المبحث الثاني والعشرون الصوفية وعلم السنة والبدعة
أهل التصوف هم على أعلى الهرم العلمي الإسلامي لأنهم القائمون على تحقيق أعلى مراتب الدين (مرتبة الإحسان) ولذا كان علمهم هو الزلال المصفى، ومن ذلك قواعدهم في هذا العلم الشائك علم السنة والبدعة، فهم أضبط الناس فهما لمعاني هذا العلم، وهم أبعد الناس عن الخل في هذا العلم إفراطا او تفريطا، ومن مفاتيح أهل التصوف التي تضبط هذا العلم:
[المفتاح الأول]: اكتمال الدين لا يعني أن نصوص الكتاب والسنة أحاطت بكل جزئيات الدين، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، الآية الكريمة لا يُفهم منها أن نصوص الكتاب والسنة قد أحاطت بكل الجزئيات، وإنما أحاطت بالأصول، إنّ نصوص الكتاب والسنة أحاطت بأصول المسائل وطرق الاستنباط بل وكثير من الجزئيات ولذلك اعتمد الفقهاء (القياس) كأصل رابع للاجتهاد بعد الكتاب والسنة والإجماع، واجتهدوا على أن يستنبطوا من نصوص الكتاب والسنة ما يحقق مقاصدهما، ومما يؤكد ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم عن رب العزة سبحانه: (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان)، ([1]) .
إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين، وهذا يدل على صواب من استدل بالآية على تبديع وتضليل كل محدثة في الدين ليس لها أصل في دين الله، ويدل على خطـأ من استدل بالآية على تبديع كل محدثة في الدين ولو كانت مستمدة من أصول الدين وقواعده لأنه باتفاق علماء أهل السنة أن من شروط البدعة أن لا يكون لها أصل من كتاب الله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو رد) ([2]) .
ومعنى الحديث: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فهو مردود عليه، ومما يستفاد من الحديث الشريف معرفة شرطين للبدعة:
الأول: أن ينسب إلى الدين، والثاني: أن لا يكون له أصل من دين الله يشهد له الحديث، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من أحدث في أمرِنا هذا) دل على الشرط الأول للبدعة وهو الإضافة إلى الدين، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما ليس منه) دل على الشرط الثاني للبدعة ألا وهو أن لا يكون لها أصل من الدين تنتسب إليه، ونستفيد كونها بدعة ضلالة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (فهو رد)، قال ابن رجب: هذا الحديث يدل منطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود([3]) .
وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، إذن معنى الآية الصحيح أن الله تعالى أكمل لنا قواعد الدين وأصوله ومبادئه، وترك لفقهاء الإمة المجتهدين أن يستنبطوا منها الحكم الشرعي الذي يلائم كل محدثة تجد على حياة المسلمين([4]) .
[المفتاح الثاني]: قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد: 27)، هذه الآية دليل على وجود البدعة الحسنة، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، وأن الله تعالى قد تقبل منهم هذه البدعة وألزمهم به، وإنما عاب على أولئك الذين جاءوا من بعدهم فلم يراعوها حق رعايتها، ومن دقق في سياق الآية علم يقينا أن النصارى ابتدعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، وأن الله لم يكتبها عليهم ابتداء، ولكن لما ألزموا أنفسهم بها تقبلها الله من الذين راعوها حق رعايتها وآتاهم اجرهم، وعاتب الذين أهملوا في حقها وكانوا من الفاسقين، قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، إذن لمن تدبر برحابة صدر يجد أنّ القرآن الكريم أثبت جواز ابتداع ما فيه خير وزيادة قربى إلى الله، وهذا ما فهمه الصحابي الجليل أبو امامة، فقد أخرج الطبراني في الاوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض قيامه وإنما قيامه شيء أحدثتموه فدوموا عليه فإن أناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا فعابهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها})،([5]) .
[المفتاح الثالث]: فقه الأحاديث الواردة في ذم البدعة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة) ([6]) .
