الباب الثالث العقيدة التي عليها جمهور أهل التخصص العقدي من الأثرية والأشاعرة والماتريدية في قسم النبوات
ويشتمل على تلك المباحث: المبحث الاول الإيمان بالرسل الكرام.
المبحث الثاني عصمة الانبياء من كل الذنوب كبيرها وصغيرها.
المبحث الثالث توجيه الآيات التي توهم وقوع الانبياء في المعاصي.
المبحث الرابع أفضلية الرسول على سائر الانبياء والرسل.
المبحث الخامس لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم.
المبحث السادس فوائد من الآية {إنّ الله وملائكته يصلون على النبي}.
المبحث السابع: معنى قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
***
المبحث الأول الإيمان بالرسل الكرام
[المفتاح الأول]: الإيمان بالرسل الكرام ركن من أركان الإيمان لا يصح إيمان العبد إلا به، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقال صلى الله عليه وسلم – في حديث جبريل المشهور: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ([1]) .
فجعل أركان الإيمان ستة، ركنها الرابع: الإيمان بالرسل الكرام، ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق الجازم بكل نبي ورسول عُرفت نبوته ورسالته عن طريق القرآن الكريم أو السنة الصحيحة إجمالاً وتفصيلاً، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} [غافر: 78]، فــ (الرسل) الكرام نؤمن بهم جميعا ولا نفرق بين احد منهم من حيث الصدق والامانة والتبليغ والفطانة، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَط َعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
[المفتاح الثاني]: الرسل الكرام: رجال اصطفاهم الله تعالى من البشر ليكونوا وسطاء بينه وبين عباده في تبليغ ما شاء الله تعالى من الدين، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75]، وقال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، إذن مهمة الرسل: أنهم يدعون إلى دين الله، يبشرون من آمن بحسن الثواب وينذرون من كفر بسوء العقاب، والرسل الكرام: رجال اصطفاهم الله تعالى من البشر، وخصهم بصفات ومؤهلات تجعلهم أفضل الخلق، أكرمهم الله بملكات راسخة في النفس تجعلهم أصدق الناس وأعظم الناس خلقا وأكملهم صفاتا.
[المفتاح الثالث]: أهم صفات الرسل الكرام: (الصدق) و(الامانة) و(التبليغ) و(الفطانة).
الصفة الأولى الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الصدق):
(أ) الصدق في كل شيء، الصدق مع الله والصدق مع الناس، ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله وأقواله وأفعاله، والصدق واجب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل أقوالهم وأفعالهم واحوالهم، واتصافهم بالكذب محال، لأنهم لو كذبوا للزم الكذب في خبر الله تعالى، لأنه سبحانه أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، و(المعجزة) تنزل منزلة قول الله تعالى: صدق عبدي في كل ما يبلغ عني، فإذا كذب كانت المعجزة مؤيدة له على الكذب، وهذا محال.
(ب) (الصدق): هو أول وأبرز صفات الرسل عليهم السلام، إذا اصطفى الله رسولا بالوحي، وكلفه تبليغ رسالاته للناس، وزوده بالمعجزة التي تشهد بصدقه في أنه رسول، فيستحيل في حقه الكذب، وإلا تشكك الناس في النبوة كلها، والرسول مؤيد بالمعجزة، فلو كذب قبل المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب، ولو كذب بعد المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب، لهذا يستحيل الكذب في حق الانبياء والرسل، قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أنه لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17].
(ت) من ضرورات العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعلمها كل مسلم: اتصاف النبي بالصدق وتنزيهه عن الكذب، على الله وعلى الناس، لأنه لو جاز ان يكذب في حديث الناس لسبب الشك في رسالته كلهــا، ولذلك لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله، والمعجزة دليل صدق للأنبياء: وأنهم رسل من عند الله: وأنه حقيق عليهم ألا يقولوا إلا الحق والصدق، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف: 104، 105]، وقال تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4].
(ث) لا يجوز الكذب على الأنبياء والرسل، قال تعالى في حق سيد المرسلين: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 إلى 47]، وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [يونس: 15]، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ }.
(ج) حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) ([2]) .
الكذب هنا من باب التورية والمعاريض، يقصد شيئا حقا وصدقا ولا يفهمونه، فقوله {إني سقيم}، أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وفهموا أنه مريض لا يتمكن من الخروج معهم، وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} له قرائن تدل على أنه لا يقصد سوى إقامة الحجة عليهم بانها أصنام لا تقدر على شيء، والسياق يدل على ذلك {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}فهو يطلب منهم ان يستوثقوا صحة ذلك {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ }، فكانت الفرصة التي يريد الخليل أن يصل إليها {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }، أما قوله ان سارة أختي، يقصد في الإيمان، إنما المؤمنون إخوة، والخلاصة: (الصدق) واجب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل أقوالهم وأفعالهم واحوالهم، مع الله ومع الناس، واتصافهم بالكذب مهما كان صغيرا محال، ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله.
الصفة الثانية الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الأمانة): الأمانة: معناها حفظ ظواهر الأنبياء وبواطنهم من المعاصي والمكروهات، و (الامانة): ملكة جعلها الله تعالى في قلب النبي تمنعه من مخالفة أمر الله، وتمنعه من مجرد التفكير في معصية الله، وتمنعه من كتمان أي شيء من شرع الله، وتمنعه من ارتكاب المنهيات الظاهرة من الكبائر والصغائر، والمنهيات الباطنة كالحسد والكبر والرياء، و(الأمانة) هي العصمة ظاهراً وباطناً من الحرام والمكروه، و(العصمة)، هي ملكة راسخة في النفس تمنع صاحبها من مخالفة شرع الله، ظاهرا وباطنا، و(العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، و(الامانة): هي العصمة ظاهراً وباطناً من الحرام والمكروه، من الكبائر والصغائر، وضدها: الخيانة، لانهم لَوْ خَانُوا الشرع بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ، لاَنْقَلَبَ المُحَرَّمُ، أَوِ المَكْروهُ طَاعَةً فِي حَقِّ الناس، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي أَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلاَ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمِ وَلاَ مَكْرُوه.
و(العصمة): هي حفظ الله تعالى لظواهر أنبيائه وبواطنهم من كل عمل منهي عنه، في الصغر والكبر، قبل النبوة وبعدها، فلا يصدر عنهم ذنب ولا يرتكبون معصية، وقد ذهب بعض أهل العلم: إلى عدم امتناع صدور الصغائر من النبي قبل نبوته، والأولى من باب تعظيم قدر الانبياء الذين عظم الله تعالى قدرهم ورفع منازلهم، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، والأولى من باب سد الذرائع، ومن باب الاحتياط للشرع، وهو ما عليه مذاهب أهل السنة والجماعة المعتمدة في العقيدة، عليه اجماع الماتريدية وعليه اتفاق جمهور الأشاعرة والأثرية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا معصومين عن الصغائر والكبائر قبل البعثة وبعدها، وحجتهم في ذلك: أنّ الرسول (أي رسول) عليهم السلام هو المثل الأعلى لأمته، والذي يجب الاقتداء به في كل اعتقاداته وأقواله وأفعاله وأخلاقه، وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له، لذلك وجب أن تكون كل اعتقاداته وكل أفعاله وكل أقواله وجميع أخلاقه موافقة لطاعة الله عزّ وجل، والنبي (كل نبي) قدوة حسنة، ومثل أعلى، وأسوة صالحة، لا يكون في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه خطأ أو معصية؟ لأنه قدوة، مكلّف برسالة، يؤديها كما اراد الله، والناس مكلفون بالاقتداء به في أقواله وأفعاله وأخلاقه ومعتقداته، والله سبحانه وتعالى أمر الأمم بالاقتداء برسلهم، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، فإذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي، كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي، وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا انبياؤه يأمرون بالفحشاء، وقد جعل الله تعالى طاعة الرسل من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آلِ عمران:32]، وقال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }، وجعل في طاعتهم الهداية، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا }، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }، فلابد وأن يكونوا على العصمة التامة.
وكل ما ورد في الشرع مما يوحي بوقوع المعصية من بعض الأنبياء فهو محمول على أحسن المحامل وأصحها مما يحفظ جناب الأنبياء والمرسلين، والقرآن الكريم لم ينص صراحة على معصية نبي إلا معصية آدم عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] وقد ذهب المتخصصون في العقيدة من أهل العلم إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ونصح وإعلام، وليس نهيا على جهة التكليف يترتب عليه عضب من الله، وانه لما أكثر الشيطان الوسوسة عليه، نسي نصح الله تعالى له فأكل منها غير عامد لمخالفة أمر الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }، فـ (آدم) عليه السلام كان النهي عن الأكل من الشجرة نهي نصح وإرشاد، وليس نهيا على جهة التكليف، وآدم عليه السلام ترك الأولى، وخالف الأمر الإرشادي فسمّي ذلك عصياناً، لأنّ الله تعالى أوحى لآدم عليه السلام: أنّك يا آدم اذا اردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة، فإن اكلت منها فسوف تطرد من الجنة، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة، بل غاية ما هنالك أنه يترتّب عليه الأثر، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض، ويوسف (عليه السلام) كان معصوما من الهم بامرأة العزيز: قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ أنه مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا أنه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، وخلاصة القول فإن عصمة الأنبياء ثابتة لهم من الكبائر ومن الصغائر ومن مخالفة أمر الله في الكبير وفي الصغير من كافة امورهم.
الصفة الثالثة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (التبليغ): التبليغ هو إيصال كل ما أمروا بإيصاله إلى الخلق، وتبليغه إلى الناس، وضده كتمان ما امرهم الله تعالى بتبليغه، فلا يكتمون شيئا من شرع الله، قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ }، وقال تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }، وقال تعالى: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }، وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، والرسل عليهم الصلاة والسلام يبلغون جميع ما أمرهم الله تعالى بتبليغه، ولا يتصور كتمانهم لشيء من ذلك، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }، فلا يجوز على الرسل كتمان شيء من شرع الله، والرسول مبلّغٌ عن الله تعالى، اصطفاه الله تعالى لهذه المهمة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67]، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} [الجن: 26 إلى 28]، فـــ (الرسل) مكلفون بالتبليغ، يبلغون شرع الله ولا يكتمون شيئا من الحق الذي أُوحي إليهم، وهم معصومون عصمــة تامة عن مخالفـة أمر الله، ومعصومون من أن يعصوا الله عزّ وجل، ومعصومون أن يكتموا شيئاً أمرهم الله بتبليغه، لأنَّ الله عزّ وجل ما اختارهم لحمل رسالته إلاّ ليقوموا بتبليغ شرائعه.
الصفة الرابعة الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الفطانة): الفطانة معناها: الذكاء الحاد، وسرعة الفهم، والبديهة العظيمة ودقة التصرف، والتيقظ التام لإلزام الخصوم ودحض حججهم، وإبطال دعاويهم، و(الفطانة) ملكة راسخة في القلب لازمة لإقامة الحجج وافحام الخصوم بأسهل اسلوب واقصر عبارة، وهذا واقع لجميع الأنبياء قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] وقال أيضا:” قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود: 32] وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:” وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125]، والرسول الذي اختاره الله لتبليغ الرسالة لابد وان يكون أعظم الناس فطانة وأعلاهم ذكاءً وأسرعهم فهما وأحسنهم تصرفا، حتى يقوم بمهمة الرسالة على اكمل وجه، وحتى يقيم عليهم الحجج الباهرات والدلائل النيرات، بأبسط عبارة وأقرب مسلك، والفطانة لازمة لكل نبي حتى يستوعب أتباعه، وحتى يعرف إمكاناتهم، وحتى يستطيع توجيههم، وحتى يأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة، بلا عنت ولا قصور ولا تراخي، والفطانة لازمة للنبي: حتى يواجه دسائس الكافرين وحجج الملحدين والمنكرين، وحتى يتصرف في أحلك الظروف بالمواقف السديدة شرعا وعقلا، لذا يجب ان يكونوا أعلى الناس فطانة وذكاء وإدراكاً وحسن تصرف واستيعاباً وفهما وحفظا، كل نبي يجب أن يتصف بالفطانة التي تعينه على فهم الوحي الذي جاءه من عند الله، وتبليغه للناس، ومن الفطانة تكون قوة الحجة وصحة المجادلة .
فعندما حاجج الخليل إبراهيم عباد الكواكب والشمس والقمر أقام عليهم الحجج الدامغات بان الآفل المتغير لا يصلح أن يكون إلها، و الكواكب والشمس والقمر تقبل التغير والافول فلا يصح ان تكون أربابا من دون الله، قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }، وعندما حاججه النمرود، كان في غاية الفطانة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }، قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فقال الملك انا أحيي واميت أحضر رجلين أقتل أحدهما وأعفو عن الآخر، ولم يكن قصد الخليل ذلك وإنما يخلق من العدم ويهب الحياة لمن يشاء ابتداء، يحييه من العدم، وينعم عليه بنعمة الوجود، ويميت من شاء فيسلبه الحياة، ولكن لغموض المسالة اعرض عنها إلى ما هو أظهر، {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }، وهذا من كمال فطانته فبهت النمرود وانقطع.
وكل حوارات الأنبياء والمرسلين تمثل الدرجة القصوى من الفطانة، ومن نظر في القرآن وحوارات الانبياء مع اقوامهم علم مدى الفطانة التي بلغها الأنبياء، حتى: قال المشركون لنوح عليه السلام: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]، ضاقوا به ذرعاً، لأنه غلبهم بالحجة فلم يتمكنوا من مجاراته في حجته، ونبي الله شعيب يجادل قومه حتى قالوا: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }، فكل حوارات الأنبياء والمرسلين تمثل الدرجة القصوى من الفطانة، الرسول لابد وان يكون أعظم الناس فطانة وأعلاهم ذكاءً وأسرعهم فهما وأحسنهم تصرفا، حتى يقوم بمهمة الرسالة على اكمل وجه، ولا يجوز في حق الرسول: (أي رسول)، البلادة والغباء وسوء التصرف وبطء الفهم، لأنه المبلغ عن الله شرعه ودينه فلابد وأن يكون أذكى الناس وأكثرهم فطانة، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }، وقال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
[المفتاح الرابع]: الرسل هم أهل الاصطفاء الرباني، هم أتقى الناس لله وهم أعبد الناس لله، وهم أصدق الناس مع الله، منزهون عن الكبائر والصغائر ورذائل الأخلاق، معصومون عن الخطأ في تبليغ الرسالات، من أهم صفاتهم كمال الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، ولكنهم بشر: تلحقهم جميع خصائص البشر من المرض والموت والحاجة إلى الطعام، ولكنهم بشر يوحى إليهم، يمتازون عن البشر بالنبوة والرسالة، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
[المفتاح الخامس]: الرسل الكرام: ليس لهم من خصائص الربوبية أو الألوهية شيءٌ، كما في قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، ولا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله، كما قال تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188]، وقوله تعالى في سورة المائدة: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنَّاس اتَّخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علَّام الغيوب – ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربَّكم وكنت عليهم شهيداً مَّا دمت فيهم فلما توفَّيتني كنت أنت الرَّقيب عليهم وأنت على كل شيءٍ شهيد) [المائدة: 116-117].
[المفتاح السادس]: ذكر القرآن الكريم خمسةً وعشرين نبيا ورسولاً، منهم ثمانية عشر نبياً ورسولا ذكرت أسماؤهم في موضع واحد من القرآن في سورة الأنعام، في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ}{الأنعام: 82-86}، ويبقى بعدهم سبعة وهم: آدم، وإدريس، وذو الكفل، وصالح، وشعيب، ونبينا محمد، صلى الله عليهم وسلم أجمعين، قال تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا} [آل عمران: 33]، وقال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85]، وقال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا} [هود: 50]، وقال تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا) [هود: 61]، وقال تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا} [هود 84]، وقال تعالى مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46].
[المفتاح السابع]: الانبياء أفضل خلق الله: قال تعالى: -بعد ذكر الأنبياء-: {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ }، دليل على أن الأنبياءَ أفضل من سائر الخلق، فكلمة العالمينَ في قوله تعالى {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ }: تشمل الإنس والجنّ والملائكة أي أن الله فضل الأنبياء على العالمين، وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ }، مما يدل على أنهم اهل الهداية واهل القدوة، وقال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69]، فأول هذه المراتب وأعلاها الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء، ثم الصالحون، و(الأنبياء): هم اهل الاصطفاء الرباني: قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص: 68]، وقال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج: 75]، الله العليم الحكيم الخبير نظر في قلوب العباد، واختار منهم الأفضل والأكمل، والله تعالى يقول: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124].
[المفتاح الثامن]: هناك فرق بين النبي والرسول: لان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنَّ عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدَّة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً، ويدلّ على الفرق أيضاً ما ورد في كتاب الله من عطف النبيِّ على الرسول: {وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي إلاَّ إذا تمنَّى ألقى الشَّيطان في أُمنيَّته} [الحج: 52]، ووصف بعض رسله بالنبوة والرسالة مما يدُل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله في حقِّ موسى عليه السلام : (واذكر في الكتاب موسى أنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيَّاً) [مريم: 51]، و (النبي) أعم من الرسول، فكلُّ رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، و (الفرق) عند الجمهور: أنّ الرسولَ مَنْ أُوحي إليه بشرع جديد، والنبيَّ هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وقد ” كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ “، وأنبياء بني إسرائيل كلّهم مبعوثون بشريعة موسى (التوراة) وكانوا مأمورين بإبلاغ قومهم وحي الله إليهم، ومنهم داود وسليمان وزكريا ويحي فهؤلاء جميعاً أنبياء.
