس تقليدًا، وكذا اتباع المجتهد لقول مجتهد آخر، يسمى اتباعًا، وليس تقليدًا»
تاريخ التقليد والاتباع:
إن التقليد لأقوال العلماء المجتهدين ظهر منذ عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فكان معظم الصحابة غير مجتهدين، ويسألون كبار الصحابة وفقهاءهم عن الأحكام، فيأخذون بها دون الاستفسار عن الدليل. ولكن لم يكن للصحابة مذهب كامل، واستمر الأمر كذلك في عهد التابعين، إلى أن ظهر كبار الأئمة المجتهدين، وصار لهم أتباع، واستقرت مذاهبهم، وبدأ التقليد «بشكل واضح في منتصف القرن الثاني الهجري، كما سبق، ثم ظهر التقليد للمذهب بمعناه الكامل في أوائل القرن الرابع الهجري، واستمر إلى اليوم.
قال الشوكاني رحمه اللَّه تعالى: “إن التقليد (للمذهب) لم يحدث إلا بعد انقراض خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة، إنما كان بعد انقراض عصر الأئمة الأربعة، وإنهم كانوا على نمط مَنْ تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وعدم الاعتداد به، وإن هذه المذاهب إنما أحدئها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين”([103]) .
[المفتاح الثاني]: حكم التقليد:
المجتهد لا يجوز له اتفاقاً مخالفة ما وصل إليه باجتهاده تقليد غيره فيه بل يحرم عليه ذلك، أما إذا كانت المسألة لم يسبق فيها اجتهاد وقد اجتهد غيره فيه فهل يجوز له أن يقلد من اجتهد أم يلزمه أن يجتهد هو فيها؟ المختار أنه يحرم عليه التقليد فيه ويجب عليه الاجتهاد لتمكنه منه فيها، ولأن الاجتهاد هو الأصل ولا يجوز العدول عن الأصل الممكن إلي بدله، ولا يلزم من جواز التقليد في حق العامي العاجز عن التوصل إلي تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في حق من له أهلية إليه وهو قادر عليه وهناك أقوال أخري ذكرها الأسنوي([104]) .
أما من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد سواء كان عامياً محضاً أو ترقي عن رتبة العامة بتحصيل بعض العوام المعتبرة في رتبة الاجتهاد فهل يجوز له الاستفتاء والتقليد؟ الواقع أنهم فرقوا بين مسائل الفروع وبين مسائل أصول الدين من العقائد:
«قال جمهور العلماء بحرمة التقليد في القسم الأول في العقائد والأصول العامة، ويجوز التقليد في الفروع والأعمال، وخالف قوم بالأمرين، وفصل فريق ثالث.
أولًا: حكم التقليد في العقائد والأصول العامة:
اختلف العلماء في حكم التقليد في العقائد والأصول العامة على ثلاثة أقوال، وهي:
القول الأول: لا يجوز التقليد في العقائد، وهي المسائل العقلية، وفي الأصول العامة كالأخلاق وما علم من الدِّين بالضرورة، والأصول الشرعية، وهو قول جمهور العلماء والمذاهب والأئمة، وحكاه بعضهم إجماعًا عن أهل العلم، وذكره بعضهم عن عامة العلماء، وهو الصحيح، وذلك يقتضي معرفة الأمر بنظر واستدلال مهما بلغ ذلك، كل حسب قدرته وكفاءته وأهليته.
واستدل الجمهور على رأيهم بأدلة، منها:
1 – إن اللَّه تعالى أمر بالتدبر والتفكر والنظر، فيكون ذلك واجبًا، وفي التقليد ترك الواجب، فلا يجوز، ودليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}، [آل عمران: 190 – 196] فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “وَيْلٌ لمنْ قَرَأهُنَّ ولم يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ له، ويلٌ له) فالرسول توعّد وشدَّد على ترك النظر والتفكر في آيات اللَّه للوصول إلى معرفة اللَّه والإيمان به ومعرفة صفاته، فدل على وجوب النظر.
2 – الإجماع: أجمعت الأمة على وجوب معرفة اللَّه سبحانه وتعالى، وما يجوز له، وما لا يجوز، ولا تحصل المعرفة بالتقليد؛ لجواز كذب المُخْبِر، واحتمال خطئه، فيضلَّ المقلّد، كالمقلِّد في حدوث العالم أو في قدمه
فرع: الاعتقاد من غير دليل: يتفرع على قول الجمهور: إن من اعتقد من غير معرفة دليل، فقال أكثر الأئمة: إنّه مؤمن، ومن أهل الشفاعة، وإن قصّر عن ترك الاستدلال، وبه قال أئمة الحديث؛ لأن الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها اكتفي منهم بالإيمان العام، ولم يكلفهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم- بمعرفة ذلك، ولم يخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته، وهو الإيمان الجملي الذي كان عند خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وهو ما عليه عامة المسلمين في كل عصر([105]) .
القول الثاني: يجوز التقليد في العقائد والأصول العامة، وهو قول بعض العلماء؛ لإجماع السلف على قبول الشهادتين من غير أن يقال لقائلهما: هل نظرت؟ وقالوا: إذا عرف الإنسان اللَّه، وصدَّق رسله، وسكن قلبه إلى ذلك، «واطمأن عليه، فلا علينا من الطريق: تقليدًا كان أو نظرًا أو استدلالًا، واحتج أصحاب هذا القول بأدلة، منها:
1 – لو كان النظر واجبًا لفعله الصحابة، وأمروا به، والواقع أنهم لم يفعلوا، ولو فعلوا لنقل عنهم، كما نقل النظر في المسائل الفقهية.
ويردّ على هذا الدليل بأن معرفة الصحابة بالعقائد كانت مبنية على الدليل باعتمادهم على السليقة في الفهم، ومشاهدة الوحي، وكانوا مأمورين بالنظر كغيرهم، وهو ما أفادهم الطمأنينة، وأفاد غيرهم من عامة الناس بالأدلة الكافية من الوقائع والمشاهدات التي تفيد الإيمان، ولكثرة ذلك في خلق الإنسان والكون والحياة مما يفيد الدليل على وجود اللَّه، وكمال صفاته، وسلامته من النقص.
2 – لو كان النظر في معرفة اللَّه واجبًا، لأدى إلى الدور، وهو توقف وجود الشيء على ذاته؛ لأن وجوب النظر المأمور به من اللَّه متوقف على معرفة اللَّه، ومعرفة اللَّه متوقفة على النظر.
ويردَّ على ذلك أنه لا دَوْر؛ لأن وجوب النظر الشرعي متوقف على معرفة اللَّه بوجه ما، ومعرفة اللَّه متوقفة على النظر بوجه أكمل بصفات الكمال وامتناع النقص، فهما أمران. ولذلك فإن العقائد تحتاج للعلم بناء على اعتقاد جازم مطابق للواقع عن دليل، والتقليد يكون بلا دليل، فلا يقبل فيها مظنة الوقوع في الشبهات، أو الضلال، أو اضطراب الآراء، أما التقليد فإنه طريق آمن، وأسلم، فيجب المصير إليه، كما ورد النهي عن النظر والجدال في آيات اللَّه، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن الكلام في القدر، وقال: “إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا”([106]) .
وقال العلماء: هذا قول ضعيف، فالتقليد قد يوقع في الضلال كما فعل المشركون بتقليد الآباء، ويكون النهي عن الجدال بالباطل، مع الأمر بالجدال بالتي هي أحسن، والنهي عن الكلام في القدر؛ لأنه ثبت بالنص، فيكون الجدال فيه مماراة عن الحق ([107]) .
ثانيًا: حكم التقليد في الفروع العملية:
اختلف العلماء في حكم التقليد في الفروع العملية، وهي المسائل الفقهية الجزئية على عدة أقوال، أهمها ثلاثة، وهي:
القول الأول: التقليد غير جائز في الفروع العملية، ويجب فيها الاجتهاد على كل مكلف ليعمل بما أداه إليه اجتهاده، بحسب قدرته، وهو قول الظاهرية وبعض المعتزلة، وجماعة من الإمامية؛ لأن المسلم مأمور باتباع ما أنزل اللَّه في كتابه، والأخذ بقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ما عدا ذلك.
وهذا كلام نظري خيالي، فكلام اللَّه وكلام الرسول يحتاج إلى اجتهاد لفهم مراده ومعناه، ولا يقدر عليه كل أحد، وأن جماهير الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون كبار الصحابة وعلماءهم ويقتدون بهم.
القول الثاني: التقليد واجب على جميع الناس بعد زمن الأئمة المجتهدين، وأن النظر والاجتهاد غير جائز، لغلق باب الاجتهاد، وعدم توفر شروطه، وهذا ثبت بطلانه في الفصل السابق.
القول الثالث: يجب التقليد في العقائد والأصول العامة، ويحرم النظر والاجتهاد، وهو قول بعض العلماء، لأن حجج العقول باطلة، وإن النظر شروطه، وهذا ثبت بطلانه في الفصل السابق.
القول الثالث: التفصيل بين المجتهد والعامي، فيحرم التقليد على المجتهد؛ لأنه أهل للاجتهاد والنظر، ويجب التقليد على العامي الذي لم تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، ولو كان عالمًا، وهو رأي أكثر أتباع المذاهب الأربعة، ومعظم المحققين ([108]) .
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، أهمها:
1 – الكتاب:
قال اللَّه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 43]، فهذا نص عام، ويتكرر بتكرر الشرط، وعلة الأمر بالسؤال: الجهل، فيجب السؤال في كل أمر لا يُعلم.
2 – الإجماع:
أجمع الصحابة والتابعون على إقرار ما يعمله العلماء في عصرهم من جواب أسئلة العوام عن حكم الحوادث والقضايا والأحكام الشرعية، وكان العوام يقلدون العلماء من غير إبداء مستند أو دليل، ولم ينكر أحد على ذلك، ولا يلزم ذلك في التوحيد والعقائد والأصول العامة؛ ليسره وقلته.
3 – المعقول:
لم يرد في الشرع إيجاب الاجتهاد أو بلوغ رتبة الاجتهاد على جميع المسلمين؛ لأن ذلك يفرض تفرغ جميع الأمة لطلب العلم والوصول إلى رتبة الاجتهاد، مما يؤدي إلى خراب الدنيا، بترك المعايش والصنائع وسائر العلوم الأخرى، وهو تكليف بما لا يطاق، ولذلك كان التخصص بالعلم الشرعي أو غيره فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، ويسأل غيرُ المتخصصين العلماء المتخصصين، ويقبلون قولهم، ويقلدونهم، ولأن العامِّي إذا اجتهد فهو أقرب للخطأ؛ لعدم أهليته. «وهذا يدل على وجوب التقليد على العامي ليتعرف على الأحكام الشرعية، ثم يلتزم بها ويطبقها، ثقة بما يخبره العلماء.
أما المجتهد فيحرم عليه التقليد؛ لأنه حاز رتبة الاجتهاد، وتوفرت فيه شروطه، ويعرف الأدلة، فلا يجوز له تقليد مجتهد آخر؟ لأنه مثلُه، والمجتهد مأمور بالاجتهاد، فعليه أن يبذل جهده، ويقوم بو اجبه، وإلا كان مقصرًا آثمًا»([109]) .
فرع: ذم التقليد:
بناء على حرمة التقليد على المجتهد، ووجوب البحث والنظر عليه في الأدلة، وبناء على ترجيح حرمة التقليد في العقائد والأصول العامة، فقد ورد ذم التقليد في النصوص الشرعية، ودعا الأنبياء إلى ترك تقليد الآباء والأجداد في العقائد الفاسدة، ودعوهم للنظر في الحجج والدلائل لمعرفة الحق واليقين في الإيمان والعقيدة والدِّين.
فقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام: 116]، فحكم بضلال أكثر الناس إذا لم يرجعوا في مذاهبهم إلى حجة تصححها.
وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].
وقال تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وهذه منزلة المقلد.
وذم اللَّه تعالى من احتج بالتقليد في العقائد، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا«أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)} [الزخرف: 23]، وقال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، وجعل اللَّه تعالى المقلدين الذين يتركون النظر في الكون والحياة لبناء العقيدة بمنزلة الأنعام، وبمنزلة الصم البكم، فقال تعالى: {إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]، وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]، فإنهم لما أعرضوا عن النظر في الدلائل، وصيّروا أنفسهم بمنزلة من ليس في وسعه ذلك، مثل البهيمة، ومثل من لم يسمع ما خوطب به وندَّد القرآن الكريم بمنطق المشركين المقلدين، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} [البقرة: 170]، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)} [المائدة: 104].
ومن هذا المنطلق صرح الأئمة بعدم تقليدهم، وأمروا أصحابهم المجتهدين بالنظر والبحث والاعتماد على الأدلة، وليس على مجرد التقليد، كما سنبين في الفقرة التالية في التقليد المذموم أو المحرم.
أقسام التقليد: وينتج عن التفصيل السابق عند الجمهور أن التقليد قسمان: مذموم، ومحمود.
1 – التقليد المحمود:
يعتبر التقليد محمودًا في الفروع، وذلك لصنفين:
الصنف الأول: تقليد العاجز عن الاجتهاد، ممن لا تتوفر فيه شروطه، فإنه لا يقدر على التوصل إلى الحكم الشرعي بنفسه، ولم يبق أمامه إلا اتباع من يرشده إلى الحق من أهل النظر والاجتهاد إلى ما يجب عليه من التكاليف. «الصنف الثاني: تقليد العالم إذا علم أن الذي يقلده لا يخطئ فيما قلده فيه، فيلزمه القبول بمجرده، وهذا يشمل أربعة أشخاص:
أ- تقليد النبي صلى الله عليه وسلم، بناء على أن قوله يسمى تقليدًا، وهو الأصح؛ لقيام الدليل على صدقه.
ب- المخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من صحابي، أو تابعي ثقة، وكذا كل راوٍ عدل ثقة ضابط؛ لأن تقليده اتباع لما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
جـ- المجمعون على حكم، فتقليدهم واجب فيما أجمعوا عليه؛ لأنه اتباع للإجماع.
د- تقليد الصحايي في رأيه واجتهاده على أحد القولين الذي يعتبر قول الصحابي دليلًا شرعيًّا، وهو رأي الجمهور
2 – التقليد المذموم أو المحرم:
وهذا يتضمن أربعة أنواع، وهي:
أ- التقليد الذي يتضمن الإعراض عما أنزل اللَّه، مما لا يجوز الالتفات إليه، كتقليد الآباء والرؤساء والزعماء والطواغيت.
ب- التقليد الذي يتعارض مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو مع الإجماع، أو مع ما علم من الدِّين بالضرورة، أو يتعارض مع قول الصحابي في القول الأكثر.
جـ- التقليد بعد ظهور الحجة، وإقامة الدليل على خلاف قول المقلَّد.
د- تقليد من يعلم المقلد أنه ليس أهلًا لأن يؤخذ قوله، كأنصاف العلماء، وعلماء السلطان الذين يفتون بما يهوى، وبما يملي.
وهذه الأنواع الأربعة هي التي يحمل عليها ما ورد في القرآن والسنة من ذم التقليد، وعليها يحمل كل ما نقل عن العلماء في ذم التقليد، وهو كثير «ثابت عن الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم، وذم من أخذ بأقوالهم بغير دليل ولا حجة. ونقل عن مالك رحمه اللَّه تعالى أنه قال: أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقه فاتركوه. قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيها أفعى تلدغه ولا يدري، وروى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره. وقال الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا، وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلناه. وقال السيوطي: ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف جماعة في ذم التقليد كالمزني، وابن حزم، وابن عبد البر، وأبي شامة، وابن قيم الجوزية، وصاحب القاموس المحيط. وقال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد ([110])
[المفتاح الثالث]: هل يتقيد المقلد برأي من قلد؟ وهل يجب عليه أن يتقيد بمذهب معين؟
أولاً: حكم تقييد المقلد برأي من قلده:
إذا تبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها فإنه بالاتفاق ليس له الرجوع عنه إلي رأي آخر في نفس الواقعة التي استفتي فيها لا في غيرها، ولا فينا يماثلها لأنه كما لم يجز للمجتهد نقض ما أمضاه فكذا لا يجوز للمقلد لأن اتصال الإمضاء بمنزلة اتصال القضاء واتصال القضاء يمنع النقض فكذا اتصال الإمضاء.
أما في غيرها من المسائل فالحق أنه يجوز لما قلنا من أنه يجوز للمقلد أن يقلد من يشاء، ولأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر علي العامة في ذلك لأن كل مسألة لها حكم نفسها فكما لم يتعين الأول إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى وهو المختار. ([111]) .
ثانياً: حكم تقييده بمذهب معين:
أما إذا عين العامي لنفسه مذهبا انتسب إليه والتزمه مع أن هذا لا يلزم في الراجح وهو رأي الجمهور، فإن قيل لا يصح له الرجوع عنه لأنه التزمه وإن لم يجب التزامه قبل ذلك، وقاسوه علي من أخذ بقول إمام في مسألة واتصل عمله بها، وقيل لا يجوز فيما عمل به ويجوز في غيره، قال ابن السبكي وهو الأعدل، قال الكمال بن الهمام: هو الغالب علي الظن، وقيل يجوز إذا التزام ما لا يلزم غير ملزم، ولا واجب بالاتباع إلا ما أوجبه الله ورسوله وما أمرنا الله أن نتعبد علي مذهب أحد.
علي أن التمذهب بمذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال أو لمن قرأ كتاباً في فروع المذهب وفتاوي إمامه، قال ابن حزم: أجمعوا علي أنه لايحل لحاكم ولا مفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله.
والمختار: أن العامي إذا اتبع مذهبا في مسألة جاز له أن يرجع إبي مذهب آخر بشرط أن لا تكون المسألة متصلة بالأولي، يقول الإمام صلاح الدين العلافي: والذي صرح به الفقهاء في مشهور كتبهم جواز الانتقال في آحاد المسائل والعمل فيها بخلاف مذهب إمامه الذي يقلد مذهبه إذا لم يكن ذلك علي وجه تتبع الرخص. ([112]) . ([113]) .
[المفتاح الرابع]: تلفيق الأحكام وتتبع الرخص.
ذكرنا أن المختار هو جواز أن يأخذ المقلد مسألة عن مجتهد وأخري عن مجتهد آخر، وأنه يجوز أن يأخذ من مذهب بعض المسائل ومن آخر بعضها. وأما المسألة الواحدة فهل يجوز أخذ جميع الأحكام المتعلقة بوسائلها ومقدماتها من مذاهب وآراء مختلفة مما يسمي تلفيقاً في الحكم؟
اختار بعض العلماء أن التقليد المؤدي إلي هذا غير جائز لأنه يشترط لصحته والأخذ به ألا يوقع المقلد في أمر يعتبر باطلاً علي المذهب الأول وباطلاً علي المذهب الآخر لأن تقليد مذهب الغير شرط فيه ألا يكون موقعاً في أمر يجتمع علي إبطاله الإمام الذي كان علي مذهبه والإمام الذي انتقل إليه.
فالتلفيق إن كان في جزئيات المسائل فإنه جائز وإن كان في أجزاء الحكم الواحد فهو المقصود بالمنع، ومع هذا يقول ابن أمير الحاج الحنفي :وليس بضائر علي المكلف أن يتبع الرخص كيفما كان.
فمن عقد زواجه دون صداق مقلداً الشافعية، ودون شهود مقلداً المالكية مع توافر الإشهار فإن عقده صحيح، إذ لم يقل مالك إن نكاح من قلد الشافعي في عدم الصداق باطل وإلا لزم أن تكون أنكحة الشافعية عنده باطلة، ولم يقل الشافعي إن من قلد مالكاً في عدم الشهود أن نكاحه باطل وإلا لزم أن تكون أنكحة المالكية بلاشهود عنده باطلة، كما يقول الكمال بن الهمام الحنفي( إن المنع مع التقليد إذا أدي إلي مجموع لم يقل به أحد هو قول لمتأخر.) ([114]) .
وتتبع الرخص هنا إنما يقصد به الأخذ من كل مذهب ما هو الأهون فيما يقع من المسائل، وهذه هي التي محل الخلاف، أما تتبع الرخص بمعني ما ينقض به حكم الحاكم من مخالف النص وجلي القياس فهو ممنوع اتفاقاً.
ولما كانت مسألة تتبع الرخص من المسائل ذات الشأن الخطير في المجتمع وعند الفقهاء أنفسهم رأينا أن نبين أقوال الفقهاء فيها.
إن هذه المسألة اخلف الفقهاء فيها إلي ثلاث فرق: الأول المانعون، والثاني: المجيزون إلي حد، الثالث: المجيزون دون توقف عند حد.
أولاً: المانعون:
يقول العزالي: «وَلَيْسَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَنْتَقِيَ مِنْ الْمَذَاهِبِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَطْيَبَهَا عِنْدَهُ فَيَتَوَسَّعَ بَلْ هَذَا التَّرْجِيحُ عِنْدَهُ كَتَرْجِيحِ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ عِنْدَ الْمُفْتِي فَإِنَّهُ يَتْبَعُ ظَنَّهُ فِي التَّرْجِيحِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا، وَإِنْ صَوَّبْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ وَلَكِنَّ الْخَطَأَ مُمْكِنٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ وَبِالْحُكْمِ قَبْلَ تَمَامِ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ، وَالْغَلَطُ عَلَى الْأَعْلَمِ أَبْعَدُ لَا مَحَالَةَ» فلا يقصر علي ملاحظة التخفيف بتتبع الرخص.
ويذكر الجلال المحلي الشافعي في شرحه والشاطبي المالكي أن ابن حزم قال: إن الإجماع علي منع تتبع الرخص وأنه فسق لايحل.
وينقل ابن أمير الحاج الحنفي أن عبدالله قال لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً، ويقول الشاطبي: وليس تتبع الرخص واختيار الأقوال بالتشهي إلا ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى والغرض، وقال إن اتباع الرخص فيه من المفاسد ما فيه من الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلي اتباع الخلاف، والاستهانة بالدين وافضائه إلي أقوال خارقة للإجماع. ([115]) .
