المبحث الثاني بيان مراتب الدين الثلاثة الإسلام والإيمان والإحسان وبيان أنّ أعلاها هو التصوف القائم على مرتبة الإحسان
[المفتاح الأول]: فقه مراتب الدين من كتاب الله تعالى: (أولا): قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 32 إلى 35]. والآيات عند تدبرها نجد أنها جعلت عباد الله الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لدين الإسلام ثلاث مراتب تبدأ من الأدنى إلى الأعلى، فالمرتبة الأولى (الأدنى) هي مرتبة الظالم لنفسه، أي المقصر في بعض حقوق الله تعالى عليه، والمرتبة الثانية هي مرتبة المقتصد وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات لا يزيد ولا ينقص، والمرتبة الثالثة (المرتبة الأعلى) هي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله، وهو الذي يؤدي ما عليه من الواجبات ويزبد على ذلك بالتقرب إلى الله تعالى بالمندوبات والمستحبات، وجميعهم (أي أصحاب المراتب الثلاث) داخل بحمد الله تعالى في الاصطفاء والاختيار لدين الله، قال ابن كثير ـ في تفسير الآية ـ: ” يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتـاب الذيـن اصطفينـا مـن عبادنـا وهـم هـذه الأمـة، ثم قسّمهم ثلاثة أنواع فقال تعالى{فمنهم ظالم لنفسه} وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، {ومنهم مقتصد} وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك المستحبات ويفعل بعض المكروهات {ومنهم سابق للخيرات بإذن الله} هو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهـات وبعـض المباحـات ” أهـ،([1]) .
(ثانيا): قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *} [الحجرات: 14- 16]، فعند تدبر هذه الآيات، نعلم أن مرتبة الإيمان أعلى واجل من مرتبة الإسلام، لأن الآيات الكريمة نهت الأعراب عن ادعاء مرتبة الإيمان، لأنهم لم يبلغوها ولم يقوموا بحقوقها بعد،{قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا}، ثم أمرتهم بالاقتصار على مرتبة الإسلام {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}، لأن مرتبة الإيمان مرتبة عالية لم تبلغها أعمالهم بعد، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} فإن بلغوها فإن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ثم بينت الآيات متطلبات مرتبة الإيمان، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فهذا دين الله تعالى فلا ينبغي لأحد ادعاء منزلة ومرتبة أعلى من مستواه الديني، {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. (ثالثا): قوله تعالى: {(وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ *} [الواقعة: 7- 11]، دلت الآيات على أن هناك مرتبتان اصطفاهم الله لمرضاته ويدخلهم جنته ابتداء وهما: أصحاب الميمنة، والسابقون المقربون، والسابقون أفضل أجرا وأعلى منزلة من أصحاب الميمنة.
(رابعا): قوله تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ *} دلت الآيات على أن هناك مرتبتان اصطفاهم الله لمرضاته ويدخلهم جنته ابتداء وهما: أصحاب اليمين، والمقربون، والمقربون أفضل أجرا وأعلى منزلة من أصحاب الميمنة.
(خامسا): قوله تعالى: من سورة الرحمن: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} إلى قوله تعالى من نفس السورة {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} فدلت الآيات على وجود مرتبتين أحداهما أعلى من الأخرى، {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ثم قوله تعالى بعدها {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}، والمتتبع للآيات يجد التفضيل واضحا في أوصاف المقربين عن من دونهم، فالمقام الأول أرفع وأعظم وهو مقام المحسنين، والمقام الثاني وإن كان عظيما إلا أنه أدنى وأقل درجة من المقام السابق.
[المفتاح الثاني]: فقه مراتب الدين من السنة النبوية المطهرة: (الحديث الاول) ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)([2]).
دل الحديث على وجود صنف ثالث اصطفاه الله تعالى لجنته، ولكن هؤلاء ظلموا أنفسهم بارتكاب بعض المحرمات، أو التقصير في بعض الواجبات، فدخلوا النار بذنوبهم، ثم أخرجهم الله تعالى بفضله من النار، وأدخلهم الجنة برحمته.