[المفتاح التاسع]: لا تفريق بين أحد من الرسل من حيث الصدق والعصمة وتبليغ الرسالة: وهذا كما في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، والكفر بواحد منهم كفر بهم جميعا، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 151]، لكن بعض الرسل أفضل من بعض في الفضل والمكانة وعدد الأتباع والمعجزات، وأفضلهم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أولي العزم من الرسل، كما في قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253].
[المفتاح العاشر]: خصائص دين الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله: النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الانبياء والرسل، ودينه (الإسلام) هو الدين المعتبر عند الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 19]، وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] وأهم خصائص هذا الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله:
(1) أنه الدين الخاتم الذي ختمت به الرسالات جميعا والأديان جميعا، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم) وأنا خاتم النبيين) ([3]) .
(2) وأنّه إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة، قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الاعراف، وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].
(3) وأنّه الدين الناسخ لما سبقه من الأديان والمهيمن عليه جميعا، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48].
(4) وأنّه محفوظ بحفظ الله عز وجل له وإلى قيام الساعة، وذلك بحفظ مصادره الأساسية – القرآن والسنة، فالقرآن الكريم: حفظه الله جل وعلا من أي تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان، قال تعالى {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، والسنة النبوية الشريفة: حفظها المولى تبارك وتعالى وسخر لها الجهابذة الحفاظ من العلماء النابغين الناقدين الذين أفنوا أعمارهم في حفظها وتمييز الثابت منها ونفي المردود عنها، ووضعوا لذلك قواعد وضوابط تضبط قبول روايتها، وحفظ السنة من لوازم حفظ الدين، واتصال السند للسنة الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع خصيصة في خصائص الحفظ الإلهي لهذه السنة الشريفة وإعجاز إلهي في حفظ دينه جل وعلا حيث لم تعرف الأمم غيرنا سندا متصلا لأقوال أنبيائها ورسلها وإنها كانت أقوال وأخبار يرويها الأحبار والرهبان بالمعنى يزيدون فيها وينقصون ويحرفون يشترون بذلك ثمنا قليلا، قال تعالى {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75].
(5) ومن خصائص الأسلام: أنه دين كامل تام شامل تبيان لكل شيء من أمر الدنيا والآخرة، لا حاجة بنا إلى غيره، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
(6) ومن خصائص الإسلام: أنه الدين الذي لا يقبل الله عز وجل من العباد جميعا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة دينا سواه قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ومن عبد الله عز وجل بغير شرع الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى وقد سمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فعبادته مردودة عليه لا يقبلها الله عز وجل، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا }، وقال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ([4]) .
(7) وبعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) إلا بإضافة شهادة الإتباع (أشهد أن محمد رسول الله)، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه.
(8) وكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به صلى الله عليه وسلم، ويتبع دين الإسلام الذي جاء به من عند الله فهو كافر بالله تعالى الكفر الأكبر، إذا لم يفهم رسالة الإسلام فهو كافر جاهل، وإذا فهم الرسالة وعاندها، فهو كافر معاند.
(9) وهذا الحكم يشمل جميع الناس بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، ويدخل فيهم اهل الكتاب، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150، 151]، وأهل الكتاب جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، فأما اليهود فقد آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، صلى الله عليهم وسلم وأما النصارى فقد آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد، صلى الله عليهم وسلم، فوضحت الآية أن من يفرق بين رسل الله تعالى فيؤمن ببعض ويكفر ببعض فهو من الكافرين حقا، كما قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا }، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار) ([5]) .
وإذا كان هذا هو حال أهل الكتاب أنهم إذا سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به انهم من أصحاب النار، فغيرهم من الناس أولى بذلك.
[المفتاح الحادي عشر]: الواجب والجائز والمستحيل في حق الأنبياء والرسل: يجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام أربع صفات وهي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، ويستحيل في حقهم أضدادها وهي: الكذب، والخيانة، والكتمان، والبلادة، ويجوز في حقهم جميع الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقصان، مثل: الأكل، والشرب، النكاح، والنوم، والمرض، ما عدا الامراض التي ينفر الناس من أصحابها كالجزام والبرص والجنون، إنّ من اهم أقسام العقيدة في باب النبوات : معرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق الأنبياء والرسل: لانهم رسل الله، يَجِبُ فِي حَقِّهِمُ: أربع صفات: الصُّدْقُ، وَاْلأَمَانَة، والتبليغ، والفطانة، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَليْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَضْدَادُ هذه الصِّفَاتِ، وَهِيَ: الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ، وكِتمْانُ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ، أو البلادة والغباء، ويجوز عليهم كل اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ التَّي لاَ تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمِ الْعَلِيَّةِ، كالأكل والشرب، ويجوز لهم نكاح النساء في الحلال، قال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} [الرعد 38]، ويجوز لهم الاكل الحلال والعمل والاحتراف والمشي في الأسواق، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}، ويجوز أن يبتليهم الله بالْمَرَضِ الذي لا يؤثر على تبليغ الرسالة كالجنون، أو الذي يؤدي إلى صد وتنفير الناس عن سماع الرسالة كالبرص والجزام، ويجوز أن يبتليهم الله بالفقر، ويجوز لهم الكد والعمل من أجل تحصيل القوت، والأنبياء هم أشد الناس بلاء في الدنيا، لانهم الأعظم أجرا عند الله، أخرج الإمام احمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال: سئل النبي – صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه) ([6]) .
وهذا إِمَّا لِتَعْظِيمِ أُجُورِهِمْ، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ، أَوْ لِلتَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ لِخِسَّةِ قَدْرِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، وَعَدَمِ رِضَاهُ بِهَا دَارً جَزَاءٍ لأَنْبِيَائِهِ، فمن دونهم أولى.
[المفتاح الثاني عشر]: معجزات الرسل الكرام عليهم السلام: (المعجزة) أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة، وهي في الاصطلاح [أمر خارق للعادة، يظهره الله على يد مُدّعي النبوّة، تصديقاً له في دعواه، مقرونة بالتحدّي مع عدم المعارضة]، وتتميّز المُعجِزة عن باقي الأمور الخارقة بأنّها يجب أن تكون خارقةً للعادات، وَأَنْ يَقَعَ التَّحَدِّي بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى، وَأَنْ يَعْجَزَ المُتَحَدُّونَ بِهَا عَنِ المُعَارَضَةِ وَالإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، ولكلّ نبيٍّ من أنبياء الله أو رسولٍ من رُسُله مُعجزة على الأقلّ يتميز بها، وقد جاء ذكر بعض مُعجِزات الأنبياء في كتاب الله، وقد ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعضا منها، ومن أبرز المُعجِزات التي تفرَّد بها بعض الأنبياء فمنها :
(1) كانت معجزة نوح عليه السلام السفينة، حيث بنى نوح عليه السلام السفينة بأمر ووحي من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ).
(2) و كانت معجزة صالح عليه السلام الناقة، قال تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ).
(3) وكانت معجزة نبي الله إبراهيم عليه السلام النار، قال تعالى {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ }.
(4) وكانت لموسى عليه السلام معجزات كثيرة منها العصا التي تحولت لأفعى كبيرة، للقضاء على سحر سحرة فرعون قال تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ) ومنها: اليد البيضاء، قال تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى).
(5) وكانت لعيسى عليه السلام معجزات كثيرة منها: إحياء الموتى بإذن الله، وإعادة البصر للأعمى، وإشفاء الأبرص، قال تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }.
(6) كما أيد الله سبحانه وتعالى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بأكبر عدد من المعجزات، لأنه أُرسل إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة، فكانت أعظم المعجزات المعجزة الحية الباقية الدائمة إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ألا وهي: القرآن الكريم، والكتاب المبين، معجزة خالدة باقية تخاطب النفوس والعقول، معجزة باقية دائمة إلى يوم الدين، لا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ – لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 41-42]، وقد تحدى الله بهذا الكتاب فصحاء العرب، وقد كانت الفصاحة والبلاغة وجودة القول هي بضاعة العرب التي نبغت بها، وقد عادى العرب في بداية الامر دعوة الإسلام ورسول الإسلام، وكان قابل هذه الدعوى أن يعارض فصحاؤهم هذا الكتاب، ويأتوا بشيء من مثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ – فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 23-24]، ومن معجزات الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: الإسراء والمعراج: من الآيات البينات والمعجزات الخارقات إسراء الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حيث جمع الله له الأنبياء فصلّى بهم إماماً (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا،،) [الإسراء: 1]، ومن هناك عرج به إلى السماوات العُلى، وهناك رأى من آيات ربّه الكبرى، رأى جبريل على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، وصعد به إلى سدرة المنتهى، وجاوز السبع الطباق وكلّمه الرحمن وقربه (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى – وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى – عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى – عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى – إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى – مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى – لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم: 12-18]، ومن معجزات الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم: انشقاق القمر: سأل أهلُ مكة الرسولَ صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر شقين، قال تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ – وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر: 1-2]، ومعجزاته صلى الله عليه وسلم فاقت الالف معجزة منها: تكثيره الطعام صلوات الله وسلامه عليه، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، ورده عين قتادة فكانت أحسن العينين، فَوَجَبَ الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
***
المبحث الثاني عصمة الانبياء من كل الذنوب كبيرها وصغيرها
[المفتاح الأول]: من الصفات الواجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام: (الأمانة)، و(الامانة): هي العصمة ظاهراً وباطناً من الحرام والمكروه، و(العِصْمَةُ) صفة واجبة في حق الرسل الكرام عليهم السلام، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المعصية، لان الله تعالى أمر الناس باتباعهم والاقتداء بهم، فلا يصح في حقهم مخالفة أمر الله، و(العصمة): هي حفظ الله تعالى لظواهر أنبيائه وبواطنهم من كل عمل منهي عنه، في الصغر والكبر، قبل النبوة وبعدها، فلا يصدر عنهم ذنب ولا يرتكبون معصية، وقد ذهب بعض أهل العلم: إلى عدم امتناع صدور ذنب صغير من النبي قبل نبوته، والأولى من باب سد للذريعة، ومن باب تعظيم شأن الانبياء والمرسلين، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، ومن باب الاحتياط للشرع، وهو ما عليه الماتريدية وجمهور الأشاعرة، والأثرية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن جميع النوب صغيرها وكبيرها.
[المفتاح الثاني]: الرسول (أي رسول) هو المثل الأعلى لأمته، والذي يجب الاقتداء به في كل اعتقاداته وأقواله وأفعاله وأخلاقه، وهو الأسوة الحسنة بشهادة الله له، لذلك وجب أن تكون كل اعتقاداته وكل أفعاله وكل أقواله وجميع أخلاقه موافقة لطاعة الله عزّ وجل، ووجب ألا يدخل في شيء من اعتقاداته وأفعاله وأقواله وأخلاقه معصية لله تعالى.
النبي (كل نبي) قدوة حسنة، ومثل أعلى، وأسوة صالحة، لا يكون في أقواله أو أفعاله أو أخلاقه خطأ أو معصية؟ لأنه قدوة، مكلّف برسالة، يؤديها كما اراد الله، والناس مكلفون بالاقتداء به في أقواله وأفعاله وأخلاقه ومعتقداته، والله سبحانه وتعالى أمر الأمم بالاقتداء برسلهم، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ }، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، فإذا أمكن أن يفعل الرسل المعاصي، كان معنى الأمر أن يتخذوهم أسوة في المعاصي، وهذا مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا انبياءه يأمرون بالفحشاء، وقد جعل الله تعالى طاعة الرسل من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }، فلابد وأن يكونوا على العصمة التامة.
[المفتاح الثالث]: أورد الإمام الرازي في كتابه عصمة الانبياء الكثير من الأدلّة النقلية والعقلية على عصمة الأنبياء، ومن الأدلّة النقلية على عصمة الأنبياء: آيات تتحدث عن عصمة الأنبياء بنحو عامّ مثل قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة/۱۲٤]، قيل العهد هو النبوة، وكل عاص ظالم فلا يستحق النبوة، وقوله تعالى: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان/۳۲]، وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص/٤۷]، وقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم/ ۳ ـ ٤]، أدلة عامة على عصمة الانبياء، وآيات تتحدث عن وجوب طاعة الانبياء، وقد جعل الله تعالى طاعة الرسل من طاعة الله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء:80]، وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آلِ عمران:32]، وقال تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }، وجعل في طاعتهم الهداية، قال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا }، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }، فلابد وأن يكونوا على العصمة التامة، و آيات تتحدث عن اتخاذ الانبياء قدوة واسوة: قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وكل تلك الادلة تمنع من ارتكاب الانبياء لأدتى المعاصي صغيرها وكبيرها.
ومن الأدلّة العقلية على عصمة الأنبياء: (اولا): لو لم يكن النبيّ معصوماً لانتفى الوثوق بقوله، فكيف يأمر الناس باتباعه، (ثانيا) لو جازت عليه المعصية، وفي نفس الوقت وجب علينا اتباعه،، لأنّه نبيّ مطاع، كان الأمر باتّباعه قبيحاً، لأنه يلزم منه اجتماع الضدين فيه، وجوب متابعته و وجوب مخالفته، (ثالثا) لو جازت على النبيّ المعصية لجاز أمره بالمعروف ونهيه عن النكر، وهذا محال لان طاعته من طاعة الله، فكيف يؤمر هو بطاعة الله، (رابعا) المعصية ظلم، ومن أغراض النبوّة إقامة العدل، ومنع الظلم، فلو صدرت من النبيّ المعصية لانتفى غرض النبوّة، والله تعالى يقول: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}{البقرة/۱۲٤} أي لا ينال النبوة ظالم، (خامسا) النبيّ أُسوة وقدوة، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة }، فلو صدرت منه المعصية لاقتدى به الناس، وصارت المعصية في حق الناس طاعة فتتعارض الحقائق، وتضيع الشرائع، (سادسا) النبيّ هادٍ وحافظ للشرع، وحجّة الله على الخلق، قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده }، فلو جازت عليه المعصية لكان نصبه قبيحاً، لأنه كيف يكون هاديا وهو تجوز عليه المعصية، والله تعالى يقول: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}{الدخان/۳۲}، (سابعا) النبيّ أمين، والعاصي خائن، ولا يؤتمن الخائن، فلا تجوز المعصية في حقه، والله تعالى بقول: {لا ينال عهدي الظالمين }، (ثامنا) كل نبيّ راعٍ لأُمّته، ومسؤول عن رعيته، وصدور الذنب من الراعي أفحش من ذنب الرعية، فيصير بذلك أسوء حالاً من رعيته، ولا يليق للرئاسة الشرعية عليهم، فكيف يليق ذلك بمقام النبوة، إذ لو صدر الذنب عنهم لكان حالهم في استحقاق الذم عاجلا والعقاب آجلا أشد من حال عصاة الأمة، لقوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، فالأنبياء حالهم أشد، ولكن هذا باطل بالإجماع، وهذا يدل على عدم صدور الذنب عنهم، (تاسعا): لو صدر الذنب عنهم لما كانوا مقبولي الشهادة (لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا)، وهذا باطل فإن من لم تقبل شهادته في حال الدنيا فكيف تقبل شهادته في الأديان الباقية إلى يوم القيامة، (عاشرا): لو صدر الذنب عنهم لوجب زجرهم، لكن زجر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير جائز، لقوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) فكان صدور الذنب عنهم ممتنعا، (حادي عشر): لو صدرت المعصية من النبي لكنا مأمورين بالاقتداء به في المعصية، وهذا أيضا باطل لقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، فكانت المعصية في حقهم محالا، (ثاني عشر): لو صدرت المعصية عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لوجب أن يكونوا موعودين بعذاب جهنم، لقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) ولكانوا ملعونين، لقوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) وبإجماع الأمة هذا باطل فكان صدور المعصية عنهم باطلا، (ثالث عشر): إنهم كانوا يأمرون بالطاعات وترك المعاصي ولو تركوا الطاعة وفعلوا المعصية لدخلوا تحت قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون }، وتحت قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم }، ومعلوم أن هذا في غاية القبح، (رابع عشر): قوله تعالى {وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار }، دلت هذه الآية على أنهم كانوا من المصطفين الأخيار في كل الأمور، وهذا ينافي صدور الذنب عنهم، (خامس عشر): قال الله تعالى في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام (إني جاعلك للناس إماما، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)، وكل من أقدم على الذنب كان ظالما لنفسه، فإذا لم يصل عهد الإمامة إلى المذنب العاصي، فبأن لا يصل عهد النبوة إليه أولى) أهـــ.
(إذن): كل ما ورد في الشرع مما يوحي بوقوع المعصية فهو محمول على أحسن المحامل وأصحها مما يحفظ جناب الأنبياء والمرسلين، والقرآن الكريم لم ينص صراحة على معصية نبي إلا معصية آدم عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] وقد ذهب الحذاق من أهل العلم إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ونصح وإعلام، وليس نهيا على جهة التكليف يترتب عليه عضب من الله، وانه لما أكثر الشيطان الوسوسة عليه، نسي نصح الله تعالى له فأكل منها غير عامد لمخالفة أمر الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }، فـ (آدم) عليه السلام كان النهي عن الأكل من الشجرة نهي نصح وإرشاد، ولم يكن نهيا على جهة التكليف، لابد من توجيه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافى مع عصمة الأنبياء عليهم السلام، آدم عليه السلام ترك الأولى، وخالف الأمر الإرشادي فسمّي ذلك عصياناً، لأنّ الله تعالى أوحى لآدم عليه السلام: أنّك يا آدم اذا اردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة، فإن اكلت منها فسوف تطرد من الجنة، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة، بل غاية ما هنالك أنه يترتّب عليه الأثر، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض، ويوسف (عليه السلام) كان معصوما من الهم بامرأة العزيز: قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ أنه مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا أنه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، وخاتم الانبياء صلّى الله عليه وسلم، خاطبه الله تعالى بآيات قد توهم الخطأ، و لابد من توجيه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى في حقه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }، وقال في حقه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا }، وقال في حقه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ }، وقال في حقه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }، لابد من توجيه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، فأكثر هذه الآيات الموهمة لوقوع الخطأ أو الذنب، يراد بها أمة النبي صلّى الله عليه وسلم كقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]، فان الشرك مستحيل في حقّ النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، لكن الخطاب متوجّه ظاهراً الى النبي صلّى الله عليه وآله، لكنّه واقعاً متوجّه الى سائر المسلمين، ومثله قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا }، واما قول الله عزّ وجلّ: {عفا الله عنك لم أذنت لهم }، فهو مخالفته للأولى في ذلك، وكل ذلك صحيح ولكن هناك أمر اصح من الآخر، كما في قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا }، فكلا الحكمين صحيح ولكن هناك حكم أصح من الآخر، وخلاصة القول فإن عصمة الأنبياء ثابتة لهم من الكبائر ومن الصغائر ومن مخالفة أمر الله، فإنّ الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى الهداية الاِلهية التي يقوم بأعبائها الاَنبياء والرسل، ولا يتحقق ذلك الهدف إلا بعصمة الانبياء والرسل، العصمة التامة التي تورث العباد الثقة بالأنبياء، ويدخل فيه عصمة الانبياء من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.
