الباب الخامس العقيدة التي عليها جمهور أهل التخصص العقدي من الأثرية والأشاعرة والماتريدية في بقية القضايا التي الحقها المتخصصون بعقائد اهل السنّة
ويتناول تلك المباحث:
(1) أركان الإيمان الستة.
(2) الإيمان بالقدر خيره وشره كله من الله تعالى.
(3) الإيمان بوجود الأولياء وكرامات الاولياء.
(4) العقيدة في الصحابة وآل البيت والإمامة وحقوق أولياء الأمور.
(5) الفرقة الناجية وإطار النجاة.
(6) المدارس المتخصصة في العقيدة والفقه والتصوف على منهاج اهل السنّة.
(7) أهم جوانب الإصلاح العلمي في علم العقيدة.
(8) الأمور الفرعية التي لا يضر فيها الخلاف بين مدارس أهل السنّة.
***
[المبحث الاول] أركان الإيمان الستة
[المفتاح الأول]: للإيمـان أركان ستـة، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين، وهذه الأركان الستة هي: الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها: قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ،،) [البقرة: 177]، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر: 49]، وقوله – صلى الله عليه وسلم: وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ([1]) .
ومباحث هذه الأركان الستة هي التي تشتمل على كافة ما يتعلق بأصول العقيدة، فمن ضبط علم تلك الأركان على منهاج أهل السنّة والجماعة فقد تخصص في علم العقيدة على منهاج أهل الحق.
الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله تعالى: وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود، ليس كوجوده وجود، وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل أسمائه أسماء، ولا كمثل صفاته صفات، ولا كمثل افعاله أفعال، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وكل ما في الوجود فعله وخلقه، له توحيد الربوبية فلا رب سواه، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو.
الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة: وهو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين، مخلوقين من نور، وأنهم عباد مكرمون يسبحون الله في الليل والنهار لا يفترون، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم أنهم ليسوا كالبشر، فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناسلون وأنهم قائمون بوظائف متنوعة أوكل الله تعالى إليهم القيام بها.
الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بالكتب: والمقصود بالكتب: هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله رحمة وهداية للناس، والإيمان بها يعني الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل كتبا على رسله إلى أقوامهم، وهي التوراة أنزلت على نبي الله موسى عليه السلام، والإنجيل أنزل على نبي الله عيسى عليه السلام، والزبور أنزل على نبي الله داود عليه السلام، وصحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأن هذه الكتب قد حوت عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى، إضافة إلى تشريعات خاصة بكل أمة، وقد نُسخت جميع تلك الكتب السابقة بالقرآن الكريم الكتاب المحفوظ الناسخ المهيمن على الكتب السابقة جميعا.
الركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان بالرسل الكرام: كما في قوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، ومعنى الإيمان بالرسل: الإيمان الجازم بكل نبي ورسول عُرفت نبوته ورسالته عن طريق القرآن الكريم أو السنة الصحيحة إجمالاً وتفصيلاً، فمن عرف منهم بأسمائهم آمنا بهم بأعيانهم على التفصيل ومن لم يعرف منهم بأسمائهم آمنا بهم على سبيل الإجمال دون أن ننكر نبوةَ أو رسالةَ أحدٍ منهم، كما في قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، ومن رحمة الله تعالى لم تخل أمة من البشر من رسول: وذلك لقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].
الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر: اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم، وقد تكرر ذكر الإيمان باليوم الآخر في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136].
والإيمان باليوم الآخر: هو الاعتقاد الجازم بوجود اليوم الآخر، حيث يحاسب الله تعالى النّاس على أعمالهم، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 6 إلى 8]، ويشتمل الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالحياة البرزخية في القبر، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والإيمان بيوم القيامة، وما يسبقه من علامات الساعة وأشراطها الصغرى والكبرى، والإيمان بما يكون في اليوم الآخر من أهوال وما يكون فيه من الحساب والنشر وتطاير الصحف ونصب الموازيين يوم القيامة والمرور على الصراط، والإيمان بما يكون بعده من الجنّة ونعيمها للمؤمنين الأبرار، والنار وجحيمها للمشركين والكفار والأشرار.
الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر: والمراد بالإيمان بالقدر: الإقرار بأن الله تعالى علم كل شيء وكتب مقادير كل شيء، وكل شيء بإرادته ومشيئته وأنه خالق كل شيء، يخلق ما يشاء فعّال لما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، بيده ملكوت كل شيء، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، خلق الخلق، وقدر أعمالهم وأرزاقهم وحياتهم وموتهم، والخير والشر مقدران على العباد، ولم يكلف الله العباد إلا ما يطيقون، ولا حول ولا قوة إلا بالله: أي لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله سبحانه، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح الإيمان بدونه.
***
[المبحث الثاني] عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره كله من الله تعالى
[المفتاح الأول]: المراد بالإيمان بالقدر: المراد به الإقرار بأن الله تعالى علم كل شيء وكتب مقادير كل شيء، وكل شيء بإرادته ومشيئته وأنه خالق كل شيء، يخلق ما يشاء فعّال لما يريد، ما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، بيده ملكوت كل شيء، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، خلق الخلق، وقدر أعمالهم وأرزاقهم وحياتهم وموتهم، ولا حول ولا قوة لهم إلا بالله، ومعناها لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله سبحانه، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكما أن المسبَّبات من قدر الله الذي فرغ منه، فكذلك أسبابها أيضاً من قدر الله الذي فرغ منه، والإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لجبريل حين سأله عن الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) والإيمان بالقدر ركن ركين من أركان الإيمان لا يصح الإيمان بدونه.
[المفتاح الثاني]: الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) أهـ ([2]) .
[المفتاح الثالث]: الخير والشر مقدران على العباد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئة المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا، تقدس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأفعال العباد خلق الله وفعل العباد، فالعباد فاعلون حقيقة وليس مجازاً، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن أو الكافر، والبر أو الفاجر، والطائع أو العاصي، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [التكوير: 28-29]، وما زاد على ذلك من علم القدر، فعقل الإنسان قاصر عنه، وهو ضمن علم الله، وعدل الله، وحكمة الله، ورحمة الله، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وبهذا نكون قد ذكرنا بعض أهم ما يتعلق بالإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى.
[المفتاح الرابع]: ما مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله؟ والاجابة لها شقان: (الشق الأول): الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، وما أحسن ما قاله الطحاوي وهو يعبر عن عقيدة المسلمين في القضاء والقدر: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين) أهـ ([3]) . فالخير والشر مقدران على العباد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، و(الشق الثاني للإجابة): [نظرية الكسب]: التي وردت في القرآن وهي الحل الامثل لمتشابهات القضاء والقدر وتمثل التوسط ما بين بدعتي الجبر والقدر، وقد ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]، وقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17].
عند التوفيق بين آيات الكسب، وآيات توحيد الأفعال، والتي منها: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، نجد أنّ توحيد الأفعال يستلزم اعتقاد أنّ كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو مسبب الاسباب، حتي الأفعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، و (الكسب) يستلزم مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله بدليل ترتب الثواب والعقاب على تلك الأعمال، إذن الكسب هو الاختيار، وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، فمن اختار طريق الهداية وسار فيه، فبفضل الله تعالى وتوفيقه، ومن اختار طريق الضلال وسار فيه فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، هذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق، وبذلك ستصبح عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة المسلمين في القضاء والقدر.
[المفتاح الخامس]: في القدر أسرار تتعلق بالربوبية، لا يحق للعبيد تتبعها ولا السؤال عنها، فمن طلب في القدر ما وراء ما ذكرت من معاني الكسب، فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فهذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه.
[المفتاح السادس]: أهل السنة والجماعة ينصون على أن للعبد كسب بلا خلق لعمله ولا جبر عليه، وكل إنسان منصف يعرف الفرق بين الأفعال الجبرية كضربات القلب ونبضات الدم، وبين الافعال الاختيارية كأداء الصلاة أو تركها، وأهل السنة يصرحون بعدم الجبر، ردا على الجبرية، ويصرحون بعدم الخلق ردا على القدرية الذين زعموا أنّ الإنسان خالق لعمله، و أهل السنة والجماعة يقولون: أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وتفسير الكسب على هذا النحو هو الحق العدل الوسط بين مذهبي الجبرية والقدرية، فالإنسان قادر على كسبه واختياره وبالتالي هو مسؤول عن أعماله، ولكنه غير قادر على إيجاد الفعل واختراعه بمقتضى محدودية قدرته، وفي هذا إثبات للقدرة الإلهية وانفرادها بالخلق.
[المفتاح السابع]: عقيدة الكسب هي الصيغة النهائية لعقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، وبها يبطل مذهب الجبرية القائم على أساس إنكار القدرة الحادثة، ويصبح التكليف لا معنى له في غياب إرادة وقدرة الانسان على الفعل، كما يسقط مذهب المعتزلة الذي يجعل العبد مخترعا لأفعاله ضدا على أصل التوحيد الذي يجعل الخالق سبحانه وتعالى متفردا بالوحدانية في خلق الأفعال، وأهل السنّة والجماعة عند إقراراهم لمبدأ الكسب حققوا من خلاله مقصدين عقديين عظيمين: (الأول): إثبات اختيار العبد ومسؤوليته عن الأفعال الاختيارية، و(الثاني): الحفاظ على جوهر التوحيد وعدم جرحه كما فعل التيار الاعتزالي من قبل، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، (تنبيه): كل الآيات التي سردها القدرية هي رد على الجبرية وكل الآيات التي سردها الجبرية هي رد على القدرية، والصواب الوسط، وهو الذي تمثل في نظرية (الكسب)، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17].
***
[المبحث الثالث] الإيمان بوجود الأولياء وكرامات الاولياء
[المفتاح الأول]: الإيمان بولاية الله وكرامات الأولياء من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، فالأولياء هم المؤمنون المتقون، و (الولي) هو كل مؤمن تقي، بلغ منزلة القرب من الله، كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62-64]، والولي سمِّي وليًّا اشتقاقًا من الولاء، وهو المحبَّة والنصرة والطاعة والقُرب، فوليُّ الله: مَن والى اللهَ وعرفه وتقرب إليه بما يرضيه، وقد اخرج البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) ([4]) .
و(الكرامات) خوارق عادات يُجريها الله على أيديهم تأييداً لهم أو لنصرة الدين، وذلك دون تحد خلافا لمعجزة النبي، وأهل السنة والجماعة يثبتون للأولياء الكرامات، ويعتبرون الاستقامة على منهاج الله أعظم كرامة، وكراماتُ الأولياء حق وصدق، وقد دل عليها الكتابُ والسنَّة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين، ومن الأمثلة عليها، قصة مريم عليها السلام: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37]، وقصة أصحاب الكهف، وقصة جريج العابد، وقصة الخضر صاحب موسى عليه السلام في سورة الكهف، وعِلمه بحال السفينة والغلام واليتيمين، وكرامات الصحابة وهي كثيرة جدا، كقصة أسيد بن حضير وإضاءة سوطه، وإخبار أبي بكر بأن ببطنِ زوجته أنثى، وقول عمر: يا ساريةُ الجبلَ، وهو بالمدينة، وساريةُ في المشرق، وإخبار عمرَ بمن يخرُجُ مِن ولده فيكون عادلاً، وقصة خالد بن الوليد لَمَّا شرِب السمَّ ولم يحصل له منه ضرر، والكرامات موجودةً في هذه الأمَّة إلى يوم القيامة.
[المفتاح الثاني]: شروط الولاية: لا يكون وليا لله إلا من آمن بالرسول وبما جاء به واتبعه باطنا وظاهرا ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله؛ قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] وجاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: (ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم) أهــ واليهود والنصارى لما ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، كذبهم القرآن لعدم اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)} [المائدة: 18]، وقوله تعالى: { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 111-112]، وقد كان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ إلى قوله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ} [الأنفال:30 – 34] فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون.
وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا من غير سر: (أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي (يَعْنِي فُلَانًا) لَيْسُوا لِي بأولياء. إنما ولي الله وصالح المؤمنين”) ([5]) .
وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 – 63] فقد وضح حديث البخاري طريق الولاية، (يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) ([6]) .
فالتقرب يكون أولا بالفرائض، فيكون من الأبرار أهل اليمين، (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين، ولكل مؤمن صالح قدرا من الولاية، ولكن الولاية على الاصطلاح لا تكون إلا للصديقين للسابقين للمقربين، الربانيين الذين بالله تعالى يسمعون وبه يبصرون وبه يتكلمون، فهو من السابقين كما جاء في سورة الواقعة: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ} [الواقعة:7 – 14]، ثم قال تعالى في آخر السورة: { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 88-91]، وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ، فهذه المرتبة لا تكون إلا للأنبياء، بل يجوز على الولي أن يخطئ، ويجوز عليه أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين.
ولهذا لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله الولي لله لئلا يكون نبيا؛ بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف؟ توقف فيه، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الفروق بين الأنبياء والاولياء، والنبوة اصطفاء، لا مجال للاجتهاد من اجل الحصول عليها وقد ختمت بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو خاتم الانبياء والمرسلين، أما الولاية فإن باب الاجتهاد من اجل الوصول إليها فهو مشروع جائز، وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، والاولياء متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى والصديقية والعلم والمعرفة والقرب من الله، وأفضل الاولياء دون مرتبة الانبياء، لا يبلغ منازلهم، وقد اجمع أهل السنّة والجماعة على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب فقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً} [النساء:69]، فالأولياء منهم الصديقون، ومنهم الشهداء ومنهم الصالحون، وأعظمهم الصديقون، وافضل الاولياء قاطبة الخلفاء الأربعة أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة والصحابة رضي الله عنهم أفضل الاولياء، ثم الامثل فالأمثل.
