المبحث الثاني عشر تصحيح أفكار عن التصوف
[المفتاح الأول]: التلازم بين الشريعة والعقيدة والحقيقة عند اهل التصوف الصحيح: قال الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف “: لقد ورد في حديث جبريل المشهور الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقسيمُ الدين إِلى ثلاثة أركان، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر: “فإِنه جبريل أتاكم يعلمُكُمْ دينَكمْ” ([1]) .
فركن الإِسلام: هو الجانب العملي، من عبادات ومعاملات وأُمور تعبدية، ومحله الأعضاء الظاهرة الجسمانية، وقد اصطلح العلماء على تسميته بالشريعة، واختص بدراسته السادة الفقهاء، وركن الإِيمان: وهو الجانب الاعتقادي القلبي، من إِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر،، وقد اختص بدراسته السادة علماء التوحيد، وركن الإِحسان: وهو الجانب الروحي القلبي، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك، وما ينتج عن ذلك من أحوال وأذواق وجدانية، ومقامات عرفانية، وعلوم وهبية، وقد اصطلح العلماء على تسميته بالحقيقة، واختص ببحثه السادة الصوفية، ولتوضيح الصلة بين الشريعة والحقيقة نضرب لذلك مثلاً الصلاة، فالإِتيان بحركاتها وأعمالها الظاهرة، والتزام أركانها وشروطها، وغير ذلك مما ذكره علماء الفقه، يمثل جانب الشريعة، وهو جسد الصلاة، وحضور القلب مع الله تعالى في الصلاة يمثل جانب الحقيقة، وهو روح الصلاة، فأعمال الصلاة البدنية هي جسدها، والخشوع روحها، وما فائدة الجسد بلا روح؟! وكما أن الروح تحتاج إِلى جسد تقوم فيه، فكذلك الجسد يحتاج إِلى روح يقوم بها، ولهذا قال الله تعالى: {أقيمُوا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ} [البقرة: 110]، ولا تكون الإِقامة إِلا بجسد وروح، ولذا لم يقل: أوجدوا الصلاة، ومن هذا ندرك التلازم الوثيق بين الشريعة والحقيقة كتلازم الروح والجسد، والمؤمن الكامل هو الذي يجمع بين الشريعة والحقيقة، وهذا هو توجيه الصوفية للناس، مقتفين بذلك أثر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.
وللوصول إِلى هذا المقام الرفيع، والإِيمان الكامل، لابد من سلوك الطريقة، وهي مجاهدة النفس، وتصعيد صفاتها الناقصة إِلى صفات كاملة، والترقي في مقامات الكمال بصحبة المرشدين، فهي الجسر الموصل من الشريعة إِلى الحقيقة، قال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين إِلى الله تعالى، من قطع المنازل والترقي في المقامات) [تعريفات السيد ص94]، فالشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة، والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمَنْ تمسَّك بالأولى منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض، ولذلك يقول الصوفية في قواعدهم المشهورة: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة)، وكيف تخالف الحقيقةُ الشريعةَ وهي إِنما نتجت من تطبيقها، يقول إِمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى: (لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه، ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى، ولا هما [التصوف والفقه] إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه، فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم) ([2]) .
ويقول الإِمام مالك رحمه الله تعالى: (مَنْ تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) ([3]) .
تزندق الأول لأنه نظر إِلى الحقيقة مجردة عن الشريعة، فقال بالجبر وأن الإِنسان لا خيار له في أمر من الأمور، فهو يتمثل قول القائل: ألقاهُ في اليمِّ مكتوفاً وقال له إِياك إِياك أنْ تبتلَّ بالماءِ فعطَّل بذلك أحكام الشريعة والعمل بها، وأبطل حكمتها والنظر إِليها، وتفسَّق الثاني لأنه لم يدخل قلبه نورُ التقوى، وسرُ الإِخلاص وواعظ المراقبة، وطريقة المحاسبة، حتى يحجب عن المعصية، ويتمسك بأهداب السنة، وتحقق الثالث لأنه جمع كل أركان الدين: الإِيمان، والإِسلام، والإِحسان، التي اجتمعت في حديث جبريل عليه السلام، وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك حفظ علماء التصوف آدابها وروحها، وكما أبيح لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يَرِدْ فيه نص، فكذلك للعارفين أن يستنبطوا آداباً ومناهج لتربية المريدين وتهذيب السالكين، ولقد تحقق السلف الصالح والصوفية الصادقون بالعبودية الحقة والإِسلام الصحيح، إِذ جمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة، فكانوا متشرِّعين متحققين، يهدون الناس إِلى الصراط المستقيم، فالدين إِن خلا من حقيقته جفَّت أصولُه، وذوت أغصانه، وفسدت ثمرته.
مناقشة المتحاملين على الصوفية: أما هؤلاء المعترضون على السادة الصوفية: إِن كانوا ينكرون هذا التقسيم إِلى [شريعة، وطريقة، وحقيقة] على النحو الذي بيَّناه آنفاً، فهم لاشك يريدون بذلك أن يفصلوا روح الإِسلام عن جسده، وأن يهدموا ركناً هاماً من أركان الدين الثلاثة الموضحة في حديث جبريل عليه السلام، ويخالفوا علماء الإِسلام وكبار فقهائه، يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته المشهورة (بِرَدِّ المحتار): (الطريقة: هي السيرة المختصة بالسالكين من قطع المنازل، والترقي في المقامات)، ويقول في الصفحة التي تليها: (فالحقيقة: هي مشاهدة الربوبية بالقلب، ويقال: هي سر معنوي لا حدَّ له ولا جهة، وهي والطريقة والشريعة متلازمة، لأن الطريق إِلى الله تعالى لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة والطريقة، وباطنها الحقيقة، فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة، كبطون الزبْد في لبنه، لا يُظفر من اللبن بزبده بدون مخضّه، والمراد من الثلاثة [الشريعة، والطريقة، والحقيقة] إِقامة العبودية على الوجه المراد من العبد) ([4]) .
ويقول الشيخ عبد الله اليافعي رحمه الله تعالى: (إِن الحقيقة هي مشاهدة أسرار الربوبية، ولها طريقة هي عزائم الشريعة، فمن سلك الطريقة وصل إِلى الحقيقة، فالحقيقة نهاية عزائم الشريعة، ونهاية الشيء غير مخالفة له، فالحقيقة غير مخالفة لعزائم الشريعة) ([5]) .
وقال صاحب كشف الظنون في حديثه عن علم التصوف: (ويقال: علم التصوف علم الحقيقة أيضاً، وهو علم الطريقة، أي تزكية النفس عن الأخلاق الردية، وتصفية القلب عن الأغراض الدَّنية، وعلم الشريعة بلا علم الحقيقة عاطل، وعلم الحقيقة بلا علم الشريعة باطل، علم الشريعة وما يتعلق بإِصلاح الظاهر بمنزلة العلم بلوازم الحج، وعلم الطريقة وما يتعلق بإِصلاح الباطن بمنزلة العلم بالمنازل، وعقبات الطريق، فكما أن مجرد علم اللوازم، ومجرد علم المنازل لا يكفيان في الحج الصوري بدون إِعداد اللوازم وسلوك المنازل، كذلك مجرد العلم بأحكام الشريعة وآداب الطريقة لا يكفيان في الحج المعنوي، بدون العمل بموجبيهما) ([6]) .
وإِن كان المعترضون يقرّون فكرة التقسيم السالفة الذكر، ولكنهم ينكرون هذه التسمية: [الشريعة، والطريقة، والحقيقة]، نقول لهم: هذا تعبير درج عليه العلماء، وجرى عليه الفقهاء كما بيَّنا وهو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاحات، وإِن كانوا يقرون التقسيم والتسمية، ولكنهم ينكرون على الصوفية أحوالهم القلبية، وأذواقهم الوجدانية، وعلومهم الوهبية، نقول لهم: إِن هذه أمور يكرم الله تعالى بها عباده المخلصين، وأحبابه الصادقين، ولا حجر على القدرة الإِلهية، إِنما هي أذواق ومفاهيم، وكشوفات وفتوحات، منحهم الله إِياها، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “العلم علمان: علم في القلب، وفي رواية: علم ثابت في القلب، فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على خلقه” ([7]) .
ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن معاذ بن جبل دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “كيف أصبحتَ يا معاذ؟”،قال: أصبحتُ مؤمناً بالله تعالى، قال: “إِن لكل قول مصداقاً، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول؟”، قال: يا نبي الله! ما أصبحت صباحاً قط إِلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساء قط إِلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إِلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إِلى كل أمة جاثية تدعى إِلى كتابها، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله وكأني أنظر إِلى عقوبة أهل النار، وثواب أهل الجنة، قال: “عرفت فالزم” ([8]) .
فلم يصل الصالحون إِلى هذه الكشوفات والمعارف إِلا بتمسكهم بالكتاب والسنة، واقتفائهم أثر الرسول الأعظم وأصحابه الكرام، ومجاهدتهم لأنفسهم، من صيام وقيام، وزهدهم في هذه الدنيا الفانية، كما أكرم الله معاذاً رضي الله عنه بهذا الكشف الذي أقره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “عرفتَ فالزم”، وهذا الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى يتحدث عن إِكرام الله تعالى للصوفية الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أمثال معاذ رضي الله عنه فيقول: (اعلم يا أخي أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وآداب وأسرار وحقائق، تعجز الألسنة عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من أحكام، حين عملوا بما علموه من أحكامها) ([9]) .
وقد كان علماء السلف الصالح رضي الله عنهم يعملون بكل ما يعلمون على وجه الإِخلاص لله تعالى، فاستنارت قلوبهم، وخلصت من العلل القادحة أعمالهم، فلما ذهبوا وخلف من بعدهم أقوام لا يعتنون بالإِخلاص في علمهم ولا في عملهم أظلمت قلوبهم، وحُجبت عن أحوال القوم فأنكروها، وهناك مغرضون يتحاملون على الصوفية مستشهدين بكلام ابن تيمية وغيره، ويتهمونهم زوراً وبهتاناً، بأنهم يهتمون بالحقيقة فقط، ويهملون جانب الشريعة، وأنهم يعتمدون على كشفهم ومفاهيمهم ولو خالفت الشريعة، فهذا كله افتراء باطل، يشهد على بطلانه كلام ابن تيمية نفسه، فقد تحدث ابن تيمية رحمه الله تعالى عن تمسك السادة الصوفية بالكتاب والسنة في قسم علم السلوك من فتاواه فقال: (والشيخ عبد القادر [الجيلاني رحمه الله تعالى] ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع والأمر والنهي وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإِرادة النفسية، فإِن الخطأ في الإِرادة من حيث هي إِرادة إِنما تقع من هذه الجهة، فهو يأمر السالك أن لا تكون له إِرادة من جهته هو أصلاً، بل يريد ما يريد الربُّ عز وجل، إِما إِرادة شرعية إِن تبين له ذلك، وإِلا جرى مع الإِرادة القدرية، فهو إِما مع أمر الرب وإِما مع خلقه، وهو سبحانه له الخلق والأمر، وهذه طريقة شرعية صحيحة) ([10]) .
وقال أيضاً: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) ([11]) .
وهذه نبذة يسيرة من أقوال أئمة السادة الصوفية وتوجيهاتهم تشهد على تمسكهم بالكتاب والسنة: قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم) ([12]) وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ([13]).
ويقول سهل التستري رحمه الله تعالى: (أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكفِ الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق) ([14]) .
وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول: (إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام) ([15]) .
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى: (كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ فهو باطلٌ) ([16]) . وقال أبو الحسين الوراق رحمه الله تعالى: (لا يصل العبد إِلى الله إِلا بالله، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه، ومَنْ جعل الطريق إِلى الوصول في غير الاقتداء يضل من حيث يظن أنه مهتد) ([17]) .
وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى: (إِن طريق القوم محررة على الكتاب والسنة كتحرير الذهب والجوهر، فيحتاج سالكها إِلى ميزان شرعي في كل حركة وسكون) ([18]) .
وقال أيضاً: (إِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة، وحقيقة، لا أحدهما فقط) ([19]) .
وقال الشعراني أيضاً: (فَمَنْ دقَّق النظر عَلِمَ أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة، وكيف يخرج والشريعة صلتهم إِلى الله عز وجل في كل لحظة) ([20]) .
وسئل أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى عن الصوفي فقال: (هو الذي يأخذ كتاب الله بيمينه وسنة رسوله بشماله، وينظر بإِحدى عينيه إِلى الجنة، وبالأخرى إِلى النار، ويأتزر بالدنيا، ويرتدي بالآخرة، ويلبي من بينهما للمولى: لبيك اللهم لبيك) ([21]) .
ومن جملة توجيه أبي يزيد رحمه الله تعالى: (عشرة أشياء فريضة على البدن: أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والتواضع لله، وكف الأذى عن الإِخوان، والنصيحة للبَرِّ والفاجر، وطلب مرضاة الله في جميع أموره، وطلب المغفرة، وترك الغضب، والكبرُ والبغيُ والمجادلةُ من ظهور الجفا، وأن يكون وصي نفسه يتهيأُ للموت) ([22]) .
ومع كل هذا نجد الحاقدين على التصوف إِذا سمعوا بشيء من أخلاق القوم قالوا: [هذا منزع صوفي، لا شرعي] فيتوهم السامع أن التصوف أمر خارج عن أصل الشريعة، والحال أنه لب الشريعة كما رأيت، وإِنَّ مَنْ يطالع كتب القوم السليمة من الدس، مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالة القشيرية، وكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، والإِحياء للغزالي، وطبقات الصوفية للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، والوصايا للشيخ محي الدين بن عربي، وغير ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خُلُقاً مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة وحقيقة.
التحذير من الفصل بين الحقيقة والشريعة: هناك أُناس ادَّعَوْا التصوف كذباً ونفاقاً، انحرفوا عن الإِسلام، وقالوا: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، وعطلوا أحكام الشريعة، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، وأباحوا المخالفات، وقالوا: إِن المُعَوَّل عليه صلاح القلب، ويقولون: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]، فهؤلاء ضالون منحرفون زنادقة، لا يجوز أن نأخذ أعمالهم وأحوالهم حجة على السادة الصوفية الصادقين المخلصين، وإِن السادة أئمة الصوفية قد نبهوا إِلى خطرهم، وحذروا من صحبتهم ومجالستهم، وتبرؤوا من سيرهم وانحرافهم، قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى لبعض أصحابه: (قم بنا حتى ننظر إِلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية، وكان رجلاً مقصوداً مشهوراً بالزهد، فمضينا إِليه، فلما خرج من بيته ودخل المسجد رمى ببصاقه تجاه القبلة، فانصرف أبو يزيد ولم يسلّم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه) ([23]) .
وقال أيضاً: (لو نظرتم إِلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة) ([24]) .
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (وكل شيخ لم يظهر بالسنة فلا يصح اتباعه لعدم تحقق حاله، وإِن صح في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره) ([25]) .
وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: (احذر صحبة ثلاث من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، والقُرَّاء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين) ([26]) .
وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]، هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه، لولا الظاهر لما بطن، لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح، القلب لا يقوم بلا جسد، بل لولا الجسد لفسد، والقلب نور الجسد، هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن، هو إِصلاح القلب، فالأول عمل بالأركان وتصديق بالجَنان، إِذا انفرد قلبك بحسن نيته وطهارة طويته، وقتلْتَ وسرقْتَ وزنيتَ، وأكلتَ الربا، وشربتَ الخمر، وكذبت وتكبرت وأغلظت القول، فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك؟ وإِذا عبدت الله وتعففت، وصمت وتصدقت وتواضعت، وأبطن قلبُكَ الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك؟) ([27]) .
وينكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال، كما مَرَّ بك قوله: (ترك العبادات المفروضة زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) ([28]) .
وقال شيخ الصوفية الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: (مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة) ([29]) .
وقال أيضاً: (الطرق كلها مسدودة على الخلق إِلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبع سنته ولزم طريقته، فإِنَّ طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه) ([30]) .
وذكر رجل عنده المعرفة فقال: أهل المعرفة بالله يصلون إِلى ترك الحركات [الأعمال] من باب البر والتقرب إِلى الله عز وجل، فقال الجنيد رحمه الله تعالى: (إِن هذا قول قوم تكلموا بإِسقاط الأعمال [الصالحة التكليفية] وهو عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا، فإِن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإِليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إِلا أن يحال بي دونها) ([31]) .
وقال أيضاً: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع [الصوم] وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات) ([32]) .
وقال إِبراهيم بن محمد النصر أباذي رحمه الله تعالى: (أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، وحسن صحبة الرفقاء، والقيام بخدمتهم، واستعمال الأخلاق الجميلة، والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات، وما ضل أحد في هذا الطريق إِلا بفساد الابتداء، فإِن فساد الابتداء يؤثر في الانتهاء) ([33]) .
الفقهاء الصوفية: لقد كان علماء الشريعة الإِسلامية من الفقهاء والمحدِّثين، يسيرون على أثر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فيجمعون بين الشريعة والطريقة والحقيقة، ويؤدون العبادات العملية متحققين بسر الإِخلاص فيها، متذوقين حلاوتها، مدركين أسرارها، وقد كانت لهم مجاهدات لتهذيب نفوسهم وإِصلاح قلوبهم، ولِمَا تحلَّوْا به من صلاح وتقوى ومعرفة نالوا هذه المراتب العلمية، ومنحهم الله تعالى هذا الفهم لكتابه والتعمق في شرعه، ونفع الله الأمة بعلومهم على مرِّ السنين والأيام، فكأنهم أحياء بآثارهم الخالدة وجهودهم العلمية المباركة، نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: (أنا أخذتُ هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكلٌ منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله،،) ثم قال صاحب الدر معلقاً: (فيا عجباً لك يا أخي! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا مُتَّهمين في هذا الإِقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة؟ ومَن بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع) ([34]) .
ولعلك تستغرب عندما تسمع أن الإِمام الكبير، أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، يعطي الطريقة لأمثال هؤلاء الأكابر من الأولياء والصالحين من الصوفية!، فهلاَّ تأسى الفقهاء بهذا الإِمام، فساروا على نهجه، وجمعوا بين الشريعة والحقيقة، لينفع الله بعلمهم، كما نفع بإِمامهم الأعظم، الإِمام الكبير، معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه الله تعالى!، يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته متحدثاً عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، تعليقاً على كلام صاحب الدر الآنف الذكر: (هو فارس هذا الميدان، فإِن مبنى علم الحقيقة على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف، فقال أحمد بن حنبل [رحمه الله تعالى] في حقه: إِنه كان من العلم والورع والزهد وإِيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد ضُرِب بالسياط لِيَلِيَ القضاء، فلم يفعل، وقال عبد الله بن المبارك [رحمه الله تعالى]: ليس أحد أحق من أن يُقْتَدى به من أبي حنيفة، لأنه كان إِماماً تقياً نقياً ورعاً عالماً فقيهاً، كشف العلم كشفاً لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى، وقال الثوري لمن قال له: جئتُ من عند أبي حنيفة: لقد جئتَ من عند أعبد أهل الأرض) ([35]) . ومن هذا نعلم أن الأئمة المجتهدين والعلماء العاملين، هم الصوفية حقيقة.
فإِن قال قائل: لو أن طريق التصوف أمر مشروع، لوضع فيه الأئمة المجتهدون كتباً، ولا نرى لهم قط كتاباً في ذلك؟ يجيب الشعراني رحمه الله تعالى على هذا فيقول: (إِنما لم يضع المجتهدون في ذلك كتاباً لقلة الأمراض في أهل عصرهم، وكثرة سلامتهم من الرياء والنفاق، ثم بتقدير عدم سلامة أهل عصرهم من ذلك، فكان ذلك في بعض أناس قليلين، لا يكاد يظهر لهم عيب، وكان معظم همة المجتهدين إِذ ذاك إِنما هو في جمع الأدلة المنتشرة في المدائن والثغور مع أئمة التابعين وتابعيهم، التي هي مادة كل علم، وبها يُعرف موازين جميع الأحكام، فكان ذلك أهم من الاشتغال بمناقشة بعض أناس في أعمالهم القلبية التي لا يظهر بها شعار الدين، وقد لا يقعون بها في حكم الأصل، ولا يقول عاقل قط: إِن مثل الإِمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد رضي الله عنهم، يعلم أحدهم من نفسه رياءً أو عُجباً أو كبراً أو حسداً أو نفاقاً ثم لا يجاهد نفسه ولا يناقشها أبداً، ولولا أنهم يعلمون سلامتهم من تلك الآفات والأمراض لقدموا الاشتغال بعلاجها على كل علم) ([36]) .
[المفتاح الثاني]: الظلم الذي وقع على أهل التصوف بسبب الدس على أقوالهم: قال الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف “: الدس على العلوم الإِسلامية: التفسير ـ الحديث ـ التاريخ ـ التصوف: ” لقد تعرض الإِسلام منذ انبثاق فجره إِلى خصوم أشداء، وأعداء ألِدَّاء حاولوا تقويض بنيانه، وتحطيم أركانه، عن طريق تشويه معالمه، ودس الأباطيل والخرافات في علومه، كما نرى ذلك في التفسير والحديث وفي التاريخ والتصوف، وغيرها.
أما التفسير: فكثيراً ما نقرأ في كتبه بعض الإِسرائيليات التي ليست إِلا أساطير كاذبة، وعقائد غير إِسلامية، نقلها إِلى الدين الإِسلامي اليهود الذين اعتنقوا الإِسلام غير مخلصين، أو مخلصين ولكن علقت بأذهانهم هذه الأساطير حين كانوا على دين اليهودية، فنقلوها عن كتب أنبيائهم التي دخلها التحريف والتغيير، وتقبَّلها بعض المسلمين على أنها صحيحة، وقد وفق الله تعالى علماء المسلمين إِلى تمحيص هذه الإِسرائيليات وتنبيه المسلمين إِلى ضررها، وخصوصاً منها ما يضر بالعقيدة، كالإِخبار بأن أيوب عليه السلام مرض حتى ظهر الدود على جسده، وكنسبة المعاصي إِلى بعض الأنبياء، فقد زعموا أن داود عليه السلام عشق امرأة بعض جنوده، ثم أَرسلَ زوجَها لبعض المواقع الحربية لقتله، فقُتل وتزوجها، كما زعموا أن يوسف عليه السلام همَّ بامرأة العزيز هَمَّ فُحْشٍ وسوء، ولفَّقوا في ذلك قصصاً وحكايات لا تليق بمقام الرسل الكرام، الذين عصمهم الله من كل سوء وفاحشة، فالواجب على كل مسلم نبذُ هذه الإِسرائيليات، والاعتماد على المصادر الإِسلامية الصحيحة الشهيرة
وأما الحديث: فلقد حاول الدسَّاسون المغرضون تشويه معالم الإِسلام عن طريق وضع أحاديث مكذوبة مفتراة على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، يقصدون بذلك تحطيم العقيدة، ودس الأفكار الهدَّامة، كالتجسيم والتشبيه والفوقية والجهة، وغير ذلك من العقائد الفاسدة، كما وضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب ما أنزل الله بها من سلطان، وإِذا قيل لهم: لِمَ تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: “مَنْ كذب عليَّ متعمداً فليتبوأْ مقعده من النار”؟ [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم في كتاب الإِيمان، والترمذي في كتاب العلم، وابن ماجه في أبواب السنة] قالوا: نحن نكذب له لا عليه، كما كان بعضهم يضع الحديث تقرباً إِلى الحكام، وتزلفاً إِلى الملوك، رغبة في مطمع دنيوي ومكسب مادي، ولكن الله تعالى قيَّض لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم علماء مخلصين غيورين، محَّصوا تلك الأحاديث، وبينوا الصحيحة من الضعيفة، والموضوعة من الحسنة، والمشهورة من الغريبة، كالمُزّي والزين العراقي والذهبي وابن حجر وغيرهم [وقد جمع بعض العلماء الغيورين على الأحاديث النبوية كتباً بيَّنوا فيها الأحاديث الموضوعة منها: اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، وكشف الخفاء للعجلوني، وأسنى المطالب للحوت البيروتي]
وأما التاريخ: فقد كان ميداناً خصباً للدس والافتراءِ، حيث ألصق المضللون في تاريخ الإِسلام قصصاً وحوادث من نسيج خيالهم، حاولوا بذلك تشويه سيرة الخلفاء وملوك الإِسلام، كما نسبوا إِلى هارون الرشيد أُموراً غريبة منكرة، نجدها في أكاذيب ألف ليلة وليلة، ولا يخفى ما أحدثه المضللون الصليبيون والمستشرقون ومَنْ لفَّ لَفَّهم في تاريخ الإِسلام من افتراءات وتُرَّهَاتٍ وأضاليل واضحة البطلان لم يقصدوا بها إِلا التهديم والتشكيك، ولكن المؤرخين المسلمين المحققين كالذهبي، والطبري، وابن كثير، وابن الأثير، وابن هشام وغيرهم، قد دوَّنوا التاريخ الإِسلامي، وهذبوه ونفوا عنه الدخائل، وأخرجوه نقياً سليماً، فعلى طالب الحقيقة أن يعود إِلى هذه المراجع الصحيحة، كي يميز الخبيث من الطيب، والغث من السمين.
وأما التصوف: فكغيره من العلوم الدينية، لم يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين، فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة، وعبارات سيئة ما أنزل الله بها من سلطان، كقولهم: ” وما الكلبُ والخنزيرُ إِلا إِلهنا وما الربُّ إِلا راهبٌ في كنيسة ” {كَبُرَتْ كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلا كَذِباً} [الكهف: 5]، ومنهم من أراد أن يفسد دين المسلمين بأشياء أُخر تمس عقائدهم، فنسب إِلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة، كالقول بالحلول والاتحاد، وبأن الخالق عين المخلوق، والكون عين المكوِّن.
ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وهو منها بريء كما سيأتي.
ومنهم المبشِّرون والمستشرقون، وأبواق الاستعمار الذين درسوا كتب السادة الصوفية، وكتبوا عنهم المؤلفات لأجل التحريف والتزوير والدس، يقصدون بذلك أن يطعنوا الإِسلام في صميمه، وأن يسلخوا روح الدين عن جسده، ولقد خُدع بهم أقوام أرادوا أن يفهموا التصوف من كتب هؤلاء المستشرقين، كأمثال [نكلسون الإِنكليزي، وجولد زيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم]، فوقعوا في أحابيلهم، وتسمَّمُوا من أفكارهم، وانجرفوا في تيار محاربة الصوفية، ولا أدري كيف يثق مسلم صادق بأقوال عدوه المخادع الماكر؟ ومنهم السُّذَّجُ الذين يصدقون هؤلاء وهؤلاء، فيعتقدون بهذه الأمور المدسوسة ويثبتونها في كتبهم، وكل هذا بعيد عن الصوفية والتصوف.
فإِن قال قائل: إِنَّ ما نسب إِلى الصوفية من أقوال مخالفة هي حقاً من كلامهم بدليل وجودها في كتبهم المطبوعة المنشورة، نقول: ليس كل ما في كتب الصوفية لهم، لأنها لم تسْلم من حملات الدس والتحريف، وما أحوجنا إِلى تضافر جهود المؤمنين المخلصين لتنقية هذا التراث الإِسلامي الثمين ممَّا لحق به من دس وتحريف، ولو ثبت بطريق صحيح عن بعض الصوفية كلام مخالف لحدود الشريعة فنقول: ليست كلمة فرد واحد حجة على جماعة، شعارها ومذهبها التمسك بالكتاب والسنة، حتى إِنهم ليقولون: إِن أول شرط الصوفي أن يكون واقفاً عند حدود الشريعة، وألا ينحرف عنها قيد شعرة، فإِذا هو تخطى هذا الشرط، ووصف نفسه بأنه صوفي، فقد اختلق لنفسه صفة ليست فيه وزعم ما ليس له، وإِن من إِضاعة الوقت الثمين الانشغالَ بمثل هذه التُّرَّهَات والأباطيل المفتراة على هؤلاء القوم في هذه الأوقات التي يوجد ما هو أهم من المجادلة بها، فهي معروفة لدى الصوفية المحققين والعلماء المدققين، وعلينا أن نعرف أن التصوف ليس علماً نتلقاه بقراءة الكتب ومطالعة الكراريس، ولكنه أخلاق وإِيمان، وأذواق ومعارف، لا ينال إِلا بصحبة الرجال، الذين اهتدوا بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وورثوا عنه العلم والعمل والأخلاق والمعارف، وهو علم ينتقل من الصدر إِلى الصدر، ويفرغه القلب في القلب.
وهناك أقوام مغرضون، درسوا كتب السادة الصوفية وتتبعوا ما فيها من دس وتشويه وتحريف واعتبروها حقائق ثابتة، وارتكزوا عليها في حملاتهم العنيفة وتهجماتهم الشديدة على السادة الصوفية الأبرار، ولو أنهم قرأوا ما يعلنه رجال التصوف في جميع كتبهم من استمساكهم بالشريعة واعتصامهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتقيدهم بالمذاهب الإِسلامية المعتبرة، وتَبَنِّيهِمْ عقيدة أهل السنة والجماعة، كما بيناه آنفاً في بحث بين الحقيقة والشريعة، لأدركوا تماماً أن ما ورد في كتبهم مما يناقض هذا المبدأ الواضح والمنهج السوي، إِنما هو مؤول أو مدسوس، وإِليك بعض أمثلة الدس المفتراة على الصوفية والعلماء في كتبهم: يقول ابن الفراء في طبقاته نقلاً عن أبي بكر المروزي ومسدد وحرب إِنهم قد رووا الكثير من المسائل، ونسبوها للإِمام أحمد بن حنبل،، وبعد أن يفيض في ذكر هذه المسائل يقول: (رجلان صالحان بُليا بأصحاب سوء: جعفر الصادق، وأحمد بن حنبل، أما جعفر الصادق فقد نسبت إِليه أقوال كثيرة، دونت في فقه الشيعة الإِمامية على أنها له، وهو بريء منها، وأما الإِمام أحمد، فقد نسب إِليه بعض الحنابلة آراء في العقائد لم يقل بها) ([37]) .
