الباب السابع متون العقيدة الجامعة لمذاهب أهل السنّة والجماعة الأثرية والأشعرية والماتريدية
(الفصل الأول): من متون العقيدة على مذهب السادة الأثرية، وقد اشتمل على تلك المتون:
(1) كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر للمؤلف عبدالباقي الحنبلي.
(2) الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب للحافظ ابن الجوزي القرشي البكري الحنبلي.
(الفصل الثاني): من متون لدراسة العقيدة على طريقة السادة الأشاعرة: وقد اشتمل على تلك المتون:
(1) متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى للإمام السنوسي الحسني.
(2) متن العقيدة السنوسية الوسطى للإمام السنوسي الحسني،.
(3) ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام لحجة الإسلام لإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي.
(4) لوامع الأدلة للعقيدة وهو الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي.
(5) العقيدة المرشدة للإمام الحافظ فخر الدين بن عساكر.
(6) ملحة الاعتقاد لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الأشعري الشافعي.
(الفصل الثالث) من متون لدراسة العقيدة على طريقة السادة الماتريدية، وقد اشتمل على تلك المتون:
(1) متن العقيدة الطحاوية للعلامةُ حُجةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الطحاويُّ،.
(2) مَـتـْنُ العَقــَائـدِ النَّسَـفِيَّـة للإمام النسفي،.
(3) كتاب أصول الدين للإمام جمال الدين أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغزنوي.
(الفصل الأول) من متون العقيدة على مذهب السادة الأثرية
وقد اشتمل على تلك المتون:
(1) كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر للمؤلف عبدالباقي الحنبلي.
(2) الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب للحافظ ابن الجوزي القرشي البكري الحنبلي.
كتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر للمؤلف عبدالباقي بن بدالباقي بن عبدالقادر الحنبلي (ت 1126 هـ)
[مقدمة المؤلف]: الحمد لله الذي يستدل على وجوب وجوده بديع ما له من الأفعال المنزه في ذاته وصفاته عن النظائر والأمثال أنشأ الموجودات فلا يعزب عن علمه مثقال سبحانه من إله تنزه عن أن يدركه وهم أو يحصره خيال بل كل ما خطر بالبال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال أحمده سبحانه وأشكره أن هدانا لدينه الحق وأزاح شبه الزيغ والضلال وأتوب إليه وأستغفره من جميع الأخطاء والأخطال وأسأله لنا النجاة في يوم تزول منه الجبال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة موحد له في الغدو والأصال، واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله نبي جاءنا بدين قويم فارتوينا بما جاءنا به من عذب زلال اللهم صل عليه وعلى إله وصحبه الذين هم خير صحب وآل صلاة دائمة متواترة على مرور الأيام والليال وسلم تسليما وبعد، فقد طلب مني بعض الأصدقاء الذين لا تسعني مخالفتهم أن أجمع مؤلفا يشتمل على مقاصد ثلاث وتتمات خمس، المقصد الأول في المنصوص من عقائد الحنابلة عن الإمام أحمد رضي الله عنه، المقصد الثاني في ما وقع من المسائل الخلافية بين الحنابلة والأشاعرة وذكر أدلة الحنابلة، المقصد الثالث في مسألة الكلام وذكر ما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه فأجبته إلى ذلك وسميته بكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر فأقول وبالله التوفيق:
المقصد الأول في المنصوص من عقائد الحنابلة وهو مشتمل على أبواب وخاتمة وتتمة
الباب الأول: في معرفة الله تعالى: فتجب معرفة الله تعالى شرعا ومما ورد في الشرع النظر في الوجود والموجود على كل مكلف قادر وهو أول واجب لله تعالى، وأول نعم الله تعالى الدينية وأعظمها أن أقدره على معرفته وأول نعمه الدنيوية الحياة العرية عن ضرر، وشكر المنعم واجب شرعا وهو اعتراف بنعمه على جهة الخضوع والإذعان وصرف كل نعمه في طاعته، (الوحدانية): ويجب الجزم بأنه تعالى واحد لا يتجزأ ولا ينقسم أحد لا من عدد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، (العلم): وبأنه تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها ليس بضروري ولا كسبي ولا استدلالي، (القدرة): وبأنه قادر بقدرة واحدة وجودية باقية قديمة ذاتية متعلقة بكل ممكن فلم يوجد شيء في الماضي ولا يوجد في المستقبل إلا بها، (الإرادة): وبأنه مريد بإرادة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية متعلقة بكل ممكن، (الحياة): وبأنه تعالى حي بحياة واحدة وجودية قديمة ذاتية باقية، (السمع والبصر): وبأنه تعالى سميع بصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين متعلقين بكل مسموع ومبصر، (الكلام): وبأنه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، (القول في القرآن): والقرآن كلام الله ووحيه وتنزيله معجز بنفسه لجميع الخلق غير مخلوق ولا حال في شيء ولا مقدور على بعض آية منه فمن قال القرآن مخلوق أو محدث أو حادث أو وقف فيه شاكا أو ادعى قدرة أحد على مثله كفر، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فإن كان يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره بنص أحمد رضي الله عنه على ذلك صريحا في مواضع وإن كان مقلدا فهو فاسق قاله شيخنا منصور البهوتي في حاشيته على المنتهى وبمعناه في شرحه لمؤلفه في كتاب الشهادات، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وبسندنا لأحمد رضي الله عنه أنه سئل عن من قال لفظي بالقرآن غير مخلوق قال من قاله فهو جهمي، وقال جوابا لسائل آخر عن هذا السؤال لا يصلى خلف قائله ولا يجالس ولا يكلم ولا يصلى عليه، فالواجب الكف عن هذه العبارات وشبهها لكف السلف عنها لما فيها من الإيهام وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستوفى في آخر هذا التأليف إن شاء الله تعالى ونقل كلام الحافظ ابن حجر في الذي استقر عليه قول الأشعرية وهو موافقتهم الحنابلة في الاعتقاد إن شاء الله تعالى.
فصل: ويجب الجزم بأن الله تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في مكان فكافر، بل يجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى بائن من خلقه فكان ولا مكان ثم خلق المكان وهو كما كان قبل خلق المكان ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس فهو الغني عن كل شيء ولا يستغني عنه شيء ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وعلى كل حال مهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء، وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة بل نثبت ولا نحرف ونصف ولا نكيف والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فمذهبنا حق بين باطلين وهدى بين ضلالتين وهو إثبات الأسماء والصفات مع نفي التشبيه والأدوات.
[الباب الثاني: في الأفعال]: كل شيء سوى الله وصفاته حادث وهو سبحانه وتعالى خلقه وأوجده وابتداه من العدم لا لعلة ولا لغرض ولا لموجب ولا يفعل شيئا عبثا وجميع أفعال العباد كسب لهم وهي مخلوقة لله خيرها وشرها والعبد مختار يسير في كسب الطاعة واكتساب المعصية غير مكره ولا مجبر وله تعالى إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم فله أن يفعل بخلقه ما يشاء وكل ذلك منه حسن وله تعجيل الثواب والعقاب وتأخيرهما والعفو عن المسلم المذنب وإن لم يتب وعن الكافر إذا أسلم والمعدوم مخاطب إذا وجب ولا يجب عليه لخلقه شيء ولا فعل الأصلح لهم والعقل المرعي تبع للنقل الشرعي، والله هو الرزاق من حلال وحرام هدى من شاء وأضل من أراد مكره ولا مجبر وله تعالى إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم فله أن يفعل بخلقه ما يشاء وكل ذلك منه حسن وله تعجيل الثواب والعقاب وتأخيرهما والعفو عن المسلم المذنب وإن لم يتب وعن الكافر إذا أسلم والمعدوم مخاطب إذا وجب ولا يجب عليه لخلقه شيء ولا فعل الأصلح لهم والعقل المرعي تبع للنقل الشرعي، والله هو الرزاق من حلال وحرام هدى من شاء وأضل من أراد.
[الباب الثالث: في الأحكام]: فيجب امتثال أمره ونهيه الجازمين ويسن في غيرهما ولا يستحق المطيع على الله ثوابا ولا العاصي عقابا بل يثيب الطائع بفضله ويعذب العاصي بعدله فلا نقطع لطائع بجنة ولا لعاص بنار بل نرجو ونخاف
فصل: الإسلام الإتيان بالشهادتين مع اعتقادهما والتزام بقية الأركان الخمسة إذا تعينت وتصديق الرسول فيما جاء به، والكفر جحد ما لا يتم الإسلام بدونه والمسلم تبعا لأبويه أو لسابيه أو للدار ويلزم الإتيان بالشهادتين إذا بلغ إن لم يكن نطق بهما ولا يقال للفاسق دين ومتق ومخلص وولي الله، والإيمان عقد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ويزيد بالعلم ويضعف بالجهل والغفلة والنسيان، وقول إن شاء الله فيه كما قال ابن عقيل سنة لا على الشك في الحال بل في المآل أو في قبول بعض الأعمال أو لخوف التقصير أو كراهية تزكية النفس.
فصل: والله مقدر الخير والشر وكل ما علمه وقضاه أو حكم به أو أخبر به لا تتصور مخالفته ولا الخلف فيه فلا يتعدى شيء أجله والمحروق والقتيل والغريق وأكيل الوحش والميت بهدم ونحوهم أموات بآجالهم كمن يموت حتف أنفه، فيجب بوعيد الله تخليد الكافر في النار وبوعده إخراج غير منها بشفاعة أو غيرها وتحبط المعاصي بالتوبة للخبر والكفر بالإسلام والطاعة بالردة المتصلة بالموت.
فصل: التوبة من كل ذنب واجبة على المكلف فورا ولا تقبل ظاهرا من داعية إلى بدعته ولا من ساحر وزنديق ولا ممن تكررت ردته أو سب الله تعالى أو رسوله أو ملكا له وتقبل توبة من سب الصحابة أو بعضهم وإن كفر بذلك كمن قذف عائشة أو غيرها من زوجاته وكمن ادعى ألوهية علي رضي الله عنه أو نبوته أو غلط جبريل وقبولها تفضلا منه تعالى والحدود ليست بتوبة ولا كفارة في حق المصر وتقبل ما لم يعاين الموت، (فائدة) الأرواح مخلوقة لله ويكفر القائل بقدمها.
فصل: ويجب الإيمان بالقضاء والقدر وأن الله قضى المعاصي والمكروه وقدر ذلك وكتبه على خلقه ولم يأمرهم به بل نهاهم عن الرضا بذلك ويجب الإيمان بالرقيب والعتيد.
[الباب الرابع: في بقية السمعيات]: ويجب الإيمان بالساعة وأشراطها من الدجال ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونحو ذلك وبالصعقة والحشر والنشر لكل ذي روح وبإحياء الميت في قبره وضغطته فيه ورد روحه إليه وسؤال منكر ونكير وثواب الميت وعقابه للروح والجسد وبأن كل واحد يعلم مصيره قبل موته وأن الميزان والمعاد الجسماني حق بعد الإعدام ممن يعدم ويحاسب المسلمون المكلفون إلا من شاء الله أن يدخل الجنة بغير حساب والكفار لا يحاسبون فلا توزن صحائفهم وإن فعل كافر قربة من نحو صدقة أو عتق أو ظلم رجونا أن يخفف عنه من العذاب وأن الصراط حق وهو جسر ممدود على جهنم دحض مزلة عليه خطاطيف وأن المرور عليه بحسب الأعمال وأن الجنة والنار حق وهما مخلوقتان الآن خلقتا للبقاء وبأن المقام المحمود والحوض المورود حق.
[الباب الخامس: في النبوة]: والأنبياء متفاوتون في الفضيلة ورسول الله حق إلى الإنس والجن وهو خاتم الأنبياء وأفضلهم ولم يكن قبل البعثة على دين قومه بل ولد مسلما مؤمنا وأن المعجزات القاطعة المعتبرة لصدقه وجدت دالة على نبوته مقترنة بدعوته وهي ما خرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على وجه التحدي لا يقدر أحد عليها ولا يجوز ظهورها على يدي كاذب بدعوى النبوة، وأنه كان يخشى الله تعالى وأنه معصوم في ما يؤدي عن الله سبحانه وهكذا من كل ذنب وكذا سائر الأنبياء.
فصل: وكرامات الأولياء حق وهي خرق العادات لا على وجه الاستدعاء والتحدي بها والأنبياء أفضل منهم ومن الملائك.
فصل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية على الجماعة وعين على الواحد ويجب على من علمه وتحققه وهو عارف بما ينكره ولم يخف أذى في نفسه أو ماله أو أهله ولا فتنة تزيد على المنكر ولم يقم به غيره وعلى الناس إعانة المنكر ونصره مع القدرة ولا ينكر بسيف ولا عصا إلا مع سلطان، والمعروف كل فعل وقول حسن شرعا، والمنكر كل فعل وقول قبيح قصد شرعا، والإنكار في ترك الواجب وفعل الحرام واجب وفي ترك المسنون، وعدم تعلمه وتعليمه مندوب، (فائدة): وكل ما يأمر به وينهى عنه إما حق الله تعالى كالصلاة والصيام والحث على الطاعة وترك المعصية أو لآدمي كوفاء الدين والعدل، أو لهما كالزكاة والكفارات ونحو ذلك والأب وغيره في الإنكار عليه سواء، (تنبيهات): ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متواضعا رفيقا فيما يدعو إليه ذا رأي ومراقبة وشدة في الدين قاصدا بذلك وجه الله وإقامة دينه ونصر شرعه وامتثال أمره وإحياء سنة نبيه بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة غير منافس ولا مفاخر ولا ممن يخالف قوله فعله يبدأ في إنكاره بالأسهل فإن زال وإلا زاد فإن لم رفعه إلى سلطان عادل لا يأخذ مالا ولا يفعل غير ما يجب وينكر على السلطان بوعظ وتخويف من عذاب الله تعالى، وسن هجران العصاة المتجاهرين ويجب الإغضاء عن المستترين ويجب هجران المبتدعين الداعين إلى الضلالة على من عجز عن إصلاحهم والإنكار عليهم، (فائدة) يجب على القادر الدفع عن نفسه وحرمته إن أمكنه ويسقط إن علم أنه لا يفيد وعليه إنجاؤه من غرق وحريق ونحوهما كما يجب أن ينجيه من المجاعة والظمأ مع القدرة.
الخاتمة: من كفر من ليس بكافر معتقدا كفره كفر ومن فسق من ليس بفاسق معتقدا فسقه فسق ويحرم لعن كافر معين.
فصل: والقديم ما لا أول لوجوده ولم يسبقه عدم ويراد به المتقدم وإن سبقه العدم، والعالم كل موجود سوى الله تعالى وصفاته، والمستحيل لذاته غير ممكن ولا مقدور وإلا صار ممكنا، والجائز ما جاز اجتماعه وافتراقه وهو شرعا ما أذن فيه الشرع، والدور توقف كل شيئين على الآخر والتسلسل ترتيب أمور غير متناهية.
التتمة: أسلم الطرق التسليم فما سلم دين من لم يسلم لله ورسوله ورد علم ما أشتبه إلى عالمه ومن أراد علم ما يمتنع علمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان فيتردد بين الإقرار والإنكار شاكا زائغا متحيرا لا مؤمنا صادقا ولا جاحدا مكذبا ولا مؤمنا محققا، ومن لم يتوق النفي والتشبيه ضل والتعمق في الفكر ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان ومادة التوهان والولهان فإنه يفتح باب الحيرة غالبا وقل أن يكون ملازمه إلا خائبا، والأمن واليأس ينقلان عن الملة وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة فإنه بين الغلو والتقصير والتشبيه والتعطيل وبين الجبر والقدر فعليك يا أخي اتباع السنة والآثار دون الافتكار والابتكار فإن قليل ذلك مع الفطنة كثير والممعن في التعمق مذموم والحريص على التوغل في اللهو محروم والإسراف في الجدال يوجب عداوة الرجال وينشر الفتن ويولد المحن ويقلل الهيبة ويكثر الخيبة فإن الله سبحانه لا تفهمه الأفهام ولا تتوهمه الأوهام فعليك بطلب الحق والصدق والتوقف معهما وترك التغير عنهما واجتهد في عدم الدخول فيما لا يلزمك فإنه يلزم منه همك وندمك فاستنصح يا أخي فيما قربت إليك وبذلت جهدي في نصحك شفقة عليك فإنه أصوب وأثوب وأسلم وأقوم والله أعلم، هذا آخر المقصد الأول.
وللكلام على المقصد الثاني.
تقدمة: وهي أن طوائف أهل السنة ثلاثة أشاعرة وحنابلة وماتريدية، بدليل عطف العلماء الحنابلة على الأشاعرة في كثير من الكتب الكلامية وجميع كتب الحنابلة والعطف يقتضي المغايرة وكيف يصح إدخال الحنابلة في الأشاعرة مع أنه قد ذكر ابن السبكي في طبقات الشافعية أن الشيخ أبا الحسن الأشعري ولد سنة ستين ومائتين بعد وفاة الإمام أحمد بعشرين سنة فكيف يصح نسبة الحنابلة إلى اعتقادهم مع أنهم منذ زمن الإمام أحمد رضي الله عنه إلى زماننا هذا لم يزالوا على اعتقاد إمامهم الذي هو معتقد السلف كبقية الأئمة الأربعة من حيث تسليم آيات الصفات وعدم تأويلها ألا ترى إلى جواب مالك لما سئل عن الاستواء.
المقصد الثاني: في مسائل وقع فيها الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة: منها أننا نؤمن بأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه ممن غير تأويل فعن أم سلمة رضي الله عنها، جواب في الاستواء، كما اشتهر من جواب أبي علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء فقال لا نعرف أنباء الغيب إلا ما كشف لنا وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه ولم يخبر كيف استوى ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش أو لغيره من المخلوقات أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوقات على كرسيه فهو ضال مبتدع فكان الله ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، ومنها نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبت الحنابلة ما أثبته رسول الله ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى، وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى وجاء ربك والملك الآية وفي قوله ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام الآية، ونؤمن بذلك بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه، وقال مالك رضي الله عنه إياكم والبدع قيل وما البدع قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفي صحف إدريس لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة فإنه أعظم وأعلى أن تدركه فطن المخلوقين، قال الشافعي رحمه الله تعالى إن يلق الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء، وقال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن شيء من الاهواء فقال الزم دين الصبيان في الكتاب والأعراب واله عما سوى ذلك، قال ابن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه، وقال بعض السلف قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم، فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله نقله عنه الإمام أبو الحسن اللبوذي الحنبلي في كتابه اللمع في السنن والبدع وقال بعد وعلى هذا درج أئمة السلف، وسيأتي في التتمة الخامسة ذكر كلام الشيخ الأشعري وأنه موافق للإمام أحمد في الاعتقاد وأنه يجري المتشابهات على ما قاله الله من غير تصرف ولا تأويل كما هو مذهب السلف وعليه فلا خلاف ولا نزاع والحمد لله،،،
***
كتاب الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب جاهز لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي (ت: 597 هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم : مقدمة المؤلف: قال الشيخ الإمام الحافظ العلامة أبو الفرج عبد الرحمن علي بن عبد الله بن حماد الجوزي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم الفطر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه رأيته رجلا كبيرا كبير القدر في العلوم، قد بالغ رحمة الله عليه في علوم الفقه ومذهب القدماء، حتي لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه علي طريق السلف، فلم يصنف إلا المنقول، فرأيت مذهبه خاليا من التصانيف التي كثر جنسها عند الخصوم فصنفت تفاسير مطولة منها ” المغني مجلدات ” و” زاد المسير ” و ” تذكرة الأديب”، وغير ذلك، وفي الحديث: كتبا منها ” جامع المسانيد”،و “الحدائق ” و “نفي النقل “، وكتبا كثيرة في الجرح والتعديل، وما رأيت لهم” تعليقة” في الخلاف إلا أن القاضي أبا يعلي قال: كنت أقول ما لأهل المذاهب يذكرون الخلاف مع خصومهم ولا يذكرون أحمد ؟ ثم عذرتهم، إذ ليس لنا تعليقه في الفقه، قال: فصنفت له تعليقة، (قلت): وتعليقته لم يحقق فيها بيان الصحة والطعن في المردود، وذكر فيها أقيسة طردية، ورأيت من يلقي الدرس من أصحابنا من يفزع إلى تعليق الأصطلام أو تعليقة أسعد، أو تعليقة العاملي، أو تعليقة الشريفة استعارات، فصنفت له تعاليق منها ” كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف ” ومنها ” جنة النظر وجنة الفطر ” ومنها ” عمد الدلائل في مشهور المسائل “، ثم رأيت جمع أحاديث التعليق التي يحتج بها أهل المذاهب، وبينت تصحيح الصحيح، وطعن المطعون فيه وعملت كتابا في المذاهب أدخلتها فيه، وسميته ” الباز الأشهب المنقض علي مخالفي المذهب ” وصنفت في الفروع كتاب ” المذهب في المذهب ” وكتاب ” سبوك الذهب ” وكتاب ” البلغة ” وكتاب ” منهاج الوصول إلى علم الأصول ” وقد بلغت مصنفاتي مائتين وخمسين مصنفا، ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضي الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد لأخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعال ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتي قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء واتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء انما يجعل علي حقيقته إذا أمكن وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلا منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل “، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسي روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتي لايقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيام
فصل
(قلت): وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: (أحدها): أنهم سموا الأخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال سبحانه وتعالى: ” ونفخت فيه من روحي “، وليس لله صفة تسمي روحا، فقد ابتدع من سمي المضاف صفة، (الثاني): أنهم قالوا: إن هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها علي ظواهرها، فواعجبا ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له ؟ فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال، (الثالث): أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الأدلة القطعية، وقال ابن حامد من رد ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفر ؟ علي وجهين، وقال: غالب أصحابنا علي تكفير من خالف الأخبار في الساق والقدم والأصابع والكف ونظائر ذلك وأن كانت أخبار آحاد لأنها عندنا توجب العلم، قلت: هذا قول ما لا يفهم الفقه ولا العقل، (الرابع): أنهم لم يقرقوا في الأحاديث بين خبر مشهور في قوله ” ينزل إلى السماء الدنيا ” وبين حديث لا يصح كقوله ” رأيت ربي في أحسن صورة ” بل أثبتوا هذا صفة وهذا صفة، (الخامس): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- وبين حديث موقوف علي صحابي أو تابعي فأثبتوا بهذا ما أثبتوا هذا، (السادس): أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع ولم يتأولوها في آخر كقوله ” ومن أتاني يمشي أتيته هرولة “، قالوا هذا ضرب مثل مثل الأنعام، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:” إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي ” فقالوا نحمله علي ظاهره فواعجبا من تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز، (السابع): أنهم حملوا الأحاديث علي مقتضي الحس فقالوا: ينزل بذاته وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لاكما يعقل، فغالطوا من يسمع فكابروا الحس والعقل فحملوا الأحاديث علي الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما لئلا ينسب الامام إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر عظيم في النفوس، لأن العمل علي الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه التقليد.
فصل
فإن قال قائل: ما الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بألفاظ موهمة للتشبيه ؟(قلنا): إن الخلق غلب عليهم الحس فلا يكادون يعرفون غيره، وسببه المجانسه لهم في الحديث، فعبد قوم النجوم وأضافوا إليها المنافع والمضار، وعبد قوم النور وأضافوا إليه الخير، وأضافوا الشر إلى الظلمة، وعبد قوم الملائكة، وقوم الشمس وقوم عيسي، وقوم عزيز، وعبد قوم البقر والأكثرون الاصنام فآنست نفوسهم بالحس المقطوع بوجوده ولذلك قال قوم لموسي: ” اجعل لنا الها ” فلو جاءت الشرائع بالتنزيه المحض جاءت بما يطابق النفي فلما قالوا” صف لنا ربك ” نزلت ” قل هو الله أحد ” ولو قال لهم ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا يشغل الأمكنة ولا يحويه مكان ولا جهة من الجهات الست وليس بمتحرك ولا ساكن ولا تدركه الإحساس لو قالوا حد لنا النفي بأن تميز ما تدعونا إلى عبادته عن النفي وإلا فأنت تدعوا إلى عدم،فلما علم الحق سبحانه وتعالى ذلك جاءهم بأسماء يعقلونها من السمع والبصر والحلم والغضب وبني البيت وجعل الحجر بمثابة اليمين المصافحة، وجاء بذكر الوجه واليدين و القدم والاستواء والنزول لأن المقصود الإثبات فهو الأهم عند الشرع من التنزيه، وإن كان التنزيه منها، ولهذا قال للجارية أين الله، وقيل له أيضحك ربنا ؟ قال نعم، فلما أثبت وجوده بذكر صور الحسيات نفي خيال التشبيه بقوله ” ليس كمثله شئ” ثم لم يذكر الرسول الأحاديث جمله وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان فقد غلط من ألفها أبوابا علي ترتيب صورة غلطا قبيحا، ثم هي مجموعها يسيرة، والصحيح منها يسير: ثم هو عربي وله التجوز، أليس هو القائل ” تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صاف، ويؤتي بالموت في صورة كبش أملح فيذبح “، فإن قيل لم سكت السلف عن تفسير الأحاديث قالوا: أمروها كما جاءت ؟ (قلت): لثلاثة أوجه: ((أحدهما):): أنها ذكرت للايناس بموجود فإذا فسرت لم يحصل الايناس مع أن فيها ما لابد من تأويله كقوله تعالى: { وجاء ربك ” أي جاء أمره، وقال أحمد بن حنبل: وإنما صرفه إلى ذلك أدلة العقل فإنه لا يجوز عليه الانتقال، و (الوجه الثاني): أنه لو تأولت اليد بمعني القدرة جاز أن يتناول معني القوة فيحصل الخطر بالصرف عما يحتمل، و (الثالث): أنهم لو أطلقوا في التأويل اتسع الخرق فخلط المتأول، فإذا سأل العامي عن قوله تعالى: { ثم استوي علي العرش ” قيل له الاستواء معلم والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعه وإنما فعلنا هذا لان العوام لا يدركون الغوامض.
فصل
وكان الإمام أحمد يقول: أمروا الأحاديث كما جاءت وعلي هذا من كبار أصحابه كإبراهيم الحربي، وابي داود الأشرم، ومن كبار أصحابنا أبو الحسن التميمي، وأبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب، وأبو الوفاء بن عقيل فنبغ الثلاثة الذين ذكرناهم ابن حامد والقاضي والزاغوني، وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فأفتي فيها فقيل هذا لا يقول به ابن المبارك فقال: ابن المبارك لم ينزل من السماء، وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: استخرت الله تعالى في الرد علي الإمام مالك، ولما صنف هؤلاء الثلاثة كتبا، وانفرد القاضي فصنف الأحاديث التي ذكرتها علي ترتيبه، وقدمت عليها الآيات التي وردت في ذلك،
باب ما جاء في القرآن من ذلك
قال الله تعالى: { ويبقي وجه ربك ذي الجلال والإكرام }، قال المفسرون: يبقي ربك، وكذا قالوا في قوله ” يريدون وجهه “، أي يريدونه، وقال الضحاك و أبو عبيدة في قوله ” كل شئ هالك إلا وجهه ” أي إلا هو، وقد ذهب الذين أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة باسم زائد علي الذات، (قلت): فمن أين قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيات ؟ وذلك يوجب التبغيض، ولوكان كما قالوا:كان المعني: أن ذاته تهلك الا وجهه، وقال بن حامد: أثبتنا لله وجها ولا نجوز إثبات الرأس، (قلت): ولقد اقشعر بدني من جراءته علي ذكر هذا فما أعوزه في التشبيه غير الرأس، (قلت): ومن ذلك قوله: { ولتصنع علي عيني }، { واصنع الفلك بأعيننا }، قال المفسرون بأمرنا، أي بمرأي منا، (قال أبو بكر بن الأنباري: أما جمع العين علي مذهب العرب في ايقاعها الجمع علي الواحد يقول: خرجنا في السفر إلى البصرة)، وإنما جمع لأن عادة الملك أن يقول: أمرنا ونهينا، وقد ذهب القاضي إلى أن العين صفة زائده علي الذات وقد سبقه بكر بن خزيمه، فقال في الآية” لربنا عينان ينظر بهما “، (قلت): وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه وإنما أثبتوا عينين من دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام: (وإن الله ليس بأعور)، وإنما أراد نفي النقص عنه، ومتي ثبت أنه لا يتجزأ، لم يكن لما يتخيل من الصفات وجه، ومنها قوله تعالى: { لما خلقت بيدي }، اليد في اللغة: بمعني النعمة والإحسان، قال الشاعر: (متي ما تناخي عند باب بني هاشم تريحي فتلقي من فواضله يدا)، ومعني قول اليهود “يد الله مغلولة ” أي محبوسة عن النفقة، واليد القوة، يقولون: ما لنا بهذا الأمر من يد، وقوله تعالي: { بل يداه مبسوطتان } أي نعمته وقدرته، وقوله تعالى: { لما خلقت بيدي }، أي بقدرتي ونعمتي، وقال الحسن في قوله تعالى: { يد الله قوق أيديهم }، أي منته وإحسانه، (قلت): هذا كلام المحققين، وقال القاضي: اليدان صفتان ذاتيتان تسميان باليدين، وهذا تصرف بالرأي لا دليل عليه، وقال ابن عقيل معني الآية لما خلقت أنا فهو كقوله تعالى: { ذلك بما قدمت يداك }، أي بما قدمت أنت وقد قال بعض البلة: الإضافات إلى الله تعالى لو لم يكن لآدم مزية علي سائر الحيوانات باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال { بيدي }، ولو كانت القدرة لما كانت له مزية، فإن قالوا القدرة لا تثن، وقد قال بيدي “، قلنا بلي قال العربي: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة وقال عروة بن حزام في شعره: (فقالا شفاك الله والله ما لنا،،، بما ضمت منك الضلوع يدان)، وقولهم: ميزه بذلك عن الحيوان فقد قال عز وجل: { خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما }، ولم يدل هذا علي تمييز الأنعام علي بقية الحيوان قال الله تعالى: { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون }، أي بقوة، ثم قد أخبر أنه نفخ فيه من روحه، ولم يرد إلا الوضع بالفعل والتكوين والمعني: نفخت أنا ويكفي شرف بالإضافة، إذ لا يليق بالخالق سوي ذلك لأنه لا يحتاج أن يفعل بواسطة، فلا له أعضاء وجوارح يفعل بها، لأنه الغني بذاته، فلا ينبغي أن يتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفله عما يستحقه البارئ سبحانه من التعظيم بنفي الأبعاض والعادات في الأفعال، لأن هذه الأشياء صفة الأجسام، وقد ظن بعض البلة أن الله يمس، حتي توهموا أنه مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، وما فطنوا أنه من جملة مخلوقاته جسما يقابل جسما فيتحد به ويفعل فيه (ومن السحر من يعقد عقدا فيتغير به حالا وصفة) أفتراه سبحانه جعل أفعال الأشخاص والأجسام تتعدي إلى الأجسام بعيدة، ثم يحتاج هو في أفعاله إلى معاناة الطين وقد رد قول من قال هذا بقوله تعالى: { إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }، ومنها قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه }، وقوله تعالى علي لسان عيسي { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك }، قال المفسرون ويحذركم الله إياه، وقالوا تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، قال المحققون المراد بالنفس ها هنا الذات ونفس الشيء ذاته وقد ذهب القاضي أن لله نفسا، وهي صفة زائدة علي ذاته، قلت وهذا قول لا يستند إلا إلى التشبيه، لأنه يوجب أن الذات شيء والنفس غيرها، وحكي ابن حامد أعظم من هذا فقال: ذهبت طائفة في قوله تعالى: { ونفخت فيه من روحي }، أن تلك الروح صفة من ذاته وإنها إذا خرجت رجعت إلى الله تعالى (قلت): وهذا أقبح من كلام النصارى فما أبقي هذا من التشبيه بقية، ومنها قوله تعالى: { ليس كمثله شيء }، ظاهر الكلام أن له مثلا، فليس كمثله شيء وليس كذلك، وإنما معناه عند أهل اللغة: أن يقام المثل مقام الشيء نفسه، يقول الرجل: مثلي لا يكلم مثلك، وإنما المعني: ليس كهو شيء، ومنها قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق }، قال ابن عباس ومجاهد وابراهيم النخعي وقتادة وجمهور العلماء يكشف عن شدة، وأنشدوا: ” وقامت الحرب بنا علي ساق “، وقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا، قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناه الجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، وبهذا قال الفراء وأبو عبيدة، وثعلب واللغويون، وروي البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي –صلي الله عليه وسلم -: (إن الله عز وجل يكشف عن ساقه)، هذه إضافة إليه معناها: يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعني يكشف عنها يزيلها، وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير، غضب وقال: يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد وقد ذكر أبو عمر الزاهد ان الساق بمعني” النفس ” وقال ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة: لا حكم إلا الله فقال: لابد من محاربتهم ولو بلغت ساقي، فعلي هذا يكون المعني يتجلي لهم، وفي حديث أبي موسي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون سجدا، ويبقي أقوام في ظهورهم كصياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون)، فذلك قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون }، وقد ذهب القاضي إلى أن الذات صفة ذاتية، وقال في مثله في يضع قدمه في النار: وحكي بن مسعود: ويكشف عن ساقه اليمني فتضيء من نور ساقه الأرض، (قلت): وذكر الساق مع القدم تشبيه محض وما ذكر عن بن مسعود محال، ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات، ولا يوصف ذاته بنور شعاع تضيء به الأمكنة، واحتجاجه بالإضافة ليس بشيء لأنه إذا كشف عن شدته، فقد كشف عن ساقه، وهؤلاء وقع لهم أن معني يكشف ” يظهر ” وإنما المعني يزيل ويرفع “، قال بن حامد: يجب الإيمان بأن لله تعالى ساقا صفة لذاته، فمن جحد ذلك فقد كفر، (قلت): لو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحا، فكيف بمن ينسب إلى العلم ؟ فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم ردوا الأمر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقا للذات، وقدما حتي يتحقق التجسيم والصورة، ومنها قوله تعالى: { ثم استوي علي العرش }، قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير، فكل سرير ملك يسمي عرشا، والعرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال الله تعالى: { ورفع أبويه علي العرش }، وقال تعالى: { أيكم يأتيني بعرشها }، واعلم أن الاستواء في اللغة علي وجوه منها: الاعتدال، قال بعض بني تميم فاستوي ظالم العشيرة والمظلوم، أي اعتدلا، والاستواء تمام الشيء قال الله تعالى: { ولما بلغ أشده واستوي }، أي تم، والاستواء القصد إلى الشيء، قال تعالى: { ثم استوي إلى السماء } أي قصد خلقها، والاستواء في الاستيلاء علي الشيء قال الشاعر: (قد استوي بشر علي العراق،،، من غير سيف ودم مهراق)، وقال الآخر: (إذا ما غزا قوم أباح حريمهم،،، وأضحي علي ما ملكوه قد استوي)، وروي اسماعيل بن أبي خالد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء، (قلت): وجميع السلف علي امرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل، قال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ” الرحمن علي العرش استوي ” كيف استوي ؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن علي العرش استوي كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج، وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة علي مقتضي الحس فقالوا: ” استوي علي العرش بذاته “، وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من احساسهم، وهو أن المستوي علي الشيء إنما تستوي عليه ذاته، قال أبو حامد: الاستواء مماسته وصف لذاته، والمراد به القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله سبحانه وتعالى علي عرشه ما ملأ، وانه يقعد فيه، ويقعد نبيه الله صلى الله عليه وسلم معه علي العرش، قال أبو حامد: والنزول انتقال، (قلت): وعلي ما حكي تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة ؟ وقيل لابن الزاغوني: هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش،،؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدى الذاتين صفة التحت تثبت لأخري صفة استحقاق الفوق قال: وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا بد من شيء يحصل به الفصل، فلما قال: ” ثم استوى ” علمنا اختصاصه بتلك الجهة، قال بن الزاغوني: ولابد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها، (قلت): وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه، (قلت): وهنا كلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لابد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحازي، ومن ضرورة المحازي أن يكون أكبر من المحازي أو أصغر أو مثله، وإن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحازي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذا ثبت أن الدليل علي حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة، فإذا أجازوا هذا عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتي قدرنا مستغنيا عن المحل والحيز محتاجا إلى الحيز، ثم قلنا، إما أن يكون متج اورين ومتباين، كان ذلك محالا، فإن المتجاور والمتباين من لوازم المتحيز في المتحيزات، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه، أومتحركا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة أو سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين، فقد تناهي ذاتيا، والمتناهي إذا خص بمقدار، استدعي مخصصا، وكذا ينبغي أن لا يقال، ليس بداخل العالم، وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون كسائر الأعراض التي تختص بالأجرام، وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها، (قلنا): ذاته تعالى لا يقبل أن يخلق منها شيء، ولا أن يحل فيها شيء، والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب علي الجواهر، ومعني الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد، وكلام هؤلاء كله مبني علي الحس)، وقد حملهم الحس علي التشبيه والتخليط حتي قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء علي العرش لأنه أقرب الموجودات إليه، وهذا جهل أيضا، لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم، (وقال بعضهم: جهة العرش تحازي ما يقابله من الذات ولا تحازي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض)، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلى مذهبنا ؟ واحتج بعضهم بأنه علي العرش بقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه }، وبقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده }، وجعلوا ذلك فوقيه حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال: { فوق عباده }، قال: { وهو معكم }، فمن حملها علي العلم، حمل خصمه الاستواء علي القهر، (أخبرنا علي بن محمد بن عمر الدباس، قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: كان أحمد بن حنبل يقول: الاستواء صفة مسلمة وليست بمعني القصد ولا الاستعلاء، قال ابن حامد: الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته علي عرشه وقال: وذهبت طائفة أن الاستواء علي عرشه قد ملأ، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه، قلت المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقي هذا في التجسيم بقية،،؟
فصل
واعلم أن من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مده في تقدمه علي العالم بأزمنة وكلا التخيلين باطل، وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوي بالإضافة إلى القائل بالجهة فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه ويكون الاختصاص بذلك المعني زائدا علي ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لأن القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات، ثم إن كل من هو في جهة يكون مقدرا محدودا وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والأجسام لأنها أجرام تحتاج إلى جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه أن المكان إذا كان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شيء ولا تحدث له صفة، فإن قيل: ” فقد أخرج في الصحيحين عن شريك عن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه ذكر المعراج، فقال فيه: “فعلا به الجبار تعالى ” فقال: ” وهو في مكانه يا رب خفف عنا “، فالجواب: إن أبا سليمان الخطابي قال: هذه لفظة تفرد بها شريك، ولم يذكرها غيره وهو كثير التفرد بمناكير الألفاظ، والمكان لا يضاف إلى الله عز وجل، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم– ومعناه: مقامه الأول الذي أقيم فيه، قال الخطابي: وفي هذا الحديث ” فاستأذنت علي ربي وهو في داره “، توهم مكانا، وإنما المعني، في داره التي دورها لأوليائه، وقد قال القاضي: أبو يعلي في كتابه المعتمد إن الله عز وجل لا يوصف بالمكان، فإن قيل نفي الجهات يحيل وجوده، قلنا إن كان الوجود يقبل الاتصال والانفصال فقد صدقت، فأما إذا لم يقبلها فليس خلوه من طرق النقيض بمحال، فإن قيل أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم، (قلنا): أن أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لايدخل تحت ذلك إذ ليس بمحس ولا يدخل تحت ذلك إلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيء إلا علي وفق ما رآه لأن الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لايعلم بالعقل فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لأن العقل مضطر إلى التصديق بموجب الدليل، واعلم أنك لما لم تجد إلا حسا أو عرضا وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزا أو متحركا أو متنقلا، ولما كان مثل هذا الكلام لا يفهمه العامي (قلنا): لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه بل يسروه أن لا يساكن الجبال، ويقال إن الله تعالى استوي علي عرشه كما يليق به، ومن الآيات قوله تعالى: { أأمنتم من في السماء }، (قلت): وقد ثبت قطعيا أنها ليست علي ظاهرها، لأن لفظة في للظرفية والحق غير مظروف، وإذا امتنع الحس أن يتصرف في مثل هذا، بقي وصف التعظيم بما هو عظيم عند الخلق ومنها قوله تعالى: { يا حسرتي علي ما فرطت في جنب الله }، أي في طاعته وأمره، أي لأن التفريط لا يقع إلا في ذلك، وأما الجنب المعهود من ذي الجوارح، فلا يقع فيه تفريط، وقال ابن حامد: ” نؤمن بأن لله جنبا بهذه الآية”، (قلت): ” واعجبا من عدم العقول، إذا لم يتهيأ التفريط في جنب مخلوق كيف يتهيأ في صفة الخالق وأنشد ثعلب وفسره: ” خليلي كفا فاذكر الله في جنبي ” أي في أمري، ومنها قوله تعالى: { فنفخنا فيه من روحنا }، قال المفسرون: أي رحمتنا، وإنما نسب الروح إليه، لأنه بأمره كان، ومنها قوله تعالى: { يؤذون الله }، (قلت): أي يؤذون أولياءه، كقوله تعالى: { واسأل القرية }، أي أهلها، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أحد جبل يحبنا ونحبه)، قال الشاعر: (أنبئت أن النار بعدك أوقدت،،، واستب بعدك يا كليب المجلس)، ومنها قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام }، أي بظل، وكذلك قوله تعالي: { وجاء ربك }، (قلت): قال القاضي أبو يعلي عن أحمد بن حنبل أنه قال: في قوله تعالى: { يأتيهم }، قال المراد به: قدرته وأمره، قال: وقد بينه في قوله تعالى: { أو يأتي أمر ربك }، ومثل هذا في التوراة: ” وجاء ربك ” قال إنما هو قدرته، قال بن حامد: هذا خطأ، إنما ينزل بذاته بانتقال، (قلت): وهذا الكلام في ذاته تعالى بمقتضي الحس، كما يتكلم في ا لأجسام، قال ابن عقيل في قوله تعالى: { قل الروح من أمر ربي }، قال: من كف خلقه عن السؤال عن مخلوق، فكفهم عن الخالق وصفاته أولي، و أنشده: (كيفية النفس ليس المرء يدركها،،، فكيف كيفية الجبار في القدم)،
باب: ذكر الأحاديث التي سموها أخبار الصفات
اعلم أن للأحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلا العلماء الفقهاء، تارة في نظمها، وتارة في كشف معناها، وسنوضح إن شاء الله تعالى،
الحديث الأول: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم -: خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا) ([1]) .
