الفصل الثاني مدارس أهل السنة والجماعة في باب العقيدة.
المبحث الأول: مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وفضلها على مر عصور الإسلام.
المبحث الثاني: المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي لمذهب السلف.
المبحث الثالث: الأشاعرة والماتريدية هم المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة.
المبحث الرابع: جهود الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية المتكاملة.
***
المبحث الأول: مدارس أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وفضلها على مر عصور الإسلام.
[المفتاح الأول]: عصور السلف هي عصور القدوة المثلى لأهل الحق في باب العقيدة، فقد ثبت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفرقة الناجية من أمة الإسلام هي تلك التي تتمثل بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد أخرج الترمذي وحسنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([1]) .
وأهل السنة والجماعة يعتبرون عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم هو العصر الأمثل الذي يقيدون به ويتأسون بهديهن ويسيرون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم في كافة عرى الدين وجوانبه، وخير من سار على هدى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم هم التابعون وتابعوا التابعون رحمهم الله تعالى، ولذلك وقد جاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تنعت هذه القرون الثلاثة بالخيرية العامة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قومي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ([2]) . وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل أي الناس خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (القرن الذي بعثت فيه ثم الثاني ثم الثالث) ([3]) .
فهذه الأحاديث الكريمة تبين المدى الزمني والعمق المنهجي الذي ينبغي أن يتأسى به أهل السنة والجماعة في كافة جوانب دينهم وعراه، وإن من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، فظهرت مدارس التخصص العلمي في شتى مجالات العلم ببركة اتباع أئمة السلف الكرام من الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم، إنّ من خيرية عصور السلف الصالح أنّها وضعت الأسس والأصول واللبنات الأولى للتخصص الإسلامي في كل فن من فنون العلم، ثم تركت المجال للعلماء ليظهروا ابداعهم العلمي، ففي القرون التالية لعصور السلف ظهر التخصص في الحديث وكان من ثمرته أن حفظت السنّة متمثلة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وعير ذلك من كتب السنن والمسانيد، وظهر التخصص في الفقه وكان من ثمرته أن دون الفقه وظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما يعد مفخرة أهل السنّة والجماعة في حفظ الشريعة، وانتشرت البدع واحتاج الناس إلى انتصاب العلماء للرد عليها، وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم الإمام أحمد ابن حنبل والإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة وتفنيد أخطائهم، وتطهير عقائد المسلمين من بدع الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصاروا هم أئمة الدين المقتدى بهم في الأصول وتلقت الأمة علومهم بالقبول، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، وهي المدرسة الأثرية وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، والمدرسة الأشعرية وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، والمدرسة الماتريدية وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف.
[المفتاح الثاني] إذا كان السلف الصالح هم قدوة الأمة في شتى أمورها، وقد تبين أنّ لهم في المتشابهات مذهبان صحيحان، (المذهب الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات من غير تفسير، و (المذهب الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فإن أتباع السلف على مر عصور الإسلام هم الخلف العدول، والمقصود بالخلف العدول هم (الأثرية والأشاعرة والماتريدية) وهم امتداد السلف، وهم حملة لواء عقيدة أهل السنة والجماعة، وهم الواقفون على ثغور الدفاع عن عقائد الإسلام أمام الفرق الضالة جميعها، وهم يمثلون أغلبية علماء أهل السنة على مر عصور الإسلام، لا يعرف قدرهم إلا عالم بالله وبدين الله ولا ينتقصهم إلا جاهل بأمرهم وقدرهم في دين الله تعالى أو مبتدع ضال، أو جاهل بقواعد التقديس والتنزيه المستمدة من الكتاب والسنة، ثم كيف يعقل أن لا يكونوا ضمن إطار أهل السنة، وهم من بينوا إطاره، ووضحوا أسسه وقواعده، فإلى الله المشتكى من جهل هؤلاء الذين تكلموا في حقهم وهم يجهلون موقعهم من دين الله، وهم (أهل السنة والجماعة) أهل الفقه الأكبر في الدين، وأهل العقيدة الصافية التي تقوم على أساس الكتاب والسنة، والتفريق بين المحكم والمتشابه، عملاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7}، ففي المحكم: تقوم عقيدتهم على التصديق والتفسير والمعرفة والعلم واليقين والفقه في الدين، لأن المحكم أصل العلم، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، وفي المتشابه: تقوم عقيدتهم ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة.
إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والنقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (اللَّهُ) أو على قوله تعالى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، ولا سبيل للجزم بأي منهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، جميعها تمتد أصولها إلى السلف الكرام، (الأولى): المدرسة الأثرية الأصيلة وإمامها الإمام أحمد بن حنبل، و (الثانية): الأشعرية وإمامها الإمام أبو الحسن الأشعري، و (الثالثة): الماتريدية وإمامها الإمام أبو منصور الماتريدي، ولا يمكن فصل إحداها بحال، وكل من حاول ذلك متهم في علمه أو دينه أو عقله لا محالة، وعلى مر عصور الإسلام وقرونه المتتالية كان مصطلح (أهل السنة والجماعة) إذا أطلق فالمراد بهم أصحاب الحديث (أهل الأثر)، والأشاعرة، والماتريدية، ومجموعهم هم سواد الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة كما جاء في الحديث المشهور (لا تجتمع أمتـي علـى الضلالة) [قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده: (وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثير وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) ([4]) .
[المفتاح الثالث]: مدارس أهل السنة والجماعة في العقيدة ثلاث مدارس هي (الأثرية و الأشعرية والماتريدية): المدرسة الأولى: (الأثرية): وهؤلاء هم النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه مالك والشافعي وابن حنبل وسفيان ابن عيينة، ومذهبهم واضح وأهم أصوله ثلاثة: (الأول): التفريق بين المحكم والمتشابه، و(الثاني) تفويض علم المتشابه إلى الله وعدم تفسيره أو التعرض له، و(الثالث): عدم الخوض في الذات الإلهي أبدا، فيحرم عندهم مجرد السؤال عن الوجه والعين واليد والاستواء على سبيل الخوض في جناب الذات الإلهي لان له الأحدية المطلقة مقدس عن الأجزاء والأبعاض وله التقديس المطلق عن مشابهة الخلق، والمدرسة الثانية والثالثة هم (الأشعرية والماتريدية): وهؤلاء هم امتداد السلف والمتخصصون في علم العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة والقائمون على ثغر الرد على الفرق الضالة والطوائف المنحرفة، وينتسب إليهما في العقيدة سواد علماء أهل السنّة والجماعة الأعظم في الفقه وفي التفسير وفي الحديث وفي اللغة وفي شتى تخصصات العلم الشرعي، وأهم أصول مذهبهم: الأصل الأول: التفريق بين المحكم والمتشابه، و (الثاني) رد المتشابه إلى أمهاته من المحكم، فحقيقة اللفظ المتشابه يفوضون علمه إلى الله ويفسرون الآية والحديث وفق السياق والسباق واللحاق فيقولون في الآية {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} أنه استواء تدبير المراد منه اظهار الربوبية والقدرة والهيمنة والتسخير، ومفتاحه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، ثم لا يخوضون في الاستواء لأن حقيقته اللغوية لا تجوز على الله المقدس عن الأجزاء والأبعاض والكون في المكان وقبول الحركة والسكون والتغير والحدوث.
[المفتاح الرابع]: على مر عصور الإسلام وقرونه المتتالية كان مصطلح (أهل السنة والجماعة) إذا أطلق فالمراد بهم (أهل الأثر من أصحاب الحديث وفضلاء الحنابلة)، والأشاعرة، والماتريدية، ومجموعهم هم سواد الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة كما جاء في الحديث المشهور (لا تجتمع أمتـي علـى الضلالة) [قال الحافظ السخاوي بعد أن عدّد طرق الحديث وأسانيده: (وبالجملة فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثير وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) المقاصد الحسنة حديث رقم 1288،]، قال العلامة السفاريني الحنبلي: ” أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى ” اهـ، [لوامع الأنوار البهية 1: 73]، وقال الإمام تاج الدين السبكي: ” اعلم أن أهل السنة والجماعة،، بالاستقراء ثلاث طوائف: الأولى: أهل الحديث ومعتمد مباديهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة والإجماع، الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي،،،، الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومباديهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية) اهـ، ([5]) . وقال الإمام المرتضى الزبيدي: ” والمراد بأهل السنة هم الفرق الأربعة، المحدثون والصوفية والأشاعرة والماتريدية ” اهـ، ([6]) .
وعلى ذلك فإنه إذا أطلقت كلمة أهل السنة والجماعة فإن المراد بها هذه الطوائف الثلاث، (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رحمه الله، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله، وأهل الفقه يدخلون بالضرورة ضمن تلك الطوائف، فالمالكية أشاعرة، والشافعية أشاعرة، والحنفية ماتريدية، وفضلاء الحنابلة أثرية ولا خلاف بينهم في شيء من الأصول إلا من مال إلى الاعتزال أو مال إلى الحشو والتجسيم.
[المفتاح الخامس]: لا يصلح للعقيدة الإسلامية: إلا المدارس الثلاث الأثرية والأشاعرة والماتريدية: وذلك لانهم يمثلون كلا المنهجين للسلف الصالح في معاملة المتشابهات، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، و(المنهج الثاني): حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وتفسير الآيات وفق السياق العام الذي سيقت من اجله وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، والحاصل: هو صحة كلا المذهبين عن السلف، [المذهب الأول للسلف في المتشابهات]: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات إلى الله: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، و[المذهب الثاني للسلف في المتشابهات]: هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات]، وذلك بتأويل النصوص المتشابهات وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وذلك حتى يمتنع الزيغ والبدعة والضلالة، وقد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه، ومن ذلك تأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا)، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد)، قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة)، تأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد، فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل)، ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
***
المبحث الثاني المدرسة الأثرية هم الامتداد الأول لمذهب السلف وبيان قواعد السادة الأثرية في متشابهات الأخبار
[المفتاح الأول]: إذا ثبت بأنّ للسلف الكرام منهجان في المتشابهات: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فإنّ المدرسة الأثرية هم الامتداد الأول لمذهب السلف وهم الذين يمثلون المنهج الأول، منهج تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، لأنه لا يعلم حقائقها على وجه اليقين إلا الله، وأهم علماء تلك المدرسة المباركة: الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، وعدم الخوض فيه بالحشو والتجسيم، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله.
[المفتاح الثاني]: السادة الأثرية هم أتباع السلف في العقيدة: الأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، إنّ أصول التقديس والتنزيه – عند أهل السنّة والجماعة – تمنع المؤمن العاقل من الخوض في ذات الله تعالى والمتشابه من صفاته، وذلك لأنّ الله عز وجل ليس له شبيه ولا كفء وليس له سمي ولا مثيل، وكل ما خطر بالبال فالله بخلافه، دل على ذلك قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي الآية الكريمة نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، وقوله تعالى: {وللهِ المثَلُ الأعلى} [النحل: 60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عزَّ وجلَّ بصفات المخلوقين،، وقوله تعالى: {فلا تضربوا للهِ الأمثال} [النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ وأفعاله لا تشبه الأفعال، وقوله تعالى: {هل تعلمُ لهُ سميًّا) [مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فذاتُه سبحانه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا،، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، ولو كان له كفء أو شبيه أو مثيل لأحاطت به علوم البشر، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، وخير من علموا تلك القواعد التنزيهية، هم أئمة السلف الصالح، فقد كان حرصهم شديدا على عدم الخوض في المتشابهات المتعلقة بذات وصفات الرحمن سبحانه، والمنع من مجرد السؤال عنها على سبيل الزيغ والفتنة، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: ويؤمن بها ولا تفسر ولا يتوهم ولا يقال كيف، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كلما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية، وقولهم: فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: نحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم:المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع، ومن هذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً استدللنا على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]
[المفتاح الثالث]: قواعد السادة الأثرية في متشابهات الأخبار التي تتعرض لجناب الذات غيب الغيوب من ألفاظ الوجه واليد والعين والصورة والنزول والمجيء والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه؟
1- إن أول موقف هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها 0 فإذا سمع كلمة الصور: مثلا في قوله،صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلف ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد 0 التي هي أجسام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه 0 وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها.
2- ثاني موقف هو الايمان والتصديق: بأن هذه الألفاظ أُريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته، فينبغي ان يرد معاني المتشابهات إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز عن إدراك المعنى المراد لأن هذه المتشابهات تتعلق بجناب الذات وجناب الذات قديم أزل بلا ابتداء وآخر بلا انتهار وهو أحد صمد له الاحدية المطلقة والصمدية المطلقة فلا يدرك وليس كمثله شيء.