(الحديث الثاني): ما أخرجه مسلم كذلك في صحيحه من حديث أبي هريرة الطويل في وصف الآخرة: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا (احترقوا)، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت الحبة في حميل السيل) ([3]) .
، والحديث يدل كذلك على وجود هذا الصنف الثالث من المسلمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب بعض المحرمات، أو التقصير في بعض الواجبات، فدخلوا النار بذنوبهم، ثم أخرجهم الله تعالى بفضله من النار، وأدخلهم الجنة برحمته.
[المفتاح الثالث]: من فقه الآيات والأحاديث السابقة نعلم أن هناك ثلاثة مراتب لدين الله عز وجل: المرتبة الأولى: مرتبة الظالم لنفسه يدخل النار بذنوبه ثم يدخله الله تعالى الجنة بعد ذلك، وهو مسلم حتماً لأن الجنة لا يدخلها كافر أبداً، والمرتبة الثانية: مرتبة المقتصد (أصحاب اليمين) الذين يدخلون الجنة ابتداءً، والمرتبة الثالثة: مرتبة السابقين بالخيرات (المقربين) الذين يدخلون الجنة ابتداءً ولكن في منزلة أعلى من منازل أصحاب اليمين، فإذا أضفنا إلى ذلك الفقه حديث جبريل الجامع اتضحت الصورة أكثر وظهرت حدود وأركان ومنزلة كل مرتبة من دين الله، أخرج مسلم في صحيحه عن الفاروق عمر رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه و وضع كفّيه على فخذيه، و قال: يا محمّد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاّ الله و أ نّ محمّدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا، قال صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه !، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله و ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر و تؤمن بالقدر خيره و شرّه، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربّتها و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله و رسوله أعلم، قال: إنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم،) ([4]) .
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ” واعلم أنَّ هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام، كما حكيناه عن القاضي عياض ” أهـ([5]) .
وقول القرطبي كما في الفتح : ” هذا الحديث يصلح أن يُقال له أم السنَّة، لِمَا تضمَّنه من جُمل علم السنَّة ” ” أهـ،([6]) . وقول ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: ” فهو كالأمِّ للسنَّة، كما سُمِّيت الفاتحة أم القرآن، لِمَا تضمَّنته من جمعها معاني القرآن ” ” أهــ([7]) .
وقول ابن رجب في جامع العلوم والحكم : ” وهو حديث عظيم يشتمل على شرح الدِّين كلِّه، ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم)، بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كلَّه ديناً ” أهــ([8]) .
ونزول جبريل عليه السلام في هيئة رجل يراه الصحابة رضي الله عنهم ويجلس أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان بقصد تعليم المسلمين أمر دينهم ليس بالأمر الهين، بل هو أمر عظيم يدل على أهمية ومنزلة هذه الأسئلة من دين الله عز وجل فقد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده ومراتبه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله.
والمستفاد من الحديث: (أ) أن مسمى مراتب الدين الثلاثة هي: الإسلام والإيمان والإحسان.
(ب) أن هذه المراتب عظيمة جدًا تحيط بكافة جوانب الدين وعراه.
(ت) ويعلم أيضا من ذلك الحديث العظيم أركان كل مرتبة من تلك المراتب الثلاث.
(ث) أركان المرتبة الأولى (مرتبة الإسلام) هي أركان الدين الخمسة الظاهرة الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، مَن أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلمًا حقاً، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حُكماً، فإذا دخل في الإسلام بذلك، أُلزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين، خرج من الإسلام، وهذه المرتبة إذا اقتصر المسلم عليها لا يتعداها، صار ظالما لنفسه لأن في الدين واجبات أخرى ينبغي أن تؤدى سوى الأركان الخمس.