[المفتاح الثالث]: الكرامات والادلة عليها: (الكرامات): جمع كرامة، والكرامة: أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين، وعرفها بعضهم بأنها أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، (أمر خارق للعادة): أخرج ما كان على وفق العادة من أعمال، و (غير مقرون بدعوى النبوة): أخرج معجزات الأنبياء، (ولا هو مقدمة لها)، أخرج الإرهاص وهو كل خارق تقَدم النبوة، و (يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح) أخرج ما يجري على أيدي السحرة والكهان، وقد وردت الكرامات في الكتاب والسنّة، فمن ذلك:
(1) قوله تعالى في قصة مريم عليها السلام: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] فروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد فكان زكريا يقول: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ([7]) . وروي عنه قال: (عنبا في مكتل في غير حينه)([8]) .
وعن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي وقتادة والربيع بن أنس وعطية والسدي وسفيان الثوري: فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ([9]) .
(2) قصة سارة زوجة إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 71 – 73]،
(3) قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].
(4) ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء والله لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله أنه قد صدق فيه، قال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان أجير لي عمل على فرق من أرز فذهب وتركه فزرعته فكان من أمره أني اشتريت من ذلك الفرق بقرا، ثم أتاني يطلب أجره فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها فإنها من ذلك فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك فافرج عنا فانساحت عنهم الصخرة، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهم كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عليهم ذات ليلة فرقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما وكرهت أن أرجع فيستيقظا لشربتهما فلم أزل أنتظرهما حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وتركت لها المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا) ([10]) .
(5) ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: (كان جريج يتعبد في صومعته فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك كلمني) قال أبو رافع قال أبو هريرة: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لنا صفتها فقالت هكذا وضعت يدها على وجهها أنا أمك كلمني فصادفته يصلي فقال اللهم أمي وصلاتي فاختار صلاته، ثم جاءته الثانية فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني فصادفته يصلي، فقالت: اللهم هذا جريج وإنه ابني وإني قد كلمته فلم يكلمني اللهم لا تمته حتى تريه المومسات، قال ولو دعت عليه أن يفتن لافتتن، قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى دير فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها ممن هذا قالت: من صاحب الصومعة، قال: فأقبلوا إليه بفئوسهم ومساحيهم فصوتوا به فصادفوه يصلي فلم يكلمهم فأخذوا يهدمون ديره فلما رأى ذلك نزل إليهم فقالوا له سل هذه قال فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضأن فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني لك ما هدمنا بالذهب والفضة قال لا ولكن أعيدوه ترابا، ثم علاه)([11])
[المفتاح الرابع]: كرامات الصحابة والتابعين: كرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا: مثل ما كان (أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته) ([12]) . وكانت (الملائكة تسلم على عمران بن حصين) ([13]) .
وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما([14]) .
وقصة الصديق في الصحيحين (لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا)([15]).
وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة([16]) . وعامر بن فهيرة قتل شهيدا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال عروة: فيرون الملائكة رفعته ([17]) .
وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها([18]) .
وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده([19]) .
(والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء أقسم على ربك فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فيهزم العدو فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا) ([20]) .
(وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره ([21]) .
وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إلا استجيب له([22]) . وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق، وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر (يا سارية الجبل يا سارية الجبل فقدم رسول الجيش فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فإذا بصائح: يا سارية الجبل يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله) ([23]) .
ولما عذبت الزبيرة على الإسلام في الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها؛ قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى، قالت: كلا والله فرد الله عليها بصرها، ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمي بصرها لما كذبت عليه فقال: (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت) ([24]) .
والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم فيستجاب له ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والإسقاء لما بعدهم فأجيب ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم؛ ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد ([25]) .
وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار (فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله عز وجل فيه فقال بعضهم: فقدت مخلاة فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها)([26]) .
(وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله، قال ما أسمع قال أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما؛ وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله) ([27]) .
(ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره، وخببت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت فدعا لها فرد الله عليها بصرها، وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها، ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحي أن أخاف شيئا غيره ومرت القافلة، ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار، ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه، وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا، وصلة بن أشيم (مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية فأخذ سرجه فمات الفرس)، وجاع مرة بالأهواز فدعا الله عز وجل واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانا، وجاء الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل فلما سلم قال له اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولى الأسد وله زئير، وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره، (ورجل من النخع كان له حمار فمات في الطريق فقال له أصحابه هلم نتوزع متاعك على رحالنا فقال لهم: أمهلوني هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره فحمل عليه متاعه) ([28]) .
(ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الأثواب، وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوماً في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم، وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط، (ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر) ([29]) .
وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا وخرج يمتار لأهله طعاما فلم يقدر عليه فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا، (وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال صوتا حسنا ودمعا غزيرا وطعاما من غير تكلف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من أين يأتيه) ([30]) .
((وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده) ([31]) .
***
[المبحث الرابع] العقيدة في الصحابة وآل البيت والإمامة وحقوق أولياء الأمور
[المفتاح الأول]: أهل السنّة والجماعة عدل وسط في باب الصحابة رضي الله تعالى عنهم بين كافة فرق الضلال من أهل الإسلام كالخوارج والشيعة والمعتزلة، (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، و (الشيعة) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يكفرهم إلا نفرا يسيرا، و (المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي رضي الله عنه، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية رضي الله عنه، و (أهل السنة والجماعة)، يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وضي الله عنهم، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان ثم من آمن قبل فتح مكة ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومن أدلة عدالة الصحابة عند اهل السنة والجماعة: قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18]، وقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ أنه بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 117]، وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([32]) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([33]) .
[المفتاح الثاني]: أهل السنة والجماعة توسطوا في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والرافضة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما أهل السنة والجماعة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته ويكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم.
[المفتاح الثالث]: أهل السنة والجماعة توسطوا في باب آل البيت رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الروافض والنواصب، فالرافضة يصلون ببعض آل البيت من أحفاد سيد سباب أهل الجنة الحسين إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور كإمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات المطهرات، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يخرجوهم من منزلتهم التي هم عليها حقا، وكذلك لا يرضون لما نالهم من الأذى، ولا يؤذونهم، بل يحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
[المفتاح الرابع]: أهل السنة والجماعة توسطوا في مسألة الإمامة: فالإمامة عند أهل السنة والجماعة الناجية: ليست من أصول الدين وأركانه، ولكنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب نصب الإمام، وأجمع أهل السنة والجماعة الناجية على أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة عند موته دون أن ينص على إمام بعينه، بل ترك للأمة حق اختيار من تراه أفضلها وأكفأها وأصلحها لهذا الأمر، واتفق أهل السنة والجماعة الناجية على أن الشورى بين المهاجرين والأنصار آلت بهم إلى تفضيل الصديق أبي بكر رضي الله عنه واختياره خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن الخلافة محصورة في كونها نيابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين، وليست استئنافا للنبوة، ولا هي من جنس النبوة، كما هي عند الشيعة، فالخليفة مهمته تطبيق الشريعة الإسلامية التي أنزلها الله تعالى على رسوله الكريم، أما الإمامة عند الشيعة لها وضع غريب يمتلئ بالغلول والضلال، إذ جعلوها أساس الدين الأعظم وركنه الأكبر، وجعلوها الأصل الأول من أصول الاعتقاد وقدموها على الصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعلوها محور الخلود في الجنة أو الخلود في النار ثم هم مختلفون في أئمتهم أشد الاختلاف وأئمة الإمامية غير أئمة الزيدية غير أئمة الإسماعيلية وجميعهم شيعة الباطل والبدعة.
[المفتاح الخامس]: أهل السنّة والجماعة وحقوق أولياء الأمور: علماء أهل السنة والجماعة الراسخون في العلم الحريصون على أمة النبي صلى من الهرج والمرج والفوضى والاختلاف، يقدمون مصلحة الأمة العامة واستقرارها وأمنها وأمانها على المصالح الجزئية، وهم أهل العلم بالسياسة الشرعية الإسلامية، تلك السياسة الرصينة التي تضبط حقوق الحكام وتمنع من التعدي عليها أو الافتئات عليها، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، ومن قواعد أهل السنة والجماعة التي تضبط هذا العلم: قاعدة نصب الإمام فرض واجب على المسلمين، وقاعدة: وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، وقاعدة: من غلب فتولي الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته، وقاعدة: يصح في الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم، وقاعدة: الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة المسلمون الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة، وقاعدة: وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية، وقاعدة: حرمة نزع اليد من طاعتهم ما كانوا على الإسلام، وقاعدة: تحريم الخروج عليهم ما كانوا على الإسلام مقيمين للصلاة، وقاعدة: مراعاة الشرع لتوقير الأمراء واحترامهم، وقاعدة: بذل النصيحة والدعاء للحاكم المسلم، إن التزام تلك القواعد يمنع من الهرج والمرج والفتن، ويحقق الاعتدال الشرعي في مسائل السياسة الشرعية بين أولياء الامور والرعية، حتى يتفرغ الحكام والعلماء لأداء مهامهم دون تعدي أو افتئات، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، وما أحوج المسلمين اليوم إلى تأصيل مسائل الإسلام السياسي على طريقة أهل الفقه ومراجعة المواقف وفق هدي السياسة الشرعية الحكيمة التي تقدم مصلحة الأمة على المصالح الجزئية، وتمنع من الهرج والمرج الذي لا يستفيد منه سوى أعداء الإسلام، وتجديد أخلاق أهل الإسلام مع أولي الأمر منهم من السمع والطاعة والاحترام في إطار المعروف، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تضبط هذه العلاقة بما يهيء المناخ السديد لنشر الدين وتوثيق عُراه، وبما يمنع الهرج والمرج والفتنة.
(الـحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ) ([34]) .
و(الـحديث الثاني): أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِع) ([35])
و(الـحديث الثالث): أخرج مسلم عن عَوْف بْنَ مَالِكٍ الأشْجَعِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُـحِبُّونَهُمْ وَيُــحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قَالُوا: قُلْنَا يَا رَسُولَ الله، أَفَلا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟، قَالَ: لا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، لا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ أَلا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ الله، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة) ([36]) .
و(الحديث الرابع): أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: (عَلَى الْـمَرْءِ الْـمُسْلِمِ الـسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَـا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِـمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ) ([37]) . وضح الحديث مجال الطاعة وهو أن تكون في كل ما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ولكن مع عدم نزع اليد من الطاعة العامة للحديث السابق: (وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَة).
و(الـحديث الخامس): أخرج مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: (إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لا مَا صَلَّوْا) ([38]) .
و(الـحديث السادس): أخرج مسلم عَنْ وائل بن حجر رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ؟ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) ([39]) .
و(الـحديث السابع): أخرج البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَــالَ: (مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَــــاهِلِيَّـــــةً) ([40]) .
و(الـحديث الثامن): أخرج مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْركَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) ([41]) . يشمل الحديث طاعة الحاكم في شتى الحالات في العسر واليسر والمنشط والمكره والعدل والظلم، (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ).
و(الـحديث التاسع): عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ([42]) . وفيه دليل على وجوب السمع والطاعة والاحترام للحاكم وإن كانت هيئته لا تساعد على ذلك كأن كان مقطوع الأطراف عاجزاً.
و(الـحديث العاشر): عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) ([43]) .
وقد ذكر الحديث العبد الحبشي كأن رأسه زبيبة، مبالغة في الأمر بالطاعة، لأنّ العبد لا يصلح للإمارة، وصغر الرأس كناية عن الحمق والطيش، ومع ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة لمن كانت هيئته كهذا.
و(الـحديث الحادي عشر): أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ) ([44]) .
و(الـحديث الثاني عشر): أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ([45]) .
والحديث يدل على خطورة الأمر وأنّه لا هزل فيه، وأنّ سفك دم الخارج على الحاكم أولى من اختلاف الكلمة واضطراب الأمور والهرج والمرج.
و(الـحديث الثالث عشر): أخرج مسلم عن عرفجه بن شريح رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنه ستكون هنات و هنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) ([46]) .
والحديث فيه الأمر بقتال من خرج على الحاكم المسلم، أو أراد تفريق كلمة المسلمين،.
و(الحديث الرابع عشر): أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم واسألوا الله الذي لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) ([47]) .
والحديث يأمر المسلمين بإعطاء الحكام حقوقهم كاملة دونما نقصان، فإن منعونا حقنا فنسأل الله تعالى حقنا ولا نخرج عليهم، الله تعالى سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم.
و(الحديث الخامس عشر): أخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال: (أتَينا أنسَ بنَ مالكٍ، فشكَونا إليه ما يَلقَونَ منَ الحَجَّاجِ، فقال: اصبِروا، فإنه لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم، سمِعتُه من نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([48]) .
فهذه أحاديث نبوية شريفة صحيحة تضع الضوابط الحكيمة لعلاقة شرعية سديدة بين أهل الحكم وأهل العلم، تعصم الدم وتضع صمام الامن والأمان لأهل الإسلام، وتمنع الهرج الذي لا يستفيد منه سوى أعداء الإسلام،
***
[المبحث الخامس] الفرقة الناجية وإطار النجاة ومعنى النجاة
[المفتاح الأول]: تفرق الامة إلى فرق ضالة وواحدة ناجية: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، أخرج الترمذي: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([49]). وأخرج أبو داود: عن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: ألا إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([50]) .وأخرج الإمام أحمد وابن ماجة عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) ([51])
[المفتاح الثاني]: الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي أهل السنة والجماعة: لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب سبعة عريضة:
[السبب الأول]: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن، ومدرسة القرىن بكل علومها تنتسب لأاهل السنّة والجماعة. [السبب الثاني]: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة. [السبب الثالث]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع. [السبب الرابع]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في باب التخصص العلمي، لم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم. [السبب الخامس]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض، ومن هذه الوسطية وهذا الاعتدال نعلم لماذا لا تكون راية التجديد سوى راية أهل السنّة والجماعة، أهل التوسط والاعتدال. [السبب السادس]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([52]) . وقال صلى الله عليه وسلم: (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة) ([53]) .لقد تمايز أهل الفرقة الناجية بمسمى (أهل السنة والجماعة)، (فأهل السنة): لتمسكهم بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، (وأهل الجماعة): لاجتماعهم على الحق في مقابل أهل البدع والضلال.