(قلت): للناس في هذا مذهبان (أحدهما):: السكوت عن تفسيره، الثاني: الكلام في معناه، واختلف أرباب هذا المذهب في الهاء علي من تعود ؟ علي ثلاثة أقوال: (أحدهما): تعود علي بعض بني آدم، وذلك أن النبي – صلي الله عليه وسلم – مر برجل يضرب رجل وهو يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([2]).
قالوا: وإنما اقتصر بعض الرواة علي بعض الحديث فيحمل المقتصر علي المفسر قالوا: فوجه من أشبه وجهك يتضمن سب الأنبياء والمؤمنين، إنما خص آدم بالذكر، لأنه هو الذي ابتدأ خلقته ووجهه علي هذه الصورة التي احتذي عليها من بعده، فعلي هذا تكون الهاء كناية عن المضروب، ومن الخطأ أن ترجع إلى الله عز وجل بقوله: ووجه من أشبه وجهك فإنه إذا نسب إليه شبه سبحانه وتعالى كان تشبيها صريحا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) ([3]).
و(القول الثاني): ” إن الهاء كناية عن اسمين ظاهرين، فلا يصح أن يضاف إلى الله عز وجل لقيام الدليل علي أنه ليس بصورة، فعادت إلى آدم، ومعني الحديث: إن الله خلق آدم علي صورته التي خلقها عليها (تاما لم ينقله من نطفة إلى علقه هذا مذهب) أبي سليمان الخطابي وقد ذكره ثعلب في أماليه، و(القول الثالث): ” إنها تعود إلى الله تعالى ” وفي معني ذلك قولان: (أحدهما): أن تكون صورة ملك، لأنها فعله وخلقه، فتكون إضافتها إليه من وجهين: (أحدهما): التشريف بالإضافة كقوله تعالى: { وطهرا بيتي للطائفين }، و(الثاني): لأنه ابتدعها علي غير مثال سابق، (وقد روي هذا الحديث من طريق ابن عمر عن النبي – صلي الله علي وسلم – أنه قال: (لا تقبح الوجه فإن آدم خلق علي صورة الرحمن)، (قلت): هذا الحديث فيه ثلاثة علل، (أحدهما):: أن الثوري والأعمش اختلفا فيه فأرسله الثوري ورفعه الأعمش، و(الثانية): أن الأعمش كان يدلس فلم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت، و (الثالثة): أن حبيبا كان يدلس فلم يعلم أنه سمعه من عطاء، (قلت): وهذه أدلة توجب وهنا في الحديث ثم هو محمول علي إضافة الصورة إليه ملكا، و (القول الثاني): أن تكون صورة بمعني الصفة، تقول: هذا صورة الأمر: أي صفته ويكون المعني خلق آدم علي صفته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام فميزه بذلك علي جميع الحيوانات، ثم ميزه عن الملائكة بصفة التعالي حين أسجدهم له، (وقال بن عقيل إنما خص آدم بإضافة صورته إليه لتخصيصه وهي السلطنة التي تشاكلها الربوبية استعبادا وسجودا وأمرا نافذا وسياسات تعمر بها البلاد ويصلح به العباد وليس في الملائكة والجن من تجمع علي طاعته نوعه وقبيله سوي الآدمي)، وإن الصورة ها هنا معنوية لا صورة تخاطيط، وقد ذهب أبو محمد بن قتيبه في هذا الحديث إلى مذهب قبيح فقال: لله صورة لا كالصور فخلق آدم عليها ؟ وهذا تخليط وتهافت لأن معني كلامه: إن صورة آدم كصورة الحق، وقال القاضي: يطلق علي الحق تسمية الصورة لا كالصور، نقض لما قاله، وصار بمثابة من يقول: جسم لا كالأجسام، فإن الجسم ما كان مؤلفا، فإذا قال: لا كالأجسام نقض ما قال.
الحديث الثاني: روي عبد الرحمن بن عياش – رضي الله عنه – عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه قال: ” رأيت ربي في أحسن صورة، فقال لي: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد (قلت): أنت أعلم يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتي وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين السموات والأرض “([4]) .
قال أحمد رضي الله عنه: أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة (يرويه معاذ عن رسول الله –صلي الله عليه وسلم وكل أسانيده مضطربة ليس فيها صحيح، ورواه قتادة عن أنس واختلف علي قتادة فرواه يوسف عن عطية عن قتادة ووهم فيه، ورواه هشام عن قتادة عن ابن قلابة عن خالد بن الحلاج عن بن عباس ووهم في قوله عن ابن عباس وإنما رواه خالد عن عبد الرحمن بن عياش وعبد الرحمن لم يسمعه من رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما رواه عن مالك بن يخامر عن معاذ: (قلت): قد ذكرنا أنه لا يصح، وقال أبو بكر البيهقي: فقد روي من أوجه كلها ضعيفة وأحسن طرقه أنه كان في النوم)، وقد روي من حديث أبي هريرة _ رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني آت في أحسن صورة)، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت: لا أدري، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعرفت كل شيء يسألني عنه) ([5]) .
وروي من حديث ثوبان قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح فقال: (إن ربي أتاني الليلة في أحسن صورة فقال لي: يا محمد: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتي وجدت برد أنامله في صدري، فتجلي لي ما بين السماء والأرض) ([6]) . وروي عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (لما كنت ليلة أسر بي رأيت ربي في أحسن صورة) (قلت): وهذه أحاديث مختلفة، وليس فيها ما يثبت وفي بعضها أتاني آت وذلك يرفع الاشكال، وإن قلنا أنه رآه في اليقظة فالصورة إن قلنا ترجع إلى الله تعالى، فالمعني رأيته علي أحسن صفاته (في الإقبال علي والرضي عني، وإن قلنا ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعني رأيته أنا علي أحسن صورة، (قلت): والعجب مع اضطراب هذه الأحاديث وكون مثلها لا يثبت به حكم في الوضوء)، وروي بن حامد من حديث بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:” ولما أسري بي رأيت الرحمن تعالى في صورة شاب أمرد، له نور يتلألأ، وقد نهيت عن وصفه لكم، فسألت ربي أن يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنه عروس حين كشف عن حجابه مستوي علي عرشه “([7]) .
(قلت): هذا الحديث كذب قبيح، ما روي قط في صحيح و لا في كذب مشهور، فأبعد الله من عمله فقد كنا نقول ذلك في المنام، فذكر هذا في ليلة الإسراء كافأهم الله وجزاهم النار، يشبهون الله بعروس ؟ ما قال هذا مسلم ؟، وأما ذكر البرد في الحديث الماضي، فإن البرد عرض، لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى، وقد ذكر القاضي في كتاب الكفاية عن أحمد: رأيت ربي في أحسن صورة، أي في أحسن موضع.
الحديث الثالث: روت أم طفيل امرأة أبي رضي الله عنهما، أنها سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يذكر، أنه رأي ربه في المنام في أحسن صورة، شابا موقرا، رجلا في خضر عليه نعلان من ذهب، علي وجهه فراش من ذهب([8]) .
(قلت): هذا الحديث يرويه نعيم بن حماد بن معاوية قال ابن عدي: كان يضع الحديث، وقال يحي بن معين: ليس نعيم بشيء في الحديث، وفي إسناده مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر، قال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتي يصدق الله عز وجل ؟ وقال مهني بن يحي، سألت أحمد عن هذا الحديث، فأعرض بوجهه وقال: هذا حديث منكر مجهول يعني مروان بن عثمان (قال ولا يعرف أيضا عمارة، وقد روي عبيد الله بن أبي سلمة قال: بعث بن عمر إلى عبد الله بن عباس هل رأي محمد ربه فأرسل إليه أن نعم قد رأه فرد الرسول إليه كيف رآه ؟ قال: رآه علي كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة في صورة رجل، (قلت): وهذا الحديث تفرد به إسحاق وكذبه جماعة من العلماء وفي رواية عن بن عباس ” رآه كان قدميه علي خضرة دونه ستر من لؤلؤ “، (قلت): وهذا يرويه أبو إبراهيم بن الحكم بن إبان وقد ضعفه يحي بن معين وغيره وفي رواية ابن عباس –رضي الله عنه – عن رسول الله –صلي الله عليه وسلم – قال: ” رأيت ربي أجعد أمرد عليه حله خضراء “، (قلت): وهذا يروي عن طريق حماد بن سلمة وكان بن أبي العوجاء لزنديق ربيب حماد، وكان يدس في كتبه هذه الأحاديث، علي أن هذا كان مناما والمنام خيال، ومثل هذه الأحاديث لا ثبوت لها، ولا يحسن أن يحتج بها في الوضوء، فقد أثبت بها القاضي صفات الله تعالى فقال: قوله: شاب، وأمرد، وجعد، وقطط، والفراش والنعلان والتاج، قال: ثبت ذلك تسمية لا يعقل معناها، (وليس في إثباتها أكثر من تقريب المحدث من القديم وذلك جائز كما روي ” يدني عبده إليه ” يعني يقربه إلى ذاته)، ومن يثبت بالمنام، وبما لا يصح نقله صفات، وقد عرفنا معني الشاب والأمرد ما هو، ثم يقول ما هو كما نعلم، كمن يقول: قام فلان وما هو قائم، وقعد وليس بقاعد، قال بن عقيل هذا الحديث مقطوع فإنه كذب، ثم لا تنفع ثقة الرواة إذا كان المتن مستحيلا، وصار هذا كما لو أخبرنا جماعة من المعدلين: بأن جمل البزار دخل في خرم إبرة الخياط، فإنه لا حكم لصدق الرواة مع استحالة خبرهم.
الحديث الرابع: روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ” انتهيت ليلة أسري بي إلى السماء فرأيت ربي، فرأيت كل شيء من ربي، حتي لقد رأيت تاجا مخوصا من لؤلؤ “([9]) .
(قلت): هذا يرويه أبو القاسم بن ابراهيم، قال الأزهري: كنت اقعد مع ابن اليسع ساعة فيقول: ” قد ختمت الختمة منذ قعدت وقاسم ليس بشيء ” قال الدارقطني هو كذاب، قلت كافأ الله عن عمل مثل هذا الحديث.
الحديث الخامس: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي – صلي الله عليه وسلم- أنه قال: (يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، وتبقي هذه الأمة فيها منافقون، فيأتهم الله عز وجل في غير الصورة التي كانوا يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتي يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ؟)([10]) . وفي الصحيحين من حديث بن سعيد عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه قال: (فيأتيهم الجبار في غير صورة رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال: هل بينكم وبينه آية تعرفونها ؟ فيقول: الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن) ([11]) .
(قلت): اعلم أنه يجب علي كل مسلم أن يعتقد أن الله سبحانه وتعالى، لا تجوز عليه الصورة التي هي هيئة وتأليف، قال أبو سليمان الخطابي: معني” فيأتيهم الله ” أي يكشف الحجاب لهم حتي يرونه عيانا كما كانوا عرفوه في الدنيا استدلالا، (وأما الصورة فتتأول علي وجهين (أحدهما): أنها بمعني الصفة،يقال صورة الأمر كذا، و(الثاني): أن المذكورات من المعبودات في أول الحديث صور يخرج الكلام علي نوعين من المطابقة، وقوله” في غير صورة رأوه فيها ” دليل علي أن المراد بالصفة الصورة لأنهم ما رأوه قبلها فعلمت أن المراد الصفة التي عرفوه فيها، وقال غيره من العلماء: يأتيهم بأهوال القيامة، وصور الملائكة، ما لم يعهدوا مثله في الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، أي أتي بما يعرفونه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون فيكشف عن ساق: أي عن شدة كأنه يرفع تلك الشدائد المهولة، فيسجدون شكرا، وقال بعضهم: صورة يمتحن إيمانهم بها، كما يبعث الدجال فيقولون: نعوذ بالله منك، وفي حديث أبي موسي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: (أن الناس يقولون: إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا فيقال: وتعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون: نعم، فيقال: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون إنه لا شيبه، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله عز وجل فيخرون سجدا، قال ابن: الصورة علي الحقيقة تقع علي الأشكال والتخاليط، وذلك من صفات الأجسام، والذي صرفنا عن كونه جسما، الأدلة القطعية كقوله: { ليس كمثله شيء }، ومن الأدلة العقلية: أنه لو كان جسما لكان صورة وعرضا، ولو كان حاملا الأعراض، جاز عليه ما يجوز علي الأجسام، وافتقر إلى صانع، ولو كان جسما مع قدمه، جاز قدم أحدنا، فأحوجتنا الأدلة إلى تأويل صورة تليق أضافتها إليه، وما ذاك إلا الحال الذي يوقع عليه أهل اللغة اسم صورة فيقولون كيف صورتك مع فلان ؟ وفلان،،،، علي صورة من الفقر، والحال التي أنكروها العنف، والتي يعرفونها اللطف، فيكشف عن الشدة، والتغيرات أليق بفعله، فإما ذاته، فتعالى عن التغيير، نعوذ بالله أن يحمل الحديث علي ما قالته المجسمة إن الصورة ترجع إلى ذاته، فإن في ذلك تجويز التغيير علي صفاته، فخرجوه في صورة إن كانت حقيقية، فذلك استحالة، وإن كانت تخيلا فليس ذلك هو، إنما يريهم غيره.
الحديث السادس: روي مسلم في صحيحه من حديث المغيرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: (لا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله) ([12]) .
(قلت): لفظة الشخص يرويها بعض الرواة، ويروي بعضهم: (لا شيء أغير من الله)، والرواة يروون بما يظنون به المعني فيكون ذلك الشخص من تغيير الرواة، (والشخص لا يكون إلا جسما مؤلفا، وسمي شخصا فإن له شخوصا وارتفاعا والصواب أنه يرجع ذكر الشخص إلى المخلوقين لا أن الخالق يقال له شخص)، ويكون المعني ” ليس منكم أيها الأشخاص أغير من الله “، لأنه لما اجتمع الكل بالذكر، سمي بأسمائهم، ومثل هذا قول بن مسعود: ” ما خلق الله من جنة ولا نار أعظم من آية الكرسي “، قال الامام أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى: (الخلق يرجع إلى الجنة والنار إلى المخلوق لا إلى القرآن)، ومن هذا الجنس قوله تعالى: { الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا }، ومعلوم أن أهل النار لا مستقر لهم ولا مقيل) ويمكن أن يكون هذا من باب المستثني من غير الجنس كقوله تعالى: { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن }، وقد أجاز بعضهم إطلاق الشخص علي الله تعالى وذلك غلط لما بيناه، وأما الغيرة فقد قال العلماء: كل من غلب من شيء اشتدت كراهيته له، فلما حرم الفواحش وتوعد عليها وصفه رسوله بالغيرة.
الحديث السابع: روي أبو موسي الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض) ([13]) .
المعني مقدار قبضته وليست علي ما يتصور من قبضات المخلوقين فإن الحق منزه عن ذلك، وإنما أضيفت القبضة إليه لأن أفعال المملوك نسب إلى المالك وذلك أنه بعث من قبض كقوله تعالى: { فطمسنا أعينهم }، وقد روي محمد بن سعد في كتاب الطبقات: إن الله تعالى بعث إبليس فأخذ من أديم الأرض فخلق منه آدم فمن ثم قال: “أأسجد لمن خلقت طينا “، قال القاضي لا يمتنع إطلاق اسم القبض إليه وإضافة القبضة لا علي معني الجارحة ولا علي المعالجة والممارسة، (قلت): فيقال له: أطلقت وما تدري.
الحديث الثامن: روي سليمان قال: ” إن الله تعالى لما خمر طينة آدم ضرب بيده فيه، فخرج كل طيب في يمينه، وكل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، فمن ثم يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي “([14]) .
(قلت): وهذا مرسل وقد ثبت بالدليل أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بمس شيء، فإن صح ضرب مثل لما جرت به الأقدار، وقال القاضي: تخمير الطين وخلط بعضه ببعض مضاف إلى اليد التي خلق بها آدم، قلت: وهذا التشبيه المحض،
الحديث التاسع: روي عبيد بن حنين قال: بينما أنا جالس في المسجد، إذ جاء قتادة بن النعمان فجلس يتحدث ثم قال: انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أخبرت أنه اشتكي، فانطلقنا حتي دخلنا علي أبي سعيد فوجدناه مستلقيا واضعا رجله اليمن علي اليسرى، فسلمنا عليه وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رجل أبي سعيد، فقرصها قرصة شديدة فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن آدم أوجعتني “، فقال: ذلك أردت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله لما قضي خلقه، استلقي ثم وضع إحدى رجليه علي الأخرى، ثم قال: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا “، قال أبو سعيد لا جرم لا أفعله أبدا([15]) .
(قلت): وقد رواه عبد الله بن أحمد عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصاغاني قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن سعيد بن الحارث عن عبيد الله بن حنين (قلت): قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (وما رأيت هذا في الحديث في ديوان من دواوين الشريعة المعتمد عليها)، وكان أحمد بن حنبل يذم إبراهيم بن المنذر ويتكلم فيه، وقال زكريا الساجي عنده مناكير، وقال يحي بن معين: فليح ليس حديثة بالجائز، وقال مرة: هو ضعيف، وقال النسائي: وأما عبيد بن حنين فقال البخاري لا يصح حديثه في أهل المدينة، (وقال أبو بكر البيهقي: إذا كان فليح مختلف في جواز الاحتجاج عند الحفاظ لم يثبت في روايته مثل هذا الأمر العظيم) قال: وفي الحديث علة أخري، وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة، وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي، فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة، وقول الراوي حتي دخلنا علي أبي سعيد لا يرجع إلى عبيد بن حنين وإنما يرجع إلى من أرسله عنه ونحن لا نعرفه قال ولا نقبل المراسيل في الأحكام فكيف هذا الأمر العظيم، فقال أحمد ثم لو صح طريقه احتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث به عن بعض أهل الكتاب علي طريق الإنكار عليهم، فلم يفهم قتادة إنكاره عليهم، (قلت): ومن هذا الفن حديث رويناه، أن الزبير سمع رجلا يحدث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، فاستمع له الزبير حتي إذا قضي الرجل حديثه، قال له الزبير: ” أنت سمعت هذا من رسول الله صلي الله عليه وسلم،؟ قال نعم، قال: هذا وأشباهه يمنعنا أن نحدث عن رسول الله، قال: لعمري سمعت هذا من رسول الله وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ بهذا الحديث، فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت يومئذ بعد انقضاء مدة الحديث، وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت به أنه من حديث رسول الله –صلي الله عليه وسلم -، (قلت): وغالب الظن أن الإشارة في حديث الزبير إلى حديث قتادة، فإن أهل الكتاب قالوا: إن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض استراح فنزل قوله تعالى: { وما مسنا من لغوب }، فيمكن أن يكون رسول الله قد حكي ذلك عنهم، ولم يسمع قتادة أول الكلام، وقد روي عبد الرحمن بن أحمد في كتاب السنة عن أبي سفيان قال: ” رأيت الحسن قد وضع رجله اليمني علي شماله وهو قاعد، ف(قلت): يا أبا سعيد تكره هذه العقدة،؟ فقال: قاتل الله اليهود ثم قرأ: { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب }، فعرفت ما عني فأمسكت، (قلت): وإنما أشار الحسن إلى ما ذكرناه عن اليهود، (قلت): إنما أشار الحسن إلى ما ذكرناه عن اليهود، وروينا عن العوام بن حوشب قال: سألت أبا مجلز عن رجل يجلس فوضع إحدى رجليه علي الأخرى فقال: لا بأس وإنما ذكره ذلك اليهود زعموا أن الله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، (قلت): وقد تأول بعض العلماء الحديث الذي نحن فيه علي تقدير الصحة فقال: معني استلقي أتم خلقه، وفرغ فلان بني لفلان داره واستلقي علي ظهره أي لم يبق له فيها عمل، وقوله: وضع رجلا علي رجل أي وضع بعض المخلوقات علي بعض، وذهب القاضي إلى جعل الاستلقاء صفة وإن وضع رجلا علي رجل ثم قال: لا علي وجه يعقل معناه، قال: ويفيد الحديث إثبات رجلين، (قلت): ولو لم يعقله ما أثبت من رجلين ولو لم نثبت صفات بمثل هذا الحديث المعلول، ولو لم يكن معلولا لم نثبت صفة بإخبار آحاد ولم لم يعقل معناه ما قال لا يصلح للبشر ولا كان يقع نهي وإنما النهي أشبه ما بين الفعلين، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر، أنهم كانوا يستلقون ويضعون رجلا علي رجل وإنما يكره هذا لمن لا سراويل له.
الحديث العاشر: روي القاضي عن ابن عطية أن رجلا من المشركين سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمل عليه رجل من المسلمين فقاتله وقتل الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما تعجبون من نصر الله ورسوله لقي الله متكئا فقد له ” ([16]) .
(قلت): هذا حديث مقطوع بعيد الصحة، ولو كان له وجه كان المعني: فاقبل عليه وأنعم،
الحديث الحادي عشر: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال جهنم يلقي فيها وتقول: هل من مزيد ؟ حتي يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتمتلئ) ([17]) .
(قلت): الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا تتبعض ولا يحويها مكان ولا توصف بالتغير ولا بالانتقال، وقد حكي أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري أنه قال: القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها، وقال الإمام بن الأعرابي: القدم المتقدم، وروي أبو بكر البيهقي عن النضر بن شميل أنه قال: القدم ههنا الكفار الذين سبق في علم الله انهم من أهل النار، وقال أبو منصور الأزهري: القدم هم الذين قدم الله بتخليدهم في النار (فعلي هذا يكون في المعني وجهين (أحدهما):: كل شيء قدمه، يقال لما قدم، ولما هدم هدم ويؤيد هذا قوله في تمام الحديث (وأما الجنة فينشئ لها خلقا)، ووجه ثان: إن لكل قادم عليها سمي قادما، فالقدم جمع قادم، فبعض الرواة رواه بما يظنه المعني من أن المقدم الرجل، وقد رواه الطبراني من طرق، فقال: قدمه ورجله (قلت): وهذا دليل علي تغيير الرواة بما يظنونه علي أن الرجل في اللغة جماعة، ومن يرويه بلفظ الرجل فإنه يقول: رجل من جراد، فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم رجل الجراد، فيسرعون التهافت فيها، قال القاضي القدم صفة ذاتية، وقال بن الزاغوني: نقول إنما وضع قدمه في النار ليخبرهم أن أصنافهم تحترق وأنا لا أحرق، (قلت): وهذا إثبات تبعيض، وهو من أقبح الاعتقادات، (قلت): ورأيت أبا بكر بن خزيمة قد جمع كتابا في الصفات وبوبه فقال: باب إثبات اليد، باب إمساك السماوات علي أصابعه، باب إثبات الرجل وإن رغمت أنوف المعتزلة ثم قال: قال الله تعالى: { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها }، فأعلمنا أن من لا يد له ولا رجل فهو كالأنعام، (قلت): وإني لأعجب من هذا الرجل مع علو قدره في علم النقل، يقول هذا ويثبت لله ما ذم الأصنام بعدمه من اليد الباطشة والرجل الماشية، ويلزمه أن يثبت الأذن، ولو رزق الفهم لما تكلم بهذا، وافهم أن الله تعالى عاب الأصنام عند عابديها، والمعني: لكم أيد وأرجل فكيف عبدتم ناقصا لا يد له يبطش ولا رجل يمشي بها، قال بن عقيل: تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة، هذا عين التجسيم، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها، ثم إنه لا يعمل في النار أمره وتكوينه حتي يستعين بشيء من ذاته ويعالجها بصفة من صفاته وهو القائل: { كوني بردا وسلاما }، فما اسخف هذا الاعتقاد وأبعده من مكون الأملاك والأفلاك فقد نطق بتكذيبهم فقال تعالى: { لوكان هؤلاء آلهة ما وردوها }، فكيف يظن بالخالق أنه يردها ؟ تعالى الله عن تجاهل المجسمة.
الحديث الثاني عشر: روي أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ضرس الكافر مثل أحد، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار “([18]) .
قال أبو عمر الزاهد: الجبار ها هنا الطويل، يقال نخلة جبارة، قال بن قتيبة: الجبار ها هنا الملك، والجبابرة الملوك، قال القاضي نحمله علي ظاهره، وإن الجبار هو الله تعالى، لأننا لا نثبت ذراعا هو جارحة،قلت واعجبا إذ ذهبت العقول إلى هذا الحد ؟ قال: ويجوز أن يقال إن الذراع اثنان وأربعون مرة، حتي يبلغ جلد الكافر، ويضاف إلى الذات القديم، (ثم قال ليس بجارحة، فإذا لم يكن جارحة كيف ينشئ أربعين مرة)، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
الحديث الثالث عشر: روي القاضي عن مجاهد أنه قال: إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله: ” كن أمامي فيقول رب ذنبي، فيقول كن خلفي، فيقول: يا رب ذنبي، فيقول: خذ قدمي “، قال: وفي لفظ عن بن سيرين قال الله تعالى: ” ليقرب داود حتي يضع يده علي فخذه “،([19]) .
(قلت): والعجب من إثبات صفات الحق سبحانه وتعالى بأقوال التابعين، وما تصح عنهم ولو صحت فإنما يذكرونها عن أهل الكتاب، كما يذكر وهب بن منبه، قال القاضي نحمله علي ظاهره، لأنا لا نثبت قدما ولا فخذا هو جارحة وكذلك لا نثبت الإمام، قلت واعجبا لقد كملوا هيئة البدن بإثبات فخذ وساق، وقدم، ووجه، ويدين وأصابع، وخنصر وإبهام وجنب، وحقو وصعود ونزول، ويقولون تحمل علي ظاهرها وليست جوارح، وهل يجوز لعاقل أن يثبت لله تعالى خلفا وإماما وفخذا ؟ ما ينبغي أن يحدث هؤلاء،ولانا قد عرفنا الفخذ فيقال: ليس بفخذ، والخلف ليس بخلف، ومثل هؤلاء لا يحدثون، فإنهم يكابرون العقول، وكأنهم يحدثون الأطفال،
الحديث الرابع عشر: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يضحك الله من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة)، وفي إفراد مسلم من حديث بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن آخر من يدخل الجنة وضحك فقيل مما تضحك ؟ فقال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئي بي،،”([20]) .
(قلت): أعلم أن الضحك له معان ترجع إلى معني البيان والظهور، وكل من أبدي من أمر كان مستورا قيل قد ضحك، يقال ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر ما فيها، وانفتحت عن زهرة، كما يقال: بكت السماء، قال الشاعر: (كل يوم بالأقحوان جديد ،،، تضحك الأرض من بكاء السماء)، وكذلك الضحك الذي يعتري البشر إنما هو انفتاح الفم عن الأسنان، وهذا يستحيل علي الله تعالى فوجب حمله علي ابداء الله كرمه، وابانة فضله، ومعني: ضحكت لضحك ربي، أبديت علي أسناني بفتح فمي، لإظهار فضله وكرمه، وقول الآخر: لن نعدم من رب يضحك خيرا، أي يكشف الكرب، فرقا بينه وبين الأجسام التي لا يرجي خيرها، (قلت): وهذا تأويل جماعة من العلماء، وقال الخطابي: معني ضحك الجبار عز وجل عن الرضا وحسن المجاوزة، وقد روي في حديث موقوف: ” فضحك حتي بدت لهواته وأضراسه “، ذكره الخلال في كتاب السنة، وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في هذا الحديث،،؟ قال هذا بشع، قال:ثم علي تقدير الصحة يحتمل أمرين: (أحدهما):: أن يكون ذلك راجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه ضحك حين أخبر بضحك الرب، حتي بدت لهواته وأضراسه، كما روي أنه ضحك حتي بدت نواجزه، وهذا هو الصحيح لو ثبت الحديث، وإنما هو مقطوع، (الثاني): أن يكون تجوزا من كثرة الكرم وسعة الرضا، كما جوز بقوله: ” ومن أتاني يمشي أتيته مهرولا “، قال القاضي: لا يمتنع الأخذ بظاهر الأحاديث في امرارها علي ظواهرها من غير تأويل، لأنا لا نثبت ضحكا هو فتح الفم ولا أضراسا ولهوات وجوارح وأبعاضا، (قلت): واعجبا قد أثبت لله صفات بأحاديث وألفاظ لا تصح، قال أحدهم: وإذا لم يثبته ضحكا معقولا فقد تأول ولا يدري، وواعجبا قد عرف أن الضحك يشار به إلى الفضل والإنعام، فالأضراس ما وجهها ؟ والله لو رويت في الصحيحين وجب ردها، فكيف وما ثبتت أصلا، وقد روي أحمد لو أن الناس اعتزلوهم يعني الأمراء فقال اضرب علي هذا وهذا الحديث في الصحيحين فكيف بحديث لا يثبت يخالف المنقول والمعقول)، ومن أثبت الأضراس صفة فما عنده من الإسلام خبر.
الحديث الخامس عشر: روي القاضي أبو يعلي عن عبد الرحمن بن عمر موقوفا أنه قال: “لما خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر “،([21]) .
قلت وقد أثبت به القاضي ذراعين وصدرا لله عز وجل، وقال ليس بجوارح وهذا قبيح، لأنه حديث ليس بمرفوع ولا يصح، وهل يجوز أن يخلق مخلوق من ذات الله القديم؟ هذا أقبح مما ادعاه النصارى؟
الحديث السادس عشر: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يدني عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه ويقول: أتعرف ذنب كذا)، ([22]) .
قال العلماء: يدنيه من رحمته ولطفه، وقال ابن الأنباري: وكنفه: حياطته وستره، يقال: قد كنف فلان فلانا: إذا أحاطه وستره، وكل شيء ستر شيئا فقد كنفه، ويقال للترس كنيف لأنه يستر صاحبه، قال القاضي يدنيه ممن ذاته، وهذا قول من لم يعرف الله عز وجل، ولا يعلم أنه لا يجوز عليه الدنو الذي هو مساحة، وكذلك قوله: إنه ليدنو به يوم عرفة أي يقرب بلطفه وعفوه.
الحديث السابع عشر: روي مسلم في افراده من حديث معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية كانت ترعي غنما لي، فانطلقت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب شاه، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون فصككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي، فقلت ألا أعتقها ؟ قال أئتني بها فأتيته بها، فقال لهل: أين الله ؟ قالت في السماء، قال من أنا: قالت: أنت رسول الله، قال أعتقها فإنها مؤمنة) ([23]) .
(قلت): قد ثبت عند العلماء ان الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها.
الحديث الثامن عشر: روي أبو رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق،،؟ قال: (كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه علي الماء) ([24]) . (قلت): وهذا حديث تفرد به علي بن عطاء عن وكيع بن عدس (حدس)، وليس لوكيع راو غير يعلي والعماء السحاب، اعلم أن الفوق والتحت يرجع إلى السحاب لا إلى الله تعالى، وفي معني فوق، فالمعني: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر، ولما كان القوم يأنسون بالمخلوقات، سألوا عنها، والسحاب من جملة خلقه، ولو سئل عما قبل السحاب، لأخبر أن الله تعالى كان ولا شيء معه، كذلك روي عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” كان الله ولا شيء معه “، (وقال أبو الحسين بن المنادي ونقلته من خطه: وصف الهواء بالفوقية والتحتية مكروه عند أهل العلم لما في ذلك من الجعل كالوعاء لمن ليس كالأشياء جل وتعالى، قال: ولسنا نختلف أن الجبار لا يعلوه شيء من خلقه بحال، وأنه لا يحل بالأشياء بنفسه، ولا يزول عنها، لأنه لو حل بها لكان منها،ولو زال عنها لنأي عنها فاتفقنا علي هذا اكثر من هذا الخبر علي المعني المكروه، والتأويل المألوف.
الحديث التاسع عشر: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير يقول: من يدعوني فأستجيب له) ([25]) . . (قلت): وقد روى حديث النزول عشرون صحابيا، وقد سبق القول أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغيير، فيبقى الناس رجلين (أحدهما): المتأول له بمعنى: أنه يقرب رحمته، وقد ذكر أشباء بالنزول فقال تعالى: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد }، وإن كان معدنه بالأرض وقال: { وأنزلنا لكم من الأنعام ثمانية أزواج }، ومن لم يعرف كيف نزول الجمل كيف يتكلم في تفصيل هذه الجمل ؟، و (الثاني): الساكت عن الكلام في ذلك، (روي أبو عيسي الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وابن المبارك انهم قالوا: أمروا هذه الأحاديث بلا كيف (قلت): وواجب علي الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يقتقر إلى ثلاثة أجسام: جسم عالي، وهو مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علو إلى أسفل، وهذا لا يجوز علي الله تعالى قطعا، فإن قال العامي: فما الذي أراد بالنزول ؟ قيل: أراد به معني يليق بجلاله لا يلزمك التفتيش عنه، فإن قال: كيف حدث بما لا أفهمه؟ (قلنا): قد علمت أن النازل إليك قريب منك، فاقنع بالقرب ولا تظنه كقرب الأجسام، قال ابن حامد: هو علي العرش بذاته، مماس له، وينزل من مكانه الذي هو فيه فيزول وينتقل، (قلت): وهذا رجل لا يعرف ما يجوز علي الله تعالى، وقال القاضي: النزول صفة ذاتية، ولا نقول نزوله انتقال، قلت وهذا مغالطة، ومنهم من قال: يتحرك إذا نزل، ولا يدري أن الحركة لا تجوز علي الخالق، وقد حكوا عن أحمد ذلك وهو كذب عليه، ولو كان النزول صفة لذاته، لكانت صفاته كل ليلة تتجدد وصفاته قديمة.
الحديث العشرون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” إني مجهود، فقال: من يضيف هذا هذه الليلة ؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به فقال لامرأته: هل عندك شيء ؟، قالت لا إلا قوت صبياني، قال فعلليهم بشيء إذا أرادوا الصبية العشاء فنوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج، وأريه أنا نأكل فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) ([26]) .
وفي أفراد البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجب ربك من قوم جيء بهم بالسلاسل حتي يدخلهم الجنة)، قال العلماء: العجب إنما يكون من شيء يدهم الانسان فيستعظمه مما لا يعلمه وهذا لا يليق بالخالق سبحانه، لكن معناه: عظم قدر ذلك الشيء عنده لأن المتعجب من شيء يعظم قدره عنده، ومعني في السلاسل: اكرهوا علي الطاعة التي بها يدخلون الجنة، وقال ابن الأنباري: معني عجب ربك: زادهم إنعاما وإحسانا، فعبر بعجب عن هذا، وقال بن عقيل: العجب في الأصل استغراب الشيء وذلك يكون من علم ما لم يعلم، وإلا فكل شيء أنس به لا يتصور العجب منه، فإن الإنسان إذا رأي حجر المغناطيس يجذب الحديد ولم يكن رآه قبل ذلك عجب، والباري سبحانه لا يعزب عن علمه شيء، فأين العجب منه ؟ فلم يبق للحديث معني إلا أن يكون فعل شيء أعجبه فعله وكذلك الضحك لا يصدر إلا عن راض ولذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لله أفرح بتوبة عبده) أي رضي، ومنه قوله تعالى: { كل حزب بما لديهم فرحون } أي راضون، وقال القاضي: لا نثبت عجبا هو تعظيم الأمر بل نثبت ذلك صفة، وهذا ليس بشيء.
الحديث الحادي والعشرون: روي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لله أشد فرحا بتوبة عبده إذا تاب، من أحدكم براحلته إذا وجدها) ([27]) .
قال المصنف: لما كان سرورا بشيء راضيا به قيل له فرح، والمراد الرضا بتوبة التائب، ولا يجوز أن يعتقد في الله تعالى من التأثر الذي يوجد في المخلوقين، فإن صفات الحق قديمة لا يحدث لها صفة.
الحديث الثاني والعشرون: روي مسلم في إفراده من حديث أبي موسي قال: قام فينا رسول الله بخمس كلمات فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه إلى قوله، إلى قوله: حجابه النور) ([28]) .
وفي رواية: (النار ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه) ([29]) .
(قلت): معني يخفض القسط ويرفعه: أي يخفض بعدل ويرفع بعدل، وقوله: حجابه النور، ينبغي أن يعلم أن هذا الحجاب للخلق عنه، لأنه لا يجوز أن يكون محجوبا لأن الحجاب يكون أكبر مما يستره، ويستحيل أن يكون جسما أو جوهرا أو متناهيا محاذيا إذ جميع ذلك من إمارات الحدث، وإنما عرف الناس حدوث الأجسام من حديث وجودها متناهية محدودة محلا للحوادث، وكما أنه لا يجوز أن يكون لوجوده ابتداء ولا انتهاء لا يصح أن يكون لذاته انتهاء، وإنما المراد: أن الخلق محجوبون عنه كما قال سبحانه وتعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }، وقد روي سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، (قلت): وهذا حديث لا يصح ولو كان صحيحا كانت الحجب للخلق لا للحق، وأما السبحات فجمع سبحة، قال أبو عبيدة لم نسمع هذا إلا في هذا الحديث، قال: ويقول أن السبحة جلال وجهه، زمنه قوله: سبحان الله وإنما هو تعظيم له وتنزيه، وقال ابن خزيمة: باب وجه صفة ربنا ثم ذكر حديث السبحات متوهما النور المعروف، والخالق منزه عن النور الجسماني، وروي أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال: سألت أحمد بن يحي عن قوله: لأحرقت سبحات وجهه فقال: السبحات الموضع الذي يسجد عليه، (قلت): فعلي هذا يكون الخطاب بما يعرفون كما قال: { قلوب العباد بين أصبعين }، وقال القاضي: لا يمنع اطلاق حجاب من دون الله تعالى، لا علي وجه الحد والمحازاة، (قلت): وهذا كلام مختلط لا ترضي به العوام.