***
المبحث الثالث توجيه الآيات التي توهم وقوع الانبياء في المعاصي
[المفتاح الأول]: جوزت الحشوية على الانبياء المعاصي، بآيات عامة ربما توهم وقوع الانبياء في المعاصي، وآيات خاصة ببعض الانبياء، ولابد من توجيه تلك الآيات بما يتناسب وعصمة الانبياء، من تلك الآيات العامة التي توهم وقوع الانبياء في المعاصي:
الآية الاَولى: قوله تعالى: {حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدَ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَومِ الْمُجْرِمينَ }، ظن اهل الحشو أن الضمائر في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} ترجع إلى الرسل، ولكنها تعود إلى الامم، وليس إلى الرسل، ومفاد الآية انّ الرسل عليهم السلام كانوا ينذرون قومهم، وكانوا يعدون المؤمنين بالنصر والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والاِبادة، لكن إذا تأخر النصر الموعود ظنت الاَمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر الله إيّاهم وإهلاك أعدائهم، فأخذوا يستهزئون بالمؤمنين، آنذاك: جاءهم نصرنا، فنجّي من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين.
الآية الثانية: قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }، والمعنى أنه من شدة البلاء، يقول الرسول والذين آمنوا معه (متى نصر الله) مقرونة بالضراعة والالتماس، وليس مع اليأس والقنوط معاذ الله.
الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظّالِمينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنه الحَقُّ مِنْ رَبّكَ فَيُوَمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ }.
هذه الآيات استغلها المنافقون والمستشرقون في مجال التشكيك في الوحى النازل على النبي، وفسروا إلقاء الشيطان في أُمنية الرسول أو النبي بالتدخل في الوحى النازل عليه فيغيره إلى غير ما نزل به، ثم أنه سبحانه يمحو ما يلقي الشيطان ويصحّح ما أُنزل على رسوله من الآيات، واستدلوا لذلك بما اورده المفسرون في سبب نزول الآيات، وأنّ الشيطان ألقى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ على المشركين سورة النجم ما يفيد مدح أصنامهم، قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى* ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى} حتى إذا بلغ قوله تعالى: {أفَرأيتُمُ اللاَّتَ والعُزّى * ومَناةَ الثالِثَةَ الا ُخْرى} ألقى عليه الشيطان كلمتين: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) ثم قرأ السورة كلّها، فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعاً معه المؤمنون والمشركون، وقال المشركون: قد عرفنا: إنّ الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فلمّا أمسى أتاه جبرائيل (عليه السلام) فعرض عليه السورة، فلمّا بلغ الكلمتين اللّتين ألقى الشيطان عليه، قال ما جئتك بهاتين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فما زال مغموماً مهموماً حتى نزلت عليه الآيات: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ ما يلقِي الشَّيطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ واللهُ عَليِمٌ حَكِيمٌ }.
ولا يخفى بطلان سند القصة على المحققين أولي البصائر والأبصار، ومما يدل على كذب وبطلان مزاعم هؤلاء: ان الآيات لمن تدبرها تحارب الشرك وتندد به، كما في قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى }، فهل بلغ جهل المشركين باللغة إلى هذا الحد أن رضوا بثناء محدود بعده آيات تندد بآلهتهم وتعدّها معبودات خرافية لا تملك من الاِلوهية إلاّ الاسم بلا مسمى ولا مضمون، فهل بلغ جهل المشركين باللغة إلى هذا الحد وهم من هم في اللغة وفهم مدلولات ألفاظها ومعانيها، ومما يدل على بطلانها ايضا: أنّ الله سبحانه وصف في صدر السورة نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْىٌ يُوحى }، فلا يصح أن يصف الله تعالى نبيه في أوّل السورة بهذا الوصف، ثم يبدر من نبيه في نفس السورة ما ينافي هذا الوصف.
والحفاظ قالوا انها قصة باطلة من فعل الوضّاعين الكذّابين، قال ابن خزيمة: إنها من وضع الزنادقة، وقال ابن العربي المالكي: إنها باطلة لا أصل لها، وردها القاضي عياض واستدل على بطلانها بأن الشيطان لا سبيل له ولا سلطان على عباد الله المخلصين، ومن باب الاولى على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الزيادة والنقص في الوحي، وقال الخازن: إنّ العلماء وهّنوا أصل القصة ولم يروها أحد من أهل الصحة، وإنّما رواها المفسرون والموَرخون المولعون بكل غريب، والذي يدل على ضعف هذه القصة اضطراب رواتها، وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها، والحاصل أن هذه القصة لا تصح، أما سبب سجود المشركين كما جاء في السيرة فإنما هو لدهشة أصابتهم وخوف عتراهم عند سماع خواتيم السورة {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) }، فأخذهم النص القرآني، واستشعروا نزول العذاب بهم، وظنوا أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كاف في دفع العذاب، وقد علموا أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخافوا أن ينزل بهم العذاب.
[ومن المغالطات التي ارتكبوها في سرد قصة الغرانيق]: أنّه ظنوا ان معنى (تمنّى) في قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ }، بمعنى تلا، وانّ لفظة (أُمنيته) {أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ}بمعنى تلاوته، وهذا ليس بصحيح، لان الامنية على ظاهرها، ولم يكن للرسل والاَنبياء أُمنية أعظم من نشر الهداية بين أقوامهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ }، وقوله تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرينَ }، وقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ }، إن أُمنية النبي كانت هداية الناس إلى طريق الله، وقوله تعالى: {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}أي أغرى الناس بالكفر ومخالفة هدي الانبياء، قال سبحانه: {يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشّيطانُ إلاّ غُرُوراً }، وعند ذلك يتضح مفاد الآية، قال سبحانه: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى (أي إذا فكّر في هداية أُمّته وخطّط لذلك الخطط، وهيّأ لذلك المقدمات) ألقى الشيطان في أُمنيّته) (بحض الناس على المخالفة والمعاكسة وإفشال خطط الاَنبياء حتى تصبح المقدمات عقيمة غير منتجة)، {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }، يحبط الله تعالى كيد الشيطان، وينصر رسله، كما قال تعالى: {كَتَبَ اللهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِىّ عَزِيزٌ }، وقال سبحانه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ }، {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}ثم يحكم الله آياته ويوَيد حججه بنصرة الرسل وأتباع الرسل.
[المفتاح الثاني]: أهل الحشو يجيزون وقوع المعاصي من الأنبياء: أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع كالخوارج لجهلهم بباب النبوات وما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الأنبياء، تكلموا على الأنبياء كما يتكلمون على سائر البشر وانهم تجوز عليهم المعاصي واخذوا بظواهر النصوص المتشابهات في حق انبياء الله، ونسبوا إليهم ما لا يليق بالصالحين فضلا عن الأنبياء والمرسلين، ومن ذلك: استدلالهم من متشابهات القرآن على جواز وقوع المعاصي من الأنبياء:
(أولا): في حق آدم عليه السلام: نسبوا إليه الظلم والمعصية وهونبي مُكلم:
(1) قصة آدم عليه السلام فِي سورة الْبَقَرَة {وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين}، وفي سورة الاعراف {وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين}، وفيهَا {قَالَا رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}، قالوا: نهى الله تعالى آدم عليه السلام عن الشجرة فعصى آدم ربه وأكل منها، وصار من الظالمين، وانّ هذا يدل على جواز وقوع المعصية والكبيرة من النبي شرط ان يتوب بعدها، وكلامهم خواء عن الصحة والفهم، ولو كان ذلك من انسان عادي لكان منقص في حقه فكيف بأبي البشر النبي المُكلم الذي اسجد الله تعالى له الملائكة، والقصة كما يلي: آدم عليه السلام نبي مُكلم معصوم والخوارج وأهل البدع لا يعرفون كيف يتعاملون مع النصوص التي تخص الانبياء، والعلماء يفرقون بين درجات النهي، ويقولون بان هناك نهي ارشاد مثله مثل الطبيب الذي ينهى المريض عن طعام معين خوفا على صحته، وهناك نهي تكليف كما نهانا الله تعالى عن الزنا وشرب الخمر، فالأول نهي ارشاد وارفاق وتعليم والثاني نهي تكليف وتحريم، وقد ذهب أهل العلم بأصول الدين، وما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الأنبياء إلى القول بأن نهي آدم عن الأكل من الشجرة كان نهي إرشاد ورفق، وليس نهيا على جهة التكليف والتحريم، ثم أنساه الله تعالى بعد ذلك إرشاده إياه ووصيته له فأكل من الشجرة غافلا عن الوصية فكانت تلك بمثابة المعصية، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، فلما تاب وهو على قول القائل: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) تاب الله عليه واجتباه، إنّ النهي الرباني ينقسم إلى قسمين: نهي إلزام ونهي نصح وإرشاد، نهي الإلزام مخالفته معصية، أما نهي النصح والاِرشاد، فإن مخالفته لا تعد معصية على المعنى الاصطلاحي عند أهل الأصول، وعند النظر إلى القرائن الموجودة في الآيات نجد انها إرشادية تهدف إلى صيانة آدم من آثار الأكل من تلكم الشجرة، مثل الخروج من الجنة، كما في قوله تعالى: {فَقُلْنَا يا آدمُ إنَّ هَذَا عَدُوّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى}، فإنّ قوله سبحانه: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} صريح في أنّ أثر امتثال النهى هو البقاء في الجنّة، وهذا يدلّ على أنّه سبحانه كان ينهى آدم بصورة الاِرشاد والنصح، وانّه لو خالف هذا الأمر لترتب عليه الخروج من الجنة والشقاء، وكما في قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوّ مُبِينٌ}، فإن الاسلوب القرآني اسلوب النصح والاشفاق على آدم، وكذلك قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءاتِهِمَا}، يبين أنّ ما يترتب على الأكل من الشجرة هو ظهور العورة، وبداية رحلة الشقاء والمعاناة، ومن تدبر وسوسة الشيطان رأى انها جاءت على صورة النصح أيضا {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، ولو كان الامر الإلهي امر إلزام لما صدق آدم عليه السلام قسم الشيطان وهو لا يتصور أن أحدا يقسم بالله كاذبا، إذ كيف ينصح في امر قد نهى الله تعالى عنه نهي إلزام، وإنما يستقيم القسم بالنصح إذا كان الامر الاول أمر هداية وإرشاد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بأساليب الكلام واختلافها ما بين إلزام وإرشاد، والحاصل أن نبي الله آدم عليه السلام ترك الاولى والأفضل، ولم يكن العصيان على معناه المراد، الله سبحانه أعزّ آدم بتعليمه الاَسماء، وأسجد له الملائكة، وفي هذه الحالة طلب منه أن يترك الاَكل من الشجرة المعينة، كان المترقب من مثله وهو نبي مكلم أن يتورّع عن أيّة مخالفة مهما صغرت، ومهما كان الاَمر والنهي غير إلزاميين، ولأجل ذلك يعد هذا العمل في حق النبي معصية تحتاج إلى توبة، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولهذا كان المحكم في ذلك هو قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}، فالأسلوب القرآني لا يلائم المعصية إذا كانت معصية، وإنما المعنى: وصيناه أن لا يأكل من الشجرة وأرشدناه إلى ذلك فنسي امرنا، ولم نجد له حزما، وهذا يدل على أن آدم عليه السلام (النبي المكلم) ظلم من ذريته ظلما كبيرا عندما ظنوا أنه خالف الامر الرباني وأخرجهم من الجنة، بل كان الأمر أمر نصح وإرشاد واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه إذ لم يسمع النصيحة، فعرّض نفسه للشقاء، وقد يتمسك أهل البدعة بظاهر الآية: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}، على أن آدم عصى وغوى ثم تاب فتاب الله عليه، ولو كان الامر على أحد الناس لهان الأمر ولكنه على آدم النبي المعصوم، فلابد من معرفة معنى العصيان ومعنى الغواية في الآية، كلمة (عصى) فهي وإن كانت مستعملة في مصطلح الشرع في الذنب إلا أن المعنى الحقيقي لها: أنّ المعصية هي خلاف الطاعة، فإن كان الاَمر إلزامياً كان العصيان ذنباً، وإذا كان أمراً إرشادياً على سبيل النصيحة وحسب لم تكن المخالفة ذنباً في المصطلح، ولأجل ذلك لا يصلح التمسّك بهذا اللفظ وإثبات الذنب على آدم (عليه السلام)، وأما كلمة (فغوى): فالغي يستعمل بمعنى الخيبة، والمعنى المراد من (الغي) في الآية هو خيبة آدم بحرمانه من الجنة، أهل الحشو يظنون ان (الغي) هنا في الآية بمعنى الضلال في مقابل الهدى والرشاد، وليس كذلك، لأن الضلال قد يأتي بمعنى عدم معرفة الأصلح والأصوب، ومنه تقول العرب (ضل الطريق) إذا لم يعرف الطريق، ومنه قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}، أي لا تعرف طريق النبوة فهداك إليه، إذن ليس كل غي ضلال ولا كل ضلال معصية، و (آدم) عليه السلام بعدما أكل من الشجرة بدت له سوأته وخرج من الجنة وهبط إلى دار الفساد، فعندئذ غوى عن مصلحته الذاتية ولم يكن الامر غواية عن طريق الله ولا معصية في حق الله، بل كل ذلك في حق نفسه وحسب.
وقد يتمسك (الحشوية) بظاهر الآية: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أن فعل (آدم) عليه السلام كان معصية لأنه قال {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، و معنى (الظلم) وضع الشيء في غير موضعه، ومن أمثال العرب قولهم (من أشبه أباه فما ظلم)، فإذا كان معنى الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، لا يلزم أن يكون كل ظلم ذنباً ومعصية، فمن لم يسمع قول الناصح المشفق وعمل بخلاف قوله فقد ظلم نفسه، وهذا معنى الآية: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أي لم نسمع نصيحتك فكان عاقبة ذلك ان ظلمنا انفسنا، ويؤيده قوله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} فالمقصود ظلم النفس، بإخراجها من النعيم إلى الشقاء.
وقد يتمسك (أهل الحشو) بظاهر الآية: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، ويقولون انه ما دامت هناك توبة فلابد وان تكون هناك معصية، ونقول: لا تلازم، لان (التوبة) تأتي بمعنى الرجوع لاسيما إن تعدت بحرف الجر (على)، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىّ}، ولم يكن له ذنب آنذاك، بل المعنى [رجع عليه بالرحمة]، أما إن تعدت بحرف الجر (إلى) فتعني التوبة من الذنب كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، إذن الآية {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، كانت التوبة بمعنى الرجوع، أي: انّ الله تعالى رجع عليه بالرحمة، ومثله قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فالتوبة هنا من الله على (آدم) عليه السلام، بمعنى رجع الله تعالى عليه بالرحمة، وليس دلالة على وقوع الذنب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّه ليران على قلبي وانى استغفر الله كل يوم سبعين مرّة) ([7]) .
وليس هذا الاستغفار دليلاً على صدور الذنب، بل هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فعندما ينظر النبي إلى حق الربوبية والإلهية عليه يشعر بالتقصير ومن ثم الاستغفار من هذا التقصير، ولا ذنب ولا معصية.
وقد يتمسك (أهل الحشو) بظاهر الآية: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، على أن المغفرة تقابل اقتراف الذنب، ولا دلالة، لان أصل المغفرة هو [التغطية والستر]، فإذا كان الغفران بمعنى الستر فلا ملازمة بين الستر والذنب، فإنّ المستور ربّما يكون ذنباً وربّما يكون من باب مخالفة الاولى، ولأجل ذلك طلب (آدم) عليه السلام من الله سبحانه أن يستر العيب وان يرجع عليه بالرحمة، {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بسبب عدم قبول النصيحة من رب العالمين، وبه يتبين براءة (آدم) عليه السلام من الذنب والمعصية بالمعنى الاصطلاحي، وانه نبي مكلم معصوم، نبي الله (آدم) عليه السلام كان معصوما، وقد ظلم من ذريته ظلما كبيرا عندما ظنوا أنه خالف الامر الرباني الإلزامي فعصى وغوى وضل، بل كان الأمر أمر نصح وإرشاد وحسب، واجتهد آدم عليه السلام، وكان اجتهاده عائدا على نفسه، وكله كان من باب القضاء والقدر ولذا حج آدم موسى، ولوكان آدم عاصيا على الحقيقة لم استطاع أن يحج موسى، في الحديث: (حاجَّ موسى آدم عليهما السلام فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحجَّ آدم موسى) ([8]) .
