المبحث الرابع عشر التصوف وسلامة القلب من أمراضه
من احسن الكتب التي تناولت سلامة القلب وطهارته من كبائره ومعاصيه، كتاب إحياء علوم الدين للإمام حجة الإسلام الغزالي، فإنه لم يكتب مثله في بابه، ومما جاء فيه في بيان سلامة القلب وطهارته، قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 و 89]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ([1]) .
فالقلب السليم هو الخالي من الامراض القلبية، والقلب المريض هو الحامل لتلك الامراض، قال تعالى: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، وأمراض القلب هي تلك الأخلاق الرذيلة، علاجها يكون بضدها، فيعالج مرض الجهل بالعلم، ومرض البخل بالسخاء، ومرض الكبر بالتواضع، وكما أنه لابد من احتمال مرارة الدواء، وشدة الصبر عن المشتهيات لصلاح الأبدان المريضة، فكذلك لابد من احتمال المجاهدة، والصبر على مداومة مرض القلب بل ذلك أولى.
فمن أمراض القلب: (الغضب)، ومما يدل على ذم الغضب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرجل الذي قال له: أوصني، قال: (لا تغضب)، فردد عليه مراراً، قال: (لا تغضب)، ([2]) .
وفى المتفق عليه من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) ([3]) .
، ومن الأسباب المهيجة للغضب: العجب، والمزاح، والمماراة، والمضادة، والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهذه الأخلاق رديئة مذمومة شرعاً، فينبغي أن يقابل كل واحد من هذه بما يضاده، فيجتهد على حسم مواد الغضب وقطع أسبابه، وأما إذا هاج الغضب فيعالج بأمور: أحدها: أن يتفكر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ، والعفو، والحلم، والاحتمال، والثاني: أن يخوف نفسه من عقاب الله تعالى، وهو أن يقول: قدرة الله على أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت فيه غضبى، لم آمن أن يمضى الله عز وجل غضبه على يوم القيامة فأنا أحوج ما أكون إلى العفو، والثالث: أن يحذر نفسه عاقبة العداوة، والانتقام، وتشمير العدو في هدم أعراضه، والشماتة بمصائبه، فان الإنسان لا يخلو عن المصائب، فيخوف نفسه ذلك في الدنيا إن لم يخف من الآخرة وهذا هو تسليط شهوة على غضب ولا ثواب عليه، لأنه تقديم لبعض الحظوظ على بعض، إلا أن يكون محذوره أن يتغير عليه أمر يعينه على الآخرة، فيثاب على ذلك، والرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب على ما تقدم، وأنه يشبه حينئذ الكلب الضارى، والسبع العادي، وانه يكون مجانباً لأخلاق الأنبياء والعلماء في عادتهم، لتميل نفسه إلى الاقتداء بهم، والخامس: أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، مثل أن يكون سبب غضبة أن يقول له الشيطان: إن هذا يحمل منك على العجز، والذلة والمهانة، وصغر النفس، وتصير حقيراً في أعين الناس، فليقل لنفسه: تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين، والسادس: أن يعلم أن غضبه إنما كان من شيء جرى على وفق مراد الله تعالى، لا على وفق مراده، فكيف يقدم مراده على مراد الله تعالى، هذا ما يتعلق بالقلب، وأما العمل، فينبغي له السكون، والتعوذ، وتغيير الحال، وإن كان قائماً جلس، وإن كان جالساً اضطجع، وقد أمرنا بالوضوء أيضاَ عند الغضب، فهذه الأمور وردت في الأحاديث، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)([4]) .
،وضد الغضب (كظم الغيظ)، قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ} [آل عمران: 134] فذكر ذلك في معرض المدح، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء)،([5]) . ويعالج الغضب بالحلم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم)([6]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم لأشج بن قيس: (إن فيك خلقين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة)، ([7]) .
وقد حض القرآن الكريم على العفو، قال الله تعالى: {والعافين عن الناس} ، [آل عمران:134] وقال: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] ، وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)([8]) .
ومن امراض القلوب: (الحقد والحسد): والحقد ثمرة الغضب، والحسد من نتائج الحقد، وعن الزبير بن العوام رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء)، ([9]) .