الحديث الثالث والعشرون: روي ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (أهل الجنة يرون ربهم في كل جمعة، في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة) ([30]) .
قوله: في رمال الكافور: إشارة إلى الحاضرين، ثم في رمال الكافور وأقربهم منه أي أ حظاهم عنده، وفي حديث آخر: (المقسطون يوم القيمة عن منابر من نور علي يمين الرحمن) ([31]) .
وقال بعضهم” يمين العرش ” وفي حديث ” سوق الجنة ” فلا يبقي في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضره، ويروي خاصرة بالخاء المعجمة، وقال: وهذا يرويه يوسف بن عبد الله عن سلمة بن العيار ولم يثبت في الصحاح، ومثل هذا لا يثبت برواية هؤلاء وقال: والمحاضرة: المصافحة، وقال القاضي: لا يمتنع أن يكون الحق في رمال الكافور، (قلت): فقد أقر بالحضرة، ثم قال: لا علي وجه الانتقال، وهذا تلاعب، ثم قال: ولا يمتنع قربهم من الذات وهذا يضيع معه الحديث، واستدل بقوله: (ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه)، وقال الخلوة عبارة عن القرب، ويجوز القرب من الذات، وقد سبق رد هذا.
الحديث الرابع والعشرون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء من اليهود رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا محمد إن الله يضع السماوات علي إصبع والأرضين علي إصبع، والجبال علي إصبع، والشجر والأنهار علي إصبع،، وفي لفظ الماء والثري علي إصبع، ثم يهزهن، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: وما قدر الله حق قدره) ([32]) .
وفي بعض الألفاظ: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا له، قال أبو سليمان الخطابي: لا تثبت لله صفة إلا بالكتاب أو خبر مقطوع له بصحته يستند إلى أصل في الكتاب أو في السنة المقطوع علي صحتها، وما بخلاف ذلك فالواجب التوقف عن إطلاق ذلك ويتأول علي ما يليق بمعاني الأصول المتفق عليها من أقوال أهل العلم من نفي التشبيه، قال: وذكر الأصابع لم يوجد في الكتاب ولا في السنة التي شرطها في الثبوت ما وصفنا فليس معني اليد في الصفات معني اليد حتي يتوهم ثبوتها ثبوت الأصابع بل هو توقيف شرعي أطلقنا الاسم فيه علي ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه، (قلت): ظاهر ضحك النبي صلى الله عليه وسلم الإنكار، واليهود مشبهة ونزول الآية دليل علي إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال بن عقيل ما قدر الله حق قدره حيث جعلوا صفاته تتساعد وتتعاضد علي حمل مخلوقاته وإنما ذكر الشرك في الآية ردا عليهم، وفي معني هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ولما كان القلب بين أصبعين ذليلا مقهورا، دل بهذا علي أن القلوب مقهورة لمقلبها، وقال القاضي: غير ممتنع حمل الخبر علي ظاهره في الإثبات، والإصبع صفة راجعة إلى الذات، لأنا لا نثبت أصابعا هي جارحة ولا أبعاضا، (قلت): وهذا كلام مخبط لأنه إما أن يثبت جوارحا وإما أن يتأولها، فأما حملها علي ظواهرها، فظواهرها الجوارح،،؟ ثم يقول: ليست أبعاضا، فهذا كلام قائم قاعد، ويضيع الخطاب لمن يقول هذا.
الحديث الخامس والعشرون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة بيديه ثم يأخذهن بيده اليمني ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون أين المتكبرون،،؟ ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟)([33]) . هكذا رواه مسلم وهي أتم الروايات، وفي لفظ رواه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يأخذ الله عز وجل سماواته وأرضه بيديه فيقول: أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك) ([34]) .
(قلت): وقد ثبت بالدليل القاطع أن يد الحق سبحانه وتعالى ليست بجارحة وإن قبضه للأشياء ليس مباشرة، ولا كف له، وإنما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأفهام ما يدركه الحس، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها،، فوقوع الشبه بين القبضتين من حيث ملكة المقبوض كما وقع الشبه في رؤية الحق سبحانه برؤية القمر في إيضاح الرؤية لا في تشبيه المرئي، فأما في لفظ الشمال فهي في رواية مسلم وهي مما انفرد به عن عمر بن حمزة عن سالم ابن عمر، وقد روي الحديث نافع وغيره عن بن عمر فلم يذكروا لفظة الشمال، ورواه أبو هريرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر أحد منهم فيه الشمال، وقد روي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة إلا أنه ضعيف بالمرة، ورواه بعض المتروكين، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: وكلتا يديه يمين مباركة، وهذا يوهن ذكر الشمال، وقال أبو بكر البيهقي: وكان الذي ذكر الشمال رواه علي العادة في أن الشمال يقابل اليمين، قال القاضي: غير مستحيل إضافة القبض والبسط إلى ذاته وقد سبق إنكار هذا.
الحديث السادس والعشرون: روي أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { فلما تجلي ربه للجبل }، قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصرفقال حميد الطويل لثابت: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد، قال فضرب صدره ضربة شديدة فقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد، فحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم([35]) . وفي لفظ: فأومئ بخنصره فساخ الجبل وخر موسي صعقا، وروي ابن حامد، فلما تجلي ربه للجبل قال: خرج منه أول مفصل من خنصره، (قلت): هذا الحديث تكلم فيه علماء الحديث وقالوا: لم يروه عن ثابت غير حماد بن سلمة وكان ابن أبي العوجاء الزنديق قد أدخل علي حماد أشياء، فرواها في آخر عمره ولذلك تجافي أصحاب الصحيح الإخراج عنه، ومخرج الحديث سهل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرب إلى الافهام بذكر الحسيات، فوضع يده علي خنصره إشارة إلى أن الله تعالى أظهر اليسير من آياته، قال بن عقيل: كشف من أنواره التي يملكها بقدر طرف الخنصر وهذا تقدير لنا بحسب ما نفهم من القلة لا نحكم أنه يتقدر، فان قيل: كيف أنكر حميد علي ثابت ؟ (قلنا): يحتمل أن يكون توهم أن هذا يرجع إلى الصفات وقد أثبت القاضي لله سبحانه خنصرا بهذا الحديث المعلول.
الحديث السابع والعشرون: روي القاضي عن عكرمة أنه قال: ” إذا أراد الله عز وجل أن يخوف عباده أبدي عن بعضه إلى الأرض فعند ذلك تتزلزل، وإذ أراد أن يدمدم علي قوم تجلي لها “([36]) .
قال القاضي: أبدي عن بعضه، هو علي ظاهره، وهو راجع إلى الذات علي وجه لا يفضي إلى التبعيض، (قلت): ومن يقول أبدي عن بعض ذاته، وما هو بعض لا يكلم ثم اثبات البعض بكلام تابعي لو صح يخالف اجماع المسلمين فانهم أجمعوا أن الخالق لا يتبعض وإنما المراد أبدي عن آياته.
الحديث الثامن والعشرون: روي أبو الأحوص الجشمي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك تأخذ موساك فتقطع أذن بعضها فيقول هذه نحر، وتشق الأذن الأخرى وتقول صرم ؟ قال نعم، قال: فلا تفعل، فإن موسي الله أحد من موساك، وساعد الله أشد من ساعدك([37]) . قال القاضي: لا يمتنع حمل الخبر علي ظاهره في إثبات الساعد صفة لذاته، وإن المراد بالساعد القوة، لأن قوة الإنسان في ساعده غفلة عامية وخروج عن مقتضي الفهم، وكان ينبغي أن يثبت الموسي ؟ (قلت): (إثبات صفة لله بهذا الخبر الذي لا يكاد يثبت مع الأعراض عن فهم خطاب العرب وإنها تريد تمثل هذا التجوز والاستعارة.
الحديث التاسع والعشرون: روي أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن “([38]) . (قلت): قد ذكرنا صفة العين في الآيات المذكورة قبل الأحاديث والمراد بالحديث إن الله تعالى يشاهد المصلي فليتأدب، وكذلك قوله: ” فإن الله قبل وجهه ” أي أنه يراه “.
الحديث الثلاثون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل عليها وعندها امرأة سعيدة، فقال: من هذه،،؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، فقال: (مه عليكم ما تطيقون فو الله لا يمل الله حتي تملوا) ([39]) . وفي رواية: (لا يسأم الله حتي تسأموا)، قال العلماء: ابدأ وإن مللت، لا يمل الله وهو قول بن قتيبة والخطابي ولا يختلف في أهل اللغة، قال الشاعر: (صليت مني هزيل بخرق ،،، لا يمل المشير حتي يمل)، المعني لا يمل وإن ملوا، لم يكن له فضل عليهم، وقال قوم من مل من شيء تركه، والمعني، لا يترك الثواب ما لم يتركوا العمل، وأما الملل الذي هو كراهة الشيء والاستثقال له، ونفور الشيء عنه والسآمة منه، فمحال في حقه تعالى، لأنه يقتضي تفسيره، لأنه تغير وحلول الحوادث في حقه، وقال القاضي: لا يمتنع إطلاق الملل عليه لا معني السآمة، (قلت): وهذا بعيد عن معرفة اللغة وما يجوز عليه وما لايجوز عليه، ومن لفظ السأمة التي منع منها.
الحديث الحادي والثلاثون: روت خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” آخر وطأة وطئها الرحمن بوج،([40]) . ووج ” واد بالطائف” وهي آخر وقعة أوقعها الله بالمشركين علي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله: ” اللهم اشدد وطأتك علي مضر “، ومأخوذ من القدم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره، (وقال سفيان بن عيينة في تفسير هذا الحديث: آخر غزاه غزاها رسول الله بالطائف، وقال القاضي غير ممتنع علي أصولنا، حمل هذا الخبر علي ظاهره، وإن ذلك المعني بالذات دون الفعل، لأنا حملنا قوله: “ينزل ويضع قدمه في النار ” علي الذات، (قلت): وهذا الرجل يشير بأصولهم إلى ما يوجب التجسيم والانتقال والحركة، وهذا مع التشبيه بعيد عن اللغة ومعرفة التواريخ وأدلة العقول، وإنما اغتر بحديث روي عن كعب أنه قال: ” ووج مقدس، منه عرج الرب إلى السماء، ثم قضي خلق الأرض “، وهذا لو صح عن كعب احتمل أن يكون حاكيا عن أهل الكتاب، وكان يحكي عنهم كثيرا، ولو قدرناه من قوله كان معناه: إن ذلك المكان آخر ما استوي من الأرض لما خلقت، ثم عرج الرب، أي عمد إلى خلق السماء وهو قوله:” ثم استوي إلى السماء وهي دخان “، ويروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لما أسري بي، مر بي جبريل عليه السلام –حتي أتي بي إلى الصخرة، فقال:” يا محمد من ههنا عرج ربك إلى السماء “، (قلت): وهذا يرويه بكر بن زياد، وكان يضع الحديث عن الثقات، فإن قيل: قال ابن عباس: استوي إلى السماء: صعد (قلنا): صعد أمره، إذ لا يجوز عليه الانتقال والتغير، واعلم أن في أخبار الصفات علي ثلاث مراتب: (أحدهما):: امرارها علي ما جاءت من غير تأويل ولا تفسير، إلا أن تقع ضرورة كقوله:” جاء ربك ” أي جاء أمره وهذا مذهب السلف، (المرتبة الثانية): التأويل وهو مقام خطر علي ما سبق بيانه، و (المرتبة الثالثة): القول فيها بمقتضي الحس، وقد عم جهله الناقلين، إذ ليس لهم حظ من علوم المعقولات، التي بها يعرف ما يجوز علي الله وما يستحيل فإن علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فإذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضي الحس، وإليه أشار القاضي بقوله: ” لا يمتنع أن تحمل الوطأة التي وطئها الحق علي أصولنا وأنه معني يتعلق بالذات “، وأصولهم علي زعمه ترجع إلى الحس، ولو فهموا أن الله تعالى لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا تغير، ما بنوا علي الحسيات، والعجب أن يقر بهذا القول ثم يقول: ” من غير نقلة ولا حركة ” فينقض ما يبني، ومن أعجب ما رأيت لهم (ما أنبأنا عبد العزيز بن كادس، قال أنبأنا أبو طالب العشاري قال: أنبأنا البنا، قال: أنبانا أبو الفتح ابن أبي الفوارس ٌقال: أنبأنا أبو علي الصواف قال: أنبأنا أبو جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة أنه قال في كتاب العرش: إن الله تعالى قد أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى العرش ثم استوي علي العرش، (قلت): ونحن نحمد الله إذ لم يبخس حظنا من المنقولات، ولا من المعقولات ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعاب الناس كلامهم.
الحديث الثاني والثلاثون: روي أبو إمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ما تقرب العباد إلى الله تعالي، بمثل ما خرج منه وهو القرآن “([41]) .
وفي حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” فضيلة القرآن علي سائر الكلام كفضل الله علي خلقه إن القرآن منه خرج وإليه يعود “، (قلت): والمعني أنه وصل إلينا من عنده وإليه يعود فيرفع.
الحديث الثالث والثلاثون: روي أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبي لأمة ينزل عليهم، وطوبي لأجواف تحمل هذا، وطوبي لألسن تتكلم بهذا،([42]) .
وهذا حديث موضوع يرويه إبراهيم بن مهاجر عن عمر بن حفص، وأما عمر بن حفص فقال أحمد بن حنبل: صرفنا حديثه، وقال يحي بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم بن حبان الحافظ: وهذا متن موضوع.
الحديث الرابع والثلاثون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل خلق الخلق حتي إذا فرغ منهم قامت الحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم: أما ترضين أن أصل من وصلك واقطع من قطعك) ([43]) .
وفي لفظ أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرحم شجنة من الرحمن) ([44]) .
، قال أبو عبيدة: الشجنة كالغصن من الشجرة، ومعني شجنة أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، والشجر شجن إذا التف بعضها ببعض، (قلت): ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يراد أن الله تعالى يراعي الرحم فيصل من يصلها ويقطع من قطعها ويأخذ لها حقا كما يراعي القريب قرابته، فإنه يزيد في المراعاة علي الأجانب، أو أن يراد أن الرحم بعض حروف الرحمن، فكأنه عظم قدرها بهذا الاسم، ويؤيد هذا حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى:” أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته “، أو قال بتته، وقد روي هذا الحديث بلفظ لم يخرج في الصحاح: ” الرحم شجنة من الرحمن تعلقت بحقوي الرحمن تقول: ” اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني “، وفي لفظ:” الرحم شجنة آخذه بحقو الرحمن “، وفي لفظ ” لما خلق الله الخلق قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، (قلت): وهذه أمثال ترجع كلها إلى ما بينا، ومعني تعلقها بحقو الرحمن: الاستجارة والاعتصام، وفي الصحيحين من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعة الله)، قال أبو بكر البيهقي: الحقو الإزار، والمعني: يتعلق بعزه، قال أبو حامد: يجب التصديق بأن الله تعالى حقوا، فتأخذ الحم بحقوه، قال: وكذلك نؤمن بأن الله جنبا لقوله تعالى: ” علي ما فطرت في جنب الله “، (قلت): وهذا لا فهم له أصلا، كيف يقطع التفريط في جنب الذات،،؟ قال: والمراد بالتعلق القرب والمماسة بالحقو كما روي أن الله تعالى يدني إليه داود حتي يمس بعضه، (قلت): قد طم القاضي علي هذا فقال: لا علي وجه الجارحة والتبعيض، والرحم أخذه بها لا علي وجه الجارحة والتبعيض، والرحم أخذه بها لا علي وجه الاتصال والمماسة، ثم نقض هذا التخليط وقال: في الخبر اضمار تقديره ذو الرحم يأخذ بحقو الرحمن فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه قال: لأن الرحم لا يصح عليها التعلق فالمراد ذو الرحم يتعلق بالحقو، (قلت): فقد زاد علي التشبيه والتجسيم، والكلام مع هؤلاء ضائع كما يقال لا عقل ولا قران، وإذا تعلق ذو الرحم وهو جسم فبماذا يتعلق،،؟ نعوذ بالله من سوء الفهم.
الحديث الخامس والثلاثون: روي مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في شيء منها عذبته) ([45]) .
، قال أبو سليمان الخطابي معني الكلام: أن الكبرياء والعظمة صفتان لله تعالى: اختص بهما لا يشاركه فيهما أحد، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل وضرب الإزار والرداء، مثلا يقول والله أعلم كما لا يشارك الإنسان في إزاره وردائه أحد، كذلك لا يشاركني في الكبرياء والعظمة مخلوق،
الحديث السادس والثلاثون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولا) ([46]) .
، (قلت): ذهب القاضي أن لله نفسا هي صفة زائدة علي الذات، وهذا قول مبتدع بنوع التشبيه لأنه لا يفرق بين الذات والنفس، وما المانع يكون المعني ذكرته أنا وقد سبق هذا في الكلام علي الآيات، والتقرب والهرولة، توسع في الكلام كقوله تعالى: { سعوا في آياتنا }، لا يراد به المشي.
الحديث السابع والثلاثون: روي أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن الله جميل يحب الجمال “، قال العلماء الجميل المجمل بتحسين الصور والأخلاق والإحسان، والذي أراه أن الجميل الذي أوصافه تامة مستحسنة، وقد فسره القاضي بما لا يليق بالحق سبحانه وتعالى فقال: غير ممتنع وصفه بالجمال وإن ذلك صفة راجعة إلى الجمال وإن ذلك صفة راجعة إلى الذات، لأن الجمال في معني الحسن، قال: وقد تقدم قوله: ” رأيت ربي في أحسن “، وهذا تشبيه محض.
الحديث الثامن والثلاثون: روي القاضي عن عمر بن عبد العزيز: إذا فرغ أهل الجنة والنار أقبل يمشي في ظلل من الغمام والملائكة فيقف علي أول درجة فيسلم عليهم، فيردون عليه السلام فيقول:سلوني، فيقولون: و ماذا نسألك،،؟ وعزتك وجلالك وارتفاعك في مكانك لو أنك قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم وأسقيناهم ولم ينقص ما عندنا، فيقولون بلي سلوني، فيقولون: نسألك رضاك، فيقول رضاي: أحللكم دار كرامتي، فيفعل هذا بأهل كل درجة حتي ينتهي إلى مجلسه“،([47]) .
قلت هذا حديث مكذوب به علي عمر، وبعد كيف يثبت لله صفة بقول عمر، قال ابن حامد يأتي يوم القيامة إلى المحشر لقوله: ” يأتي ربك علي وقت نزوله إلى السماء، وقال: الحديث يشهد لحديث عمر يعني، قوله تعالى: { يأتيهم الله في ظلل من الغمام }، (قلت): ولا يدري أن المعني يأتيهم الله بظلل (قال: ولا يمتنع امراره علي ظاهره لأنه لابد من مشية وانتهائه إلى مجلسه عن انتقال، (قلت): من يقول يحمل هذا علي ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا انتقال.
الحديث التاسع والثلاثون: روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود قال: ” وعدني ربي بالقعود علي العرش “،([48]) .
(قلت): وهذا حديث مكذوب لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حامد: يجب الإيمان بما ورد في المماسة والقرب من الحق لنية في إقعاده علي العرش، قال: وقال ابن عمر: ” وإن له عندنا لزلفي “، قال: ذكر الله الدنو منه حتي يمس بعضه، (قلت): وهذا كذب علي ابن عمر ومن ذكر تبعيض الذات كفر بالإجماع، قال القاضي: يقعد نبيه علي عرشه بمعني يدنيه من ذاته ويقربه منها ويشهد له قوله ” فكان قاب قوسين أو أدني ” وقال ابن عباس: كان بينه وبينه مقدار قوسين، (قلت): هذا عن جبريل لا عن الله سبحانه وتعالى، ومن أجاز القرب من الذات أجاز الملاصقة وما ذهب إليه القاضي صريح في التجسيم
الحديث الأربعون: روي الدار قطني من حديث أبا إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر: أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب عز وجل فقال: ” إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله “([49]) .
هذا حديث مختلف جدا، فتارة يروي عن عبد الله بن خليفة عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة عن عمر موقوفا) وقد رواه أبو إسحاق عن ابن خليفة عن ابن عمر قال: ” إذا جلس تبارك وتعالى علي الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل،،” ورواه ابن جرير عن ابن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربعه أصابع ثم قال بإصبعه فجمعها،، وإن له أطيطا كأطيط الرحل إذا ركب من ثقله “، ورواه أبو بكر المروزي إن ابن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الكرسي الذي يجلس عليه الرب ما يفضل منه إلا مقدار أربعة أصابع “، (قلت): هذا علي ضد اللفظ الأول، وكل هذا من تخليط الرواة وسوء الحفظ، والأليق فما يفضل منه مقدار أربع أصابع: والمعني أنه قد ملأ بهيبته وعظمته، ويكون هذا ضرب مثل يقرب عظمه الخالق، وقول الرواة: إذا قعد وإذا جلس من تغييرهم أو من تعبيرهم بما ظنونه المعني، كما قال القائل: ثم استوي علي العرش قعد، وإنما قلنا هذا لأن الخالق سبحانه وتعالى لا يجوز أن يوصف بالجلوس علي شيء فيفضل من ذلك الشيء، أن هذه صفة الأجسام، وقال الزاغوني: معني الحديث خرج عن صفة الاستواء أربعة أصابع، (قلت): وهذا قد قصد به مغالطة العوام وهل لما قاله معني إلا أن يقال ان هذه الأربعة لم تحاذ ولم تماس وكل هذا صريح في التشبيه ظاهر في التجسيم ثم هو إثبات صفات بما لا يحس إثباته من الأحاديث المعلولة، وقد روينا عن أبي بكر بن مسلم العائدي قال: هذا الموضع الذي يفضل لمحمد ليجلس عليه قال: وقد كان الأليق بهذا المتعبد أن يتشاغل بعبادته عن الكلام في هذا الفن، وقد روي القاضي عن الشعبي أنه قال: إن الله تعالى قد ملأ العرش حتي إن له أطيطا كأطيط الرحل، (قلت): هذا كذب علي الشعبي، قال القاضي: وغير ممتنع حمل الخبر علي ظاهره في أن ذاته تملأ العرش ثم قال: لا علي شغل مكان، (قلت): ومن يخلط هذا التخليط لا يكلم واعجبا ما يملأ مكانه يشغله، روي القاضي عن خالد بن معدان أنه قال: إن الرحمن ليثقل علي حمله العرش، وقال غيره: متنع حمل هذا علي ظاهره وإن ثقله يحصل علي وجه المماسة.
الحديث الحادي والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: أن يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار) ([50]) .
(قلت): انفرد بلفظ الصوت حفص ابن غياث وخالفه وكيع وجرير وغيرهما، من أصحاب الأعمش فلم يذكروا الصوت، وسئل أحمد عن حفص قال: كان يخلط في حديثه، وفي الحديث الصحيح: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة علي الصفا، فرواه بعضهم بالمعني الذي يظنه فقال: سمع صوته أهل السماء، وفي حديث ابن مسعود:” إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة علي الصفا “، وهذا مع اللفظ الأول أليق وليس في الصحيح: سمع صوته أهل السماء،
الحديث الثاني والأربعون: روي جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما كلم الله موسي عليه السلام يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي به ناداه فقال له: يا موسي إني كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوي من ذلك فلما سمع رجع إلى بني إسرائيل قالوا: صف لنا كلام الرحمن،،؟ قال: لا أستطيع قالوا قربه لنا قال: ألم تسمعوا صوت الصواعق التي تقبل بأجلي كلام سمعتموه قط،([51]) .
(قلت): هذا حديث لا يصح يرويه علي بن عاصم عن الفضل بن عيسي قال يحي ليس بشيء، وقال النسائي: علي بن عاصم متروك الحديث، وقال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب، وأما الفضل بن عيسي فقال السختياني لو خلق أخرس كان خيرا له، وقال ابن عيينة: الفضل بن عيسي لا شيء، وقال يحي: هو رجل سوء.
الحديث الثالث والأبعون: روي القاضي عن حسان بن عطية أنه قال:” الساجد يسجد علي قدم الرحمن([52]) . (قلت): هذا قول تابعي، وهو مثل المقرب من فضل الله تعالى، وأثبت القاضي بهذا وصف قدم، وإنه يسجد علي قدم حقيقية لا علي وجه المماسة.
الحديث الرابع والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء علي وجهه في جنة عدن) ([53]) .
الرائي في جنة عدن لا المرئي لأنه لا تحيط به الأمكنة، وقال القاضي، ظاهر الحديث أنه المرئي في جنة عدن، (قلت): وهذا هو التجسيم المحض، ورداء الكبرياء ما له من الكبرياء والعظمة، فكأنه له أن يمنعهم فلعظمته، وإن شاء كشف لهم، وقد تكلمنا علي الوجه في الآيات وقلنا المراد بالوجه هو،
الحديث الخامس والأربعون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضي الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي)، ([54]) . وفي لفظ سبقت، قال القاضي: ظاهر قوله عنده القرب من الذات، واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالى ” مسومة عند ربك.
الحديث السادس والأربعون: روي عن بعض التابعين أنه قال: ” خلق الله آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده “([55]) . (قلت): هذا حديث لا يثبت عن قائله وقد تكلمنا علي قوله تعالى: { لما خلقت بيدي }
الحديث السابع والأربعون: روي ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وسع كرسيه السماوات والأرض }، قال: ” كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره “،([56]) .
(قلت): رواة جماعة من الأثبات فوقفوه علي ابن عباس، ورفعه منهم شجاع ابن مخلد فعلم بمخالفته الكبار المتقنين أنه قد غلط، ومعني الحديث، أن الكرسي صغير بالإضافة إلى العرش كمقدار كرسي يكون عنده سرير قد وضع لقدمي القاعد علي السرير، قال الضحاك: الكرسي الذي تجعل الملوك أرجلهم عليه، وقال القاضي: القدم قدم الذات، وهي التي يضعها في النار.
الحديث الثامن والأربعون: حديث العباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك “،([57]) .
هذا حديث لا يصح تفرد به يحي بن العلاء، قال أحمد هو كذاب يضع الحديث، وقال يحي بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعة، وقد تكلمنا في الفوقية في قوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده }، قال القاضي: المراد من الفوقية: استواء الذات علي العرش، وقال هو علي العرش ما حاذي العرش من ذاته فهو حد له وما عدا الجهة المحاذية للعرش وهو الفوق والخلف والأمام واليسرة لا يحد، (قلت): هذا الكلام أصل التجسيم لأن المحاذي يكون أكبر أو أصغر والمقادير لا تكون إلا في الأجسام، قال القاضي: إذا ثبت أنه مستو علي العرش فهل يجوز أن نطلق عليه الجلوس والقيام، ما وجدت عن إمامنا في هذا شيئا، (قلت): وكلا الشيئين لا يصح، أما لفظة القعود فقد رواها عن ابن عباس و لا يصح، وأما القيام فيرويها عيسي بن جابر عن عمر ابن الصبيح، قال البخاري قال عمر بن الصبيح أنا وضعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن حبان: وكان يضع الحديث علي الثقات لا يصح كتب حديث إلا علي التعجب، وقال الدارقطني: متروك وقال الأزدي كذاب ذاهل، (قلت): وبمثل هذه يثبت لله صفة أين العقول ؟ تعالى الحق أن يوصف بقيام وهو انتصاب القامة إنما هو قائم بالقسط، ولا يوصف بقعود ولأنها حالة الجسمانية.
الحديث التاسع والأربعون: روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتي تكون مثل الجمل)، ([58]) . وفي لفظ أخرجه مسلم: (فتربوا في كف الرحمن حتي تكون أعظم من الجبل) ([59]) . قال العلماء هذا خطاب للناس بما بما يعلمونه ويفهمونه من الأخذ والتربية والنمو لما كان التناول باليد والقبض بالكف، خاطبهم بما يعقلون، وإنما جري ذكر اليمين لأنها مرصدة لما عز من الأمور، ومعني التربية المضاعفة.
الحديث الخمسون: روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال فقال: (ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور) ([60]) .
، قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، والعور نقص ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة، قال بن عقيل: يحسب بعض الجهلة أنه لما نفي العور عن الله عز وجل أثبت من دليل الخطاب أنه ذو عينين وهذا بعيد من الفهم إنما نفي عنه العور من حديث نفي النقائص، كأنه قال: ربكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزيء، ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة، لم يكن في ذلك دليل علي الألوهية ولا القدم، فإن الكامل في الصورة كثير، قال: ومن قال بدليل الخطاب فأثبت عينين قيل له دليل الخطاب مختلف في كونه دليلا في أحكام الفقه وفروع الدين، فكيف بأصوله ثم هو عند من اعتقده جحد يقضي عليه معني النطق وهو القياس المظنون فكيف يكون له حكم الدليل وقد قضي عليه دليل العقل بالرد.
الحديث الحادي والخمسون: روي البخاري ومسلم في إفراده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: ما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتي أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته) ([61]) .
(قلت): قوله: كنت سمعه وبصره فهو مثل وله ثلاثة أوجه: (أحدهما):: كنت كسمعه وبصره فهو يحب طاعتي، كما يحب هذه الجوارح، و (الثاني): أن جوارحه مشغولة بي، فلا يصغي إلى ما لا يرضيني إلا عن أمري، و (الثالث): أني أحصل له مقاصده كما ينالها بسمعه وبصره ويديه اللواتي تعينه علي عدوه، والحق منزه عن حقيقته فهو كقوله: (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، وقال بعض العلماء: لما كان المؤمن يمرض فيسئل العافية فيعافي كان ذلك كالتردد في إماتته، وأما التردد فخطاب لنا بما نعقل.
الحديث الثاني والخمسون: روي جبير بن مطعم قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله: جهدت الأنفس وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك علي الله ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ويحك: أتدري ما تقول،،؟؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتي عرف ذلك في وجه أصحابه فقال: إنه لا يستشفع بالله علي أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك: ويحك أتدري ما الله إن عرشه علي سمواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة، فإنه ليئط كأطيط الرحل بالراكب“([62]) .
(قلت): هذا الحديث تفرد بروايته وقال محمد بن اسحق عن يعقوب عن عتبة وكلاهما لا يحتج به أرباب الصحاح، قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث إذا أجري علي ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، وهي عن الله وصفاته منفية، فعلم أنه مكان تقريب أريد به عظمة الله ممن حيث يدركه فهم السامع إذا كان أعرابيا جلفا لا علم له بمعاني ما دق من الكلام، ومعني قوله أتدري ما الله – أتدري ما عظمة الله وجلاله،،؟ ومعني يأط به أي يعجز عن جلاله وعظمته، إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب معلوما لقوة ما فوقه، أو لعجزه عن احتماله، فقرب بهذا النوع من التمثيل عنده، معني عظمة الله وجلاله ليعلمه أن الموصوف بعلو الشأن لا يجعل شفيعا لما هو دونه في القدر،، وقد ذكرنا فيما تقدم عن القاضي أنه قال: ” يئط من ثقل الذات “، وهذا صريح في التجسيم.
الحديث الثالث والخمسون: روي أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: { إن الله كان سميعا بصيرا }، فوضع إصبع الدعاء وإبهامه علي عينيه وأذنيه([63]) . قال العلماء: أراد بهذا تحقيق السمع والبصر لله تعالى، فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل السمع والبصر، لا أنه لله سبحانه جارحة.
الحديث الرابع والخمسون: روي أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” إن الله عز وجل ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر في الساعة الأولي، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن وهي داره التي لم يسكنها غيره، وهي مسكنه، ثم يقول طوبي لمن يسكنك ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته ثم ينتفض فيقول قومي بعزتي،”([64]) . (قلت): هذا الحديث يرويه زيادة الأنصاري، قال البخاري، هو منكر الحديث (وذكر له أهل الحديث هذا الحديث) وقال أبو حاتم ابن حبان يروي المناكير عن المشاهير، واستحق الترك (وقد رواه أبو جعفر بن أبي شيبة فقال فيه: زائدة: وهو غلط إنما هو زيادة، ونقول علي تقدير الصحة أنها مضافة إليه كما أضيف البيت إليه يقال: هذا بيته وهذا مسكنه، وإنما قلنا هذا لأن السكنة مستحيلة في حقه.
الحديث الخامس والخمسون: روي أبو إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي ألفا وثلاث حثيات من حثياته “([65]) قلت: الحثية مليء الكف، والمراد التقريب بما يعقل لا حقيقة الحثية.
الحديث السادس والخمسون: روي أبو إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن الله يجلس يوم القيامة علي القنطرة الوسطي بين الجنة والنار “([66]) . يرويه عثمان ابن أبي عاتكة وقال يحي: ليس بشيء،
الحديث السابع والخمسون: روي القاضي عن محمد بن كعب القرظي قال: ” كان الناس إذا سمعوا القرأن من في الرحمن كأنهم لم يسمعوه قط “([67]) .
قال القاضي: ولا يمتنع أن يطلق الفي عليه، (قلت): وآعجبا يعني في الرحمن فمه، فيثبت لله صفة بقول تابعي لا تصح الروية عنه، هذا من أقبح الأشياء، فإما الحديث الذي سبق عن أبي إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تقرب إلى بمثل ما خرج مني، فالمعني: خرج عنه، ولا يجوز أن يظن أنه كخروج جسم من جسم لأن الله عز وجل ليس بجسم ولا كلامه جسم،
الحديث الثامن والخمسون: روينا عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة ولا تسمع من نفس شيئا من حس تلك الحجب إلا زهقت “([68]) .
قلت هذا حديث لا أصل له، يرويه موسي بن عبيدة، قال أحمد: لا يحل عندي الرواية عنه، قال يحي ليس بشيء، وموسي يرويه عن موسي بن الحكم قال البخاري: عمر ذاهب الحديث.
الحديث التاسع والخمسون: رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” إن لله للوحا، أحد وجهيه دره والآخر ياقوته، قلمة النور فبه يخلق وبه يرزق وبه يحي وبه يميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء في يوم وليلة “([69]) . (قلت): هذا الحديث موضوع، يرويه محمد بن عثمان وهو متروك،
الحديث الستون: روي جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فأسالوا الله خيرها واستعيذوا من شرها “،([70]) .
(قلت): النفس بمعني التنفيس عن المكروب، ومثله ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن “، يعني تنفيسه عن المكروب بنصرة أهل المدينة (إياي والمدينة) من جانب اليمن، وهذا شيء لا يختلف فيه المسلمون، وقال بن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفا في ذاته بأنه يتنفس قال: وقالوا الرياح الهفافة مثل الرياح العاصفة، والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة، إلا رياحا من صفاته هي ذات نسيم حياتي، وهي من نفس الرحمن، (قلت): علي من يعتقد هذه اللعنة، لأنه يثبت جسدا مخلوقا وما هؤلاء بمسلمين، تم بحمد الله
***
(الفصل الثاني) من متون لدراسة العقيدة على طريقة السادة الأشاعرة
وقد اشتمل على تلك المتون:
(1) متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى للإمام السنوسي الحسني.
(2) متن العقيدة السنوسي
ة الوسطى للإمام السنوسي الحسني.
(3) ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام لحجة الإسلام لإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي.
(4) لوامع الأدلة للعقيدة وهو الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي.
(5) العقيدة المرشدة للإمام الحافظ فخر الدين بن عساكر.
(6) ملحة الاعتقاد لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الأشعري الشافعي.
المتن الأول من متون السادة الأشاعرة مفاخر العلم في باب العقيدة متن أم البراهين المسمى بالعقيدة السنوسية الصغرى للإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي الحسني
بسم الله الرحمن الرحيم: الَحْمُد للهِ وًالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ: أعْلَمْ أّنَّ الْحُكْمَ العَقْليَّ يَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الْوُجُوبِ، وَالاِسْتِحَالَةِ، وَالجَوَازِ، فَالْوَاجِبُ: مَالا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ، وَالمُسْتَحِيلُ: مَالاَ يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ، وَالجَائِزُ: مَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ وَجَودَهَ وَعَدَمُهُ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ شَرْعًا أّنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، وَمَا يَسْتَحِلُ، وَمَا يَجُوزُ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ،
فِمَمَّا يَجِبُ لِمَوْلاِنَا جَلَّ وَعَزَّ عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ: الْوَجُودُ، وَالْقِدَمُ، وَالبَقَاءُ، وَمُخَالَفَتُهَ تَعَالَى ِلْحَوَادِثِ، وَقِيَامُةُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ: أَيْ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى مَحَلَّ، وَلاَ مُخصِّصٍ، وَالْوَحْدَانِيَّةُ:أَيْ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلاَ فِي صِفَاتِهِ، وَلاَ فِي أَفْعَالِهِ، فَهذِهِ سِتُّ صِفَاتٍ: اْلأُولَى نَفْسِيَّةٌ، وَهِيَ: الْوَجُودُ، وَالخَمْسَةُ بَعْدَهَا سَلْبيَّةٌ، ثُمَّ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى صفَاتِ المَعَانِي، وَهِيَ: الْقًدْرَةُ، وَاْلإِرادَةُ: المُتَعَلِّقَانِ بِجَمِيعِ المُمْكِنَات، وَالْعِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، وَالجَائِزَاتِ، وَالمُسْتَحِيلاَتُ، وَالحَيَاةُ، وَهِيَ: لاَ تتَعَلَّقُ بِشْيءِ، وَالسَّمْعُ وَالبصَرُ: المُتَعَلِّقَان بِجَمِيعِ المَوْجُودَات، وَالْكَلامُ: الذَّي لَيْسَ بِحَرْفٍ، وَلاَ صَوْتٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ المُتَعَلَّقَاتِ، ثُمَّ سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةً، وَهِيَ: مُلاَزِمَةٌ لِلسَّبْعْ اْلأُولَى، وَهِيَ: كَوْنهُ تعالى: قادراً وَمُريداً وَعَالِمًا وَحَيَّا وَسَمِيعًا وَبَصِيراً وَمُتَكَلِّمًا,
وَمِمَّا يسْتَحِيلُ فِي حَقَّهِ تَعَالى عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ أَضْدَادُ الْعِشْرِينَ اْلأُولَى، وَهِيَ: الْعَدَمُ وَالحُدُوثُ وَطُرُؤُ الْعَدَمِ وَالمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ: بِأَنْ يَكُونَ جِرْمًا: أَيْ تَأخُذَ ذَاتُهُ الْعَلِيةُ قَدْراً مِنَ الْفَرَاغِ، أَوْ يَكُونَ عَرَضًا يَقُومُ بِالْجِرْم، أَوْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ للْجْرمِ، أَوْلهُ هُوَ جِهَةٌ، أَوْ يَتَقَيَّد بِمَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ تَتَّصِفَ ذَاتُهُ الْعِلِيةُ بِالحَوَادِثِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالصِّغَرِ، أَوْ الْكِبَرِ، أَوْ يَتَصَّفَ بَاْلأَغْرَاض فِي اْلأَفْعَالِ أَوْ اْلأَحْكامِ، وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: أَنْ لاَ يَكُونَ قائِمًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ صِفَةً يَقُومُ بِمَحلٍ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصَّصٍ، وَكَذَا يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: أَنْ لاَ يَكُوُنَ وَاحِداً بِأَنْ يَكُونَ مُرَكبًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ مُمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ صِفَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْوُجُودِ مُؤَثَّرٌ فِي فِعْلٍ مِنَ اْلأَفْعَالِ، وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى:الْعَجْزُ عَنْ مَمْكِنٍ مَّا، وَإِيجَادُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِوُجُودِهِ، أَيْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ لَهُ تَعَالَى أَوْ مَعَ الذُهُولِ، أَوْ الْغَفْلَةِ، أّوْ بِالتَّعْلِيلِ، أَوْ بِالطَّبْعِ، وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: الجَهْلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بَمعْلُومٍ مَّا، وَالمَوْتُ، وَالصَّمَمُ، وَالْعَمى وَالْبَكَمُ، وَأَضْدَادُ الصِّفَاتٍ المَعْنَوِيَّةِ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذِهِ.
