المبحث الخامس والعشرون الصوفية وأهل السنة والجماعة سواد المسلمين الأعظم
[المفتاح الأول]: أهل التصوف يقولون:لا تنطبق أحاديث النجاة إلا لأهل السنة والجماعة الناجية، ولا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لانهم أهل القرآن وخاصته، وهم أهل الحديث وخاصته، وكل الفرق عالة عليهم في الإجماع ثالث مصادر الدين، وكل الفرق عالة عليهم في باب التخصص العلمي، وهم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين، وهم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، وهم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، ويقولون: إنّ الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة يمثله: في العقيدة ثلاث مدارس هي: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، ويمثل إطارهم في الفقه مذاهب أربعة هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ويمثلهم في التصوف السادة الأقطاب، ومدارسهم التزكوية والربانية القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، يقولون: هذا هو الإطار العلمي الدقيق لأهل السنة والجماعة، يدخل فيه سواد المسلمين الأعظم، ممن لم يتلبس ببدعة مخرجة عن هذا الإطار، وعلامتهم أنهم: لا ينتسبون إلا إلى السنة والجماعة، ولا يتلبسون ببدع الشيعة ولا المعتزلة ولا الخوارج ولا الحشوية، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، ويقولون أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتعرضون لما حدث بينهم، ويقولون هم السادة الكبار، أخطاؤهم مغمورة في بحار حسناتهم، ويقولون كما أمرهم القرآن: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، ويوالون آل البيت كلهم، ويحبونهم جميعا، بل يعشقونهم، ولا يرضون أبدا لما نالهم من الأذى.
والحاصل: أنّ الصوفية يجمعون بين حب الصحابة حبا جما، وحب أهل البيت حبا جما، ولا يجعلون هناك تناقضا بين حب الصحابة وحب أهل البيت، بل كلاهما من مشكاة واحده، هؤلاء صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودائما يقولون اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الاطهار وصحبه الأبرار، فهذه بعض مفرداتهم فيما يتعلق بالجماعة الناجية أهل السنة والجماعة.
[المفتاح الثاني]: بيان الأسباب التي تجعل الفرقة الناجية من فرق المسلمين هي سواد أهل الإسلام الأعظم أهل السنة والجماعة، وذلك لأنّ جميع الفرق الإسلامية ترى نفسها الفرقة الناجية، ولكن لا يصلح أن تكون الفرقة الناجية سوى جماعة أهل السنة والجماعة لأسباب عشرة عريضة:
[السبب الاول]: هم وحدهم الذين ينطبق عليهم أوصاف النجاة في أحاديث الافتراق الصحيحة، فقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر بأن أمة الإسلام ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها تستحق الوعيد بالنار إلا واحدة، قال صلى الله عليه وسلم: ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ([1]) .