وفى الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، كونوا عباد الله إخواناً)([10]) .
، وعلاج الحسد،يكون: تارة بالرضى بالقضاء، وتارة بالزهد في الدنيا، وتارة بالنظر فيما يتعلق بتلك النعم من هموم الدنيا وحساب الآخرة، فيتسلى بذلك ولا يعمل بمقتضى ما في النفس أصلاً، ولا ينطق، فإذا فعل ذلك لم يضره ما وضع في جبلته، والحسد له أسباب: أحدها: العداوة، والتكبر، والعجب، وحب الرياسة، وخبث النفس،وبخلها، وأشدها: العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان بسبب من الأسباب، وخالفه في غرضه، أبغضه قلبه، ورسخ في نفسه الحقد، والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فمهما أصاب عدوه من البلاء فرح بذلك، وظنه مكافأة من الله تعالى له، ومهما أصابته نقمة ساءه ذلك، فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما، ومنشأ الحسد حب الدنيا، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، وأما الآخرة، فلا ضيق فيها، فإن من احب معرفة الله تعالى، وملائكته، وأنبياءه، وملكوت أرضه وسماءه، لم يحسد غيره إذا عرف ذلك، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين، بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم، ويفرح بمعرفة غيره، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة، لأن مقصودهم معرفة الله سبحانه، وهو بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله، ولا ضيق فيما عند الله، لأن أجل ما عند الله من النعيم لذة لقائه، وليس فيه ممانعة ولا مزاحمة، ولا يضيق بعض الناظرين على بعض، بل يزيد الأنس بكثرتهم، و (الحسد) من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف حقيقة أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا، وأنه لا يضر المحسود في الدين ولا في الدنيا، بل ينتفع به، والنعمة لا تزول عن المحسود بحسدك، ولو لم تكن تؤمن بالبعث لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلاً أن تحذر من الحسد، لما فيه من ألم القلب مع عدم النفع، فكيف وأنت تعلم ما فيه من العذاب في الآخرة، فهذه الأدوية العلمية، فإذا تفكر الإنسان فيها، أخمدت نار الحسد في قلبه، وأما العمل النافع فيه، فهو أن يتكلف نقيض ما يأمر به الحسد فإذا بعثه على الحقد والقدح في المحسود، كلف نفسه المدح له، والثناء عليه، وإن حمله الكبر، ألزم نفسه التواضع له، وإن بعثه على كف الأنعام عنه، ألزم نفسه زيادة في الإنعام، وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن شخصاً اغتابهم، أهدوا إليه هدية، فهذه أدوية نافعة للحسد جداً.
ومن أمراض القلب حب الدنيا، وما أكثر الآيات الواردة في القرآن العزيز بعيب الدنيا، والتزهيد فيها، وضرب الأمثال لها كثيرة كقوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب* قل أؤنبئكم بخير من ذلكم}[آل عمران:14-15] ، وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] ، وقوله: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} الآية [يونس:24] ، وقوله: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة} [الحديد:20].
وأما الأحاديث، ففي مسند أحمد من رواية المستور بن شداد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع ؟)،([11]) .
وفى حديث آخر: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)([12]) وفى حديث آخر: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء)، ([13]) وفى حديث آخر: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها)([14]) .
، ولقد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مفاتيحها وخزائنها، لا ينقصها عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وكره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، زواها الله عن الصالحين اختياراً، وبسطها لإعدائه اغتراراً، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها؟ ونسى ما صنع الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حين شد على بطنه الحجر، والله ما أحد من الناس بسط له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به، إلا كان قد نقص عقله، وعجز رأيه وما امسك عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها، إلا كان قد نقص عقله وعجز رأيه، وقيل: مثال طالب الدنيا، مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شراباً ازداد عطشاً حتى يقتله،
ومن امراض القلوب: البخل والحرص والطمع: وفى سنن الترمذى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)([15]) .