وَأَمَّا الجَائِزُ فِي حقِّهِ تَعَالَى: فَفِعْلُ كَلِّ مَمْكِنٍ أَوْ تَرْكُهُ.
أَمَّا بُرْهَانُ وَجَودِهِ تَعَالَى: فَحُدوثُ الْعَالَمِ، لأَنَّهُ لَوْ لًمْ يَكُنْ لَهُ مُحْدِثٌ بَلْ حَدَثَ بِنَفْسِهِ لَزمَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اْلأَمْرَيْنِ المُتَسَاويَيْنِ مُسَاوِيًا لِصَاحِبِهِ رَاجِحًا عَلَيْهِ بِلاَ سَبَبٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَدّلِيلٌ حُدُوثِ الْعَالَمِ مُلاَزَمَتُهُ لِلأَعْرَاضِ الحَادِثَةِ مِنْ: حَرَكَةٍ، أوَ سُكُونٍ أوَ غَيْرِهِمَا، وَمُلاَزِمُ الحَادِثِ حَادِثٌ، وَدَلِيلُ حُدُوثِ اْلأَعرَاضِ مُشَاهَدَةُ تَغَيُّرِهَا مِنْ عَدَمٍ إِلَى وَجَودٍ، وَمِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ، وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْقِدَمِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ يَكُنْ قَديمًا، لَكَانَ حَادِثًا فَيَفْقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، أوِ التَّسَلْسُلُ، وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ الْبَقَاءِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ، لاَنْتَفَى عَنْهُ القْدَمُ لِكَوْنِ وُجُودِهِ حِينَئِذٍ جَائِزًا لاَ وَاجِبًا، وَالجَائِزُ لاَ يَكُونُ وُجُودُهُ إِلاَّ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا وُجُوبُ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِه، وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ: فَلأَنَّهُ لَوْ مَائَلَ شَيْئًا مِنْهَا، لَكانَ حَادِثًا مِثْلَهَا، وَذلِكَ مُحَالٌ لِما عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ، وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوب قِيَامِهِ تَعَالَى بِنَفْسِهِ: فَلأَنَّهُ تَعَالَى لَوِ احْتَاجَ إِلَى مَحَلٍ لَكَانَ صفَةً، وَالصِّفَةُ لاَ تَتَّصِفُ بِصِفَاتِ المَعَانِي، وَلاَ المَعْنويَّةِ، وَمَوْلاِنَا جَلَّ وَعَزَّ يَجِب اتِّصَافُهُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِصِفَةٍ، وَلَو احْتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ لَكانَ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ قامَ الْبُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبقَائِهِ، وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا لَزِمَ أَنْ لاَ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ لِلَزَومِ عَجْزِهِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ اتِّصَافِهِ تَعالَى بِالْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْم وَالحَيَاةِ: فَلأَنَّهُ لَوِ انْتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا وَجِدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ، وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى وَالْبَصَرِ وَالْكَلاَمِ: فَالْكِتَابُ والسُّنة وَالإِجْمَاعُ، وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يتَّصِفَ بِهَا لَزِمَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا، وَهِيَ نَقَائِصُ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ، وَأَمَّا بُرْهَانُ كَوْنِ فِعْل المُمْكِنَاتِ أَوْ تَرْكِهَا حَائِزًا فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً، أَوِ اسْتَحالَ عَقْلاَ لاَ نْقَلَبَ المَمْكِنُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحِيلاً، وّذلِكَ لاَ يُعْقَلُ.
الرسل عليهم الصلاة والسلام: الواجب في حق الرسل عليهم السلام: وَأَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ وَالسَّلاَمُ:
فَيَجِبُ فِي حَقِّهِمُ: الصُّدْقُ، وَاْلأَمَانَة، وَتَبْلِيغُ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَليْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَضْدَادُ هذه الصِّفَاتِ، وَهِيَ: الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا نُهُوا نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ،
أَوْ كِتمْانُ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ، وَيَجُوزُ فِي حَقَّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ التَّي لاَ تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمِ الْعَلِيَّةِ ؛ كالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا لَلَزِمَ الَكَذِبُ فِي خَيَرِهِ تَعَالَى لِتَصْدِيقِهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالْمُعْجزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبِدْي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي، وَأمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ اْلأَمَانَةِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ خَانُوا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ، لاَ نْقَلَبَ المُحَرَّمُ، أَوِ المَكْروهُ طَاعَةً فِي حَقِّهِمْ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي أَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلاَ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمِ وَلاَ مَكْرُوه، وَهذَا بِعَيْنِهِ هُوَ بُرْهَانُ وُجُوبِ الثَّالِثِ، وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ: فَمْشَاهَدَةُ وُقُوعِهَاَ بِهِمْ: إِمَّا لِتَعْظِيمِ أُجُورِهِمْ، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ، أَوْ لِلتَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ لِخِسَّةِ قَدْرِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، وَعَدَمِ رِضَاهُ بِهَا دَارً جَزَاءٍ لأَنْبِيَائِهِ وَأَوْليَائِهِ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِهِمْ فِيهَا عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
وَيَجْمَعُ مَعَانِيَ هذِهِ العَقَائِدِ كُلهَا: قَوْلُ: (لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ): إِذ مَعْنَى اْلأُلُوهِيَّةِ: اسْتِغْنَاءُ اْلإِلهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَافْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ، فَمَعْنى لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ: لاَ مُسْتَغْنَي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، أَمَّا اسْتِغْنَاؤُهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْوُجُودَ، وَالْقِدَمَ، وَالْبَقَاءَ، وَالمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ، وَالْقِيَامَ بِالنَّفْسِ، وَالتَّنَزُّهَ عَن النَّقَائِصِ، وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ وُجُوبُ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى وَالْبَصَرِ وَالْكَلاَمِ، إِذْ لَوْ لَمْ تَجِبْ لَهُ هذِهِ الصِّفَاتُ لكَانَ مُحُتَاجًا إِلَى المُحْدِثِ، أَوِ المَحَلِّ، أَوْ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ النَّقَائِصَ، وَيُؤُخذُ مِنْهُ: تَنَزُّهُهُ تَعَالَى عَنِ اْلأَغْرَاضِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكامِهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَا يُحَصِّلُ غَرَضَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى فعْلُ شَيْءٍ مَنْ المُمْكنَاتِ عقلا وَلاَ تَرْكُهُ، إِذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً كالثَّوَابِ مَثَلاً، لَكانَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتِقَرًا إِلَى ذلِكَ الشَّيْءِ لِيَتَكَمَّلَ بِهِ غَرَضُهُ، إِذْ لاَ يَجِبُ فِي حَقِّهَ تَعَالَى إلاَّ مَا هُوَ كَمَالٌ لَهُ، كَيْفَ وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ كُلَّ مَا سِوَاهُ، وَأَمَّا افْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاءُ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى الحَيَاةَ، وَعُمُومَ الْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ، إِذْ لَو انِتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفتْقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَيُوجِبُ لَهُ تَعَالَى أَيْضًا: الْوَحْدَانِيةَ، إِذْ لَوْ كانَ مَعَهُ ثَانٍ فِي اْلأُلُوهِيَّةِ لما افْتقَرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا حِينَئِذٍ، كًيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَلُّ مَا سِوَاهُ، وَيُؤْخّذُ منْهُ أَيْضًا: حُدُوثُ الْعَالَمِ بِأَسْرهِ، إِذْ كانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَديمًا لَكَانَ ذلِكَ الشَّيْءُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ تَعَالَى، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّيِ يَجِبُ أَنْ يَفتْقِرُ إِلِيْهِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِشَيْءِ مِنَ الْكَائِنَاتِ فِي أَثَر مَّا، وَإلّا لَزِمَ أَنْ يَسْتَغْنَي ذلِكَ اْلأَثَرُ عَنْ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ عُمُومًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، هذَا إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْكائِنَاتِ يُؤَثّرُ بِطَبْعِهِ، وَأَمَّا إِنْ قَدَّرْتَهُ مُؤَثِّرًا بِقَوَّةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِيهِ كم يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ فَذلِكَ محَالٌ أَيْضًا، لأَنَّهُ يَصِيرُ حيِنَئِذٍ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا فِي إِيجَادِ بَعْضِ اْلأَفْعَالِ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَذلِكَ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ وُجُوبِ اسْتِغْنَائِهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَقَدْ بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ قَوْلِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ لِلأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ التَّيِ يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهَا فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، وَهِيَ: مَا يًجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) صَلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُ اْلإِيمَانُ اْلأَنْبِيَاءِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَاْليَوْمِ الآخِرِ، لأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جَاءَ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ ذلِكَ كُلِّهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: وُجُوبُ صِدْقِ الرّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَاسْتِحَالَةُ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُونُوا رُسُلاَ أْمَنَاءَ لِمَوْلاَنَا الْعَالِمِ بِالخَفِيَّاتِ جَلَّ وَعَزَّ، وَاسْتِحَالَةُ فِعْلِ المَنْهِيَّاتِ كلِّهَا لأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَأفْعَالِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُخَالَفَةٌ لأَمْرِ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ الذَّي اخْتَارَهُمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَأَمِنَهُمْ عَلَى سِرِّ وَحِيْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: جَوَازُ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيةِ عَلَيْهِمْ، إِذْ ذَاكَ لاَ يَقْدَحُ فِي رِسَالَتهمْ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى بَلْ ذَاكَ مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا، فَقْد بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا لِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَفِي حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَلَعَلَّهَا لاِخْتِصَارِهَا مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذكَرْنَاهُ جَعَلَهَا الشَّرْعُ تَرْجمَةً عَلَى مَا فِي الْقلْبِ مِنَ اْلإِسْلامِ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ اْلإِيمَان إِلاَّ بِهَا، فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهَا مُسْتَحْضِرًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ حَتَّى تَمْتَزِجَ مَعَ مَعْنَاهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يَرَى لَهَا مَنِ اْلأَسْرَارِ وَالْعَجَائِبِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مَالاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، وَباللهِ التَّوْفِيقُ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَلاَ معْبُودَ سِوَاهُ، نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجعَلَنَا وَأحِبَّتَنَا عِنْدَ المَوْتِ نَاطِقِينَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَة عَالِمِينَ بِهَا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدِ،كُلَّمَا ذَكًرًهً الذَّاكرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ، وَرَضِىَ اللهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِين لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينِ.
***
المتن الثاني من متون السادة الأشاعرة مفاخر العلم في باب العقيدة متن العقيدة السنوسية الوسطى للإمام السنوسي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد فهذه جمل مختصرة يخرج المكلف بفهمها إن شاء الله من التقليد المختلف في إيمان صاحبه إلى النظر الصحيح المجمع على إيمان صاحبه.
وذلك أن تعلم (أولا): أن الحكم العقلي ينحصر في ثلاثة أقسام: الوجوب والجواز والاستحالة وعلى هذه الثلاثة مدار مباحث علم الكلام كلها، فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه كالتحيز مثلا للجوهر، والمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده كعرو الجرم مثلا عن الحركة والسكون، والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه كموت الواحد منا اليوم أو غدا.
باب في حدوث العالم وإقامة البرهان القاطع عليه: فإذا عرفت هذا فأول ما تبدأ به من النظر النظر في حدوث العالم وهو كل ما سوى الله تعالى، فإذا نظرت فيه تجد جميعه أجراما تقوم بها أعراض من حركة وسكون وغيرهما فتقول في برهان حدوثه لو كان جرم من أجرام العالم كالسماء والأرض مثلا موجودا في الأزل لم يخل إما أن يكون في الأزل متحركا أو ساكنا أو لا متحركا ولا ساكنا والأقسام الثلاثة مستحيلة على الجرم في الأزل فيكون وجود الجرم في الأزل مستحيلا لأنه لا يعقل وجوده عاريا عن تلك الأقسام الثلاثة، أما بيان استحالة القسم الثالث فظاهر لأنه لا يعقل جرم في الأزل ولا في ما لا يزال ليس ثابتا في الحيز ولا منتقلا عنه، وأما بيان استحالة القسم الثاني وهو كون الجرم ساكنا في الأزل فوجهه أنه لو كان كذلك لما قبل أن بتحرك أبدا لأن سكونه على هذا الفرض قديم والقديم لا يقبل العدم إذ لو قبل العدم لاحتاج وجوده إلى مخصص لجوازه حينئذ فيكون محدثا، وقد فرض قديما فهذا تناقض لا يعقل، ودليل قبول السكون العدم مشاهدتنا الحركة في بعض الأجرام وذلك يقضي بجواز الحركة على جميع الأجرام لتماثلها، وأما بيان استحالة القسم الأول وهو كون الجرم في الأزل متحركا فالوجه فيه ما عرفت الآن في استحالة القسم الثاني ويزيد هذا القسم بوجه آخر من الاستحالة وهو أن حقيقة الحركة لا تعقل قديمة إذ هي الانتقال من حيز إلى حيز فهي إذًا لا تكون إلا طارئة على الجرم ولا بد أن يتقدم على وجودها الكون في الحيز المنتقل عنه والقديم لا يتصور أن يكون طارئا ولا أن
، يتقدم وجوده علي غيره فقد خرج لك بهذا البرهان القطعي كون العالم كله حادثا من عرشه إلى فرشه لا يتصور في العقل أن يكون شيء منه قديما.
باب في إقامة البرهان القاطع على وجوده تعالى وبيان احتياج العالم إليه جل وعز: وإذا كان العالم حادثا بعد ما تقرر عدمه فلا بد له من محدث إذ لا يتصور في العقل انتقاله من العدم الذي كان عليه إلى الوجود الطارئ بلا سبب ولو لا الفاعل المختار لوجوده في ما شاء من الأزمان على ما شاء من المقادير والصفات لكان يجب أن يبقى على ما كان عليه من العدم أبد الآباد لاستواء المقادير والصفات والأزمان بالنسبة إلى ذاته، وأما الوجود والعدم فقيل هما بالنسبة إلى ذاته سواء، فيستحيل أن يترجح الوجود المساوي الطارئ بلا سبب، وقيل العدم السابق أولى به لأصالته فيه وعدم افتقاره إلى سبب، وإذا كان ترجيح أحد المتساويين بلا سبب محال فاستحالة ترجيح الوجود المرجوح بالنسبة إلى العالم على هذا بلا سبب أحرى.
باب الدليل على وجوب قدمه جل وعز ووجوب بقائه: ثم يجب أن يكون محدث العالم قديما أي لا أولية لوجوده وإلا لافتقر إلى محدث ويلزم التسلسل فيؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له أو الدور فيؤدي إلى تقدم الشيء على نقسه وكلاهما مستحيل لا يعقل، ويلزم أن نكون واجب البقاء أي لا آخرية لوجوده إذ لو قبل أن يلحقه العدم لكان وجوده جائزا لا واجبا لما عرفت أن حقيقة الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه وهذا الوجود قد فرض أنه يقبل العدم فيكون جائزا إذ الجائز ما يصح فيه الوجود والعدم والجائز يستحيل أن يقع بلا سبب فيحتاج إذًا هذا الوجود الجائز إلى سبب فيكون محدثا، وقد قام البرهان على وجوب قدمه فإذًا فرضُ عدم وجوب البقاء في ما قام البرهان على وجوب قدمه تناقض لا يعقل.
باب الدليل على وجوب مخالفته تعالى للحوادث وعدم اتحاده بغيره وبيان الدليل على وجوب قيامه تعالى بنفسه: ويلزم أيضا أن يكون محدث العالم ليس بجرم ولا صفة للجرم لما عرفت من وجوب الحدوث للأجرام وصفاتها، ولا متحدا بغيره أي يكون معه واحدا وإلا فإن بقيا موجودين فهما بعد اثنان لا واحد وإن لم يبقيا موجودين لم يتحدا أيضا لأنه إن عدم كل منهما ووجد ثالث فظاهر وإن عدم أحدهما وبقي الآخر فكذلك لأن المعدوم لا يتحد بالموجود، وإن يكون ليس في جهة من الجهات لأنه لا يعمرها إلا الأجرام، وإن لا تكون له هو أيضا جهة لأنها من عوارض الجسم، ففوق من عوارض عضو الرأس وتحت من عوارض عضو الرجل ويمين من عوارض العضو الأيسر وأمام من عوارض البطن وخلف من عوارض الظهر ومن استحال عليه أن يكون جرما استحال أن يتصف بهذه الأعضاء أو لوازمها على الضرورة، ويجب أيضا أن يكون تعالى قائما بنفسه أي ذاتا لا يفتقر إلى محل ويستحيل أن يكون صفة ومنهم من فسر قيامه تعالى بنفسه باستغنائه عن المحل والمخصص وهو أخص من التفسير الأول ويخرج مشاركة الجوهر له في هذه الصفة، والدليل على استغنائه تعالى عن المخصص ما سبق من وجوب قدمه وبقائه، وعلى استغنائه عن المحل أنه لو كان صفة لاستحال اتصافه بالصفات المعنوية والمعاني إذ الصفة لا تقوم بالصفة، ولأنه أيضا لو كان صفة لافتقر إلى محل يقوم به، ثم إن كان المحل إلها مثل الصفة لزم تعدد الآلهة، وإن انفردت بالألوهية وأحكامها لزم قيام صفة بمحل ولا يتصف المحل بحكمها وهو محال، وأيضا فليس كون الصفة إلها بأولى من كون محلها إلها.
باب الدليل على وجوب صفات المعاني ووجوب أحكامها له تعالى ووجوب القدم والبقاء لجميعها وما يتعلق بذلك: وفيه فصول:
الفصل الأول في وجوب القدرة وأحكامها: ويلزم أيضا أن يكون محدث العالم قادرا وإلا لما أوجد شيئا من العالم، بقدرة لأنه لا يعقل قادر لا قدرة له، غير متحدة بذاته وإلا لزم كون الاثنين واحدا وهو محال لا يعقل، قديمة وإلا كان ضدها وهو العجز قديما، فلا ينعدم أبدا لما عرفت أن القديم لا يقبل العدم فيلزم أن لا يقدر أبدا، ومصنوعاته تشهد باستحالة ذلك وأيضا لو كانت القدرة حادثة لاحتاجت في إحداثها إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل، ويلزم أن تكون هذه القدرة متعلقة بجميع الممكنات إذ لو تعلقت ببعضها دون بعض لاحتاجت إلى مخصص لاستوائها في حقيقة الإمكان فتكون حادثة وقد عرفت وجوب قدمها وإن قرض تخصيصها بغير مخصص لزم انقلاب الجائز مستحيلا.
الفصل الثاني في إثبات الإرادة وأحكامها: ويلزم أيضا أن يكون محدث العالم مريدا أي قاصدا لفعله إذ لو لا قصده لتخصيص الفعل بالوجود في زمن مخصوص على مقدار مخصوص وصفة مخصوصة للزم بقاؤه على ما كان عليه من عدم ذلك كله أبد الآباد، وإن قدرت ذاته علة لوجود العالم أو موجدة له بالطبع حتى لا يحتاج في وجود العالم عنه إلى إرادته لزم حينئذ قدم العالم ووجوب اقتران العلة لمعلولها والطبيعة لمطبوعها وقد عرفت وجوب حدوثه، والاعتراض على هذا بأن صانع العالم طبيعة وإنما لم يوجد العالم معها في الأزل لوجود مانع أزلي منع من وجوده حينئذ فلما انتفى المانع في ما لا يزال أوجدت الطبيعة حينئذ العالم فاسد لأن هذا التقدير يستلزم أن لا يوجد العالم أبدا لأن مانعه على هذا الفرض أزلي فيستحيل عدمه لما عرفت أن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وكذا الاعتراض بأن الصانع طبيعة وتأخر العالم عنها في الأزل لتوقف وجوده على شرط لم يوجد في الأزل فلما وُجد الشرط في ما لا يزال وجد العالم عن الطبيعة حينئذ فاسد أيضا لأن الكلام في حدوث ذلك الشرط وتأخره عن الأزل كالكلام في العالم فيحتاج هو أيضا إلى تقدير مانع أزلي فيلزم أن لا يوجد شرط العالم أبدا فلا يوجد العلم مشروطه أبدا أو تقدير شرط آخر حادث فينقل الكلام إليه ويلزم التسلسل، فثبت بهذا أن موجد العالم مريد مختار لا علة ولا طبيعة، ويلزم أن يكون ذلك بإرادة قديمة عامة في جميع الممكنات خيرا كانت أو شرا لما عرفت قبل في القدرة، وأن تكون إرادته لا لغرض له وإلا كان ناقصا في ذاته متكملا بفعله وذلك محال، ولا لغرض لخلقه وإلا وجب عليه مراعاة الصلاح والأصلح لهم وهو محال لما سيأتي، وكما استحال أن يريد سبحانه أو يفعل لغرض كذلك استحال أن يكون حكمه على فعل بوجوب أو تحريم أو غيرهما من الأحكام الشرعية لغرض من الأغراض لأن الأفعال كلها مستوية في أنها خلقه واختراعه فتعيين بعضها للإيجاب وبعضها للتحريم أو غيره واقع بمحض الاختيار لا سبب له ولا مجال للعقل فيه أصلا وإنما يعرف بالشرع فقط، وبالجملة فأفعاله تعالى وأحكامه لا علة لها وما يوجد من التعليل لذلك في كلام أهل الشرع فمؤوّل بالأمارات أو نحوها مما يصح.
الفصل الثالث في وجوب علمه تعالى وما يتعلق به: ويلزم أن يكون محدث العالم عالما لما احتوى عليه العالم من حقائق الصنع وعجائب الأسرار، وأن يكون ذلك بعلم قديم لما سبق في القدرة، متنزه عن الضرورة والنظر وإلا قارنه الضرر أو كان حادثا، ويتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي وإلا لزم الافتقار إلى المخصص كما سبق.
الفصل الرابع في إثبات السمع والبصر والكلام وما يتعلق بذلك: ويلزم أن يكون تعالى سميعا بصيرا متكلما، بسمع و بصر قديمين متعلقين بكل موجود، وبكلام قديم قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت ولا يتجدد ولا يطرأ عليه سكوت ولا يتصف بتقديم ولا تأخير ولا ابتداء ولا انتهاء ولا كل ولا بعض ويتعلق بكل ما يتعلق به العلم، ويدل على اتصافه تعالى بهذه الثلاثة العقل لاستحالة اتصافه بأضدادها والنقل وهو أولى، ومن ثم كان المختار في الإدراك الوقف لعدم ورود النقل فيه بالإثبات أو النفي، أو في كون الاستواء واليد والعين والوجه أسماءً لصفات غير الثمانية أو مؤوّلة بالاستيلاء والقدرة والبصر والوجود أو يوفق عن تأويلها وتفوض معانيها إلى الله تعالى بعد التنزيه عن ظواهرها المستحيلة إجماعا ثلاثة للشيخ الأشعري وإمام الحرمين والسلف.
الفصل الخامس في وجوب حياته تعالى وإقامة براهين قاطعة على وجوب القدم والبقاء لجميع ما تتصف به ذات مولانا جل وعز وأنه يتعالى عن الاتصاف بالحوادث: ويلزم أن يكون تعالى حيا وإلا ما يتصف بعلم ولا قدرة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام، بحياة قديمة لما سبق من وجوب قدم مشروطها والشرط يستحيل تأخره عن مشروطه، واجبة البقاء وإلا لانتفى قدمها وقد عرفت الآن وجوبه، وكذا يجب القدم والبقاء لسائر الصفات التي تقوم بذاته تعالى إذ لو قبلت العدم لكانت حادثة لما عرفت أن القديم لا يقبل العدم وهو تعالى يستحيل أن يتصف بصفة حادثة وإلا لكانت ذاته قابلة لها في الأزل لأن قبوله لها لو كان أيضا حادثا للذات لاحتاجت الذات إلى قبول آخر لذلك القبول ويتسلسل وإذا لزم أن يكون قبوله لتلك الصفة المفروضة الحدوث كائنا في الأزل صح أن يتصف بتلك الصفة الحادثة في الأزل إذ لا معنى للقبول إلا ذلك وذلك محال إذ الحادث لا يمكن أن يكون قديما لأن مِن لازم القديم أن لا يقبل العدم والحادث قد قبل العدم واتصف به فهما متنافيان، فخرج بهذا أن كل ما قبلته الذات العلية من الصفات فهو أزلي واجب لها لا يتصور أن يكون حادثا وما لم تقبله الذات العلية في الأزل فلا تقبله أبدا لما عرفت من استحالة أن يطرأ القبول على الذات بعد أن لم يكن لها، وأيضا لو اتصف تعالى بصفة حادثة لم يجز أن يعرى عنها أو عن ضدها أو مثلها وإلا لجاز عروه عن جميع الصفات لأن قبوله لها ذاتي لا يختلف وقد عرفت في ما سبق استحالة عروه عن العلم والقدرة والإرادة والحياة فثبت أن كل ما يقبله من الصفات لا يعرى عنه إلا للاتصاف بضده أو مثله لكن ضد تلك الصفة الحادثة أو مهلها لا يكون إلا حادثا بدليل طرآن عدمه إذ القديم لا يتعدم، وما لا يعرى عن الحوادث يكون حادثا ضرورة فلزم أنه لو اتصف تعالى بصفة حادثة لوجب حدوثه ضرورة وقد عرفت وجوب قدمه جل وعلا، وأيضا فهو جل وعز لا يتصف إلا بالكمال إجماعا فيلزم في هذه الصفة الحادثة التي فرض اتصافه تعالى بها أن تكون من صفات الكمال وقد فات ذاته العلية في الأزل لفرض حدوثها وفوت الكمال نقص وهو تعالى منزه عنه بإجماع العقلاء، ولا يعترض على هذا بأنه لا يلزم فوت الذات العلية كمال هذه الصفة الحادثة لاحتمال اتصافه بأمثالها على التوالي لا إلى أول لأنّا نقول لا يخفى أن هذا الاحتمال باطل لأنه تسلسل من باب حوادث لا أولية لها وهو ظاهر الاستحالة، ويلزم أيضا أن تكون كل صفة من صفاته تعالى واحدة وإلا لزم اجتماع المثلين وتحصيل الحاصل وهو محال.
باب الدليل على وجوب الوحدانية له جل وعلا ووجوب استناد الكائنات كلها إليه ابتداء بلا واسطة آلة له منها ولا معين وأنه ليس في الوجود إلا الله سبحانه وأفعاله: ويلزم أن يكون تعالى واحدا في ذاته بمعنى أنه غير مركب وإلا لزم أن يكون جسما، وأيضا فلو تركب من جزأين فأكثر لم يخل إما أن يقوم بكل جزء صفات الألوهية أو يختص قيامها بالبعض والأول يلزم منه تعدد الآلهة والثاني يلزم منه الحدوث للاحتياج إلى المخصص بعضها بصفات الألوهية لاستواء جميعها في قبول تلك الصفات، وليس معنى نفي التركيب في الذات العلية أنها جزء لا يتجزأ وإلا لزم أن تكون جوهرا فردا وقد سبق استحالة الجرمية عليه مطلقا وإنما المقصود أن الذات العلية لا تقبل صغرا ولا كبرا لأنهما من عوارض الأجرام وهو تعالى يستحيل أن يكون جرما، ويلزم أيضا أن يكون تعالى واحدا في صفاته بمعنى أنه لا مثل له وإلا لزم الحدوث لاحتياج كل من المثلين إلى من نخصصه بالعارض الذي يمتاز به عن مثله، وأيضا لو كان معه ثان في الألوهية للزم أن يكون ذلك الثاني عام القدرة والإرادة مثله وذلك يؤدي إلى اتصاف أحدهما بالعجز ضرورة سواء اختلفا على التضاد وهو ظاهر أو اتفقا لأن الفعل الواحد يستحيل انقسامه فلا يمكن أن يقع إلا من أحدهما فيلزم عجز الآخر الذي لم يقع منه، وإذا عجز أحدهما وجب عجز الآخر لتماثلهما وذلك يؤدي إلى أن لا يوجد شيء من العالم والعيان يكذبه، وبهذا الدليل تعرف استحالة أن يكون لشيء من العالم تأثير البتة في أثر ما لما يلزم عليه من خروج ذلك الأثر عن قدرة مولانا جل وعز وإرادته وذلك يوجب أن يغلب الحادث القديم وهو محال فلا أثر إذًا لقدرة المخلوق في حركة ولا سكون ولا طاعة ولا معصية ولا في أثر ما على العموم لا مباشرا ولا تولدا، والثواب والعقاب لا سبب لهما عقلا وإنما الطاعة والمعصية أمارتان مخلوقتان لله تعالى بلا واسطة معينة من العبد تدلان شرعا على ما اختار سبحانه من الثواب والعقاب ولو عكس سبحانه في دلالتهما أو أثاب وعاقب بدءًا بلا سبق أمارة لحسن ذلك منه جل وعز لا يُسأل عمّا يفعل، وكسب العبد عبارة عن إيجاد الله تعالى المقدور فيه كالحركة والسكون مثلا مصاحبا لقدرة حادثة فيه تتعلق بذلك المقدور من غير تأثير لها فيه أصلا وهذا الكسب هو متعلق التكليف الشرعي وأمارة الثواب والعقاب شرعا لا عقلا، والذي يدل على مصاحبة هذه القدرة الحادثة للفعل وإن لم يكن لها فيه تأثير البتة إدراكنا الفرق ضرورة بين حركة الارتعاش ونحوها من الحركات الاضطرارية وبين غيرها من الحركات الاختيارية ولا فرق بينهما بعد السبر التام إلا كون هذه الاختيارية مقترنة بقدرة حادثة في العبد يحس بها تيسر الفعل عليه بخلاف الأولى الاضطرارية، فخرج لك من هذا أن بقولنا – إن مع الفعل الذي لم يحس صاحبه فيه الاضطرار قدرة حادثة في العبد هي عرض من الأعراض كالعلم ونحوه تتعلق بالفعل وإن لم نر لها تأثيرا فيه أصلا – انفصلنا عن مذهب الجبرية القائلين بنفي قدرة حادثة في العبد مطلقا، وبقولنا – ليس لتلك القدرة الحادثة تأثير في الفعل أصلا وإنما هي تتعلق به وتصاحبه فقط – انفصلنا عن مذهب القدرية مجوس هذه الأمة القائلين بأن تلك القدرة الحادية في العبد بها يخترع العبد أفعاله على حسب إرادته، قالوا وبذلك أطاع وعصى وعليه أُثيب وعوقب وقد سبق لك أن الثواب والعقاب لا سبب لهما عقلا عند أهل الحق وأن الطاعات والمعاصي أمارات جعلية لا علل عقلية، فتحقق بهذا تمييز المذهب الحق عن المذهبين الفاسدين وهما مذهب الجبرية والقدرية فإن تمييزه عنهما ممّا يلتبس على كثير، وكذا لا أثر للطعام في الشبع ولا للماء في الري أو النبات أو النظافة ولا للنار في الإحراق أو التسخين أو نضج الطعام ولا للثوب والجدار في الستر أو دفع الحر والبرد ولا للشجرة في الظل ولا للشمس وسائر الكواكب في الضوء ولا للسكين في القطع ولا للماء البارد في كسر قوة حرارة ماء آخر كما لا أثر لذلك الآخر في كسر قوة برده، وقس على هذه كلما أجرى الله تعالى عادته أن يوجد عنده شيئا ولتعلم أنه من الله بدءًا بلا واسطة ولا أثر فيه لتلك الأشياء المقارنة له لا بطبعها ولا بقوة أو خاصية جعلها الله تعالى فيها كما يعتقد كثير من الجهلة، وقد ذكر غير واحد من محققي الأئمة الاتفاق على كفر من اعتقد تأثير تلك الأشياء بطبعها والخلاف في كفر من اعتقد أن تأثيرها بقوة أو خاصية جعلها الله تعالى فيها وإن نزعها لم تؤثر، فقد عرفت بهذه الجمل ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل.
باب ما يجوز في حقه تعالى وبيان الدليل على عدم وجوب مراعاته تعالى الصلاح والأصلح لخلقه وأن ما وقع من ذلك بمحض اختياره تعالى تفضلا منه جل وعز وبيان جواز رؤيته تعالى وما يتعلق بذلك: وأما الجائز فهو كل فعل من أفعاله تعالى لا يجب عليه منه شيء ولا مراعاة صلاح والأصلح وإلا لما وقعت محنة دنيا ولا أخرى ولا تكليف بأمر ولا نهي، ومن الجائزات رؤية المخلوق له تعالى في غير جهة ولا مقابلة إذ كما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك لهم في قلوبهم يسمى العلم يتعلق به تعالى على ما هو عليه من غير جهة ولا مقابلة كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم في أعيونهم أو في غيرها يسمى ذلك الإدراك البصر يتعلق به تعالى على ما يليق به وقد أخبر بوقوع ذلك الشرع في حق المؤمنين في الآخرة فوجب الإيمان به، والرؤية عند أهل الحق لا تستدعي بُنية ولا جهة ولا مقابلة وإنما تستدعي مطلق محل تقوم به فقط وليست بانبعاث أشعة من العين ولا يمنع ذلك منها قرب ولا بعد مفرطان ولا حجاب كثيف كما لا يمنع ذلك من العلم وما تقرر من الموانع في الشاهد فبمحض اختيار الله تعالى أن يحجب عندها لا بها وإنما الموانع عند أهل الحق أعراض مضادة للبصر تقوم بجوهر فرد من العين بحسب العادة وتتعدد بحسب ما فات من المرئيات كما أن البصر بالنسبة إلينا عرض يقوم بذلك الجوهر الفرد من العين عادة ويتعدد بحسب ما رُئي من المبصرات.
باب الدليل على ثبوت رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام عموما وعلى ثبوت رسالة نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا وبيان وجه دلالة المعجزة وتقريبها بالمثال: ومن الجائزات بعثة سبحانه رسله للعباد ليبلغوهم أمر الله تعالى ونهيه وإباحته وما يتعلق بذلك وأيّدهم سبحانه فضلا منه بما يدل على صدقهم في ما بلغوا عنه بحيث يتنزل ذلك منزلة قوله تعالى صدق عبدي في كل ما يبلغ عنه، وقد مثل ذلك أئمتنا رضي الله تعالى عنهم بشخص ادّعى في محفل عظيم بمجلس ملكٍ والملك قد حجب الجميع عن مشاهدته فقال الشخص أتعرفون لمَ جمعكم الملك؟ جمعكم ليأمركم بكذا وينهاكم عن كذا ويعلمكم بأنكم استقبلتم هولا جسيما وأمرا تذوب القلوب لمجرد سماعه وكربا يمنع نوم العقلاء عظيما لا يسلم منه إلا من بادر الآن للاستعداد له قبل هجومه وألقى السمع وأحضر كم الفكر لما يشير عليه الملك في ذلك ممن مكنون علومه، وقد أمرني بتبليغ ذلك إليكم الآن فالبدار البدار إذ ميس بينكم وبين ذلك الأمر المخوف إلا القليل ممن الزمان، وأنا لكم بين يدي ذلك الناصح الأمين والنذير العريان وقد أنهيت إليكم رسالة الملك فمن أطاعه وأحسن النظر لنفسه وقد استخلصها واغتنم عظيم رضاه، ومن عضاه وأهمل النظر لنفسه فقد تعرض لما لا يطاق من هول سخط الملك ولا أحد يطيع إنقاذه من عظيم رداه، وقولي هذا تعلموه أنه بعلم من الملك ومرأى منه الآن ومسمع وأنه وإن حجبنا الآن عن مشاهدته فليس هو محجوب عن رؤيتنا وسماع ما يجري بيننا، وهو الذو يضع من يشاء ويرفع وهو القادر أن يعاقبني إن كذبت عنه ولا ملجأ في إن عصيته ولا مهرب لي ولا مدفع وقد عهدتموني من لدن نشأتي لا أسمح لنفسي بكذبة على من هو مثلي وعلى شاكلتي وإن نفعتني وأمنت فيها من كل ضرر ناحيتي فكيف أتجاسر بعد ما تكابم عقلي ونقضت صبوتي واشتعل المشيب في صدغي ولحيتي على أن أكذب على الملك بمرأى منه ومسمع مع علمي بعظيم سطوته وقهره وأليم عقوبته لمن تعرض لجنابه العلي واستخفّ بعظيم أمره، فأي سماء تظلني وأي أرض تقلّني إن كذبت عنه حرفا وأنا أتحقق أني لو تقولت عنه بعض الأقاويل وفهّمت لكم عنه خلفا لأخذ مني باليمين ولَقطع مني الوتين ولا أجد منكم أحدا عني حاجزين، ثم إن لم يقنعكم هذا في تحقق صدق مقالتي واستربتم فيّ مع ما جربتم التجربة التام من كمال نصحي لكم وشدة رأفتي بكم وعظيم شفقتي وشرف سابقتي وتنزهي عن كل رذيلة خصوصا رذيلة الكذب وما تتحققون من حسن سيرتي فهنا ما يقطع العذر لكل أحد وتطلع به شموس المعرفة الضرورية على آفاق القلوب حتى لا ينكرها إلا من تعرض لسخط الملك وحقت عليه كلمة العذاب فعاند وجحد، وذلك أن أسأل الملك كما تفضل ببعثتي إليكم لبيان مراشدكم وإنذاركم قبل هجوم ما يفوت معه استعدادكم لمعادكم يتفضل أيضا بإبانة صدقي في ما عنه بلغت وأني ما كذبت عنه ولا نزغت، بأن يخرق عادته ويفعل كذا ممّا ليس عادته أن يفعله ويخصني بالإجابة بذلك المصدق الفارق دون من يقوم منكم يسأله مثل ذلك الخارق يبغي به معارضتي وتكذيبي في مقالتي أو ليس هو في الصدق على مثل حالتي، ثم قال أيها الملك إن كنت صادقا في ما بلغت عنك فاخرق عادتك وافعل كذا فأجابه الملك إلى ذلك وفعله على وفق ما سأل وقد علم الجمع أنه لا يتوصل إلى مثل ذلك الفعل من الملك بحيلة من الحيل فلا خفاء أن ذلك الفعل من الملك يتنزل منزلة تصريحه بصدق الشخص في كل ما يبلغ عنه والعلم بذلك ضروري لمن حضر ذلك المجلس أو غاب عنه ووصله خبره بالتواتر، ولا يخفى أن هذا المثال مطابق لحال الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا خفاء أنه قد علم ضرورة من سيرتهم عليهم الصلاة والسلام التزام الصدق ورفع الهمة عن كل دناءة والزهد في الدنيا بأسرها بحيث استوى عندهم ذهبها ومدرها والتزام غاية التواضع مع الفقراء والمساكين وإسقاط الجاه والمنزلة عند الخلق وطلبها عند الملك الحق وعظيم ما جُبلوا عليه من الشفقة على جميع المخلوق والنصح التام لعباد الله تعالى وكثرة الخوف منه جل وعز والمبادرة لامتثال ما بلغوا عنه قبل كل أحد والمواظبة إلى الممات على دعاء الخلق إلى الله تعالى مع التسوية في ذلك بين وضيعهم ورفيعهم وغنيهم وفقيرهم وفطينهم وبليدهم وأعجميهم وفصيحهم وحرهم وعبدهم وذكرهم وأنثاهم وحاضرهم وغائبهم وملكهم وسوقتهم ثم سعة الصدر لحمل سوء أدبهم وشدة جفائهم والرأفة على جميعهم أكثر من رأفتهم على أولادهم بل وعلى أنفسهم من غير عوض يأخذونه منهم على ذلك ولا منفعة دنيوية تحصل لهم من قبلهم بل هم عليهم الصلاة والسلام تعرضوا بذلك لشدائد وأهوال نالتهم من جهتهم لا يثبت لهم إلا من هو على صميم الحق قد شغله التلذذ برضا مولاه عن أن يستعظم شيئا يوصله إلى مراده منه ومناه، وقد ثبت بالتواتر ما نالهم عليهم الصلاة والسلام من عظيم إذاية الخلق بسبب دعائهم إلى الله تعالى حتى أنهم تجاسروا على أفضل الخلق وأكرمهم على الله تعالى نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم فآذوه وضيقوا عليه وقاتلوه حتى أنهم كسروا رباعيته وأدمّوا منه ذلك الوجه الأبهى الأرفع الكريم وحجبوا لشقائهم عن مشاهدة تلك المحاسن التي الكشف عن أدناها يدهش الفكر ويكسر النفس لما ترى من خرق العادة في تلك الخلق الوسيم والخلق العظيم، وكيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم الرؤوف عليهم وقد استقبلهم بشمس طلعته ومحاسن قمر وجهه مباشرا لهم بتلك الذات الزكية المرفعة ليأخذ بحجزهم عن النار حريصا على ردهم عنها ولو بسبف قبل أن يفوتهم الأمر بالحلول في دار البوار، فهذا كله يدل بمجرده على أنهم عليهم الصلاة والسلام صادقون في كل ما أتوا به عن الله تعالى وقرينة حالهم وحدهم تنافي حالة الكذب ضرورة، كيف وقد أيّدهم الله بخوارق يقطع بأنه لا يتواصل إليها بحيلة سحر ولا بغوص في طب ولا غيره كإحياء الموتى وفلق البحر أطوادا ونحو ذلك ولو كان ذلك ممّا يتوصل إليه بالحيل لاستحال عادة أن ينفردوا بذلك عن جميع أهل الأرض هذا، وقد عُلم ضرورة أنهم كانوا في غاية البعد عن هذه العلوم وأربابها وأسبابها {وما كنتَ تتلواْ من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون} وهذا ممّا أقر به الموافق والمخالف، هذا مع أن في نفوس الأعداء والحسدة ما يحرك الدواعي إلى البحث والتفتيش والعادة تحيل أن تكون لهم نسبة إلى شيء من ذلك إلا ويُعلم ويُقرعون به ويشتهر أمره حتى لا يخفى على أحد، وبالجملة فصِدقُ الرسل عليهم الصلاة والسلام معلوم على ضرورة لكل موفق، وعصمتهم من الكذب معلومة عقلا بدليل المعجزة ومن كبائر المعاصي وصغائر الخسة بالإجماع ومن سائر الذنوب فإن الخلق المبعوثين إليهم مأمورون بالاقتداء بهم ولا يأمر تعالى بمعصية، وأفضلهم نبينا وسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، بعثه سبحانه إلى أهل الأرض كافة وأيّده بمعجزات لا حصر لها وأفضلهم القرآن العظيم الذي إعجازه للخلق مدرك بالعيان إلى الآن، فوجب تصديقه صلى الله عليه وسلم في كل ما أتى به عن الله تعالى كالبعث لعين هذا البدن لا لمثله إجماعا ونحوه من سؤال القبر ونعيمه وعذابه والصراط والميزان والحوض والشفاعة للعصاة المؤمنين في إنقاذهم من النار بعد نفوذ الوعيد في جماعة منهم إجماعا وتأبيد نعيم المؤمنين وعذاب الكافرين ومعرفة تفاصيل ما أتى به صلى الله عليه وسلم مبين في كتب الأئمة من الفقه والحديث، والقصد بهذه العجالة إنما هو ذكر ما يخرج المكلف عن التقليد في العقائد، وفَهمُ هذه الجمل وافٍ بذلك إن يسر الله سبحانه أتمّ وفاء، وهو جل وعلا المستعان والمسئول أن يخرجنا بفضله ويخرج بنا من الظلمات إلى النور وأن يكرمنا ويكرم على أيدينا بما يوجب لنا ولأحبتنا من التنعم في أعلى الفردوس بشريف معرفته ولذيذ رؤيته أعظم سرور، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين والحمد لله رب العالمين.
