الفصل الثالث: مذهب السلف في باب الصفات الخبرية والأخبار المتشابهات.
المبحث الأول: حقيقة مذهب السلف في باب الصفات الخبرية والأخبار المتشابهات.
المبحث الثاني الأسباب العلمية التي منعت السلف الكرام من الخوض في متشابهات الصفات.
المبحث الثالث: الأسباب التي تدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية.
المبحث الأول حقيقة مذهب السلف في باب الصفات الخبرية والأخبار المتشابهات
[المفتاح الأول]: منهج السلف في المتشابهات: هناك منهجان صحيحان ثابتان عن للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، و (المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، (أ) الدليل على وجود المحكم والمتشابه: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]
(ب) خطورة ترك المحكم والاشتغال بالمتشابه: قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ}، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([1]).
(ت) ماهي دائرة المتشابه: في آية آل عمران السابقة وصف الله تعالى متتبعي المتشابه بأن في قلوبهم زيغ يتتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وهي الخلاف والفرقة بين المسلمين، وفي الحديث السابق والمتفق علي صحته حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يتتبعون المتشابه ويتركون المحكم، وعلى ذلك فكل ما أدى تتبعه إلى الفرقة والخلاف بين المسلمين، فهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم، والأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال.
(ت) من الذي يعلم المتشابه: قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم من أهل اللغة، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس رحمه الله، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين، [أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير وعيرهم من المفسرين عند تفسير الآية] (ث) اتباع المتشابه هو الذي أهلك الفرق الضالة: حذرنا القرآن الكريم من تتبع المتشابه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، وأخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ}، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم) ([2]) .
(ج) خلاصة القول في المتشابه من المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهو كل ما يتعلق بحقيقة ذات الله تعالى وحقيقة صفاته وحقيقة أفعاله ومنها سر القضاء والقدر الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، وذلك لأنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، وليس له مثال يُقاس عليه، وكل ما يحكم البشر والخلق من قوانين ونواميس فهي من خلق الله تعالى ووضعه، ومحال أن تسري هذه النواميس والقوانين على الله تعالى خالقها وخالق كل شيء، ومهمة العلماء تجاه هذا المتشابه هو الإيمان وتفويض العلم الحقيقي فيه إلى الله وحده، لأنّه لا قبل لمخلوق في إدراك ذات الخالق وحقائق صفات الخالق، وللعلماء دور آخر مهم وهو تقليل أثر المتشابه وذلك بعدم تتبعه، وحمله ما أمكن على محكمه، وتفويض حقائق علمه إلى الله وحده، ومن المتشابه ما يمكن أن يعلمه العلماء مع الاجتهاد والاستنباط وإعمال الجهد في فهم النصوص، وحمل المتشابه على المحكم، ومثال ذلك كل ما يتعلق بالدين نفسه في مسائل الإيمان والكفر والتوحيد والشرك والسنّة والبدعة، وعموم مسائل الأسماء والأحكام مما لا يتعلق بحقائق ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولكن وفق طبيعة المتشابه ونوعيه، إذ منه ما لا يعلمه سوى الله وحده، ومنه ما يعلمه الراسخون في العلم مع الاجتهاد والاستنباط.
(ح) آيات الصفات التي توهم النقص من المتشابه وليست من المحكم: آيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، وهناك آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته: فمن المحكم – على سبيل المثال – (صفة العلم) وهي صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و (صفة القدرة) وهي صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، وما أكثر الصفات المحكمة التي تدل على وجوه الكمال والجلال والإكرام لله تعالى كما أنّ جميع الأسماء الحسنى الثابتة في حق الله تعالى فهي تدل على صفات محكمة لله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه، وتلك المتشابهات أقسام: فمنها نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، والله أحد له الأحدية المطلقة فيستحيل عليه قبول الأجزاء التي تدل على الكثرة لأنها تنافي الأحدية المطلقة، فلابد من ردها إلى محكمها حتى لا تزيغ العقيدة، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، والله تعالى قديم منزه عن الحدوث فيستحيل عليه قبول الحوادث والتغير من حال إلى حال، فهذه من المتشابه الذي ثبت عن السلف أنهم لهم فيها مذهبان صحيحان، (المنهج الأول): هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، و (المنهج الثاني) حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ.
[المفتاح الثاني]: [1] المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف ولا معنى ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وليس معنى ذلك أن السلف كانوا لا يدركون أي معنى لهذه النصوص المتشابهة، – حاش لله من هذا الظن السيئ بهم – بل كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بما يجب لله من الأسماء والصفات وما يستحيل عليه من الصفات التي يلزم من إثباتها النقص أو التمثيل أو التشبيه، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و مما يدل على مدى حرصهم الشديد على هذا المنهج، مقالاتهم التي نُقلت عنهم والتي تتركز على كلمات لها مدلول عجيب على غلق باب الفتنة بتفويض المراد منها إلى الله، فمن ذلك: قولهم: ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم، وقولهم: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وقولهم: نترك التعرض لمعانيها، وقولهم: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني، وقولهم: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، وقولهم: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وقولهم: أمروا الأحاديث كما جاءت، وقولهم: كانوا لا يفسرون شيئا، وقولهم: قلنا لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره، وقولهم: فتفسيره تلاوته والسكوت عليه، وقولهم: فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها، وقولهم: كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل، وقولهم: كل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له، وقولهم: إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئا ونحن لا نفسر منها شيئا نصدق بها ونسكت، وقولهم: وما يعلم تأويله إلا الله، وقولهم: كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه، وقولهم: نكل علمه إلى الله، وقولهم: ونفوض علمه إلى الله، وقولهم: هذا من متشابه القرآن الذي نؤمن به ولا نتعرض لمعناه، وقولهم: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: المذهب في هذا وأمثاله السكوت عن الخوض في معناه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وقولهم: هذه الأحاديث ونحوها تروى كما جاءت ويفوض معناها إلى الله، وقولهم: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وقولهم: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، وقولهم: نكل علمه إلى الله تعالى، وقولهم: والسؤال عنه بدعة، وقولهم: من تكلم في معناها فقد ابتدع.
(قلت): وهذه العبارات الممتلئة علماً وورعاً تدل على مدى حذر السلف من الخوض في المتشابه حذراً من قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، وفي بيان دقة هذا المنهج وتورعه وبيان أهم الأسس والضوابط التي يقوم عليها هذا المنهج العظيم، يقول الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه التفكير الفلسفي في الاسلام: ” عود فنتساءل عن موقف السلف من الصورة واليد والنزول والاستواء وما يجرى مجراها مما ورد في الكتاب والسنه مما يوهم التشبيه؟ 1- إن أول موقف يقفه السلفي من هذه الاخبار: إنما هو التقديس لله سبحانه وتعالى عن الجسمية وتوابعها، فإذا سمع كلمة الصورة: مثلا في قوله،صلى الله عليه وسلم (إني رأيت ربى في أحسن صوره) فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفه، مرتبه ترتيبا مخصوصا، مثل الأنف، والعين، والفم، والخد التي هي أجسام، وهى لحوم العظام، وقد يطلق ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئه في جسم، كما تقول: صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا، ولقد صورت للمسألة صوره في غاية الحسن، فليتحقق كل مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق لإرادة المعنى الأول الذى هو جسم وهيئه، وإن خالق الاجسام ليتنزه عن مشابهتها وصفاتها: وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن، فإن خطر له أنه، عليه الصلاة والسلام، إن لم يرد هذا المعنى الجسم فأي معنى أراد؟ فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به، بل أمر بأن لا يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى يليق بجلال الله وعظمته ما ليس بجسم ولا عرض في جسم، وعلى هذا النمط يكون موقفه في بقية ما ورد: كالفوقية والنزول واليد والقدم يجب أن ينفي في كل ذلك المعنى المادي وأن يحدد معنى يخترعه هو، 2- ويجب عليه الايمان والتصديق: وهو أن يعلم قطعا أن هذه الألفاظ أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم صادق في وصف الله تعالى به، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق، وما أخبر عنه حق لا ريب فيه ويقول آمنا وصدقنا وأن ما وصف الله، تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذى أراده، وعلى الوجه الذى قاله، وإن كان لا يقف على حقيقته، 3- ويجب أمام هذه الاخبار أن يعترف بالعجز فإن التصديق واجب وهو عن إدراك المعنى عاجز فإن ادعى المعرفة فقد كذب، وأوائل حقائق هذه المعاني بالإضافة الى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة الى خواص الخلق، 4- وبالسؤال عن هذه الامور، يتعرض الإنسان لما لا يطيقه وقد ضرب عمر بالدرة من سأله عن المتشابهات ويرى الامام “الغزالي” أنه يحرم على الواعظ على رؤوس المنابر الجواب عن أسئلة المتشابهات وإنما يجب عليهم المبالغة في التقديس، ونفي التشبيه، 5- ولا يجوز تبديل لفظ من الالفاظ المتشابهة بلفظ آخر غير متشابه سواء كان بالعربية أو بالفارسية وذلك لأن الألفاظ المتشابهة قد يكون بعضها أكثر إبهاما للباطل من البعض، فتفسيرها وترجمتها إذن ممنوعان ولا يجوز النطق إل بالفظ الوارد:” للأن من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسيه تطابقها، ومنها ما يوجد لها فارسيه، ولكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التى جرت عادة العرب باستعارتها منها ومنها ما يكون مشتركا في العربية ولا يكون في العجمية كذلك “والأمثلة كثيره: فمثلا لفظ (الاستواء) فإنه ليس له في الفارسية – كما يقول الإمام “الغزالى” – لفظ مطابق يؤدى بين الفرس من المعنى ما يؤديه لفظ الاستواء بين العرب، بحيث لا يشتمل على مزيد إيهام: إذ فارسيته أن يقال “راست بإستاد ” وهذان لفظان (الاول) ينبئ عن انتصاب واستقامة فيما يتصور أن ينحى ويعوج، و (الثاني) ينبئ عن سكون وثبات فيما يتصور أن يتحرك ويضطرب وإشعاره بهذه المعانى وإشارته إليها في العجمية: أظهر من إشعار لفظ الاستواء وإشارته إليها في العربية فإذا تفاوتا في الدلالة، والاشعار: لم يكن هذا مثل الأول، وإنما يجوز تبديل اللفظ بمثله، المرادف له الذى لا يخالفه ولو بأدنى شيء، 6- ويجب الاحتراز عن التصرف: فلا تقول في قوله تعالى:(استوى) أنه مستو فاسم الفاعل يدل على كون المشتق ممكنا ومستقرا، أما لفظ الفعل فدلالته على هذا المعنى ضعيفة، 7- ولا يجوز الجمع بين هذه الألفاظ المتشابهة في مكان واحد: لأنا إذا جمعنا الألفاظ المتشابهة، وروينا هذا دفعه واحدة أوهمت كثرتها: أن المراد منها ظواهرها فكان ذلك الجمع سببا لإيهام زيادة الباطل وكما لا يجوز الجمع بين متفرق لا يجوز التفريق بين مجتمع فإن ما يسبق الكلمة وما يلحقها له تأثير في تفهيم معناها، والله سبحانه وتعالى: لم يذكر لفظ المتشابهات إلا وقرن بها قرينه من سابق أو لا حق تدل على زوال الوهم الباطل، فذكر العبودية: عند وصف الله تعالى بالفوقية في قوله تعالى ” وهو القاهر فوق عباده يدل على أن المراد من تلك الفوقية شيء آخر غير الفوقية المكانية، 8- ولا يقاس على هذه الألفاظ فإذا ورد لفظ اليد فلا يجوز إثبات الساعد أو العضد أو الكف مصيرا الى أن هذا من لوازم اليد كل ذلك محال وكذلك زيادة قد يتجاسر عليها بعض الحمقى، 9- وكما يجب على الانسان إمساك اللسان عن التصرف فإنه يجب عليه كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور: وهذا ثقيل على النفس ولكن من المكن أن يشغل الانسان نفسه عنه بمختلف أنواع العبادة أو بهواية من الهوايات العلمية أو العملية، ويرى الامام الغزالي أن الاشتغال بلعب أو لهو خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره العظيم خطره بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له ن أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وأخيرا فإن حاصل هذا المذهب – كما يقول الرازي – هو: أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظواهرها ثم يجب تفويض معناها الى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها ” أهـــ ([3]) .