و[السبب السابع]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم “،) ([54]) .وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار) ) ([55]) .، ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنة والجماعة.
[المفتاح الثالث]: ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، وأهم رؤوس البدع الضالة المخرجة عن سبيل أهل السنّة والجماعة الناجية: بدعة الخروج، وبدعة التشيع، وبدعة الاعتزال، وبدعة الحشو، ومع ذلك فإنهم مسلمون لهم ما للمسلمين من حقوق وواجبات.
[المفتاح الرابع]: الخلافات الفرعية بين علماء المذاهب الأربعة هي من باب الاجتهاد وليست من باب البدع، وهي داخل إطار أهل السنة والجماعة الناجية، لا يبدع بها إلا حشو ضال وقع في الغلو في باب السنة والبدعة بسبب جهله بضوابط أهل الحق في هذا الباب، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون بين بدع الأصول العقائدية، وبين الأمور الفرعية الفقهية التي اختلف الفقهاء على حكمها ما بين مجيز ومانع، فهذه أمور فقهية اجتهادية مجالها الفقه وليس باب السنة والبدعة ما كانت ضمن إطار الخلاف المعتبر، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ([56]) .
[المفتاح الخامس]: التفريق بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة: من الضروري لضبط باب السنة والبدعة ومنع الغلو فيه: التفريق بين التعددية المحمودة لدى أهل السنة والجماعة متمثلة في مدارسها المتعددة العقدية والفقهية والتزكوية والدعوية والإصلاحية، وما بين الطائفية المذمومة لدى الفرق الضالة، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع ونحوها، فإنّ الله تعالى بعلمه وإرادته، جعل هذه الأمة تنقسم إلى قسمين: أهل السنة، وهم الجماعة والسواد الأعظم، وأهل أهواء وبدعة، وهم من شذ عن سنن الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، وميزة أهل السنة أن الخلاف بينهم في الفروع لا يفرق جماعتهم، ولكن أرباب الأهواء ليسوا كذلك، فهم لا يعرفون الاختلاف، ولكن الفرقة والشقاق والتكفير والتضليل.
***
[المبحث السادس] المدارس المتخصصة في العقيدة والفقه والتصوف على منهاج اهل السنّة
[المفتاح الأول]: يمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وهذا الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار.
[المفتاح الثاني]: بداية ظهور التخصص في العقيدة: استفحل أمر الفرق الضالة، وأصول تلك الفرق الضالة المضلة المؤثرة في العالم الإسلامي أربعة هم (الخوارج) و(الروافض) و(المعتزلة) و (الحشوية)، والتي كان أهم أسباب ظهورها هو تتبع المتشابه الذي حذر منه القرآن الكريم بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7 }، ففي الآية وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان، فإنّ تتبع المتشابه فيها أدى إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بجناب ذات الله تعالى وتقدس حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة التعطيل حتى نفوا صفات الله تعالى المحكمة، وإلى ظهور الحشوية في جهة التجسيم، وحتى نسبوا لوازم التجسيم من الحد والمقدار والصور والأشكال والكون في المكان إلى جناب ذات الله تعالى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال، أما طريقة أهل السنة في ذلك هي التوفيق في هذه المسائل بين كافة أدلة الكتاب والسنّه، ورد المتشابه إلى أمه وأصله، وهو المحكم فتبدو وكأنها نسيج واحد لا ترى فيه من فطور بل تتفق وتتآلف ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف وهذا الفقه هو ما تميز به علماء أهل السنّه والجماعة الأئمة الأعلام فجمعوا بين الأدلة ووفقوا بينها، وحملوا الأقوال المتعارضة على محاملها الصحيحة فصار الاعتقاد بكافة أحكامه ومسائله نسيج واحد يدل ويؤكد أنه دين الله عز وجل الذي رضيه لعباده، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، هذا هو فعل المتخصصين الراسخين في العلم الذين مكنهم علمهم من الاستنباط الصحيح، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].
صار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو والتجسيم، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة السلفية المعاصرة ينتمي إليها فريقان، فريق اثري من فضلاء الحنابلة واهل الحديث وهؤلاء على وفاق من المدرسة الاشعرية والمدرسة الماتريدية في باب التقديس وابواب العقيدة، وفريق حشوي جاهل بعلوم التقديس والتنزيه وأبواب العقيدة وعلامتهم الوقيعة في السادة الأشاعرة والماتريدية المتخصصين في العقيدة على منهاج أهل السنّة ومثال هؤلاء في زماننا التيميون والوهابيون، وكل من انتسب إليهم ودار في فلكهم، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منهم فاتهمه على إحدى ثلاث لا مناص من إحداها، عقله أو علمه أو دينه، والله المستعان،.
[المفتاح الثالث]: الأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة في باب العقيدة، وهما مدرستان متخصصتان في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة: في الإلهيات وفي النبوات وفي السمعيات، وإذا كان للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات إلى علم الله تعالى ورسوله _على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم- والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وفهم المتشابهات في اطار السياق الذي سيقت النصوص من أجله، وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فالسادة الأشاعرة والسادة الماتريدية هما مدرستان تمثلان مناهج السلف في العقيدة، والمذهب الأول هو ما تبنته المدرسة الأثرية، وخلاصته تفويض المعنى المراد من المتشابهات إلى الله مع فهم الآيات على وجه العموم وفق السياق العام، والمذهب الثاني هو رد المتشابه إلى امهاته من المحكم وفهمه في اطار المحكم، والمذهبان معتمدان عند السلف وعند الاشاعرة والماتريدية، والمذهبان يقدمان طريقة أهل الأثر من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة.
[المفتاح الرابع]: (المدرسة الأثرية) هي أول مدارس التخصص الإسلامي في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة ولكنها أُبتليت بالأدعياء من أهل الحشو والتجسيم والزيغ كالتيمية والوهابية فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فينبغي الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم (تكييف وجود الله) وهذا التكييف مفاده: هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يحده العرش من تحته، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من الأبعاض والأجزاء والجوارح، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه هو سبحانه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن يسير أحد من المسلمين خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة.
[المفتاح الخامس]: في القرن الثامن ظهر ابن تيمية ليعيد ترميم المذهب الحشوي الذي يميل إلى التجسيم، والاستهانة بالتخصصات العلمية الإسلامية، يظنون ان العلم والصواب حكرا عليهم بغير ان يتتلمذوا في كل علم على اهله، ولكن محاولاته باءت بالفشل ليقظة اهل العلم آنذاك وقدرتهم على تحجيم بدعته، وطل الامر كذلك حتى القرن الثاني عشر الهجري حيث بزغ نجم النجدي ابن عبد الوهاب فجدد المشروع الحشوي الذي بدأه ابن تيمية وأضاف إليه مشروع تكفيري من نوع جديد حيث زعم أنّه أتى بفهم جديد للشهادتين لم يكن عليه احد قبله وزعم أن من لم يفهم الشهادتين كما فهمهما هو فهو كافر حلال الدم والعرض والمال، فعاث في الأرض فسادا وأسس للفرقة الوهابية التي كانت مزيجا ما بين التكفير والتشريك والتبديع واستحلال حرمات المسلمين وما بين الحشو والتجسيم وما بين محاربة التخصص العلمي الإسلامي حتى صارت بلاء على اهل الإسلام، وجربا يصعب الفكاك منه ومرضا يصعب العلاج معه، وكل من يتابع العالم الإسلامي اليوم من أهل العلم بالدين والمتخصصين في العقيدة يعلم أنّها من خطر الفرق الضالة في زماننا المعاصر على أهل السنّة والجماعة: حيث تتمسح بالسلف الكرام وتدلس على المسلمين بالكتاب والسنّة، والسلف الكرام منهم براء، وهم أبعد الناس عن هدي الكتاب والسنّة، ولولا الوهابيين وبدعهم وضلالاتهم من الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتبديع والتضليل ومحاربة التخصصات الإسلامية في شتى علوم الدين، وطرحهم الموازي لدين الإسلام الحق في كل أبواب الدين والعلم، لكانت الامة الإسلامية اليوم على منهجية علمية واحدة تخترم أهل التخصص وتتفرع لنشر الدين وحمل تكاليف الدعوة والأمانة.
[المفتاح السادس]: الأشاعرة والماتريدية هم العلماء المتخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة)، وهم يمثلون مع الأثرية الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، ومنهجهم في المتشابه: يقوم على ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أو على قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
[المفتاح السابع]: من أراد التخصص في العقيدة فلا مناص من اعتماد المذهبين الأشعري والماتريدي طريقا إلى علم العقيدة التخصصي المعتدل الصحيح الصافي: ذلك المنهج الذي خضع لمراجعة المئات من علماء الامة على مر عصور الإسلام، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء، وليس معنى ذلك اهمال المنهج الأثري، لأن كلا المدرستين الأشعرية والماتريدية تعتمدان التفويض الذي عليه اهل الأثر حلا مثاليا في تأصيل المعتقد الإسلامي الصحيح الصافي وتعتمد التأويل ورد المتشابهات إلى محكماتها من الأصول خلا مثاليا عند الحاجة إلى الرد على اهل البدع، و(الخلاصة): جناحا أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العقائد هما المذهبان الأشعري والماتريدي، وكم جعل الله على أيديهما حلاً لمشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعا ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام ونزلا كل دليل على مرتبته الخاصة به، حلا شيفرة الإيمان والكفر، وحلا شيفرة القضاء والقدر، وحلا شيفرة الآل والصحب، وحلا شيفرة السنّة والبدعة، (الأشاعرة والماتريدية) هم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والوهابية والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن العلاج، واجلى بيان، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة والجهمية الجبرية واكثر الفرق إلا هم بحمد الله، وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي اكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين.
[المفتاح الثامن]: المدارس الفقهية لأهل السنة والجماعة: استقر لأهل السنة والجماعة في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، لقد جمع الله تعالى علوم الفقه كلها في مذاهب الأئمة الأربعة: فالإمام الأعظم أبو حنيفة يجمع فقه أهل العراق ويصبح الفقهاء عيال عليه في علم الفقه وإلى قيام الساعة، والإمام مالك عالم المدينة يجمع فقه أهل الحجاز وتُضرب إليه أكباد الإبل بحثاً عن علمه وفقهه، والإمام الشافعي يمزج فقه أهل الحجاز بفقه أهل العراق، ويضع علم أصول الفقه، ويملأ طباق الأرض علما وفقها، والإمام أحمد بن حنبل رابع الفقهاء المجتهدين يجمع الله تعالى له علم الحديث وعلم الفقه، وكأنّ الله عز وجل أراد من رحمته بأهل الإسلام أن يجمع علوم الفقه الإسلامي في مذاهب الأئمة الأربعة، على أنّ هناك أئمة مجتهدون سوى الأئمة الأربعة: وهم كثيرون أمثال: الأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالعراق، والليث بن سعد بمصر، وسفيان بن عيينة بمكة، إلا أن هؤلاء الأئمة اندثرت مذهبهم ليس بسبب قلة علمهم ولكن بسبب قلة الأتباع ثم انقطاعهم عن تدوين علومهم على صورة متكاملة كما فعل أتباع الأئمة الفقهاء الأربعة، ولكن أقولهم لم تندثر لأنّها دخلت ضمن اطار أقوال المذاهب الأربعة التي تُعتبر بحق موسوعة الفقه على مذهب أهل السنّة والجماعة الواسع، وعلى ذلك: فإنّه يمكن القول بأنّ علوم الفقه كلها اجتمعت في مذاهب الأئمة الأربعة، وهي مذاهب منضبطة مدونة محررة معروفة، تخرج من خلالها آلاف الفقهاء، وهذه إشارة إلى هذه المذاهب الفقهية العريقة المؤصلة، (المذهب الحنفي): وإمام المذهب هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت، (ولد في الكوفة سنة 80هـ)، برع في الفقه حتى صار من بعده عيالاً عليه، قال ابن المبارك: أفقه الناس أبو حنيفة، وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، والإمام الأعظم أبو حنيفة: يُعَدُّ هو المؤسِّس لأول مدرسة متخصصة في الفقه الإسلامي كعلم له منهج واضح، وقواعد رصينة، وموضوعات متكاملة تتناول جميع موضوعات الفقه، وكل من جاء بعده استفاد من طريقته في الفقه.
(المذهب المالكي): وإمام المذهب: هو إمام دار الهجرة أبو عبدالله مالك بن أنس، هو إمام أهل الحديث وإمام أهل الفقه، وإذا ذكر عالم المدينة فليس ثمة غيره، اشتُهر بعلمه الغزير وقوة حفظه للحديث النبوي وتثبُّته فيه، جمع فقه علماء مدرسة أهل الأثر بالمدينة جميعهم، وجمع فقه مدرسة أهل الرأي عن طريق الإمام الفقيه ربيعة الرأي، فكان آية في الفقه والعلم، وصدق فيه حديث النبي صلى الله عليه، فقد روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة) ([57]) .
