الباب الرابع العقيدة التي عليها جمهور أهل التخصص العقدي من الأثرية والأشاعرة والماتريدية في قسم السمعيات
وقد اشتمل على تلك المباحث:
(1) مذهب اهل السنة والجماعة في اثبات السمعيات.
(2) الإيمان بالملائكة الكرام.
(3) الإيمان بوجود الجن والشياطين.
(4) الإيمان بعذاب القبر ونعيمه.
(5) علامات الساعة الكبرى والصغرى.
(6) الإيمان باليوم الآخر.
(7) الإيمان بالجنة وما فيها من النعيم.
(8) الإيمان بالنار وما فيها من العذاب والجحيم.
***
المبحث الأول مذهب اهل السنة والجماعة في اثبات السمعيات
[المفتاح الأول]: القسم الثالث من أقسام العقيدة هو قسم السمعيات، ويسمى أيضا قسم الغيبيات، وهي كل ما ثبت بطريق الشرع (الكتاب والسنّة، ولم يكن للعقل فيه مدخل، ومثالها: الإيمان بالملائكة، والإيمان بوجود الجن والشياطين، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بعلامات الساعة الكبرى والصغرى، والإيمان باليوم الآخر وما فيه من الحشر والنشر والصراط والميزان والحوض، والإيمان بشفاعات النبي صلي الله عليه وسلم، والإيمان بالجنة وما فيها من النعيم المقيم، والإيمان بالنار وما فيها من العذاب والجحيم، ويدخل فيها أيضا كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الآحاد التي ليس لها معارض يمنع من اعتقادها، فهي حق يجب تصديقها.
[المفتاح الثاني]: أهل السنة والجماعة وسط في باب السمعيات ما بين اهل الحشو وما بين اهل الاعتزال، (المعتزلة): ينكرون عذاب القبر وينكرون الميزان وينكرون الصراط، ومنهم من أنكر المعراج، بزعم أنه أخبار آحاد يجوز عليها الغلط والسهو والنسيان، ولا مبرر لهم في أغلب ذلك لأن أكثرها ليس له معارض قطعي يمنع من اعتقاده، وأهل الحشو يثبتون عقائد بأخبار ضعيفة واخبار واهية، فصارت العقيدة عندهم مرتع لكل ضعيف او واه، اما أهل السنة والجماعة من أصحاب المدارس المتخصصة (الأثرية والأشعرية والماتريدية) فهم يؤمنون بكل ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء اكان متواترا أو آحادا بشرط خلوه من معارض قطعي يمنع من اعتقاده، يؤمنون بكل ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لم يحكم العقل باستحالته، ومذهب اهل السنة والجماعة في الغيبيات هو الإيمان بها بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يصح بها النقل، والشرط الثاني: عدم الاستحالة عقلاً، والشرط الثالث: السلامة من المعارضة.
[المفتاح الثالث]: عقيدة علماء أهل السنة والجماعة في أخبار الآحاد:
[1] تختلف الأدلة في قوة ورودها إلينا باختلاف طرق نقلها، وتشتمل قسمين رئيسين: الأول: (المتواتر)، وهو: الخبر الذي يرويه جمع، يؤتمن من تواطئهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، ويفيد هذا الخبر العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إلى التصديق به والعمل به من غير بحث عن رجاله مطلقا، وهو نوعان الخبر المتواتر اللفظي،: هو الخبر الذي تواتر لفظه ومعناه بأن رواه جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب مطلقا، فالقرآن لا يقبل من غير التواتر اللفظي، والحديث فيه من المتواتر اللفظي، ومثاله (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، وهناك الخبر المتواتر المعنوي: وهو الحديث الذي تواتر معناه دون لفظه بأن روى معناه جمع يستحيل تواطؤهم في العادة على الكذب، ومنه أحاديث المسح على الخفين مثلا، والقسم الثاني: (خبر الآحاد): وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحد أو اثنان ما لم يبلغ حد التواتر وروى عن ذلك الراوي مثله وهكذا حتى وصلنا بسند طبقات آحاد لا جموع التواتر، وهو ظني الثبوت لأنّ الواحد لا يؤتمن عليه الخطأ ولا الوهم ولا النسيان، هذا إن ضمنا صدقه وعدالته وضبطه وحفظه، فربما روى بالمعنى وربما اختلط عليه لفظ، وليس هناك في الأمة أصدق من الصحابة ولا أحفظ منهم ولا أفهم منهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك رد بعضهم على بعض فيما يروونه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك رد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في نفقة المبتوتة بقوله: (لا ندع كتاب ربنا و سنة نبينا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت) ([1]) . وقد ثبت في الصحيح خلاف عمر وعائشة رضي الله عنهما في حديث (إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) ([2]) .وما أكثر ما اختلف الرواة في الفاظ الحديث الواحد والواقعة الواحدة والدارسون لعلم متن الحديث يعلمون ذلك جيدا، وذلك لأنّ الكثير من ديوان السنّة المكرمة رُوي بالمعنى، وهذا ما حدا بأهل النحو بمنع الاستدلال على وجوه الإعراب من الحديث لأنّ فيه ما أصابه الوهم والخطأ والنسيان، وفيه ما روي بالمعنى، نعم لقد حفظ الله تعالى السنّة، ولكنّها درجات، فمنها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف، ومنها ما هو متواتر لفظا ومعنى، ومنه ما هو متواتر لفظا، ومنه ما هو حديث آحاد لا يبلغ حد التواتر، والمستدل به على العقائد لا ينبغي أن يكون إلا متواترا، أو ما صح من الآحاد سالما من المعارض القطعي، لأنّ الآحاد مهما بلغت قوته فهو ظني الثبوت، والعقائد لا تُبنى إلا على القطعي الثبوت والقطعي الدلالة، ولا مانع من اثبات عقيدة بما ثبت من احاديث الآحاد شريطة ان تكون سالمة من التعارض وإلا فلا.
[2] العقيدة الصحيحة لا تقوم إلا على اليقين، ولا مدخل للظنون إلى العقائد، وإنّ من أهم شروط الاعتقاد الصحيح أن يكون قائما على اليقين الجازم، لا على الظن والتخمين، ولهذا قرر علماء الأصول أنّ الاعتقاد الصحيح يجب أن يُسلَك فيه مسالك اليقين، ولا يؤْخَذ إلا من دليل قطعي، ولا يجوز أن تُؤْخَذ من دليل ظني، فغير الدليل القطعي لا يصح بناء العقيدة عليه، لأن الاعتقاد جَزْم لا يقبل التردد، فإذا بُنِي على ما يحتمل الخطأ مهما قلّ الاحتمال لم يكن اعتقاداً أصلا، فبين الأمرين تناقض تام، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]. [3] هناك فارق كبير بين الأمور العقائدية والأمور العملية، فالأمور العملية قد تصح بناء على دليل ظني، ولهذا قرر علماء الأصول بجواز العمل بالحديث الضعيف وخصه أكثرهم بفضائل الأعمال، لا في مجال التحليل والتحريم، أمّا أمور العقائد التي يكون الخلاف فيها بين حق وضلال وبين سنّة وبدعة فالأمر مختلف، فلا يُقبل لبناء العقيدة إلا الدليل القطعي سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة، ولهذا فمن أعظم الحشو والزلل في أمور العقيدة أن تُبنى على دليل ظني سواء من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة. [4] لا ينبغي لأي قضية عقائدية كبرى أن تقوم على دليل ظني كخبر الآحاد منفردا، وهذا التدقيق وهذا الفقه في دين الله تعالى، ليس معناه التشكيك في خبر الآحاد، وليس معناه الحط من قيمته العلمية، وإنما هو الميزان العدل الذي يعطي كل شيء قدره دون زيادة ولا نقصان، وهذا هو القول الرصين الراسخ في العلم والذي يثبت العقيدة ويحميها من كل تناقض أو خلل، وينقيها من كل حشو أو بدعة أو ضلالة، ويجعلها في مأمن من الانحراف والزلل، ومن فضل الله تعالى على أهل السنّة والجماعة أنه لا توجد قضايا عقدية أساسية انفرد الدليل الظني بإثباتها وليس لها أصلٌ في القرآن الكريم أو السنة المتواترة، سواء أكان تواترًا لفظيًّا أم معنويًّا، فإذا ثبت أصلُ القضية العقدية بالقرآن الكريم أو السنة المتواترة فتقبل أخبار الآحاد الصحيحة في تفاصيلها وفروعها، شرط ان تكون سالمة من التعارض، ومثال ذلك حديث مسلم في سؤال الجارية (أين الله؟) فإنه حديث صحيح السند ولكنه غير سالم من المعارضة، وهذا الشرط غير موجود هنا في حديث الجارية هذا لعدة أسباب:(السبب الأول): أنّ القصة المروية في الحديث قد اختلفت ألفاظها من رواية إلى أخرى مع ان القصة واحدة، ففي صحيح ابن حبان بسند حسن وفيه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: من ربك؟) فترد قائلة: الله، ثم يسألها: (من أنا؟) فتقول: أنت رسول الله، فيقول عندها الرسول صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة) ([3]) . وفي مسند عبدالرزاق بسند صحيح، يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية إن كانت تشهد أن لا إله إلا الله فتقول نعم، فيسألها إن كانت تشهد أنه هو رسول الله فترد بنعم، فيسألها إن كانت تؤمن بالبعث بعد الموت فترد بنعم فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم سيدها أن يعتقها) ([4]) .
ويعلق الحافظ أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني أن هنالك تناقض عظيم في ألفاظ الحديث في نسخه المختلفة([5]) .
وعندما يكون لحديث ما هذا العدد من الصور والنسخ المتضاربة فإن هنالك احتملا قويا أن يكون هذا الحديث قد راوه بعض الرواة في بعض طبقات السند بالمعني لا باللفظ !!، والمعنى هنا هو ما فهمه ذلك الراوي من الحديث لا حقيقة ما حدث فعلا وبالتالي فإن ((فهم)) شخص ما لا يصلح لتبنى عليه عقيدة في الله تعالى.
(والسبب الثاني): أن من يستدل بهذا الحديث لإثبات المكان لله، يرفض المعنى اللفظي: (في السماء) ويقول معناها (على السماء)، ويؤول ذلك بانه على العرش الذي فوق السماء، مع ان نسبة السماء إلى الكرسي كحلقة في فلاة ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك، مع ان الايسر ان نفهم معنى السماء بالعلو، علو المكانة وليس المكان كما تقول العرب أين علم فلان يقولون في السماء، كما في قوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات}، والرفع هنا درجات مكانة وليس مكان.
(والسبب الثالث): أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد بين بوضوح تام أركان العقيدة الإسلامية وقوائم الإيمان في الإسلام وذلك في الحديث الذي رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه عندما أجاب على أسئلة جبريل عليه السلام، فجعل أركان الإيمان ستة ولم يذكر فيها الإيمان بكون الله تعالى في السماء، فلو كانت (الله في السماء) نقطة حاسمة وامتحان فاصل لإيمان المسلم من عدمه – كما تشير إلى ذلك نسخة – أين الله – من هذا الحديث – لكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر هذه النقطة في جوابه لسؤال جبريل عن ما هو الإيمان.
(والسبب الرابع): لو فهم شخص ما حديث الجارية حرفيا على ظاهره واعتقد أن (الله في السماء) حقيقة، فإن ذلك يتناقض مع أحاديث أخرى صحيحة لها هي الأخرى الحق في أن تفهم حرفيا على ظاهرها كما فهم حديث الجارية على ظاهره ولا تؤول ولا تصرف عن الظاهر، ومن أمثلة هذه النصوص: قوله صلى الله عليه وسلم: (أقربُ ما يكونُ العبدُ مِن ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدُّعاء) ([6]) . وقوله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبصق أمامه فإنّ ربه امامه) ([7]) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) ([8]) .
فأين الله أفي السماء أم معنا أم أمامنا أم قريب منا، والسبب الخامس: الفهم الحرفي لكون الله في السماء يتناقض مع أصل من أصول العقيدة الإسلامية وهو كون صفات الله مخالفة لصفات المخلوقات فلا تماثل شيئا من خلق الله البتة لقول الله تعالى في سورة الشوري: {ليس كمثله شيء }، فلو كان الله حرفيا في السماء لكان هنالك عدد لا يحصى من الحوادث مماثلة له في كونها في السماء لها ارتفاع ومكان وجهة وتحيز وهلم جرا كالطائرة والملائكة والشمس والقمر والكواكب، وبما أن الله ليس كمثله شيء فهو قطعا ليس بجسم متحيز لأن ما سواه أجسام متحيزة وهو ليس كمثله شيء فليس جسما قطعا وتحقيقا وكل ما تبادر إلى ذهنك كونه الله فالله خلافه!! والله يقول: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا}، فها هي البروج والشمس والقمر في السماء بنص الآية،، فلو كان الله أيضا في السماء لماثلها ولكننا نعلم أن ليس كمثله شيء فنتج انتفاء كونه في السماء على ظاهر اللفظ كما هو الحال مع البروج ووجب تفويض المعنى أو تأويله، وكذلك فإنّ من أصول عقيدة المسلمين انّ الله تعالى له الغنى المطلق، وعدم احتياجه البتة لشيء من خلقه سبحانه، فلا يحتاج الله تعالى في وجوده إلى مكان كما يحتاج البشر، وبموجب اعتقاد غنى الله المطلق فإنه يستحيل كون الله جسما، لأن الأجسام تحتاج المكان والزمان لتتواجد فيهما والله لا يحتاج البتة إلى زمان أو مكان بل هو سبحانه قبل أن يكون زمان ومكان والزمان والمكان خلق من خلقه: {الله خالق كل شيء }، والسبب السادس: لا يخلو الحديث من المعارضة لأنه قد أجمع اهل الأصول على تقديس الله عن المكان، فكيف ينسب الحديث المكان إلى الله، فلهذا لا يمكن اعتماد عقيدة بحديث آحاد لا يسلم من المعاضة، فلكل هذه الأسباب ولأسباب أخرى يطول ذكرها، رأى السادة العلماء ضرورة ولزوم الفهم المجازي الرمزي لهذا الحديث ولغيره من النصوص المتشابهات، بردها إلى المحكم فتستقر العقيدة، كما الجبال.
