المبحث الحادي عشر عقيدة أهل التصوف وتبرئتهم من العقائد المخالفة
المطلب الأول:
عقيدة أهل التصوف.
المطلب الثاني:
براءة أهل التصوف من العقائد المخالفة
المطلب الأول: عقيدة أهل التصوف.
[المفتاح الأول]: أهل التصوف أهل احترام للتخصص العلمي، هم سادة أهل السنة والجماعة في باب التزكية وتحقيق الإحسان، ولكنهم يحترمون التخصص العلمي الذي حبى الله تعالى به أهل السنة والجماعة سواد أهل الإسلام الأعظم، لقد اصطلحت هذه الجماعة التي تمثل سواد الأمة الإسلامية الأعظم منذ أوائل ظهورها: على تسمية العلم الذي يشرح أركان الإسلام بعلم الفقه، والعلم الذي يشرح أركان الإيمان بالعقيدة، والعلم الذي يشرح مقام الإحسان بعلم التصوف، (التصوف) هو السعي لتحقيق مرتبة الإحسان الظاهر والباطن، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإحسان أعلى منازل الدين، وبهذا التخصص الفريد، صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي ومدارسه العلمية والسلوكية الرصينة، أهل التصوف سادة يحترمون التخصص العقيدي في الامة، وهم يعلمون أنّ الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة: يمثلها: ثلاث مذاهب معروفة، وهي (المذهب الأثري) وعليه غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، و(المذهب الأشعري) وعليه غالب المالكية والشافعية إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، و(الأشاعرة) هم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، و(المذهب الماتريدي) وعليه غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، أهل التصوف أهل احترام للتخصص العلمي، يحترمون التخصص العلمي الذي حبى الله تعالى به أهل السنة والجماعة سواد أهل الإسلام الأعظم، وعقائد السادة الصوفية تمثل السمو والعظمة، وتدل على أنّهم أهل الله تعالى وخاصته، وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي، وأنّهم على أعلى وأعظم عقائد الإسلام.
[المفتاح الثاني]: قال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في كتابه القيم: التعرف لمذهب أهل التصوف، قال في باب بيان عقيدة أهل التصوف: (واعلم أن الصوفية أجمعوا على أن الله واحد، فرد صمد، قديم عالم، قادر حي، سميع بصير، عزيز عظيم، جواد رؤوف، متكبر جبار، باق أول، إله مالك رب، رحمن رحيم، مريد حكيم، متكلم خالق رازق، موصوف بكل كمال يليق به، منزه عن كل نقص في حقه، لم يزل قديما بأسمائه وصفاته، غير مشابه للخلق بوجه من الوجوه، لا يشبه ذاته الذوات، ولا صفاته الصفات، لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدوثهم، موجودا قبل كل شيء، لا قديم غيره، ولا إله سواه، ليس بجسم ولا شبح، ولا صورة ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، لا اجتماع له ولا افتراق، لا يتحرك ولا يسكن، ولا ينقص ولا يزيد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ولا جوارح ولا أعضاء، ولا بذي جهات ولا أماكن، لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات، ولا تداوله الأوقات ولا تعينه الإشارات، ولا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا تحيط به الأفكار ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الأبصار، وأجمعوا أن لله صفات على الحقيقة، هو بها موصوف من العلم والقدرة والقدم والحياة والإرادة والمشيئة والكلام، وأنها ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، وأن له سمعا وبصرا ليسا كالأسماع والأبصار، وأنها صفات الذات، وقد أجمعوا على أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه، لم يزل كذلك، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) أهـ([1]) .
[المفتاح الثالث]: قال الشيخ العارف بالله قطب العارفين الإمام أحمد الرفاعي في كتابه القيم البرهان المؤيد، قال وهو يخاطب السالكين: (صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، لأن ذلك من أصول الكفر قال تعالي (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران 7) والواجب عليكم وعلي كل مكلف في المتشابه: الايمان بأنه من عند الله، أنزله علي عبده سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما كلفنا سبحانه وتعالي تفصيل علم تأويله قال جلت عظمته (وما يعلم تأويلة إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران 7) فسبيل المتقين من السلف تنزيه الله تعالي عما دل عليه ظاهره، وتفويض معناه المراد منه إلي الحق تعالي وتقدس وبهذا سلامة الدين سئل بعض العارفين عن الخالق تقدست اسماؤه فقال للسائل: إن سألت عن ذاته، فليس كمثله شيء وإن سألت عن صفاته، فهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإن سألت عن اسمه فـ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ} [الحشر: 21] وإن سألت عن فعله فـ {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] وقد جمع إمامنا الشافعي رضي الله عنه جميع ما قيل في التوحيد بقوله: من انتهض لمعرفة مدبره فانتهي إلي موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإن اطمأن إلي العدم الصرف، فهو معطل وإن اطمأن لموجود، واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد، (أي سادة): نزهوا الله عن سمات المحدثين، وصفات المخلوقين وطهروا عقائدكم من تفسير معني الاستواء في حقه تعالي بالاستقرار، كاستواء الأجسام علي الأجسام المستلزم للحلول، تعالي الله عن ذلك واياكم والقول بالفوقية والسفلية، والمكان واليد والعين بالجارحة، والنزول بالاتيان والانتقال فإن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يدل ظاهره علي ما ذكر، فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود فما بقي إلا ما قاله صلحاء السلف: وهو الإيمان بظاهر كل ذلك ورد علم المراد إلي الله ورسوله، مع تنزيه الباري تعالي عن الكيف وسمات الحدوث وعلي ذلك درج الأئمة وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالي ورسوله ولكم حمل المتشابه علي ما يوافق أصل المحكم لأنه اصل الكتاب والمتشابه لا يعارض المحكم سأل رجل الإمام مالكا بن أنس رضي الله عنه عن قوله تعالي {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا وأمر به أن يخرج وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه لما سئل عن ذلك آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: من قال لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض؟ فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال: استوي كما أخبر، لا كما يخطر للبشر وقال الإمام ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: من زعم أن الله في شيء، أو من شيء، فقد أشرك إذ لو كان علي شيء لكان محمولا ولو كان في شيء لكان محصورا ولو كان من شيء لكان محدثا) أهـ ([2]) .
وهذه درر من أقوال العارف بالله الشيخ الأكمل أحد أركان الطريق وأحد أشهر أئمة العارفين الذين اجتمعت الأمة على إمامتهم واعتقادهم، وهذه هي عقائد السادة الصوفية التي تمثل السمو والعظمة، وتدل على أنّهم أهل الله تعالى وخاصته، وأنّهم قادة التنزيه والتقديس والتسبيح الاعتقادي، وأنّهم على أعلى وأعظم عقائد الإسلام.