قال الشافعي: مالك حجة الله على خلقه، وقال أيضا: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، (المذهب الشافعي): وإمام المذهب: هو أبو عبدالله محمد بن إدريس شافع القرشي المطلبي، تلقى العلم بادئ الأمر في مكة على يد مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة (ت179هـ)، ثم رحل إلى مالك في المدينة، وقرأ عليه الموطأ وأخذ عنه الحديث والعلم، ولزمه حتى مات، ثم خرج إلى العراق فلقي محمد بن الحسن وأخذ منه فقه العراق، فاجتمع له فقه الحجاز (مكة والمدينة) والعراق، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، ووضع للفقه أصولاً تضمنتها (الرسالة)، وإليه ينسب علم أصول الفقه، ثم استقر بمصر ومنها ملأ طباق الأرض علما وفقها، اعترف الجميع للشافعي بالرفعة والجلالة والتميُّز، والفقهاء بعده عيال عليه في الفقه وأصول الفقه لأنه هو الذي فتح هذا الباب، وصدق فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً) ([58]) .
أخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده، وأبو نعيم فى الحلية، وقال أبو نعيم: هذه الصفة لا تنطبق إلا على الشافعي، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً، قلت فيها بقول الشافعي، لأنه إمامٌ عالمٌ من قريش، وقال عنه أيضا: كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال أيضا: ما أحد مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في عنقه منة، وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثا خطأ.
(المذهب الحنبلي): إمام المذهب: هو إمام أهل السنة أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، عُرف بولعه وشغفه بالعلم منذ صباه، أخذ عن كل علماء الحديث في العراق والشام والحجاز، وجمع الأحاديث في كل الأقاليم ودوَّنها، جمع فقه أهل العراق ثم لازم الشافعي وتتلمذ على يديه في الفقه، وجمع الله تعالى له الحديث والفقه، قال عنه الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.
[المفتاح التاسع]: استكمالا للمدارس المتخصصة في علوم الإسلام فلا بد من اعتماد مدارس التصوف على أنها القائمة على الإحسان،، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و (التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، و (التصوف) هو المرادف لمصطلح (التزكية) المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، تلك التزكية التي تعد أحد أهم مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وكذلك فإن (التصوف) هو المرادف لمرتبة الإحسان الواردة في حديث جبريل عليه السلام وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك“) ([59]) .
وقد أقر أكثر علماء أهل السنة والجماعة على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية، وهو علم عظيم واسع من علوم أهل السنة والجماعة يقوم على تزكية النفس، وتخليتها من دسائس الأخلاق وتحليتها بالأخلاق العظيمة والمبادئ السامية، مع وجود منهاج عملي يقوم على الذكر والفكر والزهد في الدنيا وإيثار الآخرة، من أجل الوصول إلى مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين وأعظمها، لقد أكرم الله تعالى الأمة بثلاثة مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وأكرم الله تعالى الأمة بأربعة مدارس في علم الفقه لا خامس لها إلا الميل إلى الحشو والشذوذ الفقهي، وكذلك أكرم الله تعالى الأمة بأهل التصوف والزهد والمعرفة الذين قاموا على علم بتزكية الباطن، وإصلاح القلب وسلامته وتزكيته، وبيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين، وكان لكل منهم طريقة في السلوك لها أورادها ولها اجتهاداتها التي تميزت بها عن غيرها، إن هذا الإطار الواسع هو الإطار العلمي الصحيح لأهل السنة والجماعة، سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الجماعة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
و(الطرق الصوفية) السنّية المستقيمة: هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة، فقد يسلك بعض المشايخ طريق الشدة في تربية المريدين فيأخذونهم بالرياضات العنيفة ومنها كثرة الصيام والسهر وكثرة الخلوة والاعتزال عن الناس وكثرة الذكر والفكر، وقد يسلك بعض المشايخ طريقة اللين في تربية المريدين فيأمرونهم بممارسة شيء من الصيام وقيام مقدار من الليل وكثرة الذكر، ولكن لا يلزمونهم بالخلوة والابتعاد عن الناس إلا قليلا، ومن المشايخ من يتخذ طريقة وسطى بين الشدة واللين في تربية المريدين، كما توجد ثلاثة أنواع من الطرق وهي: طريقة التبرك، وطريقة الإرشاد، وطريقة التربية والترقية، وذلك حسب مستوى شيخ الطريقة، فشيخ التبرك هو الذي يبلغ أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دوره عند هذا التبليغ، وينال الآخذ عنه بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينال ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزم بها، وأما شيخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد كشيخ التبرك، يسعى لإرشاد تلاميذه إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن وينفث في قلوب أهل الاستعداد منهم عوارف معارف وأنوار مقامات، فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة، وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيخ التربية والترقية فيرفع إلى مقام الإحسان مشاهدة في مقام (أن تعبد الله كأنك تراه).
واهم معالم الإصلاح في مجال التصوف السني الصحيح: تتمثل في:
(أولا): تأكيد وتجديد مبدأ ارتباط التصوف بالكتاب والسنة، (ثانيا): التأكيد على أهمية التصوف كمنهج أصيل للإصلاح والتربية، (ثالثا): تصحيح التصورات الخاطئة عن التصوف لدى عامة المسلمين، فإن السادة الصوفية هم خواص أهل السنة والجماعة، لم يقل أحد من المعتبرين منهم إن الصوفية فرقة مختلفة عن أهل السنة، لأن عقيدة الصوفية هي عقيدة أهل السنة، كما أن جميع طوائف الاتحادية والحلولية والإباحية والباطنية والمادية طوائف ليست من الصوفية في شيء، والصوفية منهم برآء كما أنّ الإسلام منهم برآء، (رابعا): تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى بعض المتصوفة، سواء كانت هذه المفاهيم محدثة من قبل المنحرفين، أو أن لها أصلا صحيحا وتعرضت للتحريف من قبل الجهال والمبدِّلين، (خامسا): التمييز بين التعددية المحمودة والطائفية المذمومة، فإنّ حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، لا يتناول طوائف أهل السنّة والجماعة لأنّها كلها فرقة واحدة تضمها أصول عقدية واحدة، كما أنّ الاختلاف الوارد في حديث افتراق الأمة لا يعني الاختلاف في مسائل الفروع أو تعدد المذاهب أو الاختلاف في مناهج السلوك والعبادة، أو تعدد الطرق التي يتخذها الأولياء في توصيل المريدين إلى الله تعالى، بل إن السواد الأعظم من المسلمين داخلون بحمد الله في عداد الفرقة الناجية، طالما أنهم متمسكون بالأصول والثوابت الشرعية التي وردت في صريح الكتاب والسنة النبوية لا يضرهم الاختلاف الاجتهادي في الفروع، (سادسا) واجبنا نحو التصوف اليوم: هو طرحه نموذجاً لمرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، وأن نعكس صورة التصوف الإسلامي الصحيح من خلال أخلاقنا وآدابنا والتزامنا بالشرع الشريف فحال الإنسان يغني عن مقاله، واجبنا نحو التصوف اليوم: التجمل بمكارم الأخلاق التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها، ونشر التصوف الصحيح والبراءة من التصوف البدعي وادعياء التصوف من الجهلة والمرتزقة والدجالين المنسوبين زورا الى التصوف،و واجبنا نحو التصوف اليوم: إعطاء النموذج الحي الصحيح للصوفي الرباني، وذلك بالتمسك بأخلاق الصوفية الاكابر، وإن الإصلاح التخصصي الإسلامي المنشود يفرض على أهل التصوف وقياداته أن يتحملوا واجباتهم في تصحيح المسار.
وذلك بالتأكيد على عدة حقائق: (الحقيقة الأولى): بيان كون منزلة الطريقة في التصوف كمنزلة المذهب في الفقه، فكما أنّ طلب الفقه الراسخ يتطلب التخصص على إحدى مذاهب الفقه الأربعة، فكذلك فإن طلب التصوف الراسخ ينبغي أن يكون عبر إحدى طرق التصوف الموصولة السند والمتأصلة في تاريخ التصوف الإسلامي، و(الحقيقة الثانية) أهمية ذكر الله، فإن الذكر منشور الولاية وعمدة الطريق الصوفي: كما أنّ الذكر هو قوام التصوف الذى هو روح الإسلام، والذكر له المكانة الرفيعة فهو في ذروة العبادات والطاعات، و(الحقيقة الثالثة) أهمية الأوراد في حياة المسلم فضلا عن الصوفي السالك لطريق الإحسان، فينبغي لكل مسلم – فضلا عن الصوفي السالك طريق الإحسان – أن تكون له أوراد يومية لا يقصر عنها، وهذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداً أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد، (الحقيقة الرابعة) تصحيح الأخطاء، تلك الأخطاء التي يتحمل وزرها أدعياء التصوف الجهلاء، أو المنحرفون، أو المغرضون الذين تزيّوا بزي التصوف وانتسبوا إليه لأجل الإساءة إليه بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم، والتصوف منهم براء، إننا إذا جردنا التصوف من الصورة القاتمة التي رسمها أعداء التصوف ندرك أننا أمام جوهر نقي خالص لابد منه في عملية الإصلاح، وأرى لزاماً على العلماء ومشايخ الطرق الاولياء المرشدين أن يهبوا لتخليص التصوف من كل الشوائب التي علقت به مع تقادم العهد، وأن يتخلصوا من كل الشكليات التي حطت من قدر التصوف ليعود إلى نقائه ودوره وأصوله وجوهره وعند ذلك يكون قادراً على أداء دوره المنوط به التعبير عن مرتبة الإحسان اعلى مراتب الدين.
***
[المبحث السابع] أهم جوانب الإصلاح العلمي في علم العقيدة.
[المفتاح الأول]: من أهم جوانب الإصلاح العلمي: تحديد المرجعية العلمية الصحيحة، واحترام التخصص العلمي المذهبي الإسلامي، ويتم ذلك من خلال العودة إلى المذهبية العلمية التي تأصلت على مر العصور لأهل السنة والجماعة، متمثلة في مدارسها العقائدية والفقهية والتزكوية، واعتماد مبدأ الرد إلى الكتاب والسنة بفهم تلك المذاهب، كل في مجال تخصصه، والإصلاح من داخل تلك المدارس لا من خارجها، وتكون للمسلمين مرجعية معروفة محددة عند النزاع بالرد إلى فهم تلك المذاهب، فيأخذون بما اتفقت عليه تلك المذاهب من أصول العلم ومحكماته، ويسع المسلمين ما وسعها من الاختلاف، فلا تضيع الأوقات ولا تتشتت الأذهان بسبب ضياع المرجعية الأصيلة المتخصصة الصحيحة، فمن أراد معرفة ما يتعلق بالحديث لجأ إلى أهل التخصص فيه وهم علماء الحديث، ومن أراد معرفة شيئا من مسائل الفقه لجأ إلى مدارس الفقه المتخصصة فيه، ومن أراد معرفة أحدى مسائل العقيدة لجأ إلى علماء العقيدة ومدارسها المتخصصة فيها، وهكذا، وإنما يأتي الخلل عندما نلجأ إلى غير المتخصص، أو عندما يتحدث غير المتخصص في غير فنه، إنّ دعوى بعض أهل الحشو بالرد المباشر إلى الكتاب والسنة، دعوى خطيرة ينشا عنها ضرب المرجعية العلمية الإسلامية في مقتل، ونحن بهذه الدعوة الجوفاء نهدم مذاهب أهل السنة والجماعة المتخصصة المؤصلة من أجل بناء مئات المذاهب الغير مؤصلة، بعدد كل ناعق مذهب، وينفرط عقد العلم، ويتشدد من أراد التشدد ويتساهل من أراد الترخص، ويتغول على الامة كل مبتدع متغول، لقد كان وراء بناء الصروح المذهبية الإسلامية في العقيدة والفقه والتزكية آلاف العلماء الناقدين النابهين، وكان وراء بنائها ألف حسيب وحسيب، يضبطون الأقوال ويراجعونها حتى لا يشذ عنها إلا ما لا طاقة للبشر من رده لأنّ الله تعالى كتب العصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأبى العصمة لغيره من علماء الأمة ومجتهديها.
