الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: أخلاق المسلم مع الله تعالى، وهي عشرون خلقا لابد وأن يتخلق بها المسلم مع الله: التوحيد والبراءة من الشرك، تحقق العبودية لله، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، وتقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله، عشرون خلقا لابد وأن يتخلق بها المسلم مع الله،
[1] التوحيد والبراءة من الشرك: [التوحيد]: هو المرادف لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، سوى كلمة (الإله)، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، وما ذاك إلا لأنّ، قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه، ف (لا إله إلا الله) يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، وعلى ذلك ف معنى (لا إله إلا الله): نفي وإثبات: أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله، واعتقاد أنه لا إله بحق إلا الله ولا رب على الحقيقة إلا هو ولا معبود بحق سواه، ومعنى (لا إله إلا الله): نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه: توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، وعلى ذلك ف (لا إله إلا الله) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية بكل ما تحمله الإلهية من معان.
و[شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)]: هي الجامعة لعلم التوحيد وعمل التوحيد وأخلاق الموحدين، شهادة أن لا إله إلا الله: تتمثل في البراءة من الشرك والكفر بالطاغوت، ومن ثم توحيد الله تعالى في ذاته، وأسمائه، و صفاته، و أفعاله، وفي ربوبيته، وفي ألوهيته، (وشهادة أنّ محمدا رسول الله): تتمثل في الإيمان به e رسولا من عند الله، وتصديقه e فيما أخبر، والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، وأن لا يعبد الله عز وجل إلا بما أجازه شرع الرسول e، و محبته e و تعظيمه وتوقيره e، وبعد بعثة الرسول e وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وإفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله e (أشهد أن محمد رسول الله)، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأنه لا رب حقا لهذا الكون إلا الله، وأنه لا معبود بحق إلا هو الإله الحق، هو وحده المستحق لتوحيد الذات، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال، وتوحيد الربوبية بكافة مفرداتها، وتوحيد الألوهية والعبادة بكافة مفرداتها، فإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، والله أكبر من كل تصور، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ومعنى شهادة: (أنّ محمداً رسول الله): أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً e هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه e فقد كفر، فلا طريق لنا إلى عبادة الله إلا رسول الله e.
وللتوحيد أركان ثلاثة: اثنان في شهادة (لا إله إلا الله)، الأول: البراءة من الشرك (لا إله)، والثاني اثبات التوحيد لله وحده: (إلا الله)، والركن الثالث في شطر الشهادة (محمد رسول الله)، ويعني الإيمان بالرسول e مرسل من عند الله تعالى مبلغ عن الله تعالى دينه وشرعه، أما ركني شهادة التوحيد (لا إله إلا الله): فهما النفي والإثبات: النفي: (لا إله) والمقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه، فلا معبود في الكون بحق سواه، ولا رب للعالمين غيره، ولا كمال إلا له، فلا إله إلا هو، والإثبات: (إلا الله) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا، وقدرة وقهرا، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه، وله العبودية لا معبود بحق سواه، ولا إله إلا هو، فشهادة (لا إله إلا الله): تنفي أن يكون في الوجود كله إله رب معبود بحق سوى الله، وتثبت الإلهية بما تتضمنه من توحيد الذات والاسماء والصفات والافعال والربوبية والالوهية واستحقاق العبودية له وحده لا شريك له، وشهادة: (أنّ محمداً رسول الله): تعني أنّ محمداً e هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه e فقد كفر، فلا طريق لنا إلى عبادة الله إلا رسول الله e، و[التوحيد بشقيه (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)] هو أعلى شعب الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح: (الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبة من الإيمان) ([1]) . وفي لفظ آخرَ عند أحمد: (أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله) ([2]) . وهذه الشُّعَب جَمعت رأسَ الإيمان وأعلاه وهو التوحيد قول: (لا إله إلا الله)، و[التوحيد] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار: أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله e: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ([3]) . ومن مات على [التوحيد] دخل الجنة، لقوله e: (ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) ([4]) . وقوله e: (من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة) ([5]) . وكقوله e لأبي هـريرة: (فمن لقيـت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة) ([6]) . وكقوله e: (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) ([7]) .
وكقوله e: (أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها فيحجب عن الجنة) ([8]) . وكقوله e: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ([9]) .
وخلاصة التوحيد اعتقاد أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا معبود بحق سواه اللهم ارزقنا التوحيد وخلق التوحيد وأخلاق الموحدين.
هذا ما يتعلق بأول أخلاق المسلم مع الله، توحيد الله، فلا يعبد إلا الله ولا يرجو إلا الله، ولا يخشى إلا من الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يكتمل عند الحب والخوف والرجاء إلا لله ومن الله، والخلق الثاني من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى.