هذا الحديث العظيم يستدل به البعض على ضلال كل محدثة في الدين وعلى أنه لا توجد بدعة في الدين تكون حسنة، ووجه الدلالة فيه: أن لفظ (كل) في الحديث يفيد العموم فكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ولكن هل من الممكن أن تأتي (كل) على معنى الغالب والأكثر وليس جميع مفردات البدع والمحدثات، وبالتالي يكون التحذير من بدع الضلالة التي تمثل غالب المحدثات والكثرة الكاثرة منها، ولا يمنع ذلك من وجود محدثات لها أصل من الشرع وتدل على خير لا خلاف لأحد فيه، فإنّ الذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يدرك أن كلمة (كل) قد تأتي والمراد بها التعميم الشامل فيما دخلت عليه، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقد تأتي (كل) والمراد بها تعميم هو دون التعميم الشامل لكل ما يصدق عليه اللفظ، ومن ذلك قوله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}، أي تدمر كل شيء أرسلت بهلاكه، لأنها لم تدمر هوداً عليه السلام ومن كان آمن به، ولم تدمر مساكنهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}، (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيء) أي من الأمور التي يحتاج إليها الملك في تدبير أمور المملكة، ومن ذلك قوله تعالى: {يأخذ كل سفينة عصبا}، والمعنى كل سفينة سليمة عصبا بدليل أنه لم يأخذ سفينة الخضر، ومن ذلك قوله تعالى عن ملكة سبأ: {وأوتيت من كل شيء}، ولم تؤت ملك السموات ولا الأرض، وإنما المعنى وأوتيت من كل شيء يحتاج إليه اهل الملك، من ذلك قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}، واسم الموصول من حيث العموم، ولكن مما لا شك فيه أن عيسى عليه السلام وأمه والملائكة عُبِدوا من دون الله لكنهم غير مقصودين في: فتبين أنه من العام الذي أريد به الخصوص، ومنه أيضا قوله تعالى {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم}، فالمراد بالناس في الأول المخبرين وهم لاشك عدد محدود وفي الثاني أبو سفيان وجماعته من مشركي مكة الذين قاتلوا المسلمين في أحد، ومنه أيضا قوله تعالى {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء}، وأبواب الرحمة لم تفتح عليهم، ومنه قوله تعالى {وشاورهم في الأمر}، ومن المعلوم أنه لا يشاورهم في التشريع والأحكام قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه: (وشاورهم في الأمر) أي في بعض الأمر، ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ([7]) .
وهو من حيث العموم وقطعا ليس على عمومه فمن صلى في هذين الوقتين وترك بقية الصلوات لا يدخل في عموم هذا الحديث فهو من العام الذي أريد به الخصوص أو من العام المخصوص بالنصوص، وعلى هذا يمكن أن نفهم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) هو الغالب أو العام المخصوص، والمعنى أن كل محدثة مما لا يندرج تحت نص من نصوص الكتاب أو السنة ولا يتفق مع مقاصدهما فهو بدعة مذمومة شرعاً، وكل بدعة بهذا المعنى فهي ضلالة، فإن قال قائل: لم لا نحمل هذا اللفظ الوارد في الحديث الشريف على العموم؟ ! فالجواب: أنه إذا حملناه على العموم الشامل بإطلاق فإن هذا يؤدي إلى مخالفة ما كان عليه الهدي النبوي، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ… وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ،، الحديث) ([8]) .
وقال النووي في شرح الحديث: (وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة) أهــ،([9]) . وما فعله النووي هو الفقه في دين الله حتى لا تتعارض النصوص ويضرب بعضها بعضا، والقاعدة الأصولية تنص على أن الجمع بين الادلة مقدم على الترجيح بينها، كما قال النووي عند ذكره لحديث: (كل بدعة ضلالة)، قال: (هذا عام مخصوص والمراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المراد بالبدع، وقال الحافظ ابن رجب في شرحه للحديث: المراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة،([10]) . وقال الحافظ ابن حجر: المراد بقوله (كل بدعة ضلالة) ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام، فليس هذا الحديث إذا كلية تقتضي شمول الضلالة لكل محدث بل هو من قبيل العام المخصوص أو العام الذي أريد به الخصوص([11]) .