ثانياً: المجيزون بشرط:
يقول الجلال المحلي: أما الشافعية فقد قال العز بن عبدالسلام في فتاويه: «لِأَنَّ النَّاسَ مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ إلَى أَنْ ظَهَرَتْ الْمَذَاهِبُ يَسْأَلُونَ فِيمَا يَسْنَحُ لَهُمْ الْعُلَمَاءُ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ سَوَاءٌ اتَّبَعَ الرُّخْصَ فِي ذَلِكَ أَوْ الْعَزَائِمَ؛ لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ الْمُصِيبَ وَاحِدًا وَهُوَ الصَّحِيحُ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا فَلَا إنْكَارَ عَلَى مَنْ قَلَّدَهُ بِالصَّوَابِ،»
ومع هذا فهو يمنع من تتبع الرخص المركبة في الفعل الواحد أي يكون التلفيق فيها في أجزاء الحكم الواحد وحمل رأي المانعيين علي هذا. ثم يقول العطار« «فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ جَوَازُ التَّقْلِيدِ وَجَوَازُ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا اعْتَبَرَهُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ التَّقْلِيدُ فِيهَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا كَيْ لَا يَقَعَ فِي حُكْمٍ مُرَكَّبٍ مِنْ اجْتِهَادَيْنِ كَمَا إذَا تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ لَمْسٍ مُجَرَّدٍ عَنْ الشَّهْوَةِ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ، وَهَذَا عَمَلُ مَنْ مَنَعَ التَّلْفِيقَ فِي التَّقْلِيدِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّلْفِيقُ فِي أَجْزَاءِ الْحُكْمِ لَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْمَسَائِلِ كَمَا نَقَلْنَاهُ،» وهو ما نقله الدسوقي المالكي، وبالجملة فالتلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين ممنوع في طريقة المصاورة. وهو ما نقل عن القرافي: إن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه فشرطه ألا يكون موقعاً في أمر يجتمع علي إبطاله الإمام الذي كان علي مذهبه والإمام الذي انتقل إليه. ([116]) .
فهؤلاء إذن يرون جواز تتبع الرخص بشرط أن يؤدي إلي قول لا يجيزه واحد من المذهبين أو المذاهب الملفق منها الحكم، كأن يتوضأ علي مذاهب مختلفة ولا يقول بمجموعها أحد من أئمة هذه المذاهب.
ثالثا: المجيزون دون قيد أوشرط
يقول الكمال بن الهمام الحنفي ولا يمنع اتباع رخص المذاهب مانع شرعي إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا وجد سبيلاً، وكان الرسول صلي الله عليه وسلم يحب ما خف علي أمته ويقول (بعثت بالحنيفية السمحة) ([117]) . ولان الشريعة لم ترد بقصد مشاق العباد بل بتحصيل المصالح، ثم قال والغالب أن هذه الزامات من المانعين لكف الناس عن تتبعها، ولا أري ما يمنع هذا من العقل والسمع.
ويقول ابن أمير الحاج : وتتبع الرخص لا يمنع منه مانع شرعي والغالب أن ما يقوله المعارضون من كف الناس عن تتبع الرخص إنما يقصدون به منع العامي من أن يأخذ من كل مذهب ما هو أخف علي نفسه ولا أدري ما الذي يمنع من هذا وما علمت من الشرع ذمه، وكان الرسول يحب للناس ماخفف عليهم. ([118]) .
هذا وقد جوزه أيضاً أبو إسحاق المروزي الشافعي ونقل عن الدسوقي المالكي أن إبراهيم الشبراخيتي المالكي قال إن تتبع الرخص الممنوع هو ما ينقض به حكم الحاكم، ثم يقول «والذي سمعناه من شيخنا نقلا عن شيخه الصغير وغيره أن الصحيح جوازه وهو فسحة اهـ وبالجملة ففي التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين طريقتان: المنع وهو طريقة المصاروة والجواز وهو طريقة المغاربة ورجحت هذه الطريقة) ([119]) .
الرأي الرجح:
«والراجح أنه لا مانع من الأخذ بالرخص من المذاهب عند الحاجة للفرد، أو للجماعة في التشريع وعند وضع الأنظمة من اللجان المختصة، أما التزام ذلك وتتبعه للفرد فإنّه يدل على رقة الدِّين، وضعف اليقين، وقلة الورع، ويخشى على صاحبه من التفلت والتهرب من أحكام الشرع وتكاليفه، وخاصة في حقوق العباد والمعاملات والمحظورات.» ([120]) .
المبحث السادس أسباب اختلاف الفقهاء المجتهدين في المسائل الفقهية
[المفتاح الأول]: (تنبيهات):
(أ) الاختلاف في الفروع الفقهية العملية رحمة ومنفعة وسعة، وهو كذلك عامل من عوامل خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، كما أنّه لا خطر منه ولا ضرر، وهو أمر فطري طبيعي حيث تختلف العقول في فهم النص الواحد وتفسيره، فكيف بمئات بل آلاف النصوص من الكتاب والسنّة، والتي تجتهد عقول المجتهدين في شرحها وتفسيرها واستنباط الاحكام منها، وعلى ذلك، فإنّ الاختلاف في الأمور الفرعية والتفصيلية أمر طبيعي تقتضيه طبيعة الإنسان، كما أنّ الاختلاف بين المذاهب الفقهية كان السبب الأول في نماء الثروة الفقهية ومرونة التشريع، وجعله تشريعاً مرناً متجدداً ومستمراً وصالحاً لكل زمن ومكان، ملبياً لجميع حاجات الإنسان مهما اختلفت الظروف والأزمان، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (ما سرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة).
(ب) اختلاف الأئمة الفقهاء لم يكن سببه الهوى أو أي غرض من أعراض الدنيا الزائلة، بل كان هدفه الوصول إلى الحق، ابتغاء مرضاة الله.
(ت) أكثر الخلاف هو من قبيل خلاف التعدد والتنوع، وهذا لا خلاف على الحقيقة فيه إذ الكل جائز وصحيح، وأقله خلاف تضاد وهذا يكاد ينحصر في النصوص الظنية، وفي الدلالات الظنية، التي لا سبيل إلى جمع الناس جميعاً فيها على رأي واحد، والكل فيها مجتهد، وقد أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (نَادَىَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ الأَحْزَابِ “لاَ يُصَلّيَنّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” فَتَخَوّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لاَ نُصَلّي إلاّ حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، قَالَ: فَمَا عَنّفَ وَاحِداً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ) ([121]) .
وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَجُلاَنِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمّمَا صَعِيداً طِيّباً فَصَلّيَا ثُمّ وَجَدَا الْمَاءَ في الْوَقْتِ فأعَادَ أحَدُهُمَا الصّلاَةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الاَخَرُ، ثُمّ أتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فقال لِلّذِي لَمْ يَعُدْ: أصَبْتَ السّنّةَ وَأجْزَأتْكَ صَلاَتُكَ، وقال لِلّذِي تَوَضّأَ وَأعَادَ: لَكَ الأجْرُ مَرّتَيْنِ) ([122]) .
فإننا نلحظ إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لاختلاف الصحابة في مسألة واحدة، وهذا يدل على سعة هذه الشريعة ومرونتها، والتيسير فيها، ورفع الحرج عن المكلفين في تطبيقها.
[المفتاح الثاني]: أنواع الخلاف الفقهي: قسم العلماء أنواع الخلاف إلى قسمين رئيسيين: خلاف التنوع، وخلاف التضاد.
و(خلاف التنوع): هو ما كانت جميع الأقوال أو الأفعال الواردة فيه صحيحة جائزة، مثل الاختلاف في صيغ الآذان والإقامة، وتكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة والاستفتاح وصيغ التشهد وصلاة الخوف، أو في مكان وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة على الصدر أو فوق السرة او تحت السرة، أو في صلاة الوتر أول الليل أو آخره والكل مشروع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثاله ما ورد عن النبي أخرجه الترمذي عن عبد الله بن أبي قيس قال: (سألتُ عائشةَ رضي الله عنها عن وِترِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كيفَ كانَ يوترُ من أوَّلِ اللَّيلِ أو مِن آخرِه؟ فقالَت: كلُّ ذلِك قد كانَ يصنَعُ ربَّما أوترَ من أوَّلِ اللَّيلِ وربَّما أوترَ مِن آخرِه قُلتُ الحمدُ للَّهِ الَّذي جعلَ في الأمرِ سَعةً فقُلتُ كيفَ كانت قراءتُهُ أكانَ يُسِرُّ بالقراءةِ أم يَجهَرُ قالَت كلُّ ذلِك كانَ يفعَلُ قد كانَ ربَّما أسرَّ وربَّما جَهَرَ قالَ فقُلتُ الحمدُ للَّهِ الَّذي جعَلَ في الأمرِ سَعةً قالَ قُلتُ فَكيفَ كانَ يصنَعُ في الجنابةِ أكانَ يغتسِلُ قبلَ أن يَنامَ أم يَنامُ قبلَ أن يغتسِلَ قالَت كلُّ ذلِك قَد كانَ يفعَلُ ربَّما اغتسلَ فنامَ وربَّما تَوضَّأ فنامَ، قلتُ: الحمدُ للَّهِ الَّذي جعلَ في الأمرِ سَعةً) ([123]) .
والشاهد من هذا ظاهر، وهو جواز الأمرين في الوتر، والقراءة، والاغتسال من الجنابة، فهناك أمور في الشرع ظاهرها الاختلاف، ولكنه اختلاف تنوع وتعدد وكله جائز لا حرج فيه، وأكثر ما في المذاهب الفقهية هو من قبيل هذا النوع.
و(خلاف التضاد) وهو نوعان: النوع الأول: مذموم غير سائغ، وهو ما كان في العقائد وأصول الدين مما يُخالف الكتاب والسنّة وما كان عليه هدي الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة الناجية) من عقائد تُفارق الفرق الضالة الهالكة من خوارج وروافض ومعتزلة ومجسمة ومرجئة وغيرها من الفرق الضالة وهذا ليس موضوعنا في تلك الرسالة.
والنوع الثاني: سائغ غير مذموم، وهو ما كان متعلقاً بالفقه والأحكام العملية الخاضعة للاجتهاد، وهو أن يختلف المجتهدون في حكم المسألة على أقوال متنافية، ومثاله اختلاف الفقهاء في أحكام الوضوء كوجوب المضمضة والاستنشاق أو استحبابهما، ووجوب الترتيب أو استحبابه، وأركان الصلاة وواجباتها وسننها، وعدد ركعات صلاة التراويح، والقنوت في صلاة الفجر، فهذه جميعها اختلافات فقهية سائغة لأنّها خاضعة لأسباب طبيعية وشرعية لا يمكن بحال جمع الفقهاء فيها على رأي واحد، يرجع فيها الاختلاف إلى تفاوت أفهام المجتهدين في الاستنباط من نصوص محتملات تتعدد وجوه الفهم فيها، وهو اختلاف رحمة ومرونة يعطي الفقه والشريعة قدراً عظيما من المرونة والصلاحية لكل الناس في كل الأزمان والأمكنة، ومحاولة جمع الناس في هذا الاختلاف على قول واحد تقعر وغلو، كما أنّه أمر مستحيل لتفاوت العقول ووجود النصوص حمالة الوجوه، وهذه الاختلافات هي التي اتفق الفقهاء في أنّه لا انكار فيها بين المذاهب الفقهية، وجميع الأئمة الفقهاء الأربعة اتفقت الأمة على استحالة تعمد أحدهم مخالفة الكتاب والسنّة والاجماع والقياس الجلي، ولذلك كانت المذاهب الفقهية الأربعة في مأمن من الاجتهاد المذموم الذي يُخالف نصوص الكتاب والسنّة وروح الشريعة ومقاصدها العامة، ومحاولة جمع المسلمين في تلك الاختلافات على قول واحد أمر غير ممكن، أضف إلى ذلك أنّه يزيد الفرقة فرقة، ويُفسد ولا يُصلح، مع أنّها اجتهادات سائغة والكل فيها مأجور، إن صواباً أجرين، وإن خطأ أجر واحد ولا يُحرم من الأجر إلا الشقي المتقعر، وهذان نبيان معصومان اختلفا في حكم، ولم يخطئ القرآن أحدهما بل أثنى على كليهما وإن كان أحدهما أصاب الحكم في القضية، قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78، 79].
[المفتاح الثالث]: أهم أسباب اختلاف الفقهاء:
(أ) أهم أسباب اختلاف الفقهاء سببان: الأول: سبب طبيعي: ويعود إلى التفاوت والتباين في إما في طبيعة التفكير، وإما في البيئة المحيطة، والأول: وهو التباين والتفاوت الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب، بما فضل الله به بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع، والثاني وهو التفاوت في البيئة والمعيشة لما لهما من دورٌ في التأثير على اجتهاد المجتهد، وما يترتب عليه من الحكم الشرعي الصادر عن المجتهد والفقيه.
والسبب الثاني: العامل الشرعي: ويتناول أربعة أمور، يقول عنها الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في كتابه: دراسات في الاختلافات العلمية: الفصل الرابع: أسباب الاختلافات العلمية:
” لقد تبين لنا مما سبق، أن اختلاف العلماء في استنباط المسائل العلمية وتعدد آرائهم في المسألة الواحدة أمر طبعي، تبعاً للأسباب المقتضية لذلك الاختلاف، إلا أننا نجد بعض قاصري النظر، يقفون من هذه الاختلافات العلمية موقف المستغرب المستنكر، أو المتشكك المرتاب، ولعل السبب في هذا الموقف المتطرف، اعتقاد هؤلاء أنه لا مجال لاختلاف العلماء إذا توفرت لديهم النصوص، وكأن سبب الاختلاف محصور عندهم في ثبوت النص وعدم ثبوته، فإذا توفرت النصوص لدى الجميع بسبب من الأسباب، كتدوين السنة في الصحاح مثلاً، وتميز صحيحها عن ضعيفها، كان لازماً أن يذهب هذا الاختلاف، وتزول آثاره بين العلماء، وتعود الآراء المتعددة رأياً واحداً لا خلاف فيه وكثيراً ما أدت هذه النظرة السطحية الخاطئة لمسألة اختلاف العلماء في الأحكام إلى موافق مختلفة، جعلت بعض الناس ينوء بها فيعرض عنها، وجعلت صنفاً آخر منهم يتهجم عليها ويحاربها، كما جعلت أناساً آخرين يقتنعون بدعوة التوحيد بين المذاهب والآراء ظانين أن الوقت قد حان –وقد دونت السنة وانتشرت كتبها في الأقطار- ليجمعوا الناس على قول واحد ومذهب واحد يدعى بمذهب الكتاب والسنة، ويؤكدون صلاحية ذلك بأنه: لا داعي لهذه الاختلافات والمذاهب ما دام الدين واحداً والقرآن واحداً، والسنة واحدة، ولو رجع هؤلاء إلى ما بينه الأئمة والعلماء من أسباب الاختلاف، لعلموا أن ما ظنوه السبب الأصلي الوحيد في الاختلاف –وهو عدم وصول النص إلى المختلفين –ما هو إلا سبب واحد يسير من الأسباب العديدة التي أدت إلى تنوع هذه الآراء، واختلافها واختلاف الاستنباط بسببها، وتبعاً لتعدد الأسباب وتداخلها، اختلف العلماء في بيان أسباب الاختلاف إلى مجمل فيها، ومفصل لها، لكني أرى أن هذه الأسباب جميعها تعود في حقيقة الأمر إلى أربعة أسباب إجمالية، تتفرع عنها الأسباب التفصيلية الأخرى، وهذه الأربعة هي:
[الأول]: الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته: فهناك وصول النص إلى هذا الإمام وعدم وصوله إلى غيره, وهناك ثبوته عند هذا وعدم ثبوته غيره, وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم, أو تبعاً إلى شذوذٍ في المتن أو في السند بالنسبة إلى متن آخر أو سندٍ آخر, إلى غير ذلك مما يتصل بهذا السبب.
[والثاني]: الاختلاف في فهم النص: وهناك بعد ذلك كله- على فرض الاتفاق على ما سبق, واستواء الحكم على النص عند الجميع- الاختلاف في فهم النص الثابت، سواءً في ذلك، الاختلاف الذي يعود إلى نوعية النص، ككونه مشتركاً لفظه بين معانٍ كثيرة، أو مجملاً لم يبين معناه، ولم يتضح المراد منه للمجتهد، أو جاء على سبيل الحقيقة، أو المجاز إلى غير ذلك مما يعرفه أهل اللغة والبيان، وسواء في ذلك الاختلاف الذي يعود إلى اختلاف القدرات والإمكانات في الفهم عند المجتهدين.
[والثالث]: الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة: وعلى فرض الاتفاق بين العلماء على ثبوت النص وفهمه، يعترض أمر آخر وهو: سلامة هذا النص من معارض راجح في الظاهر من النصوص الأخرى، وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص، أو ترجيح بعضها على بعض، ولا ننسى هنا ما للفهم من أثر كبير في هذه المرحلة، وهناك من ينظر إليها نظرة عدم التعارض فيعمد إلى الترجيح، وليس فهم أحدهم بحجة على فهم الآخر، ولا بملزم له أن يقول بقول غيره.
[والرابع]: الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط: وهو الاختلاف في حجية المصدر الذي تستنبط منه الأحكام، فلكل إمام قواعد وشروط في قبول الحديث ورده، ولكل وجهته ومنهجه في الاستنباط، وهناك من ينظر إلى فعل الصحابي مثلاً أو فتواه، نظرته إلى النصوص الشرعية، فيعتبرها حجة قوية، وهناك من يخالفه في ذلك، هناك من يعتبر عمل أهل المدينة حجة شرعية، يقدمها على غيرها من النصوص، وهناك من ينظر إلى عمل الراوي بخلاف ما رواه، نظرة يخالفه فيه الآخرون، وهناك من يرى أن مقتضى النهي الفساد، ويخالفه في ذلك غيره، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول، وسنتناول هذه الأسباب الأربعة سبباً سبباً، موضحين لها بالأمثلة العملية للاختلافات الناشئة عنها إن شاء الله، ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن كثيراً ما نجد هذه الأسباب الأربعة للاختلاف متداخلة في بعض المسائل، لا ينفك سبب منها أحياناً عن الأسباب الأخرى، لأن مما يؤثر في فهم المجتهد واستنباطه منهجه وطريقته فيه، كما يؤثر فيه أيضاً ذلك المصدر الذي يعتمد عليه، ويستنبط منه.
ولهذا ضاقت دائرة الاختلاف بين العلماء الذين تقاربت أصولهم ومناهجهم، واتسعت دائرته بين المجتهدين الآخرين، كما هو واضح في اجتهاد المجتهدين المطلقين، والمجتهدين المتقيدين بمذهب من المذاهب، وعلى هذا، فدعوى بعض الناس إلى توحيد المذاهب والآراء في مذهب واحد، دعوى لا يلتفت إليها لمخالفتها الواقع المفروض الذي أشرت إليه، كما أن تهجم الآخرين على اختلاف العلماء في المسائل العلمية ناشئ عن ضيق النظر، وسوء الفهم، نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ” أهـ ([124]) .
[المفتاح الرابع]: (درة في بيان أهم أسباب الاختلاف): يقول د: إبراهيم سلقيني في بيان أهم أسباب الاختلاف: ” وعلى ذلك فإنّ أهم أسباب الاختلاف باختصار:
(1) الاختلاف في الاستعدادات الفطرية والمكتسبة لدى الناس جميعاً ومنهم العلماء، فالناس طبائعهم متباينة، وقدراتهم مختلفة، وفي ذلك يقول الشيخ علي الخفيف رحمه الله تعالى: “إنّ عادات الناس مختلفة، وآرائهم متعارضة، وأعرافهم متعددة، وأعمالهم متنوعة، وأنظارهم متفاوتة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: 30]، وإذا اختلفت المقدمات اختلفت النتائج، فما دام الناس يختلفون في الألوان، والألسنة، والطبائع، وطرق معايشهم، وفي الثقافة التي ينهلون منها… فإنهم لا شك يختلفون في فهمهم واجتهاداتهم، لاختلاف المدارك والعقول”، فالاختلاف بين الناس واضح في الملكات والقدرات والتفكير والفهم.
(2) اختلاف البيئات والعصور دفع الأئمة إلى اختلاف في الأحكام الفرعية، فكان الإمام الواحد يغير من اجتهاده في المسألة الواحدة إذا تغيرت هذه الظروف، كما حصل للإمام الشافعي رضي الله عنه، وكما حصل مع الصاحبين بعد وفاة الإمام أبي حنيفة، وكما نرى من الاختلاف في الأمور الاجتهادية الفرعية بين المتقدمين والمتأخرين في المذهب الواحد، ولذلك وضعوا القاعدة الفقهية: (لا ينكر تغير الأحكام لتغير الأزمان) لتأكيد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وأنها خالدة وحجة على المؤمنين بها والحاقدين عليها.
(3) الاختلاف في فهم النصوص عندما تكون دلالتها غير قطعية، ويكون المعنى محتملاً أو خافياً مما يؤدي إلى الاختلاف في الأحكام بين الفقهاء.
(4) الاختلاف في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم حيث كانت لغة واسعة، فيها المشترك والمترادف والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، أدى إلى الاختلاف في فهم النص ودلالته، وإلى الاختلاف في استنباط الأحكام مثل لفظ القرء والعين وحروف الجر والعطف، فيقال: رأيت عيناً، ويراد بها: عين الماء، أو عين الإنسان، أو الجاسوس، وكذلك القرء يراد به: الحيض، ويراد به الطهر، كما في الآية الكريمة: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: 228].
(5) الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع، فقد اتفق الأئمة على حجية القرآن والسنة والإجماع والقياس، لكن اختلفوا في حجية باقي المصادر كما سنرى في الكلام على الاستحسان والمصالح المرسلة، وغيرها، من المصادر المختلف فيها، فهناك من ينظر إلى فعل الصحابي مثلاً أو فتواه نظرته إلى النصوص الشرعية فيعتبرها حجة، وهناك من يخالفه في ذلك، وهناك من يعتبر عمل أهل المدينة حجة،، وهكذا.