[المفتاح الرابع]: قال الشيخ الإمام القشيري: (الفصل الأول: بيان اعتقاد هذه الطائفة في مسائل الأصول: اعلموا -رحمكم الله-، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم، وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم، ولذلك قال سيد هذه الطريقة الجنيد، رحمه الله: “التوحيد إفراد للقدم من الحدث”، وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل، ولائح الشواهد… إلى أن قال: هذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب، قال شيوخ هذه الطريقة، على ما يدلُ عليه متفرقات كلامهم، ومجموعاتهم، ومصنفاتهم في التوحيد: إن الحق، سبحانه وتعالى: موجود، قديم، واحد، حكيم، قادر، عليم، قاهر، رحيم، مريد، سميع، مجيد، رفيع، متكلم، بصير متكبر، قدير، حيُّ أحد، باق، صمد، وأنه عالم بِعِلم، قادر بقدرة، مريد بإرادة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، حيُّ بحياة، باقٍ ببقاء، وله يدان هما صفتان، يخلق بهما ما يشاء، سبحانه، على التخصيص، وله الوجه الجميل، وصفات ذاته مختصة بذاته، لا يقال هي هو، ولا هي أغيار له، بل هي صفات له أزلية، ونعوت سرمدية، وأنه إحدىُّ الذات، ليس يشبه شيئاً من المصنوعات، ولا يشبهه شيء من المخلوقات، ليس بجسم، ولا جوهر ولا عرّض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصوَّر في الأوهام، ولا يتقدَّر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، ولا يخصُّه هيئة وقدُّ، ولا يقطعه نهاية وحدُّ، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث، ولا يجوز عليه لون ولا كوْن، ولا ينصره مدد ولا عون، ولا يخرج عن قدرته مقدور، ولا ينفك عن حكمه مفطور، ولا يعزب عن علمه معلوم، ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم، لا يقال له: أين، ولا حيث، ولا كيف، ولا يُستفتح له وجود: فيقال: متى كان: ولا ينتهي له بقاء: فيقال استوفى الأجل والزمان، ولا يقال: لِمَ فعل ما فعل، إذ لا علَّة لأفعاله، ولا يقال ما هو، إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله، يُرى لا عن مقابلة، ويرى غيره لا عن مماقلة، ويصنع لا عن مباشرة ومزاولة، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، يَفعل ما يريد، ويذل لحكمه العبيد، لا يجري في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون، وما علم أنه لا يكون، مما جاز أن يكون: أراد أن لا يكون، خالق إكساب العباد: خيرها وشرِّها، ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار: قُلُّها وكُثْرها، ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه، ومتعبَّد الأنام على لسان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بالمعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، بما أزاح به العذر، وأوضح به اليقين والنكر، وحافظ بيضة الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، بخلفائه الراشدين، ثم حارس الحق وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه، عصم الأمة الحنفية عن الاجتماع على الضلالة، وحسم مادة الباطل بما نصب من الدلالة، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله: {ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، فهذه: فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز، وباللّه التوفيق) أه([3]) .
[المفتاح الخامس]: قال العارف بالله تعالى السيد عبد الوهاب الشعراني رحمه الله في كتابه الانوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، (مقدمة تشتمل على جملة من عقائد القوم وبيان موافقتها لعقائد أهل السنة والجماعة، قال رحمه الله تعالى: اعلم يا أخي أنَّ القوم أجمعوا على أنَّ الله تعالى إله واحد لا ثاني له، منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له، صانع لا مدبر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده، فالعالم كله موجود به، وهو تعالى موجود بذاته، لا افتتاح لوجوده، ولانهاية لبقائه، بل وجوده مطلق مستمر، قائم بنفسه، ليس بجوهر فيقدر له المكان، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهة والاقطار، مرئي بالقلوب والابصار، استوى تعالى على عرشه كما قاله، وعلى المعنى الذي أراده، كما أن العرش وما حواه به استوى، له الاخرة والاولى، ليس له مثل معقول، ولا دلت عليه العقول، لا يحده زمان، ولا يقله مكان، والان على ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال: أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ المخلوقات، ولا يرجع إليه صفة لم يكن عليها من صفة المصنوعات، تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها، أو تكون قبله أو يكون قبلها، بل يقال: ” كان ولا شيء معه “، لان القبل والبعد من صنع الزمان الذي أبدعه، فلا نطلق عليه تعالى ما لم يطلقه على نفسه، فإنه أطلق على نفسه: ” الاول ” و” الاخر “، لا القبل والبعد، فهو القيوم الذي لا ينام، والقهار الذي لا يرام، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، خلق العرش وجعله حد الاستواء، وأنشأ الكرسي وأوسعه الارض والسماء، اخترع اللوح والقلم الاعلى، وأجراه كتابا في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء، أبدع العالم كله على غير مثال سبق، وخلق الخلق، وأخلق ما خلق، أنزل الارواح في الاشباح أمنا، وجعل هذه الاشباح المنزلة إليها الارواح في الارض خلفا، وسخر لها ما في السماوات وما في الارض جميعا منه، فلا تتحرك ذرة إلا عنه، خلق الكل من غير حاجة إليه، ولا موجب أوجب ذلك عليه، لكن علمه بذلك سبق فلا بد أن يخلق ما خلق، فـ {هو الاول والاخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير}، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، كيف لا يعلم شيئا خلقه، {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} علم الاشياء قبل وجودها، ثم أوجدها على حد ما علمها، فلم يزل عالما بالأشياء، لم يتجدد له علم عند تجدد الاشياء بعلمه، أتقن الاشياء وأحكمها، يعلم الكليات والجزئيات على الاطلاق، فهو عالم الغيب والشهادة، فتعالى عما يشركون، فعال لما يريد، فهو المريد للكائنات في عالم الارض والسماوات، لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شيء حتى أراده، كما أنه لم يرده سبحانه حتى علمه، إذ يستحيل أن يريد سبحانه وتعالى ما لم يعلم، أو يفعل المختار المتمكن من ذلك الفعل ما لا يريده، كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي، كما يستحيل أن تقوم هذه الصفات بغير ذات موصوفة بها، فما في الوجود طاعة ولا عصيان، ولا شيء من جميع