المبحث السادس والعشرون الصوفية واحترام التخصص العلمي لأهل السنة والجماعة
[المفتاح الأول]: أهل التصوف أهل احترام للتخصص العلمي الذي رسخ للأمة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي، فهم يحيلون قضايا العقيدة إلى مدارسها المتخصصة، وقضايا الفقه إلى مدارسها المتخصصة، وهم اهل التخصص في التزكية وتحقيق مرتبة الإحسان، واحترام التخصص العلمي ضرورة علمية، وقد أمرنا الله تعالى باحترام التخصص واستفتاء أهل الخبرة والتخصص بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وهؤلاء المتخصصون ينبغي الرجوع إليهم في مجال علومهم، قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]، وقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، لقد تطرق القرآن الكريم إلى العلوم المهمة ولمواضيعها الأساسية، دون أن يعطي لها مسميات وتعريفات، ودون أن يجمع أصولها وقواعدها وضوابطها وشروطها في موضع واحد، بل فرق تلك القواعد في ثنايا السور والآيات، ثم ترك جمع القواعد والأصول للعلماء لكي يتدبروا ويجتهدوا ويسعى كل عالم منهم من أجل كشف لبنات هذه العلوم، وعندما فتح الصحابة رضي الله عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس من شتى الأمم والأجناس في دين الله تعالى، اتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص، فقام كل فريق من أهل الاختصاص بتدوين العلم الذي يحتاج الناس إليه.
(احتاج الناس إلى حفظ القرآن وفهمه): فظهرت أول ما ظهرت من التخصصات الأساسية من علوم الدين: مدرسة القرآن وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم القراء، وتفرعت وتعددت مجالاتها، وظهرت داخلها علوم القراءات، وكان من ثمرتها حفظ القرآن عضاً طرياً كما أُنزل، وصار أهل السنة والجماعة هم أهل القرآن وخاصته، لا يشاركهم في جمع القرآن وضبطه غيرهم من فرق الإسلام، وجميع فرق المسلمين عالة عليهم في القرآن وعلومه، وصار لهم في القرآن قراءات عشر متواترة السند موصولة إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم، منها سبع قراءات مشهورة، وجميعهم من أهل السنة والجماعة، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب القرآن، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب علم القرآن إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة.
(ثم احتاج الناس إلى الحديث)، فظهرت مدرسة الحديث وانتسب إليها طلاب العلم وعرفوا باسم أهل الحديث، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم الحديث وعلوم الجرح والتعديل، وتأسست المدارس الحديثية التي كان من بركتها ظهور الصحيحين وكتب السنن والمسانيد وكتب الجرح والتعديل، وكان من أعلامها المتخصصين في علم الحديث: البخاري، ومُسْلِم، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والأعلام المتخصصين في الجرح والتعديل وعلم الرجال مثل شُعْبة بن الحجَّاج، ويحيى بن سعيد القَطَّان، وعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المَديني، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وابن أبي حاتم، فهؤلاء وأمثالهم هم المرجع في علم الحديث وعلم الجرح والتعديل وعلم الرجال وعلم مصطلح الحديث، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب السنّة وحفظ السنّة، ومنه نعلم لماذا لا يكون طلب العلم الحديث إلا على منهاج أهل السنّة الجماعة،.