[2] تحقق العبودية لله وحده: قال تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، وقال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وخاطب نبيه e بقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104]، وفي سورة الرعد قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36]، وفي سورة الزمر قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2]، وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 11 إلى 15]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وخاطب الله تعالى الناس أجمعين بقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36]، وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، والعبودية من أشرف الأخلاق وأعظمها ولذلك وصف بها الملائكة والنبيون، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، وقال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26، 27]، وقال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 إلى 173]، وقال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172]، ووصف بها النبي e في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 19، 20]، وقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]، ووصف بها الصالحون، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، وقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65]، وقال تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 61 إلى 63]، وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، والإنسان لا ينفكُّ عنه وصف العبودية لأنه كائنٌ حيٌّ ذو حاجات ومطامع وشهوات، فإما أن يكون عبدًا لله وإلا فهو عبدٌ لغيره حتمًا، سواء كانت حاجاته أو مطامعه أو شهواته أو طواغيت الجن والإنس أو غير ذلك. قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 60]، وأخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: كنت رديف النبي e على حمار، فقال لي: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله، قلت: الله ورسولــه أعلم، قال: حقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله ألاَّ يعذب من لا يشرك به شيئًا) ([10]) .
[3]: إسلام الوجه لله: أصل الإسلام في اللغة العربية (لغة القران) الاستسلام والإذعان والانقياد والخضوع والطاعة دون اعتراض، وقد أيد القران الكريم هذه المعاني جميعها كما في قوله عز وجل: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، أي انقاد واستسلم وأذعن كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون، وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، أي أذعن واستسلم لأمر الله فأطاع لذلك دون اعتراض، وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان]، أي انقاد وأذعن وأطاع لله عز وجل. وعلى ذلك فمن استسلم لله عز وجل وأذعن وانقاد لأمره ونهية وأطاعه دون أدنى اعتراض فهو المسلم لله رب العالمين، وكلما زادت تلك الصفات في قلب الإنسان وظهرت على جوارحه كلما ازداد علوا وصعودا في درجات الإسلام ومنازله، والنبي e هو أكثر الناس تحقيقا لهذه المعاني ولهذا كان النبي e أول المسلمين جميعا من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة، وكان هو e أعلاهم قدرا ومنزلة وذلك لأنه أسلم قلبه وجوارحه، فأسلم عبادته وأعماله، وحركاته وسكناته، ومحياه ومماته لله رب العالمين وحده لا شريك له، وفي ذلك يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}، والناس جميعا بعده e متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم وأقدارهم في (الإسلام) وفق تحقيق معانيه السابقة (الاستسلام والإذعان والخضوع والانقياد والطاعة دون أدنى اعتراض لأمر الله تعالى وشرعه ودينه وحكمه ومشيئته وقضائه وقدره).والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[4]: الإيمان بالله: والإيمان في اللغة: هو التصديق والاطمئنان، والإيمان في الشرع: هو التصديق والاطمئنان لكل ما أخبر به الله ورسوله أنه حق وصدق، ومعنى الإيمان: أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو الخالق وهو الرازق وهو الرب لا رب غيره وهو المعبود بحق لا معبود سواه، انه لا إله إلا هو، وضده الكفر: وهو الإنكار والجحود والتكذيب، وللإيمـان أركان ستـة، هي بمثابة الأصول التي تندرج تحتها كافة مسائـل الإيمـان وجوانبـه، وهذه الأركان الستة لا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعاً على الوجه الذي دل عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه e، ومن جحد شيئاً من هذه الأصول – بعدما أقيمت عليه الحجة والبلاغ خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين، وهذه الأركان الستة هي: الإيمان بالله و الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر، والأدلة على هذه الأركان الستة كثيرة منها: قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..) [البقرة: 177]، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر: 49]، وقوله – e: وقد سئل عن الإيمان – وذلك في حديث جبريل المشهور – (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ([11]) .