ومن تطبيقات السلف في متشابه تلك الإضافات إلى الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله في السنن: ” قد قال غير واحد من أهل العلم في هذه الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فإنهم قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمرُّوها بلا كيف وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة “([4]) .
وجاء في كتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي: ” أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها “([5]) .
وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا محمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن زهير قال ثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال ثنا بقية قال ثنا الأوزاعي قال كان الزهري ومكحول يقولان أمروا الأحاديث كما جاءت، أخبرنا محمد بن رزق الله قال أخبرنا بن عثمان قال نا عيسى بن موسى بن إسحاق الأنصاري قال سمعت أبي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل) ([6]) .
وجاء فيه أيضا: ” سمعت محمد بن الحسن يقول اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمان به وتلقيه بالتسليم والقبول وترك التعرض له “([7]) .وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا أحمد أخبرنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا أبو علي الحسن بن يوسف بن يعقوب قال ثنا أبو محمد أحمد بن علي بن زيد الغجدواني قال ثنا أبو عبد الله محمد بن أبي عمرو الطواويسي قال ثنا عمرو بن وهب يقول سمعت شداد بن حكيم، يذكر عن محمد بن الحسن في الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إن هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها ” ([8]) .
وجاء فيه أيضا: ” أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القزويني قال ثنا محمد بن أحمد بن منصور القطان قال ثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال ثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال ثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف ” ([9]) .
وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للإمام السبكي: ” وسئل الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله فقال: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ومن تقصى وفتش وبحث وجد أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والصدر الأول لم يكن دأبهم غير الإمساك عن الخوض في هذه الأمور وترك ذكرها في المشاهد ولم يكونوا يدسونها إلى العوام ولا يتكلمون بها على المنابر ولا يوقعون في قلوب الناس منها هواجس كالحريق المشعل وهذا معلوم بالضرورة من سيرهم”([10]) .
وجاء في كتاب عقيدة الإمام أحمد بن حنبل: (نص اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل: وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات فقال تمر كما جاءت ويؤمن بها ولا يرد منها شيء إذا كانت بأسانيد صحاح ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ” أهـ ([11]) .
[المفتاح الثالث]:المنهج الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات، وذلك بتفسير النصوص وفق السياق القرآني مع مراعاة السباق واللحاق لتلك الآيات دون التعرض للخوض في جناب الذات، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم: والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، ورد عن السلف الكرام بضوابط حكيمة، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته أحد من علماء أهل السنة والجماعة، أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا قد ورد عن السلف الكرام، ومما يدل عليه أنه ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([12])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([13])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([14])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([15])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([16]) .
فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([17])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([18])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([19])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([20])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([21])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([22])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([23])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([24])
وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([25])
ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([26])
وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([27])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([28])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([29]) ، وهذا غيض من فيض ومنه يتبين أنّ للسلف الصالح في المتشابهات مسلكان، وكلاهما يخدم التقديس والتنزيه، الأول تفويض المعنى المراد منه إلى الله ورسوله، والثاني حمل الكلام على ما يقتضيه سياق الآيات من البلاغة والمجاز.
***
المبحث الثاني الأسباب العلمية الحقيقية التي منعت السلف الكرام من الخوض في معاني متشابهات الصفات
[المفتاح الأول]: علم السلف بخطأ اعتماد جميع ظواهر النصوص في فهم القرآن: لأن هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، كقوله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، كقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، مثل قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]،، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ العالم كله محاط بالرحمن وأنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وقد حمل العلماء الإحاطة على إحاطة العلم لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الادلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات.
وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء الربوبية والملك والتسخير والتدبير وقد جاء المفتاح مع الأستواء في آيتين قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، وقال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، وليس لإثبات المحال على الله، لأنه منزه عن المكان، والمكان محدود مهما كبر والله تعالى أكبر من كل تصور ومن كل حد ومن كل مقدار لا حد لجناب ذاته، والزعم بأنه استواء استقرار فهو باطل لأن الله عز وجل منزه عن التغير والحدوث، والاستقرار يوحي بمعنى الحاجة وهل يحتاج الله لمخلوق حتى يستقر عليه وقبل الاستقرار أخبرونا ماذا كان حاله تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، وهؤلاء الذين يفهمون من الاستواء ظاهره المحال على الله من كون العرش مكان الذات، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله قال( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ([30]) . فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب وإذا كان ينزل لأهل كل أفق نزولا حقيقيا في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات ولا في ساعة من الساعات كما هو ثابت مسطور لا يمارى فيه إلا أحمق جهول، كما أنّ هناك آيات ظاهرها يوحي بنسبة الأبعاض والاجزاء والجوارح إلى الله تعالى كالوجه واليد والعين على حقائقها اللغوية، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، فينبغي التوقف وتفويض علمها إلى الله وهذا ما حدا بالسلف الصالح أن يقولوا: نؤمن بها ونفوض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها، وأن يقولوا: نترك التعرض لمعانيها، وان يقولوا: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره والسكوت عنه، وان يقولوا: المذهب هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله تعالى، وان يقولوا: حرام على العقول أن تمثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر وعلى الضمائر أن تعمق وعلى الخواطر أن تحيط، وان يقولوا: آمنت بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء به رسول الله وعلى مراد رسول الله، فالوجه يفوضون علم حقيقته إلى الله، ويعلمون من السياق المراد منه، ففي قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} والمعنى المراد (ابتغاء رضا الله)، وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} أي إلا ذاته أو ما أريد به رضاه، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} أي قبلة الصلاة، وهكذا، اللفظة التي تتعرض لذكر الذات يفوضون علمها إلى الله ولا يفسرونها، ويهمون الآيات وفق السياق، هكذا كانوا يعملون، فعدما ذكر القران اليهود لعنهم الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، اليهود اتهموا الله الكريم بالبخل {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، فرد القرآن الكريم عليهم بأنه غاية الكرم والجود {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، وإلا فقد ورد بالقرآن قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}، ولم يفهم أحد من الآية لا من السلف ولا من غيرهم أن ظاهر الكلام مراد، وإنما هو مثال ضرب للتوسط في الانفاق، وعندما قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، لم يشكوا لحظة أن المراد بحفظنا ورعايتنا، ولم يؤثر عن واحد منهم بأن المراد من الآية أن نؤمن بان لله عين، بل علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، فحملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله بعيدا عن تتبع المتشابه والذي لا يتتبعه إلا الذين في قلوبهم زيغ نسأل الله السلامة.