وسئل الإِمام الفقيه ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى ونفعنا به: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف علمكم، فهل عقيدة الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم؟ فأجاب بقوله: (عقيدة إِمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه، وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه، وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقةٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً، من الجهة والجسمية وغيرها من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إِلى هذا الإِمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه، فلُعن من نسب إِليه، أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإِمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة أن كل ما نسب إِليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان، وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه، فاعلم ذلك، فإِنه مهم) ([38]) .
وأما الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد دُسَّ عليه كتاب نهج البلاغة أو أكثره، فقد ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة علي بن الحسين الشريف المرتضى أنه: (هو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة، ومَنْ طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنَفَس القرشيين الصحابة، وبنَفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل) ([39])
وممن دُسَّ عليهم الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى، وأكثر ما دُسَّ عليه في الطبقات الكبرى، ولقد أوضح ذلك في كتابه لطائف المنن والأخلاق فقال: (ومما مَنَّ الله تبارك وتعالى به عليَّ، صبري على الحسدة والأعداء، لما دسوا في كتبي كلاماً يخالف ظاهر الشريعة، وصاروا يستفتون عليَّ زوراً وبهتاناً، ومكاتبتهم فيَّ لِبابِ السلطان، ونحو ذلك، إِعلم يا أخي أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أنني لما حججْتُ سنة سبع وأربعين وتسعمائة، زَوَّر عليَّ جماعة مسألة فيها خرق لإِجماع الأئمة الأربعة، وهو أنني أفتيتُ بعض الناس بتقديم الصلاة عن وقتها إِذا كان وراء العبد حاجة، قالوا: وشاع ذلك في الحج، وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إِلى مصر من الجبل، فلما وصلتُ إلى مصر، حصل في مِصْرَ رَجٍّ عظيم، حتى وصل ذلك إِلى إِقليم الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة بمصر، فحصل لأصحابي غاية الضرر، فما رجعتُ إِلى مصر إِلا وأجد غالب الناس ينظر إِليَّ شذراً، فقلت: ما بال الناس؟ فأخبروني بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة، فلا يعلم عدد من اغتابني، ولاث بعرضي إِلا الله عز وجل.
ثم إِني لما صنفت كتاب البحر المورود في المواثيق والعهود، وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة، غار من ذلك الحسدةُ، فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابي، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس، ودسوا فيها عقائد زائغة ومسائل خارقة لإِجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا، وابن الراوندي، وسبكوا ذلك في غضون الكتاب في مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس، وأرسلوها إِلى سوق الكتبِيِّين في يوم السوق، وهو مجمع طلبة العلم، فنظروا في تلك الكراريس، ورأوا اسمي عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى، ثم دار بها على علماء جامع الأزهر، ممن كان كتب على الكتاب ومن لم يكتب، فأوقع ذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يلوثون بي في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وأنا لا أشعر، وانتصر لي الشيخ ناصر الدين اللقاني، وشيخ الإِسلام الحنبلي، والشيخ شهاب الدين بن الجلبي، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الأزهر، وأخبرَني الخبرَ فأرسلت نسختي التي عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها، فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسه هؤلاء الحسدة، فسبُّوا من فعل ذلك، وهو معروف، وأعرفُ بعض جماعة من المتهوِّرين، يعتقدون فيَّ السوء إِلى وقتي هذا، وهذا بناء على ما سمعوه أولاً من أُولئك الحسدة، ثم إِن بعض الحسدة، جمع تلك المسائل التي دُسَّت في تلك الكراريس وجعلها عنده، وصار كلما سمع أحداً يكرهني، يقول له: إِن عندي بعض مسائل تتعلق بفلان، فإِن احتجت إِلى شيء منها أطلعتك عليه، ثم صار يعطي بعض المسائل لحاسد بعد حاسد إِلى وقتي هذا، ويستفتون عليَّ وأنا لا أشعر، فلما شعرتُ، أرسلت لجميع علماء الأزهر أنني أنا المقصود بهذه الأسئلة، وهي مفتراة عليَّ، فامتنع العلماء من الكتابة عليها) ([40]) .
وقد ذكر المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ترجمة الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى وبعد أن أثنى عليه، وذكر مؤلفاته الكثيرة، وأثنى عليها أيضاً قال فيه: (وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإِجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنَّعوا وسبُّوا، ورموه بكل عظيمة، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم وكان مواظباً على السنة، ومبالغاً في الورع، مُؤثِراً ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه، متحملاً للأذى، موزعاً أوقاته على العبادة، ما بين تصنيفٍ وتسليكٍ وإِفادة،، وكان يُسمَعُ لزاويته دوي كدوي النحل ليلاً ونهاراً، وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يزل مقيماً على ذلك، معظَّماً في صدور الصدور، إِلى أن نقله الله تعالى إِلى دار كرامته) ([41]) .
وقال الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه اليواقيت والجواهر: (وقد دسَّ الزنادقة تحت وسادة الإِمام أحمد بن حنبل في مرض موته، عقائد زائغة، ولولا أن أصحابه يعلمون منه صحة الاعتقاد، لافتتنوا بما وجوده تحت وسادته) ([42]) .
وكذلك ذكر الشيخ مجد الدين الفيروز أبادي صاحب القاموس في اللغة: أن بعض الملاحدة صنف كتاباً في تنقيص الإِمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأضافه إِليه، ثم أوصله إِلى الشيخ جمال الدين بن الخياط اليمني، فشنَّع على الشيخ أشد التشنيع، فأرسل إِليه الشيخ مجد الدين يقول له: (إِني معتقد في الإِمام أبي حنيفة غاية الاعتقاد، وصنفت في مناقبه كتاباً حافلاً وبالغتُ في تعظيمه إِلى الغاية، فأحرِقْ هذا الكتاب الذي عندك، أو اغسله، فإِنه كذب وافتراء عليَّ) ([43]) .
وقال الفقيه الكبير أحمد بن حجر الهيثمي المكي رحمه الله تعالى: (وإِياك أن تغترَّ بما وقع في كتاب الغنية لإِمام العارفين، وقطب الإِسلام والمسلمين، الشيخ عبد القادر الجيلاني، فإِنه دسه عليه فيها مَنْ سينتقم الله منه، وإِلا فهو بريء من ذلك، وكيف تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتابِ والسنةِ وفقهِ الشافعيةِ والحنابلةِ، حتى كان يفتي على المذهبين، هذا مع ما انضم لذلك من أن الله مَنَّ عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة، وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله،، إِلى أن قال: فكيف يُتصور أو يُتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر مثلها إِلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيهم الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما يجوز وما يستحيل، سبحانك هذا بهتان عظيم) ([44])
وكذلك دسوا على الإِمام الغزالي عدة مسائل في كتاب الإِحياء، وظفر القاضي عياض بنسخة من تلك النسخ فأمر بإِحراقها ([45]) .
قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وممَّا دسُّوا على الغزالي، وأشاعه بعضهم عنه، قولهم عنه إِنه قال: [إِن لله عباداً لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، وإِن لله عباداً لو سألوه أن يقيم الساعة الآن لأقامها]، فإِن مثل ذلك كذب وزور على الإِمام حجة الإِسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يجب على كل عاقل تنزيه الإِمام عنه، لأنه يردُّ النصوص القاطعة الواردة في مقدمات الساعة، فيؤدي ذلك إِلى تكذيب الشارع صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وإِنْ وُجد ذلك في بعض مؤلفات الإِمام فذلك مدسوس عليه من بعض الملاحدة، وقد رأيت كتاباً كاملاً مشحوناً بالعقائد المخالفة لأهل السنة والجماعة، صنَّفه بعض الملحدين ونسبه إِلى الإِمام الغزالي، فاطلع عليه الشيخ بدر الدين ابن جماعة، فكتب عليه: كذبَ والله وافترى مَنْ أضافَ هذا الكتاب إِلى حجة الإِسلام) ([46]) .
وقال أيضاً:وكذلك دسوا عليَّ أنا في كتابي المسمى بالبحر المورود جملةً من العقائد الزائغة، وأشاعوا تلك العقائد في مصر ومكة نحو ثلاث سنين، وأنا بريء منها كما بَيَّنْتُ في خطبة الكتاب لمَّا غيرتها، وكان العلماء كتبوا عليه وأجازوه، فما سكنت الفتنة حتى أرسلت إِليهم النسخة التي عليها خطوطهم ([47]).
هذا وقد ملأ خصومُه الدنيا حوله حقداً وحسداً، وافتراء وكذباً وتضليلاً، لاسيما في كتبه المعروفة، وأشهرها الطبقات الكبرى، فلو قارن المُنْصِفُ بين كلام الشعراني رحمه الله تعالى الذي يعلن فيه تمسك الصوفية بالشريعة وبين كلامه في الطبقات الكبرى لرأى تبايناً ظاهراً، ولظهر له كذب ما في الطبقات،
وكذلك دسوا على الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى، قال الشعراني: (كان رضي الله عنه متقيداً بالكتاب والسنة، ويقول: كل مَنْ رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك،، إِلى أن قال: وهذا اعتقاد الجماعة إِلى قيام الساعة، وجميع ما لم يفهمه الناس من كلامه إِنما هو لِعُلِّو مراقيه، وجميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه، كما أخبرني بذلك سيدي أبو طاهر المغربي نزيل مكة المشرفة، ثم أخرج لي نسخة الفتوحات التي قابلها على نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونيه، فلم أر فيها شيئاً مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات،، ثم قال الشعراني رحمه الله تعالى: إِذا علمت ذلك، فيحتمل أن الحسدة دسوا على الشيخ في كتبه، كما دسوا في كتبي أنا، فإِنه أمر قد شاهدته عن أهل عصري في حقي، فالله يغفر لنا ولهم آمين) ([48]) .
ذكر الفقيه الحنفي صاحب الدر المختار أن: (من قال عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي، إِنه خارج عن الشريعة، وقد صنفه للإِضلال، ومَنْ طالعه ملحد، ماذا يلزمه؟ أجاب: نعم، فيه كلمات تباين الشريعة، وتكلف بعض المتصلِّفين لإِرجاعها إِلى الشرع، لكن الذي تيقنْتُه أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره، فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك الكلمات، قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته على الدر المختار عند قوله: [لكن الذي تيقنْتُه]: وذلك بدليلٍ ثبت عنده، أو لسببِ عدمِ اطلاعه على مراد الشيخ فيها، وأنه لا يمكن تأويلها، فتعيَّن عنده أنها مفتراة عليه، كما وقع للشيخ الشعراني أنه افترى عليه بعض الحساد في بعض كتبه أشياء مكفرة، وأشاعها عنه، حتى اجتمع بعلماء عصره، فأخرج لهم مسودة كتابه التي عليها خطوط العلماء فإِذا هي خالية عما افْتُرِيَ عليه، وقال ابن عابدين أيضاً عند قوله: [فيجب الاحتياط]: لأنه إِن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كلُّ أحد مرادَه فيها، فيُخشى على الناظر فيها من الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد) ([49]) .
وصاحب الدر المختار الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي المتوفى سنة 1088هـ]، ومن المدسوس على الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى أيضاً: القول بأن أهل النار يتلذذون بدخولهم النار، وأنهم لو أخرجوا منها، تعذبوا بذلك الخروج، قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وإِن وُجد نحو ذلك في شيء من كتبه فهو مدسوس عليه، فإِني مررت على كتاب الفتوحات المكية جميعه فرأيته مشحوناً بالكلام على عذاب أهل النار) ([50]) .
وقال أيضاً: (كذب مَنْ دسَّ في كتاب الفصوص والفتوحات، أن الشيخ محي الدين بن عربي قال بأن أهل النار يتلذذون بالنار، وأنهم لو أُخرجوا منها لاستغاثوا، وطلبوا الرجوع إِليها، كما رأيت ذلك في هذين الكتابين، وقد حذفت ذلك من الفتوحات حال اختصاري لها، حتى ورد عن الشيخ شمس الدين الشريف، بأنهم دسوا على الشيخ في كتبه كثيراً من العقائد الزائغة التي نقلت عن غير الشيخ، فإِن الشيخ مِنْ كُمَّل العارفين بإِجماع أهل الطريق، وكان جليس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدوام، فكيف يتكلم بما يهدم شيئاً من أركان شريعته، ويساوي بين دينه وبين جميع الأديان الباطلة، ويجعل أهل الدارين سواء؟! هذا لا يعتقده في الشيخ إِلا من عزلَ عنه عقله، فإِياك يا أخي أن تصدق، من يضيف شيئاً من العقائد الزائغة إِلى الشيخ، واحمِ سمعك وبصرك وقلبك، وقد نصحتُك والسلام، وقد رأيت في عقائد الشيخ محي الدين الواسطي ما نصه: ونعتقد أن أهل الجنة والنار مخلدون في دارَيْهِما، لا يخرج أحد منهم من داره أبد الآبدين ودهر الداهرين،، قال: ومرادنا بأهل النار الذين هم أهلها من الكفار والمشركين والمنافقين والمعطِّلين، لا عصاة الموحدين فإِنهم يخرجون من النار بالنصوص) ([51]) ويؤيد ما ذكرنا بأن هذا القول مدسوس على الشيخ محي الدين ما ذكره الشيخ نفسه في الباب الحادي والسبعين وثلثمائة من الفتوحات، عندما تغلق أبواب النار، كيف يصير أهلها كقطع اللحم حينما تغلي بهم النار ويصير أعلاها أسفلها، وكذلك ما ذكره الإِمام الباجوري الشافعي في شرحه على جوهرة التوحيد: (وما يقال بتمرن أهل النار بالعذاب، حتى لو أُلْقُوا في الجنة لتألموا مدسوس على القوم [الصوفية] كيف وقد قال تعالى: {فذُوقُوا فَلَنْ نَزيدَكُم إلا عَذاباً} [النبأ: 30] ([52]) .
فكيف يعتقد مسلم هذه العقيدة الفاسدة التي تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة؟ وقد نص على ذلك الشيخ محمد بن يوسف الكافي، بعد أن ذكر فريق الجنة، وأنهم مخلدون فيها ومنعمون، ذكر فريق أهل النار فقال: (وفريق السعير خالدون فيه أبداً، لا ينقطع عنهم ألم العذاب، وقال بعضهم: [ينقطع عنهم، وينقلب في حقهم استلذاذاً، بحيث لو عُرضت عليهم الجنة لأَبوْها، لما هم فيه من الاستلذاذ]، ومعتقد هذا كافر بلا شك ولا ريب، لتكذيبه الله تعالى في خبره: {إنَّ الذينَ كَفَروا وماتوا وهُم كُفَّارٌ أولئكَ عليهِم لعنَةُ اللهِ والملائكَةِ والناسِ أجمعينَ، خالدينَ فيها لا يخفَّفُ عنهُمُ العذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161 – 162]، وفي خبره أيضاً: {إنَّ الذينَ كفرُوا بآياتِنا سوف نُصْليهم ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودهُم بَدَّلْناهُم جُلوداً غيرها ليذوقوا العذابَ} [النساء: 56]، وغير ذلك من الآيات الدالة على استمرار عذابهم) ([53]) .