(ج) أركان المرتبة الثانية (مرتبة الإيمان) هي ستة أركان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره من الله تعالى وكل ركن منها يلزمه تصديق بالقلب وقول اللسان وعمل بالجوارح، وذلك لأن الإيمان قول وعمل، وعقيدة في القلب تصدقها الجوارح، وهذه المرتبة هي (مرتبة المقتصد)، الذي يؤدي حق المرتبة السابقة (أركان مرتبة الإسلام) ثم يؤدي ما افترضه الله تعالى عليه من واجبات وينتهي عن الكبائر والمحرمات.
(ح) المرتبة الثالثة العالية فهي (مرتبة الإحسان (هي أعلى مراتب الدين وأشرفها، فقد اختص الله أهلها بالعناية، وأيدهم بالنصر، قال عز وجل: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]، وهذه المرتبة العظيمة درجات ومنازل عالية، أولها: المراقبة (أن تعبد الله كأنك تراه)، وأعلاها اليقين والشهادة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهي منازل والمقربين و السابقين بالخيرات بإذن الله، وهم الذين أدوا حق المرتبة الأولى ثم الثانية ثم زادوا على ذلك بأن تقربوا إلى الله بالنوافل والمستحبات وتنزهوا عن المكروهات وتورعوا عن بعص الحلال خوفا من الوقوع في الشبهات.
(خ) يعلم من ذلك الحديث العظيم: أهمية معرفة المسلمين لتلك المراتب وحدودها وأهميتها فعلى تلك المراتب وأركانها وحدودها يبنى الفهم الصحيح والعلم الراسخ لدين الإسلام، ولولا أهمية العلم بتلك المراتب وأركانها وحدودها ومنزلتها من دين الله تعالى لما أرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه، والصحابة رضي الله عنهم يسمعون باهتمام، وبعدما انصرف جبريل عليه السلام وضح النبي صلى الله عليه وسلم أهمية تلك الأسئلة التي جاء بها جبريل عليه السلام عن مراتب الدين (الإسلام والإيمان والإحسان) بقوله صلى الله عليه وسلم يا عمر أتدري من السائل فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم،، فجعل صلى الله عليه وسلم تعليم الدين هو بمثابة معرفة تلك المراتب ومعرفة أركانها وحدودها وأهميتها من دين الله.
(د) هذه المراتب الثلاث عظيمة جدا، وبين هذه المراتب ارتباط وثيق، فدائرة الإسلام أوسع هذه الدوائر، تليها دائرة الإيمان فالإحسان، وبالتالي فإن كل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، ومما سبق يتبيّن لنا سر العتاب الرباني على أولئك الأعراب الذين ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، وهو لم يتمكّن في قلوبهم بعد، يقول الله في كتابه: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}[الحجرات: 14]، فدل هذا على أن) الإيمان) كمرتبة هو أخصّ وأضيق دائرةً وأعلى قدرا من (الإسلام) كمرتبة أدنى.
(تنبيه): لفظ (الإسلام) تارة يطلق ويقصد به المعنى اللغوي من الاستسلام والانقياد والطاعة وتارة يطلق ويقصد به المعنى الشمولي لدين الإسلام بمراتبه الثلاث (الإسلام و الإيمان والإحسان)، وتارة يطلق ويقصد به مرتبة الأركان الخمسة الظاهرة، وحديثنا ها هنا عن المرتبة الأدنى من مراتب الدين، ولفظ (الإيمان) تارة يطلق ويقصد به المعنى اللغوي من التصديق والانقياد القلبي، لاسيما إذا ذكر معه العمل الصالح دل بمفرده على التصديق القلبي لأركان الإيمان – وهذا التصديق مطلوب مع كل مرتبة من مراتب الدين بدأ من مرتبة الإسلام – وإلا كان المرء منافقا يظهر الإسلام ويبطن الكفر -، وتارة يطلق ويقصد به المعنى الشمولي لدين الإسلام بمراتبه الثلاث، وتارة يطلق ويقصد به جميع عرى الدين وشعبه، وتارة يطلق الإيمان ويقصد به (مرتبة الإيمان) وهي المرتبة الثانية في دين الإسلام وتلك المرتبة تصديق القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، وحديثنا ها هنا عن تلك المرتبة الثانية من مراتب الدين (مرتبة الإيمان)، ولفظ (الإحسان) لغة يعني إجادة العمل وإنفاقه وإخلاصه، وهو شرعا يطلق تارة ويقصد به الإنفاق والبذل والعطاء وتارة يطلق ويقصد به المرتبة الثالثة العالية من مراتب دين الإسلام، وحديثنا ها هنا عن المرتبة الأعلى من مراتب الدين (مرتبة المحسنين السابقين المقربين) وحسن أولئك رفيقا.
