الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، ففي هذا الدرس أتناول بمشيئة الله تعالى: بيان: الخلق الأول من أخلاق المسلم مع الله: التوحيد والبراءة من الشرك: [التوحيد]: هو المرادف لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وليس هناك في الوجود كلمة تصلح للاعتراف بوجود الإله الرب المعبود الحق الذي له الكمال في كل شيء والذي له التفرد في كل شيء والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، سوى كلمة (الإله)، ولهذا ما كان يصلح لشهادة التوحيد وما كان يجزئ عن شهادة الموحد (لا إله إلا الله) شيء سواها، فلا يمكن أن يحل محلها قولنا (لا رب إلا الله)، ولا قولنا (لا معبود إلا الله)، ولا قولنا (لا قادر ولا عليم ولا سميع ولا بصير إلا الله)، وما ذاك إلا لأنّ، قول المسلم (لا إله إلا الله) يشمل ذلك كله، ويزيد عليه، ف (لا إله إلا الله) يدخل في معناها لزاماً توحيد الذات تعالى وتقدس فلا شريك لله تعالى في ذاته، وتوحيد الأسماء الحسنى فلا شريك له في أسمائه، وتوحيد الصفات العلى فلا شريك له في صفاته، وتوحيد الأفعال فلا خالق إلا الله فلا شريك له في أفعاله، وتوحيد الربوبية فلا رب للكون سواه فلا شريك له في ربوبيته للعالمين، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه ولا مستحق للعبودية سواه، كل ذلك لله وحده لا إله إلا هو، وعلى ذلك ف معنى (لا إله إلا الله): نفي وإثبات: أي نفي الند والشريك والكفء والمثيل عن الإله الواحد الأحد، ونفي جميع صفات الربوبية والإلهية عما سوى الله، واعتقاد أنه لا إله بحق إلا الله ولا رب على الحقيقة إلا هو ولا معبود بحق سواه، ومعنى (لا إله إلا الله): نفي لجميع أنواع الشرك المتعلقة بالذات والاسماء والصفات والأفعال والربوبية والعبودية، واثبات للتوحيد بجميع أقسامه: توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، وعلى ذلك ف (لا إله إلا الله) هي شهادة التوحيد وهي توحيد الألوهية.
و[التوحيد] هو التحقيق الأوفى لمضمون (لا إله إلا الله) وهي أعظم العلم بدين الله لأنها تجمع دين الله كله خروجا مما ينافيه، ودخولاً فيما يقتضيه، ورسالات الرسل و الأنبياء جميعاً قامت على هذه الكلمة كما أخبر تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}، والتوحيد عقيدة متكاملة ومنهج حياة شامل وخلق رباني قويم من أتى به كان على الله أن يدخله الجنة، وشهادة التوحيد (لا إله إلا الله) – بعد بعثة الرسول e وإلى قيام الساعة لا تقبل إلا بإضافة شهادة الإتباع (أشهد أن محمد رسول الله) وإفراد الطريق إلى الله باتباع رسول الله e، والشهادتان لا تنفك إحداهما عن الأخرى لأنه إذا كانت شهادة (لا إله إلا الله) تعني توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وفي ربوبيته وألوهيته واستحقاقه للعبادة وحده، فإن شهادة (محمد رسول الله) تعني بيان طريق ذلك التوحيد وتلك العبادة وتلقي كيفيتها إذ الطريق إلى التوحيد وعبادة الله تعالى عبادة صحيحة مقبولة هو طريق رسول الله e، فالشق الأول: (لا إله إلا الله) يعرف منه المعبود الحق عز وجل، وهو توحيد الإله الحق، والشق الثاني: (محمد رسول الله) يعرف منه كيف يوحد الله عز وجل، وهو في حقيقة الامر توحيد الطريق إلى الله، ودين الإسلام مبني على أصلين عظيمين: أولهما: توحيد الله تعالى، فلا شريك له لا في ذاته ولا في اسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في ربوبيته واستحقاقه وحده لصفات الربوبية، ولا في الوهيته واستحقاقه وحده للعبادة، وثانيهما: أن يوحد بما شرعة على لسان رسوله e، و[شهادة التوحيد (لا إله إلا الله – محمد رسول الله)]: هي الجامعة لعلم التوحيد وعمل التوحيد وأخلاق الموحدين، شهادة أن لا إله إلا الله: تتمثل في البراءة من الشرك والكفر بالطاغوت، ومن ثم توحيد الله تعالى في ذاته، وأسمائه، و صفاته، و أفعاله، وفي ربوبيته، وفي ألوهيته، (وشهادة أنّ محمدا رسول الله): تتمثل في الإيمان به e رسولا من عند الله، وتصديقه e فيما أخبر، والانقياد والطاعة لما جاء به من عند الله تعالى من أمر ونهي، وتحكميه e في كل أمر، وأن لا يعبد الله عز وجل إلا بما أجازه شرع الرسول e، ومحبته e وتعظيمه وتوقيره e، وبعد بعثة الرسول e وإلى قيام الساعة لا تقبل شهادة التوحيد إلا بإضافة شهادة الإتباع وإفراد الطريق إلى توحيد الله باتباع رسول الله e (أشهد أن محمد رسول الله).
ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله: أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه لا ند ولا شريك ولا كفء ولا مثيل لله، وأنّه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأنه لا رب حقا لهذا الكون إلا الله، وأنه لا معبود بحق إلا هو الإله الحق، هو وحده المستحق لتوحيد الذات، وتوحيد الأسماء والصفات والأفعال، وتوحيد الربوبية بكافة مفرداتها، وتوحيد الألوهية والعبادة بكافة مفرداتها، فإذا قال العبد (أشهد أن لا إله إلا الله) فمعناه أنه لا أعتقد إلها ربا مدبرا لهذا الكون متصرفا فيه إلا الله ولا أعتقد معبودا بحق تصرف إليه العبودية سوى الله، ولا أعتقد كمالا إلا لهذا الإله الواحد الأحد المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال المثلى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، والله أكبر من كل تصور، جلّ عن أن تحيط به الافهام والعقول، وتعالى عن أن تدركه الابصار، أو تبلغه الأوهام، وكل ما خطر بالبال فالله تعالى بخلافه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ومعنى شهادة: (أنّ محمداً رسول الله): أن نشهد باللسان ونعتقد بالجنان اعتقاداً جازماً لا يقبل التردد ولا الشك أنه محمداً e هو الرسول الصادق الأمين المبلغ عن الله تعالى شرعه ودينه فنصدقه فيما أخبر ونطيعه فيما أمر ولا نعبد الله تعالى إلا بما شرع فطاعته من طاعة الله واتباعه هو الطريق الصحيح الأوحد إلى عبادة الله ونيل رضاه، فمن اعتقد أنه يسعه الخروج عن طاعة النبي أو يسعه الوصول إلى الله بغير سلوك طريقه e فقد كفر، فلا طريق لنا إلى عبادة الله إلا رسول الله e، وللتوحيد أركان ثلاثة: اثنان في شهادة (لا إله إلا الله)، الأول: البراءة من الشرك (لا إله)، والثاني اثبات التوحيد لله وحده: (إلا الله)، والركن الثالث في شطر الشهادة (محمد رسول الله)، ويعني الإيمان بالرسول e مرسل من عند الله تعالى مبلغ عن الله تعالى دينه وشرعه، أما ركني شهادة التوحيد (لا إله إلا الله): فهما النفي والإثبات: النفي: (لا إله) والمقصود به نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله، ونفي جميع الأرباب المزعومة من دون الرب سبحانه، فلا معبود في الكون بحق سواه، ولا رب للعالمين غيره، ولا كمال إلا له، فلا إله إلا هو، والإثبات: (إلا الله) والمقصود به إثبات الألوهية الحقة لله وحده، واثبات استحقاق العبودية له وحده واستحقاق الربوبية له وحده، واثبات الكمال والجلال والإكرام له وحده، له وحده الأسماء الحسنى والصفات الحسنى والأفعال المثلى حكمة وعدلا، وقدرة وقهرا، وله الربوبية لا رب للعالمين سواه، وله العبودية لا معبود بحق سواه، ولا إله إلا هو، فشهادة (لا إله إلا الله): تنفي أن يكون في الوجود كله إله رب معبود بحق سوى الله، وتثبت الإلهية بما تتضمنه من توحيد الذات والاسماء والصفات والافعال والربوبية والالوهية واستحقاق العبودية له وحده لا شريك له، وهذا الركنان تضمنتهما آيات كثيرة في كتاب الله تعالى: منها قوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 256]، {فمن يكفر بالطاغوت} والطاغوت هو كل معبود سوى الله، والكفر به معناه إنكار إلهيته، {ويؤمن بالله} هو التوحيد وإفراد الله تعالى بالإلهية {فقد استمسك بالعروة الوثقى} هي شهادة لا إله إلا الله كما فسرها سعيد بن جبير والضحاك وسفيان، وعلى ذلك دلت الآية أن ركني شهادة {لا إله إلا الله} هما الكفر بكل معبود سوى الله وإثبات العبودية والإلهية لله وحده، وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]. والآية توضح أيضاً ركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده لا شريك له {أن اعبدوا الله} ونفي العبادة عما سوى الله {واجتنبوا الطاغوت}، وقوله e (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل) ([1]) .
