المبحث الثالث عشر أهل التصوف والمرجعية العقائدية و الفقهية
المطلب الأول:
أهل التصوف والمرجعية العقائدية.
المطلب الثاني:
أهل التصوف والمرجعية الفقهية.
المطلب الأول: أهل التصوف والمرجعية العقائدية.
[المفتاح الأول]: ينتسب أهل التصوف في العقيدة إلى إحدى ثلاث مدارس عقائدية: تمثل التخصص العقائدي في دين الإسلام، لقد استقر لأهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاثة مذاهب متخصصة لا رابع لها سوى الميل إلى الافراط أو التفريط، وهي (المدرسة الأثرية) مع ضرورة التنبيه إلى الفرق بين المدرسة الأثرية المتخصصة وبين المدرسة الحشوية المبتدعة، والمدرسة الثانية هي (المدرسة الأشعرية)، والمدرسة الثالثة: (المدرسة الماتريدية).
[المفتاح الثاني]: بداية ظهور التخصص في العقيدة: أصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هي (الخوارج) و (الروافض) و (المعتزلة) و (الحشوية)، وكان من أهم أسباب ظهوره تلك الفرق هو تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال.
وعندما استفحل أمر الفرق الضالة، بدأ اهل الحق في تأصيل المنهج العقائدي بالتوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، وصار لأهل السنة والجماعة ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء السادة الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس أو بسبب تسرب مفردات عقيدة الحشو إليهم،(والمدرسة الأشعرية) وعليها فضلاء السادة المالكية والسادة الشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها فضلاء السادة الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وهذه المدارس الفاضلة الثلاث تمثل أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، وعلماؤها هم أهل الفقه الأكبر في الدين.
[المفتاح الثالث]: اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة: ولهذا حذر التبي صلى الله عليه وآله وسلم من اتباع المتشابهات، أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([1]) .
والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر، والآيات المتعلقة بالإيمان، والآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار، وطريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
[المفتاح الرابع]: من الذي يعلم المتشابه: جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين([2]).
والخلاف في المسألة لفظي: فإن من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط.
[المفتاح الخامس]: آيات الصفات منها آيات محكمات وأخر متشابهات: منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته: فمن المحكم – على سبيل المثال – (صفة العلم) وهي صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و (صفة القدرة) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، وجميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى تدل على صفات محكمة لله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى، وتلك المتشابهات أقسام: فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، وهذه تعارض صفة الاحدية لله تعالى، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهذه تعارض صفة القدم الأزلي لله تعالى، سبحانه هو الأحد الصمد القديم بجناب ذاته وصفاته، لا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه سبحانه.
[المفتاح السادس]: (منهج السلف في المتشابهات): للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، [المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات]: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس.
[المنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة، أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنّه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا)، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة)، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله، ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([3]) .
[المفتاح السابع]: (المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف على المنهج الأول الذي هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: الأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله.
[المفتاح الثامن]: تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية: (تنبيه أول): مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات: لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات، وهذه سقطة عظيمة وزلة عالم، لا ينبغي تتبعها لأنّ مذهب السلف وأهل الأثر في الألفاظ المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض علمها إلى الله، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من سياق الآيات دون تتبع للمتشابهات، (تنبيه ثان): الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم، لكنّهم يعرفون من أصول توحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى، إذ هم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وإذ هم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث.
(تنبيه ثالث): الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى([4]) .
أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ،
(تنبيه رابع): الفرق كبير بين الأثرية والحشوية، بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله، (تنبيه خامس): لقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج اهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من اهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة، أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، وممن تسربت إليه بدع الحشو (ابن تيمية)، ومذهبه التجسيم، ومفاده: أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه.
[المفتاح التاسع]: (الأشعرية والماتريدية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف على المنهج الثاني الذي هو: حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات، وهذا المنهج يمثله من الصحابة حبر الامة عبد الله بن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، و (الأشاعرة): هم المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، وعظماء أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، والإمام فخر الدين الرازي، والحافظ ابن عساكر، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، والإمام الرافعي، والإمام النووي، والإمام السبكي، والحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الفقيه ابن حجر الهيتمي، والحافظ السيوطي، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وغيرهم كثير، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، أنقذ الله تعالى بهم الأمة من الاعتزال والحشو، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، و(والماتريدية): ينتسبون إلى الإمام أبو منصور الماتريدي، وهو إمام الهدى وإمام المتكلمين ورئيس أهل السنة والجماعة وناصر السنة وقامع البدعة، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيّوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، مضيف النّبي الأكرم صلَّى الله عليه و سلَّم في دار الهجرة، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه، وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية، والحاصل هو أن الأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللّفظي، والأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة والجماعة في باب العقيدة، وهما المذهبان المتخصصان في العقيدة على منهاجها.