***
المتن الثالث من متون السادة الأشاعرة مفاخر العلم في باب العقيدة ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام لحجة الإسلام للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي
الحمد للّه المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد، إلى المنهج الرشيد، والمسلك السديد، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد، المعرف إياهم أنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثيل له، صمد لا ضد له، منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبدي لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنعوت الجلال، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال، بتصرم الآباد وانقراض الآجال، بل { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم }، وأنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام، لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجوداً، ولا يماثله موجود {ليس كمثله شيء} ولا هو مثل شيء، وأنه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات، وأنه مستو على العرش، على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منـزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش والسماء، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء، كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد {وهو على كل شيء شهيد} إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، وأنه بائن عن خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، وأنه مقدس عن التغير والانتقال، لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منـزهاً عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال، وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار، وإتماماً منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه تعالى حي قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له السلطان والقهر، والخلق والأمر، والسماوات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع،،،خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى معلوماته، وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات، وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال، وأنه تعالى مريد للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره، وحكمته ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر، بل هوالمبدئ المعيد، الفعال لما يريد، لا راد لأمره، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته، إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته، إلا بمشيئته وإرادته، فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك، وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفاً بها، مريداً في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها كما أراده في أزله، من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته، من غير تبدل ولا تغير، دبر الأمور لا بترتيب الأفكار ولا تربص زمان، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن، وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى ولا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق، ولا يحجب سمعه بُعد ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدقة وأجفان، ويسمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، وأنه تعالى متكلم آمر ناه، واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنـزلة على رسله عليهم السلام، وأن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب.
وأنه مع ذلك قديم، قائم بذات اللّه تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق، بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى صلى اللّه عليه وسلم سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات اللّه تعالى في الآخرة من غير جوهر ولا عرض،،،،،،وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من عدله، على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا يتصور الظلم من اللّه تعالى، فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكل ما سواه من إنسٍ وجن ومَلَكٍ وشيطان وسماءٍ وأرض وحيوانٍ ونبات وجماد وجوهرٍ وعَرَض ومدركٍ ومحسوس حادثٌ اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان موجوداً وحده ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، ولِمَا حق في الأزل من كلمته، لا لافتقاره إليه وحاجته، وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن منه قبيحاً ولا ظلماً، وأنه عز وجل يُثَبّت عبادَهُ المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد، لا بحكم الاستحقاق واللزوم، إذ لا يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق.
وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام، لا بمجرد العقل، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلّغوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به، وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمداً صلى اللّه عليه وسلم برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشريعته الشرائع إلا ما قرره منها، وفضله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد، وهو قول “لا إله إلا اللّه” ما لم تقترن بها شهادة الرسول وهو قولك “محمد رسول اللّه” وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة، وأنه لا يُقبل إيمانُ عبدٍ حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت، وأوله سؤال منكر ونكير، وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان له: من ربك وما دينك ومن نبيك، وهما فتانا القبر وسؤالهما أول فتنة بعد الموت، وأن يؤمن بعذاب القبر، وأنه حق، وحكمه عدل على الجسم والروح على ما يشاء، وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان، وصِفَتُهُ في العِظَمِ أنه مثل طبقات السماوات والأرض، توزن الأعمال بقدرة اللّه تعالى والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقاً لتمام العدل، وتوضع صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند اللّه بفضل اللّه، وتطرح صحائف السيئات في صورة قبيحة في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل اللّه، وأن يؤمن بأن الصراط حق، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، تزل عليه أقدام الكافرين بحكم اللّه سبحانه فتهوي بهم إلى النار، وتثبت عليه أقدام المؤمنين بفضل اللّه فيساقون إلى دار القرار.
وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد صلى اللّه عليه وسلم يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، عرضه مسيرة شهر، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حوله أباريق عددها بعدد نجوم السماء، فيه ميزابان يصبان فيه من الكوثر، وأن يؤمن بالحساب، وتفاوت الناس فيه إلى مناقَش في الحساب، وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون فيسألُ اللّهُ تعالى من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين، ويسأل المبتدعة عن السنة، ويسأل المسلمين عن الأعمال، وأن يؤمن بإخراج المُوَحِّدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في جهنم مُوَحّدٌ بفضل اللّه تعالى، فلا يخلد في النار موحّد، وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء، ثم سائر المؤمنين،كل على حسب جاهه ومنـزلته عند اللّه تعالى، ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أُخْرِجَ بفضل اللّه عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، وأن يعتقد فضل الصحابة رضي اللّه عنهم وترتيبهم، وأن أفضل الناس بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي اللّه عنهم، وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى اللّه عز وجل ورسوله صلى اللّه عليه وسلم عليهم أجمعين، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار، فمن اعتقد جميع ذلك موقناً به، كان من أهل الحق وعصابة السنة، وفارَقَ رَهْطَ الضلال وحِزْبَ البدعة، فنسأل اللّه كمال اليقين وحسن الثبات، لنا ولكافة المسلمين، برحمته إنه أرحم الراحمين، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين،اهـ.
***
المتن الرابع من متون السادة الأشاعرة مفاخر العلم في باب العقيدة لوامع الأدلة للعقيدة من كتاب قواعد العقائد للإمام أَبي حامدٍ الغَزَّالي
بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله الذي ميز عصابة السنة بأنوار اليقين وآثر رهط الحق بالهداية إلى دعائم الدين وجنبهم زيغ الزائغين وضلال الملحدين ووفقهم للاقتداء بسيد المرسلين وسددهم للتأسي بصحبه الأكرمين ويسر لهم اقتفاء آثار السلف الصالحين حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين فجمعوا بالقبول بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليس له طائل ولا محصول إن لم تتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة من الأقطاب والأصول وعرفوا أن كلمتي الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان:
وهي أربعة ويدور كل ركن منها على عشرة أصول: (الركن الأول) في معرفة ذات الله تعالى ومداره على عشرة أصول وهي العلم بوجود الله تعالى وقدمه وبقائه وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وأنه سبحانه ليس مختصا بجهة ولا مستقرا على مكان وأنه يرى وأنه واحد.
(الركن الثاني) في صفاته ويشتمل على عشرة أصول وهو العلم بكونه حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما منزها عن حلول الحوادث وأنه قديم الكلام والعلم والإرادة.
(الركن الثالث) في أفعاله تعالى ومداره على عشرة أصول وهي أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأنها مكتسبة للعباد وأنها مرادة لله تعالى وأنه متفضل بالخلق والاختراع وأن له تعالى تكليف ما لا يطاق وأن له إيلام البريء ولا يجب عليه رعاية الأصلح وأنه لا واجب إلا بالشرع وأن بعثه الأنبياء جائز وأن نبوة نبينا محمد ثابتة مؤيدة بالمعجزات.
(الركن الرابع) في السمعيات ومداره على عشرة أصول وهي إثبات الحشر والنشر وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر والميزان والصراط وخلق الجنة والنار وأحكام الإمامة وأن فضل الصحابة على حسب ترتيبهم وشروط الإمامة..
الركن الأول: في معرفة ذات الله تعالى ومداره على عشرة أصول
فأما الركن الأول من أركان الإيمان في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى وإن الله تعالى واحد ومداره على عشرة أصول:
الأصل الأول العلم بوجوده تعالى ومعرفة وجوده تعالى: وأول ما يستضاء به من الأنوار ويسلك من طريق الاعتبار ما أرشد إليه القرآن فليس بعد بيان الله سبحانه بيان وقد قال تعالى: { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا }، وقال تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون }، وقال تعالى: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا }، وقال تعالى: { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} إلى قوله تعالى: { للمقوين }، فليس يخفى على من معه أدنى مسكه من عقل إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات وأدار نظره على عجائب خلق الله في الأرض والسماوات وبدائع فطرة الحيوان والنبات إن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرفه بمقتضى تدبيره، ولذلك قال الله تعالى: { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض }، ولهذا بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا إله إلا الله وما أمروا أن يقولوا لنا إله وللعالم إله فإن ذلك كان مجبولا في فطرة عقولهم من مبدأ نشوهم وفي عنفوان شبابهم ولذلك قال عز وجل: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله }، وقال تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم }، فإذا في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان ولكنا على سبيل الاستظهار والاقتداء بالعلماء النظار نقول من بديهة العقول أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه والعالم حادث فإذا لا يستغني في حدوثه عن سبب، أما قولنا إن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب فجلى فإن كل حادث مختص بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره فاختصاصه بوقته دون ما قبله وما بعده يفتقر بالضرورة إلى المخصص، وأما قولنا العالم حادث فبرهانه إن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
ففي هذا البرهان ثلاث دعاوي: (الأولى): قولنا إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهذه مدركة بالبديهة والاضطرار فلا يحتاج فيها إلى تأمل وافتكار فإن من عقل جسما لا ساكنا ولا متحركا كان لمتن الجهل راكبا وعن نهج العقل ناكبا.
(الثانية): قولنا إنهما حادثان ويدل على ذلك تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد البعض وذلك مشاهد في جميع الأجسام ما شوهد منها وما لم يشاهد فما من ساكن إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز سكونه فالطاريء منهما حادث لطريانه والسابق حادث لعدمه لأنه لو ثبت قدمه لاستحال عدمه على ما سيأتي بيانه وبرهانه في إثبات بقاء الصانع تعالى وتقدس.
(الثالثة): قولنا ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبرهانه أنه لو لم يكن كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها ولو لم تنقض تلك الحوادث بجملتها لا تنتهي النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له محال ولأنه لو كان للفلك دورات لا نهاية لها لكان يخلو عددها عن أن تكون شفعا أو وترا أو شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا ومحال أن تكون شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا فإن ذلك جمع بين النفي والإثبات إذ في إثبات أحدهما نفي الآخر وفي نفي أحدهما إثبات الآخر ومحال أن يكون شفعا لأن الشفع يصير وترا بزيادة واحد وكيف يعوز ما لا نهاية له واحد، ومحال أن يكون وترا إذ الوتر يصير شفعا بواحد فكيف يعوزها واحد مع أنه لا نهاية لأعدادها ومحال أن يكون لا شفعا ولا وترا إذ له نهاية فتحصل من هذا أن العالم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو إذا حادث وإذا ثبت حدوثه كان إفتقاره إلى المحدث من المدركات بالضرورة.
الأصل الثاني: القدم: العلم بأن الله تعالى قديم لم يزل أزلي ليس لوجوده أول بل أول كل شيء وقبل كل ميت وحي وبرهانه أنه لو كان حادثا ولم يكن قديما لافتقر هو أيضا إلى محدث وافتقر محدثه إلى محدث وتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية وما تسلسل لم يتحصل أو ينتهي إلى محدث قديم هو الأول وذلك هو المطلوب الذي سميناه صانع العالم ومبدئه وبارئه ومحدثه ومبدعه
الأصل الثالث البقاء: العلم بأنه تعالى مع كونه أزليا أبديا ليس لوجوده آخر فهو الأول والآخر والظاهر والباطن لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وبرهانه أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه أو بمعدم يضاده ولو جاز أن ينعدم شيء يتصور دوامه بنفسه لجاز أن يوجد شيء يتصور عدمه بنفسه فكما يحتاج طريان الوجود إلى سبب فكذلك يحتاج طريان العدم إلى سبب وباطل أن ينعدم بمعدم يضاده لأن ذلك المعدم لو كان قديما لما تصور الوجود معه وقد ظهر بالأصلين السابقين وجوده وقدمه فكيف كان وجوده في القدم ومعه ضده فإن كان الضد المعدم حادثا كان محالا إذ ليس الحادث في مضادته للقديم حتى يقطع وجوده بأولى من القديم في مضادته للحادث حتى يدفع وجوده بل الدفع أهون من القطع والقديم أقوى وأولى من الحادث.
الأصل الرابع التنزه عن كونه جوهرا: العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيز بل يتعالى وبتقدس عن مناسبة الحيز وبرهانه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه أو متحركا عنه فلا يخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان وما يخلو عن الحوادث فهو حادث ولو تصور جوهر متحيز قديم لكان يعقل قدم جواهر العالم فإن سماه مسم جوهرا ولم يرد به المتحيز كان مخطئا من حيث اللفظ لا من حيث المعنى.
الأصل الخامس التنزه عن الجسمية: العلم بأن تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر وإذ بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر فالجوهر يستحيل خلوه عن الإفتراق والإجتماع والحركة والسكون والهئية والمقدار وهذه سمات الحدوث ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الإلهية للشمس والقمر أو لشيء آخر من أقسام الأجسام فإن تجاسر متجاسر على تسميته تعالى جسما من غير إرادة التأليف من الجواهر كان ذلك غلطا في الإسم مع الإصابة في نفي معنى الجسم
الأصل السادس التنزه عن كونه عرضا: العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم بجسم أو حال في محل لأن العرض ما يحل في الجسم فكل جسم فهو حادث لا محالة ويكون محدثه موجودا قبله فكيف يكون حالا في الجسم وقد كان موجودا في الأزل وحده وما معه غيره ثم أحدث الأجسام والأعراض بعده ولأنه عالم قادر مريد خالق وهذه الأوصاف تستحيل على الأعراض بل لا تعقل إلا لموجود قائم بنفسه مستقل بذاته وقد تحصل من هذه الأصول أنه موجود قائم بنفسه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وأن العالم كله جواهر وأعراض وأجسام فإذا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء بل الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء وأنى يشبه المخلوق خالقه والمقدور مقدره والمصور مصوره والأجسام والأعراض كلها من خلقه وصنعه فاستحال القضاء عليها بمماثلته ومشابهته.
الأصل السابع العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات: فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدام أو خلف وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد على الأرض ويسمى رجلا والآخر يقابله ويسمى رأسا فحدث إسم الفوق لما يلي جهة الرأس وإسم السفل لما يلي جهة الرجل حتى ان النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتا وإن كان في حقنا فوقا وخلق للإنسان اليدين وأحداهما أقوى من الأخرى في الغالب فحدث إسم اليمين للأقوى وإسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه فحدث إسم القدام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة وإسم الخلف لما يقابلها فالجهات حادثة بحدوث الإنسان ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن لهذه الجهات وجود ألبتة فكيف كان في الأزل مختصا بجهة والجهة حادثة أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له أبان خلق العالم فوقه وتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس أو خلق العالم تحته فتعالى عن أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي الرجل وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصا بجهة أن مختص بحيز إختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر إختصاص العرض وقد ظهر إستحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصا بالجهة وإن أريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الإسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء وتنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والإستيلاء.
الأصل الثامن الاستواء: العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراد الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن: { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان }، وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر: (قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق)، واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم }، إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم وحمل قوله: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) على القدرة والقهر وحمل قوله: (الحجر الأسود يمين الله في أرضه)، على التشريف والإكرام لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرض اما مثله أو أكبر منه أو أصغر وذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال.
الأصل التاسع الرؤية: العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار مقدسا عن الجهات والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ولا يرى في الدنيا تصديقا لقوله عز وجل: { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار }، ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السلام: { لن تراني }، وليت شعري كيف عرف المعتزلي من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السلام، وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالا، ولعل الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل بالأنبياء صلوات الله عليهم، وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة، وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك.
الأصل العاشر الوحدانية: العلم بأن الله عز وجل واحد لا شريك له فرد لا ند له الفرد بالخلق والإبداع واستبد بالإيجاد والاختراع لا مثل له يساهمه ويساويه ولا ضد له فينازعه ويناويه وبرهانه قوله تعالى لو كان فيهمآ ءالهة إلا الله لفسدتا وبيانه أنه لو كان إثنين وأراد أحدهما أمرا فالثاني إن كان مضطرا إلى مساعدته كان هذا الثاني مقهورا عاجزا ولم يكن الها قادرا وإن كان قادرا على مخالفته ومدافعته كان الثاني قويا قاهرا والأول ضعيفا قاصرا ولم يكن الها قادرا.
الركن الثاني العلم بصفات الله تعالى ومداره على عشرة أصول:
الأصل الأول: القدرة: العلم بأن صانع العالم قادر وأنه تعالى في قوله: { وهو على كل شيء قدير }، صادق لأن العالم محكم في صنعته مرتب في خلقته ومن رأى ثوبا من ديباج حسن النسج والتآليف متناسب التطريز والتطريف ثم توهم صدور نسجه عن ميت لا استطاعة له أو عن انسان لا قدرة له كان منخلعا عن غريزة العقل ومنخرطا في سلك أهل الغباوة والجهل
الأصل الثاني: العلم: العلم بأنه تعالى عالم بجميع الموجودات ومحيط بكل المخلوقات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء صادق في قوله: { وهو بكل شيء عليم }، ومرشد إلى صدقه بقوله تعالى: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }، أرشدك إلى الإستدلال بالخلق على العلم بأنك لا تستريب في دلالة الخلق اللطيف والصنع المزين بالترتيب ولو في الشيء الحقير الضعيف على علم الصانع بكيفية الترتيب والترصيف فما ذكره الله سبحانه وهو المنتهي في الهداية والتعريف.
الأصل الثالث: الحياة: العلم بكونه عز وجل حيا فإن من ثبت علمه وقدرته بالضرورة حياته ولو تصور قادر وعالم فاعل مدبر دون أن يكون حيا لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عند ترددها في الحركات والسكنات بل في حياة أرباب الحرف والصناعات وذلك انغماس في غمرة الجهالات والضلالات
الأصل الرابع: الإرادة: العلم بكونه تعالى مريدا لأفعاله فلا موجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته فهو المبدىء المعيد والفعال لما يريد وكيف لا يكون مريدا وكل فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده وما لا ضد له أمكن أن يصدر منه ذلك بعينه قبله أو بعده والقدرة تناسب الضدين والوقتين مناسبة واحدة فلا بد من إرادة صارفة للقدرة إلى أحد المقدورين ولو أغنى العلم عن الإرادة في تخصيص المعلوم حتى يقال إنما وجد في الوقت الذي سبق العلم بوجوده لجاز أن يغنى عن القدرة حتى يقال وجد بغير قدرة لأنه سبق العلم بوجوده فيه
الأصل الخامس : السمع والبصر: العلم بأنه تعالى سميع بصير لا يعزب عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم والتفكير ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء وكيف لا يكون سميعا بصيرا والسمع والبصر كمال لا محالة وليس بنقص، فكيف يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من الصانع، وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته او كيف تستقيم حجة إبراهيم على أبيه إذ كان يعبد الأصنام جهلا وغيا فقال له: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، ولو انقلب ذلك عليه في معبوده لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق قوله تعالى: { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه }، وكما عقل كونه فاعلا بلا جارحة وعالما بلا قلب ودماغ فليعقل كونه بصيرا بلا حدقة وسميعا بلا أذن إذ لا فرق بينهما.
الأصل السادس: الكلام: أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره والكلام بالحقيقة كلام النفس وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم: (إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا)، ومن لم يعقله عقله ولا نهاه نهاه عن أن يقول: لساني حادث ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم فاقطع عن عقله طمعك وكف عن خطابه لسانك، ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء وأن الباء قبل السين في قولك بسم الله فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديما فنزه عن الإلتفات إليه قبلك فلله سبحانه سر في إبعاد بعض العباد ومن يضلل الله فما له من هاد ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاما ليس بصوت ولا حرف فليستنكر أن يرى في الآخرة موجودا ليس بجسم ولا لون وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر، وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه بالعبارات وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة فليعقل كون الكلام مقروءا بالألسنة محفوظا في القلوب مكتوبا في المصاحف من غير حلول ذات الكلام فيها إذ لو حلت بكتاب الله ذات الكلام في الورق لحل ذات الله تعالى بكتابه اسمه في الورق وحلت ذات النار بكتابه إسمها في الورق ولاحترق.
الأصل السابع : قدم الكلام والصفات والتنزه عن حلول الحوادث: أعلم أن الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون محلا للحوادث داخلا تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإنما ثبت نعت الحدوث للأجسام من حيث تعرضها للتغير وتقلب الأوصاف فكيف يكون خالقها مشاركا لها في قبول التغير وينبني على هذا أن كلامه قائم بذاته وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه، وكما عقل قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده وعقل وخلق الله له علما متعلقا بما في قلب أبيه من الطلب صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده له فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل اخلع نعليك بذات الله ومصير موسى عليه السلام مخاطبا به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب وسمع لذلك الكلام القديم.
الأصل الثامن: قدم العلم: أن علمه قديم فلم يزل عالما بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته ومهما حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي إذ لو خلق لنا علم بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك علم تقديرا حتى طلعت الشمس لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك من غير تجدد علم آخر، فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى
الأصل التاسع: قدم الإرادة: أن إرادته قديمة وهي في القدم تعلقت بإحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي إذ لو كانت حادثة لصار محل الحوادث ولو حدثت في غير ذاته لم يكن هو مريدا لها كما لا تكون أنت متحركا بحركة ليست في ذاتك وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها إلى إرادة أخرى وكذلك الإرادة الأخرى تفتقر إلى أخرى ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية، ولو جاز أن يحدث إرادة بغير إرادة لجاز أن يحدث العالم بغير إرادة.
الأصل العاشر: إن الله تعالى عالم بعلم حي بحياة قادر بقدرة ومريد بإرادة ومتكلم بكلام وسميع بسمع وبصير ببصر وله هذه الأوصاف من هذه الصفات القديمة: وقول القائل عالم بلا علم كقوله غني بلا مال وعلم بلا عالم وعالم بلا معلوم فإن العلم والمعلوم والعالم متلازمة كالقتل والمقتول والقاتل وكما لا يتصور قاتل بلا قتل ولا قتيل ولا يتصور قتيل بلا قاتل ولا قتل فكذلك لا يتصور عالم بلا علم ولا علم بلا معلوم ولا معلوم بلا عالم، بل هذه الثلاثة متلازمة في العقل لا ينفك بعض منها عن البعض فمن جوز إنفكاك العالم عن العلم فليجوز إنفكاكه عن المعلوم وإنفكاك العلم عن العالم إذ لا فرق بين هذه الأوصاف
الركن الثالث العلم بأفعال الله تعالى ومداره على عشرة أصول
الأصل الأول: العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله وخلقه وإختراعه لا خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه: خلق الخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم وحركتهم فجميع أفعال عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته تصديقا له في قوله تعالى: { الله خالق كل شيء }، وفي قوله تعالى: { والله خلقكم وما تعملون }، وفي قوله تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }، أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأفعالهم وأسرارهم وأضمارهم لعلمه بموارد أفعالهم واستدل على العلم بالخلق وكيف لا يكون خالقا لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها وهي متعلقة بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق القدرة بها لذاتها فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها، أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالإختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب، فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الإكتساب، هيهات هيهات ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض والسماوات.
الأصل الثاني: إن إنفراد الله سبحانه بإختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الإكتساب بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا وخلق الإختيار والمختار جميعا: فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليس بكسب له وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة بإعتبارها تلك النسبة كسبا، وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية، أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وإعدادها وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الإقتصاد في الإعتقاد وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بإكتساب وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالإختراع فقط إذ قدرة الله تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الإختراع حاصلا بها وهي عند الإختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها
الأصل الثالث: أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا لله سبحانه فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء الله وقدرته وبإرادته ومشيئته: ومنه (سبحانه) الشر والخير والنفع والضر والإسلام والكفر والعرفان والنكر والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة والعصيان والشرك والإيمان، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون، ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة: ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقول الله عز وجل: { أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا }، وقوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها }، ويدل عليه من جهة العقل إن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع أنه عدو الله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو وأكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى، فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يرد مالك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لوردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ عن ولايته والمعصية هي الغالبة على الخلق وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى وهذا غاية الضعف والعجز تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوا كبيرا، ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح إنها مرادة له، فإن قيل فكيف ينهي عما يريد ويأمر بما لا يريد، قلنا الأمر غير الإرادة ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه فقال له: اسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد إمتثاله ولو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ولو كان مريدا لإمتثاله لكان مريدا لهلاك نفسه وهو محال.
الأصل الرابع: أن الله تعالى متفضل بالخلق والإختراع ومتطول بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه: وقالت المعتزلة: وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد وهو محال إذ هو الموجب والآمر والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب، والمراد بالواجب أحد أمرين أما الفعل الذي في تركه ضرر أما آجل كما يقال يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار أو ضرر عاجل كما يقال يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت، وأما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال كما يقال: وجود المعلوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم وقوله يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدنهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب.
الأصل الخامس: أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه: خلافا للمعتزلة ولو جاز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به }، ولأن الله تعالى أخبر نبيه بأن أبا جهل لا يصدقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه فكيف في أنه لا يصدقه، وهل هذا إلا محال وجوده.
الأصل السادس: إن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق: خلافا للمعتزلة لأنه متصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما ويدل على ذلك وجوده فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة، فإن قيل إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ويجب ذلك على الله سبحانه، فنقول من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل إذ يقال: وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه ان كان المراد به إنه يتضرر بتركه فهو محال وان أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب
الأصل السابع: أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء: فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بل لا يعقل في حقه الوجوب فإنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله: أن الأصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله عن الصبي لأنه تعب بالإيمان والطاعات بعد البلوغ ويجب عليه ذلك عند المعتزلي فلو قال الصبي يا رب لم رفعت منزلته علي فيقول لأنه بلغ واجتهد في الطاعات ويقول الصبي: أنت أمتني في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد فقد عدلت عن العدل في التفضيل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته فيقول الله تعالى لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان لأصلح لك الموت في الصبا، هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل وعند هذا ينادي الكفار من دركات لظي ويقولون يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فإنا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم فبماذا يجاب عن ذلك وهل يجب عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توازن بميزان الإعتزال فإن قيل مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة، قلنا القبيح ما لا يوافق الغرض حتى إنه قد يكون الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر حتى يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه أعداؤه، فإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال إذ لا غرض له فلا يتصور منه قبيح كما لا يتصور منه ظلم إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير، وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال، وهل هذا إلا مجرد تشتهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار ثم الحكيم معنا العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا أو يدفع به عن نفسه آفة وكل ذلك على الله سبحانه وتعالى محال.
الأصل الثامن: أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه لا بالعقل: خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو: أما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال فإن العقل لا يوجب العبث، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيان وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه وليس في المال إلا الثواب والعقاب، ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما إختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع، ولقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يغرق بين الشكر والكفران لما له من الإرتياح والإهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر فإن قيل لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه فإذا قال المكلف للنبي إن العقل ليس بوجب على النظر والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ولست أقدم على النظر أدى ذلك إلى إفحام الرسول، قلنا هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع: إن وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك وإن إلتفت وراءك ونظرت عرفت صدقي فيقول الواقف: لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ولا ألتفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت صدقك، فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد فكذلك النبي يقول: إن وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدقي بالإلتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم فمن إلتفت عرف واحترز ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا ضرر علي إن هلك الناس كلهم أجمعون وإنما علي البلاغ المبين، فالشرع يعرف وجود السباع الضاري بعد الموت والعقل يفيد فهم الكلام والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل والطبع يستحث على الحذر من الضرر ومعنى كون الشيء واجبا في تركه ضررا، ومعنى كون الشرع موجبا إنه معرف للضرر المتوقع فإن العقل لا يهدي إلى التهدف للضرر بعد الموت عند إتباع الشهوات، فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب ولولا خوف العقاب على ترك ما أمر به مميكن الوجوب ثابتا إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة.
الأصل التاسع: أنه ليس يستحيل بعثه الأنبياء عليهم السلام: خلافا للبراهمة حيث قالوا لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم لأن العقل لا يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة حاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ويعرف صدق النبي بالمعجزة
الأصل العاشر: أن الله سبحانه قد أرسل محمدا خاتما للنبيين وناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين: وأيده بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وإنطاق العجماء وما تفجر من بين أصابعه من الماء، ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها مع كافة العرب القرآن العظيم فإنهم مع تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسلبه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله عزوجل عنهم ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه هذا مع ما فيه من أخبار الأولين مع كونه أميا غير ممارس للكتب والأنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الإستقبال كقوله تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين }، وكقوله تعالى: { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين }، ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل إن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلا لله تعالى فمهما كان مقرونا بتحدي النبي ينزل منزلة قوله صدقت وذلك مثل القائم بين أيدي الملك المدعي على رعيته إنه رسول الملك إليهم فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ففعل الملك ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت.
الركن الرابع في السمعيات وتصديقه فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول
الأصل الأول : الحشر والنشر: وقد ورد بهما الشرع وهو حق والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن ومعناه الإعادة بعد الإفناء وذلك مقدور لله تعالى كإبتداء الإنشاء قال الله تعالى: { قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة }، فاستدل بالإبتداء على الإعادة، وقال عز وجل: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة }، والإعادة إبتداء ثان فهو ممكن كالإبتداء الأول.
الأصل الثاني: سؤال منكر ونكير: وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به لأنه ممكن إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب وذلك ممكن في نفسه ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له فإن النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبيه وقد كان رسول الله يسمع كلام جبريل عليه السلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه.
الأصل الثالث: عذاب القبر: وقد ورد الشرع به قال الله تعالى: { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءآل فرعون أشد العذاب }، واشتهر عن رسول الله والسلف الصالح الإستعاذة من عذاب القبر وهو ممكن فيجب التصديق به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور فإن المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة بقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها.
الأصل الرابع : الميزان: وهو حق قال الله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة }، وقال تعالى: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه }، ووجهه أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد حتى يظهر لهم العدل في العقاب أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب
الأصل الخامس : الصراط: وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف، قال الله تعالى: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون }، وهذا ممكن فيجب التصديق به فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط،
الأصل السادس : أن الجنة والنار مخلوقتان: قال الله تعالى: { وسارعوآ إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين }، فقوله تعالى: { أعدت } دليل على أنها مخلوقة فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا إستحالة فيه، ولا يقال لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.
الأصل السابع: إن الإمام الحق بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم: ولم يكن نص رسول الله على إمام أصلا إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه أحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك فكيف خفى هذا وإن ظهر فكيف إندرس حتى لم ينتقل إلينا فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالإختيار والبيعة، وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله وخرق الإجماع وذلك مما لا يستجريء على إختراعه إلا الروافض، وإعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله عليهم، وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الإجتهاد لا منازعة من معاوية في الأمامة، إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم وإختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى إضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإعزاء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب وقال قائلون المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة على ذو تحصيل أصلا.
الأصل الثامن: إن فضل الصحابة رضي الله عنهم على حسب ترتيبهم في الخلافة: إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله عز وجل وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله، وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة وإنما يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل، فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف.
الأصل التاسع: إن شرائط الإمامة بعد الإسلام والتكليف خمسة: الذكورة والورع والعلم والكفاية ونسبة قريش: لقوله صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش)، وإذا إجتمع عدد من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من إنعقدت له البيعة من أكثر الخلق والمخالف للأكثر باغ يجب رده إلى الإنقياد إلى الحق
الأصل العاشر: إنه لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بإنعقاد إمامته: لانا بين أن نحرك فتنة الإستبدال فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة فلا يهدم أصل المصلحة شغفا بمزاياها كالذي يبني قصرا ويهدم مصرا وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية وذلك محال ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلاد لمسيس حاجتهم فكيف لا نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة، فهذه الأركان الأربعة الحاوية للأصول الأربعين هي قواعد العقائد فمن إعتقدها كان مواقفا لأهل السنة ومباينا لرهط البدعة فالله تعالى يسددنا بتوفيقه ويهدينا إلى الحق وتحقيقه بمنة وسعة جوده وفضله على سيدنا محمد وعلى آله وكل عبد مصطفى.
***
المتن الخامس من متون السادة الأشاعرة مفاخر العلم في باب العقيدة العقيدة المرشدة للإمام الحافظ فخر الدين بن عساكر
اعلم أرشدَنا الله وإياكَ أنه يجبُ على كلّ مكلَّف أن يعلمَ أن الله عزَّ وجلَّ واحدٌ في مُلكِه، خلقَ العالمَ بأسرِهِ العلويَّ والسفليَّ والعرشَ والكرسيَّ، والسَّمواتِ والأرضَ وما فيهما وما بينهما، جميعُ الخلائقِ مقهورونَ بقدرَتِهِ، لا تتحركُ ذرةٌ إلا بإذنِهِ، ليسَ معهُ مُدبّرٌ في الخَلقِ ولا شريكٌ في المُلكِ، حيٌّ قيومٌ لا تأخذُهُ سِنةٌ ولا نومٌ، عالمُ الغيب والشهادةِ، لا يَخفى عليهِ شىءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، يعلمُ ما في البرّ، والبحرِ وما تسقطُ من ورقةٍ إلا يعلمُهَا، ولا حبةٍ في ظلماتِ الأرضِ ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين، أحاط بكلّ شىءٍ علمًا وأحصى كلَّ شىءٍ عددًا، فعالٌ لما يريدُ، قادرٌ على ما يشاءُ، له الملكُ وله الغِنَى، وله العزُّ والبقاءُ، ولهُ الحكمُ والقضاءُ، ولهُ الأسماءُ الحسنى، لا دافعَ لما قضى، ولا مانعَ لما أعطى، يفعلُ في مُلكِهِ ما يريدُ، ويحكمُ في خلقِه بما يشاءُ، لا يرجو ثوابًا ولا يخافُ عقابًا، ليس عليه حقٌّ [يلزمُهُ] ولا عليه حكمٌ، وكلُّ نِعمةٍ منهُ فضلٌ وكلُّ نِقمةٍ منه عدلٌ، لا يُسئلُ عما يفعلُ وهم يسألونَ، موجودٌ قبل الخلقِ، ليس له قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يَمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ، ولا بعضٌ، ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان، كوَّنَ الأكوانَ ودبَّر الزمانَ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأن، ولا يلحقُهُ وهمٌ، ولا يكتَنِفُهُ عقلٌ، ولا يتخصَّصُ بالذهنِ، ولا يتمثلُ في النفسِ، ولا يتصورُ في الوهمِ، ولا يتكيَّفُ في العقلِ، لا تَلحقُهُ الأوهامُ والأفكارُ، }لَيْسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{ اهـ،
***
المتن السادس من متون السادة الأشاعرة مفاخر العلم في باب العقيدة ملحة الاعتقاد لسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الأشعري الشافعي
الحمد لله ذي العزة والجلال والقدرة والكمال والإنعام والإفضال الواحد الأحد الفردُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ليس بجسم مصوَّر ولا جوهرٍ محدودٍ مقدر ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيءٌ ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات كان قبل أن كوَّن المكان ودبَّر الزمان وهو الآن على ما عليه كان خلَق الخلق وأعمالهم وقدّر أرزاقهم وآجالهم فكلُّ نعمة منه فهي فضلٌ وكلّ نقمة منه فهي عدلٌ (لا يُسئَلُ عمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسئَلُونَ) استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّن والحلول والانتقال فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال بل لا يحمله العرشُ بل العرشُ وحملَتُه محمولون بلطف قدرته مقهورون في قبضته أحاط بكلِّ شيءٍ عِلما وأحصى كلَّ شيء عددا مطّلِعٌ على هواجس الضمائر وحركات الخواطر حيٌّ مريدٌ سميعٌ بصيرٌ عليمٌ قديرٌ متكلم بكلامٍ قديم أزليٍّ ليس بحرفٍ ولا صوت ولا يُتصوَّر في كلامه أن ينقلب مِداداً في الألواح والأوراق شكلا ترمُقه العيون والأحداق كما زعم أهل الحشو والنِّفاق بل الكتابة من أفعال العباد ولا يُتصوَّر في أفعالهم أن تكون قديمة ويجب احترامها لدلالتها على كلامه كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته وحُقَّ لما دلَّ عليه وانتسب إليه أن يُعتقد عظمته وترعى حرمته ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعُباد والصُّلحاء،
أمُرُّ على الديار ديارِ ليلى = أقبِّلُ ذا الجِدارَ وذا الجِدار
وما حبُّ الديارِ شَغَفْنَ قلبي = ولكنْ حُبُّ مَن سكَن الديارا
ولمثل ذلك يُقبَّل الحجر الأسود ويحرُم على المحدِث أن يمَسَّ المصحف أسطُرَهَ وحواشيه التي لا كتابة فيها وجِلدَه وخريطته التي هو فيها فويلٌ لمن زعم أن كلام الله القديم شيءٌ من ألفاظ العباد أو رسمٌ من أشكال المِداد، واعتقادُ الأشعري رحمه الله مشتملٌ على ما دلَّت عليه أسماء الله التسعة والتسعون التي سمَّى بها نفسه في كتابه وسنّه رسول الله وأسماؤه مندرِجة في أربع كلمات هنَّ الباقياتُ الصالحات:
(الكلمة الأولى) قول سبحانَ اللهِ ومعناها في كلام العرب التنزيهُ والسَّلبُ فهي مشتملة على سلب النَّقص والعيب عن ذات الله وصفاته فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرجٌ تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب والسلام وهو الذي سَلِم من كل آفة.