[المفتاح الرابع]: من الأحاديث الدالة على إمكانية وجود البدعة الحسنة:
(1) ما أخرجه مسلم في صحيحه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) ([12]) .
قال النووي: في شرح الحديث: ” وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة ” أهـ،([13]) .
وقال أيضا: ” قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة) الحديث وفي الحديث الآخر (من دعا إلى الهدى ومن دعا إلى الضلالة)، هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الأمور الحسنة، وتحريم سن الأمور السيئة، وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقا إليه،([14]) .
(2) وأخرج البخاري في صحيحه ومالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعم البدعة هذه) ([15]) .
فهذا نص صحيح عن عمر، بوجود بدعة محمودة شرعا، تقابل البدعة المذمومة شرعا، قال بن حجر في شرح الحديث: [والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كان مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة] ([16]) .
(3) وأخرج البخاري في صحيحه: عن رِفاعة بن رافع قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: ” سمع الله لمن حمده”، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيراً طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: ” من المتكلم” قال: أنا، قال: ” رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”)([17]) . قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: ” واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور” اهـ ([18]) .
[المفتاح الخامس]: قواعد ذهبية في التفريق بين البدعة الحسنة وبدعة الضلالة: لضبط باب السنة والبدعة لا مانع من وضع ضوابط شرعية تضبط الباب، وتفرق بين المحدثة التي هي سنة حسنة (بدعة حسنة) من سنها كان له أجرها واجر من عمل بها، وبين المحدثة التي هي سنة سيئة (بدعة ضلالة) كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فمن شروط كون المحدثة بدعة ضلالة ثلاثة شروط: (الاول): أن يكون مجالها في الدين فتنسب إليه، فالابتداع لا يكون إلا في شيء ينسب إلى الدين، والأشياء العاديّة لا يدخلها الابتداع.
و(الثاني): أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة ضلالة، فإما ان تكون سنة أو مصلحة مرسلة من مصالح الشرع المعتبرة، أو فعل خير يؤجر عليه.
و(الثالث): ألا تكون واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي فلا يكون بدعة ضلالة: ما أحدث من مصالح دنيوية ولا يقصد بها الدين، وما أحدث مما فيه مصلحة ولا تخالف الشرع، وما أحدث في الدين من تجديد سنة اندرست، أو هيئة فيها مصلحة تندرج تحت عموم وأصل ندب إليه الشرع من أفعال المعروف.
ومن شروط كون المحدثة بدعة حسنة شروط: (الشرط الاول): أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مجمع عليه بينهم حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه.
و(الشرط الثاني): أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع ولا تصادم هذه البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين، فإذا صادمت سنة من سنن الدين أو أدت إلى تغييرها صارت بدعة مذمومة.
و(الشرط الثالث): أن تكون حسنة من أمور الخير لا خلاف فيما تدل عليه من الخير، وبهذه الشروط ينضبط الباب.
و(أهل التصوف ومعهم جمهور الفقهاء): يثبتون وجود البدعة الحسنة، ويجزمون بأن الدين تام كامل بأصوله وقواعده ولكن هذه الأصول والقواعد أشارت إلى وجود المحدث النافع والبدعة الحسنة التي تعود على المسلمين بالخير والأجر، واستدلوا لمذهبهم بالكثير من الأيات والأحاديث وأقوال الصحابة وأعمالهم، وهؤلاء فهموا من أدلة الشرع ما يدل على تقسيم المحدث إلى حسن يوافق الكتاب والسنة وقبيح يخالف الكتاب والسنة، وقالوا: أن الدليل الأول على تقسيم البدعة هو تقسيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها بقوله (من سن في الإسلام سنة حسنة…،،ومن سن في الإسلام سنة سيئة)، ويؤيده ما جاء عن فقيه قريش الإمام الشافعي الذي ملأ الأرض علما رحمه الله: حيث روى الحافظ البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل: قال الشافعي رحمه الله: (البدعة بدعتان بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فهذه بدعه ضلاله وبدعه لم تخالف شيئا من ذلك فهذه قد تكون حسنة لقول عمر نعمت البدعة هذه) أهـ،([19]) .