، وقد كان السلف يخافون من فتنة المال، وكان عمر رضى الله عنه إذا رأى الفتوح يبكى ويقول: ما حبس الله هذا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وعن أبى بكر لشر أراده الله بهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له.
ومن أمراض القلوب الرياء وحب الجاه عند الناس: وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة الخفية)([16]) .
وهذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على غوائلها كبار العلماء، فضلاً عن عامة العباد، وإنما يبتلى بها العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة، فإنهم لما قهروا نفوسهم وفطموها عن الشهوات، وحملوها بالقهر على أسباب العبادات، لم تطمع في المعاصي الظاهرة، فاستراحت إلى التظاهر بالعلم والعمل، ووجدت مخلصاً من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق، ونظرهم إليها بعين الوقار والتعظيم، فأصابت النفس في ذلك لذة عظيمة، فاحتقرت فيها ترك المعاصي، فأحدهم يظن أنه مخلص لله عز وجل، وقد أثبت في ديوان المنافقين، وهذه مكيدة عظيمة لا يسلم منها إلا المقربون، ولذلك قيل: آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة، وكان أبو العالية رحمه الله إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام، وكان خالد بن معدان رحمه الله إذا عظمت حلقته، قام وانصرف كراهة الشهرة، وقال الزهري رحمه الله: ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة، حامى عليها وعادى، قال رجل لبشر الحافي رحمه الله: أوصني، فقال: أخمل ذكرك، وطيب مطعمك، من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتردد إليهم، والمرآة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق، وأصل الفساد، ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حب المال والشرف وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين أرسلا في غنم، فحب الجاه إذاً من المهلكات، يجب علاجه، وعلاجه مركب من علم وعمل، أما الأول، فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه، هو كمال القدوة على أشخاص الناس وقلوبهم، وذلك إذا صفا وسلم يكون في آخره الموت فينبغي أن يتفكر في نفسه في الأخطار والآفات اللاحقة لأصحاب الجاه في الدنيا، من تطرق الحسد إليهم، وقصدهم بالإيذاء، فتراهم خائفين على الدوام من زوال جاههم، فالاشتغال بمراعاة ذلك غموم عاجلة، مكدرة لحفظ الجاه، فلا يفي مرجو الدنيا بمخوفها، فضلاً عما يفوت في الآخرة، فهذا من حيث العلم، وأما العلاج من حيث العمل، فهو إسقاط الجاه من قلوب الخلق بأفعال توجب ذلك، كما روى أن بعض الملوك قصد زيارة رجل زاهد، فلما قرب منه، استدعى طعامه وبقلاً ولبناً وجعل يأكل بشره، ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط من عينه، وأكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات، فوجبت معالجته، وطريق ذلك أن ننظر إلى الصفة التي مدحت بها، إن كانت موجودة فيك فلا يخلو: إما أن يكون مما يفرح به كالعلم والورع، أو مما لا يصلح أن يفرح به، كالجاه والمال، أما الأول: فينبغي أن يحذر من الخاتمة، فإن الخوف منها شغل عن الفرح بالمدح، ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة، فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح الناس، وأما القسم الثاني، وهو المدح بسبب الجاه والمال، فالفرح بذلك، كالفرح بنبات الأرض الذي يصير عن قريب هشيماً، ولا يفرح بذلك إلا من قل عقله، وإن كنت خالياً عن الصفة التي مدحت بها، ففرحك بالمدح غاية الجنون.
ومن أمراض القلوب: (الرياء)، وقد ورد ذم الرياء في الكتاب والسنة، من ذلك قوله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون} [الماعون: 4-6] وقوله: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، [الكهف: 110] وأما الأحاديث، فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: (من عمل عملاً أشرك فيه غيرى، فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء) ([17]) . وفى حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة إذ جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم خيراً)([18]) .