(الكلمة الثانية) قول الحمدُ لله وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته فما كان من أسمائه متضمِّنا للإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرِجٌ تحت الكلمة الثانية فقد نفينا بقولنا سبحان الله كل عيب عقلناه وكلَّ نقص فهمناه وأثبتنا بالحمد لله كلَّ كمالٍ عرفناه وكلَّ جلالٍ أدركناه ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأنٌ عظيم قد غاب عنا وجهلناه فنحققه من جهة الإجمال بقولنا اللهُ أكبر وهي (الكلمة الثالثة) بمعنى أن أجلُّ مما نفيناه وأثبتناه وذلك معنى قوله لا أحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أثنيتَ على نفسك فما كان من أسمائه متضمِّنا لمدحٍ فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي فهو مندرجٌ تحت قولنا: اللهُ أكبَر فإذا كان في الوجود مَن هذا شأنه نفينا أن يكون في الوجود مَن يشاكِله أو يُناظِره فحققنا ذلك بقولنا لا إله إلا اللهُ وهي (الكلمة الرابعة)، فإن الألوهيَّة ترجع إلى استحقاق العبودية ولا يستحقُّ العبودية إلا مَن اتصف بجميع ما ذكرناه فما كان من أسمائه متضمِّنا للجميع على الإجمال كالواحد والأحدِ وذي الجلال والإكرام فهو مندرجٌ تحت قولنا لا إله إلا اللهُ وإنما استحقَّ العبوديّة لما وجب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعده العادون،
حُسنُك لا تنقضي عجائبُه = كالبحر حدث عنه بلا حرج
فسبحان الله من عظُم شأنه وعز سلطانهُ (يسألُهُ مَن في السّمواتِ والأرضِ) لافتقارهم إليه (كلَّ يومٍ هُوَ في شأْنٍ) لاقتداره عليه له الخلقُ والأمرُ والسلطانُ والقهر فالخلائق مقهورون في قبضته (والسَّمواتُ مَطْويَّاتٌ بيمينِه) (يُعذِّبُ مِن يشاءُ ويَرْحَمْ مَن يَشاءُ وإليهِ تُقْلَبُونَ) فسبحان الأزليِّ الذاتِ والصفات ومحيي الأموات وجامع الرُّفات العالِم بما كان وما هو آت، ولو أدرِجَت الباقيات الصالحاتُ في كلمة منها على سبيل الإجمال وهي الحمد لله لاندرجت فيها كما قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه لو شِئتُ أن أوقِرَ بعيرا من قولك الحمد لله لفعلتُ فإن الحمد هو الثناء والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وبسلب النقص أخرى وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك وتارة بإثبات التفرُّد بالكمال والتفرُّد بالكمال من أعلى مراتب المدح والكمال فقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات لأن الألف واللام فيها لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمنا وجهلناه ولا خروجَ للمدح عن شيء مما ذكرناه ولا يستحق الإلهيّة إلا مَن اتصف بجميع ما قرَّرناه ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَل ولا أحدٌ مِن أهل المِلل إلا مَن خذله الله فاتّبع هواه وعصى مولاه أولئك قومٌ قد غمرهم ذُلُّ الحجاب وطرِدوا عن الباب وبَعُدوا عن ذلك الجناب وحُقَّ لِمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته،
أرض لمن غاب عنك غيبَتَه = فذاك ذنْبٌ عِقابُهُ فيهِ
فهذا إجمالٌ من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة نسبته إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح
يَعرِفُه الباحِثُ مِن جِنسِه = وسائرُ الناسِ لهُ مُنْكِرُ
غيره.
لقد ظهرتَ فلا تخفى على أحد = إلا على أكمَهٍ لا يعرِفُ القَمرا
والحشويّة المشبهِة الذين يشبِّهون الله بخلقه ضربان أحدهما لا يتحاشى من إظهار الحشو (ويَحسبَونَ أنَّهم على كل شيءٍ ألا إنهم همُ الكاذِبون) والآخَرُ يتستّر بمذهب السلف لسُحتٍ يأكله أو حطامٍ يأخذه، {
أظهروا للناسِ نُسكا = وعلى المنقوشِ دارُوا
يُريدونَ أنْ يأمَنوكُم ويَأمَنوا قَومَهُم } ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه ولذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف،
وكُلٌّ يدعونَ وِصالَ ليلى = وليلى لا تُقِرُّ لهُم بِذاكا
وكيف يُدعى على السلف أنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه أو يسكتون عند ظهور البِدع ويخالفون قوله تعالى { ولا تَلبِسوا الحقَّ بالباطِل وتكتُموا الحقَّ وأنتم تَعلَمونَ }، وقوله (وَإِذْ أَخَذَ اللُه مِيثَاقَ الَّذينَ أوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّة لِلنَّاسِ وَلا تَكتُمُونهُ) وقوله (لِتبّينَ للنَّاسِ ما نُزلَ إليهِم) والعلماء ورثة الأنبياء فيجب عليهم من البيان ما وجب على الأنبياء وقال تعالى (وَلتكُن مِّنكُم أمّة يدعُونَ إِلَى الخير ويأْمُرُونَ بالمعرُوف وينهون عن المنُكَرِ)
ومن أنكر المنكرات التَّجسيمُ والتشبيهُ ومن أَفضل المعروف التوحيدُ والتنزيهُ وإنّما سكت السَّلف قبل ظُهور البدع فوربِّ السماء ذات الرَّجع والأرض ذات الصَّدع لقد تشمَّر السَّلف للبدع لمَّا ظهرت فقمعوها أتمَّ القمعِ وردعُوا أهلها أشد الرَّدع فردوا على القدريّة والجَهمِيّة والجبريّة وغيرهم من أهل البدَع فجاهدوا في الله حَقَّ جِهاده، والجهادُ ضربان ضَربٌ بالجدل والبيان وضَربٌ بالسيف والسِّنان فليت شعري فما الفرقُ بين مُجادلة الحَشويَّة وغيرهم من أهل البدع ولولا خُبثٌ في الضمائر وسوء اعتقاد في السرائر (يستخفُونَ من النَّاس وَلا يستخفُون من اللهِ وَهُوَ معهُم إِذ يُبَيِّتُونَ ما لا يرضى من القَولِ) وإذا سُئل أحدهم عن مسألة من مسائل الحشو أمر بالسُّكُوت عن ذلك وإذا سئل عن غير الحشو من البدع أجاب فيه بالحقِّ ولولا ما انطوى عليه باطنُه من التجسيم والتشبيه لأجاب في مسائل الحشو بالتوحيد والتنزيه ولم تزل هذه الطائفة المبتدعة قد ضربت عليهم الذِّلَّة أينما ثُقفُوا (كُلَّمَا أَوقَدُوا نَارا للحربِ أَطفأَها الله ويسعَونَ في الأَرضِ فسادا والله لا يُحبُّ المُفسدينَ) لا تلوح لهم فُرصة إلا طاروا إليها ولا فتنة إلا أكبُّوا عليها وأحمد بنُ حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف بُرآءُ إلى اللّه ممّا نسبوه إليهم واختلقوه عليهم وكيف يُظَنُّ بأحمد بن حنبل وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف اللّهِ القديم القائم بذاته هو غيرُ لفظ الّلافظين ومداد الكاتبين مع أنّ وصف الله قديمٌ وهذه الأَشكال والألفاظ حادثة بضرورة العقل وصريح النقل وقد أخبر الله تعالى عن حُدوثها في ثلاثة مواضع من كتابه:
أحدها قولهُ (ما يأتيهم من ذكرٍ مِّن ربِّهم مُحدثٍ) جعل الآتى مُحدثا فمن زعم أنه قديمٌ فقد رد على الله سبحانه وتعالى وإنما هذا الحادث دليل على القديم كما أنّا إذا كتبنا اسم الله تعالى في ورقة لم يكن الرَّبُّ القديمُ حالاًّ في تلك الورقة فكذلك إذا كُتب الوصفُ القديمُ في شىء لم يحُلَّ الوصفُ المكتوبُ حيث حلَّت الكتابة.
الموضع الثاني قوله (فلا أقسمُ بما تُبصرُون وما لا تُبصرون إِنَّهُ لقولُ رسُولٍ كريمٍ) وقول الرَّسول صفة للرسول ووصفُ الحادث حادثٌ يدلُّ على الكلام القديم فمن زعم أن قول الرسول قديمٌ فقد رد على ربِّ العالمين ولم يقتصر سبحانه وتعالى على الإخبار بذلك حتّى أقسم على ذلك بأَتمِّ الأقسام فقال تعالى (فلا أقسمُ بما تُبصرُون) أي تُشاهدون (وما لا تُبصرون) أي ما لم تروه فاندرج في هذا القسم ذاتُه وصفاتُه وغير ذلك من مخلوقاته.
الموضع الثالث قوله تعالى (فلا أقسِمُ بالخُنَّسِ الجَوَارِ الكُنَّسِ وَالَّليلِ إِذَا عَسعَسَ والصُّبح إِذَا تَنَفَّسَ إَنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }، والعجب ممّن يقول القرآن مركَّبٌ من حرف وصوت ثم يزعم أنه في المصحف وليس في المصحف إلا حرفٌ مجردٌ لا صوت معه إذ ليس فيه حرفٌ مكتوبٌ عن صوت فإن الحرف اللفظيَّ ليس هو الشكل الكتابىَّ ولذلك يدرك الحرف اللفظي بالآذان ولا يشاهد بالعيان ويشاهد الشكل الكتابي بالعيان ولا يسمع بالآذان ومن توقف في ذلك فلا يُعد من العقلاء فضلا عن العلماء فلا أكثر الله في المسلمين من أهل البدع والأهواء والإضلال والإغواء، ومن قال بأن الوصف القديم حالٌّ في المصحف لزمه إذا احترق المصحف أن يقول بأن وصف الله القديم احترق سبحانه وتعالى عمَّا يقولون عُلُوّا كبيرا ومن شأن القديم أن لا يلحقه تغير ولا عدم فإن ذلك مُناف للقدم، فإن زعموا أن القرآن مكتوب في المصحف غير حالٍّ فيه كما يقوله الأشعرىُّ فلم يلعنون الأشعري رحمه الله وإن قالوا بخلاف ذلك فانظر (كيف يفترُون على الله الكذب وكفى به إثما مُّبينا) (ويوم القيامة ترى الَّذينَ كذبُوا على الله وُجُوهُهُم مُسودة أَليس في جهنَّم مَثوى للمُتَكبِّرينَ } وأما قوله سبحانه وتعالى (إِنَّهُ لقُرآنٌ كريمٌ في كتاب مَّكنُونٍ) فلا خلاف بين أئمة العربية أنه لا بد من كلمة محذوفة يتعلق بها قوله (في كتاب مَّكنُون) ويجب القطع بأن ذلك المحذوف تقديره (مكتوبٌ في كتاب مكنون) لما ذكرناه وما دلَّ عليه العقل الشاهد بالوحدانية وبصحة الرسالة وهو مناط التكليف بإجماع المسلمين وإنما لم يُستدل بالعقل على القِدم وكفى به شاهدا لأنهم لا يسمعون شهادته مع أن الشرع قد عَدل العقل وقبل شهادته واستدل به في مواضع من كتابه كالاستدلال بالإنشاء على الإعادة وكقوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إِلاَّ اللهُ لفسدتا) وقوله (وما كان معهُ من إِلهٍ إِذا لَّذهب كُلُّ إِلهٍ بما خلق ولعلا بعضُهُم على بعضٍ) وقوله (أَوَلم ينظُرُوا في ملكُوت السَّموات والأرض وما خلق الله من شيءٍ }، فيا خيبة من رد شاهدا قبله الله وأسقط دليلا نصبه الله فهم يرجعون إلى المنقول فلذلك استدللنا بالمنقول وتركنا المعقول كمينا إن احتجنا إليه أبرزناه وإن لم نحتج إليه أخرناه وقد جاء في الحديث الصحيح مَن قرأ القرآنَ وأعربَهُ كانَ لهُ بكُلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ ومَن قرأهُ ولم يُعرِبهُ فله بكلِّ حرفٍ منه حسنة والقديم لا يكون مَعيبا بالَّلحن وكاملا بالإعراب وقد قال تعالى (وما تُجْزَوْنَ إلاَّ ما كنتُمْ تعمَلونَ) فإذا أخبر رسوله بأنا نُجزى على قراءة القرآن دلّ على أنه من أعمالنا وليست أعمالُنا قديمة وإنما أتي القومُ من قِبَل جهلِهم بكتاب الله وسنّة رسوله وسخافة العقل وبلادة الذهن فإن لفظ القرآن يُطلق في الشَّرع واللسان على الوصف القديم ويطلق على القراءة الحادثة قال الله تعالى (إنَّ علينا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه) أراد بقرآنه قِراءتَه إذ ليس للقرآن قرآنٌ آخرُ (فإذا قرأناهُ فاتَّبع قُرآنَهُ) أي قِراءته فالقراءة غير المقروء والقراءة حادثة والمقروء قديمٌ كما أنا إذا ذكرنا الله عزّ وجل كان الذِّكر حادثا والمذكور قديما فهذه نبذة من مذهب الأشعري رحمه الله،
إذا قالتْ حذامِ فصَدقُوها = فإنَّ القولَ ما قالت حَذامِ
والكلامُ في مثل هذا يطول ولولا ما وجب على العلماء من إعزاز الدين وإخمال المبتدعين وما طوَّلت به الحشويّة ألسنتهم في هذا الزمان مِن الطَّعن في أعراض الموحِّدين والإزراء على كلام المنزهين لما أطلتُ النّفسَ في مثل هذا مع إيضاحه ولكن قد أمرنا اللهُ بالجهاد في نصرة دينه إلا أن سلاح العالِمِ عِلمُه ولسانُه كما أنّ سلاح الملِك سيفُه وسِنانُه فكما لا يجوز للملوك إغمادُ أسلحتهم عن الملحدين والمشركين لا يجوز للعلماء إغمادُ ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين فمن ناضل عن الله وأظهر دين الله كان جديرا أن يحرُسه الله بعينه التي لا تنام ويُعِزه بعزه الذي لا يُضام ويحُوطَه بركنه الذي لا يُرام ويحفظه من جيمع الأنام (ولو يشاءُ اللهُ لا نتصَرَ مِنهم ولكن ليبلو بعضكُم ببعض)
وما زال المنزهون والموحدون يُفتون بذلك على رؤوس الأشهاد في المحافل والمشاهد ويجهرون به في المدارس والمساجد وبِدعة الحشوية كامنة خفية لا يتمكنون من المجاهرة بها بل يدُسُّونها إلى جهلة العوام وقد جهروا بها في هذا الأوان فنسأل الله تعالى أن يُعجِّل بإخمالها كعادته ويقضي بإذلالها على ما سبق من سنّته وعلى طريقة المنزهين والموحدين درج الخلفُ والسّلف رضى الله عنهم أجمعين، والعجبُ أنهم يذُمُّون الأشعري بقوله إن الخبز لا يشبع والماء لا يُروي والنار لا تحرق وهذا كلامٌ أنزل الله معناه في كتابه فإن الشَّبع والرِّيَّ والإحراقَ حوادثُ انفرد الربُّ بخلقها فلم يخلُقِ الخبزُ الشِّبَع ولم يخلُق الماء الرِّيَّ ولم تخلُق النارُ الإحراق وإن كانت أسبابا في ذلك فالخالق هو المسبِّب دون السَّبب كما قال تعالى (ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمَى) نفى أن يكون رسوله خالقا للرَّمى وإن كان سببا فيه وقد قال تعالى (وأنَّه هوَ أضحَكَ وأبكى وأنّهُ هوَ أماتَ وأحيا) فاقتطع الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء عن أسبابها وأضافها إليه فكذلك اقتطع الأشعري رحمه الله الشِّبَعَ والرِّيَّ والإحراق عن أسبابها وأضافها إلى خالقها لقوله تعالى (خالِقُ كلِّ شيءٍ) وقوله (هلْ مِنْ خالِقٍ غيرُ اللهِ) (بَلْ كذَّبُوا بِما لَمْ يُحيطوا بعلمِهِ ولمَّا يَأتِهِمْ تأوِيلُهُ) (أكَذَّبْتُم بِآياتي وَلَمْ تُحيطوا بِها عِلما أمَّاذا كُنتُمْ تَعمَلونَ }،
وكم مِن عائبٍ قولا صحيحا = وآفَتُه مِن الفَهمِ السَّقيمِ
فسبحان مَن رضي عن قوم فأدناهم وسخِط على آخرين فأقصاهم (لا يُسئَلُ عمَّا يفعلُ وهُمْ يُسئَلُونَ }،
وعلى الجملة ينبغي لكلِّ عالمٍ إذا أذِلَّ الحقُّ وأُخمِلَ الصوابُ أن يبذل جهده في نصرهما وأن يجعل نفسه بالذُّلِّ والخمولِ أولى منهما وإن عز الحقُّ فظهر الصوابُ أن يستظلَّ بظلِّهما وأن يكتفي باليسير مِن رشاش غيرِهما، والمخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمِر في صفوف المشركين وكذلك المخاطرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة قواعد الدين بالحجج والبراهين مشروعة فمن خشي على نفسه سقط عنه الوجوبُ وبقي الاستحباب ومن قال بأن التَّغرير بالنفوس لا يجوز فقد بعُد عن الحق ونأى عن الصواب، وعلى الجملة فمن آثر الله على نفسه آثره الله ومن طلب رضا الله بما يُسخِط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس ومَن طلب رضا الناس بما يسخِطُ الله سخِط الله عليه وأسخط عليه الناس وفي رضا الله كفاية عن رضا كلِّ أحد
فليتَك تحلو والحياة مريرة = وليتَكَ ترضى والأنامُ غِضابُ
غيره،
في كلِّ شيءٍ إذا ضيَّعتَه عِوَضٌ = وليس في اللهِ إن ضيَّعتَه عِوَضُ
وقد قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجدهُ أمامك وجاء في حديث ذكِّروا الله بأنفسِكم فإنَّ الله يُنزِلُ العبدَ مِن نفسه حيث أنزله من نفسِه حتى قال بعض الأكابر من أراد أن ينظُر منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، اللهم فانصر الحق وأظهر الصواب وأبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعِزُّ فيه وليُّك ويذِلُّ فيه عدوُّك ويُعمَلُ فيه بطاعتِك ويُنهى فيه عن معصيتك، والحمد لله الذي إليه استنادي وعليه اعتمادي وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم) أهـ .
***
(الفصل الثالث) من متون لدراسة العقيدة على طريقة السادة الماتريدية
وقد اشتمل على تلك المتون:
(1) متن العقيدة الطحاوية للعلامةُ حُجةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الطحاويُّ.
(2) مَـتـْنُ العَقــَائـدِ النَّسَـفِيَّـة للإمام النسفي.
(3) كتاب أصول الدين للإمام جمال الدين أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغزنوي.
المتن الأول من متون الماتريدية مفاخر العلم في باب العقيدة متن العقيدة الطحاوية للعلامةُ حُجةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الوراقُ الطحاويُّ
هذا ذِكرُ بيانِ عقيدةِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ على مذهبِ فُقهاءِ المِلّةِ: أبي حنيفةَ النعمانِ ابنِ ثابتٍ الكوفيّ، وأبي يوسفَ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريّ، وأبي عبدِ الله محمدِ ابنِ الحسنِ الشيْبانيّ، رِضوانُ اللهِ عليهم أجمعينَ، وما يعتقدونَ من أصولِ الدينِ، ويَدينون بهِ لربِّ العالمين، نقول في توحيدِ اللهِ معتقدينَ بتوفيق الله: إنَّ اللهَ واحدٌ لا شريكَ له، ولا شىءَ مثلُه، ولا شىءَ يعجزُه، ولا إلهَ غيرُه، قديمٌ بلاَ ابتداءٍ، دائمٌ بلا انتهاءٍ، لا يَفنى ولا يَبيد، ولاَ يكونُ [شىءٌ من العالم] إلا ما يريد، لا تبلغُه الأوهامُ ولا تدركُه الأفهامُ، ولا يشبهُ الأنامَ، حيٌّ لا يموت، قيومٌ لا ينامُ، خالقٌ بلا حاجةٍ، رازِقٌ بلاَ مؤْنَةٍ، مُميتٌ بلاَ مخافةٍ، باعثٌ بلاَ مشقّةٍ، ما زالَ بصفاتِه قديمًا قبلَ خلقِه، لم يزدَدْ بكونِهم شيئًا لم يكن قبلَهُم منْ صفتِه، وكَمَا كان بصفاتِه أزليًّا، كذلك لا يزالُ عليها أبديًّا، ليس بعد خلْقِ الخلْقِ استفادَ اسمَ الخالق، ولاَ بإحداثِه البَريةَ استفادَ اسمَ البارىءِ، له معنى الربوبيةِ ولا مربوبَ، ومعنى الخالقِ ولاَ مخلوقَ، وكما أنه مُحيي الموتى بعدما أحيا، استحقَّ هذا الاسمَ قبلَ إحيائِهم كذلكَ استحقَّ اسمَ الخالقِ قبلَ إنشائِهم، ذلك بأنهُ على كلِّ شىءٍ قديرٌ، وكلُّ شىءٍ إليه فقيرٌ، وكلُّ أمرٍ عليه يسيرٌ، لا يحتاجُ إلى شىءٍ، {ليس كمثله شىءٌ وهو السميع البصير}، خلَق الخلقَ بعِلمِه، وقدّر لهم أقدارًا، وضرَب لهُم ءاجالاً، ولم يخْفَ عليهِ شىءٌ قبل أن يخلُقَهم، وعلِم ما هُم عاملونَ قبلَ أن يخلُقَهم، وأمرَهم بطاعته ونهاهُم عن معصيتِه، وكلُّ شىءٍ يجري بتقديرِه، ومشيئتِه، ومشيئتُه تنفُذُ لا مشيئةَ للعبادِ إلاَّ ما شاءَ لهم، فمَا شاءَ لهم كانَ، وما لم يشأ لم يكُن، يهدي من يشاءُ، ويعصِمُ ويعافي فضلاً، ويُضِلُّ من يشاءُ، ويخذُلُ ويبتلي عدلاً، وكُلُّهم يتقلَّبونَ في مشيئتِه بين فضلِه وعدلِه، وهو مُتعالٍ عن الأضدادِ والأندادِ، لا رادَّ لقضائِه، ولا معقِّبَ لحكمِه، ولا غالبَ لأمرهِ، ءامنَّا بذلكَ كلِّه، وأيقنَّا أنَّ كُلاًّ من عندِه، وأنَّ محمدًا صلى اللهُ عليهِ وسلم عبدُه المصطفى، ونبيُّه المجتبى، ورسولُه المرتضى، وإنَّهُ خاتمُ الأنبياءِ، وإمامُ الأتقياء، وسيدُ المرسلينَ، وحبيبُ ربّ العالمينَ، وكلُّ دعوة نبوةٍ بعدَ نبوتِه فغيٌّ وهوى، وهوَ المبعوثُ إلى عامةِ الجن وكافةِ الورى بالحقّ والهدى وبالنورِ والضياء.
وإنَّ القرءانَ كلامُ الله، منه بدَا بِلا كيفيةٍ قولاً، وأنزلَه على رسولِه وحيًا، وصدَّقه المؤمنونَ على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنهُ كلامُ اللهِ تعالى بالحقيقةِ ليس بمخلوقٍ ككلام البَرِيَّة، فمنْ سمِعَه فزعم أنه كلامُ البشر فقد كفر، وقد ذمَّه اللهُ وعابَهُ وأوعدَه بسقَر حيثُ قالَ تعالى:{سأُصليه سقر}، فلما أوعدً اللهُ بسقر لمن قال: {إنْ هذا إلا قولُ البشر}، علِمنا وأيقنا أنهُ قولُ خالقِ البشر، ولا يُشبه قولَ البشر، ومنْ وصف اللهَ بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصرَ هذا اعتبر، وعن مِثل قولِ الكفار انزجرَ، وعلِم أنه بصفاتِه ليس كالبشر، والرؤيةُ حق لأهلِ الجنة، بغيرِ إحاطةٍ ولا كيفيَّةٍ، كما نطقَ به كتابُ ربّنا: {وجوهٌ يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة}
وتفسيره على ما أراده اللهُ تعالى وعَلِمَه، وكلُّ ما جاء في ذلك منَ الحديث الصحيحِ عن الرسول صلى اللهُ عليهِ وسلم فهو كمَا قال ومعناهُ على ما أرادَ، لا ندخلُ في ذلك متأوّلينَ بآرائِنا ولا متوهّمين بأهوائِنا، فإنَّه ما سلِم في دينه إلاَّ من سلَّم للهِ عزَّ وجلَّ ولرسولِه صلى اللهُ عليهِ وسلم وردَّ عِلمَ ما اشتَبَه عليه إلى عالِمه، ولا تثبتُ قدَمٌ في الإسلام إلا على ظَهر التسليمِ والاستسلامِ، فمنْ رامَ علمَ ما حُظِر عنه علمُه، ولم يقنع بالتسليم فهمُه، حجبَه مرامُه عن خالصِ التوحيد، وصافي المعرفةِ، وصحيح الإيمان، فيتذبذبُ بين الكفرِ والإيمانِ والتصديقِ والتكذيب، والإقرارِ والإنكارِ، موسوَسًا تائِهًا شاكًّا، لا مؤمنًا مصدّقًا، ولا جاحدًا مكذبًا، ولا يصحُّ الإيمانُ بالرؤيةِ لأهل دارِ السلامِ لمن اعتبرَها منهم بوهْم أو تأوَّلها بفهمٍ إذ كانَ تأويلُ الرؤية وتأويلُ كلّ معنى يضافُ إلى الربوبيةِ بتركِ التأويلِ ولزُومِ التسليم، وعليهِ دينُ المسلمينَ، ومن لم يتوقَ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يصبِ التنزيهَ، فإنَّ ربّنا جلَّ وعلا موصوفٌ بصفات الوَحدانية، منعوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدانية، ليس في معناهُ أحدٌ من البَرِيَّة، وتعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ كسائرِ المبتدعات، والمعراجُ حقٌّ، وقد أُسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وعُرِجَ بشخصهِ في اليَقظةِ إلى السماءِ ثمَّ إلى حيثُ شاءَ اللهُ من العُلى، وأكرمَه اللهُ بما شاء، وأوحى إليهِ ما أوحى، {ما كذَب الفؤادُ ما رأى}، فصلى اللهُ عليه وسلمَ في الآخرةِ والأولى.
والحوضُ الذي أكرمَه الله تعالى بهِ غياثًا لأمّته حقٌّ، والشفاعةُ التي ادَّخرها لهم حقٌّ، كما رُوي في الأخبارِ، والميثاقُ الذي أخذَه اللهُ تعالى من ءادمَ وذريتِه حقٌّ، وقدْ علِمَ اللهُ تعالى فيما لم يزلْ عددَ منْ يدخلُ الجنةَ وعددَ من يدخل النارَ جملةً واحدة، فلا يُزادُ في ذلكَ العددِ ولا يُنقص منهُ، وكذلكَ أفعالُهم فيما علِم منهُم أن يفعلُوه، وكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلق له، والأعمالُ بالخواتيم، والسعيدُ من سعِد بقضاءِ الله تعالى، والشقيُّ من شقِي بقضاءِ الله تعالى، وأصلُ القدَرِ سرُّ اللهِ تعالى في خلقِه، لم يطَّلعْ على ذلكَ ملَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ، والتعمقُ والنظرُ في ذلك ذريعةُ الخِذلانِ وسُلَّمُ الحِرمان ودرجةُ الطغيانِ. فالحذرَ كلَّ الحذرِ من ذلكَ نظرًا وفكرًا ووسوسةً، فإنَّ اللهَ تعالى طوى علمَ القدرِ عن أنامِه ونهاهُم عن مرامِه كما قالَ تعالى في كتابه: {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}، فمن سأل: لم فعلَ؟ فقد ردَّ حُكمَ الكتابِ، ومنْ ردَّ حكمَ الكتابِ كان من الكافرينَ، فهذهِ جملةُ ما يحتاجُ إليه من هو منوَّرٌ قلبُه من أولياءِ اللهِ تعالى، وهي درجةُ الراسخينَ في العلمِ، لأنَّ العلمَ علمانِ: علمٌ في الخلقِ موجودٌ، وعلمٌ في الخلقِ مفقود، فإنكارُ العلمِ الموجودِ كفرٌ، وادعاءُ العلمِ المفقودِ كفر.
ولا يثبتُ الإيمانٌ إلا بقَبولِ العلمِ الموجودِ، وتركِ طلبِ العلمِ المفقودِ، ونؤمنُ باللوح والقلم وبجميعِ ما فيه قد رُقِمَ، فلو اجتمع الخلقُ كلُّهم على شىءٍ كتبَه اللهُ تعالى فيه أنهُ كائن ليجعلوهُ غيرَ كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلُّهم على شىء لم يكتُبْه الله تعالى فيهِ ليجعلوهُ كائنًا لم يقدروا عليهِ، جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وما أخطأَ العبدَ لم يكنْ ليُصيبَه، وما أصابَه لم يكن ليُخطئَه.
وعلى العبدِ أن يعلم أن اللهَ قد سبق علمُه في كل كائنٍ من خلقه، فقدَّرَ ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقضٌ ولا معقّبٌ ولا مزيلٌ ولا مغيّرٌ ولا محوّلٌ ولا ناقصٌ ولا زائدٌ من خلقِه في سماواتِه وأرضِه، وذلك من عَقْدِ الإيمانِ وأصولِ المعرفةِ والاعترافِ بتوحيدِ اللهِ تعالى وربوبيّتِه، كما قالَ تعالى في كتابه: {وخلق كلَّ شىء فقدره تقديرًا}، وقال تعالى:{وكان أمرُ الله قدَرًا مقدورًا}، فويل لمن صارَ للهِ تعالى في القدَر خصيمًا، وأحضر للنظرِ فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمَس بوهمِه في فحصِ الغيبِ سرًّا كتيمًا، وعاد بما قالَ فيه أفاكًا أثيمًا، والعرشُ والكرسيُّ حقٌّ، وهو مستغنٍ عن العرشِ وما دونَه، محيطٌ بكلّ شىء وفوقَه، وقد أعجزَ عن الإحاطةِ خلقه، ونقولُ: إنَّ اللهَ اتخذ إبراهيمَ خليلاً، وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا، ونؤمنُ بالملائكةِ والنبيينَ، والكتبِ المنزَّلة على المرسلينَ، ونشهدُ أنهم كانوا على الحقّ المبينِ، ونسمي أهلَ قِبلتِنا مسلمين مؤمنينَ، ما داموا بما جاءَ به النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم معترفينَ، ولهُ بكلّ ما قالَه وأخبرَ مصدّقينَ غيرَ منكِرين، ولا نخوضُ في الله ولا نماري في دينِ الله، ولا نجادلُ في القرءانِ، ونشهدُ أنه كلامُ ربّ العالمينَ، نزلَ به الروحُ الأمينُ، فعلَّمه سيدَ المرسلين محمدًا صلى الله عليهِ وسلم، وهو كلامُ اللهِ تعالى، لا يساويه شىءٌ من كلامِ المخلوقينَ، ولا نقولُ بخلْقِه، ولا نخالفُ جماعةَ المسلمينَ، ولا نكفّرُ أحدًا من أهلِ القبلة بذنبٍ ما لم يستحلَّه، ولا نقولُ لا يضرُّ مع الإيمانِ ذنبٌ لمن عمِلَه، نرجو للمحسنينَ منَ المؤمنين أن يعفوَ عنهم ويدخِلَهم الجنةَ برحمتِه ولا نأمنُ عليهِم، ولا نَشهدُ لهم بالجنةِ، ونستغفرُ لمسيِئهم ونخافُ عليهم ولا نُقَنِّطُهُم.
والأمنُ والإياسُ ينقلانِ عن ملةِ الإسلامِ، وسبيلُ الحق بينهما لأهلِ القبلة، ولا يخرجُ العبدُ من الإيمان إلا بجُحودِ ما أدخلَه فيه، والإيمانُ هو الإقرارُ باللسان والتصديقُ بالجَنَانِ، وجميعُ ما صحَّ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من الشرعِ والبيانِ كلُّه حقٌّ، والإيمانُ واحدٌ، وأهلُه في أصلهِ سواءٌ والتفاضلُ بينهم بالخَشية والتُّقى ومخالفةِ الهوى وملازمةِ الأَوْلى، والمؤمنونَ كلُّهم أولياءُ الرحمن، وأكرَمُهم عند اللهِ أطوعُهم وأتْبعهم للقرءانِ، والإيمانُ هو الإيمانُ بالله، وملائكتِه، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقَدَر خيرِه وشره وحُلوِه ومُرّه منَ الله تعالى، ونحنُ مؤمنونَ بذلك كلّه لا نفرقُ بين أحد من رسلِه ونصدّقُهم كلُّهم على ما جاءوا بهِ، وأهلُ الكبائرِ من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم في النارِ لا يخلدونَ إذا ماتوا وهم موحِّدونَ وإن لم يكونوا تائبينَ بعد أن لقوا اللهَ عارفينَ مؤمنين، وهم في مشيئتِه وحُكمِه إن شاءَ غفرَ لهم وعفا عنهم بفضلِه، كما ذكر عز وجلَّ في كتابِه: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وإن شاءَ عذَّبهم في النار بعدْلِه ثم يخرجُهم منها برحمتِه وشفاعةِ الشافعينَ من أهل طاعتِه ثم يبعثُهم إلى جنّتِه، وذلك بأنَّ اللهَ تعالى تولى أهلَ معرفتِه ولم يجعلْهم في الداريْن كأهلِ نُكْرَته الذين خابوا من هدايتِه ولم ينالوا من ولايتِه، اللهم يا وليَّ الإسلامِ وأهلِه ثبتنا على الإسلامِ حتى نلقاكَ به.
ونرى الصلاةَ خلفَ كل بَرّ وفاجرٍ من أهلِ القبلة، وعلى مَن ماتَ منهم، ولا ننزّلُ أحدًا منهم جنةً ولا نارًا، ولا نشهدُ عليهم بكفرٍ ولا بشركٍ ولا بنفاقٍ ما لم يظهر منهم شىءٌ من ذلك، ونَذَر سرائرَهم إلى اللهِ تعالى، ولا نرى السيفَ على أحدٍ من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلا من وجَبَ عليهِ السيفُ، ولا نرى الخروجَ على أئمّتنا ووُلاةِ أمورِنا وإن جارُوا، ولا ندعو عليهِم، ولا ننزعُ يدًا من طاعتِهم، ونرى طاعتَهم من طاعةِ الله عز وجل فريضةً ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاحِ والمعافاةِ، ونتّبعُ السنَّةَ والجماعةَ، ونجتنبُ الشذوذَ والخِلاف والفُرقة، ونحبُ أهلَ العدلِ والأمانةِ ونبغضُ أهل الجَوْر والخيانةِ.
ونقولُ اللهُ أعلم فيمَ اشتَبَهَ علينا علمُه، ونرى المسحَ على الخفينِ في السفرِ والحَضَرِ كما جاء في الأثر، والحجُّ والجهادُ ماضيانِ مع أولي الأمر من المسلمينَ بَرّهم وفاجرِهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شىءٌ ولا ينقضهما، ونؤمنُ بالكرامِ الكاتبين، فإنَّ الله قد جعلهم علينا حافظينَ، ونؤمن بملكِ الموت الموكلِ بقبض أرواحِ العالمين، وبعذابِ القبر لمن كان لهُ أهلاً، وسؤالِ منكرٍ ونكير في قبرِه عن ربه ودينِه ونبيه على ما جاءتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعنِ الصحابة رضوانُ اللهِ عليهم، والقبر روضةٌ من رياض الجنةِ أو حفرةٌ من حفرِ النيران، ونؤمنُ بالبعثِ وجزاءِ الأعمالِ يومَ القيامة والعرْضِ والحسابِ وقراءةِ الكتاب والثوابِ والعقابِ والصراطِ والميزانِ، والجنةُ والنارُ مخلوقتان لا تفنيانِ أبدًا ولا تَبيدان، وأن اللهَ تعالى خلقَ الجنةَ والنارَ قبل الخلق وخلقَ لهما أهلاً، فمن شاءَ منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النارِ عدلاً منه.
وكلٌّ يعمل لمَا قد فَرِغَ له وصائِرٌ الى ما خُلِق له، والخيرُ والشرُّ مقدرانِ على العباد، والاستطاعةُ التي يجبُ بها الفعلُ من نحو التوفيقِ الذي لا يجوزُ أن يوصفَ المخلوق بهُ فهي معَ الفعل، وأما الاستطاعةُ من جهةِ الصحةِ والوِسعِ والتمكُّنِ وسلامةِ الآلاتِ فهي قبل الفعل، وبها يتعلقُ الخطابُ، وهي كما قالَ تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وُسْعها}، وأفعالُ العبادِ خلقُ الله وكسبٌ من العبادِ، ولم يكلّفْهُمُ اللهُ تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقونَ إلا ما كلَّفهم، وهو تفسير “لا حول ولا قوة إلا بالله” نقول: لا حيلةَ لأحدٍ ولا حركةَ لأحدٍ ولا تحوُّلَ لأحد عن معصيةِ الله إلا بمعونةِ الله، ولا قوةَ لأحدٍ على إقامةِ طاعةِ الله والثباتِ عليها إلا بتوفيقِ اللهِ، وكلُّ شىء يجري بمشيئةِ اللهِ تعالى وعلمِه وقضائِه وقدَرِه، غلبت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها، وغلب قضاؤُه الحيلَ كلَّها، يفعلُ ما يشاءُ وهو غيرُ ظالم أبدًا، تقدَّسَ عن كلّ سُوءٍ وحَينٍ، وتنزَّه عن كلّ عيبٍ وشَينٍ {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}،
وفي دعاءِ الأحياء وصدقاتِهم منفعةٌ للأموات، واللهُ تعالى يستجيبُ الدعواتِ ويقضي الحاجاتِ، ويملِكُ كلَّ شىء ولا يملكُه شىء، ولا غِنى عن اللهِ تعالى طرفةَ عين، ومن [زعم أنه] استغنى عن اللهِ طرفةَ عين فقد كفَر وصارَ من أهلِ الحَيْن، واللهُ يغضبُ ويرضى لا كأحدٍ من الورى.