[10] الجامعة الكلية لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة: لأهل السنة والجماعة في باب العقيدة: ثلاث مذاهب معتمدة، وهي (المذهب الأثري)، و (المذهب الأشعري) و (المذهب الماتريدي)، وأهل التصوف اهل احترام للتخصص الإسلامي، وهم يعتبرون المذاهب الثلاث: الأثرية والأشاعرة والماتريدية: هي المعبرة عن مذهب أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي مدارس متفقة على أصول العقائد وبينها وئام عقائدي عظيم، فما اتفقوا عليه أصول العقيدة يجتمعون عليه، ويسعهم ما وسع تلك المذاهب من الاختلاف في فروع العقائد، هذه المذاهب الثلاث هي المرجعية العقائدية المعتمدة لديهم، عملا يقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14]،
***
المطلب الثاني أهل التصوف والمرجعية الفقهية
[المفتاح الأول]: فقه أهل التصوف يمثل احترام التخصص الفقهي في الإسلام: لقد استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، لقد جمع الله تعالى علوم الفقه كلها في مذاهب الأئمة الأربعة: فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، والليث بن سعد بمصر، وسفيان بن عيينة بمكة، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة، وهي مذاهب منضبطة مدونة محررة معروفة، تخرج من خلالها آلاف الفقهاء، وهذه إشارة إلى هذه المذاهب الفقهية العريقة المؤصلة.
[2] المذهب الأول: (المذهب الحنفي): وإمام المذهب هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت، (ولد في الكوفة سنة 80هـ)، برع في الفقه حتى صار من بعده عيالاً عليه، قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، والإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه، [3] المذهب الثاني: (المذهب المالكي): وإمام المذهب: هو إمام دار الهجرة أبو عبدالله مالك بن أنس، هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة) ([5]) .، قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه، وقال أيضا: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
[4] المذهب الثالث: (المذهب الشافعي): وإمام المذهب: هو أبو عبدالله محمد بن إدريس شافع القرشي المطلبي، تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ)، ثم رحل إلى مالك في المدينة، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم، ولزمه حتى مات، ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق، فاجتمع له فقه الحجاز (مكة والمدينة) والعراق، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، وإليه ينسب علم أصول الفقه، ثم استقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، اعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً) ([6]) .وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقال عنه أيضا: كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال أيضا: ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة، وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ. [5] المذهب الرابع: (المذهب الحنبلي): إمام المذهب: هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، عُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، جمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، قال عنه الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.[المفتاح الثاني]: لقد استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه هذه المذاهب الأربعة، وقد مال أهل الفقه إلى الاكتفاء بهذه المذاهب الأربعة في باب الفقه: لأسباب عديدة منها: (السبب الأول): بلوغ الأئمة الأربعة إلى مستوى فقهي لا يسهل الوصول إليه، فقد حباهم الله تعالى بقدر عظيم من العلم والفقه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، مع الإلمام الكبير بآلات الاجتهاد والفقه، (السبب الثاني): صعوبة شروط التأهل لمرتبة الاجتهاد، حيث تقصر الهمم عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد بين العلماء الضوابط والشروط التي يصل بها الفقيه إلى مرتبة الاجتهاد المطلق، وذكروا منها شروطا عشرة تتمثل في: معرفة آيات الأحكام من القرآن الكريم ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها و معرفة أحاديث الأحكام من السنة، ومعرفة تفسيرها والناسخ والمنسوخ منها وأقوال الفقهاء حولها، و معرفة مسائل الإجماع، و معرفة وجوه القياس، و معرفة اللغة العربية، و معرفة أصول الفقه، ومعرفة مقاصد الشريعة العامة، وأن يكون لديه ملكة الاجتهاد، (السبب الثالث): وضع أصول الفقه للمذاهب الأربعة والذي يشمل جميع الطرق الموصلة إلى الرأي الفقهي، ولهذا فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (وما أعسرها) فلابد أن يسير وفق أصول الفقه لأحد المذاهب الأربعة، وبالتالي فلا داعي للاجتهاد خارج المذاهب الأربعة، ويمكنه الاجتهاد في إطارها، (السبب الرابع): تجرؤ كثير من مدّعي العلم على الفتيا، وقولهم هؤلاء رجال ونحن رجال مثلهم، وهذا ما أجبر العلماء على الاحتياط وضبط الأمور، وسد الذرائع لئلا يدخل في باب الاجتهاد من ليس من أهله، (السبب الخامس): الخبرة الجماعية التي اكتسبتها المذاهب الفقهية من خلال تضافر جهود علماء المذاهب على بلورة الطريقة المثلى لتدريس الفقه بأيسر الطرق وأحكمها، وضمان تأهل دارسيها بالإلمام الفقهي بجميع جوانب الفقه وأبوابه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية الجامعة، فقد صارت هذه المذاهب الأربعة – بفضل الجهود الجماعية لعلمائها – بمثابة مدارس وجامعات علمية متخصصة في علم الفقه، لها أساليبها التربوية والعلمية الناجحة المجربة في إفادة طلاب العلم الشرعي الفقه على أحسن الوسائل العلمية في تاريخ البشر.