وقال بشر الحافي: لأن أطلب الدنيا بمزمار أحب إلى من أن أطلبها بالدين، و (الرياء) جلى وخفى، فالجلى: هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه، وأخفى منه قليلاً رياء لا يبعث على العمل بمجرده، لكن يخفف العمل الذي أريد به وجه الله تعالى، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه فإذا نزل عنده ضيف نشط له وسهل عليه، وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا في التسهيل، لكنه مع ذلك مستبطن في القلب، ومتى لم يؤثر الدعاء في العمل لم يكن أن يعرف إلا بالعلامات، وأجلى علاماته أنه يسر باطلاع الناس على طاعته، فرب عبد مخلص يخلص العمل، ولا يقصد الرياء بل يكرهه، ويتم العمل على ذلك، لكن إذا اطلع الناس عليه سره ذلك وارتاح له، وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة، فهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور، وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع عليه، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وينشطوا في قضاء حوائجه، ويسامحوه في المعاملة، ويوسعوا له المكان، فان قصر في ذلك مقصر، ثقل ذلك على قلبه، كأن نفسه تتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها، ومتى لم يكون وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق، لم يكن خالياً عن شوب خفي من الرياء، وكل ذلك يوشك أن يقص الأجر، ولا يسلم منه إلا الصديقون، وأما دواء (الرياء) وطريقة معالجة القلب فيه، ففيه مقامان: أحدهما: في قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه، والثاني: في دفع ما يخطر منه في الحال، المقام الأول: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فصل، رجع إلى ثلاثة أصول، وهى حب لذة الحمد، والفرار من ألم الذم، والطمع فيما في أيدي الناس، ويشهد لذلك ما في الصحيحين: من حديث أبى موسى رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فقال يا رسول الله، أرأيت الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله )([19]) .
ومن أمراض القلب: (الكبر)، قال الله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} [الأعراف:146] وقال: {إنه لا يحب المستكبرين}[النحل:23] ، وفى حديث مسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)([20]) .
وقال سفيان بن عيينة رحمة الله : من كانت معصيته في شهوة، فارج له التوبة، فإن آدم عليه السلام عصى مشتهيا فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر، فاحش عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن، و(الكبر) خلق باطن تصدر عنه أعمال هي ثمرته، فيظهر على الجوارح، وذلك الخلق هو رؤية النفس على المتكبر عليه، يعنى يرى نفسه فوق الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبراً، وبهذا ينفصل عن العجب، فان العجب لا يستدعى غير المعجب، حتى لو قدر أن يخلق الإنسان وحده تصور أن يكون معجباً، ولا يتصور أن يكون متكبراً، إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوقه، فإن الإنسان متى رأى نفسه بعين الاستعظام، حقر من دونه وازدراه، وصفة هذا المتكبر، أن ينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير استجهالاً واستحقاراً، وآفة الكبر عظيمة، وفيه يهلك الخواص، وقلما ينفك عنه العباد والزهاد والعلماء، وكيف لا تعظم آفته، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، وإنما صار حجاباً دون الجنة، لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين، لأن صاحبه لا يقدر أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، فلا يقدر على التواضع، ولا على ترك الحقد والحسد والغضب، ولا على كظم الغيظ وقبول النصح، ولا يسلم من الازدراء بالناس واغتيابهم، فما من خلق ذميم إلا وهو مضطر إليه، و (الكبر) من المهلكات، ومداواته فرض عين، ولك في معالجته مقامان: الأول: في استئصال أصله وقطع شجرته، وذلك بأن يعرف الإنسان نفسه ويعرف ربه، فإنه إذا عرف نفسه حق المعرفة، علم أنه أذل من كل ذليل، ويكفيه أن ينظر في أصل وجوده بعد العدم من تراب، ثم من نطفة خرجت من مخرج البول، ثم من علقة، ثم من مضغة، فقد صار شيئاً مذكوراً، بعد أن كان جماداً لا يسمع ولا يبصر، ولا يحس ولا يتحرك، فقد ابتدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبفقره قبل غناه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله :{من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره} [عبس : 18، 19] ، ومن هذا حاله، كيف يتكبر؟ ومن العلاج العملي التواضع بالفعل لله تعالى ولعباده، وذلك بالمواظبة على استعمال خلق المتواضعين.
ومن أمراض القلب: (العجب) : روى عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)،([21]) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)([22]) .