فإن كان آدم عليه السلام عاصيا مذنبا على الحقيقة لكان في قوله احتجاج بالقدر على المعصية وهذه وحدها كبيرة، بل الأمر على غير ذلك، إنه احتجاج على القدر بالمصيبة وليس بالمعصية، ومثاله، رجل خرج من بيته فزلقت رجله فانكسرت فقال له قائل لو لم تخرج من بيتك لما كسرت رجلك، فيقول له هذا قدر قدره الله تعالى عليّ فيكون كلامه في محله، ويكون احتجاجه على القدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب والذنوب والمعاصي، بخلاف آخر شرب الخمر فعاتبه الناس فيقول هذا أمر قدره الله علي، فهذا لا يكون من باب المحاججة بل من باب الاستخفاف بالقضاء والقدر، وقاعدة أهل السنة والجماعة (لا يجوز الاحتجاج على القضاء والقدر بالمعاصي) ولو كان (آدم) عليه السلام عاصيا حقيقة لما استطاع ان يحج موسى عليه السلام، فدل ذلك يقينا على أنّ الامر الرباني بعدم الأكل من الشجرة كان من باب النصح والارشاد وليس من باب الامر والإلزام.
(ثانيا): في جق نبي الله نوح عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابه قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 45، 46]، على أن نوحا عليه السلام راجع ربه الذي وعده بنجاة اهله عندما رأى غرق ابنه بقوله: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي)، وقد فسر العلماء الآية بأن الله تعالى نفى أن يكون ابن نوح من أهله الذين وعد الله بنجاتهم، {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}، أي أنه ليس من أهلك في العقيدة والدين، والحاصل أن نوح عليه السلام لم يطالب بنجاة ابنه الكافر معاذ الله، ولكن غاية الأمر استفسار من نبي الله توح أنك يا ألله وانت اعلم وأحكم وعدني بنجاة أهلي وإن ابني من اهلي ووعدك حق وصدق فماذا حدث، يسأل على سبيل العلم لا على سبيل الاعتراض وحاشاه، وهو القائل في سورة نوح {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}، فكان الجواب: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد: {قَالَ رَبّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الخَاسِرينَ}، فالأمر كله على سبيل الاستعلام لا على سبيل الاعتراض وحاشاه وهو النبي المرسل، ومن أولي العزم من الرسل أن يعترض على حكم الله، قصارى الأمر، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين: صدور سؤال منه غير لائق بساحة الاَنبياء، ولأجل ذلك خوطب بالعتاب: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، فكان الرد من نبي الله نوح هو التسليم المطلق لحكمة الله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، فكان الرد الإلهي على هذا التسليم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ}، فأين المعصية في كل هذا.
ثم إنّ (الراجح) كما قال الكثير من المفسرين أنّ الابن كان متظاهرا بالإيمان مبطناً للكفر، ويدل على ذلك قول نوح لابنه عندما امتنع أن يواكب أباه في ركوبه السفينة: (يَا بُنَىَّ ارْكَب مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَعَ الْكَافِرينَ)، أي لا تكن معهم حتى تشاركهم في البلاء، ولو كان عارفاً بكفره لكان عليه أن يقول: (ولا تكن من الكافرين)، فلما أدركه الغرق أدركته الحيرة في أنّه كيف غرق مع أنّ وعده سبحانه حق لا يشوبه ريب، ولم يكن نوح مطّلعاً على باطن ابنه، بل كان معتقداً بظاهر الحال أنّه موَمن، وعندئذ استفسر بقوله: {انّ ابنى من أهلي وإن وعدك الحق}، وأجابه الله تعالى بأنّه ما أدركه الغرق إلاّ لاَجل كفره، فهو لكفره كان داخلاً في قوله تعالى: {إلاّ من سبق عليه القول} أي بالكفر والعناد،) كان نوح (عليه السلام) يتصور أنّ ولده موَمن فاستفسر من العليم الحكيم، فنبّهه سبحانه على أنّه ليس من أهلك، والمعنى: (انّ ولدك وإن كان من نسلك لكنّه ليس من الاَهل الذين وعدت بنجاتهم وخلاصهم لأنه كافر داخل في المستثنى بقولي: {إلاّ من سبق عليه القول منهم}، وهم الكفار، وقوله عليه السلام: {وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}، ليس معناه وقوعه في الذنب، فطلب المغفرة والرحمة لا تلازم بينه وبين المعصية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول (استغفر الله العظيم من كل ذنب واتوب إليه)، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحصون له في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارا، وليس استغفار من ذنب وإنما من تقصير في حق الإلهية والربوبية بسبب عجز الجنس البشري وإن كان كاملا كما هو حال الانبياء عن استيفاء حقوق الربوبية والعبودية والإلهية لله.
(ثالثا): في جق نبي الله إبراهيم عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في انه استدل لمعرفة ربه سبحانه بأفول الكواكب والقمر والشمس، وأنه قبل ذلك لم يجري عليه القلم، وهذا من أجهل الجهل بحال الأنبياء وعصمتهم، والخليل إبراهيم (عليه السلام) هو خير أولي العزم من الرسل بعد النبي صلى الله علسيه وسلم، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به، وكان له موقف مع كل أهل الشرك، خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، و خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، وقال سبحانه مخاطبا سيد المرسلين بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّني هَدَاني رَبّي إِلَى صِـرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، ومع كل هذا الثناء على الخليل إبراهيم (عليه السلام) يريد أهل الحشو أن ينسبوا إليه ما لا يليق.
(1) قوله تعالى: {وكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالا ََرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِين * فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبّي لا ََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْركُونَ}، قال أهل الحشو: قوله: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد، بل الحاصل أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر وابعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، وكان الحاصل كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريدها الخليل فقال كما ذكر القرآن الكريم: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، عبر لهم عن حقيقة أصنامهم وانها لا تضر ولا تنفع، فأبوا: و {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}، فتدخلت القدرة الإلهية بقوله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، هذا هو الحاصل. طريق الخليل هي تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الخليل إبراهيم عليه السلام، ومما يدل على ان ذلك كان منهجه عليه السلام، ما جاء في سورة الصافات: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}، معنى الآيات أنه حاججهم بقوله {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، فلما آيس منهم احتال عليهم، كانوا ينظرون في النجوم يستطلعون الغيب، فشابههم لكي يعتذر منهم من الخروج إلى عيدهم، وكان بنوي أن يختلي بالأصنام يكسرها {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} احتال عليهم لاجل اظهار الحق، فأوهمهم انه ينظر إلى النجوم مثلما يفعلون حيث كانوا يستكشفون من الاَوضاع الفلكية الاَحداث المستقبلية وتعلل بانه لن يخرج معهم لأنه سقيم، هو أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وهم ظنوا أنه يشتكي المرض، أو ان طالع النجوم أخبره بانه سيمرض، نظر في السماء على عادتهم وأوهمهم أن النجوم تدل علي أنه سيسقم غدا، وكانوا منجمين، فتركوه مقتنعين بحاله، وإلا لما تركوه يختلي بأصنامهم وهو الذي قد توعدها من قبل، فاختلى بالأصنام وكسرها، وصدق فيه قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}، أي وفى بكل ما امره الله تعالى به في الدفاع عن عقيدة التوحيد، حنى كان له موقف مع كل أهل الشرك باختلاف أقسامهم.
(2) حديث البخاري: عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) ([9]) فــ (الكذب) هنا من باب التورية والمعاريض، يقصد شيئا حقا وصدقا ولا يفهمونه، فقوله {إني سقيم} أراد أنه سقيم القلب من عبادتهم للأوثان، وفهموا أنه مريض لا يتمكن من الخروج معهم، وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} له قرائن تدل على أنه لا يقصد سوى إقامة الحجة عليهم بانها أصنام لا تقدر على شيء، والسياق يدل على ذلك {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} فهو يطلب منهم ان يستوثقوا صحة ذلك {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}، فكانت الفرصة التي يريد الخليل أن يصل إليها {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، أما قوله ان سارة أختي، يقصد في الإيمان، إنما المؤمنون إخوة، فالصدق واجب في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل أقوالهم وأفعالهم واحوالهم، مع الله ومع الناس، واتصافهم بالكذب محال، ولا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحواله.
(رابعا): في جق نبي الله يوسف عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك به أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في هم يوسف عليه السلام بامرأة العزيز: استدل أهل الحشو بقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}، وزعموا انه قد وقع منه الهم ولكن تداركته رحمة الله فرأى برهان ربه فامتنع من المعصية، وكلامهم باطل لا أساس له من الصحة، ومن فهم اللغة علم ان (لولا) حرف امتناع لوجود، امتناع الهم لوجود العصمة، فلولا انه رأى برهان ربه (النبوة والعصمة) لوقع منه الهم ولكنه لم يقع منه الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، أهل الحشو ذكروا المحال وانه وقع منه (الهم) جزما، واستدلوا لذلك بما ورد في الاسرائيليات وأخبار أهل الكتاب وانه لما جلس منها مجلس الخيانة والخطيئة، أدركه برهان ربّه ونجّاه من الهلكة، ولو كان الامر كذلك فلربما وقف بعض الصالحين موقفا خيرا من موقف العفيف النبي ابن يعقوب النبي ابن اسحق النبي ابن الخليل إبراهيم، كان يهرب من الفتنة بلا هم، فكيف بنبي الله الذي يستحيل عليه التفكير في الإثم، حال الأنبياء ليس كحالنا هم معصومون حتى عن مجرد التفكير في الإثم ومن نظر في رد يوسف عليه السلام علم بداهة انه يستحيل عليه التفكير في الإثم والمعصية، قال تعالى: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، الرد يستحيل معه تصور الهم السيء، ومن عرف ان (لولا) حرف امتناع لوجود المانع، فلولا انه رأى برهان ربه لوقع منه الهم ولكنه لم يقع من الهم لأنه نبي معصوم لا تجوز عليه المعصية، فالنبوة هي البرهان، وهي مانعة من الهم أساسا، والعصمة هي اليقين المانع من الذنب، فمحال أن يقع في قلب نبي هم بمعصية فكيف بالزنا والعياذ بالله، سبحانك هذا بهتان عظيم، ومن تدبر قوله تعالى لنبيه سيد الانبياء والمرسلين: {وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيءٍ} ومحال أن نظن بحبيب الرحمن وسيد الانام ظاهر المعنى، (لولا) حرف امتناع لامتناع، والمعنى أنه لولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ بالنبوة والعصمة لكان يسري عليك ما يسري على بني آدم، ولكنه لا يكون لما فضلك الله به من الرسالة والنبوة والعصمة.
(خامسا): في جق نبي الله موسى عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، عصمة كليم الله موسى (عليه السلام) من المعصية، وموسى عليه السلام كليم الله، أحد أولي العزم من الرسل، قال تعالى عنه: {وَ اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الاَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً}، استدلوا على عدم عصمته بثلاثة أمور: (الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان، و (الثاني) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، ثم لما سكت غنه الغضب أخذها، قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}، و (الثالث) مشاجرته أخاه هارون النبي مع عدم كونه مقصّـراً.
(الأمر الأول) قتله القبطي وتوصيفه بأنّه من عمل الشيطان: قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أهلها فَوَجَدَ فِيهَا رَجُليْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذا مِنْ عَدُوِّه فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمتُ نَفْسِي فَاغْفِر لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، قالوا: قتل نفسا واقر بانه كان من عمل الشيطان، واقر بالظلم وطلب المغفرة، فغفر الله تعالى له، وكلامهم كله من الجهل المركب، فإنّ نبي الله موسى عليه السلام قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي، وإنما هو قدر الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كثيرا بهذا الدعاء ويستغفر الله في كل مجلس ويتوب إليه، واما دعائه لنفسه بالمغفرة {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فليس في طلب المغفرة أي دليل على صدور المعصية، لاَنّ المغفرة تأتي بمعنى الستر، وكان اكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (الاستغفار) ولا يلزم من ذلك المعصية، ولكنه التقصير في حق الإلهية والربوبية وحقهما فوق طافة البشر ولو كانوا انبياء، فلزم الاستغفار من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وحاصل القصة: أنّ موسى عليه السلام لم يكن يقصد قتله وإنما أراد أن يردعه عن ظلم المظلوم فوكزه بغير نية القتل فمات بقدره، لقد كان المقتول من جند فرعون الذين علوا في الأرض ظلما وفسادا، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَونَ عَلا فِي الا ََرْضِ وَجَعَلَ أهلها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ويَسْتَحْىِ نِساءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدينَ}، ولم يكن فرعون قائماً بهذه الاَعمال إلاّ بجنده الظالمين، ولهذا الظلم كان هذا الرجل من أعداء موسى، لأنه كان كافرا بالله ظالما في معاملة عباد الله من نسل يعقوب وقد كانوا آنذاك هم المؤمنون، وعلى ذلك فقتل مثل هذا الكافر الظالم لا يعد عملاً قبيحاً، وقد كان بصدد قتل المؤمن من شيعة موسى عليه السلام، ولم يقصد موسى قتله، فلا يعد هذا معصية ولا ذنبا، واما قوله عليه السلام: {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}، يقصد المشاجرة والاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، ولا حرج في نسبة المعاصي إلى الشيطان، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَنْصابُ وَ الاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه ُلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، أما قوله تعالى حكاية عن الكليم موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فإنه قال ذلك هضما لنفسه على عادة الأنبياء، لأنه لا دخل له في مقتل هذا الجندي وإنما هو قدر الله.
أما (الامر الثاني والثالث) أخذه الغضب وألقى الألواح وفيها كلام الله، وجذب أخاه هارون النبي من لحيته ورأسه مع عدم كونه مقصّـراً، فلها قصة لا يصلح معها إلا ما فعله موسى عليه السلام، واعد الله تعالى موسى ـ بعد أن أغرق فرعون وجنده ـ بأن يأتي جانب الطور الاَيمن فيوفيه التوراة التي فيها بيان الشرائع والاَحكام وما يحتاج إليه، وكانت المواعدة على أن يوافي الميعاد مع جماعة من وجوه قومه، فتعجّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربّه وسبقهم على أن يلحقوا به، ولمّا خاطبه سبحانه بقوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} أجابه كما جاء في القرآن الكريم: {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (على أثري) وورائي يدركونني عن قريب، وعند ذلك أخبره سبحانه بأنّه امتحن قومه بعد فراقه (وأضلّهم السامري)، فرجع موسى من الميقات إلى بني إسرائيل حزيناً مغضباً، فرأي أنّ السامرى (أخرج لهم عجلاً) جسداً له صوت، وقال: إنّه إله بني إسرائيل عامة، وتبعه السفلة والعوام، واستقبل موسى هارون فألقى الاَلواح وأخذ يعاتب هارون ويناقشه، الموقف لا يحمل أقل من ذلك، لان بني اسرائيل هلكوا وكفروا بعد كل الآيات والمعجزات وعبدوا العجل، قال تعالى – في سورة طه -: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الاَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوْا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
فنبي الله موسى عليه السلام أخلف هارون عليه السلام على قومه، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لاَخِيهِ هَارُونَ اخُلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}، وقام هارون بوظيفته في قومه، فعند ما أضلّهم السامري ناظرهم بقوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى}، فاكتفى بالبيان انتظارا لمقدم موسى عليه السلام، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}، السامري أضل بني إسرائيل، وعبدوا العجل من دون الله، فكان لابد في هذا الموقف العصيب أن يظهر موسى عليه السلام غاية الغضب انتصارا لعقيدة التوحيد، وتنبيها لقومه ان ما فعلوه كفر اكبر اهدر كل ما كانوا عليه من الإيمان، وفي هذا الظرف العصيب أظهر كليم الله غضبه بإلقاء الاَلواح جانباً، ومناقشته أخاه بقوله: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)، فلا يحتمل الموقف غير هذا، وإلا لتهاون بني إسرائيل وحسبوا الموقف هينا، وهو عند الله عظيم، أهلك الله عدوهم، فكان المترقب منهم هو الثبات على طريق التوحيد ومكافحة ألوان الشرك ـ ومع الاَسف ـ فإنّهم كفروا بالله وعبوا العجل، بنو إسرائيل كانوا غافلين عن مدى الجرم الذي ارتكبوه فكان لابد أن ينبههم رسولهم على خطورة الامر، وإلا تمادى القوم في غيّهم وضلالهم وحسبوا أنّهم لم يقترفوا ما يستحقون عليه اللوم والعتاب، وهكذا قام الكليم بمعالجة القضية، ولولا ما قام به لهلكت أمته وكانت من اخس الامم كفرا وجهلا حيث عبدوا عجلا بعدما راوا من الايات الباهرات.
(سادسا): في جق نبي الله داود عليه السلام: من الحجج الواهية التي يتمسك بها أهل الحشو ومن سلك مسلكهم من أهل البدع والضلال من أجل إبطال مبدأ عصمة الأنبياء يستدلون بمتشابهات القرآن، في عصمة نبي الله داود (عليه السلام)، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 21 إلى 26]، تمسك الخوارج وأهل الحشو بما جاء في الاسرائيليات أن نبي الله داود عليه السلام كانت له تسع وتسعون امرأة , إذ جاءه الشيطان قد تمثّل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي , فمد يده ليأخذه , فتنحى فتبعه , فتباعد حتى وقع في كوّة, فذهب ليأخذه , فطار من الكوّة, فنظر أين يقع , فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها, فرأى امرأة من أجمل الناس خَلْقا , فحانت منها التفاتة فأبصرته , فألقت شعرها فاستترت به , قال: فزاده ذلك فيها رغبة , فسأل عنها, فأخبر أن لها زوجا , وأن زوجها غائب، في جند داوود، فبعث إلى أمير الجند أن يؤمره ويرسله إلى قتال الاعداء، فبعثه , ففتح له، وكتب إليه بذلك , فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ آخر , أشد منهم بأسا, فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك, فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا, فبعثه فقتل المرة الثالثة , فتزوج امرأته، فلم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله مَلَكين في صور إنسيين , فطلبا أن يدخلا عليه, فوجداه في يوم عبادته, فمنعهما الحرس أن يدخلا فتسوّروا عليه المحراب وكانت القصة.
