الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الثامن من أخلاق المسلم مع الله تعالى: الصدق مع الله: [الصدق] من أهم أخلاق المسلم مع الله، لقد وصف الله تعالى نفسه تعالى وتقدس بالصدق، فقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] وقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، ثم امتدح الصادقين فقال تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 15 إلى 17]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الْأَحزاب: 35]، وقال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، ثم أمر الله تعالى عموم المؤمنين أن يلازموا أهل الصدق ليستفيدوا من حالهم وينتفعوا من صدقهم فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
وللصدق معان عديدة: الصدق في القول فلا يتكلم المسلم بلسانه إلا صدقا، وفيه حديث النبي e: (عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ([1]) .
وهناك الصدق في النية يتمثل في إخلاص النية مع الله فلا يقصد بطاعته إلا رضا الله، وفيه حديث النبي e: (إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل أمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) ([2]) .
وهناك الصدق في العمل من أجل مرضاة الله تعالى، فمن اتصف بالصدق في جميع أحواله مع الله تعالى فهو صدِّيق، والصديقون أفضل البشر بعد الأنبياء، قال الله تعالى: {ومَنْ يُطِعِ اللهَ ورسولَهُ فأُولئكَ معَ الذينَ أنْعَمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّينَ والصِّدِيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسُنَ أولئكَ رفيقاً} [النساء: 69]، وقد وصف الله تعالى الصادقين بأنهم الفئة المختارة من المؤمنين فقال: {مِنَ المؤمنينَ رِجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه} [الأحزاب: 23]
وضد الصدق مع الله النفاق والعياذ بالله، ندَّدَ الله تعالى بالمنافقين الذين لم يَصْدُقوا في إيمانهم وعهدهم مع رسول الله e فقال تعالى في حقهم: {فلو صدَقُوا اللهَ لكانَ خيراً لهُم} [محمد: 21]، يوم يكون الصدق سبب النجاة، قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، وقد نال الصديق أبو بكر رضي الله عنه ذروة سنام رتبة الصديقية، وشهد الله تعالى بذلك فقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 32]، فالذي جاء بالصدق هو الرسول e، وأول من صدق به وآمن به هو الصديق أبو بكر رضي الله عنه، ولا يعلو مقامَ الصديقية إلا مقامُ النبوة، فمقام الصديقية، ولا ينال العبد مقام الصديق إلا بالصدق، ولهذا جاء في الحديث: (عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) وضد الصدق مع الله تعالى النفاق، والله تعالى يقول في حق المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا * إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 142: 145]، والنفاقُ ضربان: اعتقادي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، وعملي: وشعبه هي التي جاءت في حديث النبي e: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) ([3]) . والصحابة أفضل البشر بعد الأنبياء كانوا يخافون أشد الخوف من عدم الصدق مع الله، من النفاق، أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة وهو من التابعين قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله e, كلهم كان يخشى على نفسه النفاق) ([4]) . ومن ذلك – كما ورد في السيرة – أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأل حذيفة بن اليمان الذي هو أمين سر رسول الله e، أطلعه رسول الله على أسماء المنافقين، فقال له: (أنشدك بالله! ألم يسمني رسول الله e منهم) سبحان الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو ثاني أفضل الصحابة في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق , وهو مبشر بالجنة, ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخلها , يخشى على نفسه الرياء والنفاق، كل ذلك من شدة الحرص على الصدق مع الله والخشية من النفاق، لذا لابد للمسلم أن يتحلى بخلق الصدق مع الله، وأن يعمر قلبه بالصدق مع الله، وأن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمَنْ كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضاء الغفار، لا بد لكل مسلم أن يتحقق بالصدق في أقواله وأفعاله مع الله أولا، ومن ثم فمع الناس، قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين ومع الصادقين، ومن أبرز أولئك الصادقين صحب النبي المصطفى المختار، صحب النبي أولئك الأبرار(موقف لأبي بكر الصديق): عندما أكرم الله تعالى نبيه e بمعجزة الإسراء، كذبته قريش، وجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له قصة الإسراء بالنبي e إلى بيت المقدس، فقال أبو بكر: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم، إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، فسُمّي بذلك الصديق([5]) .
(مواقف لعمر الفاروق): أخرج البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله e قال: (فو الذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي e: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي e: الآن يا عمر) ([6]) .
(مواقف لعثمان بن عفان): كان عثمان رضي الله عنه من الأغنياء الذين أغناهم اللَّه عز وجل، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة، ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة اللَّه عز وجل ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبَّاقاً لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر، ومما أنفقه رضي الله عنه من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي: (أ) عندما قدم النبي e المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول اللَّه e: (من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة، فبلغ ذلك عثمان رضي الله عنه فاشتراها، ثم جعلتها للمسلمين) ([7]) .
(ب) وعندما أراد رسول اللَّه e الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة على البذل، لتجهيز جيش العسرة، الذي أعده رسول اللَّه e لغزو الروم، وكان يقول: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) ([8]) . فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول اللَّه e كل على حسب طاقته وجهده، أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي e، فأخذ النبي e يُقلِّبها في حجره، ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم؟ قالها مراراً) ([9]) .وهذه نفقة عظيمة جداً تدل على صدق عثمان رضي الله عنه مع الله.
(مواقف لسعد بن معاذ سيد الأنصار): في غزوة بدر الكبرى: استشار النبي e الناس قبل بدء المعركة، لأنه e يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال، لأنه شُرِطَ لـه في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط، فأراد e أن يستشيرهم، فجمعهم e واستشارهم، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب – رضي اللَّه عنه – فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانياً، فقام المِقْدَاد فقال: يا رسول اللَّه، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون،، ثم استشار الناس ثالثاً، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللَّه كأنك تريدنا، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فواللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة اللَّه، فأشرق وجه رسول اللَّه e، ثم قال: (سيروا وأبشروا، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) ([10]) .