والعجب يدعو إلى الكبر، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة، وهذا مع الخلق، فأما مع الخالق، فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها، فكأنه يمن على الله تعالى بفعلها، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها، وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردها دون من رضيها وأعجب بها، و أما (علاج العجب): أن يعلم العبد: أن الله سبحانه هو المنعم عليه بإيجاده وإيجاد أعماله، فلا معنى لعجب عامل بعمله، ولا عالم بعلمه، ولا جميل بجماله، ولا غنى بغناه، إذ كل ذلك من فضل الله تعالى، وإنما الآدمي محل لفيض النعم عليه، وكونه محلاً له نعمة أخرى، وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل) ([23]) .
ومن أمراض القلب: (الغرور): فمن الناس من غرته الدنيا، فقال: النقد خير من النسيئة، والدنيا نقد، والآخرة نسيئة، وهذا محل التلبيس، فإن النقد لا يكون خيراً من النسيئة، إلا إذا كان مثل النسيئة، ومعلوم أن عمر الإنسان بالإضافة إلى مدة الآخرة ليس بجزء من ألف جزء إلى أن ينقطع النفس، وإنما أراد من قال: النقد خير من النسيئة، إذا كانت النسيئة مثل النقد، وهذا غرور الكفار، فأما ملابسو المعاصي مع سلامة عقائدهم، فإنهم قد شاركوا الكفار في هذا الغرور، لأنهم آثروا الدنيا على الآخرة، إلا أن أمرهم أسهل من أمر الكفار، من جهة أن أصل الإيمان يمنعهم من عقاب الأبد، ومن العصاة من يغتر، فيقول: إن الله كريم، وإنما نتكل على عفوه، وربما اغتروا بصلاح آبائهم، وقد قال العلماء: من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه، ومن رجا الغفران مع الاصرار، فهو مغرور، وليعلم أن الله تعالى مع سعة رحمته شديد العقاب، وقد قضى بتخليد الكفار في النار، مع أنه لا يضره كفرهم، وقد سلط الأمراض والمحن على خلق من عباده في الدنيا، وهو سبحانه قادر على إزالتها، ثم خوفنا من عقابه، فكيف لا نخاف ؟! فالخوف والرجاء سائقان يبعثان على العمل، وما لا يبعث على العمل فهو غرور، يوضح هذا أن رجاء أكثر الخلق يحملهم على البطالة، وإيثار المعاصي، والعجب أن القرن الأول عملوا وخافوا، ثم أهل هذا الزمان أمنوا مع التقصير واطمأنوا، أتراهم عرفوا من كرم الله تعالى ما لم يعرف الأنبياء والصالحون، ولو كان هذا الأمر يدرك بالمنى، فلم تعب أولئك وكثر بكاؤهم؟! وهل ذم أهل الكتاب بقوله تعالى: {يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا} [الأعراف:169] ، إلا لمثل هذا الحال؟، وأما من اغتر بصلاح آبائه، فهلا يذكر قصة نوح عليه السلام مع ابنه، وإبراهيم عليه السلام مع أبيه، ومحمد مع عمه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى سائر النبيين، ويقع الاغترار في الأغلب في حق أربعة أصناف: العلماء، والعباد، والمتصوفة، والأغنياء، (الصنف الأول): العلماء فأما أهل العلم، فالمغترون منهم فرق أحكموا العلوم الشرعية والعقلية، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي، وإلزامهم الطاعات، واغتروا بعلمهم، وظنوا أنهم من الله بمكان، ولو نظر هؤلاء بعين البصيرة، علموا أن علم المعاملة لا يراد به إلا العمل، ولولا العمل لم يكن له قدر، قال الله تعالى: {قد أفلح من زكاها} [الشمس:9] ولم يقل: قد أفلح من تعلم كيف يزكيها، فإن تلا عليه الشيطان فضائل أهل العلم، فليذكر ما ورد في العالم الفاجر، كقوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} [الأعراف: 