وعلى هذا القول عامة الشافعية والأحناف والمالكية وعدد من فقهاء الحنابلة، وقد نقل بعض المالكية إجماع المالكية عليه، ونص عليه الكثير من علماء الأمة على مر عصور الإسلام، ونص عليه: الإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وسلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام والإمام القرافي والفقيه الرباني الإمام النووي وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والإمام الزرقاني والأمام الكرماني وابن عابدين الشامي والإمام الحافظ ابن العربي المالكي والعلامة ابن الأثير الجزري والإمام شهاب الدين أبو شامة وغيرهم كثير وهؤلاء هم ورثة النبوة وأركان العلم عند أهل السنة والجماعة فمن بدع هؤلاء الفقهاء في فهمهم لتقسيم البدعة فليراجع عقله أو يراجع دينه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[المفتاح السادس]: لا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف: إن الفقه السديد في مسألة العمل بالحديث الضعيف له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة، والحديث الضعيف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نسبة ضعيفة، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف أنَّ النبي لم يقله، فهذا ما لا يستطيع أحدٌ أن يجزم به، نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعا، شروط الحديث الضعيف الذي أجاز الفقهاء والمحدثون العمل به: (أحدها): أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، (الثاني): أن يندرج تحت أصل معمول به، (الثالث): أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة المتخصصة في الشريعة على العمل بالحديث الضعيف بشروطه، وعلى أنه لا يُعمل بالحديث الضعيف في الأحكام والعقائد، ولكن يُعمل به في فضائل لأعمال والترغيب والترهيب والتفسير والمغازي والسير بشروط اعتمدها الأئمة الثقات.
ولا يجوز التبديع بعمل ورد فيه حديث ضعيف: لعدة أسباب منها: (أ) احتمال ثبوته بوجه من الوجوه، (ب) أن العمل بالضعيف مستحب عند بعض الأئمة احتياطاً حتى لو اشتدّ ضعفه، (ت) إثبات الأئمة هذه الأحاديث بأسانيدهم فما من كتاب إلا فيه ضعيف عدا الصحيحين والموطأ على خلاف في الموطأ، (ث) دخول الضعيف في مسائل الاجتهاد وليس في المحدثات.
[المفتاح السابع]: لا يجوز التبديع بالسنة التركية: إن الفقه السديد في مسألة الترك له دور عظيم في ضبط مفهوم السنة والبدعة: (أ) فالسّنة عند أهل الأصول، تعني ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو عمل أو تقرير، وعلى ذلك فهي ثلاثة أقسام: السنن القولية، والسنن الفعلية، والسنن التقريرية، وأما الترك المجرد من القرائن فهو عدم فعل، والعدم ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لجواز شيء أو حرمته، وقد حذرنا الله تعالى من التشريع والتحريم بغير هدى من الله وبما لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فكيف إذا كان تحريم المباح يعقبه الاتهام بالبدعة والضلالة لانّ كل بدعة ضلالة، إن هذا لهو من أسوأ التقول على دين الله تعالى بما ليس فيه، فالزعم بأن الترك المجرد سنّة فهذا ادخال في الدين ما ليس فيه، ولم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين المقتدى بهم في الدين، وهو تقول على دين الله بغير علم، وبما لم يأذن به الله، وهو في حد ذاته بدعة بإدخال ما ليس من الدين إليه.
(ب) الدليل على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) ([20]) .
دليل على أنّ الترك لا يدل على أمر أو نهي أو تشريع، وإلا لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)، ففرق بين الترك والنهي والأمر، ففي الترك قال: (دعوني ما تركتكم) وفي النهي قال: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، وفي الامر قال: (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
(ت) من الأدلة على أنّ الترك ليس بتشريع ولا يؤخذ منه حكم شرعي، ما أخرجه مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) ([21]) .
(ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أهـ
(ث) ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفعالاً كثيرة تعد من المستحبات والطاعات عمداً لاعتبارات عديدة، فقد كان يترك بعض العبادات والطاعات خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، مع أنها من الطاعات وعمل الخير، وهذه الامور تركها الرسول، ولكنها في شرع الله تعالى من الطاعات والقربات.
(ج) ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، ومن ذلك تركه للخروج في جميع السرايا للجهاد في سبيل الله، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفس محمد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) ([22]) .
(ح) ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض العبادات والطاعات التي ثبت أنها أفضل الطاعات لشيء في علم الله تعالى ولعله حتى لا يشق على المسلمين رفقاً بهم أن يقتدوا به، ومن ذلك صيام يوم وافطار يوم، وقد نص حديثه صلى الله عليه وآله وسلم على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ومع ذلك تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، مع أنّه أفضل الصيام بنص حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
(خ) ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخلوة التي كان يواظب على فعلها قبل البعثة، مع أنّه أجازها للمسلم عند فساد الزمان، فهل تركه لها يدل على بطلانها وأنها لا تجوز، أم أنّ الترك في هذه الحالة لا يدل إلا على أن الفعل المتروك لم يعد مستحباً، فيعود جائزاً مباحاً، إلا أن يأتي دليل على الكراهية أو التحريم.
(د) قد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات كثيرة أخرى منها ما نعلم سببه، ومنها ما لا نعلم سببه، والترك في جميع الأحوال عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء في الشرع مطلقاً، إلا أن يصاحبه نهي أو أمر من الشارع بشيء.
(ذ) لقد تسبب اعتماد مبدأ (السنة التركية) كدليل على التبديع إلى غلو شنيع في مسائل التبديع، أخرجها عن إطار التوسط والاعتدال إلى مجال الغلو والتنطع.
(س) خلاصة الأمر أنّ مسألة ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو على الإباحة الأصلية المطلقة، حتى يأتي دليل من دين الله تعالى بترجيح الترك أو الفعل، ولا يجوز أبداً استعمال هذا الأمر (السنّة التركية) للتبديع والتفسيق ورمي الناس بالبدعة والضلالة.
[المفتاح الثامن]: لا يجوز التبديع بشيء ما ثبت عن أحد الصحابة أو بعضهم فعله أو قوله: لأن الصحابة كلهم ثقات عدول لا يجوز إطلاق البدعة على أفعالهم لاقترابهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولهم من الفهم ما لا تدركه مفاهيمنا، وثبت عندهم ما لم يصلنا، نعم قد يخالفه صحابة آخرون ولكن ما دام الصحابي متمسكاً برأيه ولم يرجع عنه فليس لأحد أن يعتبر فعله خارجاً عن السنة ما لم يرد فيه دليل على تخطئة صاحب هذا الفعل كحديث الفئة الباغية وحديث إسرائيل قد يكون فعل الصحابي مرجوحاً ولكن وسمه بالبدعة أو من يفعل فعله جريمة وشناعة، اشتهر بها الرافضة والخوارج.
[المفتاح التاسع]: لا يجوز التبديع بكل ما جاز فيه وجه من وجوه الاجتهاد إما بالفهم لما نص عليه أو بالاستنباط، فكل دليل ظني في ثبوته أو دلالته أو ما لم يرد فيه دليل جاز الاجتهاد فيه إلا ما ورد التحريم من الخوض فيه أو التعرض إليه، ولك أن تعجب ممن يرى اجتهاده حقاً واجتهاد غيره جهلاً وضلالاً.
[المفتاح العاشر]: لا يجوز التبديع بعمل يكون منتسباً إلى أصل من الكتاب أو السنة أو متفرعاً عنهما أو نابعاً منهما أو منطلقاً من مقاصدهما: من هذا المنطق رأينا الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينطلقون دون حرج في ذلك وهو يقرّهم على ذلك كالصحابي الذي حمد الله بعد الرفع من الركوع بثناء جاء به من عنده منطلقاً من أصل الحمد في هذا الموضع من الصلاة فامتدح الرسول فعله وأخبره بأن الملائكة نزلت لترفعها، وكما فعل بلال رضي الله عنه يوم كان يصلي لكل وضوء ركعتين فسمع الرسول خشخشة نعليه في الجنة وأمثلة لا تحصى في هذا الباب.