(قلت) ويؤيد حديثنا هذا قول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فقد دلت الآية على أن الناجين يوم القيامة هم المتمسكون بما عليه النبي – صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أئمة المؤمنين الهداه المهديين، وأن الخاسرين آنذاك هم المشاقون لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والمخالفون لهدى الصحابة، رضي الله عنهم، وأسعد الطوائف بهذا الحديث، هم (أهل السنة والجماعة) سواد الامة الأعظم، فهم الوحيدون من بين سائر الفرق الإسلامية الذين يترضون على سائر الصحابة، ولا ينظرون إلى ما كان بينهم من الفتن والاختلافات، وينطبق عليه قول الله تعالى في سورة الحشر: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8-10]، إن هذه الآيات الثلاثة من سورة الحشر تمثل منهاج الرد المتكامل على روافض الحق وشيعة الباطل، ففي الآية الأولى ثناء على المهاجرين من الصحابة ووصف لهم بالصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، وفي الآية الثانية ثناء على الأنصار وهم من الصحابة ووصف لهم بالإيثار والفلاح، وعلى ذلك فكلتا الآيتين ثناء على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهل الصحابة إلا المهاجرون والانصار، والآية الثالثة: تمتدح أولئك الذين ليس في قلوبهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا المحبة والود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، ولا يوجد في الفرق من يترضى على جميع الاصحاب إلا (اهل السنّة والجماعة)، فهم وسط في هذا الباب بين (الخوارج)، و(النواصب)، و(المعتزلة)، و(الرافضة)، فـــ (الخوارج) يكفرون الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ويكفرون كل من والاه، و (النواصب) يبغضون الإمام علي رضي الله عنه ويفسقونه ومن كان معه، و(الشيعة الروافض) يلعنون غالب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، ويحكمون بردة أكثرهم وهم لا يكتفون بذلك بل يجعلون دينهم ودينهم سب الصحابة ولعنهم وشتمهم والدعاء عليهم وقد امتلأت كتبهم على آخرهم بمئات النصوص، الدالة على هذا المعتقد الضال، و(المعتزلة القدرية) يقولون بفسق الصحابة الذين شاركوا في الجمل وصفين دونما تحديد، ويدخل فيهم الإمام علي رضي الله عنه، وجميع الصحابة الذين كانوا معه، والزبير وطلحة ومعاوية وعمرو والصحابة الذين كانوا معهم، أما (أهل السنة والجماعة) فإنّهم يقرون بعدالة الصحابة اجمعين، ويوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ويترضون عنهم جميعهم، ويعتقدون أنّ رتبة الصحابة لا يعدلها رتبة، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ فضيلة الصحبة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وانهم مع ذلك ليست لهم العصمة، بخطؤون ولكنهم خير البشر بعد الأنبياء.
[السبب الثاني]: أهل السنة والجماعة هم وحدهم سواد الأمة الأعظم الذين أمر الله تعالى ورسوله صلى الله علية وسلم باتباعه، فقد جاء في حديث ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم) ([2]) . وجاء في حديث الحاكم عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (: (يد الله على الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار) ([3]) .
ولا نجد سوادا أعظم في هذه الامة على مر عصور الإسلام سوى (أهل السنة والجماعة)، ومن هذه الأسباب نعلم لماذا لا تكون راية النجاة سوى راية أهل السنة والجماعة.
[السبب الثالث]: أهل السنّة والجماعة هم الخط العام لجماعة المسلمين التي انشقت عنها بقية الفرق، فلم يقبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا والصحابة رضي الله عنهم على مثل بيضاء ناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلما فبض النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واجتمع الأنصار في السقيفة ولحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة من المهاجرين، وأسفر هذا الاجتماع على انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين، وتمت البيعة العامة بعدها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باتفاق