4- يجب الامتناع عن السؤال عن المشابهات، لأنه بالسؤال عن هذه الامور0 يتعرض لما لا يطيق وقد ضرب عمر رضي الله عنه من سأله عن المتشابهات لأن الواجب الأساس هو المبالغة في التقديس 0ونفي التشبيه.
5- ولا يجوز التصرف في الألفاظ المتشابهات ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فالاستواء جاء بلفظ الفعل (استوى) فلا نحوله إلى الاسم (مستو) لأن الاسم أكثر ايهاما للشبهة وتقوية لها، ولا نقول تفسير الاستواء بمعنى الاستقرار ولا الجلوس لأنهما يوهمان التكييف لجناب الذات، ولكن قراءة اللفظة المتشابهة هو تفسيرها فقط، ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد.
6- ولا يجوز الجمع بين الألفاظ المتشابهة في مكان واحد لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل، وهذا ما يفعله أهل الزيغ وتتبع المتشابه يجمعون المتشابه ويؤلفون المؤلفات في تتبعه.
7- كما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية وذكر التدبير عند ذكر الاستواء في قوله تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الامر} يدل على ان الاستواء استواء تدبير وقهر وتسخير وربوبية وليس استواء جلوس واستقرار.
8- كما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف في المتشابهات فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور لان العجز عن الادراك إدراك والتفكير في جناب الذات كفر وإشراك، وأخيرا فإن حاصل هذا (المذهب الأثري) هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها.
[تنبيه]: السلفية المعاصرة مدرستان احداهما الأثرية وهي المعبرة عن مذهب السلف الأول في المتشابهات (التفويض)، والثانية حشوية مجسمة: المدقق لحال السلفية المعاصرة يجد انّ هناك اتجاهين يمثل كل اتجاه منهما فريق من السلفية المعاصرة: (الفريق الأول): أثري على العين والرأس ينتمي إلى المدرسة الأثرية التي تعلم من قواعد التقديس ما تفوض به علم المتشابه إلى الله وهي على وفاق مع بقية مدارس التخصص، و(الفريق الثاني): أهل حشو وتجسيم، ليسوا على منهج السلف الصافي وليسوا من أهل السنّة والجماعة، وإنما هم يدخلون ضمن إطار فرقة ضالة من فرق الضلال التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، آلا وهي الحشوية وإن تدثروا بلباس السلف، وإن زعموا الانتساب إلى أهل السنة والجماعة، واما النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام إنما هي للأثرية، أما: (الحشوية) انتسبت زورا إلى الحنابلة والحنابلة الأثرية منهم برآء، وإلى مذهب السلف والسلف الصالح منهم برآء، والحشوية بتسكين الشين وفتحها: لقب أطلق على طائفة من المبتدعة من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث الموضوعة والضعيفة المسرفة في التجسيم من غير نقد، ثم أخذوا بظاهر لفظها، ثم تحزبوا عليها، وامتحنوا الناس على أساسها، والفرق بينهم وبين المجسمة، أنّ المجسمة ينصون على التجسيم، ولا يرون به بأساً في ذات الله تعالى، أمّا الحشوية، فهم يقبلون المعاني المنطوية على التجسيم، وإن كانوا يتحفظون في التجسيم بقولهم ” بلا كيف “، ولذا يراهم البعض أهون بدعة من المجسمة، ولكني أراهم أكبر خطراً من المجسمة وذلك لأنّهم ينتسبون إلى السلف (زورا وبهتانا والسلف من زيغ عقائدهم براء)، ويرفعون راية التمسك بالكتاب والسنّة، ويصولون بهما على أهل العلم والفقه المتخصصين في علوم الدين، فيهدمون صروح التخصص العلمي الإسلامي، فهم قطاع طرق على علوم الدين في صورة المدافعين عنه، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية.
لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، فقد ذهل الحشوية عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة: أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في زيادة الإثبات على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، فنشأ عن ذلك الحشو والجهل المركب في مسائل الصفات والإضافات بسبب الذهول عن تلك القواعد، واعتبارها من علوم اليونان، وهم لا يعلمون: لا قواعد التنزيه المستمدة من الكتاب والسنة ولا ما هو الفرق بينها وبين علوم اليونان، والحشوية ينتسبون إلى السلف الصالح، وهم أبعد الناس عن السلفية والسلف، وهل كان السلف إلا منزهة ومقدسة لذات الباري سبحانه، وهل خاضت السلفية فيما يخوض فيه أولئك الحشوية من الحشو والجهل فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ثم هل من السلفية في شيء أن يأتي أحدهم بجمع الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ويمتحن الناس باعتقادها، هل هذه سلفية، أم حشوية، لقد كان الإمام مالك ابن أنس إمام السلفية بحق عندما كان يمنع من رواية الاحاديث التي تتعلق بالصفات الخبرية، خوفا من تتبع المتشابهات، وكان يمنع في مجلسه من مجرد السؤال عنها، فكيف ينتسب إلى السلفية من يجمع تلك المتشابهات ويسردها في مؤلف واحد يُوهم التشبيه والتجسيم، ثم ينسب ذلك إلى السلف، وقد كان السلف الأوائل يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ما أشد حاجة السلفية المعاصرة من تنقيتها من أدران الحشو والتجسيم والغلو في التكفير والتشريك والتبديع، وما أحرى بالسلفية المعاصرة أن تعود إلى سلفية الكتاب والسنّة، وإلى دراسة علوم الدين على مناهج أهل التخصص في العلم، وإلى علاج القصور.
[المفتاح الرابع]: تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية: المدرسة الأثرية هم الامتداد الحقيقي والصحيح لمذهب السلف، والأثرية: هي النسبة الصحيحة الحقيقية للسلف الكرام وأهم علماؤه الأئمة مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل وسفيان ابن عيينة، وسفيان الثوري ومذهبهم واضح وأهم أصوله: التفريق بين المحكم والمتشابه، تفويض كيفية المحكم وتفويض علم المتشابه، عدم الخوض بالحشو والتجسيم، والأثرية هم الامتداد الصحيح والحقيقي للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة، والمتمعن في مقالاتهم في المتشابه يجد أنّها ترتكز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفي عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وهناك تنبيهات مهمة تتعلق بالأثرية
(تنبيه أول): مذهب الأثرية من تفويض معنى المتشابه ليس معناه الجهل بالمراد من الآيات: لقد فهم البعض من السلفية خطئاً أنّ معنى تفويض المعنى هو الجهل العريض بآيات الصفات، وهذه سقطة عظيمة وزلة عالم، لا ينبغي تتبعها لأنّ مذهب السلف وأهل الأثر في الألفاظ المتشابهات التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث هو تفويض علمها إلى الله، واكتفوا بالمعنى الإجمالي المفهوم من سياق الآيات دون تتبع للمتشابهات،
(تنبيه ثان): الأثرية لا يخوضون في المتشابه لفرط خوفهم من التكلم على الله تعالى بغير علم، لكنّهم يعرفون من أصول توحيد الذات وقواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من نسبة النقص إلى ذات الله تعالى، إذ هم يعرفون الواجب والجائز والمحال في حق الله تعالى، وإذ هم منزهون لله تعالى عن المكان والزمان وحلول الحوادث.
(تنبيه ثالث): الأثرية على وفاق تام مع الأشاعرة والماتريدية في أصول العقيدة، ولذلك يعترف الجميع بأن الطوائف الثلاث تمثل أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة، قال العلامة السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى (أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: (الأثرية)، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، و (الأشعرية)، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله، و (الماتريدية)، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) اهـ، ([7]) .
(تنبيه رابع): لقد ذهل الحشوية (التيميين أتباع ابن تيمية والوهابيين اتباع ابن عبد الوهاب النجدي) عن حقيقة مذهب السلف والأثرية امتداد السلف الحقيقيون في تفويض علم المتشابه إلى الله تعالى، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأثرية المفوضة في المتشابهات بالتجهيل والتبديع وأنهم أشر أهل البدع، مع أنهم هم امتداد السلف الحقيقيين، ثم لم يكتفوا بذلك حتى اتهموا الأشاعرة والماتريدية أكابر علماء العقيدة المتخصصين فيها على منهاج أهل الحق بأنّهم متعطلة ومؤولة وانّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة في باب الصفات، مع أنّ الحق والصواب أنّهم (الحشوية) هم الضالون في هذا الباب لأسباب عديدة، أهمها الذهول عن قواعد التقديس والتنزيه والتسبيح المتعلقة بذات الله تعالى، والمستمدة من الكتاب والسنة، وأدى ذلك إلى خلل في فهم قسم توحيد الذات (علم التقديس) الذي يعد مفخرة عقائد المسلمين، والذهول عن هذا القسم أدى إلى قصور واضح جلي في الإلمام بما يجب وما يجوز وما يستحيل في ذات الله تعالى، وإلى الوقوع في الحشو على حساب التقديس، بل واعتقاد التجسيم في بعض الأحيان وإن لم يشعروا بذلك، وممن تسربت إليه بدع الحشو -لا شك- (ابن تيمية)، ومذهبه هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، والعالم المخلوق تحته، وهو موجود بذاته على عرشه، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، ووصف لله تعالى بالحد والنهاية والحدوث، وهل بعد تلك العقائد الفاسدة يبقى لنا شيء من التقديس الذي حبى الله تعالى به أمة التسبيح والتنزيه والتوحيد، وسار على نهجه في الحشو ابن عبد الوهاب النجدي واتباعه، وزادوا على ابن تيمية بدع التكفير واستحلال دماء واموال اهل القبلة من المسلمين.
(تنبيه خامس): الفرق كبير بين الأثرية والحشوية اتباع ابن تيمية وابن عبد الوهاب بل لا تصح المقارنة أصلاً، فإنّ الأثرية لديهم من قواعد التقديس والتنزيه ما يمنعهم من الحشو والخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، ولذلك نجدهم عند متشابهات الصفات يرون تفويض علم هذا المتشابه إلى الله، لأنّ ظاهره يوحي بما هو محال على الله تعالى من نسبة الأجزاء والأبعاض والجوارح إلى ذات الله تعالى، أو نسبة الحوادث من الحركة والسكون إلى الله تعالى القديم المنزه عن الحوادث، وأما الحشوية فليست لديهم قواعد للتنزيه ولا هم يعلمون من علم التقديس ما يردعهم عن الخوض في ذات الله تعالى وصفاته بما لا يليق، وهم لا يفرقون بين المحكم والمتشابه، وهم يرون اثبات المعنى الظاهر للمتشابهات وتفويض الكيفية إلى الله، وكلاهما (الأثرية والحشوية) يتنازعان الانتساب إلى الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله، وقد جزم الحافظ ابن الجوزي أحد أكبر أعلام الحنابلة في القرن الخامس، وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ينتهي نسبه إلى الصديق ابي بكر رضي الله عنه: أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان على تفويض علم المتشابه إلى الله، وهو على ذلك كان أثرياً، وهاجم كل من خالف ذلك من الحنابلة، واتهمهم بالإساءة إلى الإمام أحمد وإلى مذهبه، ودعا عليهم، وانظر كتابة الباز الأشهب في الرد على مخالفيه، وكانوا ثلاثة من شيوخ المذهب الحنبلي، وهم: ابن حامد البغدادي، والقاضي أبو يعلى الفراء، وأبو الحسن ابن الزاغوني، واتهمهم بأنهم صنفوا كتبا شانوا بها مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقال في خاتمة كتابه: ” ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال لم يعجبهم، لأنهم ألفوا كلام رؤسائهم المجسمة، فقالوا ليس هذا المذهب، قلت: ليس بمذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهتُ مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ونفيت عنه كذب المنقولات وهذيان المعقولات ” أهـ.
