المبحث التاسع والعشرون الصوفية والصحب الكرام والآل الأطهار
[المفتاح الأول]: مذهب الصوفية في الصحب والآل هو المذهب الأمثل والأسلم والأصح بين المذاهب، فهم يوالون ويحبون الصحب والآل، ويترضون عنهم، ويؤمنون ويقرون بما أتثبته الله تبارك وتعالى من فضلهم ومن الكرامة لهم، فيقولون: أنّ منزلة الصحابة لا يعدلها شيء، لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال، وأنّ فضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأفضل الصحابة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وضي الله عنهم، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان ثم من آمن قبل فتح مكة ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهم كذلك يحبون آل البيت جميعا، بل يعشقونهم ويوالونهم جميعا، ولا يرضون أبدا لما نالهم من الأذى، هم الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وقال تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73]، وقال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) ([1]) .
فمودتهم فرض، ومحبتهم واجبة، والصلاة عليهم واجبة، أخرج البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ([2]) .وهم يقولون بأن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم، لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه، بل بسابق عناية من الله لهم، إذ قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص، ولا أن يشنأ عرض من شهد الله تعالى بتطهيره وذهاب الرجز عنه، والعقوق لا يخرج عن النسب، ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان، قال تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قال ابن عباس: أي إلا أن تودّوا قرابتي، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها) ([3]) . فللجزء من الحرمة ما للكل، ما اتصلت النسبة وهي الإسلام، فبان أن للآل من الفضل ما لا يقدر قدره، والحاصل: أنّ الصوفية يجمعون بين حب الصحابة حبا جما، وحب أهل البيت حبا جما، ولا يجعلون هناك تناقضا بين حب الصحابة وحب أهل البيت، بل كلاهما من مشكاة واحده، هؤلاء صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهؤلاء آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودائما يقولون اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الاطهار وصحبه الأبرار.
[المفتاح الثاني]: الصوفية والصحب الكرام: (تعريف الصَّحابي): الصحابي هو: كل من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنا به، ومات على الإسلام، وجاءت نصوص عظيمة من الكتاب والسنة في الدلالة على فضل الصحابة رضي الله عنهم، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18]، وقال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]، وقوله تعالى:، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ([4]) . وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ([5]) .
[المفتاح الثالث]: أهل التصوف: يحبون أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويتولونهم جميعا، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لكلٍّ فضله عمومًا وخصوصًا، وهم يمسكون عما جرى بين الصحابة فلا يخوضون فيما شجر بين الصحابة وانهم جميعا مأجورون في اجتهادهم، فمن أصاب فله أجران، ومن اخطأ فله اجر واحد، فيجب الكف عن الخوض في مساوئهم، والتماس العذر فيما ثبت عنهم، وهم ليسوا بمعصومين ولكنهم أطهر الخلق بعد الأنبياء، ومنزلتهم (الصحبة) لا تدانيها منزلة، قد تحصل من أحدهم الزلة، ولكنها مغمورة في بحار فضلهم وسبقهم وصحبتهم، فغن وقع من بعضهم بعض الذنوب فإنَّ لهم من أسباب المغفرة ما ليس عند غيرهم من المسلمين، هم خير الأمة وافضلها، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلبَ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد – صلى الله عليه وسلم – فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه، يقاتلون على دينه) ([6]) .وكما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم، والله رب الكعبة) ([7]) .وهم يرون أنّ الأحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهم يرتبون الخلفاء في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فيقولون: أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
[المفتاح الرابع]: خلاصة مذهب أهل التصوف في الصحابة: محبة جميع الأصحاب، وسلامة قلوبهم من الغِلِّ لأحد من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم تحقيقًا لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، وسلامة ألْسِنتهم نحوهم، فلا يذكرون أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بخير وعلى وجْه الثناء والشهادة له بالفضْل، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهَ الله في أصحابي، لا تتخِذوهم غَرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقدْ آذى الله، ومن آذى الله فيوشِك أن يأْخُذَه) ([8]) .
فحقوق الصحابة على الأمة من أعظم الحقوق، فإنهم خيار الأُمَّة، بل خيرُ الناس بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ورَضِي الله عن الصحابة أجمعين، واهل التصوف لا يعتقدون عصمة أحدٍ من الصحابة، بل يجوز وقوعُ الذنوب منهم ولكنها مغفورة ومغمورة في بحار حسناتهم.