ومما نسب إِلى الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى أيضاً افتراءً عليه القولُ: بسقوط التكليف، يقول العلامة الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد ذكر الشيخ محي الدين أنه لا يجوز لولي قط المبادرة إِلى فعل معصية اطلع من طريق كشفه على تقديرها عليه، كما لا يجوز لمن كُشف له أن يمرض في اليوم الفلاني من رمضان، أن يبادر للفطر في ذلك اليوم، بل يجب عليه الصبر حتى يتلبس بالمرض، لأن الله تعالى ما شرع الفطر إِلا مع التلَبُّس بالمرض أو غيره من الأعذار، قال: وهذا مذهبنا ومذهب المحققين من أهل الله عز وجل) ([54]) .
ومما دُسَّ على العارف الكبير الشيخ إِبراهيم الدسوقي رحمه الله تعالى قوله: (أذن لي ربي أن أتكلم وأقول أنا الله، فقال لي: قل: أنا الله ولا تبالِ) وفي هذا من الشناعة والاجتراء، ما يغني عن الإِطالة ([55])
ومما دُسَّ على رابعة العدوية رحمها الله تعالى، قولها عن الكعبة: [هذا الصنم المعبود في الأرض] [وقد عمد بعض المغرضين الدساسين إِلى تقصي جميع النصوص المدسوسة والمكذوبة على الصوفية ليتخذها ذريعة في حملته المغرضة، وتهجمه الشنيع على الصوفية بأسلوب مقذع وعبارات منحطة بعيدة عن أخلاق الإِسلام وصفات المؤمنين لا يدفعه إِلى ذلك إِلا حقد دفين وهوى نفسي ومآرب شخصية]، وهذا ابن تيمية نفسه يُكذِّب نسبة هذا القول إِليها ويبين أنه مدسوس ومكذوب عليها، فقد قال حين سئل عن ذلك: (وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت: إِنه الصنم المعبود في الأرض، فهو كذب على رابعة المؤمنة التقية، ولو قال هذا من قال لكان كافراً يستتاب، فإِن تاب وإِلا قتل، وهو كذب، فإِن البيت لا يعبده المسلمون، ولكنهم يعبدون رب البيت بالطواف به والصلاة إِليه) ([56]) .
ولو ذهبنا نستقصي ألوان التزييف في التاريخ الإِسلامي والتصوف لما وَسِعْتَنا هذه الرسالة، إِذ التصوف كان نصيبه من الدس والافتراء أعظم من غيره، لأن المزيفين أدركوا أن التصوف هو روح الإِسلام، وأن الصوفية هم قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضاءة المشرقة، فأرادوا أن يطفئوا هذا النور، قال تعالى: {يُريدونَ لِيُطْفِئوا نورَ اللهِ بأفواهِهِم واللهُ مُتِمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافرونَ} [الصف: 8]، وإِننا لا ننسى أن الذي ساعد على الدس والتضليل والافتراء عدم الطباعة الفنية والمراقبة الشديدة في الماضي، كما هي عليه اليوم في عصرنا الحاضر من الطبع المنظم، ومن العقوبات القانونية لمن يتجرأ على طبع شيء من الكتب بغير إِذن مؤلفها، بخلاف عصر النسْخ للكتب الخطية، فقد كان الدساسون والكذابون يروجون كتباً فيها ما فيها من الدجل والكذب ما الله به عليم، ويُدخلون على كتب العلماء وخصوصاً الصوفية الدسائس والأباطيل، ولكن الله تعالى ـ وله الحمد ـ قيَّضَ لهذا الدين رجالاً سهروا على تنقية الكتب الإِسلامية، وبيَّنوا المدسوس فيها من الصحيح، ونحن بهذا الكتاب المتواضع نساهم في تنقية التصوف الإِسلامي مما علق به من دسائس وأمور دخيلة عليه، لنعيد له صفاءه وبريقه ولينتفع الناس من طاقاته الروحية ونفحته الإِيمانية في هذا العصر الذي خيَّمت عليه ظلمات المادية وآثام الإِباحية وتيارات الإِلحاد والوجودية،،
[المفتاح الثالث]: التماس العذر وتأويل كلام السادة الصوفية في حال الشطح: قال الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف “: ” تأويل كلام السَّادة الصُّوفية: إِن ما نراه في كتب الصوفية من الأمور التي يخالف ظاهرها نصوص الشريعة وأحكامها، هي: إِما أن تكون مدسوسة عليهم من قبل الزنادقة والحسدة وأعداء الإِسلام كما بيَّنَّا، وإِما أن يكون كلاماً قابلاً للتأويل، تحدثوا به من باب الإِشارة أو الكناية أو المجاز، كما نرى ذلك في كثير من الكلام العربي، ونجده بارزاً في كتاب الله تعالى في مواطن عديدة، كما في قوله تعالى: {وأُشرِبُوا في قُلوبِهِمُ العِجْلَ} [البقرة: 93]، أي حب العجل، وقوله تعالى: {واسألِ القريَةَ} [يوسف: 82]، أي أهل القرية، وقوله عز وجل: {أوَ مَنْ كانَ ميْتاً فأحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، أي كان ميت القلب، فأحياه الله تعالى، وقوله تعالى: {لتُخرِجَ الناسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النورِ} [إِبراهيم: 1]، أي من ظلمات الكفر إِلى نور الإِيمان، كما نلاحظ في بعض الآيات القرآنية الكريمة تعارضاً في الظاهر، ولكنا لو تعمقنا في فهمها، ودققنا في مدلولها ومتعلقها، لوجدناها قابلة للتأويل، وبذلك لا نستطيع أن نقول: إِن في القرآن تعارضاً أو تصادماً، فمثلاً، يقول الله تعالى: {إنَّكَ لا تهدِي مَنْ أحبَبْتَ} [القصص: 56]، ويقول في موطن آخر: {وإنَّكَ لَتَهدِي إلى صراطٍ مُستَقيمٍ} [الشورى: 52]، فقد يرى مَنْ ليس عنده علم في التفسير أن بين النصَّيْن تعارضاً، لأن الأول ينفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم الهداية، والثاني يثبت له الهداية، ولكنه لو سأل أهل الذكر لأخبروه أن الهداية في الآية الأولى بمعنى خلْقِ الهداية، وأن معناها في الآية الثانية الدلالة والإِرشاد، فلا تعارض بين النصَّين عند أهلِ الفهم، وكذلك نجد أن بعض الأحاديث النبوية الشريفة لا يصح حملها على ظاهرها، بل لابد من تأويلها على معان تلائم باقي نصوص الشرع، وتطابق صريح القرآن الكريم، وفي هذا المعنى يقول الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد أجمع أهل الحق على وجوب تأويل أحاديث الصفات، كحديث: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إِلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخَر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيَه؟ من يَستغفرني فأغفرَ له؟ “([57]) .
وقد بلغ بأحد الضالين أن يقول، وكان على منبر، فنزل درجة منه وقال للناس: ينزل ربكم عن كرسيه إِلى السماء، كنزولي عن منبري هذا، وهذا جهل ليس فوقه جهل) ([58]) .
ومن جملة التأويل في الحديث، تأويل حديث “إِن الله خلق آدم على صورته” ([59]) .
قال العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى مؤولاً ذلك: (ويصح أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق، وحينئذٍ يتعين أن المراد بالصورة الصفة، أي أن الله تعالى خلق آدم على أوصافه، من العلم والقدرة وغيرهما، ويؤيد هذا الحديثُ الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: “كان صلى الله عليه وسلم خُلُقُه القرآن”([60]) . هذا الحديث فقرة من حديث طويل ولفظه: “قال سعد بن هشام: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألسْتَ تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإِن خُلُقَ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن”، رواه مسلم في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل]، وحديث: “تخلقوا بأخلاق الله تعالى”، فالمطلوب من الكامل أن يطهِّر أخلاقه، وأوصافه من كل نقص، ليحصل له نوعُ تأسٌّ بأخلاق ربه، أي صفاته، وإِلا فشتَّان ما بين أوصاف القديم والحادث، وبهذا التقرير يُعلَم أن هذا الحديث غاية المدح لآدم عليه السلام، حيث أوجد الله فيه صفاتٍ كصفاته تعالى بالمعنى الذي قررته،، إِلى أن قال: والحاصل أن الحديث إِن أعيدَ الضمير فيه لله تعالى، وجب تأويله على ما هو المعروف من مذهب الخلف الذي هو أحكمُ وأعلمُ، خلافاً لفرقة ضلوا عن الحق، وارتكبوا عظائِم من الجهة والتجسيم اللذيْن هما كفر عند كثير من العلماء، أعاذنا الله من ذلك بمنِّه وكرمه) ([61]) .
قال العلامة المناوي في شرحه على الجامع الصغير، عند قوله صلى الله عليه وسلم: “إِن الله يقول يوم القيامة، يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمتَ أنك لو عُدتَه لوجدتني عنده”؟ ([62]) . إِلخ الحديث: (سئل بعض العارفين عن تَنَزُّلاتِ الحق في إِضافة الجوع والظمأ لنفسه، هل الأَوْلى إِبقاؤُها على ما وردت، أو تأويلها كما أوَّلها الحق لعبده حين قال: كيف أطعمك،، إِلخ؟ فقال: الواجب تأويلها للعوام لئلا يقعوا في جانب الحق بارتكاب محظور وانتهاك حرمة، وأما العارف فعليه الإِيمان بها على حد ما يعلمه الله، لا على حد نسبتها للخلق لاستحالته، وحقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، فلا يجتمع قط مع خلقه في جنس ولا نوع ولا شخص، ولا تلحقه صفةُ تشبيه، لأنها لا تكون إِلا لمن يجتمع مع خلقه في حال من الأحوال، ولذا أبقاها السلف على ظاهرها لئلا يفوتَهم كمال الإِيمان، لأنه ما كلفهم إِلا بالإِيمان به لا بماأولوه، فقد لا يكون مراداً للحق، فالأدب إِضافتنا إِليه كلَّ ما أضافه لنفسه تعالى،، إِلخ) ([63]) .
فإِذا كان كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وقد أوتي الفصاحة والبلاغة ووضوح اللفظ وإِشراق التعبير وجوامع الكلم، قد احتاج في بعض الأحيان إِلى التأويل، بحمل معانيه على غير ما يفيده ظاهر لفظه، فإِن كلام غيره من أمته ممن لم يبلغ شأوه في البيان والفصاحة قابل للتأويل محتمل للتفسير من باب أولى، ومن ناحية أخرى، فإِن لكل فن من الفنون أو علم من العلوم كالفقه والحديث والمنطق والنحو والهندسة والجبر والفلسفة اصطلاحات خاصة به، لا يعلمها إِلا أرباب ذلك العلم، فهل يفهم الطبيب اصطلاح المهندس، أو يفهم المهندس اصطلاح الطبيب حين يعبر كل منهما عن آلاته ومسميات فنه؟ ومن قرأ كتب علم من العلوم دون أن يعرف اصطلاحاته، أو يطلع على رموزه وإِشاراته، فإِنه يؤول الكلام تأويلات شتى مغايرة لما يقصده العلماء، ومناقضة لما يريده الكاتبون فيتيه ويضل، وللصوفية اصطلاحاتهم التي قامت بعض الشيء مقام العبارة في تصوير مدركاتهم ومواجيدهم، حين عجزت اللغة عن ذلك، فلابد لمن يريد الفهم عنهم من صحبتهم حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إِشاراتهم ومصطلحاتهم، فيستبين له أنهم لم يخرجوا عن الكتاب والسنة، ولم ينحرفوا عن الشريعة الغراء، وأنهم هم الفاهمون لروحها، الواقفون على حقيقتها، الحارسون لتراثها، قال بعض العارفين: (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا) ([64]) .
لأن الغاية من تدوين هذه العلوم إِيصالها لأهلها، فإِذا اطلع عليها مَنْ ليس من أهلها جهلها، ثم عاداها، لأن الإِنسان عدو لما جهل، ولذلك قال السيد علي بن وفا رحمه الله تعالى: (إِنَّ من دَوَّنَ المعارف والأسرار لمْ يدوِّنها للجمهور، بل لو رأى مَنْ يطالع فيها ممَّن ليس هو بأهلها لنهاهُ عنها) ([65]) .
وتوضيحاً للموضوع نقول: إِن كلام السادة الصوفية في تحذير من لا يفهم كلامهم ولا يعرف اصطلاحاتهم من قراءة هذه الكتب ليس من قبيل كتم العلم، ولكن خوفاً من أن يفهم الناس من كتبهم غير ما يقصدون، وخشية أن يؤولوا كلامهم على غير حقيقته، فيقعوا في الإِنكار والاعتراض، شأن من يجهل علماً من العلوم، لأن المطلوب من المؤمن أن يخاطب الناس بما يناسبهم من الكلام وما يتفق مع مستواهم في العلم والفهم والاستعداد، ولهذا أفرد البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال: “باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولهُ؟” ([66]) .
قال العلامة العيني رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: (ترك بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم، والمراد كلموهم على قدر عقولهم، وفي كتاب العلم لآدم بن إِياس عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: “ودعوا ما ينكرون”، أي ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود رضي الله عنه، ذكره مسلم في مقدمة كتابه بسند صحيح قال: “ما أنتَ بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إِلا كان لبعضهم فتنة”، لأن الشخص إِذا سمع ما لا يفهمه، وما لا يتصور إِمكانه يعتقد استحالته جهلاً، فلا يصدق وجوده، فإِذا أُسنِدَ إِلى الله ورسوله يلزم تكذيبهما) ([67]) .
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (في كل علم ما يخص وما يعم، فليس التصوف بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من كلٍ عموماً، وما وراء ذلك على حسب قابِله لا قدر قائِله، لحديث: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟” [رواه البخاري تعليقاً في كتاب العلم باب من خص قوماً دون آخرين عن علي رضي الله عنه]، وقيل للجنيد رحمه الله تعالى: يسألك الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا؟ فقال: الجواب على قدر السائل، قال عليه السلام: “أُمِرْنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم” [رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما]) ([68]) .