ونحبُ أصحابَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا نُفْرِطُ في حبّ أحدٍ منهم، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكُرُهم، ولا نذكرُهم إلا بخير وحبُّهم دين وإيمانٌ وإحسان وبغضُهم كفر ونفاقٌ وطغيان، ونثبتُ الخلافةَ بعد رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم أولاً لأبي بكر الصديقِ رضي الله عنه، تفضيلاً له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمرَ بن الخطابِ رضي الله عنه، ثم لعثمانَ بن عفان رضي الله عنه، ثم لعليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنهُ وهمُ الخلفاء الراشدون والأئمةُ المهتدون، وإن العشرةَ الذين سماهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبشرَّهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهِد لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقولُه الحقُّ، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزبيرُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وعبدُ الرحمن بنُ عوفٍ، وأبو عبيدةَ بن الجرَّاح، وهو أمينُ هذهِ الأمة رضي اللهُ عنهم أجمعين، ومن أحسنَ القولَ في أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأزواجِه الطاهراتِ من كل دنَسٍ وذرياتِه المقدسينَ من كلّ رجسٍ فقد برئَ منَ النفاقِ.
وعلماءُ السلف من السابقينَ ومنَ بعدَهم من التابعينَ أهلُ الخير والأثرَ، وأهلُ الفقهِ والنظرِ، لا يُذكرونَ إلا بالجميلِ ومن ذكرهُم بسوءٍ فهو على غيرِ السبيل، ولا نفضّل أحدًا من الأولياءِ على أحدٍ من الأنبياءِ عليهم السلام، ونقول نبيٌّ واحدٌ أفضلُ من جميع الأولياء، نؤمنُ بما جاءَ من كراماتِهم، وصحّ عن الثقات من رواياتهم، ونؤمنُ بأشراطِ الساعة من خروجِ الدجالِ، ونزولِ عيسى ابنِ مريمَ عليه السلام من السماء، ونؤمنُ بطلوع الشمسِ من مغربِها، وخروجِ دابةِ الأرض من موضعها، ولا نصدّقُ كاهنًا ولا عرافًا ولا من يدعي شيئًا يخالفُ الكتابَ والسنَّةَ وإجماعَ الأمة، ونرى الجماعةَ حقَّا وصوابًا، والفرقةَ زيغًا وعذابًا.
ودينُ الله في الأرضِ والسماء واحدٌ وهو دينُ الإسلام، قال الله تعالى: {إن الدينَ عند الله الإسلام}، وقال تعالى: {ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا}، وهو بين الغلوِ والتقصيرِ، وبين التشبيهِ والتعطيل، وبين الجبرِ والقدَر، وبين الأمْن والإياسِ، فهذا دينُنا واعتقادُنا ظاهرًا وباطنًا، ونحن برءاءُ إلى اللهِ من كلّ من خالف الذي ذكرناهُ وبيناه، ونسألُ اللهَ تعالى أن يثبّتنا على الإيمانِ ويختمَ لنا به، ويعصمَنا من الأهواءِ المختلِفة والآراءِ المتفرقةِ والمذاهبِ الرديَّةِ مثلِ المشبهةِ والمعتزلةِ والجهميةِ والجبريةِ والقَدَريةِ، وغيرِهم من الذين خالفوا السنةَ والجماعة، وحالفوا الضلالةَ، ونحن منهم براءٌ وهم عندنا ضُلاَّلٌ وأردياء، وباللهِ العصمةُ والتوفيق، انتهى.
***
المتن الثاني من متون الماتريدية مفاخر العلم في باب العقيدة مَـتـْنُ العَقــَائـدِ النَّسَـفِيَّـة للإمام النسفي رحمه الله
قَالَ أَهْلُ الحَقِّ: حَقَائقُ الأشْيـَاءِ ثَابِتــَةٌ، والعِلْمُ بـِـهـَا مُتَحقـِّـقٌ خلافاً للسوفسطائية، وأسْـبَابُ العِـلْـمِ للخَلْقِ ثَلاثَةٌ: الحَوَاسُّ السَّلِيمَةُ، وَالخَبَرُ الصَّادِقُ، وَالعَقْلُ، فالحَـوَاسُّ خـمْـسٌ: السَّمْعُ، والبَصَـرُ، والشَّـمُّ، واللَّمْـسُّ، وبكُلِّ حَاسَّةٍ مِنـهَا يُـوقَفُ عَلَى مَا وُضِعَتْ هِـيَ لَهُ، والخَبـَرُ الصَّــادِقُ عَـلَى نَوْعَينِ: أَحَدِهِمَا الخَـبَرُ المُتَواتِرُ، وَهوَ الخَـبَرُ الثــَّابِتُ على أَلْسِنَةِ قَوْمٍ لا يُتصوَّرُ تَـواطُؤهُم، عَـلَى الكَذِبِ، وَهوَ مُوجِبٌ للعِلْمِ الضَّـرُورِيِّ، كالعِلْمِ بالمُلُوكِ الخَالِيَةِ في الأزْمِنَةِ المَاضِيَةِ والبُلدَانِ النَّائِيَةِ، والنوع الثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهو يوجب العلم الاستدلالي، والعلم الثابت به يضاهي العلم الثابت بالضرورة في التيقن والثبات، وأما العقل فهو سبب للعلم أيضاً، وما ثبت منه بالبديهة فهو ضروري، كالعلم بأن كل شيء أعظم من جزئه، وما ثبت بالاستدلال فهو اكتسابي، والإلهام ليس من أسباب المعرفة بصحة الشيء عند أهل الحق، والعَالَم بجميعِ أجْزَائِهِ مُحْدَثٌ؛ إذ هو أعيان وأعراض، فالأعيان ما له قيام بذاته، وهو إما مركب، أو غير مركب، كالجوهر، وهو الجزء الذي لا يتجزأ، والعرض ما لا يقوم بذاته، ويحدث في الأجسام والجواهر، كالألوان والأكوان والطعوم والروائح.
والمحدث للعالم هو الله تعالى، الواحد، القديم، الحي، القادر، العليم، السميع، البصير، الشائي، المريد، ليس بعرض، ولا جسم، ولا جوهر، ولا مصور، ولا محدود، ولا معدود، ولا متبعض، ولا متجزئ، ولا متناه، ولا يوصف بالماهية، ولا بالكيفية، ولا يتمكن في مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا يشبهه شيء، ولا يخرج عن علمه وقدرته شيء، وله صفات أزلية قائمة بذاته، وهي لا هو ولا غيره، وهي العلم، والقدرة، والحياة، والقوة، والسمع، والبصر، والإرادة، والمشيئة، والفعل، والتخليق، والترزيق، والكلام، وهو متكلم بكلامٍ هو صفة له، أزلية، ليس من جنس الحروف والأصوات، وهو صفة منافية للسكوت والآفة، والله تعالى متكلم بها آمر ناه مخبر، والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظٌ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، مسموع بآذاننا، غير حال فيها.
والتكوين صفة لله تعالى أزلية، وهو تكوينه تعالى للعالم ولكل جزء من أجزائه لا في الأزل، بل لوقت وجوده على حسب علمه وإرادته، وهو غير المكون عندنا، والإرادة صفة لله تعالى أزلية قائمة بذاته، ورؤية الله تعالى جائزة في العقل واجبة بالنقل، وَرَدَ الدليل السمعي بإيجاب رؤية المؤمنين الله تعالى في دار الآخرة، فيرى لا في مكان ولا على جهة من مقابلة ولا اتصال شعاع ولا ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى، والله تعالى خالق لأفعال العباد كلها، من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وهي كلها بإرادته ومشيئته وحكمه وقضيته وتقديره، وللعباد أفعال اختيارية يثابون بها ويعاقبون عليها، والحسن منها برضاء الله تعالى، والقبيح منها ليس برضاه.
والاستطاعة مع الفعل، وهي حقيقة القدرة التي يكون بها الفعل، ويقع هذا الاسم على سلامة الأسباب والآلات والجوارح، وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة، ولا يكلف العبد لما ليس في وسعه، وما يوجد من الألم في المضروب عقيب ضرب إنسان، والانكسار في الزجاج عقيب كسر إنسان، وما أشبهه، كل ذلك مخلوق لله تعالى، لا صنع للعبد في تخليقه، والمقتول ميت بأجله، والأجل واحد، والحرام رزق، وكلٌّ يستوفي رزق نفسه: حلالاً كان أو حراماً، ولا يتصور أن لا يأكل إنسان رزقه أو يأكل رزق غيره، والله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وما هو الأصلح للعبد فليس ذلك بواجب على الله تعالى، وعذاب القبر للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين، وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله تعالى ويريده، وسؤال منكر ونكير ثابت بالدلائل السمعية، والبعث حق، والوزن حق، والكتاب حق، والسؤال حق، والحوض حق، والصراط حق، والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان موجودتان باقيتان، لا تفنيان ولا يفنى أهلهما، والكبيرة لا تخرج العبد المؤمن من الإيمان، ولا تدخله في الكفر، والله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من الصغائر والكبائر. ويجوز العقاب على الصغيرة، والعفو عن الكبيرة إذا لم تكن عن استحلال، والاستحلال كفر.
والشفاعة ثابتة للرسل والأخيار في حق أهل الكبائر، وأهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار، والإيمان هو التصديق بما جاء به من عند الله تعالى والإقرار به، فأما الأعمال فهي تتزايد في نفسها، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، والإيمان والإسلام واحد، وإذا وجد من العبد التصديق والإقرار صحَّ له أن يقول: أنا مؤمن حقاً، ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، والسعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد، والتغيير يكون على السعادة والشقاوة دون الإسعاد والإشقاء، وهما من صفات الله تعالى، ولا تغير على الله تعالى ولا على صفاته. وفي إرسال الرسل حكمة، وقد أرسل الله رسلاً من البشر إلى البشر مبشرين ومنذرين ومبينين للناس ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدين، وأيدهم بالمعجزات الناقضات للعادات، وأول الأنبياء آدم عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد روي بيان عدتهم في بعض الأحاديث، والأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية؛ فقد قال الله تعالى: { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك }، ولا يؤمن في ذكر العدد أن يدخل فيهم من ليس منهم، أو يخرج منهم من هو فيهم، وكلهم كانوا مخبرين مبلغين عن الله تعالى، صادقين ناصحين، وأفضل الأنبياء عليهم السلام محمد صلى الله عليه وسلم، والملائكة عباد الله تعالى العاملون بأمره، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، ولله كتب أنـزلها على أنبيائه، وبيَّن فيها أمره ونهيه ووعده ووعيده، والمعراج لرسول الله عليه الصلاة والسلام في اليقظة بشخصه إلى السماء، ثم إلى ما شاء الله تعالى من العلى حقٌ، وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة على طريق نقض العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وظهور الطعام والشراب واللباس عند الحاجة، والمشي على الماء وفي الهواء وكلام الجماد العجماء واندفاع المتوجه من البلاء وكفاية المهم من الأعداء، وغير ذلك من الأشياء، ويكون ذلك معجزة للرسول الذي ظهرت هذه الكرامة لواحد من أمته؛ لأنه يظهر بها أنه ولي، ولن يكون ولياً إلا وأن يكون محقاً في ديانته، وديانته الإقرار برسالة رسوله، وأفضل البشر بعد نبينا أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذي النورين، ثم علي المرتضى، وخلافتهم على هذا الترتيب. والخلافة ثلاثون سنة ثم بعدها ملك وأمارة، والمسلمون لا بد لهم من إمام، يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، وتجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم، ثم ينبغي أن يكون الإمام ظاهراً، لا مختفياً ولا منتظراً، ويكون من قريش ولا يجوز من غيرهم، ولا يختص ببني هاشم، ولا يشترط أن يكون معصوماً، ولا أن يكون أفضل أهل زمانه، ويشترط أن يكون من أهل الولاية المطلقة الكاملة، سائساً قادراً على تنفيذ الأحكام وحفظ حدود دار الإسلام وإنصاف المظلوم من الظالم، ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور، وتجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر، ويصلى على كل بر وفاجر، ويكف عن ذكر الصحابة إلا بخير، ونشهد للعشرة المبشرة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام. ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، ولا نحرم نبيذ التمر، ولا يبلغ الولي درجة الأنبياء، ولا يصل العبد إلى حيث يسقط عنه الأمر والنهي، والنصوص على ظواهرها، فالعدول عنها إلى معانٍ يدعيها أهل الباطن إلحاد، وردُّ النصوص كفر، واستحلال المعصية كفر، والاستهانة بها كفر، والاستهزاء على الشريعة كفر، واليأس من الله تعالى كفر، والأمن من الله تعالى كفر، وتصديق الكاهن بما يخبره عن الغيب كفر، والمعدوم ليس بشيء، وفي دعاء الأحياء للأموات وتصدقهم عنهم نفع لهم، والله تعالى يجيب الدعوات ويقضي الحاجات، وما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة من خروج الدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج ونـزول عيسى عليه السلام من المساء وطلوع الشمس من مغربها فهو حق، والمجتهد قد يخطئ ويصيب، ورسل البشر أفضل من رسل الملائكة، ورسل الملائكة أفضل من عامة البشر، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة، تمت العقائد النسفية، والحمد لله رب العالمين.
المتن الثالث من متون الماتريدية مفاخر العلم في باب العقيدة كتاب أصول الدين على مذهب السادة الماتريدية للإمام جمال الدين أحمد بن سعيد الغزنوي (ت: 593)
الحمد لله مجيب الداعين ومثيب الساعين ومعطي الطالبين ومرضي الراغبين ومنجد الهالكين ومرشد السالكين رحيم بالمؤمنين رحمان تعم رحمته الطائعين والعاصين أحمده سبحانه وتعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نبلغ بها أحسن المآب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث لتشريع الملة وتوجيه الخطاب وإيضاح الأحكام من المباح والمندوب والمحظور والمفروض والواجب والاستحباب والأمر بأدائها بالالتزام والإيجاب صلى الله عليه وعلى آله وصحبة صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الجزاء وفصل الخطاب.
فصل: (1): صانع العالم ليس بحادث: فلو كان حادثا فلا بد له من صانع أحدثه ومبدع أنشأه وذلك هو الله تعالى وهو المبدئ المنشئ تبارك الله رب العالمين.
فصل: (2): صانع العالم موجود: من نظر في عجائب خلق السماوات والأرض وبدائع فطرة الحيوان يعلم أن تلك الأمور العجائب وذاك الصنع البديع والترتيب المحكم لا بد له من صانع يدبره ويحكمه ويفرده، فيستدل بوجود المصنوعات على وجود الصانع قال الله تعالى (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض).
فصل: (3): معرفة الصانع واجبة: لأنه منعم وشكر المنعم واجب عقلا وشرعا فأول درجة الشكر معرفة المنعم.
الصفات السلبية
أولا: الوحدانية: فصل: (4): صانع العلم واحد لا شريك له: لأنه لو كان له صانعان أو أكثر لوقع بينهما تمانع وتدافع وذلك خفض إلى الفساد ويؤدي إلى عجز أحدهما والعاجز لا يصلح أن يكون إلها فإذا تعذر إثبات صانعين كان واحدا ضرورة
ثانيا: القدم: فصل: (5): صانع العالم قديم لا أول له، لأنه لو كان محدثا لاقتضى محدثا ثم كذلك محدثه اقتضى محدثا آخر فيتسلسل إلى ما لا نهاية له فثبت أن صانع العالم قديم.
ثالثا البقاء: فصل: (6): صانع العالم ابدي لا آخر له، لأن من ثبت قدمه استحال عدمه ولأن وجوده واجب ووجوب وجوده يمنع عدم بقائه.
رابعا: المخالفة للحوادث: فصل: (7): صانع العالم ليس بجوهر: لأن الجوهر متجزئ وتحله الحوادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فصل: (8): صانع العالم ليس بجسم: لأن الجسم مؤلف من الجوهر، وإذا بطل كونه جوهرا بطل كونه جسما ضرورة.
فصل: (9): صانع العالم ليس بعرض، لأن العرض لا قيام له بذاته بل هو مفتقر إلى جسم يقوم به والقديم عز وجل قائم بذاته غير مفتقر إلى محل يقوم به.
فصل: (10): صانع العالم ليس بصورة، لأن الصورة تنشأ عن التركيب فإذا نفينا كونه جوهرا وجسما نفينا كونه صورة.
فصل: (11): صانع العالم لا يوصف باللون والطعم والرائحة والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، لأن الألوان والطعوم والحرارة والبرودة والروائح والطبائع الأربعة أعراض تحل في الجواهر فإذا نفينا كونه عرضا وكونه محلا للأعراض ينتفي جميع ذلك.
خامسا: القيام بالنفس: فصل: (12): صانع العالم ليس في جهة ولا تحويه الجهات الست، لأنها حادثة وهو الذي خلقها فلو صار مختصا بجهة بعدما خلقها لكان يتخصص بمخصص وذلك باطل،
فصل: (13): صانع العالم ليس فوق العالم ولا في جهة خارجه عنه، لأنه لو كان كذلك لكان محاذيا للعالم وكل محاذ بجسم إما أن يكون مثله أو أكبر أو اصغر وكان ذلك تقديرا يحتاج إلى مقدر تعالى عن ذلك.
فصل: (14): رفع الأيدي إلى السماء عند الدعاء، إنما ترفع لأنها قبلة الدعاء كالتوجه إلى الكعبة في الصلاة ووضع الوجه على الأرض عند السجود وإن لم يكن الله عز وجل في الكعبة ولا تحت الأرض
فصل: (15): صانع العالم لا يوصف بكونه متمكنا في مكان، لأنه كان في الأزل غير متمكن فلو تمكن بعدما خلق المكان لتغير عما كان تعالي الله عن ذلك،
الاستواء: فصل: (16): استواؤه على العرش حق وصدق ونحن نؤمن ونعتقد على الوجه الذي أراده ولا نشتغل بكيفيته.
النزول: فصل: (17): نزوله إلى السماء الدنيا تفضل ورحمة لا نقلة وحركة لما ذكرنا
فصل: (18): وله يدان هما صفته يخلق بهما ما يشاء وهما يد خلق وقدرة لا يد بطش وجارحة لما ذكرنا.
فصل: (19): وله وجه هو صفته وهو وجه إكرام وإقبال لا وجه مقابلة ومواجهة لما ذكرنا.
فصل: (20): صانع العالم لا يشبه العالم ولا شيئا منه، لأنه لو كان يشبهه للزم حدوثه أو قدم العالم وكلاهما منتفيان.
فصل: (21): صانع العالم لا يقال له ما هو لأن ما سؤال عن الجنس ولا جنس له.
فصل: (22): صانع العالم لا يقال كيف هو لأن الكيف يستخبر به عن الهيئة والحال ولا هيئة له ولا حال.
فصل: (23): صانع العالم لا يقال له أين هو لأن أين يستخبر به عن المكان ولا مكان له.
فصل: (24): صانع العالم لا يقال له كم هو لأن الكم يستخبر به عن العدد ولا عدد له.
فصل: (25): صانع العالم لا يقال له متى كان لأن متى سؤال عن الزمان ولا يجري عليه زمان.
فصل: (26): صانع العالم لا يقال له لم فعل لأن لم يقال لمن فعل لعلة أو حاجة أو ضرورة وهو منزه عن ذلك.
فصل: (27): صانع العالم لا نزول له ولا صعود له ولا التفات ولا تفكر ولا حاجة ولا شهوة ولا نوم ولا سنة ولا آفة ولا علل ولا سرور ولا حزن ولا رضى ولا غضب بمعنى التغير في ذاته ولا رجاء ولا طمع ولا حسد ولا أكل ولا شرب ولا قيام ولا قعود ولا مشي ولا عدو ولا هرولة ولا استناد ولا اتكاء ولا اضطجاع ولا ضحك ولا تبسم ولا قهقهة ولا قرب ولا بعد بمعنى المسافة والمكان ولا وزير له ولا شريك ولا مدبر له ولا نظير له ولا معين ولا قرين ولا حاجب ولا بواب ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا وراء ولا خاطر ولا رأي ولا حظ فيما أعطى ولا ندم فيما وهب لأن هذه الأشياء من أمارات الحدوث وهو قديم منزه عن جميع الحادثات وعن تغيره من حال إلى حال تبارك الله رب العالمين.
فصل: (28): ولا والد له ولا ولد ولا صاحبة، لأن الوالد سبب لحدوث الولد وهو قديم لا يحدث له والولد جزء الوالد وهو إحدي الذات صمدي الصفات لا يقبل التجزء والانقسام، والزوجة لمن جارت عليه الشهوة وهو سبحانه وتعالى منزه عنها،.
فصل: (29): صانع العالم لا علة لصنعه ولا في أفعاله ولا زيغ في أحكامه ولا ميل في قضائه وقدره لأنه يوصف بصفة العدل والفضل.
فصل: (30): صانع العالم لا يقدره فهم ولا يصوره وهم ولا يدركه بصر ولا عقل ولا يبلغه علم ولا يقوم بذاته حادث ولا يدخل في صفاته تغير وكل ما خطر ببالك كذلك فهو قادر على أن يخلق ذلك وأمثاله فتبارك رب العالمين.
صفة الحياة: فصل: (31): صانع العالم حي بحياة أزلية لا بروح بداخله ولا نفس يخرج منه لأن وجود هذا العالم البديع صنعته لن يتصور إلا من حي قادر.
العلم: فصل: (32): صانع العالم عالم بجميع المعلومات كليتها وجزئياتها لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات العلا ولا في الأرضين السفلى لأنه لو لم يكن عالما لكان موصوفا بضده وهو الجهل وذلك نقص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
القدرة: فصل: (33): صانع العالم قادر بقدرة كاملة، لأن حصول الأفعال المحكمة المتقنة لن يتصور وجودها إلا من قادر قدير.
الإرادة: فصل: (34): صانع العالم مريد الكائنات مدبر الحادثات، لأنه لو لم يكن مريدأ ولا تحدث الأشياء إلا بإرادته ومشيئته لكان مضطرا وهو أمارة العجز تعالى الله عن ذلك،
السمع والبصر: فصل: (35): صانع العالم سميع بصير، لأن السمع والبصر هما صفتا مدح وكمال فنفيهما نقص تعالى الله عن ذلك.
الكلام: فصل: (36): صانع العالم متكلم، لأنه لو لم يكن متكلما لكان موصوفا بضده وهو الخرس تعالى الله عن ذلك.
فصل: (37): وله كلام لأن الأمر والنهي لا يتم إلا بالكلام، وكلامه قديم لأنه لو لم يكن قديما لكان الله تعالى في الأزل متغيرا عن الكلام تعالى الله عن ذلك وكلامه غير مخلوق لأنه لو كان مخلوقا لكان الله تعالى الله عن ذلك وكلامه غير مخلوق لأنه لو كان مخلوقا لكان الله تعالى محلا للحوادث تعالى الله عن ذلك وكلامه قائم بذاته لا يقبل الانفصال عنه والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق لأنه كلامه وكلامه صفته وصفاته قائمة بذاته لا تقبل الانفصال عنه والافتراق وهذه العبارات دالة على كلامه القديم الأزلي القائم بذاته وتسمى العبارات كلام الله تعالى وهي محدثة مخلوقة وهي الحروف والأصوات وتتابع الحروف والكلمات وهي قائمة بذاته بمحلها وغير مخلوقة يعبر بما هو المخلوق دل عليه قول الشاعر: (إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا)،
فصل: (38): وكلامه ليس بحرف، لأن الحروف في أنفسها متضادة ولا توجد دفعة واحدة إلا متعاقبة وذلك يوجب حدوثه وكلامه قديم.
فصل: (39): وكلامه ليس بصوت، لأن الأصوات يدرك تجانسها بالجنس فلو أن كلامه صوتا لكان جنسا من هذه الأصوات وذلك محال لاقتضائه الحدث وكلامه ليس بعربي ولا بسرياني ولا بعبراني لأن هذه اللغات أوصاف للفظ المركب من الحروف وكلامه ليس بحرف.
فصل: (40): وقراءة كلام الله بالعربية تسمى قرآنا وبالسريانية تسمى إنجيلا وبالعبرانية تسمى توراة ويكون الكل كلام الله عز وجل على معنى أنه يتلى بلغتهم.
فصل: (41): القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسنة محفوظ في القلوب غير حال فيها كما تقول إن الله تعالى مذكور بالألسن معلوم في القلوب معبود في المساجد غير حال فيها، فالمراد بقولنا إن القرآن كلام الله تعالى المقروء دون القراءة التي هي فعل العبد لأن القرآن في اللغة وإن كان عبارة عن القراءة حقيقة لكان جاز أن يذكر ويراد به المقروء، وعلى هذا قال مشايخنا لا يجوز أن يقال القرآن غير مخلوق ولكن يجب أن يقال القرآن الذي هو كلام الله غير مخلوق
فصل: (42): والكلام واحد كالعلم والقدرة والإرادة لأن الواحد لا بد له من إثبات والعدد يتعارض القول فيه بلا عدد أو من عدد.
فصل: (43): وتسمية كلامه قرآنا وتوراة وإنجيلا وزبورا لا يقتضي كثرة الكلام كما أن الله عز وجل يسمى بالعربية الله وبالعجمية خداي وبالتركية تكري وهو واحد فكذا كلامه.
فصل: (44): وكلامه أمر ونهي وخبر ونداء ووعد ووعيد وقصص وأمثال وموعظة وهو كلام واحد،
فصل: (45): وكلامه لا يجوز أن يسمع على المعنى الذي ذكرناه.
فصل: (46): إذا ثبت أن الباري سبحانه وتعالى حي عالم قادر مريد سميع بصر متكلم ثبت أن له حياة وعلما وقدرة وإرادة وسمعا وبصيرا وكلاما إذ القول بعالم لا علم له وقادر لا قدرة له كالقول بمتحرك لا حركة له وساكن لا سكون له وكالقول بأن الله لا علم له بنا ولا قدرة له علينا وهذا شنيع محال،
فصل: (47): وعلمه ليس بكسبي ولا ضروري لأن ذلك من أمارات الحدوث.
الأسماء: فصل: (48): وأسماء الله تعالى صفاته وهو قوله عز وجل (ولله الأسماء الحسنى) أي صفاته العلا.
فصل: (49): وأسماء الله عز وجل تؤخذ توقيفا ولا يجوز أخذها قياسا.
فصل: (50): وصفاته ليست بأعراض لأن العرض لا يدوم وجوده وصفاته باقية ببقائه فبقاؤه بقاء له وللصفات.
فصل: (51): وصفاته مختصة بذاته لا يقال هي هو ولا بعضه لا أغيار له لأن حقيقة الغيرين يجوز وجود أحدهما مع عدم مصاحبة أو يجوز مفارقة أحدهما لصاحبه وذلك في صفاته محال.
فصل: (52): لا يقال لصفاته إنها مع الله عز وجل أو فيه بل هي مختصة قائمة به أو نقول هي معنى وراء الذات قائمة به.
فصل: (53): لا يقال لصفاته إنها تخالفه أو توافقه لأنه يؤدي إلى المغايرة والتغاير بين الله وصفاته محال.
فصل: (54): صانع العالم لا يوصف بالأحوال لأن الأحوال ما تزول في الصفات وذلك في صفاته محال.
فصل: (55): إرادة الله عز وجل نافذة في جميع مراداته لا يجوز أن يريد كون الشيء فلا يكون أو يريد أن لا يكون شيئا فيكون لأن من جرى في سلطانه ما لا يريد كان ساهيا أو مغلوبا وذلك نقص تعالى الله عن ذلك.
فصل: (56): معلوماته ومقدوراته ومراداته لا نهاية لها لأنه لو كان لها نهاية لكان لعلمه نهاية ولانهاية لعلمه.
فصل: (57): صانع العالم قائم بذاته مستغن عما سواه لأنه لو لم يكن قائما بذاته لكان مفتقرا إلى غيره تعالى الله عن ذلك.
فصل: (58): صانع العالم عظيم القدر والصفة لا يقال إنه عظيم الذات لأن العظمة بالذات لا تكون إلا بكثرة الأجزاء وهو واحد لا يتجزأ ولا ينقسم..
صفة التكوين: فصل: (59): اعلم بأن التكوين والتخليق والإيجاد والإحداث والإبداع والاختراع عبارة ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشيء من العدم إلى الوجود.
فصل: (60): اعلم أن التكوين غير المكون لأن القول بإيجاد التكوين والمكون كالقول بأن الضرب عين المضروب والقتل عين المقتول وهذا محال.
فصل: (61): والتكوين صفة الباري سبحانه وتعالى لأن حدوث العالم بتكوينه فكان هو المحدث والمكون فيكون التكوين صفته.
فصل: (62): والتكوين قائم بذاته لأنه لو لم يكن قائما بذاته لكان قائما بمحل آخر فيكون المكون الخالق ما قام به التكوين وهذا محال.
فصل: (63): والتكوين صفة أزلية غير حادثة والباري عز وجل لم يزل مكونا خالقا لأنه لو كان حادثا لكان ذات الباري محلا للحوادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فثبت أن التكوين غير المكون وأنه صفة أزلية بذات الباري كالحياة والعلم والقدرة.
فصل: (64): وصفات الباري كلها أزلية قائمة بذاته لا يقال أن هذه من صفات الفعل لأن فيه جواز الحدوث على ذاته وليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق كما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم كذلك اسم الخالق قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير.
رؤية الله تعالى: فصل: (65): صانع العالم مرئي في الدار الآخرة بالعيون الناظرة من غير إحاطة ولا كيفية ولا إدراك ولا نهاية لأن المجوز للرؤية الوجود فالله تعالى موجود فثبت جواز رؤيته ضرورة.
النبوات: فصل: (66): إرسال الرسل ليس بممتنع عقلا، لأن الله عز وجل خالق الخلق ومالكهم فمن له الخلق والأمر والملك له أن يتصرف في ملكه ومماليكه كما يشاء فجاز أن يأمرهم وينهاهم لينتفعوا بذلك وينالوا خير الدنيا والآخرة وهذا ما لا استحالة به أصلا فجاز إرسالهم.
فصل: (67): إرسال الرسل في الحكمة من الواجبات لوجهين: (أحدهما): أن شكر نعمة المنعم واجب عقلا وشرعا والعقل لا يهتدي لمعرفة ذلك بطريق التفصيل إلا بالسمع والسمع بإرسال الرسل فكان واجبا قضية للحكم، (الثاني): أن في بعث الرسل إثبات الحجة وقطع الحجة للحكم وتحقيق ما وعد الله عز وجل بالجنة والنار لأنهم لو لم يبعثوا لثبت للكفار حجة في عدم إيمانهم كما قال تعالى (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) فإذا كان بعثهم لهذه الحكمة فيكون واجبا ونعني بالوجوب أن من قضية الحكمة أن يوجد لا محالة لا انه يجب على الله تعالى بإيجابه أو بإيجاب غيره عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
فصل: (68): رسالة شخص بعينه ليست واجبة يجوز أن يكون ذلك غيره فلا بد من دليل يدل عليه، وذلك قيام المعجزة فإذا قامت المعجزة على يده تعين انه رسول الله.
فصل: (69): بعث الله تعالى الأنبياء عليهم السلام رسلا مبشرين ومنذرين وبعث محمدا رسولا ونبيا بشيرا ونذيرا والدلالة على ذلك قيام المعجزات الظاهرة على يده كانشقاق القمر بإشارته ومجيء الشجرة من موضعها إليه عند إشارته إليها وعودها إلى مكانها وتسليم الحجر عليه وتسبيح الحصاة في يده ونبع الماء من بين أصابعه وحنين الأسطوانة وشكاية الناقة إليه وإخبار الشاة المصلية إليه عن السم الذي كان فيها وإشباعه الخلق الكثير من الطعام القليل وكذا شرب الماء الكثير من البشر من الماء القليل والسحاب الذي كان يظله حال صغره وما كان من خاتم النبوة بين كتفيه وأنه كان أطيب الناس رائحة من المسك وإخباره عن الغيوب في الماضي والمستقبل كان كما أخبر مع انه كان أميا وبشارة عيسى عليه السلام ببعثه وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعد ومن معجزاته اليوم بيننا القرآن الكريم فان العرب بأسرهم مع فصاحتهم وبلاغتهم وتمييزهم عجزوا عن الإتيان بمثله أو بسورة من مثله فدلت المعجزات الظاهرة والآيات الواضحة على صدق نبوته وصحة رسالته.
المعراج: فصل: (70): والمعراج حق عرج رسول الله بشخصه في اليقظة إلى السماء ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثبت ذلك في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الله وليس ذلك بمستحيل في قدرة الله تعالى.
عصمة الأنبياء: فصل: (71): واختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال عامة المعتزلة لا يجوز شيء من الخطأ والزلل والمعاصي ولا شيء من المباحات المستخففة عليهم لأن ذلك موجب النقير عليهم وقال بعضهم يجوز ذلك فعلا وقولا لأنه موجب ارتفاع الثقة عن أحوالهم، وقال بعض أهل السنة والجماعة بأن الزلل لا يكون من الأنبياء إلا بترك الأفضل، وهذا القول وإن كان حسنا من حيث الصورة لكنه غير سديد من وجه آخر لأن الأفضل يقتضي فاضلا في مقابلته فيقتضي أن يكون أكل الشجرة من آدم عليه السلام فاضلا مع كونه منهيا عنه مع قوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى)، وقال بعض أهل السنة هم معصومون عن الكبائر دون الصغائر لأنه أثبت لهم مقام الشفاعة ولأن من لم يبتل بالبلية لا يرق على المبتلى بها، والمذهب السديد أنه لا يجب الإيمان بتصديق القرآن والكتب عن تأويل ما ورد في حق الأنبياء عليهم السلام من هذه النصوص لأن في تأويلها تعرضا لأحوالهم على وجه لا يأمن الخطأ في ذلك مع أنا غير مكلفين بذلك فيجب الكف عنه.
التفاضل بين الأنبياء: وبعض الأنبياء أفضل والرسل أفضل منهم والرسل أفضل من بعض ونبينا محمد أفضل الأنبياء والرسل عليهم السلام وجملة الأنبياء عليهم السلام كانوا مئة ألف نبي وعشرين ألف نبي وأربعة آلاف الرسل منهم ثلاث مائة وثلاثة عشر وأولو العزم كانوا خمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وأربعة أحياء عيسى عليه السلام وإدريس والخضر وإلياس عليهم السلام.
الكونيات: الملائكة: فصل: (72): والملائكة عليهم السلام بعضهم أفضل من بعض وأفضلهم أربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام وفضل الأربعة ثبت ذلك بالكتاب والسنة.
فصل: (73): خواص بني آدم أفضل من جملة الملائكة وعوام بني آدم وهم الأتقياء أفضل من عوام الملائكة، لأن آدم كان مسجودا له والملائكة كانوا ساجدين ولا شك أن المسجود له أفضل من الساجد، وإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص ثبت تفضيل العوام على العوام.
فصل: (74): الملائكة عباد الله عز وجل وهم معصومون من المعاصي والإنس والجن غير معصومين إلا الأنبياء من الإنس.
فصل: (75): الميثاق الذي أخذه الله عز وجل من آدم عليه السلام وذريته حق والعرش والكرسي واللوح والقلم ومقاديرهم في اللوح حق ولو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله عز وجل في اللوح أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه وكذلك على العكس قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
كرامات الأولياء: فصل: (76): ظهور كرامات الأولياء على طريق نقض العادة وخرقها جائز لأنه في قدرة الله تعالى ممكن وليس فيه وجه من وجوه الاستحالة ويجوز أن الله تعالى أكرم وليا بكل آية يخصه بذلك ثبت بالكتاب والسنة.
فصل: (77): الولي لا يكون أفضل من النبي بل نبي واحد أفضل من جميع الأولياء وبرهانه واضح والولي وإن علت درجته وارتفعت منزلته لا تسقط عنه العبادات المفروضة ومن زعم أن من صار وليا وصل إلى الحقيقة سقط عنه أحكام الشريعة فهو ضال على غير السبيل لأن العبادات ما سقطت عن الأنبياء فكيف تسقط عن الأولياء، اعلم أن الاستطاعة نوعان استطاعة حال وهي الأعضاء السليمة والأسباب الصالحة، واستطاعة فعل وهو عرض يحدث ساعة فساعة عند وجود الفعل مقارنة بخلق الله تعالى وأما الأولى فلا شك في ثبوتها وأما الثانية فالدلالة على مقارنتها بالفعل لأنها لو كانت سابقة على الفعل لانعدمت عند وجود الفعل لأنها عرض ولا بقاء للأعراض.
أفعال العباد: فصل: (78): أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة بخلق الله عز وجل لأن قدرة الله قديمة لا تتخصص ببعض المقدورات دون البعض بل تتعلق بكل ما يصلح مقدورا في نفسه وأفعال العباد حوادث صلحت مقدورة في نفسها فيتعلق بها فإذا وجدت كانت مخلوقة بخلق الله تعالى.
فصل: (79): العبد ليس بخالق لأفعاله ولا بموجد لها لأنه لو كان قادرا على الخلق والإيجاد لكان فعله على الوجه الذي قصده وأراده وحيث لم يقع علم انه ليس بخالق.
فصل: (80): للخلق أفعال صاروا بها عصاة ومطيعين فهي مخلوقة لله تعالى فيتعلق الثواب والعقاب بفعلها وقت تخليقها من الله عز وجل لأن فعل الفاعل ما يدخل تحت قصده وإرادته داعية ويمتنع دخوله تحت كراهية ومصادقة وهذا تمام في أفعال العباد فكانت فعلا لهم.
فصل: (81): دخول مقدور واحد تحت قدرتين إحداهما قدرة الاختراع والأخرى قدرة الاكتساب جائز كما في الحسيات وإنما الممتنع الدخول تحت قدرتين وكل واحدة قدرة الاختراع أو الاكتساب.
فصل: (82): المتولد من فعل العبد مخلوق لله عز وجل مثل الألم في المضروب عقيب الضرب والانكسار عقيب الكسر لآن هذه الآثار لو كانت فعلا للعبد ينبغي أن يقدر العبد على الامتناع من الألم في المضروب وحيث لم يقدر علم أنه غير مقدوره،.
فصل: (83): صانع العالم لا يكلف عباده ما ليس في وسعهم لآن ما يقتضيه التكليف لا يتخفف مع العجز لأن قضية كونه بحال لو أتى به يثاب عليه باعتبار كونه مطيعا ولو تركه يعاقب باعتبار كونه عاصيا وهذا لا يتحقق مع العجز وعدم الآلة.
فصل: (84): صانع العالم متفضل بالخلق والاختراع متطول بتكليف العباد لم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه لأنه هو الموجب والآمر والناهي وكيف يسلب الإيجاب أو يتعوض للزوم خطاب الله تعالى رب الأرباب.
الصلاح والأصلح: فصل: (85): الأصلح ليس بواجب على الله ولا ما هو المصلحة لأنه خلق الكفر والمعصية فلو كان الأصلح واجبا عليه لما خلقهما لأنهما ليسا بمصلحة بل هما مفسدة في حق العبد لأنهما سبب للعقاب في الدنيا والآخرة.
الثواب والعقاب: فصل: (86): الطاعات علامات الثواب لا عللها، والمعاصي علامات العقاب لا عللها لأن القديم سبحانه وتعالى لا يستحق عليه وهو المعبود المستحق للعبادة، ثوابه وعقابه عدل لا واجب على الله عز وجل لأن الواجب يقتضي موجبا والموجب فوق الموجب عليه وليس أحد فوق الله عز وجل.