ونحن نربأ بأنبياء الله تعالى المعصومين أن يصلوا إلى ما في القصة من الظلم واللؤم، يتغمد قتل الجندي حتى يستأثر بزوجته، هذه أكاذيب الإسرائيليات، والقصة على خلاف ذلك تماما، أراد الله تعالى أن يعلم نبيه التأني في القضاء لانه سيجعله خليفة في الارض يقضي بين الناس فلابد من سماع حجج جميع الأطراف حتى لا يقع في ظلم احد، فأرسل له الملكين في صورة رجلين فلما عرض الاول قصته تعجل في الحكم قبل سماع حجة الثاني، فاختفى الملكان وعلم داود انه تعليم من الله تعالى كيف يكون القضاء بين الناس، فلما تاب واناب وعلم احكام القضاء خاطبه الله تعالى بقوله: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}، لقد كان الهدف من طرح تلك الواقعة هو تسديد نبي الله داود في خلافته وحكمه بين الناس حتى يمارس القضاء بالنحو اللائق بساحته ولا يغفل عن التثبت.
(سابعا): في حق سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: قال أهل الحشو: جاء في حقه الكثير من العتاب، ولكن الله تاب عليه وعفى عنه، ففي سورة التَّوْبَة، قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44 , 45]، وفي سورة الْأَنْفَال {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، وفي سورة الإسراء، قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}، وفي سورة الأحزاب، {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]، وفي سورة محمد {واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات}، وفي سورة التَّحْرِيم {يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك}، وفي سورة عبس: {عبس وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى}، وفي سورة الشرح: {ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك}.
(1) قوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}، {عفا الله عنك لم أذنت لهم}، تلطف تعالى في عتاب الرسول، حيث قدم العفو على العتاب اكراما له عليه السلام، بل من هذه الآية يعرف الانسان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه، وعلو قدره، وسمو منزلته، والمعنى: سامحك الله يا رسول الله، لم اذنت لهؤلاء المنافقين، في التخلف عن الخروج معك بمجرد الاعتذار، {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}، أي هلا تركتهم حتى يظهر لك الصادق منهم في عذره، من الكاذب المنافق، {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر}، أي لا يستأذنك عن الجهاد من يؤمن بالله واليوم الاخر {أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}، لانهم يعلمون ما أعده الله للمجاهدين الابرار من الاجر الجزيل، فكيف يتخلفون عنه؟ {والله عليم بالمتقين}، عليم بحالهم لانهم مخلصون في الايمان متقون للرحمن، {انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر}، أي انما يستأذنك المنافقون، الذين لم يثبت الايمان في قلوبهم، {وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}، أى شكت قلوبهم في الله وثوابه، فهم يترددون حيارى لا يدرون ما يصنعون، اسلوب الكلام في الآية، اسلوب حب وتحنن وعطف، {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}، وكلنا يعلم من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرد سائلا أبدا ولا يعنف معتذرا أبدا بل يكلهم إلى نياتهم والله عالم بحالهم يحاسبهم وفق علمه وحكمته، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمسك عن احد حاجة أبدا، حتى هذا الذي طلب عباءته أعطاه إياها ومنعه ذلك من الخروج للناس ونزل فيه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الاسراء: 29]، وهو الذي قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالقصة كلها اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم ورأى ان الاذن لهم في مصلحة الامة، واخبره القرآن الكريم ان اجتهاده كان خلاف الأولى.
(2) قوله تعالى: {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة وَالله عَزِيز حَكِيم لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} [الأنفال: 67]، الملاحظ في قضية أسرى بدر أنه لم يسبق وجود حكم إلهي في الامر، بل كان اجتهادا من الرسول صلى الله عليه وسلم ووافقه في هذا الاجتهاد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، ومعروف من عظيم اخلاقه صلى الله عليه وسلم ولينه وحبه للعفو والكرم والسخاء، فقد أسر المسلمون سبعين منهم، فاستشار الصحابة وأخذهم بالرفق واللين وقرر إعفاءهم من القتل، وقبول الفدية ممن يستطيع منهم، ومن لم يكن معه مال، كان فداؤه أن يُعلّم بعض المسلمين القراءة والكتابة، أخرج الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: استشار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله – عز وجل -: (لولا كتاب من الله سبق) الآية) ([10]) .
فالقضية كلها كانت اجتهاد فيما لم يرد فيه نص، واخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق واللين، فليس هناك ذنب، وإنما هو من باب لاجتهاد فمن أصاب فله أجران ومن أخطا فله أجر، ولم يكن العتاب لشخص النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو التشريع الرباني الذي لا يُجامل أحدا، وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء: أن الإمام مخير فيهم: إن شاء قتل – كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة – وإن شاء فادى بمال – كما فعل صلى الله عليه وسلم بأسرى بدر – أو بمن أسر من المسلمين – كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر، هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة كبيرة من العلماء.
وهناك فائدة عجيبة، فإن الآيات لم تنزل إلا بعد إطلاق أسارى بدر وقبول الفداء منهم، وقد بدئت بالتخطئة والاستنكار لهذه الفعلة، ثم لم تلبث أن ختمت بإقرارها وتطييب النفوس بها، قال تعالى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنفال: 68 -69]، والملاحظ هاهنا انّ العتاب لم يكن موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عتاب لبعض الصحابة ليس على اختيارهم للفداء، وإنما على نياتهم فيه، {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة}، فنية الرسول صلى الله عليه وسلم جزما كانت مصلحة الإسلام والمسلمين ولعل الله ان يهدي بعض هؤلاء الاسارى إلى الإسلام وهذا قد حدث مع عمه العباس رضي الله عنه، ولكن العتاب منصرف إلى نيات أولئك الذين قدموا عرض الدنيا على الآخرة، حين تخيروا الفداء أنهم ما راعوا فيه إلا محبة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك.
(3) قوله تعالى: [وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك] قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين، في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه، قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في دعوته، منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم، وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم اْن يجعل أرضهم حراما كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلسا غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم، وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، [وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك] أي وإن كان الحال أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك [لتفتري علينا غيره] أي لتأتي بغير ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه، [وإذا لاتخذوك خليلا] أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحبا وصديقاً، [ولولا أن ثبتناك] أي لولا أن ثبتناك على الحق بعصمتنا إياك [لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا] أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا (ولولا حرف امتناع لوجود) فالأمر لم يحدث ولن يحدث ولكن عاقبة الأمر: [إذا لأذقانك ضعف الحياة وضعف الممات] أي لو ركَنتَ إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا لن يحدث، [ثم لا تجد لك علينا نصيرا] أي لا تجد من ينصرك منا، أو يدفع عنك عذابنا، والغرضُ من الآية بيانُ فضل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، [ولولا] حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم، لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما يُنقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يخاطب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقضايا شرطية كثيرة قال سبحانه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً}، وقال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلـىٍّ وَلا نَصِيرٍ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ}، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلِ * لاَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزينَ}، فهذه الآيات التي تحكى عن القضية الشرطية لا تدلّ على النتيجة، بمعنى أنّه لو فعل كذا لقوبل بكذا، ولكنه لا يفعل لوجود العصمة، وهذه الآيات الهدف الأساس منها تعريف الناس بوظائفهم وتكاليفهم أمام الله سبحانه، إذا كانت هذه الأحكام تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فهي تخاطب الأمة من باب الاولى.
(4) قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]، فالآيات ليس بها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم على خطأ ما، ولكنه كان توجيها إلهيا لابطال عادة التبني، حيث أوحى الله للنبي صلى الله عليه وسلم بأن زينب ستكون زوجته بعد أن يطلقها مولاه زيد، وأخفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك خوفا من كلام المنافقين، ورحمة بأصحابه، وكان كلما جاء زيد يطلب الطلاق، يأمره بالتمسك بها (“أمسك عليك زوجك”)، بينما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن الفراق لا بد منه، ولكنه كان صابرا حتى يقضي الله امرا كان مفعولا، ويعلم الناس جميعا أنها إرادة الله وليست رغبة شخصية للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاتبَه الله بقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ”}، ليس للعتاب ولا للتقصير ولكن ليكون أسوة وقدوة في إزالة جاهلية التبني، وابطال عادة العرب في ذلك، فقد كانت عندهم كبيرة أن يتزوج الرجل بحليلة ابنه ولو كان من التبني، ونزل القرآن أولا بمقدمة للأمر وهيي قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، تمهيدا لما قدره الله تعالى من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب رضي الله عنها ابطالا لعادة التبني عند العرب قبل الإسلام، هذا كل ما في الامر فلم يكن عتابا بقدر ما هو تشريعا وابطالا لعادة جاهلية كان عليها العرب جميعا قبل الإسلام، ثم جاء الوحي القرآني لرفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم، {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}، ومن روعة وجمال زيد رضي الله عنه وأخلاقه وولائه للنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب سريعا يُبشر زينب بأعظم بشارة الا وهي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها، وانها ستصبح من أمهات المؤمنين، فقد اخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (لما انقضت عدة زينب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: فاذكرها علي، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بغير إذن) ([11]) .
وقوله: (فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها) وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد خطبتها، فأنزلها منزلة أمهات المؤمنين، فأبعد نظره عنها وأعطاها ظهره، ورجع إلى الوراء وبعد عنها مسافة، ثم بشرها بالأمر،
(5) قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وتكرر الامر بالاستغفار في سورة غافر: قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55]، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يستغفر في كل اوقاته وكان الصحابة رضي الله عنهم يعدون له في الجلسة الواحدة (أستغفر الله واتوب إليه) أكثر من سبعين مرة، فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم) ([12]) .
واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم ليس من جنس استغفارنا، لأنه يستغفر من مرتبته وهي مرتبة رؤية العجز عن أداء حق العبودية كما ينبغي لله، وعظم حق الإلهية والربوبية، وهذه ليست في مقدور احد من الخلق، فهو يستغفر عن تقصير ليس له فيه ذنب، وليس هو في مقدوره ومع ذلك لابد من الاستغفار بسبب رؤية عظيم الفضل، {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وقد يكون الامر بالاستغفار ليقتدي به المؤمنون، في طلب المغفرة، بمعنى أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالاستغفار فغيره من باب أولى، وهذا على حد قول الفقهاء: الخطاب له والمراد به الأمة، لأنه معصوم من الذنب أصلا، وقد قال الله تعالى في حقه: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْىٌ يُوحى}، فالآية واضحة وصريحة في أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعي الهوى، جميع ما يصدر عنه من القول هو من الوحي الإلهي المحفوظ.
(6) قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 1،2]، والمعنى العام للآية: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك}، يا أيها النبي، لماذا تمنع نفسك من شيء أباحه الله لك؟ تبتغي مرضاة أزواجك، أي كنت تفعل ذلك لتكسب رضا بعض زوجاتك وتتجنب غضبهن بسبب الغيرة، والله غفور لذنبك هذا، ورحيم بك وبالمؤمنين، وقد شرع لك كفارة ليمينك، فأي ذنب هاهنا، للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما موقفه جاء من عظيم أخلاقه وهضم نفسه صلى الله عليه وسلم والله تعالى يُشفق عليه، وإنما كان العتاب لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5].
(7) قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الاَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمّا مَنِ اسْتَغْنَى * فأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}، روى المفسرون أنّ عبد الله بن أُمّ مكتوم الاَعمى أتى رسول الله وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأُبيّاً وأُمية ابني خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فقال عبد الله: اقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله، فعبس (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات، وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي ويقول: هل لك من حاجة، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، وهذه الآيات موعظة وتبصرة للخلق، يجب أن يتعظ بها ويعمل بموجبها العقلاء [فمن شآء ذكره] أي فمن شاء من عباد الله اتعظ بالقرآن، واستفاد من إرشاداته وتوجهاته، قال المفسرون: كان صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب، لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إذا دخل عليه ” ابن أم مكتوم ” يبسط له رداءه ويقول: مرحبا بما عاتبني فيه ربي، والخلاصة: النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع أئمة الكفر قي مكة يدعوهم إلى الإسلام، وكان يرجو اسلامهم لأنه إن اسلموا أسلمت مكة كلها، فاجتهد هل يترك مجلسه الدعوي هذا ويقبل على عبد الله بن أم مكتوم يعلمه أحكام الدين، أم يؤجل عبد الله بن أم مكتوم إلى حين الفراغ من دعوة رؤساء مكة إلى الإسلام، اجتهد صلى الله عليه وسلم وقد كان أشد الحرص على إسلامهم، ولكن الله عز وجل بين له انه ليس عليه اسلامهم ولكن عليه أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم، اجتهد لمصلحة الدعوة، فاين التقصير الذي يقوله الخوارج والحوية هنا، والعبوس لم يكن مرادا به عبد الله، وإنما هو كرد فعل لدخول عبد الله عليهم في ناديهم ولم يصبر حتى يتم النبي صلى الله عليه وسلم نقاشه مع المشركين، اجتهد للإسلام، وكانت حياته كلها له، حتى خاطبه الله تعالى بقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، اجتهد وبين القرآن أنه خلاف الأولى، فنحن بين الصواب والأصوب، وبين الكمال والاكمل، وهو يبين مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس أجمعين، حتى خاطبه الله تعالى بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6].
(8) قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 1 إلى 3]، يقولون أوزار الجاهلية وما قبل البعثة المحمدية، وهذا ناشئ من عدم معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [المؤمنون: 68]، فهم لم يعرفوا نبيهم صاحب الخلق العظيم، فإنّ الوزر الذي أنقض ظهر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الهموم التي كان يتحملها من قومه، من كفرهم وجحودهم وتكذيبهم، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6]ن وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3، 4]، وباخع نفسك أي قاتل نفسك كمدا وحزنا، فهذا هو الحمل الثقيل والوزر الذي أنقض ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، والوزر في اللغة يأتي بمعنى الذنب، ويأتي بمعنى الحمل الثقيل الذي ينقض الظهر، فالله تعالى رفع عنه هذا الثقل الشديد، وبشره بالفتح حتى لا يكون مكان في الأرض إلا ويصله الإسلام، وبشره باليسر بعد العسر، فقال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، فإنّ العسر لن يغلب يسرين، فإذا إذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء، وإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل وإذا فرغت من العبادة فانصب إلى الطاعة، وإلى ربك فارغب وتقرب إليه بالدعاء والتضرع والإخلاص، تطلب منه ما عنده من الخير والمغفرة والرضا.
[المفتاح الثالث]: استدلالهم من متشابهات القرآن على جواز نسبة الشك على الانبياء
(1) فِي سورة يُونُس {فَإِن كنت فِي شكّ مِمَّا أنزلنَا إِلَيْك فاسأل الَّذين يقرؤون الْكتاب من قبلك}، جوزوا وقوع الشك على الأنبياء، والشك محال على الأنبياء، إذ لو تتطرق الشك إلى قلوبهم فليس على ظهر الأرض مؤمن، والخطاب في الآية للنبي في الظاهر، ولكن المقصود الحقيقي هو إزالة الشبهات عن المشركين الذين استغربوا بشرية النبي، فيكون المعنى حينئذ قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين إذا كنتم في شك من هذا القرآن فاسألوا الراسخين في العلم من أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام فسيخبرونكم بصدقه لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لأهل الكتاب بأنهم أعلم منهم لوجود الكتب السماوية عندهم.
(2) وفي سورة الشورى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان}، و(المفتاح): أي ما كنت على علم تفصيلي بحقائق القرآن وشرائعه، ولا حقيقة الإيمان وأصوله وأركانه قبل الوحي، والغاية من الآية تذكير بنعمة الله على الرسول، والرد على المعاندين ليدركوا أن ما جاء به الرسول ليس من عنده، بل هو من عند الله، وإثبات صدق الرسالة وأن هذا القرآن هو نور يهديهم إلى الحق، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}،
(3) وفي سورة الضُّحَى {ووجدك ضَالًّا فهدى} والمعني أن الله وجدك غافلا عن طريق النبوة والشريعة الكاملة فهدَاك إليها، ويُفسّر أيضًا بأنه وجدك بين قوم ضالين فهداك أنت، وجعل هدايتك لهم، مع التأكيد أن النبي معصوم ولم يكن ضالاً بالمعنى الكفري بل كان حنيفاً موحداً لكنه لم يكن مُكلفاً بعد، والآية إشارة إلى عناية الله بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، وتوجيهه له من حال إلى حال أفضل، فهو لم يكن ضالاً بالمعنى الكفري، بل كان على الفطرة، لكنه كان ضالاً عن تفاصيل الدين الذي سيُوحى إليه لاحقاً،
(4) وفي سورة يُوسُف {إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون} يقصدون أنه كان على الكفر وهيهات فالانبياء معصومون من الكفر، والمعنى العام أنّ يوسف عليه السلام يقول لصاحبي السجن، إنه بريء من دين قومه الذين يعبدون غير الله ويكفرون باليوم الآخر والحساب، وأنه لم يكن من أهل تلك الملة قط، وإنما يبرأ منها ويتبنى عقيدة التوحيد والآخرة.
(5) وفي سورة ابراهيم {وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا}، يقصدون المعنى الحرفي وهو العودة إلى الكفر الذي كانوا عليه، وهذا محال، لعصمة الأنبياء، والمعنى: لنخرجنكم من قريتنا، أو لترجعن عن دينكم إلى ديننا، والمعنى: أو لتصيرن إلى ديننا.