الصحابة، وصار انتخابه هو الخط العام للجماعة فكل من خالف خرج عن الخط العام، وكان زمانه زمان الخير والبركة قضى على المرتدين وأرسل الجيوش لفتح فارس والروم وكانت انتصارات عظيمة للمسلمين في كل الجهات، ثم اجمع المسلمون على قبول ترشيح أبي بكر لعمر كخليفة للمسلمين من بعده واستقر الامر عليه كخليفة وكان عبقريا رسخ أكبر امبراطورية إسلامية قضت على فارس والروم ونشرت الإسلام عزيزا في أرجاء الأرض كلها، فكل من اعترض على عمر فقد خرج عن إطار الجماعة، ثم اغتاله المجوسي في صلاة الفجر ورشح ستة يختار المسلمون من بينهم الخليفة واستقر أمر المهاجرين والانصار على عثمان وتمت له البيعة وأجمع عليه المسلمون فكل من خرج على عثمان خرج عن الخط العام للجماعة الناجية، أكمل عثمان رضى الله عنه فتح البلدان في أقاصي الشرق والغرب وحكم إمبراطورية مترامية الأطراف لم يتيسر لأي أمة قبل أمة الإسلام أن تحكم مثلها عبر التاريخ، وفي آخر عهده كانت هناك جهة تعمل في الخفاء للانتقام والثأر من أهل الإسلام يقودها اليهودي ابن السوداء ابن سبأ حيث جمع أوباش الناس من مختلف الأنصار وكانت له معرفة بتزوير الأختام والرسائل فكان يكاتب الأوباش ويرسل الرسائل المزورة على عثمان في الأمصار ويرسل الرسائل المزورة على كبار الصحابة بوجوب قتل عثمان وتخليص الامة الإسلامية منه، ولم يتفطن الصحابة لذلك المخطط حتى حاصر الاوباش الخليفة عثمان في موسم الحج وانتهزوا فرصة خلو المدينة من اكثر الصحابة ومن حاميتها لان أغلب الصحابة إما كانوا على ثغور الجهاد وإما في مكة المكرمة لأداء مناسك الحج وتجمع الأوباش حول بيت عثمان واقتحموا عليه بيته وقتلوه، وظلوا أربعة أيام هم الممسكون بزمام الأمور في المدينة حتى كان احدهم هو من يأمّ بالناس في الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا ينفرط عقد الخلافة سارع الصحابة لمبايعة الإمام علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين وكان اول من بايعه الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله واسرع الصحابة لمبايعة علي رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمت له البيعة وكل من كان معه هم خط الجماعة الناجية ومن خالفهم كان على الباطل، وكل الصحابة بمن فيهم أم المؤمنين عائشة والزبير وطلحة ومعاوية رضي الله عنهم وأتباعهم لم ينازعوا عليا رضي الله عنه في الخلافة وإنما كان الخلاف على سرعة الاقتصاص من قتلة عثمان وكان القتلة في جيش الإمام علي رضي الله عنه وكان يطلب المهلة لإدارة أمور الحكم فهي اهم ويأتي بعد ذلك وقت القصاص من قتلة عثمان، الشاهد حدثت خلافات بين الصحابة، كان الحق في جميعها مع وأقرب إلى الإمام علي رضي الله عنه وكان مع الصحابة الذين خالفوه وجه اجتهاد مقبول ولكنهم كانوا أبعد الطائفتين عن الحق، وكانت يستحيل ان تؤول هذه الخلافات إلى حروب لولا كيد السبئية اتباع عبد الله بن سبأ وسعيهم لانشاب القتال كلما كاد الصحابة ان يتفقوا، وهذا قدر الله، وظل علي رضي الله عنه يجاهد من اجل توحيد كلمة المسلمين والحفاظ على الخلافة الواحدة حتى مرقت أولى الفرق الضالة وهي (الخوارج): خرجوا عن خط الجماعة وكفروا الإمام علي بزعم أنه قبل بالتحكيم وانه لا حكم إلا لله، وقد قال لهم تقولون كلمة حق أريد بها باطل لأنه لابد من وجود قاض يبين حكم الله فاستحلوا دمه ودم أصحابه فقاتلهم في النهروان وقضى على أكثرهم ولكن تمكن أحدهم من ضربه بخنجر مسموم وهو ينادي في الناس لصلاة الفجر، فطالبه المسلمون ان يستخلف فأبى فاختار الناس ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه سيد شباب أهل الجنة فكان له رأي آخر يجمع به المسلمين على راية واحدة فتنازل عن الخلافة لمعاوية على ان تتوحد الامة وتسقط الدماء المطلوبة وتحققت به بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه أبي بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر – والحسن بن علي إلى جنبه -، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى ويقول: : ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) ([4]) .