[5]: عدم الأخذ بخبر الواحد في إثبات العقيدة منفرداً، ليس معناه إنكاره، أو عدم العمل به، وإنما يعني عدم القطع والجزم به في إثبات قضايا العقائد لاسيما التي ظهر فيها الخلاف، فما بالنا بما يُخالف منها العقل الصريح الذي دل على صحته محكم الكتاب، فهذه لا ينبغي أن يكون الدليل الظني ومنه خبر الآحاد دليلا قطعيا في المسألة إذ الظني محال أن يدل بمفرده على القطع في قضية معينه، [6]: تنبيه: يتمثل في أنّ الدلائل المستقلة على العقائد لابد وأن تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وعلى ذلك فلا يكفي في الاستدلال أن يكون الدليل متواترا من جهة الثبوت، ولكن ينبغي أيضاً أن يكون قطعيا في دلالته على المقصود، فإن كان خبر الآحاد وهو ظني الثبوت ليس قطعيا في دلالته، بمعنى أنه قد يحتمل التأويل إلى عدَّة معان مثلا، ولم نتمكن مِن ترجيح بعضها على بعض بدليل قاطع، فيتم الترجيح بالظن الغالب، وبالتالي فلا يفيد القطع، ولا يفيد العلمَ اليقينيَّ الجازمَ، ومنه نعلم أنّ الخبر الذي صار ظني الثبوت وظني الدلالة لا يصلح البتة في إثبات شيء من العقيدة منفرداً، لأنّ ظنيته صارت من الجهتين، بمعنى أنه لا يجوز تكفير او تبديع مخالفه، ومنه نعلم دقة علماء العقيدة والاصول على منهاج أهل السنّة والجماعة في تقرير العقائد. [7]: أخبار الآحاد تخضع للاجتهاد من قبل المتخصصين في علم الحديث في الحكم عليها من حيث الصحة والضعف، وهذه الأمور الاجتهادية تخضع للاتفاق والاختلاف وعلماء الحديث يختلفون في التصحيح و التضعيف بناء على اختلافهم في الشروط التي يضعونها للحكم بصحة الحديث، وبناء على اختلافهم في الحكم على رجال الحديث، كما أنّ منهم المتشددين ومنهم من عُرف بالتساهل، وكذلك فإنه قد يختلف علماء الحديث في الحكم باتصال السند، وفي الحكم بالشذوذ أو النكارة على بعض نصوص الحديث، بل يختلف حكم العالم الواحد فيُجِّرح مَن سبق منه تعديله أو يعكس، وعلى ذلك فإننا نرى العلماء كثيرا ما يحكمون على بعض الأحاديث بالصحة لتوافر شروط الصحة فيها عندهم، ثم يجدون بعض العلل التي تقدح في صحة ذلك الحديث فيحكمون عليه بما تقتضيه تلك العلة القادحة، وقد يُضعفَّون بعض الأحاديث لعدم توافر شروط الصحة فيها، ثم يجدون ما يقويها، فيحكمون بصحتها وهكذا، وإذا كان الحكم بتصحيح أي حديث من الآحاد أمرا اجتهاديا، ويحتمل أن يكون بخلاف ذلك، فلا يجوز القطع بدلالة ما دل عليه، ومن ادعى غير ذلك فهو معاند للواقع. ([9]) . [8]: مما سبق نعلم خطأ أهل الحشو والمتفيقهين في توسعهم في اثبات أصول العقيدة بخبر الآحاد دون التنبه إلى خطر ذلك في حشو العقيدة بكل ما لا يليق بها مما ملئوا به كتبهم من أصول عقائدهم الباطلة، قال إمام الحرمين: “ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي لا يخفَى مدركه على ذي لب، فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزلَّ العدل الذي وصفتموه ويخطيء؟ فإن قالوا: لا، كان بهتاً وهتكاً وخرقاً لحجاب الهيبة، ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه، والقول القريب فيه أنه قد زلَّ من الرواة والأثبات جمعٌ لا يعدون كثرة، ولو لم يكن الغلط متصوَّرًا لما رجع راوٍ عن روايته، والأمر بخلاف ما تخيَّلوه، فإذا تبيَّن إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال، ثم هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد، بل يجوز أن يُضْمِر خلاف ما يظهر، ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع([10]) .وقال الإمام النووي: “فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها، ويفيد الظن ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل”، إلى أن قال:” وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم، وقال بعضهم: يوجب العلم الظاهر دون الباطن، وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة”، إلى أن قال: “وأما مَن قال يوجب العلم، فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟ والله أعلم” ([11]) .
***
المبحث الثاني الإيمان بالملائكة الكرام
[المفتاح الأول]: الإيمان بالملائكة: هو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين، مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون يسبحون الله في الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم أنهم ليسوا كالبشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون وأنهم قائمون بوظائف متنوعة أوكل الله تعالى إليهم القيام بها، والإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، والذي لا يصح إيمان عبد حتى يقر به، فيؤمن بوجودهم، وبما ورد في الكتاب والسنة من صفاتهم وأفعالهم، قال الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: 285]، وقال تعالى: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة: 98]، وقد حكم الله عز وجل بالكفر على من أنكر وجود الملائكة؛ ولم يؤمن بهم، فقال تبارك وتعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء: 136].
[المفتاح الثاني]: الملائكة مخلوقات قائمة بنفسها حية ناطقة، خلقها الله عز وجل من نور،، فقد أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) ([12]) .
والملائكة الكرام لهم قدرة على التشكل فقد جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، كما في صحيح مسلم، كما جاء إلى مريم عليها السلام في صورة رجل سوي كما في سورة مريم، وغير ذلك من المواقف التي ظهر بها بعض الملائكة للرسل عليهم السلام وأنها حية ناطقة تنزل وتصعد، وتجيء وتذهب، وتتكلم بتبليغ الوحي، وبغيره، ومنهم الموكلون بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } [النازعات:5]، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} [الذاريات:4]، ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله للواحد القهار، وهم ينفذون أمره: لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، قال القاضي عياض رحمه الله: (أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه، وأنهم في حقوق الأنبياء، والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم)أهـ([13]) .
[المفتاح الثالث]: طاعة الملائكة الكرام: الملائكة الكرام لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، والملائكة الكرام يتميزون بكثرة الطاعة والعبادة: كما في قوله تعالى {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19، 20]، وقوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]، ومن تلك الطاعة: سجود الملائكة الكرام عليهم السلام لآدم عليه السلام، فبعد ان خلق الله تعالى آدم عليه السلام أمر الملائكة بالسجود له، قال تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} ، وكان سجود الملائكة لآدم عليه السلام عبادة وطاعة لله، وقربة يتقربون بها إليه وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم([14]) .
[المفتاح الرابع]: وظائف الملائكة الكرام: الملائكة الكرام لهم وظائف عديدة منها الوحي وظيفة جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [{195} الشعراء: 193 إلى 195]، ومنهم حملة العرش، كما في قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، ومنهم خزنة النار وخزنة الجنة، كما في قوله تعالى {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 71 إلى 73]، والملائكة الكرام منهم الكرام الكاتبين، قال تعالى {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ {17} مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17، 18]، وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الإنفطار: 10 إلى 12]، ومن وظائفهم المحافظة على الإنسان خلال حياته كلها: قال الله تعالى {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} [الرعد: 11]، ومن وظائفهم قبض الأرواح عند الموت: قال تعالى {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} [{61} الأنعام: 61]، وقال تعالى {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11]
[المفتاح الخامس]: أعداد الملائكة كبير جدا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما في السماء موضعُ قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم)، فذلك قوله: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} ([15]) .
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا لجلسائه: (هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال: أطّت السماء وحُقّ لها أن تَئِطّ، ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد، ثم قرأ: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 166])، ([16]) . وقال النبي –عليه الصلاة والسلام: (يُؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زِمَام، مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يجرّونها)، ([17]) .
ولكل إنسان حفظة من الملائكة: ملكان بالليل، وملكان بالنهار، وتجتمع هذه الملائكة الأربعة عند صلاة الفجر، وهو قول الله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء: 78)، وهؤلاء الملائكة يجتمعون عند صلاة الفجر وعند صلاة العصر، فيسألهم الله، وهو أعلم بما يفعله العباد، فيقول: “كيف تركتم عبادي؟” فيقولون للذين حضروا الصلاة صلاة الفجر وصلاة العصر: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون”،وما ورد من ذكر للملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم عند خلقه، ومحاورتهم للخالق -جل وعلا- في جعله خليفةً في الأرض من البشر، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 30)، ووقال تعالى في ذكر الملائكة الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ والذين حوله، وتسبيحهم لله تعالى، واستغفارهم للمؤمنين، ودعائهم لهم، قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (غافر: 7 – 9)، كذلك ما ورد من قصة الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم ولوط -عليهما السلام- لإنقاذ المؤمنين، وإهلاك قرية قوم لوط الذين كانوا يعملون الخبائث، هذه القصة وردت عن جمع من الملائكة ويعرفون بضيف إبراهيم المكرمين، ومن أهل العلم من ذكر أن من ضمنهم جبريل -عليه السلام- وهو الذي رفع القرية على جناحه حتى بلغ بهم عنان السماء، وسمعت ملائكة أهل السماء صياح ديكة القرية، ثم قلبهم على الأرض فجعل عاليها سافلها كما هو مشهور في الآيات، وعند أهل التفسير، وقيل: إنهم جمع لا يعرفون، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هناك ملكين ينزلان كل صباح يدعو أحدهما للمنفق، ويدعو الآخر على الممسك، قال -صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) ([18]) . كما ورد ذكر الملائكة الذين يتعاقبون في بني آدم، ويجتمعون في صلاتي الفجر والعصر، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم- فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون، وأتيناهم يصلون) ([19]) .
وقد ذكر الله تعالى الملائكة السياحين الذين يحبون بني آدم، ويطلبون مجالس الذكر، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذ وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم -عز وجل- وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك، فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم)، ([20]) .
[المفتاح السادس]: نؤمن [الكرام الكاتبين]: نؤمن بالكرام الكاتبين الذين جعلهم الله علينا حافظين، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار: 10 – 12)، وكما قال تعالى أيضًا: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}، وكما قال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف: 80)، وقد ورد في بعض كتب التفسير أنهم اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه، ويحرسانه واحدٌ من أمامه، وواحدٌ من ورائه، فهو بين أربعة ملائكة، ونؤمن بحملة العرش الذين أخبر عنهم الله في القرآن، فقال سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (الحاقة: 17)، ومنهم إسرافيل الذي ينفخ في الصور، ونؤمن كذلك بالملائكة الموكلين بالنار -أعاذنا الله منها- وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} (غافر: 49)، وقال تعالى: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، وقال أيضًا: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً} (المدثر: 30، 31)، ونؤمن أيضًا بالملائكة الموكلين بالجنان الذين يهيئون الضيافة لساكنيها من ملابس، ومآكل، ومشارب، ومصانع، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”، انتهى كلامه. ([21]) .
[المفتاح السابع]: يجب الإيمان بالملائكة التي وردت أسماؤهم في الكتاب، أو السنة، ومن هؤلاء رؤساؤهم الثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وجبريل هو الملك الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وقد ورد ذكره هو وميكائيل في القرآن الكريم، قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 97، 98)، وقد أثنى الله -سبحانه وتعالى- على جبريل في القرآن الكريم أحسن الثناء ووصفه بأجمل الصفات، ومن ذلك قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، أنه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير: 15 – 21)، وقال تعالى في وصفه أيضًا: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} (النجم: 5، 6)، وأما ميكائيل فهو الملك الموكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وأما إسرافيل فهو الملك الموكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم، ومن الملائكة جبريل – عليه السلام – قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97]، ومن تلك الآيات قول الله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 102)، وقوله -عز وجل: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 192 – 195)، ومن الملائكة الذين ذكروا في القرآن الكريم: مَالِكٌ -عليه السلام- خازن النار قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}، ومنهم: ملك الموت الذي لم يرد اسمه صريحًا لا في القرآن، ولا في السنة الصحيحة، لكن ورد في بعض الآثار تسميته بعزرائيل، قال الله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة: 11)، ومن الملائكة المذكورين في القرآن الكريم: هاروت وماروت في قصة تعلم أهل بابل للسحر، قال الله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} (البقرة: 102)،
[المفتاح الثامن]: ورد في القرآن الكريم أن الملائكة رسل الله تعالى، خلقهم بأجنحة مثنى وثلاث ورباع، كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} (فاطر: 1) ومن الصفات العجيبة التي تبين التشكل الذي تظهر به الملائكة قول الله تعالى مبينًا غلظة وشدة ملائكة النار: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6)، ومن الهيئات التي تبين التشكل الذي يجوز للملائكة، كما أنه دليل على إثبات وجودهم، ما ثبت من أن المَلَكَ يظهر على هيئة رجل، حيث ثبت ظهور جبريل -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- لمريم ابنة عمران -عليها السلام- في سورة رجل، كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} (مريم: 16، 17)، وكذلك ثبت في قصة الملائكة الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم ولوط -على نبينا وعليهما السلام- وهم المعروفون بضيف إبراهيم، فقدم إليهم إبراهيم القِرَى، ظانًّا أنهم بشر ليأكلوا منه قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ، قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} (العنكبوت: 31 – 33) فبين الله تعالى في هذه الآيات أنه أرسل ملائكةً تشكلوا على هيئةِ رجالٍ، وبعثهم إلى إبراهيم ولوط -عَلَى نَبِينَا وعَلَيْهِما السَّلاَمُ.