(تنبيه سادس): براءة الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله من انتساب الحشوية إليه: اشتهر انتساب الحَشْويّة إلى مذهب أحمد بن حنبل (ت241هـ)، ولا ريبَ أنّ الامامَ أحمد إمامٌ عظيمُ القدر، ومن أكبر أئمّة الاسلام، لكن قد انتسب إليه هؤلاء هو منهم بريء،، وقد تقدم مخاطبة الإمام ابن الجوزي، الذي لم يأت في الحنابلة بعد الإمام أحمد مثله، لحشوية الحنابلة ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي، ومن نظر في كتابه الباز الأشهب علم مدى الحشو الذي وصل إليه هؤلاء، حيث قال في مقدمة كتابه: اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه رأيته رجلا كبيرا كبير القدر في العلوم، قد بالغ رحمه الله عليه في علوم الفقه ومذهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه علي طريق السلف، فلم يصنف إلا المنقول،،،، ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي، وابن الزاغوني ” فصنفوا كتابا شانوا بها المذاهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات علي مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم علي صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا علي الذات، وعينين وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخدا وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم ويتنفس، وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات وهي تسمية مبتدعة لادليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم بلتفتوا إلى النصوص الصارمة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا لا نحملها علي توجيه اللغة مثل يد علي نعمة وقدرة ومجيء وإتيان علي معني بر ولطف، وساق علي شدة، بل قالوا نحملها علي ظواهرها، والظاهر المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يجعل علي حقيقته إذا أمكن، وهم يتجرحون من التشبيه ويأنفون من اضافته إليهم ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: ” كيف أقول ما لم يقل ” فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه، ثم قلت في الأحاديث، تحمل علي ظاهرها، وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم ومن قال: استوي بذاته فقد أجراه مجري الحسيات، وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنه به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها علي الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيئا قبيحا حتى لا يقال حنبلي إلا مجسم، ثم زينتم مذهبكم بالعصبية ليزيد بن معاوية، ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان هذا المذهب شيئا قبيحا لا يغسل الى يوم القيامة) أنتهى،[مقدمة كتابه الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب]، وقال أيضا في خاتمة كتابه: (ولما علم بكتابي هذا جماعة من الجهال، لم يعجبهم لأنهم أَلِفُوا كلام رؤسائهم المجسمة فقالوا: ليس هذا المذهب، قلت: ليس مذهبكم ولا مذهب من قلدتم من أشياخكم، فقد نزهت مذهب الإمام أحمد، ونفيت عنه كذب المنقولات، وهذيان المقولات) اهـ، (قلت): ومن نظر في كتاب ابطال التأويلات للقاضي أبي يعلى علم ما وصل إليه القوم من الحشووالتجسيم، فقد أورد روايات يخجل الحمقى من ذكرها تصف الله تعالى بأنّه شاب، أمرد، أجعد، في حلة حمراء، عليه تاج، ونعلان من ذهب، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب، ثم عرّض بأنّ لم يؤمن بهذه الصفات فهو: زنديق معتزلي جهمي لا تقبل شهادته ولا يسلم عليه ولا يعاد في مرضه، ولك انّ تتعجب من حشويته حيث يقول: (وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتا ونفسا، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش)، ولم يتورع عن إثبات صفات بأخبار تالفة موضوعة كالخبر الموضوع: (إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته) واستدل به على صفات هبوط الذات الدنو والقرب من الذات، وأثبت صفات الذراعين والصدر والساعد واستدل لذلك بأثر باطل نصه: (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر) ثم قال: (الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره)، وأثبت صفة الفخذ بالرواية الباطلة: (إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا) وقال: (اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين … ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة …)، كما أثبت الحَقْو والإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها، كما أثبت صفات اللهوات والأضراس، والفم، بروايات منكرة لا تصح في اثبات شيء في الوضوء، وهو يثبت بها صفات لله تعالى، كما أثبت صفات الملل والهجو والاستهزاء والسخرية، أضف إلى ذلك روايات موضوعة لا تُصدق كرواية عن عبدالله بن الحسين المِصِّيصي قال: دخلت طَرَسُوسَ، فقيل لي ههنا امرأة قد رأت الجن الذين وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيتها، فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، حدثني عبدالله سمحج قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: (على حوت من نور يتلجلج في النور)، فهل بعد ذلك من حشو، والعجيب أنّ بعض الجهلاء يعتقدون أنه متخصص في العقيدة، ووالله إن لم يكن كلام القاضي أبي يعلى الفراء من الحشو فأين يكون الحشو إذن وهذا ما دعا ابن الجوزي أن يقول عنهم: (وقال بن حامد: رأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفا في ذاته بأنه يتنفس قال: وقالوا الرياح الهفافة مثل الرياح العاصفة، والعقيم والجنوب والشمال والصبا والدبور مخلوقة، إلا رياحا من صفاته هي ذات نسيم حياتي، وهي من نفس الرحمن، (قلت): علي من يعتقد هذه اللعنة، لأنه يثبت جسدا مخلوقا وما هؤلاء بمسلمين) أهـ ([8]) .
ولله دره قاتلهم الله ما أجهلهم بما يستحيل نسبته إلى الرحمن، ولو تعلموا أصول العقيدة وقواعد التنزيه ما كان هذا حالهم،
(تنبيه سابع ): من هم المعبرون عن الأثرية وأصحاب الحديث: (أولاً): المعبرون عن الأثرية من أهل الحديث: (المحدث) هو كل من اشتغل بعلم الحديث رواية ودراية، واشتهر عنه ذلك، ولكن من المعروف عند أهل العلم: أن المحدثين ليس لهم مذهب مستقل في الاعتقاد، ففيهم أهل السنّة وفيهم الحشوية، وفيهم الرافضة وفيهم الخوارج، ونظرة سريعة إلى كتب الجرح والتعديل تدلنا على ذلك، والذي يهمنا في هذا المبحث: أنّ من أهل الحديث من يمثل الأثرية، وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقد ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا: أنه كان ينهى عن التحديث بالأحاديث المتشابهات التي توهم التشبيه، وكان يمنع من السؤال عنها، وكان مجرد السؤال عن المتشابه أمامه موجباً لغضبه على السائل وطرده من المجلس كما هو مشهور عنه في طرد السائل عن معنى الاستواء وتبديعه، وعلى رأسهم أيضاً: الإمام أحمد بن حنبل الذي ثبت عنه تفويض معنى المتشابهات، كما ثبت عنه التأويل عند الضرورة رداً على أصحاب البدع بسند صحيح أخرجه البيهقي، والأثرية من أهل الحديث هم كل من سار على نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل، و (الأثرية) من أهل الحديث هم أهل التقديس والتنزيه الذين كانوا على وفاق مع الأشاعرة والماتريدية في مباحث العقيدة، واهمهم من علماء أهل الحديث، فخر الحديث وأهله الإمام البيهقي، وله رسالة (الأسماء والصفات) تدل على رسوخ قدمه في علم العقيدة والتنزيه والتقديس، وهي من أهم مراجع العقيدة الأثرية، والإمام النووي شارح صحيح مسلم، وقد تتبعت مباحث العقيدة في كتابه القيم المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، والمشهور بشرح النووي على صحيح مسلم، وهو أهم الشروح على صحيح مسلم، فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً لعقيدة أهل الأثر، وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني، صاحب كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهو من أعظم كتب تفسير الحديث وأجمعها، لا يستغني عنه طالب علم، وأهم ما يميز فتح الباري أنه يجمع في كل باب بالإضافة إلى ما رواه البخاري أهم الأحاديث المتعلقة بالباب التي وردت في دواوين السنة الأخرى من بقية الكتب الستة والمسانيد وغيرها، كما يجمع فيه شروح العلماء قبله على صحيح البخاري، وينقل عن شراح كتب السنة الأخرى كشرح النووي على صحيح مسلم وشرح الخطابي لسنن أبي داود وكلام البغوي في شرح السنة وغيرهم، حتى صار بحق أحد أعظم دواوين الإسلام المعتبرة، ومصادره العلمية المهمة، وقد تتبعت مباحث العقيدة فيه فجمعت منها ما يصلح لأنّ يكون مرجعاً كاملاً لعقيدة أهل الأثر، (ثانياً): المعبرون عن الأثرية من الحنابلة: من أفضل علماء الحنابلة الذين تكلموا في العقيدة على منهاج المتخصصين الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري، (ت 597 هـ) في كتابه الباز الأشهب في الرد على منتقضي المذهب، والمسمى كذلك دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، رد فيه على حشوية الحنابلة، وكان يُخاطب ابن حامد وابن الزاغوني والقاضي أبي يعلى القاضي وهم من كُبراء حشوية الحنابلة، بقوله: ” ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراساً،، ويدين وأصابعَ وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يُمس وَيمس، ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفس، ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون: نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام، فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط:” كيف أقول ما لم يقل”، فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، فلو أنكم قلتم: نقرأ الأحاديث ونسكت ما أنكر عليكم أحد، إنما حمْلكم إياها على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم،،) أه([9]) .
وكتابه الباز الأشهب من خير الكتب التي ردت على بدعة الحشو، ومن الكتب المعبرة عن مذهب الأثرية كتاب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشبهات) صنفه العلامة مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي (ت: 1033 هـ)، وكتاب العين والأثر في عقائد أهل الأثر لعبد الباقي بن عبدالباقي بن عبد القادر، وكتاب لوامع الأنوار البهية شرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية وكلاهما للشيخ محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي،
[المفتاح الخامس]: التحذير من كتب حديثية كُتبت على منهج أهل الحشو ونُسبت إلى أهل السنّة والجماعة: إنّ من الأمانة العلمية أمام الله تعالى وأمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام المؤمنين تقتضي التحذير من كتب تلبس مسوح أهل السنّة، والسنّة منها برآء، وهي في الحقيقة لا تنتمي إلى العقيدة الأثرية، ولا إلى عقائد أهل السنّة والجماعة القائمة على التقديس والتنزيه، بل هي إلى عقيدة الحشو والتجسيم أقرب، ومن ذلك:
(1) كتاب الرد على الجهمية وكتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: لعثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ): فقد احتج فيهما بكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنزيه وأثبت فيهما أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وأثبتَ الثقل والحركة والقرب الحسي الذي يُقاس بالمسافة والحد لله عز وجل، وأنه مس آدم مسيساً بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما يدل على جهله العظيم بما يجب وما يستحيل في حق الله تعالى لما يوحي به من النقص والمشابهة لخلقه.
(2) كتاب السنة لابن أبي عاصم: وكان ظاهريا حشوياً يابسا أثبت في كتابه من الأخبار المنكرة والأحاديث الموضوعة ما يستحي المسلم من ذكرها، ومنها أن الله خلق آدم على صورة وجهه، وعلى صورة الرحمن، وأنه تجلى للجبل منه مثل الخنصر، وأن العرش يئط به من ثقله، وأنه يقعد محمداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، وأن المؤمنين يجالسون الله عز وجل في الجنة وغير ذلك.
(3) كتاب السنة المنسوب إلى عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (290هـ): وقلت: المنسوب لأنّ الغالب بل اليقين عندي أنه لا تصح نسبته إليه، لوجود مجهولين في طبقتين من طبقات إسناد هذا الكتاب إلى مؤلفه، ولكونه اشتمل هذا الكتاب على أكثر من مئة وثمانين نصاً في الطعن في الإمام أبي حنيفة، بل في بعضها تكفيره، وأنه أُخِذ من لحيته كأنه تيس يدار به على الحلق يستتاب من الكفر أكثر من مرة، وأنه أفتى بأكل لحم الخنزير، وفيه نقلٌ عن الإمام مالك أنه ذكره بسوء، وقال: كاد الدين ومن كاد الدين فليس من الدين وغير ذلك من المثالب التي تقشعر منها الأبدان، وقد كان أبوه الإمام أحمد يُجل الإمام أبي حنيفة وتتلمذ على تلامذته كمحمد بن الحسن الشيباني، ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الجرأة على الله عز وجل وصفُه بالجلوس على العرش، وإثبات صدر له وذراعين، وإثبات الثقل والصورة التي صور عليها آدم، وأنه على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة، وأنه واضع رجليه على الكرسي، وأن الكرسي قد عاد كالنعل في قدميه، وأنه إذا أراد أن يخوف أحداً من عباده أبدى عن بعضه، وأنه قرَّب داودَ عليه السلام حتى مس بعضه وأخذ بقدمه وغير ذلك من الحشو الذي يؤول بصاحبه إلى التجسيم، ومما اشتمل عليه في حق الإمام أحمد أنه نقل عنه تصحيح الأخبار التي تثبت جلوسَه عز وجل على العرش وحصولَ الأطيط من هذا الجلوس، وأنه واضع رجليه على الكرسي وأن الكرسي موضع قدميه، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قيد أربعة أصابع، ويعلم المحققون أنّ هذه الأخبار مكذوبة على الإمام أحمد وابنه عبد الله، بل الكتاب كله مكذوب عليه، فإن كان هو واضعه فالله حسيبه، والحق أحق أن يُتبع، والكتاب عند المتخصصين في العقيدة لا يمثل سوى طائفة الحشوية وحسب.
(4) كتاب السنة للخلال: وفيه أطال الخلال في تقرير قعود النبي صلى الله عليه وسلم مع الباري سبحانه على الفضلة التي تفضل من العرش، وحشر مع ذلك نقولاً عن بعض المحدثين في تكفير منكره ورميه بالبدعة والتجهم وغير ذلك مما لو قرأه رجل لم يسمع عن الإسلام شيئاً لظن أن هذا الخبر ركن من أركان الإسلام، وفيه أيضاً الكذب على الإمام أحمد وأنه تلهف لسماع هذا الخبر إذ لم تحصل روايته له من علو، والكتاب تقرير لعقائد أهل الحشو لا أهل السنّة.