فصل: (87): جزاء الأعمال من أعمال الثواب والعقاب يتعلق بأفعال العباد لا بتقدير الله عز وجل لقوله تعالى: { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون }،
فصل: (88): المقتول ميت بأجله ولا أجل له سوى ذلك ولا يتقدم أجله ولا يتأخر لأنه إذا علم الله أنه يموت غدا بأجله يستحيل أن يقتل اليوم لا بأجله لأنه يؤدي إلى تعجيز الله تعالى عن إحياء عبده إلى الغد وأنه محال.
فصل: (89): وكل آدمي له أجل واحد لأنه لو كان له أجلان من تعيين يؤدي إلى أن الله تعالى لا يعرف عواقب الأمور تعالى الله عن ذلك.
فصل: (90): والأجل عبارة عن المدة وعن نهاية المدة إلا أنه في الثاني أكثر استعمالا والقتل فعل قائم بالقاتل والموت إزهاق الروح مخلوق لله تعالى لا صنع للقاتل في المحل وكذلك كل محدث يحدث في العالم بغير صانع فهو مخلوق لله تعالى وهو محدث بإحداثه بما ذكرنا في حدوث العالم.
الرزق والأرزاق: فصل: (91): الرزق ما يصل إلى العبد ويتغذى به سواء كان حلالا أو حراما مملوكا أو غير مملوك لأنه لو كان الرزق حلالا أو مملوكا لما تصور أن يرزق من لم يقدر على الحلال أو من ليس له ملك.
فصل: (92): وكل واحد يستوفي رزق نفسه ولا يتصور استيفاؤه رزق غيره لما بقي لذلك الآخر رزق يستوفيه فيؤدي إلى هلاكه، المعاصي بإرادة الله تعالى ومشيئته وكل فعل من أفعال العباد إذا وجد على أي صفة وجد فان كان طاعة فهو بمشيئة الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره ورضائه ومحبته وأمره وإن كان معصية فهو بمشيئته وإرادته وقضائه وقدره وليس بأمره ولا كان رضاه ولا محبته لأن أمره ورضاه ومحبته ترجع إلى كون الشيء مستحسنا عنده وذلك يليق بالطاعة دون المعاصي ولأن أفعال العباد كلها مخلوقة بخلق الله تعالى فإذا كانت مخلوقة بخلقه كانت بإرادته إذ لو لم يكن بإرادته لم يكن مختارا في خلقها بل يكون مضطرا وإنه كفر وضلال وقالت المعتزلة المعاصي ليست بإرادة الله تعالى ولا بمشيئته بل بكراهيته.
فصل: (93): إرادة الله تعالى ومشيئته موافقة لعلمه لا بأمره ونهيه فكل ما علم الله تعالى في الأزل أن يوجد فقد أراد وجوده خيرا كان أو شرا وما علم أنه لا يوجد فقد أراد أن لا يوجد ولما علم من فرعون الكفر وكذا من سائر العصاة والكفرة وقالت المعتزلة إرادته مطابقة لأمره وذلك أن ما أمر الله تعالى فقد أراده وكل ما نهى عنه فقد كرهه، دليلنا أن الله تعالى لو شاء من كافر الإيمان والكافر شاء من نفسه الكفر لكانت مشيئة الكفار أنفذ من مشيئة الله تعالى وهو أمارة العجز تعالى الله عن ذلك.
فصل: (94): وأما الأمر والنهي فنقول ما أمر الكافر بالإيمان ليؤمن بالله تعالى وما نهى عن الكفر لينتهي عنه بل ليجب الإيمان عليه ويحرم الكفر عليه فيترك الإيمان الواجب ويقدم على الكفر المنهي عنه فيستحق بذلك العقاب فيتحقق بذلك علم الله بترك الإيمان الواجب وهو يرتكب الكفر المحظور ويصير بذلك أهلا للتخليد في النار فيتحقق بذلك علمه وإخباره فإذا كل ذلك لتحقق علمه وإرادته.
فصل: (95): والعبد لا يصير مجبورا بعلم الله عز وجل إن كان لا يمكنه الخروج من إرادة الله تعالى لأن ما أراد منه الأفعال الاختيارية له من الإيمان ليستحق الثواب أو العقاب لا الإيمان والكفر جبرا
القضاء والقدر: فصل: (96): في القضاء والقدر: اعلم بأن القدر سر والقضاء ظهور السر على اللوح والحكم نزوله على العبد فالحكم يقتضي التسليم والقضاء يقتضي الرضا والقدر يقتضي التفويض والقدر في علم الله عز وجل لا في وجه اللوح والقلم الاطلاع وإذا اطلع اللوح عليه سمي قضاء وإذا وصل إلى العبد سمي حكما والقدر مقدر في علمه الذي علم وصوله إلى العبد ان شاء والقدر صفته والمقدور ملكه والقدر ليس بمحدود ولا معدود والمقدور محدود ومعدود كذلك القضاء والمقضي والحكم والمحكوم والقدر صفة ربوبيته من غير ابتداء تصويبا من الله عز وجل والقضاء إلزام ما صوبه والحكم تعليق ما الزمه على العبد.
فصل: (97): الجبر على ضربين جبر من الإجبار وجبر من الجبروت والإجبار يزيل الأفعال والجبروت يزيل الاستغناء فالعبد ليس بمجبور إجبارا يزيل الفعل بل هو مختار في الفعل تحت الجبروت مفتقر إلى الله عز وجل بورود التوفيق ووجود الاستطاعة فمن جهة تخليق الأفعال في أعضائه وإخراجها من العدم إلى الوجود مجبور يعني ليس بخالق الأفعال وإنما حصلت الأفعال بالتخليق فهو في استعمالها غير مجبور بل مختار في استعمالها لأن الله تعالى أعطى له التمييز متولدا من العقل والفهم والذهن ليس كشجرة تحركها الريح تسخيرا من غير تمييز أو كسحاب والشمس والقمر وسائر المسخرات لأنه مأمور منهي والمجبورات غير مأمورات ولا منهيات والعبد مثاب ومعاقب والمسخرات لا ثواب لها ولا عقاب فثبت أن العبد ليس بمجبور إجبارا يزيل الفعل وليس بمستغن يقدر على إيجاد المعدوم لأنه ليس بخالق.
فصل: (98): اعلم أن المذهب المستقيم أن تقدير الخير والشر من الله تعالى وفعل الخير والشر من العبد والعبد مختار في فعله اختيار تمييز وتحصيل لا اختيار مشيئة وقدرة والعبد مخاطب بمراعاة الأمر والنهي وبالنظر إلى القضاء والقدر فيحصل له الخوف والرجاء والاجتهاد والرغبة وهو غير مسؤول في جانب القضاء والقدر ليثاب ويعاقب بل هو مسؤول في جانب الأمر والنهي للثواب والعقاب وليس للعبد أن يقول عاذرا لنفسه بأن القضاء والقدر هكذا أجري علي فما ذنبي بل العبد ملزم بمراعاة الأمر والنهي فيقال له إنك سلمت إلى الله عز وجل الربوبية وصدقته بأن القضاء والقدر منه ربوبية فكذلك الأمر والنهي.
فصل: (99): واعلم أن لكل عبد هدى ورشدا فمن الله عز وجل فضل وكل من خذل وحرم فمن الله عدل وصفة الله عز وجل الفضل والعدل فمن أعطاه الهدى فقد عامله بالفضل ومن حرمه فقد عامله بالعدل ولا يوصف بالجور والخطأ يظهران من الله تعالى الأمور لا من الأمر فمنع التوفيق ليس بقدر للعبد لأنه عادل في منعه متفضل في إعطائه فالكل منه وإليه ليس للعبد اعتراض ولا منه مهرب فينبغي للعبد أن يرضي بجميع ما قضى الله تعالى عليه وقدره ويلزم طريق الصبر والتسليم والتفويض وهو لا يخوض في قضاء الله وقدره أو بوسوسة أو مقال فإن الله تعالى أخفى علم القدر عن عباده ونهاهم عن مرامه ومنعهم عن الاعتراض فيه والسؤال عنه كما قال تعالى (لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون) وقال لما خلق الله الخلق جعل طباعهم في النهي متحركة وفي الأمر ساكنة وأمرهم أن يسكنوا على المتحرك وان يتحركوا بالساكن ولا تجدوا إلى ذلك سبيلا إلا بحول الله وقوته، وخالفنا في هذه المسألة القدري والجبري فقال القدري الخير والشر فعل العبد ليس لله تعالى صنع فيه، وقال الجبري الخير والشر من الله تعالى عز وجل ليس للعبد فيه فعل الدلالة على بطلان ما قالا ما ذكرنا من الدلائل.
فصل: (100): اعلم أن جميع أحكام الله تعالى ثلاثة حكم شاء الله وأحبه وهو الفرائض وحكم شاء الله وأحبه ولم يأمر به وهو النوافل وحكم شاء الله ولم يحبه ولم يأمر به وهو المعاصي.
فصل: (101): اعلم أن جميع ما قضى الله عز وجل أربعة قضاء الطاعة وقضاء المعصية وقضاء النعمة وقضاء الشدة فعلى العبد إذا قضى له بالطاعة أن يستقبلها بالحمد والإخلاص ليكرم بالتوفيق وإذا قضى له بالمعصية أن يستقبلها بالتوبة والاستغفار ليرزق المحبة والمغفرة وإذا قضى له بالنعمة أن يستقبلها بالشكروالصدق ليكرم بالزيادة واذا قضى له بالشدة أن يستقبلها بالصبر والرضا ليكرم بالأجر والثواب.
فصل: (102): الهدى والضلال من الله تعالى لأن أفعال العبد مخلوقة بخلق الله تعالى
فصل: (103): الإسعار من قبل الله تعالى لا يتغير بعكس العباد قال الله تعالى:{والله يقبض ويبسط}
فصل: (104): حقيقة النعمة اللذة وحقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على سبيل الخضوع له والدليل عليه اطراده وانعكاسه في جميع أحواله.
فصل: (105): اعلم بأن الله تعالى قد أنعم على المؤمنين بالمعرفة والإيمان وللسائل أن يقول هل أنعم عليهم بالشدائد والمحن، كما أنه تعالى لم ينعم على الكفار بالمعرفة والإيمان بل إن إنعامه عليهم كان بالمنافع والملاذ العاجلة، وعليه فيجب أن يقال إن كل نفع وضر يوصل العبد إلى الطاعات والنعيم الأبدي فهو من نعم الله تعالى ظاهرة وباطنة وكل ما لا يوصله إلى ذلك اويوصله إلى اكتساب المعاصي فهو نعمة في الظاهر نقمة في الباطن.
فصل: (106): اعلم أن الله تعالى لو أدخل جميع الخلق الجنة من غير طاعة يكون حسنا وحكمة بالغة ولو أدخلهم النار من غير معصية هل يحسن ذلك في الحكمة، قال بعض أهل السنة والجماعة يكون حسنا وحكمة وقال بعض مشايخنا رحمهم الله لا يحسن ذلك في الحكمة لأنه جمع بين العدو والولي في النار من غير ذنب.
فصل: (107): الفاسق المؤمن لا يخرج من الإيمان بفسقه لأن الخروج من الإيمان إنما يكون بزوال التصديق والتصديق باق فيكون مؤمنا.
فصل: (108): الفاسق لا يخلد في النار لأن الخلود للكفار وهو مؤمن مصدق.
فصل: (109): الفاسق من أهل المغفرة لأن الله تعالى عفو غفور رحيم والعفو والمغفرة والرحمة إنما يتحقق في رفع عقوبة من هو جائز التعذيب بسبب الجناية إذا ثبت جواز المغفرة لصاحب الكبيرة ابتداء جاز أن يغفر ذنبه بشفاعة الشافعين لأن مبنى الشفاعة بجواز المغفرة فإذا جاز ذلك ابتداء من غير شفاعة فلأن يجوز مع الشفاعة بالطريق الأولى.
فصل: (110): الفاسق إذا خرج من دنياه من غير توبة وقد ختم له على الإيمان لا يجوز أن يقال أن الله تعالى يعذبه لا محالة ولا أن يقال يعفو عنه لا محالة بل هو في مشيئة الله تعالى كما قال: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }، إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الايمان أو بشفاعة الشافعين أو يعذبه بقدر ذنبه ثم يدخله الجنة.
علامات الساعة: فصل: (111): ومن علامات الساعة خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام وظهور دابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وخروج يأجوج ومأجوج وظهور الفتن واندراس العلم والعلماء وغير ذلك مما جاء من الأخبار عن السيد المختار عليه أفضل الصلاة والسلام في أشراط الساعة.
فصل: (112): وإذا نزل عيسى عليه السلام من السماء في آخر الزمان فإنما ينزل على شريعة نبينا محمد ويدعو الناس إلى شريعته ويكون كواحد الدعاة.
فصل: (113): ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا بخلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة
فصل: (114): من ادعى النبوة تجب استتابته فان لم يتب يجب قتله لاختتام النبوة وانسداد بابها.
فصل: (115): اختلف الناس في أطفال المشركين قال بعضهم في الجنة، وقال بعضهم في النار وقال بعضهم هم خدام أهل الجنة، فإذا اختلف الناس فيهم فالسكوت أولى فهم في مشيئة الله تعالى.
فصل: (116: اختلف الناس في عدد الحفظة، قال بعضهم أربعة اثنان بالنهار واثنان في الليل وهو الصحيح، وقال بعضهم خمسة والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا.
فصل: (117): اختلف الناس في كتبة الحفظة: قال بعضهم يكتبون جميع أفعال العباد من بني آدم وأقوالهم وقال بعضهم يكتبون الجميع فإذا صعدوا إلى السماء حذفوا ما لا أجر فيه ولا إثم قال ابن عباس رضي الله عنهما يكتبون الخير والشر والأول أصح لقوله تعالى: { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه }.
فصل: (118): اختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة: قال بعضهم ليس عليهم حفظة وقال بعضهم عليهم حفظة وهو الصحيح، قال الله تعالى في حقهم: { كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون }
فصل: (119): يحشر الوحوش والطيور والبهائم يوم القيامة لأنه يجوز ذلك في العقل إظهارا لقدرة الله تعالى كما أنه خلق الخلق إظهارا لربوبيته.
فصل: (120): صانع العالم قادر على إعادة الموجودات ما فني من جواهرها وأجسامها وأعراضها لان الإعادة بمعنى الابتداء من حيث إنه إعادة من العدم.
فصل: (121): الموت حق وسكراته حق لقوله تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم }، وقوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت بالحق }.
الغيبيات: فصل: (122): ملك الموت الذي يقبض به الأرواح حق لقوله تعالى: { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا }
فصل: (123): صانع العالم يميت الخلائق إلا وجهه الكريم كما قال تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }
فصل: (124): عذاب القبر حق لقوله تعالى: { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا }، ثبت عرض آل فرعون على النار قبل يوم القيامة غدوا وعشيا وليس ذلك إلا عذاب القبر.
فصل: (125): يقال رجوع الحياة إلى الميت في القبر كلها أو بعضها بقدر ما يقدر العقل السؤال ويفهم ويتلذذ بالإكرام إن كان مؤمنا ويتألم بالعذاب إن كان كافرا لقوله تعالى: { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين }
فصل: (126): سؤال منكر ونكير حق لقوله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف أنت يا عمر من منكر ونكير، قال يا رسول الله وما منكر ونكير قال: ملكا القبر وهما شخصان مهيبان فتانان أسودان أزرقان أعينهما كالنحاس أي كالدخان وأبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف يضمان أشفارهما ويحفرون الأرض بأنيابهما معهما إرزبتان لو اجتمع عليهما أهل السموات وأهل الأرض ما نقلوهما أي من ثقلهما يقعدان العبد في قبره سويا ويقولان من ربك وما دينك وما نبيك، قال عمر رضي الله عنه: على أي حال أنا يومئذ يا رسول الله قال: حالك اليوم، قال إذا أكفهما.
فصل: (127): الميت ينتفع بما يهدى إليه من الخيرات والصدقات لقوله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يا علي تصدق عن موتاك فإن الله تعالى وكل ملائكة يحملون صدقات الأحياء إليهم فيفرحون بها كأشد ما يكون من الفرح ثم يجدون أحزانا ويندمون على ما خلفوا ويقولون اللهم اغفر لمن نور قبورنا وبشره بالجنة كما بشرنا فيا أسفا على ما خلفنا من بعدنا.
فصل: (128): نفخ الصور حق، قيل يكون نفختين نفخة للهلاك ونفخة للبعث، وقيل ثلاثة وهو الصحيح، قال الله تعالى: { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين }
فصل: (129): اعلم بأن البعث بعد الموت حق والتصديق به واجب وان الله تعالى يحيي الخلق بعد فنائهم قال تعالى ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شيء قدير وإن الساعة آتية لا ريب فيها وإن الله يبعث من في القبور.
فصل: (130): يجمع الخلائق في عرصات القيامة ويوقفون خمسين موقفا في كل موقف ألف سنة قال تعالى: { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }، وقيل أربعين سنة يقفون على قبورهم حيارى أي مثل سكارى ينتظرون من الله تعالى كما قال تعالى: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد }، وقال تعالى: { فإذا هم قيام ينظرون }، ثم بعد أربعين سنة يؤمرون بالمحاسبة فيخوضون إلى موقف الحساب ويعرضون على ربهم ويسئلون عن أعمالهم الخير والشر ويحاسبون على أفعالهم وأقوالهم قليلا كان أو كثيرا فالله عز وجل يقضي بينهم بالحق وينصف المظلوم من الظالم وتظهر الفضائح والقبائح كما قال تعالى يوم تبلى السرائر والناس متفاوتون في ذلك مناقش في الحساب والى مسامح فيه والى من يدخل الجنة بغير حساب والى من يدخل النار بغير حساب فينادي مناد اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب.
فصل: (131): والله تعالى يغضب ويرضى لا كأحد من الورى أي يصير العبد مستحقا لرحمته فيدخل الجنة أو مستوجبا لعذابه فيدخل النار نعوذ بالله من غضب الله وسخطه.
فصل: (132): قراءة الكتاب حق فمن الناس من يعطى كتابه بيمينه ومنهم من يعطى كتابه بشماله ومنهم من يعطى كتابه من وراء ظهره، قال الله تعالى: { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا }، وقال عز وجل: { وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره }.
فصل: (133): الميزان ذو الكفتين حق الذي يوزن فيه أعمال الخلق بقدرة الله تعالى كما شاء عز وجل وقيل يوزن فيه كتب الأعمال وصفته في العظم مثل طباق السموات والأرض قال الله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة }.
فصل: (134: ثقل الميزان وخفته حق، قال الله تعالى: { والوزن يومئذ الحق }، وقال تعالى: { فمن ثقلت موازينه فاؤلئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خلدون }،
فصل: (135): حوض نبينا محمد يشرب منه المؤمنون الماء وماؤه ابيض من الثلج وأحلى من العسل من شربه لم يظمأ بعده أبدا، قال الله تعالى: { أنا أعطيناك الكوثر }، اللهم اسقنا منه بفضلك يا كريم،
الشفاعة: فصل: (136): شفاعة نبينا محمد المصطفى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والعلماء والصديقين والشهداء والصالحين حق قال الله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا يعني مقام الشفاعة فصل: (137): الجنة حق ولها ثمانية أبواب والنار حق ولها سبعة أبواب الآية وأما الجنة فذكر أساميها متفرقة.
فصل: (138): فإذا فرغوا من حسابهم يقال لهم هلموا إلى الجنة والى النار فإذا وصلوا إلى رأس الطريقين يفرق بين أهل الجنة والنار فيساق كل فريق إلى ما أعد له، قال الله تعالى: { فريق في الجنة وفريق في السعير }.
فصل: (139): الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف يورد الناس جميعا على الصراط وورودهم قيامهم حول النار ثم يمرون على الصراط بقدر أعمالهم، قال الله تعالى: { وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا }
فصل: (140): الورود على الصراط حق فمن الناس من يمر مثل البرق الخاطف ومنهم من يمر مثل الطير ومنهم من يمر على أجود الخيل ومنهم كعدو الرجل حتى أن آخرهم يمشي ويقع هكذا ورد في الحديث .
فصل: (141): المؤمنون الموحدون المتقون كلهم يدخلون الجنة بعضهم بأعمالهم وبعضهم بشفاعة الشافعين وبعضهم بفضل الله وبرحمته والكل بفضل الله ورحمته.
فصل: (142): الأنبياء عليهم السلام والأتقياء والأولياء والعلماء لهم مقام الشفاعة وكل نبي يدخل الجنة مع أمته ونبينا محمد يدخل مع أمته وهو أول من يدخل الجنة مع أمته كما قال نحن الآخرون السابقون أول من يقرع باب الجنة أنا صدق رسول الله.
الجنة والنار: فصل: (143): المؤمنون لهم مراتب في الجنة على قدر أعمالهم والله عز وجل يكرمهم بنعيم الجنة من حور العين والقصور والغلمان والولدان والشراب الطهور والخلود فيها لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ويكرمهم أيضا برؤيته كما يشاء الله تعالى: { وجوه يؤمنذ ناضرة إلى ربها ناظرة }، اللهم اجعلنا منهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
فصل: (144): المؤمنون المذنبون في المشيئة إن شاء يعذبهم وإن شاء يرحمهم فإن عذبهم في النار بقدر معاصيهم ثم يرحمهم ويخرجهم ويدخلهم الجنة قال يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
فصل: (145): الكفار كلهم يدخلون النار ويخلدون فيها أبدا لا يموتون فيها ولا يخرجون منها يعذبون بأنواع العذاب على قدر معاصيهم وكفرهم نعوذ بالله منها.
فصل: (146): واعتقد أن الجنة والنار مخلوقتان لأهليهما لا يفنيان أبدا هكذا ورد لفظ الحديث.
فصل: (147): اعلم بأن الله تعالى خلق للجنة أهلا وللنار أهلا فمن شاء منهم للجنة فضلا منه ومن شاء منهم للنار عدلا منه فإن الله تعالى أعلم عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه كذلك أفعالهم فيما علم أن يفعلوه وكل ميسر لما خلق له فمن كان من أهل الجنة يسر الله عز وجل عليه عمل أهل الجنة وكذا من كان من أهل النار نعوذ بالله من النار.
الإيمان: فصل: (148): واعتقد أن الإيمان في التحقيق وهو التصديق بالقلب وهو الإيمان المفروض على العبد، الإقرار باللسان ليظهر عند الناس ما في الجنان فتجري عليه أحكام الإسلام فمن أتي بالتصديق بالقلب يكون مؤمنا بينه وبين الله تعالى ومن أتى بهما يكون مؤمنا عند الله وعند الناس، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر دلالة أن الإيمان هو التصديق بالقلب وأن ضد الإيمان هو كفر وتكذيب والتصديق والتكذيب عمل القلب.
فصل: (149): وسائر العبادات من أحكام الإيمان لأن اسم الإيمان لو كان واقعا على مجموع التصديق والإقرار والأعمال لوجب زوال الايمان بزوال بعض الأعمال أو بزوال كلها ولا يوجب ذلك زوال الايمان،
فصل: (150): الإيمان لا يزيد ولا ينقص بانضمام الطاعات إليه ولا ينتقص بارتكاب المعاصي لأن الإيمان عبارة عن التصديق والإقرار، ودونهما لا يختلف ولا يزيد ولا ينقص.
فصل: (151): وأما تأويل ما ورد من الزيادة في القرآن فمن وجوه: (أحدها): أنهم آمنوا وصدقوا في الجملة ثم يزداد فرض بعد فرض فيؤمنون بكل فرض خاص فيزداد إيمانهم من حيث التفصيل مع إيمانهم بالجملة، و(الثاني) الثبات والدوام عليه زيادة عليه في كل ساعة، و(الثالث): زيادتهم إيمانا أي يقينا وإخلاصا في كل ساعة غير شك من حيث إنهم إذا رأوا معجزة النبي يعد معجزة نصرة بعد نصرة ودخل الناس في دين الإسلام ازداد يقينهم وإخلاصهم في صدق نبوته ورسالته وحقيقة دين الإسلام مثاله إذا كان وليا وله مريد كلما رأى منه الكرامات وزيادة العبادات ازداد للمريد يقينه وإخلاصه واعتقاده فيه وكذا هذه.
فصل: (152): العبد إذا آمن وصدق وعرف الله حق معرفته بتعريفه إياه وهدايته يحكم بكونه مؤمنا حقا لأن القول بكون الشخص مؤمنا حقا فيه اعتبار الحقائق لأن من كان مؤمنا في نفسه حقيقة كمن كان طويلا أو قصيرا يكون عند الله كذلك.
فصل: (153): الإيمان فيه طرفان فعل الله تعالى وفعل العبد فمن حيث إنه فعل الله تعالى وهو التوفيق والهداية غير مخلوق لأنه صفته وصفته أزلية ومن حيث إنه فعل العبد وهو الإقرار والتصديق فهو مخلوق والتصديق فهو مخلوق لأن العبد بجميع أفعاله مخلوق بخلق الله تعالى.
فصل: (154): إيمان المقلد صحيح وهو الذي اعتقد جميع ما فرض عليه من حدوث العالم ووجود الصانع وقدمه ووحدانيته بجميع صفاته وإرسال رسله وإنزال كتبه وغير ذلك اعتقادا صحيحا جزما بلا شك وارتياب من غير دليل عقلي فهذا مؤمن وإيمانه صحيح في الدنيا والآخرة.
الإسلام والإيمان: فصل: (155): الإيمان والإسلام شيء واحد والإيمان والإسلام يترادفان عليه وكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن دل عليه قوله تعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }، وقوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام }، أي دين الله تعالى هو الإسلام، وإن كان الإيمان غير الإسلام فهو غير مقبول والإيمان دين لا محالة فلو كان دينا غير الإسلام لم يكن دين الله عز وجل ولم يكن مقبولا والأمر بخلافه.
فصل: (156): اعلم أن قوله أنا مؤمن إن شاء الله تعالى استثناء والاستثناء شك والشك في أصل الإيمان كفر وضلال دل عليه أن الكافر لو قال ابتداء أنا مؤمن إن شاء الله لا يصير مؤمنا لوقت الإيمان أو قال آمنت بالله ورسله إلى ألف سنة لم يصر مؤمنا تفكر أنه مؤمن إلى ألف سنة يحكم بكفره في الحال والاستثناء شرع في الأعمال المؤقتة لا المؤبدة والإيمان معقود إلى الأبد من غير توقيت وإن قال أكون مؤمنا إن شاء الله أموت مؤمنا إن شاء الله يكون إيمانا مقبولا إن شاء الله يكون مستحسنا لأن المؤمن أبدا فينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء خصوصا خوف الخاتمة فإنه من أهم الأمور وما يدري العبد أنه يختم عمره على الإيمان أو على الكفر ولأجلها كان أكثر بكاء الخائفين فمن هذا الوجه يجب الاستثناء ويكون شكا في الثبات والدوام والقبول في أصل الإيمان.
فصل: (157): إيمان المحسن المسيء سواء دل عليه أن الله تعالى سوى بين شهادة الملائكة والمؤمنين حيث قال تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط }، يعني المؤمنين فلولا إيمانهم واحد، وإلا لما سوى شهادتهم وقال أيضا: { فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به فقد اهتدوا }، يعني أن أهل الكتاب والمشركين إن هم آمنوا بما آمن به محمد وأصحابه رضي الله عنهم فقد احتدوا فدل أن إيمان المشركين لو آمنوا وأهل الكتاب وإيمان أن النبي وإيمان الصحابة سواء.
فصل: (158): السعيد من سعد بقضاء الله وقدره والشقي من شقي بقضاء الله وقدره لقوله بما معناه السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه والأعمال بالخواتم نسأل الله تعالى خاتمة الخير بمنه وكرمه فمن ختم له بالإيمان فقد حصلت له السعادة الأبدية ومن ختم له بالكفر نعوذ بالله من سوء الخاتمة فقد حصلت له شقاوة أبدية.
فصل: (159): أعلم أن من آمن يحكم بكونه مؤمنا في تلك الساعة وكذا من كفر ولا يحكم بكونه كافرا في أول عمره لأنه يؤدي إلى أن يحكم بكونه كافرا حين كان مؤمنا مصدقا لله عز وجل ورسوله موقنا مخلصا آتيا بالعبادات والطاعات وهذا ظاهر الفساد وكذا يؤدي إلى عصيان آدم عليه السلام وكذا داود وكذا يؤدي لى أن سحرة فرعون كانوا مؤمنين حين كانوا يعبدون الأوثان واعلم أن من شاخ لا يتبين أنه كان شيخا حال عنفوان شبابه أو طوليته في بطن أمه وكمن يوجد منه القعود في الحال يسمى قاعدا قطعا وإن كان يقوم بعد ذلك فدل أن هذا الحكم إنكار الحقائق والله أعلم بالصواب نسأل الله تعالى أن يختم لنا بالإيمان بفضله اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الإمامة: فصل: (160): لا بد للمسلمين من إمام يقوم بمصالحهم من تنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وصرفها إلى مستحقيهم لأنه لو لم يكن لهم إمام فإنه يؤدي إلى إظهار الفساد في الأرض وشرطة أن يكون الإمام عاقلا بالغا ذكرا عادلا عالما بالحلال والحرام مهتديا إلى وجوب السادات والتدابير بأسباب الحروب قادرا على العدل وعلى إقامة الجمعة والأعياد وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه لو لم تكون فيه هذه الشرائط يكون ناقصا وعاجزا فيؤدي إلى إظهار الفتن.
فصل: (161): ومن شرائطها أن يكون قرشيا لقوله: (الأئمة من قريش)، والأفضل أن يكون هاشميا وكونه معصوما أو أفضل الناس أو مجتهدا في الأصول والفروع ليس بشرط.
فصل: (162): الإمامة تثبت باختيار أهل الصلاح وتنعقد بقدر رجل واحد من أهل العدالة والاجتهاد ودلالة الثبوت تفويض النبي ولاية الإمامة إلى الصحابة حيث قال: (إن وليتموها أبا بكر تجدوه ضعيفا في نفسه قويا في أمر الله)، ودلالة الانعقاد أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يشترطوا لها الإجماع والإعداد محصورا وإنما اعتبروا فيها العقد، ثم أوجبوا المبايعة بعد ذلك ولهذا عقدها أبو بكر لعمر رضي الله عنهما وحده ثم جوز الباقون وبايعوه.
فصل: (163): طاعة الأئمة واجبة وهي فرض عين من فروض الشرع لأن الإمام إذا لم يكن مطاعا يؤدي ذلك إلى إخلال نظام الدين والدنيا من الفساد ما لا يحصى وكذا طاعة السلاطين والأمراء والولاة واجبة لقوله تعالى: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم }، إلا فيما يأمرون من المعاصي فحينئذ لا إثم على الآبي.
فصل: (164): ولا يحل الخروج عليهم وإن جاروا ولا ينعزلون عن الإمامة والولاية وإن ظلموا أو ارتكبوا كبيرة ولا ندعوا عليهم إذا ظلموا بل ندعوا لهم بالصلاح والعدل.
فصل: (165): الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه استدلالا بتفويض النبي واتفقوا عليه وبثبوت خلافته تثبت خلافة عمر رضي الله عنه لأنه هو الذي ولاه واستخلفه وهكذا انعقد الإجماع ثم بعد وفاة عمر رضي الله عنه اجتمعت الصحابة رضي الله عنهم على خلافة عثمان رضي الله عنه، وهؤلاء الثلاثة كانوا قريشيين ثم بعد وفاة عثمان رضي الله عنه اجتمعت الصحابة على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو قرشي وهاشمي ثم بعد وفاة علي رضي الله عنه بأشياء فلم يوجب ذلك قدحا في حقهم رضي الله عنهم.
فصل: (166): أفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين ثم تمام العشرة ثم بقية الصحابة على حسب مراتبهم وأقدارهم ثم التابعون ثم تبع التابعين ثم علماء السلف ومن بعدهم من أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين.
فصل: (167): ونحن نحب أهل بيت رسول الله وآله وسلم وأزواجه وذرياته وقراباته والصحابة أجمعين ونذكرهم بالخير ونثني عليهم وندعوا لهم بالخير ونترحم عليهم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونحب من يحبهم ونبغض من يبغضهم ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل وحبهم دين وإيمان وبغضهم كفر وطغيان ونحسن القول فيهم ونسكت عما جرى بينهم رضي الله عنهم أجمعين.
فصل: (168): وما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد والمناعة من معاوية لعلي وعلي رضي الله عنه كان مصيبا في جميع ما عمل من خروجه وصلحه وغيرهما دار الحق حيث دار كرم الله وجهه ورضى رضي الله عنه الأبرار، وقد قيل لكل مجتهد نصيب وكل مجتهد مصيب إذ ظن علي أن تسليم قتلة عثمان رضي الله عنه مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى إضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب العزل من الإمامة وتعرض دماء للسفك وقد قيل المصيب واحد فلم نذهب إلى تخطية علي رضي الله عنه دنو تحصيل أصلا فثبت تخطية معاوية بالضرورة.
فصل: (169): في مسائل متفرقة واعتقد أن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى والعبد مكتسب لهما ويعتقد الحلال حلالا والحرام حراما والحق حقا والباطل باطلا ولا يكون سبابا ولا طعانا في الصحابة وأهل البيت والتابعين وتبع التابعين ومن بعدهم من أئمة الدين واعتقادهم ولا مرتكبا شيئا من المحرمات والمنهيات مستحلا له يحكم بكونه مسلما حقا ولا نرى السيف على أحد من المسلمين إلا من وجب عليه ذلك بحق ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما لم يظهر منهم خلاف ونتبع السنة والجماعة ونجتنب البدعة والضلالة والأهواء المختلفة الردية ونحب أهل الخير والسداد ونبغض أهل الشر والفساد ولا نخالف جماعة المسلمين ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نخرج العبد من الإيمان غاا بجحود ما أدخله فيه والإيمان واحد وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم بالتقوى والمخالفون في أصول الدين هم أهل الأهواء والبدع ولا ننزل أحدا من المسلمين جنة ولا نارا ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا نفاق ما لم يظهر منهم ذلك ونذر سرائرهم إلى الله تعالى ونشهد للأنبياء عليهم السلام بالجنة ولمن شهد له رسول الله ونرجو للمحسنين من المؤمنين ولا نأمن عليهم ونشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهما الأهل القبلة والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن وأكرمهم عنده أطوعهم له والله عز وجل مولى المؤمنين وأن الكافرين لا مولى لهم.
فصل: (170): ونعتقد أن الغسل والوضوء والتيمم والمسح على الخفين والصلاة والزكاة والصوم والحج والجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصلاة على الجنازة وصلاة العيدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم وطاعة الوالدين وغير ذلك من جميع أوامر الشرع حق، وصدق والكف عن أذى الجار وعن جميع الناس واجب والكذب والغيبة والنميمة والبهتان وشهادة الزور وإيقاد نار الفتنة بين المسلمين حرام، وكذا لعن المسلم ودعاء السوء وإن كان ظالما حرام ولكن يقول اللهم إن كان من أهل التوبة فتب عليه وإن لم يكن من أهلها فكف شره عنا وعن جميع المسلمين وكذا الطعن في أئمة الدين وعلماء السلف وارتكاب جميع المنهيات حرام وأن دين الله في السماء واحد وهو الإسلام ونسأل الله الثبات على الإسلام فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا والله أعلم، تم كتاب الغزنوي في أصول الدين بحمده وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين.
***
([1]) صحيح البخاري 8/50 ح 6227، صحيح مسلم 4/2183 ح 2841.
([2]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([3]) صحيح مسلم 4/2017 ح 2612.
([5]) مسند الدارمي 2/697 ح 2171.
([6]) مسند الروياني 1/429 ح 656.
([7]) نقض الدارمي على المريسي ص 315،ابطال التاويلات ص 117 السُّنَّة” لابن ابي عاصم 1/ 188ح(433).
([8]) المعجم الكبير 25/143 ح346.، رؤية الله للدار قطني ص 358 ح 286.
([9]) تاريخ بغداد” 11/ 362. وابن الجوزي في “الموضوعات” 1/ 115.
([10]) صحيح البخاري 1/160 ح 806.
([11]) المصدر السابق 9/129 ح 7439.
([12]) صحيح مسلم 2/1136 ح 1499.
([13]) مسند أحمد 32/352 ح19582.
([14]) أخرجه ابن وهب فى كتاب القدر ص 73 ح 10 ت: العثيم ، وأخرجه ابن سعد (1/27).
([15]) المعجم الكبير 19/13 ح 18.
([17]) صحيح البخاري 9/1117 ح 7384، صحيح مسلم 4/2188 ح 2848.
([18]) مسند أحمد 16/543 ح 10931.
([19]) السنة للخلال 1/263 ح 322.
([20]) صحيح البخاري 4/23 ح 2826، صحيح مسلم 3/1504 ح 1890 و 1/174 ح 178.
([21]) السنة لعبدالله بن أحمد 2/475 ح 1084.
([22]) صحيح البخاري 3/128 ح 2441، صحيح مسلم 4/2120 ح 2768.
([24]) سنن ابن ماجة 1/64 ح 182.
([25]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521.
([26]) صحيح البخاري 5/34 ح 3798. صحيح مسلم 3/1624 ح 2054.
([27]) صحيح مسلم 4/2102 ح 2675.
([28]) المصدر السابق 1/162 ح 179.
([29]) المصدر السابق 1/161 ح 179.
([30]) الشريعة للاجري 2/1022 ح 611.
([31]) صحيح ابن حبان 1/478 ح 717.
([32]) صحيح البخاري 6/126 ح 4811، صحيح مسلم 4/2148 ح 2786.
([33]) صحيح مسلم 4/2148 ح 2788.
([34]) صحيح مسلم 4/2148 ح 2788.
([35]) مسند أحمد 19/281 ح 12260.
([37]) السنن الكبرى 10/16 ح 19710.
([38]) الضعفاء الكبير للعقيلي 1/70.
([39]) صحيح البخاري 1/17 ح 43.
([40]) مسند أحمد 29/104 ح 17562.
([41]) الابانة الكبرى لابن بطة 5/231.
([42]) مسند الدارمي 4/2147 ح 3457.
([43]) صحيح البخاري 8/5 ح 5987، صحيح مسلم 4/1980 ح 2554.
([44]) صحيح البخاري 8/6 ح 5988.
([45]) اخرجه أحمد في مسنده 15/313 ح 9508.
([46]) صحيح البخاري 9/121 ح 7405، صحيح مسلم 4/2067 ح 2675.
([47]) تفسير الطبري 19/468. ابطال التاويلات 2/469.
([49]) لم أقف عليه عند الدار قطني ولكن ذكره الدارمي في كتابه نقض الدارمي على المريسي ص 49.
([50]) صحيح البخاري 4/138 ح 3348.
([51]) كشف الأستار عن زوائد البزار 3/105.
([53]) صحيح البخاري 6/145 ح 4879.
([54]) صحيح البخاري 4/106 ح 3194. صحيح مسلم 4/2107 ح 2751.
([55]) الصفات للدار قطني ص 45/ الأسماء والصفات للبيهقي 2/125 ح 692.
([56]) الأحاديث المختارة للمقدسي 10/311.
([57]) مسند أحمد 3/292 ح 1770.
([58]) صحيح البخاري 2/208 ح 1410. صحيح مسلم 2/702 ح 1014.
([59]) صحيح مسلم 2/207 ح 1014.
([60]) صحيح البخاري 9/60 ح 7131. صحيح مسلم 4/2247ح 167.
([61]) صحيح البخاري 8/105 ح 6502.
([62]) سنن ابي داود 7/107 ح 4726.
([63]) نقض الدارمي على المريسي 1/318، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ابن الموصلي) ص 392.
([64]) مسند البزار10/17 ح 4079.
([65]) سنن ابن ماجة 5/349 ح 4287.
([66]) العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها للذهبي ص116.