ولهذا ذكر الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في الباب الرابع والخمسين من الفتوحات ما نصه: (اعلم أن أهل الله لم يضعوا الإِشارات التي اصطلحوا عليها فيما بينهم لأنفسهم، فإِنهم يعلمون الحق الصريح في ذلك، وإِنما وضعوها منعاً للدخيل بينهم، حتى لا يعرف ما هم فيه، شفقةً عليه أن يسمع شيئاً لم يصل إِليه فينكره على أهل الله، فيُعاقَبُ بحرمانه، فلا يناله بعد ذلك أبداً، قال: ومن أعجب الأشياء في هذه الطريق، بل لا يوجد إِلا فيها، أنه ما من طائفة تحمل علماً من المنطقيِّين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والمتكلمين والفلاسفة، إِلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إِلا بتوقيف منهم، لابد من ذلك، إِلا أهل هذه الطريقة خاصة، فإِن المريد الصادق إِذا دخل طريقهم، وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، وجلس معهم، وسمع منهم ما يتكلمون به من الإِشارات، فَهِمَ جميع ما تكلموا به، حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح، ويشاركهم في الخوض في ذلك العلم، ولا يستغرب هو ذلك من نفسه، بل يجد علم ذلك ضرورياً لا يقدر على دفعه، فكأنه ما زال يعلمه، ولا يدري كيف حصل له ذلك، هذا شأن المريد الصادق، وأما الكاذب فلا يعرف ما يسمع، ولا يدري ما يقرأ، ولم يزل علماء الظاهر في كل عصر يتُوقون في فهم كلام القوم، وناهيك بالإِمام أحمد بن سريج، حضر يوماً مجلس الجنيد، فقيل له: ما فهمتَ من كلامه؟ فقال: لا أدري ما يقول، ولكن أجد لكلامه صولة في القلب ظاهرة، تدل على عمل في الباطن وإِخلاص في الضمير، وليس كلامه كلام مبطل، ثم إِن القوم لا يتكلمون بالإِشارة إِلا عند حضور مَنْ ليس منهم، أو في تأليفهم لا غير،، ثم قال: ولا يخفى أن أصل الإِنكار من الأعداء المبطلين إِنما ينشأ من الحسد، ولو أن أولئك المنكرين تركوا الحسد، وسلكوا طريق أهل الله، لم يظهر منهم إِنكار ولا حسد، وازدادوا علماً إِلى علمهم، ولكن هكذا كان الأمر، ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلي العظيم) ([69]) .
وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته شارحاً كلام صاحب الدر المختار، حين سئل عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي: (يجب الاحتياط، لأنه إِن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كل واحد مراده فيها، فيُخشى على الناظر فيها من الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد، وللحافظ السيوطي رسالة سماها: [تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي]، ذكر فيها أن الناس افترقوا فيه فرقتين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها، ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفرقتان، وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، وقد نُقل عنه أنه قال: [نحن قومٌ يحرم النظر في كتبنا]، وذلك أن الصوفية تواطؤوا على ألفاظ، اصطلحوا عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها بين الفقهاء، فمن حملها على معانيها المتعارفة كفر، نص على ذلك الغزالي في بعض كتبه وقال: إِنه شبيه بالمتشابه في القرآن والسنة، كالوجه واليد والعين والاستواء، وإِذا ثبت أصل الكتاب عنه [عن الشيخ محي الدين] فلابدّ من ثبوتِ كلِّ كلمة لاحتمال أن يُدس فيه ما ليس منه، من قِبَلِ عدو أو ملحد أو زنديق، وثبوتِ أنه قصد بهذه الكلمة المعنى المتعارف، وهذا لا سبيل إِليه، ومن ادَّعاه كفر لأنه من أمور القلب التي لا يطلع عليها إِلا الله تعالى، وقد سأل بعضُ أكابر العلماء بعضَ الصوفية: ما حملكم على أنكم اصطلحتم على هذه الألفاظ التي يُستشنع ظاهرها؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدَّعيَه من لا يُحْسنه ويدخل فيه من ليس أهله) ([70]) .
وسئل العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى: ما حكم مطالعة كتب ابن عربي وابن الفارض؟ فأجاب بقوله: (حكمها أنها جائزة مطالعة كتبهما، بل مستحبة، فكم اشتملت تلك الكتب على فائدة لا توجد في غيرها، وعائدة لا تنقطع هواطل خيرها، وعجيبة من عجائب الأسرار الإِلهية التي لا ينتهي مددُ خيرها، وكم تَرجمت عن مقامٍ عجز عن الترجمة عنه من سواها، ورمزت برموز لا يفهمها إِلا العارفون، ولا يحوم حول حومة حماها إِلا الربانيون، الذين هم بين مواطن الشريعة الغراء وأحكام ظواهرها على أكمل ما ينبغي جامعون، ولذلك كانوا بفضل مؤلفيها معترفين،، إِلى أن قال: هذا وإِنه قد طالع هذه الكتب أقوام عوام جهلة طغام، فأدمنوا مطالعتها، مع دقة معانيها ورقة إِشاراتها وغموض مبانيها، وبنائها على اصطلاح القوم السالمين عن المحذور واللوم، وتوقف فهمها بكمالها على إِتقان العلوم الظاهرة، والتحلي بحقائق الأحوال والأخلاق الباهرة، فلذلك ضعُفتْ أفهامهم، وزلَّتْ أقدامهم، وفهموا منها خلاف المراد، واعتقدوه صواباً فباؤوا بخسار يوم التناد، وألحدوا في الاعتقاد، وهوت بهم أفهامهم القاصرة إِلى هفوة الحلول والاتحاد، حتى لقد سمعتُ شيئاً من هذه المفاسد القبيحة، والمكفرات الصريحة، من بعض من أدمن مطالعة تلك الكتب، مع جهله بأساليبها وعظم ما لها من الخطب، وهذا هو الذي أوجب لكثير من الأئمة الحط عليها، والمبادرة بالإِنكار إِليها، ولهم في ذلك نوع عذر، لأن قصدهم فطم أولئك الجهلة عن تلك السموم القاتلة لهم، لا الإِنكار على مؤلفيها من حيث ذاتهم وحالهم) ([71]) .
وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (وبالجملة فلا تَحِلُّ قراءة كتب التوحيد الخاص، وكتب العارفين إِلا لعالم كامل، أو من سلك طريق القوم، وأما من لم يكن واحداً من هذين الرجلين، فلا ينبغي له مطالعة شيء من ذلك، خوفاً عليه من إِدخال الشُبَهِ التي لا يكاد الفَطِنُ أن يخرج منها، فضلاً عن غير الفطن، ولكن من شأن النفس كثرة الفضول، ومحبة الخوض فيما لا يعنيها) ([72]) .
وقال الشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى في كتابه الإِنسان الكامل: (ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب، بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئاً في هذا الكتاب إِلا وهو مؤيَّد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه إِذا لاح له شيء من كلامه بخلاف الكتاب والسنة، فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه، لا من حيث مرادي الذي وضعتُ الكلام لأجله، فليتوقف عن العمل به مع التسليم، إِلى أن يفتح الله عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،، إِلى أن قال: واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيَّداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعك من فهمه، فلم تستطع أن تتناوله بيدك من محله، فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، والطريقُ في هذا التسليمُ) ([73]) .
يتبين لنا من هذه النصوص التي نقلناها عن الفقهاء الأعلام والسادة الصوفية أمور أهمها:
(أ) أنه لا يصح لغير السالك في طريق الصوفية، أن يطالع كتبهم، خشية أن يفهمها على غير حقيقتها، وخلاف ما يريده مؤلفوها، لأنه بعيد عن فهم اصطلاحاتهم، ومعرفة إِشاراتهم، غير أن كتب الصوفية إِجمالاً تنقسم إِلى ثلاثة أقسام:
(القسم الأول): يبحث عن تصحيح العبادات، وحسن إِقامتها بصورتها وروحها، من الخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، مع مراعاة آدابها الظاهرة كذلك.
(القسم الثاني): يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها، والقلب وأحواله، من تخليته عن صفاته الناقصة كالشكوك والوساوس والرياء والحقد والغل والسمعة والجاه والحسد وغيرها من الصفات المذمومة، وتحليته بالصفات الكاملة كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والإِخلاص، والصدق والخشوع والمراقبة وغيرها من الصفات الحسنة، وهذان القسمان مذكوران في كتاب الإِحياء للإِمام الغزالي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وأمثالهما، وتسمى هذه العلوم علومَ المعاملة.
(القسم الثالث): يبحث عن المعارف الربانية والعلوم الوهبية والأذواق الوجدانية والحقائق الكشفية، ومعظم كتب الشيخ محي الدين ابن عربي رحمه الله تعالى من هذا القسم، كالفتوحات المكية والفصوص، وكذلك كتاب الإِنسان الكامل للشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى، وعلى أمثال هذه الكتب ينصبُّ التحذير من قراءتها لغير السالكين العارفين من الصوفية، وتسمى هذه العلوم علومَ المكاشفة.
(ب) أن التصوف لا يُنال بقراءة الكتب، ولا بمعرفة الاصطلاحات بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله، قال الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى: (سمعت سيدي علياً الخواص رضي الله عنه يقول: إِياك أن تعتقد يا أخي إِذا طالعت كتب القوم، وعرفت مصطلحهم في ألفاظهم أنك صرت صوفياً، إِنما التصوف التخلق بأخلاقهم، ومعرفة طرق استنباطهم لجميع الآداب والأخلاق التي تحلَّوْا بها من الكتاب والسنة) ([74]) .
(ج) أن السادة الصوفية إِنما وضعوا هذه الرموز والإِشارات كي لا يأخذ علمهم إِلا مَنْ سار في طريقهم، وقد بينا أن التصوف لا ينال بقراءة الأوراق، بل بصحبة أهل الأذواق.
(د) أن النصوص التي فيها الكفر والزيغ والمُرُوق من الدين مدسوسة على القوم حتماً، لما رأيتَ من تمسكهم بالكتاب والسنة مما مر معك مِنْ نُقُول.
(ه) أن ما ثبت عنهم بالتأكيد، ويمكن تأويله وحمله على وجه صحيح من عقيدة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، وجب تأويله عليها، لأنها هي عقيدتهم التي يعتقدونها ويصرحون بها، ويُثبتونها دائماً في مقدمات كتبهم كما هي سنتهم، وانظر إِن شئت مقدمة الرسالة القشيرية، والفتوحات المكية، والتعرُّفَ لمذهب أهل التصوف، وإِحياء علوم الدين وغيرها من الكتب.
(و) أن ما نسب إِليهم مما لا يمكن تأويله على وجه صحيح، إِن صح عنهم فهو مردود على صاحبه، لا نسلمه له ولا نعتقده، بل نقول بكفر مُعْتَقَدِه، ولكنا لا نكفر شخصاً معيناً، لأنا لا ندري خاتمته، ولأننا مسؤولون أولاً وآخراً عن عقيدة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، لا عن عقيدة أي إِنسان آخر.
[ المفتاح الرابع ]: وإِليك أيها القارىء الكريم بعض الأمثلة عن أُمور وعبارات أنكرها الجاهلون، فتحاملوا على الصوفية ووصَموهم بالخروج عن الشريعة، ولكنك حين تفهم مرادهم، وتطلع على قصدهم، يتبين لك أن إِنكار المنكرين كان إِما عن جهل وتسرع، أوعن حسد وتحامل، 1 – يقول الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى: (مما نُقِلَ عن القوم قولهم: [دخلنا حضرةَ الله، وخرجنا عن حضرةِ الله]، ليس مرادهم بحضرة الله عز وجل مكاناً معيناً، فإِن ذلك ربما يُفهم منه التحيُّزُ للحق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإِنما مرادهم بالحضرة حيث أطلقوا شهودُ أحدهم أنه بين يدي ربه عز وجل، فما دام يشهد أنه بين يديْ ربه عز وجل فهو في حضرته، فإِذا حُجب خرج عن حضرته) ([75]) .
2 – وقال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (كنت ذات يوم مع بعض إِخواني فأنشدت قائلاً: ” يا مَنْ يراني ولا أراه كم ذا أراهُ ولا يراني “، فقال ذلك الأخ الذي كان معي لما سمع هذا البيت: كيف تقول إِنه لا يراك، وأنت تعلم أنه يراك؟ قال: فقلت مرتجلاً: ” يا مَنْ يراني مذنباً ولا أراه آخذاً، كم ذا أراه منعِماً ولا يراني لائِذاً “([76]) .
3 – وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (ومما نقل عن الغزالي أنه قال: [ليس في الإِمكان أبدع مما كان]، ولعل مراده رضي الله تعالى عنه أن جميع الممكنات أبرزها الله على صورةِ ما كانت في علمه تعالى القديم، وعلمه القديم لا يقبل الزيادة، وفي القرآن العظيم: {أعْطَى كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50]، فلو صح أن في الإِمكان أبدع مما كان، ولم يسبق به علم الله تعالى للزم عليه تقدم جهل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً،وهذا هو معنى قول الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في تأويل ذلك: إِن كلام حجة الإِسلام في غاية التحقيق، لأنه ما ثَمَّ إِلا رتبتان: قِدَمٌ وحدوث، فالحق تعالى له رتبة القِدَم، والحادث له رتبة الحدوث، فلو خلق الله تعالى ما خلق إِلى ما لا يتناهى عقلاً، فلا يرقى عن رتبة الحدوث إِلى رتبة القدم أبداً) ([77]) .
4 – وقال محمد أبو المواهب الشاذلي رحمه الله تعالى مؤولاً كلام أبي يزيد رحمه الله تعالى: [خضْنا بحراً وقفتْ الأنبياء بساحله]، (قلنا: خاض العارفون بحر التوحيد أولاً بالدليل، وبعد ذلك وصلوا إِلى مرتبة الشهود والعيان، والأنبياء عليهم السلام وقفوا بأول وهلة على ساحل العيان، ثم وصلوا إِلى ما لا يعبر عنه بالعرفان، فكانت بدايتهم عليهم السلام نهاية العارفين) ([78]) .
5 – ومما نقل عن أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى قوله: [يصل الولي إِلى رتبة يزول عنه فيها كلفة التكليف]، فأجاب أبو المواهب بقوله: (قلنا: يكون الولي أولاً يجد كلفة التعب، فإِذا وصل،وجد بالتكليف الراحة والطرب، من باب قوله صلى الله عليه وسلم: “أرحْنا بها يا بلال”([79]) .
يا بلال أرحنا بالصلاة، ذلك مقصد الرجال) ([80]) .
6 – ومن الكلمات التي لها تأويل شرعي صحيح كلمة [مدد] التي يُردِّدها بعض الصوفية، فينادي بها أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يخاطب بها شيخه، وحجة المعترِض عليهم أن هذه الكلمة هي سؤال لغير الله واستعانة بسواه ولا يجوز السؤال إِلا له ولا الاستعانة إِلا به، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إِذا سألت فاسأل الله، وإِذا استعنت فاستعن بالله” ([81]) .