[المفتاح الثاني]: علم السلف الواسع ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه المعجز في إيصال المعاني: وهم أهل اللغة وأساطين البلاغة، والقرآن كتاب عربي مبين نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 إلى 195]، فما كان من استعمالات العربية من أساليب البلاغة والبيان، فهو لاشك يسري على القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولما كانت البلاغة هو ذروة البيان العربي، فلا غرابة في أن يكون القرآن الكريم هو مصدر البلاغة التي تحدى الله تعالى بها بلغاء العرب وفصحائهم، ولما كان المجاز هو ذروة البلاغة والفصاحة وهو سنام اللغة والبيان بما فيه من الاستعارة والكناية والخيال، كان القرآن الكريم لا تكاد تخلو منه سورة من المجاز، ومن ذلك: التعبير عن الإيمان بالنور وعن الكفر بالظلمات، كما في قوله تعالى: {الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [ابراهيم: 1]، والتعبير عن المؤمن بالحي وعن الكافر بالميت، لأن الحي يستفيد بما يسمع من النصيحة أما الكافر فلا وهذا كما في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل: 80، 81]، فالآية عبّرت عن الكافر بالأعمى لأنّه لا يرى الهداية ولا يميزها عن الكفر والضلال، والتعبير عن الكفر الموجب لدخول النار بشفا الحفرة، كما في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103]، والتعبير عن التواضع ولين الجانب بخفض الجناح، كما في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24]، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، ومعلوم أنه ليس للمؤمن جناح يخفضه عند والديه، ولا للرسول صلى الله عليه وسلم جناح يخفضه للمؤمنين، وإنما هو مجاز عن التواضع ولين الجانب، وقمة البلاغة والمجاز التعبير عن التوسط بالإنفاق في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]، والتعبير عن غاية الكرم والسخاء ببسط اليد كما في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]، فاليهود قصدوا بالغل وصف الله تعالى بالبخل {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} أي غاية السخاء والكرم {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، والتعبير عن الرعاية والحفظ والكلاءة بالعين، كما في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن في عين الله، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وإنما هو تعبير مجازي عن الرعاية والحفظ والكلاءة، ولهذا فقد تواترت أقوال العلماء على حمل الآيات المتعلقة بالعين على البصر والإدراك أو على الرعاية والحفظ أو على شدة العناية والحراسة، وأول من نقل عنه ذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله ابن عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين وبعلم التأويل، فقوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}، معناه بمرأى منا أو بحفظنا، وقوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني}، كناية عن الحفظ والصون والحنو والشفقة والرعاية والمراقبة، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} معناه بحفظنا إياك وحراستنا لك، والتعبير عن القهر والقدرة والغلبة والملك بلفظ اليد، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} [الأنفال: 70]، أي في قهركم واستيلائكم، لأنّ الكفار لم يكونوا في أيديهم، والتعبير عن الذات بالوجه، كما في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 ‘ 27]، ولا يعقل أنّ الذات يهلك ولا يبقى إلا الوجه، سبحان الله وتعالى عما يصفون، كما أنّ المتدبر لآيات القرآن يعلم يقينا أن اليد تستعمل فيه في مجازات متعددة لا يمكن إنكارها ولا على سبيل المكابرة ومثالها، كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 75، 76]، فصحاء العرب وأهل البلاغة فيه يعلمون من قوله تعالى (لما خلقت بيدي) أنه كناية عن غاية الإبداع أي لما أوليته عنايتي وأظهرت فيه عجائب قدرتي وخلقته في أحسن تقويم وعلمته من العلم ما لا يعلمه غيره وفضلته في ذلك كله على غيره من المخلوقين،هذا هو المفهوم من سياق الآيات فلم تسق الآية لإثبات جارحة لله تعالى عن ذلك لأنه نقص يتنزه الأحد الصمد القيوم الغني عنه، لأن الجارحة تعني الجزء والتجزؤ يضاد الأحدية التي تعني نفي التبغض ويضاد الصمدية التي تعني كمال الغنى لأن المتجزىء يحتاج إلى جزئه، والله تعالى صمد له كمال الصمدية قيوم له كمال القيومية غني له كمال الغنى، وإلا فما الفارق عند كل منصف لم تحرق البدعة قلبه بين هذا التعبير القرآني (لما خلقت بيدي) وبين قوله تعالى (مما عملت أيدينا أنعاما) و قوله تعالى (والسماء بنيناها بأيد) وأيد جمع يد لقوله تعالى (ألهم أيد يبطشون بها) فالإنسان خلق بصفة اليد والأنعام كالغنم والبقر والإبل خلقت كذلك بصفة اليد والسماء خلقت كذلك بصفة اليد، والعربي الفصيح يقول: ليس لي بهذا الأمر يدان، أي ليس لي به قدرة ولا يقصد سوى ذلك، فإن قالوا إنما عبروا بذلك لأن للإنسان يد على الحقيقة، قلنا إذن يلزمنا إثبات اليدين للرحمة {بين يدي رحمته} وللعذاب {بين يدي عذاب شديد} وللنجوى {بين يدي نجواكم صدقة} وفي هذا الإثبات من الجهل باللغة والتلاعب بثوابتها ما فيه، وقد قال الله تعالي في محكم التنزيل {إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، فالقرآن نص على أن خلق عيسى كخلق آدم كلاهما بالقدرة المعبر عنها بقوله تعالى {ثم قال له كن فيكون}، فهذا هو صريح القرآن، ومعنى الآية (لما خلقت بيدي): لا يليق بالخالق أن يحتاج إلى أن يفعل بواسطة، لأن له الأحدية والغني المطلق بذاته منزه عن الأعضاء والاجزاء، فلا ينبغي أن نتشاغل بطلب تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه البارئ سبحانه من التعظيم بإثبات الأحدية {قل هو الله أحد} ونفي المثلية {ليس كمثله شيء} وذلك بنفي الأجزاء و الأبعاض والجوارح، ونفي المماثلة في الأفعال بمس الطين ومعالجته حتى ظن بعض الجهلاء بما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى أن الله تعالى مس طينة آدم بيد هي بعض ذاته، والمس قرين الاتحاد والحلول فما يقبل المس يقبلهما، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا، والحاصل أنّ المتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك ظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى.
[المفتاح الثالث]: علم السلف بوجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، ووجوب رد المتشابه من الأخبار إلى أمهاته من المحكم: لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 7، 8]، وآيات الصفات منها آيات محكمات تدل على الكمال من كل وجه، ومنها آيات متشابهات يؤدي إثبات ظواهرها إلى نسبة النقص أو العجز أو الحدوث أو القصور إلى ذات الله تعالى وصفاته، إنّ (صفة العلم) – على سبيل المثال: صفة كمال من كل وجه، وضدها الجهل وهو مستحيل على جناب الله تعالى، و(صفة القدرة) صفة كمال من كل وجه وضدها (العجز)، وهو مستحيل على جناب الله تعالى، أما المتشابهات فهي (الأخبار) التي توهم النقص أو العجز أو العيب في حق الله تعالى ولا يوحي إثباتها بإثبات الكمال من كل الوجوه، فمن هذه المتشابهات نصوص توهم الجارحة والتبعض والتجزئ إلى ذات الله تعالى كالوجه والعين واليد، وهناك آيات توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول والاستواء، وهناك نصوص توهم الحدوث والتغير من حال إلى حال، وكل ذلك مستحيل على جناب الله، وليس في إثبات ظاهره كمال، بل عند التدبر فإنّ إثبات ظاهره نقص يوهم محدودية الخالق وتحيزه في مخلوقاته وتشكله وتبعضه مع أنه الأحد الصمد {ليس كمثله شيء}، ومذهب السلف فيها أن تروى هذه المتشابهات كما جاءت ويؤمن بها على مراد الله ومراد رسول الله، ولا تفسر ولا تتوهم ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن النقص والعجز، وعن الشبيه والمثيل، وذلك لعلمهم الراسخ بأن اثباتها على ظواهرها يخالف الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد.
إنّ مذهب السلف الصالح أنه يعامل اللفظة التي توحي بتكييف جناب الذات على أنها من المتشابه، فلا يفسر ولا يخوض، ثم يفسرون الآية او الحديث بما سيق لأجله دون التعرض لمتشابه، فمثلاً حديث النزول سيق لبيان فضل الثلث الآخر وليس لبيان كيفية النزول، فيفسرونه بذلك، ولا يتعرضون لتفسير لفظة (النزول) لأنها من المتشابه الذي يجب رده إلى محكمه من الأحدية والصمدية ونفي المثلية.
[المفتاح الرابع]: علم السلف الكرام بأدلة الشرع المحكمة على تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة ذوات خلقه: ومن تلك الأدلة القرآنية: قوله تعالى: {ليس كمثلِه شيء} [سورة الشورى: 11]، في هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة بين الله تعالى وخلقه ومعناه أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأي وجه من الوجوه، وقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام: 100] تنزيه وتقديس لله تعالى عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، وقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [سورة طه: 110] ولو كان له مثيل لأحاطت به علوم البشر ولكنه سبحانه تنزه وتقدس عن كل وصف يخطر ببال بشر لأنه ليس كمثله شيء ولا نعلم له سميا، ومنه نعلم مخالفة ذات الله تعالى لجميع المخلوقات والموجودات والمحدثات، ويعلمون أنه إذا كان المخلوق لا يحيط علماً بالروح التي تسكنه، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الاسراء: 85] فأنى له أن يُدرك شيئا عن ذات الإله، وهم أعلم الناس بعلوم سورة الإخلاص لأنهم يعلمون انها تعدل ثلث القرآن، ويعلمون أنه سبحانه (الأحد)، قال تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ولا معنى للأحدية سوى نفي التبعيض والجارحة والتركيب على الله، لأنه سبحانه [واحد] لا شريك ولا ند ولا كفء ولا مثيل له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو سبحانه [أحد] لا جزء له منزه عن الأجزاء والأبعاض والجوارح، (أحدية الذات) تعني نفي التبعيض والتركيب عن ذات الله سبحانه وتعالى، تنزه سبحانه عن البعض والجزء والجارحة والجسمية والانقسام في ذاته، وهو توحيد في نفس الذات بعدم تصور الكثرة فيها أبدا، ولا حتى تصورها والفكر فيها: {ليس كمثله شيء}، و {ولم يكن له كفوا أحد}، أما الوجه في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] والعين في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] واليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، فلم يقل أحدٌ منهم معاذ الله أنها جوارح لله، (الأحدية) تنزيه ذات الله تعالى عن التبعيض والتركيب وعن الجارحة والجسمية وكل ما يفيد الانقسام في ذاته و (الواحدية) بتنزيه الله تعالى عن الشريك والند والنظير والشبيه والمثيل والوزير والمعين، وتنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد والوالد فالله تعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ليس كمثله شيء، ولا شريك له، ولا إله إلا هو سبحانه وتعالى عما يشركون و سبحانه وتعالى عما يصفون، والتوحيد في الذات يعني، أنه متفرّد ليس له مثل أو نظير، واجب الوجود الخالق المتعالي، له الأحدية المطلقة فلا يُمكن أن يكون مركباً أبداً، واسم الله تعالى [الصمد] أي السيد الذي اكتمل غناه تنزه عن الحاجة والنقص والعيب، و {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} أي الله الذي لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه، له الكمال المنزه عن النقصان والحاجه، وجميع خلقه إليه محتاج، والصمدية تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وسورة الإخلاص التي ورد فيها (الأحد) و(الصمد) تَعْدل ثُلُثَ القرآن، ومما قيل في أَنَّها عَدَلَتْ ثُلُثَ القرآن أنه لأجل اسمي (الأحد والصمد) اللَّذان لم يوجدا في غيرها من السور، ولما اشتمل عليه اجتماعهما معاً من التوحيد (توحيد الذات) والتقديس والتنزيه، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية كقوله تعالى (ليس كمثله شيء) ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح.