[المفتاح التاسع]: الملائكة يتفاوتون في الخلق كما يتفاوتون في الأقدار تفاوتًا لا يعلمه إلا الله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فاطر: 1) أي: أن الله جعل الملائكة أصحابَ أجنحةٍ، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاث، ومنهم من له أربعة، ومنهم من يزيد على ذلك، وهذا مظهر التفاوت في الأقدار عند الله، والقدرة على الانتقال، روى مسلم عن ابن مسعود -رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- رأى جبريل -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- له ستمائة جناح وكثرة الأجنحة دليلُ القدرةِ على السرعة في تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالته: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} (الصافات: 164 – 166) قال ابن كثير: ما من ملك إلا له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه، انتهى كلامه رحمه الله، وأما مجيء جبريل -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- إلى النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- في صورةِ رجلٍ، والتشكلِ بهيئةٍ أخرى فكثير جدًّا، وعليه فقد كان نزول جبريل -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- على النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- على أشكالٍ: (أولًا): من تلك الأشكال أنه كان يأتيه على صورة غير مرئية، ويقع كلامه على قلب النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- فيعي المصطفى -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- ما يقول جبريل، ولا يرى الصحابة -رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم- جبريل والحالة هذه، (ثانيًا): وقد يراه على صورته التي خلق عليها، فقد ثبت أنه -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- رأى جبريل على صورته التي خلق عليها مرتين، فقد روى مسلم بسنده عن عائشة -رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا- أنها قالت: إن النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- لم يَرَ جبريل في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد له ستمائة جناح، قد سد الأفق، وأجياد وادٍ في مكة، (ثالثًا): وقد يتمثل جبريل للنبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- في صورة رجل فيكلمه بالوحي ومن ذلك:
(أ) تمثل جبريل -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- بصورة الصحابي دحية بن خليفة الكلبي -رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ- وكان معروفًا بجماله، فقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر -رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا- قال: كان جبريل -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يأتي النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- في صورة دحية.
(ب) وقد يأتيه على صورةٍ غيرِ معروفةٍ، كرجلٍ من الأعراب، كما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ- قال: (بينما نحن جلوس عند النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه،،،) الحديث، وساق عمر -رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ- الحديث إلى أن قال في آخره: ثم انطلق فلبثت مليًّا، ثم قال لي -أي النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: (يا عمر، أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، ([22]) .
***
المبحث الثالث الإيمان بوجود الجن والشياطين
[المفتاح الأول]: وجود الجن حقيقة ثابتة في العقيدة الإسلامية، دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء، فهم مخلوقات مكلفة مخلوقة من نار تعيش معنا، الأدلة تشمل آيات كثيرة كـ “الجن”، وأحاديث صحيحة تصف خلقتهم، بالإضافة إلى مشاهدات واقعية، وقدرتهم على التلبس التي نقلها أهل السنة، بما يُشبه التواتر، رغم غياب الدليل العلمي المادي التجريبي عليها، وقد صرح القرآن الكريم وصرحت السنة النبوية بذكر المادة التي خلق منها الجن، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27]، وقال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّار}ٍ [الرحمن: 14 – 15]، وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن إباء إبليس من السجود لآدم عليه السلام كقوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]، وفي الحديث الذي اخرجه مسلم: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خُلِقَتِ الْمَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) ([23]) .
[المفتاح الثاني]: أدلة وجود الجن من القرآن: يتجلّى لنا ذكر الجن في العديد من النصوص القرآنية حتى بلغت ما يُقارب أربعين موضعاً من كتاب الله تعالى، بل تناولت سورةٌ كاملة أحوالهم وحديثهم سُمّيتْ باسمهم: (سورة الجن)، وكانت أوّل آية فيها: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} [الجن:1]، وتذكّرنا كثيرٌ من الآيات باشتراكهم مع عالم الإنس في أصل التكليف، من مثل قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم} (الأنعام:130)، واشتراكهم في الجزاء الأخروي بحسب أعمالهم، نجد ذلك في قوله سبحانه: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار} (الأعراف:38)،، وقد استعرضت سورة الجن بالكامل أحوالهم المتعدّدة، وطرفاً من أخبارهم مع الوحي، وموقفهم من رسالة الإسلام، وافتراق طوائفهم وتنوّعها، وتعظيم مؤمنيهم لله سبحانه وتنزيههم له عن الصاحبة والولد، إلى غير ذلك من الأمور، والقصدُ هنا التنبيه على أن ذكر الجن والتفصيل بأحوالهم على نحوٍ واضحٍ لا لبسَ فيه، لا يدعُ لأحدٍ مجالاً أن يُنكر وجودهم أو يحرّف معاني الآيات الدالة عليهم، وقال تعالى: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } [الأنعام: 130]، “{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ } أي: في الدنيا، { رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } أي: بالأمر والنهي { وَيُنْذِرُونَكُمْ } يخوفونكم: { لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال { قَالُوا }: يعني الجن والإنس: { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم، ولا شك أن إقرار المؤمنين منهم هو عين العبودية؛ لأنه إقرار بأن رسل الله قد أبلغت رسالات ربها وأوضحت السبيل وأنذرت، وأما إقرار الكفار- فهو إقرار اعتراف بعد إقامة الحجة عليهم، فهو إقرار عبودية قهر وغلبة -، لا إقرار عبودية انقياد وخضوع وذل وإذعان، وأن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر كما قال الله عزّ وجل عنهم: { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [الجنّ:14-15]، وَ{ الْمُسْلِمُونَ } الذين قد خضعوا لله بالطاعة، وَ{ الْقَاسِطُونَ } الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل.
[المفتاح الثالث]: أدلة وجود الجن من السنة النبويّة: الأحاديث في وجودهم لا تُحصى، بل تملأ مصنّفاً مستقلاً، نجد فيها: ذكر أصل خِلْقتهم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم.
وبيان طعامهم: هما من طعام الجن –يعني العظم والروثة-، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما ([24]) .
وأنهم يتراحمون: إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها([25]) .
وغير ذلك من أحوالهم، وبعيداً عن الجانب الخبريّ للأحاديث النبويّة، فإن فيها دلالةً حسيّةً على وجودهم، فقد أوردت عددٌ من النصوص كيف استطاع بعض الصحابة رؤية الجن في صورٍ كالحيات والثعابين، كمثل حديث أبي السائب رضي الله عنه قال، أتيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، فبينما أنا جالس عنده سمعت تحت سريره تحريك شيء، فنظرت فإذا حيّة، فقمت، فقال أبو سعيد: ما لك؟ قلت: حيّة هاهنا، قال: فتريد ماذا؟ قلت: أقتلها، فأشار إلى بيت في داره تلقاء بيته، فقال: إن ابن عم لي كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب استأذن إلى أهله، وكان حديث عهد بعرس، فأذن له رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يذهب بسلاحه، فأتى داره فوجد امرأته قائمة على باب البيت، فأشار إليها بالرمح، فقالت: لا تعجل حتى تنظر ما أخرجني، فدخل البيت فإذا حيّة منكرة، فطعنها بالرمح ثم خرج بها في الرمح ترتكض –أي: تتلوّى وتنتفض-، فلا أدري أيهما كان أسرع موتا: الرجل أو الحية، فأتى قومُه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: ادع الله أن يرد صاحبنا، فقال: (استغفروا لصاحبكم) ثم قال: (إن نفرا من الجن أسلموا بالمدينة، فإذا رأيتم أحدا منهم فحذّروه ثلاث مرات، ثم إن بدا لكم بعد أن تقتلوه فاقتلوه بعد الثلاث ([26]) .
[المفتاح الرابع]: أدلة وجود الجن من الإجماع: انعقد الإجماع على وجود عالم الجن عند من يُعتدّ بهم وعليه، فمن أنكرَ وجودهم فقد أنكر ما هو معلومٌ من الدين بالضرورة، ومن أنكر مثل هذا النوع من الثوابت العقديّة فقد انسلخ من الدين والعياذ بالله.
[المفتاح الخامس]: أدلة وجود الجن من دلالة العقل: المسار العقلي في إثبات وجود الجن مبنيٌّ على قيام الدلائل المتكاثرة على صدق نبوّة محمد –صلى الله عليه وسلم-، وصدقُه عليه الصلاة والسلام بناءً على اصطفاء رب الخلائق جلّ وعلا له، فلا يُمكن أن يختاره مبلّغاً عنه ولا يكون صادقاً في كلّ ما أخبر عنه، وإلا كان ذلك طعناً في أصل بعثته ورسالته، ويأتي من جُملة ما أخبر به: الإخبار عن العوالم الغيبيّة التي هي بعيدةٌ عن مجال حواسّنا الخمس، ومن ضمنها: عالم الجنّ، ويكفي أن وجود عالمٍ لمخلوقاتٍ لا نراها أو نشعرُ بها داخلٌ في دائرة الممكن العقلي، أي أن العقل لا يمنع بالضرورة وجود كائناتٍ لا تستطيع مَلَكاتُنا أن ترصدها أو أن تشعر بها، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على إيجاد خلقٍ لا نراهم، فلا معنى للتكذيب بوجودهم، بل هو مما يُنافي صراحة العقل.
[المفتاح السادس]: أدلة وجود الجن من دلالة المشاهدات: لا يكادُ عصرٌ من العصور يخلو من ذكر مشاهدات الناس للجنّ الذين يظهرون على صورة ناسٍ أو صورة كلبٍ أو حيّةٍ أو نحوهما من الحيوانات، حتى كتبُ التاريخ مليئةٌ بهذه المشاهدات، والقاسم المشترك بينها: الإخبار عن عالمٍ غير بشريّ، له تصرّفاتٌ خارجةٌ عن مقدور البشر، كالقدرة على الاختفاء، وجملةُ هذه الأخبار لا يمكن دفعها أو إنكارها، إن وجود عالم الجن، هو اختبارٌ للمكلف يظهر من خلاله إن كان موقفه: التصديق التام بما أخبرت به الرسل، أم هو: التكذيب بما لم يُحِط بعلمه، وهذا هو الفرق الجلي، بين أهل الإيمان، وأهل الشك والريبة والكفران: { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون* أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} [البقرة:2-5].
[المفتاح السابع]: منكر وجود الجن كافر: مذهب أهل السنة والجماعة: الذي عليه أهل السنة والجماعة من المسلمين وهو إثبات وجود الجن وانها مخلوقات غائبة عن حواسنا، وأنها لا تظهر إلا أذا تشكلت في صور غير صورها في بعض الأحوال ولبعض الناس، وأنها مخلوقات عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو ما عليه البشر، وأنهم يأكلون, ويشربون, ويتناكحون ولهم ذرية، وقد تواترت الاخبار بوجود الجن وأنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، ويقع عليهم التكليف الرباني والامر والنهي، وانهم مخاطبون بالقرآن كما في سورة الرحمن تكرر الخطاب { فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يخاطب الانس والجن واحد وثلاثين مرة في سورة الرحمن، واجماع أهل السنّة والجماعة على ذلك، ومع ذلك فقد أنكر بعض القدرية من امة الإسلام وجود الجن، حيث ذكر إمام الحرمين الجويني:
(وكثير من الفلاسفة, وجماهير القدرية, وكافة الزنادقة أنكروا الجن والشياطين رأساً، ولا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدبر ولا يتشبث بالشريعة، وإنما العجب من إنكار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار) ([27]) .
(4) وقال الإمام أبو بكر الباقلاني: (وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديماً وينفون وجودهم الآن، ومنه من يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فيها، ومنهم من قال: إنما لا يرون لأنهم لا ألوان لهم) ([28]) .
(5) والمعتزلة فقد اشتهر أن الكثيرين منهم ينكرون وجود الجن، يقول الجويني: (وقد أنكرهم معظم المعتزلة، ودل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم, وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه, ونص الشرع على ثبوته) ([29]) .
وقال ابن حجر الهيتمي: (وإنكار المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، بل ألزموا به كفراً لأن فيه تكذيب النصوص القطعية بوجودهم) ([30]) .
ولعل الصحيح هو ما قاله محمد رشيد رضا أن الزمخشري وشيعته لم يكونوا من المنكرين لوجود الجن، وإنما الجن – كما يقولون – من عالم الغيب، لا نصدق من خبرهم إلا ما أثبته الشرع، أو ما هو في قوته من دليل الحس أو العقل، ولم يثبت شرعاً, ولا عقلاً, ولا اختباراً, أن شياطين الجن تأكل الناس, ولا أنها تظهر لهم في الفيافي كما كانت تزعم العرب) أهــ ([31]) .
وهذا منه توجيه حميد، وذلك لأنّ منكر وجود الجن يكفر لمخالفته لما دل عليه القرآن من وجودهم وما تواترت به اخبار السنّة عنهم واجماع المسلمين على وجودهم، فمنكر وجودهم ينكر معلوما من الدين بالضرورة فيكفر.
[المفتاح الثامن]: قدرتهم على التشكل: الذي تشير إليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة، فيتصورون في صور الإنس والبهائم، ويتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل، والحمير والكلاب وغيرها، وفي صور الطير، ولا يمنع خلقهم من النار تشكلهم في الصور المختلفة، ومن الأدلة على تشكل الجن ورؤيتهم: قوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48]، قال الطبري في تفسير هذه الآية: (عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشيطان، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 48]، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه – وكانت يده في يد رجل من المشركين – انتزع إبليس يده، فولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جار لنا؟ قال: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال: 48] وذلك حين رأى الملائكة) ([32]) .