[المفتاح الحادي عشر]: لابد من التفريق بين البدعة الإضافية و البدعة الحقيقية
[البدعة الحقيقية]: هي البدعة التي أُحدثت بأصلها ووصفها، لذا فهي تُعارض السنّة من كل وجه، وينطبق عليها تعريف بدعة الضلالة من كل وجه كما تنطبق عليها ضوابط البدعة التي لا تكون إلا بدعة ضلالة، ألا وهي: الأول: أن يكون مجالها في الدين، والثاني: أن لا يكون لها أصل في الشرع، إذ لو كان لها أصل في الشرع فلا تكون بدعة، ومثال تلك البدعة غالب البدع العقائدية كبدع التشيع والخروج والاعتزال والتجسيم والتشبيه والقدر والتجهم والجبر، فإنّها بدع من جميع وجوهها، خارجة عن الشرع من كل وجه، وهي بدع ضلالة تستحق الوعيد بالنار.
[أما البدعة الإضافية]: فهي البدعة التي لها أصل في الدين ترجع إليه ولكنها تزيد على الأصل بتخصيص وصف معين، وذلك كتخصيصها بوقت محدد أو هيئة محددة، وعلى ذلك فهي بدعة في وصفها لا أصلها، لأنها مستندة إلى دليل، وشتان ما بين البدعة الحقيقية التي لا اصل لها في الدين بل تُعارضه وتضاد سننه، وما بين البدعة الإضافية التي لها أصل في الدين.
وخلاصة الفقه فيها: أنّ ما كان أقرب إلى التشريع منه إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد، فهذا لا يجوز ولا يصح فعله، ومثال ذلك: الأذان للعيدين، وأمّا ما كان اقرب إلى التنظيم والترتيب والتزام الأوراد، فهذا لا يكون بدعة ضلالة بحال ومثاله التزام أذكار مخصوصة بصفة منتظمة على سبيل الاجتهاد في العبادة كمن يجعل له ورداً بختم جزء قرآن مثلاً بعد صلاة الفجر، أو يجعل له ورد تسبيح ألف تسبيحة بعد صلاة العصر مثلاً، فهذا لا حرج منه البتة، لأنّه ليس من باب التشريع وإنّما من باب تنظيم العبادة والاجتهاد فيها، هذا حتى لو كان له أتباع يقلدونه فيما يفعل ويلتزمون به، فإنّه لما جاز له جاز لغيره، ومنه أيضاً الاجتماع للذكر أو للعلم في وقت معين يتفق عليه الجميع، ويُلحق به الصلاة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عقب الآذان، فإنّه في أصله سنّة ولكن اختلفت الهيئة من السر إلى الجهر، فإن كان فاصل يفصل بين الآذان والصلاة على الرسول فلا بأس ولا حرج لأنّها تذكر الناسي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقب الآذان.