[أخرجه مسلم]، وهذا الحديث توضيح كذلك لركني شهادة التوحيد بإثبات العبادة لله وحده (قال لا إله إلا الله) ونفي العبادة عما سواه من المعبودات الباطلة (وكفر بما يعبد من دون الله)، أما الركن الثالث فهو شهادة أن محمداً رسول الله، وحاصل الأمر أنّ أركان شهادة الإسلام ثلاثة هي: الركن الأول: إفراد الله تعالى بالإلهية، والركن الثاني: البراءة من الشرك في الإلهية والربوبية والعبودية، والركن الثالث: الإيمان برسالة النبي e، و [التوحيد] شهادة الله تعالى لنفسه، وهو ما شهد به لله تعالى الملائكة وأولو العلم، قال تعالى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، و [التوحيد]: هو الذي كلف الله تعالى به رسله، كما في قوله تعالى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، وقوله تعالى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقوله تعالى {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]، وما أرسلت الرسل إلا بالتوحيد كما في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبياء: 25] وقوله تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وجميع الرسل دعوا أقوامهم إلى التوحيد كما في قوله تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الْأَعراف: 59] و قوله تعالى {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] و قوله تعالى {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 73] و قوله تعالى {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف]، وما خلق الله تعالى الجن والإنس لا لتحقيق التوحيد كما في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، والتوحيد هو أمر الله تعالى لعباده جميعا كما في قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، وقوله تعالى {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102]، وقوله تعالى {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98]، و [التوحيد] هو أعلى شعب الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح: (الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبة من الإيمان) ([2]) . وفي لفظ آخرَ عند أحمد: (أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله) وهذه الشُّعَب جَمعت رأسَ الإيمان وأعلاه وهو التوحيد قول: (لا إله إلا الله)، و [التوحيد] هو: العروة الوثقى: قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك العروة الوثقى لا انفصال لها}، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك، و [التوحيد] هو العهد الذي ذكره الله عز وجل في قوله تعالى: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} قاله ابن عباس رضي الله عنهما، و [التوحيد] هو الحسنى التي ذكرها الله تعالى في قوله: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى}، وبه قال أبو عبدالرحمن السلمي والضحاك، ورواه عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما، و[التوحيد] هو كلمة الحق التي ذكر الله عز وجل إذ يقول: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} قاله البغوي، و [التوحيد] هو كلمة التقوى التي ذكرها تعالى في قوله: {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها}، رواه ابن جرير وعبدالله بن أحمد والترمذي، و[التوحيد] هو القول الثابت الذي ذكره تعالى في قوله: {يثبت الله الاذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن البراء عن النبي e، و[التوحيد] هو الكلمة الطيبة المضروبة مثلاً في قوله تعالى: {ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو مروي عن علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فأصلها ثابت في قلب المؤمن وفروعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله عز وجل، وكذا قال الضحاك وابن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم، و [التوحيد] هو سبب النجاة من النار، كما في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)، و[التوحيد] هو الإيمان بلا ظلم، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة الأنعام: 82]، و[التوحيد] يحرم الله تعالى أجسام أصحابه على النار: أخرج البخاري ومسلم في حديث عتبان رضي الله عنه قال رسول الله e: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ([3]) .
ومن مات على [التوحيد] دخل الجنة، لقوله e: (ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) ([4]) .وقوله e: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) ([5]) . وقوله e: (من مات وهو يعلم ألا إله إلا الله دخل الجنة) ([6]) . وكقوله e لأبي هـريرة: (فمن لقيـت وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة) ([7]) . وكقوله e: (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) ([8]) . وكقوله e: (أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيها فيحجب عن الجنة) ([9]) . وكقوله e: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ([10]) .
وخلاصة التوحيد اعتقاد أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ولا معبود بحق سواه اللهم ارزقنا التوحيد وخلق التوحيد وأخلاق الموحدين، :