(6) وفي سورة الاعراف {قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا}، والمعنى كما الآية السابقة، يعني أن العودة إلى الكفر أو إلى ملتهم الضالة أمر مستحيل وغير ممكن لهم إلا بمشيئة الله وقضائه، والمعنى الإجمالي: “لا يمكن لنا أن نعود إلى ملتكم الضالة أبداً، إلا إذا شاء ربنا ذلك وقضى به، وهذا يظهر إيماننا الكامل بأن كل شيء بيده، وليس لنا من الأمر شيء.
(7) وفي سورة الْأَنْعَام {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين فَلَمَّا رأى الْقَمَر بازغا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا رأى الشَّمْس بازغة قَالَ هَذَا رَبِّي}، قالوا: قوله عليه السلام: (هذا ربي) في المواضع الثلاثة ظاهر في أنّه (عليه السلام) كان في صباه وقبل البلوغ وقبل أن يجري عليه القلم في مقام البحث والتحري عن الإله حتى وصل إلى الرب الحق، وهذا الذي قالوه لا يجوز نسبته إلى أحد من الانبياء فضلا عن الخليل، إذا الانبياء مفطورون على التوحيد مذ ولادتهم وإلى أن يلقوا الله على ذلك التوحيد.
بل الحاصل أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان في معرض المحاججة مع قومه، وكان بعضهم يعبد الكواكب والبعض يعبد القمر والبعض يعبد الشمس، فأتى على معبوداتهم يهدم اعتقادهم ويثبت لهم أنهم على الباطل، فكان أوقع في نفوسهم واثبت للحجة ان يتبنى مذهبهم أولا ثم يبطله ثانيا، كما فعل مع الأصنام فإنه بعدما كسرها قال (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} فهو يثبت لهم انها لا تصلح للإلهية لأنها خرساء عاجزة عن الدفاع حتى عن انفسها، فكيف تدافع عن عابديها، فهذا هو طريق الخليل عليه السلام في تبني قول الخصم ثم الاتيان عليه من قواعده فلا يدع مجالا لمجادل، ولذا قال تعالى في خاتمة الآيات: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ولهذا قال أهل العلم بالأصول أنّ إمام المتكلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الخليل إبراهيم عليه السلام.
(8) وفي سورة الْبَقَرَة {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]، قالوا: أن عزيرا شك في البعث، وأنه لما اماته الله مائة عام ثم بعثه أيقن بان الله على كل شيء قدير، وهذا خطأ، فالآية تحكي قصة النبي عزير عليه السلام الذي مر على قرية مدمرة، فتساءل كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها، فأماته الله مئة عام ثم بعثه، ورأى بأم عينيه إحياء الله لعظام حماره والقرية، فعلم علم اليقين قدرة الله على الإحياء بعد الموت، بعد أن كان يعلم ذلك ويؤمن به علمًا نظريًا أصبح علمًا حسيًا يقينيا.
(9) وفي سورة يُوسُف {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]، استدلوا بالىية على ان الأنبياء قد يصيبهم اليأس والظن السيء، وهذا من اعظم الجهل، فإنّ الضمائر في قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} لا ترجع إلى الرسل، ولكنها تعود إلى الامم، وليس إلى الرسل، ومفاد الآية انّ الرسل عليهم السلام كانوا ينذرون قومهم، وكانوا يعدون المؤمنين بالنصر والغلبة ويوعدون الكفّار بالهلاك والاِبادة، لكن إذا تأخر النصر الموعود ظنت الاَمم أنّ الرسل كذبوا في ما أخبروا به من نصر الله إيّاهم وأهل اك أعدائهم، فأخذوا يستهزئون بالمؤمنين، آنذاك: جاءهم نصرنا، فنجّي من نشاء وهم المؤمنون، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين.
(10) وفي سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، زعموا أنّ يونس عليه السلام خالف أمر ربه، والحاصل انّ يونس عيه السلام نبي معصوم دعا قومه فلم يوَمنوا فأخبرهم بوقوع العذاب، وفارقهم قبل نزول العذاب، ظنا منه أن العذاب واقع عليهم لا محالة، وظنا منه انّ الله تعالى لن يؤاخذه، فلمّا أشرف عليهم العذاب تابوا وآمنوا، فكشفه الله عنهم، وعاتبه لأجل مفارقته قومه مع إمكان رجوعهم إلى الله سبحانه وإيمانهم به، وأُمّة يونس عليه السلام هي الاَمّة الوحيدة التي نفعها إيمانها قبل نزول العذاب، قال تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين}، يونس عليه السلام ذهب مغاضباً لقومه لعدم استجابتهم له، عندما ظهرت أمارات العذاب، وظن أن لن يضيق الله عليه بسبب تركه لقومه، ثم ندم على عمله (فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أي لنفسه، فاستجاب الله تعالى له ونجاه من الغم.
[المفتاح الرابع]: أهل الحشو نسبوا إلى آدم وحواء عليهما السلام الوقوع في الشرك، واستدلوا لذلك بروايات باطلة تنسب إليهما أنهما المقصودان بقوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيَما آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْـرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} قالوا بان بأنّ ضمير التثنية في قوله تعالى {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيَما آتَاهُمَا}، يرجع إلى آدم وحواء، والعجيب من هؤلاء الخوارج أنّ الآيات لم تنص على آدم وحواء، ومحال أن يقع نبي مكلم في الشرك، وإلا فما فائدة النبوة وأين تكون العصمة، ولماذا لا يكون المراد من الآيات بيان طبيعة الإنسان الجاحد لنعمة الله، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}، والآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوا الله تعالى به، والدليل على ذلك أن الآيات السابقة لهذه الآية تتحدث عن الميثاق الذي أعطاه الاِنسان لربّه ولكنّه نقضه، {وَإِذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاوَنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَافَعَلَ المُبْطِلُونَ}، وهذا دليل على أنّ المراد هو تعريف طبيعة الاِنسان الناقض للعهود والمواثيق مع الله، ثم إنّ خاتمة الآية تؤكد ذلك، لأنه سبحانه ختم الآية بقوله: {فَتَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُون}، فلو كان المراد من النفس وزوجها في الآية شخصين معيّنين كآدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان)، والآية التالية تؤكد ذلك لقوله تعالى – على سبيل الانكار على المشركين: {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون}، وحاشا أنْ يكون آدم عليه السلام النبي المكلم مشركاً في عبادة الله، و(الخوارج): استدلوا لكلامهم بحديث رواه الإمام احمد في مسنده والترمذي في سننه: عن الحسن البصري، عن سمرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس – وكان لا يعيش لها ولد – فقال: سميه عبد الحارث ; فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) ([13]) .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر بن إبراهيم راوي الحديث، قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، والثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، والثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا، لما عدل عنه، قال ابن جرير: بسنده عن الحسن: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، ثم ذكر ابن كثير آثارا في ذلك ثم قال: هذه الآثار يظهر عليها – والله أعلم – أنها من آثار أهل الكتاب، ونحن فعلى مذهب الحسن البصري، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ; ولهذا قال الله {فتعالى الله عما يشركون} هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، من الأنداد والأصنام والأوثان) انتهى،([14]) . وقال القرطبي: (وهو الذي يعول عليه، فقوله: جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين، ويعني به الجنسين، ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان) انتهى،([15]) .
فالحديث ضعيف لا يثبت، والأولى: ان نقول: أنّه ليس المقصود به آدم وحواء عليهما السلام بذاتيهما، وأنّ الآية جارية مجرى المثل المضروب لبني آدم في نقضهم ميثاقهم الذي واثقوا الله تعالى به، وانه لو المراد من النفس وزوجها في الآية آدم وحواء، كان من حق الكلام أن يقول: (فتعالى الله عمّا يشركان) فحاشا أنْ يكون نبي الله آدم عليه السلام وهو النبي المكلم الذي رأى سجود الملائكة له تكريما، مشركاً في عبادة الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
***
المبحث الرابع أفضلية الرسول على سائر الانبياء والرسل
[المفتاح الأول]: نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، بل أفضل الأولين والآخرين، وسيد ولد آدم أجمعين، روى مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) ([16]) .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْر َ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ) ([17]) .
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) ([18]) .
والحديث لا يعني حصر فضائل النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الست، لأن فضائله غير منحصرة، وقد ثبتت له صلى الله عليه وسلم فضائل فوق هذه الست: كالشفاعة العظمى، وكونه أول من يفتح له باب الجنة، وكونه أكثر الأنبياء تابعا، وأن أمته ثلثا أهل الجنة، وأنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، وأنه صاحب الحوض، وأنه صاحب الوسيلة وهي درجة في الجنة لا تكون إلا له صلى الله عليه وسلم، وهو إمام النبيين وخطيبهم يوم القيامة، إلى غير ذلك، وقد أوصلها السيوطي في مؤلفه: أُنْمُوذَج اللَّبِيب فِي خَصَائِص الْحَبِيب إلى أَلْف خِصِّيصَة، ونبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، نبينا صلى الله عليه وسلم أوتي من الفضائل الخاصة ما لم يؤتَه أحد غيره، ومع ذلك، لم يتكل صلى الله عليه وسلم على هذا كله، بل عبد ربه حق العبادة، وبالغ في التقرب إلى الله تعالى، وتحمل مشقة الطاعة، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا،! ([19]) .
[المفتاح الثاني]: أجمعت الأمة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الانبياء، واستدل العلماء على ذلك بأدلة واضحة منها: (1) قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء: 107] قالوا: لما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين، (2) قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} قالوا: قرن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك، (3) قوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله }، قرن الله تعالى طاعته بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقرن بيعته ببيعة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله }، وقرن عزته بعزة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال {ولله العزة ولرسوله}، وقرن رضاه برضى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه }، وقرن إجابته بإجابته فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول }، (4) أيضا: معجزة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء، وأفضل معجزاته (القرآن الكريم) وهو معجزة باقية إلى آخر الدهر، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية، (5) أيضا: أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله، فإما أن يقال: أنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد، أو في فروع الدين وهو غير جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق، فكأنه سبحانه قال: إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم فيها كلها، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم، (6) أيضا: دين النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، الله تعالى جعل الإسلام ناسخا ومهيمنا على سائر الأديان، والناسخ المهيمن يجب أن يكون أفضل فلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء، (7) أيضا: أمة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس }، وهذه الأمة نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }، وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع، (8) أيضا: النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول، (9) أيضا: تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور: منها: كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف معجزة، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه المعجزات، (10) أيضا: قال تعالى مبيناً عنايته برسوله ورعايته له وحفاوته به: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [سورة الضحى]، (11) أيضا: أقسم الله تعالى بأخلاقه فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }، (12) أيضا: أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه باسمه (ياآدم اسكن) [البقرة: 35]، (وناديناه أن ياإبراهيم) [الصافات: 104]، (ياموسى إني أنا ربك) [طه: 11، 12] وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله: (ياأيها النبي) [الأنفال: 64]، (ياأيها الرسول) [المائدة: 41] وذلك يفيد الفضل، والمنزلة .
[المفتاح الثالث]: النبي صلى الله عليه وسلم هو المفضل في الدنيا وفي الآخرة
فمن الدلائل على تفضيله في الدنيا:
(1) أخذ العهد والميثاق من جميع الأنبياء والرسل إذا بعث محمد رسول الله ليؤمنن به ولينصرنه، قال تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ”، روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية السابقة: “ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه”([20]) .
(2) رسالته رسالة عامة: كان الرسول قبل يرسل إلى أمته خاصة، وأرسل هو إلى الخلق عامة، إلى الثقلين الإنس والجن، قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا”، وقال: “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا0، وقال صلى الله عليه وسلم: “أعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة“([21]) .
(3) ختمت به النبوة والرسالة: من خصائصه كذلك أن الله ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي بعده ولا رسول، قال تعالى ذكره: “مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”، وصح في الحديث: “وخُتم بي النبيون”، وعن جبير بن مطعم يرفعه إلى الرسول: “،، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد”، من الأنبياء والرسل.
(4) الرحمة المهداة للعالمين: قال تعالى في مدح رسوله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”، فهو الرحمة المهداة للعالمين، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والرسول الصادق الأمين.
(5) كان أمنة لأصحابه من العذاب: كان صلى الله عليه وسلم أمنة على أصحابه أن ينزل عليهم عذاب يستأصلهم وهو بين ظهرانيهم، وأمنة لأمته من بعده أن يعذبهم الله وهم يستغفرونه بحكم الله عز وجل، أخرَّج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أوائتنا بعذاب أليم، فنزلت: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ”}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “إن الله جعل في هذه الأمة أمانين، لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم”، ثم تلا الآية السابقة([22]) .
(6) خلود معجزته الكبرى وهي القرآن الكريم: مما خُصَّ به صلى الله عليه وسلم على سائر من سبقه من الرسل بقاء معجزته الكبرى، وهي هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بينما انقضت معجزات من قبله بزمانهم، وذلك لأنه كان خاتمهم، وشريعته كانت ناسخة لشرائعهم، وجامعة لكل خير فيها، وكتابه مهيمن على جميع كتبهم.
(7) حفظ الذكر الشامل للوحيين: القرآن والسنة: لم يتكفل الله عز وجل بحفظ الكتب السابقة، وإنما أوكل حفظها لأتباعها، قال تعالى: “بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء”، لأنها إنما أرسلت إلى أمم معينة ولفترات محدودة، أما رسالة خاتم الأنبياء فكانت عامة وخاتمة، مما يحتم حفظها وصيانتها، قال تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” والذكر شامل للوحيين القرآن والسنة، ولذلك فقد هيأ الله للسنة رجالاً أمناء أوفياء، بينوا صحيحها من سقيمها، ولهذا ما من حديث يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وتجد هؤلاء الرجال في كل عصر ومصر بينوا حاله.
(8) غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: على الرغم من أن الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام معصومون من الشرك، والكبائر، والصغائر، وكل ما يشين المروءة، وما صدر من بعضهم ولم يقروا عليه نتج إما عن نسيان، أو خطأ في اجتهاد، إلا أنه خُصَّ رسولنا بخصيصة انفرد بها على سائرهم، قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيه تشريف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(9) القَسَم بحياته صلى الله عليه وسلم: مما مُيِّز به على الأنبياء قسمه عز وجل بحياة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يقسم قط بحياة أحد منهم، حيث قال: “لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ”، قال ابن عباس: (ما خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: “لَعَمْرُكَ،،” الآية)
(10) أوتي جوامع الكلم: من خصائصه التي انفرد بها صلى الله عليه وسلم عن إخوانه من الأنبياء والمرسلين أن الله آتاه جوامع الكلم، فكان يتكلم بالكلام الموجز القليل، الكثير المعاني، العظيم الفوائد، نحو قوله: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، و”إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ”، و”الحج عرفة”، و”الدين النصيحة”، وقد صنِّف من ذلك مصنفات، منها “الأربعين النووية” وغيرها، قال صلى الله عليه وسلم: “فضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيتُ جوامع الكلم،،”، وفي رواية: “أعطيتُ فواتح الكلم، وجوامعه، وخواتمه”،،
(11) نصر بالرعب على الأعداء مسيرة الشهر والشهرين: مما أكرم به نبينا صلى الله عليه وسلم وخُصَّ به على غيره من المرسلين أنه نُصِر بالرعب على الأعداء مسيرة الشهر والشهرين، قال صلى الله عليه وسلم: “أعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر،،،
(12) أعطي صلى الله عليه وسلم مفاتيح خزائن الأرض بيده: لقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “،، فبينا أنا نائم أوتيتُ مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي”، قال أبو هريرة: “وقد ذهب رسول الله وأنتم تنتثلونها”، أي تستخرجونها.
(13) معجزة الإسراء والمعراج: من معجزات رسولنا الكبرى، وخصائصه العظمى، الإسراء بروحه وجسده معاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم العروج به إلى السموات العلى، في جزء من ليلة، قال تعالى: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا أنه هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ” وقال تعالى: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى”.
ومن الدلائل على تفضيله في الآخرة: أنه خُصَّ صلى الله عليه وسلم في الآخرة بأمور منها: [1] الشفاعة العظمة لأهل المحشر: عندما اعتذر عنها أولو العزم من الرسل تصدى لها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
[2] شفاعات عديدة منها: شفاعته في افتتاح الجنة، فهو أول داخل لها، 2، شفاعته في سبعين ألفاً من أمته، مع كل ألف سبعون ألفاً، يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، منهم أبوبكر الصديق وعُكَّاشة بن محصن، 3، شفاعته في قوم من الموحدين من أمته، استحقوا النار، فيشفع فيهم فلا يدخلونها، 4، شفاعته في إخراج العصاة الموحدين من أهل الكبائر من النار بعد أن تطهروا فيها، 5، شفاعته في رفع درجات ناس من أمته دخلوا الجنة، وكانوا في درجات دنيا، فيرفعون إلى درجات عليا، 6، شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، ولهذا عندما سأله العباس عن مصيره قال: “هو في ضحضاح من النار”، وفي رواية: “ألبس نعلين من جهنم يغلي منهما دماغه. [3] ادخار دعوته لأمته في الآخرة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً”،، [4] الوسيلة والفضيلة: وهي أعلى درجة في الجنة، [5] المقام المحمود: وهو المقام الذي يقومه يوم القيامة للشفاعة بين الخلق، قال تعالى: “وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا”71 [6] حوض الكوثر، قال تعالى: {إنا اعطيناك الكوثر }، نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وخير الانبياء، وأمته هي خير الامم، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وشرفنا بالانتساب إلى ملة خير الأنام، وأفضل الرسل العظام، عليه وعلى صحبه وآله أفضل الصلاة والسلام، اللهم متعنا بشفاعته، واحشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه، إنك ولي ذلك والقادر عليه.***
المبحث الخامس لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم
[المفتاح الأول]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: الإيمان به صلى الله عليه وسلم رسولاً من عند الله:، وأنه خاتم الأنبياء والرسل، وأنه مرسل إلى الناس كافة وإلى قيام الساعة لا يقبل إسلام المرء إلا بهذا الإيمان وهذا الأمر تضمنته آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} [الأعراف: 158]، وقولـه تعـالى {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً} [النساء: 79]، وقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]، وتضمنته أحاديث كثيرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم: منها: قوله صلى الله عليه وسلم (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) ([23]) .قال النووي: (وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم). “([24]) .