[المفتاح الثاني عشر]: قاعدة: (لا تبديع ولا تفسيق ولا إنكار في المسائل الخلافية بين المذاهب الفقهية الأربعة المعتمدة، ولا يجوز التشنيع عليها، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو المبتدع، نعم يجوز بيان ما يراه المجتهد أنه راجحا وله أن يبين أن قول معارضه مرجوح، ولكن في ظل احترام رأي الآخرين، بدون تبديع ولا تفسيق، كما لا يجوز له مهما بلغ علمه واجتهاده، أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، وهذه القاعدة ” قاعدة: (لا إنكار ولا تبديع ولا تفسيق في مسائل الخلاف الفرعية) ” تعتبر من أهم القواعد الفقهية التي تصبغ المجتمع المسلم بالتراحم والألفة والتراضي، وهي تتعلق بالأساس بالمذاهب السنية المتخصصة سواء في العقيدة أو في الفقه أو في التزكية، لأنّها مدارس مؤصلة روجعت آراؤها على أيدي آلاف المجتهدين الأئمة العلماء فكانت في مأمن من البدعة والضلالة والخطأ الجسيم، وتعددها رحمة بالأمة واستيعاب لجميع الاجتهادات الصحيحة التي تخضع لقواعد اللغة والشريعة، كما أن الاختلاف في تلك المسائل الفرعية سعة ورحمة، لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وما دام المختلفون أئمة يقتدى بهم، فلا بأس بالاقتداء بأحدهم، وأولى المذاهب بذلك مدارس العقيدة الثلاث على منهاج أهل السنة والجماعة (الأثرية والأشعرية والماتريدية) فهي متفقة في الأصول، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا، وأولى المذاهب بذلك مدارس الفقه الأربعة، وهي متفقة في الأصول، والخلاف بينها في فروع لا توجب تبديعا ولا تفسيقا، وهذا ما جعل الإمام النووي، رحمه الله يقول: (إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأنه على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم) ([23]) .
لا مناص من الاختلاف في فروع العلم: لأسباب عديدة، منها: التفاوت والتباين الذي فطر الله تعالى عليه البشر من حيث تفاوتهم في القدرة على الإدراك والاستيعاب، بما فضل الله به بعضهم على بعض من الفهم والعلم والحفظ وسَعة الاطلاع، ومنها: الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم، ومنها: الاختلاف في فهم النص: بسبب كونه مشتركا بين معانٍ كثيرة، أو مجملاً لم يبين معناه، وإذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية، فلا يوجد أي داع لتبديع المخالف ولا تفسيقه، والخلافات الفرعية بين علماء المذاهب هي من باب الاجتهاد وليست من باب البدع، ولا يبدع بها إلا حشو ضال وقع في الغلو في باب السنة والبدعة بسبب جهله بضوابط أهل الحق في هذا الباب، والمجتهد في هذه الأمور الفرعية مأجور في كل حال، سواء أخطأ أو أصاب ما كان مالكا لأدوات الاجتهاد، المصيب له فيها أجران والمجتهد المخطئ له اجر واحد، وهذا الاختلاف يُحمل على الحديث: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ([24]) .
[المفتاح الثالث عشر]: من القواعد التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه: التحذير من التوسع في باب سد الذرائع، فإنه لا يجوز تحريم المباح بزعم سد الذرائع إلى البدعة، لأنّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]، فالقول إن شيئاً مما أحله الله لا يجوز، مثل القول: إن شيئاً مما حرمه الله يجوز، وهذا من القول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، والأصل في الأشياء الإباحة: لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [سورة البقرة: 29]، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [سورة الجاثية: 13]، وكل قضية سكت عنها الدين قضية مباحة: فلا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح صريح، وكل قضية سكت عنها الدين مباحة، ما لم يرد في تحريمها نص شرعي، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته) ([25]) .
وتحريم القول بأن هذا حلال وهذا حرام من دون دليل قطعي، وذلك لقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ([26]) .
إذ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر، والمتنطعون هم الذين يسارعون أن يقولوا كلمة ” حرام ” على ما أحله الله، وقد قال الفقهاء: أجرؤكم على الفتية أجرؤكم على النار.
[المفتاح الرابع عشر]: من القواعد التي تضبط باب السنة والبدعة وتمنع من الغلو فيه: التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التعبدية، الأمر العادي: هو ما يجرى بين الناس من تصرفات لتحقيق المصلحة فيها مما لا يقصد به التـــقرب إلى الله تعالى ولكنها تحقق المقاصد التي يراعيها الشرع، وهو بخلاف الأمر التعبدي القائم على أســاس الانقيـــاد والخضوع لدين الله تعالى والسير وفق ما أمر به شرع الله، وقد وضع بذاته للتقرب إلى الله تعالى، كالذكر، والصلاة، والابتـــداع المنهى عنه هو مـــا يدخل في الأمور التعبدية، وأما الأمور غير التعبدية، أي العادية، المحدثة لتحقيق منفعة لا ينهى عنها الشرع فــلا حرج منها، فما دام الأمر العادي لا ينهى عنه الشرع، ولا يضر بالمصلحة، ولا يخرج على مقاصد الشرع، ولا يُعد تشبهاً منهيا عنه بالكفار.