[المفتاح الخامس]: علم السلف الكرام أنّ المتشابهات تُعارض قواعد التقديس العامة المستفادة من الكتاب والسنّة، ومن ذلك تنزيه ذات الله تعالى عن الحد لأنّ الحد معناه التناهي، والتناهي في ذات الله تعالى نقص لا يجوز وصف ذات الله تعالى به، لأنّ الكمال أن لا يكون للشيء حد ونهاية ينتهي إليه، وإلا جاز أن يكون فوقه ما هو أكبر منه، والله تعالى أكبر من كل تصور، وأكبر من كل حد، وأكبر من كل مقدار، وأكبر من كل نهاية، وهو الكبير المتعال على الحدود، القاهر لكل خلقه بما حدهم عليه من حدود، فهو الذي حد الحدود على خلقه بقدرته، وكتب النهايات على كل محدود، ليدل بحده على أنه مخلوق له خالق قهره بحد ونهاية لا يتجاوزها إلى غيرها، وكل محدود مخلوق، والخالق متعالي عن الحد والنهاية، لأنّ صفات الله تعالى لا تتناهى ولا حد لها، فلا حد لعلمه، ولا حد لقدرته، ولا حد لرحمته، ولا حد لعزته، ومن كانت تلك صفاته، فلا حد لذاته، هو {الواحد القهار} قهر الخلق أجمعين بالحدود والمقادير، فليس مخلوق إلا مقهور بقدر معلوم وحد مخصوص، لا يستطيع أن يتجاوز تلك الحدود، لأنّه مقهور عليها، والقاهر له هو خالقه الواحد القهار، أما الخالق الواحد القهار فقد جل عن أن يقهره حدٌ أو يحده مقدار، لأنّه قاهر الخلق بتلك الحدود والمقادير، ومن ذلك تقديس ذات الإله عن الصور والأشكال، لأن الله تعالى هو المصور وجلّ المصوِرُ أن يكون مُصَورَاً وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لأن الصور لا تنتج إلا عن تأليف وتركيب والتركيب يستحيل على الله تعالى، وصاحب الصورة لا يختص بصورة إلا بمخصص، والمخصص هو الله تعالى المصور، وهو تعالى يصور مخلوقاته كيف شاء، وكل ما له صورة فهي علامة على كونه مخلوق مصور صوره خالقه، والله تعالى هو (المصور) خالق الصور (ليس كمثله شيء)، ومن ذلك تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: {قل هو الله أحد}، ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض، والأحدية تدل على نفى الأجزاء المتمثل في نفي التركيب والتأليف في الذات فلو كان تعالى مركبا من جوارح وأجزاء لم يكن أحدا، لأن أجزاؤه توجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى والكثرة تنافي الأحدية في ذات الله، وقوله تعالى (الله الصمد) الصمدية كذلك تدل نفي الجارحة والأجزاء على الله بدليل: أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنياً محتاجا (إليه) فلم يكن صمداً مطلقاً وكذلك لو كان سبحانه مركباً من الجوارح والأعضاء لأحتاج في الإبصار إلى العين وفى الفعل إلي اليد وفى المشي إلي الرجل وذلك ينافى كونه صمداً مطلقاً له كمال الغني ونفي الاحتياج، وقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) نفي للمثلية ولو كان مركبا من أجزاء وجوارح لكان مثلاً لسائر المخلوقات المركبة من أجزاء وجوارح، ومن ذلك تنزيه ذات الله تعالى عن التغير والحدوث، وعن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنه تعالى وتقدس، لأنهم أعلم الناس بالقرآن وهم يعلمون العلة التي من اجلها أقام نبي الله إبراهيم الخليل الحجة على قومه بنفي الإلهية عن الشمس والقمر والكواكب وسائر المعبودات من دون الله، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الانعام: 75 إلى 79]، هل كان السلف الصالح وهم أساطين اللغة لا يعلمون معنى (الآفلين)، وهل كانوا لا يعلمون العلة من كون الأفول يعارض الإلهية والربوبية، سبحانك هذا بهتان عظيم بل كانوا يعلمون أنّ (الآفلين) أي المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال وإنهم لتغيرهم من حال إلى حال فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية والإلهية، لأنّ من غاب بعد ظهوره كان حادثا مسخرا وليس ربا أزليا لا أولية له، ولهذا تبرأ الخليل عليه السلام من آلهتهم بقوله: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79]، ومعناه إني بريء مما تشركون من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال إني وجهة وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، هل نزعم ان السلف لم يعرفوا هذا، وأنه عليه السلام استدل عليهم ب (لأفول) تنبيها لقومه على أن الكواكب والشمس والقمر لتغير حالها لا تصلح للإلهية وأن من اتخذها آلهة مع الله فهو ضال مشرك، وأنه عليه السلام أشار إليهم بعبادة الله الدائم الذي لا يزول ولا يقبل التغير والحدوث، إنّ (الأفول) معناه التغير والتبدل من حال إلى حال بالظهور والاختفاء والقوة والفناء والتأثير والزوال وهذا الأفول صفة نقص تنزه عنها ذات الرحمن تقدس وتعالى، فكل متغير يقبل الظهور تارة و الاختفاء تارة والتأثير تارة والزوال تارة أخري لا يصلح أن يكون إلها البتة، إنّ (الأفول) ينافي الأولية والأزلية التي يتصف بها ذات الله تقدس وتعالى، وينافي كمال الذات والصفات، فإن الكمال المطلق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ‘ لأنه لو قبل الزيادة كان قبل الزيادة نقصا ولو قبل النقص لم يكن إلها له كمال الذات والصفات، إنّ الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بالقرآن وعليهم نزل القرآن وهم أعلم الناس بحجة الخليل عليه السلام، ولكنهم كانوا اتقى الناس وأعلم الناس بالله بعد الأنبياء، فلم يؤثر عن أحدهم أن تكلم عن ذات الإله بما لا يليق، فكانوا أبعد الناس عن المتشابهات وتتبع المتشابهات كما يتتبعها الذين في قلوبهم زيغ.