المتضادات والمختلفات والمتماثلات، إلا وهو مراد للحق تعالى، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده، فكيف يوجِد المختارُ ما لا يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ما شـاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه، أو أن يفعلوا شيئا لم يرد الله إيجاده وأرادوه ما فعلوه ولا استطاعوا، ولا أقدرهم عليه، فالكفر، والايمان، والطاعة، والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته، ولم يزل سبحانه وتعالى موصوفا بهذه الارادة أزلا والعالم معدوم، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر، بل أوجده عن العلم السابق، وتعيين الارادة المنزهة الازلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه، إذ هو القائل سبحانه {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}، وأنه تعالى كما علم ما حكم، وأراد فخص، وقدر فأوجد، كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن، أو نطق في الورى، من العالم الاسفل والاعلى، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد، يسمع كلام النفس في النفس، وصوت المماسة الخفية عند اللمس، يرى السواد في الظلماء، والماء في الماء، ولا يحجبه الامتزاج، ولا الظلمات ولا النور، وهو السميع البصير، تكلم سبحانه، لا عن صمت متقدم، ولا سكوت متوهم، بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته، كلم به موسى عليه الصلاة والسلام، سماه التنزيل والزبور والتوراة والانجيل والفرقان، من غير تشبيه ولا تكييف، إذ كلامه تعالى من غير لهاة ولا لسان، كما أن سمعه من غير أضمخة ولا آذان، كما أن بصره من غير أعين ولا أجفان، كما أن إرادته من غير قلب ولا جنان، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان، كما أن حياته من غير بخار تجويف القلب حدث عن امتزاج الاركان، كما أنَّ ذاته لا تقبل الزيادة، ولا النقصان، فسبحانه سبحانه من بعيد دان، عظيم السلطان، عميم الاحسان، جسيم الامتنان، كل ما سواه فهو عن وجوده فائض، وفضله وعدله الباسط والقابض، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه، لا شريك له في ملكه، ولا مدبر معه فيه، إن أنعم فنَعَّم فذلك فضله، وإن أبلى فعذَّب فذلك عدله، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف، ولا يتوجه عليه لسواه حكمٌ فيتصف بالجزع لذلك والخوف، كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره، ومتصرف عن إرادته وأمره، فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور، فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور، لا يحكم عدله في فضله، ولا فضله في عدله، لقدم صفاته كلها، وتنزهها عن الحدوث، أخرج العالم قبضتين، وأوجد لهم منزلتين، فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالى، وهؤلاء للنار ولا أبالي، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثَمَّ سواه، فالكل تحت تصريف أسمائه، فقبضةٌ تحت أسماء بلائه، وقبضةٌ تحت أسماء آلائه، لو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا لكان، أو شقيا لما كان في ذلك من شان، لكنه سبحانه لم يرد ذلك، فكان كما أراد، فمنهم الشقي والسعيد، هنا وفي يوم المعاد، فلا سبيل إلى تبدل ما حكم عليه القديم وقد قال تعالى في حديث فرض الصلاة: (هي خمس، وهي خمسون، {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد})، لتصرفي في ملكي، وإنقاذ مشيئتي في ملكي، وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر، ولم تعبر عليها الافكار ولا الضمائر إلا بوهب إلهي، وجود رحماني، لمن اعتني اللهُ به من عباده، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده، فعلم حين أعلم أنَّ الالوهية أعطت هذا التقسيم، وأنها من دقائق القديم، فسبحان من لا فاعل سواه، ولا موجود بذاته إلا إياه {والله خلقكم وما تعملون} {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين}، وكما شهدنا لله تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العلية، كذلك نشهد لسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة إلى جميع الناس كافة، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بلغ جميع ما أنزله إليه من ربه، وأدى أمانته، ونصح أمته، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع على كل من حضره من الاتباع، فخطب وذكَّر، وخوَّف وأنذر، ووعد وأوعد، وأمطر وأرعد، وما خصَّ بذلك التذكير أحدا دون أحد عن إذن الواحد الصمد، ثم قال: (” ألا هل بلغت “؟ فقالوا جميعا: ” قد بلغت يا رسول الله “فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ” اللهم فاشهد)، ([4]) . ونؤمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مما علمنا ومما لم نعلم، فمما علمنا وتحققنا مما جاء به وقرر، أنَّ الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر، فنحن مؤمنون بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك، كما آمنا وأقررنا وصدَّقنا أنَّ سؤال منكر ونكير في القبر حق، وأنَّ عذاب القبر حق، والبعث من القبور حق، والعرض على الله تعالى حق، والحوض حق، والميزان حق، وتطاير الصحف حق، والصراط حق، والجنة والنار حق، وفريقا في الجنة وفريقا في السعير حق، وأنَّ كرب ذلك اليوم على طائفة حق، وطائفة أخرى {لا يحزنهم الفزع الا كبر} حق، وأنَّ شفاعة الانبياء والملائكة وصالحي المؤمنين حق، وشفاعة أرحم الراحمين حق، فتشفع أسماء الحنان والرحمة، عند أسماء الجبروت والنقمة، وكذلك نؤمن بأنَّ إيمان أهل النار كفرعون وغيره غير مقبول ولا نافع، وأنَّ جماعة من أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون بالشفاعة حق، وأنَّ كل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله تعالى عُلم أو جُهل حق، وكذلك نؤمن بأنَّ التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم حق، والتأبيد للكافرين والمنافقين والمشركين والمجرمين حق، فهذه عقيدة القوم رضي الله عنهم أجمعين، وعقيدة عليها حيينا وعلينا نموت كما هو رجاؤنا في الله عز وجل، فنسأل الله من فضله أن ينفعنا بهذا الايمان، ويثبتنا عليه عند الانتقال إلى الدار الحيوان، ويحلنا دار الكرامة والرضوان، ويحول بيننا وبين دار سرابيل أهلها قطران، ويجعلنا من العصابة التي تأخذ كتبها بالأيمان، وممن ينقلب من الحوض وهو ريان، ويرجح له الميزان، ويثبت منه على الصراط القدمان، إنَّه المنعم المحسان، آمين اللهم آمين، فأمعن يا أخي النظر في هذه العقيدة فإنها عظيمة، وإن حفظتها عن ظهر قلب كان أولى، والله يتولى هداك، اهـ ([5]) .