[أقسام التوحيد]: (توحيد الإلهية: لا إله إلا الله): معناه أن يعتقد المسلم اعتقادا جازما بقلبه بأن الله تعالى موجود وجودا حقيقيا بذاته، وأن جناب ذاته تعالى وتقدس لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث طبيعة الوجود، ولا من حيث حقيقة الذات، ولا من حيث الأسماء ولا من حيث الصفات ولا من حيث الأفعال، وأنّ له سبحانه توحيد الربوبية فلا رب سواه، وأنّ له سبحانه توحيد العبودية فلا معبود بحق سواه، وأنّه (لا إله إلا الله)، ويشمل هذا التوحيد (توحيد الإلهية) على ستة أقسام: توحيد جناب الذات، ليس كمثله شيء، وتوحيد الأسماء الحسنى، وتوحيد صفات الله العلا، وتوحيد الأفعال فلا يكون في ملك الله إلا ما خلقه وقدره الله، وتوحيد ربوبية الله تعالى للعالمين فلا رب للعالمين سواه، وتوحيد العبودية فلا معبود بحق سواه.[توحيد الله تعالى في جناب ذاته]: ذات الله تعالى، ليس كمثله شيء، لا يشبه ذوات المخلوقين لا من حيث الوجود ولا من حيث الأسماء والصفات والأفعال، فوجود الله تعالى وجود كامل لم يسبق بعدم ولا يدركه فناء، فهو الأول بلا ابتداء، وليس قبله شيء، كما أنه الآخر بلا انتهاء، وليس بعده شيء، كما أنّه الظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، الرحمن على العرش استوى، وهو قريب من كل شيء، ومحيط بكل شيء، وقاهر لكل شيء، وهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، وهو الواحد القهار، وهو الأحد الصمد، وهو الحي القيوم، ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، ولما كانت هذه الذات بالحال التي ذكرنا, فإن العقل البشري يستحيل عليه إدراك كنه هذه الذات, لأنه لا يتصور إلا الأشياء التي تدركها حواسه المحددة. فذات الله تعالى جلت عن أن تدركها البصائر النافذة فضلا عن الأبصار، وعظمت عن أن تتوهمها الظنون أو تتصورها الأفكار، تعجز الحواس عن إدراك ذاته، لأنها مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط، عاجزة عن معرفة ما عداها، ولهذا فهي لا تدرك حتى الروح التي لا تفارق جسد الإنسان، كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء]، والله تعالى منزه عن المادة وكل ما يتعلق بالمادة، لأنه خالق المادة، وهو القائل سبحانه {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، وفي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بوجه من الوجوه، فلا يشبه وجوده وجود شيء من خلقه، وقال تعالى:{وللهِ المثَلُ الأعلى} [سورة النحل:60] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، والوجود الذي لا يشبه وجود المخلوقين، وقال الله تعالى:{فلا تضربوا للهِ الأمثال} [سورة النحل: 74]، أي لا تجعلوا لله الشبيهَ والمِثْل فإن اللهَ تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه، وقال الله تعالى:{هل تعلمُ لهُ سميًّا} [سورة مريم: 65] أي مِثلاً، فالله تعالى لا مِثْلَ له ولا شبيه ولا نظير، فوجوده سبحانه لا يشبه وجود خلقه وذاتُه لا يشبه الذواتِ ولا صفاتُه تشبه الصفاتِ، وقال الله تعالى:{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص/4] أي لا نظير له بوجه من الوجوه، ولا كفء له ولا شبيه لا في وجوده ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه، وقال الله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) [سورة الأنعام/100] كل ما وُصف به جناب ذات الله، فالله تعالى منزه عنه (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)، تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقال الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الأنعام/103] ولو كان له مثيل لأدركته الأبصار ولكنه سبحانه لطيف لا يُدرك، وقال الله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه/110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما، وقال تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} والند هو العدل والمثل والنظير والشبيه، ومن الأدلة من السنة النبوية قوله e: (اللهم أنت الأوَّلُ فليس قبلَك شىءٌ، وأنت الآخِر فليس بعدَك شىءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيء، وأنت الباطن فليس دونَك شيء) ([11]) . وإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن له شبيه ولا مثيل سبحانه ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد، وعلى ذلك فلا تستطيع الحواس أن توصل الإنسان مباشرة إلى معرفة الله تعالى، وتعجز العقول عن معرفة كنه ذات الله تعالى، لأنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ بحدود وجودها، والله تعالى منزّه عن الحدّود، إذ هو الذي حدّ الحدود، وقدّر المقادير، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى، كما أنّ العقل لا يعرف الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء، والله تعالى لا يقاس بأحد، لأنّه لا مثيل له ولا شبيه، وليس كمثله شيء، فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى، كما أنّ إمكانات العقل محدودة والله تعالى فوق الحد، لا نهاية لكمالاته، ولا نهاية لذاته، ولا نهاية لصفاته، إذ النهايات دليل على المخلوقات لانّ الله تعالى قهرها بالنهايات، أما الواحد القهار، الكبير المتعال تنزه عن الحد والنهاية، وتعالى على الحدود والنهايات، ولهذا يعجز العقل المخلوق المحدود عن معرفة كنه ذات الله تعالى، ولا الإحاطة بصفاته فضلا عن ذاته سبحانه، لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل فهو محدود، والله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم واكبر من أن تحيط بصفته العقول، وكل ما خطر بالبال في حق ذات الله تعالى فالله بخلافه ولا نحيط به علما، وإنما الطريق إلى معرفة الله تعالى هو معرفة قواعد التقديس المتعلقة بالذات والتي تمنع من التمثيل والتشبيه، ثم العلم الواسع بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا لأنه العلم الراسخ نحو المعرفة بالله ومن ثم توحيده: من رحمة الله تعالى بعباده أن أرسل إليهم الرسل وانزل عليهم الكتب ليتعرفوا إلى قواعد التوحيد والتقديس والتنزيه التي تمنع من تمثيل الله تعالى بأحد من خلقه، أو تشبيه الله تعالى بأحد من خلقه البشر، ومن ثم التعرف على اسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى التي وردت في كتاب الله تعالى أو على لسان رسوله e، ومنها يمكنهم معرفة الله واستشعار كمال وجلال وعظمة الله الواحد الاحد، وقواعد التقديس والتنزيه هي عصمة المسلم من التمثيل والتشبيه والتكييف: وهي قواعد ربانية دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصحيح، تمنع من تشبيه الله تعالى في ذاته أو صفاته أو أفعاله بأحد من خلقه، وهذه القواعد ترسخ التقديس والتنزيه والتسبيح في عقل المسلم ووجدانه، وتمنعه من أي تمثيل لله تعالى بشيء من خلقه لأنّه ليس كمثله شيء، تعالى عن الند والشبيه والمثيل والكفء والشريك والمعين والوزير والصاحبة والولد، ومن أهم فوائد تلك القواعد التي تقدس لله وتنزه له، أنها تقطع الطمع تماماً في إدراك ذات الله {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، {ولا يحيطون به علما}، وأنها تصفي الذهن تماماً من شوائب التجسيم والتشبيه، حتى تجعل معتقدها كانه يعيش مع الملائكة في تنزيه الله تعالى وتسبيحه كما في قوله تعالى – على لسان الملائكة – {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، أو يتمثل الكائنات من السموات والأرض والجبال وهي تتجاوب مع التقديس وتتألم لدعاوى التشبيه والتمثيل من عالم البشر في حق الله تعالى كما في قوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 89 إلى 93]، وقواعد التقديس هي مبادئ الفقه في العقيدة، والفقه في التوحيد والتنزيه والتسبيح، وهذا هو الفقه الذي لا يصح لمسلم أن يتكلم في علم الإلهيات إلا وهو ملم به، وقواعد التوحيد والتقديس والتنزيه المتعلقة بذات الله تعالى تشتمل على تلك القواعد: تنزيه ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، وتنزيه ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء إذ هو الأول بلا ابتداء وهو الآخر بلا انتهاء، وتنزيه ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق ولوازم الجسمية المخلوقة المقدرة من الكون في المكان وأن يجري عليها زمان وأنّ لها حد ومقدار وامتداد في الآفاق والجهات، وتنزيه ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى وتقدس عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، وتنزيه ذات الله تعالى عن الوالد والولد والصاحبة، وتنزيه ذات الله تعالى عن الند والشبيه والكف والمثيل، وتنزيه ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره، وهذه القواعد التقديسية أجمع عليها المتخصصون في العقيدة على منهاج أهل السنة، ولا يخالفهم في شيء منها سوى أهل الاعتزال والتجهم والتعطيل أو أهل الحشو والتجسيم والتشبيه.
[وتوحيد الله تعالى في أسمائه الحسنى]، قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سورة طه: 8] و قال تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الْأَعراف: 180]، وقال e (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([12]) . والإيمان بالأسماء الحسنى يكون بإفراد الله عز وجل بالأسماء الحسنى لا يشاركه سبحانه فيها بإطلاقها غيره، إذ جل عن الشريك والكفء والسمي، قال تعالى: {ولم يكن له كفواً أحد}، وقال تعالى: {هل تعلم له سمياً}، وقال تعالى: {ليس كمثله شيئاً}، والإيمان بالأسماء الحسنى يكون بإثباتها لله وحده بما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى كما تليق بكمال الله تعالى وجلاله وإكرامه، سبحانه لا يقدره حق قدره إلا هو سبحانه لا نحصى ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه تعالت عظمته وتقدست ذاته وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى، وهذا الإيمان يستلزم افراد الله تعالى بما دلت عليه الأسماء الحسنى من كمال الصفات، إذ كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة علية يتصف بها الله عز وجل فالرحيم سبحانه متصف بالرحمة التي يرحم بها عباده والقدير جل شأنه متصف بالقدرة التي يدبر بها ملكه فلا يعجزه شيء والغفور تبارك وتعالى متصف بالمغفرة التي بها يغفر للتائبين والمنيبين، لا إله إلا هو، العليم الذي كمال العلم، العزيز الذي له العزة التي لا تضام، العظيم الذي له العظمة التي لا ترام، القدير الذي له القدرة المطلقة والمشيئة النافذة، الجبار الذي له الجبروت والانتقام وهو مع ذلك الرحمن الرحيم الذي سعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه تعجز الكلمات عن حمد ذاته وعن وصف صفاته منصف بصفات الكمال والإجلال والإكرام منزه عن أدنى عيب أو نقص أو ذم، وعدد الأسماء الحسنى لا يحصيه إلا الله تعالى، كما جاء في حديث الرسول e: (أسألُكَ بكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيتَ به نَفْسَكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا منْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرتَ به في عِلْمِ الغَيبِ عِنْدَكَ) ([13]) .