، فهذا الحسن رضي الله عنه وأرضاه ترك الخلافة لا عن جبن ولا عن قلة ولا عن ذلة بل لمراعاة أمر الدين ومصلحة المسلمين وحقن دمائهم ولرغبته فيما عند الله، فكان سيدا أصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فئة علي وفئة معاوية، لما رآه من حقن دماء المسلمين، ومن تدبر نص الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الفئتين من المسلمين، وانه يجوز للخليفة أن يخلع نفسه إذا كان في ذلك مصلحة للامة، الشاهد اجتمعت الامة في هذا العام عام (41 هجري) وسمي عام الجماعة، فمن خرج على خط الجماعة كان من أهل الضلال، وبعد الصلح صارت الجماعة هي الخط العام الراضي بخلافة معاوية بعدما تنازل له الإمام الحسن رضي الله عنه، وهكذا في مقابل الخوارج ظهر الروافض من شيعة الإمام علي، ومن تدبر الأمر بإنصاف وجد ان أهل السنة والجماعة هم شيعة الإمام علي عن فقه وعلم وحكمة، والروافض هم كل من قدم الإمام علي على أبي بكر وعمر تقديم تنقيص لهما أو اتهام لهما بأنهما استبدا بالأمر وظلما علي واخذا حقه وكيف ذلك وقد أجمع صحابة النبي رضي الله عنهم على البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن خالف في ذلك فقد أزرى بكل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم العدول بشهادة القرآن والحديث وإجماع أهل السنة والجماعة.
[السبب الرابع]: أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، وكل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في القرآن أول مصادر الدين، ولا تقوى فرقة من فرق المسلمين أن تنسب إلى نفسها حفظ القرآن وتدوينه وتدوين علومه والتي وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين علما متعلقا بالقرآن، وتفسيره ونشره سوى أهل السنّة والجماعة الذين يرون عدالة الصحابة أجمعين ويأخذون عنهم القرآن والسنّة، كان اول من جمعه في مصحف واحد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وجمعه على تشكيل واحد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والصحابة رضي الله عنهم هم من جمع القرآن وهم من كتبوه، وهم من نسخوه، وهم من نشروه، ولا يقرأ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ بالقراءات السبع المتواترة المشهورة التي تنتسب كلها إلى قراء أهل السنة والجماعة، الذين تتلمذوا على يد الصحابة، ولهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم، منها سبع قراءات مشهورة , وكل هذه القراءات ونطقها ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناقلها الصحابة ثم التابعون ثم تابعوا التابعون، وقد انتشرت الروايات في أنحاء الأرض، وأكثرها انتشاراً رواية حفص عن عاصم حيث تنتشر في معظم الدول الإسلامية لاسيما في المشرق، ورواية قالون في ليبيا تونس، ورواية ورش في الجزائر والمغرب وموريتانيا ومعظم الدول الإفريقية، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال، ولا يمكن لأي فرقة أن تزعم أنّ لها في القرآن ما لأهل السنّة من جهود في حمل راية القرآن مصدر الدين الأول والأساس لأنهم أهل القرآن وخاصته.
[السبب الخامس]: أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث وخاصته، لقد كان الصحابة حريصون على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أيدي هؤلاء طلاب علم الحديث من التابعين، وظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين البخاري ومسلم وكتب السنن للترمذي والنسائي وابي داود وابن ماجة والمسانيد كمسند الإمام أحمد بن حنبل وكتب الجرح والتعديل، التي تمنع من أن يتقول متقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، ولا يوجد حديث مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ولا يعرف أحد علوم الحديث والتي أوصلها ابن الصلاح في مقدمته إلى خمسة وستين علما، إلا عند أهل السنّة والجماعة، وجميع الفرق عالة على أهل السنّة والجماعة في باب حفظ السنّة ومعرفة السنّة.
[السبب السادس]: كل الفرق عالة على أهل السنة والجماعة في الإجماع ثالث مصادر الدين، والإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة، وكان عصر الصحابة هو أول وأهم عصور الاجماع والطائفة الوحيدة التي تترضى على كل الصحابة بلا استثناء ويدخل فيهم بالضرورة آل البيت المطهرين، هم أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب الإجماع، (الخوارج) يكفرون الإمام عليا رضي الله عنه ويكفرون أصحابه، و(النواصب): يفسقون الإمام عليا رضي الله عنه وأصحابه و (الروافض) يلعنون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويكفرونهم إلا نفرا يسيرا، و (المعتزلة) يقولون بفسق بعض الصحابة دونما تحديد، إما طائفة الإمام علي رضي الله عنه، وإما طائفة الزبير وطلحة رضي الله عنهما، وإما طائفة معاوية رضي الله عنه، فهذه الفرق لا يسلم لها الإجماع أبدا، أما (أهل السنة والجماعة)، فهم يوالون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا ويترضون عنهم جميعا، ويؤمنون ويقرون بما أثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم , وهم يتذكرون دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم: : (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([5]) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([6]) .