هذه هي عقائد أهل الطريق الأولياء الصالحين، أهل الرسوخ في العلم، أهل التحقيق والعرفان، هذه هي عقائد السادة الصوفية التي تمثل السمو والعظمة، وتدل على أنّهم أهل الله تعالى وخاصته، وأنّهم قادة التنزيه والتقديس، وأنّهم على أعلى وأعظم عقائد الإسلام،
***
المطلب الثاني: براءة أهل التصوف الحق من العقائد المخالفة للكتاب والسنة
[المفتاح الأول]: هناك من اتهم أئمة التصوف بالقول بالاتحاد والحلول، والاتصال والانفصال على معاني حسية محال نسبتها إلى الله تعالى، وهم من ذلك براء، فللاتحاد والحلول والاتصال والانفصال معان معنوية صحيحة، وهناك من لم يفهم قصد أهل التصوف من مصطلح (وحدة الوجود)، وأن هذه هي حالة شهودية مع الله تعالى يقل فيها احساس العارف بالوجود المحدث، حتى يتلاشى تماما احساسه بهذا الوجود المحدث، فلا يرى في الوجود إلا واجد الوجود بأسمائه وصفاته وأفعاله، فاطلقوا على تلك الحالة (وحدة الوجود) وهي حالة شهودية يشعر بها أهل العرفان، فكفروهم بهذا المصطلح، وهناك من اتهم أهل التصوف بالتفريق بين علوم الظاهر والباطن، وبين الشريعة والطريقة والحقيقة، بما يؤول إلى الاستهانة بالشريعة وأحكام الشريعة، وهذا لا يقول به أهل التصوف الحق، بل هم أول المعترضين عليه، فلم يقل بذلك إلا الأدعياء، قالوا: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، وعطلوا أحكام الشريعة، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، وأباحوا المخالفات، وهؤلاء قلة جاهلون أدعياء وليسوا من أهل التصوف الحق، وأحيانا يغلب الحال بعض أهل التصوف فيشطح بما لا تقبله الشريعة، وهم في ساعة ذهول لا يقصدها، كالذي أخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم انت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح، وقد تكون مدسوسة عليه، ولكن هؤلاء الموتورون يصرون على إلصاق كل التهم بالصوفية دون تفريق ودون مبالاة بما دس على الصوفية من أقوال وأفعال، ودون نظر إلى غلبة الحال على بعضهم، وفي هذا الفصل بيان لبراءة أهل التصوف الحق من هذه العقائد المخالفة للكتاب والسنة، وقد ذكر الغمام الطوسي في القرن الرابع في كتابه اللمع أكثر من ربع الكتاب في الرد على الادعياء والجهلاء من اهل التصوف
[المفتاح الثاني]: ما يقصده أئمة التصوف من الاتحاد والحلول: هناك اختلاف عظيم بين ما يقصده أهل التصوف السني أهل حضرة الشهود أولياء الله تعالى من الاتصال والانفصال ومن الاتحاد والحلول، وما يفهمه البعض خطأ عن الاتحاد والحلول، (الاتحاد) معناه – في اللغة – أن تتحد ذاتان من الذوات حتى تصيرا واحدا، والحلول معناه أن تحل ذات داخل أخرى، وكلاهما مستحيل في حق الله تعالى، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على أن ذلك مستحيل في حق ذات الله تعالى، أذ يستحيل أن يتحد القديم مع المحدث وإلا لما كان قديما أزلياً، لانه يستحيل على القديم قبول الحادث، وإلا لم يكن قديما، ويستحيل أن يحل الأزلي الباقي المنزه عن الفناء وعن الحدود في المحدث الفاني المحدود، وقد أجمع علماء أهل السنة والجماعة على كفر من اعتقد جواز الاتحاد والحلول بهذا المعنى على ذات الله تعالى، وأهل التصوف الحق القائمون على مرتبة الإحسان هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله، لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بالاتحاد والحلول، ولهذا انبرى للدفاع عنهم تجاه تلك التهمة الباطلة الكثير من العلماء، قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى – وهو يتعجب من إلصاق هذه التهمة الشنيعة بأهل التصوف أهل المعرفة بالله -: (ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم يتجرؤوا أن يجعلوا آلهتهم عين الله بل قالوا: {ما نبعدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم، إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها الخارجة عن جميع معلومات الخلائق لأن الله بكل شيء محيط) أهـ ([6]) .
إذن: ما ورد من كلام السادة الصوفية العارفين بالله مما يفيد ظاهرة الحلول والاتحاد؟ لا يقصدوه مطلقاً، وإنما مقصدهم من الكلام معنى آخر بعيد كل البعد عن الاتحاد والحلول الحسي الحقيقي، ألا وهو الاتحاد المجازي المعنوي (الاتصال المجازي)، عندما تصيرَ نفسُ العارف فانية عن الشعور بوجودها، غافلةً عن الشعور بجملتها، شُغلاً بالشهود القلبي في حضرة تجليات أسماء الله تعالى، آنذاك يغيب العارف عن نفسه، ويشعر بأنه يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلم بالله، مصداقاً للحديث الصحيح فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رب العزة سبحانه: {وما يزال عبدي يَتَقَرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحْبَبْته: كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويَدَه التي يَبْطِش بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها) ([7]) .
، وهذا ليس بغريب، فإن النسوة اللاتي قطعن أيديهن ذهلن وفنينّ عن أيديهن في جمال نبي الله يوسف عليه السلام، فبسبب جماله عليه السلام قطعن أيديهن، ولم يشعرن بألم القطع أبدا لأنهن كنّ في حالة فناء عن أنفسهن بجمال يوسف عليه السلام، فكيف بحال من تجلت عليه أنوار المعرفة بالله، فلا يشاهد سوى الحق لاستغراقه فيه بالكلِّية، والخلاصة: هذا الاتحاد يعني فناء العبد في شهود الرب، فيفنى عن كل ما سوى الله، وما أجمل بيان العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى لهذا الامر في كتابه “الحاوي للفتاوى”: (واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد فإن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد والتوحيد معرفة الواحد والأحد فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشارتهم فحملوه على غير محمله فغلطوا وهلكوا بذلك، إن أصل الاتحاد باطل محال مردود شرعا وعقلا وعرفا بإجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين وليس هذا مذهب الصوفية وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في عيسى عليه السلام اتحد ناسوته بلاهوته، وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم يعتقدوا اتحادا ولا حلولا وإن وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم وإثبات الحق سبحانه… وأما قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى الله تعالى: (سبحاني ما أعظم شأني) فهو في معرض الحكاية عن الله وكذلك قول من قال: (أنا الحق) محمول على الحكاية ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد لأن ذلك غير مظنون بعاقل فضلا عن المميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات) ([8]) .