ثم إِن الله تعالى بيَّن في كتابه العزيز أنه هو مصدر الإِمداد حين قال: {كُلاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عطاءِ ربِّك…} [الإِسراء: 20]، وقد جهل هؤلاء المعترضون أن السادة الصوفية هم أهل التوحيد الخالص، الذين يأخذون بيد مريديهم ليذيقوهم حلاوة الإِيمان، وصفاء اليقين، ويخلصوهم من شوائب الشرك في جميع صوره وأنواعه،
ولتوضيح المراد من كلمة [مدد] نقول: لابد للمؤمن في جميع أحواله أن تكون له نظرتان: (نظرية توحيدية لله تعالى) بأنه وحده مسبب الأسباب، والفاعل المطلق في هذا الكون، المنفردُ بالإِيجاد والإِمداد، ولا يجوز للعبد أن يشرك معه أحداً من خلقه، مهما علا قدره أو سمت رتبته من نبي أو ولي،، (ونظرة للأسباب التي أثبتها الله تعالى بحكمته)، حيث جعل لكل شيء سبباً، فالمؤمن يتخذ الأسباب ولكنه لا يعتمد عليها ولا يعتقد بتأثيرها الاستقلالي، فإِذا نظر العبد إِلى السبب واعتقد بتأثيره المستقل عن الله تعالى فقد أشرك، لأنه جعل الإِله الواحد آلهة متعددين، وإِذا نظر للمسبِّب وأهمل اتخاذ الأسباب، فقد خالف سنة الله الذي جعل لكل شيء سبباً، والكمال هو النظر بالعينين معاً، فنشهد المسبِّبَ ولا نهمل السبب، ولتوضيح هذه الفكرة.
نسوق بعض الأمثلة عليها: (أ) إِن الله تعالى وحده هو خالق البشر، ومع ذلك فقد جعل لخلقهم سبباً عادياً، وهو التقاء الزوجين، وتكوُّنُ الجنين في رحم الأم، وخروجه منه في أحسن تقويم، (ب) وكذلك فإِن الله تعالى هو وحده المميت، ولكنه جعل للإماتة سبباً هو ملك الموت، فإِذا لاحظنا المسبب قلنا: {اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ…} [الزمر: 42]، وإِذا قلنا: إِن فلاناً قد توفاه ملك الموت، لا نكون قد أشركنا مع الله إِلهاً آخر، لأننا لاحظنا السبب، كما بينه الله تعالى في قوله: {قُلْ يتوَفاكُمْ مَلَكُ الموتِ الذي وُكِّلَ بِكُم} [السجدة: 11]، (ت) وكذلك فإِن الله تعالى هو الرزاق، ولكنه جعل للرزق أسباباً عادية كالتجارة والزراعة،، فإِذا لاحظنا المسبب في معرض التوحيد، أدركنا قوله تعالى: {إنَّ اللهَ هوَ الرَّزَّاقُ ذو القوَّةِ المتِينُ} [الذاريات: 58]، وإِذا لاحظنا السبب وقلنا: إِن فلاناً يُرزَقُ من كسبهِ، لا نكون بذلك قد أشركنا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده” ([82]) .
وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين النظرتين توضيحاً للأمر وبياناً للكمال في قوله: “وإِنما أنا قاسم والله يعطي” ([83]) .
(ث) وكذلك الأمر بالنسبة للإِنعام، ففي معرض التوحيد قوله تعالى: {وما بِكُم مِنْ نِعمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]، لأنه المنعم الحقيقي وحده، وفي معرض الجمع بين ملاحظة المسبِّب والسبب قوله تعالى: {وإذْ تَقولُ للذي أَنْعَمَ اللهُ عليهِ وأنْعَمْتَ عليه…} [الأحزاب: 37]، فليس الرسول صلى الله عليه وسلم شريكاً لله في عطائه، وإِنما سيقت النعم لزيد بن حارثة رضي الله عنه بسببه صلى الله عليه وسلم، فقد أسلم على يديه، وأُعتِقَ بفضله، وتزوج باختياره…
(ج) وكذلك بالنسبة للاستعانة، إِذا نظرنا للمسبب قلنا: “إِذا استعنْتَ فاستعن بالله”، وإِذا نظرنا للسبب قلنا: {وتعاونوا على البرِّ والتقوى} [المائدة: 2]، “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه“([84]) .
فإِذا قال المؤمن لأخيه: أَعِنِّي على حمل هذا المتاع، لا يكون مشركاً مع الله تعالى أحداً أو مستعيناً بغير الله، لأن المؤمن ينظر بعينيه، فيرى المسبِّب والسبب، وكل من يتهمه بالشرك فهو ضال مضل، (ح) وهكذا الأمر بالنسبة للهداية، إِذا نظرنا للمسبب، رأينا أن الهادي هو الله وحده، لهذا قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إنَّكَ لا تهدِي مَنْ أحبَبْتَ} [القصص: 56]، وإِذا لاحظنا السبب، نرى قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وإنَّكَ لَتَهدي إلى صراطٍ مُستَقيمٍ} [الشورى: 52]، أي تكون سبباً في هداية من أراد الله هدايته.
(خ) والعلماء العارفون المرشدون هم ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم في هداية الخلق ودلالتهم على الله تعالى، فإِذا استرشد مريد بشيخه، فقد اتخذ سبباً من أسباب الهداية التي أمر الله بها، وجعل لها أئمة يدلون عليها {وجَعَلْنا مِنْهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بأمرِنا لمَّا صَبَروا وكانوا بآياتِنا يوقِنونَ} [السجدة: 24]، وصلة المريد هي صلة روحية، لا تفصلها المسافات ولا الحواجز المادية، وإِذا كانت الجُدُر والمسافات لا تفصل أصوات الأثير فكيف تفصل بين الأرواح المطلقة؟! لذا قالوا: (شيخك هو الذي ينفعك بُعدُه كما ينفعك قربُه) وبما أن الشيخ هو سبب هداية المريد، فإِن المريد إِذا تعلق بشيخه، وطلب منه المدد، لا يكون قد أشرك بالله تعالى، لأنه يلاحظ هنا السبب، كما أوضحناه سابقاً، مع اعتقاده أن الهاديَ والمُمِدَّ هو الله تعالى، وأن الشيخ ليس إِلا سبباً، أقامه الله لهداية خلقه، وإِمدادهم بالنفحات القلبية، والتوجيهات الشرعية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو البحر الزاخر الذي يستمد منه هؤلاء الشيوخ وعنه يصدرون، فإِذا سلمنا بقيام الصلة الروحية بين المريد وشيخه، سلمنا بقيام المدد المترتب عليها، لأن الله يرزق البعض بالبعض في أمر الدين والدنيا، ولعل القارىء الكريم بعد هذا، قد اكتفى بهذه الأمثلة من كلام القوم، وبتلك النقول الصريحة من عباراتهم، حتى إِذا ما رأى كلاماً مشتبهاً يحتمل ويحتمل، أحسن الظن بهم، والتمس سبلاً لتأويل كلامهم بعد أن تبين له أن التأويل جائز في كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الفقهاء والمحدثين والأصوليين والنحويين وغيرهم، ولهذا قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى: (يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من أولياء الله عز وجل، ويجب عليه أن يؤول أقوالهم وأفعالهم مادام لم يلحق بدرجتهم، ولا يعجز عن ذلك إِلا قليل التوفيق) ([85]) .
[المفتاح الخامس]: برآءة الصوفية من عقيدة الاتحاد والحلول ووحدة الوجود: قال الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف “: ” إِن من أهم ما يتحامل به المغرضون على السادة الصوفية اتهامهم جهلاً وزوراً بأنهم يقولون بالحلول والاتحاد، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد حلَّ في جميع أجزاء الكون، في البحار والجبال والصخور والأشجار والإِنسان والحيوان،، إِلخ، أو بمعنى أن المخلوق عين الخالق، فكل الموجودات المحسوسة والمشاهدة في هذا الكون هي ذات الله تعالى وعينه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولاشك أن هذا القول كفر صريح يخالف عقائد الأمة، وما كان للصوفية وهم المتحققون بالإِسلام والإِيمان والإِحسان أن ينزلقوا إِلى هذا الدرك من الضلال والكفر، وما ينبغي لمؤمن منصف أن يرميهم بهذا الكفر جزافاً دون تمحيص أو تثبت، ومن غير أن يفهم مرادهم، ويطلع على عقائدهم الحقة التي ذكروها صريحة واضحة في أُمهات كتبهم، كالفتوحات المكية، وإِحياء علوم الدين، والرسالة القشيرية وغيرها… ولعل بعض المغرضين المتحاملين على الصوفية يقولون: إِن هذا القول بتبرئة السادة الصوفية من فكرة الحلول والاتحاد، إِنما هو تهرب من الواقع أو دفاع مغرض عن الصوفية بدافع التعصب والهوى، فهلاَّ تأتون بدليل من كلامهم يبرىء ساحتهم من هذه التهم؟!،
فلبيان الحقيقة الناصعة نورد نبذاً من كلام السادة الصوفية تثبت براءتَهم مما اتُّهموا به من القول بالحلول والاتحاد، وتحذيرَهم الناسَ من الوقوع في هذه العقيدة الزائغة، وتُظهِر بوضوح أن ما نسب إِليهم من أقوال تفيد الحلول أو الاتحاد إِما مدسوسة عليهم، أو مؤولة بما يلائم هذه النصوص الصريحة التالية الموافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة، يقول الشعراني رحمه الله تعالى: (ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله، بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط) ([86]) .
والحلول والاتحاد لا يكون إِلا بالأجناس، والله تعالى ليس بجنس حتى يحلَّ بالأجناس، وكيف يحل القديم في الحادث، والخالق في المخلوق!؟ إِن كان حلولَ عَرَض في جوهر فالله تعالى ليس عرضاً، وإِن كان حلولَ جوهر في جوهر فليس الله تعالى جوهراً، وبما أن الحلول والاتحاد بين المخلوقات محال، إِذ لا يمكن أن يصير رجلان رجلاً واحداً لتباينهما في الذات، فالتباين بين الخالق والمخلوق، وبين الصانع والصنعة، وبين الواجب الوجود والممكن الحادث أعظم وأولى لتباين الحقيقتين، وما زال العلماء، ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد، وينبهون على فساده، ويحذرون من ضلاله، قال الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في عقيدته الصغرى: (تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها) ([87]) .
وقال في عقيدته الوسطى: (اعلم أن الله تعالى واحد بالإِجماع، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد في شيء) ([88]) . وقال في باب الأسرار: (لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله، ولو بلغ أقصى درجات القرب، وحاشا العارف من هذا القول حاشاه، إِنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل) وقال في الباب التاسع والستين ومائة: (القديم لا يكون قط محلاً للحوادث، ولا يكون حالاً في المحدَث) ([89]) .
وقال في باب الأسرار: (من قال بالحلول فهو معلول، فإِن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد إِلا أهل الإِلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول) ([90]) .
وقال في باب الأسرار أيضاً: (الحادث لا يخلو عن الحوادث، ولو حل بالحادثِ القديمُ لصح قول أهل التجسيم، فالقديم لا يحل ولا يكون محلاً) ([91]) .
وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة بعد كلام طويل: (وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق، ولا حل فيه الحق، إِذ لو كان عينَ الحق، أو حلَّ فيه لما كان تعالى قديماً ولا بديعاً) ([92]) .
وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة: (لو صحَّ أن يرقى الإِنسان عن إِنسانيته، والمَلكُ عن ملكيته، ويتحد بخالقه تعالى، لصحَّ انقلاب الحقائق، وخرج الإِله عن كونه إِلهاً، وصار الحق خلقاً، والخلق حقاً، وما وثق أحد بعلم، وصار المحال واجباً، فلا سبيل إِلى قلب الحقائق أبداً) ([93]) .
وكذلك جاء في شعره ما ينفي الحلول والاتحاد كقوله: ” ودعْ مقالةَ قوم قال عالمُهم… بأنَّه بالإِله الواحد اتحَدا… الاتحادُ مُحُالٌ لا يقول به… إِلا جهولٌ به عن عقلهِ شَرَدَا… وعن حقيقتِه وعن شريعتِه… فاعبدْ إِلهَك لا تشركْ به أَحَدا “، وقال أيضاً في الباب الثاني والتسعين ومائتين: (من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم، أن تعلم عقلاً أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء، وأن الشمس ما انتقلت إِليه بذاتها، وإِنما كان القمر محلاً لها، فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه) ([94]) .
قال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد: (حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعتُ، بالشيخ أبي العباس المرسي ـ تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي ـ وفاوضْته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإِنكار عليهم، والنهي عن طريقهم، وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع؟!)([95]) .
وأما ما ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم مما يفيد ظاهره الحلول والاتحاد، فهو إِما مدسوس عليهم، بدليل ما سبق من صريح كلامهم في نفي هذه العقيدة الضالة، وإِما أنهم لم يقصدوا به القول بهذه الفكرة الخبيثة والنحلة الدخيلة، ولكن المغرضين حملوا المتشابه من كلامهم على هذا الفهم الخاطىء، ورموهم بالزندقة والكفر، أما الراسخون في العلم والمدققون المنصفون من العلماء فقد فهموا كلامهم على معناه الصحيح الموافق لعقيدة أهل السنة والجماعة، وأدركوا تأويله بما يناسب ما عرف عن الصوفية من إِيمان وتقوى، قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الحاوي للفتاوي: (واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد، إِشارة منهم إِلى حقيقة التوحيد، فإِن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد، والتوحيد معرفة الواحد والأحد، فاشتبه ذلك على من لا يفهم إِشاراتهِم، فحملوه على غير محمله، فغلطوا وهلكوا بذلك،، إِلى أن قال: فإِذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً بإِجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية، وإِنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في عيسى عليه السلام: اتَّحَد ناسوتُهُ بلاهوتِهِ، وأما مَنْ حفظه الله تعالى بالعناية، فإِنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإِن وقع منهم لفظ الاتحاد فإِنما يريدون به محو أنفسهم، وإِثبات الحق سبحانه، قال: وقد يُذْكَر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات، وبقاء الموافقات، وفناء حظوظ النفس من الدنيا، وبقاء الرغبة في الآخرة، وفناء الأوصاف الذميمة، وبقاء الأوصاف الحميدة، وفناء الشك، وبقاء اليقين، وفناء الغفلة وبقاء الذكر، قال: وأما قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: [سبحاني، ما أعظم شأني] فهو في معرض الحكاية عن الله، وكذلك قول من قال: [أنا الحق] محمول على الحكاية، ولا يُظَنُّ بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد،لأن ذلك غير مظنون بعاقل، فضلاً عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات، ولا يُظَنُّ بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلطُ بالحلول والاتحاد، كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى عليه السلام، وإِنما حدث ذلك في الإِسلام من واقعاتِ جهلةِ المتصوفة، وأما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك،، إِلى أن قال: والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك، فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول، وهو كفر، ويطلق على مقام الفناء اصطلاحاً اصطلح عليه الصوفية، ولا مشاحة في الاصطلاح، إِذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في معنى صحيح، لا محذور فيه شرعاً، ولو كان ذلك ممنوعاً لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ الاتحاد، وأنت تقول: بيني وبين صاحبي زيد اتحاد، وكم استعمل المحدِّثون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية، كقول المحدِّثين: اتحد مخرج الحديث، وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية، وقول النحاة: اتحد العامل لفظاً أو معنى، وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية، فإِنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس، وإِثبات الأمر كله لله سبحانه، لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد، وقد أشار إِلى ذلك سيدي علي بن وفا، فقال من قصيدة له: ” يظنُّوا بي حلولاً واتحاداً وقلبي مِنْ سوى التوحيد خالي “، فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول، وقال في أبيات أُخَرَ: ” وعلمُك أنَّ كلَّ الأمرِ أمْري هو المعنى المسمى باتحاد ” فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إِذا أطلقوه، هو تسليم الأمر كله لله، وترك الإِرادة معه والاختيار، والجريُ على مواقع أقداره من غير اعتراض، وترك نسبة شيءٍ ما إِلى غيره) ([96]) .