[المفتاح الخامس]: اتفق الصوفية على وجوب مودة آل البيت جميعا، ومحبتهم جميعا، والصلاة عليهم عند الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن في مودتهم مودة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال الله تعالى: {قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أذكركم الله في أهل بيتي قالها ثلاثا) ([9]) .
وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم كيفية الصلاة عليه، وأن الصلاة على آله تبع للصلاة عليه، أخرج البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ([10]) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهمَّ صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد، اللهمَّ بارِك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد)
[المفتاح السادس]: فضل النسب ثابت: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ([11]) .
فنسبه صلى لله عليه وسلم ونسب آله أشرف النسب وأعلاه في العرب والعجم، ونسب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: هو: محُمَّدٌ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (واسمه شَيْبَة) بْنِ هَاشِمِ (واسمه عمرو) بْنِ عَبْدِ مَنَافِ (واسمه المغيرة) بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارَ بْنِ مَعَدَّ بْنِ عَدْنَانَ، وعدنان ينتهي نسبه نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم خليل الله عليهما السلام، وهو صلى الله عليه وآله وسلم خير أهل الأرض نسباً، أخرج مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ([12]) .
[المفتاح السابع]: قريش أعظم وأشرف قبيلة على وجه الأرض، ويكفي أنّ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وأكابر الصحابة رضي الله عنهم منهم، أخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ([13]) .
وأخرج الطبراني عن أمِّ هانئ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فضَّل الله قريشاً بسبع خصال، لم يعطها أحدٌ قبلهم، ولا يعطاها أحدٌ بعدهم: فضَّل الله قريشاً أنِّي منهم، وأنَّ الخلافة فيهم، وأنَّ الحجابة فيهم، وأنَّ السِّقاية فيهم، ونصرهم على الفيل وهم مشركون، وعبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأنزل الله فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم {لإيلاف قريش})([14]) .
وهي خصال عظيمة:
أولها أنّ النبيُّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم من قريش، والخصلة الثَّانية: أنّ الخلافة في قريش، أخرج البخاري: عن معاوية رضي الله عنه أيضاً أنَّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إنَّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدِّين) ([15]) .
وقد نقل الإمام النَّووي في شرحه لصحيح مسلم الإجماع على أنَّ الخلافة في قريش([16]) .
والخصلة الثَّالثة: أنّ الحجابة والسِّدانة في قريش: هي وظيفة حفظ مفتاح الكعبة، وتولِّي خدمة البيت وفتح بابه وإغلاقه، وقد كانت السِّدانة قبل قريش لخزاعة، ثمَّ وليها قصيُّ، فأعطاها إلى ولده عبد الدَّار، ثمَّ هو أعطاها بدوره إلى ولده عثمان، فلم تزل تنتقل في أولاده إلى أن انتهت إلى عثمان بن طلحة، ثم إلى ابن عمه شيبة، واستمرت السِّدانة في ولد شيبة إلى الآن بأمرٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث دفع إليهم المفتاح عام فتح مكَّة المكَرَّمة، وقال: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء) ([17]) .
والخصلة الرَّابعة: السِّقاية في قريش: وهي وظيفة تقديم ماء زمزم ليشرب منه الحجاج، وسقاية الحجيج كانت المهمَّة التي يتنافس على تقديمها أشراف مكَّة، من يحظ بشرف هذه المهمَّة يصبح علماً يشار إليه بالبنان، وأصل تولِّي سقاية زمزم بمكان معدٍّ بجوارها بعد حفر عبد المطلب بن هاشم لها، كان لعبد المطلب ذاته، فلمَّا توفِّي تولَّى أمر السِّقاية ابنه أبو طالب، فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم، فصرفها وجاء الموسم، ولم يكن معه شيء، فطلب من أخيه العباس أربعة عشر ألف درهم إلى الموسم القابل، فشرط عليه إذا جاء الموسم ولم يقضه أن يترك له السِّقاية، فقبل ذلك، وجاء الموسم فلم يقضه فترك له السِّقاية، فكانت بيد بني العباس بن عبد المطلب وولده، إلى أن انقضت خلافتهم.