(5) كتاب التوحيد لا بن خزيمة: تأثر – على علمه بالحديث – بابن كرام، صنف كتابه على طريقة أهل الحشو من جمع المتشابهات، ولكنه تاب عنه وندم فقد أخرج البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي أنه قال: (ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه ألا نتكلم فيما لم نتعلمه،،، ثم قال البيهقي: والقصة فيه طويلة وقد رجع محمد بن إسحاق إلى طريقة السلف وتلهف على ما قال والله أعلم “([10]) .
واعترف ابن خزيمة على نفسه بأنه لا يحسن الكلام فقد نقل البيهقي عنه أنه قال: (ما تنكرون على فقيه راوي حديث لا يحسن الكلام ” أهـ ([11]) .
وكتاب التوحيد أخرج فيه متوناً منكرة وأسانيدَ واهيةً، منها ما جاء في أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش يئط به، وأنه تجلى منه مثل طرف الخنصر، وأنه يهبط ثم يرتفع، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته فينتفض تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأن جنة عدن مسكنه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب يحمله أربعة من الملائكة، وغير ذلك من خيالات أهل الحشو،
(6) كتاب الصفات المنسوب للدارقطني: وهذا الكتاب تشهد حاله الحديثية على براءة الدارقطني البصير بعلل الحديث ورجاله منه، وإنما يصلح أن يكون من صنيع من رواه عنه، فلا تصح نسبته إلى الدارقطني كما نبه عليه الكوثري في [تبديد الظلام المخيم]، لأن في سنده إليه أبا العز بن كادش أحمد بن عبيد الله (526هـ) ([12]) .
قال الذهبي في ترجمته في [ميزان الإعتدال]: (أقر بوضع حديث وتاب وأناب)، ([13]) .
ولا يخفى أن هذه التوبة لا تعني قبول روايته لأمرين الأول أن من قواعد المحدثين أن التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل روايته أبداً وإن حسنت طريقته، حكاه السيوطي عن الإمام أحمد بن حنبل وغيره من المحدثين([14]) .
الثاني: أنه حتى على مذهب من يقبل توبته لا يلزم قبولُ روايته لأنه ضعيف الرواية قبل الكذب وبعده، نقل ابن حجر في ترجمته أنه كان كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال([15]) .
ويرويه ابن كادش عن محمد بن علي أبي طالب العشاري قال الذهبي في ترجمته: (شيخ صدوق معروف لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء ومنها عقيدة للشافعي، وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال – فقبح الله من وضعه والعتب إنما هو على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل) ([16]) .
وفي هذا الكتاب باب في إثبات القدمين، وفيه أن الكرسي موضع القدمين، وفيه الأطيط وخلق آدم على صورة الرحمن،
(7) كتاب التوحيد لابن مندة: وفيه أن الله يكشف يوم القيامة عن ساقيه، وعزاه إلى البخاري ومسلم، مع أنه ليس في أحدهما، وفيه أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، وأن الكرسي موضع قدمه، ونحو ذلك من أخبار أهل الحشو لا أهل التخصص والعلم بالعقيدة،
(8) كتاب العرش وما روي فيه: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وحال الكتاب من حال مؤلفه الذي نقل الذهبي تضعيفه عن الجمهور وتكذيبَه عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، وعن غيره الاتهام بالوضع، وفي هذا الكتاب أن أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل، بينهم وبين ربهم مسيرة خمسمائة عام، وأن السماء منفطرة من ثقل الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في روضة خضراء
(9) كتاب الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل الهروي (ت 481 هـ): وفيه ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في صورة شاب أمرد في قدميه خضرة، وفيه باب بعنوان وضع الله عز وجل قدمه على الكرسي، وباب في إثبات الجهات لله عز وجل، وباب في إثبات الحد، وباب في إثبات الخط، وباب في إثبات الصورة، وباب في إثبات العينين، وباب في إثبات الهرولة،
(تنبيه): أهم أغلاط هؤلاء المصنفين على وجه الإجمال أنّهم: (أولاً): جمعوا فيها أخباراً متفرقة فأحدث هذا الجمع في دلالتها تقوية لظاهرها الموهم كما سبق في الكلام على التفويض، (ثانياً): لم يفرقوا فيها بين النصوص التي تتفاوت دلالة وثبوتاً فمثلاً جعلوا قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} مع الأخبار المنكرة التي تتحدث عن القعود على العرش وأطيط العرش من ثقل الجبار فوقه، وجعلوا هذين المتفاوتين من أدلة الاستواء على العرش، (ثالثاً): أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا، بل ربما عارضوا ما هو مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرويات عن أحد التابعين، ومثال ذلك تفسير المقام المحمود بالإقعاد على العرش، بل لم يفرقوا بين حديث نبوي وخبر إسرائيلي، فربما جعلوا ما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من القدسية والمكانة ثابتاً لقول أهل الكتاب، ومثال ذلك ما ذكروه في الاستلقاء على العرش ووضع إحدى رجليه على الأخرى وغير ذلك مما هو مبسوط في الشبه السمعية، (رابعاً): أنهم لم يفرقوا بين منقول بالتواتر من الكتاب والسنة وخبر لم يصح سنده فأثبتوا بالثاني ما أثبتوه بالأول، [وللتوسع في معرفة خلل هؤلاء انظر كتاب التجسيم في الفكر الإسلامي للدكتور صهيب السقار.
***
المبحث الثالث الأشعرية والماتريدية هم امتداد السلف الصالح وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج الكتاب والسنّة وهم لمعبرون عن أهل السنّة والجماعة في كل أبواب العقيدة
[المفتاح الأول]: الأشعرية والماتريدية هم امتداد السلف وهم الذين يمثلون السلف بكافة مناهجه وهم المتخصصون في علم العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة، وقد بينا أنّ للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، فــ (الأشاعرة) و (الماتريدية): مدرستان تمثلان مناهج السلف في العقيدة لاسيما في المتشابهات، والمذهب الأول هو تفويض المعنى المراد من المتشابهات إلى الله مع فهم الآيات وفق السياق العام، الذي سيقت من أجله فإن حديث النزول على سبيل المثال كان في سياق فضل الثلث الأخير من الليل فننشغل بذلك بعيدا عن نسبة المحال إلى الله وهو النزول الحسي من علو إلى سفل نسأل اللهه السلامة، والمذهب الثاني هو رد المتشابه إلى امهاته من المحكم وفهمه في اطار المحكم، والمذهبان معتمدان عند السلف وعند الاشاعرة والماتريدية،
[المفتاح الثاني]: التعريف بالأشاعرة: (الأشاعرة): هم المتخصصون في العقيدة، أوسع مذاهب أهل السنّة والجماعة في العقيدة، ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله (270 ه إلى 330 ه)، وحفيد الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو الذي أظهر الله تعالى على يديه عقائد أهل السنّة، نصر الحديث، وكسر هجمة المعتزلة والمجسمة على الدين، وهو يعد عند جمهور أهل التخصص في العقيدة المجدد الثالث للدين بعد عمر بن عبد العزيز الذي حفظ الله تعالى به السنّة ثاني مصادر الدين عند المسلمين، فامر بتدوينها، والشافعي الذي نصر الله تعالى به السنّة وربط الفقه بالسنّة وملأ علمه طباق الأرض، والثالث الأشعري الذي نصر الله تعالى به عقائد أهل السنّة فأظهرها وأصلها ونافح عنها ضد جميع أهل البدع، والأشاعرة: هم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، ويضيق بعده القرطاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، وفي فضل الأشاعرة قال الحافظ ابن عساكر: (وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويَطَّرِحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شُبَهَ الجبرية،،، فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح) اهـ،([17]) .
[المفتاح الثالث]: الأشاعرة مدرسة أصولية متكاملة: فمن فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، في باب الإيمان والكفر، وباب التقديس والتنزيه والتوحيد، وباب السنّة والبدعة، وضبطوا أصول علم الإلهيات والنبوات والسمعيات، بما لا مزيد عليه، توسطاً واعتدالاً و، وصحة وبياناً، وكان منهاج هؤلاء يقوم على محاور: أهمها: الأول: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، وقائمة أسمائهم طويلة، وقد عقد الحافظ ابن عساكر في كتابه: « تبيين كذب المفتري » باباً أسماه ” باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه إذا كان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدي به ” وقد قسّم المقتفين أثره على خمس طبقات ذكر فيهم العديد من العلماء، وبعد الحافظ ابن عساكر ظهر العديد من علماء الأصول المنتمين إلى المذهب الأشعري، ومن أبرز هؤلاء الأئمة – على مر عصور الإسلام -: أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، و أبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت ٤٢٩ هـ)، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وحجة الإسلام الإمام الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)، وأبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (ت ٦٣١ هـ)، والقاضي عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي (ت ٧٥٦ هـ)، ومسعود بن عمر بن عبد الله المعروف بسعد الدين التفتازاني (ت ٧٩١ هـ)، والسيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف شارح « المواقف » (ت ٨١٦ هـ)، وعلاء الدين علي بن محمد السمرقندي المعروف بالقوشجي (ت ٨٧٩ هـ)، والإمام أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي (ت 895 هـ)، صاحب الرسائل المهمة في العقيدة، العقيدة الكبرى، مع شرحها، والعقيدة الوسطى، وشرحها والعقيدة الصغرى (أم البراهين)، وشرحها، وعقيدة صغرى الصّغرى، والإمام إبراهيم اللقاني المالكي (ت 1041 ه)، مؤلف متن جوهرة التوحيد، أحد أهم متون علم العقيدة والكلام عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة، والإمام شيخ الأزهر الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الشافعي الباجوري (ت 1276 هـ) أحد أبرز شّراح جوهرة التوحيد، فهؤلاء هم من أبرز أئمّة الأشاعرة الذين كان لهم دور بارز في إظهار عقائد أهل السنّة والجماعة على مذهب الأشاعرة.
[المفتاح الرابع]: الماتريدية: صنو السادة الأشاعرة وكلاهما يمثلان لأهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وهما كما قيل لأهل السنّة والجماعة بمثابة الجناحان للطائر لا غنى للطائر عن أحدهما، وعلماء المذهبين نجوم تتلألأ في سماء عقيدة التقديس والتنزيه، وتعتمد أسس الماتريدية على المذهب الحنفي في العقائد والفقه و الكلام حيث تلقَّى مؤسس المدرسة ناصر السنّة وقامع البدعة الإمام أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي السمرقندي العلم والحديث على يد نصير بن يحيى البلخي وابي نصر أحمد بن العياضي ومحمد بن مقاتل الرازي وجميعهم من كبار علماء المذهب الحنفي، وكان لأنصار أبي منصور الماتريدي الدور المهم في انضاج المذهب ونصرته ونشره وإشاعته، فقد كافحوا المعتزلة والمجسمة والحشوية وكان على رأسهم في تحمل تلك المسؤولية الجسيمة كبار علمائهم ومفكريهم أمثال: أبي اليسر محمد بن محمد البزدوي وأبي المعين محمد بن محمد النسفي ونجم الدين عمر بن محمد الحنفي النسفي وغيرهم من العلماء، قال أبو زهرة: «إنّ منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أيّ شطط أو إسراف، والماتريديّة في خطّ بين المعتزلة والأشاعرة،،،) وقال الشّيخ محمّد زاهد الكوثري: «الماتريديّة هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة،،، فالأشعريّ والماتريدي هما إماما أهل السنّة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، لهم كتب لا تحصى، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف هو من قبيل اللّفظي، أو مما يحتمل المعنيين الصحيحين من العقيدة على منوال موقف الصحابة من حديث (لا يصلين احدكم العصر إلا في بني قريظة)، فصلى بعضهم بالطريق حرصا على الوقت وصلى الآخرون عند أسوار بني قريظة اتباعا للامر النبوي وقد فات وقت العصر ولم يخطئ النبي صلى الله عليه وسلم أي من الفريقين، لانّ كليهما صواب.