[السبب السابع]: أهل السنّة والجماعة هم اهل التخصص العلمي: فلم يظهر التخصص العلمي في كافة العلوم سوى عند أهل السنّة والجماعة، وأهم ذلك العقيدة والفقه والتزكية، ففي العقيدة تأسست لهم ثلاث مدارس: (المدرسة الأثرية)، (والمدرسة الأشعرية)، (والمدرسة الماتريدية)، وبها اكتملت علوم العقيدة، وفي الفقه تأسست لهم أربعة مذاهب، وهي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، وبها اكتملت علوم الفقه، وقد تنوعت الطرق التزكوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم للسالكين إلى منازل الإسلام والإيمان والإحسان، فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: ((قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)) ([7]) .
وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، وهو العلم المتخصص في إصلاح القلب وسلامته وتزكيته، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، والتصوف هو العلم الذي تخصص في بيان درجات الإحسان ومنازل المقربين من رب العالمين وهو العلم الذي تخصص في رسم الطريق العلمي العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى مقامات الكمال الأخلاقي مع الله تعالى ومع الناس، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، وعلى ذلك استقر لهم (أهل السنة والجماعة) على مر عصور الإسلام السابقة: في العقيدة ثلاث مدارس أصولية معتمدة، الأولى: المدرسة الأثرية، والثانية: الأشعرية، والثالثة: الماتريدية، واستقر لهم (أهل السنة والجماعة) في الفقه مذاهب أربعة، يأخذون الفقه عنها، المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ولهم مذاهب فقهية أخرى غير هذه الأربع لكنها لم تنتشر ولم تؤصل ولم تُراجع أقوالها ولم يحصل لها الاشتهار مثل هذه المذاهب الأربعة، وقد تنوعت الطرق التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب التخصص العلمي، وبهذا التخصص العلمي الرصين: صار الإطار الواسع الصحيح لأهل السنة والجماعة يشمل سواد المسلمين الأعظم أتباع أئمة الهدى المتخصصين في العقيدة وفي الفقه وفي التزكية، وهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية التي تتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتمسك وتحرص أشد الحرص على وحدة المسلمين وجماعتهم.
[السبب الثامن]: أهل السنّة والجماعة هم أهل التوسط والاعتدال بين طرفي غلو في كل أبواب الدين: أهل السنّة والجماعة وسط في مسائل الدين جميعها ما بين الغالين فيه والجافين عنه، وما بين المفرّطين فيه والمقصرين عنه، فهم وسط في باب مسائل واحكام الإيمان والكفر بين الخوارج والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والمرجئة من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب القضاء والقدر بين القدرية والمعتزلة من جهة الغلو وبين الجهمية والجبرية من جهة التفريط فيه، وهم وسط في باب الإيمان بذات الله تعالى وصفاته بين الجهمية والمعتزلة من جهة الغلو وبين المجسمة والحشوية من جهة التفريط فيه، وهم أعدل الطوائف وأوسطها في باب الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم بين الخوارج والنواصب والمعتزلة من جهة وبين الشيعة والروافض من جهة الضد والنقيض،
[السبب التاسع]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الرسوخ في العلم يعملون بالمحكم من القرآن، وهم ابعد الفرق عن متشابه القرآن، يردون المتشابه إلى المحكم، عملا بقوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، لقد وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، والفرق الضالة كلها تتبع المتشابه، المعتزلة القدرية تتبع الآيات الدلة على أن الإنسان صانع مشيئته، وقالوا بالقدر، والجهمية الجبرية تتبع الآيات المتشابهات التي تدل على انّ كل شيء بيد الله وحده، وقالوا بالجبر، وجمع علماء أهل السنّة والجماعة بين هذه الآيات وتلك الآيات، وأخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم، وقالوا بالكسب، وهو الصيغة القرآنية الوسط بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وهكذا في كل أبواب العلم والعقيدة أخذوا بالمحكم وردوا المتشابه إلى المحكم.