[المفتاح الرابع]: تلك المراتب الجليلة الثلاث مرتبة من الأدنى إلى الأعلى:فأدنى تلك المرتب هي مرتبة الإسلام الظاهر وهي مرتبة الظالم لنفسه وذلك لأن حدها هو إقامة أركان الدين الخمسة التي بني عليه الإسلام، ودين الإسلام بعد الأركان، به فرائض وواجبات لابد وأن تؤدى وبه نواهي ومحرمات لابد وأن تجتنب، والواقف على تلك الأركان الخمسة فهو وإن كان من عباد الله المخلصين إلا أنه ظالم لنفسه لتقصيره في حق الواجبات ولوقوعه في المحرمات، والمفرط في حق الفرائض والواجبات والواقع في المحرمات متى أقان أركان الدين الخمسة فهو في المرتبة الأولى مرتبة الإسلام الظاهر، مرتبة الظالم لنفسه، وهو إلى مشيئة الله عز وجل إن شاء الله عذبه على تقصيره في حق الدين في الدنيا أو في الأخرة أو في كلاهما بما يظهره من ذنوبه وإن شاء غفر له، وفي كلا الحالتين فماله إلى الجنة إذ يخلد في النار أبدا لأنه وإن كان ظالما لنفسه إلا أنه من عباد الله المخلصين، ويليها (مرتبة الإيمان) وهي مرتبة المقتصد: وهو المقيم لأركانه مرتبة الإسلام الظاهر (أركان الإسلام الخمسة) والمؤدي للفرائض والواجبات والمنتهي عن المحرمات والواقف عن حدود شرع الله في الحلال والحرام لا يتعداها، والسائرون في تلك المرتبة هم من أصحاب اليمين، ثم (مرتبة الإحسان) وهي مرتبة السابق بالخيرات بإذن الله تعالى وهو المقيم لأركان الإسلام الظاهر،والمقيم لأركان مرتبة الإيمان المؤدي لما عليه من الفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها، وهو إضافة إلى ذلك لا يزال يتقرب الى الله تعالى بالنوافل والمستحبات وينزه نفسه عن الوقوع في المكروهات والمتقن لأعماله جميعا يحسنها ويخلصها لله وحده رجاء فضله وثوابه ورضوانه، وجمع المراتب كلها قول الله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32]، فعباد الله عز وجل الذين اصطفاهم لدين الإسلام ثلاثة أصناف وكلهم داخل في الاصطفاء بإتباع الدين الحق الذي لا يقبل الله من عباده سواه، والمسلمون جميعا يدورون في دين الله تعالى بين ثلاث مراتب:
(1) صاحب مرتبة الإسلام: وهو الواقف على أركان الإسلام ولكنه يفرط في أداء بقية الفرائض والواجبات ويقع في الكبائر والمحرمات فهذا هو الظالم لنفسه، ولكنه مسلم في دائرة الإسلام.