ومن أحصى من هذه الأسماء الحسنى تسعة وتسعين اسماً دخل الجنة لما أخرجه البخاري ومسلم عن النبي e (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ([14]) . والعلم بأسماء الله الحسنى أشرفُ العلوم لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته العلى، والأسماء الحسنى، على كثرتها، ليست مترادفة، فكل اسم منها له معنىً لا يتضمنه غيره، [وتوحيد الله تعالى في صفاته العلا]: إذ أنّ معرفة صفات الله هي الطريق إلى معرفة الله: الغاية من معرفة صفات الله هي معرفة الله، لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان صفات ذاته تعالى، فصفة العلم تدلا على أنّ الله تعالى عليم بكل شيء، لا يغيب عن علمه شيء، وصفة الرحمة تدل على أنّ الله تعالى رحيم بعباده وأنّ رحمته وسعت كل خلقه ووسعت كل شيء، وهكذا فإنّ معرفة صفات الله تعالى العلا هي باب المعرفة الواسع نحو العلم بالله، وقد جعل الله تعالى أسماءه الحسنى وصفاته العلا سبيلاً ليتعرّف العباد عليه، فلو كانت معرفة صفات الله غير ممكنة، لم يبق للعبد سبيلاً لمعرفة ربّه، فتنسد أبواب عبودية الله تعالى لأنّ العبودية لا يمكن القيام بها إلاّ بعد معرفة المعبود، وقد ذكر الله تعالى أسماءه الحسنى وصفاته العلا في كتابه الكريم وسنّة نبيه e لكي يتدبّر فيها العباد، فتكون طريقهم إلى العلم بالله، والقول في الصفات كالقول في الذات تماماً، فكما أنّ ذات الله تعالى منزه عن الحد والمقدار، والمثيل والكف والند والشبيه، فكذلك صفات الله تعالى ليس لها حد تنتهي إليه، إذ له سبحانه كمال الذات وكمال الصفات، فعلمه لا حد له، ولا نهاية لمعلوماته، ولو كان لعلمه حد، لما اتصف بالكمال، لانّ ما له حد فإنه يقبل الزيادة والنقصان، فإن قبل الزيادة، فقد كان قبل الزيادة ناقصاً، وإن قبل النقصان فليس بالكمال، وهكذا القول في جميع الصفات، تابعة للذات، وكما أنّ ذات الله تعالى له الكمال المطلق منزه عن الكف والمثيل، فكذلك الصفات تابعة للذات، ليس كمثل ذاته ذات، وليس كمثل صفاته صفات، لا ندرك من معانيها إلا ما تحتمله عقولنا، وأنى للعقول المحدودة والأفهام المخلوقة أن تحيط علماً بالصفات المنزهة عن التناهي والحدود، ولهذا كانت القاعدة التنزيهية أنّ الله تعالى أجلّ من أن تدرك صفاته، وإنّما نصفه على قدر إمكاناتنا المحدودة لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله علواً كبيراً عن أن يدرك المخلوق قدر صفاته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 66]، كما أنّ صفات الله تعالى توقيفية: لا يجوز وصف الله تعالى إلاّ بما وصف به نفسه في كتابه الكريم أوعلى لسان نبيه e، إذ كيف يمكن الاجتهاد في أمر تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والعقول عن الإحاطة به، جلّ عن كل مثيل، وتعالى عن كل شبيه، ومن وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه في الكتاب والسنة فقد تقول على الله تعالى بغير علم، وأعظم الفرية على الله، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]، والصفات الواجبة لله تعالى هي جميع الصفات التي دلّت عليها الأسماء الحسنى: ف (الرحمن): يدل على صفة الرحمة وعلى سعة رحمة الله، و(الرحيم): يدل على صفة الرحمة والإنعام على خلقه فهو المنعم ابدا، المتفضل دوما، ورحمته لا تنتهي، و(الملك): يدل على صفات الملك والحكم والأمر والنهي، و(القدوس): يدل على صفة التقدس من العيوب والتنزه عن النقائص وعن كل ما تحيط به العقول، و(السلام): يدل على صفة السلامة من النقص والعيب والفناء، و(المؤمن): يدل على صفة التأمين والصدق مع عباده فيما وعدهم به من الأجر والثواب، و(المهيمن): يدل على صفة الهيمنة والرعاية والوقاية والصيانة والرقابة والحفظ لكل خلقه، والقيام على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، و(العزيز): يدل على صفة العزة التي لا ترام والقوة التي لا تقهر، والغلبة على كل شيء، و(الجبار): يدل على صفات العظمة والجبروت والقهر ونفاذ المشيئة، و(المتكبر): يدل على صفة التفرد بالعظمة والكبرياء والتعالي عن مشابهة الخلق، و(الخالق): يدل على صفة التقدير والإيجاد لكل شيء والخلق لكل موجود سواه، و(البارئ): يدل على صفة إبراز خلقه إلى الوجود بقدرته لا عن مثال سابق، و (المصور): يدل على صفة التصوير، وأنه هو الذي صور جميع الموجودات، ورتبها فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها، و(الغفار): يدل على صفة المغفرة الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا والاخرة، و(القهار): يدل على صفة القهر والغلبة والتصريف على كل خلقه بسلطانه وقدرته، و(الوهاب): يدل على صفات الوهب والإنعام والعطاء، فهو المنعم على العباد، الذي يهب بغير عوض ويعطي الحاجة بغير سؤال، كثير النعم، دائم العطاء، و (الرزاق): يدل على صفة الرزق والإمداد فهو الذي خلق الارزاق واعطى كل الخلائق أرزاقها، وجميع الاسماء الحسنى تدل على صفات محكمة الله تعالى، وهذه الصفات التي تؤدي إلى المعرفة الصحيحة بالله تعالى، ومن عرف الله تعالى افرد له الربوبية والإلهية وكمال المحبة والتذلل والانقياد.