[المفتاح السادس]: علم السلف الكرام أنّ المتشابهات محال نسبة حقائقها إلى الله المنزه عن النقص والعيب والمثلية، وأنه لا يتتبعها إلا الذين في قلوبهم زيغ عن العقيدة السليمة: كان الصحابة رضي الله عنهم – وهم أعلم الناس باللغة وحقائقها ومجازها وبلاغتها – يعلمون علم اليقين بإنّ ألفاظ (الوجه) و(اليد) و(العين) و (الساق) تستعمل في اللغة العربية للدلالة على جوارح هي أجزاء وأبعاض من الذات، وذلك لأنها وضعت لتدل على أجزاء الذات وليس صفاتها، ولذلك اعتبروها متشابهات لا يجوز الخوض في تفسيرها إذا تعلقت بجناب الذات الإلهي تعالى وتقدس، فما أُثر عن أحد منهم أبدا أنه قال للمسلمين أنّ من العقيدة أن نؤمن بأن لله الوجه أو اليد أو العين، بل عاملوا معاملة المتشابه وقالوا نؤمن بها ولا نتعرض لمعناها ولا نفسرها ونكل علمها إلى الله، وذلك لعلمهم الراسخ بأنّ ظواهرها تدل على تجزؤ الذات وتبعضه وتشكله ومحدوديته ونهايته، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، فكانوا أبعد الناس عن الزيغ والضلالة، ما أُثر عن أحد منهم أنه فسر الاستواء، لأنهم – ولاشك – يعرفون ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وما يستحيل على جنابه من صفات النقص والعجز والعيب والحدثان، ويعلمون أنّ اثبات الاستواء على سبيل الجلوس لا يجوز لأنّه لا يكون الجلوس إلا بالجوارح والله تعالى منزه عن الجارحة، كما لا يكون الجلوس إلا بمماسة واتصال وهما يستحيلان بين الخالق والمخلوق وبين الرب والمربوب وبين الإله والمعبود، ويعلمون أن الاستواء بمعنى الكون في مكان لا يجوز لأنّ المكان يحيط بمن فيه ويحده وهو أكبر من المتمكن فيه، والله تعالى هو خالق المكان وهو القاهر للمكان وهو بكل شيء محيط، ويعلمون أنّ العرش أعظم مخلوقات الله تعالى ومظهر قدرته وعظمته ولكنه ليس مكاناً للرحمن، لأن الرحمن هو خالق المكان وهو قيوم بذاته مستغن عن المكان والعرش محدود لأنه مخلوق والرحمن تعالى جل عن الحدود فكما أن صفاته ليس لها حدود كذلك فليس لذاته حد ولا نهاية والكون كله فضلاً عن العرش محدود مقدر بنهاية فلا يصلح شيء منه أن يكون مكاناً لذات الرحمن تنزه سبحانه عن الأمكنة والأزمنة، وهو جل شأنه القريب منا (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولكنة قرب منزه عن الحلول والاتحاد والمسافة فهو قرب الصفات (صفات العلم والسمع والبصر والقدرة والرحمة والتصريف والتدبير) كما أن الاستواء استواء صفات (صفات الملك والكبرياء والجلال والعظمة) فهو سبحانه الملك القدوس المتكبر العظيم الجليل كما أنه العليم السميع البصير القدير الرحيم بالمؤمنين، فالقرب مظهر قدرته وعلمه ورحمته والاستواء مظهر ملكه وكبريائه وعظمته وجلاله، وكما أنه منزه عن الحلول والاتحاد والكون في الأرض لأنها خلقه، فهو سبحانه منزه عن ذلك كله في السماء أو العرش لأنها مخلوقاته، وتنزه عن المكان والزمان لأنها كذلك مخلوقاته، ثم بعد ذلك لا يكون إلا التنزيه المطلق توقن العقول المؤمنة في وجوده وتتحير الألباب في كنه وجوده فضلا عن كنه ذاته والعجز عن درك الوجود محض إيمان ليس كمثله شيء ولا يحيطون به علماً ولم يكن له كفواً أحد، ولهذا اعتبر السلف الكرام الراسخون في العلم صفة الاستواء من المتشابهات التي لا يجوز الخوض في تفسيرها، لأنّ ظواهرها تدل على محدودية الخالق ونهاية ذاته، ومحاذاته للمخلوق وتمكنه في المكان، وكل ذلك علامات الخلق والحدوث وسمات المخلوق الناقص العاجز المحدود الذي ظهر عجزه بمحدوديته ونهاية غايته، أمّا الخالق البارئ المصور تنزه عن الحد والغاية وتنزه عن المقدار والنهاية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وهم أعلم الناس بالقرآن ومعاني القرآن وأن سياق آيات الاستواء في كل القرآن جاء لبيان كمال الربوبية والهيمنة والتدبير لقرينة قوله تعالى بعد ذكر الاستواء {يدبر الأمر}، ولذلك لم يؤثر عن أحد منهم أنه فسر الاستواء بالجلوس نعرض لتفسيره أصلا بل كانوا يطردون من مجالسهم من يسأل عن تلك المتشابهات، والمجسمة لا تجد في كتب العقائد لديهم سوى أبواب اليد والرجل والأصابع والانامل على الحقيقة وليس مجاز اللغة حتى ولا اعتبار لديهم بالسياق فآيات الاستواء ليست لاثبات الربوبية والهيمنة والتدبير والتصريف مع وجود مفاتيحها في نصوصها، بل لاثبات المكان والجلوس والقعود وكأن العظمة والربوبية في اثبات الجلوس والقعود وليس اثبات الهيمنة والتصريف والتدبير، وحديث النزول عندهم ليس لإثبات أفضلية الثلث الآخر من الليل مع ان سيق لأجله بل هو لإثبات النزول والصعود ولوازمهما من الحركة والسكون فسبحان من بيده الهداية يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا.
[المفتاح السابع]: علم السلف الكرام بما تحمله متشابهات الصفات في القرآن عند السياق من معانٍ بلاغية عظيمة: فمن التلبيسات الشيطانية على الحشوية والمجسمة، قولهم: ” وصف الله تعالى نفسه بالسمع والبصر في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، ووصف الإنسان بقوله تعالى: {فجعلناه سميعا بصيرا}، فقالوا كما أنّ الله تعالى له السمع والبصر والإنسان له السمع والبصر، والله تعالى ليس كمثل سمعه سمع ولا كمثل بصره بصر، فما المانع أن يكون لله تعالى الوجه ليس كمثل وجهه وجه وأن يكون له اليد ليس كمثل يده يد، وأن تكون له العين ليس كمثل عينه عين وهكذا، وأن يكون له الجسم وليس كمثل جسمه جسم وان يكون له الكلام وصوته ليس كمثل صوته صوت وأن يكون له النزول وليس كمثل نزوله نزول وان يكون له الجلوس وليس كمثل جلوسه جلوس، وهذا خلط بين الامور، وتلبيس في باب الاعتقاد، وقديما قالوا بأنه في صورة شاب امرد، ولولا أهل التقديس وجهودهم في ابطال هذا الزيغ لأجبروا الناس على اعتقاد هذه الخزعبلات والوثنيات، إنهم يحتجون بالسمع والبصر، وكلاهما في اللغة يستعملان للإخبار عن الصفات، وهما صفتا كمال ليس فيهما معنى النقص بحال، وضدهما العجز بكل حال، فضد السمع الصمم، وضد البصر العمى، وكلاهما عجز محض محال على الإله، ولكن (الوجه) و(اليد) و(العين) في اللغة ليست صفات وإنما هي أجزاء من الذات والله تعالى أحد صمد منزه عن الجزء والبعض والجارحة، وهي توحي بالحد والغاية والنهاية والحدوث كما توحي بالتبعض والتجزئ والتشكل واحتياج الذات إلى بعضها وجزئها وكل ذلك نقص وعجز محض محال على الإله الأحد الصمد الحي القيوم، وإثبات علماء أهل السنّة لها على سبيل الصفة وليس الجزء وهذا من مجاز اللغة لمن تدبره، لأنّ الوجه على الحقيقة لا يُطلق إلا على الجزء من الذات وليس الصفة، وعلى ذلك فإن صفات الكمال تختلف تماما عن صفات العجز والنقص والمحدودية إذا نسبت إلى الله تعالى، فكل ما يوهم العجز أو العيب أو النقص أو الخلق والحدوث فإذا أضيفت إلى ذات الله تعالى كانت من المتشابهات التي لابد من ردها إلى أمهاتها من المحكم عملا بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، فذكر الآيات المحكمات على أنّها أمهات إشارة إلى وجوب رد المتشابهات إليها إذ الأصول تقتضي رد الفرع إلى أصله، وقد أجمع أهل القبلة عدا المجسمة والمشبهة على تنزيه الله تعالى عن الأجزاء والأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والسلف الكرام أعلم الناس بالله، ما قالوا عندما قال الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة /115]، نؤمن بأن لله وجه، بل هذا مما تشمئز منه الأسماع أن يكون السياق في واد والاستدلال في واد آخر، بل قالوا: فثم قبلة الله يعني بذلك الوجهة التي وجههم إليها، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [سورة الكهف: 28]، نؤمن بانهم يؤمنون بأن لله الوجه يريدون هذا الوجه، بل فهموا انّ المعنى المراد وفق السياق: يريدون وجهه: أي يريدون رضاه وطاعته والمقصود الإخلاص والصدق في محبته والحرص على رضاه، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، ما قالوا نؤمن بأن كل الوجود يفنى ويهلك إلا الوجه الذي هو الوجه على الحقيقة، ما هذا الهراء؟، إنّ الآية الكريمة تدعو إلى التوحيد وإخلاص الدعاء لله وتنهى عن الشرك ودعاء غير الله، ومناسبة الآية أن تختم بأنه لا يبقى إلا العمل الصالح الخالص الذي أُريد به رضا الله وحده لا شريك له، وعلى ذلك فالمفهوم من سياق الآية أن المقصود بالوجه هو ما قصد به الله تعالى من التوحيد والعمل الصالح، وما قالوا عند قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [سورة الرحمن: 26، 27]، نؤمن ببقاء الوجه على العقيدة ولا يقبلون حتى بتفسير الوجه بالذات لأنه عندهم من التأويل الممقوت كما تفعل المتمسلفة، فسبحان الله وحسبنا الله على تلك العقول المتخلفة، بل سياق الآيات يوحي بأن كل الاعمال زائلة ولا يبقى إلا ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [سورة الطور: 48]: نؤمن بأن لله العين على الحقيقة، بل قالوا: (بأعيننا) أي بمرأى منا وبعلمنا وبحفظنا وبحراستنا وكلاءتنا ورعايتنا نرى ونسمع ما تقول وتفعل، ولم يقل أحد منهم أن الآية تفيد أن لله عين يرى بها، وما ذلك إلا لعلمهم ببلاغة اللغة وجمالها ومجازها، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [سورة طه/39]: نؤمن بانه صنع على عين الله على الحقيقة، بل السياق يدل على انها كناية عن الحفظ والصون والرعاية، وغير ذلك جفاء تأباه اللغة الجميلة، وما قالوا عند قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ}، نؤمن بأن للقرآن يدين على الحقيقة لقوله تعالى {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، نؤمن بأن للرحمة يدين على الحقيقة لقوله تعالى {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، وما قالوا تفيد الآيات إثبات اليدين للرحمة لأنها جاءت بتثنية اليد، بل علموا وهم أهل اللغة أن ذلك من المجاز البلاغي الذي يستعير للرحمة لفظ اليدين للتأكيد على شمول رحمة الله تعالى لكافة خلقه، وما قالوا عند قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}، نؤمن بان للنجوى يدين حقيقيتين لقوله تعالى {بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ}، لأنهم يعلمون أنه المجاز البلاغي الذي يستعير للنجوى لفظ اليدين للدلالة على تقديم الصدقة قبل بدء النجوى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ أنه أَوَّابٌ}، أو عند قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ}، أن هؤلاء لهم أيد مميزة لأن القرآن ذكرهم بتلك الصفة، فليس المراد من الآيات مدح الأنبياء بوجود الأيد التي هي الجوارح بل المقصود بالأيدي في الآيات هو جدهم وتشميرهم للعبادة والطاعة واستعير لذلك بلفظ الأيدي لأنها عادة موضع القوة والجد والعمل، وما قالوا عند قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، نؤمن بأن لله يدين اثنتين حقيقيتين لأن الآيات وردت بلفظ التثنية، بل كانوا يعلمون كما يعلم عامة العرب أن الوصف بغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) فليس الأمر على حقيقته اللفظية ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بعدم غل اليد أو بسطها على الحقيقة ولم يقل بذلك عاقل، وإنما الأمر بالقصد في الإنفاق، وهكذا هاهنا، فالمقصود من غل اليد وبسطها المجاز عن محض البخل والجود من غير قصد في ذلك إلى إثبات يد أو غل أو بسط، ومعنى الآيات: أن اليهود لعنهم الله عز وجل قالوا على جهة الوصف بالبخل يد الله مغلولة فرد الله تعالى عليهم بقوله (بل يداه مبسوطتان) معناه أي كلا ليس كذلك بل هو في غاية ما يكون من الجود والإنعام، فإن قيل لم ثنيت اليد في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان}؟ قلت: ثنيت اليد ليكون أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، فإن أقصى ما ينتهي إليه همم الأسخياء من الوصف بالمبالغة في الجود والإنعام أن يعطوا ما يعطونه بكلتا يديهم، فالآية من باب عظمة اللغة وجمالها، ومن نظر في علم البيان والبلاغة لا يصعب عليه تصور ذلك أبدا، الشاهد ما رأينا أحدا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقف عن ظواهر الكلمات بل كانوا أعلم الناس بمعاني الآيات وبالبلاغة التي جاء بها القرآن، وما قالوا عند قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، نؤمن بان لله يد كانت فوق أيدي المعاهدين لقوله تعالى {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، بل كانوا يراعون السياق العربي والبلاغة العربية والإعجاز القرآني، فالمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله كقوله تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله سبحانه حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويرضى بيعتهم، وما قالوا عند قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، نؤمن بأن لله الساق على الحقيقة، معاذ الله وهو يعلمون أن الأحد الصمد مقدس عن الأعضاء والجوارح، بل الصحيح الذي جاء عن حبر الامة عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما وهو الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين والدراية بالتأويل، أنه أول المعنى بالشدة يوم القيامة، قال الطبري في تفسيره: حدثنا ابن حميد قال ثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس {يوم يكشف عن ساق} قال عن أمر عظيم كقول الشاعر وقامت الحرب بنا على ساق،،، وحدثنا ابن حميد قال ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ولا يبقى مؤمن إلا سجد ويقسو ظهر الكافر فيكون عظما واحدا، وكان ابن عباس يقول يكشف عن أمر عظيم ألا تسمع العرب تقول وقامت الحرب بنا على ساق،،، حدثني علي قال ثنا أبو صالح قال ثنا معاوية عن ابن عباس قوله {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة،،، حدثني محمد بن عبيد المحاربي وابن حميد قالا ثنا ابن المبارك عن ابن جريج عن مجاهد قوله {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال شدة الأمر وجده، قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة، فهل بعد علم حبر الامة من علم، وهل بعد فهمه من فهم، فالمعنى المراد من قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}، أي يُكشف عن شدة يوم القيامة وكربها ليس إلا، وما سيقت الآية لإثبات جارحة كما يفعل الذين في قلوبهم زيغ وبدعة.
***
المبحث الثالث الأسباب التي تدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه السادة الأشاعرة والماتريدية
[المفتاح الأول]: لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وهو من الفقه في الدين ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، وهناك أدلة شرعية تدل على جواز التأويل وانه من باب الرسوخ في العلم، وتكاد ترجع إلى خمسة ادلة: هي: [الدليل الأول]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، [الدليل الثاني]: أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام، وهو أحد منهجي السلف في معاملة المتشابهات، [الدليل الثالث]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر لذا فلا مناص من التأويل، [الدليل الرابع]: ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه تأويل ناشئ عن ضرورة، [الدليل الخامس]: ما يدل على جواز التأويل المقبول أنه ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه.
[المفتاح الثاني]: أهل الحشو ومحاربة التخصص العقدي يحاربون التأويل، ويعتبرونه أشد ضلالا من التعطيل، قال ابن تيمية: في معرض ذمه للتاويل،: (التأويل: هو الذي استخدمه المعطلة في تحريف الكلم عن مواضعه، وصرفوا معاني القرآن عن ظاهره بغير دليل، وقال ايضا: (وهذا التأويل استحدثه الطوائف الضالة، وهو أن يصرفوا اللفظ الذي أراده رب العزة والجلال وأراد أن يفهم منه المخَاطَب شيئاً معيناً إلى معنىً آخر، يقول صلى الله عليه وسلم: “ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر” فيقولون: المراد نزول الرحمة)، فدل على أنه يقصد السادة الأشاعرة، وليس تأويلات الباطنية والزنادقة، وقال عنه: هو من باب تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته، وقال أيضا: التحريف بالتأويل أقبح من التعطيل والتكييف والتمثيل، لأنه ما حرَّف إلا لأنه عطَّل، وما عطَّل إلا لأنه كيَّف ومثَّل”، وقال ايضا: وهو من باب الكذب على الله وعلى رسوله وكتابه، وقال تلميذه ابن القيم: َأَصْلُ خَرَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ، وقال ابن أبي العز الحشوي في شرحه للطحاوية: التأويل هو الذي أفسد الدنيا والدين.
[المفتاح الثالث]: ما هي مشكلة أهل الحشو ولماذا انكروا التاويل:
(المشكلة الأولى): أنهم يجهلون قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، وهي كثيرة وقد أفردت لها مقدمات عديدة، ومفادها: تقديس جناب ذات الله تعالى عن الحد والمقدار الذي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن أن يحيط به مكان أو أن يجري عليه زمان، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الحدوث أو الفناء، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن أي مثيل أو كفء أو شبيه، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الجسمية التي تتصف بها ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الصورة والشكل الذي تتصف به ذات المخلوق، و تقديس جناب ذات الله تعالى عن الجوارح والأجزاء والأعضاء التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن التغير والحدوث و عن حلول الحوادث بذاته تقدس وتعالى لأنها صفات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الاتحاد والحلول وعن الاتصال والانفصال لأنها صفات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الأعراض والكيفيات الحسية التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن النقائص والعيوب التي تتصف به ذات المخلوق، وتقديس جناب ذات الله تعالى عن الشريك والوزير والناصر والمعين لكمال غناه وقهره.
(المشكلة الثانية): تسربت إليهم بدع التجسيم، وخلاصتها أن الله تعالى له مكان وهو العرش وله حد وحده التحتي العرش وكأن جناب الذات له سفل يحازي العرش، وانه ينزل حقيقة ولا مانع من الحركة والسكون لانه حي والحركة والسكون من لوازم الحي، وان له صفات أعيان بمعنى اجزاء من الذات كالوجه والعين واليد والساق على صورة الانسان، وها هنا لنا ملاحظة: كل ما تكلموا به متشابهات لاسباب عديدة: الوجه والعين واليد أجزاء من ذات في اللغة وهم يسمونها صفات أعيان اي أجزاء من ذات وذهلوا عن الأحدية والصمدية، وما فيهما من تقديس عن الأجزاء والابعاض، (الاستواء): لم لا يكون استواء تدبير كما قالوا في القرب والاحاطة، (النزول): لم لا يكون نزول رحمة ونزول صفات، (العلو) لم لا يكون علو مكانة لا مكان لان نسبة المكان إلى الله محال، والمكان دائما أكبر من المتكون فيه، والمكان يحيز من بداخله ويحده بحده، والمكان يحيط دائما بمن فيه، والمكان اعلاه الظاهر وأدناه الباطن، وهو الباطن فليس دونه شيء كيف يحويه المكان، والكائن في المكان يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان، ولهذا جل الإله الواحد القهار الأحد الصمد الحي القيوم عن الكون في المكان، والله تعالى له الأحدية المطلقة، و(الاحدية المطلقة): تمنع من الكثرة وتضاد الانقسام، كل ما كان يمينه غير شماله فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها باليمين وبعضها بالشمال فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان فوقه غير تحته فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالعلو وبعضها بالسفل فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما كان أمامه غير خلفه فهو منقسم إلى أجزاء يختص بعضها بالأمام وبعضها بالخلف فلا يكون أحدا مطلقا أبدا وكل ما يقبل الكون في المكان يكون يمينه يمين المكان ويساره يسار المكان فلا يكون أحدا مطلقا أبدا ولهذا نفت الأحدية المطلقة الادراك عن جناب الذات، وقدست جناب الذات عن الكون في المكان، لهذه الأسباب يمتنع كون الرب تبارك وتعالى في مكان، إذن أنكر أهل الحشو التأويل ووصفوه بأشنع العبارات، بسبب تلك المشكلتين: (المشكلة الأولى): أنهم يجهلون قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، و(المشكلة الثانية): أنهم تسربت إليهم بدع التجسيم.