176] ، و{كمثل الحمار يحمل أسفاراً} [الجمعة:5] ، ومنهم فرقة أخرى أحكموا العلم والعمل الظاهر، ولم يتفقدوا قلوبهم ليمحوا الصفات المذمومة منها، كالكبر والحسد والرياء، وطلب العلو، وطلب الشهوة، فهؤلاء زينوا ظاهرهم، وأهملوا بواطنهم، ونسوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ([24]) .. فتعاهدوا الأعمال، ولم يتعاهدوا القلوب، والقلب هو الأصل، إذ لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، و (الصنف الثاني): أرباب التعبد والعمل، وهم فرق: فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالنوافل الفضائل، وربما تعمقوا في استعمال الماء حتى خرجوا إلى الوسوسة في الوضوء، فترى أحدهم لا يرضى بالماء المحكوم له بالطهارة شرعاً، بل يقدر الاحتمالات البعيدة في التنجس، ولا يقدر ذلك في مطعمه، فلو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى المطعم، لكان أشبه بسير السلف، فإن عمر رضى الله عنه توضأ من جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة، وكان مع هذا يدع أنواعاً من الحلال خوفاً من الوقوع في الحرام، وفرقة أخرى اغتروا بالصوم وأكثروا منه، وهم لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة والفضول، ولا بطونهم من الحرام عند الإفطار، ولا خواطرهم عن الرياء، وفرقة أخرى زهدت في المال، وقنعت بالدون من اللباس والطعام، وقنعت من المسكن بالمساجد، فظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهم مع هذا شديدو الرغبة في الرياسة والجاه، فقد تركوا أهون الأمرين وباؤوا بأعظم المهلكين، وفرق أخرى حرصت على النوافل، ولم تعتن بالفرائض، فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل، ولا يجد للفريضة لذة، ولا يحرص على المبادرة إليها في أول الوقت، وينسى قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (ما تقرب المتقربون إلا بمثل أداء ما افترضت عليهم)، ويستعان على التخلص من الغرور بثلاثة أشياء، (العقل): وهو النور الأصلي الذي يدرك به الإنسان حقائق الأشياء، و(المعرفة): التي يعرف بها الإنسان نفسه وربه ودنياه وأخرته، و(العلم)، بكيفية سلوك الطريق إلى الله تعالى وآفاتها، والعلم بما يقربه منه ويهديه، وإذا فعل جميع ذلك ينبغي أن يكون خائفاً أن يخدعه الشيطان، ويدعوه إلى الرياسة ويخاف عليه أيضاً من الأمن من مكر الله تعالى، ولذلك قيل: والمخلصون على خطر عظيم ، وقال الإمام احمد رحمه الله للشيطان حين قال له عند الموت: فُتَّني، فقل: لا ، بعد، فلا ينبغي أن يفارق الخوف قلوب الأولياء أبداً، نسأل الله تعالى السلامة من الغرور، وحسن الخاتمة، إنه قريب مجيب
***
([2]) صحيح البخاري 8/28 ح 6116.
([3]) صحيح البخاري 8/28 ح 6114، صحيح مسلم 4/2014 ح 2609.
([4]) مسند أحمد 29/505 ح 17985.
([5]) السنن الكبرى 7/ 159 ح 7699.
([6]) المعجم الأوسط 3/118 ح 2663.
([7]) السنن الكبرى للنسائي 7/159 ح 7699.
([8]) صحيح مسلم 4/2001 ح 2588.
([10]) صحيح البخاري 8/19 ح 6065، صحيح مسلم 4/1983 ح 2558.
([11]) مسند أحمد 29/ 541 ح 1802.
([12]) صحيح مسلم 4/2272 ح 2956.
([13]) المصدر السابق 4/560 ح 2320.
([14]) سنن الترمذي 4/561 ح 2322.
([15]) سنن الترمذي 4/588 ح 2376.
([17]) صحيح مسلم 4/2289 ح 2985.
([18]) مسند أحمد 39/39 ح 32630.
([19]) صحيح البخاري 1/36 ح 123. صحيح مسلم 3/1513 ح 1904.
([21]) صحيح مسلم 3/ 1654 ح2088.
([22]) مسند البزار 13/486 ح 7293.