[السبب العاشر]: أهل السنّة والجماعة هم أهل الفقه في الدين، وإذا كانت مراتب الدين ثلاثة هي الإسلام والإيمان والإحسان، فإن علوم الدين الثلاثة التي اصطلح دارسوها على مر عصور الإسلام بتسميتها، وهي: (الفقه) ويتناول مرتبة الإسلام، و (العقيدة) وتتناول مرتبة الإيمان، و(التصوف) ويتناول مرتبة الإحسان، واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم الفقه الذي يغطي مرتبة الإسلام، وأبدعوا فيه أيما ابداع، فمنهم الفقهاء وإليهم تعود المذاهب الفقهية المعتمدة وهم أهل أصول الفقه وأهل القواعد الفقهية والنظريات الفقهية التي تغطي كل احكام العبادات والمعاملات، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري والليث بن سعد، وغيرهم من اكابر الفقهاء في امة النبي صلى الله عليه وسلم الكثير والكثير، والمذاهب الأربعة في كل مذهب منها على اقل تقدير وعلى مر عصور الإسلام آلاف من الفقهاء المجتهدين في المذهب، واهل السنّة والجماعة هم من تخصص في علم العقيدة وهم من تخصص في علم العقيدة، وهم من حل مشكلات عويصة ضل فيها الآخرون كمشكلة الرؤية والكسب والقضاء والقدر والكفر والإيمان والصحابة والآل، فجمعوا ادلة الكتاب والسنّة في ككل مسألة وأنزلوا كل دليل على مرتبته الخاصة به، وهم من حل شيفرة الإيمان والكفر، بأدق تفصيل، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها الخوارج والمعتزلة والوهابية والجهمية والجبرية، وهم أيضا من حل شيفرة القضاء والقدر بأحسن العلاج، واجلى بيان، واحسن الفهم واجمل الجمع بين النصوص المتعارضة والتي ضل في فهمها المعتزلة والجهمية الجبرية واكثر الفرق إلا هم بحمد الله، وهم بفضل الله تعالى من حل شيفرة الآل والصحب بحب الجميع، محبة نحفظ لهم المراتب التي اكرمهم الله بها ولا يدعون لاحد منهم العصمة، يحبون الجميع ويقفون مع المحق يؤازرون حقه كما يزعم أهل الجهل والضلال، وهم من حل شيفرة السنّة والبدعة بوضع ضوابط التبديع، بمقياس دقيق وفهم عميق، وفقه راسخ في العلم والدين، واهل السنّة والجماعة هم أهل السلوك والتخصص، هم القائمون على ثغور الإحسان، ومنهم الصديقون والاولياء، لأنّ التصوف الحق هو المدرسة التي يتخرج منها الأولياء، وورثة الأنبياء، قال تعالى: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [ الكهف: 17 ]، ومنهم أهل المشاهدة والعرفان، لأنه من اهم معاني التصوف (( ان تعبد الله كأنك تراه )) [ صحيح مسلم ]، وهم الربانيون الوارثون لأحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلومه ومعارفه، وهم اعلم الناس بمنازل الدين وهم السائرون إلى الله بالله وفي الله كما قال تعالى: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، وقال تعالى: { وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118]، وهم أهل المجاهدة في الله، عندما يجاهد المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وهم القائمون المتحققون بمنازل الإحسان، لأن التصوف الحق هو القائم على حقائق مرتبة الإحسان أعلى مراتب الدين، فعند غيابه يغيب ثلث الدين الأعلى، وتغيب منازله ومعارفه، وعند