(ثم احتاج الناس إلى تعلم أحكام الدين وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام) فظهرت مدرسة الفقه، وانتسب إليها طلاب العلم، وعرفوا باسم الفقهاء، وتفرعت وتعددت مجالاتها وظهرت داخلها علوم أصول الفقه، وكان من ثمرة التخصص فيها ظهور الأئمة الأربعة الفقهاء المجتهدين أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقد سميت آراء هؤلاء الأئمة الأربعة ومن ذهب مذهبهم من الأئمة المجتهدين (مذاهب) ولم تسمى (فرق)، وذلك لأنهم اتّفقوا على أصول الدِّين التي يؤدي الخلاف فيها إلى التفرق المذموم وظهور البدع والفرق الضالة في مقابل الفرقة الناجية، وإنما كان الخلاف بينهم في الفروع: وهي المسائل الظنِّية من الدِّين، التي لا يمكن الاتفاق فيها على رأي واحد، لأنها تخضع لعوامل عديدة واحتمالات كثيرة يصعب الاتفاق عليها جميعا، والاختلاف فيها لا يدخل في الاختلاف المذموم، ولهذا سميت مذاهب فقهية في فهم فروع الدين، لقد أصبحت المذاهب الفقهية الأربعة على مر عصور الإسلام بفعل عوامل عديدة هي القبلة الصحيحة لطالبي الفقه على مذهب أهل الكتاب والسنّة، مع العلم بأنّها (المذاهب الأربعة) عبارة عن اجتهادات في فهم النصوص الشرعية قد تصيب وقد تخطيء، ولهذا فالحق ليس محصورا في أحدها لا يخرج عنه، بل الحق موزع عليها جميعا بل وعلى بقية الأئمة الذين انقرضت مذاهبهم، ولكن الملاحظ أن أقوالهم دخلت في أقوال المذاهب الأربعة الجامعة تقريبا لفقه الدين الإسلامي، وصارت هي مجال التخصص الفقهي عند أهل السنّة سواد المسلمين الأعظم.
(ثم استفحل أمر الفرق الضالة) والتي كان أهم أسباب ظهورها هو الجهل بالدين، أضف إلى ذلك الهوى الذي يجري من صاحبه مجرى الدم من العروق، وأصول الفرق الضالة هم (الخوارج) و(الشيعة) و(المعتزلة) و(الحشوية) و(المرجئة)، ولما استفحل أمر تلك الفرق احتاج المسلمون إلى أهل التخصص في العقيدة، لبيان عقائد الفرقة الناجية، والرد على الفرق الضالة، فظهرت مدارس العقيدة على منهاج أهل السنّة والجماعة: وأكرم الله تعالى الأمة بثلاثة من علماء المسلمين الأكابر، حملوا لواء الدفاع عن عقيدة المسلمين وبيان عقيدة أهل السنّة والجماعة، وهم: الإمام أحمد ابن حنبل، والإمام أبو الحسن الأشعري، والإمام أبو منصور الماتريدي، وبهم اكتملت صورة العقيدة الفذة التي ينبغي أن يحملها كل مسلم، فالإمام أحمد حمل لواء الدفاع عن عقيدة أهل السنة تجاه المخالفين، والإمامان أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي حملا لواء الهجوم على أعداء هذه العقيدة، وتطهير عقائد المسلمين من أخطاء الخوارج والشيعة والمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجهمية والمرجئة، وأكرم الله تعالى الأمة بهم وبتلامذتهم، وامتزجت علومهم، وظهر منهم المتخصصون في مجال العقيدة الذين ضبطوا مسائل الأسماء والأحكام، ومسائل الإيمان والكفر، ومسائل التوحيد والشرك، ومسائل التقديس والتنزيه، ومسائل الإتباع والابتداع، ومسائل الإلهيات والنبوات والسمعيات، وما يجوز وما يجب وما يستحيل على الله تعالى وعلى انبيائه ورسوله عليهم السلام، وضبطوا سائر أبواب العقيدة على مذاهب الكتاب والسنة والصحابة وآل البيت.
وصار للمسلمين ثلاث مدارس في الأصول لا رابع لها إلا الميل إلى الاعتزال أو التشبيه، وهي (المدرسة الأثرية) وعليها غالب الحنابلة إلا من مال إلى الحشو والتجسيم وسوء الادب مع الله تعالى بسبب عدم العلم بقواعد التقديس، (والمدرسة الأشعرية) وعليها غالب المالكية والشافعية وهم سواد العلماء المتخصصين في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة – إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال -، (والمدرسة الماتريدية) وعليها غالب الأحناف إلا من مال إلى الحشو أو الاعتزال، وأُحكم أساس تلك المدارس على يد المتخصصين فيها واتقنت علومها، وصارت المرجع لكل مسلم يبتغي في العقائد وجه الحق والعدل والإنصاف، من هاجم مدرسة منها فاتهمه على عقله أو علمه أو دينه، والكل عالة على أهل السنّة والجماعة في باب العقيدة وعلوم العقيدة، ومنه نعلم لماذا لا تكون راية التجديد هي راية أهل السنة والجماعة الناجية.