[المفتاح الخامس]: فضل الأشاعرة والماتريدية في صيانة عقائد أهل السنّة: الأشاعرة والماتريدية: هم المتخصصون في العقيدة على مذهب أهل السنّة والجماعة، وهم الذين وقفوا في وجه المعتزلة، فزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمام أبو الحسن الأشعري لم يؤسس في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، يخالف مذهب سلف هذه الأمة، وإنما هداه الله تعالى لتأصيل قواعد مذهب أهل السنة في العقائد بعد أن أمضى أربعين سنة من حياته على مذاهب الاعتزال، عرف من خلالها حقيقة مذهبهم، وتمرس بفنونهم وأساليبهم في الجدال، والنقاش، والنظر، مما مكّنه من الرد عليهم، وإبطال شبههم، فوجد فيه أهل السنة ضالتهم التي طالما بحثوا عنها فاتبعوه، وساروا على نهجه، لما رأوا فيه من القدرة على إفحام خصومهم، والدفاع عنهم، وتثبيت مذاهبهم، كما أن عظماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة، كالباقلاني، والقشيري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأبي محمد الجويني، وولده أبي المعالي الجويني إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وفخر الدين الرازي، وابن عساكر، والعز بن عبد السلام، وأبناء الأثير، والرافعي، والنووي، والسبكي وابن السبكي، والمزي، والعراقي، وابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي-، والسيوطي، والأنصاري، وما لا يحصيه العد مما تنقطع بذكره الأنفاس، فهؤلاء هم الذين حفظ الله تعالى بهم دينه إلى يومنا هذا، ومن تجاهل هذه الحقيقة فقد خاصم التاريخ وتعامى عن الواقع المرئيِّ لكل ذي عينين، والأشاعرة لم يبتدعوا مذهباً، وإنما كانوا مقررين لمذهب السلف، مناضلين عن عقائد الإسلام، وقد كان منهجهم عدلاً وسطاً في كافة مباحث الدين لم يحدثوا في دين الله حَدَثاً، ولم يأتوا فيه ببدعة، بل أخذوا أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصروها أتم نصر بزيادة شرح وأحسن برهان، وفي فضل الأشاعرة قال الحافظ ابن عساكر: (وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويَطَّرِحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شُبَهَ الجبرية،،، فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح) اهـ، ([18]) .
وقال الإمام المرتضى الزبيدي: ” وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ‘،،، وناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين) اهـ،([19]) .
[المفتاح السادس]: على مذهب الأشاعرة والماتريدية العقائدي غالب علماء أمة الإسلام: فأكابر مفسري الأمة من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام العلامة القرطبي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير الجامع لأحكام القرآن، والإمام الحافظ المفسر أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله تعالى، صاحب التفسير العظيم والبداية والنهاية وغيرها،، والإمام المفسر الكبير قدوة المفسرين ابن عطية الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب تفسير المحرر الوجيز، والإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى صاحب البحر المحيط والإمام المقدم فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى صاحب تفسير مفاتيح الغيب، والإمام المفسر الحافظ البغوي محي السنة رحمه الله تعالى صاحب كتاب شرح السنة، والإمام المفسر أبو الليث السمرقندي رحمه الله تعالى، صاحب تفسير بحر العلوم، والإمام المفسر الواحدي أبو الحسن على النيسابوري أستاذ عصره في النحو والتفسير، له كتاب أسباب النزول، وهو من أشهر الكتب في بابه، والإمام المفسر شهاب الدين الآلوسي رحمه الله تعالى، خاتمة المفسريـن ونخبة المحدثيـن، والإمام الحافظ المفسر جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والإمام الخطيب الشربينى رحمه الله تعالى صاحب تفسير السراج المنير، وغير هؤلاء ممن لو أطلنا النفس بذكرهم لخرجنا عن المقصود، كلهم كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر محدثي الأمة وحفاظها من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى إمام وقته، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى، صاحب حلية الأولياء، والحافظ أبو ذر الهروي عبد بن أحمد رحمه الله تعالى، والحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، والحافظ الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى صاحب المستدرك على الصحيحين، وإمام أهل الحديث في عصره، والحافظ ابن حبان البستي رحمه الله تعالى صاحب الصحيح وكتاب الثقات وغيرها، والحافظ أبو سعد ابن السمعاني رحمه الله تعالى، صاحب كتاب الأنساب، والإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى صاحب التصانيف التي طار صيتها في الدنيا والمؤلفات المرضية عند المؤيدين والمخالفين، والإمام الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى صاحب كتاب تاريخ مدينة دمشق، والإمام الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النووي محي الدين رحمه الله تعالى، صاحب المؤلفات النافعة التي كتب الله لها القبول في الأرض وبين الناس، مثل كتاب رياض الصالحين والأذكار وشرح صحيح مسلم وغيرها، والإمام المحقق بقية الحفاظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائي الذي لم يخلف بعده في الحديث مثله، ولم يكن في عصره من يدانيه في علم الحديث، والإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ ابن أبي جمرة الأندلسي مسند أهل المغرب رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ الكرماني شمس الدين محمد بن يوسف رحمه الله ورضي عنه، صاحب الشرح المشهور على صحيح البخاري، والإمام الحافظ المنذري رحمه الله تعالى صاحب الترغيب والترهيب، والإمام الحافظ الأبي رحمه الله تعالى شارح صحيح مسلم، والإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى صاحب فتح الباري، والإمام الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى، والإمام الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح الصحيح، والإمام الحافظ المناوي رحمه الله تعالى، وغيرهم وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظ الأمة، كانوا من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وأكابر فقهاء الأمة من الأشاعرة والماتريدية، قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: ” وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه – يعني مذهب الأشعري – وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه،،، وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه أو راضٍ بحميد سعيه في دين الله أو مثنٍ بكثرة العلم عليه ” اهـ،([20]) .
وقال الإمام ابن السبكي رحمه الله تعالى: ” وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام أن عقيدته – يعني الأشعري – اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري” اهـ،([21]) .
كما أن أكثر كتّاب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من الأشاعرة والماتريدية، منهم على سبيل المثال: الإمام البيهقي رحمه الله تعالى صاحب دلائل النبوة، والإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى صاحب دلائل النبوة أيضاً، والقاضي عياض رحمه الله تعالى صاحب الشفا في شمائل وأحوال المصطفى، والإمام الحلبي رحمه الله تعالى صاحب السيرة الحلبية المسماة بإنسان العيون، والإمام السهيلي رحمه الله تعالى صاحب الروض الأنف، والإمام القسطلاني رحمه الله تعالى صاحب المواهب اللدنية، والإمام الصالحي الدمشقي رحمه الله تعالى صاحب سبل الهدى والرشاد، والإمام المؤرخ المقريزي رحمه الله تعالى صاحب كتاب إمتاع الأسماع، والصروح الشامخة والمراكز العلمية التي كانت تنشر علوم الإسلام في بلاد المسلمين كانت تدرس المذهبين الأشعري والماتريدي، مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس، والجامع الأموي في دمشق، وندوة العلماء في الهند، وغيرها من منارات العلوم المبثوثة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كلها كانت تتبنى إما مذهب الأشاعرة أو الماتريدية.
[المفتاح السابع]: هناك حقيقة تاريخية وعلمية لا يمكن لمنصف بحال إغفالها أو إنكارها ألا وهي أنّ غالب علماء الأمة على مر العصور وفي شتى علوم الإسلام التفسير والحديث والفقه والتزكية والأصول، غالبهم ينتسب في الأصول إما إلى عقيدة الأشاعرة أو الماتريدية، فأكثر المالكية والشافعية والأحناف، بل وكثير من فضلاء الحنابلة إما على مذهب الأشاعرة أو الماتريدية في الأصول ولو نظرنا إلى تراجم وطبقات علماء هذه المدارس العلمية لوجدنا أنها تحوي آلاف العلماء المجتهدين وغالبهم كما ذكرنا ينتسب في الأصول إلى هؤلاء وابن الجوزي الذي لا يوجد في الحنابلة مثله في سعة العلم وتبحره فيه هو عند التحقيق يوافق الأشاعرة في الأصول وكان يعيب على أمثال أبي يعلى الفراء وابن حامد وابن الزاغونى وغيرهم مخالفة هؤلاء في الأصول، وكذلك فأكثر علماء التفسير ينتسب إلى هؤلاء في الأصول، بل ما خلا كتاب تفسير من كتب التفسير المعروفة المعتبرة من انتساب لهم أو اقتداء بمناهجهم في الأصول وانظر إلى تفسير البغوي (معالم التنـزيل) وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى {الرحمن الرحيم} وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم} وما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {إن الله لا يستحي} وانظر إلى تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز) وابن عطية ينتسب في الأصول إلى الأشاعرة ويوضح عند كل آية مناهجهم في التنـزيه ويُبين أقوالهم في الأصول لاسيما المخالفة للمعتزلة والمجسمة المشبهة، وانظر إلى تفسير ابن الجوزى (زاد المسير) في تفسيره لصفات الحياء والوجه والمجيء والإتيان واليد والفوقية والعين وغير ذلك مما يدلنا على أنّ إمام عصره في العلم كان ينتسب إلى المتكلمين في الأصول، وانظر إلى تفسير القرطبي الذي وُضع له القبول في الأرض وبين أهل العلم وهو من رؤساء المذهب المؤصلين لقواعده اعتماداً على ما قرره علماء الأصول الأشاعرة كالجوينى إمام عصره والغزالي إمام عصره والرازي إمام عصره في زمانه،وانظر إلى تفسير النسفي وهو من أئمة المتكلمين والمنتسبين إليهم في الأصول،وانظر إلى تفسير البيضاوي وهو إمام عصره وعالم دهره وهو أشعري في الأصول ولاشك، وانظر إلى تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنـزيل) وانتسابه إلى الأشاعرة في الأصول لا يماري فيه أحد،وانظر إلى تفسير أبو حبان (البحر المحيط) وانتسابه إلى الأشاعرة في الأصول معلوم لكل أحد، وانظر إلى تفسير الثعالبى (الجواهر الحسان) وانتسابه إلى الإشاعرة في الأصول معروف،وانظر إلى تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي ت 864 هـ وجلال الدين السيوطي الحافظ ت 911 هـ) وكلاهما من الأشاعرة في الأصول، وانظر إلى تفسير أبي السعود (إشارة العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) وهو أشعري في الأصول ولاشك في ذلك،وانظر إلى تفسير الألوسي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم) وقد قرر في غالب تفسيره مذهب الأشاعرة، بل لو نظرت إلى تفسير الطبري الذي هو أقدم التفاسير الموجودة وصاحبه ابن جرير متقدم على الأشاعرة في الزمان والولادة إلاّ أنه أشار إلى الكثير ما أصلوه بعد ذلك من قواعد، مما يدل على أنّها قواعد الكتاب والسنّة في علم العقيدة، أظهرها الله تعالى ونشرها على أيديهم، وانظر إلى ما قاله في تفسير العلّو وتفسير الغضب والحياء تجد أنه ألمح إلى بعض قواعدهم الأصولية التي أصلوها بعده، وكذلك لو نظرنا إلى علم الحديث: لوجدنا أنّ أكثر المحدثين ينتسبون إليهم في الأصول فهذا البيهقي شيخ المحدثين في زمانه صاحب السنن الكبرى الذي قال فيه ابن الصلاح لا نعلم مثله في بابه وقال عنه السبكى ما صنف في علم الحديث مثله، وهو من أئمة الأشاعرة في الأصول ويعلم ذلك من اطلع أدنى مطالعه لكتابه الاعتقاد أو كتابه الأسماء والصفات، وهو تلميذ أبي عبد الله الحاكم والحليمى وهم من أئمة الأشاعرة في الأصول كذلك، وكذلك الإمام الخطابى صاحب كتاب معالم السنن والذي نقل عنه غالب شراح الحديث بعده هو من أئمة الأشاعرة في الأصول، وهو الذي قال فيه الإمام النووي الإمام المجمع على