(6) الاختلاف في ثبوت النص الشرعي أو عدم ثبوته، ذلك لأن النص الشرعي هو المرجع الأول للمجتهدين جميعاً، فإذا صح الحديث واتضحت دلالته وسلم من المُعارض كان عليه الاعتماد في الحكم لا يخالف في هذا أحد، وهذا هو معنى قول الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم: “إذا صح الحديث فهو مذهبي” فلا يمكن لمسلم أن يعرض عن الحديث الشريف، ولكن هناك وصول النص إلى هذا الإمام وعدم وصوله إلى غيره، وذلك لعدم الإحاطة الكاملة بالسنة، وهناك ثبوته عند هذا وعدم ثبوته عند غيره، وذلك تِبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم، أو تبعاً إلى شذوذ في المتن أو في السند بالنسبة إلى سند آخر أو متن آخر، إلى غير ذلك، فيقضي العالم حينئذ بظاهر آية أو بحديث آخر أو يجتهد رأيه، فأبو بكر لم يعلم بحديث ميراث الجدة، وعمر لم يبلغه حديث الاستئذان: (إِذَا اسْتَأْذَنَ أحَدُكُم ثَلاَثاً فَلمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ) ([125]) وحديث الجزية على المجوس، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (سُنّوا بهم سُنَّةَ أهْل الكِتاَبِ)، ([126]) . وعثمان لم تبلغه السنة في اعتداد المتوفى عنها زوجها، في بيت الزوجية،، وهكذا.
(7) الاعتقاد بضعف الحديث لمعرفة خاصة بأحد رجال السند فيرد حديثه، بينما يخفى هذا الأمر على آخر فيقبله.
(8) نسيان الحديث: لأنّ السنة لم تكن مدونة في صدر الإسلام، وكان الاعتماد فيها على الحفظ، والإنسان قد ينسى فقد نسي عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث التيمم من الجنابة عند عدم الماء فذكَّره به عمار رضي الله عنه.
(9) الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة في ظاهرها: فعلى فرض الاتفاق بين العلماء على ثبوت النص وفهمه قد يعترض أمر آخر، وهو عدم سلامة هذا النص من معارض راجح من النصوص الأخرى، وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص أو ترجيح بعضها على بعض، وباب الجمع والترجيح باب دقيق يتجلى فيه تفاوت الأفهام وعمق الأنظار، ومن أمثلة اختلاف العلماء في طرق الجمع: اختلافهم في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام، هذه بعض أسباب الاختلاف وهو اختلاف في الفروع، كما رأينا فلا يضر الأمة ولا يفرق شملها ولا يؤدّي لانقسامها، وإنما الخطر الكبير في الاختلاف في العقيدة، وهذا لم يقع بحمده تعالى، وإذا رأينا تعصباً مذهبياً مقيتاً أو انقساماً مفرقاً في بعض الأحيان، فإن سببه الجهل بالشريعة أولاً، وبسيرة الأئمة وأقوالهم ثانياً، وإلى الأيدي العاتية الأثيمة والدخيلة التي تريد تمزيق الأمة ثالثاً، وفي الجهة المقابلة للتعصب المذهبي المبني على الجهل وضيق النظر، نجد بعض قاصري النظر أيضاً يقفون من الاختلافات الفقهية موقف المستنكر أو المتشكك المرتاب، ولعلّ السبب في هذا الموقف المتطرف اعتقاد هؤلاء أن سبب اختلاف الفقهاء هو فقط محصور في ثبوت النص أو عدم ثبوته، فإذا توافرت النصوص لدى الجميع بعد تدوين السنة في الصحاح مثلاً، وتميَّز صحيحها من ضعيفها كان لازماً زوال هذا الاختلاف، وزوال آثاره بين العلماء، فتعود المذاهب مذهباً واحداً لا خلاف فيه، وكثيراً ما أدت هذه النظرة السطحية الخاطئة لمسألة اختلاف العلماء في الفروع إلى التهجم على المذاهب ومحاربتها، كما جعلت أناساً آخرين يعلنون الدعوة لتوحيد المذاهب، ظانين أن الوقت قد حان بعد تدوين السنة وانتشار كتبها، ليجمعوا الناس على مذهب واحد يُدعى مذهب الكتاب والسنة، ويَدَّعون أنه لا داعي للمذاهب الفقهية ما دام الدين واحداً والقرآن واحداً والسنة واحدة، ولو عرف هؤلاء ما بيَّنَه العلماء والأئمة من أسباب الاختلاف، مما أشرت إلى بعضه، لعلموا أن ما ظنوه السبب الوحيد للاختلاف، وهو عدم وصول النص إلى المختلفين ما هو إلا سبب واحد من الأسباب الكثيرة التي أدت إلى تنوع الآراء واختلافها ” أهـ، ([127]) .
[المفتاح الخامس]: يقول الشيخ محمد حسين في مبحث قد مُلئ فقها وعلماً في بيان أسباب الاختلافات الفقهية: (أسباب اختلاف مجملة):
(1) الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته، فقد يثبت صحة النص عند إمام وقد لا يثبت عند الآخر تبعا للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم، أو تبعا لشذوذ في المتْن أو في السَّند إلي غير ذلك من موضوعات علم الحديث.
(2) الاختلاف في فهم النص، فعلي فرض ثبوت الحديث والاتفاق علي ذلك، فهناك اختلاف في فهم النص الثابت لكون اللفظ يحمل معانٍ مختلفة، أوْ يكون مُجْملا لم يبين معناه، أو جاء علي سبيل الحقيقة أو المجاز، إلي غير ذلك مما يعرف في علوم اللغة والبيان، هذا وقدرات وإمكانيات الفهم عند المجتهدين تختلف من مجتهد إلي آخر.
(3) الاختلاف في طرق الجمع بين الأدلة والترجيح بين النصوص عند تعارضها، فليست كل النصوص سالمة من معارض راجح أو مرجوح، وليس فهم أحدهم حجة علي الآخر في ذلك.
(4) الاختلاف في اعتماد بعض القواعد الأصولية، وبعض مصادر الاستنباط، وبيان ذلك كله يطول ويرجع فيه إلي مظانه كعلوم أصول الحديث، وأصول الفقه، وأصول اللغة وغيرها من العلوم.
[السبب الأول من أسباب اختلاف الفقهاء] : الاختلاف في ثبوت النص الشرعي: النص الشرعي هو المرجع الأول لجميع المجتهدين، وعليه مدار استنباط الأحكام الشرعية، فإذا صح ثبوت النص، وكان صريحا في دلالته، وسَلمَ من المعارض، كان الاتفاق علي كونه معتمدا في الحكم بلا خلاف، وهذا معني القول عند الأئمة: إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، مع مراعاة أن لكل إمام من الأئمة قواعده وضوابطه وأصوله التي يعتمد عليها في الاستنباط، سواء في ثبوت الحديث لديه أم عدم ثبوته، أو في دلالته ومعناه عنده، أو في سلامته من المعارض الراجح من وجهة نظره، ومن رجع إلي طرق الأئمة في ذلك عرف أنه ما من إمام إلا وقد ثبت عنه القول في مسائل خالف فيها أحاديث صحت عند غيره ولم تصح عنده، أو عمل بأحاديث صحت عنده ولم تصح عند غيره، قال أبو يوسف عند مخالفته إمامه أبي حنيفة في حكم بيع الوقف: لو بلغ أبا حنيفة هنا الحديث لقال به ورجع عن بيع الوقف، أي مثل ما أخذ به الجمهور من الأئمة، بل قد يكون الحديث عند الإمام ثابتا ولا يعمل به لوجود دليل أقوي منه عنده، فالإمام مالك لم يعمل بالحديث الصحيح الذي أخرجه في موطئه وهو قول النبي صلي الله عليه وسلم: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا) ([128]) .
وهو حديث متفق علي صحته، لأنه رحمه الله يري أن له معارضا أقوي منه عنده وهو عمل أهل المدينة الذي يعتبره الإمام مالك أصلا من الأصول ومصدرا من مصادر التشريع، وقد تعقَّب الإمام أحمد بن حنبل مالكا بقوله: مالك لم يردّ الحديث، ولكن تأوّله، ومن الأمثلة التي توضح جانبا من أسباب هذا الاختلاف:
1 – اختلافهم في خبر الراوي المستور، وهو الذي روي عنه اثنان فصاعدًا، ولم يصدر في حقه جرح ولا تعديل، فمن العلماء من يعتبر المستور عدْلا إذا كان في القرون الثلاثة الأولي فيقبل روايته بحسب الأصل في المسلم أنه عدل، ومنهم من لا يحتج بروايته احتياطا في ثبوت الأخبار في الدين، قال الإمام السَّرخْسي في أصوله، وهو حنفي المذهب: أما المستور فقد نص محمد بن الحسن في كتاب الاستحسان: علي أن خبره كخبر الفاسق، وروي الحسن عن أبي حنيفة أنه بمنزلة العدل في رواية الأخبار لثبوت العدالة ظاهرا بالحديث المروي عن النبي صلي الله عليه وسلم من رواية عمر رضي الله عنه: (المسلمون عدول بعضهم علي بعض) ([129]) . ولهذا جوَّز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستور، ثم قال السرخسي: وما ذكره في الاستحسان أصح في زماننا، فإن الفسوق غالب في أهل هذا الزمان، فلا تعتمد رعاية المستور ما لم تتبيّن عدالته، كما لا تعتمد شهادته في القضاء قبل أن تظهر عدالته([130]) .
2 – اختلافهم في الوثوق بحفظ وضبط الناقل، مثل ما روي مسلم في صحيحه وغيره عن أبي إسحاق قال: (كنت مع الأسود بني يزيد جالسًا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يجعل لها سُكني ولا نفقة، فأخذ الأسود كفًّا من حصى فحصبه به وقال: ويحك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر رضي الله عنه: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيَت، لها السكني والنفقة، قال الله تعالي: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة})([131]) .
3 – اختلافهم في ججيّة الحديث المرسل، وهو الذي رفعه إلي النبي صلي الله عليه وسلم تابعي مباشرة من غير الرواية عن صحابي، يقول الإمام السرخسي في أصوله: أما مراسيل القرن الثاني والثالث فهي حُجّة في قول علمائنا – أي الحنفية -، وقال الشافعي: لا يكون حجّة إلا إذا تأيّد بآية أو سنة مشهورة، أو اشتهر العمل به في السلف، أو اتصل من وجه آخر، وقال الشافعي أيضا: جعلت مراسيل سعيد بن المسيَّب حجة لأني اتبعتها فوجدتها مسانيد.
4 – اختلافهم بالعمل بالحديث الذي ينكره مَن رواه نسيانا، فإذا روي الراوي العدل الضابط حديثا ثم أنكره ولم يذكره بعد ذلك، فقال أبو حنيفة: لا يعمل به، وقال الشافعي ومحمد بن الحسن، يعمل به، ومثال ذلك ما رواه ربيعة عن سهل بن أبي صالح من حديث (القضاء بالشاهد واليمين)، ([132]) .
ثم قيل لسهل: إن ربيعة يروي عنك هذا الحديث، فلم يذكره، وجعل سهل يرويه ويقول: حدثني ربيعة عني وهو ثقة… انتهي، يقول السرخسي في أصوله: قد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي، ولم يعمل به علماؤنا، 5 – اختلافهم في وصول النص الشرعي إليهم أو عدم وصوله، فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن عمر بن الخطاب خرج إلي الشام، حتى إذا كان بسَرْع لقيَه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبره أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس: فقال لي عمر: ادْع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجتَ لأمرٍ ولا نري أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا نري أن تقْدمهم علي هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال لي: ادْع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادْع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نري أن ترجع بالناس ولا تقْدمهم علي هذا الوباء، فنادي عمر رصي الله عنه في الناس، إني مصبح علي ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة !! وكان عمر يكره خلافه، نعم، نفّرّ من قدر الله إلي قدر الله، أرأيتَ لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدْوَتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة لرعيتها بقدر الله؟! قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان متغيَّبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض، فلا تقْدموا عليه، وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فرارا منه)، فحمد الله تعالي عمر رضي الله عنه وانصرف)، ([133]) .
6 – اختلف الصحابة رضي الله عنهم في حكم ربا الفضل، فروي عن ابن عمر، وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يقولون بجواز ربا الفضل، وأنه لا ربا إلا في النسيئة، فلما سمعوا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه، والذي يقول فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل… الحديث) ([134]) .
رجعوا إلي قول الجمهور بتحريم ربا الفضل، قال الشوكاني روي الحازمي أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان ذلك برأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، فتركت رأيي إلي حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم) ([135]) .
رواه في نيل الأوطار، بذلك يتضح لنا أن اختلاف العلماء في هذا السبب، وهو ثبوت النص الشرعي أو عدم ثبوته، أن أحدهم لم يخالف النصوص الشرعية، وقد بذلوا وسعهم في تحقيق ومعرفة الدليل، وأنه لم يفت أحدهم الأجر، وقد قال الإمام ابن عبد البر: ليس لأحد من علماء الأمة أن يثبت حديثا عن النبي صلي الله عليه وسلم ثم يردّه دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو يعمل يجب علي أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد، سقطت عدالته، فضلا عن أن يُتَّخذ إماما ولزمه الفسق،([136]) .
انتهي من كتابه جامع علوم العلم وفضله.
[السبب الثاني من أسباب اختلاف الفقهاء] : اختلاف العلماء في فهم النصوص الشرعية: طبيعة اللغة العربية التي جاءت بها الشريعة، بها ألفاظ وضعت في اللغة المعنيين، أو لمعانٍ مختلفة الحقائق، وهو ما يطلق عليه المشترك بأقسامه، كما أن تراكيب الكلام وأساليب اللغة، من حيث الحقيقة والمجاز، والصريح والكتابة، ووضع ومعاني حروف الجر وغيرها في السياق، وأدوات الشروط ومعانيها، وقطعية الألفاظ وظنيّتها، ووضوحها وإبهامها، من حيث الظاهر من المعني، والنص ودلالته، والمفسَّر، والحكم، والمشكل، والمجمل وغير ذلك من علوم اللغة والبيان، ومسالك العلماء في ذلك واتفاقهم واختلافهم في العمل بالمنطوق والمفهوم، والألفاظ من حيث مقدار شمولها، كالعام والخاص، وحمل المطلق علي القيد، كما توجد في اللغة صيغ للتكاليف للأمر، والنهي، والإباحة، والنسخ وغير ذلك وهو كثير، فمعالجة العلماء لتلك النصوص من أجل فهمها، وفهم مراد الشارع من الخطاب، ثم استنباط الأحكام منها، مع اختلاف قدراتهم وإمكانياتهم الذاتية لابد من أن يثمر اختلافا في الأحكام المستنبطة من آحادهم، وننقل هنا بعض اختلافاتهم بسبب بعض ألفاظ المشترك في وضع اللغة، حيث إذا اشتمل النص الشرعي علي لفظ مشترك فغالبا ما يقع الاختلاف بين الفقهاء في تعيين المراد منه، ويتضح ذلك في الأمثلة التالية:
(المثال الأول): قال تعالي: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} أوجب الله سبحانه علي كل امرأة طلقها زوجها بعد الدخول، وهي غير حامل أن تعتدّ مدة ثلاثة قروء إذا كانت ممن يحضن، فما معني القروء؟ القروء لغة عند العرب يطلق علي الحيض وعلي الطهر، وهو جمع قرء، قال الماوردي في التفسير: اختلفوا في اشتقاق القرء علي قولين: أحدهما: أن القرء الاجتماع، ومنه قرأ الماء في الحوض إذا جمعه، وهذا قول الأصمعي والأخفش والكسائي والشافعي، والمعني الثاني أن القرء: هو الوقت، فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسما للطهر، فلأنه وقت احتباس الدم المعتاد، (أ) ذهب فقهاء الحجاز وغيرهم، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والزهري وقتادة وأبان بن عثمان والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وداود الظاهري إلي أن المراد بالقرء في الآية الطهر الذي بين الحيضتين، واحتجوا بما يلي:
1 – من النصوص قوله تعالي: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} واللام هنا بمعني في، أي في وقت عدتهن، كما قال سبحانه (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي في يوم القيامة، والطلاق المأمور به هو ما يكون في الطهر كما سيأتي، فدلّ علي أن الطهر هو وقت العدّة، وأنها تكون بالأطهار.
2 – عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (مُرْهُ فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمسّ، فتلك العدّة التي أمر الله تعالي أن تطلق لها النساء) ([137]) . والحديث مروي في الصحاح.
3 – وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: (إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه، وبرئ منها) ([138]) . أخرجه مالك في الموطأ، أي مرّ عليها ثلاثة أطهار
4 – وعن سليمان بن يسار: (أن الأحْوَص هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة، وكان طلقها، فكتب معاوية رضي الله عنه إلي زيد بن ثابت رضي الله عنه يسأله عن ذلك؟ فكتب إليه زيد أنها إذا دخلت في الدم في الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، وبرئ منها، لا ترثه ولا يرثها) ([139]) . رواه مالك في الموطأ والشافعي والأثرم.
5 – عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما (أن عائشة رضي الله عنها قالت: أتدرون ما الأقراء؟ وهي الأطهار) ([140]) . رواه مالك وأحمد والنسائي، وقال مالك: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ما قالته عائشة رضي الله عنها، وقال الشافعي: النساء بهذا أعلم، لأن هذا إنما يبتلي به النساء.
7 – من حيث حكمة التشريع، فإن الله سبحانه إنما أمر أن يكون الطلاق في الطهر لا الحيض، حتى لا يؤدي إلي الإضرار بالمرأة في تطويل العدّة، فلو لم تحتسب بقية الطهر الذي طلقت فيه قرءا، كان الطلاق في الطهر أضربها من الطلاق في الحيض، لأنه أطول للعدّة.
8 – من حيث القياس، فإن الحكم يتعلق بعدّة عن طلاق مجرّد مباح، فوجب أن تكون عدته عقيب الطلاق مباشرة، قياسا علي سائر العِدَد.
9 – توالي الأطهار هو الذي يدل علي براءة الرحم من الحمل، لأن المعّول عليه في ذلك هو النقلة من الطهر إلي الحيض، وليس انقضاء الدم، فالطهر علامة علي المقصد من العدة.
10- من حيث المعني اجتماع الدم، أما وقت الحيض فهو وقت لفظه وإلقائه، فكان المناسب أن يفسر بالطهر لا بالحيض، لأنه أقرب إلي الاشتقاق.
11- واحتج بعض الحجازيين من ناحية اللفظ بإثبات الهاء في قوله تعالي: {ثلاثة قروء} حيث أنّث العدد، فدل علي أن المعدود مذكر، وهو الأطهار، لأن الهاء لا تثبت في جمع المؤنث فيما دون العشرة، ولو أراد الحيضات لقال: ثلاث قروء، لأن الحيضة لفظ مؤنث.
(ب) ذهب فقهاء أهل العراق وغيرهم، ومنهم أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد في أظهر الروايتين عنه، وابن أبي ليلي والحسن البصري وسعيد بن المسيَّب وقتادة ومجاهد والضحاك وعكرمة والسُّدَّى وإسحاق إلي أن المراد بالقرء في الآية الحيض، وقالوا: إن المعهود في لسان العرب والشرع استعمال القرء بمعني الحيض، ولم يعهد في لسان الشرع استعماله بمعني الطهر، فوجب أن يحمل كلامه علي المعهود من لسانه واحتجوا بما يلي:
1 – من حيث النصوص الشرعية قوله تعالي: {واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدّتهن ثلاثة أشهر واللاتي لم يحضن} فنقل المعتدات عند عدم الحيض إلي الشهور، فدل علي أن الحيض هو الأصل في العدّة، كقوله تعالي: {فلم تجدوا ماءً فتيمّموا}.
2 – وقوله تعالي: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}، قالوا: وما خلق الله في أرحامهن هو الحيض، وليس الطهر.
3 – عن فاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لها: (دعي الصلاة أيام أقرأئك) ([141]) . رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني وأبو داود، والنسائي وعنده (فإذا مرَّ قرؤك فلتطهري) ([142]) . فعبّر عن الحيض بالقرء، لأنها إنما تترك الصلاة أيام حيضها.
4 – وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)، ([143]) .
5 – وأخرج ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها نحو الحديث السابق وفيه (وقرؤها حيضتان) ([144]) .
6 – وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أُمِرت بريرة رضي الله عنها أن تعتدّ بثلاث حيض) ([145]) .
7 – عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) ([146]) .
8 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض) ([147]) .
، والحائل غير الحامل من النساء، هذا المثال وحده كافٍ لبيان أن جميع الأئمة المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم والدليل، ونزاعهم ليس نزاع وتناقض، بل اختلاف تنوّع وتوسُّع، فهذه المسألة، أي الاختلاف في فهم لفظ القروء ثابت بنص القرآن، وهؤلاء هم الأئمة منذ عصر الصحابة قد اختلفوا في المراد منه واستنباط حكم الشرع فيه، وكل ألقي بحجته فيه دون أن تختلف قلوبهم عند اختلاف آرائهم، ولم ينكر أحدهم علي الآخر اجتهاده وما توصل إليه، ولم يطلب أحد أن لا يعمل الناس إلا باجتهاده هو، أو طلب أن لا يعمل أحد باجتهاد غيره، فكل من عمل باجتهاد إمام ثقة فهو متبع للدين {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}
(المثال الثاني): ما نقله الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين الجزء الثالث: من قال لزوجته: أنتِ عليّ حرام، اختلف الصحابة والفقهاء في حكم من قال هذه الألفاظ علي مذاهب:
1 – أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين علي كل حال، صح ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ولبن عباس وعائشة وزيد بن ثابت ولن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير والأوزاعي وأبي ثور، وحجّة هذا القول ظاهر القرآن، فإن الله تعالي ذكر فرض تحلَّة الإيمان عقب تحريم الحلال فقال: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} فلا يجوز جعل تحلة لغير المذكور قبلها.
2 – أنه لغْو وباطل لا يترتب عليه شيء، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وقال به مسروق وأبو سلمه بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر الحديث، وهو أحد قوليْ المالكية، 3 – أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري وابن أبي ليلي، وقضي فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالثلاث في عدي بن قيس وقال له: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك، وحجة من قال بهذا الحكم أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراما عليه.
4 – إن نوى به الطلاق فهو الطلاق، وإلا فهو يمين، وهذا قوْل طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن، وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقا، وإن لم ينوِه كان يمينا، كقوله تعالي: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلي قوله {تحلة أيمانكم}.
5 – أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينا فهو يمين، وإن لم ينوِ شيئا فهي كَذْبة لا شيء فيها، قاله سفيان الثوري والنخعي وأصحابه، وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك فيتبع نيّته.
6 – أن فيه كفارة الظهار، وصح ذلك عن ابن عباس أيضا وأبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن مُنَبَّه وعثمان التيمي، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وحجة هذا القول أن الله تعالي جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارا، وجعله منكرا من القول وزرا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهرا فإذا صرّح بتحريمها كان أوْلي بالظهار.