والخصلة الخامسة: نصرهم على الفيل وهم مشركون: وقد خلَّد الله نصرهم في كتابه الكريم، في سورة سمِّيت بسورة الفيل، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}.
والخصلة السَّادسة: عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، لأن غالب من آمن بالرسول في أول الدعوة كانوا من قريش.
والخصلة السَّابعة: أنزل الله فيهم سورة من القرآن: وسمَّاها باسمهم، وهي سورة قريش، خلَّد الله فيها ذكرهم في العالمين، إلى قيام السَّاعة، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال الله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}.
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم اختاره الله تعالى من صميم قريش، ولا يوجد في سلسلة آبائه إلا كراماً ليس فيهم مسترذَل بل كلهم سادة قادة، ولا شك أن شرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة، وكل اجتماع بين آبائه وأمهاته كان شرعياً بحسب الأصول العربية، ولم ينل نسبه شيء من سفاح الجاهلية بل طهَّره الله من ذلك والحمد لله.
[المفتاح الثامن]: الأسرة الهاشمية: هي الأسرة التي ينتسب إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعرف الأسرة النبوية: بالأسرة الهاشمية نسبة إلى جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هاشم بن عبد مناف بن قُصَىّ، و(هاشم بن عبد مناف): هو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وكان اسمه عمرو فما سمى هاشمًا إلا لهشمه الخبز، وهو أول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء والصيف، و(عبد المطلب بن هاشم): هو الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان : حفر بئر زمزم، ووقعة الفيل، حيث أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفرها، وأقام سقاية زمزم للحجاج، وأما حادثة الفيل، فإن أبرهة الحبشى، النائب العام عن النجاشى على اليمن، لما رأي العرب يحجون الكعبة بني كنيسة كبيرة بصنعاء، وأراد أن يصرف حج العرب إليها، وسار بجيش عرمرم إلى الكعبة ليهدمها، وكان في الجيش أفيال عديدة، واختار لنفسه فيلا من أكبر الفيلة، وتهيأ لدخول مكة، وفي الطريق رأي الجيش إبلا لعبد المطلب فأخذوها، فدخل عبد المطلب على أبرهه يطلب أبله، فقال له أبرهة أنت سيد العرب تطلب الإبل ولا تكلمني في شأن البيت، فقال قولته المشهورة: (للبيت رب يحميه)، فلما كان في وادى مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى، برك الفيل، ولم يقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبينا هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول، وكان من خبرهم ما ذكره الله تعالى في سورة الفيل، وكانت قريش قد تفرقوا في الشعاب، وتحرزوا في رءوس الجبال خوفًا على أنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين، وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمسين يومًا تقريبا، وكان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم: الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحمزة، وأبو لهب، والغَيْدَاق، والمُقَوِّم، وضِرَار، والعباس، وست من البنات وهن : أم الحكيم وهي البيضاء، وبَرَّة وهي أم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، وعاتكة، وأرْوَى، وأميمة، وصفية وهي أم الزبير بن العوّام، و(عبد الله بن عبد المطلب) والد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: كان عبد المطلب قد نذر إن رزقه الله عشرة من الولد أن يذبح أحدهم للكعبة، فلمـا تم أبناؤه عشرة، أقـرع بينهم أيهم ينـحـر ؟ فطـارت القرعــة على عـبد الله، وكــان أحـب النـاس إليه، واعترض على ذبحه أخواله، فأُشير عليه أن يقترع بينه وبين عشرة من الأبل وكانت العشرة من الإبل هي دية العربي آنذاك، فقال: اللهم هو أو عشرة من الإبل، فضرب القداح فخرج القدح على عبد الله، فظل يزيد عشرا من الأبل حتى بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها، فأعاد القرعة ثلاث مرات تقع جميعها على الإبل المائة، فنحرت ثم تركت، لا يرد عنها إنسان ولا سبع، وجرت الدية للعربي بعد هذه الوقعة مائة من الإبل، وأقرها الإسلام، ومن هذه الواقعة يصح أن يُقال أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هو ابن الذبيحين، يعنى إسماعيل عليه السلام، حيث فداه الله تعالى بكبش عظيم، قال تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107]، وأباه عبد الله، حيث فداه جده عبد المطلب بمائة من الإبل.