إمامته وتفننه في العلوم وإتقانه وإطلاعه وتحرّيه وإنصافه وقال عنه الحافظ الذهبي كان علامة محقق ثقة ثبت من أوعى العلم، وكذلك منهم إمام الدُنيا في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني ومن اطلع على كتابـه الموسوعـة (فتح الباري) علم قدر هذا الرجل وانتسابه في الأصول إلى مناهج الأشاعرة وهو إمام زمانه في الحديث غيره من فنون العلم، وكذلك منهم الحافظ السيوطي الذي ما ألف في الإسلام مثله وما كتب أحد من العلماء مثل ما كتب ومن نظر إلى مؤلفاته في التفسير وعلوم القرآن وغيرها لعلم انتسابه في الأصول إلى الأشاعرة، هذا بالإضافة إلى كون ابن دقيق العيد والعراقى وابن سيد الناس والكرمانى شارح صحيح البخاري والعسقلاني شارح صحيح البخاري والعيني شارح صحيح البخاري والآبي شارح صحيح مسلم والسنوسي شارح صحيح مسلم بل وغالب شراح الحديث كلهم ينتسب إلى الأشاعرة والماتريدية في الأصول، ولو عرجنا إلى الفقه: لوجدنا كبار فقهاء الإسلام ينتسبون في الأصول إلى الأشاعرة والماتريدية وكما ذكرنا فإن غالب علماء المدارس الفقهية المتخصصة المعتبرة بما فيها من جهابذة العلم والفقه كلها ينتسب إما إلى الأشاعرة أو الماتريدية في الأصول ولا يقل في تراجم أحد هذه المدارس المالكية والشافعية والأحناف وكثير من الحنابلة عن مئات بل ألوف الفقهاء المنتسبة إلى هؤلاء في الأصول، ومن أعلام هؤلاء النووي شيخ الإسلام والمسلمين وعمدة الفقهاء والمحدثين بل وصفوة الأولياء الصالحين، ومنهم الإمام الفذ سلطان العلماء العز بن عبد السلام الذي قال فيه ابن دقيق العيد أحد سلاطين العلماء وقال عنه ابن السبكي شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام سلطان العلماء وإمام عصره بلا مدافع، ومنهم القاضي البيضاوي المفسر ومنهم ابن العربي الفقيه وابن رشد الفقيه وغيرهم من الفقهاء ممن يطول بذكرهم المجال، وكذلك لو نظرنا إلى كثير من علماء الأمة كابن حزم نجده في الأصول أقرب إلى هؤلاء وينصر لأقوالهم بشدة وإن كان لا يعلم في كثير من الأحيان أنها أقوالهم، ولو نظرنا إلى العلماء الذين تحدثوا في البدع وصنفوا فيها المصنفات كالشاطبى وابن شامه وغيرهما وهكذا في كل فروع العلم نجد أكثر العلماء ينتسبون إلى الأشاعرة والماتريدية في الأصول وهكذا منذ ظهور علم الأصول كعلم مستقل مثلما ظهر علم الفقه كعلم مستقل وعلم التزكية كعلم مستقل وأكثر علمائه (أي الأصول) ينتسبون إما إلى الأشعرية أو الماتريدية وهكذا وحتى المعاهد والجامعات الأكاديمية اليوم أكثرها ينتسب إلى هؤلاء في الأصول، وإذا علمنا ذلك علمنا مدى الحرص الواجب عند تقييم اتجاه يأخذ بأكثر من ثلثي علماء الأمة على أقل تقدير لأنهم يمثلون جمهور الأمة وإن أخرجنا هؤلاء من إطار أهل السنّة لم يبق فيها شيء يُذكر على مر عصور الإسلام، وليس الأمر بالعدد كما يعلم العلماء بل هذا مؤشر عظيم في أنّ هؤلاء على أكثر الحق وإن كان ليس هناك اتجاه معصوم من الخطأ بالكلية إذ ليست العصمة لأحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إجماع علماء أهل السنّة الذين لا يجتمعون على خطأ أبداً، وهكذا كلما ذاد العلماء في إطار معين حتى مثلوا جمهوراً فهذا مؤشر إلى أنّ الحق أقرب إلى السواد الأعظم عن غيره، والمقصد من ذلك أنه ينبغي التأني عند تقييم اتجاه عظيم كهذا الاتجاه ولاسيما في علم الأصول الذي تفرغوا له وأصلوا مسائله، كما أنّ الأشاعرة أكملوا مباحث علم العقيدة، فهل أصل قواعد الإيمان والكفر في الأصول وردّ على الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية سواهم ! وهل دحض شبه المعتزلة وقصم ظهورهم سواهم، وهل أصل في مسائل القدر سواهم، وكل علماء أهل السنّة عالة عليهم في هذه المسائل، وهل تكلم في الإلهيات من الجائر والواجب والمستحيل في حق الله تعالى غيرهم، وهل أصل قواعد التنـزيه التي منعت من دخول الأمة في التشبيه والتجسيم سواهم، ومن أراد معرفة مبلغ أهمية وجود هؤلاء كجانب من جوانب حماية الأمة من التشبه والتجسيم، فليقرأ مثل كتاب ابطال التأويلات لابي يعلى ليعلم مدى وقوعه في التجسيم والتشبه ورواية الروايات الموضوعة في هيئة الرحمن وأنه في صورة شاب اسرد أو شيخ أشيخ أو عروس أو غير ذلك من سخافات المجسمة والمشبهة، ثم ليقرأ ردّ ابن الجوزي عليه بما استفاده من أصول الأشاعرة والماتريدية في التنـزيه، إذن الأشاعرة والماتريدية أصلوا في كافة جوانب الاعتقاد في الإلهيات والنبوات والسمعيات، وبمعنى آخر في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر وهم الذين انتصبوا للرد على المعطلة والمشبهة وعلى المعتزلة والحشوية والملاحدة والزنادقة وعلى كافة الفرق الضالة في الباب بل لو نظرت إلى كتب الفرق لوجدت أن كل من ابتدؤا الكتابة فيها هم من الأشاعرة والماتريدية كالأشعري والشهرستاني وعبد القاهر البغدادي والآمدى والنسفي وغيرهم، وعلى ذلك فالأشاعرة والماتريدية مدرستان أصوليتان تناولتا أكثر قواعد الأصول وانتسب إليهما غالب الأصولين كما انتسب إلى المدارس الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية) أكثر فقهاء الفروع فالحذر كل الحذر من التخطئة العامة لهذه المدارس التي أشرف على إخراج قواعدها مئات بل آلاف العقليات الإسلامية التي كانت مضرب المثل في العلم والفقه والفطنة، إنّ الذين أسرفوا على أنفسهم بالوقيعة في الأشاعرة والماتريدية تعجلوا الأمر وظلموهما ولم يضروا إلاّ أنفسهم، فهل وقف على ثغر الإسلام في باب تأصيل العلوم والرد على الفرق الضالة غيرهم، وهل أصل قواعد علم التقديس والتنزيه أحد مثلهم، وشهادة حق لله أنه لولا جهودهم في علم الأصول لكنا فريسة سهلة للمعتزلة وغبرهم من الفرق الضالة ولكن الله تعالى جدد بهم الدين في علم الأصول كما جدد بالفقهاء الدين في علم الحلال والحرام، والإنسان عدو لما يجهل فلا ينبغي التعجل بالوقيعة بهم قبل الإحاطة بجهودهم في حفظ الدين ووالله لو أن من خالفوهم في الدين من علماء المسلمين استوعبوا علومهم لأنصفوا واقروا لهم بالفضل كما أقر لهم ذلك سائر علماء الأمة في شتى فنون العلم.
المبحث الرابع جهود السادة الأشاعرة والماتريدية في بناء صرح العقيدة الإسلامية الصحيحة المتكاملة
[المفتاح الأول]: الأشاعرة والماتريدية هما جناحا أهل السنة في باب العقيدة، وهما مدرستان متخصصتان في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة: في الإلهيات وفي النبوات وفي السمعيات، إنّ من أهم أسباب ظهور الفرق الضالة هو تتبع المتشابهات وعدم ردها إلى أمهاتها من المحكمات، وكانت أصول تلك الفرق الضالة تتمثل في (الخوارج) و(الشيعة) و(المعتزلة) و(الحشوية)، و(المجسمة) و(المرجئة) و (الجهمية) وعندما ظهرت آراء تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على هذه الفرق الضالة، فظهرت مدرستان في العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة هما (الأشاعرة والماتريدية)، وبهما اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، والمذهبان يقدمان طريقة أهل الأثر من تفويض علم المتشابهات إلى الله عند سلامة العقيدة وعدم وجود الآراء الضالة ولكن عند ظهور الضلالات العقدية ووجوب الرد عليها فإنهم يحملون المتشابهات على محكماتها ويردون الفروع إلى أمهاتها فتستقيم العقيدة.
لقد اكرم الله تعالى الامة بالإمامين (أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي) تخصصا في علوم العقيدة وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والحشوية والجهمية والمرجئة وكافة الفرق الضالة والآراء المضلة، وعلماء المذهبين هم الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت، وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو الحشو، وهذه المدارس هي: (المدرسة الأثرية) وعليها فضلاء الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، وهذه المدرسة لا تخوض في المتشابهات وإنما تكل العلم بمعانيها إلى الله، ولكن ابتليت هذه المدرسة بالأدعياء من أهل الحشو والتجسيم والزيغ كالتيمية والوهابية فنازعوا منبرها وشغبوا على صفاء منهاجها فينبغي الحذر من مناهج هؤلاء ومنهم ابن تيمية وأتباعه، ومذهب هؤلاء هو الحشو والتجسيم، مهما أنكروا ذلك، ومذهبهم (تكييف وجود الله) وهذا التكييف مفاده: هو أنّ الله تعالى موجود بذاته فوق العالم، وأن العالم المخلوق تحته، وانه موجود بذاته في مكان وفي جهة من جهات الكون، وأنه بذاته على عرشه حقيقة، وانه ينزل إلى السماء على الحقيقة، وأنه متناه لاسيما من جهة التحت، حيث يحده العرش من تحته، وأنّه يتحرك ويقبل الحوادث وينزل إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقياً بذاته، كما دندن هؤلاء واكثروا حول صفات الوجه واليدين والعينين والقدم والساق بما يُخيل أنّها أجزاء من الذات، وليست صفات منزهة عن الجارحة والجسمية، مع انها متشابهات تعارض الأحدية المطلقة التي تعدل ثلث القرآن، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة التي تمنع من الأبعاض والأجزاء والجوارح، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ومهما خطر بالبال أو توهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال تقدس أن يكون له مثيل او شبيه هو سبحانه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إن آفة هؤلاء الحشوية أنهم لم يدرسوا قواعد التقديس ولم يطلبوا علم العقيدة على يد المتخصصين، فالحذر الحذر أن يسير أحد من المسلمين خلف هؤلاء لانهم ليسوا من ذوي التخصص في العقيدة.
[المفتاح الثاني]: الأشاعرة والماتريدية هم من قرروا عقيدة أهل السنة، وهم الذين وقفوا في وجه الفرق الضالة، وزيفوا أقوالهم، وأبطلوا شبههم، وأعادوا الحق إلى نصابه على طريق سلف هذه الأمة ومنهجهم، والإمامان أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي لم يؤسس أي منهما في الإسلام مذهباً جديداً في العقيدة، وإنما هداهم الله تعالى لالتزام مذهب أهل السنة وتقرير أدلته، هما في العقيدة كالشافعي واحمد ومالك وأبي حنيفة في الفقه، وجد فيهما أهل السنة ضالتهم فاتبعوهما وساروا على نهجهما، إنّ من فضل الله تعالى على أمة الإسلام، أن سخّر للأمة أعلام الأشاعرة والماتريدية علماء العقيدة الذين أنقذ الله تعالى بهم الأمة من التجسيم والحشو والاعتزال، صاغوا المنهج الحق، القائم على الكتاب والسنّة، بما يمثل منهج الإسلام الصافي النقي في علم العقيدة بعيداً عن بدع الخروج والتشيع، وبعيداً عن بدع التجهم والاعتزال وبعيدا عن بدع التجسيم والتشبيه والحشو، وكان تأصيل هؤلاء في كل أبواب العقيدة، توسطاً واعتدالاً وصحة وبياناً.
[المفتاح الثالث]: مناهج الأشاعرة والماتريدية في تقرير أصول الدين: كانوا يجمعون الأدلة العقلية والنقلية في كل باب، ثم يقومون بالتفريق بين المحكم والمتشابه ورد المتشابه إلى امهاته من المحكم، وكان منهاجهم يقوم على محاور: أهمها: دعم جميع أبواب العقيدة الصافية الصحيحة بالأدلة النقلية الصحيحة والبراهين العقلية الصريحة، والمحور الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها أهل البدع على المنهج الحق الوسط العدل التي تميز به الأشاعرة، الثالث: قمع البدع العقائدية وإظهار عوارها وخطئها، وبهم أسكت الله تعالى أهل البدع وأذلهم، من انتقص هؤلاء الاكابر فليراجع نفسه وإلا فهو متهم في عقله او دينه او جهله، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء.
[المفتاح الرابع]: أهم مباحث تجديد العقيدة التي قام بها السادة الأشاعرة والماتريدية: هناك سبعة مباحث تدل على أنهم أهل التخصص في العقيدة على منهاج الحق:
(1) مبحث التقديس (الإيمان بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله): وهم فيه عدل وسط بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه.
(2) مبحث التوفيق بين المعقول والمنقول: وهم فيه عدل وسط بين بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد.
(3) مبحث الرؤية وهم فيه عدل وسط بين نفي المعتزلة والشيعة والإباضية، وبين تشبيه المشبهة والمجسمة والحشوية.
(4) مبحث الإيمان والكفر وهم فيه عدل وسط بين بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو والجهمية والمرجئة من جهة التفريط.
(5) مبحث التباع والابتداع وبيان أصول الفرق الضالة عن منهاج اهل الحق، ولهم السبق في بيان الهدي الإسلامي الرشيد في معاملة الفرق الضالة بغير افراط ولا تفريط.