ونقل الشعراني عن سيدي علي بن وفا رحمهما الله تعالى قوله: (المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم فناء العبد في مراد الحق تعالى، كما يقال: بين فلان وفلان اتحاد، إِذا عمل كل منهما بمراد صاحبه، ثم أنشد: ” وعلمُك أنَّ كلَّ الأمرِ أمري هو المعنى المسمَّى باتحاد ” ([97]) .
وقال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين: (الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين، وهو الفناء عن إِرادة السوى، شائماً برق الفناءِ عن إِرادة ما سواه، سالكاً سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه، فانياً بمراد محبوبه منه، عن مراده هو من محبوبه، فضلاً عن إِرادة غيره، قد اتحد مراده بمراد محبوبه، أعني المراد الديني الأمري، لا المراد الكوني القدري، فصار المرادان واحداً،، ثم قال: وليس في العقل اتحاد صحيح إِلا هذا، والاتحاد في العلم والخبر، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحداً مع تباين الإِرادتين والعلمين والخبرين، فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب، وفناء إِرادة المحب في مراد المحبوب، فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم، قد فَنَوْا بعبادة محبوبهم، عن عبادة ما سواه، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه، ومَنْ تحقق بهذا الفناء لا يحب إِلا في الله، ولا يبغض إِلا فيه، ولا يوالي إِلا فيه، ولا يعادي إِلا فيه، ولا يعطي إِلا لله، ولا يمنع إِلا لله، ولا يرجو إِلا إِياه، ولا يستعين إِلا به، فيكون دينه كله ظاهراً وباطناً لله، ويكون الله ورسولهُ أحبَّ إِليه مما سواهما، فلا يوادُّ من حادَّ الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إِليه، ” بل ُعادي الذي عادى مِن الناسِ كلِّهم جميعاً ولو كانَ الحبيبَ المصافيا “، وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه، وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه، والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إِله إِلا الله علماً ومعرفة وعملاً وحالاً وقصداً، وحقيقة هذا النفي والإِثبات الذي تضمنتْهُ هذه الشهادة هو الفناء والبقاء، فيفنى عن تأله ما سواه علماً وإِقراراً وتعبداً، ويبقى بتألهه وحده، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد، الذي اتفقت عليه المرسلون صلوات الله عليهم، وأُنزلت به الكتب، وخلقت لأجله الخليقة، وشرعت له الشرائع، وقامت عليه سوق الجنة، وأسس عليه الخَلْق والأمر،، إِلى أن قال: وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإِرادة، والمعصوم من عصمه الله، وبالله المستعان والتوفيق والعصمة) ([98]) .
وقال في موضع آخر: (وإِن كان مشمراً للفناء العالي، وهو الفناء عن إِرادة السوى، لم يبق في قلبه مرادٌ، يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني، بل يتحد المرادان، فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد، وهذا حقيقة المحبة الخالصة، وفيها يكون الاتحاد الصحيح، وهو الاتحاد في المراد، لا في المريد ولا في الإِرادة) ([99]) .
ورغم أن ابن تيمية مخاصم للسادة الصوفية، وشديد العداوة لهم، فإِنه يبرِّىءُ ساحتهم من تهمة القول بالاتحاد، ويؤول كلامهم تأويلاً صحيحاً سليماً، أما تبرئته لساحتهم، فقد قال في فتاويه: (ليس أحد من أهل المعرفة بالله، يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات، ولا اتحاده به، وإِن سُمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب، اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحية، الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة النصرانية) ([100]) .
[وقال أيضاً: (كل المشايخ الذين يُقتدَى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إِفراد القديم عن الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا) ([101]) .وأما تأويله لكلامهم فقد قال في مجموعة رسائله: (وأما قول الشاعر في شعره: ” أنا مَنْ أهوى ومَنْ أهوى أنا ” فهذا إِنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي، كاتحاد أحد المحبّين بالآخر، الذي يحب أحدهما ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل، وهذا تشابه وتماثل، لا اتحاد العين بالعين، إِذا كان قد استغرق في محبوبه، حتى فني به عن رؤية نفسه، كقول الآخر: ” غبتُ بكَ عنِّي فظننْتُ أنَّك أنِّي ” فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ) ([102]) .
من هذه النصوص المتعددة تبين لنا أن كل ما ورد في كلام السادة الصوفية من كلمة [اتحاد] إِنما يراد بها هذا الفهم السليم الذي يوافق عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا يصح أن نحمل كلامهم على معان تخالف ما صرحوا به من تبنِّيهم لعقيدة أهل السنة والجماعة، وما على المنصف إِلا أن يحسن الظن بالمؤمنين، ويؤول كلامهم على معنى شرعي مستقيم ([103]) .
وحدة الوجود: اختلف علماء النظر في موقفهم من العارفين المحققين القائلين بوحدة الوجود، فمنهم من تسرع باتهامهم بالكفر والضلال، وفهم كلامهم على غير المراد، ومنهم من لم يتورط بالتهجم عليهم، فتثبت في الأمر ورجع إِليهم ليعرف مرادهم، لأن هؤلاء العارفين مع توسعهم في هذه المسألة لم يبحثوا فيها بحثاً يزيل إِشكال علماء النظر، لأنهم تكلموا في ذلك ودوَّنوا لأنفسهم وتلاميذهم لا لمن لم يشهد تلك الوحدة من غيرهم، لذلك احتاج الأمر للإِيضاح لتطمئن به قلوب أهل التسليم من علماء النظر، ومن العلماء الذين حققوا في هذه المسألة، وفهموا المراد منها السيد مصطفى كمال الشريف، حيث قال: (الوجود واحد، لأنه صفة ذاتية للحق سبحانه وتعالى، وهو واجب فلا يصح تعدده، والموجود هو الممكن، وهو العالَمُ فصح تعدده باعتبار حقائقه، وقيامُه إِنما هو بذلك الوجود الواجب لذاته، فإِذا زال بقي الوجود كما هو، فالموجود غير الوجود، فلا يصح أن يقال الوجود اثنان: وجود قديم ووجود حادث، إِلا أن يراد بالوجود الثاني الموجود من إِطلاق المصدر على المفعول، فعلى هذا لا يترتب شيء من المحاذير التي ذكرها أهل النظر على وحدة الوجود القائل بها أهل التحقيق،، إِلى أن قال: الحِسُّ لا يرى إِلا الهياكل أي الموجود، والروحُ لا تشهد إِلا الوجود، وإِذا شهدت الموجود فلا تشهده إِلا ثانياً، على حدِّ مَنْ قال: ما رأيت شيئاً إِلا ورأيت الله قبله، وأراد بهذه الرؤية الشهودَ لا رؤية البصر، لأن الرؤية من خصائص البصر، والشهود من خصائص البصيرة، لذلك ورد: أشهد أن لا إِله إِلا الله، ولم يرد أرى، بل ولا يصح أن يقال: أرى) ([104]) .
وهكذا شأن العلماء المنصفين، يغارون على الشريعة الغراء، ويتثبَّتون في الأمور، دون أن يتسرعوا بتكفير أحد من المؤمنين، ويرجعون في فهم كل حقيقة إِلى أهل الاختصاص بها، ونظراً لأن مسألة وحدة الوجود أخذت حظاً كبيراً من اهتمام بعض العلماء، وشغلت أذهان الكثير منهم، أردنا أن نزيد الموضوع إِيضاحاً وتبسيطاً خدمة للشريعة وتنويراً للأفهام فنقول: إِن الوجود نوعان: وجود قديم أزلي، وهو واجب، وهو الحق سبحانه وتعالى، قال تعالى: {ذلِكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ} [الحج: 22]، أي الثابت الوجود، المحَقَّق، ووجود جائز عرضي ممكن، وهو وجود من عداه من المُحْدَثات، وإِن القول بوحدة الوجود، وأن الوجود واحد هو الحق تعالى يحتمل معنيين: أحدهما حق، والثاني كفر.
ولهذا فالقائلون بوحدة الوجود فريقان:
(1) الفريق الأول: أرادوا به اتحاد الحق بالخلق، وأنه لا شيء في هذا الوجود سوى الحق، وأن الكل هو، وأنه هو الكل، وأنه عين الأشياء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه،، فقوله هذا كفر وزندقة وأشد ضلالة من أباطيل اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، وقد شدَّد الصوفية النكير على قائله، وأفتَوْا بكفره، وحذَّروا الناس من مجالسته، قال العارف بالله أبو بكر محمد بناني رحمه الله تعالى: (فاحذر يا أخي كلَّ الحذر من الجلوس مع من يقول: ما ثَمَّ إِلا الله، ويسترسل مع الهوى، فإِن ذلك هو الزندقة المحضة، إِذ العارف المحقق إِذا صح قدمه في الشريعة، ورسخ في الحقيقة، وتَفَوَّهَ بقوله: ما ثَمَّ إِلا الله، لم يكن قصدهُ من هذه العبارة إِسقاطَ الشرائع وإِهمال التكاليف، حاش لله أن يكون هذا قصده) ([105]) (2) الفريق الثاني: قالوا ببطلان وكفر ما ذُكِرَ، من أن الخالق عين المخلوق، وإِنما أرادوا بوحدة الوجود وحدة الوجود القديم الأزلي، وهو الحق سبحانه، فهو لاشك واحد منزه عن التعدد، ولم يقصدوا بكلامهم الوجود العرضي المتعدد، وهو الكون الحادث، نظراً لأن وجوده مجازي، وفي أصله عَدَمِيٍّ لا يضر ولا ينفع، فالكون معدوم في نفسه، هالك فانٍ في كل لحظة، قال تعالى: {كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إلا وَجهَهُ} [القصص: 88]، وإِنما يُظهره الإِيجاد، ويُثْبتُه الإِمداد، الكائنات ثابتة بإِثباته، وممحوةٌ بأَحدِّيَة ذاته، وإِنما يُمْسكه سر القيومية فيه، وهؤلاء قسمان: 1 – قسم أخذ هذا الفهم بالاعتقاد والبرهان، ثم بالذوق والعَيان، وغلب عليه الشهود، فاستغرق في لُجج بحار التوحيد، ففني عن نفسه فضلاً عن شهود غيره، مع استقامته على شرع الله تعالى وهذا قوله حق، 2 – وقسم ظن أن ذلك علم لفظي، فتوغل في تلاوة عباراته، وتمسَّك بظواهر إِشاراته، وغاب في شهودها عن شهود الحق، فربما هانت الشريعة في عينيه، لما يلتذ به من حلاوة تلك الألفاظ، فيقع على أم رأسه، ويتكلم بما ظاهره أن الشريعة في جهة يختص بها أهل الغفلة، والحقيقة في جهة أخرى يختص بها أهل العرفان، ولَعمري إِن هذا لهو عين الزور والبهتان، وما ثَمَّ إِلا شريعةٌ ومقامُ إِحسان، وعلى كلٌّ فالأَوْلى بالصوفي في هذا الزمان أن يبتعد عن الألفاظ والتعابير التي فيها إِيهام أو غموض أو اشتباه، لئلا يوقع الناس بسوء الظن به، أو تأويل كلامه على غير ما يقصده، ولأن كثيراً من الزنادقة والدخلاء على الصوفية قد تكلموا بمثل هذه العبارات الموهمة والألفاظ المتشابهة، لِيَظْهروا ما يُكِنُّونَه في قلوبهم من عقائد فاسدة، ولِيصلوا بذلك إِلى إِباحة المحرمات، ولِيبرِّرُوا ما يقعون فيه من المنكرات والفواحش، فاختلط الحق بالباطل، وأُخِذَ المؤمن الصادق بجريرة الفاسق المنحرف، لهذا سيَّجَ الصوفية بواطنهم وظواهرهم بالشريعة الغرَّاء، وأوْصَوْا تلامذتهم بالتمسك بها قولاً وعملاً وحالاً، فهي عندهم باب الدخول وسلم الوصول، ومَنْ حاد عنها كان من الهالكين، وقد مر بك كلام الصوفية في التمسك بالشريعة فارجع إِليه في هذا الكتاب.
أما ما ثبت من كلام أعلام الصوفية مما فيه غموض أو اشتباه فمردُّه أحد سببين: أ ـ إِما لأنهم التزموا اصطلاحاتٍ ورموزاً وإِشاراتٍ لا يفهمها غيرهم كما أشرنا إِلى ذلك في بحث التأويل، ب ـ وإِما لأنهم تكلموا بها في حالات الغلبة والشطح، ولذلك لا يجوز لمن لم يذق مذاقهم ولم يبلغ مراتبهم أن يقلدهم في هذه العبارات ويتشدق بها أمام الناس]،
وختاماً نقول: إِن تلك النقول عن العلماء الأعلام، وعن الصوفية أنفسهم، تكشف للقارىء الكريم أن الصوفية مُبَرؤَّوُن مما نُسب إِليهم من القول بالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، وأن كلامهم مؤوَّل على وجه شرعي، وموافق لما عليه أهل السنة والجماعة، من العقيدة الصحيحة السليمة، وأنهم ما نالوا هذه المواهب العرفانية إِلا بالتمسك بالكتاب والسنة، وأنهم حقيقة رجال السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ الذين تمسكوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفلحوا وتحققوا بالاتباع الكامل له عليه الصلاة والسلام، فنالوا الرضى من الله تعالى، وفازوا بسعادة الدارين، {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ والرسولَ فأولئِكَ معَ الصِّدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً} [النساء: 69]،
[المفتاح السادس]: برآءة التصوف الصحيح من أدعياء التصوف، وبيان من هم أعداء التصوف: قال الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه ” حقائق عن التصوف “: ” لقد شوَّهَ التصوفَ رجالٌ مغرِضونَ تَزَيَّوْا بزيه، وانتسبوا له، فأساؤوا إِليه بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم، والتصوف منهم براء، فمن أجل خدمة الحق وإِظهاره علينا أن نفرق بين أدعياء التصوف المنحرفين، وبين السادة الصوفية الصادقين العارفين، وخصوصاً الأئمة منهم الذين كانت لهم درجات عليا في الإِيمان والتقوى والورع، وآثار كبرى في نشر الأخلاق والدين والدعوة إِلى الله تعالى في سائر العصور والبلدان، وعلينا أن نقف وقفة رجل متمسك بشرعه ودينه ونقول: هناك فرق كبير بين التصوف والصوفي، وليس المتصوف بانحرافه وشذوذه ممثلاً للتصوف، كما أن المسلم بأفعاله المنكَرة ليس ممثلاً لإِسلامه ودينه، ومتى كان في شريعة الحق والدين أن يُؤَاخذ الجار بظلم الجار؟ وأن يتحمل الإِسلامُ في جوهره النقي أخطاءَ المسلمين المنحرفين؟ وأن تنسب إِلى هذه الفئة الطيبة النقية أخطاءُ المتصوفة الشاذين؟ وإِنكار بعض العلماء على أفعال شاذة منسوبة إِلى الصوفية إِنما يستهدف هؤلاء الغلاة المنحرفين من أدعياء التصوف، ولطالما حذَّر مرشدو الصوفية الناسَ منهم، قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في كتابه قواعد التصوف: (فغلاةُ المتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يُرَدُّ قولُهم، ويُجتنَبُ فعلُهم، ولا يُترَكُ المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه) ([106]) .