غيابه تغيب التزكية إحدى مهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في امته، قال تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } [ البقرة: 151 ]، لأنه القائم على علم تزكية الانفس وسلامة القلوب وتصفية الباطن وتخليته من الرذائل، وتحليته بالفضائل، وعند غيابه يضيع الطريق إلى الحق سبحانه، لأنه العلم الذي يُعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، وعند غياب التصوف الحق نعلم ظاهرا من الدين ونفقد لبه وباطنه، لأنه لباب الشريعة وحقيقتها، وعند غيابه يضيع الفهم الراقي والعميق لكل علوم الدين ومعارفه، وعند غيابه تضيع بوصلة الطريق، وذلك لأن طرحه في الإصلاح العلمي والعملي والسياسي والأخلاقي الإسلامي هو الطرح الأمثل للخروج من الأزمات الراهنة، والمشكلات الطاحنة، أهله هم الخلاصة في معرفة العلوم الإسلامية الدقيقة والأحكام الصحيحة، وهم الغاية في معرفة أحكام الإيمان والكفر، والنهاية في معرفة أحكام التوحيد والشرك، وعلم السنة والبدعة، وعلم التقديس والتنزيه معرفة وشهودا، وهم الفاهمون تماما لعلم السياسة الشرعية واقعا وعيانا، وهم أقدر الناس على احترام التخصص العلمي لأهل السنة والجماعة، وهم أحرص الناس على حرمة أهل الإسلام قاطبة، وهم أعدل الناس في موقفهم من الفرق الإسلامية الضالة المنحرفة، وهم اكثر الناس لله تعالى عبودية واجتهادا، وهم أعظم الناس خلقا وديانة، وهم أعرف الخلق بالله ودين الله، أهل الشريعة يؤمنون بالله استدلالا وهم يوقنون بالله شهودا وعيانا، وحين يدور العلماء حول علم اليقين استدلالا يدورون هم حول عين اليقين وحق اليقين تحقيقا وعرفانا، هم أهل منازل السير إلى الله وهم أهل السفر إلى الحق المبين ابتداء من اليقظة وسيرا نحو التوحيد، وهم أهل الزهد فيما سوى الله، لا يشقى بهم جليسهم، يحتون جميع المخالفين بسعة العلم والصدر والدين، وهم في عمق التاريخ الإسلامي العريق أهل الولاية أهل المخاطبات والمكاشفات والمشاهدات والمعاينات، وأهل التحقق والتمكين، وأهل التجريد والتفريد والجمع والتوحيد، وهم أعمق الناس فهما للكتاب وهم اعرف الناس بسنة المصطفى المختار، وهم اعلم الناس بحال الدنيا وهم اعلم الناس بمكائد النفس والشيطان والدنيا والهوى، فهل سمع احد عن التصوف الحق الرشيد إلا في أهل السنّة والجماعة الناجية وسواد أهل الإسلام الأكبر، ومن عداهم فرق متعادون وشرازم قليلون فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، (اهل السنّة والجماعة) هم أهل التوسط والاعتدال، والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، فالمسلمون أمة وسط بين الناس جميعا وأهل السنّة والجماعة وسط بين أهل الإسلام جميعا، ولهذه الأسباب كانت الجماعة الناجية (أهل السنّة والجماعة) أسعد المسلمين حظا بهدي الكتاب والسنّة والاجماع واحسن المسلمين حالا مع الآل والصحب الكرام، ولا يصلح أن تكون النجاة إلا لمن كان على مذهبهم، يقتدي بهداهم.
***
([1]) سنن الترمذي 5/26 ح 2641، المستدرك 1/218 ح 444.
([2]) سنن ابن ماجة 5/96 ح 3950.
([4]) صحيح البخاري 5/26 ح 3746.
([5]) صحيح مسلم 4/1967 ح 2541.