[تنبيه آخر]: الصفات الثبوتية الخبرية والتي في اثباتها على ظواهرها محاذير عظيمة، وتحتاج إلى الرسوخ في العلم، والفقه في الدين عند الحديث عنها: وتتناول ثلاثة أقسام عريضة، القسم الأول: ما يوحي بالجارحة والتجزؤ والتبعض في ذات الله، وأظهرها الوجه واليد والعين، والقسم الثاني: وهو ما يوحي بالتغير والحدوث والحد والنهاية وأظهرها الاستواء والنزول والمجيء، والقسم الثالث وهو ما يوحي بالكيفيات الحسية والتغير والانفعال كالغضب والرضا والفرح والضحك والسرور، وقد تقدم الحديث عنها في باب التوحيد في الذات، وذكرنا محاذير نسبتها على ظواهرها إلى الله، ومجمل مسالك أهل السنة والجماعة في تفسيرها واعتقاد ما تحملها من معان وحاصله: أنّ هناك ثلاث مسالك معتمدة عند أهل السنة والجماعة، وما عداها ميل نحو الاعتزال أو الحشو، والمسلك (الاول): طريقة السلف إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل مع الإيمان به وعدم التعرض لمعناه، وامراره على مراد الله تعالى ومراد رسوله e، والمسلك (الثاني): اثباتها صفات لله تعالى منزهة عن كل ما يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد، ومثال ذلك اثبات الوجه على أنّه صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله، منزهة عن الجارحة والحد والصورة، واثبات الاستواء صفة لله تعالى على مراد الله ومراد رسول الله، منزها عن الجلوس والتحيز والحد والجهة الحسية، وأنّ الاستواء ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه كما أخبر بلا كيف بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وقوله تعالى: {هل تعلم له سميا}، والمسلك (الثالث): حملها على مجاز اللغة وحمل متشابهها على محكمها، ومثاله حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وحمل اليد على مقتضي الآية، ففي قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} تحمل على الكرم والجود والعطاء، وفي قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} بمزيد الإنعام والتفضل وزيادة التكريم لا اكثر بقرائن قوله تعالى: {مما خلقت أيدينا أنعاما}، وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد}، وقوله تعالى: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وهكذا على ما تحمله اللغة من مجاز وبلاغة، وما سوى ذلك فهو ميل إلى الاعتزال، وفي المقابل ميل إلى الحشو والتشبيه، وكلاهما من البدع الضالة، وفي حلقات التجديد في علم التقديس بيان واف لذلك مع حل جميع الاشكالات المتعلقة بذلك.
[وتوحيد الله تعالى في أفعاله]: واعتقاد أنه لا خالق ولا مُؤثرِّ في الوجود إلا الله، واعتقاد أنه لا يكون ثم فعل من الأفعال في الكون إلا بخلقه ومشيئته وإرادته وقدرته،هو سبحانه وحده المنفرد بخلق جميع الكائنات بلا واسطة، ليس في الوجود خالق غيره، ولا يكون في ملكه إلا ما قدر وشاء وعمدة هذا التوحيد: قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، وهذا التوحيد يعني أن كل وجود و كل حركة وكل سكون، وكل فعل في العالم يعود الي الخالق سبحانه، فهو يعود لله مسبب الاسباب، حتي الافعال التي تصدر منا هي من خلق الله تعالى، كما قال سبحانه:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، ومع توحيد الأفعال يمكن أنّ نفهم مدى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وأعماله: فالإنسان مخلوق ضمن مخلوقات الله، يجري عليه ما يجري على الجميع من مخلوقات الله تعالى، فلا يكون في ملك الله تعالى إلا ما شاءه الله، ولكن الله تعالى جعل للثقلين (الجن والإنس) نوعاً من الاختيار يجعل كلاً منهما مسؤول عن أعماله، له حرية الاختيار، وعليه أنّ يتحمل مسؤولية هذا الاختيار، عليه أن يختار بين طريق الهداية وطريق الضلال، وهو يتحمل نتائج هذا الاختيار، ولكن ليس معنى ذلك، أنّه يستطيع أن يخرج عن اطار قانون الله في الكون وأنّه وحده سبحانه الخالق لكل شيء، وأنّه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، فمن اختار طريق الهداية فبفضل الله تعالى وتوفيقه، لما يعلمه الله تعالى من قدره الذي لم يطلع عليه غيره، ومن اختار طريق الضلال فبخذلان الله تعالى له بعدله وعلمه فيه وقدره الذي لم يطلع عليه غيره، فليس عمل الإنسان جبراً من الله تعالى على العبد، وليس عمل الإنسان من خلق الإنسان، إذ ليس في الكون إلا خالق واحدٌ هو الله وحده، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16]، ومن طلب في القدر ما وراء ذلك فقد ساء الأدب مع الله، وسأل الله عمّا لا يحق له التدخل فيه، قال تعالى : {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}و[توحيد الله تعالى في ربوبيته]، ومعناه أنّه لا موجد ولا خالق ولا مكون لهذا الكون كله بما فيه إلا الله رب العالمين، ولا رازق في الكون كله إلا الله رب العالمين، ولا مالك لا متصرف ولا مدبر للكون كله إلا الله رب العالمين، ولا سيد ولا مهيمن ولا حاكم ولا آمر في الكون كله على الحقيقة إلا الله رب العالمين، ولا ناصر ولا معين ولا معز ولا مذل ولا خافض ولا رافع ولا قابض ولا باسط إلا الله رب العالمين، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، والحاصل أن مصطلح توحيد الربوبية مصطلح عظيم لا يكون عليه إلا الموحدون الذين تبرؤا من كل شرك في الربوبية وتمثلوا قول الله تعالى {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، وقوله تعالى {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38]، وقوله تعالى {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 42].