[المفتاح التاسع]: الصوفية يحذرون من الخوض في مصير آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأجداده لأن الأمر فيه سوء أدب وناصبية مقيته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}، ولا أذًى أعظم مِن أن يقال عن أبويه انهما في النار، لاسيما وقد نص أكثر الفقهاء على نجاتهما، فجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد المطلب كان من الموحدين: و أقل ما يقال فيه: أنه من أهل الفترة الذين قال الله تعالى فيهم: {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3]، وقال تعالى: {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46]، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19]، وقال تعالى: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 1 إلى 6]، ومن قواعد أهل التصوف الضابطة لهذا الأمر: قاعدة: عـدم مؤاخـذة الكافريـن على كفرهـم قبـل بلـوغ النـذارة إليهـم، ويدخل فيهم ولا شك أهل الفترة، وذلك لقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، والآية إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسل إليهم، ويؤيده قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، وقوله تعالى {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طـه: 134]، وقوله تعالى {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]، فهذه الآيات وأمثالها تدل على أنّ الله تعالى لا يعذب أحداً إلاّ بعد قيام الحُجة بإرسال الرسل إليهم، وأخرج الإمام أحمد في مسنده وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة، رجل أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة، فأمّا الأصم فيقول ياربّ جاء الإسلام وما أسمع شيئاً وأمّا الأحمق فيقول جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر وأمّا الهرم فيقول لقد جاء الإسلام وما أعقل وأمّا الذي مات على الفترة فيقول يا ربّ ما أتاني رسولك فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، قال فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاما ومن لم يدخلها سُحب إليها) ([18]) .
فهذا الحديث يدّل على أنّ من لم تبلغه دعوة رسول في الدُنيا أنه لا يؤاخذه بكفره يوم القيامة حتى يمتحنه الله تعالى يوم القيامة، فيرسل إليه رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، وعبد المطلب، هو الذي اختصه الله تعالى بالرؤيا المباركة في تعريف موضع زمزم، وهو الذي أقام سقايتها للحجاج، وقصته مع أبرهة تشهد أنه كان مؤمنا بالله، واجه الطاغية أبرهة، وأخبره بان رب البيت سيحمي بيته و سيمنعه في قصته الشهيرة مع أبرهة، قال لأبرهة: لهذا البيت رب سيمنعه، فاغتاظ أبرهة و قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت و ذاك، فأمر أبرهة جيشه بالتحرك باتجاه الكعبة، و انطلق عبد المطلب من عنده مسرعاً، و أمر قريشا بالخروج من مكة إلى الجبال و الشعاب للتحرز فيها خوفا عليهم، ليقينه بأن عذابا سيوقه الله تعالى الآن في أبرهة و جيشه، ثم توجه مباشرة الى البيت فأخذ بحلقته و قيل تعلق بأستار الكعبة يدعو الله و يستنصره و هو ينشد و يقول:(اللهم إن المرء يمنع رحله و حلاله فامنع حلالك، لا يغلبن صليبهم و محالهم أبدا محالك، و أنصر على آل الصليب و عابديه اليوم آلك، جروا جميع بلادهم و الفيل كي يسبوا عيالك، عمدوا حماك بكيدهم جهلا و ما رقبوا جلالك، إن كنت تاركهم و كعبتنا فأمر ما بدا لك)، فهو لم يتوجه الى الأصنام يستجديها كما كان يفعل مشركو قريش في الأزمات، وعبد المطلب هو الذي افتخر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إليه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة حنين لما حمي الوطيس: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ([19]) .
ولو كان كافرا لكان نجسا، لقوله تعالى: {إنما المشركون نجس}، ولما انتسب إليه خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم، بل ولتبرأ منه ومن كفره، وقد أخرج مسلم: قول النبي صلى الله عليه و سلم: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، و اصطفى قريشا من كنانة، و اصطفى من قريش بنى هاشم، و اصطفانى من بنى هاشم)، و ليس هنالك معنى للاصطفاء إلا النسب المتسلسل الطاهر المبرأ من الشرك لأن الله سبحانه و تعالى قال في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}، فلا يمكن أن يصطفى الله النجس و لكن الاصطفاء للموحدين الأطهار و ذلك ما يؤكد توحيد آباء النبي صلى الله عليه و سلم، ويؤيده قوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين}، يدل على أن آباء النبي صلى الله عليه و سلم لم يكونوا كفارا، والمراد تقلبه و تنقله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية، ولا تكون طاهرة ولا زكية إلا إن كانت مؤمنة بالله.