(ومع اتساع الفتوحات الإسلامية وثراء المجتمعات الإسلامية، بدأ ميل المسلمين إلى الدنيا والركون إليها، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية، وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الزهد والمعرفة إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً على تدوين علم التزكية (التصوف)، وإثبات شرفه وجلاله وفضله، ومن باب سد النقص، واستكمال علوم الدين في جميع نواحي الحياة الإنسانية، وإذا كان أهل السنة والجماعة (سواد المسلمين الأعظم) قد اتفقوا على مدارس العقيدة الثلاث (الأثرية والأشعرية والماتريدية) كمدارس متخصصة في العقيدة، واتفقوا على مذاهب الفقه الأربعة (الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة) كمدارس متخصصة في الفقه، فإنهم اتفقوا على أن التصوف الصحيح القائم على الكتاب والسنة، هو التزكية المقصودة بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وهو الإحسان الذي جاء في حديث جبريل عليه السلام المشهور وفيه: (قَالَ: فأخبرني عَنْ الإحسان؟ قَالَ: “أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)([1]) .
وأهله هم المتخصصون في علوم التزكية والإحسان، ولما كان المتخصصون في هذا الجانب قد عُرفوا (بالصوفية) فلا مشاحة في الاصطلاح، والمهم المضمون في هذا الباب، وهو أنّ التصوف الصحيح قد تكفل بعلم بتزكية الباطن، بطهارته من الحقد والحسد والكبر والعجب والرياء ودسائس الاخلاق، وتحليته بالإخلاص والصدق والتواضع والتقوى وعظيم الأخلاق، وقد كان السادة الصوفية المتمسكون بالكتاب والسنة هم العلماء العاملون الصادقون والمرشدون المربون والعارفون بمناهج التربية والإحسان، والكل عالة على أهل التصوف في باب التزكية والإحسان، وقد تنوعت الطرق التربوية التي يسلكها الربانيون على مذهب أهل السنّة والجماعة في تربيتهم لمريديهم فنشأ عنها ما عرف بـ (الطرق الصوفية)، القائمة على معتقد وفقه أهل السنّة والجماعة، والمتخصصة في التزكية والأخلاق وتحقيق الإحسان.
[المفتاح الثاني]: التصوف هو العلم المتخصص القائم على مرتبة الإحسان: لقد وجد التصوف منذ أول آية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، إلى قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، وذلك لأنّ التصوف هو لبّ الدين وثمرته، وهو تزكية الدين ومنازله، وهو منزلة الإحسان أعلى منازل الدين، والعهد المكي كان فترة تحلية وتزكية للوصول إلى مرتبة الإحسان، وذلك بغرس الأخلاق المحمدية في نفوس الصحابة رضوان الله عليهــــم، مثل التوبة والخشية والإنابة والصبر والتواضع والمحبة والذكر، وظل الأمر يسير على هذا النحو إلى أن هاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة، واستمر الصحابة يتدرجون في مقامات الكمال، بل كان الرجل ما إن يضع يده بيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مبايعاً حتى يترقى إلى أعلى المقامات وأسمى الحالات وذلك لقوة نور النبوة، وظل الأمر كذلك إلى أن انتقل المصطفى إلى جوار ربه، و(الصحابة) هم سادة الصوفية، وهم الأولياء المرشدون، هم الذين تحققوا بمحبة الله ورسوله، وهل بلغ احد من المسلمين مهما بلغ محبة الصحابة لله ولرسوله، حملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت، وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه، وهل التصوف إلا المحبة لله ولرسوله، فكل ما سبق المحبة من منازل يؤهل لها، وكل ما تعدها فهو من آثارها، وهذا يعلل لنا لما أحب الصحابة الشهادة في سبيل الله، لأنهم مشتاقون لله، لسان حالهم ومقالهم مرحباً بلقاء الله، ولقد كان للصحابة من الكشف والكرامات أوفر النصيب، ولكنهم كما قال أكابر أهل التصوف لم تكن لهم عناية بمثل تلك الكرامات لأنهم مشغولون عنها بملازمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإقامة الدين.