7 – أنه ينوى أيضا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينوِ طلاقا فهو مُولٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة لاقتضاء التحريم للبيْنونة، ولا يكون مظاهرا عنده نواه أو لم ينوه.
8 – أنه يمين مغلظة يتعيّن فيها عتق رقبة، صح ذلك أيضا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين، وحجة هذا القول أنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، وحجة تغليظها تضمنها تحريم ما أحل الله.
9 – أنه طلاق، وهو إحدى الروايتين عن مالك، وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضي التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه، وفي مذهب مالك خمسة أقوال.
10- إن أوْقع التحريم كان ظهارا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينا مكفرة، وهذا اختيار ابن تيمية، انتهي كلام ابن القيم، أوْردتُ هذا المثال حتى يتبين أن أمر الحكم والفتوى ليس بالأمر الهيّن حتى أنه اختلف فيه الأئمة كل هذا الاختلاف، بل اختلف الإمام الواحد فيه علي أقوال. ([148]) .
(المثال الثالث): قال الله تعالي: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} ولفظ – نكح – مشترك بين العقد والوطء، فقد ورد في لسان العرب وفي القرآن الكريم بمعني العقد مرّة، وبمعني الوطء أخرى، فكان لابد من البحث عن القرائن التي ترجح أحد المعنين، ومن ثم نشأ الاختلاف بين الفقهاء في حكم زواج الابن بمن زني بها أبوه: أ – حمل أبو حنيفة لفظ نكح في الآية علي الوطء، فحكم يحرمه زواج الابن بمن زني بها أبوه، ب- وحمله الشافعي وآخرون علي معني العقد، فترتب علي ذلك عدم تحريم مَن زني بها الأب علي الابن، والقاعدة عندهم أن الحرام لا يحرم الحلال.
(المثال الرابع): قال أبو حنيفة: إذا قال لزوجته: أنت عليّ مثل أمي: لا يكون مظاهرا، لأن لفظ – مثل – بمنزلة المشترك لاختلاف جهة المماثلة بين الكرامة والحرمة، فالألفاظ محتملة للشيئين، أي أنها في الكرامة عليه مثل أمه، أو أنها في الحرمة عليه مثل أمه، فينصرف الكلام إلي أحد المعنيين بدليل يفيد غلبة الظن، فهو لفظ مشترك حكما في استحالة إرادة جهتي المماثلة، ولا تترجح جهة الحرمة إلا بالنية.
(المثال الخامس): عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (ذكاة الجنين ذكاة أمَّه) ([149]) .
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنَّه ورواه ابن ماجة والدراقطني والبيهقي، وفي رواية لأحمد وأبي داود بلفظ: (قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، وتذبح البقرة والشاة، وفي بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه) ([150]) . وكلمة ذكاة الثانية تُروي بالرفع في أكثر الطرق، ورويت بالنصب، والعرب تفرَّق بين المعنيين المتضادين بالحركات واللفظ واحد.
لذلك اختلف العلماء في حكم جنين الحيوان المذبوح إذا وجدناه ميتا،
أ – ذهب الجمهور من الفقهاء إلي أن الحيوان المأكول إذا ذكّيَ فخرج من جوْفه جنين ميت يجوز أكله، واحتجوا بما يلي: 1 – حديث أبي سعيد وآخر لجابر رضي الله عنهما: (ذكاة الجنين ذكاةُ أمّه)، قالوا: والروايات التي أخرجها المحدَّثون هي بالرفع، وهي المحفوظة عن أئمة الشأن دون النصب، وتعرب كلمة – ذكاة – الثانية خبر المبتدأ – ذكاة الجنين – ويكون المعني: ذكاة أم الجنين ذكاة له، فيكون الحديث قد خص عموم الآية، وأخرج الجنين الذي ذكيت أمه من حكم الميتة، وتأوّلوا رواية النصب علي أنها منصوبة علي الظرفية، يعني أن ذكاته حاصلة وقت ذكاة أمه، وعند البيهقي ما يؤيد ذلك حيث أن روايته (ذكاة الجنين في ذكاة أمه)، فالحديث ظاهر الدلالة في حل أكل الجنين الميت، لأن ذكاة أمه عدّت عليه فأصبحت ذكاة له، ولأن الجنين الحي لا إشكال فيه، والحديث جواب علي السؤال عن الجنين الميت.
2 – أن الجنين تابع لأمه، ولا يمكن ذبحه منفردا قبل أن يخرج، فكانت ذكاة الأم مغنية عن ذكاته إن خرج ميتا.
3 – أن القياس يقتضي أن تكون ذكاة الجنين في ذكاة أمه، لأنه جزء منها، وذكاتها ذكاة لجميع أجزائها، فلا معني لاشتراط الحياة فيه، ب- وقال أبو حنيفة وزفر: لا يحل أكله ما لم يخرج حياً فيذكي، لأن ذكاة حيوان لا تكون ذكاة الجنين كذكاة أمه، أي ذكوه كما تذكون أمه.
(المثال السادس): للفظ المشترك بين معانٍ مختلفة غير متضادة: قال الله تعالي: {وإن كنتم مرض أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}، وقال تعالي {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه}، أمرنا الله أن نتيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، فما المراد بالصعيد الطيب؟ الصعيد الطيب في كلام العرب، يعرف العرب الصعيد بأنه التراب الخالص الذي علي وجه الأرض، وكذلك وجه الأرض يسمّي صعيدا، أي جميع أجزائها من أي جنس كانت، كما أن الطريق يسمي صعيدا، وأما لفظ الطيب من ذلك فيطلق علي تراب الحرث، وعلي الطاهر، كما يطلق علي الحلال، وبناء علي اشتراك هاذين اللفظين اختلف العلماء فيما يجوز التيمم به: أ – ذهب الحنفية والمالكية والأوزاعي وعطاء والثوري، وغيرهم إلي أن الصعيد وجه الأرض، سواء كان عليها تراب أم لا، فيجوز عندهم التيمم بكل ما صعد علي وجه الأرض من أجزائها كالحصا والرمل ونحوهما، حتى بصخرة ملساء مغسولة لا تراب عليها، وزاد أبو حنيفة فقال: وبكل ما يتولد من الأرض كالنورة والزرنيخ والجص والطين والرخام ونحو ذلك مما كان من أجزاء الأرض أو من جنسها، واحتجوا بما يلي:
1 – عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلي قومه خاصة، وبعثت إلي الناس عامة) ([151]) .
، فقد جعل الأرض نفسها طهورا، ومسمي الأرض يشمل جميع أجزائها، وكل ما ظهر علي وجهها من جنسها، وقوله صلي الله عليه وسلم: (فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)، يشمل عموم الأشخاص وعموم الأماكن ويؤكد ذلك الحديث التالي:
2 – وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره) ([152]) .
3 – وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال له: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك) ([153]) .
4 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن أناسًا من أهل البادية أتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالوا: إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والحائض والنفساء، ولسنا نجد الماء؟ فقال صلي الله عليه وسلم: عليكم بالأرض) ([154]) .
، فهذه الأحاديث تدل علي أن التيمم لا يختص بتراب ذي غبار، وقالوا ذكر التراب في بعض الأحاديث لا تدل علي اشتراطه ونفي ما عداه، لما عُرف في الأصول من أن ذكر بعض أفراد العام لا يختص به، فلم يحملوا المطلق علي المقيّد.
ب – وذهب أكثر العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة وأبو يوسف إلي أن الصعيد في الآية هو التراب الخالص، سواء وجد علي وجه الأرض أو أُخرج من باطنها، وقال أحمد: يتيمم بغبار الثوب، واحتجوا بما يلي: 1 – عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (فضَّلنا علي الناس بثلاث: جُعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء، وأُعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي) ([155]) .فجعل الصلاة علي عموم الأرض، ثم خص التراب في التيمم، ولو جاز بجميع الأرض لما نزل عن الأرض إلي التراب، ومما يدل علي الاقتراف بينهما في الحكم التأكيد في جعلها مسجدا حيث قال: (كلها) دون الآخر.
2 – عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (التراب طهور المسلم ولو إلي عشر حجج ما لم يجد الماء) ([156]) .
قالوا: فقد دلت الأحاديث الكثيرة علي أن المراد بقوله تعالي: {منه} هو التراب، وحملوا اسم الصعيد الوارد في غير هذه الأحاديث علي التراب.
3 – روي البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الصعيد: الحرث، حرث الأرض،([157]) . أي مكان إلقاء البذر في الأرض المحروثة، فيكون التراب هو الطهور دون غيره.
4 – إن قوله تعالي: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} يقتضي أن يمسح بما له غبار يعلق بالعضو، لأن مِنْ للتبعيض، والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح من التراب، وإلا فلا يحصل المسح بشيء، قالوا: والطيب هو الطاهر والحلال، ولذلك لا يجوز التيمم في اجتهادهم إلا بتراب يابس غير محترق، له غبار، يعلق بالعضو، ومما اختلفوا فيه بسبب اللغة فيما هو حقيقة أو مجاز: حيث يقسم العلماء من حيث الاستعمال في المعني للفظ إلي أربعة أقسام: الحقيقة، والمجاز، والصريح، والكتابة، وأكتفي بمثال واحد علي اختلافهم في ترجيح المجاز أو الحقيقة فيما يلي:
(المثال السابع): قال الله تعالي: {وإن كنتم مرض أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيبا} اختلف العلماء في المراد من قوله تعالي: {أو لامستم النساء} بسبب اشتراك اسم اللمس، فإن العرب تطلقه مرّة علي اللمس باليد ومرّة تكني به عن الجماع، قال أهل اللغة: اللمس يكون باليد وبغيرها، وقد يكون بالجماع، فذهب قوم منهم ابن مسعود، وابن عمر، وعبيدة، والنخعي، والشعبي، وعطاء، وابن سيرين، والشافعي إلي أن المراد من اللمس بالآية حقيقة الملامسة، وهي الجسّ باليد أو التقاء البشرتين مطلقا من جماع وغيره، وذهب آخرون منهم عليّ، وابن عباس والحسن، وقتادة، ومجاهد وأبو حنيفة ورواية ثالثة لأحمد بن حنبل إلي أن اللمس هنا مجاز، وهو كناية عن الجماع، ولما كانت الآية تحتمل كلا المعنيين اختلف الفقهاء في انتقاض الوضوء من مجرّد لمس الرجل المرأة أو العكس.
أ – ذهب الجمهور ومنهم المالكية والشافعية والحنبلية إلي أن المراد باللمس في الآية حقيقة الملامسة بين الرجل والمرأة، فينتقض الوضوء بمجرد اللمس، واحتجوا بما يلي: 1 – عموم الآية، فقد صرحت بأن اللمس من جملة الأحداث الناقضة للوضوء، واللمس يطلق حقيقة علي اللمس باليد، ومجازا علي الجماع، وإذا تردّد الدليل علي المجاز، فالمعني اللغوي المتبادر من اللفظ هو التقاء بشرتي الرجل والمرأة، ومما يؤيد بقاء اللمس علي معناه الحقيقي ما يلي: قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وقرأ بها حمزة والكسائي: {أو لامستم النساء} فإنه يدل علي أن اللمس يطلق علي الحبسّ باليد، ومن السنة: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن المنابذة وعن الملامسة)، ([158]) . وفي فضة ماعز رضي الله عنه: (أن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: لعلك قبّلت أو لمست)، ([159]) . وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (قَلَّ يوم إلا ورسول الله صلي الله عليه وسلم يطوف علينا، فيقبل أو يلمس)، ([160]) .
2 – عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قبلة الرجل امرأته وجسَّها بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته، أو جسها بيده فعليه الوضوء) ([161]) .
3 – وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (القبلة من اللمس، وفيها الوضوء، واللمس ما دون الجماع) ([162]) .
ب – وذهب قوم منهم الحنفية ورواية عن أحمد إلي عدم انتقاض الوضوء بمجرد اللمس ولو كان بشهوة، لأن المراد باللمس في الآية الجماع، واحتجوا بما يلي:
1 – الآية الكريمة، فإن اللمس يكون تارة باليد بغيرها، لكن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلي أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء إنما هو الجماع، ومن ذلك ما يلي: إن ذكر النساء قرينة تصرف اللمس إلي الجماع، كما أن الوطء أصله الدوْس بالقدم، وإذا قيل: فلان وطئ زوجته، لم يفهم منه إلا الجماع، قال ابن السكيت: اللمس إذا قرن بالمرأة يراد به الجماع، تقول العرب: لمست المرأة: أي جامعتها، ومن كتابات العرب: فلان لا تردّ يد لامس، والمجاز إذا كثر استعماله كان أدل علي المجاز منه علي الحقيقة، كالحال في اسم – الغائط – فإنه أدل علي الحدث الذي هو فيه مجاز منه علي المكان المطمئن من الأرض الذي هو فيه حقيقة، أن الملامسة مفاعلة من اللمس، وذلك إنما يكون بين اثنين، وتحمل قراءة {لمستم} علي قراءة {لامستم} المفسرة بالجماع، لأن الأصل اتفاق معني القراءتين، أن الله سبحانه ذكر المسَّ وأراد به الجماع في آيات متفق علي معناها، فقال تعالي: {ولم يمسسني بشر} حكاية عن مريم، وقال أيضا: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}، وكذلك اللمس، الآية متعارضة التأويل، وقد فسرها علي وابن عباس رضي الله عنهم بالجماع، فقد أخرج الطستي وابن حميْد عنه رضي الله عنه أنهم لما أكثروا عليه من السؤال عن اللمس في الآية – أي ابن عباس – وضع أصبعيه في أذنيه وقال: هو الجماع.
2 – عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنهما قالت: (كنت أنام بين يدي النبي صلي الله عليه وسلم ورجلاي في قِبْلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتها، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) ([163]) .
، والظاهر أن ذلك كان بدون حائل، لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان يغمزها في الظلام، فلا يعلم أيمسها من فوق الحائل أو لا، فدل علي أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
3 – وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فقدت رسول الله صلي الله عليه وسلم ليلة في الفراش فالتمسته فوقعت يدي علي بطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك… الحديث) ([164]) .
4 – وعن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلي الله عليه وسلم قِبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلي الصلاة ولم يتوضأ، فقلت: ومَن هي إلا أنت؟ فضحكت) ([165]) .
فهذه الأحاديث تدل علي أن لمس النساء ليس مناقض للوضوء، وتؤيد بقاء الأصل، وهو عدم الانتقاض، وحمل الآية علي الجماع.
وقد يكون اختلاف الفقهاء بسبب ما يحتاج الفقيه إلي معرفته من معاني الألفاظ المفردة، ومنها الحروف التي تدل علي معني في غيرها، مثل الواو، وأو، وثم، وغيرها من الحروف، ونقتصر علي مثال واحد من اختلافهم في فهم معني – الواو – في آية واحدة وهي: قول الله عز وجل: {ولا تأكلوا مما لا يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} والاختلاف في قوله تعالي: {وإنه لفسق}، وذلك أن الواو – في كلام العرب من أهم معانيها: مطلق الجمع، وتأتي بمعني مع، وتأتي بمعني أو، وتأتي للحال، وتأتي للاستئناف، وتأتي بمعني رُبَّ، وتأتي حرف جر، والواو في آيتنا هذه فيها ثلاثة وجوه للفقهاء الميتة والذبائح التي يتقرب بها المشركون للأوثان وذبائح رصيد الكفار الذين ليسوا من أهل التذكية، فيحرم علي المسلمين أكل ما ذُكر، فالواو هنا هل هي للعطف، أو للاستئناف، أو الحال.
فاختلف الفقهاء في حكم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية عمدا أو سهوًا:
أ – ذهب قوم منهم الشافعية وأحمد في رواية عنه وبعض المالكية وقتادة والحسن والنخعي إلي أن التسمية ليست شرطا في الصيد والذبح، بل تستحب استحبابا متأكداً، فلو تركها عمدًا أو سهوا حلَّت الذبيحة والصيد، فقد رأوا أن الواو في الآية للحال، ومنعوا أن تكون للعطف بسبب تخالف الجملة التي قبلها مع ما بعدها طلباً وخبراً، فتعين أن تكون الجملة بعدها حالية، أي لا تأكلوا حال كونه فسقا، والفسق هنا مجمل، لكن فسَّرته أية أخري في السورة نفسها حيث قال الله تعالي: {أو فسقا أُهل لغير الله به} فيكون المقصود في الآية النهي عما ذكر عليه اسم غير الله، فكأنه قال: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، بل ذكر عليه اسم الله، فإنه والحالة هذه فسق، وهكذا حصروا المحرّم في الميتة وفيما ذكر اسم غير الله، واحتجوا بما يلي:
1 – قوله تعالي: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمختنقة والموقودة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم}، فذكر التذكية، ولم يذكر التسمية، والذكاة لغة: الشق والفتح، وقد وُجِدا.
2 – قوله سبحانه: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} فأباح ذبائح أهل الكتاب، ولم يشترط التسمية.
3 – عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سمُّوا عليه أنتم وكلوه، قالت: وكانوا حديثي عهد الكفر) ([166]) .
4 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (إذا ذبح المسلم، ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله) ([167]) . رواه البيهقي وله شاهد عند أبي داود بلفظ: (ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليه أم لام يذكره)، ([168]) .
5 – قد أجمعت الأمة علي أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، فوجب عمل الآية علي ما ذكر، وهذا قوا ابن عباس وأبي هريرة من الصحابة رضي الله عنهم، ب – وذهب قوما منهم الظاهرية والشعبي وابن سيرين إلي أن التسمية فرض فلا يحل أكل متروك التسمية مطلقا، سواء كان الترك عمدًا أو سهوا، واحتجوا بما يلي:
1 – الآية الكريمة: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} ورأوا أن الواو للعطف أو الاستئناف إذا امتنع عطف الخبر علي الطلب، دون الحال، وفي كلتا الحالتين يكون النهي واردا علي ما لم يذكر اسم الله عليه مطلقا، سواء ذكر عليه حين الذبح اسم غير الله أو لم يذكر.
2 – قول الله تعالي: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه}
3 – عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، إنْ أحدنا أصاب صيْدا، وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشِقَّة العصا؟ قال: امْرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عز وجل) ([169]) .
4 – وعنه رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم تتصيّد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابك المعلَّمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك) ([170]) .
5 – وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: (وما صدتَ بقوْسك، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلَّم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل) ([171]) .
ج – وذهب الجمهور ومنهم الحنفية ومالك في المشهور من مذهبه وأحمد في رواية ثانية عنه والثوري وإسحاق وربيعة وابن جبير إلي أن التسمية شرط للإباحة مع الذكر جون النسيان، فإن تركها سهوا لم يضر، وإن تركها عمدًا لم تحل، واحتجوا علي اشتراطها عند الذكر بما احتجت به الطائفة الثانية، أما عند النسيان فيما يلي: 1 – عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن الله وَضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ([172]) .
2 – وعن رائد بن ربيعة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم، ما لم يتعمد) ([173]) .
3 – وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمَّي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله) ([174]) .
4 – أن الناسي باتفاق ليس بفاسق، والأكل مما نسيت عليه التسمية ليس بفسق، للعلماء مسالك في معالجة النصوص الواردة في الشرع من حيث تفسيرها واستنباط الأحكام منها، وهذا أمر واسع، يحتاج إلي بيان وليس ذلك من غرضنا في هذا الكتاب ومحله علوم أصول الفقه، وأكتفي بإيراد عناوين هذه المسائل دون ذكر معانيها وأحكامها واختلاف الفقهاء فيها وأمثلتها الكثيرة، فمن حيث وضوح الدلالة وعدمه تنقسم الألفاظ إلي ظاهر وخطي، ونص ومُشكل، ومفسَّر ومجمل، ومحكم ومتشابه، كما قسم العلماء الألفاظ من حيث الوضوح والإبهام إلي دلالة النص، ودلالة الظاهر، ودلالة العبارة، ودلالة المفهوم من حيث الموافقة، والمخالفة، ومفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، ثم الألفاظ من حيث مقدار شمولها ينقسم إلي عام وإلي خاص، وإلي عام يراد به الخصوص، وعام مطلق مخصوص، وعطف الخاص علي العام، والاستثناء وشروطه، والشرط والصفة والغاية وبدل البعض من الكل، والتخصيص بالنص والإجماع وبالقياس وبالعقل والعرف، ثم الألفاظ من حيث أوصاف شمولها، المطلق والمقيّد، وحمل المطلق علي المقيّد، ثم هناك صيَغ التكليف، الأمر وصيغه، والنهي وصيغه، وورود صيغ الأمر في غير الوجوب، ودلالة الأمر المطلق علي التكرار، وهل يقتضي الفورية، أو هل يقتضي الاستيعاب؟ وكذلك صيغ النهي.
[السبب الثالث من أسباب اختلاف الفقهاء] : الاختلاف في الجمع والترجيح بين النصوص: قد تتعارض ظواهر النصوص الشرعية، فيختلف العلماء في الجمع بين ظواهرها والتوفيق بين معانيها، أو في ترجيح بعضها علي بعض، مما ينتج عنه اختلاف في الأحكام الشرعية، وباب الجمع والترجيح بين النصوص، باب دقيق يتجلّي فيه تفاوت الأفهام وعمق النظر، إذ يحاول العلماء أوّلا الجمع بين النصوص ما أمكن الجمع عملاً بالأدلة جميعا، فإذا لم يكن الجمع فيصيرون إلي ترجيح بعضها علي بعض، والشرعية في الأصل لا يتعارض بعضها مع بعض، ولكن التعارض في ظاهر النصوص يكون بالنسبة إلي المجتهد حسب مداركه العلمية، فقد يهتدي المجتهد إلي مأخذ لم يلحظه غيره، أو يقتنع بوجهة لا يوافقه عليها الآخرون، ولهذا كان ميدان الجمع والترجيح سببا هامًّا من أسباب اختلاف الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية.
وأسباب الترجيح بين النصوص كثيرة فصلها علماء الأصول، وملخصها في الأسباب الآتية:
أ – ترجيح يعود إلي سند النصوص المتعارضة: كأن يرجح النص المتواتر علي المشهور، أو ترجيح رواية الأعلم والأضبط من الرواة علي غيره وغير ذلك من الأسباب التي تعود إلي السند.