[المفتاح العاشر]: لأهل الخوض في آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم شبهات منها: أنّ عبد المطلب نشأ في بيئة مشركة، فلابد وان يكون مثلهم على الشرك لاسيما وهو كان سيد أهل مكة، ولا حجة في ذلك، فلا يعني انتماؤه إلى بيئة مشركة أنه لابد وأن يكون كذلك، فقد كان بعض العرب وقتها على دين ابراهيم عليه السلام أو على اليهودية و النصرانية، و لم يكن مستنكرا في ذلك الوقت أن يتبع أحد إحدى تلك الديانات، أضف إلى ذلك أن الادلة من وقائع السيرة تشير الى أن عبد المطلب كان حنيفا موحدا لله تعالى و لم يكن من المشركين، قصارى الأمر أنه لم يجهر بعقيدته في التوحيد، ولم تأت السيرة بما يدل على شركه وعبادته للأصنام، ومن شبهاتهم أيضا: العبارة التي تلفظ بها أبو طالب قبل موته: (على ملة عبد المطلب)، فتوهم البعض أنها دليل على أن عبد المطلب كان مشركا، لأن أبا طالب مات على ملته فمات مشركاً، وهو من أهل النار، والوضع مختلف فإن عبد المطلب مات قبل البعثة وهو من أهل الفترة، ولم تقم عليه الحجة الرسالية، أما أبو طالب فقد قامت عليه الحجة بالرسالة، ولو أن قال (يموت على ملة نبي الله موسى أو عيسى) ما نفعه ذلك حتى يؤمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالمناط للكفر ليس قوله (على ملة عبد المطلب) وإنما المناط عدم انقياده لشريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أضف إلى ذلك أنه لا توجد رواية تثبت أن عبد المطلب كان يعبد الأوثان، وعلى هذا فلا ينبغي الخوض في المسألة، أو أن يكون الترجيح في الجانب الذي يكون فيه تعظيم آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما وردت آثار عديدة بذلك.
[المفتاح الحادي عشر]: اتفق الصوفية على أنّ والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الفترة وهما من أهل النجاة: قال الإمام السيوطي في رسالته مسالك الحنفا في والدى المصطفى: (الحكم في أبوي النبي صلى الله عليه و سلم أنهما ناجيان و ليسا في النار صرح بذلك جمع من العلماء و لهم في تقرير ذلك مسالك: المسلك الأول: أنهما ماتا قبل البعثة و لا تعذيب قبلها لقوله تعالى {و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، و قد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام و الأصول و الشافعية من الفقهاء على أن من مات و لم تبلغه الدعوة يموت ناجيا، المسلك الثانى: أنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم عليه السلام كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل، و ورقة بن نوفل و غيرهما، المسلك الثالث: أن الله أحيا له صلى الله عليه و سلم أبويه حتى آمنا به، قال: و هذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من حفاظ المحدثين و غيرهم، منهم ابن شاهين، و الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى، و السهيلى، و القرطبى، و المحب الطبرى، و العلامة ناصر الدين ابن المنير، و غيرهم، ثم ذكر ما ورد من الآثار في ذلك، و نقل عن القرطبى أنه لا تعارض بين حديث الإحياء و حديث النهى عن الاستغفار فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما، وذكر أن الحديث الوارد في إحياء أم النبي صلى الله عليه و سلم من قسم الضعيف الذى يتسامح بروايته في الفضائل خصوصا في مثل هذا الموطن، التعظيم و المنة، وقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: (مما يدل على أن آباء سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام: (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات)، و قال تعالى: {إنما المشركون نجس}، فوجب الإيمان أن لا يكون أحد أجداده مشركا، قال: و من ذلك قوله تعالى: {الذي يراك حين تقوم * و تقلبك في الساجدين}،([20]) .