[المفتاح الثاني]: الأمر الثاني الذي يتم به الإصلاح العلمي: استيعاب عدة علوم تسبب غيابها في عصرنا إلى حدوث الخلل العلمي، أرى أهمها يتمثل في أحد عشر علماً: العلم الأول: (علم التقديس) وذلك للقضاء على فوضى الحشو والتجسيم، والعلم الثاني: (علم الإسلام) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة، والعلم الثالث: (علم الإيمان)، وذلك للقضاء على فوضى الغلو في التكفير في أوساط المسلمين، والعلم الرابع: (علم التوحيد) وذلك للقضاء على جانب الغلو في التوحيد واتهام الأمة بالوقوع في الشرك في أعمال لا تبلغ الشرك، وقد تكون مسائل خلافية فقهية بابها الفقه وليس العقيدة، والعلم الخامس (علم الإتباع)، لضبط مسائل السنة والبدعة على منهاج أهل السنّة والقضاء على فوضى الغلو في التبديع، والعلم السادس (علم الانتساب إلى الجماعة الناجية)، وذلك لجمع شتات المسلمين تحت راية واحدة ومنهاج صحيح واسع واحد، هو منهاج أهل السنّة والجماعة الناجية بغير افراط ولا تفريط، والعلم السابع: (علم السياسة الشرعية الإسلامية، وبيان قواعد الإسلام الرصينة في تنظيم العلاقة ابين النظام الحاكم والرعية، وتجديد أخلاق أهل الإسلام مع أولي الأمر منهم من السمع والطاعة والاحترام في إطار المعروف، حتى يتفرغ القائد والعالم والداعية كل لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، والعلم الثامن (علم العقيدة المنهجية المتخصصة)، وذلك لمعرفة مدارس العلم المتخصصة في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، ومن ثم احترام التخصص والمتخصصين في باب العقيدة واتباعهم بدلاً من أن نكون قُطّاع طريقهم لهداية الناس وفق عقيدة الإسلام، والعلم التاسع (علم الفقه المنهجي المتخصص)، وذلك لتصحيح المسار الفقهي عند المسلمين، وأخذ الفقه من بابه الصحيح، ومعرفة العبادات والمعاملات والحلال والحرام من أهل الفقه المتخصصين فيه، والعلم العاشر (علم التزكية المنهجية المتخصصة وهو المعروف بعلم التصوف)، وذلك لأنّ حاجة المسلمين إلى تجديد أخلاقهم وسلوكهم مع الله تعالى ومع أنفسهم ومع الناس أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وبغير التزكية فلن يكون هناك صلاح ولا فلاح، فلابد من تصحيح المسار التزكوي عند المسلمين، وأخذ التزكية من رجالها الأتقياء الأنقياء، لا من الأدعياء، والعلم الحادي عشر: (علم الإحاطة بجوانب دين الإسلام) وذلك للقضاء على القصور في فهم الإسلام والإحاطة بجوانبه، فإنّ غياب تلك العلوم عن ببعض المسلمين أدى إلى الخلل الفكري والعقدي والعلمي والعملي والأخلاقي كما أدى إلى الفرقة والتنازع فيما بينهم، فإنّ من أهم أسباب الاختلاف والفرقة والتعدد هو إهمال بعض الجوانب من دين الله تعالى، قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 14]، فكان نسيانهم وتركهم لبعض ما أمرهم الله تعالى به سببا في أن يلقي الله عز وجل بينهم العداوة والبغضاء كنتيجة حتمية لما تركوا من دين الله تعالى، والناظر لواقعنا اليوم: يجد أن أهم أسباب الاختلاف بين المسلمين هو فقدان بعض العلوم التي تسبب غيابها في وجود الخلل العلمي وبالتالي الوقوع في الاختلاف ومن ثم التنابذ بالألقاب، ومن ثم العداوة والبغضاء، ولذلك جاء الأمر الرباني في القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ أنه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 208، 209]، بالدخول في كافة شرائع الدين والتزامها وعدم ترك شيء منها.
[العلم الأول]: (علم التقديس): هو العلم الضروري الذي يمثل حلقة الوصل المفقودة في علم العقيدة السلفية والسنية (علم العقيدة الناجية) التي من خلالها يمكن الوصول إلى ذروة الفقه لعقائد الإسلام العظيمة الصافية، والتي يمكن من خلالها تحقيق التقارب الشرعي الصحيح بين مختلف طوائف المسلمين، وأنا أجزم أنه لا يحمل لواء الإصلاح إلا من تعلم ذلك العلم الرباني الراسخ بقواعد القرآن والحديث الصحيح، وتحدثا بنعمة الله وأقسم بالله – أني ما إن استوعبت علم التنزيه وقواعده الرصينة التي ساهم في إظهارها أهل الأصول المتخصصون من علماء أهل السنة، حتى أحسست أنه العلم اللازم لتحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة والتجديد الإسلامي المنشود، إنّ المقصود من علم التقديس هو بيان التنزيه والتقديس والتسبيح والتوحيد المتعلق بجناب ذات الله تعالى، وما يجب له سبحانه من صفات الكمال والجلال والإكرام، وما يجب له من صفات التقديس والتعظيم والتنزيه، وما يستحيل في حق ذاته سبحانه من صفات النقص والعيب والحدوث، وعن مشابهة ذوات الخلائق لأنها موصوفة بالنقص من كل جهة، و حقيقة جناب ذات الله تعالى وتقدس غير مدرك بالإحاطة، انقطع العلم دونه لأنّ ذلك فوق طاقة المخلوق المحدث المحدود، وقد حجب الله تعالى عن الخلق كنه ذاته ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، قال الله جل شأنه {ليس كمثله شيء }، وقال تعالى: {ولا يحيطون به علما }، وإنما المقصود من هذا العلم _ بعد الاعتراف بالعجز عن تمثيل الذات وتكييف وجودها _ هو تصفية الاعتقاد عن كل شائبة تشبيه أو تمثيل أو تكييف فلا يبق في القلب والعقل إلا التنزيه المحض، فيصل طالب علم التقديس إلى عبادة الإله الواحد القهار الكبير المتعال الحي القيوم الأحد الصمد الغني الحميد الذي ليس كمثله شيء لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لا رب سواه ولا معبود بحق إلا هو، ولَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إنّ دراسة علم التقديس هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف وذلك لأنّ دراسة هذا العلم يؤدي إلى التقديس الكامل والتنزيه المطلق لله تعالى، وإلى اعتقاد اتصاف الله تعالى بالكمال الذي ليس بعده كمال ونفي النقص والعجز والعيب والحاجة التي تناقض الكمال، وإنّ التعمق في علم التقديس والتنزيه، يؤهل دارسه لتصفية الأذهان عن المحسوس والموهوم، والخروج من حيز الحس الضيق إلى علم الإلهيات الذي يضع قواعد التنزيه التي تتعامل مع جناب ذات الله تعالى الذي ليس كمثله شيء فلا يتقيد بحس ولا وهم، ومن ذلك نفي احتياج الله تعالى للمكان لأنه خالق المكان، ولأن المكان يحيط بمن فيه، والله تعالى بكل شيء محيط، ولأنّ المكان قاهر لمن هو داخله بالحد والإحاطة، والله تعالى هو القاهر لكل شيء ومن ذلك قهره للمكان لأنه هو الذي كون المكان، ومن ذلك نفي تقيد الله تعالى بالزمان، لأنه خالق الزمان فلا يجري عليه زمان، ومن ذلك نفي الحد والمقدار عن جناب ذات الله، لأنّ الحد نقص يضاد الكمال لأنّه يدل على النهاية، والكمال يضاد التناهي، الذي هو صفة المخلوق المحدود، ولأنّه سبحانه هو الذي حد الحدود على خلقه وقدر عليهم المقادير فكانت دليلا على أنّهم مخلوقون مربوبون لخالقهم الذي قهرهم بالحدود، أمّا هو سبحانه فهو أكبر من الحدود التي تدل على نهاية الذات، وإذا كانت صفاته ليست محدودة فإنّ الذات الموصوفة بتلك الصفات ليست محدودة، ومن ذلك نفي الحلول، إذ كيف يحل المنزه عن الحدود في المحدود، جل أن يحل في مخلوقاته وجل سبحانه أن تحل فيه مخلوقاته إذ يمتنع على قديم الذات أن يقبل المحدث المخلوق ولو قبل المحدثات لم يؤتمن عليه قبول الفناء،، ومن ذلك نفي الاتحاد إذ كيف يتحد المحدث مع القديم والمخلوق مع خالقه، ونفي التغير والحدوث والآفات إذ التغير والحدوث والآفات علامات النقص تنزه صاحب الكمال والجلال عنها، ونفي الجوارح والابعاض و نفي الكل والأجزاء إذ الجزء محتاج إلى كله والكل يكمله الجزء وجميعها يضاد الأحدية والصمدية سبحانه الواحد الأحد الصمد المنزه عن الجسمية ومستلزماتها، إن المقصود الرئيس من علم التنزيه والتقديس هو قطع الطمع عن إدراك حقيقة جناب ذات الله تعالى وتصفية الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى – على لسان الملائكة – {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }، إن من أعظم الخطر أن يتصدى أحد للحديث عن الله تعالى وعن صفاته وأفعاله، دون أن يكون له إلمام بهذا العلم الذي يضبط مسائل وأحكام هذا الباب، وأشد من ذلك خطرا أن يتصدى للحديث عن أهل السنّة والجماعة وإطارها العقائدي والفرق الضالة عنها في العقيدة، من لا يعرف هذا العلم الراسخ، والطامة المهلكة عندما يتصدر أحدهم لإصدار أحكام التبديع والتضليل للطوائف والفرق الإسلامية وهو يجهل هذا العلم، فيفتي ويبدع ويضلل بغير علم ولا فقه ولا هدى وهو يحسب أنه من المهتدين، فحرام على من يجهل قواعد هذا العلم أن يتصدر للتبديع والتضليل في باب العقيدة، لأنّ قواعد التقديس والتنزيه هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتقديس، وهذا هو الفقه الذي لا يحل لأحد أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به.
ما أشد حاجة المسلمين إلى التجديد في (علم التقديس)، وذلك بجمع قواعد التقديس والتوحيد والتنزيه، التي تمنع من الخلل في علم العقيدة، والتي تمنع من الاعتزال والتجهم والتعطيل، وفي نفس الوقت تمنع من الحشو والتشبيه والتجسيم، قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يجب وبما يجوز وبما يستحيل نسبته إلى جناب ذات الله تعالى وتقدس، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي الأول من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم التقديس والتنزيه مركزا على لبنات علم التقديس وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم الثاني]: (علم الإيمان وفقه مسائله وأحكامه): وذلك بالتفريق بين ثلاثة أقسام من الإيمان، القسم الأول (أصل لا يصح الإيمان إلا به)، ونقصانه يعني زوال الإيمان بالكلية والوقوع في الكفر الأكبر، وهذا الإيمان لا يمنع من دخول النار لأنّ صاحبه مقصر في واجبات الإيمان، ولكنه يمنع من الخلود الأبدي في النار، وعناصر هذا الأصل ثلاثة لا رابع لها وهي قول القلب (التصديق) وعمل القلب (الانقياد) و إقرار اللسان، والقسم الثاني من الإيمان (واجب لا يتم الإيمان إلا به)، ونقصانه يعني نقصان الإيمان ولكنه لا يزول بالكلية، وعناصره – إضافة إلى عناصر النوع السابق – أداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات، والقسم الثالث من الإيمان: (الإيمان الكامل المستحب) الذي يتم به الكمال، وهذا النوع من الإيمان يؤهل لصاحبة لنيل الدرجات العلى من الجنة، والمقصر فيه ينزل منه إلى الإيمان الأقل وهو الإيمان الواجب، وعناصر هذا القسم – إضافة إلى عناصر النوعين السابقين – أداء السنن والمندوبات والكف عن المكروهات، إنّ التحديد الواضح الدقيق لعناصر كل قسم من أقسام الإيمان الثلاثة الخاصة به، يضبط باب الإيمان والكفر ويمنع من الخطأ في هذا العلم سواء بالتفريط أو الإفراط، فمن لم يحقق عناصر أصل الإيمان الثلاثة جميعها، فهو كافر الكفر الأكبر المستحق للخلود الأبدي في النار، ومن حقق عناصر الأصل واقتصر عليها فهو مؤمن ولكن إيمانه ناقص يستحق بسبب نقص إيمانه دخول النار إلا أنه لا يخلد فيها خلود الكافرين، ويخرج من النار إلى الجنة بشفاعة الرحمن، ومن زاد على عناصر الإيمان الأصل ولكنه لم يبلغ الإيمان الواجب فهو ظالم لنفسه، لعدم بلوغه الإيمان الواجب، إلا أنه تحت المشيئة إن شاء الله تعالى أدخله النار وإن شاء عفى عنه، ولكنه إن دخل النار فلا يخلد فيها، ولكن يخرج منها متى شاء الله تعالى بشفاعة الشافعين من الأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين، وإن حقق عناصر الإيمان الواجب فإنه في مأمن من دخول النار، ويدخل الجنة ابتداء، بفضل الله وبما حقق من عناصر الإيمان الواجب، فإن اجتهد وزاد ودخل في عناصر الإيمان المستحب وما أكثرها ترقى في درجات الجنة وفق ما أتى من أعمال الإيمان المستحب، وهكذا فإن دراسة الإيمان على تلك الطريقة من الدقة والوضوح يتكون سببا في ضبط أسماء الملة وأحكامها جميعاً، دونما أدنى خلل سواء بالإفراط أو التفريط، وقد أكرمني الله تعالى (في الكتاب الثاني من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية كتاب مفاتيح علم الإيمان والكفر وفقه مسائله وأحكامه) بجمع قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يتعلق بفقه مسائل وأحكام الإيمان والكفر على منهاج أهل السنة والجماعة، منها ما يتعلق بالإيمان، ومنها ما يتعلق بالكفر، ومنها ما يتعلق بضوابط الشريعة العامة في باب الإيمان والكفر.
وأهم تلك القواعد التي تتعلق بالإيمان: (القاعدة الأولى): الإيمان قول وعمل، (القاعدة الثانية): الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، (القاعدة الثالثة) أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان، وليس بعده سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وهو لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، وهو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، (القاعدة الرابعة): أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار. وعناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، (القاعدة الخامسة): أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، (القاعدة السادسة): الإيمان الفرع قسمان: الأول: الإيمان الواجب، ويكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات، والقسم الثاني: الإيمان المستحب، ويكون إضافة إلى وجود عناصر أصل الإيمان، وعناصر الإيمان الواجب: التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات، (القاعدة السابعة) ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الثلاث (الإقرار والتصديق والانقياد) الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، (القاعدة الثامنة): كل ما عبر الشرع بأنه كفر، و كان بعيدا عن عناصر الأصل، فإنه كفر في إطار الملة وليس خارجها، وهو ضد لعناصر الإيمان الواجب القريبة من الأصل، ومثال ذلك الصلاة والحكم بما أنزل الله والولاء في الله، فإن تركها متى سلمت عناصر الأصل (الإقرار والتصديق والانقياد) كفر في إطار الملة وليس خارجها، وهو المعبر عنه عند الفقهاء بقولهم (كفر دون كفر) وصاحبه لا يخرج من الملة حتى يأتي على أصل الإيمان بناقض ينقضه، (القاعدة التاسعة): الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان وبالتالي فلا يكفر الكفر الاكبر حتى يأتي على أصل الإيمان بناقض ينقضه.