[صهيب الرومي رضي الله عنه] أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله، وعرضوا عليه: إن أحب يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجراً إلى اللَّه ورسوله وأنزل اللَّه عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، ولم يكن صهيب رضي الله عنه قد بلغ المدينة بعد، فلما وصل المدينة المنورة تلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة فقالوا لـه: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر اللَّه تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن اللَّه أنزل فيه هذه الآية([11]) . [أنس بن النضر الأنصاري] عم أنس بن مالك رضي الله عنه، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول اللَّه غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، واللَّه لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليريَنّ اللَّه ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني المسلمين –، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المشركين –. ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد. فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه([12]) . [عُمير بن الحُمام رضي الله عنه]: أخرج مسلم في صحيحه: أنّ عُمير بن الحُمام في بدر حينما سمع رسول اللَّه يقول لأصحابه: (قومُوا إلى جَنّةٍ عرضُهَا السّماوات والأرضُ) فقال: يا رسول اللَّه جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بخ بخ، فقال e: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟)، قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل من تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل ([13]) . [مصعب بن عمير] مصعب الخير (كما سماه رسول الله e) كان قبل إسلامه من أكثر شباب قريشٍ ثراءً، نشأ منعمًا في ظل والديه، في بيت يزخر بالفاخر من الثياب، والنادر من العطور، زينة فتيان قريش، يشرح الله تعالى صدره للإسلام، فإذا به يرضى بشظف العيش، ويلبس الجلد الخشن من الثياب، جاء في كتب السيرة أنّ النبي e نظر إلى مصعب بن عمير، وعليه إهاب من كبش، قد تمنطق به، فقال: (انظروا إلى هذا الذي قد نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذيانه بأطايب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون)، ([14]) . كان رضي الله عنه وحيد أمه المدلل، علمت بإسلامه، فحبسته ومنعت عنه الطعام والشراب، حتى يرجع عن دينه، ولكنه استطاع أن يهرب من الحبس، ويفر بدينه مع غيره من المسلمين إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة كأول داعية للإسلام، فنزل أسعد بن زرارة فجعل يدعو الناس سرًّا ويفشو الإسلام ويكثر أهله وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، وذات يوم كان مصعب جالسًا ومعه سعد بن زرارة وهو يعظ الناس فجاء أسيد بن حضير سيد بني عبد الأشهل بالمدينة وهو غاضب على ذلك الرجل الذي جاء من مكة ليفتن قومه عن دينهم، فقال له مصعب: أو لا تجلس فتستمع؟ فإن رضيت أمرنا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره، قال أسيد: أنصفت، وركز حربته وجلس يصغى وأخذت أسارير وجهه تنفرج كلما مضى مصعب في تلاوة القرآن، ولم يكد مصعب يفرغ من تلاوة القرآن حتى وقف أسيد بن خضير يتلو الشهادتين، وكان أسيد بن خضير رضي الله عنه يعلم أن بإسلام سعد بن معاذ سيد الأوس سيدخل في الإسلام بدخوله الكثير من قومه، فاحتال له وأرسله إلى مصعب رضي الله عنه ليسمع منه القرآن، فجاء سعد بن معاذ ومعه الرمح حتى وقف عليهم فقال: علام يأتينا هذا الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه لا أراكم بعدها بشيء من جوارنا , فقال أسعد بن زرارة: اسمع من قوله , فإن سمعت منكرًا فاردده , وإن سمعت خيرًا فأجب إليه , فقال: ماذا يقول فقرأ عليهم مصعب بن عمير القرآن، فأسلم سعد بن معاذ، وبإسلامه أسلمت بنو عبد الأشهل , وانتقل مصعب بن عمير إلى دار سعد بن معاذ فلم يزل عنده يدعو ويهدي الله على يديه حتى فشا الإسلام بين أهل المدينة وانتشر، وكان المسلمون أعز أهلها ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله يحمل له البشرى في مكـة، وبلغ أمه أنه قد قدم فأرسلت إليه يا عاق أتقدم بلدًا أنا فيه لا تبدأ بي, فقال: ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله، ويهاجر النبي e إلى المدينة، ويحمل مصعب لواء المسلمين في أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها, فأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها , فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب شهيدًا، رضي الله عنه وأرضاه، (أُتي لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه بطعام وكان صائمًا فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني , كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه, وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني , ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط, أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا, وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا, ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام)، ([15]) .أولئك هم الصادقون، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]، اللهم ارزقنا الصدق، واجعلنا من عبادك الصادقين، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
***
([1]) صحيح البخاري 8/25 ح 6094، صحيح مسلم 4/2013 ح 2607 واللفظ له.
([5]) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 7/199، وعزاه إلى البيهقي في الدلائل.
([6]) صحيح البخاري 8/129 ح 6632.
([8]) صحيح البخاري 4/13 ح 2778.
([9]) سنن الترمذي 5/626 ح 3701، المستدرك 3/110 ح 4553.
([10]) سيرة ابن هشام، 1/615 وفتح الباري، 7/287، وقد أخرج البخاري مواضع منها. 5/73 (رقم 3952)، وأخرج مسلم بعض المواضع من القصة 3/1403(1779)]،
([11]) صحيح البخاري 4/19 ح 2805، صحيح مسلم 3/1512ح 1903 والبداية والنهاية، 4/31-34، والإصابة في تمييز الصحابة، 1/74.
([12]) مسند أحمد 21/242 ح 13658. صحيح ابن حبان 5/211 ح 4279.
([13]) صحيح مسلم 3/1509ح 1901.
([15]) صحيح البخاري 5/95 ح 4045، السيرة الحلبية 2/336. سبل الهدي والرشاد 4/226.