[المفتاح الخامس عشر]: الهدي الإسلامي الصحيح في معاملة الفرق الإسلامية الضالة: ليس معنى ما جاء في حديث الافتراق (كلها في النار إلا واحدة) كون الفرق الضالة في النار، ولكن معناه أنها لبدعتها وضلالها تستحق الوعيد بالنار كما أن مرتكب الكبائر يستحق الوعيد بالنار وهو مسلم له اسم الإسلام وحكمه، وهذه الفرق الضالة ضلت الطريق في بعض جوانب الدين فاستحقت لذلك الوعيد بالنار، وهي إلى مشيئة الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ولكن مآلها جميعها إلى رحمة الله وجنته لما أتت به وحافظت عليه من شهادة التوحيد، والإيمان المجمل بالإسلام، ولا يجوز تكفير تلك الفرق بإطلاق، ولا يجوز إخراج آحاد المسلمين من الإسلام إلا باستيفاء شروط التكفير وموانعه تامة تامة، وقد حبى الله تعالى أهل العلم والفقه في الدين بقواعد تجعلهم يفرقون ما بين البدعة والكفر، فأهل البدع مسلمون لهم الولاء العام في الإسلام لا نكفرهم ببدعة ولا خطأ ولا جهل ولا تأويل ولا ذنب حتى ينكر معلوما من الدين بالضرورة وتقوم عليه الحجة الشرعية التامة المستوفية لشروطها وموانعها بذلك، ولا علاقة للبدعة بالكفر الأكبر، المبتدع أقرب إلى العصاة منه إلى الكفار، وعصاة الموحدين مسلمون يدعى لهم بالهداية ويستغفر لهم، والكافر فقط هو الذي لا يجوز الدعاء له بالرحمة ولا يجوز الاستغفار له، ولا يحكم على المبتدع عيناً بأنه كافر إلا بشروط منها: (الشرط الأول): أن تكون بدعته مكفرة متفق على التكفير بها، (الشرط الثاني): أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، (الشرط الثالث): قيام الحجة المعتبرة شرعا بشروطها وضوابطها التي قررها الفقهاء.
([1]) أخرجه الدارقطني 5/325 ح 4396 ، والحاكم 4/129 ح 7114 والبيهقي 19/617 ح 19757.
([2]) صحيح البخاري 3/184 ح 2697، صحيح مسلم 3/1343 ح 1718.
([3]) جامع العلوم والحكم 2/781.
([5]) المعجم الأوسط 7/262 ح 7450.
([6]) السنن الكبري للنسائي 2/308 ح 1799.
([8]) المرجع السايق 2/704 ح 1017.
([9]) شرح النووي على صحيح مسلم: 16/ 227.
([10]) جامع العلوم والحكم 2/781.
([13]) شرح النووي على صحيح مسلم: 16/ 227.
([14]) شرح النووي علي مسلم 11/166.
([15]) صحيح البخاري3/45 ح 2010، موطأ مالك1/114 ح 3.
([17]) صحيح البخاري 1/159ح 799.
([18]) فتح الباري: كتاب الصلاة (312: 8)
([19]) المدخل الي السنن الكبري للبيهقي ص 206. الفتاوى: 20 /: 163.
([20]) صحيح مسلم 2/975 ح 1337.
([22]) صحيح مسلم 3/1495 ح 1876.مسند أحمد 12/73 ح7158
([23]) شرح النووي على مسلم،2/ 23.
([24]) صحيح البخاري 9/108 ح 7352، صحيح مسلم 3/1342 ح 1716.
([25]) مسند البزار10/26. ح 4087. وقال البزار: إسناده صالح سنن الدار قطني 3/59 ح 2066. . وقال الحاكم: صحيح الإسناد المستدرك 2/406.