(6) مبحث توحيد الأفعال والتوفيق بينه وبين الكسب وهم فيه عدل وسط بين بين القدرية والجبرية، (7) مبحث الصحابة والآل والتوسط بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب.
(المبحث الأول): مبحث الإيمان بذات الله تعالى وصفاته: وسط بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه: الأشاعرة وسط في هذا الباب بين المعتزلة والمجسمة، فالمعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على التنزيه والتقديس، دون ما يدل على الإثبات ومحاولة التوفيق بينها لاستخراج قواعد التوحيد والتقديس التي تمثل الإثبات والتقديس، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، والمشبهة والمجسمة على نقيض المعتزلة نظروا في الآيات والأحاديث التي تدل على الإثبات دون أي سابق علم لهم بالتنزيه، وما يجوز وما لا يجوز نسبته إلى الله، فتكلموا في الإثبات بالمحسوس والملموس، وما دروا عن شيء اسمه علم التقديس والتنزيه وعلم توحيد الذات، وكانت النتيجة الانحراف العقدي وتكوين فرقة تخالف المسلمين في عقائدهم وتستحق بمخالفتها الوعيد بالنار، وأكرم الله تعالى الأمة بالأشاعرة والماتريدية استنبطوا قواعد التقديس والتنزيه من الكتاب والسنّة، وحددوا دائرة المتشابه الصحيحة في الباب، ووضحوا ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله، إن مذهب الأشاعرة والماتريدية في المتشابه: يقوم على ضوابط ربانية عظيمة تمنع من الزلل والإفراط والتفريط، وتجعل طريقهم عدلاً وسطا بين المشبهة والمجسمة، وبين الجهمية والمعتزلة، إنها ضوابط العلم الراسخ التي تقوم على: التقديس ثم التصديق ثم الاعتراف بالعجز ثم السكوت ثم الإمساك ثم الكف ثم التسليم، أما التقديس: فهو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتمثيل والتجسيم ولوازمها، وعن النقص والعجز والعيب ولوازمها، وأما التصديق: فهو الإيمان بما قاله الله تعالى، وبما صح من قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء في الكتاب والسنة من المتشابه حق وصدق، إلا أنه على مراد الله تعالى وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الاعتراف بالعجز: فهو الإقرار بأن معرفة مراد المتشابه ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته، وأما السكوت: فهو عدم السؤال عن معناه وعدم الخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من حيث لا يشعر، وأما الإمساك: فإن معناه عدم التصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى، والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة، وأما الكف: فإن معناه أن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه لأنه لا يقدره قدره ولا يعلم محاذير التصرف فيه، وهذا كله حذرا من إتباع المتشابه الذي يؤدي إلى الفتنة كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، ثم لما كان الوقف – في الآية – محتملاً على لفظ الجلالة (الله) أو على قوله تعالى (والراسخون في العلم)، ولا سبيل للجزم بأيهما لأنه اجتهاد، اتسع إطار أهل السنة والجماعة – لحكمة من الله تعالى ورحمة – ليسع الراسخين في العلم الذين يعلمون من قواعد التقديس والتنزيه القائمة على الكتاب والسنة ما يمنع من ولوجهم في الزيغ والزلل، فيحملون الآيات المتشابهات على المعاني المحكمة التي تقبلها قواعد اللغة العربية (لغة القرآن) لصرف العوام عن التشبيه والتمثيل، وللرد على طوائف المبتدعة الذين أوجب الله تعالى على أهل العلم الرد عليهم، دون الجزم بالمراد من المتشابه لأنه لا يعلم حقيقته إلا الله.
(المبحث الثاني) مبحث التوفيق بين المعقول والمنقول: والتوسط في باب التوفيق بين المعقول والمنقول بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، وسطية الأشاعرة في باب التوفيق بين المعقول والمنقول: بين المعتزلة الذين يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية دونما تقيد بأدلة الشرع، وبين الحشوية والظاهرية المحضة التي تلغي أي دور للعقل في معرفة العقائد، أو حتى في تدبر وفهم النصوص المتعارضات، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهيـن العقـول، ويتجنبون إفراط المعتزلة، ويتجنبون تفريط المجسمة المشبهة، فمذهبهم في ذلك أوسط المذاهب، يعرفون ما يجب وما يجوز وما يستحيل نسبته إلى الله تعالى في اطار صريح المعقول، وليس المقصود به عقل الجاهل ولا عقل القاصر، وإنما عقل العالم المتخصص الفاهم الفقيه، ثم يوفقون بينه وبين صحيح الشرع، في توسط حبى الله تعالى به أهل السنّة والجماعة دوناً عن أهل البدع والأهواء من أهل الإفراط والتفريط.
(المبحث الثالث) مبحث الرؤية بين نفي المعتزلة والشيعة والإباضية، وبين تشبيه المشبهة والمجسمة والحشوية: اتفق أهل السنّة والجماعة على رؤية ذات الله تعالى في الآخرة، وأنها رؤية بغير احاطة، وأنها أعظم نعيم أهل الجنّة، وقولهم هو القول الصحيح الذي دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة والعقل الصريح، وقد سبقت الأدلة عليه، ومنها قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة:22، 23]، قال ابن عباس في تفسير الآية: (تنظر إلى وجه ربها)، (ب) وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]، قال الإمام الشافعي: (وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ)، بدليل لّما حجب الرؤية عن أعداءه في حال السخط دل على أن رؤية أولياءه في حال الرضا أمر حاصل إذ لو كان الحجب عن الجميع لما كان الحجب عقوبة للكافرين) أهـ، (ت) وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، و تفسير الزيادة ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرؤية، كما جاء في صحيح مسلم: قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}، أما تنزيهات أهل السنّة المتعلقة بالرؤية:
(أ) رؤيه الله لا تحيط بذات الله، وكيف يحيط المخلوق المحدود برؤية المنزه عن الحدود، وكيف يحيط المخلوق المحدث برؤية الخالق القديم، لا تدركه الأبصار لأنّه منزه عن الحد والمقدار، واسع لا حد ولا نهاية لذاته، أكبر من كل تصور، وأعظم من أن تحيط به رؤية المحدود المخلوق،، كما في قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]
(ب) ورؤية الله تعالى ليست في جهة ولا في مكان لأنّ ذات القدوس تنزه عن المكان، لا تحيط به الجهات والأركان، فهي رؤية منزهة عن الجهة والمكان والحد والمقدار، منزهة عن الوصف.
(ت) ورؤية الله ناشئة عن تجلى الرحمن الذي ليس كمثله شيء، وناشئة عن كشف الحجب عن الأبصار، لأنّ الحجب تحجب رؤيتنا للعلي الجبار، وهي تحجب المخلوق عن رؤية خالقه، فإذا كانت الآخرة تجلى الرحمن للمؤمنين وقد أعطاهم قوة التحمل لرؤية الكريم، كما تجلى للجبل في الدنيا فجعله دكا، نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يتفضل علينا برؤية وجهه الكريم في دار النعيم، فإنها أعلى نعيم أهل الجنّة، قال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، والزيادة هي النظر إلى وجه الكريم،
(المبحث الرابع) مبحث الإيمان والكفر والتوسط بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو والجهمية والمرجئة من جهة التفريط:
(أ) تأصيل الأشاعرة لمسائل الإيمان والكفر هو تأصيل العلماء المحققين، وهو التأصيل اللازم المصير إليه لمن تدبر الكتاب والسنّة وفقه مسائل الإيمان من خلالهما، ومن قواعدهم التي تدل على الفقه في مسائل الإيمان، معرفة أنّ الإيمان قول وعمل، وأنّ الإيمان أصل وفرع وأصل الإيمان قول وعمل وفرع الإيمان قول وعمل، وأنّ أصل الإيمان هو أدنى ما يصح به الإيمان وهو مطلق الإيمان، وهو إيمان أصحاب قبضة الرحمن وأصحاب شفاعة الرحمن التي لا تنبغي إلاّ للرحمن وهي لمن جاء بالتوحيد خاليا عن أعمال الجوارح بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيخرجهم الله تعالى بعد شفاعة الشافعين، وأنّ أصل الإيمان هو أقل ما يعطي لصاحبه اسم الإيمان وحكمه، وليس هو اسم الثناء بالإيمان وإنما هو اسم الإيمان الذي تجرى به أحكام الإسلام، وأنّه ليس بعد أصل الإيمان سوى الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وأنّ أصل الإيمان لا يمنع من دخول النار ولكنه يمنع من الخلود الأبدي فيها خلود الجاحدين المكذبين، وأنّ أصل الإيمان محله القلب ويشمل قول القلب وعمله وله لازم لابد وأن يظهر على جارحة اللسان وهو الإقرار، وأنّ عناصر أصل الإيمان ثلاثة لا غنى عن أحدها: الأول: قول اللسان (الإقرار)، والثاني: قول القلب (المعرفة والعلم والتصديق)، والثالث: عمل القلب (الانقياد والإذعان)، وأنّ أعمال الجوارح كلها خارجة عن أصل الإيمان داخلة في فرعه الواجب والمستحب، وأنّ ضد أصل الإيمان أو أحد عناصره الكفر الأكبر الموجب للخلود الأبدي في النار، وكل كفر كان ضداً للإيمان الفرع فهو كفر في إطار الملة وليس خارجها، وأنّ فرع الإيمان هو ما يسميه العلماء (الإيمان المطلق) أو (الإيمان الكامل)، قسمان: الأول: الكامل الكمال المأمور به وهو الإيمان الواجب، والثاني: الكامل الكمال المندوب إليه وهو الإيمان الكامل المستحب، وأنّ الإيمان الواجب يكون بأداء الفرائض والواجبات والكف عن الكبائر والمحرمات إضافة إلى وجود الأصل، وأنّ الإيمان المنفي في نصوص الشرع (الكتاب والسنّة) المقصود منه نفي الإيمان الواجب وليس نفي أصل الإيمان، وأنّ الإيمان الكامل المستحب يكون إضافة إلى وجود أصل الإيمان وواجبه التحلي بالمندوبات والقربات والتنـزه من المكروهات والشبهات وإحسان أعمال القلوب واللسان والجوارح بمسنون الطاعات.
(ب) وعلماء الأشاعرة رحمهم الله تعالى هم من قام بتأصيل تلك القواعد، فكانوا دليلاً على وسطية أهل السنّة والجماعة في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، فالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة جميعهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً، فأما الخوارج والمعتزلة فأدخلوا فيه عمل الجوارح، ولهذا فالخوارج يعتبرون مرتكب الكبيرة كافراً، والمعتزلة يسلبون منه مسمى الإيمان، فيجعلونه لا مؤمناً ولا كافراً، والجهمية والمرجئة يعتبرونه مؤمناً كامل الإيمان، أما أهل السنّة والجماعة فهم يجعلون الإيمان منه ما نهو أصل ضده الكفر الأكبر المخرج من الملة، ومنه ما هو واجب، وضده الكفر دون كفر والفسوق والعصيان، ومرتكب الكبيرة عندهم مسلم لا يزال في مرتبة الإسلام، وهو عندهم مؤمن فاسق عاص، مؤمن بأصل إيمانه فاسق بكبيرته، فلا يسلبون عنه أصل الإيمان الناقل من الكفر الأكبر إلى الإسلام كما تفعل الخوارج والمعتزلة، ولا يصفونه بالإيمان الكامل كما تفعل الجهمية والمرجئة، والأشاعرة يقولون ويصرحون في كتبهم أنّ أصل الإيمان (حدّه الأدنى) يتناول قول القلب وعمله، وإقرار اللسان شرط في صحة الإيمان أو ركن من أركان الإيمان والخلاف في هذه المسالة صوري فيما يتعلق بأحكام الدُنيا إذ لا يصح الإيمان في الدُنيا إلاّ بالإقرار والآخرة مآلها إلى الحكيم الخبير الذي يعلم السر وأخفي، ثم إنهم يقولون بأنّ أعمال الجوارح داخله في فرع الإيمان ويعتبرونها منه ثم هم يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه وبهذا نجد أنّ الأشاعرة في الباب على الصراط السوي لا يخالفهم فيه إلاّ الخوارج أو المعتزلة أو الجهمية أو المرجئة أو حشوية المحدثين الذين لم يبلغوا الفقه المطلوب للحديث عن علوم الدين عامة ومسائل الإيمان والكفر خاصة، فصاروا لا يفرقون بين مراتب الإيمان ولا الحدّ الأدنى منه والحد الكامل منه، ولا يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق بل الأمر عندهم دون التفصيل الذي بلغه فقهاء الملة ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من أفقه منه كما جاء في الحديث.