وأهم تلك القواعد التي تتعلق بمسائل الكفر وأحكامه: (القاعدة الأولى): الكفر الأكبر كفر اعتقاد، وكفر العمل لا يكون كفراً أكبر حتى يصاحبه زوال الاعتقاد بـزوال قـول القلب (تصديقه) أو بزوال عمله (انقياده)، و(القاعدة الثانية): الكفر الأكبر ضد لأصل الإيمان أو أحد عناصره، والكفر دون كفر ضد للإيمان الواجب، و(القاعدة الثالثة): الأعمال الكفرية كالسجود للأصنام والاستهزاء بالدين وسب الأنبياء وإهانة المصاحف وما شاكلها كفر عملي فيما يظهر للناس ولكنها في الحقيقة كفر اعتقاد ناشئ عن غياب عمل القلب من الانقياد والتعظيم، (القاعدة الرابعة): التولي عن الطاعة كفر أكبر إذا كان التولي بالقلب وهو كفر في إطار الملة إذا صحّ العقد والاعتقاد واقتصر التولي على كفر الجارحة، (القاعدة الخامسة): ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، وهو المقر بلسانه المعتقد للحكم بقلبه تصديقا وانقيادا واقتصر تفريطه على عمل الجارحة فقط، (القاعدة السادسة): ترك الصلاة، كفر أكبر للجاحد، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، اقرارا واعتقادا، وكان تفريطه في ترك عمل الجارحة تكاسلا، و (القاعدة السابعة): تولي الكافرين على المسلمين كفر أكبر للمستحل الناقض باستحلاله لأصل الإيمان، وكفر دون كفر لمن حافظ على أصل الإيمان، واقتصر تفريطه على عمل الجارحة فقط، وجميع تلك القواعد لا غنى عنها لطالب علم الإيمان، تمنعه من الإفراط أو التفريط في علم الإيمان، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي الثاني من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم الإيمان والكفر مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم الثالث]: (علم التوحيد وفقه مسائله وأحكامه): توحيد الإلهية هو المرادف لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله)، وتوحيد الإلهية يدخل فيه لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، فلابد من إعادة صياغة علم التوحيد بحيث يستوعب جميع تلك الاقسام دون أن نهمل أي قسم منها، ودون أن يكون هناك خلل بسبب إفراط أو تفريط في أي قسم من تلك الأقسام، وبهذا نخرج بعلم راسخ للتوحيد يحيط بكافة جوانبه العظيمة، لقد أدى القصور في فهم علم التوحيد عند الوهابية إلى إهمال قسم توحيد الذات (علم التقديس) أهم أقسام علم التوحيد فآل ذلك بهم إلى الجهل المركب في باب التنزيه واعتقاد الحشو ولوازم التجسيم في جناب ذات الباري تعالى وتقدس، كما أدى الجهل في فهم مفردات العبادة بسبب عدم التفريق بين أصل العبادة وصور العبادة، إلى اتهام الكثير من المسلمين بالشرك الأكبر، بسبب بعض أعمال الجهل والبدعة، وأدى ذلكم إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم، على أنهم مشركون، مع أنّهم مسلمون موحدون يقولون (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ويعتقدونها، ويقرون بها وينقادون لها. إنّ الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة، وقد وفق الله تعالى علماء الأصول أيما توفيق وسددهم ايما سداد في جعل ضابط الحكم في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الإلهية أو الربوبية أو شيئاً من مفرداتهما أو استحقاق العبودية فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا إلهيته أو ربوبيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، إن من الفقه في فهم معنى العبادة: أن نعلم أن العبادة لها أصل هو اعتقاد الإلهية أو الربوبية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه صورة العبادة، وبغير هذا الاعتقاد لا تكون عبادة، وصور العبادة تتمثل في العديد من هيئات العبادة كالسجود والصلاة والذبح والدعاء وغير ذلك من هيئات العبادة، فمن صرف السجود _ وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع _ لغير الله اعتقادا له بالإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبودية، فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الإلهية أو الربوبية أو استحقاق العبودية لمن سجد له فلا يكون عبادة، ومنه سجود الملائكة لآدم وسجود آل يعقوب ليوسف عليه السلام، هذا وإن كان النهي عن السجود لغير الله تعالى هو الذي جاء به الإسلام، ولكن من سجد بنية التكريم بغير اعتقاد، فلا يكفر عند الفقهاء، ولا يعد مشركاً بالله الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي معصية من المعاصي، (السجود) وهو غاية مظاهر التذلل والخضوع من صرفه لغير الله اعتقادا له بالربوبية والألوهية فهو مشرك بالله الشرك الأكبر ومن صرفه بغير اعتقاد الربوبية والألوهية لمن سجد له – كأن فعله تكريماً أو تعظيماً فلا يكون عبادة، ويمكن تعميم ذلك على بقية صور العبادة وإلحاقها بالأصل الذي قامت عليه، فإن كان الأصل اعتقاد إلهية من تُصرف إليه هذه الصورة أو اعتقاد ربوبيته فهذا شرك أكبر، وإن سلم الاعتقاد من الشرك، كان للصورة حكم مختلف، فما قيل في السجود يقال مثله في الدعاء، فمن دعا من يعتقد فيه صفات الإلهية أو الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن دعا بنية التوسل إلى الله تعالى بدعاء من يدعوه، فهذا باب آخر من أبواب الفقه موجود في أحكام التوسل، إلا أنه ليس من باب الشرك واتخاذ آلهة من دون الله، وما قيل في السجود وفي الدعاء يقال مثله في الذبح، فمن ذبح لمن يعتقد فيه صفات الإلهية أو الربوبية او بعضها فهذا من الشرك الاكبر، ومن ذبح بغير نية التعبد واعتقاد ربوبية المذبوح له، فهذا لا يدخل في باب الشرك الاكبر، ويقال مثل ذلك في النذر، فمن نذر لمن يعتقد فيه الإلهية أو الربوبية أو بعض صفاتهما، فهذه عبادة صرفها لغير الله تعالى شرك أكبر، وإن كان النذر خاليا من ذلك الاعتقاد فليس بعبادة، وخلاصة الفقه في هذا الباب: أنّ الشرك الأكبر المنافي لتوحيد العبودية هو صرف العبادة إلى غير الله مع اعتقاد وجود نوع من شراكته مع الله في شيء الربوبية أو الألوهية، كأن يعتقد فيه نوع من التدبير والتصريف باستقلال عن الله، أو شفاعة ملزمة على الله، أو استحقاق أن يعبد من دون الله، فمن صرف مفردات العبادة من السجود والدعاء وغيرها لمن يعتقد شراكته مع الله في صفات الربوبية أو الالوهية فقد أتى بالشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن مات مصراً عليه، ومن كان اعتقاده سليما فلا يصح اتهامه بالشرك الأكبر، إذن ضابط الشرك الأكبر في العبادة يكون باعتقاد استحقاق غير الله تعالى للعبادة، وهذا الضابط هاهنا هام جداً كضابط لمسائل الشرك، والقاعدة المهمة في ضبط مسائل الشرك: هي أن الشرك الأكبر اعتقادي والشرك الأصغر عملي: فلا يكون العمل الشركي دالا على الشرك الأكبر إلا باعتقاد ألوهية غير الله واستحقاق غيره للعبادة، وهذا الضابط هو العاصم من التكفير واتهام المسلم بالشرك الاكبر المخرج من الملة، وقد أكرمني الله تعالى في (الكتاب الثالث: من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية كتاب مفاتيح علم التوحيد والشرك وفقه مسائله وأحكامه) بجمع قواعد رصينة مستنبطة من الكتاب والسنة تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يتعلق بفقه مسائل وأحكام التوحيد والشرك على منهاج أهل السنة والجماعة، وضمنتها كافة أقسام التوحيد، وتناولت من خلالها بيان: قواعد التوحيد والتقديس التي تمنع من الإلحاد في جناب ذات الله تعالى ونسبة المحال إليه، وبيان الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد الربوبية، وبيان الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية، وبيان الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في باب الشرك، وتعقيبات على أخطاء في باب التوحيد والشرك تهذب هذا العلم على منهاج لأهل السنّة والجماعة، وتناولت بيان مسائل فقهية خلافية ألحقت بباب التوحيد والشرك وليست منه، وتناولت بيان قسم توحيد العارفين والمحسنين والمقربين (توحيد الله تعالى على الشهود)، وبيان مناهج التزكية عند أهل السنّة والجماعة لبلوغ منزلة توحيد اهل الشهود والعرفان، وبيان أن التوحيد بأقسامه عقيدة وشريعة وسلوك ومنهاج حياة متكامل، وهذه الأقسام العشرة بقواعدها ومباحثها التي أصلها علماء أهل السنة والجماعة، كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم التوحيد وغالب مباحثه التي تحول دون الخلل في فهم التوحيد من كافة جوانبه، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي الثالث من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم التوحيد والشرك مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم الرابع]: (علم الاتباع وفقه مسائله وأحكامه): وذلك بجمع كافة مباحثه وقواعده، والجمع بينها في تناسق فريد وفقه سديد دونما إفراط أو تفريط، إنّ الجهل بعلم الاتباع والسنّة، وفقه مسائله وأحكامه وفق هدي علماء أهل السنة والجماعة، أدى إلى الغلو في التبديع وتبديع من ليس بمبتدع، إنّ من أهم الأهداف الشرعية من دراسة: علم السنة والبدعة على منهاج أهل السنة: هو القضاء على فوضى التبديع بين طوائف أهل السنّة والجماعة، والتأكيد على حُرمة أهل (لا إله إلاّ الله محمـد رسول الله) وحفظ حقوقهم الشرعية دون تعدي على أحد منهم بتبديع لا يستحقه أو ظلم لا يُـناسبه، وقد أكرمني الله تعالى في (الكتاب الرابع): من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية كتاب مفاتيح علم الاتباع والابتداع وفقه مسائله وأحكامه: بجمع أصول هذا العلم، والمتمثل في فقه الآيات والاحاديث الواردة في مسألة البدعة من خلال أقوال مذاهب أهل السنة والجماعة الراسخة في علم الفقه، ومعرفة أهم رؤوس البدع الضالة العريضة الأربعة (الخوارج والشيعة المعتزلة والحشوية)، ومعرفة أصول البدع الضالة عند هؤلاء، وبيان البدع المعاصرة التي عمت بها البلوى في زماننا كبدعة الغلو في مسائل التكفير، وبدعة الحشو في مسائل التقديس، وبدعة الغلو في مسائل الشرك، وبدعة الغلو في مسائل التبديع، والتفريق بين الخلافات الفرعية بين علماء المذاهب الأربعة وبين البدع، وأن هذه الخلافات إنما هي من باب الاجتهاد الفقهي وليست من باب البدع، وأنها داخل إطار أهل السنة والجماعة الناجية، لا يبدع بها إلا حشو ضال وقع في الغلو في باب السنة والبدعة بسبب جهله بضوابط أهل الحق في هذا الباب.
وكذلك لابد في هذا العلم الجليل من معرفة شروط بدعة الضلالة عند من قال من الفقهاء أن كل بدعة لا تكون إلا ضلالة، وأهمها: (أ) أن يكون مجالها في الدين ويقصد بها القربة إلى الله تعالى، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، والأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (ب) أن تخالف الشرع، إذ لو وافقت أدلة الشرع أو مقاصده فلا تكون بدعة، و (ت) أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ضلالة، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة ضلالة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة.
ولابد من معرفة شروط البدعة الحسنة عند من قسم المحدثات، فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بثلاثة شروط استنبطها هؤلاء الفقهاء من أدلة الكتاب والسنة وهم جمهور أهل الفقه: (أ) أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه، (ب) أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، (ت) لا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا أدت إلى إلغاء سنة صارت بدعة مذمومة، (ث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير.
وكذلك لابد من معرفة القواعد والضوابط المهمة لفقه مسائل البدعة عند أهل السنّة والجماعة، ومن ذلك: (ا) الفقه في مسألة الترك وضابطها الرصين، (ب) والفقه في مسالة العمل بالحديث الضعيف وعدم جواز تبديع القائل به، وأنه لا تبديع ولا تفسيق في المسائل الخلافية بين المذاهب المعتمدة، (ت) وضرورة التفريق بين البدعة الأصلية والبدعة الإضافية، (ث) وضرورة التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية، (ج) ومعرفة أنّ كل ما ورد في الشرع أو جاء عن السلف في التحذير عن البدع المقصود به بدع الاعتقاد التي تشق صف الأمة، ولا يُحمل على الخلافات الفقهية أبدا، ومن يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي الرابع من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم السنّة والبدعة مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العلم على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم الاتباع والابتداع (علم السنّة والبدعة) وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم الخامس]: (علم الانتساب إلى أهل القبلة) للقضاء على فوضى العداء واستحلال الحرمات بين أهل القبلة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال معرفة من هو المسلم وما هو إطاره الصحيح الواسع، وما هي حقوق المسلم على المسلم، وما هي قواعد الشريعة العامة التي تتعلق بحفظ حرمات المسلم، وكيف يمكن تقنين الخلاف بين المسلمين بما يمنع الهرج والمرج فيما بينهم، ومعرفة الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة، ف (المسلم): هو كل من قال (لا إله إلا الله – محمد رسول الله): مقرا لها بلسانه، معتقدا لها بقلبه، هذا المسلم: لا نكفره بذنب ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا بدعة حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، ولما كان حال القلب لا يطلع عليه إلا الله، فإن المسلم عندنا هو كل من قال (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله)، مقرا بها منقادا لها، فمن نطق بهما بلسانه مستيقنا بهما فإنه يحكم بإسلامه الظاهـر والله يتـولى السرائـر، ومن مات عليهما استوجب وعد الله تعالى الجنة وإن دخل النار عُذّب فيها بقدر ذنوبه إلاّ أنه لا يخلد فيها خلود الجاحدين ومآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ووعده أنه لا يخلف الميعاد، ومن أقر بهما فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بناقض ينقضهما، ونواقض الشهادتين: هي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، وتتمثل في: إنكار معلوم من الدين بالضرورة أو استحلال ما حرّم الله تعالى أو جحد فريضة من فرائض الله تعالى، أو الطعن في دين الله تعالى أو شيء منه، والطعن يكون بالتكذيب أو السب أو الشك أو الاستهزاء، والتكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله، فلا يكفي فيه مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، من استحلال الدماء والأموال والأعراض، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحكم بالتكفير على مسلم لم يبلغ حد الكفر الأكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) ([60]) .