وقد ورد في السنة المطهرة أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، منها ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم -، ثم ذكرت قول أخي سليمان: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي [ص: 35] فرده الله خاسئاً) ([33]) .
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله، ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً، لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك، ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر، ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة) ([34]) .
وما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود، فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود، فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود، فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح – وكانوا أحرص شيء على الخير – فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة، قال: لا، قال: ذاك شيطان) ([35]) .
وروى مسلم في صحيحه (أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاٍ في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليّ: أن أجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم، فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدري أيهما كان أسرع موتاً، الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له، وقلنا: ادع الله يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان) ([36]) .
ففي هذا الحديث دلالة على أن الجن يتشكلون في صورة الحيات، وقد كانت تلك الحية التي دخلت البيت عبارة عن جن في صورة حية، صرع الفتى بسببها، ولذا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل حيات البيوت قبل استئذانها ثلاثة أيام، لئلا تكون تلك الحية جناً مسلمين، واخرج مسلم عن عمر بن نافع قال: (كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يوماً عند هدم، فرأى وبيص جان فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر، وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر، ويتبعان ما في بطون النساء) ([37]) .
وكذلك فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنّ مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، أخرج مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود، قلت: يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان) ([38]) .
فعلل صلى الله عليه وسلم بأنه شيطان، والجن تتشكل بالصور المختلفة للحيوانات سواء كانت كلاباً أو غيره، ومنه نعلم أن الجن قد يتشكلون في الصور المختلفة، وعندئذ يمكن رؤيتهم، ويرى الجمهور أنّ عامة المؤمنين يمكن ان يروا الجن إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات، ولبعض الناس، ومنهم من يرى أن رؤية الجن مختصة بالأنبياء فقط، ومنهم من يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء، ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر، وهو قول الألوسي، وابن العربي، وبعض العلماء، ويحكون فيه وقائع كثيرة، ولكن الذي عليه أكثر العماء أن رؤيتهم وقعت للأنبياء مطلقاً بصورهم الحقيقية، وانه لغير الانبياء عند تمثلهم في صور كثيفة، والقاعدة الأصولية تقول المثبت مقدم على النافي لأنه رأى بأم عينه، والله أعلم بالصواب،
[المفتاح التاسع]: الجن يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية: يقول ابن حجر الهيتمي: (واستدلوا لتناكح الجن فيما بينهم بقوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: 50]، فهذا يدل على أنهم يتناكحون لأجل الذرية) ([39]) .
ويقول الألوسي: (والظاهر أن المراد بالذرية: الأولاد، فتكون الآية دالة على أن له أولاداً، وبذلك قال جماعة، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به، وعن قتادة: أنه ينكح وينسل كما ينكح وينسل بنو آدم) ([40]) . وذكر الطبري ذلك عن قتادة وعن الحسن البصري([41]) .
ويؤيد ذلك ما أخرجه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) ([42]) .
ومن الأدلة على تناكحهم وتناسلهم قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [الرحمن:56]، يقول ابن حجر الهيتمي: (وهذا يدل على أنه يتأتى منهم الطمث وهو الجماع والافتضاض) ([43]) .
ويقول الفخر الرازي في الآية المتقدمة: (ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع؟ نقول: ليس كذلك، بل الجن لهم أولاد وذريات، وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الأنس أم لا؟ والمشهور أنهم يواقعون) ([44]) .
ولو كان الجن لا يتوالدون لانقرضوا وما بقي منهم أحد، لأنه قد ثبت موتهم بكثير من الأدلة، كما هو الشأن عند البشر، وجاء في أضواء البيان: (قال الشعبي: (سألني رجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي [الكهف:50]، فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم) ([45]) .
ومن الأدلة على أن الجن يتناكحون ولهم ذرية ما ورد في سورة الجن، من أن للجن رجالاً، قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6]، ومتى كان فيهم رجال ففيهم إناث، وذلك يقتضي التناسل، ويؤيده ما جاء في تفسير الخبث والخبائث في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري عن عبد العزيز بن صهيب قال: (سمعت أنساً يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ([46]) .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (والخبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد: ذكران الشياطين وإناثهم، قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما) ([47]) . وفي قوله تعالى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } [الأحقاف: 31]- إخباراً عن النفر الذين استمعوا إلى القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم – ما يفيد تناكح الجن وتناسلهم، قال ابن منظور: (والقوم: الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل هو للرجال خاصة دون النساء)، وقال: (وقوم كل رجل شيعته وقرابته)، وعلى هذا الأساس فإن في الجن رجالاً ونساء وذلك يقتضي التناسل، ولكن بكيفية لا نعلمها وإنما علمها عند الله.
[المفتاح العاشر]: الجن يموتون ويبعثون بعد الموت: الجن مخلوقات تموت كما يموت الإنس، فمن الأدلة القرآنية على موتهم قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 18]، قال الألوسي: (واستدل بقوله عز وجل: فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ [الأحقاف: 18]، الآية على أن الجن يموتون قرناً بعد قرن كالأنس) ([48]) .
وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) ([49]) .
وهو أصرح الأحاديث الدالة على موت الجن، وسئل ابن حجر عن موت الجن فقال: (كل الحيوانات يموتون، وكذلك سائر العالم، لقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، مع قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]) أهــ([50]) .
وحديث الفتى الذي صرعه الجني، في صحيح مسلم فيه دليل على أن الجن يموتون، فقد ورد في الحديث: (فما يدرى أيهما أسرع موتاً الحية أم الفتى) ([51]) .
وأما عن بعثهم بعد الموت فإن كثيراً من الآيات القرآنية التي توعدت العصاة والكفرة، قد دلت على بعثهم بعد الموت ومحاسبتهم على أعمالهم، قال الله تعالى في سؤال الكفرة من الجنسين في الآخرة: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلى} [الأنعام: 130]، وقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]،
[المفتاح الحادي عشر]: ما تعجز عنه الجن: الجن كالأنس عاجزون عن أشياء كثيرة، فهم لا يستطيعون الاتيان بمثل المعجزات التي جاءت بها الرسل تدليلاً على صدق ما جاءت به، فعندما زعم بعض الكفرة أن القرآن من صنع الشياطين قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210 – 212]، وتحدى الله بالقرآن الإنس والجن: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وهم لا يستطيعون التمثل بصورة النبي صلى الله عليه وسلم لا بالحقيقة ولا في الرؤيا، وذلك لما ورد في الحديث الذي جاء في الصحيحين: (من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتزيا بي) ([52]) . وهو عند الترمذي بإسناد صحيح: (من رآني فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي) ([53]) . والجن كذلك لا يستطيعون أن يتجاوزوا حدوداً معينة في أجواز الفضاء، كما قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ} [الرحمن: 33 – 35]، فمع قدراتهم وسرعة حركتهم لهم مجالات لا يستطيعون أن يتعدوها، وإلا فإنهم هالكون، والجن لا يستطيعون فتح باب أغلق وذكر اسم الله عليه، ففي الصحيحين: (فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئا، وأطفئوا مصابيحكم) ([54]) . وفي سنن أبي داود: قوله صلى الله عليه وسلم: (أجيفوا الأبواب، واذكروا اسم الله عليها، فإن الشيطان لا يفتح باباً أجيف عليه) ([55]) .
[المفتاح الثاني عشر]: الأدلة من القرآن على تكليف الجن: وردت آيات كثيرة تدل على تكليف الجن، وهي على أنواع مختلفة هي:
(1) ما جاء من التصريح في الحكمة من خلق الجن والإنس، وذلك في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56 – 57]، فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة.
(2) ما ورد عن صرف الجن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، واستماعهم للقرآن منه، قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 29 – 31]، فقد أخبر القرآن الكريم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لاستماع القرآن منه.
(3) قوله تعالى في سورة الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا – إلى قوله -: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 1 – 15]، وقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن وأخذهم عهداً على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1 – 2]، وقوله عنهم: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ } [الجن:12].
(4) ما يتضمن التصريح بإرسال رسل إليهم: كقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام: 130]، ففي هذه الآية خطاب للجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من الله في أنه قد بعث رسلاً إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ وبذلك يزول العذر وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس، وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام فهي عامة لجميع الجن والإنس.
(5) ما يتضمن خطاب الجن والإنس معا وذلك في سورة الرحمن في قوله تعالى بعد الحديث عن نعمه على عباده: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]، حيث ورد هذا الخطاب في واحد وثلاثين موضعاً من سورة الرحمن، وفيه خطاب للجن والإنس معاً، واخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كلما أتيت على قوله: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد) ([56]) .
(6) ما يتضمن تحدي الثقلين بالإتيان بمثل القرآن، وذلك في قوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وما يتضمن بشارة المؤمنين من الجن بالثواب على أعمالهم، وتحذير الكافرين والعصاة منهم بالعقاب على كفرهم ومعصيتهم في الآخرة، كما في قوله تعالى في سورة الأحقاف: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 18 – 19]، وقوله تعالى في سورة الأنعام: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} [الأنعام: 128]، ثم قوله بعد ذلك: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130]، وما جاء في سورة الرحمن من التهديد للجن والإنس في قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 31 – 40]، وما جاء في سورة الجن من إخبار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام من استماع نفر من الجن إليه بقوله عنهم: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: 13 – 17]، ثم التعقيب في أواخر السورة بقوله: إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23]، فهو الجزاء من الله للمؤمنين من الجن والإنس على أعمالهم، ومن خلال ما تقدم يتبين أن الجن مكلفون بنص القرآن، وأنهم هم والإنس في ذلك سواء، وأنهم سيحاسبون على هذا التكليف في الآخرة، فإن أحسنوا فلهم الجنة، وإن أساءوا فالنار مثواهم جزاء عادلاً من الله سبحانه.
[المفتاح الثالث عشر]: إبليس الرجيم من الجن وهو أبو الشياطين: (إبليس) هو ذلك المخلوق من النار، والذي كان يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم، فلما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم خالف أمر ربه بتكبره على آدم لادعائه أن النار التي خلق منها خير من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، فكان جزاء هذه المخالفة أن طرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال كما جاء في القرآن الكريم: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 – 83]، وكما قال عز وجل عنه: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } [الإسراء: 62]، وهؤلاء هم المستثنون في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً }[الإسراء: 65]، وإبليس واحد من الجن، وهو أبو الشياطين وقد أطلق عليه القرآن اسم الشيطان في مواضع، منها قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20]، وقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]، فالشيطان في هذه الآيات هو إبليس الرجيم، فــ لفظ الشيطان فقد يراد به إبليس خاصة، كما في قصة آدم وإبليس كقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة: 36]، وقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} [الأعراف: 20]، وقد يراد بالشيطان كل شرير مفسد داع للغي والفساد من الجن والإنس، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].
***
المبحث الرابع الإيمان بعذاب القبر ونعيمه
[المفتاح الأول]: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه أصل أصيل من عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو حق ثابت بالكتاب والسنة وتواترت به الأخبار، ويعتبر القبر أول منازل الآخرة، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، حيث يُسأل العبد ويُعذب أو يُنعم فيه، ومن الأدلة عليه، قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46]، حيث تدل الآية على أن عرض النار يكون قبل يوم القيامة في القبر، وقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]، فدلت الآية على تثبيت الله تعالى للمؤمنين عند السؤال في القبر، وما يتبع ذلك من النعيم؛ أخرج البخاريُّ من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أُقعِد المؤمن في قبره أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27]، ([57]) .
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة التي تثبت عذاب القبر ونعيمه، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدُك حتى يبعثك الله يوم القيامة)، ([58]) . وفي صحيح مسلمٍ من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا ألا تدافنوا، لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر)، ([59]) .
والأدلة على هذا كثيرة من الكتاب والسنَّة، وأخرج البخاري من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وُضِع في قبره وتولَّى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملَكان فيُقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل – لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريتَ ولا تليتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً، فيصيح صيحة يسمعها مَن يليه غيرَ الثَّقَلين) ([60]) .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من عذاب القبر في صلاته، وعذاب القبر ونعيمه لا يقتصر على الكافرين، بل يشاركهم فيه المسلمون بحسب أعمالهم.
[المفتاح الثاني]: من أسباب عذاب القبر عدم الاستتار من البول، والنميمة:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أمّا أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا) ([61]) . وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت عليَّ امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت فقال: صدقت، قالت: فما صلى بعد يومئذ إلا قال دبر كل صلاة: ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حرّ النار وعذاب القبر) ([62]) .
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن عامة عذاب القبر من البول، فقد روى أنس رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) ([63]) . ورواه ابن عباس بلفظ: (عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه) ([64]) . ورواه أبو هريرة بلفظ: (أكثر عذاب القبر من البول) ([65]) .
[المفتاح الثالث]: ومن أسباب عذاب القبر: (الغلول): وهو من الذنوب التي يعذب صاحبها في القبر، وقد صح في ذلك أكثر من حديث، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: (أهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً يقال له: مِدْعم، فبينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أصابه سهم عائر، فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ” شراك من نار أو شراكان من نار) ([66]) .
واخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: (كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: كَرْكرة، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها) ([67]) .
[المفتاح الرابع]: ومن أسباب عذاب القبر: (الكذب)، و (هجر القرآن)، و (الزنا)، و(الربا): أخرج البخاري عن سمرة بن جندب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله، فسألنا يوماً فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد – قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه – حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته ناراً، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، على وسط النهر رجل بين يديه حجارة – قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شط النهر رجل – فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت: طَوَّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيتُ، قالا: نعم، أما الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر آكلوا الربا، والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله أولاد الناس، والذي يوقد النار مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدارُ الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك) ([68]) .