ب – ترجيح يعود إلي المتْن، كأن يكون أحد النَّصَّين أمرا والآخر باهيا، فيرجح النهي علي الأمر، أو يكون التعارض بين نص مجازي وآخر حقيقي فترجح الحقيقة علي المجاز، وغير ذلك مما يتعلق بالمتن.
ج – وقد يكون التعارض عائدا إلي مدلول النصوص، كمدلول يفيد التحريم وآخر يفيد الإباحة، فيقدم التحريم علي الإباحة، وغير ذلك مما يعود إلي المدلول من النصوص.
د – ويكون التعارض أيضا بين أمر خارج عن النصوص الشرعية، كأن يرجح نص شرعي لموافقته للقياس ـ أو لدليل آخر منصوص عليه، أو لكتاب أو السنة أو الإجماع، فيرجح ما له مؤيد آخر غير النص علي ما ليس له ما يؤيده. وهناك أسباب أخري للترجيح مفصلة في كتب الأصول يمكن الرجوع إليها للوقوف علي أسباب الاختلاف بين الفقهاء بسببها.
ومن أمثلة التعارض التي استتبعت الاختلاف بين العلماء في الأحكام الفقهية ما يلي:
1 – اختلاف العلماء في كيفية صلاة الكسوف: فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد إلي أن صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان، وذهب أبو حنيفة وأهل العراق إلي أن صلاة الكسوف ركعتان علي هيئة صلاة العيد وصلاة الجمعة، وسبب هذا الاختلاف أنه قد وردت أحاديث صلاة الكسوف بكيفيات مختلفة، فمنها ما يدل علي أن النبي صلي الله عليه وسلم صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، وأحاديث أخري صحيحة تفيد أن رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاها كغيرها من الصلوات، فمن هذه الأحاديث ما وردت عائشة رضي الله عنها قالت: (خسفت الشمس علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، فصلي بالناس فقام وأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول…، الحديث) ([175]) . ومثله ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، واحتج الحنفية بحديث أبي بكرة رضي الله عنه: (أن النبي صلي الله عليه وسلم صلي ركعتين مثل صلاتكم هذه) ([176]) . وبحديث سمرة رضي الله عنه وفيه: (قرأ بسورتين وصلي ركعتين)([177]) .
قال الشوكاني في نيل الأوطار: قد اختلف العلماء في صفتها بعد الاتفاق علي أنها سنة غير واجبة كما حكاه النووي، فذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور إلي أنها ركعتان في كل ركعة ركوع واحد، وقال حذيفة رضي الله عنه: في كل ركعة ركوعان، قال الإمام النووي: قد قال بكل نوع جماعة من الصحابة، وقال ابن عبد البر: أصح ما في الباب ركوعان وما خالف فمعلّل أو ضعيف، وقال ابن حجر في الفتح: جمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدّد الواقعة وأن الكسوف وقع مرارا فيكون كل من هذه الأوجه جائزا، وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك وهو من الاختلاف الجائز المباح، وقد قوّي هذا الرأي النووي في شرح مسلم، وقال ابن جريد الطبري: الأمر علي التخيير، فللمرء أن يصليها هكذا وهكذا، فالجميع جائز مشروع، وقال في ذلك القاضي عياض: والجمع أوْلي من الترجيح، وهناك اختلاف آخر في صلاة الكسوف، وهو اختلافهم في كيفية القراءة، فذهب مالك والشافعي إلي أن القراءة فيها سرُّ، وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: يجهر بالقراءة فيها، وقال الطبري كذلك: فالجميع جائز مشروع. ([178]) .
2 – اختلاف العلماء في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام: فقد اختلفوا في ذلك علي ثلاثة مذاهب أساسية:
أ – أن المأموم يقرأ مع الإمام فاتحة الكتاب سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، وهذا مذهب الشافعي، ب- أنه لا يقرأ المأموم مع الإمام مطلقا، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، وهو مذهب أبي حنيفة، ج – أن يقرأ المأموم في السرية ولا يقرأ في الجهرية، وهو مذهب مالك وأحمد، وسبب اختلافهم هو اختلاف النصوص الواردة في هذا الأمر وتعارضها، فمنهم من رجّح نصًّا علي نص، فقال بالقراءة، مطلقا، ومنهم من رجّح النص الآخر فقال بعدم القراءة، ومنهم من حاول الجمع بين النصوص، فحمل أحاديث النهي عن القراءة علي الصلاة الجهرية، وحمل الأحاديث الأخرى علي الصلاة السرية كما فعل الإمام مالك وغيره، قال الإمام الترمذي في سننه: قد اختلف العلماء في القراءة خلف الإمام فرأي أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم، والتابعين ومن بعدهم القراءة خلف الإمام، وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الإمام البخاري في جزء القراءة خلف الإمام له بعد أن ناقش الخلاف: وهذه المسألة من المضايق، أي أنها من المسائل التي لا يقطع فيها برأي راجح، وقال الإمام ابن مبارك: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرأون إلا قوما من الكوفيين، ورأي أن مَن لم يقرأ صلاته جائزة. ([179]) .
3 – اختلاف العلماء في جريان ربا النسيئة في بيع الحيوان بالحيوان:
أ – ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما من الأئمة إلي جريان ربا النسيئة في بيع الحيوان، فلا يصح عندهم بيع شاة بشاتين مؤجلا، واستدلوا بحديث سمرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلي الله عليه وسلم نهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) ([180]) .
ب – وذهب الشافعي وغيره إلي عدم جريان الربا في الحيوان، فيصح عندهم بيع الحيوان بجنسه متفاضلاً ومؤجلاً، واستدلوا بحديث أبي رافع رضي الله عنه: (أن رسول الله صلي الله عليه وسلم استسلف بعيرا بكرًا وقضي رباعيًّا) ([181]) .
قال الحنفية: إن حديث سمرة ناسخ لحديث أبي رافع فيقدَّم عليه، وقال الشافعية: يمكن الجمع بين الأحاديث التي أفادت بيع الحيوان بالحيوان مؤجلا، وبين حديث سمرة الذي ينهي عن ذلك، بأن نحمل لفظة – نسيئة – في حديث سمرة نحمله علي النسيئة من الطرفين، فيكون من بيع الديْن المتفق علي تحريمه، ويبقي الدْين من طرف واحد جائزا كما تفيده الأحاديث الأخرى، وقد رجح هذا القول بالجمع بين هذه الأحاديث المتعارضة الصنعاني في سبل السلام لإمكان الجمع علي قول الشافعي، ولعدم وجود دليل صريح علي النسخ، ولأن حديث رافع أقوي سندا من حديث سمرة، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: فلم يبق هنا إلا طريق الجمع إن أمكن ذلك، أو المصير إلي التعارض، وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي، ولكنه متوقف علي صحة إطلاق النسيئة علي بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت في كلام العرب لغةً أو في اصطلاح الشرع فذاك، وإلا فلا شك أن أحاديث النهي، وإن كان كل واحد منها يخلو عن مقال، ولكنها تثبت عن طريق ثلاثة من الصحابة، وبعضها يقوَّي بعضا، وأيضا فقد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، بهذه الأمثلة المتنوّعة وغيرها يتضح سعة باب الجمع والترجيح بين النصوص، وأنه سبب كبير من أسباب اختلاف العلماء في استنباط الأحكام الذي لا يمكن رفعه،
[السبب الرابع من أسباب اختلاف الفقهاء] : الاختلاف في بعض مصادر الاستنباط في الأخذ ببعض القواعد الأصولية: من المسلمات عند أهل العلم، أن الفقهاء المجتهدين اختلفوا فيما بينهم في حُجيَّة بعض المصادر والأصول الاجتهادية، مثل اعتماد الإمام مالك علي حجية عمل أهل المدينة دون غيره من الأئمة، ومثل عدم اعتماد الحنفية العمل بمفهوم المخالفة، أو عدم اعتمادهم إمكان حمل العام علي الخاص، وحمل المطلق علي المقيد، ومن هذه الأمثلة ما يلي:
1 – اختلافهم في حجية عمل أهل المدينة: يري الإمام أن إجماع عمل أهل المدينة علي أمرٍ ما حُجة قوية يستدل به علي الأحكام الشرعية، وقد خالفه في احتجاجه هذا، ولم يعتبروا إجماع أهل المدينة دون غيرهم حجة شرعية، وقد نشأ عن ذلك الاختلاف في بعض الأحكام الشرعية مثل: أ – يذهب مالك إلي عدم توريثهم، وخالف في ذلك الجمهور فقالوا بتوريثهم علي تفصيل بينهم في طريقة ذلك التوريث عملا بعموم الآية في قوله تعالي: {وأولوا الأرحام بعضهم أوْلي ببعض في كتاب الله} وعملا بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم عند أحمد في مسنده وعند غيره عن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه قال: كتب عمر إلي أبي عبيدة رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (الله ورسوله مولي من لا مولي له، والخال وارث من لا وارث له)، ([182]) .
وقال مالك في موطنه مستدلاً لذلك: (الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن ابن الأخ لأم، وابنة الأخ للأب والأم، والعمة والخالة، لا يرثون بأرحامهم شيئا)، ([183]) .
ب – ذهب مالك إلي القول بأن المحرّم في الرضاع قليله وكثيره دون تحديد، وخالف الجمهور الذي أخذ بحديث عائشة رضي الله عنها في الرضاع وهو قولها: (كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرَّمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ من القرآن)، ([184]) .
قال مالك: وليس علي هذا العمل – أي بالمدينة – والحديث رواه مسلم وغيره.
2 – اختلافهم في حجية مفهوم المخالفة: ومفهوم المخالفة، ويسمّي دليل الخطاب، هو دلالة اللفظ علي ثبوت حكم للمسكون عنه مخالفٍ لما دَلّ عليه المنطوق، لانتقاء قيد من القيود المعوّل عليها في الحكم، ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر علي نفي الحكم عما عداه، فيكون المسكوت عنه مخالفاً في الحكم للمنطوق نفْيًا وإثباتا، مثل قوله تعالي: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئا مريئا} ومفهوم المخالفة أنه إذا لم تطب نفس الزوجة، فهل يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من المهر؟، وعن الشريد بن سود رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:(ليَّ الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته)، ([185]) . وقد أخذ العلماء بمفهوم المخالفة في هذا الحديث، وهو أن ليّ غير الواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه، وقد اختلف الأئمة في العمل بالمفهوم المخالف، فذهب الحنفية وآخرون إلي أن مفهوم المخالفة لا يصلح للاحتجاج في كلام الشارع، ولا يعوّل عليه في فهم الأحكام الشرعية، أما في المصنفات الفقهية وكلام الناس في العقود والشروط فيؤخذ به، نزولا علي حكم العرف والعادة، وذهب أكثر المتأخرين من الحنفية إلي عدم الأخذ بمفهوم المخالفة في كلام الشارع فقط، وذهب غيرهم من الحنفية إلي عدم الأخذ بمفهوم المخالفة مطلقا، وذهب الجمهور ومنهم مالك والشافعي وأحمد إلي الأخذ بمفهوم المخالفة والاحتياج إليه والاحتجاج به وإثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه واحتجوا بأدلة كثيرة، لغوية، وعقلية وشرعية، ولكن بشروط بينوها تردّ علي أصحاب المذهب الآخر.
ومن الأمثلة علي الاحتجاج بمفهوم المخالفة ما يلي:
أ – قال تعالي: {إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم} فلما نزلت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (سأزيد علي السبعين)، ([186]) . وهذا يدل علي أن حكم ما عدا السبعين بخلافه.
ب- قال سبحانه: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} قال يَعْلي بن أمية لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: (ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا فقال: تعجبتُ مما تعجبتَ منه، فسألت النبي صلي الله عليه وسلم فقال: هي صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)، ([187]) . وتعجبهما إنما كان من بطلان مفهوم التخصيص في الآية.
ج – أحاديث زكاة الأنعام ورد فيها قيد – السائمة – أي التي ترعي ولا تعلق فيها الزكاة، فأثبت الزكاة في السائمة ونفاها في غير السائمة وقد أخذ بذلك جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية، د – قال تعالي: {ومن لم يستطع منكم طَوْلا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} ففي الآية وصف قيد المحصنات والفتيات بكونهن مؤمنات، فهل يتوقف حِلّ الزواج بالإماء علي الإيمان فلا تحل الأمة غير المسلمة؟ ذهب الجمهور إلي تحريم الزواج من الأمة الكافرة ولو كانت كتابية، عملا بمفهوم الصفة في هذه الآية، وذهب الحنفية إلي حل الزواج من الأمة مطلقا سواء كانت كتابية أو مسلمة، وسواء كان عنده طوْل الحرّة أوْ لا، عملا بالعمومات الواردة في النكاح، مثل قوله تعالي: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقوله تعالي: {وأحل لكم ما وراء ذالكم} وقوله تعالي: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}.
هـ – قال تعالي: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} دلّت الآية بمنطوقها علي وجوب الإنفاق علي المطلقة إن كانت حاملا وهذا أمر مجمع عليه، أما إذا كانت غير حامل فهل لها النفقة؟ ذهب الجمهور إلي أنه لا نفقة لها عند عدم الحمل أخذا بمفهوم الشرط.
وذهب الحنفية إلي وجوب النفقة لكل معتدة من طلاق، سواء كانت حاملا أو غير حامل، لأنهم يرون أن النص ساكت عن حكم نفقة غير الحامل، وجدير بالذكر هنا: أن كثيرا من الأحكام قد يتفق عليها العلماء مع أن دليل بعضهم فيها مفهوم المخالفة، ويوافقهم غيرهم لدليل آخر يعتمدون عليه في هذه الحكم كالبراءة الأصلية وغيرها.
3 – اختلافهم في حمل النص العام علي النص الخاص عند التعارض: يطلق اللفظ في لسان العرب، فإن دل علي الاستغراق والشمول دون حصر بعدد فهو العام، وإن دل علي معني واحد علي سبيل الانفراد أو علي كثير محصور فهو الخاص، مثل: رجل، أو محمد، أو إنسان، أو قوم، أو فريق، أو مائة، أو نحو ذلك مما يدل علي عدد من الأفراد، ولا تدل علي استغراق جميع الأفراد، والعام هو اللفظ الموضوع وضعا واحدا للدلالة علي جميع ما يصلح له من الأفراد لفظا، مثل: رجال، أو إناث، ونحو مَن، وذلك علي سبيل الشمول والاستغراق من غير حصر في كمية أو عدد معين، ومثال الخاص قوله تعالي: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} فهذا نص خاص بالنسبة للإطعام في كفارة اليمين، فلا يجوز لأحد صرف هذا النص عن مدلوله بزيادة أو نقصان، ومثال العام في قوله تعالي: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فلفظ – السارق والسارقة – عام موضوع وضعا واحدا ليدل علي شموله واستغراقه لكل سارق وسارقة، من غير حصر في كمية معينة أو عدد معين، فكل من صدق عليه أنه سارق قطعت يده، اختلف العلماء في جواز حمل النص العام علي النص الخاص عند التعارض، بناء علي اختلافهم في دلالة العام، حيث قال الجمهور: إن دلالة العام ظنيَّة، وقال الحنفية: إن دلالته قطعية، ولهذا يحمل الجمهور العام علي الخاص، فيعملون بالخاص فيما دلّ عليه، ويعملون بالعام فيما وراء ذلك، وأما الأحناف فلا يحملون العام علي الخاص، وإنما يعمدون إلي الترجيح بينهما كدليلين متعارضين بأي طريق من طرق الترجيح إذا تعذر الجمع بينهما.
ومن أمثلة الاختلاف في ذلك ما يلي: 1 – قال تعالي: {فإن طلقها فلا تحل له بعد حتى تنكح زوجا غيره} فهذا نص خاص في وجود النكاح من المرأة، حيث أسند الفعل إليها، فهل يجوز لها أن تزوَّج نفسها بدون إذن وليها؟ وهل يكون العقد صحيحا؟ ذهب الجمهور إلي أن عقد النكاح لا ينعقد بعبارة النساء للأحاديث المانعة من ذلك ومنها: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل…)، ([188]) .
وذهب أبو حنيفة إلي جواز إنكاحها نفسها بالغة بغير وليّ، وأنه ينعقد في الكفء دون غيره، وقال محمد بن الحسن: ينعقد موقوفا علي إجازة الولي، وحجتهم في ذلك أن الآية نص خاص قطعي الثبوت والدلالة في وجود النكاح من المرأة، وقد تعارضت مع الحديث، وهو ظنيّ الثبوت، لأنه خبر آحاد، فلا يترك العمل بالخاص القطعي من أجل الخبر الظنيّ، ب – قال تعالي: {فاقرءوا ما تيسر منه} وردت هذه الآية في الصلاة، بدليل السياق، وهي نص عام في جميع ما تيسر من القرآن الكريم، وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ([189]) .
فهل يخص عموم الآية وتتوقف صحة الصلاة علي قراءة الفاتحة؟ ذهب الشافعية إلي أنها تتوقف، وهم يثبتون ركنية الفاتحة، لأنهم يحملون العام علي الخاص ويخصصونه به، لأن العام عندهم ظنيّ الدلالة، وإن كانت الآية قطعية الثبوت، والحديث هنا ظني الثبوت قطعي الدلالة، فتبطل الصلاة عندهم بتركها ولا يقوم غيرها مقامها، وذهب الحنفية إلي أنها ليست فرضا فلا تتوقف صحة الصلاة عليها، بل الفرض عندهم قراءة ما تيسر من الفران، لأنهم يرون أن الآية عامة، وهي قطعية الثبوت والدلالة، والحديث خبر آحاد، أي ظني الثبوت فلا يعارض عموم الآية، وحملوا الحديث علي نفي الكمال، أي لا صلاة كاملة.
ج – عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون أوْ كان عَثَرِيًّا العُشر، وفيما سُقِيَ بالنصح نصف العُشر)، ([190]) .
فهذا نص عام في وجوب الزكاة مطلق لم يقيّد بحدًّ معيّن، لكن ثمة نص آخر خاص يبيّن نصاب الزكاة في الثمار والزروع، فلا يوجبها دون خمسة أوْسق وهو ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حَبًّ صدقة)، ([191]) . وحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (ليس فيما دون خمسة أوَاقِ من الورِق، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)، ([192]) .
فهل يُحمل العام علي الخاص؟ ذهب الجمهور إلي أن حديثي أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما مبيَّنان لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، لأنه عام، وقد بيَّن أصل الوجوب ومقداره في الخارج من الأرض، أما الحديثان الآخران فقد بينَّا مقدار النصاب، فهما مخصصان لعموم الأول، ويري الجمهور أن العام ظني الدلالة، والخاص قصعيها، ولذلك يقدمون الخاص علي العام ويخصصونه به، فلا يوجبون الزكاة فيما دون خمسة أوسق، وذهب أبو حنفية إلي أن الزكاة واجبة فيما يخرج من الأرض قليله وكثيره لعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولم يخصصه بحديثي أبي سعيد وجابر رضي الله عنهما، لأنه لما كان العام عنده قطعي الدلالة حَكَم بالتعارض بين الحدثين، فرجح العمل بالحديث العام، د – وردت آيات كثيرة تحكم بقتل القاتل عمدًا، منها قوله تعالي: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}، وقوله تعالي: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}، وهي نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة تفيد أن النفس بالنفس.
لكن وردت آثار خاصة تفيد أن المسلم لا يُقْتل بالكافر، منها ما يلي: عن أبي جحيْفة رضي الله عنه قال: (قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل – أي الدَّية – وفكاك الأسير، وألا يُقتل مسلم كافر)، ([193]) . وروي أحمد والنسائي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ علي مَن سواهم، ويسعي بذمتهم أدناهم، أَلاَ لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) ([194]) .
فهل يُقتلُ المسلم بالذميّ؟ ذهب الجمهور إلي أن المسلم لا يُقتل بالكافر مطلقا، لا بالذمي ولا بغيره، لأن هذه الأحاديث خصصت تلك العموميات الواردة في القرآن، وليس هناك تعارض بينهما، لأن العام عندهم ظني الدلالة، والأحاديث ظنية الثبوت، والظني يخصص الظني، وذهب أبو حنيفة إلي أن المسلم يقتل بالذمي، واحتج بعموم تلك الآيات ولم يخصها بالأحاديث، لأن الآيات قطعية الثبوت قطعية الدلالة، والأحاديث ظنية الثبوت لأنها أخبار آحاد وليست مشهورة، ولذلك حمل لفظ – الكافر – الوارد فيها علي أنّ المراد به الحْربيّ بدليل قوله صلي الله عليه وسلم: (لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)([195]) .
4 – اختلافهم في حمل المطلق علي المقيّد: اختلف الفقهاء في حمل النص المطلق علي المقيد اختلافا يشبه اختلافهم في حمل النص العام علي الخاص، ذهب الجمهور إلي حمل المطلق علي المقيد بشروط تعرف في علم أصول الفقه، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: لا يحمل المطلق علي المقيد، واللفظ المطلق: هو الشائع في جنسه من غير شمول ولا تعيين، مثل رجل، طائر، جريمة، ونحو ذلك، والمقيد: هو اللفظ الخارج عن الشيوع بوجه عام، مثل: رجل مسلم، وطائر أبيض، وجريمة تزوير، ونحو ذلك، وحكمه: وجوب العمل به علي أساس التقييد، ولا يصح إهماله والعدول عنه إلي الإطلاق ما لم يقم الدليل فإذا ورد في موضوع واحد نصان أفادا حكما واحدًا، لكن ثمة إطلاق وتقييد في سبب الحكم، فهل يحمل المطلق علي المقيد؟ ذهب الحنفية إلي أنه لا يحمل، بل يعمل بكل في دائرته، واحتجوا بأدلة من آيات الكتاب الكريم، ومن سنة النبي صلي الله عليه وسلم وذهب الجمهور إلي حمل المطلق علي المقيد، واحتجوا كذلك بأدلة كثيرة .
ومن الأمثلة علي اختلافهم لهذا السبب ما يلي:
أ – عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحد) ([196]) . وعن أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بصقبه) ([197]) .
ومعني صقبه: أي بقربه وشفعته، فهنا الحكم واحد، وهو أخذ المبيع بالشفعة، لكن سبب الأخذ وهو الجوار ورد في حديث جابر رضي الله عنه مقيّد بالاشتراك في الطريق، وورد في حديث أبي رافع رضي الله عنه مط لقا، فهل يحمل المطلق علي المقيد؟ ذهب الحنفية إلي عدم الحمل، فتجب الشفعة للجار إذا كان مشتركا في الطريق.