[المفتاح الثاني]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: اعتقاد صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر: ويدل عليه قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3- 4]، وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورسول الله يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم فقال “أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق”([25]) .
[المفتاح الثالث]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما يأمر وينهى: بمعنى أن يعتقد المسلم اتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما يأمر وينهى، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه صلى الله عليه وسلم فقد كفر، ومن الأدلة على هذا الأمر: قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافريـن} [آل عمران: 64] و قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64]، وقوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} [النساء: 13-14].
[المفتاح الرابع]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: تحكميه صلى الله عليه وسلم في كل أمر، وعدم التقدم على قوله بقول: قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليمـاً} [النساء: 65]، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1]، وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36].
[المفتاح الخامس]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعبد الله عز وجل إلا بما أجازه شرع الرسول صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }، وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }، وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} [النساء: 115]، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([26]) . وقال صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) ([27]) .
[المفتاح السادس]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: محبته صلى الله عليه وسلم: ومحبته صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان بالله، لأنه رسول الله، ولأنّه طريقنا إلى الله، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بوجودها ولا يبلغ كمال الإيمان إلا بكمالها وهو أن تكون محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ([28]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (فو الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) ([29]) . وجاء في الحديث الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله والله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي فقال: (لا يا عمر حتى أكون أحب إليه من نفسك قال والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلى من نفسي قال الآن يا عمر) ([30]) .
[المفتاح السابع]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، أمر الله عز وجل بإجلاله وتوقير واحترامه، ونهى عن رفع الصوت بحضرته وأنذرهم بإحباط أعمالهم، وأثنى على الذين يغضون أصواتهم عند حضرته، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيـم} [الحجرات: 3 إلى 5]، ونهى سبحانه أن يدعي الرسول باسمه كما يدعي سائر الناس وإنما يدعي بالنبوة والرسالة فيقال يا رسول الله أو يا نبي الله قـال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكـم كدعاء بعضكم بعضاً} [النور: 63]، وأمر سبحانه المسلمين بتوقيره فقال جل شأنه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [سورة الفتح: 8، 9].
[المفتاح الثامن]: من أهم لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حق له صلى الله عليه وسلم على أمته، ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالصلاة عليه قال تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} [الأحزاب: 56]، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة الإبراهيمية وهي صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ولفظها (اللهم صلى على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حمد مجيد)
فتلك بعض لوازم الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم،
***
المبحث السادس فوائد من الآية {إنّ الله وملائكته يصلون على النبي}
في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ثلاثون فائدة في الآية، وفوق كل ذي علم عليم.
[الفائدة الأولى]: قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}، التّوكيد في بداية الآية ” إنّ “؟ فيه التّوكيد على مقام الصّلاة الأعظم، والناس نحتاج إلى التوكيد في حالات منها عدم معرفتهم بقدر الأمر فيحتاج إلى توكيد، أو عدم إحاطتهم بأهمية الامر فيحتاج حين ذاك إلى التأكيد.
[الفائدة الثانية]: قيام المولى سبحانه بالصّلاة عليه باسمه (الله) الذي هو علم على الذّات الأقدس، فكأنّ الصّلاة جاريّة من كلّ الأسماء الحسنى بلا استثناء، لان لفظ الجلالة (الله) محيط بالأسماء الإلهيّة جميعا، كمثل إحاطة جناب الذات بالصفات.
[الفائدة الثالثة]: قيام المولى سبحانه بالصّلاة عليه قبل خلقه، لنعلم أنّ قدر النبي صلى الله عليه وسلم عند الله عظيم، وهو يدل على أهمّيّة الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فكأنّه يقول: إذا كان الرّبّ سبحانه بكبريائه وعظمته يصلّي عليه، فلا بدّ على جميع خلقه أن يسارعوا إلى الصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، مع ان صلاة الله تكفي، مصداقا لقوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده)، ولكنه الأمر لإظهار مقام حبه تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم، بأنّه هو الحبيب المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم.
[الفائدة الرابعة]: التّثنيّة بالملائكة: {إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}، ذكر الله تعالى الملائكة للتّأسّي بهم، فكأنّه يقول: ها هم الملائكة على ما هم عليه من الصّفاء والعلو، ولكنّهم متعلّقون بالجناب الشّريف، فكيف بكم أنتم؟! وهذا أيضا بيان لقدر ومنزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، حيث أنّ الملائكة يتقرّبون إلى الله تعالى بالصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
[الفائدة الخامسة]: الضّمير المتّصل في ” ملائكته” يقتضي استغراق كل الملائكة بلا استثناء، وأنهم كلّهم بلا استثناء يصلّون عليه.
[الفائدة السادسة]: تقديم صلاة الله والملائكة على الأمر بالصلاة عليه، فلم يقل سبحانه ” يأيها الذين آمنوا صلوا علي النبي، فإنّ الله وملائكته يصلون عليه ” بل قدّم ذكره سبحانه وملائكته المقرّبين، وفي هذا زيادة في الإغراء، وتوكيد على الحجّة، ولذا قالوا لو لم يأمرنا سبحانه بالصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، واكتفى بذكر صلاته تعالى وملائكته، لكفى هذا حجّة على الوجوب.
[الفائدة السابعة]: التشريف للنبي صلى الله عليه وسلم في تقديم ذكره سبحانه وملائكته، فإن فيه من إعلاء شأنه صلى الله عليه وسلم، حيث بادر سبحانه بذاته أوّلا في الصّلاة، ثمّ ثنّى بملائكته المقدّسين، وهذا غاية التّشريف.
[الفائدة الثامنة]: صلاة الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن نعيّـنها بتكييف، ولا أن نحدّدها بتوصيف، لأنها من فيض تجليات الحضرة الإلهية بجميع تجليات الأسماء الحسنى، وبكل ما يطلبه الإمكان، على حضرة الواسطة العظمى صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت الأسماء فوق الحصر، والصفات فوق الحد والغاية، فلا حصر ولا حد ولا غاية على صلاة الله تعالى على نبيه وصفيه وخير خلقه صلى الله عليه وسلم.
[الفائدة التاسعة]: صلاة الملائكة الكرام تعني تعلّقهم بالجناب المحمّدي الشّريف، ودّا ومحبة وتعظيما وتشريفا وردا للجميل، لأنه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين، والملائكة من العالمين، فكان رحمة من الله تعالى لهم، فهم يصلون عليه في كل لحظة وحين لا تنقطع صلاتهم عليه، وإذا كانت الملائكة الكرام سجدوا لآدم عليه السلام مرة اعترافا بعلمه عليهم، فإنهم يصلون على النبي في كل وقت اعترافا بفضله على العالمين أجمعين، وهم يشاركوننا كذلك في الذّكر بالصّلاة عليه صلى الله عليه وسلم، حيث يوكلون أمرها إلى مولاه، بموجب العجز عن الوفاء بحقه العظيم صلى الله عليه وسلم، لأننا لا نقول نحن نصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، بل نقول اللهم صلي وسلم عليه، فصلاتنا هي إرجاع الأمر إلى مولاه سبحانه، ليوفّيه حقّ قدره العظيم صلى الله عليه وسلم، وذلك بلازم العجز، كما تعطيه دلالة النّصوص، فالقرآن يقول: (صلّوا عليه) والسّنّة في معرض التّعليم تقول: (قولوا اللّهم صلّ على محمد).
[الفائدة العاشرة]: أنّها عبادة لله تعالى وذكر له، لأنّنا بمجرد الذكر بها تجزل لنا الحسنات والدّرجات، وهذا ما دلّ عليه الحديث: (من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا) ([31]) .
ولم يقل صلّى الله عليّ بها !، وكأنّ الفائدة من صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم، هي راجعة علينا،
[الفائدة الحادية عشرة]: جاءت الصلاة بصيغة الفعل المضارع ” يصلون”، ولا شك أنّ الفعل المضارع يفيد الاستمرار، فصلاة الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم مستمرة في كل وقت وحين، وفي كلّ زمان ومكان، مصداقا لقوله تعالى: {ما ودعك ربّك وما قلى}، فلم تأت الآية الكريمة ” إن الله وملائكته صلوا على النبي “، لأنها تحمل معنى الماضي، ولم يقل سبحانه أنه سبحانه سيصلّي، لأن صلاة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مستمرة في كل وقت وحين، وتجلياته عليه على الدوام لا انقطاع لها ولا حد لها، وصلاته سبحانه قديمة أزليّة أبدية، وصلاة الملائكة فهي سرمديّة بلا نهاية لأن الملائكة بعد انقضاء الدنيا وذبح الموت، باقون أبدا لا يموتون ولا يفنون، كما قال تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}، لقد جاءت الصلاة بصورة المضارع لتؤكد لنا بصيغتها ديمومة تجليات الله تعالى على نبيه، حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وترقيه إلى ما لا يبلغه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فهو الأقرب إلى الله، وهو الاعلم بالله، وهو اكثر الخلق خشية لله، صلى الله عليه وسلم.
[الفائدة الثانية عشرة]: جاءت الصلاة بصيغة الفعل المضارع {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ }، وفي صيغة المضارع دلالة على حياته الدّائمة صلى الله عليه وسلم، فإنّ هذا التّجلي لا يكون إلا على حيّ قريب صلى الله عليه وسلم، وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)، وهو دلالة على حياته إذ الكون لا يخلو من أن يسلم عليه أحد بأي لحظة بالليل او بالنهار، وتقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك وأرد عليه، والقاعدة في اللغة العربية أن جملة الحال إذا صدرت بفعل ماض قدرت فيه قد كقوله تعالى: {أو جاءوكم حصرت صدورهم}، أي قد حصرت وكذا هاهنا يقدر قد والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد، وحتى ليست للتعليل بل لمجرد العطف بمعنى الواو فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله علي روحي قبل ذلك وأرد عليه، قال البيهقي في كتاب الاعتقاد: (الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء) أهــ،([32]) .
وقال السيوطي: (ولفظ الرد قد لا يدل على المفارقة، وليس المراد بردها عودها بعد مفارقة بدنها وإنما النبي – صلى الله عليه وسلم – بالبرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدته تعالى كما هو في الدنيا بحالة الوحي، فعبر عن إفاقته من تلك الحالة برد الروح) أهــ،([33]) .
وقال الفاكهاني: رد علي روحي: رد الله علي نطقي وهو حي دائما صلى الله عليه وسلم، وحياته صلى الله عليه وسلم أولى من حياة الشهداء، والله تعالى يقول في حق الشهداء: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }، وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ }، وحياته صلى الله عليه وسلم بعد الموت أولى من حياة الشهداء، وهو المعبر عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (اللّهم الرّفيق الأعلى)، فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى([34]) .
[الفائدة الثالثة عشرة]: سرّ الجمع في قوله تعالى ” يصلون”؟ بصيغة الجمع، مع أن شؤون الله تعالى لا يشاركه فيها أحد، هو الرب والكل عبيده، ولكن أراد سبحانه أن يعرفنا بمكانة حبيبه صلى الله عليه وسلم عنده، حتّى أنه تنزّل ليكون من جملة المصلّين عليه، كما جاء في قوله تعالى: {قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ }، وهو أيضا متعلق بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم، لان الآية تتعلق بأخذ الميثاق من الأنبياء والرسل على اتباع النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ }،
[الفائدة الرابعة عشرة]: في إضافة الملائكة وجمعهم بالله تعالى في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، دلالة على أنه ليست للملائكة صلاة مستقلّة عليه، بل هم مصلّون بالله سبحانه، إذ أنّ المصلّي الحقيقي هو الله تعالى، ونحن والملائكة في صلاتنا إنّما نرجع أمرها إلى مولاها، فنقول اللهم صل على محمد وآل محمد،
[الفائدة الخامسة عشرة]: قوله تعالى: {يصلون على النبي} بال التعريف، لأنه إذا جاء التعريف فلا يقصد به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل صلى الله عليه وسلم: متى وجبت لك النبوة، فقال صلى الله عليه وسلم: (وآدم بين الرّوح والجسد) ([35]) .
[الفائدة السادسة عشرة]: قوله تعالى: {يصلون على النبي} بال التعريف، والحق تعالى لم يقل يصلّون على روح أو جسد النّبي، وفي هذا إطلاق لجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه الشريفة، فالصّلاة من الله تعالى على الحضرة المحمّديّة بكلّ حضراتها بالروح وبالجسد، وبهما معا.
[الفائدة السابعة عشرة]: قوله تعالى: {يصلون على النبي} بالنبوة، ولو قال تعالى: “يصلون على الرّسول” لظنّ البعض أنّ الصّلاة لازمة للرّسالة والبعثة، تبدأ معها وتنتهي معها، فأتى بالنّبوّة ليقول لنا: أنّها صلاة على لازم الكمال صلى الله عليه وسلم، وأنّها باقيّة ما بقيّت نبوّته، ونبوته صلى الله عليه وسلم لا تزول بموته ولا بانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
[الفائدة الثامنة عشرة]: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }، جعل الله تعالى الصلاة واجبة على كل مسلم، بقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ }، إذن الصّلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم فرض على كل مؤمن، وهي من العبادة لله، لحديث أبي بن كعب: فقلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فما أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير، قلت: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: الثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير، قلت: أجعل لك صلاتي كلها قال: إذا يكفي همك ويغفر ذنبك) ([36]) . واجرها يعود عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا) ([37]) . والنبي يرد عليه ويصلي عليه، قال تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ }،
[الفائدة التاسعة عشرة]: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ }، لم يقل يا أيها الذين أسلموا، مع أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم، لان من اكثر الصلاة عليه ارتقى إلى مقام الإيمان، وهو اعلى من مقام الإسلام، قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا) لأنّ مقام الإسلام عام، وهو دون مقام الإيمان الخاص، والصّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ترقّيك إلى مقام الإيمان ومن ثم إلى مقام الإحسان، والمعنى يا من آمن بالله وسوله، فإن منطلق الإيمان يوجب عليكم كثرة الصلاة عليه لأنه السبب في إيمانكم، وخروجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
[الفائدة العشرون]: وردت الصّلاة في حق الله تعالى وملائكته بصيغة الحاضر، وفي حق المؤمنين بصيغة الغائب، لأنّه صلى الله عليه وسلم لا يغيب عن حضرة الشهود القدوسية فوردت الصلاة بصيغة الحاضر، أمّا المؤمنون فالغالب عليهم الغيبة عنه، وهي وردت في حق المؤمنين بصيغة الغائب، وكذلك (السلام) ورد السّلام في جانبنا ” وسلّموا “، ولم يرد في جانب الحضرة، لأنّ السّلام على من غاب ثمّ آب، وهو صلى الله عليه وسلم لا يغيب عن حضرة الإله،.
[الفائدة الحادية والعشرون]: السّلام عليه صلى الله عليه وسلم بمعنى التّحيّة له، وهو ما يؤكده حديث الصّلاة الإبراهيميّة، حينما قال بعدها: (والسّلام كما علمتم) وهو صيغة السّلام الإلهي على حبيبه ليلة المعراج: ” السّلام عليك أيها النّبي ورحمة الله وبركاته”، والسّلام معناه: أن نسلّمه صلى الله عليه وسلم من أنفسنا ظاهرا وباطنا، والتّسليم له صلى الله عليه وسلم في أوامره وفي كمالاته، ونظير ذلك قوله تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].
[الفائدة الثانية والعشرون]: التّوكيد في قوله ” ويسلموا تسليما “، لأنه لما كان من طبيعة البشر الغفلة والنسيان، أكّدت الآية على التّسليم لأمره صلى الله عليه وسلم، وفي تقدّم حكم الصّلاة هنا على حكم السّلام، دلالة على أفضلية الصّلاة على السّلام، ظاهرا وباطنا، لهذا لم يأتي السّلام في جانب الحضرة الإلهية والملائكية.
[الفائدة الثالثة والعشرون]: مجيء الآية (جملة إسميّة) {إن الله وملائكته يصلون على النبي}، ذلك لتقويّة الخبر، وفي تقوية الخبر توكيد لأمر الوجوب بالصّلاة، لأن الجملة الإسمية نفيد الثبات.
[الفائدة الرابعة والعشرون]: تقديم الأسلوب الخبري على الإنشائي، الخبري في قوله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي}، والانشائي في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما }، للاستئناس بالأمر، لأنّ النّفوس تصعب عليها الأوامر ابتداء، وعادتها أن تنفر من الأوامر، فبادرها الحق سبحانه بالخبر إستئناسا، للإشعار بأن هذا الأمر لمصلحة المؤمنين.
[الفائدة الخامسة والعشرون]: المتأمّل في سياق الآية الكريمة، يرى بأنّه كان يؤسّس لمعنى الأدب والتّعظيم لجناب النّبوّة، ومن هنا حملت الآية معاني: الحب، والإيمان، والتّوقير، والمعرفة، والإتّباع، والاقتداء.
[الفائدة السادسة والعشرون]: العلاقة بين آية الصّلاة والآية التي تليها مباشرة، في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}، فالذين لا يصلّون عليه صلى الله عليه وسلم، يؤذون الله تعالى ورسوله، بإهمال الأمر بالصلاة والسلام عليه، ولهذا جاء في الحديث: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي) ([38]) .