[المفتاح الخامس]: ومن أسباب عذاب القبر: (الدين): فقد اخرج ابن ماجة والإمام احمد عن سعد بن الأطول رضي الله عنه: (أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه، فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت، قلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بيِّنه، قال: أعطها فإنها محقة، وفي رواية: صادقة) ([69]) . فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ذلك الصحابي محبوس بسبب دينه، واخرج ابو داود والنسائي عن سمرة بن جندب (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، (وفي رواية صلى الصبح)، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ (فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا)، فقال ذلك مراراً، (ثلاث لا يجيبه أحد)، (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس، (فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟) أما إني لم أنوِّه باسمك إلا لخير، إن فلاناً – لرجل منهم – مأسور بدينه (عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشيء)([70]).
[المفتاح السادس]: ومن أسباب عذاب القبر: عذاب الميت ببكاء الحي: ففي الصحيحين أنّه: (عندما طُعِن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه) ([71]) .
وقد أنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الحديث، ففي (صحيح البخاري) (أن ابن عباس ذكر لعائشة ما قاله عمر بعد وفاته، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: 18]) ([72]) .
وفي فتح الباري: (إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً، ولم يسمع بعضاً بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح) أهــ ([73]) .
أما كيف يعذب ببكاء أهله عليه، وليس ذلك من فعله، والله يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]، فللعلماء في ذلك أجوبة أحسنها ما قاله البخاري في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال رحمه الله تعالى: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته) لقول الله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع ومسؤول عن رعيته) ([74]) .
وممن ذهب هذا المذهب الترمذي رحمه الله، فإنه روى حديث عمر رضي الله عنه بلفظ: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ثم قال: حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث، وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته، أن لا يكون عليه من ذلك شيء) أهــ ([75]) .
وهذا الفقه للحديث هو مذهب القرطبي رضي الله عنه، فإنه قال: (قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره، كما قال: إذ أنا مت فانعيني بما أنا أهله،،، وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد، وكذلك إذا وصى به) أهــ([76]) .
[المفتاح السابع]: ومن أسباب عذاب القبر: الذي يأخذ القرآن ويرفضه، والنائم عن الصلاة المكتوبة: أخرج البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه الحديث بطوله، وفيه (وأنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى) ثم جاء البيان في آخر الحديث بقول الملكين للرسول صلى الله عليه وسلم: (أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة) ([77]) . وفي رواية: (فيفعل به إلى يوم القيامة) ([78]) .
[المفتاح الثامن]: بعض المسلمين يعصمون من فتنة القبر وعذابه: فمن هؤلاء:
(1) الشهيد: فقد روى الترمذي وابن ماجة عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه) ([79]) .
وروى النسائي في سننه عن راشد بن سعد بن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ([80]) .
(2) الذي مات مرابطاً في سبيل الله، فقد روى الترمذي وأبو داود عن فضالة بن عبيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله؟ فإنه ينمي له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر) ([81]) .
(3) الذي يموت يوم الجمعة، ففي الحديث الذي رواه احمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) ([82]) .
(4) الذي يموت بداء البطن، وقد ثبت في حديث يرويه النسائي واحمد عن عبد الله بن يسار، قال: (كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره؟ فقال الآخر: بلى) وفي رواية: (صدقت) ([83]) .
***
المبحث الخامس علامات الساعة الكبرى والصغرى
[المفتاح الأول]: بعض أشراط الساعة الصغرى: أشراط الساعة الصغرى التي ذكرها العلماء كثيرة جداً، منها:
(أ) قبض العلم وظهور الجهل وشرب الخمر وانتشار الزنا: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا)، ([84]) .
(ب) التطاول في البنيان: فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ -وذكر علامات منها – حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ) ([85]) . وجاء في حديث جبريل عليه السلام الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه (قال فأخبرني عن الساعة؟ قال ” ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أمارتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال ثم انطلق فلبثت ثلاثا ثم قال: يا عمر هل تدري من السائل، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) ([86]) .
(ت) كثرة الزلازل وتقارب الزمان وظهور الفتن والقتل بغير سبب، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ) ([87]) .
(ث) فشو الزنا وكثرته بين الناس وكثرة النساء وقلة الرجال، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ) ([88]) .
(ج) حسر نهر الفرات عن جبل من ذهب: فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو) ([89]) .
[المفتاح الثاني]: أشراط الساعة الكبرى: هي الأشراط الكبرى التي متى ظهرت إحداها تتابعت حتى تقوم الساعة، منها عشر آيات صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: (اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة قال إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) ([90]) .
(أ) ظهور المهدي: يعتقد أهل السنة والجماعة أنّ من أشراط الساعة خروج المهدي آخر الزمان، فيملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، وتخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويفيض المال، وقد جاءت السنة ببيان أنه رجل من أهل البيت من ذرية فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطيء اسمه اسمي – وفي رواية لأبي داود -: يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي) ([91]) .
وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً، يملك سبع سنين) ([92]) .
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) ([93]) .
فهذا بعض ما ورد في ذكر المهدي وخروجه آخر الزمان، وقد بلغت أحاديثه حد التواتر كما صرح بذلك السيوطي والسفاريني والشوكاني وجماعة من أهل العلم، قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية (وقد كثرت بخروجه الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عُدّ من معتقداتهم،،، وقد روي عمن ذُكر من الصحابة وغير من ذُكر منهم رضي الله عنهم، بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة) أهـ،([94]) .
وقال الشوكاني: (والأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر، التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول) أهـ ([95]) .
(ب) ظهور المسيح الدجال: المسيح الدجال له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج عرفه المؤمنون، فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الصفات أنه ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتـئة، كأنها عنبة طافـئة، ومكتوب بين عينه (ك ف ر) بالحروف المقطوعة، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، وقد أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ أَلَا وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ) ([96]) . وأخرج أيضاً من أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا أنه أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) ([97]) .
(ت) نزول عيسى عليه السلام: بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض ينزل عيسى عليه السلام إلى الأرض، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق وتكون مجتمعة لقتال الدجال، فينزل وقت إقامة الصلاة ويصلي خلف أمير تلك الطائفة، فقد أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم – صلى الله عليه وسلم – فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) ([98]) .وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم – صلى الله عليه وسلم – حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها)، ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا })([99]) .
(ث) خروج يأجوج ومأجوج: من علامات الساعة الكبرى، قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 96، 97]، وأخرج البخاري عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوماً فزعاً يقول: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) ([100]) .
(ج) من علامات الساعة الكبرى: طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، والدخان، ثلاثة خسوف، خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، لما أخرجه مسلم عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَنْ تَكُونَ أَوْ لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ قَبْلَهَا عَشْرُ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَالدَّجَّالُ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَالدُّخَان، وَثَلَاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ) ([101]) . وما أخرجه مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بَادِرُوا بِالْأَعْمالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ) ([102]) .
وما أخرجه مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ) ([103]) .
***
المبحث السادس الإيمان باليوم الآخر
[المفتاح الأول]: اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم، وقد تكرر ذكر الإيمان باليوم الآخر في القرآن الكريم ستة وعشرون مرة، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136].
[المفتاح الثاني]: الإيمان باليوم الآخر: هو الاعتقاد الجازم بوجود اليوم الآخر، حيث يحاسب الله تعالى النّاس على أعمالهم، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 6 إلى 8]، ويشتمل الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالحياة البرزخية في القبر، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات الساعة وأشراطها الصغرى والكبرى، والإيمان بما يكون في اليوم الآخر من أهوال واختلاف أحوال، وما يكون فيه من الحساب والنشر وتطاير الصحف ونصب الموازيين يوم القيامة والمرور على الصراط، والإيمان بما يكون بعده من الجنّة ونعيمها للمؤمنين الأبرار، والنار وجحيمها للمشركين والكفار والأشرار.
[المفتاح الثالث]: نهاية الدنيا وبداية الآخرة: النفخ في الصور مرتين، النفخة الأولى إيذانٌ بزوال الدنيا ودمارها، والنفخة الثانية إيذانٌ ببداية الحشر للحساب، قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [الزمر: 68 إلى 70]، ولقد وضح القرآن الكريم ما يحدث في الكون من دمار للدنيا عند النفخة الأولى، والتهيئة للآخرة عند النفخة الثانية في العديد من الآيات، كما في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 1 إلى 14]، وقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 1 إلى 5]، وقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 1 إلى 5]، وقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8} [سورة الزلزلة]
[المفتاح الرابع]: البعث والحشر والحساب وحال النّاس يوم القيامة: قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 51 إلى 54]، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلا، في يوم رهيب عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46} [النازعات: 34 إلى 46]، وقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)} [عبس: 33 إلى 42].
[المفتاح الخامس]: في يوم القيامة تدنو الشمس من رؤوس العباد، حتى يكون عرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يكون إلى كعبه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه عرقه إلجاماً، فقد أخرج مسلم عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِى الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا، قَالَ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) ([104]) .
[المفتاح السادس]: في هذا اليوم يحاسب كل إنسان على عمله، كما في تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، فمنهم من يكون مآله إلى النار، ومنهم من يكون مآله إلى الجنّة، قال تعالى {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ {71} قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ {72} وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ {73} وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ {74}.
[المفتاح السابع]: في هذا اليوم يكرم الله تعالى أمة الإسلام بحوض النبي صلى الله عليه وسلم، في عرصات القيامة، وأن ماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وآنيته بعدد نجوم السماء، وطوله شهر، وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، فقد أخرج مسلم عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قَالَ (وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا أَلاَ فِى اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ يَشْخُبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ) ([105]) .
ولكن أصنافاً من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سيذادون عنه، ويمنعون من وروده، فقد أخرج مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه (أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ، فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا) ([106]) .
[المفتاح الثامن]: المرور على الصراط: الصراط جسر منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر عليه الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم ومن يزحف زحفاً، ومنهم من يُخطف خطفاً ويُلقى في جهنم، فإن على الجسر كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة ونجا، فقد أخرج البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَيُضْرَبُ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ »، قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهَا كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ، قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أنه لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ تَعَالَى فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو) ([107]) .
[المفتاح التاسع]: القصاص قبل دخول الجنّة: إذا عبر المؤمنون الصراط، وقفوا عند قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتَصّ من بعضهم لبعض، فإذا هُذّبوا ونُقُّوا، أذن لهم في دخول الجنة، فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِى دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَ الَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِى الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِى الدُّنْيَا) ([108]) .
***
المبحث السابع الجنة وما فيها من النعيم
[المفتاح الأول]: الجنة هي دار الخلود، ونعيمها دائم، لا يعتري سكانها نصبٌ أو همٌ أو حزن، ويتمتعون بما أحل الله تعالى لهم بفضله وكرمه، وفيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولقد بيَّن الله تعالى بفضله الكريم في كتابه العظيم صفات هذه الدار، حتى يسعى لها المسلمون، ولقد أرشدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين في السنة النبوية العظيمة لصفات هذه الدار حتى نستعين بالرجاء في رحمة الله تعالى، ونُقبِل على الأعمال الصالحة، لكي نسكن في هذه الدار العظيمة، وننعم بحمد الله تعالى على فضله وكرمه، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]،
[المفتاح الثاني]: بعض آيات القرآن الكريم في وصف الجنة:
(1) قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69].
(2) قال الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثْنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ، وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر:73-75].
(3) قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43].
(4) قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23].
(5) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء:57]
(6) قال الله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:32].
(7) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:22-24].
(8) قال الله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} [السَّجْدَة:19].
(9) قَالَ الله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ} [الْوَاقِعَة:22-24]، (1) قال الله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران:195]، (1) قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء:124].
(10) قال عزّ وجلّ {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97].
(11) قال الله تعالى: {من عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر:40].
(12) قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ، فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الطور:17-20].
(13) قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَة، لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية:8-16].
(14) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ، يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لّا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} [الطور:21-24].
(15) قال الله تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة:17]، (16) قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر:7-9].
(17) قال الله تعالى {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف:71].
(18) قال الله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن:70-76]،
[المفتاح الثالث]: بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة:
(1) أخرج البخاري ومسلم في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه وتعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ومصداق ذلك في كتاب الله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([109]) .
(2) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه»([110]) .
(3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن ابن صياد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة فقال: «دُرمُكٌة بيضاء مسك خالص» ([111]) .
(4) عن أنس بن مالك عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أُدخِلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك» ([112]) .
(5) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة شجرة يستظل الراكب في ظلها مائة سنة واقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب» ([113]) .
(6) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» ([114]) .
(7) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»([115])
(8) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الأَلُوَّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء» ([116])
(9) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف من الآية:43]» ([117]) .
(10) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي -أو: أتضحك بي- وأنت الملك؟»، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقول: «ذلك أدنى أهل الجنة منزلة»([118]) .
(11) عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي قال فيه لأصحابه يومًا: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ»([119]) .
(12) عن أنس بن مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «،، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ([120]) .
(13) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ» ([121]) .
(14) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّةِ، وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَكُونُ فِي ظِلِّهَا،، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ»، قَالَ: «فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ»([122]) .
(15) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً،قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلا تَحَاسُدَ، لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ»([123]) .
(16) عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ([124]) .
(17) روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحا كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس»([125]) .
(18) عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا»([126]) .
(19) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلاثِينَ أَوْ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً» ([127]) .
(20) عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْجِمَاعِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ» ([128]) .
(21) عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ؟! قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جِلْدِهِ فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمُرَ»([129]) .
(22) عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله تعالى عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟»، قَالَ: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وهي الزيادة» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ([130]) .