ثم جاء (التابعون) فتربّوا على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان همهم الوصول إلى رضوان الله عز وجل فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب الصحابة الكرام رضي الله عنهم، نشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم جاء (تابعو التابعين) فتربّوا على يد التابعين، وكان نور النبوة لا يزال عظيما، فتزكت نفوسهم بتأثير النور المحمدي الذي سكن قلوب تلامذة الصحابة، ودخل أناس في الإسلام كانوا حديثي عهد بكفر، ودخلت أمم بكاملها في الإسلام، ومن جانب آخر فتحت الدنيا على المسلمين، وبدأ النور المحمدي يتقادم أثره، فركن الناس إلى الشهوات وحب الدنيا وبدأ البعض يبتعد عن حال السلف، فقام أهل الطريق (أهل النور والكشف) (اهل التصوف الحق) يدعون الناس إلى العودة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، دعوا الناس إلى العودة إلى مرتبة الإحسان التي كان يعيشها السلف الصالح، وتخليص النفس من رعوناتها التي كبلتها، وقيدتها عن مشاهدة أنوار الحق، وتخليص القلب من حب الدنيا وإحياؤه بذكر الله عز وجل، فقام هؤلاء الأكابر بفتح بيوتهم لاستقبال الناس يدعونهم إلى طريق التصوف (تحقيق مرتبة الإحسان) أعلى مراتب الدين، وفتحوا المعاهد التربوية أو ما يسمى بـ (الزوايا) أو (التكايا) لملاحظة الناس وتربيتهم عن قرب فكانوا في كل عصر هم نماذج السلف الصالح الذين حافظوا على أخلاق المحسنين، وتزكية المقربين، فكما تخصص علماء الأصول في علم العقائد وسموه علم العقيدة، وكما تخصص الفقهاء في علم الفقه وسموه بهذا المصطلح، كذلك علم التصوف كباقي العلوم لم يذكر اسمه في القرآن الكريم وإن كان هو أسم العلم الذي يتناول التربية والتزكية والإحسان في الإسلام، وقد أقر علماء أهل السنة والجماعة في كل التخصصات على جعل (التصوف) علماً مستقلاً مرادفا للتزكية والإحسان، وذلك كشأن بقية العلوم الأساسية.
ويمكن اختصار تاريخ تشكل التصوف إلى أربعة مراحل: (المرحلة الأولى): كانت بداية التصوف كعلم ومدرسة تربوية مستقلة عن علمي الفقه والعقيدة، في بدايات القرن الثاني، أي بعد نشأة الفقه كعلم ومدرسة علمية بشيء يسير، وكان الناس ينظرون إلى التصوف على أنه زهد وتقشف وعبادة في الفترة التي عاش فيها صوفية: من أمثال الحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، وإبراهيم بن أدهم البلخي (ت ١١6 هـ)، ورابعة العدوية (185هـ)، والفضيل بن عياض الخراساني (ت ١87 هـ)، ومعروف الكرخي، (ت 201 هـ)، وأبو سليمان الداراني (ت205هـ)، وبشر بن الحارث الحافي (ت 227 هـ)، والحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ)، وذي النون المصري (ت 245 هـ)، وسري بن المغلس السقطي (ت 257 هـ)، ويحيى بن معاذ الرازي الواعظ (ت 258 هـ)، وأبو اليزيد البسطامي (ت263هـ)، وأحمد بن عيسى الخراز (ت 277 هـ)، وسهل بن عبدالله التستري (ت 283 هـ)، وأبي القاسم الجنيد البغدادي لسان الطائفة، (ت 297 هـ)، وكان أهم ما يميز تلك المرحلة الاهتمام بتأسيس مصطلحات علم التصوف، وأحواله ومقاماته كالمحبة والخوف والرجاء والزهد، وبداية التمييز عن علماء الفقه، بعلم التزكية والتصوف.