و[توحيد الله تعالى في العبودية]: ومعناه: (لا معبود بحق سوى الله)، ولا تصرف العبودية إلا إلى الله، وهو توحيد الله تعالى بإفراده بالعبادة، وصرف العبادات جميعها لله وحده، ودليلها قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، والعبودية هي الطاعة مع الخضوع والتذلل والاستسلام والانقياد لمن نعتقده إلها له صفات الربوبية، هذا هو المعنى الحقيقي بضابطه الفقهي للعبودية، فمن صرف مفردات العبادة لمن يعتقده إلها فقد اتخذه معبودا له سواء أكان هذا المعبود هو الله المعبود بحق، أو المعبودات الباطلة من دون الله، وضوابط الفقه في الدين توجب وجود معنى وراء الطاعة والمحبة والخضوع والتذلل يستقيم له مسمى العبودية، فهذه المعاني قد تصرف للوالدين وتكون من أعظم البر بهما ولا يصح تسميتها عبادة قال تعالى {وَاخْفِضْ لَهُما جناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاِسراء:24] ولا يعد التذلل لهما عبادة وكذلك من باب الأولى الطاعة والمحبة، وكذلك فما هو الفرق بين سجود الملائكة لله وسجودهم لآدم، الهيئة واحدة هي هيئة السجود (وهي أقوى هيئة تدل على التذلل والخضوع)، الفعل واحد هو السجود، والنية تختلف الاول بنية العبودية لله والثاني بنية طاعة الله تكريما لآدم، ومثال آخر يبين الفرق بين سجود نبي الله يعقوب لله وسجوده ليوسف عليهما السلام، الاول بنية العبودية لله والثاني تكريما ليوسف وهذا المعنى هو الضابط لفقه العبادة فشتان ما بين السجود للتكريم، والسجود بنية العبادة، ومن سجد بنية العبادة، فإنه لا يسجد سجود عبودية إلا لمن يعتقده ربا وإلها، إذن الاعتقاد هو ضابط الفقه في مسائل العبادة: فمن صرف مفردة من مفردات العبادة بنية العبودية لغير الله وقع في الشرك الأكبر ومن صرفها بغير نية العبودية لغير الله لم يكن شركا أكبر، وقد وفق علماء الأصول أيما توفيق في جعل ضابط الفقه في مسائل الإيمان والكفر ومسائل التوحيد والشرك هو الاعتقاد وليس مجرد فعل العبادة، ودليل هذه القاعدة الضابطة لفقه مسائل الأسماء والأحكام عامة، قوله e: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوى) ([15]) . ولاحظ القصر في الحديث للدلالة على أنه ضابط الحكم على العمل، ألا وهو النية، والنية هي الاعتقاد القلبي، والاعتقاد الضابط للعبودية هو اعتقاد الربوبية والألوهية أو شيئاً من مفرداتهما فيمن تصرف إليه العبادة: فمن صرف الطاعة الممتزجة بالمحبة والذل والخضوع لغير الله معتقدا ربوبيته وألوهيته فهو عابد له من دون الله، ومن صرفها بغير هذا الاعتقاد فلا يصح تسميتها بالعبادة، وهذا الضابط من أهم الأسس والركائز التي تمنع من الغلو في توحيد العبودية بما يؤول إلى الغلو في اتهام المسلمين بالشرك الأكبر في مسائل لا تصل بهم إلى هذا الحد، [وأجل أخلاق التوحيد]: والصدق مع الله، والإخلاص في عبادة الله، والصبر على طاعة الله وقدره، والشكر لنعم الله وأفضاله، والمحبة التامة لله ولكل ما يحبه الله، والخشية من الله، والرجاء فيما عند الله، والتوكل على الله، والرضا عن الله، واليقين في الله والاستقامة على أمر الله، اللهم ارزقنا التوحيد وجنبنا الشرك، اللهم ارزقنا الإيمان وجنبنا الكفر، اللهم ارزقنا التقوى وجنبنا الفسوق والعصيان، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّا سيئها لا يصرف عنِّا سيئها إلَّا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا انت نستغفرك ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
([11]) صحيح مسلم 4/2084 ح 2713.
([12]) صحيح البخاري 3/198 ح 2736، صحيح مسلم 4/2063 ح 2677.