ب- قال الله تعالي في كفارة الظهار: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسَّا} وقال سبحانه في كفارة اليمين: {أو تحرير رقبة}، وقال جل شأنه في كفارة القتل خطأ: {فتحرير رقبة مؤمنة} فلفظ الرقبة ورد في الآيتين الأولي والثانية مطلقا، وورد في الثالثة مقيدا بصفة الإيمان، والحكم متحد، وهو وجوب تحرير رقبة كفارة لكن السبب مختلف، فهو في الآية الأولي إرادة المظاهر العود إلي الاستمتاع بزوجته، وفي الآية الثانية الحنث في اليمين، وفي الآية الثالثة القتل الخطأ، فهل يحمل المطلق علي المقيد؟ ذهب الحنفية إلي عدم الحمل، وأوْجبوا العمل بكل نص حيث ورد، فيجزئ في كفارة الظهارة وكفارة اليمين في اجتهادهم تحرير رقبة كافرة، واحتجوا بأدلة، وذهب الجمهور إلي حمل المطلق علي المقيد، فلا يجزئ عندهم إلا تحرير رقبة مؤمنة في الظهار وغيره، واحتجوا بأدلة، ج – قال تعالي بصدد المداينة: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضوْن من الشهداء}، وقال سبحانه بصدد المراجعة في الطلاق: {وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم}، فأطلق الشهود في الآية الأولي، وقيّدهم بالعدالة في الثانية، والحكم واحد، وهو الاستشهاد بشهيدين، والسبب مختلف وهو الآية الأولي المداينة، وفي الثانية المراجعة، فلا يحمل المطلق علي المقيد عند الحنفية، ويحمل المطلق علي المقيد عند الجمهور، فتكون العدالة شرطا في الشهود علي الأموال والحدود والزواج وغير ذلك مما يشترط له الإشهاد.
[أهلية الاجتهاد]: المجتهد وارث الأنبياء وقائم بفرض الكفاية، ولكنه معرّض للخطر والخطأ، قال الإمام محمد بن المنكد ر: العلم بين الله وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم، وقال أبن الصلاح في كتابه أدب الفتوى: روينا عن أبي حصين الأسدي أنه قال: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت علي عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل برر، وقال روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أفتي الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون، وقال: روينا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: إذا أَغْفَل العالم – لا أدري – أُصيبت مقاتله، قال وهذا إسناد جليل عزيز جدا، لاجتماع أئمة المذاهب الثلاثة فيه بعضهم عن بعض، وروينا عن سُحْنون إمام المالكية أنه قيل له: إنك لتسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها فتترجح فيها وتتوقّف؟ فقال: إن فتنة الجواب أشد من فتنة المال، وروي ابن عبد البر عن مالك قال: دخل رجل علي ربيعة – شيخ مالك – فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن يُسْتغني مَن لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، وبعض مَن يفتي هنا أحق بالسجن من السُّرَّاق، فرحم الله ربيعة، كيف لو أدرك زماننا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ويشترط لتحقيق الأهلية في الاجتهاد ما يلي:
(1) صحة الاعتقاد وسلامة النيَّة: فالنية المخلصة تجعل القلب يستنير بنور الله، فينفذ إلي لب الدين، وإن الله تعالي ليلقي في قلب المخلص ما يهديه إلي اختلف فيه بإذنه، ويجنَّبه الزلل، وأن يكون عدْلاً، ثقة، مؤمونا، متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة، ظاهر الورع، مقبلا علي الآخرة، محبًا لخمول الذكر.
(2) صحة الفهم وحسن التقدير: وذلك بأن يكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف متيقظا، يفهم مقاصد الكلام، ليتسنّى له الاستنباط الصحيح الذي هو المقصود من الاجتهاد، واسع الخيال، شديد الذكاء والذاكرة، ويتذوَّق العلم.
(3) العلم باللغة العربية: انفق الأصوليون علي ضرورة كون المجتهد ضليعا باللغة العربية وعلومها كالنحو والصرف والبلاغة، مطلعا علي كلام العرب وآداب اللغة ومقطوعات بلغائها من شعر ونثر، له ذوق سليم في فهم أساليبها ودلالات عباراتها ومفرداتها بحيث يبلغ فيها مبلغ العربي في الجاهلية أو في صدر الإسلام أو أئمة اللغة العربية المتقدمين قال الغزالي في المستصفي يشترط العلم الدقيق والتبحّر في اللغة حتى يصل إلي درجة الاجتهاد فيها ومضاهاة العربي في فهمها، غير أنه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل والمبرد، لأن القرآن الذي نزل بهذه الشريعة عربي، والسنّة التي هي بيانه جاءت بلسان عربي، وهما وعاء الأحكام التي يتصدّي المجتهد لاستنباطها منها، وعلي قدر فهم الباحث في الشريعة لأسرار البيان العربي ودقائقه تكون قدرته علي استنباطه الأحكام من النصوص، ولذلك يقول الإمام حسن البنا في رسالة التعاليم: والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرّف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلي رجال الحديث الثقات.
(4) العلم بالقرآن الكريم: يجب أن يكون المجتهد عالما علما إجماليا بما اشتمل عليه القرآن، أي فما هما لمعانيه، لأن القرآن لا ينفصل بعضه عن بعض، وعالما علما متمكنا بدقائق آيات الأحكام، محصلا معاني المفردات ومركباتها، مُلمًا بأقوال الصحابة في تفسير آيات الأحكام، مطلعا علي أسباب النزول ليعرف منها المقاصد والغايات.
(5) العلم بالسنة المطهرة: فيعلم السنة القولية والفعلية والتقريرية في كل الموضوعات بشكل عام، وفي أحاديث الأحكام بشكل خاص، مدركا مراميها ومناسباتها والأحوال التي قبلت فيها، وأن يعرف طرق الرواية وأسانيد الحديث وقوة الرواة وغير ذلك من العلوم الحديثية.
(6) معرفة الناسخ والمنسوخ: النسخ هو بيان انتهاء مدة حكم عملي كانت مقررة في علم الله تعالي للحكم المنسوخ، وقد وقع في الكتاب والسنة، وعلي المجتهد أن يعرف الناسخ والمنسوخ منهما، بحيث يعلم أن الواقعة التي يفتي فيها بآية أو حديث ليست من جملة المنسوخ.
(7) معرفة مواضع الإجماع: الإجماع إذا انعقد بين علماء المسلمين في زمن صار حجة لا تخالف، ولذلك يجب أن تتميز عند المجتهد مواضع الإجماع التي أجمع عليها السلف، بحيث يعلم أن المسألة التي يتصدّي لها ليست مخالفة للإجماع حتى لا يجتهد بخلافه، كما يجب أن يكون علي علم باختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، والموازنة بينهما من حيث الدليل والمنزوع، فيكون ذا دُرْبة وارتياض في الترجيح والاجتهاد.
(8) معرفة مقاصد الأحكام: علي المتصدّي للاجتهاد أن يعلم أن للشريعة مقاصد في أحكامها، كالرحمة، والعدالة، والشفقة، والتيسير، وأنها قائمة علي استجلاب المصالح للعباد، ودفع المفاسد والضرر عنهم، وأن هناك مصالح ضرورية، وأخري واختيار اليسر وغير ذلك من مقاصد الشريعة.
(9) أن يكون عالما ذا خط وافر من علم الأصول: فيكون عالما بأدلة الأحكام الأصلية، وما التحق بها، وما يشترط فيها، وبوجوه دلالتها، وكيفية اقتباس الأحكام منها، وأن يعرف المسالك التي مهدها الشارع لمعرفة علل الأحكام والمعاني المؤثرة فيها، ومراعاة الحكمة التي شرع من أجلها الحكم، وكان الشافعي رحمه الله يقول: الاجتهاد هو العلم بأوجه القياس وطرائقه، وأن يكون خبيرا بأحوال الناس وعرفهم ومصالحهم حتى يعرف ما تتحقق فيه علة الحكم من الواقع التي لا نص فيها.
[آداب الاختلاف والاجتهاد]: حكم الله بالنسبة للمجتهد هو ما أدَّاه إليه اجتهاده وظهر له رجحانه، وهو مأمور به من جهة أنه هو المقدور عليه، وأن هذا الاجتهاد مظنة الخطأ من حيث إنها اجتهادات بشرية في فهم النصوص وتطبيقها، ولا عصمة لأصحابها عن الخطأ، والأجر والثواب مرجوّ لكل مجتهد مصيب كان أو مخطئا، وليس للمجتهد أن يلزم غيره باجتهاده وفتواه، لأنها مبنية علي غلبة الظن، لا علي دليل قاطع أو مجمع عليه، فليس ما يمنع أن تكون محل اجتهاد لغيره، وفي حقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنما يتولاه مَن كان عالما بما يأمر به وينهي عنه، لأنه يختلف في النظر، فإن كان من الواجبات المشهورة والمحرمات الظاهرة: كالصلاة والصيام، والزنا والمسكرات والمخدرات، فكل المسلمين عالم بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق بالاجتهاد، فليس للعوام دخل فيه، لأن إنكاره علي العلماء، والعلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه كالمسائل الفقهية والاجتهادية فلا إنكار فيه، وليس لأحد أن يلزم الناس بإتباعه فيها، لكن له أن يتكلم فيها بالحجج العلمية علي جهة النصيحة للخروج من الخلاف، يقول الإمام حسن البنا في أصول فهم الإسلام: والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلي خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون علي الوصول إلي الحقيقة، من غير أن يجرّ ذلك إلي المراء المذموم والتعصب، ويقول أيضا لغير المجتهدين: ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر – الاجتهاد – في أدلة الأحكام الفرعية – الفقهية – أن يتبع إماما من أئمة الدين ويحسن به مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرّف أدلته، وأن يتقبّل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صلاح مَن أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر، وإذا كان الاختلاف قد وقع بين الصحابة رضي الله عنهم في الفروع، وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون علي باطل، ودلّ الكتاب والسنة علي وجوب متابعتهم، فكيف يطمع بعض الناس في أن يمحو الخلاف في الفقه من بين غيرهم؟! غير أن اختلاف السلف ومن تبعهم بإحسان كان رائده الإخلاص، ولهذا لم يكن بينهم تنازع في الفقه ولا تعصب، بل طلب للحقيقة وبحث عن الصواب من وجه استبان، يروي الإمام ابن عبد البر في فضل العلم والعلماء بسنده إلي يحيي بن سعيد أنه قال: ما برح أولوا الفتوى يفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يري المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يري المحل أن المحرم هلك لتحريمه، والاختلاف في الفروع طبيعة بشرية أقرّته الشرائع السماوية الأخرى، قال تعالي: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما} فهذان نبيان كريمان اختلفا في حكومة واحدة، فخص الله عز وجل أحدهما بفهمها مع ثنائه علي كل منهما بأن آتاه حكما وعلما، إن حمل الناس علي رأي واحد ضيقا وحرجا، وديننا يسر، وشريعتنا سمحة، ولذلك كانت أكثر النصوص مصوغة بعبارة مجملة كلية مَرِنَة، تحتمل أكثر من معني، وتستوعب أكثر من ظرف، حتى تتسع لتعدّد الأفهام وتنوّع الآراء والاجتهادات، ولتكون الشريعة مسايرة للمصالح في كل زمان ومكان، قال الإمام الزركشي: اعلم أن الله سبحانه لم ينصب علي جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنيّة قصدًا، للتوسيع علي المكلفين، ولئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع، وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عهد التابعين قال: لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأي أنه في سعة، ورأي أن خيرا منه قد عمل به، وكان العلماء يقولون: اجتماعهم حُجّة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة فالاجتهاد مشروع، والاختلاف في الرأي لازم، لكن الجميع محمودون مأجورون، والاختلاف المذموم ما كان ناشئا عن تعصب وهوي وعناد وجهل، ولاسيما بعد وضوح الحق، فإنه يوَلد التباغض والتكاذب والمعاداة وهذا نُهينا عنه وحُذَّرنا منه، وإذا كان التعاون واجبا في المتفق عليه، فأوْجب منه التسامح في المختلف فيه، وقد قيل من قديم: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، وقد قال جندب بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه)، ([198]) . فإذا ندب هذا في القرآن فما بال في مسائل الفروع؟! إن التسامح في الفروع الجزئية والبعد عن الجدال فيها، ولا سيما إذا داخله حظ النفس، أمر واجب شرعا، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا…)، ([199]) . وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدًي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا: {ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خَصِمون})([200]) . والخَصِمُ: أي المجادل،.
[أقوال العلماء في الإنكار في المسائل الاختلافية]: 1 – روي أبو نعيم بسنده عن الإمام سفيان الثوري قوله: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت تري غيره فلا تنهه، وروي الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه عنه أيضا قوله: ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهي أحدا من إخواني أن يأخذ به. ([201]) .
2 – نقل ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية عن الإمام أحمد بن حنبل تحت عنوان – لا إنكار علي مَن اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع – ما نصه: وقد قال أحمد في رواية المروذي: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس علي مذهب ولا يشدَّد عليهم. ([202]) .
3 – نقل ابن مفلح في الآداب الشرعية، والسفاريني في غذاء الألباب وهما من كتب الحنابلة عن الإمام ابن تيمية قوله:،، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر علي من عمل بها مجتهداً أو مقلّدًا، قال السفاريني تعليقا عليه: فأفهمنا أنه إنما يتمشى عدم الإنكار في مسائل الاختلاف. ([203]) .
4 – وقال ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم: والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مُجْمعًا عليه، فأما المختلف فيه، فمِن أصحابنا من قال: ولا يجب إنكاره علي مَن فعله مجتهدا أو مقلدا لمجتهد تقليدا سائغا، واستثني القاضي في الأحكام السلطانية وما ضعف فيه الخلاف. ([204]) .
5 – قال ابن قدامة الحنبلي: لا ينبغي لأحد أن ينكر علي غيره العمل بمذهبه فإنه لا إنكار علي المجتهدات. ([205]) .
6 – وقال الغزالي في الإحياء عن شروط منع المنكر: أن يكون المنكر منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر علي الشافعي أكله الضب والضبع، ومتروك التسمية، ولا الشافعي أن ينكر علي الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار، إلي غير ذلك من مجاري الاجتهاد. ([206]) .
7 – قال النووي في شرحه حديث مسلم: (من رأي منكم منكرا،،)، ثم إنه يأمر وينهي من كان عالما بما يأمر به وينهي عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المحرمات المشهورة، كالصلاة والصيام والزكاة والزنا والخمر ونحوها، فكل المسلمين عالم بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، وما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام دخل فيه، لأن إنكاره علي ذلك للعلماء، ثم إن العلماء لا ينكرون إلا ما أجمع عليه الأئمة، وأما المختلف فيه، فلا إنكار فيه، لأن علي أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهنا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وعلي المذهب الآخر: المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه، انتهي. ([207]) .
8 – وذكر الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: هل للمحتسب أن يحمل الناس علي مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء، أم لا يغير ما كان علي مذهب غيره؟ قال: الأصح أنه لا يغير، ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم، ولا ينكر محتسب ولا غيره علي غيره. ([208]) .
9 – نقل ابن حجر العسقلاني في المرقاة علي المشكاة عن القرطبي قوله: ما صار إليه إمام حُجَّة ووجه ما في الشرع، لا يجوز لمن رأي خلافه أن ينكره، وهنا مما لا يُخْتلف فيه، هذا كله في موقف العالم العارف بالخلاف الوارد في المسألة، أما العامي الذي لا يفرَّق بين الأقوال فلا يصح له أن ينكر في شيء من المختلف فيه، إلا إذا عرف من عالم موثوق حكم المسألة فيقول بها وينسبها إلي العالم، ولا يكفيه مبررا للإنكار أن يري غيره عاملا بخلاف ما يعمله، أو ما أفتاه به أحد العلماء، فما أكثر المسائل الاختلافية والاجتهادية التي يحسبها كثير من العامة مسائل قطعية لا مجال للاختلاف فيها،([209]).
قال السيوطي في كتابه الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: كان الإمام أحمد يقول: لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء في الفتاوى الشرعية، ويعرف مذاهبهم، فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين يتخذ مذهبهم قد اتفقوا عليها، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز وهذا لا يجوز، ويكون قوله علي سبيل الحكاية، وإن كانت مسألة قد اختلفوا فيها، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز في قول فلان، وفي قول فلان لا يجوز، وليس له أن يختار فيجيب بقول بعضهم ما لم يعلم حجته، قال الآمدى في أصوله: العاميّ، ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وإن كان مُحصلاً لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه أتباع قول المجتهدين، والأخذ بفتواهم عند المحققين من الأصوليين، وقال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: أما من يسوغ له التقليد، فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، فيجوز له أن يقلد عالما ويعمل بقوله، قال الله تعالي: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلي إجابة سؤالهم من غير إشارة إلي ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعا علي جواز أتباع العامي للمجتهد مطلقا.
[هناك مواقف لبعض المتفقَّة]: يعتبرون الخلاف الفقهي من الخرف في الدين والتفرّق إلي شيع الذي ذمّه الله ورسوله، وتوعّد عليه بالعقاب، ويستشهدون علي ذلك بالآيات الذامة للخلاف، وقد جهلوا أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وفيه طعن لسلف الأمة وخلفها من الصحابة والتابعين ومَن تبعهم بإحسان، إذا اختلفوا جميعا في كثير من الأحكام كما مرّ سابقا، ومن هؤلاء من يسمح لنفسه أن يفهم النص الشرعي، وهو ليس من أهل النظر، فيعيب علي من يخالفه المتبع إماما من الأئمة المعتبرين، ويقول كيف تتعبّد بأقوال الرجال وتترك الكتاب والسنة، ولا يدري أنه هو المعرض عن فهم الكتاب والسنة، حيث فهم الأئمة واتبع هواه وجهله، ومنهم مَن يسئ فهم العلماء، فيعرض آراءهم عرضا شائنا، أو يختزل أدلتهم ويشوّهها، من أجل أن يبْرز آراءه وأنها هي الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، وليحذر أمثال هؤلاء من أن يلبَّس عليهم الشيطان الأمر، فتتداخل الأمور الشخصية، والحظوظ النفسية، والأمانات العلمية، فتتحول النصيحة إلي فصيحة، وينقلب النقاش العلمي إلي جدل ومراء، ويجر ذلك إلي الوقوع في الشر والسوء، من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا، وكثيرا ما يدعونا الإعجاب بالرأي إلي ترك الحق إذا لم يكن الدليل معنا، تدفع الرأي الصحيح للأئمة من حيث نشعر أوْلا نشعر، فيكون أكبر همَّنا إذا سمعنا رأيا مخالفا لرأينا، كيف نردّ عليه ونبطله، فداء الإعجاب بالرأي أحد المهلكات، ومن علامات ذلك أن يكون لسان حاله يقول: رأيي صواب ولا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ ولا يحتمل الصواب، أسأل الله العليم بما في الصدور أن يعيذنا من شر نفوسنا، وأن يقينا شر المهلكات جميعا، وأن يعيننا علي مجاهدة أنفسنا، وأن يهدينا إلي ما اختلف فيه بإذنه، فهو سبحانه القائل: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين) أهـ([210]) .
[المفتاح السادس]: قال الدكتور أحمد الحجي الكردي في كتابه القيم [بحوث في علم أصول الفقه] في مبحث من أجمل مباحث كتابه وهو مبحث ” أسباب اختلاف الفقهاء “: (أهم أسباب الاختلاف بين الفقهاء يمكن إدراجها فيما يلي من النقاط:
1- اختلاف أساليب اللغة العربية ودلالة ألفاظها على المعاني، فإن اللغة العربية دون شك هي أوسع لغات العالم في المفردات وأدقها في التعبير، ولكنها مع ذلك – شأنها شأن سائر لغات العالم – تتعدد فيها وتختلف معاني الألفاظ، غرابة واشتراكا، كما تتراوح بين الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، إلى غير ذلك مما هو معروف في كتب اللغة وأصول الفقه من طرف دلالة اللفظ على المعنى، وحيال هذا العدد والاختلاف لابد أن تتعدد الأفهام وتختلف الاستنباطات، فتختلف بذلك الأحكام، من ذلك مثلا قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228]، فقد اختلف الفقهاء في هذه الآية على معنى (القرء) إذ هو في اللغة اسم للحيض والطهر معا، فذهب الحنفية إلى أن المراد به في هذه الآية الحيض، واستدلوا على ذلك بأدلة وقرائن كثيرة أيضا، ومناط اختلافهم الأصلي في هذه المسألة إنما هو الوضع اللغوي لكلمة قرء، وإنها مشتركة بين الطهر والحيض معا على التساوي، ومن ذلك أيضا اختلافهم في حكم لمس يد الرجل المرأة هل ينقض الوضوء أو لا، فذهب الشافعية إلى أنه ينقض الوضوء، وذهب الحنفية إلى أنه لا ينقضه، ومناط اختلافهم هو معنى المس الذي ورد في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:43]، فقد ذهب الشافعية إلى أن المراد بذلك هو حقيقة المس لغة، وهو حاصل بمجرد اتصال بشرة الرجل ببشرة المرأة، لأن أصل الوضع اللغوي لهذا اللفظ هو ذلك، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل، ولا دليل هنا يقتضي العدول، وذهب الحنفية إلى أن المراد بالمس هنا ليس هو حقيقته اللغوية، بل المراد به المباشرة الفاحشة، وهي تماس الفرجين مع الانتشار، وذلك بدلالة وقرائن كثيرة مفصلة في كتب المذهب كافية في نظرهم لنقل هذا اللفظ من الوضع اللغوي إلى وضع شرعي خاص به، فمثار الخلاف إنما هو احتمال اللغة لهذا وذلك.