[المفتاح الثالث]: الأدعياء وعقيدة الاتحاد والحلول: يقول الحافظ السيوطي في كتابه [الحاوي للفتاوى]: ” القول بالحلول والاتحاد الذي هو أخو الحلول، أول من قال به النصارى إلا أنّهم خصّوه بعيسى إلى أن قال: وأما المتوسمون بسمة الإسلام فلم يبتدع أحد منهم هذه البدعة… غير أن طائفة من غلاة المتصوفة نقل عنهم أنهم قالوا بمثل هذه المقالة وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يتبنون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله” أهــ([9]) .
إذن أهل التزكية والتصوف ككل الطوائف الإسلامية انتسب إليها المحق والمدعي، والصادق والمغرض، لذا قد نجد على مر عصور التصوف لا يقول بهذه العقيدة الفاسدة إلا من طمس الله بصيرته، وليس هذا مذهب الصوفية، والصوفية منه برآء.
(تنبيه آخر): قول العارف بالله الشيخ أبي اليزيد البسطامي: (سبحاني)، وقول من قال: (أنا الحق)، وقول من قال (ما في الجبة إلا الله) فقد كان هؤلاء يقولون ذلك وهم في حالة الفناء المعروف عند أهل الحق والتمكين، فإذا أفاقوا أنكروا، وهذا ما يسميه أهل التصوف الشطح، وهم يعبرون به عن كل الألفاظ المستغربة التي يوهم ظاهرها معنى يخالف الشرع، وقد اعتبر أهل التصوف الشطح رعونة ينبغي أن يتنزه عنها الصوفي الكامل، ولكن عذروا قائلها بشروط، أولها: شدة الوجد، وأن يكون الصوفي في حال غياب العقل بسبب شدة الوجد، وأن يتم هذا الشطح والصوفي في حال من عدم الشعور، بمعنى أنه إذا أفاق أنكر ما قاله في حالة الوجد، فالشطح رعونه وظاهره مستشنع لكن باطنه صحيح مستقيم، فالشطح للقول لا للمعنى الحاصل في السر، مع ال (تنبيه): انه ليس كل ما ورد ذكره في كتب الصوفية هو من الشطح الجاري على ألسنتهم بل: استغل كثير من الزنادقة والمستهزئين باب الشطح فادخلوا فيه الكثير من الدسائس والاكاذيب، فلقد استغل الزنادقة باب الشطح للترويج لعقيدة الاتحاد والحلول والتصوف منها براء، فحاولوا التشنيع على اهل التصوف، وحاولوا التلبيس على السذج بأن ما توصل إليه الزنادقة من تجانس الكون مع المكون، وحصول الاتحاد والحلول بين المكون والاكوان يتفق مع قول الصوفية مغالطين في ذلك عوام المسلمين، ومن ذلك كذبهم على الإمام الاكبر ابن عربي بانه قال: (ما الكلب والخنزير إلا إلهنا)، فمثل هذا الكلام افتراء صرف ومحض دس ولا يتصور ظهوره من عوام المؤمنين فكيف بظهوره من المحققين من الصوفية وهم أهل الأدب مع الله.
إن التصوف: كغيره من العلوم الدينية، لم يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين، فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة، ومنهم من أراد أن يفسد دين المسلمين بأشياء تمس عقائدهم، فنسب إِلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة، كالقول بالحلول والاتحاد، وبأن الخالق عين المخلوق، والكون عين المكوِّن، واسقاط التكاليف، ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وهو منها بريء، وللأسف فهناك من يصدق هذه الاكاذيب، وينسبها إلى عقائد الربانيين اهل الله، وسادة السلوك وأئمة الطريق، نسأل الله تعالى السلامة.
[المفتاح الرابع]: ما يقصده أئمة التصوف من الحلول والاتحاد: (الحلول) حال يصير معها الذاكر الى مقامٍ يفنى فيه عن نفسه وعن الخلق أجمعين، وتجري ينابيع الحكمة من قلبه، يحل في القلوب الإيمان بالله والمعرفة له، لا هو بذاته أو بصفاته يحل بهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، و (الاتحاد) هو شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي كلُّ الوجود به موجودٌ، وبنفسه معدوم، فليس لغير الله تعالى وجود ذاتي خاص به، فالكل بالله موجود وبنفسه معدوم، فمتى وصل السالك إلى رؤية الوجود موجودا بالله تعالى، عدم في وجوده بنفسه، فهذا عندهم هو الاتحاد.
[المفتاح الخامس]: ما يقصده أئمة التصوف من وحدة الشهود ووحدة الوجود: أهل التصوف الحق هم العارفون بالله الربانيون القائمون على مرتبة الإحسان وهم أهل التنزيه والتقديس لله، لا يجوز الظن فيهم بأنهم يخالفون عقائد الكتاب والسنة كيف وهم أولياء الله، وأعلم الناس بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يُتصور مخالفتهم لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية أبدا، كيف وهم أهل العلم اللدني، وأهل المعرفة شهودا، وهم أئمة أهل السنة والجماعة علما ومعرفة وتحقيقا، إذن: لابد من معرفة المنهل الذي منه يغترفون، أهل العرفان لا يعتقدون (وحدة الوجود) بل هم يشهدون هذه الوحدة، فهي حالة شهودية تخص الأولياء إذا بلغوا منازل عالية من السير إلى الله، فهم يقولون بما يشهدون، والقرآن الكريم يؤيد شهودهم، قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27]، فالفناء جاء بصيغة الاسم للدلالة على تحقق الفناء، ولا معنى للفناء إلا العدم، وكذلك قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، ولا معنى للهلاك إلا العدم، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، والباطل هو العدم، كما أنّ (الحق) اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الثابت الوجود المتصف بالوجود الدائم وقد تكرر ذكره سبحانه في القرآن الكريم كثيراً، منها: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنبياء: 6]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الأنبياء: 62]، واسم (الحق) سبحانه أي واجب الوجود المتصف بالوجود الدائم، فهو الذي لم يزل ولا يزال، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به سبحانه، فأهل العرفان حكموا بما شهدوا، وأهل العرفان حكموا بما حكم الشرع، وأهل العرفان أهل فناء عن السوى والاغيار، وأهل فناء عن النفس والرسم والدنيا والآخرة، وأهل بقاء بالله، به يشهدون، وبه يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، فإن قالوا: بوحدة الوجود، فهم قد حكموا بالحق الأزلي الذي جاء به الشرع، والذي رأوه بعدما فنوا (كان الله ولم يكن شيء غيره)، (كان الله ولم يكن شيء معه)، وهم قد حكموا بما شاهدوه بالله، وبما رأوه ببصائرهم بالله، قال تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، فما ذنب اهل العرفان إن شهدوا بما حجب عنه أكثر الخلق، فلا حجة للنافي على المثبت ولا حجة للجاهل على العالم، وفوق كل ذي علم عليم.