[المفتاح الرابع]: الأدلة على جواز التأويل
[الدليل الأول على جواز التأويل]: أنّ الهدف منه حمل المتشابه على أمه وأصله من المحكم: قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}، دلت الآية على أنّ المحكم هو أصل الكتاب وهم بمثابة الأم للمتشابه، وينبغي رد المتشابه إلى أصله وأمّه، والتأويل نوعان تأويل لسبب حقيقي تلزم به قواعد التقديس المستمدة من الكتاب والسنة، فهذا تأويل شرعي صحيح، دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم لحبر الأمة فقال (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ([31]) . هذا هو التأويل الصحيح، وهناك تأويل آخر للتلاعب بحقائق الدين والعقيدة، وهذا (تعطيل) وليس تأويل، وهذا ما اتهمت به الفرق الضالة كالجهمية والباطنية والمعتزلة، وهذا (التعطيل) لا يختلف على منعه وحرمته اثنان من علماء أهل السنة والجماعة، أما (التأويل الصحيح بضوابطه)، فهذا ما دعا به الرسول للحبر البحر، ورد عن السلف الكرام، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا، لقد حذرنا الله تعالى من تتبع المتشابه، لذا وجب ان نعلم حدود المتشابه وان نعلم من الذي يعلم المتشابه، وما هي طريقة الصحابة الكرام في معاملة المتشابهات، وما هي طريقة المذاهب المتخصصة في العقيدة على منهاج الكتاب والسنة والتي هي امتداد للصحابة في معاملة المتشابهات، إن الأمثلة الصحيحة الواقعية للمتشابه: جميع الآيات التي أدى اتباعها إلى الزيغ والضلال ومخالفة منهاج السنّة والجماعة الناجية، ومثال ذلك الآيات المتعلقة بالقدر حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور القدرية (المعتزلة) في جهة والجبرية في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بالإيمان حيث أدى تتابع المتشابه فيه إلى ظهور الخوارج والمعتزلة في جهة والجهمية والمرجئة في جهة أخرى، وكذلك الآيات المتعلقة بمتشابه الصفات والأخبار حيث أدى تتابع المتشابه فيها إلى ظهور الجهمية والمعتزلة في جهة، والمشبهة والمجسمة والحشوية في جهة أخرى، وهكذا فإنّ تتبع المتشابهات يؤدي إلى الزيغ والخلاف الفرقة والفتنة والضلال.
(فائدة): من الذي يعلم المتشابه: جميع من تكلم في تفسير القرآن نقل اختلاف العلماء في تحديد من الذي يعلم المتشابه في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، فمن قال أن الوقف لازم عند لفظ الجلالة {الله} من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، قال: لا يعلم المتشابه إلا الله وحده، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ (أي المتشابه) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (أي المحكم والمتشابه) فنعمل بالمحكم ونفوض علم المتشابه إلى الله، وهو قول ابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول: عروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم من التابعين، ومن قال أنّ الوقف عند لفظ الراسخون في العلم من قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} قال: إنّ الله تعالى رزق الراسخين في العلم علم المتشابه، وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم من التابعين، [أنظر تفسير القرطبي والطبري وابن كثير في تفسير الآية]، ومن هذا التفصيل نعلم أن كلا القولين صحيح بالوقف على: لفظ الجلالة (الله) أو بالوقف على: (الراسخون في العلم)، ولهذا صار للسلف الصالح في فهم النصوص المتشابهة التي توهم التشبيه أو التجسيم أو الحدوث، منهجان صحيحان: المنهج الأول: هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات، والمنهج الثاني حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات وبالتالي تزول الفتنة ويُقضى على الزيغ، [المنهج الأول هو تفويض المعنى المُراد من المتشابهات]: وهو يتعلق بالنصوص التي توهم الجارحة كالعين واليد، والنصوص توهم التغير والحدوث كالمجيء والإتيان والنزول، والنصوص توهم النقص والحد، ونسبتها إلى الله تعالى الاحد القديم بجناب ذاته وصفاته محال، ومذهب السلف الأول فيها: أن يوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، وهؤلاء كانوا يدركون المعنى الإجمالي الذي سيقت الآيات من أجله، ولكن لعلمهم الراسخ بالواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى، فكانوا لا يثبتون للمتشابه أي معنى يخالف التنزيه والتقديس، و [المذهب الثاني للسلف في المتشابهات هو حمل المتشابهات على أمهاتها من المحكمات]، وذلك بتأويل النصوص وفق ما تسمح به قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وهذا قد ورد عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي في الدليل الثاني،
[الدليل الثاني على جواز التأويل]:أن التأويل الصحيح قد ورد عن السلف الكرام وفق ضوابط حكيمة، وسارت به الركبان من علماء أهل السنة والجماعة بما لا مجال لدفعه البتة أبدا، وهو ثابت عن الحبر البحر ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه: كتأويله للساق في قول الله تعالى {يوم يُكشف عن ساق} بالكرب شديـد [الطبري]، وتأويله للكرسي في قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) بعلم الله([32])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأعين) في قوله تعالى (واصنع الفلك بأعيننا) قال رضي الله عنه: (بمرأى منا) ([33])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الأيد) في قوله تعالى (والسماء بنيناها بأييد) قال رضي الله عنه: (بقوّة وقدرة) ([34])، وتأويله رضي الله عنه للنور في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) بالهادي([35])، وتأويله رضي الله عنه للفظ (الساق) في قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق) بالكرب شديـد([36]) . فهذه هي تأويلات حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعـا له رسول الله ‘ بقوله: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلمه التأويل).
ومن تأويلات التابعين: تأويل مجاهد والسدي للفظ (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله) قال مجاهد: في أمر الله، وقال السدي: على ما تركت من أمر الله. ([37])، وتأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ (الساق) قال الضحاك: هو أمر شديد، وقال قتادة: أمر فظيع وشدّة الأمر، وقال سعيد: شدة الأمر. ([38])، وتأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ (الوجه)، في قوله تعالى (فأينما تولُّوا فثم وجه الله) بقبلة الله ([39])، وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى (كلُّ شيء هالك إلا وجهه): أي إلا هو([40])، وتأويل الحسن البصري (المجيء) في قوله تعالى: (وجاء ربك): بمجيء أمره وقضاؤه([41])، وتأويله (الجنب) في قوله تعالى (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: في طاعة الله. ([42])
ومن تأويلات تابعي التابعين: تأويل سفيان الثوري للاستواء في قوله تعالى (ثم استوي إلى السماء) بالقصد إليها ([43])، وتأويل الإمام مالك بن أنس للنزول في حديث النزول، بقوله: (ينزل أمره – تعالى – كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو) اهـ([44])
وقد تأول الإمام أحمد مجيء الله تعالى، في قوله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ([45])
ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قولـه تعالـى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أنه قال: المراد به قدرته وأمره. قال: وقد بيّنه في قوله تعالى (أو يأتى أمر ربك) ومثل هذا في القرآن (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. ([46]) وقد تأول الإمام البخاري (الوجه) في قوله تعالى (كلّ شـئ هالك إلا وجهه) (إلا ملكه) ([47])
وقد تأول الإمام الطبري: (العين) في قوله تعالى (ولتصنع على عيني) أي بمرأى مني ومحبة وإرادة ([48])، وتأول (الاستواء) بقوله (علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته….علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال) ([49]) .