(2) صاحب مرتبة الإيمان: وهو المؤدي لما عليه من الأركان والفرائض والواجبات والمنتهي عن الكبائر والمحرمات والواقف عند حدود الله في الحلال والحرام لا يتعداها فهذا هو المقتصدز
(3) صاحب مرتبة الإحسان: هو المؤدي لكل ما يقوم به المقتصد صاحب مرتبة الإيمان ولكنه يزيد على ذلك بالمسابقة بما ينال رضا الله عز وجل من الأعمال والأقوال والنوافل والمندوبات وبالتنزه عن المكروهات والسير في طريق إحسان العمل وإخلاصه التام لله رب العالمين، وهذا هو السابق بالخيرات بإذن الله، ولكن ليحذر المسلم من أمرين اثنين:
الأمر الأول: التقصير في حق المرتبة الأولى (مرتبة الإسلام الظاهر) وذلك بالتقصير في ركن من أركانها لأنه بتلك الأركان يوزن إسلام المرء فهي العلامات الظاهرة التي تشير إلى إسلام الفرد وإسلام المجتمعات، وبها يقاس قرب العبد وبعده عن دين الإسلام، فالحذر كل الحذر من التهاون في تحقيق أركان تلك المرتبة التي هي أدنى المراتب وإلا لكان المقصر فيها والمتهاون في تحقيقها على شفا حفرة من الخطر الجسيم، سيأتي – إن شاء الله تعالى – تفصيل ذلك عند الحديث ان شاء الله تعالى عن المرتبة الأولى)
والأمر الثاني:أن يحذر المسلم من ادعائه مرتبة ليست له أو لم يستوف أركانها وحدودها وإذا كان الله عز وجل قد نهانا أن نزكي أنفسنا بما هو فينا لمجرد التزكية فإن النهي أشد وأعظم عندما نزكي أنفسنا بما لا نستحقه، قال تعالى {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات]، فقد ذم الله عز وجل أولئك الذين ادعوا مرتبة الإيمان ولم يقوموا بحقوقها والتي منها الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال إذ هو فرض عين آنذاك، ثم بين الله عز وجل حقيقة تلك المرتبة وأنها يقين في القلب يظهر أثره على اللسان والجوارح، قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، فمن كانت تلك صفاتهم فهم الصادقون في إيمانهم والله عز وجل اعلم بمن اتقى فلا تزكوا أنفسكم، قال تعالى{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات: 16]، ولابد وان نراعي أمرا ثالثا: وهو أن الصحابة رضي الله عنهم مع أنهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين ومع أنهم أئمة المحسنين والمقربين والسابقين بالخيرات بإذن الله إلا أنهم كانوا يتحرجون من ادعاء الإيمان مخافة تزكية النفس، فكان أكثرهم يقول إني مسلم أو إني مؤمن إن شاء الله وذلك لا شكا في الإيمان حاش لله فهم أرسخ الناس إيمانا وأعمقهم يقينا في الله ولكنه تواضعا لله وخوفا من عاقبة الأمور كما وصفهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}، فالأمور والأعمال بخواتيمها والله عز وجل أعلم بالعواقب ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون نسأل الله حسن الخاتمة، ولذلك: يجب على المسلم أن يقول إني مسلم معتزا بإسلامه لله وحده، والأفضل له عند ذكر الإيمان أن يقول إني مؤمن إن شاء الله لأنه قد لا يكون استكمل واجبات وحدود مرتبة الإيمان فيكون كمن ادعى ما ليس له، وإن استكمل حدود المرتبة فهو لا يدري الخاتمة والأعمال بخواتيمها، ولا يحق لمسلم أن يقول إني محسن يقصد بذلك بلوغه الإحسان لان ذلك لا شك تزكية للنفس والله عز وجل ينهى عن ذلك قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} ولأن مرتبة الإحسان مرتبة عظيمة لا يصل إليها إلا القليل، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يجتهد دائما في المسارعة بالخيرات حتى يكون من عباد الله السائرين على هدى المحسنين المقربين السابقين بالخيرات بإذن الله ذلك الفضل الكبير.
(فائدة): مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، وعلوم الدين المستنبطة الأساسية ثلاثة اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و(العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و(التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، نسأل الله من فضله الواسع العظيم
***
([1]) تفسـير ابـن كثيــر 6/546.
([5]) شرح النووي علي مسلم 1/160.