وهناك مقامان رفيعان من مقامات التصوف الحق، المقام الاول: (مقام الفناء) هو أن تبدو للسالك من عظمة الله تعالى ما يغيبه عن كل شيء وينسيه كلَّ شيء، سوى الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء، مثاله – لتقريب المعنى – حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن من جمال نبي الله يوسف عليه السلام، فبسبب جماله عليه السلام ذهلن وفنينّ عن أيديهن فقطعن أيديهن، ولم يشعرن بألم القطع أبدا لأنهن كنّ في حالة فناء عن أنفسهن بجمال يوسف عليه السلام، فكيف بحال من تجلت عليه أنوار المعرفة بالله، وهي الحال التي يستغرق فيها الصوفي ويفنى عن نفسه وعن جميع من حوله، فلا يشاهد سوى الحق لاستغراقه فيه بالكلِّية.
أما المقام الثاني: (مقام البقاء) فهو أعلى من مقام الفناء لأنه شهود الخلق بالله، فالفناء انجذاب إلى حضرة الخالق والغيبة عن الخلق، و(البقاء) يمثل العودة إلى شهود عالم الخلق بالله، فيكون الولي فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق ويؤيده الحديث: (فإذا أحْبَبْته: كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَع به، وبَصَرَه الذي يُبْصِر به، ويَدَه التي يَبْطِش بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها) [أخرجه البخاري]، فإذا قال الصوفي: (لا أرى شيئًا غير الله)، فهو في مقام الفناء، فلا يرى بقلبه شيئا سوى الله لأنه في غيبة بالخالق عن الخلائق، وإذا قال: (لا أرى شيئًا إلا وأرى الله فيه)، فهو في مقام البقاء فهو يرى الخلق ولكنها رؤية بالله، فهو يعلم بالفرق بين وجود الخالق ووجود المخلوق، ولكنه لا يشعر إلا بالوجود الأصلي الواجب الأزلي القديم الذي هو وجود الله تعالى وحده، وإذا نظرنا إلى علماء الأصول من أهل السنة والجماعة فإنهم يقولون: إن وجود الله عز وجل ذاتي تام كامل مستقل لا تأثير لغيره به، هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، كان ولم يكن شيء غيره، أمّا وجود الموجودات فهو حاصل بسبب إيجاد الله عز وجل لها ولولا مشيئة الله تعالى لم تكن لتوجد، وأن وجودها مستمر بإمداد الله تعالى لها بالوجود ولو انقطع الإمداد لعادت عدما كما كانت، فلا اشتراك إلا في الاسم، وأما الحقيقة فلا، إذ لا مقارنة بين الوجود الواجب والوجود الحادث، فإن الله تعالى وجوده لذاته وبذاته، وأما العالم فإن وجوده بالله، متعلق بالمشيئة، فإنه يبقى موجودا بمشيئة الله، ولكن إذا انقطع تعلق المشيئة الإلهية بالعالم، انعدم العالم، فالعالم، مُحدَث، ووجوده بهذه الصفة، ليس إلا وجودًا عابرًا بما هو صائر إلى زوال، بينما الحقُّ تعالى موجود أزلاً، وموجود أبدًا، وبذلك يكون وجود الخلق، قياسًا على وجود الحق، وجودًا اعتباريا، وجود الحقِّ وجود حقيقي، ووجود الخلق وجود اعتباري، فمن لاحظ الفرق الجوهري بين وجود العالم وبين وجود الله تعالى، أيقن أن وجود الخالق حقيقي، ووجود الخلائق اعتباري، فمن لاحظ قوة وجود الحق تعالى بالمقارنة مع وجود العالم، صار وجود العالم بالنسبة إلى وجود الله تعالى وجودا مجازيا، لأنه لا يقوم إلا بإيجاد الله تعالى، كما لا يقوم المجاز إلا بناء على لفظ له معنى حقيقي، والعارفون بالله تعالى قالوا: من نظر الى الموجد الممد سبحانه وتعالى رآه هو الموجود حقيقة، ومن لاحظ الإمداد الرباني لبقاء العالم، رأى الأشياء لولاه سبحانه عدماً، ولذلك قالوا: الوجود الحقيقي واحد وهو الله سبحانه وتعالى ووجود غيره لا يشابه وجوده بحال من الأحوال، أهل المعرفة والإحسان، وأهل المقامات العظام، غلب عليهم الشهود في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه) فاستغرقوا في بحر التوحيد والمشاهدة القلبية، ففني أحدهم عن نفسه وعن العالم من حوله، فلا يشهد بقلبه إلا الله، وهؤلاء غابوا عن شهود غير الله، فقالوا بوحدة الوجود، مع استقامتهم على شرع الله تعالى، وهذا القول منهم من الشهود والعرفان وعالي منازل الإحسان، وهي منازل عالية لا يبلغها عامة المؤمنين فلذليك يصعب عليهم تصورها، وليس معنى ذلك إنكارها، فليس كل ما لا يستوعبه المؤمن ينكر وجوده، ومن جهة ثانية، إذا نظرنا إلى الكون على انه تجليات أسماء الله تعالى الدالة على جناب ذاته صفاته وأفعاله، فإن الوجود من هذه الوجهة، واحد لا يتعدد ولا يتكثر هو وجود الرب المعبود بجناب ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكل ما نراه، وكل ما نشاهده، وكل هذا الوجود إنما هو من آثار تجليات الحق سبحانه، فمن هذا المعنى يصح أيضا القول بوحدة الوجود.
[المفتاح السادس]: ما يقصده أئمة التصوف من الحديث عن الشريعة والطريقة والحقيقة: أهل التصوف الحق هم أهل المعرفة بالله وهم أهل التنزيه والتقديس لله لا يجوز الظن فيهم بأنهم من القائلين بشيء من العقائد المخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة الناجية، ومن ذلك اتهام البعض أهل التصوف بالتفريق بين علوم الظاهر والباطن، وبين الشريعة والطريقة والحقيقة، بما يؤول بهم إلى الاستهانة بالشريعة وأحكام الشريعة، وهذا باطل، لأن من أشهر قواعد أهل الطريق قولهم: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، وكيف تخالف الحقيقةُ الشريعةَ وهي إِنما نتجت من تطبيقها، هناك تلازم تام بين الشريعة والعقيدة والحقيقة عند أهل التصوف الصحيح، ولقد ورد في حديث جبريل المشهور تقسيمُ الدين إِلى ثلاثة مراتب (الإسلام والأيمان والإحسان)، بدليل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: (فإِنه جبريل أتاكم يعلمُكُمْ دينَكمْ) ([10]) .