إذن: المسلم هو كما عرفه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى،، قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته) ([61]) .
ولا يصح تفريغ الحديث من معناه، فمن صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا، ولا أن يسبي بعضهم بعضا، وفي هذا المسلم قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([62]) .فلا يصح أن يهلك بعضها بعضا، ولا أن يسبي بعضهم بعضا، و المسلمون أمة واحدة من دون الأمم، هم المؤمنون بالله ورسوله ومن عداهم كفار بالله جاحدون لنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، و الأصل بين المسلمين هو التآلف والتكامل والتراحم، والتعاون على ما يحقق الخير للإسلام والمسلمين، قال تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقال تعالى {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 102، 103]، و قال تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2]، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]، وقال صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ([63]) . وقال صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ([64]) . وقَالَ صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظْلِمهُ، وَلاَ يُسْلمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَة أخيه، كَانَ اللهُ في حَاجَته، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ) ([65]) . وقال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ) ([66]) .
ونقاط الالتقاء والتفاهم بين جميع المسلمين من اهل الفرق الإسلامية فضلا عن المذاهب الإسلامية كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة ومحدودة وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر في الانتماء إلى الإسلام، نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي أصول لا غنى عنها، الدين واحد والإله واحد والرسول واحد والقرآن واحد، وشهادة الانتساب إلى الدين واحدة: (شهادة أن لا اله إلا اللّه، وان محمدا رسول اللّه)، وأركان الدين واحدة والعبادات واحدة، العدو المشترك لها واحد، هذه بعض أصول الوحدة ونقاط الالتقاء، أما نقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة جدا، وكل نقاط الخلاف فروع لا تؤثر، وبعضها يقوم على نصوص ظنية الدلالة، وكل ما هو ظني فإنما يخضع للاجتهاد، والقاعدة في الاجتهاد هي حديث النبي (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ([67]) .
فلا يصح أن يكون مجال الاجتهاد سببا للتفرقة والمبادرة إلى سل سيف التكفير لمن أخطأ،و تكمن المشكلة في أن البعض من المغرمين بالفرقة والخلاف والتنازع يتركون نقاط الاتفاق، ويتصورون الخلاف قبل الوفاق، وينسون مواطن الاتفاق ويبتعد عن أذهانهم جوانب الالتقاء مع انها أصول الإسلام، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي الخامس من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم الانتساب إلى اهل القبلة مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العلم على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم الانتساب إلى أهل القبلة، وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم السادس]: (علم الانتساب إلى أهل السنة والجماعة الناجية): وذلك باعتماد المرجعية العلمية المؤصلة واحترام المدارس العلمية المتخصصة في علوم الدين، ويمثل إطار أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بالطرق الصوفية، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وبهذا صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل هؤلاء، وهم سواد المسلمين الأعظم، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم، ولا شك أنّ هناك أخطاء وقصور عند تلك الطوائف كما هو القصور عند الأشخاص، ولكنه قصور في إطار أهل السنّة والجماعة يمكن تقويمه من خلال الحكمة والموعظة الحسنة، وقد أكرمني الله تعالى في الكتاب السادس من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية كتاب مفاتيح علم الانتساب إلى الجماعة الناجية) بجمع قواعد رصينة مستنبطة من أقوال العلماء تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يتعلق بإطار السنة والجماعة الناجية الواسع الصحيح، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في هذا الكتاب مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العلم على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم الانتساب إلى الجماعة الناجية ومدارسها المتخصصة في كافة علوم الدين وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم السابع]: (علم السياسة الشرعية)، لاشك أن علم السياسة الشرعية، علم عظيم ومهم لا يتقنه إلا الراسخون في العلم الحريصون على أمة النبي صلى من الهرج والمرج والفوضى والاختلاف، والذين يقدمون مصلحة الأمة العامة واستقرارها وأمنها وأمانها على المصالح الجزئية، وهذا العلم يضبط حقوق الحكام كما حفظها لهم الإسلام، ويضبطها من التعدي عليها أو الافتئات عليها، فيتفرغ الحاكم والعالم كلٌ لأداء مهامه، بما يوافق شرع الله، وبما يؤهل الجميع لخدمة الدين، دونما غلو أو تفريط، وقد أكرمني الله تعالى في الكتاب السابع من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية كتاب مفاتيح علم السياسة الشرعية الإسلامية وفقه مسائلها وأحكامها) بجمع قواعد رصينة مستنبطة من أقوال العلماء تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يتعلق بضبط هذا العلم، ومن تلك القواعد التي تضبط حقوق الحكام: القاعدة الأولي: مكانة ولي الأمر في الشرع، القاعدة الثانية: نصب الإمام فرض واجب على المسلمين، القاعدة الثالثة: وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، القاعدة الرابعة: من غلب فتولي الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته، القاعدة الخامسة: إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة وتم له التمكين واستتب له الأمر وجبت طاعته، وحرمت معصيته، القاعدة السادسة: يصح في الاضطرار تعدد الأئمة، ويأخذ كل إمام منهم في قطره حكم الإمام الأعظم، القاعدة السابعة: الأئمة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم هم الأئمة الموجودون المعلومون، الذين لهم سلطان وقدرة، القاعدة الثامنة: وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم في غير معصية، القاعدة التاسعة: مراعاة الشارع الحكيم لتوقير الأمراء واحترامهم، القاعدة العاشرة: من أهم حقوق الحاكم المسلم: بذل النصيحة والدعاء للحاكم،، إن التزام تلك القواعد يمنع من الهرج والمرج والفتن، ويحقق الاعتدال الشرعي في مسائل السياسة الشرعية بين أولياء الامور والرعية، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي السابع من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم السياسة الشرعية مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في العلم على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم السياسة الشرعية وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم الثامن]: (علم العقيدة): على منهاج أهل السنة والجماعة الناجية)، وذلك باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة، وتوجيه طالب علم العقيدة إلى الطريق القويم نحو طلب علم العقيدة على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد، وعلى أهله المتخصصين فيه، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم العقيدة واحترفت تدريسها على أفضل الطرق التعليمية، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب قد لا تؤدي إلى الرسوخ في علم العقيدة، وفي الإحاطة بمباحثه ومسائله وقواعده وأحكامه، وقد استقر لأهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهي (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وكل من حاول النيل من إحداها فإنه متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة، لأنها مدارس أهل السنة والجماعة في باب العقيدة وأصول الدين على مر عصور الإسلام، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في هذا الكتاب، وهو الكتاب الثامن من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم العقيدة الإسلامية الصحيحة المتخصصة وفق ما يرى علماء الأصول المتخصصون في العقيدة على منهاج اهل السنّة والجماعة، مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في علم العقيدة علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في علم العقيدة على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم العقيدة وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم التاسع]: (علم الفقه): على منهاج أهل السنة والجماعة الناجية)، وذلك باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة، وتوجيه طالب علم الفقه إلى الطريق القويم نحو طلب علم الفقه على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة الراسخين في العلم والاعتقاد، وعلى أهله المتخصصين فيه، وعلى مدارسه التي تأصلت واحترفت علم الفقه واحترفت تدريسه على أفضل الطرق التعليمية، في أقصر وقت وبأقل جهد دونما ضياع للأعمار في تجارب لا تؤدي إلا إلى الشذوذ الفقهي، وقد استقر لأهل السنة والجماعة) في علم الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، لا خامس لها إلا الشذوذ الفقهي، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي التاسع من هذه السلسلة (مفاتيح العلوم الإسلامية)، كتاب مفاتيح علم الفقه مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الفقه المتخصصون في علم الفقه علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات العلماء المتخصصين في علم الفقه على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن علم الفقه التخصصي وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم العاشر]: (علم التزكية والإحسان): (التصوف) على منهاج أهل السنة والجماعة الناجية)، وذلك باستمداد قواعده من مدارسه المتخصصة، وتوجيه طالب التزكية إلى الطريق القويم نحو طلب التزكية على منهاج علماء أهل السنّة والجماعة، وعلى أهله المتخصصين فيه، وقد تنوعت الطرق التربوية والتزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وإصلاح الاخطاء لا يكون إلا في إطار تلك المدارس المتخصصة، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي العاشر من هذه السلسلة (مفاتيح العلوم الإسلامية)، كتاب مفاتيح علم التصوف السنّي الرشيد مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء التصوف المتخصصون فيه علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال مئات الاولياء المرشدين المتخصصين في العلم والسلوك على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن (التصوف السنّي الرشيد) وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من كافة جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
[العلم الحادي عشر]: (علم الاحاطة بجوانب دين الإسلام): والبلوغ به إلى ذروة سنام الفهم الواسع لدين الإسلام والمحيط بأكثر جوانبه الفكرية والعلمية والعملية والاخلاقية، وقد أكرمني الله تعالى في الكتاب الحادي عشر من سلسلة مفاتيح العلوم الشرعية كتاب مفاتيح علم الإحاطة بجوانب الدين) بجمع قواعد رصينة مستنبطة من أقوال العلماء تؤهل دارسها للعلم الراسخ بما يتعلق بضبط هذا العلم، وقد تناولت فيه الاحاطة بجوانب الدين من خلال عشرة أقسام عريضة تتعلق بالفهم الراسخ والثقافة العالية بدين الإسلام، وتتناول الفهم الصحيح للإسلام ولمعنى شهادة الإسلام، ومراتب الإسلام وعلوم الإسلام وأخلاق الإسلام، والفهم الصحيح الشامل لرسالة الدين العملية على أرض الله وبين عباد الله، والفهم الصحيح الشامل لأنظمة الدين المتكاملة التي تتناول كافة جوانب الحياة، والفهم الصحيح للسياسة الشرعية وبيان القواعد الشرعية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والرعية على طريقة أهل الفقه بالكتـاب والسنّة والتي تتميز بترجيح مصلحة الأمة العامة واستقرارها وأمنها وأمانها على المصالح الجزئية، والفهم الصحيح لجوانب الكمال والشمول والاعتدال والحسن والعظمة والرحمة في دين الإسلام، وقد كان همي وجهدي -بحمد الله تعالى- في كتابي الحادي عشر من هذه السلسلة مفاتيح العلوم الإسلامية، كتاب مفاتيح علم الإحاطة بجوانب الإسلام مركزا على لبنات هذا العلم الجليل وفق ما قررها علماء الأصول المتخصصون في هذا العلم علما صافيا مهذبا مضمونا لأنه خلاصة زبدة العلم من أقوال العلماء المتخصصين في العلم على منهاج اهل السنة والجماعة وتلك اللبنات الصحيحة كفيلة إن شاء الله تعالى بإعطاء صورة متكاملة عن جوانب هذا الدين القيم العظيم، وكافة مباحثه التي تحول دون الخلل في فهمه من أهم جوانبه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
***
(المبحث الثامن) الأمور الفرعية التي لا يضر فيها الخلاف بين مدارس أهل السنّة والجماعة المتخصصة في العقيدة
[المفتاح الأول]: مدارس التخصص الدقيق هي الأشعرية والماتريدية ولذلك تخلو المدرستين من تبني المحالات العقلية في العقيدة، وأهم ما يختلف فيه الماتريدية عن الأشاعرة في العقيدة: والطائفتان كلتاهما على التقديس والتنزيه، وكلتاهما واقف على ثغور عقيدة أهل السنّة والجماعة، يدافعان عن عقيدة الفرقة الناجية تجاه الخوارج والروافض، وتجاه المعتزلة والمجسمة والحشوية وكافة الفرق الضالة، قال الإمام السبكي – في بيان توافق العقيدتين: (أنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة، لا أستثني أحدا، والشافعية غالبهم أشاعرة، لا أستثنى إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال ممن لا يعبأ الله به والحنفية أكثرهم أشاعرة أعنى يعتقدون عقد الأشعري لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج منهم عن عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من غيرهم، وقد تأملت عقيدة أبى جعفر الطحاوي فوجدت الأمر على ما قال الشيخ الإمام وعقيدة الطحاوي زعم أنها الذى عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ولقد جود فيها ثم تفحصت كتب الحنفية فوجدت جميع المسائل التى بيننا وبين الحنفية خلاف فيها ثلاث عشرة مسألة منها معنوي ست مسائل والباقي لفظى وتلك الست المعنوية لا تقتضى مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم فيها تكفيرا ولا تبديعا صرح بذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم وهو غنى عن التصريح لظهوره ومن كلام الحافظ الأصحاب مع اختلافهم في بعض المسائل كلهم أجمعون على ترك تكفير بعضهم بعضا مجمعون بخلاف من عداهم من سائر الطوائف وجميع الفرق فإنهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم بعضا ورأى تبريه ممن خالفه فرضا، وهذا حق وما مثل هذه المسائل إلا مثل مسائل كثيرة اختلفت الأشاعرة فيها وكلهم عن حمى أبى الحسن يناضلون وبسيفه يقاتلون أفتراهم يبدع بعضهم بعضا ثم هذه المسائل لم يثبت جميعها عن الشيخ ولا عن أبى حنيفة رضى الله عنهما كما سأحكى لك ولكن الكلام بتقدير الصحة ن ولى قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها مع تصويب بعضهم بعضا في أصل العقيدة ودعواهم أنهم أجمعين على السنة) أهـ([68]) .