[الفائدة السابعة والعشرون]: الإجمال في الآية، حيث لم تفصّل: كيف يصلّي عليه المؤمنون، ولذلك جاء في الحديث: (قلنا: يا رَسُول اللَّهِ كيف نصلي عليك قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ([39]) .
فأحالهم على صلاة الله، (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، لأنه لا صلاة أعظم بركة ولا أوسع نفعا من صلاة الله، ولهذا فالمصلي لا يقول إني أصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن يقول: اللهم صلي عليه، فالأساس صلاة الله تعالى عليه، وكل الخلق يحيل إلى تلك الصلاة التي لا حد لها ولا غاية ولا نهاية لأنها صلاة الله تعالى عليه من الأزل وإلى أبد الأبد، فلا منتهى ولا غاية ولا نهاية.
[الفائدة الثامنة والعشرون]: الجمال والكمال في (الصلاة الابراهيمية)، دلنا النبي على أصل الصيغ، وهي (الصلاة الابراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، فدلت على أن كمال الصلاة يتم بمحبة الآل وذكرهم والصلاة عليهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر إبراهيم عليه السلام لأنه أبو الانبياء، وأكثر الأنبياء بعده من ذريته، فناسب ها هنا ذكره عليه السلام، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، ولا نبي بعده، ولكن أكثر الأولياء والصديقين في الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم هم من ذريته، كما أن أكثر الانبياء بعد إبراهيم عليه السلام هم من ذريته، ولذلك ناسب لأمر ذكر إبراهيم عليه السلام،
[الفائدة التاسعة والعشرون]: مما جاء في فضل الصلاة والسلام علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة لمشرفة: أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (من صلي عليّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرا)، ([40]) . وأخرج الترمذي وحسنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة)، ([41]) .وأخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) فقالوا: يا رَسُول اللَّهِ وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرِمْت قال: إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء)، ([42]) .
وأخرج الترمذي وحسنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي)، ([43]) . وأخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (ما من أحد يسلم عليّ إلا رد اللَّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام) ([44]) .
وأخرج أحمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) ([45]) .
وروى الترمذي وأبو داود: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد اللَّه تعالى ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: عجل هذا ثم دعاه،) فقال له: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي، ثم يدعو بعد بما شاء) ([46]) .
[الفائدة الثلاثون]: الإجمال في الآية، حيث لم تفصّل في بيان صيغ الصلاة وبالتالي حصرها في صيغ معينة: وهذا إنّما يدلّ على سعة معاني الصلاة والسلام عليه، دلنا النبي على أصل الصيغ، وهي (الصلاة الابراهيمية)، وعلى كل محب أن يجتهد بعد ذلك في الصلاة عليه بمختلف ألفظ وعبارات الصلاة والتسليم التي تدل على معاني الحب والتعلق والثناء والتعزير والتوقير.
***
المبحث السابع معنى قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}
[الفائدة الأولى]: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين: قال تعالى: {وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين }: لقد أتت الآية بصيغة الاستثناء، وبالإثبات بعد النّفي، وهو أقوى أساليب التّوكيد البليغة، وهذا الأسلوب هو بعينه الوارد في شهادة التوحيد، فقول المسلم، (لا إله إلا الله) أي لا يوجد إله لهذا الكون إلا الله، نفي للشرك وإثبات للتوحيد، وها هنا قوله سبحانه: (وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين): يختلف تماما عن المعنى لو جاءت الآية: (إنّا أرسلناك رحمة للعالمين) لأنها لو جاءت كذلك لدلت على أن هناك اهداف أخر للرسالة سوى الرحمة، ولكن بهذه الصيغة (صيغة الحصر) دلت الآية على أن الهدف من الرسالة واحد هو الرحمة للعالمين، والعالمون هم عموم الخلائق، وهذه الرّحمة هي رحمة ربّانيّة، من الله تعالى، وفي إسناد الفعل إلى نون التعظيم،، في قوله تعالى: {أرسلناك}تدل على أن الارسال إنما هو بمدد رباني، وجاءت (الرّحمة) في الآية نكرة لكي تعمّ، لأنّه ما من خير يتنزّل إلّا ويدخل تحت وصف الرّحمة، ومن تدبر في قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) علم مقدار الرحمة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فمجرد وجوده صلى الله عليه وسلم رحمة للكفار تمنع من نزول العذاب، والرحمة أعم الصفات بعد الإلهية، قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعو فله الأسماء الحسنى }، فالخلق كلّهم برهم وفاجرهم لم يخرجوا من رحمة الله العامة، ورسالة الإسلام التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم هي الرحمة لكل من اتبعها، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الرحمة المهداة من رب العباد.
[الفائدة الثانية]: الرحمة من أخص أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، ومن تأمّل الآية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} علم أنّ الحبيب الشّفيع صلى الله عليه وسلم هو عين تلك الرّحمة المنشودة، وجاءت (الرّحمة) في الآية نكرة لكي تعمّ، لأنّه ما من خير يتنزّل إلّا ويدخل تحت وصف الرّحمة، فهو صلى الله عليه وسلم واسطة الرّحمات كلّها، وفي إفراد الرّحمة في الآية معنى دقيق، مفاده: أنت يا رسول الله الرّحمة الجامعة لكلّ الرّحمات، فإرساله صلى الله عليه وسلم الى الوجود والشهود رحمة لكل موجود، و (العالمين) في هذا الموضع هو جمع عالم، أي أنه مرسل لكل العوالم علويها وسفليها، ظاهرها وباطنها، بل وعاقلها وبهيمها، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة مطلقة تامة كاملة عامة شاملة جامعة محيطة بجميع العوالم من عوالم الغيب أو الشهادة.
[الفائدة الثالثة]: لم يجمع الله عز وجل اسمين من أسماءه الحسنى لأحد إلا للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، من أسماء الله تعالى الحسنى الرؤوف الرحيم، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم: {بالمؤمنين رؤوف رحيم }، ووصفه الله تعالى بقوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }، اسلوب (القصر والحصر) ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” ! ليس للعرب، ليس للمؤمنين! ليس للمسلمين! إنمــا للعالمين، رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، زين الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله تعالى يقول: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فكانت حياته رحمة ومماته رحمة كما قال صلى الله عليه وسلم:(حياتي خير لكم وموتى خير لكم).
[الفائدة الرابعة]: (رحمة للعالمين) يعنى للجن والإنس، قيل لجميع الخلق: للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب، رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للبار والفاجر، فمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم أمن من العذاب في الدنيا والآخرة وأجل عذابه إلى الآخرة مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، ومما يبين هذه الرحمة العامة بإرسال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قول الله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال/32-33].
[الفائدة الخامسة]: بعض جوانب الرحمة في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، (أولاً):
الشريعة الربانية التي جاء بها صلى الله عليه وسلم: الشريعة التي جاء بها، شريعة رحمة، هذه الشريعة! كل أوامرها، كل نواهيها، كل الحدود والعقوبات التي فيها منسوجة بنسيج الرحمة، شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أساس مبناها على رحمة العباد في المعاش والميعاد، فهي الرحمة كلها.
و(ثانياً): (العالمين)؟ علماء اللغة قالوا: أن العالمين هو كل ما سوى الله الواحد الأحد، أي أنه رحمة لكل ما هو سوى الله عز وجل، وفي القرآن فرعون عندما قال لموسى ” قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَارَبُّ العَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ “، معنى هذا أنه رحمة لكل ما هو سوى الله. و(ثالثاُ): جاء بالرحمة الشاملة: ففي حق سيدنا عيسى قال الله تعالى في حقه : {ورحمة منا}، وهذه للتبعيض، إنما جاء لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }، سيدنا عيسى عليه السلام (بعض) لأن رحمة سيدنا عيسى لمن اتبعه وآمن به وسار وراءه إلى أن بعث الحبيب المحبوب محمد صلى الله عليه وسلم، أما رحمة النبي صلى الله عليه وسلم فهي رحمة في الدنيا، ورحمة يوم القيامة أمام الله عز وجل، وهو رحمة لكل الخلق، ورحمة بكل شيء، رحمة للمسلم، رحمة للكافر.
و(رابعاً): وهي رحمة الحكمة والمنفعة، فما من إنسان إلا وأودع الله في قلبه رحمة، يرحم زوجته، يرحم أولاده، هذه رحمة مودعة في قلب الإنسان، لكن الرحمة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم إنما هي الرحمة لكل الخلق، وهي منضبطة بالموازين الربانية الحكيمة، لأن الرحمة إذا خلت من الحكمة لا تكون رحمة حقيقية بل رحمة كاذبة ظاهرها الرحمة وباطنها الضرر والفساد، فالأم التي تخفي تصرفات ولدها الخاطئة عن ابيه وهو تظن انها رحمه فهذه ليست رحمة بل رعونه لأنها تضر وليدها قبل أن تضر نفسها، إنما الرحمة ما تحقق به المصلحة العامة لطفلها وحبيبها، فرحمته بالكفار رحمة ونصيحة لانه دلهم على الطريق الذي ليس للنجاة طريق غيره فإن أخذوا به رحموا انفسهم من العذاب وغن ابوا فقد أقيمت عليهم الحجة التي ما بعدها حجة ولا دلالة فهذه هي الرحمة الحقيقية وكل ما عدها لا يمثل الرحمة أبدا.
و(خامسا): الرحمة أصيلة في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: (جاء أعرابيٌّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلهم، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحْمَة؟)([47]) .
وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم لا يرحم) ([48]) . وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تنزع الرَّحْمَة إلَّا من شقيٍّ) ([49]) .
وأخرج الشيخان البخاري ومسلم عن جرير بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم النَّاس لا يرحمه الله) ([50]) .
[متفق عليه]، وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم للنَّاس فليخفِّف، فإنَّ في النَّاس الضَّعيف والسَّقيم وذا الحاجة) ([51]) .وحين تنعدم أخلاق الرحمة وتحل القسوة بدلا منها يبتعد الإنسان عن الله، قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ } [الزمر: 22]، وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي) ([52]) .
[الفائدة السادسة]: من صور الرحمة العظيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم: ما أخرجه البخاري، عن عائشة رضي اللّه عنها أنَّها قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا وأنا بقرن الثَّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا) ([53]) .
[الفائدة السابعة]: رحمته صلى الله عليه وسلم، تعدت إلى الرحمة بالحيوان: روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح أحدكم ذبيحته“([54]) . وأخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- “أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض“،([55]) .
وجاء في الصحيحين: “أن بغياً زانية من زواني بني إسرائيل دخلت الجنة في كلب مرت على كلب يلهث الثرى من العطش فنزلت إلى بئر فيه ماء فملأت خفها بالماء وقدمته للكلب فشرب فغفر الله لها بذلك“([56]) .
وأخرج أبو داود عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: (أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ذات يوم، فدخل حائطًا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النَّبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه، فسكت، فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه) ([57]) .
ومِن رحمته صلى الله عليه وسلم، أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حُمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمرةُ فجعلت تفرِش، فجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها، ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرَّق هذه؟ قلنا: نحن، قال: أنه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار) ([58]) .
[الفائدة الثامنة]: امتدت رحمته صلى الله عليه وسلم إلى الجماد:، أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النَّبي صلى الله عليه وسلم فضمَّه إليه، تئنُّ أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها) ([59]) .
لقد تعرض الرسول لأشد أنواع البلاء من قومه ولكنه كان يقول ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، ولما دارت الدائرة عليهم، قال لأولئك الذين أذوه وضربوه وطردوه من بلده، عندما جاءها فاتحا يقول لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، ولم يكونوا أسلموا بعد، إنها رحمه نبوية ليس بعدها رحمه، فهذه كانت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، والذى ما عرفت البشرية بأسرها كمثله في عظيم أخلاقه، شمل الخلائق برحمته حتى أثنى عليه أرحم الراحمين بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
[الفائدة التاسعة]: قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين، وقوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك }، فقرن ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم مع ذكره في كلمة الشهادة، ولم يكن ذلك لغيره من الخلق، قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (ما خلق الله عز وجل ولا ذرأ من نفس أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال تبارك وتعالى: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ([60]) وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمدا أكرم الخلق على الله، ثم قرأ: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) ([61]) .
[الفائدة العاشرة]: إن حاجة البشرية إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أشد من حاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر، وحاجة الإنسان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أشد من حاجته إلى عينه ولسانه ويده، وأشد من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من ذلك بكثير، فوق كل ما يخطر بالبال، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو كما قال تعالى: {أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا }، أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيرا، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، فختم به الرسالة وهدى به من الضلالة وعلَّم به من الجهالة وفتح برسالته أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء، وأوضح بها المحجة البيضاء، وشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره، وجعل الذِّلة والصَّغار على من خالف أمره، هدى الله به الخلائق وأوضح به الطريق وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، قال الله تعالى: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق:10-11] فبصَّر به من العمى، وأرشد به من الغي، وجعله قسيم الجنة والنار، وفرق ما بين الأبرار والفجار، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته، وقد أمر الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، وتتجلى الحاجة إليه يوم القيامة عندما تشتد المحنة على البشرية جمعاء ولا يجدون شفيعا إلا هو صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس (اختلط واضطرب) بعضهم في بعض فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: اشفع لنا الى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فانه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فانه كليم الله، فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فانه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد فيأتونني فأقول: أنا لها فأستأذن ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع) ([62]) إما الشفاعة الثانية: فتكون كما روى الإمام مسلم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رب أمتي أمتي فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)، ([63]) .
أما الشفاعة الثالثة: إخراج كل إنسان من أمة محمد قال لا اله إلا الله كما روى الإمام البخاري، يقول الرسول فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل، ويبقى بعض المسلمين من أهل الكبائر في النار، فيعود ويسجد تحت العرش، ويقول: يا رب أمتي أمتي فيقال له انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل، ويبقى بعض المسلمين من أهل الكبائر في النار، ممن لم يعملوا خيرا قط، فيعود في الرابعة يسجد تحت العرش، ويقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا اله إلا الله فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا اله إلا الله) ([64]) .
والله لا تستطيع الأمة أن توفيه حقه، اللهم صلى وسلم وبارك على نبيك ورسولك عدد ما صلى عليه الأولون والآخرون اللهم صلى وسلم وبارك على نبيك ورسولك عدد خلقك وما أحاط به علمك وزنة عرشك ومداد كلماتك، اللهم صلى وسلم وبارك على نبيك ورسولك صلاة تشفع لنا يوم القيامة يا أرحم الراحمين، يارب لك الحمد عدد خلقك وما أحاط به علمك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، أن جعلتنا من أمة السراج المنير والرحمة للعالمين، اللهم احيينا مسلمين وأمتنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
***
([2]) صحيح البخاري 4:140 ح 3358.
([3]) صحيح البخاري 4/186 ح 3535، صحيح مسلم 4/1791 ح 2286.
([4]) صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([8]) صحيح البخاري 6/96 ح 4738.
([9]) صحيح البخاري 4:140 ح 3358.
([10]) مسند أحمد 21/180 ح13553.
([11]) صحيح مسلم 2/1048 ح 1428.
([12]) سنن ابي داود 2/627 ح 1516، سنن الترمذي 5/494 ح 3434.
([13]) سنن الترمذي 5/267 ح 3077. المستدرك علي الصحيحين 2/594 ح 4003.
([16]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2278.
([17]) سنن الترمذي 5/587 ح 5615.
([19]) صحيح البخاري 6/135 ح 4837، صحيح مسلم 4/2172 ح 2820.
([21]) صحيح البخاري 1/74 ح 335، صحيح مسلم 1/370 ح 521.
([24]) شرح صحيح مسلم للنووي 2/186.
([25]) مسند أحمد 11/406 ح 6802. سنن ابي داود 5/489 ح 3646.
([27]) صحيح البخاري 7/2 ح 5063.
([28]) المصدر السابق 1/12 ح 15.
([29]) المصدر السابق 1/12 ح 14.
([30]) المصدر السابق 8/129 ح 6632.
([32]) الاعتقاد للبيهقي ص 305.
([34]) صحيح البخاري 6/15 ح 4463، صحيح مسلم 4/1894 ح 2444.
([35]) مسند أحمد 27/176 ح 16623، سنن الترمذي 5/585 ح 3609.
([36]) سنن الترمذي 4/636 ح 2457.
([38]) مسند أحمد 12/421 ح 7451. المستدرك للحاكم 1/734 ح 2016.
([39]) صحيح البخاري 8/77 ح 6360، صحيح مسلم 1/306 ح 407.
([41]) سنن الترمذي 2/354 ح 484.
([42]) سنن ابي داود 2/279 ح 1047.
([44]) سنن ابي داود 3/384 ح 2041.
([45]) مسند أحمد 3/258 ح 1736.
([46]) سنن ابي داود 2/605 ح 1481.
([47]) صحيح البخاري 8/7 ح 5998.
([48]) صحيح البخاري 8/10 ح 6013.
([49]) سنن الترمذي 4/323 ح 1923.
([50]) الأدب المفرد للبخاري ص 137 ح 375، صحيح مسلم 4/1809 ح 2319.
([51]) صحيح البخاري 1/142 ح 703.
([52]) سنن الترمذي 4/607 ح 2411.
([53]) صحيح البخاري 4/115 ح 3231.
([54]) صحيح مسلم 3/1584 ح 1955.
([55]) صحيح البخاري 4/130 ح 3318. صحيح مسلم 4/2023 ح 2619.
([56]) ولفظ الحديث كما جاء في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ.» صحيح البخارري 4/130 ح3321.
([57]) سنن ابي داود 4/200 ح 2548.
([58]) المصدر السابق 4/309 ح 2675.
([59]) صحيح البخاري 4/195 ح 3584.
([61]) مصنف ابن أبي شيبة 6/310 ح 31685. دلائل النبوة 5/485.