فركن الإِسلام: هو الجانب العملي، من عبادات ومعاملات وأُمور تعبدية، ومحله الأعضاء الظاهرة الجسمانية، وقد اصطلح العلماء على تسميته بالشريعة، واختص بدراسته السادة الفقهاء، وركن الإِيمان: وهو الجانب الاعتقادي القلبي، من إِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وقد اختص بدراسته السادة علماء العقيدة، وركن الإِحسان: وهو الجانب الروحي القلبي، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك، وما ينتج عن ذلك من أحوال وأذواق وجدانية، ومقامات عرفانية، وعلوم وهبية، وقد اصطلح العلماء على تسميته بالحقيقة، وهناك تلازم وثيق بين الشريعة والحقيقة، والمحسن هو الذي يجمع بين الشريعة والحقيقة.
وللوصول إِلى هذا المقام الرفيع، مقام الإحسان، لابد من سلوك الطريقة، وهي مجاهدة النفس، وتصعيد صفاتها الناقصة إِلى صفات كاملة، والترقي في مقامات الكمال بصحبة المرشدين، فهي الجسر الموصل من الشريعة إِلى الحقيقة، فالشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمَنْ تمسَّك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض، ولذلك يقول الصوفية في قواعدهم المشهورة: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، وكيف تخالف الحقيقةُ الشريعةَ وهي إِنما نتجت من تطبيقها.
يقول الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى: (لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه، ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى، ولا هما – التصوف والفقه – إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه، فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم) ([11]) .
وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك حفظ علماء التصوف آدابها وروحها، وكما أبيح لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يَرِدْ فيه نص، فكذلك للعارفين أن يستنبطوا آداباً ومناهج لتربية المريدين وتهذيب السالكين، ولقد تحقق الصوفية الصادقون بالعبودية الحقة والإِسلام الصحيح، إِذ جمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة، فكانوا القائمين على مرتبة الإحسان اعلى مراتب الدين، والخلاصة لابد للسالك من الالتزام بالشريعة ومن سلوك الطريق وفق الشريعة للوصول إلى الحقيقة، وهي مشاهدة الالوهية والربوبية والاسماء والصفات بالقلب والروح، ولا يصل السالكون إلى الحقائق إلا بالتزام الشريعة وسلوك الطريقة، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) ([12]) .
وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ([13]).
وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: (إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام) ([14]) .
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى: (كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ فهو باطلٌ) [الرسالة القشيرية ص27]،
[المفتاح السابع]: هناك أُناس أدعياء ادَّعَوْا التصوف كذباً أو جهلا، انحرفوا عن الإِسلام، وقالوا: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، وعطلوا أحكام الشريعة، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، وأباحوا المخالفات، وقالوا: إِن المُعَوَّل عليه صلاح القلب، ويقولون: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]، ويذمون أهل العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعنون في أهله ويقولون: هم محجوبون وهم أصحاب قشور، وأن علمهم الظاهر حجاب بينهم وبين الحقيقة، وكلامهم هذا قد يؤول إلى القدح في الشريعة المطهرة وفي الأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها، وقد أنكر أئمة التصوف هذا التفريق، قال الإمام الغزالي: (من قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب إلى الإيمان) ([15]) .
وقد آل بهم ذلك الإهمال في علم الظاهر والاستهانة به إلى القول بسقوط التكليف، وأهل التصوف الحق أجمعوا على أن التكاليف الشرعية لا تسقط عن المكلف بأي حال، حتى ولو بلغ درجة الوصول، بل إن الوقوف عند حدود الشرع والتمسك بأحكامه، هو المقياس الذي يحكم به على صدق الصوفي الواصل مهما ظهرت عليه من كرامات وأحوال، يقول أبو يزيد البسطامي: (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى ارتقى في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة ” ([16]) .
ويتشددون في الأمر إلى درجة أنهم يعتبرون أن من أخل بفريضة أو ضيعها يوشك أن يضيع دينه، ويسقط في مهاوي البدعة، وفي هذا يقول أبو محمد عبدالله بن منازل: (لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله تعالى بتضييع السنن، ولم يبل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع)
وقال الجنيد: (إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي دونها، وإنه لأوكد في معرفتي وأقوى في حالي) أهــ ([17]) .
ويوافقه على هذا الرأي أبو علي أحمد بن محمد الروذباري حين سئل عمن يسمع الملاهي ويقول هي لي حلال، لأني وصلت إلى درجة لا تؤثر في اختلاف الأحوال فقال: (نعم وصل، ولكن إلى سقر) ([18]) .
يقول الغزالي: “ومن هؤلاء طائفة ظنت أن المقصود من العبادات المجاهدة، حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، وبعد الوصول يستغني عن الوسيلة والحيلة، فتركوا السعي والعبادة، وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف، وإنما التكاليف على عوام الخلق،([19]) . وهؤلاء أدعياء على التصوف ضالون، لا يجوز أن نأخذ أعمالهم وأحوالهم حجة على السادة الصوفية الصادقين المخلصين، لاسيما وأِن السادة أئمة الصوفية قد نبهوا إِلى خطرهم، وحذروا من صحبتهم ومجالستهم، وتبرؤوا من سيرهم وانحرافهم، وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (وكل شيخ لم يظهر بالسنة فلا يصح اتباعه لعدم تحقق حاله، وإِن صح في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره) ([20]) .
وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: (احذر صحبة ثلاث من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، والقُرَّاء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين) ([21]) .
“وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: ” نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر ” هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه، لولا الظاهر لما بطن، لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح، القلب لا يقوم بلا جسد، بل لولا الجسد لفسد، والقلب نور الجسد، هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن، هو إِصلاح القلب، فالأول عمل بالأركان وتصديق بالجَنان، إِذا انفرد قلبك بحسن نيته وطهارة طويته، وقتلْتَ وسرقْتَ وزنيتَ، وأكلتَ الربا، وشربتَ الخمر، وكذبت وتكبرت وأغلظت القول، فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك؟ وإِذا عبدت الله وتعففت، وصمت وتصدقت وتواضعت، وأبطن قلبُكَ الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك؟) ([22]) .
وينكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال، كما مَرَّ بك قوله: (ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ([23]) .
وقال شيخ الصوفية الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: (مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة) وقال أيضاً: (الطرق كلها مسدودة على الخلق إِلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبع سنته ولزم طريقته) ([24]) .