إِلخ إِن الخير والشر موجود في كل طائفة من الناس إِلى يوم القيامة، فليس كل الصوفية سواء، كما أنه ليس كل العلماء والفقهاء والمدرسين والقضاة والتجار والأمراء سواء، إِذ فيهم الصالح وفيهم الأصلح، وفيهم الفاسد وفيهم الأفسد، هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه عند الجمهور اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه، ويعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، ونحن ننكر ما أنكره العلماء على هؤلاء الأدعياء من المتصوفة المنحرفين، الشاذين عن دين الله تعالى، وأما المتمسكون بالكتاب والسنة، المستقيمون على شرع الله تعالى فهم الذين نَعنيهم، ونقتفي أثرهم، وسنعرض لك في الفصل التالي شهادة علماء الأمة الإِسلامية من سلفها إِلى خلفها بهم،
من هم أعداء التصوف: إِن الذين طعنوا في التصوف الإِسلامي، وتهجموا عليه، واتهموه بشتى أنواع الأكاذيب والافتراءات، ورموه بالانحراف والزيغ، إِما أن يكون باعثهم على ذلك الحقد والعداوة المتأصلة للإِسلام، وإِما أن يكون سبب وقوعِهم في هذا الإِثم جهلهم المطبق بحقيقة التصوف:
1 – أما الصنف الأول: فهم أعداء الإِسلام من الزنادقة المستشرقين وأذنابهم وعملائهم الذين صنعتْهم الصليبية الماكرة والاستعمار البغيض، لطعن الإِسلام ودك حصونه، وتشويه معالمه، وبث سموم الفرقة والخصام بين صفوف أبنائه، وقد كشفهم السيدُ محمد أسد، في كتابه: الإِسلام على مفترق الطرق في بحث: شبح الحروب الصليبية ([107]) .
وقد عكف هؤلاء المغرضون على دراسة الإِسلام دراسة دقيقة مستفيضة كي يعرفوا سرَّ قوَّته، ولِيعلموا من أي باب يلجون، وفي أي طريق يسيرون للوصول إِلى أهدافهم الماكرة ومآربهم الخبيثة، ومن أشهر كتَّابهم: نكلسون الإِنكليزي، وجولدزيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم، فتارة يدُسُّون السم في الدسم، ويمدحون الإِسلام في بعض كتبهم كي ينالوا ثقة القارىء، فإِذا اطمأنَّ إِليهم، وركن إِلى أقوالهم شككوه في عقائده، وحشوا قلبه بأباطيل ألصقوها بالإِسلام زوراً وبهتاناً، وتارة ينْتحلون صفة الباحث العلمي المتجرد، أو يلبسون ثوب الغيور على الدين، المتباكي على تراثه، فيشنون حملةً شعْواء على التصوف، وقد عرفوا أنه روح الإِسلام وقلبه النابض، فيدّعون أنه مقتبس من اليهودية أو النصرانية أو البوذية، ويتهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة، كالقول بالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، ووحدة الأديان، وغير ذلك، ونحن لا نعتِبُ عليهم لأنهم أعداء، وهذا شأن العدو الماكر، ولا ندخل في تفاصيل الردِّ عليهم، وتفنيد افتراءاتهم بعد أنْ علمنا أغراضهم ومآربهم الخبيثة، ولكننا نعتب على جماعة يدّعون الإِسلام ثم يتبنَّون آراءَ هؤلاء الخصوم الألداء وخصوصاً في طعن الإِسلام في روحه وجوهره، ألا وهو التصوف، فهل يصِح لمسلم عاقل أن يتخذ أقوال الأعداء المتحاملين المغرضين الكافرين حجة لطعن إِخوته المؤمنين؟! سبحانك هذا بهتان عظيم، ولو كان هؤلاء المستشرقون صادقين في دفاعهم عن الإِسلام مخلصين في زعمهم بتنقيته من الشوائب وغيرتهم عليه وحبهم له، فلماذا لم يعتنقوه؟! ولِمَ لم يتخذوه منهجاً لهم في حياتهم؟!
2 – وأما الصنف الثاني: فهم الذين جهلوا حقيقة التصوف الإِسلامي ولم يأخذوه عن رجاله الصادقين وعلمائه المخلصين، بل نظروا إِليه نظرة سطحية بعيدة عن التمحيص والتبين، وهؤلاء أقسام: (أ) قسم أخذوا فكرتهم عن التصوف من خلال أعمال وسلوك بعض الدخلاء والمنحرفين من أدعياء التصوف، دون أن يُفرِّقوا بين التصوف الحقيقي الناصع، وبين بعض الوقائع المشوهة التي تصدر عن الدخلاء على الصوفية والتي لا تَمُتُّ إِلى الإِسلام بصلة([108]) .
(ب) وقسم خُدعوا بما وجدوه في كتب السادة الصوفية من أمور مدسوسة أو مسائل دخيلة، فأخذوها على أنها حقائق ثابتة، دون تحقيق أو تثبت([109]) .
أو إِنهم أخذوا الكلام الثابت في كتب الصوفية ففهموه على غير مراده، حسب فهمهم السطحي وعلمهم المحدود، وأهوائهم الخاصة، دون أن يرجعوا إِلى كلام الصوفية الواضح الذي لا يحيد عن لب الشريعة، والذي يعطي الضوء الناصع والنور الكاشف لتأويل هذا الكلام المتشابه ([110]) .
مثلهم في ذلك كمثل الذي في قلبه زيغ ومرض، فأخذ الآيات القرآنية المتشابهة في القرآن الكريم فأوَّلها حسب هواه وانحرافه، دون أن يلتفت إِلى سائر الآيات القرآنية المُحْكَمَة التي تُلْقي النور على معاني هذه الآيات المتشابهة وتوضح معانيها، وتبين أغراضها، قال الله تعالى في حقهم: {هُوَ الذي أنْزَلَ عليكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وأُخَرُ مُتشابهاتٌ فأمَّا الذينَ في قُلوبِهِم زيغٌ فيتَّبِعونَ ما تشابَهَ منهُ ابتغاءَ الفتنَةِ وابتغاءَ تأويلِهِ} [آل عمران: 7]، لهذا ولئلا يلتبس الأمر على جاهل أحمق أو مغرض متحامل، وضع علماء الصوفية عقائدهم صريحة واضحة لا تحيد عن مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهم الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى، فقد ذكر عقيدته واضحة مفصلة في مطلع كتابه الفتوحات المكية، وكذلك صاحب الرسالة القشيرية وغيرهما.
(ج): وقسم هم المغشوشون المخدوعون الذين أخذوا ثقافتهم وعلومهم عن المستشرقين كما بيَّنَّا سابقاً، وتَبنَّوا مزاعمهم وأباطيلهم كأنها بَدَهياتٌ لا تقبل الجدل، أو تنزيل من حكيم حميد، ولم تسعفهم الفطانة والذكاء إِلى إِدراك حقيقة هؤلاء المستشرقين الذين نَصَبُوا أنفسهم وجنَّدوا ثقافتهم لهدم الإِسلام، بتشويه معالمه، وطعنه في جوهره وروحه، إِلا أن هذه الأمة الإِسلامية لا تزال فيها طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ([111]) .
ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلاً، يدعونَ مَنْ ضل إِلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله أهلَ الضلال والعمى، اهتدوا بهدي النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، واستضاءوا بنوره على مر الأزمان والدهور.
***
([2]) قواعد التصوف” للشيخ أحمد زروق قاعدة 3، ص3.
([3]) شرح عين العلم وزين الحلم” للإِمام مُلا علي القاري ج1، ص33.
([5]) نشر المحاسن الغالية ج1، ص154.
([6]) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة ج1، ص413.
([7]) رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه بإِسناد حسن، ورواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم عن الحسن مرسلاً بإِسناد صحيح كما في الترغيب والترهيب 1/103.
([8]) أخرجه أبو نعيم في الحلية ج1، ص242.
([9]) التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص70.
([10]) مجموع فتاوى أحمد بن تيمية ج10، ص488ـ489.
([11]) المصدر السابق ج10، ص516 – 517.
([12]) الفتح الرباني” للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29.
([14]) طبقات الصوفية” للسلمي ص210.
([15]) إِيقاظ الهمم” ج2، ص302ـ303.
([16]) الرسالة القشيرية” 1/98.
([17]) “طبقات الصوفية” للسلمي ص300.
([18]) لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1، ص2.
([20]) التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني” لطه عبد الباقي سرور ص71.
([21]) شطحات الصوفية” لعبد الرحمن البدوي ص96.
([23]) الرسالة القشيرية” 1/57.
([25]) قواعد التصوف” للشيخ أحمد رزوق ص76.
([26]) شرح الحكم” لابن عجيبة ج1، ص76.
([27]) البرهان المؤيد” للسيد أحمد الرفاعي ص68.
([28]) الفتح الرباني” للشيخ عبد القادر الجيلاني ص29.
([29]) طبقات الصوفية” للسلمي ص159.
([30]) طبقات الصوفية” للسلمي ص159.
([31]) الرسالة القشيرية” 1/79.
([33]) طبقات الصوفية للسلمي ص488.
([35]) حاشية ابن عابدين” 1/60.
([36]) لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1 ص25ـ26.
([37]) التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص82.
([38]) الفتاوى الحديثية لابن حجر المكي ص144.
([39]) ميزان الاعتدال للذهبي ج3 ص124.
([40]) لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج2، ص190ـ191.
([41]) شذرات الذهب في أخبار من ذهب” 10/546.
([42]) اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني ج1، ص8.
([43]) لطائف المنن والأخلاق للشعراني ج1، ص127.
([44]) الفتاوى الحديثية” لابن حجر ص149.
([45]) اليواقيت والجواهر” ج1، ص8.
([46]) لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1، ص127.
([47]) اليواقيت والجواهر” ج1، ص8.
([48]) المصدر السابق ” للشعراني ج1 ص9.
([49]) حاشية ابن عابدين 4/238.
([50]) الكبريت الأحمر” ص276 طبعة 1277، كذا في مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21.
([51]) اليواقيت والجواهر” للشعراني ج2، ص205.
([52]) حاشية العلامة شيخ الإِسلام إِبراهيم الباجوري ص108.
([53]) المسائل الكافية للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي ص19.
([54]) مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21.
([55]) مجلة العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص23.
([56]) مجموعة الرسائل والمسائل” لابن تيمية ج1 ص80ـ81.
([57]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145.
([58]) التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني” لطه عبد الباقي سرور ص105.
([59]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([61]) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي ص214.
([62]) صحيح مسلم 4/1990 ح 2569.
([63]) فيض القدير شرح الجامع الصغير للعلامة المناوي ج2 ص313.
([64]) [“اليواقيت والجواهر” للشعراني ج1، ص22.
([66]) صحيح البخاري” 1/37 ح 127.
([67]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري” للإِمام العيني ج2، ص204ـ205.
([68]) قواعد التصوف للشيخ زروق ص7.
([69]) اليواقيت والجواهر للشعراني ص19.
([70]) حاشية ابن عابدين 4/238.
([71]) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي ص216.
([72]) التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص104ـ105.
([73]) الإِنسان الكامل لعبد الكريم الجيلي ص5، وليحذر القارىء من مطالعة هذا الكتاب لأن فيه كلمات مخالفة لعقيدة أهل السنة، ولا تقبل التأويل بحال مع أنه قد ألف كتابه مؤيداً بالكتاب والسنة، كما نص عليه مؤلفه في مقدمة كتابه، ونحن متأكدون أن الكثير مما فيه مدسوس عليه، انظر بحث الدس من هذا الكتاب ص398.
([74]) لطائف المنن والأخلاق للشعراني ج2 ص149.
([75]) المصدر السابق ج1، ص127.
([76]) النصرة النبوية للشيخ مصطفى المدني على هامش الرائية ص82.
([77]) لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1، ص126.
([78]) قوانين حكم الإِشراق إِلى كافة الصوفية في جميع الآفاق، قانون الولاية الخاصة ص58.
([79]) سنن أبي داود 7/338 ح 4985.
([81]) سنن الترمذي 3/489 ح 2685.
([82]) صحيح البخاري 3/57 ح 2072.
([83]) صحيح البخاري 1/25 ح 71.
([85]) اليواقيت والجواهر” ج1، ص11.
([86]) اليواقيت والجواهر ج1 ص83.
([87]) الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1، ص80-81.
([88]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([89]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([90]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([91]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([92]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([93]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([94]) المصدر السابق ج1، ص80-81.
([95]) الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير للعلامة جلال الدين السيوطي 2/162.
([96]) الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير للعلامة جلال الدين السيوطي 2/162.
([97]) اليواقيت والجواهر للشعراني ج1، ص83.
([98]) مدارج السالكين شرح منازل السائرين لابن قيم الجوزية 1/187.
([100]) مجموع فتاوى ابن تيمية قسم التصوف ج11، ص74ـ75.
([101]) المصدر السابق ج10، ص223
([102]) مجموع رسائل ابن تيمية ص 82.
([103]) بحث تأويل كلام السادة الصوفية ص 415.
([104]) رسالة وحدة الوجود للعلامة مصطفى كمال الشريف ص27 – 28.
([105]) مدارج السلوك إِلى ملك الملوك للعارف الكبير محمد بناني المتوفى 1284هـ.
([106]) قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق قاعدة 35، ص13.
([107]) انظر كتاب الإِسلام على مفترق الطرق ص52، أما المؤلف فنمساوي الأصل وكان اسمه ليوبولدفايس، فاعتنق الإِسلام وتسمى باسم “محمد أسد” وينصرف في الوقت الحاضر إِلى ترجمة معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري إِلى اللغة الإِنكليزية
([108]) بحث بين الصوفية وأدعياء التصوف ص449 .
([109]) بحث الدس على العلوم الإِسلامية ص 398 .
([111]) عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالَ عُمَيْرٌ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ قَالَ مُعَاذٌ وَهُمْ بِالشَّأْمِ» فَقَالَ مُعَاوِيَةُ هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ وَهُمْ بِالشَّأْمِ.
صحيح البخاري 4/207 ح 3641.