[الدليل الثالث على جواز التأويل]: أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: إذ هناك آيات ظاهرها يدل على حدوث علم الله، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى وصفاته القديمة الكاملة، لأنّ علم الله تعالى قديم، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، لا يعزب عن علمه شيء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، وهناك آيات ظاهرها جواز النسيان على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يضل ولا ينسى، وهذه عقيده المسلمين جميعا من خالفها كفر والعياذ بالله، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى يشغله شيء عن شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر بالله تعالى لأنّ الله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، وسع علمه كل شيء ووسعت قدرته كل شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى تتفاوت قدرته، وأنّ هناك شيء أهون عليه من شيء، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى وسعت قدرته كل شيء لا يعجزه شيء، وليس هناك شيء أهون عليه من شيء، ولا شيء أثقل عليه من شيء، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى محيط بالعالم وأنّ احاطته بالعالم حسية، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ معناه أنّ الكون بما فيه داخل الرحمن، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ومن هذه الآيات، قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وهذه الأدلة ظاهرها يفيد إحاطة الله تعالى الذاتية بكل شيء، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، واعتقاد هذا الظاهر كفر، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة الإحاطة على إحاطة العلم والسمع والبصر والقدرة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، كما حملوا متشابه الآيات السابقة على المحكم من قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، إذ جعلت الآية الإحاطة هي إحاطة العلم، وسع ربي كل شيء علما، وهناك آيات ظاهرها أنّ الله تعالى معنا بذاته، واعتقاد هذا الظاهر كفر، لأنّ الله تعالى منزه عن الاتحاد أو الحلول بخلقه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر هذه الأدلة يدل على قرب الله تعالى بذاته من عباده، وهذا الظاهر محال على الله تعالى، وقد حمل العلماء المتخصصون في العقيدة القرب على قرب العلم والسمع والبصر والقدرة، وقرب الملائكة، وذلك للتنزيه وابعاد شبهة الحلول والاتحاد مع المخلوقات، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – أنّ الله تعالى يجلس على عرشه بذاته ويستقر عليه بذاته، وأنّ العرش مكان الرحمن، واعتقاد هذا الظاهر جهل وضلال وحشو وتجسيم، لأنّ العرش خلق من خلق الله، ولا يجوز في حق الله تعالى المماسة والاتصال مع شيء من خلقه، كما لا يجوز في حق الله تعالى الحيز والحد والمقدار، كما أنّ من لوازم هذا كون العرش أكبر من ذات الرحمن، وعقيدة كل المسلمين عدا المجسمة أنّ الله تعالى أكبر من كل شيء، وأنه الواحد القهار، وأنّه الكبير المتعال، وأنّه مستغن عن خلقه بما فيهم عرشه وغيره، وهو رب العالمين وهو رب العرش وغيره من خلق الله، وقد ورد الاستواء في سبعة مواضع من القرآن الكريم كلها تدل لمن تدبرها بقرآئنها بأن الاستواء المقصود هو استواء ملك وقهر وتسخير وهيمنة وربوبية للعالم، وبيان كمال قدرته التامة سبحانه في تدابير الملك والملكوت، فهذا هو التمدح المقصود بالاستواء، أما تفسير الاستواء بالجلوس والاستقرار فهذا ليس فيه من المدح شيء وليس فيه من الكمال شيء بل هو تكييف وتجسيم وحشو وضلالة، وآيات الكتاب الكريم جاءت لبيان كمال عظمة الخالق وجليل قدرته، والتمدح لا يكون بالكون في المكان ولا بالاستقرار ولكن ببيان صفات القدرة والعظمة وهذا هو مقصود آيات القرآن، وهناك آيات ظاهرها – لمن جهل قواعد التقديس – يوحي نسبتها إلى الله تعالى بالجوارح والأعضاء، كالوجه واليد والعين، وهي في اللغة أجزاء من ذوات، فالوجه جزء من ذات وكذا اليد والعين، والله تعالى أحد له الأحدية المطلقة التي تمنع من قبول جناب الذات للاجزاء والابعاض، ولذا فلابد رد تلك المتشابهات إلى محكماتها، ومثال ذلك (الوجه) فإنه إثبات لصفة خبرية (جاء بها الخبر) ولكن اثباتها على ظاهرها اللغوي قد يوحي بالجارحة والجزء من الله، وهذا محال لأنّ الله تعالى أحد لا جزء له، غني لا جارحة له، قهار لا حد له، متعال على النهاية فلا نهاية له، فينبغي أنّ نسلك في ذلك طرق الراسخين في العلم الذين علموا أنّ ظواهر تلك الآيات من الجارحة والجزء غير مرادة، ثم احترزوا من ظاهرها فسموها صفات أو حملوا الآيات على المعنى الذي سيقت الآيات من أجله، ومثال ذلك حمل الوجه على الذات في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} على الذات أو ما قصد به ذات الله تعالى من العمل الصالح، إذ لا يعقل لذي لُب أن الهلاك سيلحق بالذات ولا يبقى إلا الوجه سبحانك هذا كفر عظيم، إذن لابد من إعادة النظر في معنى الآية وأنها تدل على بقاء الله تعالى وأنه لا معنى للوجه في سياق الآيات سوى ما تواترت عليه أقوال العلماء وأنه الذات أو ما قصد به الذات من الأعمال الصالحة الخالصة، وقوله تعالى (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة /115]، فأينما تولوا فثم وجه الله تحتمل عدة معاني جاءت عن الصحابة والتابعين منها: (أ) فثم قبلة الله، (ب) فثم علم الله، (ت) فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله تعالى، فهذه المعاني هي التي جاءت عن الصحابة والتابعين وأما ما عدا ذلك فهو تكلف لا دليل عليه، وأما من أراد بهذه الآية إثبات وجه جارحة هو جزء من الذات فتعالى الله عما يصفون، لأن الله تعالى له الأحدية المطلقة فهو منزه عن الأبعاض والأجزاء والجوارح، فالمتشابه كاليد والوجه والعين ونحو ذلك فظاهره المستعمل في اللغة (الجارحة) مستحيل على الباري سبحانه ولا يعلم معناه على القطع إلا الله سبحانه وتعالى وأما العلماء الراسخون فقد اتفقوا على وجوب اعتقاد حقيقة وروده وعلى وجوب تنزيه الباري عن ظاهره المستحيل، أنّ التمسك بجميع ظواهر النصوص متعذر: ولذلك يضطر منكروا التأويل أنفسهم إلى التأويل، يؤولون عند التعارض، ولكن لا يسمونه تأويلا بل يسمونه تفسيرا، مع ذمهم للتأويل في كل حال لفظا، وهذا تلاعب لأن الحاصل هو التأويل، ومن ذلك اضطرار ابن تيمية لتأويل المعية في قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} بالعلم، بقوله: (حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم، عالم بكم)، وقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم) لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا)[التوبة: 40]) فقد تاوله بالنصر والتأييد، زاعما أن هذا هو التفسير، والنتيجة واحدة وهي التأويل، إنّ الدعوة إلى التمسك بظاهر النصوص متعذر، ولا يمكن الثبات على التمسك بجميع الظواهر، كما أننا مجبرون على التأويل في مواضع عديدة وإلا أصبحنا في تهافتٍ وتناقضٍ واضطرابٍ عجيب، وذلك كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]، وظاهر الآية هلاك الذات إلا الوجه، ولا مناص من تأويل الوجه بالذات لأنّه يستحيل أن يهلك الذات إلا الوجه، وقوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48]، والمعنى بمرأى منا ولا تغيب عنا وليس المراد أنك بداخل أعيننا، ولكن ظاهر الآية يدل على وجود النبي داخل العيون، وقوله تعالى: {فإني قريب} [البقرة: 186]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وظاهر الآيات يدل على قرب الله تعالى بذاته، والمراد قربه بالعلم والسمع والبصر والقدرة، وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4]، وقوله تعالى: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 4،]، وظاهر الآيات يدل على أن الله تعالى معنا بذاته، والمراد معيته بالعلم والسمع والبصر والقدرة، وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا أنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وقوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 2،]، وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، وظاهر الآيات يدل على أن الله تعالى محيط بذاته بكل شيء، والمراد احاطته بالعلم والسمع والبصر والقدرة،، وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، وظاهر الآيات يدل على أن الله تعالى على العرش بذاته، وليس تأويل آيات القرب والمعية والإحاطة بأولى من تأويل الاستواء، لا سيما وآيات القرب والمعية والإحاطة أكثر عددا، والمراد استواؤه بالقدرة والربوبية والهيمنة، إذ التمدح لا يكون بالجلوس، وإنما بالهيمنة والقدرة.
[الدليل الرابع على جواز التأويل]: ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: أنه تأويل ناشئ عن ضرورة: الأصل في مذهب (الأشاعرة والماتريدية) هو مذهب السلف الحقيقي الصحيح، والمتمثل في الإيمان بما ورد به الكتاب والسنة من المتشابه على مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، دون التعرض لتأويله مع اعتقاد التقديس وأن الله عز وجل لا يشبه شـيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وأن كل ما تمثل في الوهم فهو مُقدِّرُه قطعاً وخالقُهُ، ولكن قد يلجأ علماء الأصول إلى التأويل: لضرورة الرد على أهل البدع من المجسمة والمشبهة والحشوية الجاهلين بقواعد التقديس، أو عند انتشار التشبيه والتمثيل بين العامة الذين لا يفهمون البلاغة والمجاز في القرآن والسنّة، بل يحملون الألفاظ على معانيها الظاهرة، فآنذاك يكون التأويل مطلوباً لقطع دابر البدع والمحدثات، قال الحافظ بن حجر: ” أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوضون علمها – آيات الصفات – إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤولونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس، لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم) اهـ،،
[الدليل الخامس على جواز التأويل]: ما يدل على جواز التأويل المقبول الذي أجازه الأشاعرة والماتريدية: أنه ليس تأويل بالهوى، بل هو تأويل له ضوابط دقيقة تضبطه: المقصود بالتأويل عند الأشاعرة والماتريدية هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لاعتضاده بدليل يدل على أن مراد المتكلم بكلامه ذلك الاحتمال المرجوح، وشروط التأويل الصحيح التي يجب مراعاتها حتى يصح عندهم تتمثل في: (أ) أن يكون التأويل موافقاً لوضع اللغة العربية، (ب) وأن يستند التأويل إلى دليل صحيح يصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، مثال ذلك الأحدية في مقابل ذكر الوجه واليد والعين، (ت) وأن يكون اللفظ المراد تأويله قابلاً للتأويل وأن يحتمل اللفظ المعنى الذي أول إليه وإلاَّ كان التأويل فاسدًا، (ث) وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، وإلا فإن الأصل الأخذ بالظاهر، (ج) أن يستحيل حمل اللفظ على ظاهره، وإلا أدى إلى وقوع الخلل والخطأ، (ح) أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون متخصصاً صاحب دراية بالأصول والقواعد الأصولية والفقهية، وله ملكة فقهية تؤهله للنظر، و إلاَّ كان قائلاً على الله تعالى بلا علم، و الله عز و جل يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، فتلك ضوابط التأويل عندهم، فأين هذا التأويل من تأويل أهل البدع الذين تجري الأهواء في نفوسهم كمجرى الدم في العروق، كان هذا ما تيسر في بيان أنه لا مناص من التأويل الصحيح بضوابطه، وانه من الفقه في الدين، والرد على أهل التكييف والحشو الذين يقولون بان التأويل شر من التعطيل، وان المؤولة أشر من الجهمية المعطلة.
***
***
( [1] ) صحيح البخاري 6/33 ح 4547، صحيح مسلم 4/2053 ح 2665.
([3]) التفكير الفلسفي في الاسلام صـ 134 الى 144.
([10]) طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 40.
([11]) العقيدة التي حكاها أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد – ت السيروان (أبو الفضل التميمي) 1/127.
([19]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([21]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([22]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([24]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.
([25]) البداية والنهاية لابن كثير 14/386.
([30]) صحيح البخاري 2/53 ح 1145، صحيح مسلم 1/521.
([31]) مسند أحمد 5/65 ح 2879.المستدرك للحاكم 3/615 ح 6280. [الحديث أصله في الصحيحين، وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد وصححه العراقي]
([39]) تفسير الطبري 2/449: 450.
([41]) تفسير البغوي1/25و 5/252.
([42]) روح المعاني (تفسير الألوسي) 12/272.
([44]) التمهيد5/155، سير أعلام النبلاء 9/333، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص: 136، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص: 82.