وأهم تلك الأركان: الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله: وهو أن يعتقد المرء اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى هو واجب الوجود وهو الواجد لكل موجود، ليس كوجوده وجود، وليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل أسمائه أسماء، ولا كمثل صفاته صفات، ولا كمثل افعاله أفعال، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وكل ما في الوجود فعله وخلقه، له توحيد الربوبية فلا رب سواه، وله توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، وله توحيد الألوهية فلا إله إلا هو، وخلق الإيمان هو ثاني الاخلاق بعد الإسلام وأعظمها في حق الله تعالى، ومن تحقق بهذا الخلق فقد برئ من الكفر والشرك والفسوق والعصيان، وقد تأهل لمنازل الإحسان. والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[5]: الإحسان في عبادة الله: بأن يعبد الله كأنَّه يراه فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، ومن تحقق بهذا الخلق فقد حاز محبة الله ومعية الله، قال تعالى:{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة: 195]، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69]، والإحسان خلق الصديقين والسابقين والمقربين والمسارعين إلى عمل الخيرات والمتنافسين في القرب من رب العباد ونيل رضوانه، وهو خلق العارفين بالله السالكين طريقه الخائفين من مقامه وعذابه والطامعين في رضوانه والراجين لرحمته، والإحسان هو إحسان الاعتقاد في الله والعمل لوجه الله، وتصويب العمل وإخلاصه وإتقانه ابتغاء مرضاة الله، وأول خلق الإحسان المراقبة لقوله e (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ويندرج المحسن في منازل المراقبة حتى يبلغ مرتبة المشاهدة وهي كما قال e (أن تعبد الله كأنك تراه). فالمراقبة تكون بمراقبة الله تعالى في الأعمال الظاهرة والباطنة مع اليقين الدائم بأن الله يراك في كل حين فتحسن العمـل وتخلصـه وتتقنـه لله. ويدرج المحسن بعد ذلك في منازل الإحسان عن طريق إتقان مقامات القلوب من التوبة والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا وإحسان أعمال القلوب من التقوى والمحبة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والصبر والشكر والتقوى، وعن طريق العبادات والقربات والطاعات من الصلاة والصيام والصدقة والإنفاق والقيام وتلاوة القرآن، وعن طريق التنـزه عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، واتقاء الشبهات واجتناب الصغائر فضلاً عن الموبقات، فبإحسـان أعمال القلب، وبإحسـان أعمال اللسان، وبإحسـان أعمـال الجـوارح لا يزال العبد يتقرب إلى الله حتى يُنعم عليه بمنازل الإحسان، وأخلاق المحسنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[6]: تقوى الله: التقوى هي الخوف من الجليل سبحانه، وقد أمر الله تعالى بها على أكمل وجه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70، 71]، وأخبر سبحانه أن التقوى هي خير الزاد للآخرة قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، والتقوى مقياس التفاضل بين البشر قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، ومعنى التقوى كما قال بعض السلف: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد للرحيل فمن فعل ذلك فقد اتقى الله حق تقاته.
والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[7]: التوبة إلى الله: التوبة من أوجب أخلاق المسلم مع الله، وهي أول أخلاق السائرين إلى الله، وقد أمر الله تعالى بها جميع المؤمنين، قال تعالى: {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ} [النور: 31]، وقال تعالى: {استغفروا ربَّكُمْ ثم توبوا إليهِ} [هود: 52]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]، وقد وصف الله تعالى بها أتباع الرسول e، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وبها يُبدل الله تعالى سيئات المسلم حسنات، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]، وكان النبي e كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً: أخرج مسلم قوله e: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة) ([12])والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[8] الصدق مع الله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، وللصدق معان عديدة، صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بما أمر الله، وصدق في العمل بمرضاة الله، وصدق في اسلام الوجه لله، وصدق في الإيمان بالله، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى: [9] الإخلاص في عبادة الله: بإفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، فلا يريد بطاعته إلا رضا الله تعالى دون شيء آخر، يمتثل قول الله: {قلْ إنِّي أُمرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لهُ الدينَ} [الزمر: 11]، وقوله تعالى: {قل اللهَ أعبُدُ مخلِصاً لهُ ديني} [الزمر: 14]، وقوله تعالى: {وما أُمِروا إلا لِيَعبُدوا اللهَ مُخلِصينَ له الدينَ}والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[10] الصـبر على طاعة الله: يمتثل قول الله تعالى: {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}، وقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}،والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[11]: شكر الله، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم، وعدم جحودها، فقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}، وشكرنا لله تعالى يكون من خلال الالتزام بالشرع وطاعة أوامره والانتهاء عما نهى عنه سبحانه، وللشكر أركان ثلاثة: شكر اللسان، وشكر الأركان، وشكر الجَنان، أما شكر اللسان: فهو التحدث بنعم الله تعالى، وأما شكر الأركان: فهو العمل لله تعالى، وأما شكر الجَنان: فهو أن تشهد أن كل نعمة بك أو بأحد من العباد هي من الله تعالى، قال تعالى: {وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]، فلا تحجبك رؤية النعم عن رؤية المنعم، وقد نبه الرسول e إلى هذه الحقيقة حيث قال: “من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته” ([13]) .والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[12]: محبة الله: ومحبة الله أعظم مقامات العبادة وعليها تدور رحى الطاعة، قال تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}، وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال رسول الله e: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا للّه ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه كما يكره أن يلقى في النار) ([14]) .والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[13] الخشية من الله، قال تعالى: {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}، و قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [(52) سورة النور]،والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[14]: الرجاء في الله، والموحد لا يرجو إلا الله، قال تعالى: {إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وقال تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس: 11].والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[15]: التوكل على الله:، قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرا}، وقال جل شأنه:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وقال تعالى: {{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، والتوكل هو الثقة بما عند اللّه، واليأس عما في أيدي الناس، والتوكل هو صدق اعتماد القلب على اللّه تعالى، والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى: [16]: الرضا عن الله، والله تعالى لا يرضى عن العبد حتى يرضى العبد بالله إلها وربا ويرضى عن الله وعن قضائه وقدره، فيرضي عنه الله، مصداقا لقوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[17] اليقين في الله: اليقين شعبة عظيمة من شعب الإيمان , وخلق عظيم من أخلاق أهل التوحيد , قال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [لقمان: 5]، واليقين هو سكون القلب واطمئنانه إلى الله، ولقد كان من دعاء النبي e: (اللهم قْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا ,) ([15]) .والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[18]: العلم الراسخ بالله: من أهم أخلاق المسلم مع الله وأجلها: العلم بالله وبدين الله وبشرع الله، أهل العلم بالله هم أهل الخشية من الله، قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28]، و أهل العلم بالله هم أهل القرب من الله، قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر: 9]، وأهل العلم بالله هم أهل الدرجات العلا عند الله: قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، و أهل العلم بالله هم أهل الإخبات لله قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 54]، ومن أحاديث النبي e في بيان فضل العلم: قوله e: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) ([16]) . وقوله e: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) ([17]) . وقوله e يقول: (نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَحْفَظُ لَهُ مِنْ سَامِعٍ) ([18]) . وقوله e: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ([19]) . ثم قال e: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير) ([20]) .والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[19]: الاستقامة على أمر الله: وفيه جاء قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]، وقوله تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [الشورى]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت]،والخلق التالي من الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم مع الله تعالى:
[20]: المداومة على ذكر الله: من أهم أخلاق المسلم مع الله وأجلها: المداومة على ذكر الله: قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}،، وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ}، وقال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}، ومن أحاديث النبي e في بيان فضل المداومة على ذكر الله، قوله e: (مثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) ([21]) . وقوله e: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم و خير لكم من أنفاق الذهب و الورق و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا بلى. قال: ذكر الله تعالى) ([22]) . وقوله e:: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي , وأنا معه إذا ذكرني , فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم , وان تقرب إلي شبرا تفربت اليه ذراعا و ان تقرب إلى ذراعا تقربت اليه باعا و ان اتاني يمشي أتيته هرولة) ([23]) . وعن عبد الله بن بِسر أن رجلاً قال: (يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به). قال: “لا يزال لسانُك رَطْباً من ذكر الله) ([24]) .وإذا أطلق الذكر فالمراد به تلاوة القرآن والتسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على النبي e، اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين الله كثيرا، وبعد فهذه هي الأخلاق العشرون التي تتعلق بحق الله، الأخلاق العشرون التي ينبغي تجديدها في قلب كل مسلم، وعلى لسان وجوارح كل مسلم، الأخلاق العشرون التي تتعلق بحق الله: التوحيد والبراءة من الشرك، تحقق العبودية لله، وإسلام الوجه لله والإيمان بالله، والإحسان في عبادة الله، وتقوى الله، والتوبة إلى الله، والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله، والشكر لنعم الله، والمحبة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء في الله وفيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله والعلم بالله، والاستقامة على أمر الله والمداومة على ذكر الله، عشرون خلقا لابد وأن يتخلق بها المسلم مع الله، هذه أحسن الأخلاق مع الله هذه أحسن الأخلاق مع الله، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
***
([2]) مسند أحمد 14 /496ح 8926.
([3]) صحيح البخاري 7/72 ح 5401، صحيح مسلم 1/455 ح 263.
([4]) صحيح البخاري 7/149 ح 5827، صحيح مسلم 1/95 ح 94.
([6]) المصدر السابق 1/59 ح 31.
([10]) صحيح البخاري 4/29 ح 2856.
([12]) صحيح مسلم 4/2075 ح 2702.
([13]) سنن أبي داود 7/408 ح 5073.
([14]) صحيح البخاري 1/13 ح 21.
([15]) السنن الكبرى للنسائي 9/154 ح 10161.
([17]) سنن ابن ماجة 1/150 ح 222.
([18]) مسند أحمد 7/221 ح 4157.
([19]) سنن الترمذي 5/50 ح 2685.
([20]) المصدر السابق 5/50 . ح 2685.
([21]) صحيح البخاري 8/86 ح 6407.
([22]) سنن ابن ماجة 4/706 ح 3791.