2- اختلاف الأئمة في صحة الرواية في الحديث، فالسنة المطهرة هي المصدر الثاني لهذه الشريعة بعد القرآن الكريم، والسنة وردت إلينا منقولة في صدور الرجال، وهؤلاء الرجال بشر يصدقون ويكذبون، كما أنهم يحفظون وينسون، ولا يمكن رفعهم فوق هذه المرتبة، كما أن العلماء الذين اقتفوا أثرهم ودرسوا حياتهم وسلوكهم رجال أيضاً، تختلف أنظارهم في الراوي، فمنهم من يراه موثوقاً به، ومنهم من يراه غير ذلك، ولذلك كان طبعياً أن يختلف الفقهاء في الاحتجاج ببعض الأحاديث دون الأحاديث الأخرى، وطبعي أيضاً أن يذهب إمام إلى ترجيح رواية راو على رواية آخر لوثوقه به أكثر، ويذهب فقيه آخر لترجيح مخالف لهذا الترجيح، اعتماداً منه على وثوقه بالراوي الآخر، وهذا الاختلاف أدى بطبيعة الأمر إلى الاختلاف في كثير من الأحكام الفرعية تبعاً للاختلاف في مدى الوثوق بالراوي، كما أن اختلاف الفقهاء فيما بينهم على طرق ترجيح الروايات إذا ما تعارضت، ومدى أخذهم ببعض أنواع الحديث أو اعتذارهم عنه كان له أثر كبير في اختلافهم في الأحكام الفرعية، من ذلك مثلاً الحديث المرسل، يأخذ به الحنفية ويفضلونه على الحديث المتصل أحياناً، خلافاً للشافعية الذين يرفضون الاحتجاج بالمرسل مطلقاً، إلا مراسيل سعيد بن المسيب التي ثبت بتتبعها أنها كلها متصلة، كما أن اختلاف الفقهاء في الأخذ بقول الصحابي وعمله وعدم الأخذ بهما كان له أثر كبير في الاختلاف، فالحنفية لا يجيزون الخروج على قول الصحابة إلى قول غيرهم، ويعتبرون قول الصحابي حجة، أما الشافعية فيجيزون الخروج على قولهم في كثير من المواضع.
3- اختلاف الفقهاء فيما بينهم على قوة الاحتجاج ببعض المبادئ والقواعد الأصولية، من ذلك مثلاً أن الحنفية يذهبون إلى أن العام قطعي الدلالة قبل التخصيص، فإذا دخله التخصيص نزل إلى مرتبة الظنية، أما الشافعية فيعتبرون العام ظنياً قبل التخصيص وبعده، وعلى ذلك فإنهم يجيزون تخصيص العام بالدليل الظني دون الحنفية الذين لم يجيزوا تخصيصه للمرة الأولى إلا بدليل قطعي، ومن ذلك أيضاً اختلافهم في حمل المطلق على المقيد، فقد توسع الشافعية في حمل المطلق على المقيد فقيدوا بذلك الرقبة الواردة في كفارة الإيمان بالمؤمنة جرياً على تقييدها في كفارة القتل بذلك، خلافاً للحنفية الذين لا يقيدونها بذلك، ومنه أيضاً اختلافهم على الاحتجاج بمفهوم المخالفة، فقد ذهب إلى الاحتجاج به الشافعية في أكثر المواضع خلافاً للحنفية الذين رفضوا التعويل عليه في أكثر المواضع، ومنه أيضاً اختلافهم على جواز نسخ القرآن الكريم بالسنة الشريفة والسنة بالقرآن، فقد أجازه الحنفية والجمهور ومنعه الشافعية، ومثل هذا كثير يعرف في كتب الأصول.
4- اختلافهم على كثير من قواعد التعارض والترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض والتناقض، وهذا الاختلاف يعتبر صدى لاختلافهم في النسخ وقواعده وشروطه، والتخصيص وطرقه وشروطه وضوابطه، إلى غير ذلك من القواعد الأصولية الخاصة بالترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، وهو مبسوط في كتب الأصول أيضاً.
5- اختلافهم في القياس وضوابطه، فالفقهاء مع اتفاقهم على الاحتجاج بالقياس والاستدلال به ـ عدا الظاهرية ـ يختلفون في شروط القياس وشروط العلة التي يصح القياس بها ومسالكها ومناطاتها، وترجيح علَّة على أخرى عند تعارضها وطرق ثبوت العلة وغير ذلك من الاختلافات المشروحة في كتب أصول الفقه، حتى أنك لا تكاد ترى أصلاً واحدا اتفقوا على القول بحجيته في القياس.
6- اختلافهم في صحة الاعتماد على الكثير من الأدلة الإجمالية، كالاستحسان الذي ذهب الحنفية إلى الاحتجاج به، وذهب الشافعية إلى عدم الاحتجاج به، حتى نقل عن الشافعي قوله (من استحسن فقد شرع)، والاستصلاح الذي ذهب إلى الاحتجاج به المالكية ولم يعتبره الحنفية أصلاً من أصولهم وإن كانوا يأخذون به ضمناً، وقول الصحابي الذي تقدم بيان اختلافهم فيه، وعمل أهل المدينة الذي ذهب إلى اعتباره المالكية دون غيرهم، حتى إنهم قدموه على القياس، وغير ذلك من الأصول الكثيرة التي اختلفوا على الاحتجاج بها أو شروط ذلك الاحتجاج وحدوده.
7- اختلاف بيئات الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إن الفقيه الواحد كان يرجع عن كثير من أقواله إلى أقوال أخرى إذا تعرض لبيئة جديدة تخالف البيئة التي كان فيها، ومن ذلك ما حدث للإمام الشافعي بعد مغادرته بغداد إلى مصر، فقد عدل عن كثير من آراءه الماضية التي استقر عليها مذهبه في بغداد، وقد كثر هذا العدول حتى عد ذلك مذهباً جديداً له، ومنها عدول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه عن كثير من الآراء الفقهية نتيجة احتكاكه بالناس ومعرفته بأحوالهم، ومنها مخالفة الصاحبين أبي يوسف ومحمد لأبي حنيفة في كثير من المسائل الفقهية مخالفة قائمة على أساس تغير الزمان، حتى إنهما نصا في كثير منها على أن الإمام لو كان معهما في عصرهما لرجع عن قوله إلى قولهما.
من ذلك مثلاً خيار الرؤية، فقد ذهب الإمام إلى أن رؤية المشتري لظاهر غرف الدار كاف لإسقاط خيار الرؤية الثابت له فيها، وذهب الصاحبان إلى أن خيار الرؤية لا يسقط بتلك الرؤية الظاهرة، ومناط الاختلاف بينهم أن الدور كانت في عهد الإمام تسير على نسق واحد تقريباً، فكانت رؤية الغرف من الظاهر دالة غالباً على معرفة ما في داخلها، ولكن الأمر تغير في عهد الصاحبين، وبدأ الناس يتفنون في التنسيق فكان ذلك مناطا لسقوط خيار الرؤية، فلما كان العلم بما في داخل الدار متوفراً بالرؤية الظاهرية في زمن أبي حنيفة سقط بها خيار الرؤية عنده، ولما لم يعد كذلك في زمن الصاحبين أفتيا بعدم سقوطه بها.
ومن ذلك أيضاً اختلاف الفقهاء في الشروط المعتبرة في الكفاءة في الزواج، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الكفاءة معتبرة في خمس صفات هي: الحرية، والنسب، والمال، والدين، وإسلام الآباء، وذهب محمد إلى أن الكفاءة في الدين والتقوى ليست شرطاً، وذهب أبو يوسف إلى أن الكفاءة معتبرة في كل تلك الصفات ويضاف إليها الحرفة، وذهب الشافعية إلى أن الكفاءة معتبرة في خمس صفات، هي: السلامة من العيوب، والحرية، والنسب، والعفة، وهي: التدين والصلاح والبعد عما لا يحل، والحرفة، وذهب الحنبلية إلى أن الصفات المعتبرة في الكفاءة خمس، هي: الدين، والنسب، والحرية، والصناعة، واليسار، وفي رواية اثنتان فقط هما: الدين والنسب لا غير، أما المالكية، فلم يعتبروا من الكفاءة إلا الدين، والسلامة من العيوب، والحرية في قول، وهذا الاختلاف راجع إلى اختلاف العصور والبيئات التي عاشوا فيها، وهو علامة صحِّيَّة على مرونة نصوص التشريع الإسلامي، وأخذها بمبدأ قابلية تغير الأحكام بتغير الأزمان، ولكن ليس معنى هذا التحلل من كل النصوص الشرعية وفقاً لهذه القاعدة، فان لهذه القاعدة ضوابط كثيرة توفر لها الحماية من النزول إلى مستوى العبث والتلاعب بالأحكام، وقد نص الفقهاء على هذه القواعد بدقة بالغة، وأحاطوها بسياج منيع من القيود والشروط، هذه هي أهم أساليب الاختلاف بين الفقهاء أوجزتها في سبع نقاط، وضربت بعض الأمثلة لها لتزيدها وضوحاً وجلاء، وليطلع الدارس من خلالها على مناط الاختلاف بين الفقهاء في فروع هذه الشريعة، وأصالته ودقته.
رد شبهات: قدمنا في أول البحث أن كثيراً من الناس اتهم الشريعة الإسلامية بالتناقض والتخلخل وعدم الصلاحية للخلود والبقاء، استناداً إلى ما ابتنيت عليه من الخلافات المذهبية الكثيرة، حتى إنك لا تكاد تجد حكما واحدا متفقاً عليه بينهم ـ على حد قولهم، والآن بعد أن استعرضنا مواطن الاختلاف بين الفقهاء وأسبابه، نتعرض لتحليل هذه الشبهات والرد عليها، ونقدم لذلك نبذة نلقي فيها الضوء على طبيعة أسباب الاختلاف المتقدمة، فهي:
1- أسباب ترجع إلى طبيعة اللغة العربية وأساليبها، وطرق دلالة اللفظ فيها على المعنى، وهذا مالا دخل للفقهاء الذين أقاموا صرح فقه هذه الشريعة فيه أبداً، إذ إن اللغة العربية نفسها تحتوي هذه الخلافات الفقهية وتحتملها، فان في اللغة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمشترك والمتشابه، وفيها الحقيقة والمجاز وغير ذلك، ولكل قسم ونوع من هذه الأنواع وهذه الأساليب دلالة خاصة على المعنى المراد من لفظه، فبعضها تعتبر دلالته على معناه قطعية لا مثار فيها للخلافات، وهو ما اتفقت الأنظار الفقهية فيه من غير خلاف، وبعضها ظني الدلالة على معناه، بمعنى أنه يحتمل المعنى المتبادر منه ويحتمل معان أخرى إلى جانب هذا المعنى، وقد تكون هذه المعاني متساوية في قوة دلالة اللفظ فيها على المعنى أو تفاوته، وطبعي أمام هذه الاحتمالات كلها أن تختلف الأنظار الفقهية وتتعدد الأفهام البشرية، ويكفينا دليلا على صدق نيتهم في بذل الجهد كاملا في فهم هذه النصوص أنهم اتفقوا فيما يعتبر قطعي الدلالة ولم يختلفوا فيه، فهذه أصول العقائد وأصول العبادات تثبت عن طريق القطع فلم يختلف فيها أحد من الفقهاء، من ذلك فرضية الصلاة والزكاة والحج،، ومن ذلك أيضاً صفات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي ثبتت بطرق قاطعة، وإذا كان الأمر كذلك فاللغة العربية هنا هي مشار الاختلاف ولا دخل للفقهاء فيه، ولا عيب فيهم إذا ما اختلفوا في بعض الأحكام تبعاً لذلك، بل العيب فيهم لو لم يختلفوا، ولا عيب في اللغة العربية إن كانت مثاراً لهذا الاختلاف أيضاً، لأن شأنها في ذلك شأن لغات العالم كله، فان هذا التعدد في قوة دلالة اللفظ على المعنى موجود في كل لغات العالم دون استثناء، هذا إذا لم تكن اللغة العربية أدق تلك اللغات كلها وأصدقها في التعبير والدلالة، بل هو الصحيح بشهادة الكتاب الأجانب أنفسهم وصدق من قال: (والفضل ما شهدت به الأعداء).
2- أسباب ترجع إلى طبيعة النفس البشرية: من ذلك مثلا اختلافهم على قبول رواية بعض الرواة أو عدم قبولهم، فإن ذلك أمر لا دخل للنزعات الشخصية فيه أبداً، بل هو أمر واقعي يفرض نفسه، فإن السنة الشريفة الشريفة كلها أو جلها رويت لنا مشافهة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الرجال، وطبعي أن تختلف الأنظار في توثيقهم عدالة وجرحا ونسياناً وحفظاً وغير ذلك من طرق الجرح والتعديل، فيكون الراوي الفلاني ثقة عند فلان قليل الثقة في نظر غيره، فإن النفس البشرية هذا ميزانها وذلك هو جل طاقتها، وحسب الفقيه إن يبذل الجهد كاملاً في الوصول إلى الحق في التجريح والتعديل مخلصاً لله قصده، وإننا من تقصي تاريخ هؤلاء العلماء نستدل على صدقهم وحسن نيتهم في التجريح والتعديل، وهذه كتب التاريخ خير شاهد على ذلك.
3- ومن ذلك أيضاً اختلاف أفهامهم وتغاير نظراتهم للأمور في حدود ما فطرت عليه النفس البشرية، فإن الله تعالى خلق هذه النفوس من جنس واحد هو التراب، ولكنه فاضل بينهما في العقول والأفهام، وهذا أمر لا ينكره أحد، وإن كان لهذا التفاوت في الأفهام حدود يجب أن يقف عندها فلا يتعداها إلى غيرها وإلا اعتبر شذوذاً وخروجا عما تحتمله النفس الإنسانية أو تسيغه، فالناس في الحدود العامة التي تسيغها وتحتملها هذه النفس يختلفون، ولا يجوز أن يعتبر اختلافهم هذا مطعنا في إنسانيتهم أو أداة للنيل من مدى الوثوق بهم، لأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:32)، أي إن سنن الكون تتطلب هذا الاختلاف وتفرضه، ولو رجعنا إلى ما تغايرت فيه أفهام الفقهاء لما وجدنا فيها خروجاً عن الحد الذي تقضي به وتفرضه الطبيعة الإنسانية، ولذلك، ولما كانت تلك هي حدود النفس الإنسانية وطاقاتها ولا يمكن أن ترقى إلى ما هو أعلى منه، فإنه يكفي الفقهاء فخرا أنهم نماذج إنسانية من الطراز الأول في صدقهم وإخلاصهم للحق وقوة فهمهم وعلو مداركهم ودقة نظرتهم، والتاريخ شاهد حق على كل ذلك.
4- ومنه مرونة بعض الأحكام، بحيث تكون قابلة للتغير بتغير العصور والأزمان، لأن الشرائع إنما وجدت لحماية مصالح البشرية، وهذه المصالح لا بد متطورة ومتغيرة، فما يعتبر مصلحة في زمن قد لا يعد كذلك في زمن آخر، وما يعتبر حسنا في أمة قد يعتبر سيئاً في أمة أخرى، ولما كانت الشريعة الإسلامية شريعة البشرية من يوم أرسل الله بها صلى الله عليه وسلم إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها، كان لابد لها ـ لتتضمن وتؤمن مصالح البشر دائماً ـ من أن تكون نصوصها مرنة تحتمل هذا التطور وتواكبه، ولكن ليس معنى هذا أن عليها أن تواكب كل تحول وتوافق كل تغير، فقد يكون التغير إلى أدنى، وقد يكون التغير في غير الخط الذي رسمته هذه الشريعة مما يأباه الله تعالى، ولذلك كانت هذه النصوص مرنة في حدود لا يمكن أن تتعداها، ومحتملة ولكن للمصالح التي رضي الله عنها، ثم إن هنالك من المصالح ما يعتبر ثابتاً غير قابل للتغير، أو أن الشريعة الإسلامية لا ترضى بتغيره، وهذا هو الأهم من أحكام الشريعة، من ذلك مثلاً الكبائر والفرائض، فإنها أحكام لا تقبل التغير، ولذلك كانت النصوص فيها قاطعة واضحة لا تحتمل التبديل والتغير في هذه الأحكام، كحرمة الزنى والسرقة، فإنهما من الكبائر التي ستبقى ويجب أن تبقى كذلك في كل العصور، ومن ذلك فرضية الصلاة والزكاة والحج والصوم وغيرها، فإنها من الفرائض التي لا تقبل التغيير والتبديل، ولا يجوز أن تقبله بحال، أما الأمور التي تحتمل ذلك التغير بتغير الزمان والمكان، فإنما هي تلك الأحكام التي بنيت على العرف أو استندت في تحديدها وتقييدها إلى العرف، فإنها هي التي تتبدل بتبدل الزمان، ومن ذلك كثير من الأحكام المدنية والمالية، كالشروط العقدية، والكفاءة في الزواج، وغير ذلك مما هو مبين في كتب الفقه وأصوله، وطبيعي أمام هذا الاحتمال لتطور الأحكام الذي تتطلبه طبيعة خلود هذه الشريعة أن تختلف أفهام الفقهاء وأنظارهم تبعاً لاختلاف بيئاتهم وأزمانهم..
ولرد شبهات المغرضين المتقدمة يمكن أن نقول بإيجاز:
(1) إن هذه الخلافات ليست شخصية حتى تكون مطعناً من المطاعن كما تقدم.
(2) إن بعض هذه الخلافات كان نتيجة تلبية الشريعة لداعي التطور الاجتماعي وتأمين الحق لكل البشر، وليس مظهراً من مظاهر التخلخل، لأن هذه الخلافات قائمة على أسس قويمة موضوعية كما تقدم، وما كان كذلك لا يكون تخلخلاً بطبيعة الحال، بل هو بحق ثروة تشريعية تعض عليها الأمة الإسلامية بالنواجذ، وتعدها كنزاً تباهي به الأمم كلها، لا سيما أن هذه الخلافات إنما كانت في فروع الشريعة لا في أصولها، لأن الأصول العامة التعبدية منها والاعتقادية والتشريعية واحدة في كل المذاهب الإسلامية المعتمدة، ولا خلاف فيها في شيء، وما تلك الاختلافات إلا في ميدان التطبيق والتفريع على هذه الأصول، مما سهل على الأمة التمسك بدينها والعمل بمنهاج ربها سبحانه، إذ أباح أن تسلك أي الطرق التي استنبطها الأئمة المجتهدون، وأن تأخذ بأي الأقوال التي قالوها لا حرج عليهم أن يدعوا قول فلان إلى قول فلان، ما دام كل منهما يسير في اجتهاده على منهج واضح وأسس مشروعة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، كما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوله: (ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم لكان سنة) وقد علق الإمام الشاطبي على هذا القول بقوله: (ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للدخول في هذه الرحمة)، كما أن الأستاذ الشيخ محمد أبا زهرة يعلق على قول الشاطبي هذا بقوله: (ولقد كان اختلاف الصحابة في الفروع رائده الإخلاص، لذا لم يكن بينهم تنازع في الفقه ولا تعصب، بل طلب للحقيقة وبحث عن الصواب من أي ناحية أخذ، ومن أي جهة استبان، وأن ذلك الاختلاف كان فيه شحذ للأذهان واستخراج للأحكام من القرآن واستنباط قانون شرعي عام وإن لم يكن مسطورا… ونحن لا نرى الخلاف في الفروع إلا ثمرات ناضجة لما بثه القرآن الكريم والسنة النبوية في نفوس الناس من الحث على البحث بعقولهم وتدبير شؤونهم بالشورى ومبادلة الرأي، مستضيئين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ومستظلين بأحكام القرآن)، هذا ولا بد بعد ذكر ما تقدم من أقوال أئمة الشريعة الإسلامية من الانتباه إلى أن الكثيرين من علماء القانون والحقوق الوضعية في العصر الحديث يتباهون ويفخرون بما انحدر إليهم من تراث تشريعي ضخم عن الرومان يضم كثيرا من الآراء والنظريات المختلفة التي نظمها الفقهاء والشراح في العهد الروماني، ولا يعدون بحال تلك الآراء المختلفة والنظريات المتباينة المتناقضة أحيانا من النواقص التي يتمنون أن لا تكون في ميراثهم القانوني، ولا مظهرا من مظاهر التناقض أو التخلف أو عدم الصلاحية للبقاء والخلود، مع أن الفقه الروماني على سعته هذه التي يفخرون بها لا يعد إلا نذرا يسيرا إذا ما قارناه بما يحتويه فقهنا العظيم من نظريات تشريعية، وآراء ومذاهب فقهية، وفروع متعددة، وثروة تشريعية ضخمة.
(3) إن الله تعالى – فضلا منه وكرما – لم يحتم علينا الوصول إلى الحق ومعرفة حكمه الأصلي في كل مسألة من المسائل التي شرعها لنا، لأن هذا فوق طاقتنا، وفيه حرج كبير علينا، والحرج مرفوع في الشريعة الإسلامية بنصوص تشريعية كثيرة، ولكن المفروض علينا هو بذل الجهد الكامل للوصول إلى الحق، ولذلك وردت النصوص كلها تدل على أن المجتهد إذا أصاب كان له أجران، وإذا أخطأ كان له أجرا واحدا، وطبعي أن المجتهد المخطئ لم يصب حكم الله الأصلي، لأن الحق لا يتعدد كما يذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يكون المصيب من المجتهدين واحدا، والباقون الذين يخالفونه مخطئين، ولكن هذا الخطأ مرفوع في الشريعة، وأن ما توصلوا إليه من أحكام جائز تقليده والعمل به رخصة من الشارع، وذلك ضرورة أننا لم نستطيع أن نجزم بالحق الذي قضى به الله تعالى في سابق علمه وإرادته، وبذلك يكون ذلك الاختلاف مأذونا به من الشارع ومرضيا عنه منه، ولا يجوز بحال أن يعد مظهرا من مظاهر التخلخل، بل هو بحق مظهر من مظاهر الواقعية والاعتراف بالقدرات البشرية المحدودة التي تقرها السلطة الإلهية وتباركها، فتجعل للمخطئ من المجتهدين أجرا رغم خطئه وعدم قدرته على الوصول إلى الحق، فحسبه في ذلك أنه بذل جهده الذي منَّ الله تعالى به عليه كاملا، ولا يمكن أن يقال: إن معنى ذلك أن كل إنسان جاهل يعمل رأيه في فهم النصوص ثم يقول هذا جهدي وأنا مأجور عليه فيأتي من الأحكام بما لم تقره شريعة ولا عقل، إذ الجواب على ذلك واضح وبيِّن لا لبس فيه، وهو أن الله أمرنا ببذل الجهد كاملا، وأدار الثواب والعقاب عليه، ولا يعد الجهد مبذولا كاملا إلا إذا حصل الإنسان الآلة التي بها يستطيع فهم الأحكام من النصوص، والآلة هذه هي ما يسميه الفقهاء والأصوليون بملكة الاجتهاد وشروطه، فما لم يحصل الإنسان هذه الآلة فهو مقصر ولم يبذل الجهد، وبذلك لا يدخل في زمرة المأجورين.