[المفتاح الثالث]: لقد وضع الفقهاء ضوابط رصينة في حق الانتساب للمذاهب الفقهية الأربعة على وفق أن المذاهب الفقهية هي اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه بل الحق موزع عليها جميعا، وقد كانت تلك المذاهب بمثابة المدارس المتخصصة في الفقه على منهاج أهل السنّة والجماعة، تخرج من خلالها آلاف من الفقهاء الائمة العلماء من المجتهدين في اطار مذاهبهم وأصول فقههم، ومن أهم ضوابط الانتساب إلى تلك المذاهب: (أ) أنّه يجوز اتباع مذهب من هذه المذاهب الأربعة ولكنه ليس واجبا شرعاً، وإنما هو من قبيل وضع الضوابط الفقهية لتلقي الفقه على أحسن وجه ممكن، لأنّه من الصعب جدا أن يكون في الفقه مثل تلك المدارس التي شارك في بناء صرحها الآلاف من الأدمغة التي لا يتيسر جمعها مرة أخرى.
(ب) التزام مذهب بعينه من المذاهب الأربعة ليس واجبا ألزمنا الله به، وإنما هو من باب أخذ العلم من طريقه الصحيح وأهله المتخصصين فيه.
(ت) المذاهب الأربعة متكافئة، وعلى ذلك يجوز تقليد أي واحد من هؤلاء الأئمة فكلهم على خير، (ث) من التزم مذهبا من تلك المذاهب لا يجوز له انتقاء الأقوال – وفق الهوى – من تلك المذاهب فيختار الأيسر مثلاً، بل عليه أن يلتزم بمذهب إمامه في شروطه وضوابطه، لأنّ الأئمة الفقهاء ربانيون راسخون في العلم فإن تشدد أحدهم في شرط يسّر في آخر، حتى يكون الضبط مع التيسير سمة الفقه، فمن تتبع رخص المذاهب ضل وأضل، ومن التزم بمذهب واحد ضبطت مسائله على منوال واحد عدل وسط، فلا يجوز الانتقاء بين أقوال المذاهب إلا عند الضرورة الملحة، أو وجود الدليل الراجح، ولا يملك ذلك إلا من بلغ مرتبة الاجتهاد في الفقه واستوفى شروطها، والحذر الحذر من التلفيق بين الأقوال، لأنّ التلفيق بينها قد يؤدي إلى إسقاط تكاليف أو تضييع حقوق العباد، أو فوضى في معاملات البشر وهذا لا يجوز شرعا، وفتح باب التنقل بين الأقوال شره أكثر من نفعه، وليس كل الناس علماء، ولا كل من تصدر للفقه أتقياء.
(ج) يجوز لمن التزم مذهبا أن يتركه بكامله إلى التزام غيره من المذاهب بجملة أقواله، فجميع تلك المذاهب متكافئة والحمد لله، ويصعب، بل ويستحيل تفضيل أحداها على الأخرى بصورة الجزم، وقد حبى الله تعالى كل مذهب بخيرة الفقهاء والعلماء الذين شاركوا في بناء صرح المذهب الفقهي.
(ح) من اتبع مذهباً فقهياً من المذاهب الأربعة لا يجوز له الطعن بغيره من المذاهب، ولا يجوز له التعصب من أجله، بمعنى أنّه الصواب ومن عداه خطأ، فهذا من التعصب المقيت الذى نهى عنه الشرع.
(خ) لا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة لأنّ لكلٍ دليله، والأدلة محتملة، ولا يقوى على الترجيح إلا من اكتملت له آلة الاجتهاد، وملكة الفقه والترجيح، وهي لا تتيسر إلا لأقل القليل من العلماء، فهل يُفتح باب الانكار على مصراعية لأجل النادر الذي له حكم العدم، ولذلك فلا انكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الأربعة.
(د) الأئمة الأربعة ليسوا معصومين عن الخطأ بل يخطئون ويصيبون، ولكن خطؤهم مغمور في بحر صوابهم وهم بكل الأحوال مثابون على اجتهادهم، ومن اتبعهم مثاب مثلهم لأنّه سلك دربهم واحترم تخصصهم، ومن هنا كان اتفاقهم عصمة، وكان اختلافهم رحمة، والحاصل: أهل التصوف اهل احترام للتخصص الإسلامي، وهم يعتبرون المذاهب الأربعة: موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، ما اتفقوا عليه من آراء الفقه يجتمعون عليه، ويسعهم ما وسع المذاهب الأربعة من الاختلاف، هي المرجعية الفقهية المعتمدة لديهم، عملا يقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله تعالى: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14].
***
([1]) صحيح البحاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([2]) تفسير القرطبي 4/9 والطبري 5/217 وابن كثير 2/10.
([3]) التمهيد 7: 143، سير أعلام النبلاء 8: 10 5، شرح النووي على صحيح مسلم 6: 370.
([4]) لوامع الأنوار البهية 1 / 73.