(23) في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كُنّا جلوسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته»([131]) .
(24) عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها -وفي روايةٍ: طولها- ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»([132]) .
(25) عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه -أو: طيبه- مسك أذفر» ([133]) .
(26) قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُنَادِي مُنَادٍ -يعني في أهل الجنة-: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا»([134]) .
(27) عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا»([135]) .
(28) عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه» ([136]) .
[المفتاح الرابع]: نعيم الجنّة كامل: لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، خال من شوائب الدنيا وكدرها، فطعام الدنيا وشرابها يلزم منهما الغائط والبول والروائح الكريهة، وخمر الدنيا تفقد العقل وتصدع الرأس، ونساء الدنيا يحضن وينفسن، وقلوب أهل الدنيا مليئة بالحقد والغل، وأقوالهم خبيثة، أما الجنة فهي خالية من كل هذه الشوائب، فأهلها لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتفلون، وقلوبهم صافية لا اختلاف بينهم ولا تباغض {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}، وأقوالهم طيبة، فلا تسمع في الجنة كلمة نابية تكدر الخاطر، {لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ}، ولا يطرق المسامع إلا الكلمات الطيبة السالمة من عيوب كلام أهل الدنيا {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}، وخمر الجنة وصفها ربها بـ {بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} وماؤها لا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه {أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}، ونساؤها مطهرات من الحيض والنفاس، {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}، وبالجملة فالجنة لا مثل لها، خالية من شوائب الدنيا ومنغصاتها، خالصة من الأذى، قد كمل نعيمها وحفظ من كل الأكدار.
[المفتاح الخامس]: نعيم أهل الجنة باق دائم: مهما طال نعيم الدنيا فهو زائل لا محالة، إما بالموت أو بغيره، ولهذا سماه الله متاعًا؛ لأنه يتمتع به ثم يزول، أما نعيم الآخرة فهو أبدي خالد، لا يكتنف صاحبه سقم ولا ألم ولا ملل ولا نقصان، باق ليس له نفاد {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}، {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ}، {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أدخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) ([137]) .
[المفتاح السادس]: أسماء الجنة: للجنة أسماء عديدة باعتبار صفاتها التي وصفها الله تعالى بها في القرآن الكريم، فمن ذلك: (1) الجنة وهو اسمها العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين، (2) دار السلام، وقد سماها الله بهذا الاسم في قوله تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 127]، وقوله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25]، وهي دار السلام من كل بلية وآفة ومكروه، وهي دار الله، واسمه سبحانه وتعالى السلام، (3) دار الخلد وسميت بذلك لأن أهلها لا يرحلون عنها أبدًا، كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48]، (4) دار المقامة أي الإقامة الأبدية، فهم لا يموتون ولا يتحولون منها أبدًا، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} [فاطر: 34، 35]، (5) جنة المأوى، قال تعالى: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 15]، وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41]، (6) جنات عدن، قال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ} [مريم: 61]، أي جنات إقامة، (7) دار الحيوان، قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64] أي دار الحياة الدائمة التي لا تفنى ولا تنقطع ولا تبيد، (8) الفردوس، قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10، 11]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107]، والفردوس يطلق على أفضل الجنة وأعلاها، (9) جنات النعيم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} [لقمان: 8] وهذا اسم جامع لجميع الجنات، (10) المقام الأمين، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 51، 52]، والمقام موضع الإقامة، والأمين الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، (11) مقعد الصدق قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55] فسمى الجنة مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها.
[المفتاح السابع]: سعة الجنة: ورد في القرآن الكريم آيات تشير إلى سعة الجنة، منها قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وقوله: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، فاقرءوا إن شئتم {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ})([138]) .
[المفتاح الثامن]: درجات الجنة: يتفاضل الناس في الجنة كما يتفاضلون في الدنيا، كل بحسب إيمانه وعمله في الدنيا، بل إن تفاضلهم في الجنة أكبر وأعظم من تفاضلهم في الدنيا؛ فالجنة ليست درجة واحدة، بل جنان متعددة تتفاوت في الحسن والنعيم والجزاء، قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21]، وقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وعن أنس رضي الله عنه قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن يك الأخرى ترى ما أصنع، فقال صلى الله عليه وسلم: (ويحك، أو هبلت، أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس) ([139]) . وفي الحديث أنّ في الجنة مائة درجة، بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) ([140]) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم) ([141]) . فالناس في الآخرة إنما يتفاضلون بقدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
[المفتاح التاسع]: أعلى أهل الجنة وأدناهم منزلة: أخرج مسلم عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سأل موسى ربه: ما أدني أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين،ـ ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ([142]) .
[المفتاح العاشر]: الوسيلة أعلى درجة في الجنة: وهي درجة النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) ([143]) .
[المفتاح الحادي عشر]: أبواب الجنة وسعتها: أبواب الجنة ثمانية يدخل منها المؤمنون، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون) ([144]) . وهي تفتح عندما يصل إليها المؤمنون، قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]، وأحد هذه الأبواب يسمى الريان، وهو خاص بالصائمين، وهناك باب للمكثرين من الصلاة، وباب للمتصدقين، وباب للمجاهدين، أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله دعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام) ([145]) . وسعة أبواب الجنة عظيمة، أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر) وفي لفظ: (كما بين مكة وبصرى) ([146]) .
[المفتاح الثاني عشر]: تربة الجنة وحصباؤها وبناؤها: أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: (أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) ([147]) .
وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ابن صائد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة فقال: (هي درمكة بيضاء، مسك خالص)([148]) . والدرمكة هي على لون الدقيق الخالص البياض، واخرج احمد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ فقال: (لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها – أي طينها – المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) ([149]) .
[المفتاح الثالث عشر]: أنهار الجنة: قال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}، واخرج مسلم في حادثة الإسراء والمعراج، رأى صلى الله عليه وسلم أربعة أنهار، يخرج من أصلاها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقال: (يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات([150]) . ومن أنهار الجنة نهر الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج، أخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بينما أنا أسير في الجنة إذ بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك أذفر) ([151]) .
[المفتاح الرابع عشر]: عيون الجنة: في الجنة عيون كثيرة مختلفة الطعم والمشارب، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}، وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان: 5، 6]، وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 22-28]، وفي الجنة عين تسمى السلسبيل لسهولة إساغتها واللذة في شربها، قال تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} [الإنسان: 17، 18].
[المفتاح الخامس عشر]: غرف الجنة وقصورها وخيامها: قال تعالى {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الزمر: 20]، واخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (أدخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، فقلت: ومن هو؟ قالوا: لعمر بن الخطاب) ([152]) . واخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (هذه خديجة أقرئها السلام من ربها، وأمره أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب – أي اللؤلؤ المجوف – لا صخب فيه ولا نصب) ([153]) .
وفي الجنة أيضًا خيام، قال تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} [الرحمن: 72]، واخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا) ([154]) . وقد وصف الله تعالى المساكن بأنها طيبة فقال جل شأنه: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72].
وأما أثاث أهل الجنة: قال تعالى: {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} [الواقعة: 15، 16]، أي على الأسرَّة المرتفعة المتقابلة المصفوفة حيث ينظر أهل الجنة في وجوه بعض، وقال تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن: 54] وقال: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة: 34]، وقال تعالى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} وقال: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}، وقال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13].
[المفتاح السادس عشر]: أشجار الجنة وثمارها: أشجار الجنة كثيرة متنوعة، ففيها العنب والنخل والرمان، قال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} [النبأ: 31، 32]، وقال: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وفيها السدر والطلح وكلاهما منزوع الشوك معد للأكل بلا كد ولا مشقة، قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ}، وأشجار الجنة دائمة العطاء، ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال، قال تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35]، وقال: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ}، وهي ذات فروع وأغصان باسقة نامية، شديدة الخضرة، وسيقانها من ذهب، قال تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب) ([155]) .
أما ثمار تلك الأشجار فهي قريبة دانية مذللة، ينالها أهل الجنة بيسر وسهولة، لا تنقطع أبدًا لا صيفًا ولا شتاءً، بل كلما قطعت عوض عنها مثلها في مكانها، يجنيها صاحبها قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، قال تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}، وقال: {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} ويتخير منها ما يشتهي {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ}، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها) ([156]) . وقال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، واقرءوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}) ([157]) . واخرج الإمام احمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها) ([158]) .
وفي الجنّة سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}، وأخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (ثم رُفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة) ([159])
[المفتاح السابع عشر]: طعام أهل الجنة وشرابهم: قال تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ}، وقال تعالى: {وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}، وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}، وقال تعالى: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ}، وقال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ}، فخمر الجنة خالية من كل العيوب والآفات التي تتصف بها خمر الدنيا، فهي لا تذهب العقل، ولا تصدع الرأس، ولا توجع البطن، ولا يمل شاربها، وأول طعام يتحف الله به أهل الجنة زيادة كبد الحوت، ففي صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما أول شيء يأكله أهل الجنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (زيادة كبد الحوت) ([160]) . وطعام أهل الجنة وشرابهم لا تنشأ عنه فضلات كما هو الحال في الدنيا، وإنما تتحول هذه الفضلات إلى رشح كرشح المسك يفيض من أجسادهم، فتنبعث منه روائح طيبة، أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء كجشاء المسك) ([161]) .
[المفتاح الثامن عشر]: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم: قال تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ}، وقال تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا}، وقال سبحانه: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ}، فهناك الصحاف وهي القصاع، وهناك الأكواب وهي الآنية المستديرة التي لا عروة لها ولا أذن ولا خراطيم، والأباريق وهي ذوات الآذان الخراطيم، والكئوس وهي القداح التي فيها الشراب، وكل هذه الأواني من الذهب والفضة، أخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) ([162]) .
[المفتاح التاسع عشر]: لباس أهل الجنة وحليهم: أما لباس أهل الجنة فذو ملامس ناعمة، لا يبلى من طول الزمن، ولا يتقذر من كثرة الاستعمال، فهو أبدًا في جمال متجدد، ومنه الحرير، ومنه السندس، ومنه الديباج وغير ذلك، قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ} وقال تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}، واخرج البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أتي الرسول صلى الله عليه وسلم بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا) ([163]) .
ومن ملابس أهل الجنة التيجان على رءوسهم، أخرج الترمذي عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في الخصال التي يعطاها الشهيد: (ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها) ([164]) .
أما حُليهم التي يتزينون بها فمن أساور الذهب والفضة واللؤلؤ، قال تعالى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن لأهل الجنة أمشاطًا من الذهب والفضة، وأنهم يتبخرون بعود الطيب مع أن روائح المسك تفوح من أبدانهم الزكية، أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صفة الذين يدخلون الجنة: (آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة – أي عود الطيب – ورشحهم المسك) ([165]) .
[المفتاح العشرون]: نساء أهل الجنة: قال تعالى: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}، ووصف سبحانه أبدانهن وما فيها من جمال اللون ونعومة الملمس فقال: {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} وقال تعالى: {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ}، أي مصون محفوظ لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس ولا عبث الأيدي، وأما رشاقة أبدانهن وتناسق أجزائهن فقد وصفهن الله تعالى بقوله: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} والياقوت والمرجان معروفان بجمال المنظر، ونعومة الملمس وشفافيته، وهما مما يرتاح إلى النظر إليهما لحسنهما، ووصفهن القرآن الكريم بأن لهن الأثداء والنهود الجميلة وأنهن متقاربات في السن، فقال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا}، والكواعب جمع كاعب وهو الثدي أو النهد الذي يزين صدر المرأة الشابة، والأتراب أي: المتقاربات في السن، ثم هن أبكار لم يسبق أن واقعهن قبل أزواجهن في الجنة إنس ولا جان، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا}، وقال: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}، وأخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لكل امرئ منهم – أي من أهل الجنة – زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) ([166]) . واخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحًا – أي المشرق والمغرب – ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) ([167]) . ومن صفات الحور العين أنهن متحببات إلى أزواجهن، خيرات الأخلاق، حسان الوجوه، قصرن أبصارهن على أزواجهن فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن كما قال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}، وقال: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} أي قصرن أنفسهن على منازلهن لا يهمهن إلا زينتهن، قال تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}، ومن صفات الحور العين أيضا أنهن يغنين لأزواجهن بأحسن الكلمات وأعذب الأصوات، روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط، وإن مما يغنين: (نحن الخيرات الحسان،،، أزواج قوم كرام،،، ينظرن بقرة أعيان) وإن مما يغنين به: (نحن الخالدات فلا يمتنه،،، نحن الآمنات فلا يخفنه،،، نحن المقيمات فلا يظعنه) ([168]) . ومن صفات الحور العين غير ما سبق أنهن يغرن على أزواجهن في الدنيا إذا آذته زوجته في الدنيا، أخرج الإمام احمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: (لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا) ([169]) .
[المفتاح الحادي والعشرون]: خدم أهل الجنة: من جملة ما أنعم الله به على أهل الجنة في الجنة أن جعل لهم ولدانًا وغلمانًا يخدمونهم، ويقومون على راحتهم، وهؤلاء الولدان في غاية الجمال والكمال كما قال الله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} وقال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}، يطوف الولدان على أهل الجنة للخدمة على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج أهل الجنة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤًا منثورًا.
[المفتاح الثاني والعشرون]: سوق أهل الجنة: لأهل الجنة سوق يجتمعون فيه، ويتبادلون فيها الحديث، ولكنها ليست كسوق الدنيا يسألون الله خيرها ويتعوذون به من شرها، بل هو سوق يتشوقون إليه لما فيه من الجمال والطيب، سوق يمطرون فيه مسكًا، وتهب عليهم ريح عبقة، ويزدادون فيها حسنًا وبهاءً، أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فيها كثبان المسك، فتهب ريح الشمال، فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالاً) ([170]) .