ونقل الحافظ السيوطي عن الإمام أبو بكر بن العربي المالكي: (سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل قال: إن أبا النبي صلى الله عليه و سلم في النار، فأجاب بأنه ملعون، لأن الله تعالى قال: {إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا}، قال: لا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار([21]) .
وقال الحافظ القرطبي في كتابه:(إن فضل النبي صلى الله عليه و سلم و خصائصه لم تزل تتوالى و تتتابع إلى مماته صلى الله عليه و سلم، فيكون هذا مما فضله الله تعالى به و أكرمه، و ليس إحياؤهما و إيمانهما به ممتنعا عقلا، و لا شرعا، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل و إخباره بقاتله، و كان عيسى عليه السلام يحيى الموتى) ([22]) .
وذكر الآلوسي في تفسيره عند قوله تعالى: {وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}، أن القول بإيمان أبويه صلى الله عليه و سلم قول كثير من أجلة أهل السنة، و أنا أخشى الكفر على من يقول فيهما رضي الله عنهما على رغم أنف القاري و أضرابه بضد ذلك)، ([23]) .وقال العلامة ابن حجر الهيتمي: (و حديث مسلم: قال رجل: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: “في النار”، فلما قفا دعاه فقال: “إن أبي و أباك في النار”، يتعين تأويله، و أظهر تأويل عندي: أنه أراد بأبيه عمه أبا طالب، لما تقرر أن العرب تسمي العم أبا، و قرينة المجاز في الآية الآتية الشاهدة بخلافه على أصح محاملها عند أهل السنة، و أن عمه هو الذي كفله بعد جده عبد المطلب) ([24]) .
وقال الإمام القسطلاني الشافعي:(و الحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي النبي صلى الله عليه و سلم، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو وصف وصف به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة، و قد قال عليه الصلاة و السلام:”لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات” رواه الطبراني في الصغير، و لا ريب أن أذاه عليه السلام كفر يقتل فاعله إن لم يتب عندنا،([25]) .
وقال الإمام الزرقاني في شرح المواهب اللدنية: (و قد بينا لك أيها المالكي حكم الأبوين، فإذا سئلت عنهما، فقل: إنهما ناجيان في الجنة، إما لأنهما أحييا حتى آمنا، كما جزم به الحافظ السهيلي و القرطبي، و ناصر الدين بن المنير، و إن كان الحديث ضعيفا، كما جزم به أولهم و وافقه جماعة من الحفاظ، لأنه في منقبة و هي يعمل فيها بالحديث الضعيف، و إما لأنهما ماتا في الفترة قبل البعثة و لا تعذيب قبلها، كما جزم به الأبي، و إما لأنهما كانا على الحنيفية و التوحيد و لم يتقدم لهما شرك، كما قطع به الإمام السنوسي و التلمساني المتأخر محشي الشفاء، فهذا ما وقفنا عليه من نصوص علمائنا) ([26]) .
[المفتاح الثاني عشر]: فضائل آل بيت النبي الطاهرين الأطهار: قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وقال تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73]، وأخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطِيبًا فِينَا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَأُجِيبُ ؛ وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ – فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ – قَالَ: وأهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أهل بَيْتِي ” فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أهل بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ؟ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَهُ مِنْ أهل بَيْتِهِ وَلَكِنَّ أهل بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: ” هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ ” قَالَ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ! قَالَ: نَعَمْ) ([27]) . وأخرج الترمذي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء، يخطب، فسمعته يقول: (يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) ([28]) .
وأخرج مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: : (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق) ([29]) .
لذا قال العلماء: لا يُبغض عليًّا لدينه إلا منافق، واخرج الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في السنن الكبرى، عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: جمع علي رضي الله عنه الناس في الرحَبة، ثم قال لهم: أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خُمٍّ ما سمع، لما قام، فقام ناس كثير، فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: (أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) ([30]) . وأخرج الإمام أحمد عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: (لا يُبغضك مؤمن، ولا يحبك منافق) ([31]) . واخرج ابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يُبغضنا – أهلَ البيت – رجل إلا أدخله الله النار)، ([32]) .
وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما، عن فاطمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه سلم قال لها: (يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)، ([33]) .
وأخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ([34]) . وأخرج البخاري ومسلم عن أبي بكر رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه أحب إلي أن أصل من قرابتي، ([35]) .واخرج البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه: (ارقبوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته) ([36]) .
أخرج الطبراني عن عمر رضي الله عنه أنه قال للعباس رضي الله عنهما: (والله، لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب) ([37]) .
[المفتاح الثالث عشر]: الصوفية يرون أنّ أحكام الصفات الربانية لا تتبدل، وآثارها لا تنتقل، فمن ثم يعتقدون في أهل البيت عليهم السلام أن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم، لا بعمل عملوه، ولا بصالح قدموه، بل بسابق عناية من الله لهم، إذ قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص، ولا أن يشنأ عرض من شهد الله تعالى بتطهيره وذهاب الرجز عنه، وإذا كان العقوق لا يخرج عن النسب، ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال تعالى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، والمعنى: لا تؤذوني في قرابتي وآل بيتي، وللجزء من الحرمة ما للكل، لذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا يُرِيبُهَا وَيُؤْذِينِي مَا يُؤْذِيهَا) ([38]) .
وإذا كان الله تعالى اثنى بصلاح الأب في حفظ الذرية كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}، إذا كان هذا في أولاد الصالحين، فما ظننا بأولاد الأولياء، وإذا كان هذا في أولاد الأولياء، فما ظننا بأولاد الأنبياء، وإذا كان هذا في أولاد الأنبياء، فما ظننا بأولاد المرسلين، وإذا كان هذا في أولاد المرسلين، فما ظننا بأولاد سيد المرسلين وخير خلق الله أجمعين ومن أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره.
***
([1]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408.و 4/1874 ح 2408.
([2]) المصدر السابق 4/146 3369.
([3]) سنن الترمذي 5/698 ح 3869، المستدرك للحاكم 3/173 ح 4751.
([4]) صحيح مسلم 4/1967 ح 2541.
([5]) سنن ابن ماجة 1/112 ح 162.
([6]) أخرجه الإمام أحمد في “المسند” (6/ 84)، برقم 3600.
([7]) حلية الأولياء: 1/ 305 – 306.
([8]) مسند أحمد 27/358 ح 16803.
([9]) صحيح البخاري 8/77 ح 6360، صحيح مسلم 1/306 ح 407.
([10]) صحيح البخاري 4/146 . صحيح مسلم 1/305 ح 405.
([11]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2276.
([12]) صحيح مسلم 4/1782 ح 2276.
([14]) المعجم الكبير للطبراني 24/409 ح994.
([15]) صحيح البخاري 4/179 ح 3500.
([16]) شرح النووي علي مسلم 12/200.
([18]) مسند أحمد 26/228 ح 16301.
([19]) صحيح البخاري 4/32 ح 2874.
([21]) الدرج المنيفة في الآباء الشريفة: 103.
([22]) التذكرة في أحوال الموتى و أمور الآخرة: 141.
([25]) المواهب اللدنية: 1 / 111.
([26]) شرح الزرقاني علي المواهب اللدنية 1/349.
([27]) صحيح مسلم 4/1873 ح 2408، مسند أحمد 32/11 ح 19265.
([28]) سنن الترمذي 5/663 ح 3788.
([29]) المصدر السابق 1/86 ح 78.
([30]) مسند أحمد 2/262 ح 950، السنن الكبرى 7/310 ح 8092.
([31]) مسند أحمد 44/117 ح 26507.
([32]) صحيح ابن حبان 3/494 ح 2817.
([33]) صحيح البخاري 4/203 ح 3623. صحيح مسلم 4/1904 ح 2450.
([34]) مسند أحمد 18/138 ح 11594، سنن الترمذي 5/556 ح 3768. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الدارقطني في (سؤالات السهمي) (216): صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث قد صح من أوجه كثيرة وأنا أتعجب أنهما لم يخرجاه، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/ 204): رجاله رجال الصحيح.
([35]) صحيح البخاري 5/20 ح 3711. صحيح مسلم 3/1380 ح 1759.
([36]) صحيح البخاري 5/26 ح 3751.