(المبحث الخامس): مبحث الاتباع والابتداع وبيان أصول الفرق الضالة عن منهاج اهل الحق، ولهم جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء السبق في بيان الهدي الإسلامي الرشيد في معاملة الفرق الضالة بغير افراط ولا تفريط، وهذا المبحث من أهم مباحث تجديد العقيدة التي قام بها السادة الأشاعرة والماتريدية، فقد تحقق الامر الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ظهور الفرق الضالة واستقلت كل فرقة منها ببدع ضالة مضلة، فكان التجديد في هذا الباب على يد المدرستين المتخصصتين في العقيدة (الأشاعرة والماتريدية) فأول شيء بينا ضوابط البدعة الضالة وعزلوها عن المحدثات الحسنة التي لا تتعلق بالضلال، ثم بينوا بدع الضلال الحقيقية الكبرى التي تتسبب في ظهور الفرق الضالة، ثم بينوا احكام تلك الفرق، وانها البدعة والضلالة في اطار الديانة وليس الكفر الأكبر المخرج عن الإسلام، وبهذا ظهر الباب وعُرفت اصوله، وأصبح سهلا ان نعرف اطار أهل الحق في باب الاتباع والابتداع، ففي مجال توضيح بدع الضلال ذكروا انّ المحدثة حتى توصف بأنها بدعة ضلالة فلابد ان تتحقق فيها تلك الضوابط:
(الاول): أن يكون مجالها في الدين، فالابتداع لا يكون إلا في الدين، وأن الأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع، و (الثاني): أن تكون محدثة بعد زمن التشريع، و(الثالث): أن تكون في الدين يقصد بها القربة إلى الله تعالى، و(الرابع): أن تخالف الشرع، و (الخامس) : أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع تستند إليه فلا تكون بدعة، و (السادس): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحضَّ عليه الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك فكل محدث له دليل مقبول من الكتاب والسنة فلا يكون بدعة بل قد يكون سنة وفعل خير يؤجر عليه، أو يكون مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: (أ) ما أُحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، (ب) وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، (ت) وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم أصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف، وفي المقابل وضعوا القيود الهادية في المسالة فلا تكون المحدثة بدعة حسنة إلا بضوابط وشروط لابد منها، تجعلها مقبولة في ميزان الشرع، مندرجة تحت غطائه، ومن تلك الشروط:
(الشرط الأول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه.
و(الشرط الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين.
و(الشرط الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، إذ أمر البدعة جدُّ خطير، ولابد في كل أمر محدث من نظر فقيه مجتهد عالم بموازين الشريعة، وقواعدها وضوابطها لينظر هل تندرج هذه البدعة في ميزان الشريعة فتكون بدعة حسنة، أو لا تندرج فيها فتكون بدعة ضلالة، ثم بعد ذلك بينوا أصول الفرق الضالة وجعلوها ستة تتفرع عنها كل البدع الضالة، الفربة الأولى: الخوارج وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الثانية الشيعة وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الثالثة: المعتزلة القدرية وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الرابعة: الجهمية الجبرية وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة الخامسة: المرجئة الذين يزعمون انّ إيمانهم كإيمان الملائكة وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، والفرقة السادسة: الحشوية المجسمة وبينوا أصول الضلال في معتقداتها، وذكروا ان من بين تلك الأصول الضالة تنطلق كل فرقة جديدة، وهكذا كان تجديدهم في هذا الباب بأن وضحوا الأصول التي ينطلق منها اهل السنّة والجماعة في تقييم كل بدعة جديدة، وكانت جهودهم رسما لاطار اهل الحق فلا يحيد عنه إلا مخالف.
(تنبيه): كل الفرق الضالة المستجدة التي ظهرت والتي ستظهر حتما ستأخذ من أصول تلك الفرق الضالة، ودليل ذلك: انّ الوهابية على سبيل المثال لما ظهرت مزجت بين أصول الخوارج والمعتزلة والحشوية الضالة وأفرزت فرقة ضالة جديدة هي الوهابية ولكن بأصول قديمة سبقهم إليها أهل الضلال من الخوارج والمعتزلة والحشوية والمجسمة، ولكن مع تركيبة جديدة أخذت من كل فرقة ضالة أصلا ضالا ومزحت بينها مزجا موغلا في الضلال، يقال لكل من اعتقده (وهابي) وهكذا يقاس على ما أصلته المدرستان المتخصصتان في أصول علم الاتباع والابتداع ما يمكن به بيسر ودقة معرفة كل ضلال يمثلا خطرا على اطار أهل السنّة الجماعة فجزاهما الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام وأهله خير الجزاء، ثم بعد ذلك كان الاتقان العلمي في انهم لم يكفروا تلك الفرق الضالة ولم يُخرجوها عن إطار الإسلام بل فرقوا بين اطارين الأول اطار أهل الحق العلمي الصافي: أهل السنّة الجماعة والثاني اطار الإسلام العام، فجعلوا من خرق الإطار الأول ليس بالضرورة ان يخرق الاطار الثاني، فخرق الإطار الأول توصيفه البدعة وخرق الإطار الثاني توصيفه الكفر، فلا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، وأهل الفرق الضالة مسلمون، لهم مسمى الإيمان بما أتوه من أصل الإيمان، فلا يجوز تكفيرهم ولا استحلال حرماتهم، فقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط ضرورية منها: أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها بين علماء أهل السنّة والجماعة كأن ينكر بها معلوما من الدين بالضرورة، وأن تتوفر فيه كافة شروط التكفير وتنتفي كافة موانعه، وأن تقوم عليه الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء، والخلاصة: أنّ هذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام.
(المبحث السادس) مبحث الكسب والتوسط بين القدرية والجبرية:
(أ) ورد الكسب في القرآن الكريم في أكثر من ستين آية، جميعها يشير إلى كسب الإنسان، وأنّه مسؤول عن كسبه، منها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفي كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51]
(ب) مدى مسؤولية الإنسان على أفعاله وأعماله: الإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، وهذا الاختيار هو ما عبروا عنه بالكسب.
(ت) الكسب هو الاختيار والقصد والميل نحو الفعل: وهذه هي حدود قدرة الإنسان، أما الفعل في حد ذاته فهو مخلوق لله تعالى، وبمقتضى هذا الأصل فإن جميع أفعال الإنسان التي سيحاسب عليها إنما هي مخلوقة من الله مكسوبة من العبد، للعبد فيها الاختيار فإن شاء الله كانت لأنها خلقه، وإن لم يشأ لم تكن، لأنّ للإنسان أن يختار، ولكنّه لا يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، و(القدر) سر الله تبارك وتعالى، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، فمن هداه الله للطاعة فلا يشكر ولا يحمد إلا الله تعالى الذي وفقه لسلوك درب الطاعة، ومن كان على المعصية فليس له إلا أن يستعين بالله تعالى أن يخرجه منها إلى طريق الهداية والصلاح، ومن تنكب الطريق فلا يلومن إلا نفسه، فإنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
(ث) هذا هو الكسب وتلك هي حدوده، وحاصله أنّ الإنسان له حرية الاختيار في أشياء يحاسب عليها، فإن حصل له الاختيار والعزم كان ذلك كسبه، وحاسبه الله تعالى على ما كسبت نفسه، ولكن لا يكون في ملك الله إلا خلق الله، وهنا تتدخل مشيئة الله في خلق عمله أو عدم خلقه، وحاصل مذهب أهل السنة، هو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجَبرية، وليس خالق لها كما تقول المعتزلة، وإذا علمت هذا فلا تلتفت إلى قول ابن تيمية وهو ينقل كلام أحد أهل الحشو: وفيه: وأنشدوا في ذلك: ممـا يقـال ولا حقـيقة تحـته،، معـقولة تدنـو إلى الأفـهام، الكسب عند الأشعري والحال عنــد البهشـمي وطـفرة النظام) كرره في أكثر مؤلفاته وانظر منهاج السنة له([22]) .
فساوى بين امام الهدى الأشعري وبين البهشمي والنظام من أئمة الضلال والاعتزال، ولم يدر أن الكسب هو التوسط العدل الوسط الملائم لعقيدة التوحيد ونصوص القرآن التي تؤكد انفراده سبحانه بالخلق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، فلو قلنا بمشاركة الإنسان لله تعالى في خلق الفعل لانتهى بنا الأمر إلى إثبات خالق مع الله تعالى ضدا على أصل التوحيد، وهو قول القدرية المعتزلة، ولو قلنا بانتفاء الاختيار والكسب لانتهى بنا الأمر إلى الجبر وهو قول الجهمية الجبرية، وما زاد على ذلك فهو تكلف، ومن أجمل ما يحضرني في هذا المقام، قول الطحاوي لمن أرد المزيد: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}) أهـ ([23]) .
(المبحث السابع) الموقف من الصحابة والآل، وأقول وبالله التوفيق: أهل السنّة والجماعة بمدارسهم الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) عدل وسط في هذا المبحث بين كافة فرق الضلال المنتسبة إلى الإسلام كالخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب: توسطوا في باب الإمام علي رضي الله تعالى عنه: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، فالنواصب قالوا: بفسق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخوارج قالوا: بكفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والشيعة قالوا: بأنه معصوم كعصمة الأنبياء وأنه أفضل من كل الأنبياء إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأشاعرة: قالوا بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خليفة راشد وإمام عادل، ولكنه ليس معصوما كعصمة الأنبياء، وقالوا أنه يهلك فيه فريقان أحدهما يقصر عن فضله حتى يكفره، والثاني يغالى فيه حتى يرفعه فوق منزلته حتى يكفّر من أجله أبا بكر وعمر وعثمان وعامة الصحابة رضي الله عنهم، وتوسطوا في باب الصحابة رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الخوارج والمعتزلة والشيعة والنواصب، (الشيعة) الذين يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفر يسير معدودين، ويقولون انهم علي رضي الله عنه وأصحابه الذين والوه، و (الخوارج) يكفرون علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون من والاه، أما الأشاعرة أهل السنة والجماعة، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا ولا يكفرون أحد منهم، وإنما يؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، ويقولون كما جاء في القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، وتوسطوا في باب آل البيت رضي الله تعالى عنهم: بين طوائف الشيعة والنواصب، فالشيعة يصلون ببعض آل البيت إلى درجه العصمة، وببعض آل البيت إلى الفاحشة والنفاق والفجور كأمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات المطهرات، والنواصب يبغضون آل البيت ويكرهونهم، أما الأشاعرة أهل السنّة والجماعة فهم يحبون آل البيت جميعا، ويوالونهم جميعا، ولا يرضون لما نالهم من الأذى، ولا يؤذونهم، بل يحبونهم المحبة الشرعية التي جعلها الله تبارك وتعالى لسائر المؤمنين وزيادة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
و (الحاصل): الأشاعرة والماتريدية علماء متخصصون في العقيدة على منهاج الفرقة الناجية (أهل السنّة والجماعة) ويمثلون الامتداد الصحيح للسلف الصالح في كل أبواب العقيدة، جزاهم الله عن عقيدة المسلمين خير الجزاء لولاهم لمال البعض إلى الحشو والتجسيم ولمال الآخرون إلى الاعتزال والتعطيل ولولاهم لما استطاع المسلمون إقامة الحجج البينات على الشيعة والخوارج والمجسمة والحشوية والمشبهة ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإسلام التي تمنع من استحلال الحرمات، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد الإيمان التي تمنع من تكفير أهل القبلة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التوحيد الصحيحة التي تحمي الامة من بدعة الغلو في اتهام الأمة بالشرك، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد علم السنة والبدعة التي تمنع من الغلو في التبديع، ولولاهم لما عرف المسلمون الأسس السديدة التي تتعلق بإطار الفرقة الناجية وبيان ضرورة احترام مدارسها العلمية المتخصصة، وبيان نظرتها إلى الطوائف المخالفة، ولولاهم لما عرف المسلمون قواعد التقديس التي تمنع من بدع الحشو والتجسيم، فجزاهم الله عن علم العقيدة خير الجزاء.
([1]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641.
([2]) صحيح البخاري 5/2 ح 3650.
([3]) صحيح مسلم 4/1965 ح 2536.
([4]) المقاصد الحسنة ص 717 ح رقم 1288.
([5]) إتحاف السادة المتقين 2: 6.
([7]) لوامع الأنوار البهية 1 / 73.
([9]) دفع شبه التشبيه لابن الجوزي 30-33.
([10]) الأسماء والصفات للبيهقي2/23.
([12]) تبديد الظلام المخيم 206
([17]) تبيين كذب المفتري، ص 397.
([18]) تبيين كذب المفتري، ص 397.
([19]) إتحاف السادة المتقين 2: 7.
([20]) تبيين كذب المفتري ص/ 410.
([23]) العقيدة الطحاوية ص 249.