[المفتاح الثالث والعشرون]: أفصل ما في الجنة: بجانب ما مضى من النعيم العظيم هناك نعيم آخر يفوق تلك اللذائذ الحسية، وهو رضوان الله تعالى على أهل الجنة وتكليمه لهم، واطلاع الله تعالى عليهم ورؤيتهم له سبحانه، قال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15]، وقال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72]، فقوله تعالى بعد ذكر نعيم الجنة {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} يدل على أن رضاه سبحانه عن عباده هو أكبر نعيم يلقونه في دار كرامته، واخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) ([171]) . ثم يمن الله تعالى على أهل الجنة بنعمة هي أكبر النعم، وأعظم المنن، وأجمل العطايا، فيمكنهم من رؤيته عز وجل، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، وتلك هي الزيادة، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم – ثم تلا هذه الآية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}([172]) .
[المفتاح الرابع والعشرون]: صفة أهل الجنة: يدخل أهل الجنة الجنة على أكمل صورة وأجملها، على صورة أبيهم آدم عليه السلام فلا أكمل ولا أتم من تلك الصورة التي خلقها الله بيده فأتمها وأحسن تصويرها، اخرج البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (خلق الله عز وجل آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن) ([173]) . فكل من يدخل الجنة من بني آدم يكونون على هذه الصورة سواء كانوا في الدنيا طوالاً أو قصارًا، وعن جمال وجوههم قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ}، وقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} وقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ}، وقال صلى الله عليه وسلم: (يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا كأنهم مكحلون، أبناء ثلاث وثلاثين) ([174]) .
وأما أعمارهم فهي سن الثالثة والثلاثين وهي سن كمال الشباب، مخلدون في الجنة على هذا العمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) ([175]) .
وأهل الجنة لا ينامون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة) ([176]) .
وأهل الجنة وإن كانوا مشتركين في أصل الجمال وحسن الصورة إلا أن بعضهم أكثر جمالاً ونورًا من بعض، وذلك بحسب أعمالهم في الدنيا، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل) ([177])
[المفتاح الخامس والعشرون]: أخلاق أهل الجنة: أما أخلاق أهل الجنة فهي على أعلى درجات الكمال قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}، ويقول: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا}، ويقول: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}، هداهم الله إلى أجمل الاقوال والأخلاق، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 23-24]،
[المفتاح السادس والعشرون]: تلك هي الجنة التي ينبغي للمؤمن أن يسابق إليها وان يسارع إليها، قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا}، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال سبحانه: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، وطريقها اجتهاد وجهاد، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 111-112]، وطريق الجنة يحتاج إلى مجاهدة النفس ومجاهدة الدنيا ومجاهدة الشيطان ومجاهدة الهوى، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وقال تعالى: { فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37-41]، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) ([178]) .
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول او عمل، قال سبحانه: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
***
المبحث الثامن النار وما فيها من العذاب والجحيم
[المفتاح الأول]: النار دار العذاب: النار أعدها الله تعالى أصلاً للكافرين، قال تعالى: { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ } [آل عمران: 131]، ويدخلها عصاة المسلمين، ولكنها ليست دارهم التي أعدت لهم، ولذلك إذا دخلوها لم يخلدوا فيها، بل يعذبون بقدر ذنوبهم ثم مصيرهم إلى الجنة التي هي دار المؤمنين، وقد جاء في بيان سوء منقلبها وعذاب أهلها في القرآن الكريم الكثير والكثير، منه قوله تعالى: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } [الكهف: 29]، جعل الله تعالى النار عقابا لكل من كفر بالله ورسوله ولكل من حاد الله ورسوله ولكل من عصى الله ورسوله، وقال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196-197]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6]، وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء : 14]، وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23]، فالنار أعدها الله تعالى لعبيده العاصين ولا يظلم ربك أحدا، ولكن الناس انفسهم يظلمون، قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179].
وقد أقسم الله بملئها، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]، وقال تعالى: { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30]، نعوذ بالله تعالى من النار ومن اهل النار، ففي صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: (“ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) ([179]) .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل (القدر) ما يرى أنَّ أحداً أشد منه عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا) ([180]) .
[المفتاح الثاني]: أسماء النار: مكان النار الأرض السابعة السفلى في سجين أسفل مكان وأضيقه، كما أن الجنة فوق العرش، فالمخلوقات كلما ارتفعت اتسعت، وكلما هبطت تضايقت، فالجنة في أوسع مكان وأعلاه، والنار في أسفل مكان وأضيقه، نعوذ بوجه الله منها ومما يقرب إليها، وللنار سبعة أطباق وهي: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} وهي المتجهمة في وجوه الكفار فتأكل لحومهم، وقال تعالى: {كَلا إِنَّهَا لَظَى} أي النار التي تتلظى وتتلهب، وقال تعالى: {كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} تحطم العظام وتحرق الأفئدة، وقال تعالى: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} سعير النار أي لهبها وهذه السعير لم تطفأ منذ أشعلت، وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} وهي التي تأكل اللحوم والعروق والعصب والجلود، وقال تعالى: {فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} أي عظيم الجمرة والهلاك، وقال تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ} لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها، فهذه هي دركات النار، قال تعالى: {هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}، وأبواب جهنم مغلقة على أهلها كما قال تعالى {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} [البلد 20]، ومحيطة باهلها من كل جانب، قال الله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف 29] والسرادق هو كل ما أحاط بالشيء احاطة تامة.
[المفتاح الثالث]: ما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها أجارنا الله منها بمنه وكرمه، قال الله تعالى {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ} [الواقعة 51 – 56] والنزل هو ما يعد للضيف عند قدومه، فدلت هذه الآيات على أن أهل النار يتحفون عند دخولها بالأكل من شجر الزقوم، والشرب من الحميم، وهم إنما يساقون إلى جهنم عطاشا، كما قال تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم 86]،
[المفتاح الرابع]: طعام اهل النار وشرابهم: طعام أهل النار (الضريع) وهو شجر ذا شوك قد بلغ غاية الحرارة والمرارة وقبح الرائحة، قال تعالى: { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ } [الغاشية: 5-7]، وقال تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 43- 49]، والزقوم التي جعل ثمرتها طعام الكافر في جهنم، كالرصاص أو الفضة، أو ما يذاب في النار إذا أذيب بها، فتناهت حرارته، وشدت حميته في شدة السواد، وقال تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 62-68].
والزقوم: ثمرة شجرة خبيثة شديدة المرارة كريهة الطعم، يكره أهل النار على تناولها، فهم يتزقمونه على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقم الطعام: إذا تناوله على كره ومشقة، وقيل: هي شجرة قبيحة مرة منتنة تكون في البادية تسميها العرب رؤوس الشياطين، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون، والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه، ثم إن لهم عليها لشوبا، أي خلطا ومزاجا من حميم، أي من ماء حار شديد الحرارة، يقال: إنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليه الحميم، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبا له، وقال تعالى: { إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 33-37]. والغسلين وهو قيح وصديد أهل النار، نعوذ بوجه الله منها، وشراب أهل النار (ماء كالمهل يشوي الوجوه) و(الحميم الذي يقطع الامعاء) الذي بلغ الغاية في الحرارة إذا قرب من وجوههم شواها، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، قال تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} والمهل رديء الزيت أو هم الرصاص المذاب من شدة الحرارة، وقال تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [سورة محمد، آية: 15]، وقال تعالى: { وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 15-17]، وقال تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ: 21-30]، وقال تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} [ص: 57]، والغساق هو القيح الذي يسيل من جلودهم وهو صديد أهل النار.
[المفتاح الخامس]: في عظم خلق أهل النار، وقبح صورهم وهيئاتهم، أخرج البخاري من حديث أبي هريرة: (ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب السريع) ([181]) . وخرجه مسلم ولفظه عن أبي هريرة يرفعه قال: (ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع) ([182]) . وخرج مسلم أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام) ([183]) . وذلك لأخذ العذاب من كل جزء من جسمه عذابه.
[المفتاح السادس]: لباس أهل النار: لباس أهل النار القطران والحديد والنار، قال تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم: 49-50]، وقال تعالى: { فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 19-22]ن نعوذ بالله من النار ومما يقرب إلى النار، فقد كان أكثر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ([184]) .
[المفتاح السابع]: حشر أهل النار إلى النار:
(1) الكفار يحشرون على وجوههم يوم القيامة: قال تعالى: { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَ صُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء:97]، ويلقون في النار على وجوههم، قال تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90]، وتلفح النار وجوههم وتغشاها أبداً لا يجدون حائلا يحول بينهم وبينها، قال تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104]، ولا يستطيعون الفكاك عن النار ولا يكفونها عن وجوههم وظهورهم قال تعالى: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الأنبياء:39]، وحين تغشى النار وجوههم قال تعالى: { سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم:50]، ويستقبلون النار بوجوههم قال تعالى: { أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر:24]، وتقلب وجوههم في النار كما يقلب اللحم المشوي قال تعالى: { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب: 66]، نعوذ بالله من عذاب أهل النار.
(2) أهل النار يسحبون على وجوههم في النار: قال تعالى: { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر:47-48]، ويزيد من آلامهم حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال والسلاسل، قال تعالى: { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر:70-72]
(3) أهل النار تسود وجوههم: قال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران:106]، وهو سواد شديد، كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27]
(4) النار تطلع على قلوب اهل جهنم: قال تعالى: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 4-9]، ثم لا تبقي ولا تذر تأكل منهم العظم واللحم، قال تعالى: { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} [المدثر: 26-28]، وتندلق أمعاؤه في النار، كما جاء في الصحيحين عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) ([185]) .
(5) إحاطة النار بالكفار: قال تعالى: { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 54-55]، وقال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 40-41]، والمهاد ما يكون من تحتهم، والغواش جمع غاشية، وهي التي تغشاهم من فوقهم، والمراد أن النيران تحيط بهم من فوقهم ومن تحتهم، ويغشاهم العذاب من كل جانب، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:55]، وقال في موضع آخر : (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) [الزمر:16]، فالنار محيطة بهم من كل جانب كما قال تعالى: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين} [التوبة:49]، وتكون النار كالسرادق المحيط بهم، قال تعالى: {وتأتي الإحاطة من ناحية أخرى، ذلك أن للنار سوراً يحيط بالكفار، فلا يستطيع الكفار مغادرتها أو الخروج منها، كما قال تعالى: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]، وسرادق النار سورها وحائطها الذي يحيط بها.
(6) قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم: قال تعالى: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا } [الإنسان:4]، وقال تعالى: { إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا } [المزمل:12-13]، والأغلال توضع في الأعناق قال تعالى: { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ:33]، ثم يسحبون بالسلاسل، قال تعالى: { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر:71-72]، ثم يوضعون في الانكال، قال تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل: 12-13]، والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يقيد بها المجرمون كما يقيد المجرمون في الدنيا، وانظر إلى هذه الصورة التي أخبرنا بها الكتاب الكريم (خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه) [الحاقة:30-32]، وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد، وهي المطارق التي تهوي على المجرمين وهم يحاولون الخروج من النار، فإذا بها تطوح بهم مرة أخرى إلى سواء الجحيم، قال تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:21-22]
(7) جهنم سوداء، وأهلها سود، وكل شيء فيها أسود، وقد دل على سواد أهلها قوله تعالى: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس 27] وقوله تعالى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران 106]، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من عصاة الموحدين من يخترق في النار حتى يصير فحما.
[المفتاح الثامن]: شدة حر جهنم : قال تعالى: {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة 81] وفي الصحيحين : (ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) ([186]) . وتسعر على أهلها بعد دخولهم إليها، قال الله تعالى {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} [التكوير 12]، وكلما هدأت زادها الله تلهبا وسعيرا، كما قال تعالى {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء 97] فكلما طفئت أوقدت ناراً تسعر وتتلهب، وفي تغيظها وزفيرها قال الله تعالى {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان 12].
وفي ذكر دخانها وشررها ولهبها قال الله تعالى {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ} [الواقعة 41 – 44]، وفي ذكر حجارتها قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم 6] وقال تعالى {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة 24]، وأكثر المفسرين على أن المراد بالحجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليست في غيرها من الحجارة: سرعة الإيقان، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا أحميت نعوذ بالله من ذلك بمنه وكرمه.
وعذاب الكفار في النار لا يفتر عنهم ولا ينقطع ولا يخفف، بل هو متواصل أبدًا، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف 74 – 75] {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر 36]، وأعظم عذاب أهل النار حجابهم عن الله تعالى وإبعادهم عنه، وإعراضه عنهم وسخطه عليهم قال الله تعالى: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15].
وبكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود 106] الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، مثل صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق.
[المفتاح التاسع]: من ألوان العذاب في جهنم : من ألوان العذاب في جهنم:
(1) (إنضاج الجلود): إن نار جهنم تحرق جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلوداً أخرى غير تلك التي احترقت، لتحترق من جديد، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56]،
(2) (الصهر): وهو ناتج من صب الحميم فوق رؤوسهم، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاؤهم وما حوته بطونهم، قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:19-20]، وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحميم ليصب على رؤوسهم، فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعود كما كان) ([187]) .