(4) إن الاختلاف في فهم النصوص التشريعية لا بد منه نظرا لطبيعة تلك النصوص وما تتضمنه من احتمالات ومرونة تقتضيها طبيعة التشريع، فإنه إن كان من الأفضل أن تكون الأحكام التفصيلية والقواعد الجزئية واضحة ومحددة المعنى بصورة لا تقبل الاختلاف في فهمها، فإنه من الأفضل – دون شك – في النصوص التشريعية الدستورية أن تكون مرنة محتملة لعدة معان في حدود ما تقضي به الحاجة والضرورة، ليمكن أن تصاغ منها تلك المواد الجزئية وتلك الأحكام الفرعية على وفق الحاجة المتغيرة من زمن إلى زمن ومن بيئة إلى بيئة، ولو كانت تلك النصوص محددة بحيث لا تقبل الاختلاف ولا تحتمله، لكان الناس في عسر شديد وفي ضيق، ولما أمكن الخلود لمثل هذه القواعد والأسس، (خاتمة): بعد ذلك العرض الموجز لا بد أن ننتهي إلى أن ذلك الاختلاف بين الفقهاء في فهم النصوص وتفصيل الأحكام إنما هو مَعلم من معالم خلود هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وليس عيبا فيها مطلقا، بل العيب فيها أن لا تكون كذلك، لأن هذه المرونة التي تتمتع بها نصوص التشريع الإسلامي التي هي السبب الأول لاختلاف الفقهاء ضرورة حتمية لكل تشريع أريد له أن يدوم ويعيش في كل عصر ومصر، يؤمن العدالة والحق واليسر بين الناس جميعا على أسس موضوعية بعيدة عن النزوات والشهوات، ولا مكان مطلقا لما يطلقه بعض المغرضين أو الجاهلين بطبيعة التشريع الإسلامي وخصائصه من تهم الشريعة منها براء، ولمَ لا، فهي تنزيل من حكيم حميد يعلم السر وأخفى، خلق هذه البشرية وأنزل لها من الأحكام ما يُصلح شأنها ويقيم العدل في أرجائها، ويؤمن مصالحها على أحسن وجه وأكمل نظام، رحمة بها وحبا فيها وتخفيفا عنها، لتكون بحق خير أمة أخرجت للناس) أهـ([211]) .
***
المبحث السابع خصائص الخلاف في الفقه الإسلامي
[المفتاح الأول]: الخلاف في الفروع يختلف عن الخلاف في الأصول: فأمّا الخلاف الذي يتعلق بأصول الدين وأصول العقيدة فهو خلاف خطير لأنّه خلاف بين حق وباطل وبين هدى وضلال، وهو الخلاف الذي ينشأ عنه فرقة ناجية وفرق ضالة تستحق الوعيد بالنار، وفي هذا الخلاف أشارت روايات حديث تفرق الامة، والتي منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أواثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([212]).
وحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: – ” ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ” ([213]) . وحديث معاوية ابن أبي سفيان – رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: : (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([214]) .
وحديث انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([215]) .
وأما الخلاف في الفروق فإنّه خلاف بين صواب وخطأ، والمجتهد فيه له أجر سواء أصاب أم أخطأ، ولهذا تواترت أقوال الفقهاء بأنّه خلاف رحمة وسعة، فشتان بين خلاف الأصول الذي ينشأ عن الخطأ فيه الضلال واستحقاق النار، وبين خلاف الفروع الذي للمصيب وللمخطئ فيه اجر ما كان خالص النية مستوف لشروط الاجتهاد.
[المفتاح الثاني]: الاختلاف الفقهي نوعان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، واختلاف التنوع: (لا يمثل في حقيقته أي اختلاف) لأن منه ما يكون كل واحد من القولين صحيح شرعا، كما هو الحال في اختلاف القراءات، واختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، ومن الاختلاف ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان، ومنه ما يكون المعنيان متغايرين، لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، فيجوز سلوك أحدهما أو الآخر كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وأما اختلاف التضاد: فيكون فيه القولان متنافيين، وهذا الاختلاف هو اختلاف الرحمة والسعة، وللمجتهد المصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، وهو خلاف بين راجح ومرجوح، وإن كان المصيب واحد، فلا بأس بتمحيص الصواب وينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، ([216]) .
وعلى هذا الأمر اتفقت كلمة الفقهاء المقتدى بهم من كافة المذاهب الفقهية الإسلامية التي تنتمي إلى الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، وابرزها مذاهب الأئمة الأربعة: (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة)، فهذه الاختلافات الفقهية، قد مثلت سعةً ورحمةً وغنًى وثراءً في الاجتهاد، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان، وعلى ذلك فإن اختلاف هؤلاء في الفروع لا يعد بحال اختلافا مذموما، ومن كان في مثل علم هؤلاء – وهيهات – فله أن يجتهد مثلهم، ومن لم يصل إلى علمهم فليتتلمذ على فقههم، حتى يصل إلى فقههم، ومحاولة جمع الجميع على رأي فرعي واحد، فهو مخطئ يضيع جهده ويصرف الأمة عن مهامها الثقيلة إلى ما هو دونه.
[المفتاح الثالث]: إذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع للتعصب الفقهي المذهبي، ولا ينبغي ضياع الأعمار والجهود في المفاضلة بين المذاهب القائم على التعصب لأحدها على أنه قد جمع الحق في الفقه كله، بل الحق متوزع بينها وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المرحومة، إنّ الجامعة الفقهية المعبرة عن فقه أهل السنّة والجماعة، على اختلاف مذاهب هذا الفقه: لا يوجد فيها أدنى مشكلة بين هذه المذاهب المتأصلة العريقة، بل إنّها علامة على صلاحية الشريعة الربانية لكل زمان ولكل مكان ولجميع أجناس البشر الصعب منهم والسهل، وهي لا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية، والأحكام الشرعية، إنّ أهم مميزات الاختلافات الفقهية أنّها لا تضعف أبداً الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل، وهي اختلافات تعدد وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت.
[المفتاح الرابع]: تجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية أمر مستحيل، لتعدد الأدلة والاحتمالات والأفهام، ومحاولة جمعها على قول واحد من أكبر الخطأ، لأنه يضر بالميزة التي حبى الله تعالى بها الفقه ألا وهي (السعة والرحمة والصلاحية لكل زمان ومكان)، فيتجه به إلى الضيق وضياع الجهد فيما لا يمكن تحقيقه أبدا، ورحم الله تعالى مالكاً وقد عرض الخليفة العباسي أن يحمل الناسَ على الموطأ فأبى، وما ذاك إلا لأنّه يعلم أنّ اختلاف الأمة في الفقه وفي الفروع رحمة بالغة وسعة تغطي الزمان والمكان، والذي نحتاجه في ميدان الفقه، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة، لأنّ دين الإسلام القيم أوجب الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
***
([4]) مسند ـحمد 36/624 ح 22291.
([5]) المعجم الكبير للطبراني 22/221 ح 589.
([7]) صحيح البخاري 4/175 ح 3475.
([8]) مدخل الي الفقه الإسلامي محمد سلام مدكور ص 12 وما بعدها. بتصرف.
([9]) سنن أبي داود 7/13 ح 4604. مسند أحمد 28/410 ح 17173.
([10]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([11]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([12]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([13]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([15]) المستدرك علي الصحيحين 1/171 ح 318، السنن الكبرى للبيهقي 20/333 ح 20362، صحيح الترغيب والترهيب 1/125 ح 41.
([16]) سنن الترمذي 5/38 ح 2664، سنن ابن ماجة 1/16 ح 21، صحيح الجامع 1/518 ح 2657.
([17]) صحيح مسلم 4/1836 ح 2363.
([18]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.
([19]) المعجم الكبير للطبراني 4/58 ح 3602.
([20]) السنن الكبرى للنسائي 3/428 ح 3469.
([21]) مسند أحمد 4/290 ح 2486.
([22]) المصدر السابق 30/392 ح 18450.
([23]) مسند أحمد 36/333 ح 22007.
([24]) صحيح البخاري 3/18 ح 1852.
([25]) مسند الفاروق عمر 2/463 الناشر: دار الفلاح، الفيوم – مصر.
([27]) صحيح البخاري 1/74 ح 335.
([28]) صحيح البخاري8/3 ح 5973، صحيح مسلم 11/431 ح 6841. واللفظ له.
([29]) مسند أحمد 39/14ح 23062.
([30]) صحيح البخاري 1/128 ح 631.
([31]) صحيح مسلم 2/943 ح 1297.
([33]) صحيح البخاري 5/112 ح 421.
([34]) المصدر السابق 3/92 ح 2276.
([35]) صحيح البخاري 2/15 ح 946.
([36]) سنن أبي داود 1/253 ح 337.
([37]) موطأ مالك 2/513 ح 4، مسند أحمد 29/499 ح 17980، سنن ابن ماجة 4/26 ح 2723، سنن
أبي داود4/521 ح 2894، سنن الترمذي 4/420 ح 2101.
([38]) صحيح البخاري 8/54 ح 6245، صحيح مسلم 3/1694 ح 2153.
([39]) صحيح البخاري 6/71 ح 4679.
([40]) صحيح البخاري 6/183 ح 4987.
([41]) مسند أحمد 27/301 ح 16738، سنن ابن ماجة 1/157 ح 231 سنن الترمذي 5/34 ح 2657. سنن
الدارمي 1/128 ح 235.
([42]) دراسة تحليلية في تاريخ الفقه: الشيخ محمد أبو زهرة الإسلامي ص20، 21.
([43]) المسئولية المدنية محمود شلتوت.
([44]) مدخل إلي الفقه الإسلامي محمد سلام مدكور ص 80- 82 بتصرف.
([45]) صحيح البخاري 8/91 ح 6429، صحيح مسلم 4/1963 ح 2533.
([46]) مدخل الي الفقه الإسلامي ص 85- 90 بتصرف.
([47]) مصطفى الشكعة: الأئمة الأربعة ص163، 164.
([50]) البداية والنهاية 13/418.
([51]) سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([52]) صحيح ابن حبان 6/63 ح 4879.
([53]) تزيين الممالك، للإمام جلال الدين السيوطي ص22-23.
([55]) البداية والنهاية 13/600. سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([56]) مسند أبو داود الطيالسي 1/244 ح 307. حلية الأولياء 9/65.
([58]) سنن أبي داود 6/349 ح 4291.
([59]) البداية والنهاية 14/136.
([61]) البداية والنهاية 14/408.
([62]) تاريخ الإسلام للذهبي: 4/713.
([64]) مسند أحمد 19/334 ح 12327، سنن الترمذي 5/152 ح 2869، فتح الباري 7/6 وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالي في الفتح (7/6): وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلي الصحة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 5: 359.
([65]) الصحاح للجوهري: ج2 / 37.
([66]) أصول الفقه للزحيلى: ج2 / 1066.
([67]) الوجيز فى أصول الفقه: عبد الكريم زيدان 402.
([71]) أصول الفقه للزحيلى: ج2 /1074.
([72]) الوجيز فى أصول الفقه: 40.
([73]) المستصفى: ص 344، نزهة الخاطر: 2 / 402، شرح تنقيح الفصول: 437، أصول الفقه للزحيلى: ج2 / 1074، إرشاد الفحول: 2/310.
([74]) المحصول: 6 / 24، نزهة الخاطر: 2 / 405، جمع الجوامع: 2 / 384، أصول الفقه للزحيلى: ج2 / 1074.
([75]) التوضيح: 2 / 117، أصول الفقه لأبي زهرة: 360.
([76]) الرسالة للشافعي: 477، وانظر الأم للشافعي: 7 / 466.
([77]) أصول الفقه لأبي زهرة: 361.
([78]) أصول الفقه للزحيلي: ج2 / 1075.
([79]) المستصفى: 343 الموافقات: 5/53، الملل والنحل: 2 / 200.
([80]) أصول الفقه لأبي زهرة: 357 – 358.
([82]) الأحكام للآمدى: 3 / 140.
([83]) أصول الفقه للزحيلى: ج2 / 1075 – 1076.
([84]) المحصول: 6 / 21، المستصفى:ص 343 إرشاد الفحول: 2/210 وما بعدها، أصول الفقه للزحيلي: 2 / 1076.
([85]) الوجيز في أصول الفقه : 405.
([86]) أصول الفقه للزحيلي: 2 / 1077.
([88]) أصول الفقه لأبي زهرة: 362.
([91]) بحث في الاجتهاد وشروط المجتهد، الدكتور خالد عبد العليم متولي ص 10 إلى ص 22.
([94]) الموافقات للشاطبي 4/173.
([95]) حاشية العطار علي جمع الجوامع 2/431.
([97]) اعلام الموقعين لابن القيم 5/114.
([98]) تيسير التحرير 4/234. مدخل الي الفقه الإسلامي 303 : 307 بتصرف.
([101]) المستصفي للغزالي ص 370، حاشية العطار علي جمع الجوامع 2/432.
([103]) «القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، له ص44 ، وانظر: إرشاد الفحول، له 2/240 الوجيز في أصول الفقه محمد مصطفي الزحيلي 2/356.
([105]) الإحكام للآمدي (4/ 204)، الإحكام لابن حزم 6/98 نهاية السول406 .
([106]) فواتح الرحموت (2/ 401)، المعتمد (2/421)، المحصول (6/78) الإحكام للآمدي (4/ 205)، شرح تنقيح الفصول ص431.
([107]) الإحكام للآمدي (4/ 205)، تيسير التحرير (4/ 243)، فواتح الرحموت (2/ 401)، البناني على جمع الجوامع (2/ 400)
([108]) المستصفى ص 371، الإحكام للآمدي (4/210)، المحصول 6/79)، المعتمد (2/ 422)، الإحكام لابن حزم 6/99.
([109]) «البحر المحيط (6/ 276، 283)، الرد على من أخلد إلى الأرض ص 42، أعلام الموقعين 3/15 الرسالة للشافعي ص 42،)، شرح الكوكب المنير (4/ 536، 537).»
([110]) البحر المحيط (6/ 276، 283)، الرد على من أخلد إلى الأرض ص 42، أعلام الموقعين 3/18 وما بعدها الرسالة للشافعي ص 42، إرشاد الفحول 2/241.
([111]) التقرير والتحبير 3/350، الاحكام للآمدي 4/208.
([112]) االتقرير والتحبير 3/350:351، الاحكام للآمدي 4/214.
([113]) يراجع فيما سبق: الوجيز في أصول الفقه مصطفي الزحيلي 3/361 بتصرف، والمدخل في الفقه الإسلامي ص 318 وما بعدها بتصرف.
([114]) حاشية العطار علي جمع الجوامع 2/403، التقرير والتحبير 3/352.
([115]) المستصفي للغزالي ص 374، حاشية العطار علي جمع الجوامع 2/403، التقرير والتحبير 2/351، الموافقات 4/73.
([116]) جمع الجوامع 2/403، الدسوقي علي الشرح الكبير1/20.
([118]) التقرير والتحبير 3/351.
([119]) حاشية الدسوقي علي الشرح الكبير 1/21. مدخل إلي الفقه الإسلامي ص 321 وما بعدها.
([120]) الوجيز في أصول الفقه مصطفي الزحيلي.2/375.
([121]) صحيح مسلم 3/1391 ح 1770.
([122]) سنن أبي داود 1/253 ح 337. المستدرك 1/286 ح 632.
([123]) سنن الترمذي 5/ 183 ح 2924.
([124]) دراسات في الاختلافات العلمية للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، مقدمة الفصل الرابع
([125]) صحيح البخاري 8/54 ح 6245.
([127]) د: إبراهيم سلقيني في بيان أهم أسباب الاختلاف.
([128]) صحيح البخاري 3/64 ح 2112، صحيح مسلم 3/1163 ح 1531.
([129]) سنن الدار قطني 5/367 ح 4471.
([131]) صحيح مسلم 2/1118 ح 1480.
([132]) قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» موطأ مالك 2/721 ح 5.
([133]) صحيح البخاري 7/130 ح 5729، صحيح مسلم 4/1740 ح 2219.
([134]) صحيح البخاري 3/74 ح 2175، صحيح مسلم 3/1208 ح 1584.
([136]) من كتابه جامع علوم العلم وفضله
([137]) صحيح البخاري 7/41 ح 5251، صحيح مسلم 2/1093 ح 1471.
([139]) الموطأ 2/577 ح 56. مسند الشافعي ص 296.
([140]) الموطأ 2/576 ح 54، مسند الشافعي ص 296.
([141]) مسند أحمد 42/454 ح 25679، سنن الدار قطني 1/394 ح 822، السنن الصغري للبيهقي 3/151 ح 2773. سنن النسائي 1/158 ح 214.
([142]) سنن النسائي 1/158 ح 214.
([143]) سنن ابن ماجة 3/226 ح 2081/ سنن ا بي داود 3/512 ح 2189، سنن الترمذي 3/480 ح 1183.
([144]) سنن ابن ماجة 3/226 ح 2081.
([145]) سنن ابن ماجة 3/224 ح 2077.
([146]) مسند أحمد 18/140 ح 11596، سنن ابي داود 3/486 ح 2157.
([147]) سنن الدار قطني 4/381 ح 3640.
([148]) اعلام الموقعين 3/532 وما بعدها.
([149]) مسند أحمد 17/442 ح 11343/ سنن ابي داود 4/449 ح 2828، سنن الترمذي 4/72 ح 1476.
([150]) مسند أحمد 18/69 ح 11496، سنن ابي داود 4/448 ح 2827.
([151]) صحيح البخاري 1/74 ح 335/ صحيح مسلم 1/370 ح 521.
([152]) مسند أحمد 36/451 ح 22137،
([153]) صحيح البخاري 1/77 ح 347 صحيح مسلم 1/280 ح 368
([154]) مسند أحمد 14 / 274 ح 6623 ، المعجم الأوسط 2/290 ح 2011.
([155]) صحيح مسلم 1/371 ح 522.
([156]) مسند أحمد 35/134 ح 21306، صحيح ابن حبان 2/128 ح 1037/ سنن الدار قطني 1/346 ح 722.
([157]) السنن الكبرى للبيهقي 2/156 ح 1039.
([158]) صحيح البخاري 3/70 ح 2144.
([159]) المصدر السابق 8/167 ح 6824.
([160]) سنن أبي داود 3/470 ح 2135، المستدرك 1/228 ح 468.
([161]) الموطأ 1/43 ح 64، مسند الشافعي ص 11.
([162]) معرفة السنن والآثار 1/372 ح 952.
([163]) صحيح البخاري 1/86 ح 382، صحيح مسلم 1/367 ح 512.
([164]) مسند أحمد 42/438 ح 25653. صحيح مسلم 1/352 ح 486.
([165]) مسند أحمد 42/497 ح 25765، سنن ابن ماجة 1/315 ح 501.
([166]) صحيح البخاري 7/92 ح 5507.
([167]) السنن الكبرى للبيهقي 19/184 ح 18924.
([168]) سنن أبي داود 4/449 ح 2828.
([169]) سنن أبي داود4/446 ح 2825، المعجم الكبير 17/103 ح 245.
([170]) صحيح البخاري 7/87 ح 5483/ صحيح مسلم 3/1529 ح 1929.
([171]) صحيح البخاري 7/86 ح 5478.
([172]) سنن ابن ماجة 3/201 ح 2046، السنن الكبرى للبيهقي 13/10ح 11564.
([173]) سنن سعيد بن منصور 5/81.
([174]) سنن الدار قطني 5/535 ح 4808، السنن الكبرى للبيهقي 19/184 ح 18924.
([175]) صحيح البخاري 234 ح 1044.
([176]) السنن الكبرى للنسائي 2/348 ح 1890.
([177]) مستخرج أبي عوانة 7/14 ح 2519.
([178]) نيل الأوطار للشوكاني 7/152، 153.
([180]) مسند أحمد 33/394 ح 20263، سنن ابن ماجة 3/375 ح 2270.
([181]) صحيح مسلم 3/1224 ح 1600.
([182]) سنن الترمذي 4/421 ح 2103. صحيح ابن حبان 5/425 ح 4681.
([184]) صحيح مسلم 2/1075 ح 1452.
([185]) مسند أحمد 29/465 ح 17946، سنن ابن ماجة 3/497 ح 2427.
([186]) صحيح البخاري 6/67 ح 4670،
([187]) صحيح مسلم 1/478 ح 686.مسند أحمد 1/308 ح 174.
([188]) مسند أحمد 40 /435 ح 24372. سنن أبي داود 3/425 ح 2083. صحيح ابن حبان 5/101 ح 4075.
([189]) صحيح البخاري 1/151 ح 756، صحيح مسلم 1/295 ح 394.
([190]) صحيح البخاري 2/126 ح 1483، سنن أبي داود 3/46 ح 1597.
([191]) صحيح البخاري 2/119 ح 1459، صحيح مسلم 2/674 ح 979.
([192]) صحيح مسلم 2/675 ح 980.
([193]) صحيح البخاري 9/11 ح 6903. سنن الترمذي 4/24 ح 1412.
([194]) مسند أحمد 2/285 ح 992، السنن الكبرى للنسائي 6/331 ح 6911.
([195]) سنن ابن ماجة 3/672 ح 2660، سنن ابي داود 4/379 ح 2751.
([196]) مسند أحمد 22/155 ح 14253، سنن ابن ماجة 3/544 ح 2494، سنن ابي داود 5/377 ح 3518.
([197]) صحيح البخاري 9/28 ح 6980. سنن الدار قطني 5/402 ح 4533.
([198]) صحيح البخاري 6/198 ح 5060.
([199]) سنن ابي داود 7/178 ح 4800.
([200]) سنن الترمذي 5/387 ح 3253. المستدرك 2/ 486ح 3674.
([201]) حلية الأولياء 6/ 368، الفقيه والمتفقه 2/135.
([203]) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب 1/224.
([204]) جامع العلوم والحكم 3/961.
([206]) احياء علوم الدين 2/325.
([207]) شرح النووي علي مسلم 2/23.
([208]) الأحكام السلطانية للماوردي ص 351.
([210]) بيان الاختلافات الفقهية أسبابها وآدابها للشيخ محمد حسين.
([211]) بحوث في علم أصول الفقه، الدكتور أحمد الحجي الكردي، مبحث مصادر التشريع الإسلامـي
([212]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([213]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([214]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([215]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.