[المفتاح الثامن]: موقف الصوفية أنفسهم من شطحات بعضهم: لقد ظهر هذا المصطلح (مصطلح الشطح) عند الصوفية وهم يعبرون به عن كل الألفاظ المستغربة التي يوهم ظاهرها معنى يخالف الشرع، وقد اعتبر أهل التصوف الشطح رعونة ينبغي أن يتنزه عنها الصوفي، ولكن عذروا قائلها بشروط، أولها: شدة الوجد، وأن يكون الصوفي في حال غياب العقل بسبب شدة الوجد، وأن يتم هذا الشطح والصوفي في حال من عدم الشعور، بمعنى أنه إذا أفاق أنكر ما قاله في حالة الوجد، ومثال ذلك قول العارف بالله الشيخ أبي اليزيد البسطامي وهو في حالة الوجد: (سبحاني)، وما نقل عن بعضهم في حال الوجد أيضا: (أنا الحق)، وقوله (ما في الجبة إلا الله) فقد كان يقول ذلك وهو في حالة الفناء المعروف عند أهل الشهود والعرفان، فإذا أفاق أنكر، فالشطح رعونه وظاهره مستشنع لكن باطنه صحيح مستقيم، فالشطح للقول لا للمعنى الحاصل في السر.
(تنبيه) ليس كل ما ورد ذكره في كتب الصوفية هو من الشطح الجاري على ألسنتهم بل لقد استغل كثير من الزنادقة والمستهزئين باب الشطح فادخلوا فيه الكثير من الدسائس، فلقد استغل الزنادقة باب الشطح للترويج لعقيدة الاتحاد والحلول والتصوف منها براء، فحاولوا تلبيس الأمور على السذج بأن قولهم بتجانس الكون مع المكون، وحصول الاتحاد والحلول بين المكون والاكوان يتفق مع قول الصوفية مغالطين في ذلك عوام المسلمين، ومن ذلك كذبهم على الإمام الاكبر ابن عربي بانه قال: (ما الكلب والخنزير إلا إلهنا)، فمثل هذا الكلام افتراء صرف ومحض دس ولا يتصور ظهوره من عباد الوثن فكيف بظهوره من المحققين من الصوفية وهم أهل الأدب مع الله.
إِن ما نراه في كتب الصوفية من الأمور التي يخالف ظاهرها نصوص الشريعة وأحكامها، هي: إِما أن تكون شطحا في حال الوجد، وإِما أن تكون مدسوسة عليهم من قبل الزنادقة والحسدة وأعداء الإِسلام، وإِما أن يكون كلاماً قابلاً للتأويل، تحدثوا به من باب الإِشارة أو الكناية أو المجاز، وإما أن يكون اصطلاحا خاصا بهم لا يعلمه ولا يفهمه إلا أربابه المتخصصون فيه، وهذا موجود في كافة العلوم، فإِن لكل فن من الفنون أو علم من العلوم كالفقه والحديث والمنطق والنحو اصطلاحات خاصة به، لا يعلمها إِلا أرباب ذلك العلم، وللصوفية اصطلاحاتهم الخاصة بهم، كالوقت، والمقام، والحال، والقبض والبسط، والاتصال والانفصال، والتجريد والتفريد، والجمع والتفرقة، والشريعة، والحقيقة، والطريقة، فربما نظر البعض إلى هذه المصطلحات على أنها أمور مبتدعة، فيضلل أصحابها مع أن لها معاني صحيحة في الشرع، شأنها شان كل المصطلحات في كل العلوم، فلابد لمن يريد الفهم عنهم من صحبتهم حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إِشاراتهم ومصطلحاتهم، فيستبين له مرادهم، على أن التصوف لا يُنال بقراءة الكتب، ولا بمعرفة الاصطلاحات أيضا، بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله، والتعلم على أيديهم، فإن التصوف خلق وسلوك لا ينال بقراءة الأوراق، ولكن بصحبة أهل الأذواق، والواجب تجاه كل ما نسب إلى أهل التصوف الحق، مما هو مخالف لشرع الإسلام، أن نوقن أنه مدسوس على القوم حتماً، لانهم اهل التمسك بالكتاب والسنة، وأن ما ثبت عنهم بالتأكيد، ويمكن تأويله وحمله على وجه صحيح من عقيدة أهل السنة والجماعة، وجب تأويله عليها، لأنها هي عقيدتهم التي يعتقدونها ويصرحون بها.
(تنبيه): ينبغي التحذير من تمادى الاعتداد بالشطح، قال الإمام الغزالي في كتابه الإحياء: (وأما الشطح: فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية: (الصنف الأول): الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد، وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا: كذا… وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوي.
(الصنف الثاني): من الشطح كلمات غير مفهومة، لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام، إلا أنه يشوش القلوب، ويدهش العقول، ويحير الأذهان،،كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله) ([25]) .
إذن خلاصة الأمر في بيان موقف الصوفية أنفسهم من شطحات الصوفية أن الشطح رعونة ينبغي أن يتنزه عنها الصوفي، ولكن يعذر قائله بشروط، أولها: شدة الوجد، وأن يكون الصوفي في حال غياب العقل بسبب شدة الوجد، وأن يتم هذا الشطح والصوفي في حال من عدم الشعور، بمعنى أنه إذا أفاق أنكر ما قاله في حالة الوجد، وأن يكون معروفا بصحة الطريق وعلو الشأن فيه فليس من الادعياء أصحاب الدعاوي الطويلة العريضة التي لا أساس لها.
***
المبحث الثاني عشر تصحيح أفكار عن التصوف
([1]) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص 35.
([2]) البرهان المؤيد للرفاعي ص 14 إلى 19.
([3]) الرسالة القشيرية: 1/19، 33.
([4]) صحيح البخاري 2/176 ح 1739.
([5]) الانوار القدسية 10 – 15.
([6]) اليواقيت والجواهر: 1: 83.
([7]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([11]) قواعد التصوف” للشيخ أحمد زروق قاعدة 3.
([12]) الفتح الرباني: للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29.
([14]) إِيقاظ الهمم” ج2، ص302.
([15]) احياء علوم الدين 1/100.
([18]) الرسالة القشيرية: 1/19.
([20]) قواعد التصوف” للشيخ أحمد رزوق ص76.
([21]) شرح الحكم” لابن عجيبة ج1، ص76.
([22]) البرهان المؤيد: للسيد أحمد الرفاعي: ص68.
([23]) الفتح الرباني: للشيخ عبد القادر الجيلاني ص29.