(قلت) ولابن كمال باشا رسالة في الاختلاف بين الأشاعرة والماتريدية، قال فيها: (اعلم أن الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة ومقدمهم، ثم الشيخ أبو منصور الماتريدي، وإن أصحاب الشافعيّ وأتباعه تابعون له، أي لأبي الحسن الأشعري في الأصول وللشافعيّ في الفروع، وإن أصحاب أبي حنيفة تابعون للشيخ أبو منصور الماتريدي في الأصول، ولأبي حنيفة في الفروع، كما أفادنا بعض مشايخنا رحمه الله تعالى، ولا نزاع بين الشيخين وأتباعه إلا في اثني عشر مسألة، (الأولى): قال الماتريدي: التكوين صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كجميع صفاته، وهو غير المكوّن، ويتعلق بالمكوّن من العالم، وكل جزء منه بوقت وجوده كما أن إرادة الله تعالى أزلية يتعلق بالمرادات بوقت وجودها، وكذا قدرته تعالى الأزلية مع مقدوراتها، وقال الأشعريّ: إنها صفة حادثة غير قائمة بذات الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية عنده لا من الصفات الأزلية، والصفات الفعلية كلها حادثة كالتكوين والإيجاد، ويتعلق وجود العالم بخطاب كن، و(المسألة الثانية) قال الماتريدي: كلام الله تعالى ليس بمسموع، وإنما المسموع الدال عليه، وقال الأشعريّ: مسموع كما هو المشهور من حكاية موسى عليه السلام، قال ابن فورك: المسموع عند قراءة القارئ شيئين: صوت القارئ وكلام الله تعالى، وقال القاضي الباقلاني: كلام الله تعالى غير مسموع على العادة الجارية، ولكن يجوز أن يسمع الله تعالى من شاء من خلقه على خلاف قياس العادة من غير واسطة الحروف والصوت، قال أبو إسحاق الإسفرايني ومن تبعه: أن كلام الله تعالى غير مسموع أصلا، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي كذا في البداية، و(المسألة الثالثة): قال الماتريدي: صانع العالم موصوف بالحكمة سواء كانت بمعنى العلم أو بمعنى الإحكام، وقال الأشعري: إن كانت بمعنى العلم فهي صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى، وإن كانت بمعنى الإحكام فهي صفة حادثة من قبيل التكوين، لا يوصف ذات الباري بها، و(المسألة الرابعة): قال الماتريدي: إن الله يريد بجميع الكائنات جوهرا أو عرضا طاعة أو معصية، إلا أن الطاعة تقع بمشيئة الله وإرادته وقضائه وقدرته ورضائه ومحبته وأمره، وإن المعصية تقع بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه لا برضائه ومحبته وأمره، وقال الأشعريّ: إن رضاء الله تعالى ومحبته شامل بجميع الكائنات كإرادته، و(المسألة الخامسة) تكليف ما لا يطاق ليس بجائز عند الماتريدي، وتحميل مالا يطاق عنده جائز، وكلاهما جائزان عند الأشعريّ، و(المسألة السادسة): قال الماتريدي: بعض الأحكام المتعلقة بالتكليف معلوم بالعقل، لأن العقل آلة يدرك بها حسن بعض الأشياء وقبحها، وبها يدرك وجوب الإيمان وشكر المنعم، وإن المعرف والموجب هو الله تعالى، لكن بواسطة العقل كما أن الرسول معروف الوجوب والموجب الحقيقي هو الله تعالى لكن بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، ألا يرى خلق السموات والأرض؟! ولو لم يبعث رسولا، لوجب على الخلق معرفته بعقولهم، وقال الأشعري: لا يجب شيء ولا يحرم إلا بالشرع لا بالعقل، وإن كان للعقل أن يدرك حس بعض الأشياء، وعند الأشعريّ جميع الأحكام المتعلقة بالتكليف تلقاه بالسمع، و(المسألة السابعة) قال الماتريدي: قد يسعد الشقيّ وقد يشقى السعيد، وقال الأشعريّ: لا اعتبار بالسعادة والشقاوة إلا عند الخاتمة والعاقبة، و(المسألة الثامنة) العفو عن الكفر ليس بجائز، وقال الأشعريّ: يجوز عقلا لا سمعا، و(المسألة التاسعة): قال الماتريدي: تخليد المؤمنين في النار، وتخليد الكافر في الجنة لا يجوز عقلا، ولا سمعا، وعند الأشعري: يجوز، و(المسألة العاشرة): قال بعض الماتريدية: الاسم والمسمى واحد، وقال الأشعريّ: بالتغاير بينهما وبين التسمية، ومنهم من قسم الاسم إلى ثلاثة أقسام: قسم عينه، وقسم غيره، وقسم ليس بعينه ولا بغيره، والاتفاق على أن التسمية وغيرها وهي ما قامت بالمسمى، كذا بداية الكلام، و(المسألة الحادية عشر): قال الماتريدي: الذكورة شرط في النبوة، حتى لا يجوز أن يكون الأنثى نبيا، وقال الأشعريّ: ليست الذكورة شرطا فيها، والأنوثة لا تنافيها، كذا في بداية الكلام، و(المسألة الثانية عشر): قال الماتريدي: فعل العبد يسمى كسباً لا خلقاً، وفعل الحق يسمى خلقاً لا كسباً، والفعل يتناولهما، وقال الأشعري: الفعل عبارة عن الإيجاد حقيقة، وكسب العبد يسمى فعلاً بالمجاز، وقد تفرد القادر خلقاً وما لا يجوز تفرد القادر به كسباً) أهـ. [تمت الرسالة لابن كمال باشا رحمه الله تعالى]
ومنه نعلم أنّ خلافهم في أدق الفروع وأما أصول التقديس والتنزيه فهما على الجادة والصواب متفقون، و(الخلاصة):، جناحا أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العقائد هما المذهبان الأشعري والماتريدي، وكم جعل الله على أيديهما حلاً لمشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعا ادلة الكتاب والسنّة في مسالة الكلام ونزلا كل دليل على مرتبته الخاصة به، حلا شيفرة الإيمان والكفر، وحلا شيفرة القضاء والقدر، وحلا شيفرة الآل والصحب، وحلا شيفرة السنّة والبدعة، (الأشاعرة والماتريدية) هم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والوهابية والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن العلاج، واجلى بيان، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة والجهمية الجبرية واكثر الفرق إلا هم بحمد الله، وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي اكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين.
[المفتاح الثاني]: المدرسة السلفية اليوم فريقان الأثرية على وفاق تام في التقديس والتنزيه مع الأشاعرة والماتريدية، وهؤلاء يمثلون مع الاشاعرة والماتريدية رؤوس المثلث الذي يمثل اهل السنّة والجماعة في العقيدة، وفريق حشوي بدعي ضال لا علاقة له بإطار أهل السنّة والجماعة في العقيدة، وهذا الفريق الضال له علامتان، الأولى: اتباع ابن تيمية وابن عبد الوهاب في الأخطاء العقائدية التي تبناها كلاهما، والثانية الوقيعة في أئمة التخصص العقدي الإسلامي الأشاعرة والماتريدية.
[المفتاح الثالث]: الأثرية كما اتفقنا هم الضلع الثالث من أضلاع مذهب اهل السنّة والجماعة في العقيدة، ولكنهم على الجادة في كل ما وافقوا فبه احدي المدرستين المتخصصتين في العقيدة، ولكن لعدم التخصص الدقيق جدا والتفرغ له، وذلك لأننا نرى هناك متفرغون لإقرار مسائل واحكام العقيدة في المدرستين الاشعرية والماتريدية، ولكن لا نرى مثل هذا التفرغ والتخصص الدقيق عند الأثرية، فنجد جنوح البعض عن جادة الصواب في المسائل الدقيقة والمسالك الوعرة والمفاوز الخطرة، من مسائل العقيدة، فجد عندهم أخطاء هي من باب المحالات، كمثل ترجيح بعضهم لقدم الصوت والحرف وهو محال، مهما تكلموا في ذلك، فالأساس باطل، والبناء منحرف، ونجد كذلك ذهول بعضهم عن مسألة الكلام النفسي وهو بمثابة المفتاح لصفة الكلام الازلي القديم، فمهما تكلموا في صفة الكلام اخطئوا، ولسنا بصدد الكلام عن الذين وقفوا على الحرف ما بين الاثرية والحشوية، فتارة أثرية وتارة حشوية كابن قدامة والذهبي فلهم أخطاء هي من باب المحالات في باب العقيدة، لا يستطيعون فهمها ولا هضمها لانهم يعوزهم دراسة مقدمات الإلهيات وقواعد التقديس والتنزيه، وهذه نادرا ما فُتح لهم فيها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
[المفتاح الرابع]: اما المتنسبون إلى أهل السنّة والجماعة زورا وبهتانا من التيميين والوهابيين فهؤلاء في حقيقة الامر قطاع طرق على عقيدة التقديس التي اكرم الله تعالى بها علماء التخصص العقدي الإسلامي كالإمام الأشعري والإمام الماتريدي واتباعهما ممن يصعب عليهم العد والحصر، وهؤلاء التيميون والوهابيون فهم حشوية مجسمة يقولون في الإلهيات بالحس والجهل والمحال وليس ادل على ذلك من قولهم على صفات الله قديمة النوع حادثة الآحاد، وانه يقبل في ذاته الحد والمقدار وانه يقبل الجهة والمكان وانه يتأثر بالزمان وانه يقبل في ذاته التفير والحدوث وغير ذلك من عقائد الحشوية والمجسمة والكرامية والسالمية، أراح الله الامة منهم ومن جهلهم المركب ومن كلامهم على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولعل هذا يفسر لنا لماذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء لنجد وانها أرض الفتن ورأس الكفر وأن منها يطلع قرن الشيطان كما في الاحاديث الصحاح في البخاري ومسلم نسأل الله السلامة، وسيأتي ذكر ذلك في الباب السادس المبحث الثاني : الوهابية التيمية.
***
([1]) سبق تخريجه وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ج1/157.
([2]) العقيدة الطحاوية، ص 249.
([3]) العقيدة الطحاوية، ص 249.
([4]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([6]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([7]) تفسير ابن أبي حات 2/640.
([10]) صحيح البخاري 4/172 ح 3465. صحيح مسلم 3/2099 ح 2743.
([11]) صحيح مسلم 4/1976 ح 2550.
([12]) صحيح البخاري 6/190 ح 5081. صحيح مسلم 1/548 ح 796.
([13]) الطبقات الكبرى لابن سعد 4/ 289 ط: دار صادر بيروت.
([14]) مسند أحمد 21/351 ح 13870.
([15]) صحيح البخاري 1/124 ح 602 ،صحيح مسلم 3/1627 ح 2057.
([16]) صحيح البخاري 4/67 ح 3045.
([17]) المصدر السابق 5/106 ح 4093.
([18]) الطبقات الكبرى 8/ 224. دلائل النبوة للبيهقي 6/ 125.
([19]) المستدرك للحاكم 2/ 675 وأبو نعيم في حلية الأولياء1/ 369.
([20]) حلية الأولياء 1/ 350. شعب الإيمان 7/ 331.
([21]) مسند أبو يعلى 13/ 109 7186 والطبراني 4/ 105ح 3809.
([22]) سنن الترمذي 5/649 ح 3751.
([24]) مسند أبو يعلى 2/ 287 ح 962.
([29]) تاريخ دمشق لابن عساكر 24/ 356.
([30]) كرامات الأولياء اللالكائي ص 260.
([31]) حلية الأولياء6/ 155 تاريخ دمشق37/ 226.
([32]) صحيح مسلم 4/1967 ح 2541.
([33]) سنن ابن ماجة 1/112 ح 162.
([34]) صحيح البخاري 9/47 ح7055. صحيح مسلم 3/1472 ح 1843.
([35]) صحيح مسلم 3/1475 ح 1847.
([36]) صحيح مسلم 3/1483 ح 1856.
([37]) صحيح البخاري 4/49 ح ح (2955)، صحيح مسلم 3/1333 ح (1709).
([38]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1854.
([39]) المصدر السابق 3/1474 ح1846.
([40]) صحيح البخاري 9/47 ح 7053. صحيح مسلم 3/1478 ح 1851.
([41]) صحيح مسلم 3/1467 ح 1836.
([42]) المصدر السابق 3/1467 ح (1837).
([43]) صحيح البخاري 9/62 ح7142.
([44]) صحيح البخاري 9/47 ح 7052.
([45]) صحيح مسلم 3/1480 ح 1853.
([46]) صحيح مسلم 3/1479 ح1852.
([47]) صحيح البخاري 4/169 ح 3455، صحيح مسلم 3/1471 ح 1842.
([48]) صحيح البخاري 9/49 ح 7068.
([49]) مسند أحمد 14/124 ح 8396، سنن الترمذي 5/25 ح 2640.
([50]) سنن ابي داود 7/6 ح 4597.
([51]) مسند أحمد 19/241 ح 12208، سنن ابن ماجة 5/130 ح 3993.
([54]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.
([55]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.
([56]) صحيح البخاري 9/108 ح 7352، صحيح مسلم 3/1342 ح 1716.
([57]) سنن الترمذي 5/47 ح 2680.
([58]) مسند ابي داود الطيالسي 1/244 ح 307، حلية الأولياء 9/65.
([60]) صحيح البخاري 8/26 ح 6104، صحيح مسلم 1/79 ح 60 واللفظ له.
([61]) صحيح البخاري 1/87ح 391.
([62]) صحيح مسلم 4/1986 ح 2564.
([63]) صحيح البخاري 3/129 ح 2446.
([64]) صحيح مسلم 4/1999ح 2586.
([65]) صحيح البخاري 3/128 ح 2442.