(المرحلة الثانية): وهي المرحلة التي ظهر فيها عباقرة التصوف الذين كتبوا أعظم كتب التصوف، منهم: أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي، المتوفي سنة 378 هـ، وله كتاب: اللمع في التصوف، وأبو بكر الكلاباذي، المتوفي سنة 380 هـ، وله كتاب: التعرف على مذهب أهل التصوف، وأبو طالب المكي، المتوفى سنة 386 هـ، وله كتاب: قوت القلوب في معاملة المحبوب، وأبو قاسم القشيري، المتوفى سنة 465 هـ، وله الرسالة القشيرية، وهي من أهم الكتب في التصوف، وأبو حامد الغزالي، المتوفى سنة 505 هـ، ومن كتبه: إحياء علوم الدين، الأربعين في أصول الدين، منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، بداية الهداية، وغيرها الكثير، ويعد كتاب إحياء علوم الدين من أشهر كتب التصوف ومن أجمعها.
(المرحلة الثالثة): وهي مرحلة تأسيس الطرق الصوفية، ومدارس التصوف والتربية والتزكية في العالم الإسلامي، على يد الربانيين من أهل التصوف، ومن أشهر تلك الطرق التربوية: الطريقة القادرية التي أسّسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)، والطريقة الرُفاعية التي أسسها الشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ)، والطريقة الأحمدية أو البدوية التي أسسها الشيخ أحمد البدوي (ت 634 هـ)، والطريقة الشاذلية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت656هـ).
و(الطرق الصوفية): هي مدارس في التزكية والتربية مرتبطة بواسطة السند المتصل، وجميعها تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة من الأثرية أو الأشاعرة أو الماتريدية، وتتبع أحد المذاهب الأربعة السنية، والاختلاف بينها إنما هو في طريقة التربية والسلوك إلى الله، حيث تختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم واختلاف البيئة الاجتماعية التي يظهرون فيها، وكل هذه الأساليب لا تخرج عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هي من باب الاجتهاد المفتوح للأمة، و توجد ثلاثة أنواع من السلوك داخل الطريقة الواحدة، وهي: مستوى التبرك، ومستوى الإرشاد، ومستوى التربية والترقية، فشيوخ التبرك هم الذين يبلغون أوراد الذكر لمن يطلبها بإذن مسند صحيح، ويقف دورهم عند هذا التبليغ، وينالون الآخذ عنهم بركة النسبة لسلسلة الشيوخ الصالحين المتصلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ينالون ثواب وأنوار الأذكار التي يلتزمون بها، وأما شيوخ الإرشاد فزيادة على تبليغ الأوراد يسعون لإرشاد السالكين إلى مكارم الأخلاق ودوام الذكر وصفاء الباطن فشيخ التبرك يدل على مقام الإسلام وغايته علم اليقين والإشراف على النفس المطمئنة، وشيخ الإرشاد يرشد إلى مقام الإيمان وغايته عين اليقين والإشراف على مقامات القلب الراضي المرضي المستنير بدوام الذكر، وأما شيوخ التربية والترقية فهم الاولياء المرشدون الذين يؤهلون السالكين إلى مقام الإحسان، مقام المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه).
(المرحلة الرابعة): وهي مرحلة الكتابة في علوم الحقائق والوراثة، وهي المرحلة التي تكلم فيها الوارثون من أمثال الشيخ الاكبر العارف بالله: محيي الدين بن عربي، والعارف بالله: عبد الكريم الجيلي، تكلموا بما فتح الله تعالى عليهم من علوم الكشف والحقيقة، وهذه العلوم لدنية، قال تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]، لا ينالها إلا الوارث بعد الوارث، ومعارف تلك العلوم لا عد لها ولا حد لها، لأنها من لدن الرب الإله القدوس المقدس عن الحدود والغايات والبدايات والنهايات، وقد تفرد بها الوارثون من أكابر اهل التصوف، لأنهم لما استقامت عندهم النفس وزكت وطهرت وكملت، وعزفت عن الدنيا، وزهدت فيما سوى الحق، أكرمهم الحق بالمكاشفات والمشاهدات وبعلوم الحقائق التي يدركون بها من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم، فمن أُذن له في نشرها نشرها، ليعم نفعها على أمة الإسلام خير امة أخرجت للناس، وأدنى نصيب من هذا العلم: هو التصديق به وتسليمه لأهله،
***