[المفتاح العاشر]: مشاهد تحدث في النار: (المشهد الأول): تخاصم أهل النار: قال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 31-33]، وقال تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 37-39]،
(المشهد الثاني): إبليس خطيبًا: قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]، يخطب فيهم الشيطان خطبة الحسرة والندامة ما انا بمنقذكم من عذاب النار وما انتم بمنقذي، إن الله وعدكم وعد الحق على لسان أنبيائه ورسله ولم تتبعوهم، أما أنا فقد وعدتكم وعودًا شتى كلها كذب وخداع وأخلفتكم، إن الظالمين لهم عذاب اليم، وصدق الله حيث يقول: {أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}
(المشهد الثالث): حوار أهل الجنة مع أهل النار: قال تعالى: { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: 50-51]، يطلبون منهم جرعة ماء تسد ظمأهم أو كسرة خبز تسد جوعهم فيجيبهم أصحاب الجنة أنّ الله حرمهما على الكافرين، نسوا الله فنسيهم نسال الله السلامة من النار ومن اهل النار.
[المفتاح الحادي عشر]: أمنيات أهل النار: بعد دخول أهل النار النار، ومسهم بصنوف العذاب، يبدؤون برفع أصواتهم مقرين معترفين بذنوبهم طالبين العودة إلى الدنيا لعمل الصالحات، ثم يسألون الله المسائل ويتمنون على الله الأماني، فما هي أمنياتهم؟
(الأمنية الأولى): الخروج من النار والعودة إلى الدنيا، قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}، وقال تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون 106 – 108]
(الأمنية الثانية): تخفيف العذاب، فبعد اليأس من الخروج يرضون بحالهم، ولكن يسألون تخفيف العذاب، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}.
(الأمنية الثالثة): يتمنون الموت، فبعد يأسهم من الخروج، ويأسهم من تخفيف العذاب، يكون الموت الذي كانوا يخافونه في الدنيا أغلى أمانيهم، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف 77]، قال تعالى: { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر:11]، ولكن طلبهم يرفض بشدة، ويجابون بما تستحق أن تجاب به الأنعام (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين* ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون* قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون) [المؤمنون: 106-108]، فيتوجهون إلى خزنة النار، يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئاً مما يعانونه، قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر:49-50]، عند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} [الزخرف:77]، ماكثون في العذاب الأبدي السرمدي الدائم، ويقال لهم آن ذاك : {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور:16]، ولا يزال أهل النار في رجاء الفرج حتى يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم الإياس، وتعظم عليهم الحسرة والحزن, ففي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [مريم 39] فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم) ([188]) .
و(النتيجة النهائية) كل الأماني صارت سرابًا، لا خروج ولا تخفيف ولا موت، {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}، وقال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}، هنالك تكون الحسرة والندامة حيث لا ينفع الندم، قال تعالى: { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33]، ويقال لهم آن ذاك : {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور:16]، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار،
***
([2]) صحيح البخاري 2/79 ح 1286.
([3]) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 1/419.
([4]) المصنف – المجلد 9 صفحة 175.
([5]) تخليص الحبير – المجلد الثاني طـ الكليات الأزهرية 1979.
([7]) مسند أحمد 23/409 ح 15260.
([8]) مسند أحمد 16/572 ح 10976، سنن ابن ماجة 4/707 ح 3792، المستدرك 1/673 ح 1824.
([9]) انظر الاستدلال بخبر الواحد في العقيدة للشيخ مصطفى عبد الله عبد الحميد.
([10]) البرهان في أصول الفقه 1/223.
([11]) شرح النووي على مسلم 1/131- 132.
([12]) صحيح مسلم 4/2294 ح ٢٩٩٦.
([16]) سنن الترمذي 4/ ٥٥٦ ح ٢٣١٢.
([17]) صحيح مسلم 4/2181 ح 2842.
([18]) صحيح البخاري 2/115 ح 1442، صحيح مسلم 2/700 ح 1010.
([19]) صحيح البخاري 4/113 ح 3223.
([20]) صحيح البخاري 8/86ح 6408.
([23]) صحيح مسلم 4/2294 ح ٢٩٩٦.
([24]) صحيح البخاري 5/46 ح 3860.
([25]) صحيح مسلم 4/2108 ح 2752.
([26]) سنن ابي داود 7/535 ح 5258.
([27]) إيضاح الدلالة في عموم الرسالة ص
([28]) إيضاح الدلالة في عموم الرسالة
([29]) الإرشاد إلى قواطع الأدلة، (323)
([34]) المصدر السابق 1/385 ح542.
([35]) صحيح البخاري 3/101 ح 2311.
([36]) صحيح مسلم 4/1756 ح 2236.
([37]) صحيح مسلم 4/1752 ح 2233.
([38]) المصدر السابق 1/365 ح 510.
([40]) تفسير روح المعاني 8/278.
([42]) صحيح مسلم 4/2167 ح 2814.
([45]) أضواء البيان في تفسير القرآن بالقران 3/292. ط: دار الفكر.
([46]) صحيح البخاري 1/40 ح 142، صحيح مسلم 1/283 ح 375.
([49]) صحيح البخاري 9/117 ح 7383، صحيح مسلم 4/2086 ح 2717.
([52]) صحيح البخاري 9/33 ح 6996، صحيح مسلم 4/1767 ح 2267.
([53]) سنن الترمذي 4/537 ح 2280.
([54]) صحيح البخاري 7/111 ح 5623، صحيح مسلم 3/1595 ح2012.
([55]) مسند أحمد 22/188 ح 14283، سنن ابي داود 5/563 ح 3732.
([56]) سنن الترمذي 5/399 ح 3291.
([57]) صحيح البخاري 2/98 ح 1369.
([58]) صحيح البخاري 2/99 ح 1379. صحيح مسلم 4/2199 ح 2866.
([59]) صحيح مسلم 4/2199 ح 2867.
([60]) صحيح البخاري 2/98 ح 1374.
([61]) صحيح البخاري 1/53 ح 218، صحيح مسلم 1/240 ح 292.
([62]) السنن الكبرى للنسائي 2/98 ح 1269.
([63]) سنن الدار قطني 1/231 ح 459.
([64]) المصدر السابق 1/233 ح 466. المستدرك 1/293 ح 654.
([65]) مسند أحمد 15/25 ح 9059، سنن ابن ماجة 1/229 ح 348.
([66]) صحيح البخاري 8/143 ح 6707، صحيح مسلم 1/108 ح 115.
([67]) صحيح البخاري 4/74 ح 3074.
([68]) صحيح البخاري 2/100 ح 1386.
([69]) مسند أحمد 28/563 ح 17227، سنن ابن ماجة 3/502 ح 2433.
([70]) مسند أحمد 33/379 ح 20230/ سنن ابي داود 5/229 ح 3341، السنن الكبرى 3/291 ح 2211.
([71]) صحيح البخاري 2/79 ح 1286، صحيح مسلم 2/641 ح 927.
([72]) صحيح البخاري 2/79 ح 1286.
([74]) صحيح البخاري 2/79 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته.
([75]) سنن الترمذي 3/317 ح 1002.
([76]) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص 327.
([77]) صحيح البخاري 9/44 ح 7047، 2/52 ح 1143.
([78]) صحيح البخاري 2/100 ح 1386.
([79]) سنن الترمذي 4/187 ح 1663، سنن ابن ماجة 4/82 ح 2799.
([80]) السنن الكبرى للنسائي 2/274 ح 2191.
([81]) سنن الترمذي 4/165 ح 1621.
([82]) مسند أحمد 11/147 ح 6582. سنن الترمذي 3/378 ح 1074.
([83]) مسند أحمد 30/242 ح 18310، السنن الكبرى للنسائي 2/473 ح 2190.
([84]) صحيح البخاري 1/27 ح 80.
([85]) المصدر السابق 9/59 ح 7121.
([87]) صحيح البخاري 2/33 ح 1036.
([88]) صحيح البخاري 7/37 ح 5231.
([89]) صحيح مسلم 4/2219 ح 2894.
([90]) المصدر السابق 4/2225 ح 2901.
([91]) مسند أحمد 6/42 ح 3571، سنن ابي داود 6/337 ح 4282، سنن الترمذي 4/505 ح 2230.
([92]) سنن ابي داود 6/342 ح 4285، المستدرك 4/512 ح 8438.
([93]) سنن ابي داود 6/341 ح 4283، سنن ابن ماجة 5/214 ح 4086.
([94]) لوامع الأنوار البهية 2/84.
([95]) أدب الطَلَب ومنتهى الأَرَب للشوكاني ص 14.
([96]) صحيح البخاري 4/166 ح 3439.
([97]) صحيح البخاري 9/60 ح 7131.
([99]) صحيح البخاري 4/168 ح 3448، صحيح مسلم 1/135 ح 155.
([100]) صحيح البخاري 4/138 ح 3346.
([101]) مسند أحمد 26/67 ح 16144. صحيح مسلم 4/2226 ح 2901.
([102]) صحيح مسلم 4/2267 ح 2947.
([103]) المصدر السابق 1/138 ح 158.
([104]) صحيح مسلم 4/2196 ح 2864.
([105]) المصدر السابق 4/1798 ح 2300.
([106]) صحيح مسلم 1/218 ح 249.
([107]) صحيح البخاري 1/160 ح 806، صحيح مسلم 1/163 ح 182.
([108]) صحيح البخاري 8/111 ح 6535.
([109]) صحيح البخاري 4/118 ح 3244، صحيح مسلم 4/2174 ح 2824.
([110]) صحيح مسلم 4/2181 ح 2836.
([111]) المصدر السابق 4/2243 ح 2928.
([112]) صحيح البخاري 4/135 ح 3342، صحيح مسلم 1/148 ح 163.
([113]) صحيح البخاري 4/119 ح 3252.
([114]) صحيح مسلم 4/2176 ح 2829.
([115]) المصدر السابق 4/2177 ح 2831.
([116]) المصدر السابق 4/2179 ح 2834.
([117]) المصدر السابق 14/9 ح 8258.
([118]) صحيح البخاري 8/117 ح 6571.
([119]) المصدر السابق 8/110 ح 6528.
([120]) المصدر السابق 4/17 ح 2796.
([121]) سنن الترمذي 4/683 ح 2546.
([122]) صحيح مسلم 1/175 ح 188.
([123]) صحيح البخاري 4/119 ح 3254
([124]) المصدر السابق 4/117 ح 2796.
([125]) صحيح مسلم 4/2180 ح 2835.
([126]) صحيح البخاري 8/111 ح 6535.
([127]) سنن الترمذي 4/682 ح 2545.
([128]) المصدر السابق 4/677 ح 2536.
([129]) مسند أحمد 32/65 ح 19314.
([130]) صحيح مسلم 1/163 ح 181.
([131]) صحيح البخاري 6/145 ح 4879، صحيح مسلم 1/163 ح 180.
([132]) صحيح البخاري 6/145 ح 4879.
([133]) المصدر السابق 8/120 ح 6581.
([134]) صحيح مسلم 4/2182 ح 2837.
([135]) صحيح مسلم 4/2178 ح 2833.
([136]) سنن الترمذي 4/187 ح 1663.
([137]) صحيح مسلم 4/2182 ح 2837.
([138]) صحيح البخاري 6/146 ح4881، صحيح مسلم 4/2175 ح 2826.
([139]) المصدر السابق 5/77 ح 3982.
([140]) المصدر السابق 4/16 ح 2790.
([141]) المصدر السابق 4/119 ح 3256. صحيح مسلم 4/2177 ح 2831.
([142]) صحيح مسلم 1/176 ح 189.
([143]) المصدر السابق 1/288 ح 348.
([144]) صحيح البخاري 4/119 ح 3257.
([145]) صحيح البخاري 3/25 ح 1897، صحيح مسلم 2/711 ح 1027.
([146]) صحيح البخاري 6/84 ح 4712/ صحيح مسلم 1/184 ح 194.
([147]) صحيح البخاري 4/135 ح 3342، صحيح مسلم 1/148 ح 163.
([149]) مسند أحمد 13/410 ح 8043.
([150]) صحيح مسلم 1/149 ح 164.
([151]) صحيح البخاري 8/120 ح 6581.
([152]) المصدر السابق 9/39 ح 7024. صحيح مسلم 4/1862 ح 2394.
([153]) صحيح البخاري 9/144 ح 7497، صحيح مسلم 4/1887 ح 2432.
([154]) صحيح مسلم 4/2182 ح 2838.
([155]) سنن الترمذي 4/671 ح 2525.
([156]) صحيح البخاري 4/119 ح 3251. صحيح مسلم 4/2176 ح 2827.
([157]) صحيح البخاري 4/119 ح 3252.
([158]) مسند أحمد 18/211 ح 11673.
([159]) صحيح البخاري 5/52 ح 3887
([160]) صحيح البخاري 5/69 ح 3938.
([161]) صحيح مسلم 4/2181 ح 2835.
([163]) صحيح البخاري 4/118 ح 3249، صحيح مسلم 4/1916 ح 2468.
([164]) سنن الترمذي 4/187 ح 1663.
([165]) صحيح البخاري 4/118 ح 3246.
([166]) المصدر السابق 4/118 ح 3245، صحيح مسلم 4/2187 ح 2834.
([167]) صحيح البخاري 8/111 ح 6535،
([168]) المعجم الأوسط الطبراني 5/149 ح 4917.
([169]) مسند أحمد 36/417 ح 22101.
([172]) صحيح مسلم 1/163 ح 181.
([173]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183.
([174]) مسند أحمد 36/421 ح 22107.
([175]) صحيح مسلم 4/2181 ح 2836.
([176]) المعجم الأوسط للطبراني 1/282 ح 919.
([177]) صحيح مسلم 4/2179 ح 2834.
([178]) صحيح مسلم 4/2171 ح 2822.
([179]) صحيح البخاري 4/121 ح 3265.
([180]) صحيح مسلم 1/196 ح 213.
([181]) صحيح البخاري 8/114 ح 6551.
([182]) صحيح مسلم 4/2189 ح 2852.
([183]) صحيح مسلم 4/2189 ح2851.
([184]) صحيح البخاري 8/83 ح 6389.
([185]) صحيح البخاري 4/121 ح 3267. صحيح مسلم 4/2290 ح 2989.